191- كيف يقول سفر التكوين عن الأنوار أنها تكون لآيات مع أن الله وضع لها نظامًا لا تخالفه، وكيف يقول عن القمر أنه ينير (تك 1: 16) مع أنه من المعروف أن القمر جسم معتم؟
ج: نعم وضع الله نظامًا فلكيًا عجيبًا ومدهشًا لكل كواكب وأجرام ومجرات السماء لا تخالفه، وهذا ما لمسناه في الفصل الأول..حقًا أن ” السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه. يوم إلى يوم يُذيع كلامًا وليل إلى ليلٍ يُبدي علمًا” (مز 19: 1، 2) ومع هذا فإن هذه الأنوار قد أبدت آيات عجيبة عندما سلكت ليس بحسب عاداتها، مثلما حدث في ضربة المصريين بضربة الظلمة لمدة ثلاثة أيام حتى أنه ” لم يبصر أحد أخاه ولا قام أحد من مكانه ثلاثة أيام. ولكن جميع بني إسرائيل كان لهم نور في مساكنهم” (خر 10: 23).. الله الذي خلق الشمس ووضع لها القوانين التي تسير بموجبها أمرها أن تحجب وجهها عن المصريين الذين يتحدونه ويحجرون على شعبه، ومثلما حدث في حرب يشوع بن نون على ملوك الأموريين الخمسة عندما قال “يا شمس دومي على جبعون ويا قمر على وادي أيَّلون. فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوبًا في سفر ياشر فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل” (يش 10: 12، 13).. ” ولم يكن مثل ذلك اليوم قبله ولا بعده” (يش 10: 14).
ويقول الدكتور ” فوزي إلياس”.. ” وقد استخدم موندر E. W. Maunder بمرصد جرينتش البيانات الواردة في سفر يشوع عن هذه الحادثة، وحسب منها تاريخ حدوثها وحدّده يوم 21 من شهر يوليو، وبينما كان يشوع في جبعون والشمس عمودية عليه، وكان القمر في نصف التمام بالقرب من أفق الشمال الغربي فوق وادي أيلون، وليس من شك أن الجو كان حارًا ومنهِكًا للقوي، وهو يرى أن وقوف الشمس والقمر يرجع إلى عاصفة مروعة مصحوبة بالبرد تسقط كحجارة من السماء وهو الوصف الوارد بنفس الإصحاح (يش 10: 10، 11)”(1).
ومن أمثلة هذه الآيات أيضًا ما حدث عندما أمدَّ الله في عمر حزقيا الملك خمسة عشر عامًا، وطلب حزقيا من إشعياء النبي آية لتأكيد هذا الأمر، وعندما خيَّره إشعياء بأن يمتد ظل الشمس للإمام أو يرجع للخلف اختار حزقيا أن يرجع الظل للوراء ” فدعا إشعياء النبي الرب فأرجع الظل بالدرجات التي نزل بها بدرجات أحاز عشر درجات إلى الوراء” (2 مل 20: 11) وهذا يعني أن الأرض لم تتوقف عن الدوران فقط إنما دارت عكس اتجاه دورانها، فمثلًا بعد أن كانت الساعة الثانية وعشر دقائق عادت للساعة الثانية فقط.
وأيضًا من هذه الآيات ما حدث يوم عُلّق مخلصنا الصالح على خشبة الصليب إذ غشت الظلمة الكاملة الأرض كلها لمدة ثلاث ساعات، وهذا ما يفوق قوانين الكسوف الكلي للشمس، الذي يحدث في منطقة واحدة، ولفترة قصيرة. كما أن وضع القمر مع الأرض والشمس يخبرنا باستحالة حدوث الكسوف حينذاك.
أما قول الكتاب المقدَّس عن القمر أنه ينير مع أنه جسم معتم، فبالنظر إلى ما قبل اليوم الرابع كان ضوء الشمس الخافت الذي يسقط على القمر لا يصل انعكاسه إلى الأرض. أما في اليوم الرابع، وقد أخذت الشمس شكلها وقوتها وتركيزها، فسقط ضوءها القوي على سطح القمر، فعكسه القمر ووصل إلى الأرض، وبذلك ظهر القمر مضيئًا، ويمكن تشبيه هذا بوضع مرآه في مكان مظلم فإنها لن تعكس إلاَّ الظلمة، فإذا ظهر ضوء خافت هكذا تعكسه المرآة. أما إذا ظهر نور قوي كنور الشمس فإن المرآة تظهر منيرة حتى أنه يصعب النظر إليها، وهكذا عندما كانت الأبخرة الكثيفة تحيط بالأرض لم يكن للقمر فاعلية وهذا ما حدث في نصف اليوم الأول، وعندما قال الله ” ليكن نور ” في النصف الثاني من اليوم الأول ظهر النور خافتًا، فظل القمر كأن لا وجود له، أما في اليوم الرابع عندما أخذت الشمس قوتها وسقط ضوءها على القمر، عكس القمر هذا الضوء وأنار المسكونة ليلًا بنوره الفضي الهادئ الذي طالما ألهب خيال الشعراء والأدباء.
ويقول نيافة المتنيح الأنبا غريغوريوس ” أن القمر غير منير، لا يتعارض مع حقيقة النور الذي ينعكس علينا من القمر. صحيح أن القمر كوكب معتم، وأنه غير منير من ذاته لأنه انطفأ من زمن طويل، مثله مثل أُمه الأرض التي تزيد عنه في الوزن ستة أضعاف، وهي أيضًا جسم معتم وغير منير، لكن القمر يبدو منيرًا، ونوره يضئ على الأرض كلها، ونحن نراه هلالًا، فبدرًا، ثم أحدب، وأخيرًا يختفي في المحاق. القمر إذًا منير وغير منير، هو غير منير في ذاته، لكنه ينير بفضل انعكاس نور الشمس عليه فيبدو منيرًا”(2).
ويقول الأستاذ الدكتور يوسف رياض ” القمر جسم مُظلم كما رآه الذين هبطوا عليه.. لذلك يقول أيوب الصديق ” هوذا نفس القمر لا يضئ” (أي 25: 5) كلمة ” نفس القمر ” أي طبيعته، فهو جسم صخري، ولكن إذا وقعت أشعة الشمس عليه يعكسها فيبدو منيرًا، فلا تعارض بين ما كتبه أيوب الصديق وسفر التكوين 1: 16″(3).
وقد نهج القرآن نفس المنهج عندما قال ” ألم ترَ كيف خلق الله سبع سموات طباقًا. وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا” (نوح 15، 16).
١- أن القبر كان لفترة طويلة مكبّ أتربة. ولكن الحفريات في منطقة أورشليم أوجدت قناديل من طين Ceramic تعود إلى القرون الأولى، قرب مكان القبر مكتوب عليها:
“نور المسيح يضيء للجميع” (التعبير ذاته يعلنه الأسقف في قداس السابق تقديسه حتى اليوم). وقد وجدتها الباحثة الألمانية جودي ماغنيس Jodi Magness سنة ١٩٨٨م.
[J. Magness, “Illuminating Byzantine Jerusalem, Oil Lamps Shed Light On Early Christian Worship”, Biblical Archeological Review, 24102 (March/April 1998), pp. 40-47].
وقد أشارت ماغنيس أنه كان على الأغلب يسطع نورٌ من الردميات فوق القبر، فيضيء قناديل المسيحيين في أورشليم! وقد أكدّ على ذلك العالم الفرنسي شارل كليرمون Charles Clermont قبلها في القرن التاسع عشر.
٢- أول شهادةٍ تاريخية للنور المقدس تعود للقديس غريغوريوس المنير (٢٥٧-٣٣١م) الذي بشّر الشعب الأرمني وجعله مسيحياً. يذكر واضع سيرته حرفياً:
“وضع القديس غريغوريوس قنديلاً فوق قبر (حجر القبر الذي سجى عليه الربّ يسوع) المسيح، وتضرع إلى الربّ بصلوات، فاستضاء المكان بنور غير مادي”.
[Kiriakos Ganjakets’i’s, History of the Armenians, 11.2, ed. and trans. R. Bedrosian, NY 1986].
٣- الشهادة الثانية هي للقديس ثيوذوروس الساباوي (من دير مار سابا)، وتعود لسنة ٨٣٦م. ولد القديس ثيوذوروس في مدينة حمص وصار راهباً في دير مار سابا. وقد دوّن رهبان الدير سيرة حياته بعد رقاده بقليل “حياة القديس ثيوذوروس الراهاوي” (لأنه صار مطران الرها Edessa في آخر حياته). في سيرته مكتوب:
“في يوم السبت العظيم، بعد إضاءة القناديل من النور السماوي …”.
[ مخطوطاتIviron Codex 381 (in Russian), MS Sinai 544 (in Greek), Sinai Arabic MS 538 (in Arabic)]
٤- الشهادة الثالثة تعود للفيلسوف العربي الجاحظ سنة ٨٤٨م. يكتب الجاحظ:
“إن رهبان كنيسة القيامة في أورشليم يؤكدون أن قناديل الزيت تضاء بدون نار في إحدى احتفالاتهم”.
[ مخطوطCodex Paris Arab. 5866 (fol 237)].
٥- يؤكد أيضاً الحارث أسقف قيصرية وفي رسالة إلى أمير دمشق العربي سنة 920م، أن عجيبة تحصل كل سنة يوم القيامة:
“فيأتي أمير أورشليم (المسلم) ويختم القبر ويبقى بقربه ثم يرتّل المسيحيون في الكنيسة “يا رب ارحم” ثم يأتي نور بسرعة فائقة ويضيء القنديل”.
[مخطوط MS Paris supl. Arabe 1483].
٦- يكتب إبن القصّ العربي سنة ٩٤٠م:
“فإذا كان فصح النصارى وهو يوم السبت الكبير و في ذلك يوم يخرج الناس من موضع القبر إلى الصخرة وحول الصخرة درابزنيات يتطلعون إلى موضع القبر يبتهلون كلهم ويتضرعون إلى الله تعالى من وقت الأولى إلى المغرب ويحضر الأمير وإمام المسجد. ويغلق السلطان الباب الذي على القبر ويقعد على الباب فهم على هذا حتى يرون نوراً كنارٍ بيضاء تخرج من جوف القبر. فيفتح السلطان الباب عن القبر ويدخل إليها وفي يده شمعة فيشعلها من ذلك النور فيخرجها والشمعة تشتعل ويدفعها إلى الأمام فيأتي الإمام بتلك الشمعة فيشعل قناديل المسجد. فإذا تداولت تلك الشمعة ثلاث أياد إحترقت بعد ذلك وصارت ناراً…”.
[مخطوطMS Ahmad Taymur 103 (c. 1389), National Library of Egypt].
٧- الفيلسوف والعالم الفارسي المسلم ابن البيروني يذكر إستشهاداً سنة ١٠٠٠م مشابهاً لإبن القصّ، ولكن يذكر تفصيلاً مهماً وهو أن بعض السلاطين المشككين وضعوا نحاساً بدل الفتيل في القنديل لئلاَّ يضاء القنديل ولكن ما حدث أن النحاس إتقدَ وإستضاءَ القنديل من النور عبر النحاس وأنار البطريرك والشعب والشمعات. وتفصيل آخر يذكره البيروني أن النور هو أبيض صافي.
[Karchkovsky, “Le ‘feu beni’, d’apres le recit d’Al Biruni et d’autres ecrivains musulmans du X au XIII siecles », Proches Orient Chretien 19 (1999)].
٨- شخص آخر يخبرنا عن هذه الفترة هو أودولريخ Odolric أسقف أورليان Orléans، فرنسي وقد زار أورشليم بين ١٠٢٥م ١٠٢٨م. يطلعنا هذا الأسقف أن النور كان ينبعث من القبر وهو مدمر (بعد أن هدمه أحد خلفاء الفاطميين)! [مخطوط Codex Paris lat. 10912, 11th c.]
جزء من دراسة د. نبيل ميشل سمعان، المركز الرعائي للتراث الأبائي الأرثوذكسي. مطرانية طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس نيسان 2017
عملية الإنارة أو الإضاءة أو التنوير، تسمى باليونانية Φωτισμός وترتبط بالكلمة Φώτισμα التى تعنى أيضًا إنارة أو إضاءة وتستخدم عن المعمودية (انظر Patristic Greek Lexicon Lampe)
والآباء فى حديثهم عن المعمودية يؤكدون أهمية المعمودية فى الإنارة الروحية، فالقديس كلينضس الأسكندرى يقول: “إذ نعتمد نستنير”، والقديس باسيليوس الكبير يقول: “المعمودية ثوب منير”، والقديس مار إيوانيس الدارى السريانى يقول: “للمعمودية مفعولان رئيسيان هما: 1 ـ التطهير 2ـ الاستنارة”. ويشرح الاستنارة بأنها استنارة القلب بالنعمة الإلهية والفضائل السماوية التى بها يصبح المؤمن بارًا وابنًا لله ووارثًا للحياة الأبدية.
