أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس
أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس
أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس [1] د. جوزيف موريس فلتس
مقدمة:
في محاولتنا لاستعراض أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس سوف نركز على ما قدمه فقط القديس كيرلس عمود الدين بابا الأسكندرية الرابع والعشرين (370ـ444م) كشارح ومفسر عظيم للكتاب المقدس.
ويجدر بنا أولاً إلقاء الضوء على شخصية القديس كيرلس كمفسر للكتاب وأيضًا على التوجهات الأساسية في المنهج الذي اتبعه في تفسيره الكتابي حتى يمكننا فهم الأمثلة التي سوف نوردها تباعًا من تفسيره للكتاب المقدس.
القديس كيرلس الأسكندرى كمفسر للكتاب المقدس[2]:
من المعروف عن القديس كيرلس عمود الدين أنه دافع عن إيمان الكنيسة ضد الهرطقة النسطورية وأنه عبّر عن عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية فيما يتعلق بطبيعة المسيح (الخريستولوجى) وفيما يخص إتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية اتحادًا أقنوميًا في شخص المسيح الواحد. وفي نفس الوقت تميّز القديس كيرلس بما قدّمه من شرح وتفسير للكتاب المقدس الأمر الذي جعله من أعظم المفسرين للكتاب المقدس في كل تاريخ الكنيسة.
وبينما إتبع الطريقة الرمزية (الروحية) لتفسير العهد القديم إلاّ أن اهتمامه وتركيزه على الأمور العقائدية قد حماه من سوء استخدام هذه الطريقة في التفسير كما فعل غيره من المفسرين.
ولهذا فإن تعاليمه العقيدية عن شخص المسيح له المجد ضد كل من هرطقة آريوس ونسطور وأبوليناريوس وأفنوميوس، كل هذه التعاليم تمثل الأساس لفهم كل شروحاته وتفسيراته للكتاب المقدس إذ هو يربط ربطًا محكمًا بين عقيدة الكنيسة وشرحه وتفسيره للكتاب المقدس ـ كما سنرى في الأمثلة ـ غير أن التوجه العقيدى لدى القديس كيرلس لم يحد من طريقة تفسيره وهدفه شرحه للآيات، لكن على العكس، فلقد أمد هذا التوجه العقيدى، القديس كيرلس بمعيار لا يخطئ كى يكتشف بواسطته المعنى الحقيقي والهدف النهائى للإعلان الإلهى المدون في الكتاب المقدس وهذا الربط المحكم بين التعاليم الخرستولوجية والتفسير الكتابى كان قائمًا باستمرار في الكنيسة، غير أننا نلاحظ عند القديس كيرلس تلك العلاقة المثالية بين التفسير الكتابى واحتياجات الكنيسة التعليمية، والتي تهدف في الأساس إلى البناء الحقيقي لها.
وعلى الجانب الآخر كان هناك التقليد الأنطاكى في التفسير والذي كان يشدّد على التفسير الحرفى ـ التاريخى لنصوص الإعلان الإلهى الكتابى. ولم يكن القديس كيرلس ـ بدون شك ـ منحازًا إلى هؤلاء المتطرفين في تفسيرهم الرمزى وفقًا للمنهج الأسكندرى في التعبير الرمزى، كما أنه لم يكن من المعادين لمدرسة أنطاكية في التفسير. فلقد عمل على استخدام كل من الطريقة الرمزية (الروحية) السكندرية (‘Allhgorik») مع الطريقة النماذجية (النمطية) أو المثالية (Tupolgik») الأنطاكية، مستفيدًا بذلك من كل من التقليدين الأسكندرى والأنطاكى. وهكذا يمكن النظر إلى أعمال القديس كيرلس التفسيرية على أساس هدفها النهائى والذي هو حماية وشرح التعاليم العقيدية للكنيسة. وبلا شك فإن هذا الهدف يعطى لهذه الأعمال التفسيرية قيمتها العظمى ويشكّل عطاء القديس كيرلس الدائم لكل تاريخ التفسير الكتابى.
كتابات القديس كيرلس التفسيرية:
إن كتابات القديس كيرلس التفسيرية تفوق باقى كتاباته الأخرى ومعظمها معروف لنا حتى الآن وهى:
1 ـ تفسيره لنصوص العهد القديم:
+ السجود والعبادة بالروح والحق:
هذا العمل يتكون من 17 جزء (مقال)[3] في صورة حوار مع شخص يدعى بلاديوس، كتبه القديس كيرلس قبل عام 429 بكثير ولكن بالتأكيد بعد عام 412م[4]. اتبع فيه القديس كيرلس الطريقة الرمزية (الروحية) النمطية allegorical – typological لشرح أجزاء مختارة من أسفار موسى الخمسة ولم يوردها في ترتيبها كما وردت بالعهد القديم، أثبتت من خلالها أن الناموس قد أُبطل بحسب الحرف فقط وليس بحسب الروح. وأن ما جاء في العهد القديم يجب أن يفهم كمثال للعبادة بالروح والحق.
+ جلافيرا (تعليقات):
يتكون هذا العمل من 13 فصل كتبه القديس كيرلس في نفس فترة كتابته للعمل السابق إذ هو مكمل له ويشير موضوع كل من الكتابين أحدهما للآخر وإن لم يكن هذا الكتاب في شكل حوار كسابقه وقد اختار أيضًا أجزاء من أسفار موسى الخمسة ليعلق عليها وإن كان قد أوردها في نفس ترتيبها التي وردت به في الكتاب المقدس.
+ شرح سفر إشعياء:
يتكون من خمسة كتب (أجزاء). في مقدمة العمل يوضح مهمة الشارح في عرض المعنى الحرفى ثم المعنى الروحى. وفي الخمسة أجزاء يشرح السفر كله مقسمًا إصحاحاته كالآتى: 1ـ10، 10ـ24، 25ـ42، 42ـ51، 52ـ66 ويشمل هذا العمل الكبير كل مجلد رقم (70) من سلسلة الآباء اليونانيين Migne ومن المحتمل أن يكون القديس كيرلس قد كتبه بعد العملين الأولين لكن قبل عام 429[5].
+ شرح لأسفار الأنبياء الصغار:
كتب 12 جزء لشرح أسفار الأنبياء الصغار الاثنى عشر ووضعهم في كتابين. في كل جزء مقدمة عن النبوءة ثم شرح كامل لها.
توجد ـ للأسف ـ مقتطفات فقط باقية من كل هذه الشروحات.
هذا ولقد اتبع القديس كيرلس في كل كتاباته التفسيرية هذه، منهج التفسير الأسكندرى. وأوصى بأن يترك المرء ما لا يفيده من التاريخ وأن ينزع “قشور” الحرف حتى يصل إلى “قلب” النبات بمعنى أن نفتش بكل تدقيق عن “الثمر” الداخلى المخفى وأن نتغذى به. لقد وضع القديس كيرلس بالفعل قانونًا للتفسير الكتابى وهو أنه من الضرورى أن نبحث عن “المعنى الروحى” وراء حروف النص الكتابى، ويجد هذا القانون صدى قويًا له عندما يُطبق ـ بصفة خاصة ـ على نصوص العهد القديم حيث يقول القديس. كيرلس ” لأن ما يُعطى من خلال الناموس هو فقط صورًا ورموزًا للحقيقة، هو ظلال”. ولذلك فإن الناموس قد أُبطل حسب الحرف فقط وليس حسب المحتوى أو المعنى الروحى له. لأن الناموس يحتفظ بفاعليته حتى اليوم لكن فقط بحسب مفهومه الروحى.
وفي كتاباته التفسيرية الأولى يكشف لنا القديس كيرلس عن هذه المعانى السرائرية الرمزية الثابتة في الناموس الموسوى مضيفًا إليها كل ما نجده في العهد القديم من ظلال تخدم البناء الروحى لنا. ويهتم بصفة خاصة بإظهار ما في العهد القديم من صور عن الكنيسة. وفي كتابه “جلافيرا ” ـ السابق الإشارة إليه ـ يعود لبحث نفس الموضوع بهدف أن يظهر أن في كل أسفار موسى الخمسة نجد صورًا ورموزًا عن سر المسيح[6].
2 ـ شرحه لنصوص العهد الجديد:
+ شرح إنجيل يوحنا [7]:
هو عمل ضخم يتكون من 12 كتاب مقسم إلى فصول. له طابع عقيدى دفاعى. كما يذكر في المقدمة أنه سيعطى اهتمامًا خاصًا للأمور العقائدية في مواجهة تعاليم الهراطقة ويشدّد القديس كيرلس من خلال شرحه للإنجيل الرابع على ألوهية المسيح له المجد وعلى المساواة في الجوهر بين الآب والابن المتجسد ويدحض الأفكار المنحرفة لكل من آريوس وأفنوميوس والتعاليم الخرستولوجية الخاطئة لأتباع مدرسة أنطاكية. ولمّا لم يذكر القديس كيرلس اسم نسطور أو لقب والدة الإله، كما فعل بعد ذلك في كتاباته الدفاعية الأخرى بعد عام 429م وظهور بدعة نسطور ، فقد حدّد العلماء زمن كتابة القديس كيرلس لهذا الشرح على أنه قبل عام 429م.
+ شرح إنجيل لوقا:
هذا العمل عبارة عن سلسلة من العظات لشرح إنجيل لوقا ولها طابع عملى أكثر من الطابع العقيدى. من كل النص اليونانى لهذا العمل بقيت فقط ثلاث عظات باللغة اليونانية وفقد الباقى. غير أنه توجد ترجمة سريانية من القرن السادس الميلادى لهذه العظات والتي عنها تمت الترجمة الإنجليزية[8]. ومن العظة رقم 63 من هذه العظات نعرف أن وقت كتابة هذه العظات كان أواخر عام 430م حيث تُذكر حرومات القديس كيرلس الاثنى عشر.
