الوسم: موريس تاوضروس
كتاب يسوع المسيح في الأناجيل الأربعة – د. موريس تاوضروس
كتاب يسوع المسيح في الأناجيل الأربعة – د. موريس تاوضروس
كتاب يسوع المسيح في الأناجيل الأربعة – د. موريس تاوضروس
تحميل الكتاب PDF
كتاب لاهوتيات في العهد الجديد – د. موريس تاوضروس
كتاب لاهوتيات في العهد الجديد – د. موريس تاوضروس
كتاب لاهوتيات في العهد الجديد – د. موريس تاوضروس
تحميل الكتاب PDF
كتاب مقدمة في سفر الرؤيا PDF – دكتور موريس تاوضروس
كتاب مقدمة في سفر الرؤيا PDF – دكتور موريس تاوضروس
كتاب مقدمة في سفر الرؤيا PDF – دكتور موريس تاوضروس
تحميل الكتاب PDF
كتاب مقدمة في رسالة القديس بطرس الرسول الأولى PDF – دكتور موريس تاوضروس
كتاب مقدمة في رسالة القديس بطرس الرسول الأولى PDF – دكتور موريس تاوضروس
كتاب مقدمة في رسالة القديس بطرس الرسول الأولى PDF – دكتور موريس تاوضروس
تحميل الكتاب PDF
كتاب ماذا قال المسيح عن شخصه؟ PDF – القس بيشوي حلمي
كتاب ماذا قال المسيح عن شخصه؟ PDF – القس بيشوي حلمي
كتاب ماذا قال المسيح عن شخصه؟ PDF – القس بيشوي حلمي
تحميل الكتاب PDF
كتاب الإفخارستيا عند البابا كيرلس السكندري – موريس تاوضروس PDF
الثالوث عند القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس – دكتور موريس تاوضروس
الثالوث عند القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس (1) – دكتور موريس تاوضروس
التعاليم عن الثالوث في القرون الأولى المسيحية – دكتور ميشيل بديع
عقيدة الثالوث القدوس – دكتور نصحى عبدالشهيد
الثالوث عند القديس أثناسيوس – دكتور: وهيب قزمان
عقيدة الثالوث القدوس والليتورجيا* (الإفخارستيا) – دكتور جوزيف موريس
الثالوث عند القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس – دكتور موريس تاوضروس
الثالوث القدوس في حياتنا – دياكون مجدي وهبه
أولاً: الواحد والثالوث
استعرض القديس غريغوريوس المذاهب الخاصة بالألوهية ليحدد وضع المفهوم المسيحي للألوهية بالنسبة للمفاهيم الأخرى التي سادت في عصره وقد حصر أشكال الألوهية في ثلاثة أنواع:
1 ـ الأنارخيا anarcia أيّ بلا سيد، وتشير إلى سنة حكم الطغاة الثلاثين في أثينا (404 ق.م.) حين لم يكن لهم سيد، وهذا يعنى الفوضى والخراب.
2 ـ بُولْياَرخيا poluarcia وتعنى عدة أسياد وهذا يعنى الخصام والفوضى والخراب.
3 ـ المونارخيا monarcia أيّ السيد الواحد. وهو هنا يشير إلى مفهوم الألوهية حسب الإيمان المسيحي، ولذلك يمضي في شرح المونارخيا المسيحية فيقول: “لا المونارخيا المحصورة في شخص واحد، إذ قد يكون هذا الشخص الواحد في نزاع مع نفسه فيصبح والحالة هذه متعددًا ـ بل المونرخيا القائمة على الكرامة المتساوية في الطبيعة والاتفاق في الإرادة والتطابق في الحركة، وعودة ما يصدر عنها إلى الوحدة، بحيث وإن كان هناك اختلاف في العدد لا يوجد أيّ تفسخ في الجوهر.
ولهذا فإذ كانت وحدة في الجوهر منذ البدء، تحركت نحو الاثنين ثم الثلاثة، وهذا هو ما لنا: الآب والابن والروح القدس. الأول يلد ويُحِدث، ولكن أقول إن ذلك في غير تأثر وتغير منه، وخارجًا عن الزمن والهيولي، أما الآخران فالواحد منهما مولود، والثاني مبثوق ” (خطاب2:29).
ويمضي القديس غريغوريوس ليبين الاختلاف بين مفهوم الولادة والانبثاق في المسيحية ومفهوم الفيض والعلة في الفلسفة اليونانية، فيقول:
[ولن يكون لنا من الجرأة ما يجعلنا نتحدث عن فيض الصلاح كما فعل أحد فلاسفة الإغريق (أي أفلوطين) الذي حملته الجرأة على القول ” كفوهة بركان فياضة “، قال ذلك بوضوح وصراحة أثناء كلامه على العلة الأولى والعلة الثانية. فلا نسلم بولادة قسرية وبنوع من الفيض الطبيعي الجارف الذي لا يليق بما نذهب إليه في شأن اللاهوت. ولهذا فإننا نقول بغير المولود، وبالمولود، وبالمنبثق من ألاب، على حد ما يقوله الله وكلمته في أحد المواضع (يو26:15)] (خطاب 2:29).
ثم يتحدث القديس غريغوريوس عن أزلية الثالوث فيثير هذا التساؤل: إذا سألنا متى وجد الآب؟ فتكون الإجابة: لم يوجد وقت خالي من وجوده. وإذا سألنا: متى وُلد الابن؟ الإجابة: عندما كان الآب غير مولود. ومتى انبثق الروح القدس؟ الإجابة: منذ كان الابن مولودًا بمعزل عن الزمن وبطريقة تفوق الوصف.
على أن القديس غريغوريوس يلاحظ أن استعمال الألفاظ: متى، منذ.. هو استعمال لألفاظ زمنية بينما نحن نعالج موضوعًا هو فوق الزمن. ولذلك ـ فيما يقول ـ علينا أن نعتمد لفظًا لا يدخل في نطاق الزمن، هذا اللفظ هو الأبدية. الأبدية ليست زمنًا لا نهائيًا. هذا تعريف خاطئ. طبيعة الأبدية غير طبيعة الزمن. فالأبدية لا تقبل التقسيم كما بالنسبة للزمن، ولا تقاس بالحركة ولا تخضع لدورة الشمس. لا يخضع للزمن من يصدر عنهم الزمن. (خطاب 3:29).
ثم يتحدث عن العلاقة في الثالوث فيقول:
نقول عن الآب إنه أزلي وإنه بغير مبدأ. فإذا كان الابن أزليًا، وكذلك إذا كان الروح القدس أزليًا أفليس من اللازم أن يكونا مع الآب بلا مبدأ؟
ويضع التساؤل في صياغة مشابهة فيقول:
نقول عن الآب أنه بلا مبدأ، فهل نقول عن الابن أيضًا أنه بلا مبدأ، وهكذا أيضًا نقول عن الروح القدس أنه بلا مبدأ؟
الإجابة: ما لا مبدأ له أزلي. ولكن ما هو أزلي ليس بالضرورة بلا مبدأ. فالابن أزلي فهو بلا مبدأ من حيث الزمن ولكن له مبدأ من حيث العلة، على أساس أن العلة ليس بالضرورة تسبق معلولها سبقًا زمنيًا. إن العلة والمعلول يوجدان معًا بلا سبق زمني، كما هو الحال بالنسبة للشمس والنور الصادر عنها، فالشمس لا تكون سابقة لنورها. (خطاب 3:29).
ثانيًا: الآب
+ إن لفظ ” الآب ” ليس اسم جوهر ولا اسم فعل. إن قلنا إنه اسم جوهر جعلنا الابن من جوهر آخر، وإن قلنا إنه اسم فعل اعترفنا اعترافًا واضحًا بأن الابن مخلوق لا مولود، إذ حيث يكون الفاعل يكون من وقع عليه الفعل. إن الآب ليس اسم جوهر ولا اسم فعل، إنه اسم علاقة، اسم يدل على ما هو الآب بالنظر إلى الابن أو ما هو الابن بالنظر إلى الآب (خطاب16:29).
+ لم يكن للآب بدء في كينونته ولا بدء في أبوته، فمن كان لكينونته بدء، كان لأبوته بدء أيضًا. فالكينونة بالنسبة للآب لا تسبق الأبوة، والأبوة بالنسبة للآب لا تعقب الكينونة. فالأبوة والكينونة يرتبطان معًا بالنسبة للآب ولا يسبقهما أيّ بدء.
الأبوة في الآب تختلف عن الأبوة في البشر. الآب أب بالمعنى الحقيقي، بينما الأبوة في عالم البشر ليست أبوة في مدلولها الحقيقي. في عالم البشر يكون الأب أبًا وفى نفس الوقت ابنًا، فلسنا آباء في مدلول الكلمة الخالص، ولسنا أبناء في مدلول الكلمة الخالص. أما بالنسبة لله فالآب آب، والابن ابن، أيّ أن الآب في الثالوث هو آب بالمعنى الحقيقي للكلمة لأنه لا يكون ابنًا، والابن هو ابن بالمعنى الحقيقي لأنه لا يكون آب أيضًا. فلفظ الآب والابن إذن ليس لهما مدلول حقيقي في عالم البشر.
وثمة خلاف آخر في عالم البشر: إننا من أبوين أثنين لا من واحد، ولهذا كان فينا انقسام.
وخلاف ثالث أيضًا: نحن لا نبلغ شأن الرجال إلاّ شيئًا فشيئًا، وقد يتعرض أحد للموت قبل أن يصير رجلاً.
وخلاف رابع: إننا ننفصل عن أهالينا وينفصل عنا أهالينا، بحيث لا يبقى سوى علاقات خالية من الحقيقة. (خطاب5:29).
ثالثًا: الابن
أولاً: من حيث الولادة
1 ـ ولادة الابن بغير تغير:
نحن نستغرب القول بإن الله يلد، لأننا نضع في ذهننا الولادة كما نراها في عالمنا الجسداني، وكأنك تقول إن الله لا يمكن أن يلد إلاّ بحسب صورة الولادة التي نراها في عالمنا المادي، مثل ولادة الطيور والحيوانات الأرضية والمائية. فنحن نذهب إلى تشبيه الولادة الإلهية التي لا يمكن وصفها بإحدى هذه الولادات.
وهذا يدعوك إلى أن تنكر أن الآب ولد ابنًا، أو تنكر بأن يكون الابن المولود هو الله، لأنه طالما أن مفهوم الولادة في ذهنك هو مفهوم مادي، فإنك لا تستطيع أن تتصور فرقًا بين من يولد بالجسد، وبين الولادة الإلهية، أو لا تستطيع أن تتمثل الولادة الإلهية إلاّ بولادة جسدية، بينما من كانت طبيعته غير طبيعتنا، كانت ولادته غير ولادتنا. (خطاب 4:29).
2 ـ هل وَلَدَ الآب الابن بإرادته أم بغير إرادته؟:
بالطبع إذا كانت الولادة بغير إرادة يكون الله مكرهًا عليها، ويكون التساؤل: من الذي أكرهه؟ وكيف يكون المكره إلهًا؟
إذا كانت الولادة بإرادة كان الابن ابن الإرادة، فكيف يكون ابن الآب بالطبيعة؟
التساؤل هنا يفرق بين المولود بالإرادة والمولود بالطبيعة. وبالطبع لو أن الابن ولد بالإرادة وليس بالطبيعة فيكون الابن مخلوقًا.
بلا شك أن الابن مولود بالطبيعة، ولكن هل من هو مولود بالطبيعة بالنسبة لله لا يكون بالإرادة.
هذه مغالطة من المعترض، فما يصدر لا يصدر عن الإرادة وحدها بل عن المريد. المراد ليس للإرادة بل للمريد. إن الله يلد الابن بالطبيعة ويريد هذه الولادة (خطاب6:29).
3 ـ هل يختلف المولود عن غير المولود؟:
هذا يمكن أن يكون بالنسبة للخالق والمخلوق ولكن ليس بالنسبة للآب والابن لأن طبيعتهما واحدة. من يلد ومن يولد هما واحد من حيث الطبيعة والجوهر. هذا الاختلاف يمكن أن يكون لو أن اللا مولودية هي جوهر الله، فيكون في الله خليط بين اللا مولود والمولود، وهو أمر يحملنا إلى أدخال الأضداد إلى جوهر الله.