ويقول أيضًا إن ” هذا اللقب ـ أى الاستنارة ـ صار لقبًا مختصًا بسر المعمودية يميزها عن باقى الأسرار. وإن كانت الأسرار الأخرى هى أيضًا أنوار، غير ان سر المعمودية من حيث إنه يعطى النور الأول، احتفظ بهذا اللقب بذاته دون غيره”[1].
والقديس غريغوريوس النزينزى يقول عن المعمودية: [إنها ضياء النفوس ـ اشتراك فى النور ـ كمال العقل][2].
والقديس مقاريوس المصرى يقول: [ فى القديم كانت لهم معمودية لتطهير الجسد، أما عندنا نحن فتوجد معمودية الروح القدس والنار، وهكذا فإن المسيحيين يحصلون على مجد النور فى داخل نفوسهم، أما الظلمة ـ إذ لا تحتمل لمعان النور تضمحل وتهرب] [3].
ويقول أيضًا: [ حينما تعدى الإنسان الوصية ألقى الشيطان على النفس حجابًا مظلمًا، ثم تأتى النعمة فتزيل الحجاب تمامًا، حتى أن النفس إذ تصير نقية، وتستعيد طبيعتها ألأصلية وتصير صافية بلا عيب، فإنها تنظر دائمًا بصفاء ـ بعينها النقية ـ مجد النور الحقيقى ، وشمس البر الحقيقية ساطعة بأشعتها داخل القلب نفسه][4].
ولقد سبق للرسول بولس أن ربط بين فاعلية المعمودية والاستنارة الروحية للمؤمن فقال: ” لكى تذكروا الأيام السالفة التى فيها بعد أُنرتم، صبرتم على مجاهدة الآلام الكثيرة” (عب32:10).
والربط بين الاستنارة الروحية والمعمودية، يعنى أن الاستنارة الروحية هى المدخل الأول للحياة المسيحية أو هى العلامة الفاصلة بين المؤمن وغير المؤمن، وهى العودة بالإنسان إلى حالته الأولى قبل السقوط، وإلى عمل نعمة روح الله فى بناء حياتنا الروحية. ولذلك فإنه يُلاحظ فى طقس المعمودية، أن الاتجاه إلى الشرق يعنى طلب النور باعتبار أن النور ينتشر فى الكون من الشرق، وكما قال الرسول بولس: ” الذى قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذى أشرق فى قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله فى وجه يسوع المسيح” (2كو6:4).
وتحدث ملاخى النبى عن المسيح باعتباره النور الذى أشرق علينا: ” ولكم أيها المتقون اسمى تشرق شمس البر والشفاء فى أجنحتها” (ملا2:4)، وفى الإنجيل للقديس لوقا، يرتبط مجئ السيد المسيح وبالإضاءة والإنارة والاستنارة: ” ليضيئ على الجالسين فى الظلمة وظلال الموت، لكى يهدى أقدامنا فى طريق السلام” (لو79:1)، وكما جاء أيضًا فى الإنجيل للقديس متى مقتبسًا من نبوة إشعياء: ” الشعب الجالس فى ظلمة أبصر نورًا عظيمًا، والجالسون فى كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور” (مت16:4).
وللارتباط القوى بين الحياة والنور، أصبح الشرق رمزًا للحياة، كما يقول المرتم: ” عندك ينبوع الحياة، بنورك يارب نعاين النور” (مز9:36)، ويقول النبى حزقيال: ” وإذا بمجد إله إسرائيل جاء عن طريق الشرق” (حز2:43)، كما أصبح الاتجاه نحو الغرب يعنى الظلمة؛ والظلمة تعنى الخطية والشر. ومن الطريف الربط هنا بين الكلمة اليونانية κακία التى تعنى الشر، وبين الكلمة القبطية χακι (كاكى) ـ وهى قريبة من الكلمة اليونانية ـ وتعنى الظلمة[5].
والرسول يوحنا يسهب فى الربط بين الظلمة وبين الشر، وعلى عكس ذلك يربط بين حياة النور وحياة الرب، فهو يقول: ” إن الله نور وليس فيه ظلمة البتة، إن قلنا إن لنا شركة معه، وسلكنا فى الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق، ولكن إن سلكنا فى النور كما هو فى النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية” (1يو5:1ـ7). ويقول أيضًا: ” وصية جديدة أكتب لكم ما هو حق فيه وفيكم، أن الظلمة قد مضت والنور الحقيقى الآن يضيئ.
من قال إنه فى النور وهو يبغض أخاه فهو إلى الآن فى الظلمة. من يحب أخاه يثبت فى النور وليس فيه عثرة، وأما من يبغض أخاه فهو فى الظلمة، وفى الظلمة يسلك ولا يعلم أين يمضى لأن الظلمة أعمت عينيه” (1يو8:2ـ11).
2 ـ الحاجة إلى الاستنارة:
يقول القديس مقاريوس الكبير:
[وحينما صنع الله جسدنا هذا فإنه لم يمنحه أن تكون له حياة لا من طبيعة الله الخاصة ولا أن يحيا الجسد بذاته… ولا يمكن للجسد أن يعيش بدون الأشياء الخارجة عنه، أى بدون الطعام والشراب واللباس، فإن حاول أن يعتمد على طبيعته وحدها دون أن يأخذ شيئًا من الخارج فإنه يضمحل ويموت.
وهذا هو نفس الحال بالنسبة للنفس أيضًا فهى لا تملك النور الإلهى رغم أنها مخلوقة على صورة الله، وهكذا نظم الله أحوالها وقد سُر بأن لا تحصل على الحياة الأبدية من طبيعتها الخاصة، ولكن من لاهوته، أى من روحه، ومن نوره، تنال طعامًا وشرابًا روحانيًا، ولباسًا سماويًا وهذه هى حياة النفس، أى الحياة بالحقيقة] (المرجع السابق ص33).
وعن حالة آدم قبل أن يخطئ، قال القديس مقاريوس: [ كان كلمة الله معه وكان هو معلّمه وقد ألهمه أن يعطى أسماء لكل الأشياء. وكما كان يتعلم آدم من الكلمة هكذا سمى الأشياء جميعها].
ولما سُئل القديس مقاريوس: هل كل لآدم اختبار الروح وشركته، أجاب قائلاً: ” الكلمة نفسه بحضوره مع آدم، كان كل شئ بالنسبة له سواء كان معرفة أو اختبارًا أو ميراثًا أو تعليمًا أو إرشادًا، إذ ماذا يقول يوحنا عن الكلمة؟ ” فى البدء كان الكلمة” فأنت ترى أن الكلمة هو كل شئ وكائن قبل كل شئ. فإن كان لآدم (قبل السقوط) مجد خارجى حاضر معه فلا نستغرب أو نعثر من ذلك عندما يقول الكتاب: إنهما عريانيين وهما لا يخجلان، فلما تعديا الوصية انفتحت أعينهما فخجلا واختبئا من الله (انظر تك25:2، 10،7:3).
لو كانت الطبيعة الإنسانية لها القدرة بدون سلاح الروح القدس الكامل أن ” تقف ضد مكايد إبليس” (أف11:6) لما كان الرسول قد قال بتأكيد ” إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا” (رو20:12).
أيضًا يقول: [ الويل على النفس التى لا يكون فيها المسيح الربان الحقيقى، فإنها توجد فى بحر مرارة الظلمة المرعب وتلاطمها أمواج الشهوات وتصدمها وتضربها عواصف أرواح الشر وتنتهى بالهلاك] [6].
[توجد عيون داخلية أعمق من هذه العيون الطبيعية ويوجد سمع أعمق من هذا السمع. وكما أن هذه العيون الجسدية تنظر وجه الصديق أو المحبوب وتتعرف عليه فإن عيون النفس المستحقة المؤمنة بسبب نوالها الاستنارة الروحية بنور الله، فإنها تنظر الصديق الحقيقى الذى هو العريس المحبوب جدًا والحلو جدًا أى الرب، وتتعرف عليه، إذ تكون النفس مملوءة ومشمولة بإشراق الروح الممجد][7].
لإن [النفس إن لم تولد الآن فى ” أرض الأحياء” (مز13:27) وتستمد غذاءً روحيًا منها وتنمو نموًا روحيًا أمام الرب وتكتسى من اللاهوت بحلل الجمال السماوى التى تفوق الوصف، فإنها بدون ذلك القوت لا يمكنها أن تعيش من نفسها فى فرح وراحة. إن الطبيعة الإلهية فيها خبز الحياة الذى قال ” أنا هو خبز الحياة ” (يو35:6)، “والماء الحى” (يو10:4)..” وزيتالابتهاج” (مز7:45)، وجميع أصناف طعام الروح السماوى ولباس النور، تلك التى تأتى من الله.
وفى هذه الأشياء تكون حياة النفس الأبدية. ويل للجسد حينما يعتمد على طبيعته الخاصة لأنه حينئذ يضمحل ويموت، وأيضًا ويل للنفس إن استندت على طبيعتها الخاصة ولم تضع ثقتها فى شئ سوى أعمالها الخاصة، ولم تنل شركة روح الله، فإنها تموت إذ أنها لم تحصل على حياة اللاهوت الأبدية الممنوحة لها] [8].
[ إن كل نفس لا تُصلّح وتُملّح بالروح القدس ولا تشترك فى الملح السماوى الذى هو قوة الله فإنها تفسد وتمتلئ برائحة الأفكار الرديئة الكريهة حتى أن وجه الله يتحول عن الرائحة المرعبة النتنة، رائحة أفكار الظلمة الباطلة وعن الشهوات التى تسكن فى مثل هذه النفس. والدود الشرير المرعب، الذى هو أرواح الشر وقوات الظلمة، تتمشى وتتجول فيها، وتسكن هناك، وتختبئ وتدب فيها وتأكلها وتأتى بها إلى التحلل والفساد. كما يقول المزمور ” قد أنتنت وقاحت جراحاتى ” (مز5:38)] [9].
3 ـ الاستنارة غير الوحى:
الاستنارة ليست وحيًا، والوحى ليس درجة عالية من الاستنارة، لأن المستنير ليس معصومًا من الخطأ، بينما أن الوحى يعصم الكاتب من الوقوع فى الخطأ. والاستنارة ليست على مستوى واحد عند جميع الناس، بينما لا يختلف الوحى فى درجته بين شخص وآخر، أو بالنسبة للكاتب الواحد بين عبارة وعبارة.
4 ـ الاستنارة تشمل الإنسان كله:
الاستنارة تشمل الإنسان كله، شخصه وما يصدر عنه من قول وفعل. فلا يمكن أن يكون هناك إنسان مستنير ويصدر عنه عمل أو قول غير مستنير، ولذلك ـ فى سفر الأمثال ـ سُمى السلوك بالنور ” أما سبيل الصديقين فكنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل” (أم 18:4). كما عندما نتكلم عن شخص، فإن هذا الإيمان يشمل الشخص نفسه وأقواله وأفعاله وكل ما يصدر عنه.
المؤمن ليس هو الذى يؤمن فقط أن المسيح إله أو يؤمن بالثالوث القدوس، لكن الإيمان يظهر فى قوله وفى عمله وفى تصرفاته، ويظهر الإيمان فى ظروف حياته المختلفة.. فى فرحه يفرح فرح الإيمان، وفى حزنه يحزن حزن الإيمان، وفى رجائه يرجو رجاء الإيمان، وفى ضيقه يصبر صبر الإيمان، وفى علمه يُعلِّم تعليم الإيمان، وكما يقول الكتاب: ” فليضيئ نوركم قدام الناس لكى يروا أعمالكم الصالحة، ويمجدوا أباكم الذى فى السموات” (مت6:5). فالأعمال هنا هى نور مضئ. كل شئ يصدر عن المؤمن يكون كالنور المضيئ ” إن كان جسدك كله نيرًا ليس فيه جزء مظلم، يكون نيرًا كله، كما حينما يضيئ لك السراج بلمعانه” (لو37:11).