+ شرح إنجيل متى:
هذا الشرح لإنجيل القديس متى للقديس كيرلس كان معروفًا بين الآباء حتى القرن السادس، لكنه فُقد بعد ذلك وتوجد منه بعض المقتطفات فقط وتغطى كل إصحاحات الإنجيل وتوضح أنه كان شرحًا وافيًا للإنجيل ويشابه شرحه لإنجيل يوحنا. وعلى الأرجح كان قد كتبه بعد عام 428م[9].
+ يحوى كتاب ” شرح الآباء للكتاب المقدس ” والمعروف “بالسلاسل” Chains [10] على مجموعة من المقتطفات لشروحات القديس كيرلس لرسالة رومية وكورنثوس الأولى والثانية والرسالة إلى العبرانيين.
+ الرسائل الفصحية:
اعتاد آباء الأسكندرية البطاركة إرسال رسائل فصحية لتحديد موعد بدء الصوم الكبير والاحتفال بعيد القيامة وذلك حسب قرارات مجمع نيقية المسكونى 325[11]. ولقد كتب القديس كيرلس 30 رسالة فصحية. وبالرغم من الطابع الاحتفالى والوعظى لهذه الرسائل بصفة عامة، إلاّ أن رسائل القديس كيرلس الفصحية حوت الكثير جدًا من شروحاته للكتاب المقدس.
+ كتاباته الدفاعية والعقائدية:
وللتعرف الكامل على كل عطاء القديس كيرلس في مجال شرحه وتفسيره للكتاب المقدس لابد وأن ندرس كتاباته العقائدية والدفاعية إذ هى تحوى شرحًا وافيًا لمقاطع كثيرة من الكتاب المقدس والأخص العهد الجديد والتي تشير في المقام الأول إلى شخص يسوع المسيح الإله المتجسد وإلى غاية التدبير وعلى الأخص كتابه ” الكنز في الثالوث “، وأيضًا كتابه ” حوار حول الثالوث “[12].
التوجهات الأساسية في منهج تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس:
قبل أن نتحدث عن التوجهات الأساسية في منهج تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس لابد وأن نوضح ـ حسب تعليم القديس كيرلس ـ دور الإيمان في فهم وتفسير الكتاب المقدس. فهو يعلّم بأن الحقيقة تعلن من داخل الكتاب المقدس بدون أى نقصان، فقط في حالة التمسك بها في حياتنا ومن خلال إيماننا، ويقول ” إن المعرفة الأصيلة للكتاب المقدس هى مستحيلة بدون نعمة فيّاضة واستنارة “، والمعنى الحقيقي لكلام الله يُستعلن فقط من داخل خبرة الإيمان.
فالإيمان وحده وليس البحث العقلى هو الذي يقودنا خارج محدوديتنا كمخلوقات ” فالإيمان يجب أن يسبق البحث ” ويمكننا أن نتأكد من استقامة معرفتنا إن كنا نبنى معرفتنا هذه على قاعدة الإيمان. وبدون استنارة الروح القدس لا يقدر المرء أن يصل لمعرفة الحقيقة الإلهية أو أن ينجح في فهم أكيد للعقائد الإلهية، ويرى القديس كيرلس أن الآب لا يمنح معرفة المسيح لغير الأنقياء لأنه ـ حسب تفسيره ـ لا يمكن أن تُسكب قارورة طيب كثيرة الثمن في داخل قبر.
ومعرفتنا ـ لله على كل حال ـ هى معرفة محدودة بعكس أى معرفة خارجية أخرى. ومعرفتنا الحالية عن الله هى معرفة غير تامة “معرفة جزئية” لكنها مع ذلك هى معرفة حقيقية وأصيلة. وفي الحياة العتيدة فإن معرفتنا الجزئية هذه ستختفى إذ أننا حينئذٍ “سنرى بكل وضوح وكمال مجد الله الذي ينقل إلينا معرفته الواضحة كل الوضوح “. وكما يختفى لمعان النجوم بظهور نور الشمس القوى هكذا فإن معرفتنا الحالية غير الواضحة ستختفي أمام النور الفائق للمجد الإلهى.
ثم نأتى إلى التوجهات الأساسية في المنهج التفسيرى للقديس كيرلس حيث يمكن الحديث على توجهات ثلاثة وهى:
1 ـ التوجه الخرستولوجى في التفسير. 2 ـ التوجه الروحى في التفسير.
3 ـ التوجه الكنسى في التفسير.
1 ـ التوجه الخرستولوجى في التفسير:
حسب فكر القديس كيرلس فإن الإيمان القويم بسر التجسد الإلهى هو ضرورة أساسية للتفسير. وفي مجال شرحه لإنجيل يوحنا 6:14 نجده يشير إلى أن يسوع المسيح هو “مصداقية الإيمان وهو المعيار والقانون الذي يقاس عليه معرفتنا بالله “[13]، وأيضًا في شرحه لمتى 13:23 وربطها بما جاء في إنجيل لوقا 2:11 ” ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفاتيح المعرفة، ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم، فيقول: إن كل كلمة من كلمات الكتاب الموحى به تشير إليه وتظهره “[14]، ويقصد أن المسيح هو مفتاح المعرفة كلها.
ولهذا نجد أن القديس كيرلس قد عمل على إظهار تعاليمه الخرستولوجية في كل كتاباته التفسيرية والعقائدية، تلك التعاليم التي وضّح فيها أن المسيح هو واحد من بعد الإتحاد أى بعد تجسده، فقد ظل هو الله الكلمة وفي هذا الإتحاد الأقنومى اتحدت الطبيعة الإلهية والبشرية بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا افتراق.
إن هذه الوحدة بين الطبيعتين الكاملتين في شخص المسيح الواحد ليست مجرد اعتراف نظرى بقدر ما أنها حدث واقعى في تاريخ التدبير الإلهى نؤمن به على أساس التفسير القويم للنصوص الكتابية وتعاليم الكنيسة الأصيلة. وبخلاف ذلك فحقيقة أن الكلمة قد صار جسدًا لها علاقة مباشرة وجوهرية من حيث فهمنا لكل ما قاله الرب يسوع وما فعله. فالكلمة المتجسد لم يكن ببساطة إنسان “حامل لله” (qeofÒroj) مثلما اعتقد وعلّم نسطور ولكن على العكس، فكل ما قاله وما فعله المسيح له المجد هو صادر عن شخص الكلمة المتجسد الذي هو الله بالحقيقة.
لقد كان من نتاج الإتحاد بين الطبيعتين فى طبيعة واحدة والذي تم بدون اختلاط أو ما يسمى “بتبادل الخصائص” بين الطبيعتين كما يقول القديس كيرلس إن ” ناسوته قَبِلَ المجد الإلهى”[15]. وعلى هذا فكل أعمال وأقوال السيد المسيح تنسب إلى شخصه الواحد المتحد فيه الطبيعتين إتحادًا أقنوميًا كما سبق القول. ومن خلال هذه الأقوال والأفعال نعترف بشخص الإله المتجسد وكلمة الله.
وبهذا المفهوم يكون التجسد الإلهى هو معيار التفسير الأساسى للفهم القويم لشخص وعمل يسوع المسيح[16]. بمعنى أنه لكى نفهم أقوال وأعمال المسيح له المجد كما دونت في الأناجيل يجب علينا أن نضع أمامنا باستمرار حالة الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص المسيح الواحد والتي اتحدت فيها هاتين الطبيعتين بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. فلا يجب أن ننسب أعمال المسيح التي أتمها لطبيعته الإلهية فقط ولا للطبيعة الناسوتية فقط، بل لشخص المسيح الواحد، أى للإله المتجسد[17].
ولقد طبق القديس كيرلس هذا التعليم الخرستولوجى عندما شرح المعجزات التي أتمها المسيح له المجد، فمع أنها تمت بطريقة بشرّية إلاّ أنها ليست من أعمال البشر. فهى إذًا أعمال إلهية لكنها تمت بواسطة الجسد[18].
وبنفس القياس يجب علينا أن نعرف متى تنسب الأقوال للطبيعة الإلهية ومتى تنسب ـ تدبيريًا ـ للطبيعة البشرية، وبالطبع بدون أن نفصل الطبيعتين[19]. فمثلاً عندما قال المسيح” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو8:14) وأيضًا ” أنا والآب واحد ” (يو3:10) واضح أن هذه الكلمات منسوبة للاهوت أما قوله مثلاً: ” ولكنكم تسعون إلى قتلى وأنا إنسان كلمتكم بالحق الذي سمعته من الله ” (يو40:8) هنا الكلام منسوبًا ـ تدبيريًا ـ لإنسانيته الكاملة[20].
وبخلاف ذلك فإن أفعال وأقوال المسيح له المجد لا تؤكد وتظهر فقط الحدث الفعلى للتجسد، لكنها تمثل الشرط الوحيد لكى يستطيع الإنسان حسب مقاييس طبيعته أن يعرف ويفهم المسيح الإله المتجسد[21]. فلكى يستطيع الإنسان أن يدرك ـ بحسب معايير الإدراك البشرى ـ سر التدبير الإلهى، نجد أن المسيح قد تحدّث وفق معايير “تدبير التجسد” مؤديًا أفعالاً تليق بسر اخلاؤه. إذًا كان من اللائق ألاّ يتخلى عن الكلام اللائق بعملية الاخلاء طالما أنه قد أخلى ذاته بإرادته[22].
فالرب له المجد أظهر بأعماله التي تمت بالجسد حقيقة إتحاده الكامل بالطبيعة البشرية في شخصه المبارك وفي نفس الوقت كمال إنسانيته[23].
ولو لم يصر الكلمة إنسانًا كاملاً لما استطاع أن يتكلم مع البشر بطريقة بشرية وبناء على ذلك فإن من ينكر أقوال وأفعال المسيح في الجسد هو في الواقع ينكر سر تدبير التجسد[24].
والجدير بالذكر أن القديس كيرلس كان قد رفض إدعاء نسطور بأن أقوال وأفعال المسيح تنقص من شأن المجد الإلهى. لكن القديس كيرلس يرى بأنه بسبب أن هذه الأفعال والأقوال تنسب لشخص الإله المتجسد فنحن نستطيع بواسطتها التعرف على عظمة ورفعة الجوهر الإلهى مثلما أيضًا نعرف رفعة الألوهة من خلال تواضع الإله[25].