رابعًا: الروح القدس (1)
يتكلم القديس غريغوريوس عن علاقة الروح القدس بالآب والابن ويقول: إن الروح القدس ليس ” غير مولود ” ولا ” مولود “، لأنه لو كان ” غير مولود ” يكون هناك مبدئان، وإذا كان مولودًا، فهذا يؤدى إلى انقسام أبعد، فهو يولد إما من الآب أو من الابن، وإذا ولد من الآب يكون له ابنان آخران، وأما إذا ولد من الابن يكون لنا عندئذ إله حفيد. إن الروح القدس الذي ينبثق من الآب ليس مخلوقًا، ومن حيث إنه ليس مولودًا فهو ليس ابنًا، وبقدر ما هو وسط بين اللا مولود والمولود فهو الله.
ويُطلق على ” غير المولود ” و ” المولود ” و ” المنبثق ” أسماء: الآب والابن والروح القدس، ويحتفظ بذلك بالتمييز بين الأقانيم الثلاثة ذات الطبيعة الواحدة وكرامة الألوهة الواحدة. فالابن ليس هو الآب لأن هناك أبًا واحدًا، ولكنه هو ما هو الآب. والروح القدس ليس هو الابن لمجرد أنه من الآب، ذلك لأن وحيد الجنس هو واحد، ولكنه (أي الروح) هو ما هو الابن. الثلاثة هم واحد في الألوهة، والواحد هو ثلاثة في الأقانيم.
وهكذا لا يكون لدينا الواحد الذي قال به سابيليوس، ولا يكون لدينا ثالوث حسب الانقسامات الشريرة المعاصرة. ويؤكد القديس غريغوريوس أن الروح القدس هو الله وهو من نفس الجوهر الذي للآب.
ويتقدم القديس غريغوريوس ليثبت أن الأقانيم الثلاثة هم إله واحد. ويتساءل: لماذا تدعوننا ثلاثيى الآلهة. نحن لنا إله واحد لأن الألوهية واحدة، واللذان يأتيان منه يشيران إلى الواحد، وإن كنا نؤمن بهم ثلاثة، وليس الواحد ” الله الأكثر ” والآخر ” الله الأقل “. ليس الواحد أقدم والآخر أحدث. ليس هناك انقسام في المشيئة ولا تجزئة في القدرة، ولا يوجد فيهم شيء مما نجده في الأشياء القابلة للقسمة.
ولكن الألوهية في تعبير موجز، غير منقسمة في أقانيم متميزة، كما على سبيل المثال ـ في شموس ثلاث، الواحدة في الأخرى، يكون لها مزيج واحد من النور. فعندها ننظر إلى الألوهة، إلى العلة الأولى والمونارخيا، فإن ما ندركه هو واحد، بينما عندما نتطلع إلى من فيهم الألوهية واللذين يأتيان من العلة الأولى، لا في زمن، ولهما نفس المجد، فإنهم يكونون ثلاثة، هؤلاء الذين نعبدهم. إن كل واحد من هؤلاء الثلاثة يوجد في وحدة مع الآخر ليست بأقل مما هي مع نفسه، وذلك بسبب ما لهم من نفس الجوهر ونفس القدرة. هذا هو علة وحدتهم.
إن العهد القديم كرز بالآب بوضوح وبالابن بغموض. والعهد الجديد أظهر الابن وأوحى بألوهية الروح القدس. والآن يسكن الروح فينا ويمدنا بشهادة أوضح عن نفسه. ولم يكن مأمونًا، أن يُعلن الابن بوضوح، حينا لم تكن ألوهية الآب قد عُرفت بعد. ولا قبل التسليم بألوهية الابن أن نُثّقل (إذا جاز التكلم بأكثر جرأة) بإعلان الروح القدس، وإلاّ كان للبشر كمن يتثقلون بطعام أكثر مما يحتملون، أو كمن يوجهون أنظارهم، وهي أضعف من أن تحتمل، إلى نور الشمس، ويخاطرون بفقدان حتى ما كان في حدود طاقتهم.
ولكن بإضافات تدريجية، وكما يقول داود ن بالترقي إلى أعلى وبالتقدم من مجد إلى مجد، فإن نور الثالوث يتلألأ على من هم أكثر استنارة.
ولأجل هذا السبب، كما أظن، جاء الروح بالتدريج ليسكن في التلاميذ آخذًا في الاعتبار قدرة الذين يتقبلونه، أيّ في بداية الإنجيل عندما عمل المعجزات، وبعد الآلام بالنفخ في وجوههم، وبعد الصعود بالظهور في ألسنة من نار. ولقد كشف يسوع عن الروح شيئًا فشيئًا، كما سوف تدرك أنت بنفسك إذا كنت تقرأ بأكثر انتباه ما يقوله ” وأنا أطلب من الآب، فيعطيكم معزيًا آخر روح الحق” (يو16:14،17) حتى لا يعتقد أحد أنه مضاد لله، أو كما لو أنه يتكلم بسلطان قوة أخرى.
وهو بعد ذلك يربط كلمة ” سيرسله ” بعبارة “بإسمي” (يو26:14) أيّ أنه ترك لفظة ” أطلب ” واحتفظ بـ ” سيرسله ” (يو6:16)، ويتبع ذلك قوله ” أرسله ” (يو7:16)، حتى يظهر بهذا كرامته الخاصة. ثم يقول متى جاء (يو8:16) ليشير إلى سلطان الروح.
إنه ينبغي علينا فيما يقول القديس غريغوريوس أن نكرم الله الآب ن والله الابن، والله الروح القدس، ثلاثة أقانيم، لاهوت واحد لا ينقسم في المجد والكرامة والجوهر والملك.
وفى خطابه الواحد والأربعين في يوم الخمسين، يتحدث القديس غريغوريوس عن الروح القدس من حيث إنه هو الله الخالق، ويؤكد أن الثالوث إله واحد. وهو يشير إلى هؤلاء الذين يضعون الروح بين المخلوقات، ويصفهم بأنهم مجدفون وعبيد أردياء، بل أردء الأردياء. إن الروح القدس ـ كما يقول ـ موجود دائمًا وهو يوجد الآن وسوف يوجد على الدوام، ليس له بداية ولن تكون له نهاية.
وهو دائمًا يُحسب ويرتب مساويًا للآب والابن، لأنه لم يكن من المناسب أبدًا أن يوجد الابن بدون الآب أو الروح بدون الابن، لذلك فهو دائمًا يُشترك فيه ولا يأخذ من يُشتَرك أحد، كامل لا يحتاج أن يتكامل. هو ملء لا يحتاج لأن يمتلئ، هو يقدس ولا يتقدس، إله ولا يكتسب الألوهية.
هو دائمًا نفس الشيء لنفسه ولمن يرتب معهما (الآب والابن)، غير مرئي، أبدى، لا يحده مكان، ولا يتغير، لا كيف له ولا كم، بلا هيئة، غير محسوس، ذاتي الحركة ومتحرك دائمًا، ذو إرادة حرة، له قوة في ذاته (على الرغم من أن كل ما هو للروح ـ كذلك كل ما هو للابن ـ يُنسب إلى العلة الأولى)، وهو الحياة والمحيي، النور وواهب النور، صالح بذاته ومصدر الصلاح، روح الاستقامة وروح السيادة، الرب المُرسِلَ، المُفْرِز، بانى الهيكل لنفسه، المرشد، الفاعل حسب ما يشاء، الموزع المواهب، روح البنوة والحق والحكمة والفهم والمعرفة والتقوى والمشورة والقوة والخوف (وهى الصفات التي يُنعت بها)، به يُعرف الآب ويمجد الابن، وبهما فقط هو يُعرف.
كيان واحد، عبادة واحدة، سجود واحد، قوة واحدة، كمال واحد، قداسة واحدة. إن كل ما للآب هو للابن ما عدا ” اللاولادة ” وكل ما للابن هو للروح القدس ما عدا ” الولادة “، وهذه لا تُقسم الجوهر بل هي تميزات (أقانيم) للجوهر الواحد.
(1) انظر في ذلك:
1ـ خطابه الواحد والثلاثون عن الروح القدس.
2ـ خطابه الواحد والأربعون في يوم الخمسين.
(1) المقالات اللاهوتية 27 ـ 31 باليونانية تسالونيكي 1976، وبالعربية منشورات المكتبة البوليسية 1993م.
- انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان
- مختصر تاريخ ظهور النور المقدس
- مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)
- القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس
الثالوث عند القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس (1) – دكتور موريس تاوضروس
الاستنارة الروحية د. موريس تاوضروس
الاستنارة الروحية – د. موريس تاوضروس
الاستنارة الروحية (2) – د. موريس تاوضروس
1- مفهوم كلمة ” الاستنارة الروحية”:
عملية الإنارة أو الإضاءة أو التنوير، تسمى باليونانية Φωτισμός وترتبط بالكلمة Φώτισμα التي تعنى أيضًا إنارة أو إضاءة وتستخدم عن المعمودية (انظر Patristic Greek Lexicon Lampe)
والآباء في حديثهم عن المعمودية يؤكدون أهمية المعمودية في الإنارة الروحية، فالقديس كلينضس الأسكندرى يقول: “إذ نعتمد نستنير”، والقديس باسيليوس الكبير يقول: “المعمودية ثوب منير”، والقديس مار إيوانيس الدارى السريانى يقول: “للمعمودية مفعولان رئيسيان هما: 1 ـ التطهير 2ـ الاستنارة”. ويشرح الاستنارة بأنها استنارة القلب بالنعمة الإلهية والفضائل السماوية التي بها يصبح المؤمن بارًا وابنًا لله ووارثًا للحياة الأبدية.
ويقول أيضًا إن ” هذا اللقب ـ أي الاستنارة ـ صار لقبًا مختصًا بسر المعمودية يميزها عن باقى الأسرار. وإن كانت الأسرار الأخرى هي أيضًا أنوار، غير أن سر المعمودية من حيث إنه يعطى النور الأول، احتفظ بهذا اللقب بذاته دون غيره”[1].
والقديس غريغوريوس النزينزي يقول عن المعمودية: [إنها ضياء النفوس ـ اشتراك في النور ـ كمال العقل][2].
والقديس مقاريوس المصرى يقول: [ في القديم كانت لهم معمودية لتطهير الجسد، أما عندنا نحن فتوجد معمودية الروح القدس والنار، وهكذا فإن المسيحيين يحصلون على مجد النور في داخل نفوسهم، أما الظلمة ـ إذ لا تحتمل لمعان النور تضمحل وتهرب] [3].
ويقول أيضًا: [ حينما تعدى الإنسان الوصية ألقى الشيطان على النفس حجابًا مظلمًا، ثم تأتى النعمة فتزيل الحجاب تمامًا، حتى أن النفس إذ تصير نقية، وتستعيد طبيعتها ألأصلية وتصير صافية بلا عيب، فإنها تنظر دائمًا بصفاء ـ بعينها النقية ـ مجد النور الحقيقى، وشمس البر الحقيقية ساطعة بأشعتها داخل القلب نفسه][4].
ولقد سبق للرسول بولس أن ربط بين فاعلية المعمودية والاستنارة الروحية للمؤمن فقال: ” لكى تذكروا الأيام السالفة التي فيها بعد أُنرتم، صبرتم على مجاهدة الآلام الكثيرة” (عب32:10).
والربط بين الاستنارة الروحية والمعمودية، يعنى أن الاستنارة الروحية هي المدخل الأول للحياة المسيحية أو هي العلامة الفاصلة بين المؤمن وغير المؤمن، وهي العودة بالإنسان إلى حالته الأولى قبل السقوط، وإلى عمل نعمة روح الله في بناء حياتنا الروحية. ولذلك فإنه يُلاحظ في طقس المعمودية، أن الاتجاه إلى الشرق يعنى طلب النور باعتبار أن النور ينتشر في الكون من الشرق، وكما قال الرسول بولس: ” الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح” (2كو6:4).