5 ـ الاستنارة ترتبط بإنارة الآخرين:
الاستنارة تحمل بطبيعتها الإشعاع على الآخرين، تمامًا كما لا يمكن أن يُوجد نور بدون إشعاع. ولذلك قيل عن السيد المسيح إنه “نور الناس”، ” والنور يضيئ فى الظلمة“، وقيل ” كان النور الحقيقى الذى ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم” (يو4:1و5و9). وقال المسيح عن نفسه: ” أنا هو نور العالم” (يو12:8). وعندما تحدث بولس الرسول عن رسالته قال: ” هكذا أوصانا الرب. قد أقمتك نورًا للأمم لتكون أنت خلاصًا إلى أقصى الأرض” (أع47:13). الشخص المستنير يعمل على إنارة الآخرين، كما قيل فى نبوة إشعياء عن المسيح: ” وأجعلك نورًا للأمم لتفتح عيون العمى، لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين فى الظلمة” (إش7:42).
6 ـ الاستنارة هى من طبيعة واحدة ولكنها ليست على درجة واحدة:
أ ـ فهى من حيث إنها من طبيعة واحدة، يقول القديس مقاريوس الكبير:
[ كما أن الأنوار والمصابيح الكثيرة تشتعل من نار واحدة، وهذه الأنوار والمصابيح المشتعلة هى من طبيعة واحدة، كذلك المسيحيون يشتعلون ويضيئون من طبيعة واحدة، هى النار الإلهية أى ابن الله، ولهم مصابيحهم مشتعلة فى قلوبهم وتضيئ قدامه].
ب ـ ومن حيث اختلاف الدرجة: يقول القديس يوحنا السُّلمى:
[ التمييز عند المبتدئين هو معرفة ذواتهم معرفة حقيقية، أما عند المتوسطين فهو حس داخلى يميز السجية الصالحة حقًا عن السجية الطبيعية وعن السجية الرديئة، وأما عند الكاملين فهو معرفة ناتجة عن استنارة إلهية تستطيع أن تضيئ بمصابيحها ما هو مُظلم عند الآخرين. ولعل تحديد التمييز بصورة عامة هو أنه معرفة ثابتة لمشيئة الله فى كل ظرف وفى كل آن ومكان، تتوفر فقط لأنقياء القلوب والأجساد والأفواه][10].
ولقد سبق وتناول بولس الرسول الحديث عن الاختلاف فى درجة الاستنارة فى رسالته إلى العبرانيين فقال: ” لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين لسبب طول الزمان، تحتاجون أن يعلمكم أحد ما هي أركان بداءة أقوال الله وصرتم محتاجين إلى اللبن لا إلى طعام قوي. لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر لأنه طفل. وأما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب 12:5ـ14).
ويلاحظ فى عبارات بولس الرسول ما يلى:
1 ـ عندما يقول ” ما هى أركان بداءة أقوال الله“، فإنه يستعمل فى اللغة اليونانية لكلمة “أقوال” صيغة التصغير فتعنى الكلمة ” أقوالاً مختصرة” .
2 ـ باعتبار أنهم فى حالة الطفولة فى الحياة الروحية، فلا يناسبهم أن يقدم لهم تعاليم متقدمة يصعب عليهم فهمها إذ ليس لهم خبرة روحية ولا يستطيعون أن يتعرفوا على التعاليم التى تكون على درجة عالية من التقدم والتى تقود إلى حياة التبرير وإلى الحياة الفاضلة المسيحية.
وحالة الطفولة فى الإيمان تكلم عنها بولس الرسول فى مواضع أخرى من رسائله فقال فى أفسس ” كى لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال” (أف14:4)، وقال فى رسالته الأولى إلى كورنثوس: ” لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت كل ما للطفل” (1كو11:13). وقال أيضًا: ” أيها الاخوة لا تكونوا أولادًا فى أذهانكم بل كونوا أولادًا فى الشر، وأما فى الأذهان فكونوا كاملين” (1كو20:14).
3 ـ إن التعاليم الروحية العميقة هى من أجل المسيحيين الناضجين الذين بواسطة المران والاعتياد صارت لهم الحواس الروحية مُدربة على أن تميز بسهولة ويُسر بين الخير والشر وبين الحقيقة والباطل. ومعنى هذا أنه كما أن لدينا حواس جسدانية فلنا أيضًا حواس روحية. لنا أعين روحية ـ ولنا إذن روحية ـ ولنا تذوق روحى. هذه الحواس الروحية يتعطل عملها بالخطية، غير أنها تكتسب صحتها وقوتها بواسطة عمل نعمة الروح القدس.
4 ـ كلمة ” البالغين ” أى الكاملين، غالبًا يستعملها الرسول بولس فى المقارنة مع الأطفال غير الناضجين.
5 ـ الحواس = ملكات الإدراك العقلية.
6 ـ مدربة أى مروضة كما قيل ” روض نفسك للتقوى” (1تى7:4).
7 ـ التمييز بين الخير والشر: كما قيل فى رسالة فيلبى ” حتى تميزوا الأمور المتخالفة” (فى10:1)، ” وأريد ان تكونوا حكماء للخير وبسطاء للشر” (رو19:16)، ” زبدًا وعسلاً يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير” (إش15:7).
(يتبع)
[1] الأسرار السبعة: تأليف المطران (حاليًا البطريرك زكا عيواص الأول)، والأب الربان (حايًا المطران) اسحق ساكا ـ بغداد 1970 ص 32ـ35.
[2] Greg. Naz. 36, 361.
[3] عظات القديس مقاريوس الكبير ـ طبعة ثانية ـ ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، 1991 ص345.
[4] المرجع السابق ص 178.
[5] الأنبا متاؤس: أسرار الكنيسة السبعة ـ الجزء الأول ـ 1991، ص 24ـ25.
[6] المرجع السابق: ص259.
[7] المرجع السابق، ص260.
[8] المرجع السابق، ص 33و34.
[9] المرجع السابق، ص28.
[10] يوحنا السُّلمى: السُّلم إلى الله ـ تعريب رهبنة دير مار جرجس الحرف ـ منشورات النور ـ لبنان 1980 ص 143.
سلسلة أسماء المسيح في التراث اليهودي (3) | نهيرا נהירא، اور אור
سلسلة أسماء المسيح في التراث اليهودي (3) | نهيرا נהירא، اور אור
سلسلة أسماء المسيح في التراث اليهودي (3) | نهيرا נהירא، اور אור
3- النور (نهيرا-נהירא) (اور-אור)
من اهم واوقع الاسامي التي اطلقت على المسيح هو النور ، واطلق عليه هذا اللفظ في مواضع عدة ، وسنذكر موضعان فقط
1- وردت في نبوة اشعياء (اشعياء 60: 1،3) “قومي استنيري لانه قد جاء نورك (אור) ومجد الرب اشرق عليك” و”تسير الامم في نورك (אור) والملوك في ضياء اشراقك”] نلاحظ ان اللفظ الذي كتبه النبي هنا هو (اور- אור) وهو اللفظ العبري المعتاد لكلمة نور وهذا منطقي اذ ان النبوة تتكلم عن نور اليهود (المسيح) الذي خلفه تسير الامم ،
2- وردت في نبوة دانيال (دانيال 2: 22) “هو يكشف العمائق والاسرار ،يعلم ما هو في الظلمة وعنده يسكن النور (נהירא)” نلاحظ ان هذا الجزء من السفر مكتوب بالارامية واللفظ الذي كتبه النبي هنا هو (نهيرا – נהירא) وهو لفظ ارامي وهي اللغة الخاصة بالامة التي استعبدت اسرائيل وقت السبي وكأن الله يعلن للامم انهم في حسبانه منذ الاذل حتى قبل ان يخلق العالم فبالنور المبعوث للامم (المسيح) ستُزاح ظلمة العالم.
فهم اليهود النبوات عن المسيح كونه النور القادم ، والان نعرض عبارات قوية من التراث اليهودي القديم تتكلم عن المسيح كونه النور المُنتظر.
– بسيكتا رباتي (36) (פסיקתא רבתי) (161a-161b) [“..بنورك نرى نورا” (مزامير 36: 9) ما هو النور الذي يترقبه جماعة اليهود ،هو نور المسيح لانه قيل “وراى الله النور انه حسن” (تكوين 1: 4) من هذا نتعلم ان القدوس المبارك (الله) ترقب المسيح و عمله قبل خلقة العالم وهو اخفى مسيحه لجيله (الذي سيظهر به) تحت عرش المجد الذي له..]
– مدراش رباه للتكوين (מדרש בראשׁית רבה) (1: 8) [قال الرابي آبا السرونجي، “..وعنده يسكن النور” (دانيال 2: 22) هذا هو الملك المسيح] تجد هذا ايضا موجود في مدراش رباه للمراثي (מדרש איכה רבה) (1: 17)
– مدراش رباه للعدد (מדרש במדבר רבה) (15: 1) [ولماذا امركم (الله)!؟ (عدد 8: 3) -لمكافئتكم ولهذا قيل “متى رفعت السرج فإلى قدام المنارة تضيء السرج السبعة” (عدد 8: 2) فهي لان “الرب قد سرّ من اجل بره” (اشعياء 42: 21) ولا عودة الا لو انرتم السّرج امامي فأنا سأنير لكم النور العظيم العتيد ان يأتي (المسيح) ولهذا قيل (اشعياء 60: 1،3) “قومي استنيري لانه قد جاء نورك ومجد الرب اشرق عليك” و”تسير الامم في نورك والملوك في ضياء اشراقك”]
ولا ينتهي الامر هنا ، فهم فقط لم يفهموا النبوات التي قيلت عن المسي كونه النور ، وانما ايضا اصبحوا يفسرون كثيرا من كلمات النور او السراج -التي جاءت في النصوص المقدسة- ونسبوها للمسيح ، ولانها كثيرة جدا سنكتفي بوضع مثالان فقط
– مدراش رباه للتكوين (מדרש בראשׁית רבה) (2: 7) [“وقال الله ليكن نور..” (تكوين 1: 3) يُبنى النور ويزدهر في العصر العتيد ان يأتي (عصر المسيح) كما تقرأ (اشعياء 60: 1) “قومي استنيري لانه قد جاء نورك..” ومكتوب (اشعياء 60: 2) “لانه ها هي الظلمة تغطي الارض” ]
– مدراش رباه للاويين (מדרש דברים רבה) (9:31) [قال الرابي حنين: كمكافأة عن “اصعاد السرج دائما” (خروج 27: 20) ستكون مستحقا لاستقبال وجه سراج المسيح ،فما السبب؟ – قيل (مزامير 132: 17) “هناك انبت قرنا لداود رتبت سراجا لمسيحي” ويُقال (مزامير 122: 1) “فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب”] ملحوظة 1 : يوجد تذييل بعد كلمة “قرنا” يقول ان هذا اسم للمسيح . ملحوظة 2 : يوجد تذييل بعد تلك الفقرة يقول ان هذا سيحدث في العصر المسياني عندما يشع النور الإلهي مرة اخرى.
ويا للعجب تعلم اليهود عن المسيح النور من نبوة اشعياء النبي ((اور-אור)) ، وايضا تعلم الامم عن المسيح النور من دانيال النبي -وكبير المجوس (دا 5: 11)- ((نهيرا-נהירא)). وبحسب كثير من المفسرين فالمجوس من بلعام ايضا -ابو المجوس (عد 22: 7)- قد تعلموا عن المسيح النور (عد 24: 17) “اراه ولكن ليس الآن..يبرز نجم -כוכב- من يعقوب”.
وبالفعل ، جاء المسيح نورا للعالم واعلنت السماء عن ميلاده بالنور ايضا لكلا من اليهود والامم ، فالرعاة اليهود بالملائكة النورانية ادركوا مجئ المسيح (لوقا 2: 8-14) ، كذلك المجوس بالنجم المنير ادركوا ان النور الاعظم المُنتظر قد جاء للعالم (متى 2: 1-2) . وهو للعالم كله وليس لليهود فقط فقد ورد في سفر اشعياء (اشعياء 49: 6) “قليل ان تكون لي عبدا لاقامة اسباط يعقوب ورد محفوظي اسرائيل. فقد جعلتك نورا للامم لتكون خلاصي الى اقصى الارض”.
وقد اعلن يشوع الناصري نفسه انه هو المسيح هو هذا النور الذي تنبأ الانبياء عنه قائلا (يوحنا 8: 12) “أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ”.
فلنسعى لان نسير في نور المسيح حتى لاتدركنا الظلمة ، فنعيش في النور في هذا العالم وفي العالم الآتي (الابدية).