ومما سبق يتضح أهمية التوجه الخرستولوجى كأساس في تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس، إذًا كلما صار التقليد والتعليم الخرستولوجى للكنيسة واضحًا وثابتًا كلما صارت مبادئ التفسير الكتابى للآباء واضحة أيضًا وثابتة، فبديهى أن العهد الجديد هو نتيجة أساسية لتجسد الكلمة، واللوغوس قبل تجسده كان غير منظور وغير مكتوب، وبالتجسد صار ـ بحسب طبيعته البشرية مدركًا ومنظورًا ومكتوبًا.
والكتاب المقدس يؤكد على حقيقة وتاريخية تجسد كلمة الله. الكتاب المقدس مثل شخص يسوع المسيح بلاهوته وناسوته. فالصياغة المكتوبة للكتاب تتوافق مع ناسوته في حين أن المفهوم الروحى له يتوافق مع لاهوته، وكما أن ناسوت المسيح يؤكد على ألوهيته ويرفعنا إليه. هكذا أيضًا الكتاب، فالصياغة المكتوبة تؤكد على الذهن الروحى وترفعنا إليه. وبالتالى فإن الكتاب ينبغى أن يُفسر وفق هذين الوجهين. وهنا لابد وأن ننبه إلى أن الآباء لم يقبلوا مفهومًا ثنائيًا للكتاب بل نادوا بعلاقة جوهرية بين المفهومين حيث لا يوجد مفهوم بدون الآخر فكما هو في حالة الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين في شخص المسيح الواحد، هكذا فإن المفهومان لا يجب أن يصير مزج بينهما أو انفصال. وهكذا بالتقليد الخرستولوجى حُددت طبيعة وعمل الكلمة الكتابية تحديدًا صارمًا “[26].
ونختم هذه النقطة بقول واضح كل الوضوح للقديس كيرلس جاء ضمن حروماته الاثنى عشر ضد نسطور الذي لم يفسر أقوال المسيح كما جاءت في الأناجيل تفسيرًا قويمًا لأن تعاليمه الخرستولوجية لم تكن وفق إيمان وتقليد الكنيسة الذي علّم به القديس كيرلس عمود الدين.
يقول إذًا القديس كيرلس في الحرم الرابع “من ينسب الأقوال ـ التي في الأناجيل والكتابات الرسولية سواء تلك التي قالها القديسون عن المسيح أو التي قالها هو عن نفسه ـ إلى شخصين أى إلى أقنومين، ناسبًا بعضها كما إلى إنسان على حده منفصلاً عن كلمة الله، وناسبًا الأقوال الأخرى، كملائمة لله، فقط إلى الكلمة الذي من الله الآب وحده، فليكن محرومًا”[27].
وأيضًا في رسالته إلى يوحنا الأنطاكى يوضّح نفس هذا التوجه الخرستولوجى في تفسير العهد الجديد فيقول ” ونحن نعرف أن اللاهوتيين ينسبون بعض أقوال البشيرين والرسل عن الرب باعتبارها تشير بصفة عامة إلى شخص واحد ويقسمون أقوالاً أخرى بأنها تشير إلى طبيعتين، فتلك التي تليق بالله ينسبوها للاهوت المسيح أما تلك الأقوال المتواضعة فينسبوها إلى ناسوته[28].
(يتبع)
[1] نص المحاضرة التى أُلقيت بمؤتمر تثبيت العقيدة السابع بالفيوم، عام 2004.
[7] تمت ترجمة شرح القديس كيرلس للإصحاحات العشرة الأولى من إنجيل يوحنا ونشر على أجزاء من المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. وجارى ترجمة باقي هذا العمل الضخم.
[8] عن هذه الترجمة الإنجليزية قام المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة بترجمة هذه العظات إلى اللغة العربية ونشرها في خمسة أجزاء.
[9] انظر Quasten المرجع السابق، ص124.
[10] ويسمى باللغة اللاتينية Catena ويرجع إلى القرن الخامس الميلادى ويجمع في سلسلة شرح الآباء لنفس الآية من الكتاب المقدس. ومن أشهر مَن قاموا بعمل Catena للعهد الجديد هو توما الأكوينى وتسمى Catena Aurea.
[11] للمزيد راجع: رسائل الأرطستيكا: تاريخيًا عقيديًا. د. جوزيف موريس فلتس. في دورية دراسات آبائية ولاهوتية عن المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء. السنة السادسة العدد الرابع يوليو 1999، ص25.
[12] هذا الكتاب مكون من (7) مقالاات في صورة حوار مع شخص يدعى إرميا ويدحض فيه القديس كيرلس الأفكار الآريوسية ويوضح ألوهية الابن المسيح من خلال شرحه لآيات كثيرة من الكتاب المقدس وخصوصًا العهد الجديد. ولقد قام المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء بنشر المقالتين 1، 2. وقام د. جوزيف موريس فلتس بترجمة المقالة الثالثة وهى تحت الطبع
[13] P.G 74.189C.
[14] P.G 72.721C
[15] PG. 75. 1244-1249.
[16] PG. 74.524D: 11انظر شرحه ليوحنا
[17] PG. 72, 509D في تفسير إنجيل لوقا
لمزيد من الأمثلة انظر د. جوزيف موريس فلتس ” التعاليم الخرستولوجية للقديس كيرلس في شرحه لإنجيل لوقا ” بحث قدم لمؤتمر الدراسات اللاهوتية باليونان تحت عنوان ” القديس كيرلس وتعاليمه الخرستولوجية “. ونشر في كتاب بنفس العنوان أثينا عام 2003، ص103.
[18] PG. 75. 388C كتاب الكنز في الثالوث 33
[19] 388D المرجع السابق
[20] PG 72. 672C. في تفسير إنجيل لوقا
[21] PG. 73. 293C شرح يوحنا 4:2
[22] PG. 77.116BC رسالة 17
[23] PG 72. 672C شرح إنجيل لوقا
[24] PG. 76. 413 CDالدفاع
[25] PG 75. 120 AB الكنز في الثالوث
[26] انظر د. جورج عوض: الكتاب المقدس والتقليد. مذكرة تحضيرية، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ص7.
[27] رسائل القديس كيرلس لنسطور ويوحنا الأنطاكى (الرسالة 17): ترجمة المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية ج1 ص36.
[28] المرجع السابق، رسالة 39 ص43ـ44.
أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس
اباء الكنيسة والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم
اباء الكنيسة والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم
اباء الكنيسة والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم
كانت هناك بعض الإشارات إلى أفكار اباء الكنيسة ومساهماتهم في مناقشتنا مختلف أوجه الكتاب المقدّس واستعماله وتفسيره في مضامين تفسيريّة مختلفة. معروف أنّ اباء الكنيسة كانوا تلامذة مكرّسين للكتاب المقدس. بالنسبة إليهم، سلطة الكتاب وقيمته على أنه السجل الأكثر قيمة للوحي الإلهي كانتا غير قابلتين للجدل وكبيرتين. موقف اباء الكنيسة جازم بخاصّة في ما يتعلّق بتقليد الكنيسة ولاهوتها. من الأساس إذاً نتفحّص التراث التفسيري. هدف هذا الفصل هو تقديم صورة شاملة عن عمل الآباء في التفسير عبر النقاط التاليّة:
الإنجاز العام للتراث الآبائي التفسيري.
النظرة الأبائيّة إلى سلطة الكتاب.
معنى اللجوء إلى اباء الكنيسة
عرض المنهجيّة الآبائيّة بشكل عامّ.
التراث التفسيريّ الآبائي:
في الجيلين الأخيرين، وثّق عدد من الباحثين عمل اباء الكنيسة الأدبيّ واللاهوتيّ بإسهاب. من هؤلاء الباحثين Warner Jaeger، Hans Von Campenhausen، G. L. Prestige ، F. L. Cross، G. W. H. Lampe، Henry Chadwick، J. Quasten، P.Chrstou. لقد أصلح عمل هؤلاء العلماء الآراء الخاطئة حول هلنيّة (Hellenzation) المسيحيّة في القديم، ومن جهة أخرى، وضع الأساس لتقدير أكثر عمقاً وسعةً للتراث الآبائي.
من ناحية البحثّ الكتابي، فقد كان للتراث التفسيريّ لآباء الكنيسة انتباه واسع وإيجابي من قبل باحثين أمثال: J. Danielou، K. H. Schelkle، R. P. C. Hanson، R. M. Grant، Rowan A. Greer، ومؤخرّاً يوحنّا باناغوبولوس John Panagopoulos. الدراسة المستمرة للتفسير الآبائيّ أدت إلى عدد من الكتب[1]. كما ظهر بين الحين والآخر في أماكن عدّة عدد من المقالات حول المقاربات الآبائية للكتاب المقدّس[2].
ومع هذا، رغم عودة الشباب إلى الدراسات الآبائية في القرن العشرين ما زالت تسيطر على عقول العلماء الكتابيّين غيمة حول عمل الآباء التفسيريّ. مجرّد سماع أنّ اباء الكنيسة مارسوا التفسير المجازي والرمزي والروحيّ كاف لرفع شكوك هؤلاء العلماء المعاصرين المطبوعة في المنهجيّات والمغالاة الأفلاطونية موجودان عند بعض المفسّرين القدماء، كأوريجنس، إلا أنّ الدراسات الكتابية المعاصرة متقدّمة بشلك لا يُقارن في التحليل الأدبي التاريخيّ.
أمّا البحث عند الآباء عن مناقشات موازية للمسألة الإزائيّة، أو أصول الأسماء الخريستولوجيّة وغيرها من الإشكاليات الأدبية والتاريخية المصقولة في الدراسات الكتابيّة المعاصرة، قد يكون عملاً بلا جدوى بقدر ما هو منطوٍ على مغالطات تاريخيّة. في أيّ حال، الانطباع السائد هو أنّ أغلب الدارسين الكتابيّين يهملون عمل الآباء بمجمله بسرعة.