وتحدث ملاخى النبي عن المسيح باعتباره النور الذي أشرق علينا: ” ولكم أيها المتقون اسمى تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها” (ملا2:4)، وفي الإنجيل للقديس لوقا، يرتبط مجئ السيد المسيح وبالإضاءة والإنارة والاستنارة: ” ليضيئ على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، لكى يهدى أقدامنا في طريق السلام” (لو79:1)، وكما جاء أيضًا في الإنجيل للقديس متى مقتبسًا من نبوة إشعياء: ” الشعب الجالس في ظلمة أبصر نورًا عظيمًا، والجالسون في كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور” (مت16:4).
وللارتباط القوى بين الحياة والنور، أصبح الشرق رمزًا للحياة، كما يقول المرتم: ” عندك ينبوع الحياة، بنورك يارب نعاين النور” (مز9:36)، ويقول النبي حزقيال: ” وإذا بمجد إله إسرائيل جاء عن طريق الشرق” (حز2:43)، كما أصبح الاتجاه نحو الغرب يعنى الظلمة؛ والظلمة تعنى الخطية والشر. ومن الطريف الربط هنا بين الكلمة اليونانية κακία التي تعنى الشر، وبين الكلمة القبطية χακι (كاكى) ـ وهي قريبة من الكلمة اليونانية ـ وتعنى الظلمة[5].
والرسول يوحنا يسهب في الربط بين الظلمة وبين الشر، وعلى عكس ذلك يربط بين حياة النور وحياة الرب، فهو يقول: ” إن الله نور وليس فيه ظلمة البتة، إن قلنا إن لنا شركة معه، وسلكنا في الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق، ولكن إن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية” (1يو5:1ـ7). ويقول أيضًا: ” وصية جديدة أكتب لكم ما هو حق فيه وفيكم، أن الظلمة قد مضت والنور الحقيقى الآن يضيئ.
من قال إنه في النور وهو يبغض أخاه فهو إلى الآن في الظلمة. من يحب أخاه يثبت في النور وليس فيه عثرة، وأما من يبغض أخاه فهو في الظلمة، وفي الظلمة يسلك ولا يعلم أين يمضى لأن الظلمة أعمت عينيه” (1يو8:2ـ11).
2 ـ الحاجة إلى الاستنارة:
يقول القديس مقاريوس الكبير:
[وحينما صنع الله جسدنا هذا فإنه لم يمنحه أن تكون له حياة لا من طبيعة الله الخاصة ولا أن يحيا الجسد بذاته… ولا يمكن للجسد أن يعيش بدون الأشياء الخارجة عنه، أي بدون الطعام والشراب واللباس، فإن حاول أن يعتمد على طبيعته وحدها دون أن يأخذ شيئًا من الخارج فإنه يضمحل ويموت.
وهذا هو نفس الحال بالنسبة للنفس أيضًا فهى لا تملك النور الإلهى رغم أنها مخلوقة على صورة الله، وهكذا نظم الله أحوالها وقد سُر بأن لا تحصل على الحياة الأبدية من طبيعتها الخاصة، ولكن من لاهوته، أي من روحه، ومن نوره، تنال طعامًا وشرابًا روحانيًا، ولباسًا سماويًا وهذه هي حياة النفس، أي الحياة بالحقيقة] (المرجع السابق ص33).
وعن حالة آدم قبل أن يخطئ، قال القديس مقاريوس: [ كان كلمة الله معه وكان هو معلّمه وقد ألهمه أن يعطى أسماء لكل الأشياء. وكما كان يتعلم آدم من الكلمة هكذا سمى الأشياء جميعها].
ولما سُئل القديس مقاريوس: هل كل لآدم اختبار الروح وشركته، أجاب قائلاً: ” الكلمة نفسه بحضوره مع آدم، كان كل شئ بالنسبة له سواء كان معرفة أو اختبارًا أو ميراثًا أو تعليمًا أو إرشادًا، إذ ماذا يقول يوحنا عن الكلمة؟ ” في البدء كان الكلمة” فأنت ترى أن الكلمة هو كل شئ وكائن قبل كل شئ. فإن كان لآدم (قبل السقوط) مجد خارجى حاضر معه فلا نستغرب أو نعثر من ذلك عندما يقول الكتاب: إنهما عريانيين وهما لا يخجلان، فلما تعديا الوصية انفتحت أعينهما فخجلا واختبئا من الله (انظر تك25:2، 10،7:3).
لو كانت الطبيعة الإنسانية لها القدرة بدون سلاح الروح القدس الكامل أن ” تقف ضد مكايد إبليس” (أف11:6) لما كان الرسول قد قال بتأكيد ” إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا” (رو20:12).
أيضًا يقول: [ الويل على النفس التي لا يكون فيها المسيح الربان الحقيقى، فإنها توجد في بحر مرارة الظلمة المرعب وتلاطمها أمواج الشهوات وتصدمها وتضربها عواصف أرواح الشر وتنتهى بالهلاك] [6].
[توجد عيون داخلية أعمق من هذه العيون الطبيعية ويوجد سمع أعمق من هذا السمع. وكما أن هذه العيون الجسدية تنظر وجه الصديق أو المحبوب وتتعرف عليه فإن عيون النفس المستحقة المؤمنة بسبب نوالها الاستنارة الروحية بنور الله، فإنها تنظر الصديق الحقيقى الذي هو العريس المحبوب جدًا والحلو جدًا أي الرب، وتتعرف عليه، إذ تكون النفس مملوءة ومشمولة بإشراق الروح الممجد][7].
لإن [النفس إن لم تولد الآن في ” أرض الأحياء” (مز13:27) وتستمد غذاءً روحيًا منها وتنمو نموًا روحيًا أمام الرب وتكتسى من اللاهوت بحلل الجمال السماوى التي تفوق الوصف، فإنها بدون ذلك القوت لا يمكنها أن تعيش من نفسها في فرح وراحة. إن الطبيعة الإلهية فيها خبز الحياة الذي قال ” أنا هو خبز الحياة ” (يو35:6)، “والماء الحى” (يو10:4)..” وزيت الابتهاج” (مز7:45)، وجميع أصناف طعام الروح السماوى ولباس النور، تلك التي تأتى من الله.
وفى هذه الأشياء تكون حياة النفس الأبدية. ويل للجسد حينما يعتمد على طبيعته الخاصة لأنه حينئذ يضمحل ويموت، وأيضًا ويل للنفس إن استندت على طبيعتها الخاصة ولم تضع ثقتها في شئ سوى أعمالها الخاصة، ولم تنل شركة روح الله، فإنها تموت إذ أنها لم تحصل على حياة اللاهوت الأبدية الممنوحة لها] [8].
[ إن كل نفس لا تُصلّح وتُملّح بالروح القدس ولا تشترك في الملح السماوى الذي هو قوة الله فإنها تفسد وتمتلئ برائحة الأفكار الرديئة الكريهة حتى أن وجه الله يتحول عن الرائحة المرعبة النتنة، رائحة أفكار الظلمة الباطلة وعن الشهوات التي تسكن في مثل هذه النفس. والدود الشرير المرعب، الذي هو أرواح الشر وقوات الظلمة، تتمشى وتتجول فيها، وتسكن هناك، وتختبئ وتدب فيها وتأكلها وتأتى بها إلى التحلل والفساد. كما يقول المزمور ” قد أنتنت وقاحت جراحاتى ” (مز5:38)] [9].
3 ـ الاستنارة غير الوحى:
الاستنارة ليست وحيًا، والوحى ليس درجة عالية من الاستنارة، لأن المستنير ليس معصومًا من الخطأ، بينما أن الوحى يعصم الكاتب من الوقوع في الخطأ. والاستنارة ليست على مستوى واحد عند جميع الناس، بينما لا يختلف الوحى في درجته بين شخص وآخر، أو بالنسبة للكاتب الواحد بين عبارة وعبارة.
4 ـ الاستنارة تشمل الإنسان كله:
الاستنارة تشمل الإنسان كله، شخصه وما يصدر عنه من قول وفعل. فلا يمكن أن يكون هناك إنسان مستنير ويصدر عنه عمل أو قول غير مستنير، ولذلك ـ في سفر الأمثال ـ سُمى السلوك بالنور ” أما سبيل الصديقين فكنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل” (أم 18:4). كما عندما نتكلم عن شخص، فإن هذا الإيمان يشمل الشخص نفسه وأقواله وأفعاله وكل ما يصدر عنه.
المؤمن ليس هو الذي يؤمن فقط أن المسيح إله أو يؤمن بالثالوث القدوس، لكن الإيمان يظهر في قوله وفي عمله وفي تصرفاته، ويظهر الإيمان في ظروف حياته المختلفة.. في فرحه يفرح فرح الإيمان، وفي حزنه يحزن حزن الإيمان، وفي رجائه يرجو رجاء الإيمان، وفي ضيقه يصبر صبر الإيمان، وفي علمه يُعلِّم تعليم الإيمان، وكما يقول الكتاب: ” فليضيئ نوركم قدام الناس لكى يروا أعمالكم الصالحة، ويمجدوا أباكم الذي في السموات” (مت6:5). فالأعمال هنا هي نور مضئ. كل شئ يصدر عن المؤمن يكون كالنور المضيئ ” إن كان جسدك كله نيرًا ليس فيه جزء مظلم، يكون نيرًا كله، كما حينما يضيئ لك السراج بلمعانه” (لو37:11).
5 ـ الاستنارة ترتبط بإنارة الآخرين:
الاستنارة تحمل بطبيعتها الإشعاع على الآخرين، تمامًا كما لا يمكن أن يُوجد نور بدون إشعاع. ولذلك قيل عن السيد المسيح إنه “نور الناس”، ” والنور يضيئ في الظلمة“، وقيل ” كان النور الحقيقى الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم” (يو4:1و5و9). وقال المسيح عن نفسه: ” أنا هو نور العالم” (يو12:8). وعندما تحدث بولس الرسول عن رسالته قال: ” هكذا أوصانا الرب. قد أقمتك نورًا للأمم لتكون أنت خلاصًا إلى أقصى الأرض” (أع47:13). الشخص المستنير يعمل على إنارة الآخرين، كما قيل في نبوة إشعياء عن المسيح: ” وأجعلك نورًا للأمم لتفتح عيون العمى، لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة” (إش7:42).
6 ـ الاستنارة هي من طبيعة واحدة ولكنها ليست على درجة واحدة:
أ ـ فهى من حيث إنها من طبيعة واحدة، يقول القديس مقاريوس الكبير:
[ كما أن الأنوار والمصابيح الكثيرة تشتعل من نار واحدة، وهذه الأنوار والمصابيح المشتعلة هي من طبيعة واحدة، كذلك المسيحيون يشتعلون ويضيئون من طبيعة واحدة، هي النار الإلهية أي ابن الله، ولهم مصابيحهم مشتعلة في قلوبهم وتضيئ قدامه].
ب ـ ومن حيث اختلاف الدرجة: يقول القديس يوحنا السُّلمى:
[ التمييز عند المبتدئين هو معرفة ذواتهم معرفة حقيقية، أما عند المتوسطين فهو حس داخلى يميز السجية الصالحة حقًا عن السجية الطبيعية وعن السجية الرديئة، وأما عند الكاملين فهو معرفة ناتجة عن استنارة إلهية تستطيع أن تضيئ بمصابيحها ما هو مُظلم عند الآخرين. ولعل تحديد التمييز بصورة عامة هو أنه معرفة ثابتة لمشيئة الله في كل ظرف وفي كل آن ومكان، تتوفر فقط لأنقياء القلوب والأجساد والأفواه][10].
ولقد سبق وتناول بولس الرسول الحديث عن الاختلاف في درجة الاستنارة في رسالته إلى العبرانيين فقال: ” لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين لسبب طول الزمان، تحتاجون أن يعلمكم أحد ما هي أركان بداءة أقوال الله وصرتم محتاجين إلى اللبن لا إلى طعام قوي. لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر لأنه طفل. وأما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب 12:5ـ14).