سلسلة أسماء المسيح في التراث اليهودي (3) | نهيرا נהירא، اور אור
يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟
يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟
إن اقوى دليل على ألوهية المسيح هو ما أثار سخط معاصريه أنفسهم. فقد اتخذ لنفسه كل الأسماء والألقاب التي ينسبها العهد القديم لله، وسمح للآخرين ايضاً أن يدعوه بنفس الأسماء والألقاب. وعندما أطلق يسوع على نفسه الأسماء الخاصة بالذات الإلهية، غضب رؤساء اليهود لدرجة أنهم حاولوا قتله بتهمة التجديف. ولم يكن للسلطات اليهودية أي شك فيما رمى إليه المسيح؛ فقد فهموا أن هذا المعلِّم الجليلي يدّعي أنه الله العلي. ويمكن للمرء أن يعترض هنا قائلاً بأن اتخاذ يسوع لهذه الألقاب الإلهية لم يجعله واحداً مع الله او الله نفسه.
كفقد يكون لعدة أشخاص نفس الاسم أو اللقب. وقد يكون ((فوزي)) مثلاً رجلاً وزوجاً وصديقاً ومساعداً لمدير المبيعات في نفس الوقت، غير أن بعض الأسماء والألقاب مقصورة على شخص واحد فقط. فمثلاً لا يمكن أن يكون هناك في نفس الوقت إلا رئيس واحد للولايات المتحدة الأمريكية. وهناك كثير من الأسماء والألقاب التي يطلقها الكتاب المقدس على يسوع من النوع الذي لا يحق إلا لشخص واحد ان يدعيه لنفسه-وهو الله.
يهوه
اتخذ يسوع لنفسه اسماً من أسماء الله يوفِّره اليهود أكثر من غيره، ويعتبرونه مقدساً لدرجة لا يجرؤ معها اليهودي على النطق به. ألا وهو يهوه. والاسم “أهيه” ليس نفس الاسم “يهوه” غير أنه مشتق من صيغة الفعل “يكون” الذي يشتق منه ايضاً اسم “يهوه” في خروج 3: 15، وهكذا فإن لقب “أهيه” الذي أهيه الذي كشفه الله لموسى تعبير أشمل عن كينونته الأبدية، اختُّصِر في العدد 15 إلى الاسم الإلهي “يهوه”. وفي الترجمة السبعينية، وهي الترجمة اليونانية للعهد القديم العبري. تُرجم أول استخدام لتعبير أتيه في خروج 3: 14 إلى ego eimi. كانت اللغة اليونانية هي لغة الحديث في زمن يسوع وهي اللغة التي كُتب بها العهد الجديد.
وقد كشف الله لشعبه معنى هذا الاسم في الأصحاح الثالث من الخروج؛ فعندما سأل موسى الله بأي اسم يدعوه أجاب الرب “أهيه الذي أهيه”. وقال: “هكذا تقول لبني إسرائيل أهيه الذي ارسلني اليكم” (خروج 3 :13، 14). وهكذا فقد كانت الصيغة التوكيدية لأهيه ego eimi في اللغة اليونانية في زمن يسوع معادلة لكلمة يهوه العبرية. واعتماداً على السياق فإنها يمكن أن تكون طريقة توكيدية لقول” أنا هو”(كما في يوحنا 9: 9). او يمكن أن تكون أسم لله نفسه. أهيه الأبدي.
استخدم يسوع تعبير ego eimi عدة مرات عن نفسه بطريقة لا تليق إلا بالله. وأوضح مثال لذلك هو عندما قال اليهود ليسوع “ليس لك خمسون سنة بعد. أفرأيت إبراهيم؟ ” قال يسوع لهم” الحق الحق اقول لكم. قبل أن يكون إبراهيم “انا كائن” ego eimi. فرفعوا حجارة ليرجموه (يوحنا 8: 57، 59).
لقد سعى اليهود إلى قتله لأنهم فهموا ادعاءه الألوهية، فالعهد القديم كان واضحاً في هذا الأمر. إذ كان عقاب التجديف هو الرجم حتى الموت (لاويين 24: 16).
أتخذ يسوع لنفسه هذا اللقب في مواضع أخرى، فقد صرّح في موضع سابق من نفس الأصحاح “إن لم تؤمنوا أني أنا هو ego eimi تموتون في خطاياكم” (يوحنا 8: 24). ولا تظهر كلمة هو في النص اليوناني، حيث جاءت كالتالي؛ “إن لم تؤمنوا أني انا تموتون في خطاياكم”. كما قال لليهود: “متى رفعتم أبن الإنسان. فحينئذ تفهمون أني أنا هو ego eimi” ومرة أخرى فإن النص اليوناني الأصلي لا يحتوي على كلمة هو.
لقد أكد يسوع باستمرار ألوهيته. فعندما جاء حراس الهيكل مع الجنود الرومانيين ليقبضوا عليه في الليلة السابقة لصلبه سألهم يسوع “من تطلبون؟ أجابوه يسوع الناصري. فقال لهم يسوع أنا هو ego eimi… فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض” (يوحنا 18: 14، 16). إذ لم يتمكنوا من الصمود أمام قوة تصريحه عن نفسه. وقوة شخصه.
لم يجد كُتّاب العهد الجديد الذين اقتنعوا بأن يسوع المسيح هو الله أية مشكلة في أن ينسبوا ليسوع كل فقرات العهد القديم التي تشير إلى يهوه.
ففي بداية أنجيله يستشهد مرقس بإشارة إشعياء إلى الله “صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب (يهوه) قوّموا في القفر سبيلاً لإلهنا” (اشعياء 40: 3). ولقد فسر مرقس هذه الفقرة على أنها نبوءة تحققت في يوحنا المعمذان الذي يُعّد الطريق ليسوع (مرقس1: 2-4: قارن مع يوحنا1: 23).
كما استشهد بولس بيوئيل 2: 32 “ويكون أن كل مَنْ يدعو بإسم الرب ينجو.” وطبّق بولس هذا القول على الرب يسوع عندما قال “لأن كل مَنْ يدعو باسم الرب يخلص” (رومية 10: 13).
كذلك استشهد بطرس بنفس العدد في أعمال 2: 21 “ويكون كل مَنْ يدعو باسم الرب يخلُص”. ثم عندما سأله الناس ماذا ينبغي أن يفعلوا حتى يخلُصوا وأجابهم: “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على أسم يسوع المسيح” (أعمال 2: 38). فبعد أن ذكر بطرس أن الدعوة باسم الرب (أي الاعتماد عليه) شرط لازم تُسبق للخلاص. قال لهم إنه عليهم أن يعتمدوا باسم يسوع المسيح. ولو لن يكن بطرس يعتبر أن يسوع المسيح هو الله. لتوقعنا منه أن يعتمدوا بأسم يهوه. وهو الأمر الذي يتمشى مع الإيمان اليهودي. والممارسات اليهودية.
وما يفوق حقيقة إعطاء التلاميذ هذه الصفة ليسوع أهمية هو أن أعداءه أدركوا أنه يقول إنه الله. ومن المعروف أن شاهد الإدعاء هو دائماً دليل قوي في آية محكمة. فمثلاً قال يسوع:
“أنا والآب واحد. فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه. أجابهم يسوع: أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي منها ترجمونني؟ أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً (الله)” (يوحنا ١٠: ٣٠-٣٣)
لم يساور قادة اليهود أي شك في أن يسوع جعل نفسه الله. ولم يجعل نفسه أقل من ذلك. وهكذا فإن الاتهام الرئيسي الذي ركّز عليه أعداؤه لم يكن حول هُويته التي ادعاها لنفسه، أي الوهيته.
الله
الكلمة اليونانية المستخدمة مئات المرات في العهد الجديد للدلالة على الله هي كلمة” ثيوس” (وهي تقابل إلوهيم العبرية في العهد القديم). ويدعى يسوع بهذا الاسم تمييزاً له عن الآلهة الزائفة في عدة مواضع.
وتناقض النظرة الكتابية اليهودية / المسيحية لله الواحد النظرة الهندوسية والبوذية. فالهندوسية تنظر إلى ذات الإنسان الحقيقية على أنها واحدة مع الحقيقة المطلقة. وليست هناك مشكلة بالنسبة لمعظم رجال الدين الهندوسي في أن يقولوا” أنا الله”، وفي تعليم الآلاف من تابعيهم يقولون نفس الشيء. ومن الواضح أن الإنسان الذي يعتقد أنه داخلياً الله بالفعل، لا يحتاج إلى أن يطلب الله بالمعنى المسيحي لهذه الكلمة، ولا إلى قبول مخلِّص شخصي. وهذا لا ينطبق على العهد الجديد قي إطاره اليهودي التوحيدي الذي يرسم خطوطاً واضحة فاصلة بين الله وخليقته. فمن الناحية الحضارية الثقافية، ما كان يمكن أن يُدعى يسوع باسم الله ما لم يكن معتبراً” الله الوحيد”(تثنية ٦: ٤)؛ لأنه لا توجد آلهة أخرى بحسب الاعتقاد اليهودي.
كتب سي. إس. لويس:
” تقول إحدى محاولات إنكار لاهوت المسيح بأن يسوع لم يقل في حقيقة الأمر كل هذه الأشياء عن نفسه، لكن أتباعه بالغوا في القصة، وهكذا تطورت الأسطورة بأنه أطلق هذه التصريحات. ويصعب علينا تصديق هذا التفسير لأن كل أتباعه كانوا يهوداً، أي إنهم انتموا للأمة التي تؤمن إيماناً مطلقاً -أكثر من أية أمة أخرى -بأنه ليس هناك إلا إله واحد وبأنه لا يمكن أن يوجد إله آخر. ومن الغريب جداً أن تظهر مثل هذه البدعة الشنيعة بين آخر شعب من بين كل الشعوب يُحتمل فيه ارتكاب مثل هذا الخطأ. بل على العكس من ذلك، فإنه يتكون لدينا الانطباع، ونحن نقرأ الإنجيل، أنه لم يكن من أتباعه المباشرين أو حتى كُتّاب العهد الجديد من اعتنق هذه العقيدة بسهولة مطلقة. “
الله يقف دائماً منفصلاً عن خليقته فليس البشر امتداداً لله. وفيما يلي أحد عشرة مثالاً لمواضع في العهد الجديد يُدعى فيها يسوع” الله”.
(١) في الإصحاح الأول من الرسالة إلى العبرانيين عدد ٨ الذي يُظهر تفوق المسيح على الملائكة والأنبياء، تقول كلمة الله:” وأما عن الابن (يقول الله) كرسيك يا الله (ثيوس) إلى دهر الدهور”. إن هذا الشاهد الكتابي يستشهد استشهاداً مباشراً بمزمور ٤٥: ٦-٧ حيث يخاطب الله” الآب “الله” الابن”، وهي ترجمة صحيحة للنص اليوناني.
(٢) دعا بطرس المسيح” الله”(ثيوس)، حيث كتب” سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله إلى الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لنا ببر إلهنا (ثيوس) والمخلص (الذي هو مخلصنا) يسوع المسيح” (٢بطرس ١: ١). واسم يسوع المسيح مُستخدم هنا لغوياً كبدل من الله والمخلص حسب النص اليوناني (ويمكن استخدام البدل في اللغة اليونانية كشرح لاسم سابق أو كمساوٍ له). وذلك بحسب قاعدة Granville Sharpe في اليونانية. أما حرف العطف” و”(Kai في اليونانية) فيربط الاسمين بدون أي أنفصام؛ وهذا يعني أن البدل (الكلمة التي تعطي اسماً جديداً للأسم السابق) يسوع المسيح يعود بالضرورة على كل من “الله”و”المخلص” أي إن يسوع المسيح هو إلهنا ومخلّصنا.
ويؤكد المتخصصون في قواعد اللغة اليونانية أن شخصاً واحداً فقط هو المقصود يقوله إلهنا و”المخلص” لا شخصين. يقول “واينر شميدل”في كتابه قواعد اللغة اليونانية (ص 158): تفرض القواعد فرضاً أن المقصود هو شخص واحد فقط. ويصرّح “أي. تي. روبرستون” في مؤلفه “صورة لفظية في العهد الجديد” (المجلد السادس ص 147) “شخص واحد لا شخصان.” (قارن هذا مع ما يقوله “مولتون” في مؤلفه “قواعد العهد الجديد” المجلد الثالث ص 181. و”دانا وماني”في كتابهما “دليل قواعد اللغة اليونانية” ص 147). فهم يتفقون جميعاً بأن يسوع المسيح هو الله والمخّلص. أي الله المخلصّ.