كما يظهر أيضاً أنّ قلّة من الباحثين الكتابيّين تخطّوا بعملهم مقاربة أوريجنس المجازية إلى التفسير الوقور عند أثناسيوس وباسيليوس وكيرلس الإسكندري الذين يتّكلون بشكل ثابت على الفهم القرينيّ والنحوي[3] كما على الفهم العقائدي واللاهوتيّ.
البحث الكتابيّ المعاصر، بسبب انشغاله بالطريقة التاريخيّة، يبدو وكأنه أظهر صمماً إزاء قيمة تراث الآباء التفسيريّ. هذا مؤسف لأن التفاعل مع الدراسات الكتابيّة الآبائية ممكن أن يؤدّي إلى نتائج مثمرة بخاصّة في الحقول حيث كان الآباء الأقوى: تفسير شهادة الكتاب اللاهوتيّة وإحياء رسالته الخلاصيّة للكنيسة والمجتمع.
في السنوات الأخيرة، انهمك الباحث اليونانيّ يوحنا باناغوبولوس في دراسة منهجيّة للنتاج الكتابيّ عند الآباء اليونانيين، وقد ظهر الجزء الأول من هذا العمل المتوقّع أن يكون في ثلاثة أجزاء، تحت عنوان “تفسير الكتاب المقدس في كنيسة الآباء”[4]. في هذه الدراسة البارعة، يناقش باناغوبولوس أنّ الاعتقاد الخاطئ الأساس لدى الباحثين الكتابيّين المعاصرين حول التراث الآبائي التفسيري يقوم على نظرة ضيّقة مستبدّة للمنهجيّة التاريخية – النقديّة وفشل في استيعاب مجمل رؤية الآباء التفسيرية.
هذه النظرة الآبائية الأساسية تتضمن: 1) مهمّة اللاهوت، 2) طبيعة الحقيقة الكتابيّة، و3) حياة الكنيسة[5]. بالنسبة إلى اباء الكنيسة ، بحسب باناغوبولوس، لا تنشأ مشاكل التفسير الأساسية من منهجيّة محدّدة ولا من تحليل نصوص معينة، كما أنها لا تُحَلّ بهذه المنهجية أو بتفسير هذه النصوص.
بالأحرى، تتعلّق هذه المشكلات بأمور جوهريّة حول الربط الكيانيّ كما الفهم العقليّ للهدف الرئيسي من الكتاب المقدس وميزته الشخصيّة وذهنه. التحدي ليس في مجرد تفسير النص المكتوب إنّما في فهم مقاصد الله وعطاياه التي يشهد لها النصّ وتفعيلها. من هذا المنظار، يبرهن باناغوبولوس أنّ مساهمة اباء الكنيسة هي إنجاز لاهوتيّ وتفسير ضخم. إنّها تدمج الدراسة الكلامية بنظرة واقعية للحقيقة التاريخية التي خلف شهادة الكتاب المقدس وبالاستجابة الكيانيّة إلى أعمال الله المنعمة، وبتفعيل الكتابات القانونيّة في حياة الكنيسة العباديّة.
لا يجهل باناغوبولوس المسافة التي تفصل بين الدراسة المعاصرة والتقليد الآبائي فيما يتعلق بممارسة النقد التاريخيّ والتحليل الأدبيّ. تدرب في ألمانيا وكتب أعمالاً عدّة حول أساس المعايير العلميّة، بما فيها دراسة نقديّة عن يسوع عنوانها “النبي الذي من الناصرة”[6]. وفيما هو عالم بالفروقات في المنهجيّة والبحث التاريخيّ، يقوم باناغوبولوس القيمة الثابتة للتراص الآبائيّ التفسيريّ عبر المواضيع التالية الملخّصة هنا:
الارتباط المتكامل بين الكتاب وشخص المسيح وعمله. فالكتاب المقدّس هو شهادة للتجسّد: روحيّاً بطريقة متوازنة ومتكاملة. ما يحدّد بشكل قاطع جوهر التفسير وأهمية العمل التفسيريّ هو ملء الإيمان بالمسيح عبر المحتوى والقيمة النهائيّة للعمل.
التفسير المتمحور حلول المسيح. المسيح، لكونه إتمام العهد القديم وملء الإيمان التاريخيّ، هو الهدف الأول والموضوع الرئيسي من الكتاب المقدس، وتالياً هو بدء التفسير الكتابي ووسطه ونهايته. في كلا الإعلان والتفسير الكتابيين، يظهر المسيح الحي نفسه على المفسّر الأول بقوة الروح القدس. بطريقة مهمّة، التفسير هو ثمرة الإعلان الإلهي الشخصيّ للمسيح الكلمة المفسّر.
العلاقة العضويّة بين العهدين القديم والجديد. بناءً على الأسس التي وضعها كتّاب العهد الجديد فيما يخص الله الآب والمسيح والكنيسة، حدّد اباء الكنيسة وحدة الكتاب المقدّس غير المنفكّة، وتالياً وحدة تاريخ العهد تجاه اليهوديّة والغنوصية اللتين أنكرتا الشرائع القديمة أو الجديدة.
وحدة التفسير واللاهوت. التفسير الأصيل هو لاهوت واتّباع الهدف الرئيس ومعنى مخطّط الله وعمله الخلاصيّين للبشريّة. بغض النظر عن قيمة الكلمات والقواعد، يمضي التفسير الكتابيّ إلى أبعد بكثير من التمرين الكلاميّ. إنه يغذي ضمير الكنيسة اللاهوتيّ بشرح العمق الروحيّ وصياغته لشهادة الكتاب الخلاصية، أيّ جوهر اللاهوت.
وحدة الكلمة الكتابيّة والحياة اليوميّة. الكلمة الكتابيّة هي كلمة مُعاشة بالروح ومثَبَّتة على أحداث الإعلان التاريخية ومفَعَّلة بشكل ديناميكي في حياة المؤمنين. رغم المجازيّات الزائدة الساعية إلى قيم أخلاقية مجرّدة خالدة، فالتفسير الآبائي مؤسّس كلياً في عمل الله الخلاصيّ كما يُرى على ضوء مركزه أيّ المسيح. مثلاً، الخروج من مصر هو حدث تاريخيّ وفي الوقت ذاته تصوير مسبق لموت المسيح وقيامته، كما أنّه دعوة إلى خروج جديد للمؤمن من عبوديّة الخطيئة إلى حريّة نعمة الله.
الارتباط الكامل بين الكلمة الكتابيّة والحياة الأسراريّة في الكنيسة. التفسير في هدفه الرئيس، هو سعي إلى سرّ حضور المسيح، أي أنه عمل صلاتيّ ليتورجي. في أسرار الكنيسة، تُعاش أعمال الإعلان الكتابيّ العظيمة ويُحتَفَل بها. مجمل قصّة الخلاص وقوّة الكلمة الكتابيّة تأتي حيّة في الاستذكار في عبادة الكنيسة.
قابلية تعديل المنهجيّة التفسيريّة. لم يحصر اباء الكنيسة التفسير الكتابيّ في ممارسة أسس وطرائق محدّدة شكليّاً وكانت مسألة الطريقة دائماً مفتوحة بالنسبة إليهم. فالأفضليّة أُعطيت لا للطريقة بل للمحتوى الخلاصيّ في الشهادة الكتابيّة حيث أنّ تفعيل حقيقة الخلاص ديناميكيا بقوة الروح القدس هو المهم وليس الفهم اللغويّ والفكريّ للنص. إن مشاهدة سرّ المسيح في الكتاب المقدس هي دائماً عمل روحيّ.
خطأ تقويم عمل الآباء التفسيريّ على أساس مقومات البحث العلميّ المعاصر المحض. تقويم عمل الآباء التفسيريّ فقط بالمعاير العلميّة المعاصرة هو مفارقة تاريخية. فالآباء استعملوا منهجيات عصرهم العلمية وأغلب تفاسيرهم تظهر، بحسب المعايير المعاصرة، وهميّة ومبالغ فيها. على أي حال، هناك عناصر مهمة في رؤاهم التفسيريّة ما تزال تُكتَشَف بشكل مستمر وبتكافؤ مع نتائج البحث الحديث. إلى هذا، فالتفاسير الآبائية، حتى المتطرفة منها، غالباً ما تعكس رؤية روحيّة في تقليد كنسيّ ولاهوتيّ مهم.
حسن تمييز الأمور الحسّاسة في التفسير الكتابيّ. عرف اباء الكنيسة الأمور الحسّاسة في التفسير الكتابيّ كالأساس الخريستولوجيّ للتفسير، طبيعة الوحي والإعلان، قيمة الإيمان والتقليد التفسيريّة، العلاقة بين الكتاب والكنيسة، وتفعيل قيمة الكتاب في حياة الفرد والجماعة.
بالإضافة إلى هذا، فالآباء الكبار، لكونهم أصحاب معرفة وخبرة بالفلسفة وعلم الكلام المعاصرين، أوجدوا بعض الأسس التفسـيريّة التي سـبقت عناصر التأويل الحديث الأسـاسية. هذه الأسـس تتعلق بـ: أ) لغة الكتـاب الاصطلاحية، ب) حـدود اللغة والجـدل في السـعي لفهم سـرّ الله والتعبير عنه، ج) الأهمية الرئيسية للسعي نحو الهدف المركزيّ في التفسير أو غاية النصّ الكتابيّ.
عمل باناغوبولوس مؤثّر في مداه وعمقه، وإن كان يبدو أحيانً مركّزاً على قضيّته بروح من المعارضة المفترضة للبحث المعاصر، فهو نجح في تقديم القيمة الروحيّة واللاهوتيّة لعمل الآباء التفسيريّ. الحاجة هي إلى الوضوح في تحديد مجالات الارتباط الأساسيّة بين الدراسات الآبائية والبحث الكتابيّ المعاصر. التفاعل بين هذين الحقلين يعد بالكثير طالما يتمّ التعرّف إلى نقاط القوة والضعف لدى كلّ منهما.