ويلاحظ في عبارات بولس الرسول ما يلى:
1 ـ عندما يقول ” ما هي أركان بداءة أقوال الله“، فإنه يستعمل في اللغة اليونانية لكلمة “أقوال” صيغة التصغير فتعنى الكلمة ” أقوالاً مختصرة”.
2 ـ باعتبار أنهم في حالة الطفولة في الحياة الروحية، فلا يناسبهم أن يقدم لهم تعاليم متقدمة يصعب عليهم فهمها إذ ليس لهم خبرة روحية ولا يستطيعون أن يتعرفوا على التعاليم التي تكون على درجة عالية من التقدم والتى تقود إلى حياة التبرير وإلى الحياة الفاضلة المسيحية.
وحالة الطفولة في الإيمان تكلم عنها بولس الرسول في مواضع أخرى من رسائله فقال في أفسس ” كى لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال” (أف14:4)، وقال في رسالته الأولى إلى كورنثوس: ” لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت كل ما للطفل” (1كو11:13). وقال أيضًا: ” أيها الاخوة لا تكونوا أولادًا في أذهانكم بل كونوا أولادًا في الشر، وأما في الأذهان فكونوا كاملين” (1كو20:14).
3 ـ إن التعاليم الروحية العميقة هي من أجل المسيحيين الناضجين الذين بواسطة المران والاعتياد صارت لهم الحواس الروحية مُدربة على أن تميز بسهولة ويُسر بين الخير والشر وبين الحقيقة والباطل. ومعنى هذا أنه كما أن لدينا حواس جسدانية فلنا أيضًا حواس روحية. لنا أعين روحية ـ ولنا إذن روحية ـ ولنا تذوق روحى. هذه الحواس الروحية يتعطل عملها بالخطية، غير أنها تكتسب صحتها وقوتها بواسطة عمل نعمة الروح القدس.
4 ـ كلمة ” البالغين ” أي الكاملين، غالبًا يستعملها الرسول بولس في المقارنة مع الأطفال غير الناضجين.
5 ـ الحواس = ملكات الإدراك العقلية.
6 ـ مدربة أي مروضة كما قيل ” روض نفسك للتقوى” (1تى7:4).
7 ـ التمييز بين الخير والشر: كما قيل في رسالة فيلبى ” حتى تميزوا الأمور المتخالفة” (فى10:1)، ” وأريد أن تكونوا حكماء للخير وبسطاء للشر” (رو19:16)، ” زبدًا وعسلاً يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير” (إش15:7).
الإستنارة الروحية تساعد المرء على تقبل الحقائق الإلهية:
في الرسالة الأولى إلى كورنثوس يقول الرسول ” لأن مَن من الناس يعرف أمور الإنسان إلاّ روح الإنسان الذي فيه. هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها إلاّ روح الله” (1كو11:2). إن الأمور المختصة بالله لا يستطيع أحد أن يعرفها إلاّ روح الله. وهذا أمر ندركه من خبرتنا الشخصية، لأن مَن من الناس يستطيع أن يعرف الأمور الخاصة بالإنسان إلاّ نفس الإنسان ذاته التي هي في داخله، وفي هذا المعنى يقول سليمان الحكيم ” كما في الماء الوجه للوجه، كذلك قلب الإنسان للإنسان”.
إن أمور الله يمكن أن تعرف فقط بالعنصر الأسمى في الشخصية الإنسانية أي عن طريق الروح الذي هو العنصر الأساسى في الإتصال بالله. ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله. نحن أخذنا نعمة الروح القدس الذي هو روح الله ويفحص حتى أعماق الله، فهو يعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله. ويقول الرسول بولس ” ولكن الإنسان الطبيعى لا يقبل ما لروح الله لأن عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحيًا” (1كو14:2).
ويقصد بالإنسان الطبيعى أي الذي لم يولد من جديد بنعمة الروح القدس، ولم يتجدد قلبيًا وذهنيًا، فهو لم يقبل هذه التعاليم التي يعلم بها روح الله، بل تبدو أمامه كما لو كانت غير منطقية وليس لديه القدرة على إدراكها، لأن مثل هذه التعاليم لا يمكن فهمها وفحصها والحكم فيها إلاّ روحيًا أي بواسطة الإستنارة التي يعطيها الروح القدس والتي ليست موجودة عند ذلك الإنسان الطبيعى.
إن الرسول بولس هنا يتكلم عن النفس كأداة للمعرفة البشرية في مقابل الروح كأداة للمعرفة الروحية. وعلى ذلك فالإنسان الذي تعتمد معرفته الروحية على إمكاناته الطبيعية فقط، هو إنسان طبيعى في مقابل الإنسان الروحى الذي تبلغ إليه المعرفة الإلهية.
ومن الملاحظ هنا أن الرسول بولس يقول عن الإنسان الطبيعى ” لا يقبل ما لروح الله“. فالرسول لا يعنى فقط أنه لا يفهم ما لروح الله، بل أكثر من ذلك أنه لا يسمح لهذه الحقائق الإلهية أن تلج إلى قلبه فهو يرفضها ولا يقبلها على عكس الذين يقبلون كلمة الله ويفتحون لها قلوبهم.
ويقول عنه أيضًا “عنده جهالة” وليس فقط “يبدو جاهلاً”. كذلك يقول عنه “لا يقدر أن يعرفه” أي أنه يوجد في الإنسان الطبيعى عجز أو نقص وإفتقاد للأداة التي يمكن أن يدرك بها الأمور الروحية، وهو في حاجة لأن يُزود بهذه الإمكانيات الخاصة بإدراك الحقائق الروحية وهذا لا يتم ولا يتحقق إلاّ بعمل الروح القدس. هكذا فإن الروح القدس يزود الإنسان الطبيعى بالإمكانيات التي بها يستطيع أن يدرك الأمور الروحية والتي بدونها يكون عديم القدرة وعاجزًا عن هذا الإدراك.
ويقول الرسول بولس أيضًا ” وأما الروحى فيحكم في كل شئ وهو لا يحكم فيه من أحد“(1كو15:2). أي أن الإنسان المتجدد بالروح القدس يستطيع أن يميز ويدرك كل شئ، ويستطيع أن يفهم الآخرين وأن يحكم على الأعمال التي تصدر عنهم. فالإنسان الروحى تكون له القدرة وروح التمييز على الحكم، بينما الإنسان الطبيعى لا يدرك ما للإنسان الروحى المتجدد بفاعلية الروح القدس، أي لا يدرك حقيقة الإنسان الروحى.
ويشير القديس يوحنا الرسول في رسالته الأولى، إلى المعرفة التي يهبها الروح القدس، فيقول ” وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شئ” (1يو20:2)، ويقول أيضًا ” وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد، بل كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شئ، وهي حق وليست كذبًا. كما علمتكم تثبتون فيه” (1يو27:2).
الإستنارة الروحية تحقق الفهم السليم لقضايا الإيمان:
هذه النقطة تحتاج إلى فهم بعض الآيات التي أوردها الرسول بولس في رسالته الثانية إلى كورنثوس وفي رستاله إلى أفسس. هذه الآيات هى: (2كو6:4، أف17:1، 18، 19): في (2كو6:4) يقول الرسول: ” لأن الله الذي قال أن يشرق نورًا من ظلمة، هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح” واضح هنا أنه شبه إشراق نور الله في قلوبنا، مثل إشراق نور الشمس على العالم، وأن هذا الإشراق سيعطينا “معرفة مجد الله”، وأن هذه المعرفة إكتسبناها في وجه يسوع المسيح أو بواسطة يسوع المسيح، وواضح أيضًا في هذه الآية أن الله هو مصدر نور المعرفة.
وربما يشير الرسول هنا من ناحية إلى تجربته الشخصية، ومن ناحية أخرى يمكن أن تكون الإشارة إلى جميع المؤمنين الذين يأتى بهم الله إلى النور.
أما عبارة “لإنارة معرفة مجد الله”، فهى تعنى الإنارة أو الإستنارة التي تنتج معرفة مجد الله، والتي عبر عنها الرسول في تجربته الشخصية عندما ذكر أن الرب يسوع قال له ” لأنى لهذا ظهرت لك… لتفتح عيونهم كى يرجعوا من ظلمات إلى النور ومن سلطان الشيطان إلى الله، حتى ينالوا بالإيمان بى غفران الخطايا ونصيبًا مع القديسين”. وفي قول الرسول بولس “في وجه يسوع المسيح”، يوضح أن يسوع المسيح هو صورة الله وفي شخصه ينكشف مجد الله بالقدر الذي يستطيع البشر أن يدركوه.
وعبارة “وجه يسوع” تقابل ما قيل في العهد القديم عن ظهور مجد الله في وجه موسى، فضلاً عن أنه لا تغيب عن بولس الرسول صورة مجد الله التي ظهرت له في وجه المسيح وهو في طريقه إلى دمشق.
ومن الملاحظ أنه في العدد الرابع من هذا الاصحاح، يشير الرسول بولس إلى أن إبليس ” قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضئ لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله” (2كو4:4) فإبليس يحجب عن المؤمنين نور المعرفة فلا يدركون نور الإنجيل أو نور الكرازة التي تبشر بمجد المسيح، وبذلك لا يدركون أن المسيح هو صورة الله غير المنظور، كما قال لفيلبس ” مَن رآنى فقد رأى الآب. أنا في الآب والآب فىّ “.
في (أف17:1) ” كى يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته” هذه الآية توضح أمرًا هامًا أيضًا فيما يختص بمعرفة الله. إن الرسول يطلب أن نوهب هذه الحكمة والإعلان لمعرفة الله، ومعنى ذلك أننا نحتاج إلى أن يهبنا الله روح الحكمة والإعلان لكى نتفهم ونتعرف على الأمور السماوية. إننا بعقولنا وحدها لا نستطيع أن نتعرف على عمق الحقائق السماوية. فالأمر يستلزم أن نستنير بمواهب الروح القدس.
روح الحكمة:
سميت الحكمة بروح الحكمة باعتبارها ثمرة عمل الروح القدس.
الإعلان: تشير الكلمة إلى الأسرار التي تعلن للمؤمن.
في معرفته:
أى معرفة الله المعرفة الدقيقة والكاملة.
في (أف18:1) يقول ” مستنيرة عيون أذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوته وما هو غنى مجد ميراثه في القديسين“. ونلاحظ في هذه الآية:
1ـ طلب من الله لكى ينير عيون الأذهان، أي لكى ينير البصيرة الداخلية. وكلمة الذهن هنا ترجمة للكلمة اليونانية Kardia التي تعنى القلب. وقد كان القلب يستعمل قديمًا لا كقاعدة للعواطف فقط بل وأيضًا للأفكار، واستعمله الرسول بولس أيضًا بهذا المعنى في قوله “واظلم قلبهم (أى فكرهم) الغبى” (رو21:1).
2ـ الهدف من الإستنارة هنا ” لكى نعلم ما هو رجاء دعوته وما هو غنى مجد ميراثه في القديسين” أي لكى نعرف غنى وعظمة المجد الذي وضعه الله كميراث يهبه للمؤمنين بالمسيح.
3ـ بالطبع إن كلمة ميراث في هذه الآية تشير إلى الملكوت السماوى، ومن ناحية أخرى فإن غنى المجد لا يتحقق إلاّ في مجتمع المؤمنين أي القديسين.
4ـ هناك ملاحظة هامة بالنسبة للفعل اليونانى المترجم لتعلموا (eidenai)، فهناك فعل آخر يستعمل أيضًا بمعنى يعرف أو يعلم وهو ginwskw. والفرق بينهما هو أن الفعل المستعمل في هذه الآية (eidenai) يفترض كمال المعرفة بينما الفعل ginwskw يفترض على الدوام البداية والشروع أو التقدم في المعرفة. فمثلاً جاء في يو55:8 قول السيد المسيح لليهود عن الآب السماوى ” ولستم تعرفونه” وهنا استعمل الفعل ginwskw بمعنى أنكم في بداية معرفته، ولكنه يكمل الآية قائلاً ” وأما أنا فأعرفه” وهنا يستعمل الفعل (eidenai) ويعنى أنه يعرفه معرفة تامة كاملة.