(3) أستخدم بولس نفس قاعدة Granville Sharpe عندما طلب من تيطس أن ينتظر ظهور مجد الله العظيم ومُخلّصنا يسوع المسيح (تيطس 2: 13).
(4) قال توما الذي شك في قيامة يسوع “إن لم أبصر في يديه أثر المسامير… وأضع يدي في جنبه، لا أومن” (يوحنا 20: 25). وعندما ظهر يسوع لتوما قال له: “هات اصبعك إلى هنا وأبصر يدّي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً”. أجاب توما وقال له: “ربي وإلهي”(يوحنا 20: 27 ،28). ليس هناك شك في أن كلمات توما كانت موجهة إلى يسوع. وقد استخدم توما كلا اللقبين للعبير عن فهمه لألوهية المسيح وربوبيته. لم يوّبخ يسوع توما على تجديف قام به. وإنما قبِل اللقبين الدالين على ألوهيته. (عدد 29)
(5) يقول أعمال 2: 36 “الله جعل يسوع… رباً ومسيحاً” ويعَزّز العدد 39 عن الله على أنه الرب إلهنا. ويتتي أعمال 10: 36 هذه النقطة فيقول إن “يسوع المسيح هذا هو رب الكل”.
(٦) يشير أعمال ١٦: ٣١، ٣٤ إلى الإيمان بالرب يسوع والإيمان بالله.
(٧) تقول رؤيا ٧: ١٠-١٢، ١٧” وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين”: الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف، وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش، والشيوخ والحيوانات الأربعة وخروا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله قائلين: آمين! البركة والمجد والحكمة والشكر والكرامة والقدرة والقوة لإلهنا إلى أبد الآبدين. آمين… لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية (ماء الحياة) ويمسح الله كل دمعة من عيونهم”. لاحظ في العدد العاشر أن الله هو الذي يجلس على العرش، وأن الخروف يسوع هو الذي يجلس وسط العرش في العدد ١٧. فمٓن هو الذي في وسط العرش؟ فإذا قلنا إن يسوع يجلس في وسط العرش مع إنكارنا لألوهيته فإن معنى هذا إننا نُجرد الله من مكانه الأبدي في السماء، وهو ادعاء لا يمكن الدفاع عنه.
(٨) يتحدث أعمال الرسل ١٨: ٢٥ عن طريق الرب، وهو نفس الطريق الموجود في العدد ٢٦ الذي يليه. غير أن الكلمة المستخدمة في العدد ٢٦ في الأصل اليوناني هي” الله”.
(٩) هناك اسم آخر للمسيح المنتظر وهو عمانوئيل (إشعياء ٧: ١٤)، المترجم حرفياً إلى” الله معنا”. وينسب هذا اللقب بكل وضوح في متى ١: ٢٣ إلى يسوع” هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويُدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره:” الله معنا”.
(١٠) يقول إشعياء ٩: ٦” لأنه يولد لنا ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً (الله القدير)، أباً أبدياٌ، رئيس السلام”. تشير هذه النبوءة المختصة بيسوع -المسيّا-إلى أن أحد أسمائه سوف يكون (الله القدير)، وفي العبرية El Gibbor وهو نفس التعبير المستخدم عن يهوه في إشعياء ١٠: ٢١. ما نقصده هو أن الروح القدس ميّز يسوع بمثل هذه الأسماء؛ ولو لم يكن مقصوداً لهذه الأسماء أن تعبّر عن طبيعة الطفل المولود لكان ذلك خداعاً. وتعبير” يدعى اسمه”معناه أن هذه هي طبيعته وهذا هو شخصه، لأن هذا ما يعنيه اسمه دون أن يكون للطفل المولود الطبيعة التي يدل عليها هذا الاسم.
يقول” هيربيرت سي. ليوبولد”: هذه هي الطبيعة التي سوف يتمتع بها الطفل المولود، فهو يُدعى بهذه الأسماء لأنه في حقيقة الأمر يتمتع بنفس الطبيعة التي يدل عليها اسمه. ” فلو لم يكن يسوع هو الله القدير، لن يكون هو” مشيراً عجيباً “أو ” رئيس السلام”، ولو لم تكن هذه كلها تنطبق عليه فلماذا يُدعى بها أصلاً؟ لماذا يخبرنا عن معنى الاسم لو لم تكن له علاقة به؟ لكن المسيا المنتظر، كما توضح بقية نصوص سفر إشعياء والعهد الجديد،” مشير عجيب ورئيس السلام”(إشعياء ٤٢، ٤٩؛ قارن زكريا ٩: ٩، ١٠؛ ميخا ٥: ٤). وهو أيضاً الله القدير كما يبرهن العهد الجديد (يوحنا ١: ١، تيطس ٢: ١٣).
(١١) يقول يوحنا ١: ١، ١٤ “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله (ثيوس) والكلمة صار جسداً وحل بيننا”. لا توجد فقرة أكثر شيوعاً في الإستخدام، أو أكثر إثارة للجدل حول ألوهية المسيح من يوحنا ١: ١، ولا شك في أن الكلمة تشير إلى يسوع؛ لأن العدد ١٤ يقول ” والكلمة صار جسداً وحل بيننا”. لذلك إذا أخذنا العددين ١، ١٤ كما هما، فإنهما يعلّمان ألوهية المسيح ويصرّحان بأن الكلمة كان عند الله، وأن الله صار جسداً.
إذا أنكر المرء لاهوت المسيح بعد قراءتنا لهذين العددين فسوف يكون مضطراً لترجمة يوحنا ١:١ ترجمة خاطئة أو محاولة إعادة تفسيرها. وإحدى هذه الطرق الخاطئة في ترجمتها هي القول، وكان الكلمة” إلهاً” بدلاً من” وكان الكلمة الله”. ومشكلة هذه الترجمة أن النص اليوناني لا يجيز هنا مطلقاً استخدام الله كنكرة في هذا السياق.
يشير” بروس ميتسجر”. أحد دارسي اللغة اليونانية، إلى بحث علمي كتبه الدكتور” إيرنست كادمن كولويل”من جامعة شيكاغو. كتب كولويل يقول:
” الخبر المرفوع يأخذ “الـ” التعريف في اليونانية عندما يتبع الفعل، ولا يأخذ “ال” التعريف عندما يسبق الفعل (في الأصل اليوناني تستخدم الكلمة مبتدأ وتسبق الفعل ثم يأتي لفظ الله خبراً) “والكلمة الله” بدلاً من الترجمة العربية “وكان الكلمة الله”. والعدد الأول من انجيل يوحنا هو أحد الأعداد الكثيرة التي تنطبق عليها تلك القاعدة، وتدل على أن الخبر (الله) اسم مُعرّف حتى بدون استخدام ال التعريف، وغياب ال التعريف قبل كلمة “ثيوس” لا يجعل الخبر نكرة أو صفة عندما يسبق الفعل، وهو لا يكون نكرة إلا عندما يحتم السياق ذلك. لكن السياق هنا لا يدع مجالاً لذلك في الإنجيل بحسب يوحنا، لأن مثل هذا التصريح عن لاهوت المسيح لا يمكن أن يُعتبر غريباً عن روح إنجيل يوحنا الذي يصل إلى قمته باعتراف توما بألوهية المسيح وربوبيته. “
ويقول ” ف. ف. بروس” وهو خبير في لغات الكتاب المقدس، إن ترجمة عبارة” وكان الكلمة الله “في الإنجليزية مثلا باستخدام The خطأ مخيف في الترجمة لأن حذف ال التعريف أمر شائع مع الأسماء التي تأتي في تركيب خبري.
وهكذا فإن يوحنا ١: ١ من أوضح الأعداد في العهد الجديد التي تُعبّر عن لاهوت المسيح المطلق، ولقد ناقش هذا التركيب عدد كبير من عظام علماء اللغة اليونانية والكتاب المقدس. ويمكننا إعادة صياغة هذا العدد كما يلي:” قبل أن يوجد أي شيء كان الكلمة موجوداً أصلاً، وكان يتمتع بعلاقة وثيقة مع الله (الآب)، كان الكلمة كل ما كأنه الله. “
يقول” ف. ف. بروس “إن التركيز ينصب على أن الكلمة” كان الله نفسه”.
يسأل بعض الناس أحياناً كيف يمكن أن يكون يسوع هو ” الله” و” عند الله “في نفس الوقت. والجواب موجود في مفهوم الثالوث: إله واحد في ثلاثة أقانيم أبدية. لقد كان” الكلمة “المذكور في يوحنا ١: ١ مع الأقنومين الآخرين من أقانيم الثالوث، وهو الله نفسه بطبيعته.
هناك مجموعة كبيرة تُعرف باسم ” الطريق الدولي” تقول بأن يسوع هو الكلمة بمعنى أنه كان تعبيراً عن الله، كما تُعبر كلماتنا عن أنفسنا. ولا تؤمن هذه المجموعة بأن يسوع الكلمة بمعنى أنه الله. ودعماً لوجهة نظرهن قالوا بأن يوحنا ١: ١-١٨ تتكلم أساساً عن الله وليس عن يسوع؛ لأنها إن كانت تتكلم عن يسوع، فسوف تنسب له صفات لا يجوز أن تكون إلا لله. وهكذا، وبقدر الإمكان فإنهم يحاولون إخراج يسوع من دائرة الضوء زاعمين أن الاصحاح الأول من يوحنا هو عن الله.
غير أن هناك نقائص ومشاكل كثيرة في تفسيرهم هذا. أولاً: لو كان المُتحدث عنه بضمير الغائب “هو” في الأصحاح الأول من يوحنا هو الله وليس يسوع، يصبح كل الأصحاح الأول بلا معنى؛ لأن هدف إنجيل يوحنا هو أن يؤمن البشر بيسوع.
يقول يوحنا في العدد الرئيسي من أنجيله: “وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح أبن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يوحنا 20: 31). ولهذا يبدو منطقياً أن ترتبط مقدمة إنجيل يوحنا بالهدف الذي قصد إليه.
ثانياً: كل ما تتحدث عنه الأعداد الثمانية عشر الأولى من إنجيل يوحنا ينسب ليسوع في أماكن أخرى من الإنجيل أو في فقرات العهد الجديد. فيما يلي بعض الأمثلة:
الأصحاح الأول
فقرات موازية
العددان 3، 10: خلق يسوع العالم
كان له دور رئيسي في خلق العالم (عبرانيين 1:1، 2، 8-13؛ كولوسي 1: 16-18
العدد 4:
قال يسوع إنه هو؛” القيامة والحياة” “الطريق والحق والحياة” (يوحنا 6: 35، 48، 51؛ 11: 25؛ 14: 16). ويقول يوحنا 20: 31 إنه يمكن للبشر أن يحصلوا على الحياة بالإيمان بيسوع.
الأصحاح الأول
فقرات موازية
العدد 12:” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه”
ضح يوحنا في إنجيله أنه على الناس أن يؤمنوا بيسوع (يوحنا 3: 16-18؛ 5: 24؛ 12: 44؛ 20: 31 … إلخ)
ويسوع يمنح الحياة الأبدية (يوحنا 10: 28)
العددان 4، 9 كان هو” نور الناس”و” النور الحقيقي”
قال يسوع إنه” نور العالم” (يوحنا 8: 12 ؛ 9: 5)
العدد 10″ كان في العالم”
مَنْ؟ من المنطقي أن يشير هذا العدد إلى يسوع. فالتوكيد يتركز على مجيء يسوع إلى العالم. (يوحنا 3: 17؛ 6: 23… الخ)
العدد 11″ إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله”
رفض اليهود يسوع، لا الله كما فهموا الله (يوحنا 3: 32).
لقد إعتقدوا أنهم برفضهم ليسوع يحققون إرادة الله.
الألف والياء .. الأول والآخر
هذان التعبيران” الألف والياء” يقدمان وصفاً جميلاً لله يبعث على الخشوع. فالله كان موجوداً قبل وقت طويل جداً من وجود النجوم في السماء ووجود عالمنا، وهو أزلي أبدي. يقول تكوين ١: ١” في البدء … الله”. والله وحده يستحق لقبي الألف (الأول) والياء (الآخر).
وهكذا فإن هذين الإسمين يعبِّران عن طبيعة الله الأبدية، إنه مصدر كل الخليقة وهدفها، ولا يستطيع إي كائن مخلوق أن يدّعي أنه الأول وأنه الآخر وأنه سابق كل ما هو موجود. لذلك يُدعى كل من يسوع والله “الألف والياء، الأول والآخر” في الكتاب المقدس.