الدراسات الكتابيّة الحديثة هي الأقوى في التحليل الأدبيّ والتاريخيّ. أما العمل التفسيريّ الآبائيّ فهو الأقوى في الشرح الروحيّ واللاهوتيّ. إمكانيات مثيرة للبحث الكتابيّ المستمر وحياة الكنيسة الحقيقيّة تستتبع عمل النظرتين معاً.
سلطة الكتاب المقدّس:
في كل مكان، يُظهر اباء الكنيسة احتراماً كبيراً لسلطة الكتاب المقدّس ككتاب الله[7]. غالباً ما يستشهد يوستينوس الشهيد في “الحوار مع تريفن” بعبارات: “يقول الله” أو “يتكلّم الله”، من دون الإشارة إلى كتّاب بشريين. بالنسبة إلى يوحنا الذهبيّ الفم، المسيح نفسه يتكلّم عبر الرسول بولس لأنّ للرسول فكر المسيح (1كورنثوس 2: 16). يكرّر مفسّرو الآباء التشديد على أن كلّ كلمة في الكتاب المقدّس تستحقّ انتباهاً شديداً كونها موحى بها.
فالكتاب المقدّس، محتوياً العهدين القديم والجديد، هو وحدة متكاملة عضوياً ذات علاقات تكامليّة وجوهرية لكون الله هو الكاتب المطلق لها. الكتاب المقدّس بكامله هو أغلى كنز للحقيقة المكشوفة والذي يقدّم التعليم الغنيّ والغذاء الروحيّ لحياة شعب الله وإرشاده.
سلطة الكتاب المقدّس أمنّت مركزيته في حياة الكنيسة اليوميّة. القديس باسيليوس، في الرسالة 22، يقدّم وصفاً مستفيضاً لحياة الكمال المسيحي مستوحى بكامله من العهد الجديد. دور الكتاب في صياغة العقيدة الثالوثية والخريستولوجيّة معروف جداً. التعليقات الآبائية والعظات حول الكتاب غزيرة جداً.
الكتاب المقدّس هو المصدر الأساس للفكر الآبائي وهذا واضح ليس فقط في الأعمال التفسيرية بل في كلّ كتاباتهم. فآباء الكنيسة هم قبل كل شيء لاهوتيون كتابيون رأوا في الكتاب المقدس كتاب الله والكنيسة. الأفلاطونيّ اللامع أوريجنس نفسه كان لاهوتياً كتابياّ بشك أساس. ومع كونه خيالياً في بعض تفاسيره لكنّه كان ملتزماً بوحي الله التاريخيّ ومستعداً لإخضاع حكمه لسلطة الكنيسة العالمية.
في أيّ حال، علو سلطة الكتاب المقدس ومركزيّته في التقليد الآبائيّ لم يؤديا إلى جعله مطلقاً كنوع من الكتاب الإلهي المستمد مباشرة من السماء. والصحيح هو أنّ نظرة الآباء إلى سلطة الكتاب الإلهية ودقّته التاريخيّة، حتّى بدون امتلاكهم المعرفة النقديّة المتعلّقة بتأليف أسفار الكتاب، هي أكثر علواً من نظرة الباحثين واللاهوتيّين المعاصرين. ولكن من جهة أخرى، لم تتوصّل نظرة آباء الكنيسة للكتاب إلى الأصولية الموجودة اليوم عند البروتستانت التقليديّين. نستطيع القول أنّ الآباء في شهادتهم الكاملة كانوا بالواقع أصيلين وليسوا أصوليّين فيما يتعلق بالكتاب المقدس، إذا اعترفوا بطرائق مهمّة بصفته البشريّة كما بصفته الإلهية.
من المنظار الآبائي، سلطة الكتاب مؤهّلة بعدد من الاعتبارات من بينها معرفة لغته المجازيّة التي لا يمكن أخذها دائماً بحسب معناها الظاهر. استناداً إلى المعنى اللغوي والشكلي فقط، تؤدّي نصوص كثيرة إلى مفاهيم غير مقبولة حول الله وعمله الخلاصيّ. مثلاً، بحسب الذهبي الفم، عدم الإيمان بالمسيح، مع أنه متوقّع بالكتاب، ليس محتَّماً بضرورة تحقيق نبوءة أشعياء كما ترد حرفيّاً في بعض النصوص (يوحنا 12: 39-40، مرقص 4: 11-12).
يذكر الذهبي الفم أنّ أعداء المسيح ليم يؤمنوا ليس لأن أشعياء هكذا تكلّم بل لأن أشعياء تكلّم لأنهم لم يكونوا في وارد أن يؤمنوا. فالنبيّ يرى مسبقاً ويصف ليس إلا ولا يحتّم عدم الإيمان أو يسبّبه. يستنتج الذهبي القم أنّ الكتاب المقدّس فيه بعض المجازات (idioms) ومن الضروري التحسب لقوانينه[8].
اباء الكنيسة ، كما هو معروف، قاربوا الكتاب المقدّس بقدر من الحرية والجرأة. كان تركيزهم على الروح أكثر من الحرف. هناك أمثلة عديدة ممكن تقديمها حول رفض الآباء التوقّف عند التعليم الكتابي الصرف عندما يتهاون هذا التعليم بمجمل الفهم لله. النصوص الكتابية المتعلّقة بالقدريّة بالمعنى الكلامي (روما 8: 29، 9: 11، 16-17) لا يمكنها، بحسب الآباء، أن تؤخذ بمعناها السطحي ومن دون أن تؤدي إلى استنتاجات غير مقبولة حول الله المحب والعادل وغير المستبدّ[9].
كتاب الرؤيا قد يعلّم حلو ألفيّة حرفية (رؤيا 20: 4)، والرسالة إلى العبرانيين تنفي إمكانية التوبة مرة ثانية بعد خطيئة كبيرة (10: 2-27، 12: 16-17). رغم أنّ بعض المفسرين الأوائل دافعوا عن هذه الأفكار، مثل كاتب راعي هرماس والقديس يوستينوس والقديس إيريناوس، فإن هذه العقائد لم تصبح جزءاً من تعليم الكنيسة النموذجيّ.
في مثال مميّز عن التحرر من الحرفيّة الكتابيّة، القديس إسحق السرياني الذي يُعتَبَر أعظم النسّاك في تقليد المسيحية الشرقية، ينزع الخرافة قصداً عن صورة الجحيم[10]. فرغم أنّه لا ينكر أبداً حقيقة الجحيم، إنما يفسّرها على أنها انفصال عن محبة الله الخالدة وانعدام القدرة على المشاركة في هذه المحبّة، كما أنه يراها انفصالاً أكثر إيلاماً من أيّ جحيم حسّي. بالنسبة إلى القديس اسحق، لم يكن الجحيم موجوداً قبل الخطيئة كما أنّ نهايته غير معروفة.
فهو ليس مكاناً للعقاب خلقه الله، إنما وضعية روحية من الألم المبرح أوجدتها المخلوقات الخاطئة التي انفصلت إرادياً عن الله. بحسب هذا القديس، الخطأة في هذا الجحيم ليسوا محرومين من محبة الله إنما هم يتألمون من عمق إدراكهم أنهم أساؤوا إلى المحبة ومن عجزهم عن المشاركة فيها. فالجحيم ليس سوى ذلك الإدراك المرّ للانفصال والندامة أي ما يسميّه القديس اسحق “سوط المحبة”. إذاً، الحب الإلهي عينه الذي يشع نحو الجميع هو نعيم للأبرار وعذاب للخطأة.
بالتأكيد، لا يمكن اتهام التقليد الآبائي، المعروف بتفسيره الروحي، بالحرفية الخاضعة لكلمة مقدسة مطلقة. بالنهاية، كما لاحظ H. Chakwick، عرف اباء الكنيسة أنّ المسيحيّة ليست دين كتاب بل دين شخص[11].
الاعتراف الواضح بضرورة تفسير الكتاب المقدس هو عامل أساس آخر يميّز النظرة الآبائية لسلطة الكتاب. فلا الآباء ولا الهراطقة تساءلوا حول سلطة الكتاب أو مركزيته. المسألة المهمة كانت تفسيره الصحيح بخاصة فيما يتعلق بالأمور العقائدية. كما يصف Mark Santer، كفاءة الكتاب المقدس المتعلقة بحقيقة الخلاص كانت محدّدة بعدم كفاءتها العملّية[12].
مَن هو صاحب الحق في تفسير الكتاب المقدس وعلى أي أساس؟ بالمقابلة مع الاستعارة المضرّة من الغنوصيّين الفالنتيين، أوريجنس العظيم نفسه كان منشغلاً بتفادي الأوهام الخاصة غير المضبوطة. وقد قدم المبادئ التالية لضبط التفسير: 1) أن يؤخذ الكتاب المقدس بكامله وليس تدريجياً، 2) تفسير المقاطع الغامضة بالمقابلة مع المقاطع الأكثر وضوحاً، 3) استشارة المفسرين الآخرين في الكنيسة، 4) الاعتبار، بشكل دائم، أن المسيح هو مفتاح وحدة الكتاب المقدس وتفسيره[13].
الاحتكام إلى الآباء:
تطورت نصيحة أوريجنس بالمراجعة مع المفسرين الكتابيين الآخرين إلى احتكام معياري إلى المفسرين السابقين في تقليد الكنيسة. أصلاً، القديس إيريناوس كان قد استعان بيوستينوس الشهيد واستحضر قانون إيمان الكنيسة كقاعدة تفسير توجيهية. هذا كان بشكل رئيس احتكاماً إلى الإجماع العقائدي الناشئ للتقليد الكنسيّ الحيّ حول المسائل الرئيسة التي تناقش كطبيعة الخليقة، وحدة العهدين، النعمة وحريّة الإرادة، وعلاقة الآب بالابن[14].