في (أف19:1) يواصل الرسول بولس الإشارة إلى موضوع المعرفة الذي ينكشف عن طريق الإستنارة الروحية فيقول: ” وما هي عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته” والرسول يشير إلى ثلاثة أمور كموضوعات لهذا العلم، وإن كانت هذه الثلاثة في الواقع هي شئ واحد، ذُكر بأسلوب مختلف. هذه الثلاثة هى:
- ما هو رجاء دعوته.
- ما هو غنى مجد ميراثه في القديسين.
- ما هي عظمة قدرته الفائقة.
وارتباط هذه الثلاثة معًا واضح من أن رجاء الدعوة هو ميراث القديسين (انظر عب15:9)، وهذا عندما يتحقق يكون نتيجة وبرهانًا على عظمة قدرة الله الفائقة، التي تعمل فىَّ حسب ما أعطانى.
الإستنارة الروحية وحياة الكمال:
يشير الرسو ل يوحنا في رسالته الأولى إلى حالتين متناقضتين، فبينما يقول في (1يو8:1) ” إن قلنا إنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا.. إن قلنا إننا لم نخطئ نجعله كاذبًا وكلمته ليست فينا“، يقول في (1يو9:3) ” كل مَن هو مولود من الله لا يفعل خطية لأن زرعه يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله” ولكن في حقيقة الأمر ليس هناك تناقض بين هذه الآيات، فعدم الخطأ يرتبط بحالة المحافظة على مكاسب الميلاد الثانى.
إن الوضع الطبيعى للمولود ثانية أنه لا يخطئ ولكن لا يستطيع أحد أن يتجاهل ضعف الإنسان وضعف الطبيعة البشرية، وسوء استعمال الحرية الإنسانية، الأمر الذي يجعلنا على الدوام معرضين للوقوع في الخطأ، مما لا يسمح لنا بالنظر إلى أنفسنا كأنه ليس لنا خطية. وفضلاً عن ذلك، فإننا نضع أمامنا قول السيد المسيح ” هل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أمر به. لا أظن. كذلك أنتم أيضًا متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا” (لو9:17، 10).
يقول القديس مقاريوس حول إمكانية المسيحى للوصول إلى حالة الكمال:
مَن هو الإنسان الذي وصل إلى الدرجة الكاملة في أزمنة النعمة الخاصة،وقد تذوق ذلك العالم العلوى واختبره اختبارًا مباشرًا؟ إنى لم أبصر حتى الآن إنسانًا مسيحيًا كاملاً إنسانًا يحيا في حرية كاملة تمامًا. طبعًا يوجد هنا وهناك مسيحيون يقيمون براحة في النعمة ويدخلون إلى إدراك الأسرار والإعلانات وإلى الحلاوة العظمى التي للنعمة. ومع ذلك لاتزال الخطية حاضرة فيهم.
ولكنهم بسبب النعمة المتزايدة والنور الذي فيهم يعتبرون أنفسهم أحرارًا وكاملين. إنهم يكونون مخدوعين بسبب قلة الخبرة. إنهم بلا شك تحت فاعلية النعمة لكنى لم أر واحدًا قط حرًا تمامًا. وأنا نفسى وصلت جزئيًا إلى هذه الدرجة في بعض الأحيان، وقد تعلمت وعرفت أن ما وصلت إليه ليس هو حالة الكمال (العظات ص88، 89).
وقال أيضًا: لقد وجدنا أمثلة كثيرة بين الاخوة الذين حصلوا على فرح عظيم ونعمة هذه مقدارها، حتى أنهم لمدة خمس أو ست سنوات متتابعة جفت فيهم الشهوة، ولكنهم بعد ذلك حينما ظنوا أنهم صاروا أحرارًا تمامًا منها، فإن الشر الذي كان مختفيًا تحرك عليهم ثانية واشتتعلت فيهم الشهوة حتى أنهم تعجبوا وقالوا ” من أين جاء علينا وقام ضدنا هذا الشر بعد كل هذا الوقت الطويل؟ فلا يجرؤ إنسان ذو عقل سليم أن يقول: حيث إن النعمة حاضرة فىّ فأنا حر من الخطية على الاطلاق (ص179).
ويثير القديس ايوانيس الدارى السريانى هذا التساؤل: إذا كانت المعمودية تطهر الإنسان من الخطايا كافة فلماذا إذًا لا ينجو المؤمن من عذابات هذه الحياة ويرتفع بقوة نعمة العماد المقدس إلى درجات الكمال التي كان فيها آدم أبو الجنس البشرى قبل سقوطه في الخطية؟ ويجيب: إن هذا عائد إلى سببين:
أولاً: إذا كان ربنا يسوع المسيح القدوس الذي لم توجد فيه خطية، قد تعرض للتجارب العديدة في حياته على الأرض ولم يدخل إلى مجد الحياة الخالدة إلاّ بعد تحمله الآلام المريرة والموت القاسى وقام من بين الأموات منتصرًا، فهل يعد من الغرابة إذًا أن يتعرض المؤمنون وهم لابسون جسد الخطية الفاسد حتى بعد إكتسابهم نعمة التبرير الإلهى بالمعمودية للتجارب وأن يحتملوا آلام الجسد وحتى أن يذوقوا الموت من أجل المسيح لكى يستحقوا أن يقوموا معه في اليوم الأخير ويتنعموا في الحياة الأبدية.
ثانيًا: إن ضعف الجسد والأمراض والآلام والشهوة وغيرها تلبث في المؤمن بعد المعمودية لتكون واسطة لترويضه على الفضيلة التي منها تجنى ثمار المجد. فعندما يتحمل المؤمن عذابات هذه الحياة بصبر جميل واتكال على مؤازرة المعونة الإلهية، وبرجاء راسخ صادق، يحفظ إكليل البر الذي يهبه له الرب الديان العادل في ذلك اليوم لأنه جاهد جهادًا حسنًا وأكمل السعى وحفظ الإيمان كقول الرسول.
وهذا يشبه ما فعله الله مع بنى إسرائيل عندما أنقذهم من عبودية المصريين واجتاز بهم البحر الأحمر لم يدخلهم إلى أرض الميعاد مباشرةً بل جربهم في برية سيناء مدة أربعين سنة بأمور شتى لإمتحانهم، واختبار طاعتهم له، وصدق عبادتهم إياه، ومن فاز منهم فقط، استحق أن يرث الأرض.
وإذا كانت الإستنارة الروحية ـ فيما عرفها القديس ايوانيس الدارى ـ هي إستنارة القلب بالنعمة الإلهية والفضائل السماوية التي بواسطتها يصبح المؤمن بارًا وابنًا لله (يو12:1) ووارثًا للحياة الأبدية (رو17:8)، فهنا أيضًا نواجه السؤال التالى: كيف يمكن للذين نالوا المواهب الروحية وحصلوا على العطايا السماوية واستنيروا بواسطة المعمودية أن يتهاونوا في ممارسة أعمال الصلاح والتحلى بالفضائل المسيحية؟
ويجيب القديس ايوانيس ويقول: إن المعتمد وإن كان حائزًا على هذه المواهب الروحية إلاّ أنه لايزال في صراع شديد مع عدو الجنس البشرى (أف12:6) فلا يليق إذًا أن يتخاذل في هذا الجهاد بل أن يتكل على رحمة الله ويرجو رجاء مباركًا لممارسة أعمال الصلاح باستمرار وأن يضع على الدوام نصب عينيه ما هو طاهر وجليل.
ويقول القديس مكاريوس المصرى: فرغم أن الشر موجود في الطبيعة البشرية (بعد نوال النعمة) ولكن لم يعد له السلطان أن يسود عليها كما كان سابقًا. فرغم أن الزوان يمكن أن يخنق نبات القمح في بداية نموه ولكن حينما يأتى الصيف وتنضج حبوب القمح فإن الزوان لا يكون له أي ضرر على القمح بعد ذلك. فإذا وضعت ربع مكيال من الزوان في ثلاثين مكيال من القمح النقى واختلطت معها فأى تأثير يكون للزوان. فإن كمية القمح الكبيرة تغطى على الزوان القليل بسبب وفرتها.
هكذا أيضًا في مجال النعمة، فحينما تتفاضل عطية الله وتفيض نعمته في الإنسان فيصير غنيًا بالرب، فحتى إذا كانت الخطية حاضرة فيه إلى درجة ما، فإنها لا تستطيع أن تؤذيه ولا يكون لها سلطان أو قوة عليه. وهذا هو الهدف من مجئ الرب وعنايته بالإنسان هو أن يطلق الذين كانوا أسرى للخطية ومستعبدين لها، ويجعلهم أحرارًا وغالبين للموت والخطية. لذلك فلا ينبغى أن يستغرب الاخوة إذا أصابتهم ضيقات وشدائد من الناس فهذا يساعد على تخليصهم وتحريرهم من الخطية (عظات القديس مقاريوس الكبير ص239).
التعرض لفقد الإستنارة الروحية:
يقول الرسول بولس ” لأن الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتى وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويُشّهرونه لأن أرضًا قد شربت المطر الآتى عليها مرارًا كثيرة وأنتجت عشبًا صالحًا للذين فلحت من أجلهم تنال بركة من الله ولكن إن أخرجت شوكًا وحسكًا فهى مرفوضة وقريبة من اللعنة التي نهايتها الحريق” (عب4:6ـ8).
وتفسير هذه الآية هو على النحو التالى:
+ استنيروا مرة:
كانت الإستنارة التي حصلوا عليها مرة بالمعمودية كافية لأن تمنعهم من الوقوع في الخطأ. فالإستنارة هنا تشير إلى ما حصل عليه المؤمنون من الله بواسطة يسوع المسيح، الذي هو النور الحقيقي، وبواسطة الروح القدس. وكلمة “ينير” في الترجمة السبعينية عادة تعنى: يُعلَّم ويُعقَّل، كما جاء في(مز130:119) ” فتحُ كلامك ينير يُعقّل الجهال” وهذا ما لاحظناه سابقًا في الآيات التي أشرنا إليها عن الإستنارة مثل قول الرسول بولس ” مستنيرة عيون أذهانكم” (أف19:3).
فكلمة استنيروا إذًا في هذه الآية تشير إلى هؤلاء الذين تركوا الحياة المظلمة التي كانوا يعيشون فيها قبلاً أي قبل الإيمان، وأما الآن فقد استناروا بتعاليم الإنجيل.
+ ذاقوا:
في معنى كلمة “ذاقوا” يمكن أن نقرأ (عب9:2) ” كى يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد” والمعنى هنا أنه شارك شعوريًا واختباريًا وفعليًا لشئ ما. فلسنا هنا إزاء مجرد المعرفة الذهنية أو الإدراك الذهنى بل أكثر من ذلك: تذوق واختبار. قارن هذا مع ما يقوله الرسول بطرس ” إن كنتم قد ذقتم أن الرب صالح” (1بط3:2). ومعنى هذا التذوق فيما يقول الرسول يوحنا عن أكل جسد المسيح وشرب دمه ” لأن جسدى مأكل حق ودمى مشرب حق” (يو56:6). فتذوق الرب هو أكل جسده وشرب دمه. يقول القديس مكاريوس وهو يتحدث عن أهمية الاختبار وبرهان الروح:
إن مجرد الحديث عن الأطعمة والمائدة شئ، وأما أن تأكل وتتمتع بالطعام لتقوية أعضاء جسدك فهذا شئ آخر تمامًا. والحديث عن مشروب لذيذ بالكلمات شئ، وأما الإقتراب من الينبوع نفسه والشرب منه حتى الإرتواء فهذا شئ آخر.
وأن تتحدث عن الحرب وعن الأبطال والمحاربين الشجعان هذا شئ ولكن ذهاب الإنسان إلى المعركة في الطليعة ومحاربة الأعداء وجهًا لوجه ومناورتهم والأخذ والعطاء معهم والإنتصار عليهم فهذا شئ آخر تمامًا. وبالمثل في الأمور الروحية: الكلام والحديث بالمعرفة والأفكار العقلية هذا شئ، وأما الجوهر والحقيقة في ملء الاختبار وفي الإنسان الداخلى وامتلاك كنز ونعمة ومذاقة وفاعلية الروح القدس في القلب فهذا شئ آخر (نفس المرجع ص250).