الله
يسوع
إشعياء 41: 4″ أنا الرب (يهوه) الأول ومع الآخِرين أنا هو”.
رؤيا 1: 17، 18″ أنا هو الأول (بروتوس) والآخر (إسكاتوس)، والحي وكنت ميتاً، وها أنا حي إلى أبد الآبدين”.
إشعياء 48: 12″ أنا هو. أنا الأول والآخر”.
رؤيا 2: 8″ وإلى ملاك كنيسة سميرنا. هذا يقوله الأول والآخر، الذي كان ميتاً فعاش”.
رؤيا 1: 8″ أنا الألف والياء، البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء”.
رؤيا 22: 12-16″ وها أنا آتي سريعاً …انا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر … أنا يسوع، أرسلت ملاكي لأشهد لكم بهذه الأمور. ..”.
لا يمكن التقليل من أهمية الفقرات السابقة من سفر الرؤيا ودلالاتها. فهي بعض من أقوى الأمثلة وأوضحها لتصريحات المسيح بألوهيته. إذ لا يمكن أن يكون هناك أوّلان وآخران أو بدايتان ونهايتان.
الرب
يستخدم الكتاب المقدس بعديه القديم والجديد لقب” الرب”بحرية للإشارة لله وليسوع المسيح. والكلمة التي يستخدمها العهد القديم لتشير إلى الرب هي أدوناي، بينما تستخدم الترجمة السبعينية والعهد الجديد كلمة” أدوناي”و” كيريوس”للإشارة إلى الله.
استخدم العهد الجديد كلمة” كيريوس”بمعنيين .. معنى شائع عام، وآخر مقدَّس. كان الاستخدام الشائع تحية إحترام تعني” سيدي” أو” سيد”، أما المعنى المقدس فكان يفيد الألوهية. ومن الواضح أن بعض فقرات العهد الجديد تستخدم كلمة” رب”كتعبير يدل على تبجيل يسوع، كما في يوحنا ٤: ١١” قالت له المرأة: يا سيد، لا دلو لك والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحي؟ “. ولأن المسيحيين الأوائل كانوا يؤمنون بإله واحد (كاليهود)، كان استخدامهم لكلمة” رب”بالمعنى المقدس في مخاطبة يسوع دليلاً قوياً على إعتقادهم بأن المسيح هو الله. يقول” هوج”و” فاين”في كتابتهما حول رسالتي بولس إلى أهل تسالونيكي:
” نرى الدلالة الكاملة لربط يسوع مع الله بلقب واحد هو” الرب”عندما ندرك أن هؤلاء الرجال كانوا ينتمون إلى الأمة الوحيدة الموحدة في العالم. وكان ربط اليهودي للخالق بشخص مخلوق مهما بلغ تعظيمه له، أمراً مستحيلاً على الرغم من أنه كان أمراً ممكناً بالنسبة لشخص وثني. “
وكان الرومانيون الذين عبدوا الإمبراطور كإله يُحيّون بعضهم بعضاً بقولهم:” قيصر رب”. لذلك كان أحد أسباب اضطهاد الرومان للمسيحيين الأوائل واليهود هو رفضهم تقديم هذا النوع من الإجلال للإمبراطور. وتوضح هذه الممارسة الدلالة او الأهمية التي ينطوي عليها استخدام المسيحية لتعبير” يسوع رب”أي رب بمعنى” الله”.
هناك عدة أمثلة واضحة يُشار فيها إلى يسوع بكلمة” رب”بالمعنى المقدَّس. كتب بولس قائلاً:” وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس” (١كورنثوس ١٢: ٣). قد يعترض البعض فيقولون:” أنا أؤمن أن يسوع هو ربي، ولكني بالتأكيد لا أعتقد أنه الله.” والسؤال المهم هو ما المقصود بكلمة رب؟ ويستطيع أي شخص أن يتفوه بعبارة “يسوع رب”، كما يقولها بعضهم بمعنى أن يسوع “سيد”، لكن ليس هذا هو ما قصده بولس! فهناك عدة دلائل تشير إلى أن بولس يتحدث عن ألوهية يسوع.
(١) بدأ بولس الإصحاح الثاني عشر بالتحدث عن المواهب الروحية، وحقيقة أن أهل كورنثوس كانوا منقادين سابقاً إلى عبادة الأوثان كآلهة. ويظهر بولس الفرق الشاسع بين هذه الآلهة الزائفة (العددان ١، ٢). وبين يسوع عندما يقول إنه لا يمكن لمن يتكلم بالروح القدس أن يقول أنا يسوع أناثيما (أي ملعون) ولا يستطيع أحد أن يعترف بأن يسوع رب إلا بالروح القدس، وهو بذلك يقصد أن يسوع الرب هو الله الحقيقي المستحق العبادة.
(٢) تعامل بولس في العدد ٣ مع الروح القدس ويسوع والله على أسس متساوية. كما تُظهر الأعداد ٤-٦ الأمور التالية:
العدد ٤: فأنواع مواهب، ولكن الروح واحد.
العدد ٥: وأنواع خِدم موجودة، ولكن الرب واحد (أي يسوع كما في العدد الأول)؛
العدد ٦: وأنواع أعمال موجودة، ولكن الله واحد. فإذا لم يكن المسيح هو الله، فلماذا يُعامل على قدم المساواة معه في العدد الخامس؟ كما يتحدث العددان الحادي عشر والثامن عشر عن الروح القدس والله على أنهما متساويان.
لو أننا سألنا شخصاً ينكر ألوهية المسيح عما إذا كان” يصلي إلى الرب” أم لا، فإنه سيسأل” مَنْ الذي تقصده؟ “وهذا هو محور الموضوع. فنحن نجد في الكتاب المقدس أن الله ويسوع يُدعيان الرب. والجواب الذي يحتمل أن نحصل عليه هو” أنا أصلي إلى الله، لكني لا أؤمن بالصلاة ليسوع”. وجواباً على مثل هذا القول، فإن هناك خمسة أمثلة في العهد الجديد تُقدَّم فيها الصلاة ليسوع في السماء كالرب (أو ابن الله).
(١) في أعمال ٧: ٥٩، ٦٠ دعا استفانوس يسوع رباً. صلّى أثناء رجمه فقال ” أيها الرب يسوع، اقبل روحي. “وهذا يشير إلى إيمانه بأن يسوع أكثر من مجرد إنسان، وأنه قادر إلى درجة تكفي لقبول روحه، ثم جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم قائلاً:” يارب، لا تُقِم لهم هذه الخطية”ومن المعروف أنه لا يمكن ليهودي يوناني تقي أن يصلي لأي شخص أقل من الله.
(٢) كتب بولس الرسول في ١كورنثوس ١: ٢ إلى” المقدَّسين… الذين يَدْعون باسم ربنا يسوع المسيح في كل مكان، لهم ولنا (أي ربهم وربنا) “.
(٣) وتحدث بولس الرسول في ٢كورنثوس ١٢: ٨، ٩ عن شوكة في الجسد فقال” من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني. فقال لي” تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تُكمَل، فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل عليّ قوة المسيح”.
(٤) ونقرأ في رسالة يوحنا الأولى ٥: ١٣-١٥” كتبت هذا إليكم، أنتم المؤمنين باسم ابن الله، لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية، ولكي تؤمنوا باسم ابن الله. وهذه هي الثقة التي لنا عنده: أنه إن طلبنا شيئاً حسب مشيئته يسمع لنا. وإن كنا نعلم أنه مهما طلبنا يسمع لنا، نعلم أن لنا الطلبات التي طلبناها منه”. إن كل الضمائر الموصوله والمستترة (وهي ضمائر غير مستترة باللغة اليونانية الإصلية) تشير إلى ابن الله (عدد ١٣).
(٥) قال سيمون في أعمال ٨: ٢٤ ” اطلبا (صليا) إلى الرب…” (يذكر العدد ١٦ أن يسوع هو “الرب”).
لقد أكد بطرس وبولس أن يسوع هو” رب الكل”(أعمال ١٠: ٣٦؛ رومية ١٠: ١٢)، كما قال بولس: “لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (١كورنثوس ٢: ٨). مَنْ هو رب المجد؟ يخبرنا مزمور ٢٤: ١٠” رب الجنود هو ملك المجد”(انظر أيضاً مزمور ٩٦: ٧، ٨).
كما دعا بولس يسوع رباً في ٢كورنثوس ٤: ٤، ٥ فقال” إله هذا الدهر (الشيطان) قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله. فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع رباً، ولكن بأنفسنا عبداً لكم من أجل يسوع”. وهكذا فإن المسيح الذي هو صورة الله، رب.
وقد استخدم بولس نفس اللغة والمجاز الذين استخدمهما إشعياء في العهد القديم عن يهوه ليُطبقهما على المسيح.
الله
يسوع
” … أنا الله وليس آخر … لي تجثو كل ركبة، يحلف كل لسان” (إشعياء ٤٥: ٢٢-٢٤)
” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممَن في السماء ومَن على الأرض ومَن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب المجد الله الآب” (فيليبي ٢: ١٠، ١١)
ولم يكن بولس الفريسي والعالِم بالعهد القديم ليستخدم هذا التماثل أو التطابق صدفة. أشار يسوع إلى نفسهِ على أنه” رب السبت”وهي إشارة إلى نفسه كخالق للسبت. قال الله في خروج ٣١: ١٣، ١٧ “سبوتي تحفظونها. لأنه علامة بيني وبينكم… بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد”. لقد نظر اليهودي إلى يهوه على أنه بادئ السبت (خالقه) وربه. وعندما وبّخ بعض الفريسيين يسوع لأنه سمح لتلاميذه بأن يقطفوا السنابل في السبت-كاسرين بذلك الناموس لأنهم عملوا في هذا اليوم المقدس-قال لهم يسوع إنه لا بأس بذلك لأنه” رب السبت” (متى ١٢: ٨). يقول “سي. إس. لويس. “:
” نجد هنا ملاحظة أخرى غريبة: توجد في كل ديانة شعائر غير مريحة مثل الصيام. فيأتي هذا الإنسان يوماً ما ليقول:” ليس مم الضروري أن يصوم أحد ما دمت هنا. “فمَنْ هو هذا الإنسان الذي يقول إن مجرد حضورة يعلّق كل القوانين العادية؟ مَن هو الشخص الذي يستطيع فجأة أن يُعلن للمدرسة أنَّ بإمكان الهيئة التدريسية والطلاب أن يأخذوا عطلة لنصف يوم؟ “
لقد اعتبر اليهود الذين سمعوا كلامه هذا تجديفاً، ثم دخل يسوع في نفس يوم السبت إلى مجمعهم مؤكداً مرة أخرى نقطة العمل يوم السبت والذي تمثل في شفائه لرجل ذي يد يابسة، مما زاد من حنقهم عليه. لأن هذا العمل كان بمثابة كسر للسبت حسب فهمهم له. كذلك عندما صرّح بأن له سلطاناً لا يمكن أن يكون إلا لله، زاد سخطهم عليه وحاولوا قتله (متى ١٢: ١٤).
نعود فنقول بأنه لا يمكن أن يوجد إلا إله واحد حسب تثنية ٦: ٤، ومرقس ١٢: ٢٩.
المخلّص
لقد صرح إله العهد القديم بشكل حاسم بأنه وحدة المخلّص” أنا أنا الرب (يهوه) وليس غيري مخلّص”(إشعياء ٤٣: ١١)، غير أن الكتاب المقدس يوضح أن يسوع هو أيضاً مخلّص.
يسوع
متى ١: ٢١” وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم”.
يوحنا 1: 29 ” وفي الغد نظر يسوع… فقال، هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم”.
يوحنا ٤: ٤٢” هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم”.
عبرانيين ٥: ٩” صار لجميع الذين يُطيعونه سبب خلاص أبدي”.
لوقا ٢: ١١” إنه وُلد لكم اليوم في مدينة داود مخلص. هو المسيح الرب”.
طلب بولس من تيطس أن ينتظر” الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومُخلصنا يسوع المسيح”(تيطس ٢: ١٣). والسياق العام لهذا العدد هام، لأنه كان قد ذُكر قبل ثلاثة أعداد أن الله هو المُخلّص” مخلصنا الله”(عدد ١٠). ويقول في تيطس ٣: ٤” مخلصنا الله”وفي العدد ٦ “يسوع المسيح مُخلصنا”. فهو يستخدم في اثني عشر عدداً كلمتي المسيح والله بشكل تبادلي بحيث يمكن أن تحل الأولى محل الثانية.