فمثلاً سلطة بطرس الواردة في متى 16: 18، لم تنشأ خلافات واسعة حولها في الكنيسة القديمة لكن يمكن ملاحظة تحول شاسع في التفسير من ترتليان إلى الذهبي الفم[15]. يظهر التقليد الآبائي أن استحضار قانون الإيمان واللجوء إلى سلطة المفسرين الآخرين لم يؤخر بأي شكل من الأشكال الإبداع من طريق السعي الصارم إلى تفسير وحيد لكل آية كتابية. لقد تمتّع المفسّرون القدامى بتنوع التفسيرات وأظهروا حريّة في مناقشة الخيارات التفسيرية.
من جهة أخرى، الاحتكام إلى المفسرين الموقّرين عبر عن اهتمام بالتكامل العقائدي ودلّ على البعد الكنسي للتفسير الكتابيّ، هذا البعد الذي يؤكد أن الكتاب المقدس هو قبل كل شيء كتاب الكنيسة. فهو لا ينتمي إلى أي كان وحده. وبكلام أصحّ، إنه ينتمي إلى الكنيسة، الجماعة المؤمنة التي أنتجت الكتابات وتحمل سلطتها.
فيما ينبغي للمفسّرين التزام الموضوعيّة العلّمية والمناظرة، لا يستطيع أي مفسّر أن يتعاطى مع الكتاب على أنه مقدس، هو بالنهاية، خدمة للكنيسة. من المفترض أنّ هناك حريّة البحث التاريخي كما أن هناك مقاربات عديدة للكتاب واستعمالاته بحسب الأطر الخاصّة والأهداف، إلا أنّ المعنى العقائدية الأعمق لتقليد الكنيسة يجب ألا يُنتَهك.
لقد أدى التقليد التفسيري في فترة الآباء العظماء، لغاية الذهبيّ الفم، إلى مجموعة الأنثولوجيا (florilegia)، وهي سلسلات من التفاسير الآبائية لمقاطع كتابيّة[16]. يُقال غالباً أن هذه المجموعات تدل على نقص في الإبداع وفي هذا شيء من الصحة. ومع ذلك، فالقساوة الخانقة لم تكن الحالة السائدة.
هذه السلسلات من التقاليد التفسيريّة ذاتها تعكس تنوعاً من التفاسير وتستدعيه. لم يكن هدفها خنق الإبداع إنّما إفادة المؤمنين عبر عرض الميراث الآبائي لهم وحفظ التفسير ضمن روح تعليم الكنيسة. المجادلات النظاميّة الثالوثية والخريستولوجية أنمت الخوت من الهرطقة والانقسام. الإنجاز التفسيري الذي قام به الآباء كان مقدّراً وقد حُفظ كأساس للوحدة والحقيقة.
فيما يخصّ الإبداع، لا يفتخر كلّ عصر بمفكرين مبدعين. فهم يظهرون مواهبهم عندما يظهرون، كما في حالة القديس فوتيوس الكبير أحد أوائل الشخصيات الفكرية في بيزنطيّة. يعالج القديس فوتيوس في مؤلّفه أمفيلوخيا (867م) عدداً من المسائل الكتابيّة الصعبة.
ما معنى مخلوق على صورة الله؟ ما معنى أن الله قسّى قلب فرعون؟ من كانوا إخوة يسوع؟ كيف نتعاطى مع غموض الكتاب؟ في جوابه عن هذه الأسئلة، قدمّ فوتيوس مثالاً عن مهارات عالِم الكلام آخذاً في الاعتبار مجازيات الكتاب المقدّس ومشاكل الترجمة من العبرانية إلى اليونانيّة كما الأخطاء في نشر المخطوطات[17].
من هذه الزاوية أيضاً، ينبغي للمرء أن يقوّم هدف القانون 19 من المجمع الخامس – السادس في ترولو (691) الذي يذكر قادة الكنيسة بالتعليم والوعظ بكلمة الله الكتابيّة، لا بحسب آرائهم بل بحسب تفاسير الآباء المحدّدة[18]. إن قراءة هذا القانون بتأن تظهر أهدافه القرينيّة: 1) التفسير الصحيح في الأمور المتنازع عليها، 2) إمكانية نفس الخبرة أو المهارة عند الواعظ في الكنيسة، 3) خطر الخروج عن عقيدة الكنيسة.
لا يستبعد القانون أبداً العمل المبدع في وجود المفسّرين المهرة الذي يبقون ضمن إطار تقليد الكنيسة العقائدي. في التقليد اليوناني، الآباء اللاحقون والقديسون، أمثال سمعان اللاهوتي الحديث (1022)، نيكولا كاباسيلاس (القرن الرابع عشر) وقوزما الإيتوليّ (1779)، لا يظهرون أي تردد في قراءة الكتاب وتفسيره مباشرة من دون أيّ إشارة إلى اباء الكنيسة السابقين، ومع هذا فهم يبقون مخلصين لضمير الكنيسة العقائديّ.
في حالة القدّيس سمعان نلاحظ مفسّراً مبدعاً وموهوباً في إطار التقليد. على أساس قراءته المباشرة للكتاب المقدس، بخاصة إنجيل يوحنا ورسائل بولس، كما على أساس خبرته النسكيّة، هزّ سمعان لغوياً المؤسسة الدينيّة في القسطنطينية ونُفي بسبب ذلك[19].
محتكماً إلى شهادة العهد الجديد، شدّد القديس سمعان على أن كل المسيحيّين، ولا سيما الإكليروس واللاهوتيّون الذين يمارسون القيادة والتعليم، يجب أن يكونوا أصحاب خبرة رسوليّة في الخلاص وبالواقع خبرة تجدّد بالله على أساس معمودية الروح القدس، حتى يتمّموا مسؤولياتهم حسناً. وقد كان القديس سمعان مثيراً للجدل في زمانه، بينما يُعتَبَر اليوم واحداً من أعظم اللاهوتيّين في التقليد الأرثوذكسي.
المنهجيّة التفسيريّة:
كُتبت دراسات كثيرة حول المقاربات المختلفة والطرائق في التفسير الآبائي، بما فيها التفسير اللغويّ، المجازيّ، الرمزيّ، ومفهوم الثايوريا (“نفاذ البصيرة الروحيّ” أو “الرؤية الروحية”)[20]. يجب النظر إلى هذه المقاربات والطرائق على ضوء أهدافها وعلاقتها الداخلية في مجمل مهمّة التفسير كخدمة كنسيّة.
التفسير المجازي الذي مورس بشكل خاص في الإسكندرية، سعى إلى معنى روحي أكثر عمقاً في كلمات الكتاب المقدس، بهدف: 1) تخطي الصعوبات في النص الكتابي، 2) تقديم تفسير مسيحي للعهد القديم، أو 3) تقديم تنوّع في التعاليم المقدسة ضمن إطار الوحدة العقائدية في الكنيسة. قد يكون المثال الأكثر تضخيماً رسالة برنابا التي من القرن الثاني وممكن أنّها من الإسكندرية. بالنسبة إلى كاتب النص المجهول، لا قيمة لكل نظام الطقوس اليهودي إلا الروحيّة.
الوصية بالصوم عن الأطعمة تعني الإمساك عن الشرّ. الختان هدف إلى ختان القلب الروحيّ. عدم أكل لحم الخنزير وغيره من الحيوانات الدنسة والطيور كان تحريماً عن الانسجام مع الناس الذين يسلكون على طريقة هذه المخلوقات. لم يكن هيكل أورشليم صاحب القيمة الحقيقية بل هيكل القلب وحده[21]. هذه المجازيّات تطورت بطريقة أكثر تعقيداً مع إقليمندس الإسكندري وأريجنس اللذين ميّزا مستويات عدّة من التفسير من دون أن ينكرا بالضرورة المعنى اللغوي والتاريخي في النص الكتابي[22].
هذا المفسران وغيرهما من بعدهما استعملوا التفسير المجازي ليس فقط لتخطي الصعوبات في الكتاب إنما أيضاً للاحتفال بأسرار الإعلان المدركة واستنتاج ملاءمتها غذاء المسيحيّين. قيمة هذه التفاسير، حتى ولو كانت أحياناً خيالية، تكمن ليس في دقتها كتفسير تاريخي بل في منفعتها لتقديس المسيحيين ضمن إطار الكنيسة العقائدي وحياتها المشتركة.
يختلف التفسير الرمزي في أنه لا يسعى إلى معنى روحي غير محدد الزمان بل يستخدم المنظار التاريخي بحسب نموذج الكتاب المقدس في الوعد والتحقيق. إنّها طريقة لاهوتيّة وتاريخيّة لتأكيد وحدة العهدين القديم والجديد وكيفية تحقق أحداث الأول وصوره في الأخير، وقد مورس في التقليد الأنطاكي بوجه خاص. مثلاً، يكتب كاتب الرسالة إلى العبرانيّين أنّ طقوس الناموس الموسوي لم تكن إلاّ ظلاً للحقائق المستقبليّة التي سوف تكون بالمسيح (عبرانيين 10: 1).
في تفسير رمزيّ، يُدعى “الظلّ” أو التصوّر المسبَق الذي في العهد القديم رمزاً. إن تحقيق هذا الرمز هو حدث أو شخص في العهد الجديد وهو يُدعى المرموز إليه (Antitype) أي الحقيقة. يقدم يوستينوس الشهيد، من بين آباء القرون الأولى، تفسيراً رمزياً ضخماً للعهد القديم في الأمور الجوهريّة والعاديّة. مثلاً، حمل الفصح في الخروج (12) هو رمز يتحقّق بالمسيح في موته على الصليب[23]. لكن الأجراس الاثني عشر في ثوب رئيس الكهنة (خروج 39: 25) هي أيضاً رمز يتحقّق في العدد ذاته من الرسل.
إدراج الأمم في الكنيسة بالإيمان بالمسيح كان متوقّعاً من الأنبياء ولكن على المقدار عينه عبر هذه التفاصيل الدقيقة كذكر الحيوانين في تكوين 49: 11 وزكريا 9: 9 (حمار أنثى ومهرها)، وهي رموز تحقّقت باليهود والأمم أتباع المسيح[24].