+ الموهبة السماوية وشركة الروح القدس:
يشير هنا إلى عطية الروح القدس، وكلمة سماوية تشير إلى مصدر العطية باعتبارها من السماء والروح القدس هو الذي يمتلك هذه العطايا ويهبها للمؤمنين وبذلك نشترك في مواهبه (ومن الأمثلة على هذه المواهب والعطايا السماوية انظر يو10:4، 32:6، 1بط3:2، أف8:2، غلا5:3، عب4:2).
+ وذاقوا كلمة الله الصالحة: أي اختبروا لأى حد تحمل كلمة الله المذكورة في الإنجيل من لذة وفرح وسلام نفسى.
+ وقوات الدهر الآتى:
كذلك اختبروا من الآن، منذ عهد المسيا، القوات الآتية، أي تحت تأثير النعمة الإلهية وعمل الروح القدس شعروا بشوق كبير للسماء ولخيراتها، بينما شعروا بخوف من نار العذاب الأبدى.
+ وسقطوا.. للحريق:
هؤلاء الذين حصلوا على النعم والبركات، لكنهم سقطوا بإرادتهم وفي عناد وإصرار لا يمكن أن يتجددوا للتوبة. وعدم الإمكانية ترجع إلى أن هؤلاء بسبب عدم ثباتهم وبسبب إرتدادهم عن الإيمان، رفضوا السيد المسيح ورفضوا وسائل النعمة ووسائط الخلاص ولم يعد المسيح مطلبًا بالنسبة لنفوسهم، بل صار كميت بعيدًا عنهم وعن قلوبهم. وأكثر من ذلك يسيئون إلى المسيح ويتكلمون عنه بما لا يليق. فهم إذًا كما لو كانوا يكررون للمرة الثانية عملية صلب المسيح.
وبنفس العناد والإصرار على الخطأ الذي تمثل في هؤلاء الذين قدموا المسيح للصلب، هكذا أيضًا هؤلاء يصرون على خطيئتهم ويثبتون في عنادهم، ويرفضون في حرية واختيار وإرادة وعزيمة يرفضون المسيح. ومعنى هذا كله أن عدم التجديد للتوبة لا يرجع إلى الله كما لو أن مراحم الله قد أُغلقت عنهم، لأن الله لا يترك الشرير بل يقدم له الفرصة تلو الفرصة داعيًا إياه للتوبة. إن عدم التجديد يرجع إذًا إلى رفض هؤلاء قبول الوسائط التي تجدد الحياة الروحية.
ويمكن أن تشبه حالتهم بحالة الإنسان الذي لا ينفع معه دواء لأنه انتهى إلى حالة لا يتفاعل فيها جسمه مع الدواء. فعدم شفاء هذا الإنسان لا يرد إلى التقصير في تقديم وسائل العلاج. وهو أيضًا مثل الشجرة التي حكم السيد المسيح عليها بالقطع بعد أن تركها ثلاث سنوات. والحكم على قطع الشجرة لا يرجع إلى تقصير البستانى بل يرد إلى الشجرة التي لا ينتظر أن تنتج ثمرًا.
فلا نحاول إذًا أن نرفض مواهب الروح القدس وعطاياه، وإلاّ فسوف يحدث معنا ما يحدث مع الأرض. أي أن الأرض التي شربت المطر الذي يسقط عليها على الدوام، وكان نتيجة ذلك أنها أنتجت ثمرًا عظيمًا للذين يفلحونها. أما عندما تخرج الأرض شوكًا وحسكًا وتصبح عديمة الفائدة للذين يفلحونها، فستكون نهايتها إحراق ذلك الشوك والحسك الذي نبت فيها.
وعلى هذا النحو، فإن نفوس البشر تشبه الحقول المفلحة من قبل الله والتي تقبل سقوط المطر عليها، أي عطايا ومواهب الروح القدس. وكما تثمر الأرض الصالحة العشب الصالح، هكذا فإن النفوس الصالحة بواسطة الروح القدس تثمر ما يقابل العشب الصالح أي الفضائل الروحية.
ولكن هذه النفوس إذا رفضت مواهب الروح القدس وعطاياه، فهى معرضة لأن تنبت فيها الرذائل، وتبعًا لذلك تكون نهاية هذا الإنسان الشرير، الهلاك والدمار، لأنه رفض بإصرار وعناد وسائط النعمة. يقول الرسول بولس ” فإنه إن أخطأنا باختيارنا بعدما أخذنا معرفة الحق، لا تبقى بعد ذبيحة عن الخطايا، بل قبول دينونة مخيف وغيرة نار عتيدة أن تأكل المضادين” (عب26:10).
ويقول الرسول يوحنا ” إن رأى أحد أخاه يخطئ خطية ليست للموت يطلب فيعطيه حياة للذين يخطئون ليس للموت. توجد خطية للموت، ليس لأجل هذه أقول أن يطلب” (1يو16:5، 17).
وعن التعرض لفقدان الإستنارة الروحية، جاء في كتاب الراعى لهرماس: إذا كان قلبك نقيًا فالروح الذي فيك يبتهج ويتهلل لأنه يعمل في سعة بيتك الذي تحكمه البساطة بصفاء، أما إذا دخله الغضب، فإن الروح القدس الحساس بطبيعته ينزعج لأن المكان الذي يعيش فيه غير نقى، ويعمل للخروج منه. لا يوافق أن يكون الروحان معًا. إذا ألقيت قليلاً من العلقم في قصعة من العسل، ألا تُفسد بعملك هذا طعم العسل وتجعله غير صالح فيخسره صاحبه ولا يستفيد منه. إذا لم تلق العلقم في القصعة، يبقى العسل على حلاوته ويبقى له طعمه ويسر صاحبه[11].
ويُسمى كتاب الراعى لهرماس الرذائل بالأرواح الشريرة ويقول “عندما تأتى هذه الأرواح لتقطن في آنية واحدة حيث يقطن الروح القدس، تطفح الآنية لأنها لا تتسع لكل هذه الأرواح وهكذا يهرب الروح القدس بطبيعته اللطيفة لأنه لا يستطيع أن يسكن مع هذه الأرواح الشريرة، ويذهب ليقطن حيث الوداعة والهدوء. بعد ترك الروح القدس للإنسان واستيطان هذه الأرواح فيه يفقد الإنسان إتزانه فتتقاذفه هذه الأرواح من مكان إلى مكان فيسقط في عناده كلية بعد فقده للنور الحقيقي (المرجع السابق ص200).
وقد وجه السؤال التالى للقديس مكاريوس المصرى:
كيف يسقط البعض بعد افتقاد النعمة، أفلا يصير الشيطان أضعف بواسطة النعمة؟ وحيث يكون النهار كيف يمكن أن يكون هناك ليل؟ فأجاب:
ليس أن النعمة تنطفئ أو تضعف، بل إن إرادتك وحريتك تُمتحن لكى يتضح إلى أي اتجاه تميل وحينئذٍ تقترب أنت ثانية من الرب باختيارك وتتوسل إليه أن تأتيك النعمة وتفتقدك. فإنه مكتوب ” لا تطفئوا الروح” (1تس19:5). فالروح نفسه لا يمكن أن ينطفئ بل هو نور دائم. ولكن إذا كنت أنت مهملاً، فبعدم توافقك وتعاونك مع الروح فإنك تنطفئ وتفقد الروح. وبالمثل يقول الكتاب أيضًا ” لا تحزنوا الروح القدس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف30:4). وأنت ترى هنا أنه متروك لإختيارك وحريتك أن تكرم الروح القدس ولا تحزنه.
وإنى أؤكد لك أن حرية الإختيار تظل باقية حتى في المسيحيين الكاملين الذين يُسبون بالصالحات ويسكرون بها. وصدقنى إن الرسل أنفسهم الذين كانوا كاملين في النعمة، لم تكن النعمة تمنعهم من أن يفعلوا ما يريدون، إن رغبوا أحيانًا أن يفعلوا شيئًا غير موافق للنعمة. إن طبيعتنا البشرية معرضة لكل من الخير والشر. والقوة المعادية تعمل عن طريق الحث والإغراء وليس عن طريق الإجبار. وأنت تملك الحرية أن تميل إلى الإتجاه الذي تريده.
ألم تقرأ ما هو مكتوب أن بطرس ” كان ملومًا” (غل11:2)، وأن بولس قاومه مواجهة. فرغم كل ما كان عليه بطرس من نعمة، فإنه استوجب التوبيخ. وبولس مع كل الروحانية التي كان عليها، فإنه تشاجر مع برنابا حتى فارق أحدهما الآخر (أع39:15). وبولس نفسه أيضًا يقول ” اصلحوا أنتم الروحانيون مثل هذا.. ناظرًا إلى نفسك لئلا تجرب أنت أيضًا” (غل1:6). إذًا فالروحانيون يجربون لأن حرية إرادتهم باقية والأعداء يحاربونهم ماداموا في هذا العالم (ص248، 249).
[1] الأسرار السبعة: تأليف المطران (حاليًا البطريرك زكا عيواص الأول)، والأب الربان (حايًا المطران) اسحق ساكا ـ بغداد 1970 ص 32ـ35.
[2] Greg. Naz. 36, 361.
[3] عظات القديس مقاريوس الكبير ـ طبعة ثانية ـ ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، 1991 ص345.
[4] المرجع السابق ص 178.
[5] الأنبا متاؤس: أسرار الكنيسة السبعة ـ الجزء الأول ـ 1991، ص 24ـ25.
[6] المرجع السابق: ص259.
[7] المرجع السابق، ص260.
[8] المرجع السابق، ص 33و34.
[9] المرجع السابق، ص28.
[10] يوحنا السُّلمى: السُّلم إلى الله ـ تعريب رهبنة دير مار جرجس الحرف ـ منشورات النور ـ لبنان 1980 ص 143.
[11] الآباء الرسوليون ـ تعريب المطران إلياس معوض ـ منشورات النور 1970، ص199
الاستنارة الروحية – د. موريس تاوضروس (2)
أثناسيوس الرسولى والكتاب المقدس – د. موريس تاوضروس
أثناسيوس الرسولى والكتاب المقدس – د. موريس تاوضروس
أثناسيوس الرسولى والكتاب المقدس – د. موريس تاوضروس
لم تكن الأعمال التفسيرية للقديس أثناسيوس قليلة كما يبدو، لكنه لم يتبق منها غير القليل، بينما الكثير منها غير معروف ، ولا حتى بحسب عناوينها [1]. ولكن مع ذلك فإن هذا القليل يُبرز اهتمام القديس أثناسيوس بالكتاب المقدس ، كما يتضح من النقاط التالية :
أولاً : الكتاب المقدس مُوحى به من الله
يؤكد القديس أثناسيوس فى كتاباته أن ” كل الكتاب المقدس ـ سواء العهد القديم أو العهد الجديد ـ هو كتاب مُوحى به من الله ونافع للتعليم، كما ذكر الرسول بولس فى رسالته الأولى إلى تيموثيؤس (16:3)، كذلك الرسول بطرس فى رسالته الثانية (21:1). ومن المعروف أنه ” فى أوائل القرن الرابع الميلادى قام خلاف بسبب أسفار الإنجيل ، فوضع البابا أثناسيوس جدولاً بالأسفار الصحيحة الموجودة بيننا الآن، وسارت كنائس الشرق والغرب على ترتيبه، وسقطت الأسفار المزورة ” [2].
ثانيًا : قانونية الكتاب المقدس
تشمل الكتب المقدسة القانونية عند القديس أثناسيوس الرسولى الكتب التالية :
أ ـ جميع كتب العهد الجديد (أى السبعة والعشرون كتابًا) مع اختلاف بسيط فى موضع الرسالة إلى العبرانيين ، لأنها تأتى فى قانون القديس أثناسيوس بين الرسالة الثانية إلى تسالونيكى والرسالة الأولى إلى تيموثيئوس. وهذا الترتيب يوافق الترتيب القديم للعهد الجديد.
ب ـ اثنان وعشرون كتابًا للعهد القديم . وهذا العدد يتفق مع الحساب اليهودى الأسكندرى ، وليس وفقًا للنص اليهودى القديم الذى يحوى أربعة وعشرين كتابًا ، يذكر فيها سفرى راعوث ومراثى إرميا منفصلين ، بينما القديس أثناسيوس يضم سفر راعوث إلى سفر القضاة ، وسفر المراثى إلى سفر إرميا . ومن الملاحظ أن قانون القديس أثناسيوس يحوى من الكتب القانونية الثانية الكتابات التالية :
تكملة دانيال ثم سفر باروخ ورسالة إرميا المنضمان إلى سفر إرميا .
تعتبر هذه الكتب الثلاثة فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ، ضمن الكتب القانونية الثانية .
ثالثًا : كتب القديس أثناسيوس التفسيرية [3]
من بين الأعمال التفسيرية للقديس أثناسيوس، حُفظت فقط الكتابات التالية، كاملة حتى اليوم :
أ ـ رسالة إلى ماركلينوس (Markell…noj) فى تفسير المزامير. على أن شخصية ماركلينوس مازالت شخصية مجهولة لنا. ومن المحتمل أن يكون كاتبًا ناسكًا ، وكان مهتمًا بدرجة كبيرة بدراسة الكتاب المقدس، وعلى الأخص سفر المزامير. ويتكلم القديس أثناسيوس على لسان شيخ محب للألم . ثم يوجه رسالته إلى ماركلينوس كابن له.
وهو يريد بهذا الأسلوب أن يوضح أن مكانة المزامير تتبين بالاستناد إلى التفسير التقليدى للكنيسة ، ويؤكد القديس أثناسيوس بأنه على الرغم من أن كل الكتاب المقدس هو مُوحى به ونافع ، إلاّ أن كتاب المزامير يتميز بأنه يتضمن كل ما جاء فى الكتابات المقدسة الأخرى ” فأى سفر من تلك الأسفار يشبه بستانًا يثمر ثمرته الخاصة ، أما المزامير فبجانب ثمرتها الخاصة ، تفيض بثمار الأسفار الأخرى ” [4].
ويعطى القديس أثناسيوس فى تفسيره للمزامير أهمية كبرى للأحوال النفسية للقارئ أو المرتل، فهو يرى أن المزامير تتضمن الإشارة إلى جميع الحالات، فتحوى إرشادات تناسب جميع أحوال المرتل فى حياته .
فمعايشة المزامير تعكس كل الحالات وتحوى إرشادات مناسبة للاستفادة . وينظم القديس أثناسيوس المزامير فى مجموعات على أسس تعليمية . كما أنه يرى أن استمرارية التمتع بعذوبة المزامير يبرر الحاجة إلى أن يعطى المصلون وقتًا كافيًا لدراسة المزامير .
ب ـ ويذكر ايرونيموس[5](Hieronimus) عملاً آخر لأثناسيوس وهو “عناوين المزامير” (per… t…tlwn tîn yalmîn). وتحت هذا الاسم ينسب انطونيللى (Antonelli) كتابًا لأثناسيوس[6]. ولكن فى حقيقة الأمر، فإن هذا الكتاب لا يشرح عناوين المزامير، ولكنه يُفسر باختصار الآيات آية بعد آية . وأكثر من هذا، حسب الرأى السائد، فإن هذا العمل يخص إيسخيوس الأورشليمى [7].
على أن فقرات كثيرة من التفسير الأصلى للقديس أثناسيوس لازالت توجد فى سلاسل، من أهمها سلسلة نيكيتا السيراوى (NikÁta Serrîn) الصادرة بعنوان ” شرح المزامير” .
وقد أضاف على هذه السلاسل الدكتور ر.دفريس(R.Devreesse) شذرات باللغة اليونانية الحديثة. وكذلك أضاف ج. داود(J. David) شذرات باللغة القبطية، ولكنها كشذرات لا تكوّن تفسيرًا كاملاً متصلاً، يعطى صورة واضحة عن الأسلوب الذى كان القديس أثناسيوس يستخرج به المعنى الروحى لنص المزامير .
ج ـ رأى فى المزامير ‘UpÒqesij :
وهو يسبق فى الترتيب الشذرات المُشار إليها سابقًا . وهو عبارة عن مقدمة مختصرة حول عدد المزامير والفارق بين العدد المسيحى والعدد العبرى .
د ـ تفسير لسفر الجامعة ‘Ermhne…a e„j t¾n ‘Ekklhsiastik»n .
هـ ـ تفسير لنشيد الأناشيد ‘Ermhne…a e„j tÕ ”Asma ‘Asm£twn .
وقد ذكرهما فوتيوس وأثنى على أسلوبهما . على أن هذا العمل قد فقد فيما عدا شذرات قليلة محفوظة فى سلاسل . ويظهر أن فوتيوس يعتبر التفسير واحد للكتابين ، لأنهما وردا فى مخطوط واحد [8].
ويذكر مخطوط Barber (ص 569) أن لأثناسيوس أعمال تفسيرية أخرى هى :
و ـ شذرات فى سفر التكوين ‘Aposp£smata e„j t¾n Gšneshn وقد ذُكرت شذرة من هذه الشذرات فى سلسلة نيكوفوروس .
ز ـ شذرة فى سفر الخروج œn ¢posp£smata e„j t¾n œxodon وقد ورد ذكرها فى سلسلة نيكوفوروس أيضًا .
ح ـ شذرات من تفسيره لسفر أيوب ‘Aposp£smata ™rmhne…aj e„j tÒn ‘Ièb وهى محفوظة فى سلاسل . ويبدو على الأرجح أنها من عظات للقديس أثناسيوس أكثر من أن تكون مأخوذة عن مذكرة لتفسير السفر . وليس لنا دليل من المصادر القديمة ما يُثبت أن القديس أثناسيوس وضع مذكرات كاملة عن أى كتاب من كتب العهد الجديد . ولنا فى كتب العهد الجديد أجزاء تفسيرية لمواضع فى إنجيلى لوقا ومتى ورسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس.
وهذه الأجزاء من متى وكورنثوس الأولى، من المحتمل أنها جاءت من عظات ، بينما الأجزاء التى من لوقا قد جاءت من مذكرة له . وبالرغم من هذا ، فإن لدينا مثالاً لتفسيره لآية لوقا (50:8) فى عظته عن آلام السيد والصليب .
رابعًا : التقليد (التسليم) والكتاب المقدس كمصدر للتعليم المسيحى عند القديس أثناسيوس
“كان تقليد الكنيسة مرشدًا له فى دراسته للكتب المقدسة، إذ كان يبحث باجتهاد فى كتابات المعلمين القدامى ، كما شهد بنفسه وهو يعلن أنه قد تعلم عن لاهوت المسيح من المعلمين القديسين المُوحى لهم ومن الشهداء. وكان يعتبر أن المعنى السليم للآية هو المعنى الكنسى”[9].
وفى رسالة القديس أثناسيوس إلى أدلفيوس المعترف أسقف أونوفيس، يقول: “إن كانوا (أى الآريوسيون) يريدون أن يتشبثوا بتجديفاتهم فليشبعوا بها وحدهم .. لأن إيمان الكنيسة الجامعة يقر بأن كلمة الله هو خالق كل الأشياء ومبدعها ” [10].
وفى رسالته إلى أبكتيتوس ، كتب القديس أثناسيوس ما يلى : ” كنت أظن أن كل كلام بطّال لجميع الهراطقة مهما كان عددهم قد توقف ، منذ المجمع الذى انعقد فى نيقية ، لأن الإيمان المُعترف به فى هذا المجمع من الآباء ، بحسب الكتب الإلهية ، كافٍ لطرد كل كفر خارج ولتوطيد إيمان التقوى فى المسيح” ؛ “لأن من سمع بهذه الأمور قط .. من أين خرجت هذه الأمور ..
أو من سمع فى الكنيسة أو بين المسيحيين على العموم بأن الرب لبس جسدًا خياليًا وليس طبيعيًا “؛ ” لأن ما قالوه (أى الهراطقة) لا يمكن أن يُقال أو يسمع من مسيحيين، بل هى أقوال غريبة عن التعليم الرسولى من كل ناحية “؛ “يكفى أن هذا تعليم الكنيسة الجامعة”، ” وهم يقولون إن الله قد صار فى جسدٍ بشرى.
أما الآباء الذين اجتمعوا فى نيقية فقد قالوا أيضًا إن الابن نفسه ـ وليس الجسد ـ هو من نفس جوهر الآب، وأنه بينما هو (الابن) من جوهر الآب، فإنهم اعترفوا أيضًا بحسب الكتب بأن الجسد هو من مريم”؛ ” إن الكلمة هو من نفس جوهر الآب بحسب اعتراف الآباء ” [11].
وفى رسالته الأولى إلى سرابيون ، يقول القديس أثناسيوس :
[ولكن بالإضافة إلى ذلك، دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذى هو من البداية، والذى أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء. وعلى هذا (الأساس) تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيًا ولا ينبغى أن يدعى كذلك فيما بعد] [12].
كان اهتمام القديس أثناسيوس الأساسى هو الاحتكام إلى فكر الكنيسة، إلى “الإيمان” الذى أُعلن مرة وحُفظ بصدق . لقد استشهد الآريوسيون بمقاطع كثيرة من الكتاب ليقيموا الدليل على ما ناضلوا من أجله، وهو أن المخلص مخلوق. فى جواب القديس أثناسيوس كان الاحتكام إلى ” قانون الإيمان ” واضحًا فى قوله ” لنصلح ، نحن الذين اقتنينا غاية الإيمان ، المعنى الصحيح لما فسروه بشكل خاطئ “[13]. وأكد القديس أثناسيوس أن الاستشهاد بفصول ومقاطع معزولة من الكتاب المقدس ، بعيدًا عن قصد الكتاب الإجمالى أمر مضلل.
فغاية “الإيمان” أو “غاية” الكتاب هى الفحوى العقيدى الموجود بكثافة فى ” قانون الإيمان ” كما حفظته الكنيسة . إن القديس أثناسيوس عدّ ” قانون الإيمان ” المبدأ الأسمى للتفسير ، وعارض أفكار الهراطقة عن طريق الفكر الكنسى ، إذ يقول : “اعتقد إذن أن هذا هو قصد النص الكتابى ، وهو قصد كنسى تمامًا” [14].
على أن هذا القانون لم يكن أبدًا سلطة ” غريبة ” تُفرض على الكتاب المقدس ، فهو ” البشارة الرسولية ” نفسها المدونة باختصار فى أسفار العهد الجديد . وأشار القديس أثناسيوس إلى أن الكتاب المقدس نفسه هو “تقليد”، ولم يذكر أبدًا لفظة التقليد بصيغة الجمع فى نقاشه مع الآريوسيين [15].
خامسًا : الحاجة إلى الذهن النقى ومماثلة سير القديسين فى دراسة الكتاب المقدس
فى كتابه ” تجسد الكلمة ” الفصل السادس والخمسون، يقول القديس أثناسيوس “لتقف على نص الكتب المقدسة ، بالتعمق بفكرك فيها وبإخلاص . فإنك تتعلم منها بأكثر استيفاء ووضوح ، التفاصيل الكاملة لما قلناه ” . على أن قراءة الكتب المقدسة وفهمها يتطلب الحياة الفاضلة من القارئ. وفى هذا يقول القديس أثناسيوس هذه العبارات: “إن تفتيش الكتب، ومعرفتها المعرفة الحقيقية، يتطلبان حياة فاضلة، ونفسًا طاهرة، والفضيلة التى بالمسيح.
حتى إذا ما استرشد بها العقل ، وأنار بها طريقه ، استطاع أن يصل إلى ما يصبو إليه ، ويدركه حسبما تستطيع الطبيعة البشرية أن تتعلمه عن كلمة الله. لأنه بدون الذهن النقى ومماثلة سير القديسين، لا يستطيع الإنسان أن يدرك أقوال القديسين . إذ كما أنه إن أراد أحد أن يبصر نور الشمس ، فإن عليه أن يمسح عينيه ويجليهما مطهرًا نفسه على مثال ما يبتغيه، حتى إذا ما استنارت العين استطاعت أن تبصر نور الشمس.
أو كما أنه إن أراد أحد أن يرى مدينة أو قرية ، وجب عليه أن يأتى إليها لكى يراها، هكذا أيضًا يجب على من يريد أن يدرك فكر الذين يتكلمون عن الله، أن يبدا بغسل وتطهير نفسه، بتغيير مجرى حياته، ويقترب إلى القديسين أنفسهم بالاقتداء بأعمالهم ، حتى إذا ما اشترك معهم فى السلوك فى الحياة المشتركة، استطاع أن يفهم هو أيضًا ما أعلنه الله لهم” [16].
سادسًا : منهجه فى تفسيره للكتاب المقدس مع أمثلة تطبيقية
إن النماذج المتبقية من كتابات القديس أثناسيوس ، تكشف عن شخصيته كمفسر عظيم يعرف كيف يصيغ بوضوح ودقة آراءه على النصوص التى يفسرها ، معتمدًا على الفحص الأولى التاريخى للنصوص ، لكى يتقدم إلى تفسير النصوص تفسيرًا روحيًا وكنسيًا . وكما يقول الاستاذ المتنيح باسيليوس ستوياينس فى مقدمته عن رسالته إلى ماركلينوس فى تفسير المزامير ” تقريبًا لم يشر القديس أثناسيوس إطلاقًا إلى الإنسان متفردًا ، بل يشير إليه دائمًا كعضو فى الكنيسة ” [17].
وفى تفسيره الرمزى يبتعد عن التطرف ولم يتم فى منهجه أى تعليم بالاستناد إلى آية واحدة أو بضعة آيات ، بل كان كفلاح يحرث الكتاب المقدس كله ” ولقد آمن بأن الهراطقة يخدعون البسطاء بتقديم مقتطفات من الكتب المقدسة ويغفلون أجزاء أخرى منها . إنهم يتظاهرون كأبيهم إبليس (يو44:8) بأنهم يدرسون ويقتطفون لغة الكتاب لكى يخدعوا الآخرين بمكرهم ” [18].
ويرى القديس أثناسيوس ، أنه عند دراسة أى موضوع من موضوعات الكتاب المقدس ، يلزم فحص هذا الموضوع فى جميع مواقعه بالكتاب المقدس ، حتى يمكن إطلاق الحكم بصورة كاملة . وهكذا عندما تناول موضوع الروح القدس فى رسالته الأولى إلى سرابيون ، فإنه لكى يثبت أن الروح القدس ليس مخلوقًا ، درس الآيات التى جاءت عن الروح القدس وانتهى إلى القول :
[ قولوا لنا إذن ، أتوجد فقرة فى الكتاب المقدس الإلهى أُشير فيها إلى الروح القدس بمجرد كلمة “روح ” بدون إضافة كلمة أو حرف إليها ، مثل : الله ، أو الآب أو “ياء المتكلم”، أو ” المسيح ” نفسه أو ” الابن ” ، أو ” منى ” أى من الله أو أداة التعريف ” أل ” فلا يُقال عنه روح ، بل الروح ، أو الاصطلاح الكامل ” الروح القدس ” أو ” روح الحق ” أى ” روح الابن ” الذى يقول ” أنا هو الحق ” (يو6:14)، حتى إنكم بمجرد سمع كلمة ” روح ” افترضتم أنها تعنى ” الروح القدس ” .
وبالإيجاز نقول : إنه ما لم تضف إداة التعريف ” أل ” أو “إحدى الإضافات السابقة “، فإن كلمة ” روح ” لا يمكن أن تشير إلى الروح القدس ] . وكذلك يقول لهم : [ أيمكنكم إجابة السؤال الذى قُدم إليكم عما إذا كنتم تجدون فى أى مكان فى الأسفار الإلهية ـ أن الروح القدس قد أُطلق عليه مجرد كلمة ” روح ” دون الإضافات السابق ذكرها ، ودون الصفات السابق تدوينها . إنكم لا تستطيعون الإجابة لأنكم لن تجدوا أثرًا لهذا فى الكتاب المقدس ] [19].
ويواصل القديس أثناسيوس صراعه ضد الهراطقة قائلاً : [ ثم ابحثوا أيضًا ما تضمنته الأناجيل وكتابات الرسل ] [20].
ثم يقول: [ أنظروا كيف أشارت جميع الأسفار الإلهية إلى الروح القدس][21]. ومرة أخرى يقول : [ أين وجدوا فى الأسفار المقدسة أن الروح القدس أُشير إليه كملاك … وإن كانت الأسفار المقدسة لم تتحدث عن الروح القدس كملاك، فأى عذر لهم فى مثل هذه الجرأة ] [22].
ويرى القديس أثناسيوس أن أسوأ ما فى الأمر، أن نخترع كلمات جديدة تضاد الكلمات المستخدمة فى الكتب المقدسة [23].
وفى مجمع نيقية شدد بقوة على أهمية الكتاب المقدس عندما قال : [ إنه أمر غير مقبول وغير لائق أن نخترع صورًا أخرى للرب ، غير التى يستخدمها الكتاب المقدس ، والتى هى من ناحية، لا تتعلق بالكتاب ولا تؤدى إلى التقوى . لو كانوا فى الحقيقة ينكرون كل ما كتب فى الكتاب المقدس، عندئذ يكونوا قد ابتعدوا عن المسيحية . وسيكون من الممكن أن يدعوهم الكل ” منكرى الله ” ، و ” محاربى المسيح ” ] [24].
ومن جهة أخرى ينبه القديس أثناسيوس إلى ضرورة الاهتمام بالسياق المباشر لكل جملة وتعبير ، وابراز قصد الكاتب الصحيح بدقة ، وهذا ما يشير إليه فى رسالته الأولى إلى سرابيون حيث يقول بعد المناقشة [ أعتقد إذن أن هذا هو قصد النص الكتابى] [25].
ويشير القديس أثناسيوس إلى أن الآريوسيين يتجاهلون ” غاية ” الكتاب المقدس [26]، لأنهم يهتمون بما يُقال ويتجاهلون معناه. وكانت لفظة “الغاية” عند القديس أثناسيوس موازية للفظة “تصميم” عند القديس إيريناؤس، للإشارة إلى الفكرة الأساسية والتصميم الصحيح والمعنى المقصود[27]. وفى شرحه للآية ” صائرًا أعظم من الملائكة” (عب4:1) قال القديس أثناسيوس بالتفصيل ما يلى:
[ والآن من الملائم كما نعمل فى كل الأسفار الإلهية ، هكذا من الضرورى أن نعمل هنا أيضًا ، فيجب أن نفهم بأمانة : العصر الذى كتب عنه الرسول والشخص والموضوع اللذين كتب عنهما ، لكى لا يجد القارئ نفسه ـ وهو يجهل هذه الأقوال أو غيرها ـ بعيدًا عن المعنى الحقيقى . ولذلك فإن ذلك الخصى المحب للمعرفة ـ حينما عرف هذا، توسل إلى فيلبس قائلاً : ” إنى أسألك ، عمن يقول النبى هذا ، عن نفسه أم عن شخص آخر ؟ ” (أع34:8) ، لأنه كان يخشى أن يحيد عن المعنى المستقيم ويفهم الكلام عن شخص آخر من خلال قراءته.
وأيضًا التلاميذ بسبب رغبتهم فى أن يعرفوا وقت حدوث ما قاله الرب، توسلوا إليه قائلين ” قل لنا متى ستكون هذه الأمور، وما هى علامة مجيئك ؟” (مت3:24). وأيضًا عندما سمعوا من المخلص ما قاله عن النهاية ، أرادوا أيضًا أن يعرفوا زمنها (أنظر مت36:24)، وذلك لكى لا يضلوا ، وأيضًا لكى يتمكنوا من تعليم الآخرين، فإنهم بعد أن عرفوا، فقد صححوا أفكار الذين كانوا على وشك الضلال من أهل تسالونيكى ] [28].
وكمثال لمنهجه فى التفسير ، فهو كمفسر روحى ، يرى أن المزامير بالنسبة للمرتل ، كمرآة يرى فيها ذاته وحالاته النفسية، وأن أشكال المزامير المتنوعة تعكس كل متطلبات الحياة واحتياجاتها. وعلى سبيل المثال هناك مزامير تحت شكل قصصى (مز114)، والبعض فى شكل نصائح إرشادية (مز32)، ومزامير فى شكل نبوات (مز16) ، وهناك مزامير فى شكل صلاة (مز6)، وأخرى فى شكل اعتراف (مز51)، بالإضافة إلى مزامير فى شكل حمد وتسبيح (مز8).
وبالإيجاز يجد القديس أثناسيوس فى سفر المزامير صورة للحياة الإنسانية بكل أحوالها وأفكارها . ولا ينقص فى المزامير أى شئ موجود فى الإنسان . فكل ما تبحث عنه ، سواء كان توبة أم اعترافًا ، أم عونًا فى شدة أو تجربة أو اضطهاد ، سواء نجوت من المكائد والمؤامرات أم على العكس، كنت حزينًا لأى سبب كان ، سواء أكنت ترى نفسك متقدمًا وعدوك مهزومًا ، وتريد أن تسبح وتشكر وتبارك الرب ، فى كل هذا ، تريك المزامير المقدسة ماذا تفعل .
ــــــــــــــــــــــ
مراجع:
1 مجموعة آباء الكنيسة الذين كتبوا باليونانية : القديس أثناسيوس ، الجزء الخامس ، تسالونيكى 1975، ص13
(”Ellhnej Patšrej tÁj ‘Ekklhs…aj, “Agioj ‘Aqan£sioj, tÒmoj 5, Qes/n…kh 1975, sel.13.).
2 القس منسى يوحنا : تاريخ الكنيسة القبطية ، ملوى ، الطبعة الثالثة 1982 ص168.
3 الباترولوجيا اليونانية، الجزء الثالث، ب. خريستو، تسالونيكى 1987، ص497ـ499
(‘Ellhnik» Patrolog…a, tÒmoj G/ . Panagièth Cr»stou. Qes/n…kh 1987, sel.497- 499.).
4 أنظر كتاب تفسير المزامير للقديس أغسطينوس ـ رسالة فى المزامير للقديس أثناسيوس . بيت التكريس بحلوان 1961 ص 2.
[5] De vir. Illustribus 87.
[6] PG 27, 649-1344.
[7] M. Faulhaber, G. Mercati.
[8] Mupiobiblos 139.
9 القمص تادرس يعقوب: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: كنيسة علم ولاهوت ـ كنيسة سبورتنج بالأسكندرية 1986 ص8.
10 المسيح فى رسائل القديس أثناسيوس ، عربه عن اليونانية الأستاذ صموئيل كامل والدكتور نصحى عبد الشهيد ، بيت التكريس لخدمة الكرازة 1981 ص30.
11 المرجع السابق : ص37،36،34،33.
12 الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون ، ترجمة د. موريس تاوضروس ،د. نصحى عبد الشهيد ـ مركز دراسات الآباء ـ الرسالة الأولى : 28.
13 القديس أثناسيوس : ضد الاريوسيين35:3.
14 القديس أثناسيوس : ضد الاريوسيين44:1.
15 أنظر فى هذا الأقوال للأب جورج فلورفسكى : الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ـ وجهة نظر أرثوذكسية ـ نقله إلى العربية : الأب ميشال نجم ـ منشورات النور 1984ـ الفصل الخامس .
16 القديس أثناسيوس : التجسد3،2،1:57.
17 مجموعة آباء الكنيسة اليونانيين ـ المجلد الخامس ـ تسالونيكى 1975 ص 11.
18 القمص تادرس يعقوب : نفس المرجع ص83.
19 الرسالة الأولى إلى سرابيون5،4.
20 سرابيون6:1.
21 سرابيون7:1.
22 سرابيون11:1 .
23 سرابيون17:1 .
24عن مجمع نيقية15:12.
25 سرابيون54:1.
26 سرابيون7:2.
27 دكتور موريس تاوضروس ـ علم اللاهوت العقيدى ـ الجزء الأول ـ مكتبة أسقفية الشباب 1994 ص 94.
28 ضد الآريوسيين54:1.