الملك
” الملك”لقب يُعبر عن جلالة الله. كتب داود صاحب المزامير” لأن الرب إله عظيم”ملك كبير على كل الآلهة”(مزمور ٩٥: ٣). وقال الله” أنا الرب قدوسكم… ملككم”(إشعياء ٤٣: ١٥). يتحدث الكتاب المقدس أكثر من ثلاثين مرة في أسفار المزامير، وإشعياء، وأرميا، ودانيال، وزكريا، وملاخي عن الله بوصفة الملك أو ” الملك العظيم” أو” ملك إسرائيل”.
وعلى الرغم من أن مصطلح الملك لقب بشري غالباً، فإن العهد الجديد لا يتحدث عن المسيح كملك بنفس المعنى الذي يتحدث فيه العهد القديم عن الله فحسب، لكن يسوع يُدعى أيضاً” ملك الملوك”. إذ نقرأ في رؤيا ١٧: ١٤” …والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك”. وستكون الكلمات التالية مكتوبة علو فخذ يسوع عند مجيئه الثاني” ملك الملوك ورب الأرباب”(رؤيا ١٩: ١٦). ويُشار إلى الرب يهوه في العهد القديم على أنه” إله الآلهة ورب الأرباب”(تثنية ١٠: ١٧).
كذلك هناك أهمية خاصة لتيموثاوس الأولى ٦: ١٤-١٦ تقول” …إلى ظهور ربنا يسوع المسيح، الذي سيُبينه في أوقاته المبارك العزيز الوحيد؛ ملك الملوك ورب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت (الأبدية) ساكناً في نور لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية، آمين. “
يمكن أن يشير” ملك الملوك ورب الأرباب”إلى المسيح أو الله. فإذا كانت تتحدث عن المسيح في حالته الممجدة (رؤيا ١: ١٢-١٨)، فقوله” العزيز (صاحب السيادة) الوحيد وملك الملوك ورب الأرباب، والذي له وحده عدم الموت (الأبدية) وساكناً في نور لا يدنى منه” يصبح كله القاباً تدل على ألوهيته. وإن كانت هذه الفقرة تتحدث عن الله فمعنى ذلك أن كلاً من المسيح والله يشتركان في اللقبين المتطابقان” ملك الملوك ورب الأرباب”كما تبين الفقرات الأخرى التي أشرنا إليها (رؤيا ١٧: ١٤ مثلاً) وفي كلتا الحالتين فهي تقدم دليلاً على ألوهية المسيح.
الديّان
لم يترك العهد القديم مجالاً للشك بأن الله هو ديّان كل نفوس الناس. ” يدعو السماوات من فوق و الأرض إلى مداينة شعبه… لأن الله هو الديّان”(مزمور ٥٠: ٤، ٦). وهناك إشارات كثيرة إلى يهوه كديّان (تكوين ١٨: ٢٥؛ مزمور ٩٦: ١٣؛ عبرانيين ١٢: ٢٣، ٢٤؛ بطرس ١: ١٧). غير أننا نجد في العهد الجديد أن الله الآب أعطى” كل الدينونة للابن”(يوحنا ٥: ٢٢). ويوضح لنا العدد ٢٣ سبب إعطاء الله كل الدينونة للابن” لكي يُكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، من لا يُكرم الابن لا يُكرم الآب الذي ارسله”. هل الآب مُكرم بوصفه الله؟ بالطبع. إذاً يجب أن يُكرم الابن بنفس الطريقة.
يوحنا ٥: ٧-٣٠ واحدة من أقوى الفقرات في كل الكتاب المقدس التي تؤكد ألوهية المسيح. ويسوع هو” العتيد أن يدين الأحياء والأموات ” (٢تيموثاوس ٤: ١). وسوف يمثُل كل المؤمنين أمام” كرسي المسيح ” (٢كورنثوس ٥: ١٠). وتتحدث رومية ١٤: ١٠ عن أن الوقوف أمام كرسي المسيح هو إعطاء حساب عن أنفسنا لله نفسه. كما أن يهوه والمسيح كليهما يفحصان قلوب المؤمنين” أنا هو الفاحص الكلى والقلوب ” (رؤيا ٢: ٢٣؛ إرميا ١٧: ١٠). وهكذا يتضح لنا أن يسوع ويهوه ديان واحد.
النور
يستخدم تعبير” النور” غالباً للإشارة بشكل مجازي لله وحضوره أو إعلانه .. فالله هو” النور”، و”النور الأبدي”، “ونور الأمم”، والسراج”، وهو الذي يُضيء الظلمة (مزمور ٢٧: ١؛ إشعياء ٤٢: ٦؛ ٦٠: ١٩، ٢٠؛ صموئيل ٢٢: ٢٩).
قدم يسوع تصريحاً قوياً عن نفسه بأنه النور، لا مجرد شخص يشير إلى النور. إذ قال:” أنا هو (ego eimi) نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة، بل يكون له نور الحياة”( يوحنا ٨: ١٢). وقال أيضاً مُشيراً إلى نفسه:” وهذه هي الدينونة، أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور”. (يوحنا ٩: ٥). كما وصفه الرسول يوحنا بأنه” نور الناس”و” النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان ” (يوحنا ١: ٤، ٩)، فكما أن الله هو النور الأبدي فيسوع هو أيضاً كذلك (إشعياء ٦٠: ١٩، ٢٠؛ رؤيا ٢١: ٢٣؛ ٢٢: ٥).
الصخرة
كلمة ” الصخرة ” يمكن أن تعني أشياء كثيرة. لكن عندما تصبح اسماً لله فإنها ترمز إلى تعزية الله لنا، وثباته وصلابته وقوته. لقد ترك موسى قبيل موته لأبناء أمته ترنيمة تذكرهم بطبيعة الله وبما فعله من أجلهم. استخدم في هذه الترنيمة اسمين لله هما: يهوه والصخرة ” إني باسم الرب أنادي. أعطوا عظمة لالهنا. هو الصخر الكامل صنيعته !” (تثنية ٣٢: ٣، ٤؛ انظر تثنية ٣٢: ١٥، ١٨، ٣٠، ٣١). وقد دعا داود صاحب المزامير الله إلهي و ” صخرة خلاصي” (مزمور ٨٩: ٢٦؛ ٩٥: ١)، كما قدَّم داود له العبادة كصخرة له “الرب صخرتي” و “صخرة اسرائيل” (٢صموئيل ٢٢: ٢، ٣، ٤٧؛ ٢٣: ٣). ونجد في ٢صموئيل ٢٢: ٣٢ سؤالاً استنكارياً:” لأنه مَن هو إلى آله غير الرب ومَن هو صخرة غير إلهنا ؟”
وفي العهد الجديد يعطى يسوع لقب ” الصخرة”. فقد أشار بولس إلى بني إسرائيل في البرية مع موسى فقال ” وجميعهم أكلوا طعاماً واحداً روحياً، وجميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً. لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح “(١كورنثوس ١٠: ٣، ٤؛ انظر خروج ١٧: ٦؛ نحميا ٩: ١٥). كان بولس يشير رمزياً هنا إلى بني إسرائيل الذين يقوتهم الله -فكان يهوه يعطيهم المَن من السماء (العدد ٣)، وكان المسيح يعطيهم الشراب (العدد ٤). فمن الواضح إذاً أن بولس كان يؤمن بأن المسيح هو يهوه.
كما تحدّث بولس عن يسوع بوصفه” صخرة عثرة”( رومية ٩: ٣٣). وأشار له بطرس على أنه” حجر حي”، و” حجر صدمة”، و” صخرة عثرة”، و ” حجر مختار”، و”حجر زاوية كريم”، و”الحجر الذي رفضه البناؤون”.
الفادي
تعني كلمة الفادي الشخص الذي يُعيد شراء شيء. وعندما كان الجنس البشري مفلساً روحياً وعاجزاً عن تخليص نفسه، بذل الله عن طيب خاطر حسب علمه السابق (أعمال ٢٣: ٢) ابنه من أجل فداء الجميع، فاتحاً الباب لأي شخص للمصالحة مع الله. تقول كلمة الله ” عنده فديً كثير” ( مزمور ١٣٠: ٧، ٨)، وإنه “الفادي” (إشعياء ٤٨: ١٧؛ ٥٤: ٥؛ ٦٣: ٩)، وهو الذي يفدي من “الحفرة” حياتنا (مزمور ١٠٣: ٤)، ولا يمكن أن يأتي الفداء النهائي من الخطية إلا من الله.
يسوع المسيح هو فادينا من الخطية” لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا”(أفسس ١: ٧). فيسوع هو الذي اشترى لنا فداءاً أبدياً (عبرانيين ٩: ١٢). كما طلب بولس من شيوخ أفسس أن يرعوا” كنيسة الله التي اقتناها “(اشتراها وافتداها) بدمه” (أعمال ٢٠: ٢٨). ولا يمكن أن يشير هذا إلا إلى موت المسيح على الصليب. فيسوع هو الله الابن فادينا.
الرب برنا
تنبأ العهد القديم، نظراً لحاجة البشرية للبر وعجزنا عن الوصول إلى مستوى القداسة الذي يطالبنا الله به (رومية ٣: ٢٣)، بأن يهوه سوف يقيم يوماً” غصن بر “من أصل داود يكون اسمه” الرب برنا “( إرميا ٢٣: ٦؛ ٣٣: ١٥، ١٦). وهذا الغصن حسب تعليم العهد القديم هو المسيا المنتظر أو المسيح (قارن مع لوقا ١: ٣٢). وهكذا فإن أحد أسماء يسوع هو الرب (يهوه) برنا. ويقول لنا إشعياء ٤٥: ٢٤ إنه ليس أي بر إلا في يهوه الرب” إنما بالرب البر”.
الزوج العريس
أحد الجوانب الجميلة للقب” الزوج “عندما يستخدم للدلالة على الله. هو أنه يذكرنا بأن الله يحبنا ويشتاق إلى أن يملأ الفراغ والوحدة الموجودين في قلوب الناس -كما يفعل الزوج المحب ليسدد احتياجات زوجته (والعكس صحيح أيضاً). ذكر إشعياء بنو إسرائيل بقوله:” لأن بعلك (زوجك) هو صانعك”( إشعياء ٥٤: ٥). وفي سفر هوشع نجد أن الله يقارن محبته لإسرائيل بمحبة زوج أمين لزوجة غير مخلصة. لقد أعطى الله وعداً بأنه على الرغم من أن الدينونة قادمة. فإن إسرائيل سوف يدعو الله مرة أخرى” رَجُلي ” ( هوشع ٢: ١٦)- أي زوجي أو عريسي.
وكما ينظر العهد القديم إلى الله كزوج لإسرائيل، فإن العهد الجديد يرى في يسوع زوج (عريس) الكنيسة. قال يسوع إن تلاميذه كانوا محقّون في عدم الصوم لأن” العريس “معهم (مرقس ٢: ١٨؛ ١٩). ويطلب المسيح في متى ٢٥: ١ من العذارى (الكنيسة) أن ينتظروا العريس أي المسيح نفسه. ويقول بولس في ٢كورنثوس ١١: ٢ إن الكنيسة مخطوبة للزواج من المسيح. ويشير يوحنا في رؤيا ٢١: ٢، ٩ إلى الكنيسة بوصفها عروس مهيأة لرجلها والعروس امرأة الخروف. والعروس الجديدة هي أورشليم السماوية. وهكذا فإن المسيح، مثل الله، هو الزوج الإلهي.
الراعي
” الراعي “مصطلح جميل يشير إلى الله في رعايته للبشر. ولقد رنم داود قائلاً: ” الرب راعيّ فلا يعوزني شيء ” ( مزمور ٢٣: ١)، ويقول في مزمور ٨٠: ١: “يا راعي إسرائيل، اصغ الي يا قائد يوسف كالضأن”. ويشير تكوين ٤٩: ٢٤ إلى الله” الراعي صخر إسرائيل”، كما خصص حزقيال اصحاحاً كاملاً للتحدث عن الله كراعٍ لبيت اسرائيل الضال ” غنم مرعاه “(حزقيال ٣٤).