لقد ثبّت التفسير الرمزي العهد القديم ككتاب مسيحيّ، كما أكد وحدة الكتاب المقدّس وخَدم أيضاً كتفنيد فعّال ضدّ ماركيون وأتباعه الذين رفضوا العهد القديم بأكمله. الرمزيّة هي أقرب إلى صورة الوعد والتحقيق التاريخية في الكتاب، وقد مارسها اباء الكنيسة بشكل واسع، شخصيات العهد القديم البارزة، كيعقوب وموسى ويوشيا، كان يُنظر إليها كرموز تحقّقت في المسيح، لقد فُهِمَت أحداث مثل الخروج، عبور البحر الأحمر، تيهان إسرائيل في الصحراء، ودخول أرض الميعاد، كرموز تحقّقت في أحداث جرت خلال بشارة المسيح وحياة الكنيسة في العصور الأولى.
صلوات المسيحية الشرقية وترانيمها مُفعَمة بالصور الرمزية والنماذج المأخوذة من التراث الآبائي التفسيريّ. ترتبط قيمة التفسير الرمزي بالمعنى اللاهوتي للعهد القديم على أساس المسيح والإنجيل، وهذا أمر لا مفرّ منه في تقديم الكتابات العبرانيّة مسيحياً وقبولها.
ويجب ذكر عدد من المؤهلات المهمة تساعد الآباء على استعمال المجاز والرمزية.
أولاً، هذه المنهجيات كانت وسائل تفسيريّة استخدمها الإغريق والعبرانيون في عصر ما قبل المسيح. كما لدينا أمثلة مهمّة عنها في العهد الجديد (متى 2: 15 و13: 18، يوحنا 3: 14-15 وعبرانيين 10: 1)[25].
يستعمل الرسول بولس عبارتي “المجاز” و”المثال” في ربط شخصيات العهد القديم وأحداثه بنظائرها في العهد الجديد (غلاطية 4: 22-27، 1كورنثوس 10: 1-13، وروما 5: 14). لهذه التفاسير أصل رسولي ولم تكن مجرد ابتكارات اخترعها اباء الكنيسة . بالأحرى، اتّبع المفسّرون المسيحيون اللاحقون خطوطاً مفيدة للتفسير وطوّروها وهي أصلاً موضوعة في العهد الجديد.
ثانياً، استنتاج فروقات حادّة بين المجاز والرمزية في التفسير، أو بين التقليدين الأنطاكي والإسكندري، هو استنتاج خاطئ. تكمن الفروقات في التشديد وأحياناً بشكل متطرف ولكنها ليست دوماً من دون التقاء. كلتا المقاربتين مجازية ورمزية وكلاهما تسعيان إلى استخراج أعلى القيم الروحية واللاهوتية من الكتاب المقدس ككتاب مسيحي لأهداف عقائدية وللتنوير الرعائي. فعلى يدي أفضل المفسرين، لم تكن أي من المقاربتين تهدف إلى التخلي عن الأساس الأدبي والتاريخي للكتاب، ولا الكنيسة كانت مهيأة لأمر مثل هذا.
فالإسكندري مثل أوريجنس كان يستعمل المجاز ولكنه كان أيضاً عالماً كلامياً، في حين أن الأنطاكي مثل الذهبي الفم كان يمارس التفسير الأدبي الحرفي بشكل أساس ولكنه كان قادراً على استعمال التفسير الرمزي وأحياناً المجازي.
ثالثاً، يتجه التقليد الذي نشأن بين عظماء المفسرين نحو التفاسير الحرفية الأدبية، كما يظهر من أعمال الإسكندريين، أمثال أثناسيوس وكيرلس والأنطاكيين، أمثال يوحنا الذهبي الفم وثيوذوروس الموبسويستي وثودوريتوس القورشي. هذا التيار كان إجمالاً بسبب الحاجة، التي لا مفر منها، إلى الدقة في محاضرات المجادلات العقائدية[26].
تظهر نظرة شاملة لكتابات الآباء أن المحاضرات العقائدية تعكس التفسير الحرفي والأدبي، بينما المحاضرات الرعائية والعظات تطلق العنان بحريّة للتفاسير المجازية والرمزية. يشكل القديس باسيليوس الكبير، بدون منازع، أفضل الأمثلة عن التفسير الكتابي الرزين في كلا الكتابات الرعائية والعقائدية، لكونه ينتبه بشكل ثابت للمعنى الأدبي – الحرفي في النصوص[27].
رابعاً، مهما كانت المقاربات المنهجية الخاصة التي استعملها اباء الكنيسة ، يجب أن يبقي المرء نصب عينيه تحذير باناغوبولوس الذي يرى أن المنهجية كانت للآباء ثانوية بالنسبة إلى جوهر الشهادة الكتابية، فيما يمكن لمسألة الطريقة أن تبقى مفتوحة، كان الاهتمام الأكبر في كيفية إنصاف نشاط الله الخلاصي كما هو مشهود له في الكتاب المقدس، وكيفية ملاءمة القيمة الفدائية للكتابات المقدسة.
واضح إذاً أنه ينبغي للمفسر المعاصر أن ينظر إلى القوة الأساسية عند اباء الكنيسة التي تتألف من لاهوتهم الكتابي ومنظارهم التفسيري (فكرهم أو روحيّتهم). يمكن تلخيص الخطوط النهائية لهذه النظرة التفسيرية كالتالي:
1) نظرة عالية لسلطة الكتاب وتاريخية الأحداث الخلاصية، 2) التشديد على رسالة الكتاب اللاهوتيّة والخلاصية المرتكزة بشكل جوهريّ على المسيح، 3) التفسير استناداً إلى القراءة القرينية للجزء على أساس الكل سعياً إلى غاية النصّ، 4) الرزانة الفلسفية في قدرة التحليل اللغوي على ضبط سر الله أو تحديده، 5) التزام حسّ الكنيسة العقائدي، 6) الاعتراف بأن التفسير الكتابي خدمة في الكنيسة، 7) الاعتراف بأن موقف المفسر الإيماني الشخصي بالغ الأهمية بالنسبة إلى التفسير الأصيل.
النقطة الأخيرة هي فهم الآباء للثايوريا (أدبياً: معاينة الله)[28]. تمكن ترجمة هذه العبارة التقنية بـ: “الرؤية الروحية”، “البصيرة الروحية”، أو “التلقي الروحي”. هي ليست مجرد مفهوم، بل هي خبرة قبل كل شيء. هي لا تشير فقط إلى حسن إدراك تعاليم الكتاب اللاهوتية بل أيضاً إلى موقف المفسر الروحي الذي يقوده الروح القدس. بشكل أعمّ، تتعلق الثايوريا بمجمل حياة المسيحي وفهمه كما يحوله الروح القدس ويوجهه.
إنها تتويج حياة التوبة والغفران والتطهّر من الخطيئة ونقاوة القلب والصلاة والمحبة. وقد يصح وصفها بأنها حس صلاتي من الخشية والإعجاب في حضرة الله وخليقته وأعمال الخلاص العظيمة والكتاب المقدس وكل الأشياء. في حالة الثايوريا الديناميكية، ورقة خضراء أو نجمة لامعة، عمل بسيط من اللطف البشري أو حقيقة عظيمة من الكتاب المقدس، كلها أمور قد تحرك المعاين بالقدر عينه.
بحسب القديس إسحق السرياني تُختَبر الثايوريا في قراءة الكتاب المقدس مثل شعاع من النور يرافق فهم المرء للنص[29]، أو كإدراك مفاجئ لحضور السيد في حين التأمل في شيء من الكتاب، بحسب القديس أمبروسيوس[30].
كتب القديس سمعان اللاهوتي الحديث عظة كاملة عنوانها “في المعرفة الروحية” هي مثال ممتاز عن القراءة الروحية للكتاب المقدس[31]. الثايوريا هي عطية من الروح القدس وبإيحائها إلى القارئ بالقدرة الخلاصية. إنها حالة من الإلهام الديناميكي، لحظة استنارة، عمل وحي شخصي تصبح فيه الكلمة المكتوبة كلمة الله الحية وتتفعل قيمتها كيانياً في حياة المفسر بنعمة الروح القدس.
قد يكون هذا النموذج الآبائي للتفسير المواهبي رومنطيقياً وخيالياص إن لم يوضع في إطار الصراع مع الذات والكنيسة والتاريخ. لم يعرف اباء الكنيسة الرخص لا في النعمة ولا في البحث العلمي. فالجهادات لتخطي الخطيئة الشخصية بالتوبة الأصلية، وللنمو نحو النضح الروحي على صورة المسيح، كانت دائماً هاجسهم. قد عرفوا العمل الدؤوب خلف الدراسة الكتابية والوعظ والتعليم، بعيداً عن النظر إلى أعمال الروح بشكل ميكانيكي أو سحري.
بالنسبة إليهم، لم يلغ الإيمان الشخصي والصلاة استعمال العقل بأي شكل. الآباء الكبادوكيون رأوا أن العقل عطية من الله وبالواقع هو أعلى المَلَكات التي ميزت صورة الله الحقيقية في البشر[32]. وكما يعبّر غريغوريوس اللاهوتي، فهم عرفوا أيضاً أن الجدال الحاد له قوة يمكن تحويلها في اتجاهين، إسقاط الحقيقة أو كشف الكذب[33]. من الممكن الاتكال على العقل كما على محبة الله ومحبة شعبه لقيادة العقل نحو نهايات بنّاءة.
ومع هذا، فقد يسبب خداع النفس والإثارة الشيطانية بعض “لحظات من الإلهام”. أصالة موهبة المرء في التفسير يجب أن تُمتحن إذاً في حياة الكنيسة. المطلوب هو اعتبار آراء الآخرين والانفتاح وحتى تغيير الرأي[34]. وقبل كل شيء، يجب أن يحترم المفسر احتراماً حقيقياً مجمل إيمان الكنيسة. الصراعات العائدة إلى خلافات لاهوتية أو عقائدية في الكنيسة عينها ليست نادرة وهي لا تقدم أي راحة.