وعلى الرغم من أن استخدام كلمة الراعي لا يبرهن على الوهية المسيح، فقد دعي بطرس وبولس المسيح” رئيس الرعاة “” وراعي الخراف العظيم “” وراعي نفوسكم وأسقفها ” (١بطرس ٥: ٤؛ عبرانيين ١٣: ٢٠؛ ١بطرس ٢: ٢٥). كما أن يسوع دعا نفسه راعياً مؤكداً أنه ” لراعي الصالح ” ( يوحنا ١٠: ١١)، وأنه الراعي “الوحيد” (يوحنا ١٠: ١٦).
الخالق
يقول أول عدد في الكتاب المقدس: ” في البدء خلق الله السموات والأرض” (تكوين ١: ١)؛ فالله يُعرف بوضوح على أنه الخالق. وقول أي شيء آخر مختلف عن هذا كان يعتبر تجديفاً بالنسبة لليهود. يقول الكتاب المقدس مرة تلو الأخرى على أن الله هو الذي خلق العالم (أيوب ٣٣: ٤؛ مزمور ٩٥: ٥، ٦؛ ١.٢: ٢٥، ٢٦؛ الجامعة ١٢: ١؛ إشعياء ٤٠: ٢٨). يؤكد العهد الجديد ألوهية المسيح بالتحدث عنه كخالق:
” هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان، وبغيرة لم يكن شيء مما كان… كان في العالم وكُوَّن العالم به. ولم يعرفه العالم ” ( يوحنا ١: ٢، ٣، ١٠).
ومن الواضح أن هذه الفقرة تتحدث عن يسوع، ولقد عبّر بولس عن نفس الفكرة:
” فأنه فيه خُلق الكل، ما في السموات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، سواء كان عروشاً أم سياداتً أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلق. الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل” ( كولوسي ١: ١٦-١٨).
يشير النص إلى أن بولس يتحدث عن يسوع، والضمائر المستخدمة تشير إلى شخص واحد. وتتحدث الفقرة عن شخص واحد به خُلقت كل الأشياء. إنه رأس الكنيسة، وهو ” البداءة” (موجود منذ البدء وبادئ كل شيء) و”بكر من الأموات”. ولقد جمع يسوع كل هذه الأمور، وذلك بحسب أفسس ٥: ٢٣؛ يوحنا ١: ١؛ كورنثوس ١٥: ٢٠.
ولقد أكد كاتب الرسالة إلى العبرانيين على نفس النقطة بقوله” الله… كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه. الذي جعله وارثاً لكل شيء. الذي به أيضاً عمل العالمين ” (عبرانيين ١: ١، ٢). وفي نفس الاصحاح الذي يخاطب الابن في العدد الثامن يقول:” وانت يا رب (يسوع) في البدء أسست الأرض. والسموات هي عمل يديك ” (عبرانيين ١: ١٠).
يقول لويس سبيري شيفر:
” عملية الخلق في حد ذاتها أمر لا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، فعندما خلق الله الأشياء المادية، دعاها إلى الوجود من العدم. وهذا التصريح لهو بعيد كل البعد عن فكرة إن لا شيء أنتج شيئاً. فمن الواضح أنه لا يمكن أن ينتج أي شيء من العدم واللاشيء”.
فالكتاب المقدس يقول بأن كل شيء قد ظهر الى الوجود من موارد الله اللانهائية. فالله هو مصدر كل ما هو موجود. لقد تسببت إرادة الله الذاتية الحرة في خلق العالم المادي، كما هو مذكور في رومية ١٠: ٢٦ ” لأن منه وبه كل الأشياء، له المجد إلى الأبد آمين”. يقول هذا العدد بأن الخلق عمل الله، فلا يعزى إلى غيره، لكن في كولوسي ١: ١٦، ١٧ يؤكد -مستخدماً نفس التعبيرات العامة- أن كل الأشياء قد خُلقت بالمسيح وله، وأنه موجود قبل كل الأشياء، وبه خُلقت كل الأشياء.”
مُعطي الحياة
لقد كانت أروع لحظات الخلق تلك التي خلق فيها الله الإنسان، إذ يقول الكتاب” ونفخ في أنفه نسمة حياة “( تكوين ٢: ٧). ويقول الله في تثنية ٣٢: ٣٩، بعد تصريحه” أنا هو وليس إله معي”، بإنه هو الذي يعطي الحياة ” أُحيي ” ( قارن مع مزمور ٣٦: ٩).
قال يسوع: ” لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يُحيي مَن يشاء ” (يوحنا ٥: ٢١). قال يسوع قبيل إحيائه لعازر من بين الأموات: “أنا هو القيامة والحياة” (يوحنا ١١: ٢٥). كما أنه ذهب إلى حد قال معه إنه مُعطي الحياة الأبدية. ” أنا والآب واحد ” (يوحنا ١٠: ٢٨-٣٠). قال يسوع بأن الكتب (مشيراً إلى العهد القديم) تشهد له: “… تشهد لي، ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة” (يوحنا ٥: ٣٩، ٤٠).
غافر الخطايا
الله هو غافر الإثم والمعصية والخطية (خروج ٣٤: ٧، انظر أيضاً نحميا ٩: ١٧؛ مزمور ٨٦: ٥؛ ١٣٠: ٤؛ إشعياء ٥٥: ٧؛ إرميا ٣١: ٣٤؛ دانيال ٩: ٩؛ يونان ٤: ٢)، ويسوع ابن الله يستطيع أن يغفر الخطية. يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل كولوسي ٢: ١٣؛ ٣: ١٣ إن يسوع هو الذي يغفر الخطايا. وقال يسوع لبولس إنه يجب عليه أن يؤمن به لينال غفران الخطايا (أعمال ٢٦: ١٨).
كذلك جاء إليه بعض الأشخاص طالبين الشفاء لصديق مفلوج لهم (مرقس ٢: ١-١٢). ولما لم يستطيعوا الدخول إلى البيت الذي كان يسوع يُعلّم فيه، ثقبوا السقف ودلّوا صديقهم المفلوج. قدّر يسوع إيمانهم وتأثر به، لذلك قال للمفلوج: ” يا بني مغفورة لك خطاياك”.
كان تفكير بعض الأشخاص الموجودين: شيئاً مثل: ” يا للغطرسة ووقاحة الافتراض! “كيف يمكن ليسوع أن يعرف خطايا الرجل المفلوج؟ وكيف يمكن أن يقدم الغفران كما لو كانت الخطايا التي ارتكبها هذا الشخص موجهة ضده كما هي ضد الله؟ كيف يغفرها وكأن لديه سلطاناً على هذا، كان جواب يسوع واضحاً. فهو لم يكن متغطرساً، وانما كان يقول الصدق، وها هو الدليل: ” لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا… قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك”. وهذا ما حصل. فدهشوا جميعاً ومجدوا الله!
كتب” أ. ت. روبرتسون “عالم اللغة اليونانية، معلقاً على (مرقس ٢: ٧): ” لقد اعتقد هؤلاء أن افتراض يسوع لهذا الامتياز أو الحق المقصور على الله وحده هو تجديف، وكان منطقهم صحيحاً. لكن العيب الوحيد هو استبعادهم إمكانية أن يكون ليسوع علاقة معينة مع الله تبرر تصريحه، وهكذا فإن الصراع هنا يدور حول قدرة يسوع على إثبات ألوهيته. لقد أدرك يسوع أنه مارس امتيازاً مقصوراً على الله بغفرانه خطايا الرجل المفلوج، فقام بشفائه مُقدماً تبريراً كافياً لادعائه. “
يقول ” روبرت ألان كول ” في تعليقه على هذه الفقرة من إنجيل مرقس، بأنه يمكن النظر إليها من عدة زوايا، لكنها تلتقي جميعاً لتعطي معنى واحداً وهو في شرحه للفقرة يعيد صياغتها:
” هناك طريقتان للنظر إلى هذه الفقرة، وأسلوبا التفسير مثمران (لهما معنى) لأننا إذا تابعناهما إلى مداهما فسيتداخلان ويصبحان خطأ واحداً. يقول الخط الأول: هل تقولون إن الله وحده هو القادر على غفران الخطايا؟ لكني أريد أن أثبت لكم أن أمامكم إنسانا يملك نفس القوة. وبهذا المنطق يقود الكتبة المفكرين إلى المعادلة والربط بين يسوع الإنسان والله. “
يؤكد ” جوش ماكدويل” أحد مؤلفي هذا الكتاب، في محاضرة له حول الغفران:
” لقد أزعجني مفهوم الغفران مدة طويلة من الزمن، لأنني لم أفهمه. كنت يوماً أعطي محاضرة لطلاب الفلسفة، ووجّه إليَّ أحد الطلبة سؤالاً حول لاهوت المسيح، فاستشهدت بالأعداد السابقة من الأصحاح الثاني من مرقس. عندما شكك أحد الطلبة في صحة الاستنتاج الذي توصلت إليه بأن غفران المسيح للرجل يُثبت ألوهيته، وذلك بأن قال إنه في إمكانه أن يسامح شخصاً دون أن يكون ذلك إثباتاً أنه يدّعي الألوهية.
عندما فكرت فيها قاله الطالب الجامعي، عرفت السبب الذي جعل القادة الدينيين يثورون بهذه الحدة على يسوع. أجل، يستطيع المرء أن يقول: “اسامحك”، ولكن لا يمكن أن يقول ذلك إلا الشخص الذي وُجهت إليه الإساءة. فإذا أخطأت ضدي، بإمكاني أن اقول لك: “أسامحك”، لكن هذا لم يكن ينطبق على يسوع. فلقد أخطأ المفلوج ضد الله الآب، ثم جاء يسوع بسلطانه الخاص ليقول له مغفورة لك خطاياك. من المؤكد أننا نستطيع أن نغفر الإساءات الموجهة ضدنا، لكن لا يستطيع أحد بأي حال من الأحوال أن يغفر الخطايا المرتكبة ضد الله إلا الله وحده، وهذا ما قاله يسوع. “
لقد كان سلطان يسوع على مغفرة الخطايا مثالاً مذهلاً لممارسة امتياز يخص الله وحده.
الرب شافيك
يقول الرب يهوه في خروج ١٥: ٢٦: ” أنا الرب شافيك”. على الرغم من أن الله أعطى موهبة الشفاء لعدة أشخاص عبر العصور، فإن أحداً لم يدع قط أنه يشفي بسلطانه الشخصي كما فعل يسوع. وقد آمن التلاميذ الأوائل بذلك السلطان، وشفوا أشخاصاً وأخرجوا شياطين باسم يسوع (متى ١٠: ١؛ مرقس ٩: ٣٨؛ لوقا ١٠: ١٧). أصاب هذا الأمر أعداءه بالذعر (يوحنا ٩: ٢٤). فمَن هو الشخص العاقل الذي يمكن أن يقول إنه كان يشفي ويخرج الشياطين باسمه (سلطانه) الخاص؟ فهذا يكون بمثابة نزع المجد الذي يخص الله وحده.
قال يسوع إن له سلطاناً على القوى الشيطانية لأن هذا جزء من قدرته الشفائية (متى ١٢: ٢٢-٢٩)، وهي حقيقة أقرت بها الشياطين المهزومة معترفة بأنه ” قدوس الله “و” ابن الله”(مرقس ١: ٢٤؛ ٥: ٧؛ لوقا ٤: ٣٤). وقد اتفقت الكنيسة الأولى وعلّمت بأن كل الملائكة والرياسات والقوات خاضعة له (١بطرس ٣: ٢٢). وعندما تقابل بطرس في أعمال ٩: ٣٤ مع رجل مفلوج، دعا الرجل باسمه وقال له: ” يا اينياس، يشفيك يسوع المسيح “فشفاه فعلاً. وهنا نجد أن يسوع الموجود في السماء يعمل عمل الشفاء-تماماً مثل الله.
وهكذا يتكلم الكتاب المقدس بصوت قوي ونبرة عالية. لقد اتخذ يسوع لنفسه أسماءً وألقاباً لا يمكن أن تنطبق بحق إلا على الله، وبهذه الأسماء والألقاب دعاه آخرون: يهوه والله، والألف والياء، والأول والآخر، والرب، والُخلص، والملك، والديّان، والفادي، والرب برنا. يشترك يسوع مع الله في ألقاب مثل” النور”، و ” الصخرة “، و ” الزوج “(العريس)، و ” الراعي”، و ” الخالق”، و ” معطي الحياة”، و “غافر الخطايا”، و “الشافي”.
طالما يسوع هو الله، فهو يحمل -بالإضافة إلى ألقاب الله وأسمائه -صفاتاً لا يمكن أن تكون إلا لله وحده. فهل حَمَل هذه الصفات؟ وهل يُعلِّم الكتاب المقدس ذلك؟
يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