ومع هذا، فالرجاء بأن الظلمة لن تقهر الضوء في النهاية لا يخبو. هذا التأكيد ثابت لا في القدرات البشرية بل في نعمة الله والإخلاص له. السيد نفسه وعد بأنه سوف يكون دائماً مع شعبه وبأن أبواب الجحيم لن تقوى على كنيسته المسؤولة عن الكتاب المقدس وسوف تُحاسب عليه وعلى إعلانها إياه إلى العالم (متى 16: 18، 28: 20).
[1] R.M. grant With David Tracy, A Short History of the Interpretation of the Bible (Philadelphia: Fortress, 1984); James L. Kugel and Rowan A. Greer, Early Biblical Interpretation ( Philadelphia: Westminster, 1986); Joseph W. Trigg, Biblical Interpretation: Message of the Fathers of the Church (Wilmington: Glazier, 1988);
Frank Sadowki, S.S.P. ed., The Church Fathers on the Bible: Slected Reakings; K. Froehlich, Biblical Interpretation in the Early Church ( Philadelphia: Fortress, 1984); and Bertrand de Margerie, S. J., An introduction to the History of Exegesis, Vol. l: The Greek Fathers, trans, Leonard Maluf (Petershan: Sant Bede’s Publications,1993)
[2] مثلاً
Geoffry W. Bromiley, “The Church Fathers and Holy Scripture”, in Scripture and Truth, D. A. Carson an John D. Woodbridge, eds., pp. 199-220; j. Pelikan, “The Spiritual Sense of Scipture: The Ecegectical Basis for St, Basil’s Doctrine of the Holy Spirit,” in Basil of Caesarea: Christian, Humanist, Ascetic, Part I,ed. P. J. Fedwick (Toronto: Pontifica; Institute, 1981), pp. 337-360; by the same, “Council or Father or Scripture” The Concept of Authority in the Theology of Maximus Confessor,
“The Heritage of the Early Church: Essays in Honor of Georges V. Florovsky, ed. D. Neinan and M. Schatkin (Rome, 1973); Andrew Louth, “The Hermeneutical Question Approached through the Fathers”, Sob 7(7, 1978), PP. 541-549; Allan E. Johnson,
“The Methods and Presuppositions of Patristic Exegesis in the Formation of the Christion Personlity,” Sial 16 (3, 1966). pp. 186-190; and T.J. Towers, “The Value of the Fathers,” CQR, July-September 1965, pp. 291-302. Metropolitan Demetrils Trakatellis (Athens: Apostolike Diakonia, 1996)
[3]Jaoslav Pelidan, Christianity and Classical Culture, p. 221
[4] يغطي الجزء الأول القرون الثلاثة الأولى والتقليد الإسكندري من القرن الخامس لغاية كيرلس.
[5] pp. 22-58. See also: Brevard S. Childs, Biblical Theology of the Old and New Testament, pp. 31-39
[6] The Prophet from Nazareth (Athens: Parisianos, 1973).
[7] انظر أيضاً الفصل الثاني لموقف الآباء من سلطة الكتاب.
[8] Homilies on the Gospel of John, 68.2. See also: R. C. Hill, “St John Chrysostom and the Incarnation of the Word in the Scripture, ” pp. 34-38.
[9] بحسب الكبادوكيّن، حرية الله من الَدَر وكل ضرورة ملزمة تؤكد أن لا يمكن أن يكون هناك تضارب أساس بين التدبير الإلهي وحرية الإنسان تماماً كما أنه لا يكن أن يكون هناك تضارب دائم بين العقل الصحيح والإيمان الصحيح. أنظر:
Pelikan, Christianity and Classical Culture, p.216.
[10]The Ascetical Homilies of Saint Isaac the Syrian, trans. Holy Transfiguration Monastery (Boston: Holy Transfiguration Monastery, 1984), Homly 27, p. 133 and Homily 28,p.39.
[11] H. Chadwick, “The Bible and the Greek Fathers, “In The Church’s Use of the Bible,p39
[12] Mark Santer, “Scripture and the Councils,” Sob 7 (2, 1975). Pp 109-110
[13] From H. Chadwick , Early Christian Thought and the Classical Tradition, p. 39.
[14] R. M. Grant, “The Appeal to the Early Fathers, ” JTS 11 (1, 1960), pp. 13-24, reprinted in R. m. Grant, After the New Testament: Studies in Early Christian Literature and Theology (Philadephia: Fortress, 1967). For the Wider scope, see J. Pelikan, The Christian tradition, Vol. 2: The Spirit of Easter Christendom (Chicago: University of Chicago Press, 1974), pp. 8-36 on “The Authority of the Fathers
[15] Oscat Cullmann, Peter: Disciple, Apostle, Martyr, trans. F. V. Filson (Now York: Meridian Books, 1964), pp. 158-162
[16] Modem editors of such serie include J. Carmer, H. Lietzmann, K. Staab, J. Reuss and pters Collections in English translation have compiled by Johanna Manley, ed. The Bible and The Holy Fathers for Ortholox: Daily Scripture Readings and Commentary (Menlo Park: Monastery Books, 1990), and by the same, Grace for Grace: The Psalter and the Holy Fathers (Menlo Park: Monastery Books, 1992).
[17] The information on St. Photios is froom an unpublished paper by my colleague Nicholas P. Constas.
[18] H. R. Percival, ed, The Seven Ecumenical Council in The Nicene and Post-Nicene Fathers, Vol. 14 (Grand Rapids: Eedermans, 1991) pp. 374-475.
بعد هذا التاريخ بحوالي ألف سنة، وبسبب الإصلاح والخوف من الإرساليات البروتستانتية، أصدر البطريك إرميا الثالث رسالة في العام 1723 منع فيها الأرثوذكس حتى قراءة الكتاب المقدس. هذا ليس موقفاً أرثوذكسياً نهائياً إنما هو عمل رعائي طارئ لحماية المؤمنين في ذلك الوقت حيث افتقدت الكنيسة الحرية ووسائل تعليم أبنائها.
[19]Symeon the New Theologian: Discoures, trans. C.J. deCatanzaro, published in the series The Classics of Western Spirituality (New York: Paulist, 1980).
انظر أيضاً الفصل السابع والملحق الثاني.
[20] R.P.C. Hanson, Allegory and Event (London: SCM Press, 1959); G. W. H. Lampe and Woolcombe, Essays on Typology (Naperville: Allenson, 1956); G. A. Garrois, The Face of Chrisy in the Old Testament (Creestwood: St, Bladimir’s Seminary Press, 1974); and the study by Panagopoulos. See also the handbooks on patristic exegesid cited above. Note 1.
[21]Epistle of Barnabas 3.3: 9.4-5; 10. 1-4; 16.7 English translation by R. A. Kraft, Barnabas and the Didache in The Apostolic Fathers: A New Transaltion and Commentary, Vo. 3, ed, R. M. Grant (New York; Thomas Nelson, 1965)
[22] لاحقاً، بين الكبادوكيّين، غريغوريوس النيصصي كان مجازياً بشكل خاص من دون أن يخسر رؤيته حقيقة الكتاب المقدس التاريخية. J. Pelikan, Christianity and Classical Culture, p226 ويشير أيضاً Pelikan إلى أن باسيليوس أخا غريغوريوس كان على عكس ذلك من منتقدي المجازية ويورد قوله: “بالنسبة إلي: العشب هو العشب، النبات، السمك، الوحوش، الحيوانات الأليفة، آخذها كلها بمعناها الحرفي.
[23] Dialogue with Trypho 40.1.
[24] في الحوار مع تريفن، يعدد يوستينوس الشهيد الكثير من هذه الأمثال: يدا موسى الممدودتان كرمز للصليب (Dial. 90.4)، يعقوب كرمز للمسيح (140.1)، امرأتاه ليئة وراحيل كرمزين لليهود والمسيحين. انظر أيضاً Dialogue with Trypho 40.1; 42.1; 53.1,4.
[25] L. Goppelt, Tupos: The Tupological Interpretation of the Old Testamentin the New. Trans. D. H. Madvig (Grand Rapids: Eerdmans, 1982).
[26] J. Pelikan, Christiantiy and Classical Culture, pp. 222-224.
[27] J. Pelikan, “The Spiritual Sense of Scripture: The Ecegetical Basis for St. Basil’s Doctrine of the Holy Spirit,” pp. 337-360. See also Above, n.23.
[28] See: K. Froehlich, PP 85-88; John Breck, “Theoria and Orthodox Hermeneutics. “SVTQ 20 (4. 1976), pp. 195-219 and Chapter 2 of his book the Power of the Word: Andrew Louth, The Origins of the Christian Mystical Tradition: From Plato ti Denys (Oxford: Clarendon, 1981): by the same,
Discerning the Mystery: An Essay on the Nature of Theology (Oxford: Clarendon, 1983); K. Ware, “Ways of Prayer and Contenplation: Eastem,” Christian Spirituality: Origins to the Twelfth Century, ed, B. McGinn and others (New York: Crossroad, 1987), pp. 399-402; and Panagopoulos, ‘H’## pp. 42-43.
[29] Holy Transfiguration Monastery, The Ascetical Homilies, Homily 1, P.6.
[30] G. Weindenfeld, ed., St. Ambrose: Select Works and Letters (New York, 1900), pp. 8-9.
[31] Symeon the New Theologian: The Discoures, pp. 261-266. في الملحق الثاني لهذا الكتاب.
[32]See J. Pelika, Christianity and Classical Culutre, p. 128.
[33] From his Work The Souk and the Resurrictibn, a dialogue between Gregory and his sister Makrina, quoted by S. J. Dennin-Bolle, “Gregory of Nyssa: The Soul in Mystical Flight, “GOTR 34 (2, 1989), p.102.
[34] قد يكون المثال الأكثر شهرة هو تردد القديس باسيلوس في تأكيد كمال ألوهية الروح القدس على أساس عدم وضوح الحجة الكتابية وتأكيده اللاحق هذه الحقيقة في جهاده ضد الأفنوميّين وتحت ضغط أفكار صديقه غريغوريوس اللاهوتيّ.
اباء الكنيسة والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم