ج: لقد لاقت نظرية التطوُّر التي بلورها داروين (1809 – 1886 م) قبولًا لدى كثير من علماء الاجتماع، وجاءت على هوى الرجل الأبيض، فتقول عالمة الأنثروبولوجيا الهندسية ” لاليتا فيديارثي ” Lalita Vidyarthi ” لقد لاقت نظريته (نظرية داروين) الخاصة بالبقاء للأصلح ترحيبًا حارًا من قبل علماء العلوم الاجتماعية في ذلك العصر، الذين اعتقدوا أن البشر قد حقَّقوا مستويات متنوعة من التطوُّر وصلت إلى أوجها في حضارة الرجل الأبيض، وبحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر أصبحت العنصرية حقيقة مقبولة لدى الغالبية العظمى من علماء الغرب”(1).
ووصل الأمر إلى قياس تطور العقل البشري وتقدم الشعوب بمدى قبول نظرية التطوُّر، فيقول ” ستيفن هوكنز ” في كتابه ” تاريخ موجز للزمن ” ترجمة أ. د مصطفى إبراهيم أنه ” من المستحيل تفهم علم الفيزياء الآن دون أخذ تطوُّر المخ البشري وخواصه الأساسية ومقدرته التي تكونت خلال ملايين السنين من الإنتحاب الطبيعي بالاعتبار”(2) كما يقول ” ناعوم تسوسكي ” عالِم اللغات ” أن تقدم شعب من الشعوب يمكن أن يُقاس بمدى تفهمه للتطور”(3).
وجاء في أحد مواقع شبكة الانترنت أن نظرية التطوُّر ليست نظرية تاريخية أخذت وقتها وانتهت، بل هي محل نقاش وحوار وجدال في أمريكا وكندا وغيرهما، وأن هناك تنافس بين التطوُّريين لتدريس هذه النظرية كحقيقة في المدارس، بينما يعارض المحافظون هذا، وقد اقترح الرئيس جورج بوش (الابن) بتدريس فكرة ” التصميم الذكي ” التي تقول بأن وراء خلق هذا العالم عقلًا ذكيًا..
وذلك بجوار نظرية التطوُّر التي تنكر وجود الخالق، وفي ولاية ” كانساس” وافق ستة أعضاء من مجلس التعليم من إجمالي عشرة أعضاء على الحد من إبراز دور نظرية التطوُّر في المقررات التعليمية بالمدارس، كما حدث في ولايات “مينيسوتا”، و” أوهايو”، و” نيو مكسيكو”، وليس معنى هذا إلغاء تدريس نظرية التطوُّر بالكامل، وليس معناه أيضًا تدريس نظرية الخلق التي تتفق مع المفاهيم الدينية، ولكن معناه تشجيع المعلمين على مناقشة وجهات النظر المختلفة.
وخططت جامعة ” هارفاد ” وهي من أعرق الجامعات الأمريكية لدراسة عن ” أصول الحياة في الكون ” وذلك بقصد تقديم ردود عملية على الأسئلة التي طُرحت بشأن نظرية التطوُّر، ويرى ” ديفيد ليو ” أنه يجب تقديم ردود على الأسئلة حول نظرية التطوُّر، وذلك بالرغم من تعقُّد نظم الحياة، فقال أتوقع أن نتمكن من اختصار ذلك إلى سلسلة بسيطة للغاية من الأحداث المنطقية التي يمكن أن تكون قد وقعت دون تدخل إلهي”.
وجاء في موقع آخر بشبكة الإنترنت أنه يحدث في الولايات المتحدة في هذه الأيام شد وجذب على مستوى سياسي وعلمي واجتماعي بين فريقين:
الفريق الأول:
ويمثله اليمين المحافظ من جماعة المتدينين الذين يحاولون تدريس نظرية ” التصميم الذكي ” في المدارس، حيث يرون أن هناك خالقًا ذكيًا خلق الإنسان والكائنات الحيَّة على هيئتها الحالية.
الفريق الثاني:
ويتزعمه علماء التطوُّر برئاسة ” الرابطة الأمريكية لتقدم العلم ” والتي تعتبر أكبر تجمع علمي في العالم، والتي تصر على تدريس “نظرية التطوُّر” فقط دون نظرية ” التصميم الذكي ” بحجة أن ” التصميم الذكي ” لا يرقى لمستوى النظرية، ولا يوجد دليل علمي لتأييده، ولا أساس تربوي لتدريسه، وأن الإصرار على تدريس ” التصميم الذكي ” يضعف تدريس العلوم في الولايات المتحدة الأمريكية، ويُهّدد المستوى العلمي للطلبة الذين يدرسون العلوم الحيوية والفيزيائية والجيولوجية.
وفي المؤتمر السنوي لهذه الرابطة الأمريكية لتقدم العلوم والذي انتهى يوم 20/2/2006 أصدرت الرابطة بيانًا شديد اللهجة لأن هناك 14 ولاية أمريكية تدرس إمكانية سن تشريعات تمنع تدريس نظرية التطوُّر في المدارس، وأعتبرت الرابطة أن هذا الأمر يعتبر ضغطًا دينيًا يجب أن تكف الكنائس والجماعات الدينية عن ممارسته، وفي ولاية بنسلفانيا كان قد تم رفع دعوى من بعض الآباء ضد بعض مديري المدارس الذين فكروا في تدريس نظرية ” التصميم الذكي”، فحكم القاضي ” جون جونز ” في ديسمبر 2005م بضرورة تدريس نظرية داروين فقط..
وعدم تدريس نظرية ” التصميم الذكي ” لأن ذلك يعتبر خرقًا للدستور الأمريكي الذي يفصل بين الكنيسة والدولة، بالرغم من أن الرئيس جورج بوش المعروف بنزعته الدينية قد أعلن تاييده لتدريس نظرية ” التصميم الذكي ” بجوار نظرية التطوُّر.
ويقول الأستاذ هشام عبد الرؤوف ” وبدأت أصوات ترتفع تدعو إلى وقف تدريس نظرية داروين في المدارس الأمريكية ونجحوا في تحقيق هذا الهدف في عدَّة ولايات منها ولاية تنيسي، وعارض هذه الدعوة الإتحاد الأمريكي للحريات المدنية باعتبار أن حظر تدريس نظريات داروين يخالف نظام فصل الدولة عن الكنيسة المنصوص عليها صراحة في الدستور الأمريكي..
وعلى أية حال فإنه في الولايات المتحدة لم تكن هناك أية نوايا لدى الأصوليين المسيحيين للتراجع عن رأيهم، وبدلًا من ذلك فقد بدأوا يبحثون عن طريقة للالتفاف حول حكم المحكمة العليا الصادر عام 1968م والذي منع الولايات المتحدة من حظر تدريس نظرية داروين”(4).
وجاء في جريدة وطني عدد 2306 في 5/3/2006م تحت عنوان ” دعوة الكنائس الأمريكية لقبول نظرية التطوُّر“..
” دعا علماء أمريكا جماعات الاتجاه الديني والكنائس في الولايات المتحدة إلى المساعدة في محاربة السياسات التي تدعو إلى عدم تدريس نظرية التطوُّر في المدارس، وقال الإتحاد الأمريكي من أجل تقدم العلم في اجتماعه السنوي الذي عقده في مدينة ميسوري أن فكر التصميم الذكي – والذي تقوم فكرته على أن تصميمًا ذكيًا هو وراء الحياة على وجه الأرض، وان الحياة على الأرض أعقد بكثير من أن تكون قد تطوَّرت بمفردها – تهدَّد تدريس المناهج العلمية بين تلاميذ المدارس.
وكانت قد جرت في السابق عدة محاولات من قِبل أمريكيّين مناهضين لنظرية التطوُّر للعالم تشارلز داروين لكي تُدرَّس فكرة التصميم الذكي في مناهج العلوم بالمدارس، لكن الإتحاد الأمريكي من أجل تقدم العلم أصدر بيانًا أدان فيه بشدة خطوات حركة التصميم الذكي، وقال رئيس الإتحاد ” جيلبرت ” أُؤمن أنه قد حان الوقت لإدراك أن العلم والدين لا ينبغي لهما أن يتعارضا، بينما قال ” جورج كوين ” رئيس مرصد الفاتيكان {إن حركة التصميم الذكي تستهين بالدين.
إنها تجعل من الله مصممًا أو مهندسًا فهي تركز على أن هناك مصممًا للكون لكنها لا تحدد من هو. فمن يخدعون؟} يُذكر أن هناك الكثير من التحديات التي ستواجه النظرية الداروينية، فأربع عشرة ولاية أمريكية تدرس سن قوانين يقول عنها العلماء أنها ستحد من تدريس نظرية التطوُّر، ومن بين القوانين تشريع في ولاية ميسوي سيعمل على أن يتم تدريس العلم الذي يمكن إثباته بالتجربة”.
ويقول الأستاذ هشام عبد الرؤوف عن نظرية التصميم الذكي “عرفت باسم التصميم الذكي ولم تكون سوى تطوير للنص الذي جاء به ” بالي ” منذ 200 سنة حول تصميم الخلق، وكان الجزء الجوهري من هذه النظرية هو مفهوم {التصميم الذي لا يمكن أن يأتي مصادفة} وحسب هذا المفهوم فإن هناك قدرات معينة لدى الكائنات لا يمكن أن تكون قد توافرت عن طريق الصدفة..
حتى ولو عبر مليارات السنين. وبحلول عام 1996م ألقى الدكتور ” مايكل بيهي ” أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة ” بيهر ” في ” بنسلفانيا ” الضوء على أمثلة عديدة لهذا التصميم الذي لا يمكن أن يأتي مصادفة في كتابه المثير للجدل ” صندوق داروين الأسود ” وتراوحت الأدلة بين نظام الدفاع لدى الخنفساء القاذفة التي تجلط الدم لدى الإنسان، والتي أثبت بيهي في كتابه إنها رغم بساطتها الشكلية فإنها تنطوي على قدر كبير من التصميم لا يمكن أن يكون قد جاء عن طريق الصدفة..
وحسب النظرية فإن تفاعل هذه المكونات لا يمكن أن يكون سوى وليد من ” مُصّمم ذكي ” لأنها لو تفاعلت بشكل عشوائي يعتمد على الصدفة لما أنتجت لنا تلك الأفاق المتكاملة بل أنماطًا مشوهة لا تعين الإنسان على حياته”(5)
وخلال هذه الفترة من 15/11/2005 – 29/5/2006م أُقيم معرض داروين بأمريكا، وتعاون في إقامته متحف العلوم في بوسطن، والمتحف الميداني في شيكاغو، ومتحف تورنتو بكندا (راجع مجلة العلم عدد 352 – يناير 2006م ص 40)، وقد وصل الأمر إلى أن وسائل الإعلام المختلفة التي تسيطر عليها القوى المعادية للدين في العالم تُصوّر نظرية التطوُّر على أنها حقيقة أولية من معطيات العلم الحديث، وأنها تشبه في ثباتها أي قانون رياضي، وأيضًا هناك الكثير من المجلات والموسوعات العلمية ترفض نشر أي بحث يحوي نقدًا لنظرية التطوُّر.
وجاء في مجلة العلم مقال ترجمته ” دعاء الخطيب ” تحت عنوان ” التطوُّر عن طريق الانتحاب الطبيعي أكثر النظريات إثارة للجدل على مر العصور ”
حيث تقول المُترجمة ” مازال العديد من المسيحيين المتطرفين، ويهود الأرثوذكسية المتشددة يأخذون حذرهم من فكرة انحدار الإنسان من القردة الأولى حيث يتعارض ذلك مع القراءة الدقيقة لسفر التكوين، وتتماثل معارضتهم أيضًا مع بعض من يعتنقون الإسلام من أمثال هارون يحيى مُؤلّف كتاب خداع التطوُّر ” Deceit the Evolution ” والذي أشار إلى قصة الخلق في اليوم السادس المذكورة في القرآن كحقيقة مسلّم بها، واعتبر نظرية التطوُّر مجرد خداع مفروض علينا من قبل المهيمنين على النظام العالمي.
ولا يقتصر عدم الاقتناع بنظرية التطوُّر على معتنقي الكتب المقدَّسة ولكن أيضًا قد يمتد الأمر لغيرهم من الأفراد، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. ووفقًا لأحد الاستطلاعات التي أجراها معهد أبحاث ” Gallup ” لأكثر من ألف متحدث بالهاتف في فبراير لعام 2001م، وافق ما لا يقل عن 45 % من البالغين في الولايات المتحدة على أن الله خلق البشر في صورة تشبه إلى حد كبير صورتهم الحالية منذ 10 آلاف عام مضت.. وكان عدد المقتنعين بالدمج بين نظرية التطوُّر والدين 37 %..
حيث أن التدخل الإلهي هو بداية كل الأشياء والتطوُّر ما هو إلاَّ عمل إبداعي (تتوافق هذه الرؤية مع العقيدة الرومانية الكاثوليكية وهي تعود لأكثر من قرار بابوي) ووصل عدد الأمريكيين المؤمنين بأن البشر تطوَّروا من أشكال حياتية أخرى دون أي تدخل إلهي إلى 12 %.. يعني أن حوالي نصف العامة في أمريكا يميلون إلى الاعتقاد بأن تشارلز داروين كان مخطئًا في نظريته”(6)
_____
(1) أورده هارون يحيى في كتابه خديعة التطوُّر ص 9.
(2) تشارلز داروين – ترجمة مجدي محمود المليجي – تقديم سمير حنا صادق – أصل الأنواع ص 16.
هل فعلا عاش كلاً من نوح وآدم أكثر من 900 سنة؟ ولماذا لا نعيش الآن كل هذه السنوات؟ ترجمة مينا خليل
هل فعلا عاش كلاً من نوح وآدم أكثر من 900 سنة؟ ولماذا لا نعيش الآن كل هذه السنوات؟ ترجمة مينا خليل
هل فعلا عاش كلاً من نوح وآدم أكثر من 900 سنة؟ ولماذا لا نعيش الآن كل هذه السنوات؟ ترجمة: مينا خليل
يعلم الكتاب المقدس بطريقة مبسطه أن الآباء الأوائل في الغالب عاشوا ما يقرب من الف سنة بل وقد انجبوا أطفالا عندما كانوا في عمر أكثر من بعض المئات من السنين.
“عاش متوشالح 900 سنة لكن هذه القصص التي من الممكن أن تقرأها في الكتاب المقدس ليست بالضرورة كذلك. ” هذا ما قاله المؤلف جورج جيرشون.
والعديد من الناس تجد الصعوبة بان تصدق أن متوشالح عاش حوالي 969 عام على اي حال من الأحوال فان الكتاب المقدس يعلم بطريقة مبسطه أن الآباء الأوائل البطاركة في الغالب عاشوا ما يقرب من الف سنة بل وقد انجبوا أطفالا عندما كانوا في عمر أكثر من بعض المئات من السنين!
نفس هذه المقولات عن طول حياة الإنسان قد وجدت في الأدب الدنيوي. العديد من الحضارات القديمة مثل البابلية واليونانية والرومان والهنود والصين ولكن اذا اختصرنا حياة الإنسان لألف سنة فهو امر محزن عندما نؤمن أن الله قد خلقنا في البداية لنحيا للابد.
كما ذكر في الكتاب المقدس أن الله خلق أول زوجين في البشرية ادم وحواء من غير خطية واعطى لهم القدرة على أن يعيشوا للابد اعطى الله الإنسان الأول كل ما يحتاجه لكي يحيا إلى الأبد بالصحة والسعادة الأبدية في جنه عدن ولكنه حظرهم بان لا يأكلوا من ثمار شجرة معرفة الخير والشر والا يموتوا. حقيقي سيموت كل من يأتي من بعدهم (سفر التكوين 2 : 16-17) وعندما جاء الشيطان لكي يخدع حواء كي لا تطيع هذه الوصية نجحت في الخداع ومن ثم ادم لم يطع بكل إرادته (سفر التكوين 3)
فعقولهم وأجسامهم قد تغيرت بشدة. ليس فقط قد أصبحوا عرضة للموت ولكن أول طفل لهم ” قايين ” أصبح أول قاتل في البشرية. بالحقيقة أجرة الخطية هي الموت. جسديا وروحيا. انه من الواقع الحكيم أن يستعرض الكتاب المقدس في صفحات قليلة فقط ما حدث من بدء الخليقة إلى السقوط في الخطية.
لأننا لسنا مستحقين لمحبه الله الذي قد وعد وأرسل المسيح لكي يخلصنا من خطايانا والموت. أنظر (سفر التكوين 3: 15 أشعياء 25: 8 المزامير 49: 14-15 يوحنا 5 -13).
ولمدة 1500 سنة بعد الخليقة عاش الإنسان حياة طويله نسبيه حيث كان معظمهم معاصرين للإنسان الأول ادم أو لشخص كان يعرفه. الآباء البطاركة العشرة الأوائل (باستثناء أخنوخ) كانوا قبل الطوفان وعاشوا متوسط 912 سنة.
لامك مات الأصغر بينهم 777
متوشالح عاش الأطول 969
انظر جدول 1
جدول 1 الآباء من ادم حتى نوح
المرجع الكتابي
العمر
الآباء
التكوين 5 :4
930
ادم
1
التكوين 5 :8
912
شيت
2
التكوين 5 :11
905
انوش
3
التكوين 5 :14
910
قينان
4
التكوين 5 :17
895
مهللئيل
5
التكوين 5 :20
962
يارد
6
التكوين 5 :23
365 ثم اختفى
أخنوخ
7
التكوين 5 : 27
969
متوشالح
8
التكوين 5 : 31
777
لامك
9
التكوين 9 : 29
950
نوح
10
وخلال الألف سنة التالية للطوفان بدا الكتاب المقدس بتسجيل انخفاض رهيب بطول حياة الآباء البطاركة الأولين من أول نوح الذي عاش 950 سنة حتى إبراهيم الذي عاش 175 سنة.
في الحقيقة موسى كان كبير السن بطريقة غير معتادة في زمنه 120 سنة لان هذا يعكس إيجاز الحياة:
ولقد كتبه في الكتاب المقدس ” أيام سنينا هي سبعون سنة، وان كانت مع القوة فثمانون سنة، وافخرها تعب وبلية، لأنها تقرض سريعا فنطير. ” (مز 90 : 10).
جدول 2 أعمار الآباء البطاركة من نوح إلى إبراهيم
المرجع الكتابي
العمر
الاباء
التكوين 11 : 10 , 11
600
سام
11
التكوين 11 : 12 , 13
438
ارفكشاد
12
التكوين 11 : 14 , 15
433
شالح
13
التكوين 11 : 16 , 17
464
عابر
14
التكوين 11 : 18 , 19
239
فالج
15
التكوين 11 : 20 , 21
239
رعو
16
التكوين 11 : 22 , 23
230
سروج
17
التكوين 11 : 24 , 25
140
ناحور
18
التكوين 11 : 32
205
تارح
19
التكوين 25 : 7
175
إبراهيم
20
بعض من الدلائل الخارجية التي تدعم الكتاب المقدس في أن طول حياة الإنسان في سفر التكوين الأول قد وجدت في قائمه ملك السومريين هذه القائمة ذكرت أيضًا الطوفان وأعطت طول عمر الملوك قبل الطوفان يوجد العديد من التطابق بين قائمه ملك السومريين وأحداث سفر التكوين مثل حادثه الطوفان.
الأرقام قد تكون متوازية بين ما قبل الطوفان أعمار البطاركة وبين أعمار الملوك القدماء ويوجد نقص محسوس في مدة حياة الناس بعد الطوفان.
وقد استنتج احد المؤلفين عن هذا الموضوع أنه من غير المحتمل بشدة أن يكون الكتاب المقدس أحداثه قد اشتقت من السومريين وعندما ننظر الاختلاف بينهم نجد انه ملحوظ تمامًا التفوق الرهيب في سفر التكوين أن يسجل بشكل دقيق الأرقام الدقيقة وإتمام الأحداث والمبادئ الأخلاقية والقيم الروحية.
انه من الأكثر احتمال أن يكون قائمه ملك السومريين قد كُتبت باستخدام المعلومات والأرقام من سفر التكوين . ومن الواضح انه اذا استخدم شخص سفر التكوين فان الشخص الذي كتب هذه القائمة يؤمن أن هذه التسجيلات التي وردت في سفر التكوين حقيقة تاريخية وتحتوي على معلومات دقيقة.
هل فعلا عاش كلاً من نوح وآدم أكثر من 900 سنة؟ ولماذا لا نعيش الآن كل هذه السنوات؟ ترجمة مينا خليل
أن الإنسان يعيش اليوم حوالي 120 سنة على الأكثر، ومتوسط عمر الفرد حوالي 70 إلى 80 سنة بالمثل كما كان في وقت كتابه المزمور 90 منذ حوالي 3400 . وهذا الانخفاض بهذا الشكل الرهيب في حياة الإنسان بعد الطوفان يدل على أن شيء ما قد تغير في وقت الطوفان أو بعد قليل منه وهذا كان السبب المسؤول عن هذا الانخفاض.
يوضح الرسم البياني ان هذا النقص يحدث بأسلوب متسارع (على الأساس “أسي “، “لوغاريتمي”). ومثل هذا الانخفاض كان يسمى ” بمعدل الإنحلال الطبيعي” ولان هذا السلوك له أمثلة في الطبيعة.
على سبيل المثال عند رسم خط الإنحلال عندما يتعرض الكائنات الحيه إلى ماده سامه قاتله أو إشعاع. ولأنه من المؤكد أن الناس الذين عاشوا حول وقت الطوفان لم يكونوا على معرفه بهذا “الإنحلال الطبيعي” فمن غير الوارد أن تكون هذه التواريخ مصنعه أو غير حقيقية.
تظهر تسجيلات الحفريات في عصر ما قبل الطوفان إن معظم الأرض كانت من البيئة الاستوائية المدارية ولكن بعد الطوفان والوضح أن طبيعة هذه البيئة قد تغيرت في العصر الثلجي الذي غطي حوالي 30 بالمئة من الأرض. وهذا التغير البيئي قد يكون السبب الذي اثر على طول حياة الإنسان.
الأسباب البيولوجية للشيخوخة (تقدم العمر) ما هو السبب في تقدم العمر(الشيخوخة) في أجسادنا؟
بالرغم من أن ميكانيكية التقدم في العمر (ومحاوله منع الشيخوخة) من أهم المواضيع التي شغلت الأبحاث في البيولوجيا الطبية. ولان ما زال لا يوجد هناك إجابة حتمية على هذا السؤال. في بدايات القرن الماضي كان المتعارف عليه أن التقدم في السن لا يشمل بشكل مباشر في الخلايا الحيه في أجسادنا ولكنه يحدث بسبب ظاهرة من خارج الخلية.
كان المعترف به أن خلايانا الحية الطبيعية ستنمو وتزدهر وتنقسم إلى أجل غير مسمى إذا اهتم بها بطريقة صحيحة خارج أجسادنا. ولكن في عام 1961 قد اثبت خطأ هذه النظرية ليناردو هايفلك الذي اخذ خلايا خارج الجسم ووضعها في وعاء زجاجي يحتوي على كل المواد الغذائية التي تحتاجها، وقد اكتشف أن هذه الخلايا قد ماتت بطريقة طبيعية بعد حوالي 50 انقساما، وهذا يوضح أن حتى خلايا أجسامنا هي معرضة للموت بعيدا عن أي تأثيرات من أجسامنا.
العوامل الوراثية
كل من مدة طول الحياة والشيخوخة قد تتأثر من العوامل الوراثية وهي عمليات متداخلة وفريدة حوالي 20 إلى 30 % من العوامل التي تؤثر على طول مدة الحياة معروف على أنها وراثيه ومتوارث للفرد. فطول مدة عمر الفرد تختلف من شخص إلى أخر بيننا يلعب عامل تقدم السن دورة وهناك أيضًا الكثير من العوامل التي تدخل في الحسابات.
الطفرات وعنق الزجاجة لعلم الوراثة
الطفرات هو أي تغيير يحدث في تسلسل الحمض النووي وكل الطفرات المعروفة تسبب فقد في المعلومات، والنسبة التي تحدث بها كل أنواع هذه الطفرات في جيل واحد مقترح بانها أكثر من 1000. فنحن نورث بعض الطفرات من الوالدين وأيضا نطور هذه الطفرات على طريقتنا الخاصة. وبالطريقة المتتابعة نحن نعطي جزء من هذه الطفرات إلى أطفالنا لذلك فهي متوارثه. فان من الممكن تصور أن رقم كبير جدا من الطفرات قد حدث بين ادم وموسى لزم أن يظهر في كل حياة شخص.
عنق الزجاجة في الوراثة (أو تعداد السكان) تحدث عندما نسبة كبيره من السكان تموت أو نسبة كبيره تصبح منعزلة. مثل هذا قد حدث في عصر نوح والطوفان عندنا نقص التعداد السكان للبشرية إلى ثمانية أشخاص (سفر التكوين 6 – 9) وعنق زجاجه أخرى صغير قد حدث بعد الانقسام في برج بابل (البلبلة) سفر التكوين 11. هذه الأحداث يجب أن تسببت بطريقة رئيسية تقلص في التنوع الوراثي.
لكل (جين) هناك اثنين أو أكثر من نسخه تسمي “الآليات”، وهي طريقة متناظرة مثل اللون الأحمر(الجين) وله درجات مختلفة الأحمر الفاتح أو الداكن (الآليات). وتستطيع الطفرات في الآليات الجيدة أن تغطي على الطفرات في الآليات السيئة. لكن مع التعداد السكاني الصغير يكون التنوع أصعب في الآليات وهذا يكون صعب في التحقق وتكون الطفرات في الآليات المتغيرة تأثير أكبر.
وبالرغم من أن نوح عاش 950 سنة فان أبوه لامك عاش فقط 777 ولكن ليس معلوم اذا كان قد مات بسبب السن. مع ملاحظه أننا لا نعرف كم سنة عاشت زوجه نوح ولكن ابن نوح سام قد عاش 600 سنة فقط مع الأخذ في الاعتبار أن أطول عمر قد سجل لشخص قد ولد بعد الطوفان كان لعابر الذي عاش 464 سنة. ما يبدو عليه أن كلا من الطفرات وعنق زجاجة علم الجينات له التأثير الكبير على التقدم في السن وطول مدة الحياة.
أمثلة على العوامل الوراثية والتأثير على مدة الحياة والتقدم بالسن
على الرغم من أن العديد من العوامل الوراثية قد تؤثر على عوامل التقدم بالسن وطول فترة الحياة إلا أن تفاصيل هذه العملية تظل كلغز. مظاهر التقدم في السن قد تزيد بسبب عوامل الداخلية (كعوامل تلف الحمض النووي) وعوامل خارجية مثل (الإصابة بالأمراض التي تسببها البكتيريا) وقد تتضاعف بسبب نقص الصيانة والتصليح وضعف الأنظمة الدفاعية في الجسم.
على سبيل المثال نظام تصليح الحمض النووي يحمي الجينوم في كل الحمض النووي من التغير (حدوث الطفرات). ولكن هناك خلل (مرض) في الوظائف الجينية يسمى بـ “جفاف الجلد المصطبغ” ويحدث هذا الخلل بسبب نقص في إصلاح الحمض النووي بسبب الطفرات، وهو الذي في الوضع الطبيعي يصلح الطفرات وبسبب الأشعة فوق البنفسجية، فإن الأشخاص المصابون بهذا المرض يجب أن يقللوا تعرضهم لأشعة الشمس.
أن السطح الخارجي للجلد والشفتين يبين أعراض الشيخوخة المبكرة وبينما هذا المثال واضح جدا في أن طفرات تقلل من رفع كفاءة الصيانة في الأنظمة الدفاعية سوف تؤدي إلى سرعة الشيخوخة وقصر مدة الحياة.
التيلوميرات وهو تكرار مقطع طويل للحمض النووي في نهاية كل الكروموسومات في الإنسان. قد تستطيع أن تلعب دور مهم جدا في عمليه الشيخوخة. مع كل انقسام يحدث للخلية هذه التيلوميرات يحدث لها نقص في الطول وذلك لعدم استطاعة الإنزيمات أن تنسخ الحمض النووي بطريقة ميكانيكيه مع التحكم في الجودة.
الخلايا القديمة تكون قد جمعت العديد من التغيرات (الطفرات) في الحمض النووي عندنا تستمر في الانقسام وقد يسبب هذا أمراض مثل السرطانات. فمعظم خلايا الجسم لا تستطيع أن تنقسم إلى ما لا نهاية أو إلى أجل غير مسمى. وهذا يؤدي إلى الشيخوخة ومن ثم الموت لذا التيلوميرات كانت مهمة في تحديد فترة حياة الخلية والذي يؤدي إلى بشكل مباشر إلى الشيخوخة.
انه من الصعب على علم الوراثة التحديد الدقيق لمدة الحياة أو طولها، فبالرغم من أن هناك جينات تحدد بانها تصاحب الأشخاص الذين يعيشون سنين طويله، ولكن السبب الرئيسي في طول فترة الحياة غير معروف.
دراسات علم الوراثة للأشخاص الذين يعيشوا أكثر من مائة عام قد أتت بالعديد من الاحتمالات للأشخاص المرشحين لطول العمر والجينات المسببة لذلك.
أمثلة على ذلك:
أن هناك جين مسمى (ابو لين وبروتين APOE) البروتين الشحمي وهو مهم في تنظيم ويحتوي على بعض التيلوميرات الموجودة بشكل عام في جينات الناس المعمرين فوق المئة. وهذا أيضًا صحيح لبعض التيلوميرات مثل المشابهة للأنسولين وحفظ معامل معدل النمو ((IGF1 ومهمته هي في تكاثر أو موت الخلايا.
وفوق الأكسيد دسميوتزيس (SOD) وهو المسؤول عن تكسير العوامل المؤدية إلى تلف الحمض النووي. وهذه التيلوميرات المصاحبة لهؤلاء الأشخاص الذين يعيشون فوق المائة تعكس كيفيه إصلاح الجينات للفرد على مدي الحياة منذ حوالي 6000 سنة. وأيضا تظهر مدى تأثير التيلوميرات حيث أن أطول فترة يستطيع إنسان أن يعيشها في يومنا هذا هي 120 سنة.
التطور وعلم الوراثة في مدة الحياة والشيخوخة
تواجه نظرية التطور صعوبات لشرح مدة الحياة والشيخوخة. حيث وان الشيخوخة لابد من حدوثها. والجينات قد تختار على أساس كيف تكون نافعة للأفراد في التكاثر وإعادة الإنتاج في السن الصغير(مدة الضمان) وهو الزمن اللازم لكي يحقق الداروينيون غرضهم في مدة الحياة مع شروط حدوث تكرار الإنتاج التكاثر بنجاح لكي تستمر الأجيال مع أن نفس الجينات قد تكون مؤذية بوجه عام مما يؤدي الشيخوخة ثم الموت. فمشكله التطور هي أن الجينات المسؤولة عن إطالة الحياة مختارة. لكي تتعامل مع ما يبدو بانقسام الخلية.
بعض من يؤمن بنظريه التطور اقترح أن الاختيار في الجينات المسببة لا طاله العمر تخدم غرض الأشخاص الذين يعيشون لمدة أطول من أن يهتموا بذريتهم وهو المعروف بـ ” تأثير الجدة”. المشكلة أن أي نظرية مرنة لكي تعطي تفسير لكل شيء أنها ليست نظرية جيد على الإطلاق.
الجينات المختصة بالشيخوخة وطول فترة العمر قد تتأثر بشكل مباشر بسبب من الطفرات أو غير المباشر من عنق الزجاجة في علم الوراثة. الطب الحديث وجلسات العلاج لمكافحة الشيخوخة قد تسبب في بطئ العملية وقد تمد فترة الحياة ولكنها لن تصل إلى القيمة العظمى.
موت يسوع المسيح وانتصاره على الموت كان هو الوعد بالحياة الأبدية لكل من يؤمن به. (رساله روميه 6 :23 10: 9)
العوامل الفسيولوجية
بمعنى آخر، إن معظم المواد التي يتكون منها الجسم لا تستمر بالتقدم في السن خلال حياتنا. فالعديد من أجزاء الجسم باستمرار تتكون من جديد. خلايا البشرة التي تغطي كل سطح الجلد على سبيل المثال لا تتقدم بالعمر. فخلال شهر واحد، خلايا جديده تتكون باستمرار من انقسام الخلية وتتعمق في البشرة بيننا الخلايا القديمة تسقط. والخلايا المكونة للأمعاء تغير نفسها وتتجدد مرة كل أربعه أيام. كرات الدم الحمراء تتبدل بالكامل مره كل 90 يوم وكرات الدم البيضاء تتبدل مره كل أسبوع.
وحتى الخلايا التي لا تنقسم أو نادرا ما تنقسم مثل خلايا عضلات القلب وخلايا المخ فهي لها دورة في الحياة الجزء بالجزء. ويوجد ما يعتقد به أن اقدم الأجهزة في الجسم يظل حوالي عشر سنين فقط ويتجدد. شكرا لدورة حياة الخلية وتبديلها.
معظم الأعضاء التي في جسم الشخص الذي بلغ من العمر 90 عام ربما لا تكون اقدم من نفس الأجهزة لطفل. لذلك، يمكن أن نقول أننا أجسادنا في الحقيقة لا تتقدم في العمر.
إنها تشبه قصه تسمى ” فأس الجد ” كان لشخص لديه فأس قديم معلق بجانب مكان إشعال النار والذي يزعم انه قد توارثه في عائلته منذ أكثر من خمس أجيال. وعندما سأله احدهم كم عمر هذا الفأس؟
لم يكن متأكد وقال أن جد جد جد جد جده قد اشتري هذا الفأس منذ حوالي 300 عام. أيضًا كان يعرف انه عبر هذه السنين هذا الفأس قد غيروا له رأسه برؤوس جديده في سته مرات وغيره أيضًا مقبضه حوالي 12 مره. أجسامنا تشبه ” فاس الجد” فهي باستمرار تتجدد مثل الراس والمقبض. وبهذا المنطق فنحن لا نتقدم في العمر. ومع ذلك فهل من الممكن لاي احد أن يتقدم في العمر ويموت رغم أن الجسم يصلح نفسه باستمرار ويجدد أجزاءه؟
عند هذه النقطة من الممكن أن نريد أن نسأل: لماذا مات متوشالح وهو صغير؟
كيف بالحقيقة يستطيع أي شخص إن يتقدم في السن ويموت اذا كان الجسم باستمرار يصلح نفسه ويجدد أعضاء؟ بالتأكيد حتى سياراتنا ونحن نستطيع أن نفعل لها ذلك ولكننا لا نتوقع أن تستمر للابد.
جزء من الإجابة يكمن في انه بعض الأجزاء من أجسامنا تفشل في التصليح وتجديد نفسها، مثل خلايا عضلات القلب المهمة على سبيل المثال تفشل في التكاثر وإبدال ذاتها بعد الولادة. (وبالرغم من أن كل خلايا العضلات تستطيع أن تكبر في الحجم) ولكن عضله القلب اذا انقطع عنها تدفق الدم خلال الأزمة القلبية يؤدي إلى موت دائم لهذا الجزء من القلب.
معظم الخلايا العصبية في المخ (مع خلايا العين والأذن) تفشل في التكاثر وتصليح ذاتها بعد الولادة وحتى نهاية الحياة. نحن نفقد الف خليه من الخلايا العصبية في كل دقيقة من جهاز العصبي. ولا نستطيع إبدالهم مع التقدم في السن لذلك يسبب هذا فقدان في القدرة على السمع والنظر والشم والتذوق . . . . . . . أم. . . . . . . . . . وشيء أخر لا استطيع أن أتذكر.
النقطة المهمة، أن العلم لا يعطي أملًا في حياة أبدية أوحتى في إطالة العمر بشكل ملحوظ. إنه حتى ولو وجده علاج للأمراض الثلاثة العظمى المسببة للموت (مثل السرطان والأزمات وأمراض شرايين القلب) فان المحتمل إن طالت مدة الحياة لن تطول بالقدر الذي يجعل هؤلاء الناس يعيشون إلى المنتهى. وهؤلاء الناس الذين يعيشون لمدة أطول سوف يتقدمون مع ضعف جسدي مع العمر وأجزاء مهمة من أجسامهم سوف تتدهور حالتها.
لذا يمكن أن نستنتج أن كلمه الله وليس العلم له الحل الكامل لمشكلة الشيخوخة والموت. هذا الحل هو ” وإنما أظهرت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح، الذي ابطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل” (2 تيموثاوس 1 : 10)
هل فعلا عاش كلاً من نوح وآدم أكثر من 900 سنة؟ ولماذا لا نعيش الآن كل هذه السنوات؟ ترجمة: مينا خليل
المرجع:
Did People Like Adam and Noah Really Live Over 900 Years of Age? by Dr. Georgia Purdom and Dr. David Menton
صب التطور الذي حصل في العلم الحديث لصالح الأسباب التقليدية للإيمان بالإله. عندما لا يكون لدينا فكرة عن الكيفية التي وجد بها الكون فإن من السهل نسبة ذلك إلى فعل إلهي، أو مجموعة أفعال إلهية. وبالمثل، فإن وضع كبلر وبرینكوس وغاليليو الأرض في وسط السماء المرصعة بالنجوم بدا وكأنه يمثل حجة قوية لوجود الإله. إذا كان الإله وضع الأرض في الوسط، فلابد أنه بنى كل ذلك من أجلنا. عندما أجبرت العلوم الشمسية على إعادة النظر في هذا المفهوم، اهتزت قناعات العديد من المؤمنين.
لكن الركن الثالث من أركان الإيمان لازال يحظى بقيمة كبيرة: تعقيد الحياة الدنيوية، مما يعني لأي مراقب أن لهذا عمل مصمم ذكي. وكما سنرى لاحقاً، فإن العلم قلب ذلك رأساً على عقب. وهنا كما في الحجتين السابقتين، أريد أن أشدد على أن المؤمن بالإله لا ينكر العلم، وإنما يتبناه. إن الأناقة التي تقف خلف تعقيد الحياة مدعاة للإعجاب والاعتقاد بالله، ولكن ليس بالطريقة المبسطة والمباشرة التي كان يعتقد بها الكثيرون قبل نظرية دارون.
تعود “حجة التصميم على الأقل إلى أيام شيشرون، ولقد تم تقديمها بشكل مؤثر بواسطة ويليم بالي William Paley في كتابه المهم اللاهوت الطبيعي Natural Theology أو براهين الوجودEvidences of the Existence and Attributes of the Deity Collected from the Appearance of Nature. طرح بالی وهو فيلسوف أخلاقي قياساً شهيراً على النحو التالي: “افترض أنه وأثناء مروري بأرض قاحلة أصدمت قدمي بحجر، وسألني أحدهم كيف جاء هذا الحجر إلى هنا، من الممكن أن أجيب بالقول إنه كان هنا منذ قديم الزمان. ولن يكون من السهل جداً إظهار سخافة هذه الإجابة. ولكن افترض إنني وجدت ساعة يد على الأرض وسُئلت كيف وصلت هذه الساعة إلى هنا، هنا من الصعب عليّ أن أفكر بالإجابة على هذا السؤال بنفس إجابة السؤال السابق، لأن القول بأن ساعة اليد كانت هنا منذ القدم يستلزم القول بأن لهذه الساعة صانع: وعليه تكون الساعة وجدت في زمان ما وفي مكان ما، وهناك صانع أو صناع قاموا بصناعتها لهدف معين، وهذا الصانع هو من يعلم تركيبها وقام بوضع كل الدلائل التي تشير إلى صنعها. كل مظاهر التصميم الموجودة في ساعة اليد موجودة في عالم الطبيعة، مع أفضلية لعالم الطبيعة لكونه أكبر، ولأن حسابات تصميمه تفوق كل الحسابات. برهان التصميم كان مقنعة للبشرية طوال التاريخ. داروين نفسه، قبل رحلته على سفينتي بيغل كان معجبا بكتابات بالي، وصرح بأنه مقتنع بهذا الرأي. ومع ذلك فإن هناك عيب في حجة بالي، ويمكن توضيح ذلك باختصار على النحو التالي:
1- ساعة اليد معقدة
2- لساعة اليد صانع ذكي
3- الحياة معقدة
4- لذلك، الحياة أيضا لها صانع
ولكن في الحقيقة كون شيئين يتشاركان في خاصية واحدة لا يستلزم أنهما يتشاركان في جميع الخصائص. لنأخذ المثال المشابه التالي:
1- التيار الكهربائي الموجود في بيتي يتكون من تدفق للإلكترونات
2- التيار الكهربائي يأتي من شركة الكهرباء
3- البرق يتكون من تدفق للإلكترونات
4- لذلك، البرق يأتي من شركة الكهرباء
على الرغم من أن الحجة تبدو جذابة، ولكنها لا تقول القصة بكاملها. لكي تختبر تعقيد الحياة وأصولنا في هذا الكوكب عليك أن تنقب عميقاً في الاكتشافات الرائعة حول طبيعة الكائنات الحية، وهي الاكتشافات التي نتجت عن الثورة الحديثة في علم المتحجرات وعلم الأحياء الجزيئي، وعلم الجينوم. على الشخص المؤمن أن لا يخشى من أن تسقط هذه الاكتشافات العرش الإلهي. إذا كان الله سبحانه وتعالى حقيقة، فسيكون من الصعب أن يتعرض للخطر من قبل مساعينا السقيمة في فهم طريقة عمل عالمه الطبيعي. ونحن كساعين للحقيقة ربما نعثر في العلم على أجوبة مقنعة على سؤال “كيف تعمل الحياة؟” ما لا نستطيع أن نكتشفه بواسطة العلم فقط هي الإجابة على الأسئلة “لماذا توجد حياة. لماذا نحن موجودون؟
أصل الحياة على كوكب الأرض
يبدأ العلم في الإجابة على السؤال عن تعقيد الحياة بجدول زمني. نحن نعلم في الوقت الحاضر أن عمر الأرض يبلغ 14 مليون سنة. قبل قرن من الزمن لم نكن نعلم عمر كوكبنا. ولكن الاكتشاف اللاحق للنشاط الإشعاعي والاضمحلال الطبيعي لبعض النظائر الكيميائية قدم لنا وسيلة أنيقة ودقيقة لتحديد عمر الصخور المختلفة على سطح الأرض. لقد تم شرح الأساس العلمي لهذه الطريقة بشكل مفصل في كتاب برنت داریمبل Brent Dalrymple عمر الأرض The Age of Earth، اعتماداً على معرفة نصف عمر ثلاثة عناصر كيميائية مشعة أنحلت بشكل مطرد، وتحولت إلى عناصر مختلفة ومستقرة: اليورانيوم تحول ببطء إلى الرصاص، والبوتاسيوم تحول ببطء إلى الأرجون، وتحول السترونتيوم الغريب إلى عنصر نادر يسمى الروبيديوم. عن طريق قياس كميات من أي من هذه الأزواج من العناصر، يمكننا تقدير عمر أي صخرة معينة. كل هذه الأساليب المستقلة تعطي نتائج متناغمة بشكل لافت للنظر، وجميعها يشير إلى أن عمر الأرض هو 4550000000 سنة، مع نسبة خطأ قريبة من الواحد بالمئة فقط. أقدم الصخور على سطح الأرض الحالي يعود تاريخها إلى ما يقرب من 4 مليارات سنة، ولكن ما يقرب من سبعين نيزك وعدد من الصخور القمرية يعود تاريخها إلى 4.5 مليارات سنة.
جميع الأدلة المتوفرة حالياً تشير إلى أن الأرض كانت مكاناً غير ملائم تماماً للعيش فيها في الخمسمائة مليون سنة الأولى. لقد تعرض الكوكب لهجوم مستمر ومدمر من كويكبات ونيازك عملاقة، وأحد هذه الهجمات جعلت القمر يخرج عن نطاق الأرض. ولذلك لا غرابة في أن الصخور التي تعود إلى 4 مليارات سنة لا يوجد فيها أي دلائل على الحياة.
فقط في وقت لاحق، أي ما يقارب من 150 مليون سنة، تم العثور على أنواع حياة ميكروبية. ومن المفترض أن هذه الكائنات ذات الخلية الواحدة كانت قادرة ربما باستخدام الحمض النووي على تخزين المعلومات، وكان قادرة على تكرار ذاتها، وقادرة على التطور إلى أنواع مختلفة متعددة. حديثاً، وضع کارل ووز Carl Woese فرضية محتملة لعمر محدد للأرض، وذلك عندما أصبح تبادل الحمض النووي بين الكائنات الحية سهلاً. بشكل أساسي، يتكون المحيط الحيوي للحمض النووي من عدد كبير من الخلايا الصغيرة المستقلة، ولكنها تتفاعل على نطاق واسع مع بعضها البعض.
إذا طور كائن معين بروتين أو سلسلة من البروتينات التي توفر ميزة معينة، فإنه يمكن لهذه الميزات الجديدة الانتقال بسرعة إلى جيرانها. بهذا المعنى، فإن التطور الذي حدث في وقت مبكر كان نشاطاً جماعياً أكثر منه نشاطاً فردياً. تم توثيق هذا النوع من “انتقال الجينات الأفقي” بشكل جيد في معظم الأشكال القديمة من البكتيريا الموجودة الآن على الأرض (العتائق)، وربما أتاح ذلك الفرصة لانتشار خصائص جديدة بسرعة.
ولكن كيف حدث التوالد الذاتي في المقام الأول؟ من المنصف القول إننا لا نعلم في الوقت الحالي كيف حدث ذلك. لا توجد فرضية حديثة اقتربت من تفسير كيف استطاع المكان الذي وجد قبل 150 مليون سنة من بيئة قبل حيوية أن يوجد حياة على سطح الأرض. هذا لا يعني عدم وجود فرضيات معقولة، ولكن الاحتمالات الإحصائية التي يمكن الاعتماد عليها لازالت تبدو بعيدة المنال.
قبل خمسين عاماً، شكلت التجارب الشهيرة التي قام بها ستانلي میلر Stanley Miller وهارولد أوري Harold Urey لخليط من المركبات العضوية والماء ما يمكن أن يكون الظروف البدائية للحياة على الأرض. استطاع هذان العالمان تكوين كميات قليلة من مركبات حيوية مثل الأحماض الأمينية من خلال تسليط شحنة كهربائية. مثل العثور على كميات صغيرة من مركبات مماثلة داخل النيازك القادمة من الفضاء الخارجي، حجة أيضا على أن مثل هذه الجزيئات العضوية المعقدة يمكن أن تنشأ من العمليات الطبيعية في الكون.
بعد هذه النقطة، تصبح التفاصيل ناقصة تماماً. كيف يمكن لجزيء حامل للمعلومات وذاتي الانقسام أن يتكون من هذه المركبات؟ الحمض النووي الذي يتكون عموده الفقري من السكر الفوسفاتي مرتب على شكل طبقات فوق بعضها بشكل منسق على صورة أزواج من الحلزون المزدوج، يبدو وكأن جزئياً قد خرج إلى الوجود كشكل أولي للحياة على نحو غير متوقع، وخاصة أن الحمض النووي لا يملك القدرة على نسخ نفسه، على عكس الحمض الريبي RNA، حيث يمكن للحمض الريبي أن يحمل المعلومات، وفي بعض الحالات يمكن أن يحفز تفاعلات كيميائية، في حين لا يستطيع الحمض النووي ذلك. الحمض النووي مثل الذاكرة الدائمة الموجودة في جهاز الكمبيوتر: إذ أنها يفترض أن تكون وسيلة ثابتة لحفظ المعلومات (وكما هو الحال مع الكمبيوتر يمكن أن يصاب الحمض النووي بالأخطاء البرمجية). على عكس ذلك، فإن الحمض الريبي أشبه بالذاكرة المؤقتة التي بمقدورها أن تقوم بنشاطات بمفردها. وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلها عدد من الباحثين إلا أنه لم يمكن لحد الآن التوصل إلى مكونات الحمض الريبي في تجربة ميلر -أوري، كما لم يمكن تصميم حمض ريبي قادر على التوليد الذاتي.
دفعت الصعوبات الكبيرة في تحديد مسار مقنع لأصل الحياة بعض العلماء، وأبرزهم فرانسیس کريك Francis Crick (الذي أكتشف مع جيمس واتسون الحمض النووي المزدوج الحلزون)، إلى القول بأن أشكال الحياة وصلت إلى الأرض من الفضاء الخارجي، إما عبر جزيئات صغيرة عائمة عبر الفضاء بين النجوم وتقع تحت تأثير جاذبية الأرض أو أن ذلك تم بشكل مقصود أو غير مقصود من قبل بعض المسافرين القدماء الآتين من الفضاء. على الرغم من أن هذا التفسير قد يحل معضلة الحياة على الأرض، إلا أنه لا يقدم شيئا لحل السؤال الجوهري عن أصل الحياة، لأنه يدفع بالحدث المذهل إلى حقبة زمنية أقدم بكثير. وهي نقطة نظام نطرحها في وجه المعترضين على إمكانية الوجود العفوي للحياة على الأرض استناداً إلى القانون الثاني للميكانيكا الحرارية.
ينص القانون الثاني على أنه في نظام مغلق، حيث لا طاقة ولا مادة يمكنهما الدخول أو الخروج، فإن كمية من الاختلال سوف تميل إلى الزيادة مع مرور الوقت. بما أن أشكال الحياة في غاية الترتيب فإن البعض يعتبر أن من المستحيل أن تكون الحياة وجدت من دون خالق خارق القدرة. ولكن هذا ينم عن سوء فهم لمعنى القانون الثاني: الترتيب يمكن أن يزيد في بعض أجزاء النظام، ولكن هذا يحتاج إلى طاقة، وإلى أن لا تقل كمية الخلل في النظام ككل. في حالة أصل الكون، الكون ككل هو النظام المغلق، ويتم توفير الطاقة من الشمس، وبالتالي فإن الزيادة الداخلية المطلوبة ممثلة بالتجمع العشوائي للجزيئات لا يمكن أن يخالف القانون بأي حال من الأحوال.
عدم قدرة العلم حتى الآن على تفسير السؤال العميق عن أصل الحياة دفع بعض المؤمنين بالإله إلى القول بأن ظهور الحمض النووي والحمض الريبي هو تأكيد على القدرة الإلهية. إذا كان هدف الإله من خلق الكون هو خلق البشر، وإذا كان التعقيد المطلوب لبدء عملية الحياة يتجاوز قدرة المواد الكيميائية في الكون في صناعة الذات، ألا يمكن أن يكون الله قد تدخل لبدء هذه العملية؟
قد تبدو هذه الفرضية قوية، عطفاً على عدم قدرة العلماء على الادعاء بأن التفسير الطبيعي لتفسير أصل الحياة في متناول اليد. ولكن هذا التفسير قد يكون مقبولاً في الوقت الحالي، ولكنه قد لا يكون كذلك في الغد. ولذلك لابد أن نكون حذرين في التعامل مع الفعل الإلهي بشكل محدد في هذا المجال أو في مجالات أخرى لازال العلم قاصراً عن الوصول إليها. من كسوف الشمس في الأزمنة القديمة إلى حركة الكواكب في العصور الوسطى، وإلى أصل الحياة اليوم، كثيراً ما يسيء “إله الفجوات” God of Gaps للدين (وبالتالي يسيء للإله). الدين الذي يضع الله في ثغرات الفهم الحالي عن العالم الطبيعي قد يتسبب في أزمة في حال استطاع العلم ملاء تلك الثغرات في وقت لاحق.
في مواجهة عدم القدرة على فهم العالم الطبيعي ينبغي أن يكون المؤمنون بالإله حذرين في الاستناد إلى فرضية التدخل الإلهي في مجالات التي يلفها الغموض حالية، حتى لا تسبب ذلك في ضرر مستقبلي. هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بالله، بما في ذلك وجود المبادئ الرياضية والنظام في الخلق. هذه الأسباب إيجابية وتستند إلى أسس معرفية، وليس على أساس فرضيات تفتقر للدلائل. باختصار، على الرغم من أن السؤال عن أصل الحياة سؤال رائع، وعلى الرغم من عدم قدرة العلم الحديث على تطوير آلية إحصائية محتملة، إلا أن هذا ليس مكان ليمارس الإنسان المؤمن بالإله لإيمانه.
السجل الأحفوري
في حين أن العلماء الهواة والمحترفين توصلوا لاكتشاف الحفريات منذ عدة قرون، إلا أن هذه الاكتشافات بلغت مرحلة متقدمة في السنوات العشرين الماضية. الكثير من الفجوات التي كانت موجودة في فهم تاريخ الحياة على الأرض تم ملؤها بواسطة اكتشاف الأنواع المنقرضة من الكائنات الحية. وأكثر من ذلك، أصبح من المتاح التعرف على عمر هذه الأحافير بناءً على نفس عملية الاضمحلال الإشعاعي التي ساعدت في تحديد عمر الأرض. الغالبية العظمى من الكائنات الحية التي عاشت لم تترك أي أثر يدل على وجودها، لأن الأحافير تنشأ في ظروف غير عادية للغاية (على سبيل المثال، الكائن الذي يقع في نوع معين من الطين أو الصخور، ولا يتم التقاطه من قبل الحيوانات المفترسة تتعفن عظامه ومعظم هذه المخلوقات تتحلل). وعلى ضوء هذا الواقع، يبدو من المدهش أن يكون لدينا مثل هذه الثروة من المعلومات حول الكائنات الحية التي عاشت على الأرض.
الجدول الزمني التي كشفت عنه السجل الأحفوري غير مكتمل تماماً، ولكن يظل مفيد جداً. على سبيل المثال، فقط الكائنات الحية وحيدة الخلية تظهر في الرواسب التي تكونت قبل حوالي 550 مليون سنة، على الرغم من أنه من الممكن أن تكون هناك كائنات حية أكثر تعقيدا كانت موجودة قبل هذا الوقت. قبل ما يقرب من 550 مليون سنة مضت، ظهر فجأة عدد كبير من الأجسام اللافقارية المتنوعة على مخطط السجل الأحفوري.
غالبا ما يشار إلى هذا الحادثة على أنها “الانفجار الكمبري”، وتم تدوين ذلك بشكل مفهوم للغاية بواسطة الراحل ستيفن جاي غولد Stephen Jay Gould وهو أكثر كتاب عصره شاعرية، وذلك في كتابه “حياة رائعة” Wonderful Life. وفي الكتاب تساءل غولد كيف يمكن للتطور أن يكون مسؤولا عن التنوع في مخططات الجسم Body plans التي ظهرت في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن.
كان هناك خبراء آخرون أقل حماسية بكثير للادعاء بأن الانفجار الكمبري يمثل انقطاعاً في عملية تعقيد الحياة، على الرغم من أن كتاباتهم لم تكن معروفة على نطاق واسع للجمهور العام. ما يسمى بالانفجار الكمبري على سبيل المثال يعكس تغيراً في الشروط التي سمحت لكثير من الأنواع بالتحجر والتي كانت موجودة لملايين السنين. في حين بذلت محاولات من قبل بعض الموحدين لتأكيد أن الانفجار الكمبري هو دليل على تدخل قوة خارقة للطبيعة، ولكن الدراسة المتأنية للوقائع لا تبدو أنها تدعم ذلك. هذه صيغة جديدة من حجة “إله الفجوات”. مرة أخرى، من غير الحكمة أن يعلق المؤمنون بالله إيمانهم على مثل هذه الفرضية. تشير الأدلة الحالية إلى أن الأرض ظلت جرداء حتى قبل حوالي 400 مليون سنة، حين ظهرت النباتات على اليابسة مستمدة وجودها من أشكال الحياة المائية. بعد ما يقرب من 30 مليون سنة على نحو التقريب، انتقلت الحيوانات إلى اليابسة، وهذه الخطوة تشير إلى فجوة أخرى: يبدو أن هناك عدد قليل من الأشكال الانتقالية بين المخلوقات البحرية والبرية رباعية الأرجل في السجل الأحفوري. الاكتشافات الحديثة وثقت بشكل مقنع أمثلة على هذا النوع من التحول.
بداية من نحو 230 مليون سنة، هيمنت الديناصورات على الأرض. ويوجد قبول عام لدى الباحثين الآن بأن انقراضها كان نهاية مفاجئة وكارثية قبل ما يقرب من 65 مليون سنة مضت، في وقت اصطدام كوكب الأرض مع كويكب كبير وقع في محيط ما يعرف الآن بشبه جزيرة يوكاتان. تم التعرف على الغبار الدقيق الذي نتج عن هذا التصادم الرهيب في أجزاء مختلفة من العالم. التغيرات المناخية الكارثية التي نتجت على ما يبدو من كمية الغبار الهائلة في الغلاف الجوي كانت أكثر من اللازم لأنواع الديناصورات المهيمنة، مما أدى إلى انقراضها، وارتفاع فرص وجود الثدييات.
إن اصطدام الكويكب القديم هو حدث محير. إنه السبب الوحيد الذي قد يكون أدى إلى انقراض الديناصورات وظهور الثدييات. ربما لم نكن موجودين الآن لو لم يضرب هذا الكويكب المكسيك. معظمنا لديه اهتمام خاص بالسجل الأحفوري للبشر، وهنا أيضا ظهرت اكتشافات في العقود القليلة الماضية كشفت الكثير من الحقائق. تم اكتشاف عظام أكثر من اثني عشرة نوع من أنواع أسلاف الإنسان المختلفة في أفريقيا، مع ملاحظة وجود زيادة مطردة في حجم الجمجمة. تم اكتشاف أول العينات في تاريخ الإنسان قبل ما يقرب من 195000سنة تقريباً.
يبدو أن الفروع الأخرى التي تطورت من أسلاف الإنسان واجهت طريقاً مسدوداً: البشر البدائيون الذين كانوا موجودون في أوروبا حتى قبل 30000 سنة، وحديثا تم اكتشاف “الهوبيت” وهو عبارة عن مخ صغير لأناس عاشوا في جزيرة فلوريس في إندونيسيا حتى انقرضوا منذ ما يقرب من 13000سنة.
رغم أن هناك العديد من العيوب في السجل الأحفوري، ورغم وجود العديد من الألغاز المطلوب حلها، إلا أن جميع النتائج تقريبا تنسجم مع مفهوم شجرة الحياة المتعلقة بالكائنات الحية. يوجد دليل جيد على أشكال انتقالية من الزواحف للطيور، ومن الزواحف إلى الثدييات. الحجج التي تسند إلى نموذج لا يستطيع تفسير وجود بعض الأنواع، مثل الحيتان، يتعرض للسقوط كلما كشفت التحقيقات عن وجود أنواع انتقالية، في كثير من الأحيان في الزمان والمكان الذي تتنبأ به نظرية التطور.
فكرة داروين التطورية
ولد داروين في عام 1809، وقد درس في البداية ليصبح كاهناً في كنيسة إنجلترا، ولكن تولد لديه اهتمام عميق بالطبيعيات. على الرغم من أن داروين الشاب اقتنع في البداية بحجة “ساعة يد” بالي، ورأى أن التصميم الموجود في الطبيعة دليل على وجود مصدر إلهي، فإن وجهات نظره بدأت تتغير عندما سافر على سفينتي بيغل 1831-1836. زار داروين أمريكا الجنوبية وجزر غالاباغوس، حيث درس بقايا متحجرة من الكائنات القديمة، ولاحظ تنوع أشكال الحياة في بيئات معزولة.
بناء على هذه الملاحظات، وعلى أساس عمل إضافي قام به على مدى أكثر من عشرين عاما، طور داروين نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي. في عام 1859، واجه داروين إمكانية أن يسبقه ألفرد راسل والاس إلى النظرية، ولكنه في النهاية كتب ونشر أفكاره في الكتاب عميق التأثير “أصل الأنواع” The Origin of Species.
ومع معرفته بأن الحجج في كتابه هذا من المحتمل أن يكون لها أصداء واسعة، كتب داروين تعليقا في نهاية الكتاب يقول فيه “وجهات النظر التي قدمتها في هذا الكتاب، وكذلك وجهات نظر السيد والاس، بخصوص أصل الأنواع، تمكننا من أن نتنبأ بأن قدراً قليلاً من التقدم لن يؤدي إلى ثورة كبيرة في التاريخ الطبيعي”.
اعتبر داروين أن جميع أنواع الكائنات الحية تنحدر من مجموعة صغيرة من أسلاف أكثر شيوعا، وربما تنحدر من مجموعة واحدة منها فقط. لقد اعتبر داروين أن التنوع داخل النوع الواحد يحدث بشكل عشوائي، وأن البقاء على قيد الحياة أو انقراض كل الكائنات الحية يعتمد على قدرتها على التكيف مع البيئة. لقد عبر داروين عن ذلك بالانتقاء الطبيعي. إدراكاً منه بالطابع الانفجاري لهذه الحجة، ألمح داروين إلى أن هذه العملية نفسها قد تنطبق على البشر، وطور ذلك بقدر أكبر من التفصيل في كتاب لاحق عنوانه “أسلاف الإنسان” The descent of Man.
أثار كتاب “أصل الأنواع” نقاشاً مباشراً ومحتدماً، ولكن ردة الفعل من قبل السلطات الدينية لم يكن بشكل عام سلبية كما يصور في الوقت الحالي. في الواقع، قبل رجل الدين اللاهوتي البروتستانتي المحافظ بنیامین ارفیلد برينستون Warfield of Princeton التطور على أنه “نظرية في الطريق إلى العناية الإلهية، ” بينما تمسك بحجة أن التطور في حد ذاته يجب أن يكون له خالق خارق القدرة. يوجد العديد من الأساطير حول رد فعل الجمهور على داروين. على سبيل المثال، كانت هناك محاورة شهيرة بين توماس هكسليH. Huxley Thomas (المروج المتحمس للتطور) والمطران صموئيل ويلبر فورس Wilberforce Bishop Samuel، وربما لم يقل هكسلي أنه لا يشعر بالعار من أنه من أحفاد قرد، ولكنه سوف يشعر بالعار إذا كان قريباً لأي شخص لا يقول الحقيقة. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من كونه منبوذاً من قبل المجتمع الديني، إلا أن دفن داروين في دير وستمنستر.
كان داروين نفسه يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير نظريته على المعتقد الديني، وطوال كتاب “أصل الأنواع” عانى كثيراً ليشير إلى تفسير متناغم ممكن “أنا لا أرى أي سبب وجيه لأن تتسبب الآراء الواردة في هذا الكتاب في صدمة للمشاعر الدينية لأي شخص …. المؤلف الربوبي المشهور كتب لي أنه “لقد تعلمت تدريجياً أن أرى أن ذلك مجرد شعور نبيل للإله خلق أشكال أصلية أصبحت قادرة على تطوير ذاتها إلى أشكال أخرى محتاجة لها، إلى حد الاعتقاد أنه مطلوب عمل جديد من الخلق يؤدي إلى سد الفراغات الناجمة عن قوانينه”.
بل إن داروين ختم كتابه أصل الأنواع بالجملة التالية: “هناك عظمة في هذه النظرة مع وجود قوى عدة، جاءت إلى الحياة بواسطة الخالق على صورة أشكال أو شكل واحد، وأنه بينما هذا يدور الكوكب وفق قانون الجاذبية الثابت، فإنه ومن تلك البداية البسيطة، تكونت وتطورت أشكال لا حصر لها أكثر جمالا وروعة”. ظلت الآراء الشخصية لداروين غامضة، ويبدو أنها كانت متقلبة حتى السنوات الأخيرة من حياته. وفي إحدى المرات كتب يقول “لا أدري هو الوصف الأقرب لوضعي الإيماني”. وفي مرة أخرى كتب يقول إنه شعر بتحدي كبير من الصعوبة البالغة أو ربما استحالة تقبل فكرة أن هذا الكون العظيم الهائل بما في ذلك الإنسان القادر على النظر إلى الماضي وإلى الحاضر على أنه مجرد صدفة عمياء أو على انه ضرورة. عندما يدور ذلك في خلدي أجدني مقتنعاً بأن هناك مسبب أول صاحب عقل ذكي مشابه بنحو ما للإنسان، وأستحق أن يقال لي مؤمن”.
لا يوجد عالم بيولوجي اليوم يشك في قدرة نظرية التطور على شرح التعقيد الرائع لتنوع الحياة. في الحقيقة، علاقة جميع الأنواع ببعضها من خلال آلية التطور هو أساس عميق لفهم علم الأحياء بأكمله، بحيث أنه من الصعب أن نتصور كيف يمكن لأحد أن يدرس الحياة من دونه. ولكن هل يوجد وجهة نظر علمية أثارت الكثير من التصادم مع وجهات النظر الدينية أكثر من نظرية داروين الثورية؟ منذ عرض السيرك “محاولة القرد” ” Monkey trial” في عام 1925 مروراً بالمناظرات التي تعقد في الولايات المتحدة حول تدريس نظرية التطور في المدارس، يبدو أن هذه المعركة حول نظرية داروين لن تنتهي.
الحمض النووي – المادة الوراثية
كانت نظرية داروين أكثر تميزاً في ذلك الوقت، لأنها كانت تفتقر إلى الأساس الفيزيائي. تطلب الأمر جهد لقرن من الزمان لاكتشاف كيف يمكن أن يكون هناك تعليمات للحياة تجعل نظرية داروين تتوافق مع فكرة التغير. كان الراهب الغامض نسبيا جريجور مندل Gregor Mendel، والذي كان يعيش فيما تسمي حالياً بالجمهورية التشيكية، معاصراً لداروين، وكان قد قرأ كتاب “أصل الأنواع”، لكنهما ربما لم يتقابلا. كان مندل أول من أوضح أن الوراثة يمكن أن تنتقل على شكل حزم منفصلة من المعلومات. عبر تجارب مضنية على نباتات البازلاء في حديقة منزله في دير الكنيسة، وقد خلص مندل إلى أن عوامل وراثية تتشارك في سمات على نحو سلس أو متعسف في البازلاء، مما يعني أن ذلك يحكمه قواعد حسابية. لم يكن مندل يعرف ما هي الجينات، ولكنه أوضح أن شيئا ما من قبيل الجينات يجب أن يكون موجوداً.
لقد تم تجاهل أبحاث مندل لمدة 35 سنة. وبعد ذلك، وفي مصادفة عجيبة تحدث أحياناً في تاريخ العلم، تم إعادة اكتشاف نتائج أبحاث مندل بواسطة ثلاثة علماء خلال أشهر في نهاية القرن العشرين. في دراساته الشهيرة على “الأخطاء الوراثية في الأيض، للأمراض النادرة التي حدثت في بعض الأسر أثناء ممارسته للطب، كان أرشيبالد غارود Archibald Garrod واثقاً بشكل قاطع أن قواعد مندل تنطبق على البشر، وأن هذه الاختلالات جاءت كنتيجة لنفس النوع من الوراثة الذي كان مندل لاحظه في النباتات.
أضاف مندل وغارود خصوصية رياضية لفكرة التوريث في البشر، مع أن الخصائص الموروثة مثل الجلد ولون العين مألوفة بالفعل بالنسبة لأي شخص يدقق في الجنس البشري. ظلت الآلية التي تتحكم بهذه الأنماط غامضة، ومع ذلك، لم يقلل أحد من نجاح الأساس الكيميائي للوراثة. افترض معظم الباحثين في النصف الأول من القرن العشرين أن الصفات الموروثة يجب أن تنتقل عبر البروتينات، باعتبار أنها تبدو أكثر الجزيئات الحية تنوعاً.
حتى عام 1944 لم تكن التجارب المكروبيولوجية التي أجراها أوزوالد أفيري، کولن ماكلويد، ومكارتی قد أظهرت أن الحمض النووي، وليس البروتين هو القادر على نقل الخصائص الموروثة. وعلى الرغم من أن وجود الحمض النووي كان معروفاً لما يقرب من مائة سنة، إلا أنه لم يكن يعتبر سوى مجموعة حزم لا أهمية لها. وبعد أقل من عشر سنوات ظهر جواب جميل وأنيق للسؤال حول الطبيعة الكيمائية لعملية التوريث. لقد تم كسب الرهان في السباق المحتدم لتحديد طبيعة تركيب الحمض النووي في عام 1953 من قبل جيمس واطسون James Watson وفرانسیس کريك Francis Crick بالشكل الذي تم تدوينه في كتاب واتسون “مسلية الحلزون المزدوج”. قام واتسون، کريك، وموريس ویلکنز، بتوظيف البيانات التي تنتجها روزالیند فرانکلین Rosalind Franklin، لاستنتاج أن جزيء الحمض النووي له شكل مزدوج الحلزون، على شكل سلم ملتوي، وأن المعلومات الناقلة للقدرة يتم تحديدها من قبل سلسلة من المركبات الكيميائية التي تتكون من درجات السلم. ككيميائي يعرف صفات الحمض النووي الاستثنائية، وحلوله الرائعة لمشكلة ترميز تصميم الحياة، أشعر بالرهبة من هذا الجزيء. دعوني أحاول أشرح لكم مدى أناقة الحمض النووي.
جزيئات الحمض النووي كما هو موضح في الشكل 4.1 لها عدة خصائص مميزة. العمود الفقري الخارجي مكون من جزيئات على شكل أشرطة متراتبة مكونة من سكر الفوسفات، ولكن ما يثير الدهشة ما هو موجود في الداخل. تتكون درجات السلم من مزيج من أربعة مكونات كيميائية، تدعى “قواعد”. دعونا نسميها (بأسمائها الكيميائية الفعلية في الحمض النووي قواعد G, C, A, T، وكل من هذه القواعد الكيميائية لديه شكله الخاص به).
تخيل الآن أن من بين هذه الأشكال، الشكل A يمكنه أن يتلاءم بشكل دقيق فقط مع درجة السلم المجاورة للشكل T، والشكل G يمكنه أن ينسجم إلى جوار الشكل C. هذه هي “ثنائيات القاعدة”. ولذلك يمكنك تصور الحمض النووي على شكل سلم حلزوني، بحيث أن كل درجة فيه تتشكل من زوجين من قاعدة واحدة. هناك أربعة درجات محتملة: A -T , T – A , C – G , G – C إذا تعرضت إحدى القواعد للتلف، فإنه يمكن إصلاح التلف بسهولة من خلال المكمل في التركيب الزوجي: البديل الوحيد للقاعدة T قاعدة أخرى من نوع T. ولعل الأكثر أناقة، أن الحلزون المزدوج يسارع على الفور إلى طريقة للقيام بالنسخ الذاتي، لأن كل قسم يمكن استخدامه كقالب لإنتاج قسم جديد. إذا قسمت جميع الأزواج إلى النصف، وقطعت السلم نزولا إلى أسفل وسط كل درجة، فإن كل نصف من السلم سوف يحتوي على كافة المعلومات اللازمة لإعادة بناء نسخة كاملة من الأصل.
كتقريب للفكرة، يمكن للمرء أن يتصور الحمض النووي على أنه عبارة عن مخطط أوامر، أو إحدى البرمجيات، القابعة في نواة الخلية. لغة الحمض النووي الترميزية تتكون من أربعة حروف فقط. الأمر يتكون الأمر المحدد المسمى جين من الآلاف الأحرف. جميع الوظائف المتطورة للخلية، حتى في مثل عضو الكائن حي مثلنا، يجب أن تلتزم بترتيب الحروف الموجودة في هذا النص.
في البداية، لم يكن لدى العلماء أية فكرة عن كيفية عمل “البرنامج”. ولكن تم حل هذا اللغز بدقة عن طريق تحديد الحمض النووي الريبي الذي يعمل كناقل. يتم نسخ معلومات الحمض النووي التي تشكل نسخة من الجين عبر جزيئات الحمض الريبي، على شكل نصف سلم تتدلى درجاته من جانب واحد. يتحرك نصف السلم من نواة الخلية (مخزن المعلومات إلى السيتوبلازم مزيج هلامي معقد من البروتينات، والدهون، والكربوهيدرات)، حيث يدخل إلى مصنع أنيق للبروتين يسمى الريبوسوم. يقوم فريق من المترجمين المحترفين في المصنع بقراءة قواعد نصف سلم الحمض الريبي الناقل ليتم تحويل المعلومات الواردة في هذا الجزيء إلى بروتين معين، يتكون من الأحماض الأمينية. كل ثلاث درجات من الحمض الريبي تشكل حمض أمينية واحدة. البروتينات هي من تقوم بالعمل في الخلية وتجعلها تحافظ على تكامل تركيبها. (شكل 4, 2)
هذا وصف موجز يتناول قشور من أناقة الحمض النووي، والحمض الريبي، والبروتين، وهو ما يشكل باستمرار مصدر للرهبة والإعجاب. هناك أربعة وستين من المجموعات الثلاثية الحروف G, T, C, A ولكن هناك عشرين حمضاً أمينياً فقط . وهذا يعني أن هناك وفرة داخلية. كشفت التجارب على العديد من الكائنات الحية، من البكتيريا إلى البشر أن “الشفرة الوراثية”، والتي يتم فيها تحويل المعلومات الموجودة في الحمض النووي والحمض النووي الريبي إلى بروتين، موجودة في جميع الكائنات الحية المعروفة. لا وجود لبرج بابل tower of Babel في لغة الحياة. GAG يعني حمض الجلوتاميك في لغة بكتيريا التربة.
مكنت هذه التطورات العلمية مثلت ولادة جديدة لعلم البيولوجيا الجزيئية. اكتشاف الكائنات الكيميائية العجيبة، بما في ذلك البروتينات التي تعمل مثل مقص أو صمغ العلماء مع معالجة الحمض النووي والحمض الريبي من خلال دمج التعليمات الموجودة في كل منهما من مصادر مختلفة. أدت مجموعة طرق التعامل مع الجزيئات الحيوية إلى ولادة حقل جديد هو التكنولوجيا الحيوية، وبمساعدة تطورات في مجالات أخرى بشر ذلك بثورة في مجال معالجة العديد من الأمراض.
الحقيقة البيولوجية وتبعاتها
سوف يجد المؤمن الذي اعتبر أن حجة التصميم حجة مقنعة على دور الإله في خلق الحياة، أن الاستنتاجات التي توصلنا لها في هذا الفصل غير كافية. لا شك أن العديد من القراء الذي يفكرون بشكل مستقل أو الذين نشأوا في بيئة دينية مقتنعون بان جمال الوردة الرائع وطيران النسر لا يمكن أن يوجد إلا من قبل قوة خارقة ذكية تقدر التعقيد والتنوع والجمال. حتى الآن تم عرض آلية عمل الجزيئات وأساليب الوراثة والانتخاب الطبيعي، ولشرح كل ذلك، ربما سيكون لك ميل للصراخ “كفى، إن تفسيراتكم العلمية تخرج السحر الإلهي من عالمنا”.
لا تقلق، فهناك الكثير من السحر الإلهي مازال موجودة. كثير من الذين بحثوا في البراهين العلمية والدينية لازالوا يؤمنون بان الإله خلاق ويقوم بالكثير من العمل. بالنسبة لي، ليس هناك أي شعور بخيبة الأمل في هذه الاكتشافات المتعلقة بطبيعة الحياة، بل على العكس تماماً! ما أروع هذه الحياة المعقدة المدهشة! ما أجمل أناقة الحمض النووي! ما أجمل مكونات الكائن الحي الساحرة بداية من الريبوسوم الذي يحول الحمض الريبي إلى البروتين إلى تحول اليرقة إلى فراشة إلى ريش الطاووس الرائع الذي يجذب إليه رفيقه. التطور مثل الآلية يمكن أن تكون بل لابد أن تكون حقيقة، ولكن ذلك لا يبين طبيعة صانعها. لأولئك الذين يؤمنون بالله، هناك أسباب عديدة لتكونوا أكثر إعجاباً.
تريد أن تخبرنا عن هذا النص الذي كتبوه لمسرحية “هاملت”.»
“دوجلاس آدمز”
«لا يُشترط أن تكون عالم رياضيات أو فيزياء
حتى تحسب أن عيناً أو جزيء هيموجلوبين يستلزم وقتاً
من الآن إلى الأبد حتى يجمع نفسه بمحض الصدفة
العشوائية الفوضوية.»
“ريتشارد دوكينز”
القردة الكاتبة:
يزعم “ريتشارد دوكينز” أن العمليات الطبيعية غير الموجهة يمكنها أن تفسر أصل المعلومات البيولوجية، فلا حاجة لمصدر معلومات خارجي. وهو يستخدم في كتابه “الساعاتي الأعمى” مشابهة ترجع جذورها لحجة تنسب إلى “ت. هـ. هكسلي” في مناظرته الشهيرة مع “ويلبروفورس” في أكسفورد سنة 1860. ويقال إن حجة “هكسلي” تقول إن القردة العليا لو أخذت تكتب كتابة عشوائية على الآلة الكاتبة، بشرط أن تمنح عمراً طويلاً، وإمدادات لا تنتهي من الورق والطاقة التي لا تنضب، ستكتب في النهاية، بالصدفة إحدى قصائد شكسبير أو حتى كتاباً كاملاً. عموماً ليس من المحتمل أن يكون “هكسلي” قد قال شيئاً كهذا لسبب بسيط أن الآلات الكاتبة لم تطرح في الأسواق إلا سنة 1874. ولكن ليس هذا هو المهم. فهي قصة طريفة، وبناء على تقديرات عمر الكون الحالية، ناهيك عن تقديرات عمر الأرض، من السهل أن نرى أن هذا الزعم الذي تنطوي عليه المشابهة هراء رياضي. وقد كتب عالم الرياضيات البارز “جيان كارلو روتا” Gian-Carlo Rota في كتاب عن الاحتمالات (توفي قبل أن ينهي كتابته): «لو تمكن القرد من النقر على لوحة المفاتيح نقرة واحدة كل نانو ثانية، فالزمن المتوقع الذي يحتاجه لكتابة مسرحية “هاملت” طويل للغاية حتى إن عمر الكون، وفقاً لتقديرات العلماء، يبدو لا شيء مقارنة به… ولا أظن أنها طريقة عملية لكتابة المسرحيات.»
وليس من الصعب أن نحسب هذا الكلام. فمثلاً، “رسل جريج” Russell Grigg يحسب في مقاله «هل يمكن للقردة أن تكتب مزمور 23 على الكمبيوتر؟» “Could Monkeys Type the 23rd Psalm?” أنه إن نقر القرد نقرة واحدة عشوائياً كل ثانية، فمتوسط الوقت الذي يحتاجه لكتابة كلمة “the” يبلغ 34,72 ساعة. وحتى يكتب نصاً بطول المزمور الثالث والعشرين (مزمور عبري قصير يتكون من 603 حرف ورقم آية ومسافة) سيحتاج في المتوسط حوالي 101710 سنة. والتقديرات الحالية لعمر الكون تتراوح بين أربعة وخمسة أضعاف 910 سنوات. ووفقاً لتعريف “دوكينز”، مؤكد أن هذه الحسبة تجعل مزمور 23 مسألة معقدة: فهو يمتلك «صفات ما، وهو محدد مسبقاً، بحيث أنه لا يحتمل أن يكون قد جاء بالصدفة العشوائية وحدها.»
منذ 1 تموز/يوليو 2003 بدأت عملية محاكاة تتضمن قروداً تكتب عشوائياً على الكمبيوتر، حيث تنقر نقرة واحدة كل ثانية. وقد بدأت العملية بمئة قرد بحيث يتضاعف الرقم كل بضعة أيام، وبالطبع إمدادات الموز لا تنضب. والرقم المسجل حالياً هو 24 حرفاً متتالياً من مسرحية شكسبير “هنري الرابع” أنتجت في حوالي 4010 سنة قردية (عمر الكون يقدر بأقل من 1110 سنة).
ومنذ فترة طويلة أقنعت هذه الحسابات معظم العلماء، بمن فيهم “دوكينز”، أن العمليات العشوائية المحضة لا تستطيع تفسير أصل النظم المحملة بالمعلومات المعقدة. ويستشهد “دوكينز” بتقدير “اسحق أزيموف” Isaac Asimov لاحتمالية تجميع جزيء الهيموجلوبين عشوائياً من الأحماض الأمينية. فهذا الجزيء يتكون من أربع سلاسل من الأحماض الأمينية الملتفة معاً. وكل سلسلة تتكون من 146 حمض أميني والكائنات الحية تحوي 20 نوعاً مختلفاً من الأحماض الأمينية. والطرق الممكنة لترتيب هذه العشرين في سلسلة يبلغ طورها 146 حلقة تصل إلى 14620 طريقة، أي حوالي 19010. (الكون كله لا يضم سوى 7010 بروتوناً).
وأود أن أذكر القارئ بالاستنتاج القاطع الذي توصل إليه “دوكينز”: «إنه أمر واضح وضوح الشمس لا يخفى على أحد ولا تخطئه عين أنه لو كانت الداروينية حقاً نظرية صدفة. لا يمكن أن تنجح. فلا يشترط أن تكون عالم رياضيات أو فيزياء حتى تحسب أن عيناً أو جزيء هيموجلوبين يستلزم وقتاً من الآن إلى الأبد حتى يجمع نفسه بمحض الصدفة العشوائية الفوضوية.»
ويتفق كل من السير “فرد هويل” وعالم الفيزياء الفلكية “تشاندرا ويراماسينغ” Chandra Wickramasinghe مع “دوكينز” في موقفه من قدرات العمليات العشوائية المحضة. «مهما كانت حجم البيئة موضوع النقاش، فمن المستحيل أن تكون الحياة بدأت عشوائياً. وجحافل القردة التي تصم آذاننا بدقاتها العشوائية على الآلات الكاتبة لم تتمكن من إنتاج أعمال شكسبير، لسبب عملي أن الكون المنظور كله لا يكفي للأعداد اللازمة من القردة والآلات الكاتبة، ولا يكفي طبعاً لسلال المهملات اللازمة للتخلص من أوراق المحاولات الخاطئة. وهو ما ينطبق على المادة الحية. فاحتمال أن تتكون الحياة تلقائياً من مادة غير حية يساوي 1 إلى رقم أمامه 40 ألف صفر… وهو ما يكفي لدفن داروين ونظرية التطور بأكملها. فلم يوجد حساء أساسي، لا على هذا الكوكب ولا على أي كوكب آخر، وإن لم تكن بدايات الحياة عشوائية، فلا بد إذن أن تكون نتاج ذكاء له غرض.»
هل من الممكن تسلق جبل اللامحتمل؟
يبدو إذن أن الجميع يتفقون على أن بداية مكونات الحياة بمحض الصدفة يظهر أنها ماتت في الحساء الأساسي. فكيف يمكننا إذن تفسير نشأة هذا التعقيد؟ يحاول “دوكينز” أن يحل معضلة نشأة النظم التي تتميز بدرجة عالية من التعقيد المحدد الذي يستبعد فكرة الأصل الناتج عن الصدفة وذلك باللجوء إلى «تقسيم اللاحتمالية إلى أجزاء صغيرة يمكن التعامل معها، مع استبعاد الحظ نهائياً، ثم الدوران خلف “جبل اللامحتمل” وتسلق مرتفعاته السهلة على اعتبار أننا كلما صعدنا بوصة واحدة نكون قد قطعنا مليون سنة.»
فلنحاول إذن أن نتسلق الجبل في أثر “دوكينز”، ونحاول أن نقلل عدم احتمالية إنتاج جزيء الهيموجلوبين (المشروح أعلاه) مثلاً بتقسيم العملية إلى خطوات صغيرة. ولتكن 1000 خطوة إلى قمة الجبل، ولنفترض وضعاً مبسطاً جداً حيث لا يوجد سوى خيارين في كل خطوة. يقود واحد منهما فقط لشيء مجد، مما يدفع الانتخاب الطبيعي للقضاء على الخيار الآخر غير المجدي، وعلى كل خطوة مستقلة. فما احتمالية العثور على الطريق الصحيح للوصول إلى القمة؟ 1 من 10002، أي حوالي 1 من 30010. ولكن هذه الاحتمالية أصغر من احتمالية التجمع العشوائي لجزيء الهيموجلوبين من الأساس. فاقتراح “دوكينز” تسلق الجبل غير محتمل من عدة أوجه.
ويشير الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل “براين جوزيفسون” Brian Josephson بجامعة كامبريدج إلى فرضية أخرى متخفية في ثنايا محاولة “دوكينز” لتسلق جبله: «في كتب من أمثال “الساعاتي الأعمى”، يختص جزء جوهري من الحجة بما إذا كان هناك طريق متصل يبدأ من أصل الحياة ويستمر وصولاً للإنسان، بحيث تكون كل خطوة فيه من النوع الذي يفضله الانتخاب الطبيعي، ومن الصغر الذي يجعلها تحدث بالصدفة. ويبدو أن المسألة تعرض بما يوحي أن الضرورة المنطقية تحتم وجود هذا الطريق، إلا أن هذه الضرورة المنطقية غير موجودة، ولكن الحقيقة أن الافتراضات التطورية هي التي تتطلب وجود مثل هذا الطريق.»
إن السبيل الوحيد للخروج من طريق الاحتمالات المسدود أن نحاول أن نزيد الاحتمالات زيادة كبيرة، وهذا تحديداً ما يفعله “دوكينز” في “الساعاتي الأعمى”. فهو يزعم أن أصل الحياة أبعد ما يكون عن عملية صدفة بحتة، إلا أنه يرى أن الحياة لا بد أن تكون قد بدأت بشيء بسيط يمكن أن ينشأ بالصدفة. وبعدئذ، بدلاً من حدوث عملية “غربلة” في خطوة واحدة فقط، مثل عملية خلط كل مكونات الأحماض الأمينية للهيموجلوبين على أمل الحصول على ذلك الجزيء بالصدفة، يرجح “دوكينز” أن العملية كانت نوعاً من الغربلة التراكمية أو “الانتخاب” التراكمي حيث نتائج كل عملية غربلة تلقم في العملية التالية. ويرى “دوكينز” أن هذه الحركة تزود العملية بشيء يشبه القانون بحيث يمكن أن نعتبرها مزيجاً من الصدفة والضرورة. ولتوضيح الفكرة يستخدم الكمبيوتر لمحاكاة تشبيه قريب من تشبيه القردة الكاتبة المنسوب إلى “هكسلي”، ويقدم لنا خوارزمية بناء على هذه المحاكاة. فهو يتخيل أن القرود مطلوب منها كتابة عبارة ما، والعبارة المستهدفة مأخوذة من مسرحية “هاملت” لشكسبير، ونصها. “Methinks it is like a weasel” وطول هذه العبارة 28 “حرفاً” (نحن نعتبر المسافات “حروفاً” ونعتبر أن الأبجدية الإنجليزية تتكون من 26 حرفاً ومسافة واحدة). ولدينا الآن 28 قرداً (قرد واحد لكل حرف من التسلسل المستهدف) تجلس في صف واحد وتكتب. ومن ثم، فكل قرد مطلوب منه حرف في العبارة المستهدفة. سنحسب أولاً احتمالية أن تنتج العبارة المستهدفة بالنقر العشوائي على وجه المفاتيح: احتمالية الحصول على أول حرف في العبارة بالنقر العشوائي (العملية التي تشبه بها الطفرة) تعادل 1 من 27، وبالمثل احتمالية الحصول على حرفين صحيحين هي 1 من 27 × 27، وهكذا. ومن ثم، فاحتمالية الحصول على العبارة كلها بالنقر العشوائي في محاولة واحدة هي 1 من 2827، أي حوالي 1 من 4010، وهو أيضاً احتمال متناهي الصغر، أقل من 1 من تريليون – تريليون – تريليون. وللتعبير عن الفكرة بأسلوب مختلف، نقول إن العبارة المستهدفة عبارة عن نقطة معينة معزولة في فضاء يحوي تريليون – تريليون – تريليون نقطة أخرى، وعلينا أن نحصل على هذه النقطة باستخدام عملية فعالة.
ولنحسب الآن احتمالية إصابة الهدف، أي الهبوط على تلك النقطة بعد (س) من المحاولات. وأفضل الطرق لحساب ذلك كالآتي: لنأخذ المحاولة الأولى، حيث احتمالية خطأ جميع القرود هي 1 – 1/(2827). وهكذا في (س) من المحاولات تكون احتمالية الخطأ (1 – 1/(2827))س. ومن ثم، احتمالية كتابة الجملة الصحيحة بعد (س) من المحاولات هي 1 – (1 – 1/(2827))س. وإن اعتبرنا أن (س) هي مليار، تظل هذه الاحتمالية صغيرة للغاية، حوالي 1 من 3110، وهي صغيرة رغم أن تسلسل الحروف المعني تافهاً مقارنة بطول جينوم أحد الثدييات (في الإنسان يزيد عن 3 مليار حرف).
فما هو الحل الذي يدعيه “دوكينز” إذن لمشكلة زيادة هذه الاحتمالات متناهية الصغر إلى مقادير يسهل التعامل معها؟ هذا هو الحل: كلما كتب أحد القرود حرفاً، يقارن الحرف الذي يكتبه بالحرف المستهدف من هذا القرد، وهي عملية غير عشوائية بالمرة. وهذه المقارنة طبعاً يجب أن تتم بآلية ما، مثل كمبيوتر (أو رئيس من القرود، حسب الاقتراح الطريف الذي يقترحه الرياضي “دافيد برلينسكي” David Berlinski). فإن كتب القرد الحرف المستهدف تحتفظ آلية المقارنة بذلك الحرف، وهي عملية غير عشوائية بالمرة. وعندئذ يتوقف القرد عن الكتابة، حيث إنه أنهى مهمته. وإن لم يصب القرد الحرف المستهدف، يسمح له بالاستمرار في الكتابة العشوائية حتى يصيبه.
والنتيجة الصافية لهذه العملية أن يتم التوصل للعبارة المستهدفة بسرعة كبيرة جداً تصل إلى 43 خطوة كما في النسخة الفعلية من محاكاة “دوكينز”. فما كان احتمال حدوثه في حالة الصدفة البحتة لا يعادل سوى 1 من حوالي 3110 في مليار محاولة، أصبح الآن لا يستلزم سوى 43 خطوة. ونلاحظ أن نموذج “دوكينز” يشتمل على كل من الصدفة (القرود الكاتبة) والضرورة (الخوارزمية التي تشبه القانون وتقارن المحاولة بالعبارة المستهدفة). وخوارزميته تقيس ما يطلق عليه “لياقة” الحل بحساب الفرق أو “المسافة” بين ذلك الحل والعبارة المستهدفة.
وقد بلغنا الآن صميم حجة “دوكينز”. ولعلك تذكر ما تزعم الحجة إثباته، ألا هو أن عملية الانتخاب الطبيعي العمياء، غير الموجهة، عديمة العقل قادرة على إنتاج المعلومات البيولوجية. إلا أنها لا تثبت شيئاً من هذا القبيل. والحقيقة أن “دوكينز” لم يفعل شيئاً سوى أنه حل مشكلته بإدخال الشيئين اللذين يتمنى أن يتحاشاهما بأي ثمن. فهو يخبرنا في كتابه أن التطور أعمى، وبلا هدف. فلماذا يقصد إذن بإدخال عبارة مستهدفة؟ إن العبارة المستهدفة تمثل هدفاً دقيقاً، وهي على حد تعبير “دوكينز” نفسه مفهوم لادارويني بكل تأكيد. وكيف يمكن للتطور الأعمى أن يرى ذلك الهدف، بل أيضاً أن يقارن به محاولة حتى ينتخبها إن كانت أقرب من سابقتها؟ وهو يقول لنا إن التطور عديم العقل. فماذا يقصد إذن من تقديم آليتين، تحمل كل منهما كافة الأدلة على مدخلات عقل ذكي: آلية تقارن كل محاولة بالعبارة المستهدفة، وآلية تحتفظ بالمحاولة الناجحة؟ وأغرب شيء أن المعلومات التي يفترض في الآليات أن تنتجها يبدو أنها متضمنة أصلاً في مكان ما داخل الكائن الحي الذي يزعم “دوكينز” أن عمليته تحاكي نشأة هذا الكائن. إن الحجة دائرية.
يجب أن نلاحظ أن هذه السمة هي التي تميز آلية “دوكينز” عن الخوارزمية التطورية. فالخوارزميات التطورية معروفة جيداً في الهندسة وغيرها من التطبيقات باعتبارها وسيلة ممتازة ومجربة لإيجاد حلول للمشكلات المعقدة. فقد استعرض “رتشنبرج” Rechenberg مثلاً استراتيجية تطورية تعمل على الحد من المقاومة الكهربية لأحد النظم المعقدة بإحداث تغييرات عشوائية بشكل متتابع. ففي كل “خطوة تطورية” يتم تغيير قيم المتغيرات parameters الأجهزة عشوائياً وتقاس المقاومة. فإن أدى هذا التغيير إلى زيادة المقاومة، يعكس. وإن أدى لخفض المقاومة، يحتفظ به ويستخدم نقطة انطلاق للخطوة التالية. وهذه الاستراتيجية التطورية تفترض وجود قيمة parameter قابلة للقياس يرجى ضبطها لتحقيق أفضل النتائج، فقد يكون الغرض المرجو مثلاً الحد من المقاومة الكهربية. وبناءً على هذا الغرض من خفض المقاومة، يختبر النموذج كافة الأشكال التي يمكن التوصل إليها بتغيير القيم عشوائياً وينتج في النهاية الشكل الأمثل الذي لم يكن معروفاً من قبل.
والنقطة المهمة هنا أنه بناءً على ما سبق يتضح أن الحل لا يكون معروفاً في بداية العملية. إلا أن سيناريو “دوكينز” على النقيض من ذلك، كما رأينا للتو. فمن السذاجة أن نقول إن محاكاة “دوكينز” مقبولة منطقياً نظراً لنجاح الخوارزميات التطورية.
ويعلق الرياضي “دافيد برلنيسكي” تعليقاً حاداً في أحد مقالاته التي أثارت الكثير من المناقشات قائلاً: «التمرين كله هو…. إنجاز ضخم في مجال خداع النفس. جملة مستهدفة؟ صيغ جديدة iterations تشبه المستهدف؟ كمبيوتر أو رئيس للقردة يقيس المسافة بين الفشل والنجاح؟ إن كانت الأشياء عديمة البصر فكيف يمكنها أن ترى الهدف، وكيف تقاس المسافة بين العبارات التي تتولد عشوائياً والعبارات المستهدفة؟ ومن الذي يقوم بذلك؟ وماذا عن رئيس القردة؟ إن آلية التصميم المقصود التي محتها نظرية داروين على مستوى الكائن الحي عادت للظهور مرة أخرى في وصف الانتخاب الطبيعي نفسه، وهو ما يعتبر مثالاً حياً على ما قصده “فرويد” بعودة المكبوت.»
والغريب أن “دوكينز” يعترف أن المشابهة التي يقترحها مضللة، وذلك لأن الانتخاب الطبيعي التراكمية «أعمى بلا هدف». وهو يزعم أنه يمكن تعديل البرنامج ليعالج هذه المشكلة، وليس غريباً أن هذا الزعم ليس له أي سند أو دليل، لأنه لا توجد أصلاً أدلة تؤيده. وحقيقة أنه حتى لو كان صحيحاً، سيثبت عكس ما يؤمن به “دوكينز”. وذلك لأن تعديل برنامج يتطلب استخدام المزيد من الذكاء مع منتج بشري مصمم بذكاء، ألا وهو البرنامج الأصلي. أما البرنامج الأكثر تعقيداً الذي صممه “دوكينز” لمحاكات التطور في الكائنات الحية المعروف باسم biomorph يشتمل أيضاً على نظام “فلترة” مصمم بذكاء، وهو عبارة عن حزمة برامج فيها يوّلد الكمبيوتر أشكالاً معينة تعرض على الشاشة يختارها مستخدم الكمبيوتر بناءً على أناقة شكلها، وما إلى ذلك، فتظهر له أشكال أكثر تعقيداً يطلق عليها “الصور الإلكترونية البيولوجية المعدلة” biomorphs. ولكن إن استبعدت نظام الفلترة، والهدف، ورئيس القردة، تنتهي إلى شيء بلا معنى. إذن حتى تبدو مشابهات “دوكينز” معقولة، فهي تعتمد على تطعيم نموذجه بالخصائص عينها التي ينكر وجودها في العالم الواقعي.
فما أثبته “دوكينز” فعلياً أن الأنظمة التي تتسم بدرجة كبيرة من التعقيد كاللغات، أياً كان نوعها، بما فيها الشفرة الوراثية للـ DNA لا يمكن تفسيرها دون حقنها أولاً بالمعلومات اللازمة.
وتعد الساعة الأوتوماتيكية مثالاً أبسط على ذلك. فهي تستخدم الحركات العشوائية للرسغ والذراع لتدير نفسها. فكيف تفعل ذلك؟ صانع ساعات ذكي صمم ترساً يسمح لعجلة ثقيلة أن تتحرك في اتجاه واحد فقط. ومن ثم، فهي تختار بدقة الحركات الأخرى التي لا تفي بهذا الغرض. والترس نتاج تصميم ذكي. ويرى “دوكينز” أن هذه الآلية لا يمكن أن تكون داروينية. فالساعاتي الأعمى الذي يتحدث عنه ليس عند بعد نظر. واقتبس ثانية من “برلينسكي” قوله: «الآلي الداروينية لا تتوقع ولا تتذكر. ولا تعطي توجيهات ولا تختار اختيارات. فما هو مرفوض في نظرية التطور، ما هو ممنوع منعاً قطعياً هو ظهور قوة قادرة على دراسة الوقت، قوة تحتفظ بنقطة أو بخاصية لأنها ستكون مفيدة [مثل ترس الساعة]. وهذه القوة لم تعد داروينية. فكيف يمكن لقوة عمياء أن تعرف شيئاً كهذا؟ وكيف ينقل النفع المستقبلي للحاضر؟»
الماكينات المعقدة غير القابلة للاختزال:
إلا أن مشابهة “دوكينز” ما زالت تنطوي على المزيد من المشكلات، خاصة إذا حاولنا تطبيقها على نشأة إحدى الماكينات المعقدة غير القابلة للاختزال كما يصفها “مايكل بيهي” التي عرضناها آنفاً. ويقدم “إليوت سوبر” أفضل تصوير للمشكلة بابتكار نسخة جديدة من مشابهة “دوكينز” حيث يتخيل قفلاً يفتح بإدخال حروف سرية هي METHINDSITISAWEASEL. وهذا القفل يتكون من 19 قرصاً متراصة بجوار بعضها البعض، ويحوي كل منها الحروف الأبجدية الإنجليزية التي تبلغ 26 حرفاً. وهو مزود بنافذة تظهر حرفاً واحداً من الحروف الأبجدية. ولنتخيل أن الأقراص تدار عشوائياً ثم يتوقف القرص بفعل آلية ما عندما يتوافق الحرف الظاهر من النافذة مع الحرف الصحيح المقابل له في سلسلة الحروف السرية. وتستمر باقي الأقراص في الدوران العشوائي وتتكرر العملية. وهذا هو نظام “دوكينز” في الأساس.
ويشير “مايكل بيهي” إلى أن المشابهة «تدعى أنه مشابهة موازية للانتخاب الطبيعي الذي يتطلب وظيفة. ولكن ما الوظيفة المتضمنة في الرموز السرية الخاطئة لفتح قفل؟ هب انه بعد إدارة الأقراص فقرة حصلنا على مجموعة حروف نصفها صحيح ونصفها خاطئ. ولتكن مثلاً MDTUIFKQINOAFERSCL (أي حرف صحيح وحرف خاطئ بالتبادل). وتؤكد المشابهة أن هذه النتيجة تمثل مستوى أعلى من مجرد سلسلة حروف عشوائية، وأنها يمكن أن تساعدنا في فتح القفل…. إن كانت قدرتك الإنجابية تعتمد على فتح القفل، فلن يكون لك نسل. ومما يثير السخرية أن “سوبر” وكذلك “دوكينز” يعتبران رموز القفل السرية نظاماً معقداً شديد التحديد ولا يقبل الاختزال يبين على نحن رائع سبب عدم إمكانية التعامل مع الوظيفة تدريجياً في مثل هذه الأنظمة.»
وفي نموذج “دوكينز” الأصلي للقرود الكاتبة، الانتخاب لا يحتفظ إلا بالمحاولات التي لها وظيفة، التي تعنى فيما يتعلق بهذا التشبيه أن ما كتبته القرود في كل خطوة متوسطة في العملية يشكل كلمات لها معنى. وبناءً على ذلك، عندما ننظر إلى المخرجات الناتجة عن محاكاة “دوكينز”، نجد أن العملية لم تبدأ أصلاً. فأفكار “دوكينز” لا يمكنها أن تبدأ أصلاً لتواكب التعقيد غير القابل للاختزال. «إن سيناريو “دوكينز – سوبر” بدلاً من أن يقدم مشابهة للانتخاب الطبيعي في تأثيره على الطفرة العشوائية، يقدم في الواقع نموذجاً للنقيض من ذلك: فاعل ذكي يوجه تركيب جهاز معقد لا يقبل الاختزال.»
بل إليك ما هو أكثر من ذلك. فقرود “دوكينز” تبدو أنها تولد التعقيد. ولكن هل هذا صحيح؟ للتحقق من ذلك سنجري المزيد من الحسابات. تخيل القردة الثمانية والعشرين في السيناريو الأول أعلاه تكتب جميعاً في وقت واحد. ولنختر أحدها ونسأل: ما احتمالية أن يصيب الحرف الصحيح المطلوب منه في العبارة المستهدفة في (س) من المحاولات؟ أسهل وسيلة لإجراء هذه العملية الحسابية أن نفكر أولاً في احتمالية ألا يصيب القرد الحرف الصحيح في أي محاولة. الاحتمالية هنا 26/27. ومن ثم، بناء على “نظرية برنولي” Bernoulli’s Theorem يكون متوسط عدد الحروف الخاطئة بعد محاولة واحدة 28(26/27). وبما أن كل الحروف الصحيحة تحفظ، نكرر العلمية ولكن بحيث نبدأ فقط بالقردة التي لم تصب الحرف الصحيح، وهكذا. وهذا هو جوهر الانتخاب التراكمي. وبذلك يكون متوسط عدد الحروف الخاطئة 28(26/27)س بعد (س) من المحاولات. وهذا الرقم يساوي حوالي 5 بعد 43 محاولة (ولذلك فقد أحسن “دوكينز” صنعاً). وبعد 60 محاولة يكون متوسط عدد الحروف الخاطئة 3، وبعد حوالي 100 محاولة يقترب المتوسط من الصفر (أظهر أحد الحسابات الفعلية 0,64286).
فما الذي يحدث هنا؟ لقد استخدمنا أداة مبرمجة بذكاء للتخلص من المشكلة الحقيقية المفترض أصلاً أن نحلها التي لم تكن توليد اللبنات الأساسية أو الحروف، بل ترتيبها ترتيباً صحيحاً. فما توحي به لنا هذه العملية ظاهرياً أننا ولدّنا كل المعلومات المتضمنة في السلسلة METHINKSIT IS LIKE A WEASEL. ولكننا لم نفعل. بل كل ما فعلناه أننا ولدنا سلسلة معروفة بطريقة عشوائية جزيئاً. فنحن لم نحصل على أي معلومات جديدة.
وللتعبير عن المعنى بطريقة مختلفة أقول: إن آلية “دوكينز” تدعي أنها آلية تزيد الاحتمالية. ولكن زيادة الاحتمالية على هذا النحو تفضي إلى خفض التعقيد. لأن وصف شيء بأنه معقد يستلزم وجود الكثير من الخيارات الأخرى الحقيقية التي يمكن أن تحل محله، كما رأينا. ولكن خوارزمية “دوكينز” لا تسفر إلى عن نتيجة واحدة، هي جملته المستهدفة، وباحتمالية 1. وبالتالي فالمعلومات المضافة في العملية تساوي فعلياً صفراً.
ويجب أن نلاحظ أيضاً أن الاحتفاظ بالحرف الصحيح وعدم فقدانه أبداً يعادل الافتراض بأن الطفرات النافعة دائماً ما يحتفظ بها في أفراد النوع. إلا أن عالم الأحياء التطوري السير “رونالد فيشر” Ronald Fisher بين في كتابه الذي يمثل عموداً أساسياً في هذا المجال أن هذا لا يحدث في الطبيعة. فمعظم الطفرات النافعة تمحى بفعل مؤثرات عشوائية، أو بفعل عدد من الطفرات الضارة يفوق بكثير عدد الطفرات النافعة. وهو ما يناقض الفكرة الشائعة منذ عصر داروين بأن الانتخاب الطبيعي يجب أن يحتفظ بأصغر التنويعات المفيدة حتى تسود على أفراد النوع جميعاً. وهو دليل إضافي يؤيد حجة التعقيد غير القابل للاختزال، كما أوضحنا سلفاً بتصوير القفل ذي الرموز السرية الذي اقترحه “بيهي”: فالطفرة “النافعة” لا تكون نافعة إلا إذا حدثت بالتزامن مع عدد كبير من الطفرات الأخرى “النافعة”، وهو ما يمثل الخطأ القاتل في حجة “العبارة المستهدفة” للقرود الكاتبة.
ومما يساعدنا أيضاً على أدراك ما يشوب تشبيه “دوكينز” من ضعف جوهري أن نستعيض عن عبارة METHINKS IT IS LIKE A WEASEL بالجينوم البشري الكامل الذي يتجاوز طوله 3 مليار (3 × 910) حرف حيث كل حرف إما (أ)، أو (س)، أو (ج)، أو (ث). وسيناريو “دوكينز” يدفعنا أن نتخيل 3 مليار قرد تكتب على الكمبيوتر في وجود الآلية المعتادة للاحتفاظ بالحرف الصحيح في السلسلة. فاحتمالية كتابة أي قرد لحرف خاطئ هي 3/4. وبعد (س) من المحاولات، يبلغ عدد الحروف الخاطئة نحو 3 × 910(3/5)س وهو ما يقل عن حرف واحد خاطئ بعد 80 محاولة. وعليه قد نحصل على الجينوم البشري بعد 80 محاولة في المتوسط.
ويمكن الإشارة أيضاً إلى أنه يعتقد أن النسبة المستخدمة فعلياً من الـ DNA تتراوح من 1 إلى 5٪، فإن أدخلنا هذا الاعتبار في نموذجنا بأن نختصر السلسلة إلى 5٪ فقط من طورها الأصلي، عندئذ تتولد السلسلة برمتها في أقل من 65 محاولة في المتوسط.
ماذا يعني ذلك؟ أن نموذج “دوكينز” عديم الفائدة بوصفه محاكاة لكيفية بناء التعقيد (بمعنى ترتيب الحروف ترتيباً صحيحاً) من سلسلة عشوائية بعملية تطورية غير موجهة. وذلك لأن افتراض وجود آلية تقارن المحاولة بالسلسلة المستهدفة وتحتفظ بها يعني أن المشكلة الحقيقية المتمثلة في ترتيب الحروف ترتيباً صحيحاً قد تم حلها قبل أن نبدأ. فقد استبعد هذا العنصر من المشكلة نهائياً بإدماجه في المنظومة أصلاً، وهو ما يعني طبعاً إمكانية التوصل إلى السلسلة المستهدفة بعدد قليل جداً من الخطوات لأننا نستهدفها أصلاً من البداية.
وهذا هو مفتاح التحليل من منظور النظرية الخوارزمية للمعلومات التي استعرضناها في الفصل السابق. لقد ثبت فشل ماكينة “دوكينز”، وفشلها يتوافق تماماً مع ما نتوقعه من النتيجة التي استخلصها “كوبرز”، ألا وهو أن المعلومات المتضمنة في مخرجات ماكينة “دوكينز” الخوارزمية متضمنة أصلاً إما في المدخلات أو في البينة المعلوماتية للماكينة. وبذلك يكون “كوبرز” على صواب لأن المعلومات متضمنة في البنية المعلوماتية.
وهكذا يتضح أن مقترح “دوكينز” بأكمله ليس سوى نموذج آخر لافتراض ما يدعي إثباته. واقتباس تعليق الفيلسوف “كيث ورد” مناسب جداً في هذا السياق، إذ يقول: «إن استراتيجية “دوكينز” التي تهدف إلى الحد من الذهول والاندهاش لا تفلح في ذلك. بل كل ما تفعله أنها تنقل الدهشة من التوليد التلقائي لنتيجة معقدة مرغوب فيها جداً إلى الوجود التلقائي لقاعدة فعالة مجبرة على إنتاج النتيجة المرجوة في الوقت المناسب.»
ويحاول “بنوك” Pennock في كتابه “برج بابل” Tower of Babel أن ينقذ الموقف فيزعم أن الهدف من نماذج “دوكينز – سوبر” ليس أن تقدم مشابهة للانتخاب الطبيعي في تأثيره على التنوع العشوائي، بل مشابهة للانتخاب التراكمي. ولكن محاولته فاشلة لأن القضية المركزية تتمثل في اعتماد العملية على آلية لمقارنة المحاولة بعبارة مستهدفة. أي أن القضية هي تحديداً أن الأثر الانتخابي يصبح تراكمياً بفعل ما تتميز به الآلية من قدرة مصممة بذكاء على الاحتفاظ بحروف العبارة المستهدفة بمجرد الحصول عليها وقبل أن يكون لها أي أثر نافع. فلا يمكن حدوث انتخاب تراكمي دون الآلية المصممة.
ومن ثم، حجة “دوكينز – سوبر” يشوبها عيب قاتل بوصفها حجة تضفي مقبولية منطقية على فكرة أن العمليات الطبيعية غير الموجهة تستطيع أن توّلد معلومات. إلا أن حجتهما تزيدنا استنارة من حيث إنه يمكن القول بأنها تزيد مقبولية التصميم الذكي. لأنها تبين أن حتى محاولات تفسير أصل المعلومات البيولوجية بناءً على افتراضات مادية قوية لا يمكنها أن تفعل ذلك إلا بتهريب آليات مصممة بذكاء إلى تفسيراتها.
ويعلق عالم الكمبيوتر “روبرت برويك” Robert Berwick قائلاً إن “كل خبرتنا في محاكيات التطور بدءاً من برامج “دوكينز” للصور الإلكترونية البيولوجية المعدلة حيث عرض جوائز لمن سيتمكن من تخمين طرق لانتخاب أشكال شيقة للكائنات الحية، وانتهاء بالخبرات المؤسفة فيما يتعلق بالحياة الاصطناعية artificial life التي تشير إليها “برلينسكي”، تظهر مدى صعوبة التقدم خطوة واحدة دون إجراء انتخاب صناعي أو إدراج الحلول المرغوبة داخل المنظومة.» وقد عبر “فيليب جونسون” عن هذه المشكلة الجوهرية بمنتهى الدقة: «إن الذكاء البشري المطلوب لبرمجة الكمبيوتر على توليد العبارة “methinksitislideaweasel” من برنامج انتقاء حروف عشوائي يفوق الذكاء اللازم للنقر على لوحة المفاتيح وكتابة العبارة المستهدفة من ذاكرة الكمبيوتر التي تمت تغذيتها بهذه العبارة من الأصل.»
أجري حوار سنة 1996 مع “مارسيل – بول شوتسنبرجر” الرياضي الفرنسي اللامع الذي ذكرناه آنفاً الذي شارك في “مؤتمر ويستار” Wistar Conference وفي هذا الحوار شبه الطفرات الأخطاء الطباعية، قائلاً: «….لا يمكن أن يكون التطور تراكماً لمثل هذه الأخطاء الطباعية.» ثم استطرد محللاً نموذج “دوكينز” وأشار إلى أنه نموذج فاقد للاتصال بأوضح الحقائق البيولوجية وأقواها. وذلك لأنه، من منظور رياضي، «ينحي تماماً المشكلة الثلاثية المكونة من التعقيد، والقدرة على أداء الوظيفة، وتفاعلاتهما.»
المحاكيات التي تستخدم الكمبيوتر:
تناولنا في هذا الفصل نموذجاّ واحداً فقط لفئة كاملة من المحاكيات التي تستخدم الكمبيوتر التي تدعى محاكاة العمليات التطورية بما فيها أصل الحياة. فمثلاً “ستيوارت كوفمن” وزملائه في “معهد سانتا فيه” بذلوا الكثير من الجهد في هذا المجال. وقد كشفنا أن المحاكاة التي استعرضناها تتضمن من بدايتها المعلومات عينها التي يفترض أن تولّدها. وقد كشفنا أن المحاكات التي استعرضناها محملة منذ البداية بالمعلومات عينها التي يفترض أن تولّدها. ولاحظنا أيضاً أن برمجة الكمبيوتر تمثل عملاً ذكياً. ومن السهل أن ننسى هذه الملاحظات أو نتجاهلها عندما نفكر في هذه المحاكيات، فيفوتنا أنها في الحقيقة تمثل دليلاً على عكس ما تدعي إثباته.
ويعبر “ستيف فولر” Steve Fuller عن هذه الفكرة تعبيراً بارعاً بقوله: «إن إمكانية محاكاة التطور على الكمبيرتر على نحو يرضي شخصاً مثل “كوفمن” تدعم فعلياً قضية وجود خالق إلهي. فمهما كان، أي برنامج كمبيوتر، هو في حقيقة الأمر، نتاج تصميم ذكي، وليس كياناً ذاتي التنظيم نجا من حالة الفوضى. فإن كان البشر قادرين على برمجة كمبيوتر يولد مخرجات تتميز بهذه الخواص الدقيقة من التنظيم الذاتي، فما المانع أن يكون الله قادراً على ذلك؟ وباختصار، التصميم الذكي باعتباره تفسيراً آخر لأصل الحياة غالباً ما يكتسب مزيداً من القوة كلما ازداد اعتماد التطوريين على الكمبيوتر في إظهار أن التاريخ الطبيعية ليس مجرد نظام معقد، ولكنه أيضاً نظام مركب، والتركيب صفة أصيلة فيه.
وذلك لأن التمييز بين الموقفين سيزداد صعوبة، وسينتهي الأمر بالتطوريين إلى اللعق على أرض أصحاب نظرية التصميم الذكي. والبديل بالطبع أن يثبت التطوريين وجود ماكينة “فون نيومن” Von Neumann machine في البرية، لا تحمل أي أثر لتصميم بشري أو غير بشري.»
لتطور أول كائن حي قادر على التكاثر أضحى أمراً في غاية الصعوبة.»
“أنتوني فلو”
تعقيد الخلية الحية
هدفنا الأول من هذا الفصل أن نتعلم قليلاً عما يميز الخلية الحية من تعقيد يفوق الخيال، ثم نركز انتباهنا على جانب واحد فيها، ألا وهو طبيعة تعقيد الـ DNA.
يرى عالم الوراثة “مايكل دنتون” Michael Denton أن الفارق بين العالم الحي والعالم غير الحي «يمثل أكبر وأعمق الفوارق في الطبيعة. فالفرق بين الخلية الحية وأكثر النظم غير الحية تنظيماً كالبلور أو رقائق الجليد فرق شاسع والهوة بينهما أعمق مما نتصور». وحتى أصغر خلايا البكتيريا التي يقل وزنها عن واحد على تريليون من الجرام تمثل «بحق مصنعاً متناهي الصغر يحتوي آلاف الآلات الجزيئية المعقدة ذات التصميم العجيب التي تتكون معاً من 100 ألف مليون ذرة تفوق في تعقيدها أحد الماكينات التي صنعها الإنسان ولا نظير لها على الإطلاق في العالم غير الحي».
ويقول “دنتون” علاوة على ذلك إن الدلائل التي تشير للتطور بين الخلايا نادرة جداً: «لقد كشف علم الأحياء الجزيئي أيضاً أن التصميم الأساسي لنظام الخلية واحد في كافة الأنظمة الحية على الأرض بدءًا من البكتريا وانتهاءً بالثدييات. والأدوار التي يؤديها كل من الـ DNA والحمض الريبوزي المرسل mRNA والبروتيني متماثلة في كل الكائنات. ومعنى الشفرة الوراثية أيضاً يكاد يكون متماثلاً في كل الخلايا. وحجم ماكينة تخليق البروتين وبنيتها وتصميمها تكاد تكون متماثلة في كل الخلايا. ولذلك، لا يمكن أن نعتبر أي نظام حيوي بدائياً أو سلفاً من حيث تصميمه البيوكيميائي الأساسي مقارنة بأي نظام آخر، ولم يثبت تجريبياً على الإطلاق وجود سلسلة تطورية بين مختلف الخلايا المتنوعة على وجه الأرض.»
ويؤيد هذه النظرة “جاك مونوه” Jacques Monod الحائز على جائزة نوبل ويستشهد به “دنتون” قائلاً: «ليست لدينا أدنى فكرة عن بنية أي خلية أولية. فأبسط النظم الحية المعروفة لنا، أي خلية البكتيريا…. في خريطتها الكيميائية العامة تماثل الخريطة الكيميائية لسائر الكائنات الحية جميعاً. فهي تستخدم نفس الشفرة الوراثية ونفس آلية الترجمة التي تستخدمها الخلايا البشرية مثلاً. ومن ثم، فأبسط الخلايا المتاحة للدراسة لا تتصف بأي شيء “بدائي”… ولا يمكن العثور على أي أثر لبنى بدائية بمعنى الكلمة».
وهكذا فالخلايا نفسها تعكس نوعاً من “السكون” يشبه فترات السكون في سجل الحفريات، كما أشرنا في الفصل السابق.
التعقيد غير القابل للاختزال:
يقول “بولس ألبرتس” Bruce Alberts رئيس “الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية” The National Academy of Sciences of the USA «دائماً ما كنا نحط من قدر الخلايا. رغم أن الخلية بأكملها يمكن رؤيتها كمصنع يحتوي على شبكة دقيقة من خطوط التجميع المتشابكة التي يتكون كل منها من مجموعة من ماكينات البروتيني الضخمة… ولماذا نطلق على تجميعات البروتين الضخمة التي تؤلف وظيفة الخلية اسم ماكينات البروتين؟ لأن تجميعات البروتين هذه تحوي فعلياً أجزاء متحركة عالية التناسق تماماً مثل الآلات التي تخترعها البشر للتعامل بفاعلية مع العالم المرئي بالعين المجردة.»
ومن الصعب أن نتصور النشاط بالغ التعقيد الذي يجري باستمرار داخل الخلية الحية التي تحوي في غشائها الدهني Lipid Membrane حوالي 100 مليون بروتين من 20 ألف نوع مختلف، ومن ذلك الخلية نفسها تكون شديدة الصغر حتى إنه يمكن وضع بضع مئات منها على نقطة حرف “ب”.
والخلية لا تتوقف عن الإنتاج، لأن خطوط تجميعها الكثيرة متناهية الصغر تنتج حصصاً لا حصر لها من آلات البروتين. وهذه الآلات الجزيئية ذات التركيب العجيب تمثل لبعض العلماء دليلاً قوياً على وجود ذكاء مصمم. ومن أبرزهم عالم الكيمياء الحيوية “مايكل بيهي” الذي عرض دراسة لهذه الآلات في كتاب أثار الكثير من المناقشات الساخنة. وهو يقدم مثال الموتور الصغير الذي يعمل بالحمض acid-driven motor (الذي اكتشف سنة 1973) الذي يدير سوط البكتيريا، وهو أداة تشبه ذراع التحريك تكمن البكتريا من السباحة، وهو يبين أن هذا الموتور متناهي الصغر الذي إذا رصصنا منه 35 ألفاً لن يساوي طورها إلا 1 ملم (0,04 بوصة) يتكون من حوالي أربعين جزءًا من البروتين تشتمل مثل أي موتور على جزء دوار، وجزء ثابت، وبطانات تقلل الاحتكاك، وعمود توجيه. ويقول “بيهي” إن غياب أي جزء من أجزاء البروتين هذه ينجم عنه فقدان الوظيفة الحركية بالكامل. وهو ما يعني أن الموتور معقد تعقيداً لا يقبل الاختزال Irreducibly complex، أي أنه «نظام واحد يتألف من عدة أجزاء متفاعلة شديدة التناسق تسهم في الوظيفة الأساسية حيث يؤدي نزع أي جزء إلى توقف النظام فعلياً عن القيام بوظيفته». ويشار إلى هذا المفهوم بنموذج مصيدة الفئران البسيط. فكل مكوناتها الخمسة أو الستة لا بد أن تتواجد حتى تقوم المصيدة بوظيفتها. وهو ما يعني، كما يشير “بيهي” «أنه لا يمكن إنتاج نظام معقد تعقيداً لا يقب الاختزال على نحو مباشر (أي بالتطوير المستمر للوظيفة الأصلية التي تظل تعمل بنفس الآلية) بتغيرات طفيفة متوالية في نظام سابق. لأن أي نظام يسبق نظاماً معقداً بشكل لا يقبل الاختزال ويفقد أحد أجزائه، هو نظام بطبيعته غير قابل للعمل».
والآن يتضح أن وجود آلات بيولوجية معقدة تعقيداً لا يقبل الاختزال يشكل تحدياً هائلاً أمام نظرية التطور، كما رأى داروين نفسه إذ كتب يقول: «إن ثبت وجود أي عضو معقد لم يتكون بالعديد من التغيرات الطفيفة المتوالية، فنظريتي ستنهار لا محالة». وقد أعاد “دوكينز” الفكرة عينها في كتابه “الساعاتي الأعمى” حيث يقول إنه إذا وجد مثل هذا الكائن سوف «يكف عن الإيمان بالداروينية».
ويرد “بيهي” على تحدي داروين بأنه يوجد الكثير من الآلات الجزيئية المعقدة تعقيداً لا يقبل الاختزال، مثل سوط البكتيريا. والآن يتضح من التعريف أن القول إن نظاماً بعينه معقد تعقيداً لا يقبل الاختزال يتطلب برهاناً على ما هو منفي، أي على نفي إمكانية الاختزال عن هذا النظام وإثبات عدم وجود أنظمة أبسط منه، وهو أمر شديد الصعوبة كما نعرف جميعاً. ولذلك تسبب “بيهي” (الذي يجب أن نشير إلى أنه لا يختلف عن داروين من حيث انحدار السلالات عن طريق حدوث تغيرات) في إثارة عاصفة من الجدل بزعمه أن «التطور الجزيئي لا يقوم على مرجعية علمية. فالإصدارات العلمية من المجلات المحترمة والمتخصصة والكتب لم ينشر فيها أي وصف يوضح كيف حدث فعلياً تطور جزئي لأي نظام كيميائي حيوي حقيقي معقد، ولا حتى كيف يحتمل أن يكون قد حدث. والبعض يؤكدون أن هذا التطور حدث، ولكن المؤكد قطعاً أن التجارب والحسابات ذات الصلة لا تؤيد أياً من هذه التأكيدات…. ورغم مقارنة السلاسل واستخدام النماذج الرياضية، فالتطور الجزيئي لم يتناول مطلقاً السؤال المتعلق بكيفية ظهور البنى المعقدة إلى الوجود. والحقيقة أن نظرية التطور الجزيئي الدارويني لم تنشر أيضاً أي شيء في هذا الصدد، وعليه لا بد أن يكون مصيرها الفناء».
ويعترف “جيمز شابيرو” James Shapiro أيضاً عالم الكيمياء الحيوية في جامعة شيكاغو بعد وجود أي شرح دارويني مفصل لتطور أي نظام كيميائي حيوي أساسي أو نظام خلية، كل ما هناك مجموعة متنوعة من التخمينات الرغبوية الحالمة. وحتى رأي “كافالير – سميث” Cavalier – Smith الذي يعتبر أشد الآراء نقداً لمزاعم “بيهي” يعترف بما يقوله “بيهي” عن عدم وجود نماذج كيميائية حيوية مفصلة.
ورغم عدم اتفاق “ستيفن جاي جولد” مع حجة “بيهي” فقد اعترف بأهمية مفهوم التعقيد غير القابل للاختزال: «إن العلم الكلاسيكي بميله لاختزال الأشياء إلى القليل من العوامل العلوية الضابطة حقق نجاحاً باهراً في الأنظمة البسيطة نسبياً مثل حركة الكواكب والجدول الدوري للعناصر. إلا أن الأنظمة المعقدة تعقيداً غير قابل للاختزال، أي معظم الظواهر المثيرة في علم الأحياء، والمجتمع البشري، والتاريخ لا يمكن تفسيرها بالطريقة نفسها. ولكننا نحتاج إلى فلسفات ونماذج جديدة لا بد ان تنبثق من اتحاد العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية بالمعنى التقليدي لكل منها». ومما يلفت النظر هنا أن “جولد” يتحدث عن فلسفات جديدة وليس مجرد منهجيات علمية جديدة، وهي أيضاً نقطة مهمة عند “بيهي”.
ويرى “بيهي” أن قصور التركيب الدارويني الحديث يرجع إلى عجزه حتى نظرياً عن تفسير أصل التعقيد غير القابل للاختزال. وهو يرى أن وجود التعقيد غير القابل للاختزال على مستوى الآلة الجزيئية يؤكد وجود تصميم ذكي: «من لا يشعر أنه مجبر على تقييد بحثه بالمسببات غير الذكية يخلص إلى نتيجة واضحة هي أن الكثير من الأنظمة الكيميائية الحيوية مصممة. ولم تصممها قوانين الطبيعة، ولا الصدفة، ولا الضرورة، بل جاءت وفقاً لخطة. أي أن المصمم كان يعرف الشكل الذي ستؤول إليه هذه الأنظمة عند اكتمالها، وبناءً على ذلك اتخذ الخطوات التي أتت بها للوجود. فالحياة على الأرض في مستوياتها الأساسية وفي مكوناتها الضرورية هي نتاج نشاط ذكي». ويؤكد “بيهي” علاوة على ذلك أن استنتاجاته تقوم بالطبع على البيانات، لا على كتب مقدسة ولا عقائد طائفية. فهي لا تتطلب قوانين جديدة منطقية أو علمية، ولكنها تنبثق من الأدلة التي تقدمها الكيمياء الحيوية مع الأخذ في الاعتبار الأسلوب المستخدم عادة في الاستدلال على التصميم. وهو زعم عظيم الأثر حتى إننا سنتناوله بمزيد من التفصيل لاحقاً.
ولكن قبل الخوض في ذلك وأثناء احتدام المعركة حول ما إذا كان “بيهي” قد تمكن من إثبات فكرته أم لا (وفي ضوء الوضع الحالي يبدو أن المعركة ستستمر لفترة طويلة)، ننتقل إلى ما يكمن وراء البنية المعقدة للآلات الجزيئية. وهو ما يقودنا فوراً لمسألة أصل الحياة نفسها.
لقد صيغت الكثير من النظريات المختلفة حول أصل الحياة. ومن أبرزها سيناريو “المستنسخ أولاً” Replicator first وسيناريو “الأيض أولاً” Metabolism first. وقد روج “ريتشارد دوكينز لأولى هاتين النظريتين في كتابه الأكثر مبيعاً “الجين الأناني” The Selfish Gene: «عند نقطة معينة تكون جزيء من نوع خاص جداً بالصدفة. وسنطلق عليه “المستنسخ” Replicator. ربما لم يكن أكبر الجزيئات الموجودة أو أعقدها، ولكنه كان يتمتع بالخاصية المتميزة من القدرة على إنتاج نسخ من نفسه». إلا أننا سنرى في الصفحات التالية أن هذا النموذج وغيره من النماذج التي تصف أصل الحياة أصبح غير وارد إطلاقاً في ضوء ما تم من أبحاث في السنوات الثلاثين الماضية منذ نشر كتاب “دوكينز”.
اللبنات الأساسية للحياة:
تتكون الآلات الجزيئية، مثل سوط البكتيريا، من البروتينات التي تتكون بدورها مما يطلق عليه غالباً اللبنات الأساسية للأنظمة الحية، ألا وهي الأحماض الأمينية التي يوجد عشرون منها في الكائنات الحية. ومن الأسئلة الجوهرية في علم الأحياء: كيف نشأت هذه الأحماض الأمينية؟
لقد رجح عالم الكيمياء الحيوية الروسي الشهير “إيه. آي. أوبارين” A. I. Oparin في العشرينات من القرن العشرين أن الغلاف الجوي للأرض البدائية Primeval Earth كان يتكون أساساً من الميثان، والأمونيا، والهيدروجين، وبخار الماء، وأن الحياة نشأت نتيجة التفاعلات الكيميائية بين هذا الغلاف الجوي والكيماويات الموجود في الأرض بمساعدة الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس وغيرها من مصاد الطاقة التي تحدث طبيعياً مثل البرق. وفي سنة 1952 أجرى طالب جامعي يدعى “ستانلي ميلر” Stanley Miller في الثانية والعشرين من عمره تجربة شهيرة في المعمل ليختبر زعم “أوبارين” حيث قام بتمرير شحنات تفريغ كهربي من خلال خليط كيميائي يحاكي الغلاف الجوي للأرض البدائية كما كان يعتقد. وبعد يومين وجد “ميلر” ناتجاً من الأحماض الأمينية يبلغ 2٪ والتجارب اللاحقة أنتجت تسعة عشر من الأحماض الأمينية العشرين اللازمة للحياة.
ومفهوم أن هذه التجارب حظيت بترحيب وحماس غير عادي باعتبارها حلاً لمشكلة أصل الحياة. وقد بدا وكأن اللبنات الأساسية للحياة يمكن الحصول عليها بسهولة نسبية بالعمليات الطبيعية غير الموجهة. إلا أن هذه النشوى تراجعت أمام ما تلى ذلك من صعوبات عسيرة نجمت عن فهم أعمق للكيمياء ذات الصلة بهذه التجارب.
وكان التحدث الأول أن الإجماع الذي اتفق عليه علماء الجيوكيمياء[1] من حيث تركيب الغلاف الجوي البدائي للأرض قد تغير. فهم الآن يعتقدون أنه لم يحتو على مقادير تذكر من الأمونيا أو الميثان أو الهيدروجين التي كانت تلزم لإنتاج غلاف جوي مختزل Reducing Atmosphere للغاية كما تتطلب فرضية “أوبارين”، ولكن الأرجح أنه تكون من النيتروجين، وثاني أكسيد الكربون، وبخار الماء. وتشير بعض الدلائل أيضاً إلى كميات ضخمة من الأكسجين الحر Free Oxygen. وهو ما يغير الصورة كلية لأن لدينا أسباباً نظرية وعملية تدعونا للاعتقاد باستحالة تكون الأحماض الأمينية في هذا الغلاف الجوي كما أكدت التجارب. فوجود الأكسيجين مثلاً من شأنه أن يمنع إنتاج الجزيئات الحيوية الضرورية، بل يضعف ما كان موجوداً منها بالفعل. أي أن الدلائل تشير باختصار إلى أن الغلاف الجوي للأرض البدائية يفترض فعلياً أن يكون معادياً لتكون الأحماض الأمينية.
والآن هب أننا نريد أن نصنع بروتيناً يحتوي على 100 حمض أميني (وهو بروتين قصير، حيث أن معظم البروتينات يبلغ طولها ثلاثة أضعاف ذلك على الأقل). والأحماض الأمينية توجد على هيئة شكلين غير متناظرين Chiral forms يمثل كل منهما صورة في المرآة للآخر يسميان الشكل L والشكل D. وهذا الشكلان يظهران بأعداد متساوية في التجارب التي تحاكي ما قبل ظهور الحياة، بحيث إن احتمالية الحصول على الواحد أو الآخر تعادل حوالي 1/2. إلا أن الغالبية الساحقة من البروتينات الموجودة في الطبيعية لا تحوي إلا الشكل L. ومن ثم، احتمالية الحصول على 100 حمض أميني من (الشكل L–acids) L تعادل (1/2)100 وهو يساوي نحو احتمال واحد من 3010. وثانياً ربط هذه الأحماض الأمينية ببعضها. وحتى يتمكن البروتين من أداء وظيفته يتطلب أن تكون كافة الروابط من الروابط الببتايدية Peptide حتى يطوى متخذاً بنيته الصحيحة ثلاثية الأبعاد. ولكن في تجارب محاكاة ما قبل ظهور الحياة لا تزيد الروابط الببتايدية عن نصف الروابط المتكونة. ولذلك، فاحتمالية تكون رابطة ببتايدية يعادل حولي 1/2، وبالتالي احتمالية الحصول على 100 حمض من الشكل L عشوائياً بالروابط الببتايدية تساوي نحو 1 من 6010. وفي كل أشكال الحياة المعروفة، الآلة الوراثية هي التي تبقى على كل من عدم تناظر الجزيئات والروابط وسلسلة الأحماض الأمينية لن تؤدي إلى الحالات المطوية ذات البنية الصحيحة ثلاثية الأبعاد القادرة على إعادة إنتاج نفسها التي لا غنى عنها في وظيفة الجزيئات.
والبروتين القصير بطبيعة الحال أقل تعقيداً من أبسط خلية حيث الاحتمالات تتضاءل بشكل كبير. إلا أن الاحتمالات الصغيرة التي حصلنا عليها في هذا الجزء شديدة الشبة بالاحتمالات التي سردناها في الجزء المتعلق بالضبط الدقيق للكون. فالمكونات الأساسية للحياة تبين دلائل نستنتج منها أن أجسامنا مضبوطة ضبطاً دقيقاً يناسب الحياة.
ويشير عالم الفيزياء “بول دافيز” إلى مشكلات خطيرة تتعلق بالديناميكا الحرارية فيما يختص بإنتاج السلاسل الببتايدية للأحماض الأمينية. فالقانون الثاني من الديناميكا الحرارية يصف الميل الطبيعية للأنظمة المغلقة إلى التدهور، وإلى فقد المعلومات والنظام والتعقيد، أي إلا زيادة الإنتروبيا. فالحرارة تنساب من السخونة إلى البرودة، والمياه تنساب من أعلى لأسفل، والسيارات تصدأ…. الخ، والقانون الثاني يتميز بسمة إحصائية، أي أنه لا يمنع الأنظمة الفيزيائية أن تسير “لأعلى”، أي عكس الاتجاه، منعاً مطلقاً، ولكن غالباً ما يحشد كل الظروف التي تحول دون حدوث ذلك. ويقول “دافيز”: «يُقدّر أن محلولاً مركزاً من الأحماض الأمينية، إذا ترك على طبيعته يحتاج إلى سائل بحجم الكون المرئي حتى يسير ضد التيار الديناميكي الحراري وينتج ببتايدا متعدداً Polypeptide صغيراً بشكل تلقائي. والواضح أن الخلط الجزيئي Molecular Shuffling العشوائي قليل الفائدة عندما يشير السهم إلى الاتجاه الخاطئ».
علاوة على ذلك أمامنا مشكلة أساسية تتعلق بالزمن حيث إن الزمن المتاح لحدوث مثل هذا “الخلط الجزيئي العشوائي» أقصر بكثير مما يظن الكثيرون. فالتقديرات الحالية تبين أن الوقت المتاح لنشأة الحياة صغير نسبياً، وهو أقل من مليار سنة بعد تكون الأرض، أي منذ حوالي 4,5 مليار سنة، ومع ذلك نشأة الحية بالفعل حيث وجدة بقايا بعض الكائنات الحية وحيدة الخلية في أقدم الصخور.
المشكلة الكبرة: أصل بنية البروتين:
ولكن حتى هذه التخمينات (وهي تحديات مهولة) تبدو ضئيلة نسبياً، بل تافهة مقارنة بالتحدي الأكبر. وهو ما يتعلق بكيفية بناء البروتينات من الأحماض الأمينية. وذلك لأن البروتينات لا تتكون ببساطة بخلط الأحماض الأمينية المناسبة بالمقادير الصحيحة كما نخلط حمضاً عضوياً مع قلوي لإنتاج ملح وماء. ولكن البروتينات هي تراكيب شديدة التخصص والتعقيد تتكون من سلاسل طويلة من جزيئات الحمض الأميني ولا يمكن إنتاجها ببساطة بحق الطاقة من المواد الخام اللازمة لبنائها.
ويعبر “بول دافيز” عن ذلك بشكل تصويري قائلاً: «صنع البروتين بمجرد حقن الطاقة أشبه بتفجير إصبع ديناميت تحت كومة من قوالب الطوب على أمل أين يُكون بيتاً. فيمكنك إطلاق قدر كاف من الطاقة لإنشاء الطوب، ولكن إن لم تمزج الطاقة بالطوب بطريقة مضبوطة ومنظمة، فلا أمل في إنتاج أي شيء سوى فوضى عارمة».
فإنتاج الطوب يختلف كلية عن تنظيم بناء بيت أو مصنع. فإن أردت أن تبني بيتاً، يمكنك أن تستخدم الحجارة التي وجدتها ملقاة هنا وهناك، بكل الأشكال والأحجام التي أصبحت عليها الحجارة نتيجة لمسببات طبيعية. إلا أن تنظيم البناء يتطلب شيئاً لا تحتويه هذه الحجارة. إنه يتطلب ذكاء المهندس المعماري ومهارة البناء. وهو ما ينطبق على اللبنات الأساسية للحياة. فالصدفة العمياء لا تستطيع أن تقوم بوظيفة وضع هذه اللبنات معاً بطريقة محددة. ويعبر عالم الكيمياء العضوية والأحياء الجزيئية “أ. ج. كيرنز-سميث” A. G. Cairns-Smith عن هذه الفكرة قائلاً: «الصدفة العمياء…. محدودة للغاية… فهي قادرة على إنتاج ما يعادل حروفاً وكلمات صغيرة بمنتهى السهولة، ولكن سرعان ما يظهر قصورها عندما يزداد مقدار التنظيم. وإضافة فترات زمنية طويلة وموارد مادية ضخمة لا يغير في الأمر شيئاً ولا يتيح للصدفة فرصاً أفضل».
ويستخدم “كيرنز – سميث” مشابهة الحروف والكلمات هنا وهو استخدام صائب جداً لأن الخاصية الجوهرية التي تميز البروتينات هي أن الأحماض الأمينية المكونة لها لا بد أن تكون في أماكنها الدقيقة في السلسلة. تخيل الأحماض الأمينية مثل عشرين “حرفاً” في “أبجدية” ما. والبروتين “كلمة” طويلة جداً في تلك الأبجدية حيث كل “حرف” (أي كل حمض أميني) لا بد أن يكون في مكانه الصحيح. أي أن ترتيب وضع الأحماض الأمينية في السلسلة هو العنصر الجوهري، فوجودها وحده لا يكفي، تماماً مثل كل حرف من حروف كلمة ما، أو كل نقرة على لوحة المفاتيح في أحد برامج الكمبيوتر التي يجب أن تكون في أماكنها الصحيحة حتى تعطي الكلمة معناها الصحيح أو حتى يعمل البرنامج. فلو تغير مكان حرف واحد فقط، تصبح الكلمة كلمة أخرى أو تصبح بلا أي معنى. ونقرة واحدة على مفتاح خاطئ في برنامج الكمبيوتر قد تتسبب في تعطيل عمل البرنامج.
وتتضح فكرة هذه الحجة من الاعتبارات البسيطة القائمة على الاحتمالات. فمن بين الكثير من أنواع الأحماض الأمينية المختلفة هناك عشرون حمضاً يصنعون البروتينات، وبحيث إن كان لدينا بركة مكونة من الأحماض العشرين، يكون احتمال الحصول على الحمص الأميني الصحيح في مكان محدد في البروتين 1/20. وبذلك يكون احتمال الحصول على 100 حمض أميني بالترتيب الصحيح (1/20)100 وهو ما يعادل حوالي 1 من 13010، وهو احتمال ضعيف للغاية.
ولكن هذه ليست إلا البداية، بل بداية في منتهى التواضع. وذلك لأن هذه الحسابات تقتصر على بروتين واحد. ولكن الحياة كما نعرفها تتطلب مئات الآلاف من البروتينات، وقد قدر أن احتمالات عدم إنتاج هذه البروتينات بالصدفة تزيد عن 4000010 إلى 1. وقد اشتهر عن السير “فرد هويل” مقارنته بين هذه الاحتمالات المضادة لتَكَوّن الحياة تلقائياً واحتمالات تَكوّن طائرة طراز بوينج 747 نتيجة لهبوب إعصار على ساحة خردة.
وهذا التصوير ليس سوى نسخة مطورة مما أشار إليه شيشرون حوالي سنة 46 ق.م. عندما اقتبس من بالبوس Balbus الرواقي الذي رأى بكل وضوح التحديات البالغة المرتبطة بإرجاع أصل الشيء إلى الصدفة في اللغة مثلاً: «لو ألقينا عدداً لا نهائياً من النسخ لحروف الأبجدية الواحد والعشرين المصنوعة من الذهب أو أي مادة تحلو لك في حاوية ما، ورججناها ثم ألقينا بها على الأرض، هل من الممكن أن تنتج ملحمة “حوليات إنيوس” Annals of Ennius؟ أشل أن الصدفة يمكنها أن تنجح في إنتاج بيت شعري واحد». صحيح. إن الصدفة العمياء لا تستطيع أن تفعل ذلك، وهو رأي يلقى قبولاً واسعاً بين العلماء سواء أكانوا مؤمنين بالفلسفة الطبيعية أم لا. ولكن ما زال علينا أن نذكر عنه المزيد فيما يلي.
سيناريوهات التنظيم الذاتي:
يحظى مفهوم التنظيم الذاتي بمزيد من الجاذبية بوصفه حلاً لمشكلة أصل الحياة. فمثلاً، يرى “إيليا بريجوجين” Ilya Prigogine الحائز على جائزة نوبل وكذلك “إيزابل ستنجرس” Isabelle Stengers أن الترتيب والتنظيم يمكن أن ينشأ تلقائياً من الفوضى والتشوش. ونوع الفوضى الذي يعنهما هو ذلك الذي يظهر في أنظمة الديناميكا الحرارية التي تبتعد بعيداً عن التوازن وتبدأ في الإتيان بسلوك لاخطي non-linear behavior بحث إن أي تغير طفيف في المدخلات يمكن أن تثير عواقب كبرى لا تتناسب مع حجم هذا التغير. وأشهر مثال على هذه الفكرة هو الظاهرة المعروفة باسم “تأثير الفراشة” Butterfly effect حيث رفرفة جناحي الفراشة في إحدى مناطق العالم تطلق سلسلة من الأحداث التي تثير عاصفة مدارية في منطقة أخرى. وهذه الأنظمة التي تتميز بشدة حساسيتها للتغيرات التي تطرأ على الأوضاع الأصلية، مما يجعل التنبؤ بها أمراً مستحيلاً بطبيعة الحال، كالطقس مثلاً، يطلق عليها الأنظمة الفوضوية Chaotic Systems. ويبين “بريجوجين” أن الأنماط المنظمة غير المتوقعة يمكن أن تنتج دون توقع. ومن أفضل الأمثلة على ذلك الحمل الحراري المعروف باسم “ريلي بنار” Rayleigh–Benard Convection حيث الحرارة التي تسري في انسيابية خلال سائل تتحول فجأة إلى تيار حمل حراري يعيد تنظيم السائل بحيث يظهر نمط على هيئة قرص عسل النحل مكون من خلايا سداسية، وشكله يماثل التكوينات الصخرية الشهيرة في “ممر العمالقة” Giant’s Causeway بإيرلندا الشمالية.
ومن الأمثلة الأخرى التي تشيع الاستشهاد بها تفاعل بلوسوف جابوتينسكي Belousov-Zhabotinski الذي يظهر فيه كسر للتناظر Symmetry braking ولكنه كسر زمني Temporal وليس مكانياً Spatial. وتحدث هذه الظاهر مثلاً عند أكسدة حمض المالونيك بواسطة برومات البوتاسيوم بمساعدة محفزين مثل كبريتات السيريوم والفريون Ferroin. وإن وضع الخليط على درجة حرارة نحو 25 مئوية (77 فارنهاريت) مع التقليب المستمر سيظل لونه يتغير من الأحمر إلى الأزرق بفاصل زمني حوالي دقيقة بين كل تغير والآخر بحيث يعمل التفاعل وكأنه ساعة كيميائية بفترة زمنية منتظمة بشكل مذهل. وهو تفاعل مبهر حتى إنه يمكن شرحه بأسلوب وصفي في منتهى البساطة.
فلنتخيل إذن تفاعلاً حيث المادة (أ) تتحول إلى المادة (ب). وهو ما نعبر عنه بالشكل التالي:
1 – أ >> ب
ثم نفترض أن هذا التفاعل يعقبه تفاعل ثان يطلق عليه تفاعل ذاتي التحفيز Autocatalytic:
2 – أ + ب >> 2ب
حيث (ب) مادة محفزة بما أن كل جزيء في (ب) على اليمين يعاود الظهور على اليسار. ولكن الكمية الناتجة من (ب) أكثر من الكمية التي بدأنا بها بحيث إن سرعة التفاعل الثاني تعتمد على كمية الناتج المتكون، وبذلك نحصل على حلقة ارتجاع إيجابية Positive feedback Loop تسرع من التفاعل، ومن هنا أتى مصطلح ذاتي التحفيز. والآن سنزيد الموقف تعقيداً وإثارة بإضافة تفاعلين آخرين:
3 – ب + ج >> 2ج
4 – ج >> د
والتفاعل الثالث هو تفاعل آخر ذاتي التحفيز، ولكنه هذه المرة ينقص كمية (ب)، وهو بذلك يعمل في الاتجاه المعاكس للتفاعل الثاني. ويمكننا أن نتخيل أن التفاعل الرابع ينتج مادة مهدرة هي (د). والمكونات النهائية التي نحتاجها لإكمال الصورة هي مؤشر يتحول إلى اللون الأحمر في وجود (ب) وإلى الأزرق في وجود (ج). الآن نبدأ التفاعل بحيث يكون تركيز (أ) أعلى من تركيز (ج). وبما أن سرعة التفاعل تتناسب مع تركيزات المواد المتفاعلة، ففي البداية سيسيطر التفاعل الثاني على الثالث. ومن ثم، سيرتفع تركيز (ب) وسيكون لون الخليط أحمر. ولكن التفاعل الثالث ذاتي التحفيز سيحتل مكانه في النهاية ويقلل تركيز (ب) ويتحول اللون إلى الأزرق بسبب سيطرة (ج). ولكن الآن يظهر التفاعل الرابع على الساحة ويتغلب على (ج)، وهكذا تعود (ب) للسيطرة مرة أخرى ويتغير اللون ثانية. وستتوقف العملية عندما تنفذ (أ) أو تعطل (د) النظام. ويمكننا بالطبع أن نجعل العملية تستمر، أي أن نحافظ على النظام بعيداً عن التوازن، وذلك بإضافة المزيد من (أ) واستبعاد (د).
وهكذا، في كل من هذه الأنظمة يتولد نوع من الترتيب، ويعتقد البعض أن هذه العمليات يمكن أن تعرفنا بكيفية نشأة الحياة.
وعلى صعيد مشابه يقترح “روبرت شابيرو” Robert Shapiro وغيره سيناريو أولياً لأصل الحياة يقوم على “الأيض” أو “الجزيء الصغير”، أي سيناريو لا يحوي من البداية آلية وراثية، ومن ثم يشتمل على جزيئات صغيرة وليس جزيئات كبيرة حاملة للمعلومات مثل DNA أو RNA. ويتحدث “شابيرو” عن بدء «نوع من الحياة…. يعرّف بأنه إنتاج نظام أكبر من مواضع محددة بواسطة دورات كيميائية تسير بتدفق من الطاقة». إلا أن “لسلي أورجل” Leslie Orgel، وهو أحد خبراء أصل الحياة البارزين، أجرى تقييماً تحليلياً دقيقاً لهذه الدورات، ولا سيما فيما يختص بأبحاث “كوفمن”. وهو يبني حجته على أساس كيميائي ويقول إن وجود هذه الدورات غير معقول أساساً. وقد كتب قائلاً: «واضح أن وجود سلسلة من التفاعلات المحفزة التي تشكل دورة ذاتية التحفيز شرط أساسي لاستمرار عمل الدورة، إلا أنه ليس شرطاً كافياً. فمن الضروري أيضاً تفادي التفاعلات الجانبية التي تعطل الدورة. وليس من المستحيل تماماً وجود محفزات معدنية محددة كافية لكل تفاعل في دورة حمض الستريك العكسية Reverse Citric Acid Cycle، إلا أن احتمالية حدوث مجموعة كاملة من هذه المحفزات في موضع واحد على الأرض البدائية في غياب المحفزات التي تنتج تفاعلات جانبية معوقة تبدو أمراً بعيداً بما لا يقال. وعندئذ قد يكون عدم التحديد وليس قلة التحفيز من أي نوع تقريباً.» ثم يستطرد قائلاً: «ما الذي يدعو المرء ليصدق أن مجموعة من المعادن القادرة على تحفيز كل خطوة من الخطوات الكثيرة في دورة حمض الستريك العكسية وجدت في أي مكان ما على الأرض البدائية، أو أن الدورة نظمت نفسها تضاريسياً بشكل سرى غامض على سطح معدني من الكبريتيد؟»
وهو يقول في تعليق لافت للنظر على إحدى الدارسات المتعلقة بالتنظيم الذاتي الكيميائي: “غاديري” Ghadiri وزملاؤه…. أظهروا التنظيم الذاتي في شبكات تفاعلات الإدماج Ligation reactions عند استخدام أكثر من اثنين من مدخلات الببتايد المصممة بدقة. ولكن هذه النتائج لا تؤيد نظرية “كوفمن” إلا إذا أمكن تفسير تركيبات ما قبل ظهور الحياة Prebiotic synthesis من الروابط الببتايدية المحددة من نوع 15mer وكذلك 17mer الناتجة عن الأحماض الأمينية المونومر Monomeric amino acids. وإلا تصبح تجارب “غاديري” تعبيراً عن “التصميم الذكي” للمدخلات الببتايدية، وليس تعبيراً عن التنظيم الذاتي التلقائي للأحماض الأمينية المبلمرة Polymerizing amino acids... ولا يمكن لأي من هذه الاحتمالات أو غيرها مما هو مألوف لدي أن يفسر كيفية نشأة عائلة من الدورات المعقدة المتشابكة القادرة على التطور، ولا أن يفسر ما يحافظ على استقرارها.»
والخلاصة التي يتوصل إليها هي أن «التركيبات التي تكونت في فترة ما قبل الحياة Prebiotic Syntheses التي خضعت للبحث التجريبي تؤدي في كل الحالات تقريباً إلى تكوين أنواع من الخليط المعقد. ومخططات تكرار إنتاج البوليمرات Polymer Replication المقترحة لا يحتمل أن تنجح إلا في وجود مدخلات نقية بما يكفي من المونومرات. فلا يمكن العثور على حل لمشكلة أصل الحياة إلا إذا أغلقت الفجوة بين نوعي الكيمياء. وتبسيط أنواع الخليط الناتجة عن طريق التنظيم الذاتي لسلاسل التفاعلات العضوية، سواء أكانت في صورة دورة أم لا سيكون عظيم الفائدة، تماماً مثل اكتشاف البوليمرات البسيطة جداً القابلة للتكرار. إلا أن الحلول التي يقترحها مؤيدو سيناريوهات الوراثة أو الأيض التي تعتمد على كيمياء افتراضية وهمية لن تفيد».
جوهر المشكلة:
إن الموقف القائل بأن هذه العمليات حتى وإن كانت قد حدثت بالفعل رغم كل العوائق التي يفترضها الكيميائيون تعطينا فكرة نوعاً ما عن أصل الحياة نفسها لا بد أن يصادف في النهاية تحديات أكبر بكثير تتعلق بطبيعة التعقيد الذي يظهر في بنية البروتينات التي ذكرناها في نهاية الجزء السابق. وذلك لأن جوهر المشكلة لا يكمن في إنتاج نوعية التنظيم الذي نراه في بلورة أو قرص عسل أو حتى تفاعل بلوسوف جابوتينسكي. ولكنه تنظيم ينتج بنى مختلفة نوعياً كالتي نراها في المنتجات اللغوية التي تتكون بتنظيم معقد للأحماض الأمينية المكونة للبروتين. ويعبر “بول دافيز” عن الفرق بكل وضوح قائلاً: «الحياة فعلياً ليست نموذجاّ للتنظيم الذاتي. ولن الحقيقة أن الحياة محددة، أي أنها تنظيم موجه وارثياً. فالكائنات الحية تتلقى تعليماتها من البرنامج الوراثي المشفر في الـ DNA (أو الـ RNA) الخاص بها. وخلايا الحمل الحراري تتكون تلقائياً بواسطة التنظيم الذاتي. ولكن خلية الحمل الحراري ليس لها جين وارثي. فمصدر التنظيم ليس مشفراً في برنامج، ولكن يمكن إرجاعه إلى الشروط الحدثة Boundary Conditions في السائل… أي تنظيم خلية الحمل الحراري مفروض عليها من الخارج، من بيئة النظام. وعلى العكس من ذلك، تنظيم الخلية الحية يشتق من ضبط داخلي…. فنظرية التنظيم الذاتي الذي ما زال يشتمل على بنى بسيطة نسبياً حتى في أعقد النماذج غير البيولوجية إلى التنظيم الوراثي للكائنات الحية الذي يقوم على المعلومات ويتميز بشدة تعقيده.»
ويعبر “ستيفن ماير” عن المسألة على هذا النحو: «أصحاب نظريات التنظيم الذاتي يجيدون شرح ما لا يحتاج إلى شرح. فما يحتاج إلى شرح ليس أصل التنظيم… بل أصل المعلومات». إن مفهوم المعلومات هو جوهر المشكلة، وهو ما لا بد أن ينصب عليه اهتمامنا في معظم الجزء المتبقي من الكتاب.
واحد من أبرز العلماء المشتغلين بأصل الحياة، وهو “لسلي أورجل” أوجز الموقف قائلاً: «لدينا الكثير من النظريات المعقولة عن منشأ المادة العضوية على الأرض البدائية، ولكن ما من نظرية واحدة تقدم دلائل مقنعة. ولدينا كذلك عدة سيناريوهات تفسير التنظيم الذاتي في كيان قادر على إعادة إنتاج نفسه من المادة العضوية السابقة لظهور الحياة، ولكن كل هذه السيناريوهات ذات الصياغة الجيدة تقوم على تكوينات كيميائية افتراضية تمثل مشكلة في ذاتها».
ومن ثم، يردد “أورجل” رأي “كلاوس دوس” Klaus Dose وهو أيضاً من أبرز العاملين في أبحاث أصل الحياة الذي خلص قبل “أورجل” بعشر سنوات إلى أن: «أكثر من ثلاثين سنة من التجريب في أصل الحياة في مجالي التطور الكيميائي والجزيئي زودتنا بفهم أفضل لضخامة مشكلة أصل الحياة على الأرض بدلاً من أن تزودنا بحل لها. وفي الوقت الحالي كل المناقشات المختصة بالنظريات والتجارب الرئيسية في المجال ينتهي بها الأمر إما إلى طريق مسدود أو الاعتراف بجهلها».
والسير “فرانسيس كريك” الذي لا يعرف عنه إيمانه بالمعجزات كتب يقول: «يبدو أن أصل الحياة معجزة، فالشروط اللازم توافرها للحياة كثيرة للغاية».
وكل هذا يقود المرء إلى الاعتقاد بأن حكم “ستيورات كوفمن” من “معهد سانتا فيه” Santa Fe Institute في محله: «أي شخص يخبرك أنه يعرف كيف بدأت الحياة على الأرض منذ حوالي 3،45 مليار سنة إما أحمق أو مخادع. لا أحد يعلم». وقد صرح بعده “فرانسيس كولينز” بالرأي نفسه قائلاً: «ولكن من الإنصاف أن نقول إننا في الوقت الحالي لا نعرف. فليست لدينا فرضية واحدة حتى الآن تقترب من تفسير ما قامت به بيئة ما قبل الحياة التي وجدت على كوكب الأرض من إنشاء الحياة في غضون 150 مليون سنة فقط. وهو ما لا ينفي وجود فرضيات منطقية، ولكن الاحتمالية الإحصائية لقدرتها على تفسير نشأة الحياة ما زالت ضعيفة للغاية».
[1] Geochemistry هو العلم الذي يعنى بدراسة التركيب الكيميائي للأرض وصخورها ومعادنها (المترجم).
«لا شيء في علم الأحياء له معنى إلى في ضوء التطور.»
“ثيودوشس دوبجانسكي” Theodosius Dobzhansky
«ليس لدينا فهم واضح لما يظهر من أشكال تطورية جديدة كبرى.
ولم يخضع أي منها للملاحظة، ولسنا نعلم ما إذا كان
أي منها يتم حالياً. وليس لأي منها سجل حفري جيد.»
“روبرت وسون” Robert Wesson
«إذن الحكم المنطقي السليم يرجح أن النظرية الداروينية
صحيحة في صورتها الصغيرة لا في صورتها الكبيرة.
أي أن الأرانب تنشأ من أرانب أخرى تختلف عنها اختلافاً ضئيلاً،
لا من حساء [أساسي] ولا من البطاطس.
أما منشأ هذه الأشياء أصلاً مشكلة لا بد من حلها أولاً
مثل الكثير من المشكلات الضخمة.»
السير “فرد هويل”
تعريف التطور
إننا نستخدم هذا المصطلح حتى الآن كما لو كان له معنى وحيد متفق عليه. إلا أنه من الواضح أن الأمر ليس كذلك. فمناقشة التطور كثيراً ما يشوبها قدر من التشويش لعد إدراك الاستخدامات المختلفة للمصطلح. وبعض استخداماته لا يحتمل أي جدل حتى إن رفضه يعد دليلاً على شيء من الجهل أو الغباء (إلا أنه لا يعد دليلاً على الشر).
فما هو إذن التطور؟ فيما يلي بعض الأفكار التي تشير إليها مصطلح “التطور” “Evolution“:
1 – تغير، نمو، تنوع:
تستخدم الكلمة هنا للإشارة إلى التغيير دون أن تتضمن أي معنى يختص بوجود (أو عدم وجود) آلية أو مدخلات ذكية تحدث التغيير. فنحن نستخدم هذا المعنى لنصف “تطور السيارة” حيث لا غنى عن قدر كبير من المدخلات الذكية. ونستخدمه أيضاً لوصف “تطور الساحل” حيث تؤدي العمليات الطبيعية للبحر والرياح، والحياة النباتية والحيوانية إلى تشكيل الساحل على مر الزمن، بالإضافة إلى ما قد يقوم به المهندسون لمنع عمليات التعرية. وعندما يتحدث الناس عن “تطور الحياة” بهذا المعنى، كل ما يقصدونه أن الحياة نشأت وتطورت (بأي وسيلة كانت). ومصطلح “التطور” بهذا المعنى يعتبر محايداً، لا يسيء لأحد، ولا يثير أي جدل.
2 – التطور الصغير أو الميكرو تطور Microevolution: تنوع داخل أطر محددة من حيث درجة تعقيدها، تنوع كمي في أعضاء أو بنى موجودة أصلاً:
لاحظ داروين هذه العمليات في عصافي جزر جالاباجوس Galapagos finch (انظر أيضاً دارسة “جوناثان واينر” Jonathan Weiner التفصيلية). ونادراً ما يثير هذا الجانب من النظرة أي جدل لأن هذه التأثيرات كالانتخاب الطبيعي، والطفرة، والانحراف الجيني، وغيرها دائماً ما ترصد بالفعل وتقع في إطار الملاحظة. ومن أمثلتها الكلاسيكية المألوفة لنا في العالم أجمع للأسف هو ما تفعله البكتيريا من بناء مقاومة لمواجهة المضادات الحيوية.
وجدير بالذكر أن التغيرات في متوسط أطوال منقار العصفور التي خضعت للملاحظة أثناء موسم الجفاف سنة 1977 سارت عكسياً وعادت لما كانت عليه في فترة الأمطار سنة 1983، أي أن هذا البحث يعتبر نموذجاً للتغير التكراري بفعل الانتخاب الطبيعي، لا نموذجاً للتطور (ولا حتى التغير) الدائم. ومع ذلك، فالكتب المدرسية لا تذكر دائماً هذا التغيير العكسي Reversal.
إلا أن إحدى الدراسات الرئيسية التي تناقلتها الكتب الدراسية واحتفت بها باعتبارها من البراهين الأساسية على التطور تعرضت لنقد حاد في السنوات الأخيرة. وهي تتناول انتشار اللون الداكن Industrial Melanism بين الفراش المنقط Peppered moth (Biston Betularia) في المناطق الصناعية. وتزعم الدراسة أن الانتخاب الطبيعي أنتج تنوعاً في نسبة الفراش الفاتح للفراش الداكن في هذا النوع البيولوجي. فرؤية الفراش الفاتح أسهل على الكائنات المفترسة من رؤية الفراش الداكن على جذوع الأشجار الداكنة بفعل التلوث في البيئة الصناعية، وهكذا ستصبح غالبية أفراد النوع داكنة اللون. وبالطبع، إن كان هذا التفسير صحيحاً، فهو في أفضل حالاته لا يعد إلا مثالاُ على الميكرو تطور أو التطور الصغير ومن وجهة التغير التكراري فقط (لم تنتج فراشات جديدة أثناء هذه العملية حيث إن النوعين موجودان أصلاً). ومن ثم، فهي لا تثير الجدل إلى عندما تستخدم أمثلة الميكرو تطور باعتبارها دلائل كافية على الماكرو تطور أو التطور الكبير. على أن “مايكل ماجروس” Michael Majerus وهو خبير في الفراش بجامعة كامبريدج يقول: «قصة الفراش المنقط الأساسية خاطئة، أو غير دقيقة، أو ناقصة في معظم مكوناتها.» فضلاً عن ذلك، يبدو أنه ليس هناك دليل على أن الفراش المنقط يحط على جذوع الأشجار في الغابات. والكثير من الصور الفوتوغرافية في الكتب الدراسية التي تظهر الفراش في هذا الوضع تبدو غير واقعية. وفي مجلة “تايمز هاير إديوكشنل” Times Higher Educational Supplement تعبر عالمة الأحياء “لين ماجوليس” عن دهشتها من أن “ستيف جونز” Steve Jones ما زال يستخدم الفراش المنقط في كتابه “شبه حوت” Almost like a whale الذي يشرح داروين بصورة حديثة رغم معرفته بالشبهات التي تحوم حول هذا البحث، على حد اعتقادها. وعندما عرف عالم الأحياء “جري كوين” Jerry Coyne في “جامعة شيكاغو” University of Chicago بالمشكلات التي تحيط بقصة الفراش المنقط، كتب قائلاً: «رد فعل يشبه الإحباط الذي أصابني عندما اكتشفت في السادسة من عمري أن من يأتي بالهدايا ليلة الكريسماس لم يكن بابا نويل، بل كان أبي».
3 – الماكرو تطور أو التطور الكبير Macroevolution:
وهو ما يشير إلى ظهور أشكال جديدة على نطاق واسع، أي ظهور أعضاء، وبنى، وخرائط جسمانية body-plans جديدة ذات مادة وراثية جديدة مختلفة اختلافاً نوعياً عن سابقتها. ومن أمثلته تطور البنى متعددة الخلايا من البنى وحيدة الخلية. وبذلك يشتمل الماكرو تطور على زيادة كبيرة في درجة التعقيد. وهذا الاختلاف بين الميكرو تطور، والماكرو تطور هو موضوع خلاف كبير حيث إن الأطروحة التدرجية [1]Gradualist thesid ترى أنه يمكن تفسير الماكرو تطور بتطبيق العمليات التي تتسبب في حدوث الميكرو تطور ولكن على فترات زمنية أطول كما سنرى أدناه.
4 – الانتخاب الصناعي Artificial Selection كما في التهجين النباتي والحيواني:
نجح خبراء التهجين في إنتاج الكثير من الأنواع المختلفة من الورود، والخراف من سلالات أساسية باستخدام طرق تهجينية في منتهى الدقة. وتشتمل هذه العملية على درجة عالية من المدخلات الذكية. ولذلك، فهي لا تقدم في حد ذاتها دليلاً حقيقياً على حدوث التطور بعمليات غير موجهة، رغم أنها كثيراً ما تستخدم لهذا الغرض. وقد استخدمها داروين نفسه ليبين أن ما يفعله البشر في وقت قصير نسبياً تفعله الطبيعة في وقت طويل.
5 – التطور الجزيئي Molecular Evolution:
يرى بعض العلماء أن التطور يفترض، في واقع الأمر، وجود مادة وراثية قادرة على إنتاج نفسها Self-replicating genetic material. فقد رأى “دوبجانسكي” Dobzhansky مثلاً أنه ما دام الانتخاب الطبيعي يحتاج لوحدات تعيد إنتاج نفسها وتحدث طفرات Mutating Replicators، فهذا يعني بالضرورة أن «الانتخاب الطبيعي السابق لظهور الحياة Prebiological natural selection فكرة متناقضة». إلا أن مصطلح “التطور الجزيئي” شاع استخدامه حالياً للإشارة إلى تطور الخلية الحية من مواد غير حية. ولكن استخدام اللغة على هذا النحو من شأنه أن يحجب حقيقة واضحة، وهي أن كلمة “التطور” هنا لا تعني عملية داروينية بالمعنى الضيق.
ومصطلح “التطور” يضم طبعاً النظريات التي تتناول كيفية حدوث هذه الأشياء، وأكثرها انتشاراً هي التركيب الداوريني الحديث التي تقول بأن الانتخاب الطبيعي يعمل على أساس التنوعات التي تنشأ من الطفرات، والانحراف الجيني، وغير ذلك.
وفي ضوء الغموض الذي يكتنف معنى التطور، يمكننا أن نفهم اتهامات “ليونتن” واتهامات “دوكينز” بمزيد من الوضوح. فإن كان «الشك في التطور» يعني الشك في المعنى الأول أو الثاني أو الرابع، عندئذ يمكن أن تكون تهمة الغباء أو الجهل في محلها. وكما أوضحنا سابقاً لا يمكن لأحد أن يشك حقيقة في صحة عمليات الميكرو تطور والتغيير التكراري باعتبارها أمثلة على عمل الانتخاب الطبيعي.
ولذلك، يسهل حدوث الخلط خاصة عند استخدام التطور بمعنى الميكرو تطور. خذ مثلاً ما يقوله “إي. أو. ويلسون” عن التطور: «ربما يعد التطور عن طريق الانتخاب الطبيعي القانون الوحيد الصحيح الذي تنفرد به الأنظمة البيولوجية عن الأنظمة الفيزيائية غير الحية، وقد اكتسبت في العقود الأخيرة صلابة النظريات الرياضية. وهو يعني ببساطة إنه إذا كانت مجموعة كائنات حية من نوع معين في منطقة ما تحتوي عدداً من التنوعات الوراثية في صفة ما (مثلاً تنوع لون العين بين الأحمر والأزرق في مجموعة طيور من نوع معين)، وإذا نجح أحد تلك التنوعات في المساهمة بعدد أكبر من النسل في الجيل التالي مقارنة بغيره من التنوعات، ينتج عن ذلك حدوث تغير في التركيب العام لهذه المجموعة من الكائنات الحية، وهكذا نقول إنه حدث تطور. فضلاً عن ذلك، إذا ظهرت تنوعات وراثية جديدة بانتظام في هذه المجموعة من الكائنات (عن طريق الطفرة أو الهجرة)، فإن التطور يستمر دون توقف. تخيل طيوراً ذات عيون حمراء وأخرى ذات عيون زرقاء في مجموعة متكاثرة، وساعد الطيور ذات العيون الحمراء على التكيف على البيئة بشكل أفضل. ستجد أنه بمرور الزمن سيكون أغلب أفراد هذه المجموعة أو جميعهم ذوي عيون حمراء. ثم إذا حدثت طفرة أنتجت أفراداً Mutants ذوي عيون خضراء يتكيفون على البيئة أفضل من أصحاب العيون الحمراء، سيصبح النوع كله ذا عيون خضراء. وهكذا يكون التطور قد خطا خطوتين صغيرتين إضافيتين».
هذا التفسير صحيح إلى حد كبير. ولكن يبدو أنه لا يزيد عن كونه وصفاً للميكرو تطور. فإن كان لدينا طيور عيونها حمراء وأخرى عيونها زرقاء في المجموعة الأصلي، فكل ما يفعله “ويلسون” أنه يصف التغير التكراري الذي لا جدال عليه (المذكور أعلاه فيما يختص بعصافير داروين). وهكذا يتجنب “ويلسون” تماماً سؤال ما إذا كانت الآلية التي يصفها تتحمل كل المسؤولية الإضافية الملقاة عليها في أي محاولة لفهم التطور فهماً كاملاً. فكيف يجيب مثلاً عن سؤال: «من أين أتت الطيور أساساً؟» إنه يزعم في موضع آخر من مقاله أن الانتخاب الطبيعي مسؤول بالفعل عن ذلك. فهو يقول مثلاً: «كل العمليات البيولوجية نشأت بتطور هذه الأنظمة الفيزيائية – الكيميائية بواسطة الانتخاب الطبيعي.» ويقول أيضاً إن البشر «انحدروا من حيوانات بفعل القوة العمياء نفسها التي أنتجت تلك الحيوانات.»
وكما هو الحال في تعريف “ويلسون”، كثيراً ما يتردد أن الانتخاب الطبيعي نفسه واضح في حد ذاته ولا يحتاج لدليل. ويعبر “كولن باترسون” زميل الجمعية الملكية عن ذلك في مقولته النموذجية عن التطور على هيئة حجة استنباطية كما يلي:
– كل الكائنات الحية لا بد أن تتكاثر.
– كل الكائنات الحية تظهر فيها تنوعات وراثية.
– التنوعات الوراثية تختلف من حيث أثرها على التناسل.
– إذن التنوعات التي تنتج آثاراً مرغوبة على التناسل هي التي تنجح والتنوعات التي تنتج آثاراً غير مرغوبة تفشل، فيحدث تغير في الكائنات الحية.
ولذلك، فالانتخاب الطبيعي يصف عملية إزالة صفة ما تنتج نسلاً أضعف في مجموعة من الكائنات الحية، والإبقاء على الأقوى.
وحجة “باترسون” تتلخص في أن الانتخاب الطبيعي على هذا النحو ليس نظرية علمية في حقيقة الأمر، بل حقيقة ثابتة لا تحتاج أن نقولها لأنها معروفة للجميع. أي أننا إن اتفقنا على النقاط الثلاث الأولى، فالنقطة الرابعة تترتب عليها منطقياً. وقد قدم داروين نفسه حجة مشابهة في الفصل الأخير من كتاب “أصل الأنواع”. ويشير “باترسون إلى أن «هذا يوضح أن الانتخاب الطبيعي لا بد أن يحدث ولكنه لا يعني أن الانتخاب الطبيعي هو المسبب الوحيد للتطور، وعندما يعمم الانتخاب الطبيعي بحيث يمثل شرحاً لكل التغير التطوري أو لكل خاصية من خواص كل كائن حي، يصبح بذلك تفسيراً شاملاً مثل التنجيم وعلم النفس الفرويدي[2]». وبذلك يبدو أن “باترسون يشير إلى أن الانتخاب الطبيعي لا يفي بمعيار “بوير” المتعلق بقابلية أي فكرة لأن يثبت خطؤها، تماماً كما لا يمكن إثبات خطأ قول “فرويد” بأن سلوك الشخص الراشد ينتج عن صدمة في الطفولة. ويحذرنا “باترسون” من خطورة التسرع في إلصاق علامة “الانتخاب الطبيعي” بهذا المعنى التعميمي على عملية ما، معتقدين أننا بذلك نشرح تلك العملية.
ووصف “باترسون” يبرز شيئاً نغفل عنه بكل سهولة، ألا وهن أن الانتخاب الطبيعي لا يملك أي قدرات خلاقة. لكنه كما يقول “عملية إزالة تبقي على النسل الأقوى. والنسل الأقوى لا بد أن يكون موجوداً من الأصل، أي أنه لا ينتج من الانتخاب الطبيعي. بل إن كلمة “انتخاب” نفسها لا بد أن تلفت انتباهنا إلى أن: الانتخاب يتم بين كيانات موجودة أصلاً. وهي نقطة في غاية الأهمية لأن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” غالباً ما يستخدم وكأنه يصف عملية خلاقة، ومن أساليب التعبير عن ذلك أن تبدأ كل كلمة في تعبير “الانتخاب الطبيعي” الإنجليزي بحرف كبير. وهو أسلوب مضلل للغاية كما يتضح من العبارة الثاقبة التي يقولها “جرد مولر” Gerd Muller الخبير في علم الأحياء النمائي التطوري[3]EvoDevo، وهي نظرية يتزايد تأثيرها تجمع بين نظرية التطور وعلم الأحياء النمائي وتهدف إلى ملء بعض الفجوات في الداروينية الحديثة النموذجية. ويكتب “مولر” قائلاً: «النظرية الداروينية الحديثة النموذجية لا تتناول سوى القليل من العمليات المذكورة أعلاه، وهي تعنى أساساً بالتكرارات الجينية Gene frequencies في مجموعات الكائنات الحية، وبالعوامل المسؤولة عن تنوعها وثباتها. ورغم أنها على مستوى النمط الظاهري[4]Phenotypic تتعامل مع ما يطرأ من تغير على الأجزاء الموجودة، فهي لا تهدف إلى تفسير منشأ هذه الأجزاء، ولا تركيبها Morphological organization، ولا ظهور شيء جديد. وفي عالم الداروينية الحديثة يعتبر الانتخاب الطبيعي هو العامل المحرك للتغير في التركيب، وهو أيضاً الذي يفسر تغير الأجزاء وفقدها. إلا أن الانتخاب الطبيعي لا يتمتع بأي قدرة خلاقة، ولكن كل ما يفعله أنه يمحو ما هو موجود أو يبقى عليه. ومن ثم فالجوانب التوليدية والتنظيمية في تطور التركيب لا وجود لها في نظرية التطور.»
وهكذا يؤكد “مولر” ما يمليه علينا المنطق، واللغة: الانتخاب الطبيعي، بطبيعته، لا يخلق أي جديد. وهو ما يتناقض كلية مع تصريح “ريتشارد دوكينز” الجريء الذي أوردناه سابقاً بأن الانتخاب الطبيعي يفسر شكل كل الأحياء ووجودها. وهذا التعارض الحاد في الآراء حول الأطروحة المحورية للداروينية الحديثة يثير أسئلة مزعجة حول متانة أساسها العلمي ويدفعنا لمزيد من البحث.
ننتقل الآن إلى الفكرة القائلة بأن التنوعات الوراثية التي يؤثر فيها الانتخاب الطبيعي هو طفرات عشوائية في المادة الوراثية للكائنات الحية. إلا أن “دوكينز” وغيرها حريصون على أن ينبهونا إلى أن التطور نفسه ليس عملية عشوائية محضة. فهو منبهر جداً بحسابات الاحتمالات الرياضية حتى إنه يرفض أي فكرة تلمح إلى أن العين البشرية مثلاً تطورت بمحض الصدفة في الزمن المتاح. وهو يكتب بأسلوبه منقطع النظير: «إنه أمر واضح وضوح الشمس لا يخفى على أحد ولا تخطئه عين وهو: لو كانت الداروينية حقاً نظرية صدفة، لا يمكن أن تنجح. فلا يشترط أن تكون عالم رياضيات أو فيزياء حتى تحسب أن عيناً أو جزيء هيموجلوبين يستلزم وقتاً من الآن إلى الأبد حتى يجمع نفسه بمحض الصدفة العشوائية الفوضوية». فما الحل إذن؟ إن الانتخاب الطبيعي عملية تشبه القانون تغربل الطفرات العشوائية بحيث يصبح التطور مزيجاُ من الضرورة والصدفة. وهم يقولون لنا إن الانتخاب الطبيعي سيجد طريقاً أسرع بفضل مدى الاحتماليات Space of possibilities. ومن ثم، تتلخص الفكرة في أن عملية الانتخاب الطبيعي التي تشبه القانون تزيد الاحتمالات لمستويات مقبولة على مدار الزمن الجيولوجي.
وللتعبير عن ذلك ببساطة أقول إن جوهر الحجة هو أن الانتخاب الطبيعي يفضل النسل القوي على الضعيف عندما تكون الموارد محدودة. وهو يساعد في الاحتفاظ بأي طفرة نافعة. والكائنات التي تحوي هذه الطفرة تبقى على قيد الحياة أما الكائنات الأخرى تندثر. إلا أن الانتخاب الطبيعي لا يحدث الطفرة. ولكنها تحدث بالصدفة. وكمية الموارد (الغذاء) المتاحة تمثل واحدة من القياسات المتغيرة في هذا الموقف. وقد خطر على بالي بصفتي عالم رياضيات أه من المثير أن نتخيل ما سيحدث لو سمح لهذا المتغير بالزيادة. وأنا أدعوك لإجراء تجربة فكرية. تخيل أن الموارد تتزايد أي أن الطعام متاح للجميع، للأقوياء والضعفاء على حد سواء. وتزايد الموارد يؤدي إلى تقليص دور الانتخاب الطبيعي لأن معظم النسل سيظل باقياً على قيد الحياة. فما قول الداروينيين الجدد في هذا الموقت؟ هل سيقولون إن احتمالات حدوث التطور ستتضاءل بناء على اعتقادهم بأن الانتخاب الطبيعي هو العامل الرئيسي وليس الصدفة؟ وذلك لأن الصدفة في هذا الموقف الافتراضي هي التي ستقوم بالمهمة كلها، والداروينيون الجدد يستبعدون الصدفة من القضية.
عندما فكرت في ذلك تيقنت أن هذه الفكرة لا بد أن تكون قد خطرت على بال أحد من قبل، وهو ما حدث فعلاً. فعالم الكيمياء البريطاني “آر. إي. دي كلارك” R. E. D. Clark لفت الأنظار سنة 1966 إلى أن داروين انزعج من خطاب أرسله إليه عالم النبات الشهير “جوزيف هوكر” JosephHooker سنة 1862 حيث طرح حجة تبين أن الانتخاب الطبيعي ليس عملية خلاقة بأي معنى من المعاني. إلا أن “كلارك” كان عليه أن يعيد بناء حجة “هوكر” من رد داروين لأنه اعتقد أن خطاب “هوكر” الأصلي فقد. ولكن خطاب “هوكر” لم يفقد، ويقول فيه: «أنا ما زلت مصراً على عجز عملية التهجين فيما يتعلق بأصل الأنواع. وإني أرى أن التنوع الوراثي Variation في [الحيوانات] بلا حدود. وعليك أن تتذكر أنه لا التهجين ولا الانتخاب الطبيعي أنتجا ما نراه بين البشر من اختلافات عديدة، بل ما أنتجه هو ببساطة التنوع الوراثي. مؤكد أن الانتخاب الطبيعي أسرع بالعملية وأكسبها قوة (إن جاز التعبير)، ونظم المسارات والأماكن…. إلخ التي اتخذتها العناصر البشرية، وعدد كل منها وما إلى ذلك، ولكن في وجود فردين يتمتعان بالقدرة على التكاثر، وإطار [زمني] متسع جداً للإنجاب، بحيث لا يفقد أي من التنوعات الوراثية على الإطلاق. وباختصار الانتخاب الطبيعي لا يطلب منه أن يلعب أي دور على الإطلاق. وإني أعتقد أنك بعد مئات الأجيال سترى أفراداً مغايرين مختلفين كلية بعضهم عن بعض، وكأن الانتخاب الطبيعي قضى على النصف.
«ما أن تعتبر أن الانتخاب الطبيعي يمكنه أن يحدث اختلافاً، أي أن يخلق شخصية، ينهار تعليمك بالكامل. فالانتخاب الطبيعي عاجز عجز المسببات الفيزيائية عن إنتاج تنوع وراثي، وقانون أن “الشيء لا ينتج مثيله” هو ما يكمن وراء كل ذلك، وهو مبهم إبهام الحياة نفسها. وهذا هو ما أشعر أنا وكذلك “لايل” Lyell إنك فشلت في توصيله بوضوح كاف لنا وللعامة، وهذا ما يفسر خمسين في المئة من رفض الوسط العلمي لتعليمك. فقد كان حري بك أن تبدأ بمهاجمة التعاليم القديمة الزائفة التي تقول إن «الشيء ينتج مثيله.» وكان يجب أن تخصص الفصل الأول من كتابك لهذا الموضوع فقد دون غيره. ولكني الآن أرى أن الاعتراض عليك ينطوي على شيء من الصحة من حيث إنك تجعل من الانتخاب الطبيعي حلاً للمعضلة Deus ex machine لأنك تتجاهل التفكير في حقائق التنوع الوراثي المستمر بلا حدود. إن أبناءك الثمانية مختلفون تماماً عن بعضهم البعض، وليس بينهم وجه شبه واحد. كيف؟ ستجيب أنهم يظهرون الاختلافات الموروثة من أجدادهم المختلفين. حسناً، ولكن ارجع من الزمن للوراء، واستمر في الرجوع حتى تصل في النهاية إلى الزوجين الأصليين اللذين انحدرت منهما لتعرض أصل الاختلافات، ولا بد أن تسلم منطقياً إما بأن الاختلافات بين [الذكر] و[الأنثى] الأصليين في النوع الذي تنتمي إليه تساوي مجموع الاختلافات الشاسعة بين معظم أفراد نوعك الموجودين حالياً المختلفين بعضهم عن بعض، أو أن هؤلاء نتجوا عن قانون أصيل كان يحكمهم. والآن ألست قاسياً في إلقاء هذه المحاضرة عليك بهذه البساطة؟»
ومن المهم أن نلاحظ القوة التي يكتب بها “هوكر” عندما ينسب «خمسين في المئة من رفض الوسط العلمي» لداروين إلى فشله في التعامل مع هذه الحجة. وقد أتى رد داروين في خطاب (بعد 26 تشرين الثاني/نوفمبر ولكن محرر فعلياً بتاريخ 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1862). «ولكن الجزء الذي أدهشني فعلياً في خطابك وقلب كياني رأساً على عقب هو الذي ذكرت فيه أن كل اختلاف نراه يمكن أن يكون قد حدث دون أي انتخاب. وإني كنت وما زلت متفقاً تماماً في ذلك. ولكنك أحطت بالموضوع إحاطة تامة ورأيته من زاوية جديدة ومعاكسة كلية. وكم كانت دهشتي عندما أخذتني إلى هذه الزاوية. ولكني عندما أقول إني متفق، لا بد أن أشترك أنه بناءً على منظورك يبقى كل شكل متكيفاً على ظروف معينة ثابتة، وأن ظروف الحياة تتغير على المدى البعيد. وثانياً، وهو الأهم، أن كل شجرة على حدة هو كائن خنثوي ذاتي التخصيب. ومن ثم، كل تنوع قيد الشعرة لا يفقد عند تزاوج أفراد من عناصر أو سلالات مختلفة. إن أسلوبك في عرض القضية يمكن أن يكون أكثر إثارة مما هو عليه بالفعل إن تمكن العقل من التعامل مع هذه الأرقام، وهو ما يشبه التعامل مع ما لا نهاية. تخيل ألف بذرة تنتج كل منها نباتاً من نوعها، ثم ينتج كل منها ألفاً، سرعان ما ستغطي النباتات كرة أرضية ممتدة إلى أبعد نجم. ولكني لا أستطيع تتبع هذه الفكرة المعقدة ولا حتى مع سلالات الكلاب، أو المواشي، أو الحمام، أو الدواجن. وهنا على الجميع أن يعترفوا بما يميز مثالك التوضيحي من إحكام دقيق ويدركوه. ومن يظنون، مثلك ومثل “لايل” أني أبالغ في اتخاذ الانتخاب الطبيعي حلاً يصدرون ضدي حكماً نهائياً. ولكني لا أعرف كيف كان يتأتى لي أن أستخدم جملاً أقوى في كل أجزاء كتابي. فكان يمكن اختيار عنوان أفضل كما أشرت. ولكن ما من أحد يعترض على الزراعيين عندما يستخدمون أقوى لغة للتعبير عما يقومون به من عمليات انتخاب، ولكن كل من يربي النباتات يعلم أنه ينتخب التغيير ولكنه لا ينتجه. وقد كان التحدي الأكبر أمامي على مدى سنوات أن أفهم التكيف، وهو ما جعلني أصر بقوة على الانتخاب الطبيعي، وإني واثق من صواب اعتقادي. وليغفر لي الله إطالتي، ولكنك لا تتخيل ما أثاره لدي خطابك من اهتمام، ومدى اهتمامي بالتوصل لأفكار واضحة بعد صدور كتابي الحالي».
واضح أن داروين يشعر بقوة الحجة التي يطرحها “هوكر” لدرجة أنه يتفق معها رغم اندهاشه من طريقة عرضها. وترجع أهمية الحجة إلى أنها تثير أسئلة جادة جداً عن الحجة التي تهدف لجعل احتمالات الماكرو تطور (أو التطور الجزيئي) مقبولاً في حدود الإطار الزمني الذي يقدمه لنا علم الكون المعاصر.
إلا أن حجة “هوكر” ليست التحدي الوحيد الذي يواجه الحجج التي تشبه الانتخاب الطبيعي بالقانون. فبعيداً عن حجة “هوكر” تماماً، سنطرح في الفصل العاشر منظوراً رياضياً لبعض السيناريوهات التي وضعها “دوكينز” وغيره لمحاكاة عمل هذه القانون، وسنكتشف أنها قاصرة لأسباب مختلفة تماماً.
وحجة “هوكر” لا تؤثر طبعاً على تنوعات (الميكرو تطور) التي لاحظها داروين. ولذلك فالسؤال التالي الذي يمكن طرحه هو عما إذا كانت هناك حدود لما يمكن للميكرو تطور تحقيقه.
حدود التطور:
رغم أن بعض علماء الأحياء يرفضون التمييز بين الميكرو تطور والماكرو تطور، فالمصطلحان غالباً ما يستخدمان، إن جاز التعبير، للتمييز بين التطور على مستوى صغير لا ينتج أنواعاً بيولوجية جديدة والتطور على مستوى أعلى الذي ينتج أنواعاً بيولوجية، حيث يدور الجدل حول الخط الفاصل بينهما. وغالباً ما ترجع مقاومة هذه التفرقة إلى أن عملية التطور ينظر إليها بصفتها كلاً متكاملاً بلا فواصل، أي أن الماكرو تطور هو ببساطة ما ينتج من عمليات الميكرو تطور التي تتم على مدار فترا زمنية طويلة. وهذا هو مقف “التدرجيين” Gradualists أمثال “دوكينز” وكذلك “دنت”. وهو ما يثير السؤال الجوهري حول ما إذا كان التطور بالفعل كُلاً متصلاً بلا فواصل، أي مثلاً ما إذا كانت آليات الانتخاب التي تفسر التنوعات في أطوال منقار العصفور أو تفسر تكون مقاومة للمضادات الحيوية في البكتيريا، يمكنها أن تفسر وجود العصافير والبكتيريا أصلاً. وباختصار فالسؤال الجوهري هو: هل للتطور “حدود”؟
لقد أوجز “روبرت وسون” Robert Wesspon قيمة التمييز بين الميكرو تطور والماكرو تطور كما يلي: «ليس لدينا فهم واضح لما يظهر من أشكال تطورية جديدة كبرى. ولم يخضع أي منها للملاحظة، ولسنا نعلم ما إذا كان أي منها يتم حالياً. وليس لأي منها سجل حفري جيد». على النقيض من ذلك، تنوعات الميكرو تطور الناتجة عن الطفرات والانتخاب الطبيعي كانت وما زالت قابلة للملاحظة.
وأي شخص ذكي ينظر من الخارج لهذه القضية يرى فيها صعوبة كبرى. ويعبر عنها “إيه. بي. هندري” A. P. Hendry وكذلك “إم. تي. كينيسون” M. T. Kinnison كما يلي: «غالباً ما يقسم التطور إلى فئتين: الميكرو تطور والماكرو تطور. وواضح أن الأول يعني قدراً صغيراً من التغيير والأخير يعني قدراً كبيراً. وتكمن الصعوبة في تحديد الفاصل بين الإثنين، وما إذا كانا يمثلان العمليات نفسها (باختلاف الإطار الزمني الذي يعمل فيه كل منهما)، وما إذا كان الفصل مفيداً أو سليماً في الأساس… هل أحداث الماكرو تطور (التغيرات التركيبية الكبرى أو نشوء أنواع بيولوجية جديدة) مجرد نتاج تراكمي لآليات الميكرو تطور (الطفرة الصغيرة Micro mutation، الانتخاب، تدفع الجينات Gene flow، الانحراف الجيني) أم أن الماكرو تطور يتطلب آلية مختلفة نوعياً؟ وتاريخ هذا النقاش طويل ومعقد وأحياناً ما يثير غضب الأطراف بعضهم نحو بعض».
ومن المشكلات الواضحة هنا أن استنتاج ما هو غير قابل للملاحظة مما هو قابل للملاحظة محفوف بالمخاطر. ولذلك، يقول “س. ف. جيبرت” S. F. Gibbert وأيضاً “ج. م. أوبيتس” J. M. Opitz وكذلك “ر. أ. راف” R. A. Raff إن «الميكرو تطور يعنى بعمليات التكيف التي تختص فقط ببقاء الأصلح، وليس بقدوم الأصلح. كما يشير “جودوين” Goodwin (1995) قائلاً: «أصل الأنواع الذي هو مشكلة داروين، لم تحل حتى الآن». وكأنه يردد حكم عالم الوراثة “ريتشارد جولدشميت” Richard Goldschmidt: «الحقائق المختصة بالميكرو تطور لا تكفي لفهم الماكرو تطور». بل إن “جون مينارد سميث” John Maynard Smith ومعه “إي. ساتماري” E. Szathmary، وكلاهما دارويني أصيل يتخذان منحى مشابهاً: «ما من سبب نظري يسمح لنا أن نتوقع أن مسارات التطور ستزداد تعقيداً بمرور الزمن، وما من دليل تجريبي أيضاً على حدوث هذا الأمر.»
ويرجح “سيجفريد شيرر” Siegfried Scherer من “الجامعة التقنية” Technical University في ميونخ أنه يمكن تصنيف الكائنات الحية إلى أصناف أساسية Basic types معينة، وهو تصنيف أوسع قليلاً من تصنيف الأنواع البيولوجية Species. وتعريف “الصنف الأساسي” هو: مجموعة من الكائنات الحية المتصلة على نحو مباشر أو غير مباشر بالتزاوج مع أفراد من نوع مختلف، بصرف النظر عما إذا كان النسل الهجين عقيماً أم لا. وهذا التعريف يجمع بين المفاهيم الوراثية والتركيبية للنوع البيولوجي. ويرى “شير” أن الأبحاث حتى الآن تبين أنه «من المؤكد أن كل التنوعات الوراثية بقيت محصورة داخل حدود الأصناف الأساسية، وذلك بناء على عالم الميكرو تطور كله الخاضع للتجريب (بما في ذلك أبحاث التهجين الصناعي وتكوين الأنواع).»
وتؤكد هذه التعليقات رأي عالم الأحياء والفيلسوف “بول إريريش” Paul Erbrich: «آلية الطفرة – الانتقاء Mutation–Selection عبارة عن آلية لتحقيق الصورة المثلى Optimization.» أي أنها تمكن نظاماً حياً موجوداً أصلاً من أن يتكيف انتقائياً مع الظروف البيئية المتغيرة كما تعمل الخوارزميات الجينية على تحقيق الصورة المثلى في الهندسة. ولكنها لا تخلق شيئاً جديداً.
ومن علماء الأحياء البارزين الذين قادتهم أبحاثهم إلى الاقتناع بمحدودية الطفرة والانتخاب الطبيعي، ومن ثم إلى رفض الداروينية الحديثة هو “بيير جراسيه” Pierre Grasse بجامعة السوربون في باريس وقد كان رئيس “الأكاديمية الفرنسية” Academie Francaise ومحرر المرجع المكون من 28 جزءًا بعنوان “شرح متعمق لعلم الحيوان” Traite de Zoologie، وهو من المراجع الموثوقة. وقد عبر عالم الوراثة العظيم “ثيودوشس دويجانسكي” Theodosius Dobzhansky عن احترامه الشديد لرأي “جراسيه”: «يمكن للمرء أن يختلف مع “جراسيه”، ولكن لا يمكنه أن يتجاهله… فمعرفته بعالم الكائنات الحية معرفة موسوعية». وقد وصف كتاب “جراسيه” «تطور الكائنات الحية» L’evolution du vivant بأنه «ضربة قاصمة لكل أنواع الداروينية. وغرضه «تدمير أسطورة التطور باعتباره ظاهرة بسيطة مفهومة محددة» وإثبات أن التطور سر غامض لا يمكننا أن نعرف عنه إلا القليل». وأشار “جراسيه” في كتابه أن ذبابة الفاكهة تبقى ذبابة فاكهة رغم آلاف الأجيال التي تكاثرت منها وكل الطفرات التي دخلت عليها. فالحقيقة أن القدرة على التنوع في تجميعة الجينات Gene Pool تنضب في مرحلة مبكرة جداً من العملية، وهي ظاهرة يطلق عليها الاستتباب الوراثي GeneticHomeostasis. ويبدو أن هناك حاجزاً لا يستطيع التكاثر الانتقائي أن يتجاوزه إما لحدوث العقم أو لنفاذ القدرة على التنوع الجيني. فإن كان أمهر خبراء التكاثر لا يمكنهم إلا إنتاج قدر محدود من التنوع، فهذا يعني أن ما ينتجه الانتخاب الطبيعي أقل بكثير. ولذلك، بين أن الميكرو تطور لا يمكن أن يحمل العبء الذي غالباً ما يلقى على عاتقه.
والأبحاث التي أجريت مؤخراً على بكتيريا الإشريكيا القولونية E. Coli تؤيد هذا الموقف، حيث لم تلاحظ أي تغيرات جديدة حقيقة على مدى 25000 جيل في بكتيريا الإشريكيا. ويوضح عالم الكيمياء الحيوية “مايكل بيهي” أنه حتى الآن خضع أكثر من 30000 جيل من بكتيريا الإشريكيا للدراسة وهو ما يعادل نحو مليون سنة بشرية، والنتيجة النهائية تبين أن التطور أنتج «في الغالب تدهوراً. ورغم أن بعض التفاصيل الهامشية لبعض النظم تغيرت على مدار الثلاثين ألف جيل، فالبكتيريا تخلصت من كميات من إرثها الجيني، بما فيه القدرة على صنع بعض العناصر الأساسية في الحمض النووي الريبوزي RNA. ويبدو أن التخلص من آلة جزيئية معقدة ولكنها مكلفة يوفر طاقة البكتيريا. أنا لم أر شيئاً بهذه العظمة. والدرس الذي نتعلمه من الإشريكيا القولونية أن الأسهل على التطور أن يكسر الأشياء لا أن يصنعها».
وهذه الملاحظة التي تتفق تماماً مع الخلاصات التي نستنتجها من حسابات “هويل” الرياضية تمثل أحد الأدلة التي يقدمها “بيهي” لإثبات أن الدراسات البيولوجية تبين أن التطور له “حدود” أي أن قدرة الانتخاب الطبيعية والطفرة قدرة محدودة. وهو يرى أن الأجدر بالعلماء أن يؤكدوا تلك الحدود طالما أن الأساس الجيني للطفرة مفهوم. وهو يطبق تلك المعرفة على حالة معينة كانت موضع دراسة عميقة، ويكتب قائلاً: «إن أفضل اختبار على الإطلاق للنظرية الداوينية هو تاريخ الملاريا وذلك بفضل ضخامة عدد أفرادها. وسرعة تكاثرها، ومعرفتنا بجيناتها.» يوضح “بيهي” أن مئات الطفرات المختلفة التي تزود الإنسان بشيء من المقاومة ضد الملاريا حدثت في الجينوم البشري وانتشرت بين أفراد جنسنا بالانتخاب الطبيعي. وهو يذكر أن هذه الطفرات حظيت بما تستحق من القبول بصفتها من أفضل الأمثلة على التطور الدارويني، إلا أن الأدلة تبين أيضاً وجود «حدود جذرية لفاعلية الطفرة العشوائية». وقد أسفرت هذه الدراسات عن نتائج غير متوقعة:
1 – العمليات الداروينية غير متسقة ومقيدة للغاية.
2 – الصراع بين المفترس والفريسة (أو الطفيل والعائل) الذي غالباً ما صوره الكتاب الداروينين على أنه دورة من سباق التسلح المنتج الذي يسفر عن تطورات على كلا الجانبين، هو في الواقع دورة مدمرة أشبه بحرب الخنادق حيث تتدهور الظروف…
3 – الطفرة العشوائية العمياء كالمخمور الذي يسير مترنحاً وعيناه معصوبتان فيسقط بعد خطوة أو اثنتين، فأغلب الظن أن الطفرة العشوائية تتعثر وتسقط قبل أن تتمكن من قطع المسافة المطلوبة لتحقيق التطور.
4 – البيانات المتعلقة بطفيليات الملاريا التي لا حصر لها تتيح لنا أن نقدر تقريبياً، ولكن يقينياً، حدود التطور الداوريني لكل الأحياء على وجه الأرض على مر مليارات السنين الماضية».
لقد تمكنت الملاريا من بناء مقاومة لعقار الكلوروكوين Chloroquine عن طريق طفرة اشتملت على تحول حمضين أمينيين. واحتمالات عدم حدوث ذلك تعادل حوالي واحد إلى مائة مليار مليار مليار (واحد إلى 2010، ولكنه حدث بسبب وجود عدد ضخم من الخلايا الطفيلية في جسم الشخص المصاب (حوالي تريليون) وحوالي مليار شخص مصاب في العالم كل عام. ويطلق “بيهي” على الطفرات العنقودية Mutation Clusters التي تبلغ هذه الدرجة من التعقيد المجموعات العنقودية بدرجة تعقيد الكلوروكين CCC-clusters (chloroquine–complexity clusters). وقد توصل بحساباته إلى أنه علينا أن ننتظر مئة مليون سنة مضروبة في عشرة ملايين سنة، أي أكثر من عمر الكون بمئات الآلاف من السنين، إلى أن يحدث هذا النوع من الطفرة في الجنس البشري الذي يقل إجمالي عدده عن عدد الملاريا بكثير.
ويستنتج أنه لا يمكن أن نتوقع حدوث CCC مزدوج. (أي طفرة عنقودية تبلغ درجة تعقيدها ضعف تعقيد طفرة CCC العنقودية) نتيجة لعملية داروينية في أي مرحلة من تاريخ الحياة على الأرض. فإن وجدنا بالفعل خصائص للحياة تتطلب طفرة عنقودية بضعف تعقيد طفرة CCC أو أكثر، يمكننا أن نستدل أن هذه الخصائص لم تنشأ نتيجة عملية داروينية.» ثم يستطرد قائلاً: «إن الحياة تعج بمثل هذه الخصائص» مدللاً على ذلك بواحد من أمثلته المبهرة، ألا وهو أنظمة التحكم المذهلة، أو شبكات التنظيم الجينية Genetic Regulatory Networks التي تقوم بدور في تكوين أجسام الحيوانات.
ويلفت النظر إلى مشابهة طريقة إذ يقول «كما افترضت فيزياء القرن التاسع عشر أن الضوء ينتقل عبر الأثير، هكذا يفترض علم الأحياء الدارويني الحديث أن الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي مسؤولان عن تكوين الآلة المعقدة للخلية. ولكن للأسف، العجز عن اختبار النظرة حال دون تقييمها بشكل نقدي وأطلق العنان للتخمينات. إلا أنه في الخمسين سنة الأخيرة فقط أجرت الطبيعة نفسها بلا هوادة المعادل البيولوجي للتجربة المعروفة باسم “تجربة مايكلسون ومورلي” Michelson-Morley experiment. سمها تجربة M-H (الملاريا – فيروس نقص المناعة البشرية malaria-HIV). لقد جابت هذه التجربة أنحاء الكوكب بقوة تعادل قوة معاملنا الفقيرة مليار مرة بحثاً عن قدرة الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي على بناء آلة بيولوجية متسقة ولم تجد على الإطلاق. وهو ما لم نكن نتمنى أن تؤول إليه النظرية.
«فلماذا لا يوجد أثر لصانع الساعات الأعمى الضعيف؟ أبسط تفسير صانع الساعات الأعمى غير موجود، كالأثير».
ماذا يقول علماء الرياضيات؟
ازداد اهتمام علماء الرياضيات بعلم الأحياء، خاصة منذ ثورة علم الأحياء الجزيئي. وأصبح علم الأحياء الرياضي أحد العلوم التي تشهد نمواً سريعاً. ومن أولى المحاولات المهمة في هذا المضمار مناظرة رفيعة المستوى بين مجموعة من أبرز علماء الأحياء وعلماء الرياضيات المهتمين بعلم الأحياء. وقد تمت في “معهد ويستار” Wistar Institute في مدينة فيلادلفيا سنة 1966. وكانت محاولة عالم الرياضيات “ستانلي أولام” Stanley Ulam أن يعبر كمياً عن احتمالات إمكانية حدوث التطور التدريجي عن طريق تراكم الطفرات الصغيرة سبباً في استثارة حوار شيق بينه وبين عالمي الأحياء السير “بيتر مداوار” ورئيس المؤتمر “س. هـ. وادينجتون” C. H. Waddington. وكانت حجة “أولام” بناء على حساباته الرياضية أن احتمال تطور العين بواسطة عدد كبير جداً من التغيرات الطفرية الصغيرة هو احتمال مستبعد لأن الوقت المتاح غير متاح. فأجاب السير “بيتر مداوار” قائلاً: «أظن أن طريقتك في التعامل مع الموضوع هي عملية عكسية تثير اندهاشي حيث إنها تسير عكس عملية التفكير العلمي الطبيعية. فتطور العين هو حقيقة لا محالة، وتبين كما يقول “وادينجتون” أن هذه الصيغة [صيغة أولام] على ما أظن خاطئة.» ثم علق عالم الأحياء “إرنست ماير” Ernst Mayr قائلاً: «كل ما أقصده أن لدينا كمية كبيرة جداً من التنوع في كل هذه الأشياء حتى إننا إذا عدنا هذه الأرقام بشكل أو بآخر ستثبت صحة نظريتنا. وإننا لنشعر بارتياح لفكرة التطور».
يا له من حوار مذهل وكاشف. فبالتأكيد أنها «عملية عكسية تثير اندهاشي» تسير عكس العملية العلمية الطبيعية من حيث إنك تفترض مسبقاً أن ما تريد أن تثبت صحته هو صحيح من الأصل، وعلى أساس هذا الافتراض تكذب الأدلة المضادة له. وقد أظهر هذا الحوار أن علماء الأحياء في المؤتمر لم يحاولوا، بناء على الأدلة الرياضية، حتى أن يفكروا في احتمالية وجود أخطاء في افتراضاتهم التطورية.
ولكن حسابات “أولام” حظيت بتأييد “مارسيل – بول شوتسنبرجر” Marcel-PaulSchutzenberger أستاذ الرياضيات الفرنسي وعضو “أكاديمية العلوم الفرنسية” French Academy of Sciences. وقد اعترض على ما اعتبره قبولاً سهلاً جداً للتطور من جانب علماء الأحياء، حتى وإن “وادينجتون” تحداه قائلاً: «إن حجتك باختصار هي أن الحياة وجدت بالخلق الخاص»، وهو ما صاح ضده “شوتسنبرجر” وعدد من العلماء بالإجابة: “لا”. ويتضح من هذا الحوار أمران: أولاً، أن الرياضيين كانوا مصرين أن الدافع الوحيد وراء تفكيرهم هو العلم وليس أي شيء آخر. ثانياً، أن الحجج التي عرضوها تتفق مع الإيمان بوجود خالق، على الأقل حسب اعتقاد زملائهم بالبيولوجيين.
وقد أجرى عالم الرياضيات والفيزياء السير “فرد هويل” بعض الحسابات التي أدت به أيضاً إلى الشك في صحة تطبيق القواعد المختصة بالميكرو تطور على الماكرو تطور وخلص إلى أنه: «رغم أنه اتضح أن النظرية الداروينية لا يمكن أن تكون صحيحة في أهم جوانبها، ما زلت أرى صعوبة في قبول أن النظرية كلها خاطئة. فعندما تقوم الأفكار على ملاحظات، كما هو الحال في النظرية الداورينية، عادة ما تكون معقولة ومقبولة على الأقل في حدود الملاحظات. ولكن المشكلة تحدث عندما نتوصل إلى استنتاجات خارج إطار الملاحظات. ولذلك، فالقضية التي تطرح نفسها هنا هي تحديد مدى إمكانية قبول النظرية والسبب الذي أدى لعدم مقبوليتها عندما تجاوزت نقطة معينة».
والخلاصة التي توصل إليها “فرد هويل” من محاجاته الرياضية قاطعة بشكل لافت للنظر: «إذن الحكم المنطقي السليم يرجح أن النظرية الداورينية صحيحة في صورتها الصغيرة لا في صورتها الكبيرة. أي أن الأرانب تنشأ من أرانب أخرى تختلف عنها اختلافاً ضئيلاً، لا من حساء [أساسي] ولا من البطاطس. أما منشأ هذه الأشياء أصلاً فهو مشكلة لا بد من حلها أولاً مثل الكثير من المشكلات الضخمة».
وهكذا يكون “هويل” قد رفض الزعم الثاني لأنه لا يؤمن أن التطور يفسر وجود كل ما في الحياة من تعقيد.
سجل الحفريات:
تؤكد تعليقات “وسون” وغيره الفكرة القائلة بأن الميكرو تطور يعمل على نطاق محدود لدرجة أن سجل الحفريات لا يزودنا بأي نماذج قيمة للماكرو تطور. وهو ما يعد مدهشاً للكثيرين نظراً للانطباع السائد بين العامة أن سجل الحفريات من أقوى الأدلة على التطور. إلا أن هذا الانطباع لا يتفق مع كل ما تطالعنا به الكتابات العلمية. والحقيقة أنه من بادئ الأمر كان علماء الحفريات من أقوى معارضي داروين. وهو يشرح لنا بنفسه السبب وراء هذه المعارضة العنيفة، ألا وهو أن سجل الحفريات لا يحتوي على الأشكال الانتقالية التي قادته نظريته إلى توقعها. فقد كتب في “أصل الأنواع”: «عدد التنوعات المتوسطة Intermediate Varieties التي وجدت سابقاً على الأرض [يجب] فعلياً أن يكون عدداً يفوق الحصر. فلماذا لا يزخر كل تكوين جيولوجي وكل طبقة جيولوجية بمثل هذه الحلقات المتوسطة؟ مؤكد أن الجيولوجيا لا تكشف عن أي سلسلة عضوية متدرجة. يبدو أن هذا هو أوضح وأخطر الاعتراضات التي يمكن أن تثار ضد نظريتي». ويعلق عالم الحيوان “مارك ريدلي” Mark Ridley على هذا الموقف قائلاً: «إن سجل الحفريات الخاص بالتغير التطوري عبر أي سلسلة تطورية فقير للغاية. وإن كان التطور صحيحاً وإن كانت الأنواع تنشأ عن طريق تغيرات في أنواع أقدم، يجب أن نرى هذا في سجل الحفريات. ولكننا في الحقيقة نادراً ما نراه. وفي سنة 1859 لم يتمكن داروين من إيجاد نموذج واحد لذلك».
فما هي ثمرة هذا النشاط الدؤوب بعد قرابة قرن ونصف منذ عصر داروين؟ عالم الحفريات “دافيد روب” David Raup في “متحف فيلد للتاريخ الطبيعي” Field Museum of Natural History الذي يضم واحدة من أكبر المجموعات الحفرية في العالم يقول: «لقد مرة على داروين نحو 120 سنة ومعرفتنا بسجل الحفريات ازدادت بشكل ملحوظ. فنحن لدينا الآن ربع مليون من الأنواع البيولوجية المتحجرة في سجل الحفريات، ولكن الوضع لم يتغير كثيراً. أي أن سجل التطور ما زال متقطعاً على نحو مدهش، بل إن المضحك أن ما يتوافر لدينا الآن من نماذج للأشكال الانتقالية أقل مما وجد أيام داروين.»
وقد قال “ستيفن جاي جولد”: «ما زالت الأشكال الانتقالية في سجل الحفريات في منتهى الندرة، وكأنها ستظل دائماً سر المهنة في علم الحفريات». وقد أضاف نظيره “نايلز إلدردج” Niles Eldredge عالم الحفريات في “المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي” AmericanMuseum of Natural History: «عندما نرى بدايات عملية تطور جديدة، عادة ما يظهر فجأة، وغالباً دون دليل قوي على أن الحفريات لم تتطور في مكان آخر. والتطور لا يمكن أن يستمر إلى الأبد في مكان آخر. ولكن هذا هو ما صدم الكثير من علماء الحفريات في محاولاتهم اليائسة أن يعرفوا عن التطور من سجل الحفريات.»
والحقيقة أن “إلدردج” يعترف اعترافاً مذهلاً: «نحن علماء الحفريات قلنا إن تاريخ الحياة يؤيد [قصة التغير التكيفي التدريجي] رغم أننا كنا نعرف دائماً أنه لا يؤيدها.» فلماذا؟ ما السبب الذي يبرر لأعضاء مجتمع أكاديمي كتمان الحقيقة التي يعرفونها إلا إذا كانت تؤيد منظوراً فلسفياً قرروا من الأصل أن يرفضوه؟»
عما يكشف سجل الحفريات إذن؟ لقد كتب “جولد”: «يتميز تاريخ معظم الأنواع البيولوجية المتحجرة بخاصتين تتعارضان بشكل خاص مع فكرة التطور التدريجي لهذه الأنواع:
1 – السكون Stasis: معظم الأنواع البيولوجية لا يحدث فيها تغير يسير في اتجاه معين أثناء وجودها على الأرض. ويظل شكلها كما هو تقريباً منذ أن يظهر في سجل الحفريات وحتى تختفي، أي أن التغير التركيبي عادة ما يكون محدوداً ولا يسير في اتجاه محدد.
2 – الظهور المفاجئ Sudden Appearance: في أي منطقة لا ينشأ النوع البيولوجي تدريجياً بحدوث تغير مطرد في أسلافه، ولكنه يظهر بغتة ويكون “مكتمل التكوين”.
وعندما لاحظ “جولد” وكذلك “إلدردج” من قراءة سجل الحفريات فترات قصية من التغير السريع تتبعها فترات طويلة من السكون، قادهما ذلك لوضع نظرية “التوازن المتقطع” Punctuated Equilibrium في محاولة لتفسير هذا النمط. وتتلخص النظرية في أن فترات السكون الطويلة تقطعها “قفزات” كبيرة مفاجئة ونادرة من الماكرو تطور. ويقدم “جولد” مثالاً مدهشاً لهذه القفزات في كتابه الأكثر مبيعاً “الحياة العجيبة” Wonderful Life حيث يشرح أن كل الشعب (المستويات التصنيفية وفقاً لعلم الأحياء) الكبرى الموجودة اليوم بالإضافة إلى الكثير غيرها مما تعرض للانقراض ظهرت على نحو مباغت جداً فيما يعرف باسم “الانفجار الكامبري” Cambrian Explosion. وطبعاً السؤال عن مسبب هذه “القفزات” المفاجئة قصة أخرى وتزيد من المعضلات التي يواجهها من يتمنون أن يثبتوا أن عمليات الميكرو تطور وسيلة كافية للتطور على نطاق كبير.
ومما يلفت الانتباه وقد يدعو للسخرية نوعاً ما أن المفكرين الماركسيين تبنوا نظرية التوازن المتقطع قبل أن يكون لها أي أساس في علم الأحياء بزمن طويل لأنها تبدو متناسبة مع أسلوب تفكريهم الديالكتيكي. (ويقصد بهذا الأسلوب إنه عدم اصطدام أطروحة Thesis بأطروحة مضادة Antithesis فالأطروحة المركبة Synthesis الجديدة الناتجة عن هذا الصدام تحدث بسرعة على هيئة قفزة لا على هيئة عملية طويلة تدريجية. وهو ما يعد مثالاً آخر على تأثير المنظورات الفلسفية والأيديولوجيات على العلم.)
أما “سيمون كونواي موريس” الأستاذ بجامعة كامبريدج وزميل الجمعية الملكية فهو أقل تشدداً من “جولد” في استخدام فكرة الانفجار الكامبري في منهجه، ولكنه رغم ذلك يعتقد أن هذا الانفجار حدث بالفعل: «يمكننا أن نلاحظ اليوم الأشكال الانتقالية بين الأنواع البيولوجية، ويمكننا الاستدلال على وجودها في الماضي. إلا أن النتيجة النهائية أبعد ما تكون عن لوحة على نسيج متصل بلا فواصل تتيح للباحث أن يقرأ “شجرة الحياة”[5]Tree of Life ببساطة عن طريق العثور على الأشكال المتوسطة، سواء الحية منها أو المنقرضة، التي يفترض أنها تربط بين كافة الأنواع البيولوجية. بل على العكس، فمايز الأشكال العضوية بعضها عن بعض وغياب الأشكال المتوسطة بوجه عام يبهر علماء الأحياء».
ونظرية التوازن المتقطع تتناقض كلية مع المنهج التدرجي الذي يتبعه “الداروينيون المتشددون” Utlra-Darwinians مثل “جون مينارد سميث”، و”ريتشارد دوكينز”، و”دانيل دنت”. وقد كان السجال بين الفريقين ضارباً في بعض الأحيان، فالتدرجيون كما رأينا يؤمنون أن الميكرو تطرو بصبح مع الوقت ماكرو تطور. ومن ثم فهم يعتقدون أن التراكم البطيء للخطوات التطورية متناهية في الصغر على مدار الأزمنة الجيولوجية Aeons يمكن أن يكون خطوة كبيرة جديدة. وعالم الحفريات “نايلز إلدردج” يتهمهم بضعف معرفتهم في علم الحفريات. وحجته في ذلك أن التدرجيين مهتمون بفهم كيفية تغير المعلومات الوراثية عبر الزمن، ثم يؤكدون ببساطة أن «التاريخ التطوري نتاج عمل الانتخاب الطبيعي في التنوع الوراثي المتاح». أي أنهم يستنتجون ببساطة ما حدث عبر الزمن الجيولوجي الماضي مما يلاحظونه في الحاضر. ويستطرد “إلدردج” قائلاً: «وهذا في نظري، بصفتي عالم حفريات، أسلوب غير ناجح. فلا يصح التوصل ببساطة إلى استنتاجات عن حالة معينة بناء على معلومات معروفة مسبقاً عن حالة أخرى. وهو ما اكتشفه في ستينات القرن العشرين عندما حاولت عبثاً رصد أمثلة للتغير البطيء الذي يسير في اتجاه محدد الذي اعتقدنا به جميعاً منذ أخبرنا داروين أن الانتخاب الطبيعي يجب أن يترك هذه العلامة الواضحة الكاشفة على وجه التحديد… ولكن ما اكتشفه أنه عندما تظهر الأنواع البيولوجية في سجل الحفريات غالباً ما لا يطرأ عليها تغير يذكر. فالواقع أن الأنواع تظل حتى النهاية تقاوم التغير في سكون وثبات، وغالباً ما يستمر ذلك ملايين السنين.»
ويؤيد “كولن باترسون” زميل الجمعية الملكية هذا الحكم اللافت للنظر من حيث إنه يتناقض مع الفهم الشائع عن الحفريات: «أتجاسر وأؤكد عدم وجود مثل هذه الحفرية [حفرية تعبر سلفاً للأنواع أو نوعاً انتقالياً] يمكنني أن أبني عليها حجة محكمة». والمدهش أن “باترسون” صرح بذلك في سياق حديثه عن طائر الأركيوبتريكس Archaeopteryx الذي كانت بقاياه المتحجرة في عهدة “باترسون” في متحف التاريخ الطبيعي والتي غالباً ما يستشهد بها باعتبارها نوعاً انتقالياً بين الزواحف والطيور. وهذا هو أحد الأسباب التي تبين أهمية التمييز بين مفهومي الأشكال المتوسطة Intermediate والأشكال الانتقالية Transitional. فالشكل المتوسط هو تحديداً شكل يمكن وضعه “بين” بندين: البند (أ)، والبند (ب) من التصنيف نفسه، وفقاً لمعايير نمط معين في التصنيف، دون أن يعني ذلك أنه انحدر من (أ) وأنه سبق (ب). ولا يصبح الشكل المتوسط انتقالياً إلا إذا ثبت أنه انحدر من (أ) وأنه سلف (ب). وإثبات هذه العلاقات يتطلب طبعاً إثبات آلية معينة ضرورية لحدوث هذه العملية.
والآن كثيراً ما نقرأ أن سجل الحفريات قد يكون غير مكتمل، وخاصة لأن أعضاء الجسم الطرية لا تتحجر بسهولة لأسباب مفهومة. إلا أن علماء الحفريات على وعي تام بهذه الحقيقة، ولكنهم مع ذلك يعتقدون أن نقص سجل الحفريات لا يمكن أن يكون هو القصة الكاملة. فمثلاً “جيمز فالنتاين” James Valentine يكتب في دراسة مهمة بعنوان “في أصل الشُعب البيولوجية” On the Origin of Phyla: «الكثير من الفروع [في “شجرة الحياة”]، الكبير منها والصغير، مجهول الأصل (لا يمكن معرفة أسلافه). والمؤكد أن بعض هذه الفجوات نتجت عن نقص سجل الحفريات (الفصل الخامس)، إلا أنه ليس السبب الوحيد لعدم معرفتنا بأصل بعض الفصائل، والكثير من رُتب اللافقاريات، وكل طوائف اللافقاريات، وكل الشُعب الحيوانية.»
ويجب أن نشير أيضاً في هذا الصدد إلى أنه بالرغم من أن أعضاء الجسم الطرية نادراً ما تحفظ في سجل الحفريات، فقد ظهرت اكتشافات حديثة مذهلة تبين وجود أجنة الإسفنج في السجل في العصر ما قبل الكامبري Percambrian بالقرب من “تشنجيان” في الصين. ويرى عالم أحياء الحفريات البحرية “بول شين” Paul Chien وزملاؤه أن وجود هذه الأجنة يخلق مشكلة حقيقية: إن كانت طبقات ما قبل الكامبري قادرة على الاحتفاظ بأجنة طرية لبعض الكائنات، فلماذا لا تحتوي أيضاً على دلائل على حيوانات العصر الكامبري؟ فإن احتفظ السجل بأجنة رخوة، ألا يجب بالأحرى أن يحتفظ بحيوان كامل النضج؟
وبالطبع تجدر الإشارة أيضاً إلى أن تفسير سجل الحفريات يزداد تعقيداً بسبب الاعتبارات الوراثية. وحالياً تجرى دراسات مكثفة على الارتباط بين الجينات والتركيب Morphology (وخاصة الجينات الناحتة Hox genes) ويرجح البعض مثل “سيمون كونواي موريس” أنه بمجرد أن تظهر في حيز الوجود الحيوانات التي تتميز بدرجة كبيرة من التعقيد، عندئذ قد تستثير التغيرات الوراثية الصغيرة نسبياً تغيرات تركيبية كبيرة نوعاً ما. ولكنه مع ذلك يحذر قائلاً: «رغم أن القليلين يشكون أن الجينات تتسبب في تكوين الشكل، فنحن حالياً نكاد نجهل كيفية نشوء الشكل فعلياً في الشفرة الجينية». وهذه الملاحظات تؤكد أهمية مسألة أصل الشفرة الجينية نفسها في المناقشة بأكملها، وهو ما سنخصص له الفصل الثامن.
ولكن ماذا يستفيد غير المتخصصين من سجل الحفريات؟ مؤكد أنه ما دام عدد من المفكرين العظماء كالذين استشهدنا بهم يعبرون على الملأ عن شكوكهم في النواحي التأسيسية للنظرية، وخاصة فيما يتعلق بتطبيق قواعد الحاضر على الماضي، فهذا يبين على الأقل أن الحفريات لا تدعم النظرية الداروينية الحديثة على مستوى الماكرو تطور الذي غالباً ما يزعمه أنصار النظرية.
وبالتالي من المؤكد أنه يتضح من المناقشة السابقة أن أقل ما يقال عن الماكرو تطور إنه لا يمكن أن يوضع في الفئة التي يدعيها له “ليونتن”، وكذلك “دنت” وغيرهما. ولدينا الآن سببان مهمان يؤكدان أن الماكرو تطور لا يمكن أن يوضع في نفس مستوى دوران الأرض حول الشمس. السبب الأول أن الزعم القائل بدوران الأرض حول الشمس هو أمر ثبت بالملاحظة. وواضح أن هذا لا ينطبق على زعم “ليونتن” بأن «الطيور نشأت من “اللاطيور”» (أياً كانت الأخيرة). فهذه العملية لم تخضع للملاحظة مطلقاً. والسبب الثاني أن حقيقة دوران الأرض حول الشمس ليست مسألة ملاحظة فحسب، ولكنها أيضاً مسألة ملاحظة متكررة. ولكن زعم “ليونتن” عن أصل الطيور يرتبط بحدث ماض غير متكرر وغير قابل للملاحظة. ووضع ظاهرة غير قابلة للملاحظة أو التكرار في فئة الظواهر المتكررة والقابلة للملاحظة خطأ مشين حتى إن المرء لا يسعه إلا أن يستنتج أن خوف ليونتن من وجود بصمات إلهية، كما سبقت الإشارة، يلعب دوراً محورياً، وأن حكمه المادي المسبق يطغى على الحس (العلمي) السليم.
القرابة الوراثية: اعتراض مهول؟
بوصولنا لهذه المرحلة، إن لم يكن قبلها، لابد أن البعض بدأوا يتهموننا بأنه فاتنا أن نأخذ في الحسبان أكبر وأوضح اعتراض على فكرة محدودية التطور الدارويني. ويقوم هذا الاعتراض على بعض الأساليب الحسابية المعقدة التي تستخدم لمقارنة بينة سلاسل الـ DNA في مجموعة من الكائنات. وقد كشفت هذه الحسابات عن تماثلات مذهلة بين المحتويات الجينية Genomes، مع امتدادات طويلة من الـ DNA في كائنات مختلفة تكاد تكون متماثلة. ويقال إن هذه الدراسة التي تسير بالاستقلال عن سجل الحفريات والتشريح المقارن تكشف دون شك علاقة القرابة الوراثية Genetic Relatedness الحميمة بين كافة الكائنات الحية، وتمكننا من وضع هذه الكائنات على شجرة أسلاف واحدة. ويقال إن هذا النصر الساحق الذي حققه علم الأحياء الجزيئي يشكل أعظم دليل على صحة التركيب الدارويني الحديث.
إلا أنه لو كان ما ناقشناه حتى الآن في هذا الفصل يحمل أي شيء من الصحة، فالتصريح الأخير يتجاوز الدليل بكثير. فالقول بالقرابة الوراثية يختلف تماماً عن القول بأن الطفرة والانتخاب الطبيعي هما الآليتان الوحيدتان المسؤولتان عن إنتاج تلك القرابة. فمثلاً “بيهي” لا يبدي أدنى اعتراض على الزعم الأول، إلا أن أبحاثه والحجج السابقة تبين أنه بما أن التطور محدود، إذن العوامل المسؤولة عن تكوين القرابة الوراثية أكثر بكثير من الانتخاب والطفرة. أي أن التركيب الدارويني الحديث لا يمكنه أن يتحمل كل العبء الوراثي الملقى على عاتقه. ولكن مطلوب ما هو أكثر من ذلك، وهذا الأكثر هو مدخلات من ذكاء مصمم.
ولكن قبل الاسترسال في تلك المسألة يجب إبداء بضع ملاحظات على القرابة الوراثية. فعالم الحيوان “مارك ريدلي” يلفت النظر لملحوظة مهمة بخصوص القرابة في المطلق، وهي ملحوظة مألوفة لعلماء الرياضيات: «إن المبدأ البسيط الخاص بإمكانية تصنيف الأنواع بشكل هرمية إلى أجناس، وفصائل، وهكذا، لا يعتبر حجة مؤيدة للتطور. فمن الممكن تصنيف أي مجموعة أشياء تصنيفاً هرمياُ، سواء أكان ما بينها من تنوع هو تنوع تطوري أو غير ذلك». فالسيارات مثلاً يمكن ترتبيها هرمياً. ولكن كل السيارات تتشابه في أجزاء معينة لأن تلك الأجزاء أساسية لعملها، ولأنها مركبة وفقاً لتصميم مشترك، لا لأنها انحدرت من بعضها البعض.
ومن هذا المنظور، يمكن إذن قراءة التشابهات بين سلاسل الـ DNA منطقياً باعتبارها دليلاً على تصميم مشترك. والسلف المشترك يمكن أن يكون مصمماً أيضاً، أي أن المفهومين لا يلغي أحدهما الآخر. ورغم اختلاف “فرانسيس كولينز” مع “بيهي” فيما يختص بحدود التطور، فهو يرجح أنه رغم أنه من منظورنا «يبدو أن التطور مدفوع بالصدفة، ولكن الناتج محدد بدقة من منظور الله». وكذلك “سيمون كونواي موريس” عالم أحياء الحفريات التطوري بجامعة كامبريدج غير راض عن اختزالية الداروينيين المتشددين الذين «بعد أن شيدوا نظاماً طبيعياً لا يمكنه أن يحوز في نفسه أي غرض نهائي، وما زالوا يسمحون لفكرة المعنى أن تسلل ثانية إلى منظومتهم». ويعتقد “كونواي موريس” بوجود نوع من التشابه بين علم الأحياء والضبط الدقيق في الفيزياء الذي ناقشناه في الفصل الرابع، ويستشهد بتأكيد “فان تيل” Van Till أن “الدقة المتناهية” اللازمة لنشأة الحياة لا تقتصر على القيم الرقمية لقياسات معنية، ولكن مشروع تكوين الكون بأكمله لا بد أن يكون “في منتهى الدقة”. ويخلص “كونواي موريس” إلى أنه «ليس الكون فقط هو ما يتلاءم مع غرض معين بشكل مدهش، ولكن أيضاً قدرة الحياة على الإبحار تجاه الحلول الصحيحة، كما بينت عبر صفحات هذا الكتاب». ومؤكد أن هذا الوصف لا ينطبق على صانع ساعات أعمى، بل على بحار حاد البصر.
ويعالج “كونواي موريس” في كتاب أحدث ظاهرة التقارب التطوري Evolutionary Convergence: «حقيقة إنه كلما ازدادت معرفتنا وخاصة في الكيمياء الحيوية ووظيفة البروتين، ازدادت دهشتي. فإن كان صانع الساعات أعمى، فلا شك أنه يملك طريقة دقيقة جداً تمكنه من معرفة الطريق وسط متاهة الفضاء البيولوجي الشاسعة. وحتى إن لم يكن يعلم وجهته، فهل من كائن آخر أعلى يعلم؟» ومن ثم يعبر “كونواي موريس” عن ذهوله قائلاً: «ودائماً ما يميلون في مفرداتهم إلى استخدام الصفات المبهمة: “مدهش”، “مذهل”، “مثير”، “لافت للنظر”»، أو حتى “غريب”، “محير”، وكلها تعبر عن ردود الأفعال المتداولة في لغة العاملين في هذا المضمار. وكما أشرت في موضع آخر، أنه رغم شيوع هذه التعبيرات بين الداروينيين المخلصين، يبدو أنها تنم على شعور بعدم الارتياح. وهو ما أظن أنه يعكس على أقل تقدير شعوراً بأن التطور قد يسير في اتجاه محدد، وربما أن أكثر ما يخيف الباحث اليقظ هو عودة الغاية telos للظهور.»
أما الظاهرة التي تنتج عن ذلك أن الأدلة تتزايد داخل إطار النموذج التطوري نفسه على أن «التطور قد يكون بالفعل أقل عشوائية بما لا يقاس مما يظن غالباً». علاوة على ذلك، إن كان للتطور حدود كما يرجح “بيهي” وغيره، فالأدلة تشير إلى أن البحار لا يسير بالصدفة فقط فحسب (ويجب أن أضيف أنه لا يسير بالانتخاب الطبيعي أيضاً.) ولكن لا بد من وجود مدخلات معلوماتية (ذكية) لا غنى عنها.
وعندما نرجح أن القرابة الوراثية تشتمل على مدخلات معلوماتية، فهل هذا يعني أننا نعود إلى إله الفجوات؟ من وجهة نظر علمية، بالطبع لا، إن كان هذا ما تقتضيه الأدلة. فضلاً عن ذلك، أظن أن تجربة فكرية بسيطة قد تلقي بعض الضوء على القضية. تخيل عالم أحياء جزيئية في أحد الكواكب النائية بعد خمسة ملايين سنة يحلل بينة الـ DNA لأنواع مختلفة من القمح من أوائل القرن الحادي والعشرين عثر عليها علماء الآثار في قطعة صخرية صغيرة تائهة في الفضاء. ولنفترض أيضاً أنه لا يعلم أنها قطعة من الكوكب المعروف باسم الأرض بعد أن تحكم باصطدامه مع نيزك منذ مليون سنة.
وقد أجرى العالم تحليلاً جزيئياً تبين منه أن الأنواع البيولوجية المختلفة تبدو متقاربة من حيث أنها متشابهة جداً في الـ DNA، أو بالأحرى متماثلة عبر امتدادات طويلة. ومن ثم، يرجع الاختلافات إلى الانتخاب الطبيعي والطفرة العشوائية رغم أن الاختلافات حتى هذه اللحظة لم تطابق أي نمط تفسيري مفهوم حتى الآن. وبعد فترة قصيرة يكتشف علماء آثار الفضاء نصاً على صخرة أخرى تائهة في الفضاء ويتمكنون أخيراً من ترجمة لغته البدائية القديمة (بالنسبة لهم)، ويقول النصل: «لقد غير “سميث” بينة القمح بهدف زيادة المحصول.» فيأتون بهذا النص بعد فك رموزه لعالم الأحياء الجزيئية ويقولون له: «يبدو أن ذلك يرجح أن إحدى عينتي القمح لم ينتج بعملية طبيعية غير موجهة ولكنها تشتمل على طفرات غير عشوائية، أي أن لها تصميماً مقصوداً.» فيقول العالم: «كلام فارغ. إنها أسطورة من أساطير إحدى الحضارات البدائية المجهولة. انظروا إلى لغتها البدائية مقارنة بعلمنا المتقدم. هذا ليس علماً حقيقياً. على أي حال، بحثي يسير في اتجاه مبشر جداً وأظن أننا سنتمكن قريباً من التأكد من أن الصدفة والضرورة يمكن أن تفسرا بسهولة ما نلاحظه. ولست مستعداً أن أعتقد في “سميث” “الفجوات” الذي يمكن أن يقضى على العلم.»
إلا أننا نحن الذين نعيش في القرن الحادي والعشرين نعلم أن هذا “السميث” موجود فعلياً. فالذكاء البشري أنتج محاصيل معدلة وراثياً.
وتكمن أهمية هذه التجربة الفكرية في أنه إن أمكن منطقياً تقديم حجة تؤيد أن الصدفة والضرورة فقط هما السبب في إنتاج سلالة القمح الثانية، فالذكاء أيضاً لعب دوراً. أي أنه لا يمكننا حتى أن نستبعد تدخل ذكاء خارجي على ذلك المستوى.
وبالطبع إن أردنا أن ندخل ذكاءً فائقاً للطبيعة في العملية، علينا أن نجد مزيداً من الأدلة، مثل الأدلة المختصة بحدود التطور، بل الأهم منها الأدلة المتعلقة بأصل الحياة نفسها كما سنرى في الفصل التالي.
والمؤكد أننا لا بد أن نتوقع وجود تشابهات وراثية وتركيبية أياً كانت الفرضية التي نتبناها، سواء أكانت التصميم، أو السلف المشترك، أو مزيجاً منهما. ويقول “ستيفن ماير” Stephen Meyer إن فرضية السلف المشترك تساوي من الناحية المنهجية فرضية التصميم المشترك بحث إن وصف إحداهما بالعلمية أو اللاعلمية ينطبق بالتساوي على الأخرى. فمثلاً افتراض وجود مصمم غير مرئي ليس أقل علمية من افتراض وجود خطوات غير مرئية من الماكرو تطور. ومن الواضح جداً أن فكرة “تطور الفجوات” Evolution of the gaps لا تقل انتشاراً عن فكرة “إله الفجوات”.
وينهي “بيهي” دراسته المسحية للتفسيرات المتنوعة المطروحة لما نراه في الحياة من تعقيدات وفيرة قائلاً: «أستخلص أن احتمالاً آخر هو الأرجح: الأنظمة الدقيقة المتسقة الناجحة التي تعتمد عليها الحياة هي نتاج تصميم ذكي مقصود». ومنطقه أبعد ما يكون عن منطق “إله الفجوات”. فالحجة التي يطرحها هي أن تأثير الانتخاب الطبيعي على الطفرة العشوائية، حتى وإن كان مسؤولاً عن “تنويعات وراثية بسيطة في اللحن الأصلي» الموجود في العالم الحي[6]، إلا أنه لا يستطيع أن يفسر ما يظهر من أشكال وراثية جديدة أصيلة لا حصر لها لأنها تقع خارج حدود تلك التنويعات المرئية، في حين أن الذكاء هو الذي يستطيع تفسيره. وهي حجة تقوم على فهم علم الأحياء الجزيئي المعقد الذي يلعب دوراً في هذا المجال وليس على الجهل به.
ومن اللافت للنظر أن الملحد البارز “توماس ناجل” منبهر بهذه الحجج. فهو يشير إلى أن علماء الأحياء التطوريين دائماً ما يقولون إنهم واثقون أن الطفرات العشوائية كافية لتفسير النظم الكيميائية المعقدة التي نلاحظها في الكائنات الحية، إلا أنه يشعر أن حججهم يغلب عليها أسلوب بلاغي محض ويرى أن الأدلة لا تكفي لاستبعاد مدخلات الذكاء.
وكما ذكرت بعض علماء الأحياء البارزين الآن مثل “فرانسيس كولينز” وكذلك “سيمون كونواي موريس” يختلفون مع “بيهي” في مسألة حدود التطور. إلا أن هذا لا يعني أن هؤلاء العلماء يقبلون القصة التي تقترحها الفلسفة الطبيعية قبولاً تاماً. ولكنهم أبعد ما يكون عن ذلك. فمثلاً “فرانسيس كولينز” يعبر عن عدم ارتياحه لمصطلح “التطور الخلقي” Theistic Evolution على أساس أن «تقليص إيمان المرء بالله إلى مجرد صفة يوحي بأنه يأتي في مرتبة ثانية من حيث الأولوية، في حين تعطى المرتبة الأولى للاسم، أي لكلمة “التطور”.» وبعد أن رفض عدداً من الأوصاف المقترحة التي تشتمل على كلمات مثل “الخلق” أو “ذكي” أو “تصميم” استقر أخيراً على مصطلح “بيولوجوس” Bio Logos منعاً للخلط، ويعنى الأحياء في ضوء اللوجوس أي الكلمة. وهنا اتفق أن استخدام بعض المصطلحات يمكن أن ينشئ نوعاً من الخلط والتضليل لأنها تكون محملة بالكثير من المعاني المختلفة. لكن يبدو أن فكرة الذكاء المصمم الجوهرين ليست بعيدة عن هذا المصطلح إطلاقاً. بل من الصعب أن نتخيل وصفاً أنسب للفكرة وأكثر إيحاءً بها من كلمة “لوجوس”.
وإيجازاً للحجة التي طرحتها حتى الآن أقول إن الزعم بأنه يمكن تأسيس الإلحاد على علم الأحياء التطوري هو زعم خاطئ. وذلك لسببين، أولهما منطقي يتلخص في أنه لا يمكنك أن تستنتج منظوراً فلسفياً من علم. أما السبب الثاني فهو أن الاكتشافات منذ عصر داروين لا تؤيد فكرة أن صانع الساعات الأعمى المتمثل في الطفرة والانتخاب الطبيعي يفسر وجود الحياة برمتها وما بها من تنوع. صحيح أنه من المؤكد أن آلية الانتخاب والطفرة تفسر الكثير من التنوعات الوراثية التي لاحظها داروين ونلاحظها نحن، إلا أنها تعمل في نطاق محدود. فمن الواضح أن التطور له حدود، حدود لما يكن أن يؤديه صانع الساعات الأعمى.
بل إن حتى بعض أبرز العلماء ممن يتشككون في حقيقة هذه الحدود يعبرون عن ذهولهم من غرابة العمليات الطبيعية من حيث قدرتها على الإبحار تجاه حلول معقدة، مما يدلل على تدخل اللوجوس.
ولا شك أن تعقيد النظم الحية الذي يفوق الخيال وآلياتها المنظمة الذي يكشفه لنا علم الأحياء الجزيئي يحمل ختم الذكاء المصمم تماماً مثل الكون المادي المضبوط بدقة الذي تعتمد عليه هذه الآليات، إن لم يكن أكثر منه.
والآن من السهل أن ننسى أنه في كل ما تقدم وجود الحياة أمر مفترض مسبقاً. وذلك لأن “دوكينز” غالباً ما يوحي لنا في كتاباته (خاصة “الساعاتي الأعمى” The Blind Watchmaker) أن الآلية التي اكتشفها داروين تفسر كلاً من وجود الحياة وما بها من تنويعات وراثية. وهو بالطبع زعم خاطئ، كما يعترف بنفسه لاحقاً في كتاب “وهم الإله”. وأياً كان مزاعمه، الحقيقة أنه وفقاً للتركيب الدارويني الحديث، الانتخاب والطفرة يفترضان مسبقاً وجود وحدات تعيد إنتاج نفسها وتحدث طفرات. وحن هنا نزعم أن أصل الحياة نفسه يشكل تحدياً أمام الفلسفة الطبيعية أعقد بكثير من التحدي الذي تمثله حدود التطور. ولذا خصصت الفصل القادم لموضوع أصل الحياة.
[1] يعرفها “قاموس أكسفورد” بأنها الفرضية التي تقول بأن التطور يتم أساساً بتراكم تغيرات تدريجية (وذلك مقابل النموذج المتقطع Punctuationist model). (المترجم)
[2] نسبة إلى “فرويد” Freud الذي يعتبر أبا علم النفس الحديث. وقد ركز في نظريته على اللاوعي. ووضع أساليب العلاج بالتحليل النفسي. ورأى أن ما يحكم الإنسان هو طاقة جنسية (ليبيدو Libido) يولد بها وقسم عمر الإنسان إلى مراحل جنسية بناء على تطور هذه الطاقة. (المترجم)
[3] اختصار مصطلح Evolutionary developmental Biology.
[4]Phenotype يعني مجموعة صفات الفرد الظاهرة التي تنتج من تفاعل الوراثة مع البيئة (المترجم).
[5] تشبيه يصور العلاقة بين الكائنات، الحية منها والمنقرضة، وقد وضعه داروين للإشارة إلى أن كل الأنواع البيولوجية تنبثق من سلف واحد مشترك كما تنبثق فروع الشجرة من جذر واحد (http://www.sawtonline.org/evolution-creation-part4) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)
[6] مثلاً الانتخاب الطبيعي يمكن أن يكون مسؤولاً عن الاختلافات الثانوية فيما بين الأسماك بأنواعها المختلفة. ولكن في النهاية كلها أسماك. أما إنتاج الأسماك من الأصل يتجاوز قدرات الانتخاب الطبيعي. (المترجم نقلاً عن الكاتب).
«لكن هب أني وجدت ساعة في الأرض، وسئلت عما أتى به إلى هنا…
لا بد أن شخصاً صنعها: لا بد من وجود…. صانع….
كوّنها للغرض الذي تؤديه، تصور تركيبها وصمم استخدامها…
إن كل إشارة تدلل على صنعة ماهرة، كل ما يكشف عن تصميم في الساعة،
موجود في أعمال الطبيعة، مع فارق أن الطبيعة أعظم وأكبر بما لا يقاس.”
“ويليم بيلي”
ما من قوى نشطة تدفع عملية التطور. وأياً كان تصورنا عن الله، فمنتجات
الطبيعة لا تعكس وجوده.”
“ستيفن جاي جولد” Stephen Jay Gould
«صانع الساعات الوحيد في الطبيعة هو القوى الفيزيائية العمياء،
وإن كانت منتظمة بشكل متميز جداً. وصانع الساعات الحقيقي يتميز
ببعد النظر: فهو يصمم تروس الساعة وأجزاءها، وينظم علاقاتها بعضها ببعض
بناء على غرض مستقبلي يراه بعيني عقله. ولكن الانتخاب الطبيعي ليس لديه
غرض في عقله، بل هو عبارة عن هذه العملية العمياء الأوتوماتكية اللاواعية التي اكتشفها
داروين والتي نعرفها حالياً باعتبارها تفسيراً للوجود وشكل الحياة كلها الذي يبدو في ظاهره
وكأن له غرض. وهي عملية عديمة العقل والبصيرة، ولا تخطط للمستقبل. وليست لديها
رؤية ولا بعد نظر لها على الإطلاق. وإن قلنا إنها تلعب دور صانع الساعات
في الطبيعة، فهي في الواقع صانع ساعات أعمى.»
“ريتشارد دوكينز” زميل الجمعية الملكية
عجائب العالم الحي
رأينا في الجزء السابق أن الكون الذي يكشفه لنا علم الفيزياء وعلم الكون مضبوط ضبطاً دقيقاً ومفهوم بالعقل، مما يدفع الكثيرين للاعتقاد بأنه يخضع لتصميم وهذا التصميم وضع البشر في حسبانه، أي أن وجودنا نحن البشر في هذا الكون هو عملية مقصودة. وسننتقل الآن من العالم غير الحي إلى العالم الحي ونرى ما إذا كان علم الأحياء يؤكد هذا الانطباع.
وللوهلة الأولى يبدو أنه يؤكد هذا الانطباع على نحو مذهل، إذ يكشف لنا عالماً يبدو أن له “تصميماً” مطبوعاً عليه كله. وقد قال “ريتشارد دوكينز” في “محاضرات الكريسماس بالمؤسسة الملكية” Royal Institution Christmas Lectures التي أذيعت سنة 1991: «الكائنات الحية… تبدو كأنها مصممة على نحو مذهل.»
والحقيقة أنه منذ عصر عظماء المفكرين القدماء أمثال أرسطو وأفلاطون حتى عصر علماء الأحياء المحدثين كان العالم الحي مثاراً لحالة من الدهشة التي لا تنتهي. وكلما كشف العلم عن المزيد، ازداد الشعور بالاندهاش. فمن الذي لا يدهش من قدرة الحمام الغريزية على معرفة طريق بيته، وهجرة إوز البويك Bewick Swan بالفطرة، ونظام الرصد بالصدى عند الخفافيش، ومركز ضغط الدم في مخ الزراف، وعضلات رقبة نقار الخشب؟ والقائمة تطور ويضاف إليها الجديد كل يوم. فالعالم الحي زاخر بآليات معقدة تذهب العقل.
لذا، لا شك أن الطبيعة توحي بوجود تصميم على نحو مذهل. حتى إن “ريتشارد دوكينز” يعرف علم الأحياء بأنه “دراسة أشياء معقدة توحي بأنها تخضع لتصميم له غرض”. ولكنه مجرد إيحاء بتصميم، كما يقول هو والكثير من العلماء غيره، ويعترفون أنه إيحاء قوي، ولكنه مع ذلك ليس تصميماً حقيقياً.
ويحذر “فرانسيس كريك” (الحائز على جائز نوبل بالاشتراك مع “جيمس واطسون” James Watson عن اكتشافهما البنية ثنائية يمكن وضعها في الحالتين الحلزون Double helix structure للـ DNA) علماء الأحياء من إساءة فهم هذا الإيحاء معتقدين أنه الحقيقة، حسب تقديره: «على علماء الأحياء أن يضعوا في اعتبارهم دائماً أن ما يرونه لا تصميم له، ولكنه نتج عن عملية تطور».
ولكن هذه التصريحات تستثير سؤالاً: «لماذا؟» فإن كان شكلها بطة، وإن كانت تهتز في مشيتها كالبطة، وتصدر صوت البطة، فلماذا لا ندعوها بطة؟ لماذا هؤلاء العلماء غير مستعدين للوصول إلى هذا الاستدلال الواضح بأن الكائنات الحية تبدو مصممة لأنها هكذا بالفعل؟
الإجابة هي أن مظهر التصميم وهمي لأنهم يرون أن عمليات التطور التي لا تتضمن أي مدخلات ذكية من أي نوع قادرة على إنتاج كل ما نراه في الكون من تعقيد رهيب. وهذه النظرة طبعاً تفرضها عليهم افتراضاتهم المسبقة. وهو ما يعبر عنه “دانيل دنت” Daniel Dennett في كتابه “فكرة داروين الخطيرة” Darwin’s Dangerous Idea بالقول: «كان داروين يقدم عالماً شكوكياً…خطة لخلق تصميم من الفوضى دون مساعدة العقل.»
ويعتبر “دنت” فكرة داروين كالمادة الحمضية الآكلة التي تهدد بتدمير كل ما سبق داوين من أفكار عن العالم. وذلك لأن داروين لا يعتبر أن مادة هي نتاج العقل، بل أن العقول الموجودة في الكون نتاج المادة. فهي ليست سوى نتائج عملية عشوائية بلا عقل وبلا غرض.
وقد نتعجب من إمكانات هذه الآلة التطورية المذهلة بما لها من قدرة خلاقة على إنتاج الحياة والوعي من المادة الصرف، وقدرتها على إبداع ما في الطبيعة من أنماط خلابة، وعلى بناء ما فيها من آليات معالجة المعلومات. ويقول “ريتشارد دوكينز” إنه ليس عقلاً إلهياً بل آلية غير موجهة مادية بحتة. ويزعم أنه رغم الإغراء الذي تحمله فكرة أن الطبيعة مصممة لغرض، فلا حادة لصانع ساعات إلهي. «صانع الساعات الوحيد في الطبيعة هو القوى الفيزيائية العمياء، وإن كانت منتظمة بشكل متميز جداً.
وصانع الحقيقي يتميز ببعد نظر: فهو يصمم تروس الساعة وأجزائها، وينظم علاقاتها بعضها ببعض بناء على غرض مستقبلي يراه بعيني عقله. ولكن الانتخاب الطبيعي ليس لديه غرض في عقله، بل هو عبارة عن هذه العملية العمياء الأوتوماتيكية اللاواعية التي اكتشفها داروين والتي نعرفها حالياً باعتبارها تفسيراً للوجود وشكل الحياة كلها الذي يبدو في ظاهره وكأن له غرض. وهي عملية عديمة العقل والبصيرة، ولا تخطط للمستقبل.
وليست لديها رؤية ولا بعد نظر، بل لا نظر لها على الإطلاق. وإن قلنا إنها تعلب دور صانع الساعات في الطبيعة، فهي في الواقع صانع ساعات أعمى.» يزعم “دوكينز” أنه لا حاجة إلا لقوانين الفيزياء، وهي نقطة مهمة جداً لا بد أن نعود إليها لاحقاً.
“بيلي” وساعته:
إن العلاقة بين تشبيه صانع الساعات وحجج التصميم علاقة قديمة. وقد استدل شيشرون (106-43 ق.م) من خبرته بالأنظمة ذات التصميم الذكي على حركة الكواكب والنجوم المنتظمة: «… عندما نرى بعض أمثلة الآليات… هل نشك أنها صنعة ذكاء واع؟ فعندما نرى حركة الأجرام السماوية… كيف نشك أنها أيضاً نتاج لعقل، بل عقل كامل وإلهي؟»
ويتكهن “شيشرون” هنا بالعبارة الكلاسيكية الأشهر (أو الأسوأ سمعة!) في حجة التصميم قبل ظهورها بقرون على يد اللاهوتي وعالم الطبيعيات “وليم بيلي” في القرن الثامن عشر. «هب أني أثناء عبوري بين العشب تعثرت بحجر، وسُئلت عما أتى بالحجر إلى هنا، قد أجيب أنه هنا منذ الأزل لأني لا أعرف شيئاً عكس هذا. وقد يصعب إثبات سخف هذه الإجابة.
«لكن هب أني وجدت ساعة في الأرض، وسُئلت عما أتى بها إلى هنا… لا بد أن شخصاً صنعها: لا بد من وجود …. صانع… كونها للغرض الذي تؤديه، تصور تركيبها وصمم استخدامها… إن كل إشارة تدلل على صنعة ماهرة، كل ما يكشف عن تصميم في الساعة، موجود في أعمال الطبيعة، مع فارق أن الطبيعة أعظم وأكبر بما لا يقاس».
إذن لبة حجة “بيلي” هو: إن كان تعقيد الساعة تصميمها الواضح وموائمتها بما يتلاءم مع غاية محددة يشير إلى وجود صانع للساعة، فكم بالأحرى آلية بيولوجية أعقد بما لا يقاس، كالعين البشرية، تتطلب وجود صانع ساعات إلهي ذكي؟ «العلامات الدالة على التصميم أقوى من أن نتجاهلها. التصميم لا بد له من مصمم. وذلك المصمم لا بد أن يكون شخصاً. وذلك الشخص هو الله».
وعلى مر التاريخ رأى الكثيرون، ومنهم علماء، أن هذه الحجة معقولة جداً. وكان داروين واحداً منهم في سني دراسته بجامعة كامبريدج. فقد قال “ستيفن جاي جولد” إن “بيلي” كان “البطل الفكري لداروين في شبابه». وداروين نفسه كتب أن عمل “بيلي” «أمتعني كما أمتعني إقليدس. والتعمق في دراسة هذه الأعمال دون حفظها حفظاً آلياً كان الشيء الوحيد في رحلتي الأكاديمية الأقل فائدة لي في تكويني الفكري كما شعرت بعدئذ وما زلت أعتقد ذلك. ولكني في ذلك الوقت لم أتعب نفسي بالشك في فرضيات “بيلي”، وثقتي فيها جعلتني أنبهر بها واقتنع بتسلسل المحاجة الطويل.»
إلا أن كل هذا تغير. فقد أشار داروين في سيرته الذاتية إلى الصعوبة التي واجهها: «الحجة القديمة التي طرحها “بيلي” عن التصميم الموجود في الطبيعة التي كانت تبدو لي فيما سبق حجة فاصلة، أراها اليوم عاجزة بعد اكتشاف قانون الانتخاب الطبيعي Natural Selection. لم يعد باستطاعتنا اليوم أن نزعم مثلاً أن مفصلة القوقعة ثنائية الصدفة الجميلة لا بد أن تكون من صنع كائن ذكي، كما أن مفصلة الباب من صنع رجل».
وهكذا تعرض “بيلي” للهجوم. حتى إن الكثيرين اليوم يعتبرونه مثاراً للضحك، وتذكرة حزينة مأساوية بالمحاولات العبثية الساذجة التي تمت في الماضي بهدف إضفاء نوع من المصداقية على الإيمان بالله عن طريق ربطه بالعلم. ولكن الحقيقة ليست بهذه البساطة، بل هي أغرب من الأسطورة، كما هو الحال غالباً مع المشاهير الذين أصبحوا جزءًا من بلاغة العلم حتى أصبحوا رموزاً لمجموعة من الأفكار الخاصة (المتطرفة غالباً).
فلا بد أن نعترف أن “بيلي” أثار ضده نقداً مشروعاً بسبب إفراطه في التركيز على أشكال محددة من التكيف وترصيعه لحجة صانع الساعات بقصص تشبيهية ليشرح خصائص الحيوانات المحددة والمتنوعة. فمثلاً في وصفه للإيل الهندي (ببيروسا) Indian Hog (Babyrussa) يقدم شرحاً للأسنان الطويلة المعقوفة الشبيهة بالأنياب التي تخرج من فك الحيوان مشيراً إلى أنه يمسك بها في أغصان الأشجار ليثبت رأسه وهو نائم واقفاً.
ومع ذلك قد يجانبنا الصواب إن استبعدنا “بيلي” كلية بسبب هذه الغرائب. وموقف “ستيفن جاي جولد” أكثر اعتدالاً في هذا الصدد إذ يقول عن “بيلي” إنه «ربما قرأ هذا الشرح للببيروسا في تقرير خاطئ لمجموعة من المسافرين، ولا يمكننا أن نتهمه بالتلفيق، ولكن بأنه لم يفسح مساحة كافية للشك».
ومن الانتقادات الأخرى التي وجهت إليه مبالغته في تأكيد صلاح الطبيعة وتجاهله لما فيها من ألم ومعاناة وقسوة. ولكن “جولد” يقول أيضاً: «لا يمكن تجاهل “بيلي” باعتباره شخصاً مغرقاً في التفاؤل والسعي نحو الكمال مقياساً لتحديد التصميم الجيد، ولا أن نتخذه العلامة اللازمة التي تشير لمسحة الألوهة في الصنعة البشرية.» فما كتبه “بيلي” فعلياً هو: «ليس من الضروري أن تتميز الآلة بالكمال حتى نعرف تصميمها. وبالأحرى ليس ضرورياً أن نسأل ما إذا كان لها تصميم أصلاً، إن كان هذا هو السؤال الوحيد».
أما “اللاهوت الطبيعي” “Natural Theology“، أو ما يطلق عليه أيضاً “اللاهوت المادي” “Physical Theology” الذي طرحه “بيلي” فقد تعرض لنوع آخر من النقد لم يوجهه الملحدون بل وجهه أبرز اللاهوتيين مثل “جون هنري نيومن” John Henry Newman: «لا يمكن للاهوت المادي بطبيعته الحال أن يخبرنا بكلمة واحدة عن المسيحية الصحيحة. وذلك لأنه لا يمكن أن يكون مسيحياً بالمعنى الصحيح… فهذا العلم المزعوم إذا شغل العقل يميله ضد المسيحية».
وأود هنا أن أشير لنقطتين. وقد يتفق “بيلي” مع أولاهما. وذلك لأن في عمله كله الذي تجاوز 500 صفحة لم يذكر المسيحية إلا نادراً (أول ذكر لها في ص 529). فهو على وعي تام بمحدودية أهدافه ولا يدعي تأسيس تعاليم تخص المسيحية “الصحيحة” بناء على الطبيعة مباشرة. ولكنه يبدو قانعاً تماماً بأن اللاهوت الطبيعي في أفضل حالاته لا يمكنه إلا أن يقدم دلائل على وجود الله ويقول شيئاً عن عدد معين محدود من صفاته كالقدرة مثلاً.
ومن الواضح أنه رأى في ذلك تمهيداً للتفكير في المسيحية بصورتها الكاملة، ولكنه بالتأكيد لم يعتبره بديلاً لها. وهو يكتب في الخلاصة: «إنه خطوة نحو إثبات أنه لا بد من وجود شيء في العالم يتجاوز ما نراه. والخطوة الأبعد أن نعلم أنه من بين الأشياء غير المنظورة في الطبيعة لا بد من وجود عقل ذلك مسؤول عن إنتاجها وتنظيمها وحفظها. إذ يؤكد لنا اللاهوت الطبيعي هذه الأمور، يمكننا بعدئذ أن نترك للإعلان الإلهي كشف العديد من التفاصيل الخاصة التي لا يمكن التوصل إليها بأبحاثنا، احترماً لطبيعة هذا الكائن الأعلى باعتباره المسبب الأصلي لكل الأشياء، أو لشخصيته وتصميماته باعتباره الحاكم الأخلاقي.
وليس ذلك فحسب، بل احتراماً للتأكيد الأكثر اكتمالاً بخصوص تفاصيل أخرى التي وإن كانت لا تتجاوز حدود تفكيرنا واحتمالاتنا، إلا أن الوصول إلى يقين بشأنها لا يساوي إطلاقاً أهميتها. فالمؤمن الحقيقي بالله الخالق سيكون أول من يستمع إلى أي رسالة صادقة من المعرفة الإلهية. وما من شيء تعلمه من اللاهوت الطبيعي يمكن أن يقضي على رغبته في مزيد من التعليم أو ميله لاستقبال التعليم بتواضع وامتنان.
فهو يتوق إلى النور، ويفرح بالنور. وما يملأ أعماقه من إجلال لهذا الكائن الأعلى سيدفعه إلى الانتباه بكل جدية لا إلى كل ما يمكن اكتشافه عن هذا الكائن بالبحث في الطبيعة فقط، بل أيضاً إلى كل ما يعلمه الإعلان، مما يوفر برهاناً منطقياً على أن هذا الإعلان منه.»
وما يزيد الموقف غرابة أن “نيومن” يعترف (في المقال نفسه) أن اللاهوت المادي يتمتع بميزة حقيقية على المستوى الذي وصفه “بيلي”: «وهذا العلم يبين بكل جلاء ووضوح ثلاث أفكار بدائية ترتبط في العقل البشري بفكرة الكائن الأعلى. وهي ثلاثة من أبسط صفاته: القدرة، والحكمة، والصلاح.» وهذا هو جوهر كل ما زعمه “بيلي أساساً بخصوص حجته.
إذن، لماذا يظن “نيومن” أنها تميل العقل ضد المسيحية؟ وهو يفصح عن السبب: «…. لأنها لا تتحدث إلا عن القوانين ولا يمكنها التعرض للحالات التي يتوقف فيها عمل القوانين؛ أي المعجزات، وهي جوهر فكرة الإعلان. ومن ثم، فإله اللاهوت المادي يمكن أن يتحول إلى وثن بكل سهولة، لأنه يأتي إلى العقل الاستقرائي في وسط أوضاع ثابتة، في منتهى الامتياز، في منتهى المهارة، في منتهى الخير حتى إنه كلما أطال النظر فيها، ظن أنها أجمل من أن تتعطل، مما يقلص فكرته عن الإله فيستنتج أنه يستحيل أن تأتيه الشجاعة (إن جاز لي أن أستخدم هذا التعبير الجريء) لكي يلغي أو يشوه صنعة يديه.
وتصبح هذه الخلاصة أول خطوة على طريق التقليل من فكرته عن الله للمرة الثانية والمساواة بينه وبين أعماله. فبالطبع الكائن الذي يتصف بالقدرة والحكمة والصلاح، ولا شيء غير ذلك لا يختلف كثيراً عن إله من يؤمن بوحدة الوجود [1]Pantheist.»
ولكن إن أردنا أن نكون منصفين مع “بيلي”، فهو لم يشر نهائياً إلى أن هذه الصفات وحدها هي صفات الله: كل ما قاله إنها الصفات الوحيدة التي يمكن الاستدلال عليها من الطبيعة. ولا شك أنه مهم أن نطرح الأسئلة التي تتجاوز إجاباتها حدود اللاهوت الطبيعي، وهو ما لم يتردد “بيلي” مطلقاً في فعله. بل إنه نشر قبل ذلك سنة 1794 كتاب “أدلة مسيحية” Evidences of Christianity الذي يحوي حججاً مفصلة تؤيد معجزات الأناجيل.
وهي في الواقع حجج ضد آراء “دافيد هيوم” David Hume التشككية. لذلك، من الصعب أن نجد مبرراً لمخاوف “نيومن”، على الأقل بخصوص “بيلي” نفسه. ومن ثم، ربما يلتمس لنا العذر إن ظننا وجود نوع من التنافس الحاد بين “نيومن” (كاثوليكي من جامعة أكسفورد” ونظيره “بيلي” (بروتستانتي من جامعة كامبريدج)!
وأياً كانت الإجابة، واضح أن محصلة انتقادات “بيلي” وارتباطه الأسطوري بكل ما يعتبر موضع شبهة في حجج التصميم هو أن استدلاله الجوهري من طبيعة الساعة على أصلها الذكي أحياناً ما يستبعد دون مبرر مشروع، رغم أن هذه الانتقادات لا تؤثر عليه فعلياً. فإن عقلاً في حجم “برتراند رسل” المعروف بعدم تعاطفه مع الإيمان بالله الخالق، وجد حجة التصميم مبهرة منطقياً: «هذه الحجة تقول إنه بناء على دراسة العالم المعروف نجد أشياء لا يمكن أن يكون تفسيرها المقبول منطقياً أنها نتاج قوة طبيعية عمياء.
ولكنها ترى منطقياً باعتبارها دلائل على غرض خيّر. وهذه الحجة لا يشوبها أي عيب منطقي صوري، فمقدماتها تجريبية وتم التوصل إلى نتيجتها وفقاً لقوانين الاستدلال التجريبي المعتادة. ومن ثم، فمسألة قبولنا أو رفضنا لها لا تتوقف على قضايا ميتافيزيقية عامة بل على اعتبارات تفصيلية نسبياً».
ولكن قبل أن نترك “بيلي” لا بد أن نعلق سريعاً على الزعم المتكرر بأن هجوم “دافيد هيوم” العنيف على حجج التصميم هو ما يقضي على “بيلي” نهائياً. ومن عناصر ذلك الهجوم هو الزعم بأن هذه الحجج هي من نوع الحجج التي تقوم على المشابهات Arguments form Analogies وهي ما لا تكون دائماً صحيحة. وقد وضع “هيوم” عمله في شكل مناقشة بين مجموعة من الشخصيات، حيث يدعى أحد الأبطال “كليانش” Cleanthes هو واثق من نفسه، ويوجه إليه الكلام التالي: “كليانش”، إن رأينا بيتاً نستنتج بكل يقين إن له مهندساً أو بناء، لأن هذا النوع من الأعمال تحديداً هو ما نعرف بالخبرة أنه يأتي من ذلك النوع من المسببات على وجه التحديد.
ولكن يقيناً لا يمكنك أن تؤكد أن الكون يحمل هذا التشابه مع البيت لدرجة انه يمكننا أن نستدل على مسبب مشابه بنفس درجة اليقين، أو تؤكد أن المشابهة هنا تامة وتشمل كل الجوانب، بل إن الاختلاف مريع لدرجة أن أقصى ما يمكنك أن تتظاهر به هو تخمين، تقدير، افتراض سابق بشأن مسبب مشابهة. أما كيفية استقبال العالم لهذا التظاهر، فهو أمر أتركه لك تفكر فيه». ويرى الكثيرون أن حجة “هيوم” ما زالت هي المنتصرة.
إلا أنه من السذاجة أن نخلص إلى أن هذه الحجة دقت آخر مسمار في نعش “بيلي.” فقد أشار الفيلسوف “أليوت سوبر” Elliott Sober أنه «رغم أن نقد “هيوم” يكون ساحقاً إن كانت حجة التصميم تقوم على المشابهة. فلا أرى سبباً لتفسير حجة التصميم على هذا النحو. فحجة “بيلي” بخصوص الكائنات الحية حجة مستقلة بذاتها. بصرف النظر عما يتصادف من تشابه بين الساعات والكائنات. والهدف من الحديث عن الساعات هو مساعدة القارئ على أن يرى ما في حجة الكائنات الحية من قدرة على الإقناع».
لا شك أن حجة “بيلي” عن الكائنات الحية مستقلة بذاتها، ولكنها تزداد قوة لأن ما يقوله “سوبر” من أن المشابهة فاشلة هو قول لا مبرر له. وذلك لأنه منذ عصر “بيلي” كشفت التطورات العلمية عن أنواع كثيرة من الأنظمة في الكائنات الحية ينطبق عليها تماماً مصطلح “الآلة الجزيئية”، ومن ضمن هذه الأنظمة ساعات بيولوجية مسؤولة عن وظيفة ضبط التوقيت الجزيئية التي لا غنى عنها في الخلية الحية والتي تتسم بقدر من التعقيد أكبر كثيراً من ساعة “بيلي”. ولا شك أن لغة “الآلة” تسود علم الأحياء الجزيئي في أحدث صوره.
وعلى أي حال ربما كان “هيوم” سيندهش لو علم أنه يوماً ما سيتمكن الذكاء البشري من تصميم أنظمة بيوكيماوية ويناء بروتينات في معامل هذا العالم، وأنه محتمل أن يتمكن الإنسان في المستقبل القريب من تخليق كائنات بسيطة من مكوناتها الجزيئية. فماذا سيقول “هيوم” آنذاك؟ لقد اتضح أن حجة التصميم أقوى كثيراً مما ظن “هيوم”، وإن كان من المهم أن نأخذ في حسباننا حذره تجاه المشابهات حتى وإن كان قدر كبير من قوة اعتراضه قد انهار بفعل التطورات الأحدث في علم الأحياء.
وقد قال “هيوم” أيضاً إننا حتى نستدل على أن عالمنا يخضع لتصميم كان يجب أن نلاحظ عوالم أخرى تخضع لتصميم، وعوالم لا تصميم لها حتى نقارن بين الاثنين. ويتضح أن حجة “هيوم” هذه حجة استقرائية تعتمد قوتها على عينة من الأكوان التي تخضع للملاحظة. ومن هنا يستنتج “هيوم” أن الحجة ضعيفة جداً لأن الكون الوحيد الذي أخضعناه للملاحظة هو هذا الكون.
إلا أنه، كما أوضح “سوبر”، هذا الاعتراض يتلاشى لحظة انتقالنا من نموذج العينات الاستقرائي Inductive Sampling إلى نموذج الاحتمالات: «لست مضطراً لملاحظة عمليات التصميم الذكي، وعمليات الصدفة أثناء نشاطها في عوالم مختلفة حتى تخلص إلى أن كل فرضية تضيف لملاحظتك احتمالات مختلفة عن الأخرى.»
هذه النقطة مهمة، لسبب بسيط أن العلم ليس كله استقرائياً، لأن رفاهية تكرار الملاحظة أو التجريب ليست متوفرة لنا دائماً. فلا يمكننا تكرار الانفجار الكبير، ولا نشأة الحياة، ولا تاريخ الحياة، ولا تاريخ الكون. بل ماذا عن أي حدث تاريخي؟ إنه غير قابل للتكرار. أفلا يمكننا أن نتحدث إطلاقاً عن هذه الأمور؟ نعم، وفقاً لحجة “هيوم”، لا يمكننا أن نتحدث عنها. إلا أنه يمكننا تطبيق منهجية أخرى على هذه الحالات، وهي معروفة جداً للمؤرخين.
إنها طريقة الاستدلال الاحتمالي Abduction أو الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات Inference to the best explanation التي شرحناها في الفصل الثاني. وحجة “هيوم” لا تستفيد من الاستدلال الاحتمالي مطلقاً. ولكن الحجة التي تتمكن من شرح أثر معين دائمً أفضل من الحجة التي لا تفعل ذلك.
إلا أنه من المهم، وإن كان صعباً، أن نميز بين حجة التصميم والصورة السلبية التي لصقت بها بفعل البلاغة العلمية التي ميزت أسلوب “بيلي”. إلا أن هناك سبباً آخر يتعلق أيضاً ببلاغة العلم أدى إلى عدم أخذ حجج التصميم على محمل الجد في السنوات الأخيرة. وهذا السبب هو أن مجرد ذكر كلمة “تصميم” يثير فوراً في أذهان البعض صورة قوية لآلية الساعة التي احتلت مكانة بارزة في الحجج الأقدم المؤيدة لفكرة التصميم.
والنتيجة ارتباط “التصميم”، في الوعي أو في اللاوعي، بالفكرة التي قال بها نيوتن من أن الكون يسير كالساعة. فتشبيه ما يجري في الكون من عمليات بساعة دقيقة تعمل بسلاسة كان يتمتع بجاذبية كبرى عندما كانت ميكانيكا نيوتن في أوج عظمتها. ولكنه بدأ يفقد رونقه، وخاصة بين من انصرفوا إلى العلوم البيولوجية، لسبب بسيط، ألا وهو أن العالم البيولوجي لا يشبه الساعة كثيراً.
وقد فقد رونقه نوعاً ما بين اللاهوتيين أيضاً نظراً لسهولة استخدامه لتأييد النظرة الربوبية Deistic لله التي تعني أن الله أدار الكون كما يدار مفتاح الساعة وتركه يعمل، بدلاً من النظرة الكتابية التي ترى الله إلهاً نشطاً باعتباره خالق الكون وحافظه، فهو إله أوجد الكون في كل لحظة. ورغم اتفاقنا مع كل هذا، فبما أننا نعلم أن الغلاف الحيوي يضم عدداً لا نهائياً من الساعات المعقدة، إذن لا يمكننا رفض حجج التصميم ببساطة.
ولكن من الخطأ استخدامها من منطلق اختزالي للإيحاء بأن الكون ليس سوى آلية ساعة. لذلك، إن أردنا أن نتجنب تكوين ارتباطات ذهنية مضللة، قد يكون من الأفضل أن نستعين بالحجج التي تستدل على المنشأ الذكي للكون بدلاً من حجج التصميم.
وختاماً أوجز ما تقدم في كلمات “جون بولكينجهورن”: «أين اللاهوت الطبيعية اليوم، بعد “وليم بيلي” بقرنين من الزمان؟ الإجابة القصيرة هي: «حي وبحالة جيدة، بعد أن تعلم من خبرات الماضي أن يتمسك بالبصيرة بدلاً من الضرورة المنطقية القسرية، وأن يتمكن من أن يتعايش مع العلم في علاقة ودية من منطلق التكامل وليس من منطلق التنافس».
هل التطور يقضي على الحاجة إلى خالق؟
ولكن دعونا الآن نرجع لنقطتنا الأساسية، ألا وهي القناعة الشائعة بأن التطور يقضي على الاحتياج لخالق. لقد قال عالم الحفريات “ستيفن جاي جولد” Stephen Jay Gould، وهو من المؤمنين بالفلسفة المادية، إنه بعد داروين أصبحنا نعرف أنه «ليست هناك روح تتدخل وتراقب شؤون الطبيعة بحب (وإن كان من المحتمل أن إله نيوتن الذي أدار مفتاح الساعة ضبط ماكينتها في بدء الزمان ثم تركها تعمل). ما من قوى نشطة تدفع عملية التطور. وأياً كان تصورنا عن الله، فمنتجات الطبيعة لا تعكس وجوده».
وعقب نشر كتاب “أصل الأنواع” بفترة وجيزة، كتب الملحد الأمريكي الشهير “روبرت جرين إينجرسول” Robert Green Ingersoll أن القرن التاسع عشر سيكون “قرن داروين” عندما “تمحو عقيدته في التطور… آخر أثر للإيمان المسيحي المستقيم من كل عقل مفكر».
وقد تكررت هذه الفكرة على فم السير “جوليان هكسلي” Julian Huxley في الاحتفال المئوي بداروين DarwinCentennial في شيكاغو في سنة 1959 عندما لخص المعاني المتضمنة في التطور من وجهة نظره: «طبقاً للفكر التطوري لم تعد هناك حاجة ولا مساحة لما هو فوق طبيعي. فالأرض لم تخلق، ولكنها تطورت.
وهكذا كل الحيوانات والنباتات التي تسكنها، بما فيها نحن البشر، وهو ما ينطبق على عقولنا ونفوسنا تماماً كما ينطبق على مخاخنا وأجسامنا. وهو ما ينطبق على الدين أيضاً…» ويرى “هكسلي” أن العلم يحل محل الله، مقدماً لنا تفسيراً صرفاً لا لأصل الحياة فقط، بل أصل الملكات العليا من الوعي والفكر.
وهذه النظرة التي تقو بأن الإلحاد نتيجة منطقية للتطور نجدها في كتب العلوم الرائجة، بل أيضاً في الكتب المدرسية الجامعية. خذ مثلاً العبارة التالية من أحد الكتب الجامعية المحترمة عن التطور من تأليف “مونرو ستريكبرجر” Monroe Strickberger الذي يعمل في متحف علم الفقاريات Museum of Vertebrate Zoology في مدينة “بركلي” بولاية كاليفورنيا: «إن الخوف من أن الداروينية هي محاولة لاستبعاد الله من دائرة الخليقة كان في محله.
والسؤال الذي يقول: هل من غرض إلهي لخلق البشر؟ يجيب عنه التطور بالنفي. فطبقاً للتطور، عمليات التكيف في الأنواع وفي البشر تنشأ من الانتخاب الطبيعي لا من التصميم». ويتفق معه “دوجلاس فوتويما” Douglas Futuyma قائلاً: «عندما مزج داروين بين التنوع العشوائي الذي لا غرض له وعملية الانتخاب الطبيعي غير المكترثة العمياء جعل التفسيرات اللاهوتية أو الروحية للعمليات البيولوجية بلا قيمة.
وإذ تضافرت نظرية داروين في التطور مع نظرية ماركس المادية في التاريخ والمجتمع، مع ما فعله “فرويد” من إرجاع السلوك البشري لمؤثرات لا نملك التحكم فيها إلا قليلاً، أصبحت الداروينية مكوناً محورياً في المشروع الفكري القائم على التصور الآلي والمادي للكون، وفي قدر كبير من العلم. وباختصار أصبحت هذه النظرة هي المسرح الذي تجري عليه معظم أحداث الفكر الغربي».
لذلك ليس غريباً أن ينتشر شعور بأن نظرية أطاحت بالله باعتباره غير ضروري وغير ذي صلة، بل ربما باعتباره تفسيراً محرجاً بكل معنى الكلمة. ويعد الفيلسوف “روجر سكروتن” Roger Scruton مثالاً تقليدياً على ذلك. إذ يشرح أسبابه قائلاً: «إني أفكر تفكيراً علمياً. فلا يمكنني أن أرفض الأدلة المؤيدة للداروينية، وأنا أرى أن صحتها واضحة وضوح الشمس».
وبذلك فإننا نواجه هذا الموقف الغريب. فمن ناحية يميل البعض بشدة إلى الاستدلال على وجود أصل ذكي من خلال المعلومات البيولوجية. ومن ناحية أخرى بعض من يعترفون بجاذبية هذه النزعة يقاومونها لأنهم مقتنعون أنه لا حاجة لمصمم. ولكن العمليات التطورية غير الموجهة عديمة العقل يمكنها أن تقوم بالمهمة كلها، وقد قامت بها فعلياً.
ولسنا بحاجة أن نوضح أن هذه القضية تمثل مسألة حرجة. وليس من المبالغة أن أقول إن نظرية التطور كان لها أثر الزلزال على السعي البشري نحو المعنى، وهو أثر يمتد إلى كل جوانب الحياة الإنسانية. فإن كانت الحياة نتاج عملية طبيعة خالصة، فماذا عن الأخلاق؟ هل تطورت هي أيضاً؟ وإن كان كذلك، فما أهمية مفاهيمنا عن الصواب والخطأ، والعدالة والحق؟
يقول “وليم بروفاين” William Provine: «إن الفرضيات المدمرة التي يطرحها علم الأحياء التطوري تمتد أبد كثيراً من فرضيات الدين النظامي، إذ ترقى إلى درجة معتقد أعمق وأشمل كثيراً تعتنقه الغالبية الساحقة، ألا وهو أن التصميمات أو القوى المنظمة اللاميكانيكية مسؤولة بشكل ما عن النظام الذي نراه في الكون المادي، والكائنات الحية، ونظام الأخلاق البشرية».
ويرى “دانيل دنت” أننا حتى الآن لم نقبل فعلياً المعاني المتضمنة في التطور. ولذلك، فهو يسمي التطور “فكرة داروين الخطيرة” لأنها “تخترق نسيج أفكارنا الجوهرية الأصلية بعمق يفوق كثيراً ما يعترف به الخبراء من المدافعين عنها، حتى بينهم وبين أنفسهم.»
ويتفق معه “دوكنيز” فهو لا يشك في أننا نصل مع داروين إلى منعطف شديد الأهمية في تاريخ الفكر. «لم نعد مضطرين للجوء إلى الخرافة عندما نواجه المسائل العميقة: هل للحياة معنى؟ ما غرض وجودنا هنا؟ من هو الإنسان؟ بعد أن طرح عالم الحيوان البارز “ج. ج. سيمبسون” G. G. Simpson آخر سؤال من هذه الأسئلة، قال: «النقطة التي أود توضيحها الآن أن كل محاولات الإجابة عن ذلك السؤال قبل 1859 بلا قيمة وأننا سنكون في حال أفضل إن تجاهلناها كلية».
والحجة التي يطرحها “دوكينز” تعني أنه إن كانت آليات التطور قادرة على تفسير ما يبدو وكأنه تصميم في الكون، عندئذ يصبح الاستدلال على وجود أصل ذكي استدلالاً خاطئاً. أي أنه يريد أن يقول لنا إنه لا يمكننا أن نؤمن بالله وبالتطور في آن. فبما أنه يمكن تفسير كل شيء بالتطور، إذن ليس هناك خالق. والتطور يعني الإلحاد.
ولنلق نظرة على منطق هذا الموقف. واضح أن حجة “دوكينز” التي تنطلق من التطور وتصل إلى الإلحاد تعتمد على الزعمين التاليين اللذين يبدوان للوهلة الأولى صحيحين:
الزعم الأول: التطور البيولوجي لا يتوافق مع وجود خالق.
الزعم الثاني: التطور البيولوجي يفسر وجود كل ما في الحياة من تعقيدات.
ويعتقد الكثيرون أن هذا الطرح قاطع وغير قابل للمناقشة. فهم يرون أن العبارتين صحيحتان، حيث إن الأولى واضحة في ذاتها وتكاد لا تحتاج لشرح، والثانية تمثل النتيجة التي توصل إليها البحث العلمي. إلا أننا أمام اثنتين من الحقائق الصعبة التي تؤكد أن الأمور لا يمكن أن تكون بهذه البساطة. الحقيقة الأولى أن الكثير من العلماء المتخصصين في العلوم البيولوجية ينكرون الزعم الأول ويقبلون الثاني، أي أنهم يؤمنون بالله وبالتطور.
والثانية، وهي الأكثر إثارة للجدل، أن البعض (من المؤمنين بالله وغير المؤمنين) يطرحون أسئلة علمية حول مدى دقة الزعم الثاني. وهو ما يتضح من تزايد أعداد المؤلفات المنشورة في هذا الموضوع الصادرة عن أكبر دور النشر الأكاديمية في العالم.
هل نظرية التطور تستبعد الله؟
الفكرة القائلة إن مفهوم الله والتطور البيولوجي يلغي كل منهما الآخر تعني أولاً أن الله والتطور يندرجان تحت فئة تفسيرية Category of Explanation واحدة. ولكن هذا خطأ بين، كما رأينا في موضوع سابق. أي أن هذه الفكرة تنطوي على خطأ فئوي أو تصنيفي. فنظرية التطور تدعي كونها آلية بيولوجية، ومن يؤمنون بالله يعتبرونه شخصاً فاعلاً Personal Agent يصمم ويخلق الآليات، بين قوى فاعلة أخرى.
وقد أشرنا فيما سبق إلى فهم آلية عمل سيارة فورد لا يعد في ذاته حجة تبين أن مستر “فورد” نفسه غير موجود. فوجود آلية لا يعتبر في ذاته حجة تثبت عدم وجود فاعل صمم هذه الآلية.
ومع وضع هذه الملحوظة في الحسبان نعود إلى وصف “دوكينز” الشهير لصانع الساعات التطوري الأعمى: «صانع الساعات الوحيد في الطبيعة هو القوى الفيزيائية العمياء… ولكن الانتخاب الطبيعي ليس لديه غرض في عقله، بل هو عبارة عن هذه العملية العمياء الأوتوماتيكية اللاواعية التي اكتشفتها داروين والتي نعرفها حالياً باعتبارها تفسيراً للوجود وشكل الحياة كلها الذي يبدو في ظاهره وكأن له غرض… وإن قلنا إنها تلعب دور صانع الساعات في الطبيعة، فهي في الواقع صانع ساعات أعمى.» ويمكننا هنا أن نميز خمسة مزاعم. يختص اثنان منها بالقوى الفيزيائية، وثلاثة بالانتخاب الطبيعي:
القوى الفيزيائية هي صانع الساعات الوحيد في الطبيعة.
القوى الفيزيائية عمياء.
الانتخاب الطبيعي عملية أوتوماتيكية عمياء ليس لها غرض في عقلها.
الانتخاب الطبيعي يفسر وجود كل الكائنات الحية.
الانتخاب الطبيعي يفسر شكل كل الكائنات الحية.
وبالطبع “الانتخاب الطبيعي” هنا هو اختزال التركيب التطوري الداويني الحديث neo-Darwinian evolutionary synthesis الذي يضم الانتخاب الطبيعي، والطفرة Mutation، والانحراف الجيني Genetic drift… الخ، وليس مجرد الانتخاب الطبيعي نفسه.
وأول ما يلفت النظر في هذه المزاعم أنها تقفز بنا أبعد من داروين كثيراً. وذلك، لأن المعنى المتضمن في التصريح الأول هو أن عملية الانتخاب الطبيعي التي روج لها داروين طبعاً، تختزل إلى قوانين الفيزياء، وهو زعم لم يقل به داروين مطلقاً، على قدر معرفتي. وذلك لأن الانتخاب الطبيعي يفترض بطبيعته بادئ بدء وجود الحياة (أو على الأقل وجود نظام قادر على إعادة إنتاج نفسه). وإلا لا يمكن للانتخاب الطبيعي أن يبدأ أساساً ما دام لا يجد أشياء ينتخب منها. والانتقال من عالم المخلوقات غير الحية إلى عالم الأحياء انتقالاً سطحياً ينطوي على خطورة كبرى سنتناولها بالتفصيل فيما بعد.
ثانياً، “دوكينز” يسبغ قدرات خلاقة على القوى الفيزيائية ويشخصها. فهو يعتبر أن هذه القوى هي صانع الساعات. واستخدام أسلوب التشخيص البلاغي مهم هنا لأنه يضفي مصداقية زائفة بشكل خفي على أطروحة لا أساس لها من الصحة لولا استخدام هذا الأسلوب: فنحن نميل لتصديق أن شخصاً ما يتمتع بقدرات خلاقة أكثر من ميلنا لتصديق أن قوة لاشخصانية تتمتع بهذه القدرات. فضلاً عن ذلك، قوى “دوكينز” المشخصنة عمياء. فما معنى هذا؟
من وجهة ما، ليس هناك ما يثير الجدل في وصف قوى أو آليات بصفة “العمى”، لأنه من الواضح أن هذا الوصف ينطبق على معظمها. فالقوى النووية الشديدة والضعيفة، والكهرومغناطيسية، والجاذبية ليس لها عيون مادية أو عقلية ترى بها.
ومعظم الآليات عمياء، مثل الساعة، أو السيارة، أو مشغل الأسطوانات المدمجة، أو القرص الصلب للكمبيوتر. وهي ليست عمياء فحسب، ولكنها غير واعية أيضاً. ولمزيد من الدقة أقول إنها غير قادرة حتى على التفكير الواعي لأنها لا تملك عقلاً تفكر به. ولكن تلك الآليات، رغم كونها عمياء في ذاتها، إلا أنها تجمع نتاج عقول أبعد ما تكون عن العمى، فهي مصممة تصميماً ذكياً. وهو ما ينطبق حتى على الآليات التي تشمل عنصراً من العشوائية في عملها.
فمثلاً آلية العمل الذاتية في الساعة آلية عمياء وأتوماتيكية وتشتمل على عمليات تقوم على الصدفة: فهي تستخدم الطاقة الناتجة من الحركات العشوائية للعقرب لتدير نفسها. ولكن من الحماقة أن نقول إنها لم تصمم. بل إن الساعة الأوتوماتيكية أكثر تعقيداً من الساعة العادية. ومن ثم تشتمل على مزيد من الذكاء في تصميمها.
وفي مجال الهندسة، دائماً ما تستخدم الخوارزميات الجينية Genetic Algorithms المنفذة بالكمبيوتر في أغراض تحقيق الصورة الهندسية المثلى Engineering Optimization المعقد، مثل بناء أفضل شكل ممكن لجناح طائرة. ولكن من العبث أن نقول إنه ما دامت عمليات تحقيق الصورة المثلى الخوارزمية التطورية Evolutionary Algorithmic Optimization Processes هذه هي نفسها عمياء وأوتوماتيكية، إذن ليس لها أصل ذكي.
ولكن للأسف من السهل جداً ألا ننتبه لهذه النقطة عندما نقرأ “دوكينز”، لأن التأثير البلاغي الخفي لتشخيص عملية التطور يقود القارئ للاعتقاد بأن “دوكينز” يستبعد في حجته وجود فعل شخصي حقيقي Real Personal Agency، في حين أنه لم يفعل ذلك. بل إنه حتى لو يحاول مطلقاً أن يتعرض لمسألة وجود فعل شخصي أم لا. وهي مهارة تنم عن ذكاء خارق.
والدرس الذي نتعلمه هنا هو أن نحذر عند التعامل مع البلاغة العلمية في هذه السياقات لأن توصيفات آليات التطور المزعومة غالباً ما تكون محملة بتعبيرات مثل “عمياء”، “أوتوماتيكية”، “بلا غرض” التي يسهم غموضها في الإيحاء بأن مسألة تدخل فعل ذكي خضعت للبحث ورفضت. في حين أن هذا لم يحدث إطلاقاً. فاستخدام مصطلحات “دوكينز” يدفع المرء للاعتقاد بأنه يظهر أنه تناول المسألة، ولكنه مظهر وهمي.
إلا أن الفيزيائي السير “جون هوتن” يقدم وصفاً ممتازاً للمنطق الفعلي الذي نحن بصدده هنا: «إن فهمنا لبعض آليات عمل الكون أو آليات الأنظمة الحية لا يلغي وجود مصمم، تماماً كما أن معرفتنا بآلية عمل الساعة، رغم كونها عملية أوتوماتيكية، لا تعني عدم وجود صانع للساعة».
وبناء على هذا المنطق، يقبل الكثير من العلماء البارزين آليات التطور باعتبارها أسلوب الخالق في إنتاج التنوع الذي نراه في الحياة. بل إن حتى بعض مؤيدي داروين نفسه كانوا يعتقدون ذلك، ومنهم “آسا جراي” Asa Gray عالم النبات المسيحي المرموق في “جامعة هارفارد” Harvard University، وقد كان أول شخص خارج إنجلترا كشف له داروين عن نظريته، وكان دائم الاتصال به.
وقد كتب الروائي “تشارلز كينجزلي” Charles Kingsley لداروين قائلاً إن نظريته في الانتخاب الطبيعي «هي مفهوم سام لله من حيث الاعتقاد بأنه خلق أشكالاً أولية قادرة على النمو الذاتي… ولا تقل في سموها عن الاعتقاد بأن الله تدخل تدخلاً مباشراً لملء الفجوات التي صنعها بنفسه.»
ورغم أن “كينجزلي” لم يكن عالماً، فقد أعجب داروين بكلماته أشد الإعجاب حتى إنه اقتبسها في الطبعة الثانية من كتاب “أصل الأنواع”، وربما كان يضع في اعتباره ما يمكن أن تحدثه من تأثير على قرائه من رجال الكنيسة المتشككين. ونظرة “كينجزلي” لله بصفته «إلهاً بالغ الحكمة حتى إنه قادر أن يصنع كل الأشياء بحيث تصنع نفسها» تنعكس مجدداً في قول “ريتشارد سوينبرن”: «الطبيعة…. هي آلة تصنع آلات… والبشر لا يصنعون آلات فحسب، بل يصنعون آلات تصنع آلات. ومن ثم، يمكنهم بطبيعة الحال أن يستدلوا من الطبيعة التي تنتج الحيوانات والنباتات على خالق للطبيعة على نحو يشبه صنع الناس للآلات التي تصنع آلات».
أي أن التطور أبعد ما يكون عن إبطال الاستدلال على أصل ذكي، بل إن كل ما يفعله أنه يرجع له خطوة للوراء، منتقلاً من الكائنات الحية إلى العمليات التي أوجدت تلك الكائنات. أي أنه ينتقل من العلية الأولى إلى العلية الثانوية. تخيل رجلاً يرى سيارة لأول مرة، فيفترض أنها مصنوعة مباشرة بأيد بشرية، ثم يكتشف فيما بعد أنها صنعت في مصنع يعمل بالإنسان الآلي الذي صنع بدوره بماكينات مصنوعة بأيد بشرية.
ومع ذلك، استدلاله الأصلي على وجود أصل ذكي لم يكن خاطئاً، ولكن مفهومه لطبيعة تنفيذ ذلك الذكاء هو الذي لم يكن دقيقاً. أي أن رصد النشاط البشري المباشر في مصنع يعمل بالإنسان الآلي لم يكن ممكناً لأن وجود المصنع نفسه وماكيناته يمثل النتيجة النهائية للنشاط البشري الذكي.
بل إن عالماً بحجم “ت. هـ. هكسلي” الذي علا نجمه في المناظرات الداروينية المبكرة كان على وعي تام بهذا الموقف. ومما يثير الدهشة أنه ذكّر معاصريه أن «هناك غائية أشمل لم تتعرض لها عقيدة التطور على الإطلاق. وهي تتمثل في الطرح الذي يقول إن العالم كله… نتاج تفاعل متبادل بين قوى الجزيئات التي تكون منها ضباب الكون الأولي، وهذا التفاعل يسير وفقاً لقوانين محددة.
وإن كان هذا الطرح صحيحاً، فمؤكد أن العالم الموجود كان يكمن في البخار الكوني، وأنه من المحتمل أن قدراً كافياً من الذكاء تنبأ مثلاً بحالة عالم الحيوان في بريطانيا سنة 1869 تنبؤاً يقينياً كمن يتنبأ بما سيحدث للبخار الناتج من نفسه في أحد أيام الشتاء الباردة، وذلك بناء على معرفة هذا الذكاء بخواص جزيئات ذلك البخار.» ثم خلص إلى أن تعليم التطور «لا يمس الإيمان بالله الخالق على الإطلاق باعتباره عقيدة فلسفية.»
فحتى “هكسلي” لم ير أن علم الأحياء يمكنه حسم مسألة وجود الله أو عدم وجوده. وقد سطر في خطاب أرسله سنة 1883 للكاتب “تشارلز واتس” Charles Watts قائلاً: «جوهر اللاأدرية هو نفسه جوهر العلم، سواء أكان قديماً أم حديثاً. فهي تعني ببساطة أن المرء لا يقول إنه يعرف أو يصدق ما لا يملك له أساساً علمياً يدفعه للاعتراف بمعرفته له أو الإيمان به… وبالتالي، اللاأدرية تضع جانباً جل اللاهوت المعروف، وجل ما هو ضد اللاهوت.» وجدير بالذكر أن “هكسلي” هو من اخترع مصطلح “لاأدري” “Agnostic” ليصف به نفسه.
وتعليق “هكسلي” على ما يكمن في “البخار الكوني” يذكرنا بأن نظرية التطور تتطلب كوناً مضبوطاً دقيقاً ينتج المواد المناسبة بمنتهى الدقة ويعمل طبقاً لقوانين معقدة. والمؤكد أن نظرية التطور البيولوجية لم تمس مطلقاً حجج الضبط الدقيق التي تقوم على الكيمياء والفيزياء وعلم الكون. ومن ثم، يمكننا بكل تأكيد أن نقول إن كلاً من الضبط الدقيق في الكون على المستوى الفيزيائي، وقدرة العمليات الكونية على إنتاج الحياة العضوية عن طريق التطور وفائدتهما في ظهور الحياة الإنسانية يمثلان اثنين من الأدلة القوية على وجود ذكاء خلاق.
ولذلك، لا عجب أن الكثير من العلماء اقتنعوا بهذه النظرية التطورية التي تؤمن بالله الخالق بدءًا من “آسا جراي” وكذلك “ريتشارد أون” في عصر داروين وحتى الآن. وقد كتب الراحل “ستيفن جاي جولد” تعليقاً على ذلك: «إما أن نصف زملائي في منتهى الغباء، أو أن علم الداروينية متوافق تماماً مع المعتقدات الدينية التقليدية، ومتوافق بالقدر نفسه مع الإلحاد».
ومن كبار علماء الأحياء المعاصرين في بريطانيا ممن يؤمنون بالتطور وبالخلق، وهم تحديداً مسيحيون: السير “جيليان برانس” زميل الجمعية الملكية والمدير السابق لحدائق كيو في لندن المعروفة عالمياً، السير “برايان هيب” زميل الجمعية الملكية ونائب رئيس الجمعية الملكية سابقاً، “بوب وايت” Bob White زميل الجمعية الملكية وأستاذ الجيولوجيا بجامعة كامبريدج، “سيمون كونواي موريس” Simon Conway Morris زميل الجمعية الملكية وأستاذ علم أحياء الحفريات بجامعة كامبريدج، “سام بري” Sam Berry أستاذ علم الأحياء التطوري بجامعة لندن، “دنس ألجزاندر” Denis Alexander مدير “معهد فارادي” Faraday Institute في كامبريدج.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية نجد “فرانسيس كولينز” مدير مشروع الجينوم البشري Human Genome Project الذي يفضل مصطلح “بيولوجوس” BioLogos[2] على مصطلح التطور الخلقي Theistic Evolution[3]. وجميعهم يرفضون قطعاً أي محاولة لاستنتاج الإلحاد من نظرية التطور ويعتبرونها محاولة معيبة. وكما يشير “أليستر ماجراث” Alister McGrath: «إن الفجوة المنطقية بين الداروينية والإلحاد كبيرة للغاية ويبدو أن “دوكينز” يفضل اللجوء للبلاغة، بدلاً من الأدلة لسد هذه الفجوة».
أما “دنس ألجزاندر” يخطو خطوة أبعد عندما يقول إن «نظرية التطور الداروينية مهما تنوعت استخداماتها الأيديولوجية منذ 1859، تخلو أساساً من أي معنى ديني أو أخلاقي، ومن يحاولون أن يشتقوا منها هذا المعنى مخطئون». وهو ما لابد أن يختلف معه “ريتشارد دوكينز” وآخرون اختلافاً جذرياً.
ويقول “ستيفن جاي جولد” إن «العلم لا يمكنه (بأساليبه المشروعة) أن يتخذ قرارات فاصلة في قضية وجود الله. فنحن لا نؤكدها ولا ننكرها. ولكن بصفتنا علماء لا يمكننا التعليق عليها أصلاً.»
وأولئك العلماء الذي يعتقدون أنه لا يمكن القول بأن علم الأحياء التطوري ينطوي على أي معان تؤيد الإيمان بالله الخالق أو الإلحاد يرون أنه لا حاجة لنا أن نربط التطور بهذا السياق، وإن كانوا لا ينكرون أن العلم يمكنه أن يدلي بدلوه في قضية العلاقة بين العلم والدين. فمثلاً من يؤمن منهم بالخلق يميل لتأييد حجج الضبط الدقيق التي ذكرناها سلفاً.
والحقيقة أنه لا يمكننا أن نجزم أن التطور البيولوجي (أياً كان نطاقه) يتطلب كوناً مضبوطاً بدقة لدرجة أن الحجج المتعلقة بالطبيعة أو حالة التطور لا تستطيع إضعاف الحجج المقدمة في هذا الكتاب حتى الآن. ولهذا السبب، وتجنباً لاستغلال التطور في زيادة حدة النقاش وليس لمزيج من الاستنارة، قد نظن أنه من الملائم أن نتوقف هنا ونختم مناقشتنا. ولكن لا بد الآن أن نوضح سبب اعتقادنا أنه ليس بوسعنا الاسترخاء والاستمتاع بهذه الرفاهية رغم ما ينتظرنا من أخطار إن قررنا الاستمرار في المناقشة.
مصممون غير مصممين:
ما السر إذن في الإصرار على أن التطور يعني ضمناً الإلحاد؟ الحجة التي تقول إن وجود آلية لا يلغي عمل الفعل الذكي تبدو مقنعة منطقياً للكثير من العلماء، مما يثير حيرتهم حول سبب إصرار العديد من العلماء حتى الآن على أن التطور يعني الإلحاد، وخاصة في ضوء العبارات الحذرة للبعض منهم مثل “هكسلي” وكذلك “جولد”.
سنأخذ شرح “دانيل دنت” نموذجاً. فهو يقول إنه رغم أننا نتفق على أن وجود آلية لا يلغي عموماً وجود مصمم من الوجهة المنطقية، فألية التطور التي اكتشفها داروين على وجه الخصوص لا تحتاج في الحقيقة لمصمم. وطبقاً لما يراه “دنت” يعتبر الاعتقاد أنها تحتاج لمصمم ينم عن عدم فهم الآلية التطورية على حقيقتها. فهو يعترف أن «العمليات الأوتوماتيكية هي نفسها غالباً ما تكون خلائق شديدة الذكاء…
فنحن ندرك أن مخترعي نقل الحركة الأوتوماتيكي في السيارة وفتح الباب الأوتوماتيكي لم يكونوا بلهاء، وأن عبقريتهم تكمن في قدرتهم على خلق شيء يمكنه أن يفعل شيئاً “ذكياً” رغم عدم قدرته على التفكير فيه.» ثم يستطرد قائلاً إن البعض (مثل “تشارلز كينجزلي” المذكور آنفاً) ظنوا أن الله قام بعمله الخلقي عن طريق تصميم مصمم أتوماتيكي.
ولكن “دنت” يأتي بعدئذ إلى نقطته المحورية إذ يزعم أن ما اكتشفه داروين هو عمليه من نوع مختلف (عملية الانتخاب الطبيعي) وزعت العمل “التصميمي” على مدار فترة طويلة من الزمن واحتفظت بما أنجز في كل مرحلة. وهو ما يعني أن الانتخاب الطبيعي يصمم على نحو ما دون أن يكون هو مصمماً ودون أن يكون لديه غرض أمام ناظريه. ويصف “دنت” هذه العملية بأنها “بلا عقل، وبلا دافع، وميكانيكية.»
وأول ما نلحظه هنا أيضاً أن اللغة المستخدمة تبدو غامضة للوهلة الأولى. إلا أن “دنت” يستطرد موضحاً أنه يقصد أن الآلية الداروينية بلا عقل وبلا دافع، بمعنى أنها لا تملك عقلاً وليس وراءها دافع يحركها. فهي آلية بلا دافع Agentless. «شئت أم أبيت، فظواهر مثل هذه [DNA] تعكس قوة الفكرة الداروينية في صميمها.
ألا وهي أن آلة جزيئية صغيرة أوتوماتيكية جامدة لاشخصانية عديمة الفكر والعقل تمثل الأساس النهائي لكل ما في الكون من فعل، وبالتالي لكل ما فيه من معنى، ووعي». إن “دنت” بلغة أرسطو يزعم أن طبيعة العلة الفاعلة (التطور) هي التي تستبعد وجود علة غائية (قصد إلهي).
وبالتالي، فالزعم الأول ليس له أي أهمية وفقاً لتحليل “دنت” ولكن هذا لا يعني طبعاً كونه عديم الأهمية، إذ أننا لا بد أن نتأكد من صحة هذا التحليل.
السؤال الجريء المسكوت عنه:
أقصد بذلك أن نبحث الزعم الثاني الذي يمكن تلخيصه في السؤال ما إذا كانت الآلية التطورية يمكنها أن تتحمل كل ما يوضع عليها من أعباء. والسؤال الأكثر تحديداً هو: هل صحيح ما يزعمه “دوكينز” من أن الانتخاب الطبيعي لا يفسر شكل الحياة فحسب بل يفسر وجود الحياة نفسه؟
ولكن طرح هذا السؤال هو أمر في غاية الخطورة. بل إن الإجتراء على التشكك في ثبات سرعة الضوء لا يثير الإعصار الذي يثار ضد من يجرؤ على التساؤل في صحة جوانب معينة في التركيب الدارويني الحديث. والسؤال حقيقة يستفز “دوكينز” إلى الحد الذي يدفعه إلى الإعلان عن اعتقاده في شيء مطلق (على غير المتوقع): «إن التقيت بشخص يزعم أنه لا يؤمن بالتطور، عندئذ ثق ثقة مطلقة أنه جاهل، أو غبي، أو مجنون (أو شرير، وإن كنت لا أفضل أن آخذ هذا الوصف في الحسبان)».
وحتى هذه الصياغة «يزعم أنه لا يؤمن بالتطور» تبين مدى رغبة “دوكينز” في ألا يصدق أنه من الممكن لأي شخص أن يشكك شكاً حقيقياً، فربما ما زال هناك ولو احتمال بسيط أن يكون زعمه غير مطابق لما يؤمن به فعلياً، أو أنه لا يفهم ما يقول.
ولذلك، فأنا الآن باستمراري في المناقشة أواجه خطورة الحصول على شهادة الجنون من “دوكينز”. فلم لا أقنع بما وصلت له حتى الآن في محاججتي؟ لأن شدة الاعتراض تثير اندهاشي. ما السر وراء هذا الرفض العنيف؟ وفضلاً عن ذلك، لماذا يشتد الاعتراض في هذا المجال من مجالات البحث الفكري على وجه الخصوص دون غيره لدرجة أن أسمع أحد العلماء البارزين (الحاصل على جائزة نوبل) يقول في محاضرة عامة في أكسفورد: «يجب ألا تشك في التطور»؟ لقد جرؤ العلماء على التشكك في كل شيء حتى في نيوتن وأينشتاين.
وقد نشأ معظمنا (وأجرؤ على القول إنها كانت تنشئة صحيحة!) على أن الاعتقاد بأن التشكك في الحكمة السائدة من أهم السبل لنمو العلم. فكل العلوم مهما كانت صلابتها تستفيد من التشكك المستمر فيها. فلماذا يعتبر الشك في التطور من المحرمات؟ ما السر في أن هذه النظرية تحديداً هو الوحيدة في العلم التي تمثل منطقة محظورة ضد الشك؟
وأحد علماء الحفريات الصينيين البارزين “جين بوان تشن” Jun-Yuan Chen، وهو مسيحي، صادف هذه المشكلة عند زيارته للولايات المتحدة الأمريكية سنة 1999. فقد قادته اكتشافاته المذهلة لمخلوقات حفرية غريبة في “تشنجيان” Chengjiang إلى التشكك في فكر التطور التقليدي. وطرح نقد بأسلوب أكاديمي دقيق في محاضراته، إلا أنه لم يجد صدى من مستمعيه، مما أثار دهشته ودفعه أخيراً أن يسأل أحد مضيفيه عن سبب ذلك.
فقال له إن العلماء في الولايات المتحدة لا يعجبهم سماع هذا النقد لنظرية التطور. فأجاب مسروراً بأن الفرق بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين كما يبدو له هو: «إننا في الصين نستطيع نقد داروين، ولا نستطيع أن ننقد الحكومة. ولكنكم في أمريكا تستطيعون أن تنتقدوا الحكومة، ولا تستطيعون أن تنتقدوا داروين.»
لذا، قررن أن أقبل المخاطرة، وهي في الحقيقة مخاطرة مزدوجة لأني عالم رياضيات ولست عالم أحياء. ولكني أستند في ذلك إلى أن علماء الأحياء من داروين إلى “دوكينز” كانوا من الكرم حتى أنهم كتبوا للعامة من الأذكياء على أساس أنهم افترضوا أن الأشخاص ذوي القدرات الفكرية العادية يمكنهم أن يفهموا أفكارهم العلمية. والنتيجة بالتأكد أن أصحاب الذكاء المتوسط أصبح من حقهم التعبير عن اعتراضهم عندما يجدون أن الأفكار المطروحة عليهم ليست مرضية.
وأضيف أنهم يكتسبون مزيداً من القدرة على الاعتراض عندما يصادفون تقييمات للداروينية الحديثة مثل تقييم عالمة الأحياء المرموقة “لين مارجوليس” Lynn Margulis: «مثل طعام سكري يشبع شهيتنا مؤقتاً، ولكنه يحرمنا من الأطعمة ذات القيمة الغذائية الأعلى، كذلك الداروينية الحديثة تشبع فضولنا الفكري بمجردات خالية من التفاصيل الحقيقية، سواء أكانت تتعلق بالتمثيل الغذائي، أو الكيمياء الحيوية، أو البيئة، أو التاريخ الطبيعي».
ولكن قبل أن أخاطر أطرح السؤال الجريء المسكوت عنه، أود أن أشجع القارئ أن يتريث ولا يضع الكتاب جانباً لأني لا أنوي أن أنكر ما يلعبه الانتخاب الطبيعي من دور مهم فيما نراه من تنوعات في عالم الأحياء المحيط بنا، كما أوضح داروين ببراعة. ولكن الأسئلة التي سأطرحها تتعلق بما إذا كانت نظرية التطور قادرة على تحمل كل العبء الملقى على عاتقها. ولكن لا أشك أنها قادرة على تحمل بعض العبء.
ولكن لما كان الكثيرون يرون أن حتى هذا السؤال المتواضع يعد سؤالاً انتحارياً، أود أن أطمئن القارئ إلى أنني إن كنت قد اخترت ميتتي، فقد أعددت بالفعل شاهد قبر مختصر:
هنا يرقد جثمان “جون لنكس”
تسألني: لماذا يرقد في هذا الصندوق الخشبي؟
مات بمرض أبشع من الجدري
الانحراف عن الفكر الدارويني
ولذلك، من وراء قبري المنتظر، إن جاز التعبير، أود أولاً أن أوضح سبب شدة الاعتراض على الشك في التطور من وجهة نظري آملاً أن أمهد بذلك الطريق لمناقشة ذات المعنى.
نبدأ بنقطة أشرنا إليها آنفاً، ألا وهي العلاقة الغريبة أو الفريدة بين نظرية التطور والافتراضات الفلسفية والمتعلقة بالمنظور الفلسفي.
علاقة التطور بالفلسفة:
اعتراف “ستريكبرجر” المذكور سلفاً أنه يرى أن الحماس لنظرية التطور يرجع ولو في جزء منه إلى محاولة إزاحة الله، يدفعنا للتساؤل عن ارتباط نظرية التطور بالميتافيزيقا. وهو ما قد صرح به “مايكل روس”، وهو فيلسوف تطوري بارز، في محاضرة رئيسية أمام الجمعية الأمريكية للنهوض بالعلم American Association for the Advancement of Science سنة 1993 حيث زعم أن التطور يمثل ديانة علمانية للكثير من التطوريين.
ويذكرنا “كولن باترسون” Colin Patterson بتحذير “بوير” أن حتى النظرية العلمية يمكن أن تتحول إلى موضة فكرية، بديلة للدين، وتصبح عقيدة راسخة، مضيفاً أنه «من المؤكد أن هذا ينطبق على نظرية التطور.» أما “فيليب جونسون” Phillip Johnson من “جامعة كاليفورنيا” University of California في “بركلي” الذي فعل الكثير لإثارة مناقشات عالية المستوى حول هذا الموضوع، فقد أشار إلى «الخطورة هنا تكمن في توسيع فرضية منهجية مفيدة في أغراض محدودة حتى تحولت إلى مطلق ميتافيزيقي».
ومنذ فترة طويلة وصف “دونالد ماكيي” Donald Mckay، الخبير في دارسة شبكات التواصل في المخ، الكيفية التي حدث بها هذا التحول: «بدأت الاستعانة بنظرية “التطور” “Evolution” في علم الأحياء، باعتبارها بديلاً لله على ما يبدو. إن كان ذلك قد حديث في علم الأحياء، فما المانع أن يحدث في مجالات أخرى؟ وسرعان ما تم تحوير المصطلح بحيث يتحول من فرضية فنية متعلقة بقضية محددة… إلى مبدأ ميتافيزيقي إلحادي، والاستعانة به تشفي الشخص من أي رعشات لاهوتية تنتابه أمام مرأى الكون المهيب.
إن “المذهب التطوري” “Evolutionism” عندما كتب بحرف E كبير ورفع دون وجه حق إلى مرتبة نظرية التطور العلمية (التي لم تعطه أي مبرر في الحقيقة) أصبح الاسم الذي يطلق على فلسفة كاملة مضادة للدين لعب فيها “التطور” دور إله شخصاني إن جاز التعبير باعتباره “القوة الحقيقية في الكون”».
وقد أدرك “سي. إس. لويس” هذه القضية قبل ذلك. وكان كمن ينبئ بما سيحدث مستقبلا عندما أوضح في مقال بعنوان “جنازة أسطورة عظيمة” “The Funeral of a Great Myth” أنه «علينا أن نميز جيداً بين التطور باعتباره نظرية بيولوجية، والمذهب التطوري الرائج… الذي يعتبر أسطورة دون أدنى شك.» ويؤسس “لويس” هذا التصريح أولاً على الترتيب الزمني: «لو لم يكن المذهب التطوري (كما يتخيل نفسه) أسطورة، بل كان الأثر الفكري المشروع للنظرية العلمية على عقول العامة، لكان قد نشأ عقب انتشار النظرية». ولكنه يستطرد قائلاً إن هذا لم يحدث. فمن الناحية التاريخية، ظهرت فلسفة المذهب التطوري قبل نظرية التطور البيولوجية بفترة طويلة.
أما الأساس الثاني فهو الدليل الداخلي الذي يقدمه “لويس” على زعمه. «المذهب التطوري… يختلف في محتواه عن التطور كما يعرفه علماء الأحياء الحقيقيون. فالتطور عند عالم الأحياء يمثل فرضية. وهو يتناول عدداً من الحقائق أكبر مما تتناوله أي فرضية أخرى في سوق الأفكار. ومن ثم، فهو يحظى بقبول العالم إلا إذا ظهر مقترح جديد يتناول عدداً أكبر من الحقائق بعدد أقل من الافتراضات. وعلى أقل تقدير هذا هو ما أظن أن معظم علماء الأحياء يتفقون عليه.
إلا أن البروفسور “د. م. س. واطسون” D. M. S. Watson لا يجهد نفسه كثيراً. فهو يرى أن التطور «مقبول بين علماء الحيوان، لا لأنه خضع للملاحظة أثناء حدوثه ولا… لأنه يمكن إثبات صحته بالأدلة المتسقة منطقياً، ولكن لأن البديل الوحيد، ألا وهو الخلق الخاص Special Creation لا يصدق.» وهو ما يعني أن الأساس الوحيد لتصديق التطور ليس تجريبياً بل ميتافيزيقياً، عقيدة جامدة يعتنقها الميتافيزيقي قليل الخبرة الذي يصعب الخلق الخاص. ولكني لا أظن كون الأمر بهذه البساطة.» وإني أتساءل عما كان سيقوله “لويس” لو كان على قيد الحياة اليوم.
النتائج المنطقية المتضمنة في الفلسفة الطبيعية: التطور بصفته ضرورة فلسفية:
ملاحظة “لويس” تصل بنا إلى لب القضية. بينا آنفاً أن الفلسفة الطبيعية لا تنتج عن التطور البيولوجي (تذكر الزعم الأول)، ولكن هل يمكن أن نستنتج التطور البيولوجي من الفلسفة الطبيعة؟ أي سنفترض أن الفلسفة الطبيعية صحيحة. عندئذ فإن الضرورة المنطقية وحدها تستلزم تفسيراً تطورياً للحياة بغض النظر عن أي دليل يدعمها. وإلا ما هي الاحتمالات الأخرى؟ فإن كانت نقطة انطلاقنا مثلاً هي الفرضية المادية بأن كل ما لدينا هو المادة أو الطاق والقوى الفيزيائية، إذن ليس أمامنا سوى خيار واحد: المادة أو الطاقة مع قوى الطبيعة أنتجتا الحياة على مدار الزمن، وهو ما يمثل نوعاً من التطور.
وليس جديداً أن نقول إن التطور يمثل ضرورة فلسفية من منظور الفلسفة الطبيعية والمادية. فقد أدرك الفلاسفة هذه الحقيقة قبل “دوكينز” وداروين بمئات، بل بآلاف السنين. فمثلاً أبيقور الفيلسوف المادي الإغريقي استخدم هذا المنطق تحديداً لاشتقاق نظرية تطورية من نظرية ديموقريطوس الذرية. وأقوى تعبير عن النظرية الأبيقورية نجده في قصيدة De Rerum Natura (“في طبيعة الأشياء” “On the Nature of Things” أو “في طبيعة الكون” “On the Nature of the Universe” كما تترجم غالباً) اللاتينية التي كتبها الشاعر الروماني لوكريشوس نحو منتصف القرن الأول قبل الميلاد.
ويطلق “بنيامين ويكر” Benjamin Wiker على لوكريشوس لقب “أول دارويني” في دراسة تفصيلية أجراها عليه حديثاً ويزعم أن لوكريشوس الذي شهدت فلسفته بعثاً جديداً في عصر النهضة الأوروبية يجب أن يعتبر الأب الفكري للفلسفة الطبيعة المعاصرة.
ومن ثم، فنحن نواجه في المحيط العلمي المعاصر موقفاً في منتهى الغرابة حيث تقف واحدة من أكثر النظريات العملية تأثيراً، وهي التطور الكبير أو “الماكرو تطور” Macroevolution البيولوجي في علاقة وثيقة مع الفلسفة الطبيعية لدرجة أنها يمكن أن تستنتج منها مباشرة، أي حتى دون الحاجة للبحث عن أي أدلة كما يتبين صراحة من حجج لوكريشوس القديمة.
وهو موقف غريب من نوعه لأنه يصعب أن نجد نظرية علمية أخرى في مثل هذا الموقف. تخيل مثلاً استنتاج نظرية نيوتن في الجاذبية أو نظرية أينشتاين في النسبية أو نظرية الكهروديناميكا الكمية من مبدأ أو منظور فلسفي، سواء أكان المبدأ المادي أو الطبيعي أو حتى مبدأ الإيمان بالله الخالق. ما من سبيل لفعل ذلك. ولكن مع التطور، يمكن فعل ذلك، كما رأي لوكريشوس وكما يرى أي شخص يفكر في الأمر قليلاً.
ضغط النموذج المعرفي:
لا شك أن التشابه اللافت للنظر بين نظرية علمية ومنظور فلسفي لا يدل على صحة هذه النظرية أو خطئها. إلا أنه يعني فعلياً احتمال وجود ضغط فلسفي هائل من البديهيات المفترضة مسبقاً apriori التي يقوم عليها النموذج المعرفي Paradigm الخاص الطبيعية أو المادية السائدة للحد الذي لا يخضع مع جوانب النظرية العلمية للتحليل النقدي الشامل والدقيق الذي يجب أن يميز العلم بكل أشكاله.
وقد حذر “توماس كون” Thomas Kuhn من النماذج المعرفية التي تنتج ما يشبه الصندوق الجامد، مما يؤدي لإهمال الأشياء التي لا تتناسب مع حجم الصندوق. فإن ثبتت صحة شيء منها، من السهل جداً تجاهل الأدلة المؤيدة له لأنها تتعارض مع النموذج، أو رفضها دون تمعن باعتبارها غير ذات صلة. ولتجنب هذا الخطر، أكد “ريتشارد فاينمن” أنه على المرء أن يحرص على رصد كل الأدلة المضادة لنظرياته، وعليه أن يبذل قصارى جهده في دراستها، لأن أسهل أنواع الخداع هو خداع الإنسان لنفسه.
ولكن المؤسف أن تحذيرات “كون” وتحذيرات “فاينمن” غالباً ما لا تحظى باهتمام، مما يجعل التشكك في التطور، حتى إن كان على أسس علمية، مهمة محفوفة بالمخاطر. وذلك لأنها في نظر الكثيرين تعادل التشكك فيما يرونه حقيقة عظمى تقتضيها الضرورة الفلسفية. وهكذا يواجه المتشكك خطورة أن يصنف ضمن المجانين المتطرفين، هذا إن لم يعط شهادة بذلك. ولكن ما يثير السخرية أن ذلك الموقف هو عين ما واجهه جاليليو.
فالتشابه واضح جداً بين المذهب الأرسطي الذي ساد في عصره والمذهب الطبيعي الذي يسود عصرنا الحاضر. لقد قبل جاليليو أن يواجه خطورة الشك في أرسطو، ولا يخفى على أي منا ما حدث له. ولا يخفى علينا أيضاً أي الفريقين كان على صواب. والسؤال هو: هل نتعلم أي شيء من هذا الحدث؟ أم هل لا بد أن يحظى داروين بالحماية التي حظي بها أرسطو؟ أو لم يكن ثبات الأرض حقيقة واضحة آنذاك؟
ويسير عالم الوراثة “ريتشارد ليونتن” على نهج مشابه لنهج “دوكينز” مؤكداً بكل ثقة حقيقة التطور إذ يقول «حان الوقت… لنصرح أن التطور حقيقة، وليس نظرية… الطيور نشأت من اللاطيور، والبشر من اللابشر. ولا يمكن لأي شخص يدعي أدنى درجات الفهم للعالم الطبيعي أن ينكر هذه الحقائق إلا إذا كان يمكنه أن ينكر أن الأرض كروية، وتدور حول محورها وتدور حول الشمس».
وبعد أن رأينا ما يحكم “ليونتن” من فلسفة مادية مفترضة بديهياً (انظر الفصل الثاني) يمكننا أن نرى احتجاجه في سياقه المناسب، أي يمكننا أن ندرك أنه ليس أمامه خيار آخر يتلاءم مع هذه الفلسفة. إلى أن هذا الاعتراض العنيف يرجع في جزء منه إلى الغموض الذي يكتنف تعريف مصطلح “التطور”.
[1] يعرف “قاموس أكسفورد” وحدة الوجود بأنها الاعتقاد الذي ينظر لله والكون باعتبارهما وحدة واحدة، أو يعتبر الكون تجلياً لله. ويشار أيضاً لهذه العقيدة بتعبير كل شيء هو الله. (المترجم)
[2] الكلمة عبارة عن مزيج من لفظة “بيو” bio– أي “حيوي” أو “حي” وكلمة “لوجوس” Logos اليونانية التي تعني “الله الكلمة” كما نعرفها في المفهوم الكتابي في العهد الجديد. وهي الاسم الذي أطلقه “فرانسيس كولينز” على منظمة أسسها بهدف إبراز التناغم بين العلم والإيمان الكتابي بتقديم منظور تطوري للخلق (http://biologos.org)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم).
[3] يشير إلى الاعتقاد بأن الله خلق كافة أشكال الحياة على مدى فترة طويلة عن طريق عملية التطور كما يصفها التركيب الحديث أو أي من صوره (www.sawtonline.org/evolution-creation-dectionary)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم).
“لم يعد هناك إنسان يجادل صحة ما يُسمى بنظرية التطور، التي نعرفها الأن بصفتها حقيقة بسيطة”.
أرنست مير (عالم الأحياء المؤمن بالتطور)[1]
“العلماء الذين يرفضون تماماً نظرية التطور قد يكونوا إحدى أقلياتنا المثيرة للخلاف والأسرع نمواً… وكثير من العلماء الذين يؤيدون هذا الموقف لديهم مؤهلات عليا في العلم”.
لاري هاتفيلد (في خلاصة العلم [2](Science Digest
كان هناك مائة عالم منهم: علماء أحياء، وعلماء كيماء، وعلماء حيوان، وعلماء طبيعة، وعلماء علم الإنسان، وعلماء أحياء جزيئية وخلوية، وعلماء هندسة حيوية، وعلماء كيماء عضوية، وعلماء جيولوجيا، وعلماء فيزياء فلكية، وغيرهم. وقد حصلوا على درجات الدكتوراه من جامعات مرموقة مثل كامبردج، وستانفورد، وكورنل، وبيل، وروتجرز، وشيكاغو، وبرنستون، وبرردو، وديوك، وميتشغن، وسيراكوز، وتمبل، وبيركلي.
كان من ضمنهم أساتذة من كلية بيل، ومعهد ماساشوستس للتكنولوجيا، وتولين، ورايز، وإيموري، وجورج ماسون، ولاهاي، وجامعات كاليفورنيا، وواشنطن، وتكساس، وفلوريدا، وكارولينا الشمالي، وويسكونس، وأوهايو، وكولورادو، ونبراسكا، وميسوري، وأيوا، وجورجيا، ونيو مكسيكو، ويوتا، وبنسلفانيا، وغيرها.
وكان بينهم مدير مركز أبحاث الكيمياء الكمية، وعلماء من معمل فيزياء البلازما في جامعة برنستون، والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في معهد سميثونيان، ومعهد لوس ألاموس الوطني، ومعامل لورانس ليفرمور.
وقد أرادوا أن يعلم العالم شيئاً واحداً: أنهم متشككين.
بعدما أكد المتحدثون الرسميون عن الحلقات التلفزيونية “التطور”، أن “كل الدلائل العلمية المعروفة تؤيد [الدارونية]، كما يؤيدها كل عالم محترم في العالم”، نشر هؤلاء الأساتذة، وباحثو المعامل، وعلماء آخرون إعلاناً من صفحتين في مجلة قومية تحت شعار “انشقاق علمي حول الدارونية”.
كانت حجتهم مباشرة وجريئة. قالوا “نحن نشك في ادعاءات القدرة على التحول العشوائي والاختيار الطبيعي كسبب لتعقد الحياة. ويجب تشجيع إجراء فحص دقيق للأدلة المؤيدة للدارونية”[3].
لم يكن هؤلاء أصوليين ضيقي الأفق، أو مثل محتجي فيرجينيا الغربية، أو متشددين دينين ثائرين، بل علماء عالميين محترمين مثل هنري شافر، الذي رشح لجائزة نوبل، وثالث أشهر كيميائي على مستوى العالم جيمس تور من مركز جامعة رايز لعلم الـ Nanoscale والتكنولوجيا، وفريد فيجوورث أستاذ علم وظائف الأعضاء الجزيئية والخلوية في جامعة بيل.
ورغم شبح الاضطهاد المهني، إلا أنهم طرقوا جميعاً الرأي غير اللائق اجتماعياً بأن إمبراطور نظرية التطور عاري.
بينما درست نظرية التطور في المدرسة الثانوية ثم الجامعة، لم يخبرني أحد على الإطلاق ان هناك علماء جديرين بالثقة لديهم تشكك بارز تجاه نظرية دارون. فقد كنت أعتقد أن القساوسة الجهلة هم فقط الذين يعترضون على نظرية التطور من منطلق أنها تتعارض بشكل ما مع تأكيدات الكتاب المقدس. ولم أكن أعلم – طبقاً للمؤرخ بيتر باولر، أن نقاداً علميين مهمين للاختبار الطبيعي بدأوا باكراً جداً لدرجة أن بحلول العام 1900 “كان خصومها مقتنعون أنها لن تستعيد نفسها”[4].
ومشاهدو الحلقات الشهيرة 2001 PBS لم يُخبروا بهذا الأمر أيضاً. في الحقيقة، أثار وصف التطور من جانب واحد تراجعا من قبل كثير من العلماء. وقد أكدت نشرة نقدية مفصلة من 151 صفحة ان النظرية “فشلت في تقديم المشكلات العلمية الخاصة بدلائل الدارونية بطريقة دقيقة وعادلة”. وأنها تجاهلت أيضاً بطريقة منظمة “الاختلافات بين علماء الأحياء المؤمنين بالتطور أنفسهم”[5].
في بحثي لتحديد ما إذا كان العلم المعاصر يؤيد أم يعارض الله، عرفت أنه ينبغي عليّ أولاً فحص تأكيدات نظرية التطور للوصول للنتيجة الحاسمة ما إذا كانت الدارونية تخلق أساساً معقول للإلحاد. لأنه إذا كانت مادية نظرية دارون حقيقة، فقد تكون النتائج الإلحادية التي توصلت إليها عندما كنت طالباً صحيحة. وفقط بعد حل هذه القضية يمكنني أن أتقدم لتقييم ما إذا كان هناك دليل مؤكد ومقنع على وجود خالق.
لهذا قررت العودة إلى أيام الدراسة لإعادة فحص صور التطور تلك – تجربة ميلر، وشجرة حياة دارون، وأجنة هايكل، وحلقة الطائر الأول المفقود – والتي أقنعتني بأن عمليات التطور الغير موجهة والتي بلا هدف تفسر أصل الحياة وتعقيد الحياة.
هذه الرموز بالية بشدة. وفي الحقيقة، حتى يومنا هذا، فإن نفس هذه الأيقونات القديمة ما زالت موجودة في كثير من كتب الأحياء، وفي أذهان الطلبة عبر أرجاء الدولة. ولكن هل هي دقيقة فيما تقوله؟ وماذا تقول لنا حقاً عن مصداقية الدارونية؟
كنت أفكر في هذه الأمور في وقت متأخر ذات ليلة بينما كنت منكباً على لوحة مفاتيح الكمبيوتر، وأبحث عن تذكرة طيران عبر الأنترنت. دخلت ليزلي مكتبي، واتكأت على كتفي.
“أين ستذهب؟”
فأجبتها: “إلى سياتل”، وأدرت مقعدي كي أكون مواجهاُ لها، وأضفت: “هناك عالم يمكنه أن يشرح صور التطور هذه التي أثرت عليّ. أعتقد أنه يمكنني الاستناد إليه”.
“ماذا تقصد؟”
“لقد درس نظرية التطور وهو طالب بالكلية، وخمني ماذا حدث؟”
فنظرت إليّ متحيرة: “ماذا حدث؟”
“صار ملحداً”
اللقاء الأول: جوناثان ويلز، دكتوراه في الأحياء، دكتوراه في اللاهوت
لم تتعمق حصص العلوم في شرح الدارونية عندما كان جوناثان ويلز طالباً في المدرسة الثانوية في أواخر الخمسينات، لكنه عندما بدأ في دراسة الجيولوجيا في جامعة برنستون، وجد أن كل شيء ينظر إليه من خلال نظرية التطور. ومع أنه تربى في الكنيسة المشيخية، إلا أنه في منتصف دراسته بالكلية اعتبر نفسه ملحداً.
سألته: “هل تأثر إلحادك بنموذج دارون؟”
“بكل تأكيد. إن قصة التطور حلت ببساطة محل كل الاستعارات الدينية التي نشأت عليها. لم أعد بحاجة للأمور الروحية ما عدا ذاك الشعور الغامض الذي كان يراودني للبحث عن الحق”.
كنت أجلس مع ويلز في أحد مكاتب معهد الاكتشاف، والواقع في الدور الرابع من مبنى مكتبي بسيط في وسط سياتل. يعمل ويلز كزميل اول في مركز العلم والثقافة بالمعهد، وهي منظمة تمزج عاطفته المزدوجة لكل من العلم المكثف وقضية تأثير العمل على المجتمع الأوسع.
كانت شهادته قبل التخرج من جامعة كاليفورنيا في بيركلي في الجيولوجيا والفيزياء، مع دراسة فرعية في الأحياء. أما في جامعة بيل، حيث حصل على درجة دكتوراه في الدراسات الدينية، فقد تخصص ويلز في مجادلات القرن التاسع عشر حول دارون. ونُشر كتابه “نقد تشارلز هوج للدارونية Charles Hodge’s Critique of Darwinism في العام 1988[6].
في العام 1994، حصل ويلز على درجة دكتوراه في الأحياء الجزيئية والخلوية من بيركلي، حيث ركز أساساً على علم أجنة الفقاريات والتطور. وعمل فيما بعد في بيركلي كباحث في علم الأحياء بعد نوال درجة الدكتوراه. كتب ويلز في المظاهر العلمية والثقافية للتطور في صحف مثل Origins & Design, The Scientist, Touchstone, The American Biology Teacher, Rhetoric and Public Affairs, في حين أن مقالاته الفنية – التي ظهرت بعناوين مثيرة مثل Microtubule – mediated transport of organelles and localization of beta-certain to the future dorsal side of Xenopus eggx – صدرت في Proceedings of the National Academy of Sciences USA,Development وBiosystems.
وكمعارض عنيد، لا يتجنب ويلز المعارضة. فبعد أن قضى سنتين في الجيش أصبح ناشطاً مناهضاً للحرب في بيركلي، وانتهى به الأمر بقضاء فترة في السجن لرفضه الذهاب إلى فيتنام كجندي احتياطي. وفيما عاش بعد ذلك مثل حياة عالم الطبيعة Thoreau، في مكان بعيد في كاليفورنيا، صار مفتوناً ومعجباً بجلال الخليقة وعظمتها، واكتسب ثقة جديدة في أن الله هو الذي وراءها. تجدد اهتمامه الروحي. واكتشف العديد من البدائل الدينية، وقام بزيارة معلمي الهندوس والقساوسة[7].
ومع ذلك، لم أحضر إلى سياتل بحثاً عن الحكمة الروحية من ويلز، لكني طلبته من أجل خبرته العلمية، ولأنه ألف كتاباً جذب عنوانه اهتمامي حالة رأيته.
كتاب “أيقونات التطور Icons of Evolution“، الذي نشر في العام 2000، ينظر نظرة علمية واضحة لنفس الصور المرئية التي أقنعتني بحقيقة نظرية دارون في التطور. وقد كانت هناك تجربة ميلر، وشجرة حياة دارون، وأجنة هايكل، وحلقة الجناح القديم المفقودة، جنباً إلى جنب مع رموز أخرى كثيرة عن التطور. أما العنوان الفرعي لكتابه فقد أثار فضولي بشكل خاص: لماذا يعتبر الكثير مما نُعلمه عن نظرية التطور خاطئاً[8].
وقد حانت فرصتي آنذاك لأضع هذه الصور، والسؤال الأعمق حول المصداقية النهائية للدارونية تحت الاختبار. استرخيت على كرسي وثير يواجه ويلز بلحيته ونظارته، والذي كان يجلس خلف مكتب خشبي. كان يرتدي قميصاً ذات خطوط قصير الأكمام. وبينما تحادثنا حديثاً غير رسمي بصوت رقيق قبل مقابلتنا سرعان ما صار مفعماً بالحيوية بينما بدأنا خوض موضوعه الحساس حول نظرية التطور.
قلبت صفحات مذكراتي القانونية الصفراء للوصول لصفحة فارغة، وأمسكت بيدي قلماً. فبعد أن قادتني هذه الصور الخاصة بالتطور في رحلة نحو المذهب الطبيعي والإلحاد بأكثر من 35 عاماً، كنت مهتماً بالحصول على القصة الحقيقية[9].
تحري في الأيقونات
في البداية، لخصت لويلز كيف أن صور التطور الأربع أثرت على اتجاهي نحو الإلحاد. وبتعبير رقيق عن تعاطفه، كان يومئ رأسه كلما تكلمت كما لو كان يؤكد لي أنه كان يفهم ما اجتزته. في ختام قصتي، أشرت إلى نسخة من كتابه كانت على المكتب.
قلت له: ” لقد وضعتَ هذه الرموز الأربعة في كتابك بالإضافة إلى غيرها، وأسميتها “أيقونات التطور”، فلماذا استخدمت هذا المصطلح؟”
انحنى ويلز للأمام، ووضع كوعه على المكتب، وقال: “لأنك إن طلبت من أي عالم أن يصف لك الدليل المؤيد للدارونية، فسوف يقدم لك مراراً نفس هذه الأمثلة. إنها موجودة في كتبنا المدرسية وهي التي نُعلمها لتلاميذنا. وبالنسبة لكثير من العلماء، هي الدليل المؤيد للتطور”.
“وماهي الأيقونات الأخرى؟”
“بالإضافة إلى الأربعة التي تأثرت بها، هناك تشابه في التركيبات العظيمة في جناح خفاش، وزعانف دولفين، وساق حصان، ويد إنسان. وتتخذ هذه كدليل على أصلها المشترك في سلالة مشتركة. كما توجد صور في كتب المدرسية لعث ملون على جذوع الأشجار تبين كيف أن التمويه والطيور الجارحة ينتجان عن الاختيار الطبيعي. وبالطبع، فإن هناك عصافير دارون – طيور جزيرة Galapagos التي تستخدم أيضاً لتدعيم الاختيار الطبيعي. ومع ذلك، ربما تكون أشهر الأيقونات هي الرسم الذي نشاهده على الكثير من رسوم الكارتون – مشي المخلوقات الشبيهة بالقرود بينما تتطور ببطء إلى بشر، وهذا ما يبين أننا مجرد حيوانات تطورت بأسباب طبيعية معدومة الهدف”.
توقفت للحظات بينما كنت أسجل بعض الملاحظات، ثم قلت: “قبل أن نواصل حديثنا، دعنا نصل إلى تعريفاتنا مباشرة. عندما يذكر الناس كلمة “تطور”، فهم يقصدون فقط أن تغيراً قد حدث بمرور الزمن. لكن هذا ليس وصفاً دقيقاً، أليس كذلك؟”
“بالقطع لا، لو كان هذا هو كل المقصود من الدارونية، لما وجد هناك أي تناقض، لأننا نتفق جميعاً على وجود التغير البيولوجي بمرور الزمن. آخرون يُعرفون التطور على إنه مجرد “سلالة بها تعديل”. لكني أقول مرة أخرى إن الجميع يتفقون على أن كل الكائنات الحية في فصيلة واحدة ترتبط من خلال سلالة بها تعديل. وهذا يحدث في المسيرة العادية للتكاثر البيولوجي”.
تؤكد الدارونية على أكثر من هذا، فالدارونية هي نظرية أن كل المخلوقات الحية هي سلالات معدلة لنسل مشترك عاش منذ زمن بعيد. فمثلاً، أنت وأنا، سلالة أسلاف شبه قرود – وفي الواقع، نشترك في نسل مشترك مع ذباب الفاكهة. تؤكد الدارونية على أن كل فصيلة جديدة ظهرت يمكن تفسيرها بفكرة سلاله بها تعديل. وتؤكد الدارونية الجديدة أن هذه التعديلات هي نتيجة الاختيار الطبيعي الذي يعمل في التحولات الجينية العشوائية”[10].
فقلت: “إن كانت هذه الأيقونات هي التفسيرات الأكثر وروداً كدليل مؤيد لنظرية التطور، عندئذ يمكنني أن أفهم لماذا هي مهمة، فماذا اكتشفت بينما فحصتها الواحدة تلو الأخرى؟”
فلم يتردد ويلز، وأجاب: “اكتشفت أنها إما زائفة أو مضللة”.
فرددت: “زائفة أو مضللة؟ مهلاً، هل تقصد أن معلمي في مادة العلوم كان يكذب عليّ؟ هذه تهمة خطيرة!”
فهز ويلز رأسه قائلاً: “كلا، لست أقصد هذا؛ فربما يكون هو قد صدّق هذه الأيقونات أيضاً. إني متأكد من أنه لم يكن حتى واعياً بالطريقة التي تشوه بها الدليل. لكن النتيجة النهائية هي نفس الشيء – فالكثير مما كان مدرسي العلوم يقولونه للتلاميذ ببساطة خاطئ. والكثير مما قيل لك شخصياً عن الأيقونات مثلاً من المحتمل أن يكون زائفاً”.
فكرت في تضمينات ذلك للحظات. وقلت: “حسناً، دعني أتابع طريقة تفكيرك. إن كانت هذه الأيقونات يستشهد بها العلماء كثيراً لأنها ضمن أفضل الأدلة المؤيدة للدارونية…”
فأضاف مواصلاً كلامي: “…. وإن كانت إما زائفة أو مضللة، فماذا يقول لنا هذا عن نظرية التطور؟ هذه هي القضية. والسؤال الذي أطرحه الآن هو ما إذا كان كل هذا هو حقاً علم، أم إنه نوع من الأساطير؟”
هذا هو نفس السؤال الذي أردت تتبعه. قررت أن يكون مدخلي هو أن أسأل ويلز عن قصة كل أيقونة تأثرت بها بصفة شخصية. بدأت بالصورة صاحبة التأثير الأقوى، وهي صورة الأنابيب والقوارير، والأقطاب الكهربية التي رسمها ستانلي ميلر في تجربة العام 1953، حيث أشعل فيها الكهرباء في جو شبيه بجو الأرض المبكرة، ومُنشأ الأحماض الأمينية – القوالب البنائية للحياة.
وقد كان التضمين الواضح – أن الحياة يمكن أن تُخلق بطريقة طبيعية دون تدخل خالق – هو المسؤول بصورة كبيرة عن تحرري من حاجتي إلى الله.
الصورة الأولى: تجربة ميلر
من الواضح أن أهمية تجربة ميلر – التي ما زالت حتى يومنا هذا مصورة في كثير من كتب الأحياء المدرسية – تتوقف على ما إذا كان قد استخدم جواً مماثلاً بدقة لبيئة الأرض المبكرة. في ذلك الوقت، كان ميلر يعتمد بقوة على نظريات الغلاف الجوي التي وضعها هارولد يوري، الذي أشرف على رسالة الدكتوراه الخاصة به، والحائز على جائزة نوبل.
“ما أفضل تقييم علمي اليوم. هل استخدم ميلر الغلاف الجوي الصحيح أم لا؟”
استند ويلز للخلف في كرسيه، وبدأ قائلاً: “حسناً، لا أحد يعرف على وجه التحديد كيف كان الغلاف الجوي، لكن الإجماع هو أن الجو لي يشبه على الإطلاق ذاك الذي استخدمه ميلر.”
“لقد اختار ميلر مزيجاً غنياً بالهيدروجين من الميثان، والأمونيا، وبخار الماء، الذي كان متناغماً مع فكر الكثير من العلماء آنذاك لكن العلماء لم يعودوا يصدقون ذلك. وكما قال أحد علماء الجيوفيزياء في معهد كارنيجي في الستينات “ما دليل وجود غلاف جوي بدائي من الميثان والأمونيا على الأرض؟ والإجابة هي أنه لا يوجد دليل على ذلك، ولكن على العكس يوجد الكثير ضده”[11].
“بحلول منتصف السبعينات، كان أستاذ الكيمياء الحيوية مارسيل فلوركين يصرح بأن مفهوم ما وراء نظرية ميلر عن الغلاف الجوي المبكر للأرض “قد هجر”[12] وأكد باحثان بارزان في أصل الحياة؛ وهما كلوس دوس، وسيدني فوكس أن ميلر قد استخدم المزيج الخاطئ من الغاز[13]. وفي العام 1995، قالت مجلة علوم Science إن الخبراء يرفضون الآن تجربة ميلر لأن “الغلاف الجوي المبكر لا يشبه بأي حال نموذج Miller-Urey”[14].
“ما هو الفكر الحالي للعلماء بخصوص محتوى الغاز للأرض المبكرة؟”
“أفضل فرضية الآن هي أنه كان هناك القليل جداً من الهيدروجين في الغلاف الجوي لأنه ريما يكون قد تسلل إلى الفضاء. وبدلاً من ذلك، فمن المحتمل أن الغلاف الجوي كان يحتوي على ثاني أكسيد الكربون، والنتروجين، وبخار الماء. وأعتقد ان الكتب المدرسية ما زالت تقدم تجربة ميلر كما لو أنها تعكس بيئة الأرض المبكرة، بينما يقول معظم علماء كيماء الأرض منذ الستينيات إنها كانت مختلفة تماماً عن تجربة ميلر”.
ثم سألته السؤال المنطقي التالي: “ماذا يحدث لو أعدت التجربة مستخدماً الغلاف الجوي الدقيق؟”
“أقول لك هذا: لن تحصل على أحماض أمينية، وهذا أمر مؤكد. بعض الكتب المدرسية غير أمينة عندما تقول: “حتى وإن استخدمت غلافاً جوياً واقعياً، فسوف تحصل أيضاً على جزيئات عضوية، كما لو ان هذا سيحل المشكلة”.
بدا هذا محفزاً بالفعل، فقلت: “جزيئات عضوية” لست عالماً بالكيمياء الحيوية، ولكن ألا يمكن أن تكون هذه مواداً مُشكلة للحياة؟”
“هذا ما تبدو عليه، ولكن هل تعرف ما هي؟ إنها الفورمالديهايد!* والسيانيد!”، قالها وصوته يرتفع للتأكيد. قد تكون جزيئات عضوية، لكن لا يمكنك حتى الاحتفاظ بزجاجة مغلقة من الفورمالديهايد في الغرفة في معملي في بيركلي، لأن مادتها سامة للغاية. فإذا فتحت الزجاجة، لأسهمت في قلي البروتينات في أرجاء المكان بمجرد الأدخنة. إنها تقتل الأجنة. فالفكرة التي تقول بأن استخدام غلاف جوي واقعي يوصلك للخطوة الأولى في معرفة أصل الحياة مجرد فكرة ساذجة”.
والآن، يمكن حقاً لعالم كيمياء عضوية جيد أن يحول الفورمالديهايد والسيانيد إلى جزيئات بيولوجية. ولكن أن تفترض أن الفورمالديهايد والسيانيد يعطيانك الجوهر الصحيح لأصل الحياة، فهذه مجرد دعابة”. قالها ضاحكاً.
توقف قليلاً قبل أن يُطلق خاتمته الحاسمة: “هل تعلم ما الذي تحصل عليه؟ سائل للتحنيط!”.
وضع المدعبل* سوية
أطاح التقدم العلمي بتجربة ميلر بشكل واضح، وحتى وإن لم تلاحظ بعض الكتب المدرسية ذلك حتى الآن، لكني كنت أولد الاستمرار واختبار سيناريوهات أخرى.
بدأت قائلاً: لنقل إن عالماً تمكن يوماً ما بالفعل من إنتاج أحماض أمينية من غلاف جوي واقعي للأرض المبكرة. وقد لاحظت آنذاك أن ويلز كان مستعداً لمقاطعتي، لذلك بادرته قائلاً: حسناً؛ أو لنفترض أن الأحماض الأمينية قد جاءت إلى الأرض في مذنب، أو بأية وسيلة أخرى. سؤالي هو: إلى أي مدى سيكون هذا الأمر من خلق خلية حية؟”
فقال بينما تفكر في السؤال: “أوه، إلى مدى بعيد جداً، بعيد للغاية. ستكون هذه أول خطوة في عملية معقدة للغاية. يجب عليك أن تحصل على العدد الصحيح من الأنواع الصحيحة من الأحماض الأمينية لترتبط معاً حتى تكون جزيئاً بروتينياً، وسوف يظل هذا بعيد للغاية عن خلية حية. عندئذ ستحتاج عشرات الجزيئات البروتينية، في التسلسل الصحيح من جديد، لخلق خلية حية. وشواذ هذه القضية مدهشة للغاية. فالفجوة بين الكيميائيات غير الحية وحتى أول كائن حي بدائي هائلة للغاية”.
كنت بحاجة لصورة مرئية تساعدني على فهم ذلك، فقلت: “هل يمكنك تقديم شرح؟”
“دعني أوضح لك الأمر هكذا: ضع محلول ملح متوازن معقم في أنبوبة اختبار. ثم ضع فيه خلية حقة واحدة واثقبها حتى تسيل محتوياتها في المحلول. وعندئذ سيكون بالأنبوبة كل الجزئيات التي ستحتاجها لخلق خلية حية. أليس كذلك؟ وإذا فعلت هذا، ربما تكون قد حققت أكثر بكثير مما حققته تجربة ميلر – فقد حصلت على المكونات التي تحتاجها للحياة”.
فأومأت قائلاً: “هذا صحيح”.
فقال: “المشكلة هي أنه لا يمكنك عمل خلية حية، حتى إنه ليس هناك أية فائدة من المحاولة. ويمكن تشبيه ذلك بعالم طبيعة يقوم بتجربة ليرى ما إذا كان بإمكانه أن يجعل صخرة تسقط إلى أعلى تجاه القمر. ولا يوجد عالم أحياء سليم العقل يعتقد أن بإمكانك ان تأخذ أنبوبة اختبار وبها تلك الجزيئات، وتحولها إلى خلية حية”.
فقلت: “بأسلوب آخر، إن أردت أن تخلق حياة، في قمة التحي الذي يدير المكونات الخلوية من مكونات كيميائية غير حية، فسوف تواجه مشكلة أكبر عند محاولة وضع المكونات معاً بالطريقة الصحيحة”.
“تماماً! ففي رسمي التوضيحي، الخلية ميتة، ولا يمكنك وضع المدعبل معاً من جديد. لهذا، حتى إن أنجزت آلاف الخطوات بين الأحماض الأمينية في تجربة ميلر – التي ربما لم تكن موجودة في العالم الواقعي على أي حال – والمكونات التي تحتاجها لخلية حية هي كل الأنزيمات، والـ DNA، إلخ، فسوف تكون أيضاً بعيداً عن الحياة بدرجة لا يمكن قياسها”.
فاعترضت قائلاً: “ولكن من المحتمل أن الخلية الأولى كان أكثر بدائية من حتى أبسط كائن حي وحيد الخلية اليوم.”
فقال: “موافق، لكن وجهة نظري تبقى كما هي – فمشكلة تجميع الأجزاء الصحيحة بالطريقة الصحيحة في الوقت الصحيح وف المكان الصحيح، وفي ذات الوقت تستبعد المادة الخطأ، أمر لا يقهر ببساطة. وبصراحة، ففكرة أننا على وشك شرح أصل الحياة من الناحية الطبيعية هي فكرة سخيفة بالنسبة لي”.
“إذا، لا توجد نظرية يمكنها أن تفسر كيف أن الحياة جاءت بطريقة طبيعية من ذاتها دون أي توجيه أو إرشاد؟”
فداعب ويلز لحيته، وقال: “إن كلمة [نظرية] مراوغة جداً. فأنا أستطيع أن أخترع قصة، لكنها لن تكون مدعمة في كل خطوة حاسمة بأي دليل عملي يمكن الاستناد عليه. وأنا رجل تجريبي في الأساس. وأود أن أرى نوعاً من الدليل، لكنه غير موجود”.
“على سبيل المثال، قالت نظرية شائعة أن الـ RNA، احدى قريبات الـ DNA، ربما كانت هي أصلاً جزيئياً تطورت منه الخلايا المبكرة. وقد أعلنت فرضية “عالم RNA” هذه كشيء ممكن حدوثه إلى حين. ولكن لم يتمكن أحد من توضيح كيف تشكلت الـ RNA قبل ظهور الخلايا الحية كي تصنعها، أو كيف تكون قد بقيت في ظل ظروف الأرض المبكرة.
“أستبعد جيرالد جويس، وهو عالم كيمياء حيوية في معهد أبحاث Scripps، نظرية RNA الأولى بكل وضوح قائلاً: “عليك أن تبني رجلاً من القش فوق رجل آخر من القش حتى تصل إلى أن الـ RNA جزيء حيوي قابل للحياة”[15].
أعلن ويلز” “باختصار، الأمر كله كان نهاية مسدودة – كما كانت كل النظريات الأخرى”.
“… ومن هنا جاءت معجزة”
بعد إدراك متأخر، بُنيت فلسفتي المادية على أساس أن التاريخ تفكك بالتتابع قطعة، قطعة. فتجربة ميلر، التي كانت سنداً عظيماً لإلحادي، تضاءلت لتكون مجرد فضول علمي.
سألت ويلز: “ما أهمية تجربة ميلر اليوم؟”
“بالنسبة لي، ليست لها أية أهمية علمية. إنها ممتعة تاريخياً؛ لأنها أقنعت الكثير من الناس عبر سنوات – بمن فيهم أنت – بأن الحياة ربما تكون قد نشأت تلقائياً، وهو أمر أثق في أنه زائف. هل لها مكان في كتب العلوم المدرسية؟ ربما كهوامش”.
“لكنها أكثر من مجرد هوامش في معظم الكتب. أليس كذلك؟”
“لسوء الحظ، نعم. إنها مشروحة بوضوح في الكتب الحالية، وغالباً موضحة بالصور. وأفضل مما يمكنني قوله عنها هو أنها مضللة. بل هي حتى مخطئة لأنها تعطي انطباع أن العلم قد أوضح تجريبياً كيف نشأت الحياة في الأصل. والآن، ربما يتنكرون للنص، قائلين بأن الغلاف الجوي للأرض ربما لم يكن كما فكر به ميلر. لكنهم سيقولون آنذاك إنه لو استخدمت بيئة واقعية، لحصلت أيضاً على جزيئات عضوية. وبالنسبة لي، هذا أمرُ مضلل.”
فكرت في الطالب الذي يواجه تجربة ميلر اليوم. هل سيتجنب تعقيدات خلق حياة؟ هل سيفهم الفروق الطفيفة في معنى قصة ميلر، أم سيسمع مصطلح “الجزئيات العضوية”، ويستنتج أن العلماء على وشك حل مشكلة كيف أصبحت الكيميائيات غير الحية خلايا حية بطريقة ما؟ هل الشاب الباحث عن عذر للهروب من مسؤولية حساب الله سيتعلق بالاستنتاج الزائف القائل بأن مشكلة أصل الحياة هي مجرد عقبة بسيطة في المسيرة المتواصلة لنظرية التطور؟
سألت ويلز: “لماذا تعتقد أن تجربة ميلر ما زالت تُنشر في الكتب المدرسية؟”
فهز أكتافه وقال: “إن الأمر يتضح لي أكثر فأكثر بأن هذه فلسفة مادية تتنكر في ثياب علم تجريبي. فالاتجاه السائد يقول إن الحياة لا بد وأنها تطور بهذه الطريقة لأنه لا يوجد أي تفسير مادي آخر. وإن حاولت أن توجد تفسيراً آخر – وجود تصميم ذكي على سبيل المثال – لاعتبرك أولئك المؤمنون بنظرية التطور بأنك لست عالماً”.
كان تفسير ويلز متناغماً مع مقابلة أخرى أجريتها مع خبير أصل الحياة والتر برادلي، وهو أستاذ سابق في جامعة Texas A&M، واشترك في تأليف كتاب “سر أصل الحياة”، أحد العلامات المميزة للعام 1984[16].
سألت برادلي عن النظريات المختلفة التي قدمها العلماء، والخاصة بكيفية ولادة أول خلية حية بطريقة طبيعية – بما فيها الفرصة العشوائية، والعلاقة الكيميائية، واتجاهات الطلب الذاتي self-ordering tendencies، والبَذر من الفضاء seeding from space، ومتنفسات محيط البحر العميقة deep-sea ocean vents، استخدام الطين لتشجيع تجميع المواد الكيميائية الحيوية، فقال إنه ولا واحدة من هذه النظريات يمكنها مواجهة الفحص العلمي[17].
وكثير من العلماء الآخرين توصلوا إلى نفس النتيجة. كتب الصحفي جريج ايستروبروك عن مجال أصل الحياة قائلاً: “العلم ليس لديه أدنى فكرة عن كيف بدأت الحياة ولا توجد نظرية مقبولة بشكل عام؛ فالخطوات التي تقود من عالم بدائي عقيم إلى كيمياء الحياة الضعيفة تبدو غير موزونة”[18].
لا يشارك برادلي فحسب وجهة النظر هذه، لكنه قال أيضاً أن الصعوبات المؤرقة للذهن لملء الفراغ بين عدم الحياة والحياة معناها أنه قد لا توجد إمكانية على الإطلاق حول إيجاد نظرية تشرح كيف يمكن أن تكون الحياة قد نشأت بطريقة تلقائية. ولهذا فهو مقتنع بأن “الدليل المطلق الحاسم ” يشير نحو وجود ذكاء من وراء خلق الحياة.
وقال: “في الواقع، أعتقد ان الناس المؤمنين بأن الحياة ظهرت بطريقة طبيعية هو بحاجة إلى قدر أكبر من الإيمان أكثر من أولئك المؤمنين بوجود مصمم ذكي”[19].
وحتى أولئك الذين ينظرون بارتياب نحو الإيمان الديني اضطروا لاستنتاج أن شواذ الخلق التلقائي للحياة مرتفعة للغاية على نحو مناف للعقل لدرجة أنه لا بد وأن يكون هناك المزيد لقصة الخلق أكثر من مجرد عمليات مادية. لا يمكنهم أن يمنعوا أنفسهم عن الاستشهاد بالكلمة الوحيدة التي تبدو وأنها تفسر حقاً هذا كله: معجزة. إنها شعار يستهله علماء كثيرون، ويبدو أن الظروف تتطلبه.
فعلى سبيل المثال، قال جون هورجان، أحد الصحفيين العمليين القادة في الولايات المتحدة في العام 2002، والذي يُعرف نفسه بصفته “كاثوليكي مرتد” إن العلماء ليست لديهم فكرة عن كيف خلق الكون، أو “كسف أن المواد غير الحية على كوكبنا الصغير التأمت وتحولت إلى مخلوقات حية”. ومن هنا جاءت الكلمة: “يمكنك أن تقول إن العلم اكتشف أن وجودنا امر غير محتمل بشكل مطلق، ومن هنا فهو معجزة”[20].
حتى عالم الكيمياء الحيوية، والمتشكك الروحي فرانسيس كريك الذي تشارك جائزة نوبل لاكتشافه الهيكل الجزيئي الـ DNA، استشهد بالكلمة محذراً منذ عدة سنوات: “الإنسان المخلص والمسلح بكل المعرفة المتاحة لنا الآن يمكنه أن يقول فقط أنه بمعنى ما يظهر أصل الحياة حالياً على أنه معجزة، حتى إن الظروف كثيرة جداً التي من الممكن أنها قد أرضت كي تجعلها تستمر”[21].
وهناك آخرون أكثر حدة. قال برادلي: “إن لم يكن هناك تفسير طبيعي، ولا تبدو هناك إمكانية إيجاد تفسير، فإن أومن عندئذ أنه من المناسب أن ننظر إلى تفسير خارق للطبيعة. وأعتقد ان هذا هو أكثر رأي عقلاني مبني على الدليل”[22].
الصورة الثانية: شجرة حياة دارون
حان الوقت كي أتقدم نحو الصورة الثانية من صور نظرية التطور. من أهم الأيقونات المعروفة هو الرسم الذي صممه لكتابه “أصل الأنواع” لكي يشرح نظريته أن كل المخلوقات الحية لها سلالة مشتركة، وأن الاختيار الطبيعي قاد إلى التطور الأخير للكائنات الحية التي لا تعد، والتي نراها في العالم الحديث. بالنسبة لي، فإن رسمه التوضيحي لشجرة التطور لخص لماذا كانت نظرية التطور مؤثرة للغاية: فقد بدا أنها تشرح كل شيء في التاريخ الطبيعي. ومع ذلك، فالسؤال هو ما إذا كانت الشجرة تمثل الحقيقة.
قلت لويلز: “لدينا الآن أكثر من قرن من الزمان من اكتشافات الحفريات منذ رسم دارون صورته. فهل صمدت شجرة التطور هذه؟”
فأتاني رده السريع: “بالقطع لا. فكرسم توضيحي لسجل الحفريات، كانت شجرة الحياة نوع من الفشل الذريع لكنها توضيح بشكل جيد لنظرية دارون.
“لقد آمن بأنه إن تعرض جمهور من الناس لمجموعة واحدة من الظروف، وجزء آخر من الجمهور اختبر ظروفاً أخرى، فعندئذ قد يتمكن الاختيار الطبيعي من تعديل كلا الجمهورين بطرف مختلفة. وبمرور الوقت، قد تنتج فصيلة واحدة تفرعات كثيرة، وإن استمرت هذه التفرعات في الانحراف، فسوف تصبح في النهاية فصائل منفصلة. ولهذا كان رسمه في شكل شجرة لها أغصان”.
“كان أحد مفاتيح نظريته هو أن الاختيار الطبيعي سيعمل – كما قال – “ببطء بجمع تنوعات خفيفة، ومتتالية، ومقبولة”، وأنه لم يكن ممكناً “أية تعديلات حاسمة أو مفاجئة”.
لم أرد أن تفوتني أهمية ما كان يؤكده ويلز، فسألته: “هل تقصد أن شجرة الحياة توضح أفكار دارون، لكن نظريته لا تؤيدها الأدلة الطبيعية التي اكتشفها العلماء في الحفريات؟”
فاستطرد: “هذا صحيح. في الحقيقة، علم دارون ان سجل الحفريات فشل في مساندة شجرته. واعترف بأن مجموعات رئيسية من الحيوانات – يدعوها هو انقسامات divisions، وتدعى الآن phyla – تظهر فجأة في سجل الحفريات[23]. وهذا ما لم تتنبأ به نظريته.
إن نظريته تتنبأ بتاريخ طويل لانحراف تدريجي عن سلالة مشتركة، مع اختلافات تزداد حتى تحصل على الاختلافات الرئيسية التي لدينا الآن. إن دليل الحفريات، حتى في زمن دارون، أظهر العكس: الظهور السريع لاختلافات مستوى الشعبة فيما يُسمى بـ “انفجار العصر الكمبري Cambrian explosion”.
آمن دارون بأن الاكتشافات المستقبلية للحفريات ستثبت نظريته، لكن هذا لم يحدث. في الواقع، فإن اكتشافات الحفريات طوال المائة وخمسين عاماً الماضية قلبت شجرته رأساً على عقب عندما أوضحت ان انفجار العصر الكمبري كان مفاجئاً وحاداً أكثر مما اعتقد العلماء”.
كان هذا يتطلب المزيد من الشرح، فقلت: “توسع عن انفجار العصر الكمبري”.
فقال: “كان العصر الكمبري فترة جيولوجية نعتقد أنها بدأت منذ أكثر من 540 مليون سنة. وقد سُمي انفجار العصر الكمبري بـ “الانفجار البيولوجي العظيم”، لأنه تسبب في الظهور الفجائي لمعظم الحيوانات الضخمة الحية حتى الآن، والتي انقرضت أيضاً”.
“وهذا ما يوضحه سجل الحفريات: كان هناك بعض قناديل البحر، والاسفنج، والديدان قبل فترة العصر الكمبري، ومع ذلك لا يوجد دليل يدعم نظرية دارون عن التاريخ الطويل للانحراف التدريجي.
“بعد ذلك في بداية انفجار العصر الكمبري، نرى فجأة ممثلين عن الحيوانات المفصلية، وممثلين عصريين منها الحشرات، والسرطانات، وما شابه ذلك؛ والقنافذ الجلدية التي تتضمن الفقاريات العصرية وما شابه. أما الثدييات فقد جاءت فيما بعد. لكن الحبليات – المجموعة الرئيسية التي تنتمي إليها – كانت موجودة آنذاك في بداية العصر الكمبري.
“وكل هذا يتناقض تماماً مع شجرة حياة دارون. فهذه الحيوانات – التي تختلف تماماً في شكلها الجسدي – تظهر أنها متطورة بشكل كامل فجأة، وهذا ما دعاه علماء الباليونتولوجي أكثر ظاهرة وحيدة مثيرة للإعجاب لسجل الحفريات”.
مثيرة للإعجاب حقاً. لقد كان الأمر مذهلاً! كنت أواجه المصاعب وأنا أفكر في المصطلحات الجيولوجية الضخمة مثل “فجأة Sudden، مفاجئ abrupt”؛ فهي تحمل معاني تختلف تماماً عن استخدامنا اليومي لها. وكنت بحاجة لتوضيح أكثر.
“كيف ظهرت هذه الحيوانات فجأة على الساحة؟ اشرح لي”.
“حسناً، تفحصت عيناه أرجاء الغرفة بحثاً عن شرح مناسب. وعندما لم يجد، رجع ببصره إليّ، وقال: “هل أنت مشجع لكرة القدم؟”
شعرت بورطة. لم أرد الاعتراف بأنن كنت أشجع فريق Chicago Bears سيء الحظ منذ كنت مراهقاً[24]. وفي النهاية كانت مصداقيتي في خطر! فاحتفظت بالإجابة غامضة: “أوه، نعم، إني أحب اللعبة”.
فقال: “حسناً، تخيل نفسك وأنت على أحد خطي المرمى في ملعب كرة قدم. هذا الخط يمثل الحفرية الأولى، كائن حي ميكروسكوبي وحيد الخلية. والآن أبدأ السير في أرض الملعب. تخطى خط العشرين ياردة، ثم الأربعين ياردة، ثم منتصف الملعب، وتكون بذلك تقترب من خط المرمى الأخر. ويكون كل ما رأيته طوال هذا الوقت هو هذه الكائنات الحية الميكروسكوبية وحيدة الخلية.
“ثم تأتي إلى خط الستين ياردة في نهاية الملعب، والآن ترى هذا الاسفنج، وربما بعض قناديل البحر والديدان. ثم بعد ذلك الانفجار! – في فضاء خطوة واحدة تظهر فجأة كل هذه الأشكال الأخرى للحيوانات. وكما قال أحد العلماء المؤمنين بنظرية التطور، فإن مجموعات الحيوانات الرئيسية “تظهر في سجل الحفريات كما ظهرت أثينا من رأس زيوس، متفجرة تماماً، وتواقة للانطلاق”.
“والآن، لا أحد يمكنه أن يدعو هذا شجرة ذات أغصان! رغم أن بعض علماء الباليونتولوجي قد يعتقدون بأن نظرية دارون صحيحة في مجملها؛ إلا أنهم يدعونها مجرد حشائش وليس شجرة، لأن لديك أوراق النبات المنفصلة هذه من الحشائش التي تنمو. يقول عالم باليونتولوجي في الصين إنه من السهولة قبول شجرة دارون، لأن المجموعات الرئيسية من الحيوانات، بدلاً من أن تأتي أخيراً في قمة الشجرة، تأتي أولاً عندما تظهر الحيوانات ظهورها الأول.
“بكلا الطريقتين، النتيجة واحدة: انفجار العصر الكمبري اقتلع شجرة دارون”[25].
الفرضية تفشل
ومع ذلك، بدا أن هناك عودة سهلة للأمر. فقلت: “ربما كان دارون على صواب؛ فسجل الحفريات ما زال ناقصاً. ومن يدري كيف أنه من الممكن أن تعاد كتابة التاريخ الطبيعي الأسبوع المقبل باكتشاف موقع حفريات في مكان ما. أو ربما كانت الكائنات الحية التي كانت موجودة قبل الانفجار العظيم البيولوجي صغيرة للغاية، أو أن أجسادها كانت لينة للغاية حتى انها لم تترك أي أثر في سجل الحفريات”.
بعد أن أثرت هذه الاعتراضات، استندت للوراء في مقعدي، وقلت في سخرية: “بصراحة، لا يمكنك أن تبرهن العكس”.
فهدأ ويلز للحظات ثم قال: “إنني مضطر كعالم أن أقبل إمكانية أنه في العام المقبل قد يكتشف أحدهم قاع حفرية في الكونغو أو في مكان آخر قد تسد الفراغات التي لدينا.
فأومأت لاعترافه، ومع ذلك لم يكن قد انتهى.
أضاف قائلاً: “لكني لا أعتقد بالتأكيد بإمكانية حدوث هذا. إنه لم يحدث بعد كل هذه الفترة الزمنية الطويلة، واكتشاف ملايين الحفريات. هناك بالتأكيد صخور رسوبية جيدة وكافية من قبل حقبة العصر الكمبري كان يمكنها أن تحفظ السلالات لو كانت موجودة. عليّ أن أتفق مع خبيرين في هذا المجال قالا بأن انفجار العصر الكمبري “من الضخامة بمكان حتى يخطئه سجل الحفريات”[26].
أما عن حفريات ما قبل العصر الكمبري، فقد كانت صغيرة للغاية أو لينة حتى أنه لا يمكن حفظها، كما أنه لدينا حفريات ميكروسكوبية من البكتيريا في الصخور يرجع تاريخها إلى أكثر من ثلاثة بلايين سنة. وقد وجدت في استراليا كائنات حية ذات أجساد لينة من فترة ما قبل الكمبري. وفي الحقيقة، فقد اكتشف العلماء حيوانات ذات أجسام لينة في انفجار العصر الكمبري ذاته. ولهذا لا أعتقد أن هذا تفسير جيد جداً. فاليوم يتحول أولئك المؤمنون بنظرية التطور إلى دليل جزيئي كي يحاولوا أن يُظهروا وجود سلالة شائعة قبل العصر الكمبري”.
“وكيف يسير هذا الأمر؟”
“ليس جيداً. ولكن هاك العملية: لا يمكنك أن تحصل منها على دليل الجزيئات من الحفريات ذاتها، فهو يأتي بكامله من كائنات حية. وأنت تأخذ جزيء أساسي للحياة، ولتكن RNA بلازمية، وتفحصها في قنديل بحر، ثم تدرس ما يماثلها في قوقعة، ودودة، وضفدعة. إنك تبحث على أوجه الشبه بينهم. وإن قارنت هذا الجزيء بتصنيفات مختلفة من أشكال جسم الحيوان، ووجدت تشابهات، وإن افترضت أنهم جاءوا من سلالة شائعة، عندئذ يمكنك بناء شجرة تطور نظرية.
ولكن توجد مشكلات عديدة جداً في هذا الأمر. فإن قارنت شجرة الجزيء هذه مع شجرة مبنية على التشريح، فسوف تحصل على شجرة مختلفة. يمكنك أن تفحص جزيء آخر، وتصل إلى شجرة جديدة تماماً. في الحقيقة، إن أعطيت جزيئاً واحداً لفحصه في معملين مختلفين، فبإمكانك الحصول على شجرتين مختلفتين. فليس هناك نوع من الثبات، بما في ذلك العمر. وبناء على هذا، أعتقد أنه من المعقول بالنسبة لي كعالم أن أقول إننا يجب أن نشك في افتراضنا بوجود هذه السلالة السائدة”.
توقف ويلز للحظات. وواصل حديثه قائلاً: “بالطبع، إن وجود نسل من سلالة شائعة هو أمر صحيح في بعض المستويات. ولا أحد ينكر ذلك. فمثلاً، يمكننا تتبع أجيال ذباب الفاكهة حتى نصل إلى أصل هذه السلالة. في إطار فصيلة وحيدة، كان بالإمكان ملاحظة سلسلة النسب الشائعة بطريقة مباشرة. ومن الممكن أن تكون سلسلة النسب الشائعة بطريقة مباشرة. ومن الممكن أن تكون كل القطط – النمور، والأسود، إلخ – قد انحدرت من سلالة واحدة شائعة. وإن لم تكن هذه حقيقة، فمن الممكن ان تكون استنتاج معقول مبنى على التهجين.
“لذلك ونحن نصعد هذه المستويات المختلفة من التصنيفات المتسلسلة – فصيلة، وجنس، وأسرة، ونوع، ونظام – فإن السلالة السائدة هي حقيقة بكل تأكيد على كل مستوى الفصائل، ولن هل هي كذلك في المستويات الأعلى؟ كلما ارتقينا للأعلى في التسلسل التصنيفي، كلما صار الأمر غير مؤكد بشكل متزايد. فعندما تصل إلى مستوى الأقسام phyla تجد مجموعات الحيوانات الرئيسية، إنها فرضية هشة للغاية. في الواقع، يمكنني القول بأنها غير مؤكدة. فالدليل لا يؤيدها”[27].
كانت الحقائق مؤثرة. لا أحد يمكنه أن يؤكد أن شجرة دارون وصف دقيق لما أنتجه سجل الحفريات. وبغض النظر عن احتجاجات الدارونيين، فإن الدليل قد فشل في تأييد تنبؤات دارون. ومع ذلك، فعندما واجهت الرسم وأنا طالب، استنتجت أنه أوضح نجاح لأفكاره التطورية.
“هل ما زال هذا الرسم موجود في الكتب المدرسية حتى اليوم؟”
فأجاب باندهاش: “إنه ليس موجود فقط، بل ويقولون إنه حقيقة. أنا لا أعارض وجوده؛ فأنا أعتقد أنه توضيح جيد لنظرية شيقة. لكن الذي أعارضه هو أن الكتب المدرسية تقول بأن الحقيقة هي أن كل الحيوانات تشترك في سلالة مشتركة. حسناً، هذه ليست حقيقي!
“إذا فكرت في كل هذه الأدلة، فإن شجرة دارون زائفة كوصف لتاريخ الحياة. بل وسأقول أكثر من هذا: إنها ليست حتى فرضية جيدة في هذه النقطة.
الصورة الثالثة: أجنحة هايكل
كأي طالب يدرس نظرية التطور، رأي ويلز رسومات ارنست هايكل للأجنة، والتي كانت توصف غالباً على أنها من بين أفضل الأدلة المؤيدة للدارونية. لكن ويلز لم ير هذه الرسوم على حقيقتها حتى قام بالدراسة لنوال درجة الدكتوراه في أجنة الفقاريات.
تصور أشهر صور هايكل أجنة سمكة، وسلمندر، وسلحفاة، وكتكوت، وخنزير، وعجل، وأرنب، وإنسان جنباً إلى جنب في ثلاث مراحل من النمو. وهذه الرسوم التوضيحية تدعم تأكيد دارون القائل بأن التشابهات المثيرة بين الأجنة المبكرة هو “أقوى درجة فريدة من الحقائق” المؤيدة لنظريته بأن كل الكائنات الحية تشترك معاً في سلالة كونية واحدة.
أعجبت للغاية برسومات القرن التاسع عشر عندما رأيتها لأول مرة كطالب. وبينما قارنت بعناية الأجنة في مرحلتها الأولى، متنقلاً بين الواحد والآخر. وجدت انه يصعب التمييز بينها. ففكرت كثيراً في هذا الأمر، لكني لم أجد تفسيراً منطقياً لهذه الظاهرة غير أن لها سلالة مشتركة. وكان حكمي سريعاً: دارون يكسب.
كان التفسير الحقيقي، كما سيتضح، غريباً عليّ جداً مما قد فكرت فيه.
“عندما رأيت هذه الرسومات، هل كان لديك نفس رد فعلي أنا – وهو أنها دليل قوي مؤيد للدارونية؟”
“نعم، حدث ذلك عندما نظرت إليها لأول مرة. لكني ما أن بدأت في عمل التخرج حتى بدأت في مقارنة الصور الواقعية للأجنة بما رسمه هايكل.”
“وماذا وجدت؟”
قال وعيناه تتسعان: “لقد ذهلت! لم تكن مناسبة. كان هناك تناقض كبير. كان الأمر يصعب تصديقه بالفعل”.
عندما كان ويلز يصف ما حدث، حركت رأسي ببطء مندهشاً لتضمينات ما كان يقوله. فاستطرد قائلاً: “إن الكتب المدرسية تبسط الحقائق أكثر من اللازم. ولكن بمرور الوقت بدأ الأمر يزعجني أكثر فأكثر”.
كنت متشوقاً لمعرفة التفاصيل، فسألته: “ماذا أزعجك بالتحديد؟”
“هناك ثلاث مشكلات في هذه الرسومات، أولها أن التشابهات في المراحل الأولى كانت مزيفة”.
كان ويلز قد سوى الاتهام دون نبرة انفعال في صوته، ومع ذلك كان اتهاماً مثيراً. فكررت الكلمة: “مزيفة؟ هل أنت متأكد؟” لقد بدا أن الأمر لا يصدق أن الكتب التي اعتمدت عليها وأنا طالب يمكن أن تكون قد ضللتني بدرجة صارخة.
“بإمكانك أن تقول إنها مغشوشة، أو مشوهة، أو مضللة، لكن الأهم هو أنها مزيفة. لقد استخدم هايكل في بعض الحالات وبشكل واضح نفس الكليشية الخشبي لطباعة الأجنة من درجات مختلفة، لأنه كان واثقاً للغاية من نظريته حتى أنه ظن انه ليس بحاجة كي يرسمها منفصلة. وفي حالات أخرى عدّل الرسومات كي تبدو أكثر تشابهاً مما هي عليه في الحقيقة. على أي حال، فإن رسوماته تشوه الأجنة”.
“إنه لأمر مدهش! إلى متى عرف هذا الأمر؟”
“لقد عُرضوا لأول مرة في ستينات القرن التاسع عشر عندما اتهمه زملائه بالخداع”.
“مهلاً، لقد رأيت هذه الرسومات في كتب درستها عندما كنت طالباً في الستينات والسبعينات، أي بعدها بمائة عام، فكيف يمكن هذا؟”[28]
“الأمر أسوء من هذا! فهي ما زالت تُستخدم في الكتب المدرسية، حتى في كتب الأحياء للفصول العليا. وفي الواقع، قمت بتحليل وتوصيف عشرة كتب مدرسية حديثة لمعرفة مدى دقتها في تناول هذا الموضوع. واضطررت أن أعطي ثمانية منها درجة F، والاثنين الباقيين كانا أفضل قليلاً، فأعطيتهما درجة D”.
كان الغضب يثور في أعماقي. فأنا قبلت الدارونية، وبالتالي الإلحاد، جزئياً على أساس رسومات عرفها العلماء لمدة قرن من الزمان أنها معدلة. قلت: “في الحقيقة يصعب تصديق هذا الأمر. ألا يدفعك هذا للجنون؟”
“بالطبع، لأنني نشأت على هذا الوضع أيضاً. لقد ضللت ولم يكن هناك عذر لذلك. عندما كشف بعض علماء الأحياء هذا الموضوع في مقال منذ سنوات قليلة، شكا ستيفن جاي جولد من هارفارد بأن هذا لم يضف جديداً. لقد كان يعرف هذا منذ عشرين عاماً! ولم يكن سراً بالنسبة للخبراء.
“لماذا تظل هذه الرسومات في الكتب المدرسية إذاً؟ قال جولد إن مؤلفي هذه الكتب يجب أن يخجلوا من الطريقة التي عدلت بها الرسومات لأكثر من قرن. وعلى الأقل كان أميناً لدرجة أنه دعاها “المرادف الأكاديمي للقتل”.
خطايا هايكل
كان كشف ويلز لأجنحة هايكل كشفاً مثيراً، لكنه قال إن هناك مجموعة من ثلاثة مشكلات بخصوص الرسومات. لم أحتمل الانتظار، فسألته: “ما هي المشكلتان الأخيرتان؟”
“المشكلة الصغرى هي أن هايكل اختار أمثلته من أفضل الاختيارات. فهو يبين فقط القليل من الفئات السبعة للفقاريات. على سبيل المثال، يتضمن أشهر أداء له على ثمانية أعمدة. أربعة للثديات، لكنها كلها ثدييات لها مشيمة. وهناك نوعان آخران من الثدييات لم يعرضهما، وهما مختلفان عما سبق. والفئات الأربع الأخرى التي عرضها – الزواحف، والطيور، والبرمائيات، والأسماك – أكثر تشابهاً من تلك التي حذفها. لقد استخدم سلمندر كي يمثل البرمائيات بدلاً من ضفدعة، والتي تبدو مختلفة للغاية.
ولهذا كدس الرسومات بما اختاره لكي يكون مناسباً لفكرته – وفعل أكثر من هذا بأنه زور المتشابهات”.
فقلت بسخرية: “هذا يبدو لي كخرق صريح للبروتوكول العلمي من وجهة نظري. فإن كانت هذه هي المشكلة الصغيرة، فما هي المشكلة الكبيرة؟”
تحرك ويلز إلى نهاية كرسيه، وقال: بالنسبة لي، كعالم أجنة، فإن المشكلة الكبرى هي أن ما ادعاه هايكل كونه المرحلة الأولى من التطور ليس هو كذلك. إنه في الحقيقة ملتقى التطور. إن رجعت للمراحل الأولى، ستجد أن الأجنة تبدو مختلفة تماماً عن بعضها البعض. لكنه يحذف عمداً المراحل المبكرة جميعاً”.
لم أفهم على الفور الأهمية الكاملة لذلك، فسألته: “ولماذا تعتبر هذا امراً مهماً؟”
“تذكر أن دارون ادعى أنه بسبب ان الأجنة متشابهة جداً في مراحلها المبكرة، فهذا دليل السلالة المشتركة. لقد اعتقد أن المرحلة المبكرة أظهرت ماذا كان يشبه الجد المشترك – كان يشبه سمكة.
لكن علماء الأجنة يتحدثون عن “الساعة الرملية التطورية”، التي تشير إلى شكل ساعة رملية، بعرضها الذي يبين قياس الاختلاف. وأنت تعلم أن أجنة الفقاريات تظهر مختلفة تماماً في مراحل الخلية المبكرة. فمثلاً تختلف تقسيمات الخلية في الثدييات اختلافاً أساسياً عن غيرهم في أية فئات أخرى. ولا توجد طريقة ممكنة تستطيع بها أن تخلطهم معاً. في الحقيقة، الأمر مختلف تماماً داخل الفئات. فالنماذج منتشرة في كل مكان.
“ثم في الملتقى، الذي زعم هايكل في رسوماته بأنه المرحلة المبكرة، تصبح الأجنة أكثر تشابهاً، رغم أن أحداً لم يدّع في أي مكان ما ادعاه هايكل. وبعد ذلك تصبح مختلفة تماماً من جديد”.
يا له من نقد ساحق! فرسومات هايكل التي نُشرت بلا حصر لأكثر من قرن من الزمان فشلت على ثلاثة مستويات. لم أحتمل سوى أن أسأل ويلز: “إن كان هذه الرسومات مضللة هكذا، فلماذا يستمر العلماء في نشرها للطلبة جيلاً بعد جيل؟”.
“هناك تفسير غالباً ما يقدم؛ وهو أنه رغم أن هذه الرسومات زائفة، إلا أنها تُعلم مفهوماً حقيقياً في أساسه. حسناً، هذا ليس حقيقياً. فعلماء الأحياء يعرفون أن الأجنة ليست متشابهة للغاية في مراحلها المبكرة”.
وعند هذه النقطة أخرج ويلز كتابه من المكتب، وقلب صفحاته حتى وصل إلى الفصل الذي يتحدث فيه عن هايكل، وقال: “استمع لما يلي: كتاب مدرسي يعرض رسومات هايكل، ويقول: المراحل التطورية المبكرة للحيوانات التي تظهر أشكال كبارها مختلفة تماماً متشابهة بطريقة مدهشة”. وهناك كتاب مدرسي طبع في العام 1999، فيه نسخة معدلة قليلاً لعمل هايكل، ويقول للطلبة: “لاحظوا أن المراحل الجنينية المبكرة لهذه الفقاريات تشبه بعضها البعض بدرجة كبيرة”.
“وكتاب آخر يصاحب رسوماته بالقول: “الأجنة المبكرة للفقاريات تشبه الواحد الآخر بدرجة كبيرة.” وكتاب آخر يقول: “حقيقة واحدة في علم الأجنة دفعت دارون نحو فكرة التطور وهي أن الاجنة المبكرة لمعظم الفقاريات تشبه بعضها البعض بدرجة كبيرة”.
أغلق ويلز الكتاب، وقال: “كما قلت أنا، إنه لأمر زائف أن الأجنة تتشابه للغاية في تطورها المبكرة. وبالطبع، فإن بعض المؤمنين بالدارونية يحاولون الالتفاف حول مشكلات هايك بتغيير نغمتها. إنهم يستخدمون نظرية التطور ليحاولوا أن يوضحوا لماذا توجد اختلافات بين الأجنة.
“لكن هذا هو نفس الشيء الذي كان يفعله المؤمنون بنظرية انفجار العصر الكمبري. فالذي كان من المفروض أن يكون دليلاً أولياً مؤيداً نظرية دارون – دليل الحفريات أو دليل الأجنة – يتضح خطأه، لهذا يقولون على الفور، حسناً، نحن نعلم أن النظرية صحيحة، لذلك دعونا نستخدم النظرية لنشرح لماذا لا يتوافق الدليل”.
وأضاف ويلز وصوته ينم على الإحباط: “ولكن أين هو الدليل على النظرية؟ هذا ما أود معرفته. لماذا يجب عليّ أن أقبل النظرية على أنها حقيقية تماماً؟”
حقيقة الخياشيم
كان تفسير ويلز قد جعلني أشعر بحماقة أنني صدقت رسومات الأجنة التي رأيتها وأنا طالب، والأيقونتان السابقتان اللتان شرحهما ويلز لي. وشعرت كما لو أنني ضحية لعبة خادعة، وأنا ألوم نفسي لسذاجتي في قبول ما ذكرته الكتب المدرسية ومدرسو الأحياء عن نظرية التطور دون نقد.
لكن رسومات هايكل لم تكن هو الدليل الوحيد الذي تعلمته عن السلالة الكونية. فقد قيلت لي أيضاً حقيقة جذابة ساعدت في إقناعي بأن أسلافنا سكنوا المحيط: كل الأجنة الإنسانية، كما قال معلميّ، تجتاز مرحلة تتطور لهم فيها هياكل شبيهة بالخياشيم على رقابهم.
وقد صرحت الموسوعة التي كنت أرجع إليها في حداثتي بصورة واضحة ان “أجنة الثدييات في مرحلة ما لها خياشيم مشقوقة كالتي للأسماك”، وكان هذا بالنسبة لي تأكيد قوي على سلالتنا المائية[29]. في العام 1996، وصفت مجلة Life كيف تنمو الأجنة الإنسانية إلى “شيء ما شديد الشبه بالخياشيم” يعد ” من أقوى الأدلة على نظرية التطور”[30]. وحتى بعض كتب الأحياء المعاصرة تؤكد أن الأجنة البشرية لها “أجربة مشقوقة” أو “خياشيم مشقوقة”[31].
ظل هذا الخبر السار باقياً معي منذ سمعته للمرة الأولى، فسألت ويلز: “أليست الخياشيم دليلاً قوياً على أن أجدادنا قد عاشوا في المحيط؟”
تنهد ويلز. كان من الواضح أنني لم أكن أول من أثير معه هذه القضية. فأجاب: “نعم، هذه هي الحجة المعيارية، ولكن أنظر إلى سرتك للحظات”. وفيما شعرت بالارتباك قليلاً. أحنيت رأسي. فقال: “والآن تحسس رقبتك. هناك تموجات في الجلد، أليس كذلك؟” فهززت رأسي مجيباً.
“حسناً، إذا نظرت إلى جنين، يكون هذا الأمر مضاعفاً. فهو لديه تموجات في الرقبة. لست أقصد أنها مجرد طبقات من الجلد، لكنها أكثر تعقيداً من هذا. إنها ببساطة صفة تشريحية تنمو من حقيقة أن هذه هي الطريقة التي تنمو بها أجنة الفقاريات”.
“دعني أكون واضحاً: إنها ليست خياشيم! قالها مؤكداّ. فحتى الأسماك ليست لها خياشيم في هذه المرحلة. ولكن في البشر تصبح هذه التموجات شيئاً واحداً، وفي الأسماك تتحول إلى خياشيم. إنها ليست حتى خياشيم مشقوقة. وأن تدعوها هياكل شبيهة بالخياشيم يكون بمثابة قراءة نظرية تطورية بحثاً عن دليل. إنها لا تصبح شبيهة بالخياشيم إلى بالمعنى السطحي، إنها خطوط في منطقة الرقبة. وكما قال عالم الأجنة البريطاني لويس وولبيرت إن التشابه خادع”[32].
استطرد قائلاً: “من الممتع كيف أن هذه الأفكار الخاطئة تستمر في النمو. فالمؤمنون بنظرية التطور اعتادوا أن يعلموا هذه العبارة المشهورة “تطور الكائن الفرد، يلخص التطور النوعي”، وهي طريقة خيالية للقول بأن الأجنة تُعيد تاريخ تطورها بالمرور عبر الأشكال لأسلافها في طريق نموها.
“لكن هذه النظرية رفضت لفترات طويلة على نطاق واسع لأنها زائفة من الناحية التجريبية. ومع ذلك، ما زالت بعض ملامحها تظهر. والخياشيم المشقوقة مثال على ذلك”.
الجناح، والزعنفة، والساق، واليد
في بداية لقائنا معاً، كان ويلز قد ناقش تصنيفاً آخر من الأدلة عن الأسلاف الكونية: التماثل في أطراف الفقاريات. عندما كنت طالباً أتذكر رؤية الرسومات التي تصور تركيبات العظام المتشابهة في جناح خفاش، وزعنفة دولفين، وساق حصان، ويد إنسان. وقد قيل لي إنه رغم أن هذه الأطراف قد تم تكييفها لاستخدامات مختلفة، إلا أن تشابهها الضمني أو “تشاكلها” هو دليل أنها تشترك جميعاً في سلالة واحدة.
لقد ذكر ويلز باختصار هذه الظاهرة في بداية لقائنا. وسألته: “أليس التشاكل دليل جيد مؤيد للدارونية؟”
“في الواقع، هذه التشاكلات وصفها وسماها أسلاف داروين، وهم لم يكونوا مؤمنين بالتطور. فقد قال ريتشارد أوين – أشهر خبراء علم التشريح في زمن داروين – أنهم كانوا يشيرون إلى نموذج أصلي أو تصميم مشترك، وليس إلى سلالة بها تعديلات”.
فاعترضت: “لكن التشابهات موجودة ولا يمكنك إنكار ذلك.”
فقال: “نعم، لكن التفسير قد يأخذ كلا الاتجاهين: التصميم، أو السلالة مع تعديلات. فكيف نقرر أيهما صادق؟ إن التشابه فقط لا يعرفنا بذلك. أنظر إلى خطأ بيرا الفاحش”.
أطلق تعليقه هذا مفترضاً أنني سأعرف ما كان يشير إليه. ورغم أن المصطلح قد بدا مألوفاً مع بعض الغموض، إلا إنني لم أستطع تحديد معناه، فسألته: خطأ بيرا الفاحش؟”
“لقد صاغ فيليب جونسون هذا المصطلح بناء على كتاب لعالم الأحياء تيم بيرا في العام 1900. قارن بيرا سجل الحفريات بسلسلة من نماذج السيارات، وقال إن قارنت طراز السيارة Corvette للعام 1953 مع العام 1954 جنباً إلى جنب، ثم طراز العام 1954 مع العام 1955 إلخ، فسوف يتضح لك أنه كانت هناك سلالة بتعديلات. وقال إن هذا ما يفعله علماء الباليونتولوجي مع الحفريات، “وبهذا يصبح الدليل قوياً شاملاً ولا يمكن للعقلانيين أن ينكرونه”.
“وبعيداً عن شرح فكرته، فإن الرسم التوضيحي يُظهر أن مصمماً من الممكن أن يكون قد كان مشاركاً. فهذه النماذج المتلاحقة من الطراز Corvette مبنية خطط رسمها مهندسون، ولهذا هناك ذكاء في العمل ليقود تنفيذ هذه العملية. إن أردت أن توضح أن الملامح المتشابهة نتجت عن عملية دارونية، فعليك أن توضح أنه حالما تكون لديك سيارة، فإن القوى الطبيعية للصدأ، والرياح، والماء، والجاذبية ستحول نموذجاً معيناً إلى خلفيته”.
“الفكرة التي أود توضيحها هي أن بيرا قد شرح دون أي قصد حقيقة ان مجرد أن يكون لديك تتابع من أشكال متشابهة لا يعطينا تفسير للأمر. التقنية مطلوبة. وفيما يختص بطراز Corvette، فإن هذه التقنية هي التصنيع الإنساني”.
“أية تقنية مقترحة للدارونية؟”
“تقنية اسمها “طرق تطورية مشتركة”، وهي تعني أنه إن كان لديك حيوانان مختلفان بصفات متماثلة، ثم قمت بتتبعهما حتى مرحلة الجنين، ستجد أنهما جاءا من خلايا وعمليات متشابهة. وهذا غير صحيح”.
“لقد ذكرت الضفادع قبل ذلك. فهناك بعض الضفادع تنمو إلى ضفادع، وأخرى تنمو إلى طيور، لكنها جميعاً تبدو وكأنها نفس الشكل عندما تصل إلى نهاية نموها. إنها ضفادع. ولهذا فطريقة تفسير الطرق التطورية زائف، ولست أعرف شخصاً واحداً يدرس النمو ويأخذ هذا الأمر بجدية”.
“هناك تفسير أكثر شيوعاً موجود الآن؛ وهو أن التشاكلات تأتي من الجينات المتشابهة. أي أن سبب تشاكل صفتان في حيوانيين مختلفين هو أنهما مبرمجان بجينات متشابهة في الجنين. ولكن يتضح أن هذا لا يفيد جيداً أيضاً. فنحن نعرف بعض الحالات حيث تكون لديك صفات متشابهة تأتي من جينات مختلفة، ولكن لدينا الكثير والكثير من الحالات لديها جينات متشابهة تنتج عنها صفات مختلفة”[33].
“سأعطيك مثالاً: العيون. هناك “جين” متشابه في الفئران، والأخطبوط، وذباب الفاكهة. إن نظرت إلى عين فأر وعين أخطبوط، ستجد تشابهاً سطحياً، وهو تشابه شاذ لأن لا أحد يعتقد أن سلالتهم المشتركة كان لديها عيناً مثل هذه. وما يدهشك بالأكثر هو أنه عندما تنظر إلى عين ذبابة فاكهة – وهي عين مركبة بعدسات متعددة – ستجد أنها مختلفة تماماً. ومع ذلك، فالثلاثة عيون تعتمد على نفس الجين أو الجين المشابه”.
“إنها في الواقع متشابهة تماماً لدرجة أنه يمكنك أن تضع حين الفأر في ذبابة فاكهة تفقد هذا الجين، وسترى أن ذبابة الفاكهة ستنمو عيونها كما لو كان الوضع طبيعياً. إن الجينات متشابهة هكذا. ولذلك، فلا تفسير الطرق التطورية ولا تفسير الجين المتشابه يفسر التشاكل حقاً.
“وما الحل إذاً؟”
“بصراحة، يظل الحل لغزاً. فإن قرات الأدب المتعلق بالتشاكل، فإن الخبراء يعرفون أنه لغز. ربما لا يتخلون عن دعم الدارونية، إلا أنهم يعلمون أنهم لم يحلوا المشكلة. وبالنسبة لي، إن لم تحل مشكلة تقنية ما، فأنت لم تميز بين السلالة المشتركة والتصميم المشترك. قد تكون إحداهما. فالدلي لا يشير إلى طريق واحد أو الآخر.
“أعتقد أن من حق الطلبة ان يعرفوا أن العلماء لم يحلوا هذه المشكلة. وبدلاً من ذلك، فإن بعض الكتب المدرسية تُعرف ببساطة التشاكل على أنه التشابه الذي يعزى إلى السلالة المشتركة. ومن هنا تصبح النظرية صحيحة بالتعريف. إن ما يقوله الكتاب المدرسي هو أن التشابه الذي يعزى إلى سلالة مشتركة يُعزى إلى سلالة مشتركة. وهذه متاهة عقلية”.
جينات البشر، وجينات القرود
حيث تحدث ويلز عن علم الوراثة، تذكرت سؤالاً آخر كنتُ أود ان أثيره معه عن نظرية السلالة المشتركة. فسألته: “ماذا عن دارسات علم الوراثة الحديثة التي توضح أن البشر والقرود تتشارك 98% أو 99% من جيناتها؟ أليس هذا دليلاً على أننا نتشارك سلالة مشتركة؟”
“وإذا افترضت – كما تفترض الدارونية الجديدة – أننا نتاج جيناتنا، فأنت بذلك تقول بأن الاختلافات الكبيرة بيننا وبين الشمبانزي تُعزى إلى 2% من جيناتنا. والمشكلة هي أن الجينات البانية للجسم تقع في مجال 98% ونسبة الـ 2% من الجينات التي هي مختلفة هي جينات تافهة حقاً لا علاقة لها بالتشريح. ولهذا فالتشابه المفترض بين الحامض النووي DNA بين الإنسان والشمبانزي يمثل مشكلة بالنسبة للدارونية الجديدة”.
“ثانياً، ليس من المدهش أنه عندما تنظر إلى كائنين متشابهين تشريحياً، غالباً ما تجدهما متشابهان وراثياً. وليس دائماً ما يكون هناك خلاف حاد مع بعض الكائنات. ولكن هي يبرهن هذا على السلالة المشتركة؟”
هز رأسه مجيباً على سؤاله: “كلا، إنه متناغم مع التصميم المشترك تناغمه مع السلالة المشتركة. فالمصمم يمكنه أن يحدد جيداً أن يستخدم مواد بناء مشتركة كي يخلق كائنات حية مختلفة، تماماً كما يستخدم البناؤون نفس المواد – عوارض صلبة، وبرشام، إلخ – لبناء كباري مختلفة تبدو في النهاية مختلفة تماماً عن بعضها البعض”.
بينما كنت أتصارع ذهنياً بخصوص هذا المفهوم، وقفت لأبسط رجلي. سرت نحو النافذة، ونظرت إلى السيارات على طول الشارع المزدحم، والناس المسرعين على جانبي الطريق. وإذا بفكرة أساسية تخطر على ذهني.
قلت وأنا أشير إلى النافذة: “دعني أرى ما إذا كنت أفهمك. لو كنت بصدد تحليل هذا الشارع وهذا الرصيف كيميائياً، سأجد أنهما متطابقان أو متشابهان جداً. فكلاهما مصنوع من الاسمنت. ولكن هذا لا يعني أنهما يتشاركان سلالة مشتركة – ممر لعربة لعبة الجولف مثلاً – صار أكثر اتساعاً وأكثر مادية بمرور ملايين السنين. لكن التفسير الأفضل هو أنه كان هناك مصمم مشترك قرر أن يستخدم أساساً نفس المواد لبناء هياكل متشابهة، لكنها مختلفة في الاستخدام”.
فكر ويلز في مثالي للحظات، ثم قال: “هذا صواب تماماً. فالأمر يبدو مضحكاً عندما تذكر أن ممراً للجولف يمكنه أن يتطور إلى رصيف أو شارع، لكنه لن يكون أكثر غرابة من بعض ادعاءات التطور البيولوجي. والنقطة المهمة هي أن التشابه في حد ذاته لا يميز بين التصميم والدارونية”.
لقد ابتعدنا عن أجنة هايكل، لكن الموضوعات كانت هي نفسها: هل هناك دليل مقنع من خلال علم الأجنة أو علم التناظر يثبت أن كل المخلوقات الحية تطورت بمرور الوقت من سلالة قديمة؟ استنتجت أن دارون كان على خطأ: ففحص الأجنة من مخلوقات مختلفة في مراحلها الأولى لا يدعم نظريته. والتشابهات الأكيدة بين بعض أطراف الفقاريات لا تميز بالتأكيد بين التصميم أو السلالة كعلة. ومرة أخرى، فإن قوة إقناع الأيقونات المتطورة قد تضاءلت.
نظرت إلى ساعتي؛ فلو كنت سألحق بالطائرة كي أعود إلى لوس أنجلوس، كنت بحاجة للعودة إلى الصورة الأخيرة من الصور التطورية الأربع التي درستها وأنا طالب: الحفرية المهيبة لمخلوق قبل التاريخ أسكتت كثيرين من ناقدي دارون.
الصورة الرابعة: الحلقة المفقودة للطائر الأولي
Archaeopteryx
عندما نُشر كتاب دارون “أصل الأنواع” في العام 1859 اعترف بأن: “أوضح وأخطر اعتراض يمكنه أن يُشن ضد نظريتي” هو أن سجل الحفريات قد فشل في تدعيم فرضيته التطورية.
تساءل ويلز: “إن كانت الفصائل قد جاءت من فصائل أخرى بمراحل غير مدركة، فلماذا لا نرى في كل مكان أشكال انتقالية بلا عدد؟” وقد نسب المشكلة إلى سجل الحفريات كونه غير متكامل. وتنبأ بأن الاكتشافات المستقبلية ستبرر نظريته.
وكما لو كان الأمر متوقعاً، اكتشف العلماء بعد عامين الطائر الأولي Archaeopteryx في محجر ألماني. فاستثار مؤيدو دارون؛ فهذه هي الحلقة المفقودة بين الزواحف والطيور الحديثة، التي كُشفت على الفور بعد ظهور كتاب دارون، ستكون مجرد الأولى من بين اكتشافات حفرية مستقبلية ستدعم تأكيدات دارون.
ومثل كثير من الناس، بما فيهم ذاك العالم الذي “ركع حقاً على ركبتيه في رهبة” عندما لمح لأول مرة هذا الطائر الأولي في متحف التاريخ القومي بإنكلترا[34]، فقد أسرتني الصور الدرامية لذاك المخلوق من عصور ما قبل التاريخ. وانتابني انطباع بأنه كان مصوراً في كتبي عن نظرية التطور لأنه مجرد مثال واحد فقط لحلقات انتقالية كثيرة تم اكتشافها. لكني كنت مخطئاً.
منذ ذلك الوقت عرفت أن سجل الحفريات قد أطاح حقاً بدارون. ففي كتابه “التطور: نظرية في أزمة Evolution: A Theory in Crisis”[35] لخص مايكل دينتون الموقف هكذا:
“…. إن الخبرة العالمية لعلم الباليونتولوجي …. [هي أنه] عندما نتجت عن الصخور على الدوام أشكالاً جديدة وممتعة للحياة، وأحياناً مثيرة… فإن ما لم ينتج عنها أبداً أي من الأشكال الانتقالية الوفيرة التي ذكرها دارون. ورغم الزيادة الهائلة في النشاط الجيولوجي في كل ركن من أركان العالم، ورغم اكتشاف الكثير من الأشكال الغريبة والمجهولة حتى الآن، إلا أن العدد اللامتناهي للحلقات المترابطة لم يكتشف بعد، كما أن سجل الحفريات غير متواصل مثلما كان عندما كان دارون يكتب “أصل الأنواع. لقد ظلت الحفريات المتوسطة محيرة، كما أن غيابها – بعد قرن من الزمان – من أكثر الصفات المثيرة للدهشة لسجل الحفريات”.
قال دينتون إنه نتيجة ذلك، فإن سجل الحفريات “يقدم تحدياً هائلاً لمفهوم التطور العضوي”[36]. ولكن ماذا عن الطائر الأولي؟ إن حفريات هذا المخلوق الرهيب، وصورته المفصلة المطبوعة على الحجر الجيري، لا تزال تبدو وكأنها تقف في تناقض صارم لهذا الاتجاه.
“ألا يسد الطائر الأولي الفراغ بين الزواحف والطيور الحديثة؟”
“هناك مشكلات عدة في هذا الأمر. فهل هو يبين التطورية الدارونية؟ كلا، وهو نفس سبب لماذا لا يبين طراز Corvettes التطورية الدارونية. نحن بحاجة لما هو أكثر من هيئة متوسطة لتوضيح هذا. نحن بحاجة لمعرفة كيف تنتقل من واحدة لأخرى”.
والسؤال هو، هل تنتقل من زاحف إلى طائر – وهي خطوة كبيرة مدهشة – بعملية طبيعية تماماً، أم أن هذا يحتاج تدخل مصمم؟ إن الطائر الأولي – ذاك الطائر الجميل – لا يوضح لنا طريقاً أو آخر. وبالإضافة إلى ذلك، فنحن نرى حيوانات غريبة من حولنا اليوم، مثل البلاتبوس* Platypus، ولا أحد يعتبره حيوان انتقالي، لكنه له صفات من درجات أخرى.”
فأصر قائلاً: “كلا، ولا حتى قريب من هذا. إنه طائر بريش حديث. والطيور تختلف جداً عن الزواحف بطرق مهمة كثيرة؛ أسلوب تربيتها، وتركيتها العظمي، ورئتها، وتوزيع وزنها وعضلاتها. لكن الطائر الأولي هو طائر، وليس جزء طائر وجزء زاحف.
وقال: “لكن هناك أمور أكثر تشويقاً في قصة هذا الطائر الأولي. الأمر الرئيسي يأتي من فرع من نظرية التطور يُسمى** cladistics. وهذا يأخذ نظرية دارون إلى وضع غير معقول. ويُعرف مؤيدو التصنيف وفق الخواص المشتركة التماثل، أو التشابهات الطبيعية كأمر يُعزى إلى السلالة المشتركة. ثم يقولون، حسناً، الطريقة الرئيسية التي تمكننا من وضع الحيوانات في مجموعات في شجرة التطور هي من خلال التماثلات التي هي فعلاً جزء من الحجج الغير مباشرة. وعندما يرجعون إلى سجل الحفريات، يدعون أن الطيور قد جاءت من الزواحف بالسلالة، ويبحثون عن زواحف أكثر شبهاً بالطيور في تركبيها الهيكلي”.
“وأين يجدونها؟”
فابتسم ويلز قائلاً: ” هذا هو الجزء الممتع. يتضح أنهم يكتشفونها بعد ملايين السنين من الطائر الأولي! ويكون لدينا الآن الطائر الأولي، الذي هو طائر بلا جدال، ومع ذلك فالحفريات التي تشبه كثيراً السلالات الزاحفة للطيور تظهر بعد عشرات الملايين من السنين فيما بعد في سجل الحفريات. وتظل الحلقة المفقودة مفقودة! والآن فإن المؤمنين بنظرية التطور في حيرة وهم يبحثون عن سلالة نظرية أخرى لمحاولة ملء الفراغات، لكنها لم تُكتشف”.
“إذاً الطائر الأولي ليس هو أصل سلالة الطيور الحديثة؟”
“إطلاقاً. وعلماء الباليونتولوجي يتفقون على هذا. فهناك اختلافات هيكلية كثيرة. في العام 1985، قال لاري مارتن – وهو عالم باليونتولوجي من جامعة كنساس – بكل وضوح إن الطائر الأولي ليس هو أصل سلالة أية طيور حديثة، بل عضو مجموعة منقرضة تماماً من الطيور”[37].
لقد قيل الكثير عن قوة الطائر الأولي لتوثيق ادعاءات دارون. وحتى العالم المتحمس المؤمن بنظرية التطور بيير ليكومتي من نوي Pierr Lecomte du Nouy يقول:
ليس مصرحاً لنا أن نعتبر الحالة الاستثنائية للطائر الأولي كحلقة حقيقية. وبكلمة حلقة نعني مرحلة ضرورية للانتقال بين فئات كالزواحف والطيور، أو بين المجموعات الأصغر. الحيوان الذي يبين خصائص تنتمي إلى مجموعتين مختلفتين لا يمكن معاملتها كحلقة حقيقية طالما أن المراحل الوسطية لم تُكتشف، وطالما أن تقنيات الانتقال بقت مجهولة[38].
ومع ذلك، فحتى إن اتضح أن الطائر الأولي مخلوق انتقالي، فسوف يكون مجرد احتجاج خافت أمام زئير سجل الحفريات الذي يصم الآذان ضد الدارونية الكلاسيكية.
قال فيليب جونسون: “إن كنا نختبر الدارونية، لا مجرد البحث عن مثال تأكيدي او مثالين، فإن مرشحاً جيداً واحداً لحالة السلالة غير كافية لإنقاذ نظرية لها تاريخ عالمي من الانتقال التطوري المستمر”[39].
المحتالون وديوك الرومي
رغم ذلك، كان علماء البليونتولوجي متلهفين لمحاولة تحديج سلالة زاحفة واقعية للطيور. وإذ كانوا مدفوعين بالتزام صارم نحو نظرية التطور، نتج عن حماسهم بعض المفاجآت المذهلة للعلم. وكان ويلز أكثر من متحمس ليمتعني ببعض الأمثلة.
“منذ بضع سنوات، أعلنت الجمعية الجغرافية القومية أن حفرية تم شراؤها في معرض أريزونا للمعادن اتضح أنها “الحلقة المفقودة بين الديناصورات الأرضية والطيور التي بإمكانها أن تطير حقاً”. وقد ظهر شكلها هكذا فعلاً. أطلقوا عليها اسم archaeoraptor، وكان لها ذيل ديناصور وأطراف طائر. ونشرت مجلة National Geographic مقالاً في العام 1999 قال إنه يوجد الآن دليل يقول بأن الديناصورات ذات الريش كان هي أصل سلالة الطائر الأولي”.
“هذا يبدو مقنعاً للغاية”.
“حسناً، المشكلة هي أن هذا كان أمر زائف! فقد أثبت عالم باليونتولوجي صيني أن شخصاً ما لصق ذيل ديناصور بطائر بدائي. وقد صممه ليبدو وكأنه ما كان يبحث عنه العلماء تماماً. وبدأت زوبعة من الانتقاد؛ فالمسؤول عن قسم الطيور في متحف Smithosoinan أشار إلى أن المجتمع أصبح منحازاً إلى “العلماء المتحمسين” الذين كانوا “مهتدين جدد للإيمان بأن الطيور قد تطورت عن الديناصورات”.
ثم أطلق ويلز جملة غريبة ساخرة أدهشتني آنذاك كونها ساخرة للغاية: “إن الزيف يأتي من هذه الحفريات طوال الوقت لأن المتعاملين مع الحفريات يعرفون أنها تتضمن أموالاً طائلة”.
بقيت متشككاً إزاء تلك التهمة حتى قرأت فيما بعد لقاءاً مع عالم الطيور آلان فيدوشيا، وهو بيولوجي تطوري في جامعة نورث كارولينا في Chapel Hill. عندما أثار أحد مراسلي مجلة Discover زيف حفرية الـ archaeoraptor، قال:
إن حفرية الـ archaeoraptor هي مجرد جزء صغير من مشكلة كبرى. فهناك العديد من الحفريات الزائفة ألقت بظلال قاتمة على الساحة بأكملها. وعندما تذهب إلى معارض تلك الحفريات، يصعب عليك معرفة أيها مزيف وأيها حقيقي. لقد سمعت بوجود مصنع حفريات مزيفة في شمال شرق الصين، في مقاطعة Liaoning، بالقرب من المستودعات التي اكتشفت فيها مؤخراً هذه الديناصورات المزعومة ذوات الريش[40].
وعندما سُئل فيدوشيا عما يُحفز مثل هذا الزيف، أجاب: “الأموال، فتجارة الحفريات الصينية أصبحت تجارة ضخمة. وقد بيعت تلك الحفريات المزيفة في السوق السوداء لعدة سنوات بمبالغ كبيرة. ومن يمكنه أن ينتج حفرية مزيفة جيدة يربح كثيراً”[41].
وقعت أحداث أخرى غريبة في نفس الوقت تقريباً الذي ظهرت فيه حفرية الـ archaeoraptor. كان ويلز يحضر مؤتمراً في فلوريدا، حيث كان العرض يتضمن حفرية تدعى bambiraptor، وهي ديناصور في حجم الدجاجة له افتراضاً صفات طائر.
“ومرة أخرى دعاها علماء الباليونتولوجي الحلقة المفقودة. كان هذا الحيوان المعروض الذي بُني من جديد عليه ريش أو هياكل شبيهة بالريش، والمشكلة أنهم لم يجدوا مع الحفرية أي ريش! ولكن لأن العلماء قالوا إنه يجب وجود ريش، أضيف إليها. وأصبح الديناصور أكثر شبهاً بطائر، لأن الشخص الذي أعاد تشكيله استخدم نفس العيون الصناعية التي يضعها محنطو الحيوانات النسور المحنطة”. وبينما كان هناك إنكار مختصر، كُتب هذا الأمر بشكل غامض.
“ثم أعلنت مجموعة من علماء الأحياء الجزيئية في المؤتمر عن وجود طائر DNA بعظام ديناصور عمرها 65 مليون عان. سيكون الأمر مشوقاً! فقد اقترحوا أن هذا كان دليل وراثي يقول بأن الطيور ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالديناصورات”.
“والمشكلة هي أن العظام التي استخرج منها الحامض النووي DNA افتراضاً هي من فرع ديناصورات لا علاقة لها بسلالة الطيور. والأكثر من ذلك، فالحامض النووي الذي اكتشفوه لم يكن مشابهاً للطيور بنسبة 90% أو 99%، لكنه كان يشبه الحامض النووي للديك الرومي بنسبة 100%! وحتى الدجاج ليس بها الحامض النووي المشابه للحامض النووي للديك الرومي بنسبة 100%. فالديك الرومي فقط هو الذي الحامض النووي المشابه للحامض النووي للديك الرومي بنسبة 100%.
ولهذا قال هؤلاء الناس إنهم وجدوا الحامض النووي للديك الرومي في عظام الديناصورات، ونشر هذا بالفعل في مجلة Science! وهذا أمر يصعب تصديقه بالنسبة لي! فقط كان العنوان الرئيسي في المجلة يقول بوضوح: “الديناصورات والديوك الرومي: هل مرتبطان بالحامض النووي؟”
هذه القصة الأخيرة أثارت السؤال التالي: “كيف نفس أن الحامض النووي كان هناك؟”
فقال ويلز وهو يهز رأسه: “ربما يكون أحدهم قد ألقى ساندويشاً من الديك الرومي في الحفرة، أو ريما كان هناك تلوث في المعمل. لو كنت قد سجلت شيئاً من قبيل هذا في أحد أبحاثي لسخروا مني قائلين: “أعد الاختبار مرة أخرى، إنه ملوث”.
“ولكن للأسف، أخذ الأمر بجدية لدرجة أن يُنشر في مجلة Science! فحتى العالم الذي سجل الاكتشاف صرح بأنه كان “متشككاً تماماً” من طريقة عمله في تلك النقطة، ومع ذلك كان الناس مستعدون للتمسك به لتدعيم إيمانهم بالدارونية”[42].
أسطورة إنسان جاوة
لم أتمكن من إنهاء حديثي دون أن أتطرق إلى أيقونة أخرى ترتبط بدليل الحفرية: الصور التي شاهدتها من وقت لآخر عن موكب لمخلوقات تشبه القرود، وتتطور إلى كائنات بشرية حديثة. في الحقيقة، فإن هذا الشكل التوضيحي مصور على غلاف أحد طبعات كتاب “أصل الأنواع” في العام 1998[43]. وبالنسبة لكثيرين، فإن هذه “الأيقونة الأساسية” ليست مجرد نظرية، بل حقيقة مؤكدة.
كتب والتر كرونكايت مذيع نشرة الأخبار الشهير في وثيقة عن التطور: “إن عدت للتاريخ البعيد، ستجد أننا نحن والشمبانزي نتشارك سلالة مشتركة. فجدي الرابع – إن عدنا بالتاريخ إلى نصف مليون جيل – أي حوالي خمسة ملايين عاماً مضت – كان أصله قرداً”[44].
وقد نشأ فيَّ هذا النوع من التأكيد عن التطور البشري عندما كنت شاباً، عندما كان بإمكاني استيعاب موسوعة World Book. كان من أحب مداخل الموسوعة بالنسبة لي مدخل “إنسان ما قبل التاريخ”، حيث كنت أقرأ فيه لساعات منجذباً بصورة الإنسان الذي جزؤه قرد وجزؤه إنسان، والذي اسمه “إنسان جاوة”. قال مؤلف كتاب عن الباليو أنثروبولوجي:
إنسان جاوة يشبه صديقاً قديماً. لقد تعلمنا عنه في المدرسة… في الحقيقة، فإن غالبية من يؤمنون بالتطور البشري من المحتمل أنهم كانوا متحمسون للاقتناع بهذا الإنسان. فهو ليس فقط أفضل حفرية إنسانية معروفة، بل وأيضاً أحد الحفريات الإنسانية الوحيدة التي يعرفها معظم الناس”[45].
وقد ركز تقرير موسوعة World Book المكون من صفحتين على موكب من بشر ما قبل التاريخ. وكان هناك تمثال نصفي نابض بالحياة لإنسان جاوة من المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي، يصاحبه ملخص يظهر نبذة عن حياته. وبجبهته المنحدرة، وحاجبه الكثيف، وفكه الناتئ وذقنه المتراجع للوراء، وتعبيراته المذهلة، كان يشبه تماماً مزيجاً من القرد والإنسان معاً. وبالنسبة لي، فإن دراسة وجهه، والنظر في عينيه أسهمت في ترسيخ حقيقة التطور البشري.
وصفت الموسوعة بثقة كيف أن العالم الهولندي يوجين دوبوا – وهو يحفر في جزيرة اندونيسية في عامي 1891، و1892 “عثر على بعض العظام من ضفة نهر”. إن إنسان جاوة – الذي أرجعه إلى نصف مليون سنة – يمثل مرحلة في تطور الإنسان الحديث من سلالة لها مخ أصغر[46]. وطبقاً لما قاله دوبوا، كان الحلقة المفقودة بين القرود والبشر[47].
وآمنت بهذه كله. ومع ذلك، كنت غافلاً عن القصة الكاملة لإنسان جاوة. كتب مؤلف فيما بعد: “ما ليس معروفاً جيداً هو أن إنسان جاوة لا يتكون من سطح جمجمة، وعظمة فخذ، وثلاث أسنان، وقد كبير من الخيال”[48]. وبكلمات أخرى، فإن الوصف الرائع لأنسان جاوة – الذي طالما أبهرني وأنا شاب – كان أكثر قليلاً من مجرد التفكير الذي تغذيه التوقعات التطورية لما كان يجب أن يبدو عليه لو كانت الدارونية حقيقية.
كشاب صغير يبدأ في تكوين أفكاره عن التطور البشري، لم أكن واعياً لما اكتشفته مؤخراً: أن عمليات حفر دوبوا الزائفة ستجرد الحفرية من أهميتها بحسب المقاييس اليوم. أو أن عظم الفخذ لم يكن مرتبطاً بسطح الجمجمة بشكل واضح حقاً. أو أن سطح الجمجمة – وفقاً لعالم التشريح البارز في جامعة كامبردج السير آرثر كيث – كان إنسانياً بلا ريب، وقد عكس سعة مخية جيداً في مستوى البشر الأحياء اليوم[49]. أو أن تقريراً علمياً مسجلاً في 342 صفحة من حملة تقصي حقائق مكونة من 19 عالماً مؤمناً بنظرية التطور دحضوا ادعاءات دوبوا، واستنتجوا أن إنسان جاوة لم يسهم في التطور البشري[50].
وباختصار، فإن إنسان جاوة لم يكن الإنسان – القرد كما أقنعوني، لكنه كان “عضواً حقيقاً في الأسرة البشرية”[51]. وكانت هذه الحقيقة تائهة في مجلة Time التي عاملت إنسان جاوة في العام 1994 كسلالة شرعية للتطور[52].
قصة التطور البشري
كان ويلز يصغي بكثب شديد وأنا أصف له كيف أن تعرضي للمعلومات المضللة حول إنسان جاوة قد مهد الطريق لقبولي التطورية الدارونية قبولاً حاسماً. أشار ويلز إلى أن العوامل التي أسهمت في هذا الانهيار ما زالت متعلقة بالموضوع.
قال ويلز: “من أكبر المشكلات التي تواجه علم الباليوأنثروبولوجي هي أنه مقارنة بكل الحفريات التي لدينا، فإن عدداً قليلاً جداً منها يُعتقد أنه مخلوقات من سلالات البشر. وغالباً ما تكون بقايا جمجمة أو أسنان.
ولذلك فإن هذا يعطي كثيراً من المرونة أكثر لإعادة تكوين العينات للتلاؤم مع نظرية التطور. فمثلاً، عندما استأجرت مجلة ناشيونال جيوجرافيك National Geographic أربعة فنانين لإعادة تكوين شكل أنثى من عظام سبع حفريات اكتشفت في كينيا، خرجوا عليهم بأشكال مختلفة تماماً. أحداها ظهرت في شكل امرأة افريقية – أمريكية حديثة، وأخرى في شكل ذنب، وثالثة لها حاجب كثيف كحاجب الغوريلا، ورابعة بلا جبهة ولها فكوك تشبه قليلاً ديناصور ذات منقار.
“وبالطبع، فإن افتقاد دليل الحفريات هذا يجعل الأمر مستحيلاً أيضاً لإعادة بناء علاقات مفترضة بين الأسلاف والأحفاد. قام عالم أنثوبولوجي بتشبيه مهمة محاولة إعادة بناء حبكة درامية لرواية “الحرب والسلام” باستخدام مجرد 13 صفحة عشوائية من الكتاب”[53].
وصل ويلز من جديد للتكلم عن أيقونات التطور. قال وهو يبحث عن الصفحة الصحيحة: “لقد اعتقدت أن هنري جي – الكاتب العلمي الرئيسي لمجلة Nature – كان صريحاً تماماً عندما تحدث عن هذا الموضوع في العام 1999. كتب جي: “إن الفترات الزمنية التي تفصل بين الحفريات ممتدة جداً حتى إنه لا يمكننا قول أي شيء مطلق عن ارتباطها المحتمل من خلال الأجداد والأحفاد”.
“أطلق على كل حفرية “نقطة منعزلة، بلا علاقة معروفة بأية حفرية أخرى موجودة، وكلها تطفو في بحر رهيب من الفجوات”. وفي الواقع، قال إن كل دليل الحفريات عن التطور البشري “ما بين 10: 5 مليون سنة مضت، فإن آلاف عدة من أجيال الكائنات الحية، يمكن وضعها كلها في صندوق صغير”.
“ومن هنا، استنتج أن الصورة المألوفة لدينا عن التطور البشري هي: “اختراع بشري تماماً صمم وفقاً للحقيقة، وتشكل ليتلاءم مع تحيزات البشر”. ثم قال بكل حدة: “أن تأخذ خطاً من الحفريات وتدعي أنها تمثل نسلاً، ليست فرضية علمية يمكن فحصها، لكنها تأكيد يحمل نفس الصلاحية مثل قصة قبل النوم؛ فهي مسلية، وربما تكون حتى تثقيفية، لكنها ليست علمية”[54].
وضع ويلز الكتاب، وواصل كلامه: “أي إنك لن تعيد بناء تاريخ التطور البشري بناءً فقط على فحص الحفريات القليلة التي لدينا. والسبب الوحيد الذي يجعل أي فرد يعتقد أن الدليل يؤيد التطور البشري هو أن الدارونية من المفترض أنها حقيقية على أسس أخرى. إن كانت كذلك، يكون من المعقول تماماً أن تنسبها للتاريخ البشري، وهذا ما فعله دارون في كتابه “أصل الإنسان The Descent of Man“[55].
“ولكن ماذا لو كان الدليل الآخر للدارونية خاطئاً، وهو في الحقيقة هكذا؟ أنت وأنا لم نتطرق حتى للعيوب الرئيسية لمجموعات كثيرة من أيقونات تطور أخرى تستخدم في تعليم الطلبة اليوم. ولا يوجد نقص في الكتب التي تكشف دارون. وبدون أي دليل مقتنع مؤيد للدارونية في هذا الجوانب، ستظل مسألة التطور البشري محل جدال.
“بدلاً من ذلك، يدعي أنصار دارون أن قصة الحياة البشرية هي قصة تطور، ومن هنا وضعوا الحفريات في قصة مسبقة بدا أنها تناسبها. وهذه القصة يمكنها أن تأخذ أشكالاً عديدة اعتماداً على تحيزات الفرد. وكما قال أحد علماء الإنسان، فإن العملية كلها “سياسية وشخصية” إلى الحد الذي اقترح فيه أن “البايلوأنثروبولوجي له هيئة العلم لا جوهره”.
“في الواقع، كتبت عالمة بابلوأنثروبولوجي تدعى ميزيا لانداو كتاباً تحدثت فيه عن التشابهات بين قصة التطور البشري والحكايات الشعبية القديمة. واستنتجت أن الكثير من النصوص الكلاسيكية في هذا المجال كانت تحددها إلى حد بعيد إطارات الحكايات التقليدية بنفس درجة الأدلة المادية”، وأن هذه الموضوعات تفوق بمراحل ما يمكن أن يُشار إليه من دراسة الحفريات بمفردها”[56].
أخذت بضعة دقائق لأفكر فيما قاله ويلز. لقد كان على حق؛ فانهيار مصداقية إنسان جاوة أمر مهم. إنه يركز على كيف أن كثيرين – ومنهم أنا – صاروا تابعين للدارونية من خلال الحفريات او الأدلة الأخرى التي قوضتها أو دحضتها الاكتشافات اللاحقة. لكن الدمار وقع فعلاً في حالات كثيرة؛ فالطالب الذي لا يعي هذه الاكتشافات الملاحقة قد انتمى أصلاً للمذهب الطبيعي بصورة كاملة.
بينما أقلب من جديد صفحات موسوعة World Book البالية، يمكنني الآن أن أفهم كيف أن الافتراضات المسبقة المخطئة للعلم وللدارونية قد دفعت صديقي السابق إنسان جاوة إلى موكب تطوري مبني على الخيال أكثر منه على الحقيقة. ولسوء الحظ، فإن إنسان جاوة ليس هو المثل الوحيد لتلك الظاهرة التي تميل للاعتقاد بأن سجل التطور البشري المزعوم كله غير جدير بالثقة تماماً”.
اعترف عالم الأحياء التطوري في بيركلي كلارك هاويل: لا توجد نظرية شاملة للتطور [البشري]. ويا للأسف، لم توجد على الإطلاق”[57].
إهمال، وتشويه، وتزيف، وفشل
في نهاية نقاشنا عن سجل الحفريات، رجعت بتفكيري إلى الصور الأربع التي مهدت الطريق إلى إلحادي. ولم يسعني إلا أن أهز رأسي.
لم تبق في ذهني إلا تجربة واحدة لأصل الحياة كانت نتائجها لا معنى لها، وشجرة حياة اقتلعت بواسطة الانفجار البيولوجي العظيم في العصر الكمبري، ورسومات الأجنة التي لا تعكس الحقيقة، وسجل حفريات يرفض بعناد اعتبار أن الأشكال الانتقالية حاسمة بالنسبة لنظرية التطور. شكوك تراكمت فوق شكوك.
هل هذه الأيقونات هي الدليل الوحيد المؤيد للدارونية؟ بالطبع لا. لكن مصيرها يوضح ماذا يحدث وقتاً بعد الآخر عندما توضع التطور الكبير macroevolution تحت مجهر الفحص، وبينما واصلت تحري الأسس العلمية والفلسفية لنظرية التطور، في تحقيق مستمر يعود إلى ما قبل لقائي مع ويلز، كنت لا أزال أحصل على نفس النتائج. ولا عجب أن مائة عالم وقعوا انشقاقاً عاماً على الدارونية.
ومع ذلك، كلما تُكذب أيقونة تطور، يدعي أنصار دارون بحماسة دينية أن هذه لم تكن حقاً القصة بكاملها في المقام الأول، ويصرون على أن الاكتشافات الحديثة تدعم التطور الكبير حقاً. ومن ثم، تختلق حكايات جديدة، وتتلى قصص جديدة. إن نظرية التطور – التي لا تدعمها الآن الأيقونة الأصلية – ليست موضع نقاش، لكنها تستخدم من جديد لتكييف نموذج معاد تصميمه.
على سبيل المثال، منذ عدة سنوات قدم جولد ودارس آخر فرضية جديدة اسمها “التوازن المؤكد” في محاولة يائسة لشرح فراغات الحفرية. واقترحا أن فصائل جديدة تماماً تمكنت نوعاً ما أن تتطور بسرعة وسط سكان منعزلين، ولم تترك ورائها أية حفريات لتوثيق هذه العملية. وعندما انضمت هذه المخلوقات الجديدة مرة أخرى بالسكان الأكثر في المركز، نتج عن ذلك حفظ الحفريات الذي فسر الظهور المفاجئ لفصائل جديدة. وقد انتقد هذا النموذج على نطاق واسع، وهو يستحق هذا، لأنه اختلق أسئلة أكثر من إجابات[58]. وأخيراً، فإن الدارونية ظلت فلسفة لا تزال في مراحل البحث عن بيانات تجريبية مقنعة لتساندها.
وبالمثل، فإن الدارونيين المحدثين عرضوا بافتخار ذباب فاكهة رباعي الأجنحة كدليل على أن التغيرات الوراثية البسيطة يمكن أن تنتج عنها اختلافات فسيولوجية رئيسية في الكائنات الحية. ومع ذلك، كما يكشف ويلز في كتابه، فإن ذباب الفاكهة هذا لا بد أن يُربى بعناية من ثلاثة سلالات مختلفة وراثياً ومحافظ عليها صناعياً، وهو ظرف مغاير تماماً لما يحدث في الطبيعة.
والأبعد من ذلك، فإن الذكور تعاني من صعوبة في التزاوج، وبسبب أن الأجنحة الإضافية غير عاملة، فإن هذا الذباب المختلف وراثياً معاق بدرجة كبيرة. وقال: “كدليل لنظرية التطور، فإن ذبابة الفاكهة رباعي الأجنحة ليس أفضل حالاً من عجل ثنائي الرأس في عرض سيرك”.
مرة أخرى، كشف التحري الدقيق أنه حتى الأيقونات الأخيرة لا يمكنها أن تدعم المصداقية الهشة لنظرية التطور. وفي رأيي الشخصي، أدركت أخيراً أنه لم يكن لديّ إيمان كاف لاحتفاظ باعتقادي بالدارونية. وفي تقديري، فإن الدليل كان ببساطة غير قادر على تدعيم أقوى ادعاءاتها.
صرخة “التصميم!”
قبل أن أحزم أمتعتي وأوقف سيارة أجرة للذهاب للمطار، أردت أن أسأل ويلز أسئلة ختامية قليلة حول مشمول الدارونية. فقلت: “بعد سنوات من دراستها، وحيث تأخذ في الاعتبار أكثر الأدلة العلمية شيوعاً، ما استنتاجك الأخير عن نظري دارون؟”
فبدأت إجارة ويلز بمجرد أن فارقت الكلمات لساني. قال بحزم: “استنتاجي هو أن الدفاع عنها عاجز، فالدفاع عن الدارونية ليس مجرد غير كاف بصورة جسيمة، لكنه مشوه تماماً. وإني متيقن أنه في وقت ما في المستقبل القريب – في خلال عشرين أو ثلاثين سنة من الآن – سينظر الناس إليها في دهشة قائلين: “كيف كان يمكن لأي إنسان أن يؤمن بهذا؟” الدارونية مجرد فلسفة مادية تتنكر في ثياب العلم، والناس يعرفونها على حقيقتها.
واستطرد قائلاً: “والآن، بقولي هذا، ما زلت أرى مجالاً لعمليات تطورية في لحظات محدودة. لكن القول بأن التطور يُجدي في بعض الحالات هو أبعد من توضيح أنه يفسر كل شيء”.
“إن كان التطور الكبير قد فشل في إثبات انه نظرية قابلة للتطبيق، فإلى أين يشير دليل العلم من وجهة نظرك؟”[59].
لم يكن هناك أي غموض في صوت ويلز. فقال بإقناع: “أومن أن العلم يشير بقوة نحو التصميم. وفي رأيي كعالم، فإن نمو جنين يصرخ “التصميم!” انفجار العصر الكمبري – الظهور المفاجئ للحياة المعقدة، دوم دليل للسلالات – أكثر تناغماً مع التصميم عنه مع التطور. وفي رأيي، فإن التماثل يتناغم أكثر مع التصميم. وبالتأكيد فإن أصل الحياة يعلن بوضوح وجود مصمم. ولا شيء من هذه الأمور له معنى من وجهة نظر دارونية أكثر من كما تبدو من وجهة نظر تصميمية”.
فقلت له: “دعني أفهم الموضوع مباشرة. أنت لا تقصد فقط أن الدليل المؤيد للتطور هش، ومن هنا لا بد أن يكون هناك مصمم ذكي. بل تقترح أيضاً أن هناك دليلاً مؤكداً على وجود تصميم”.
فأجابني: “بالضبط. ومع ذلك فالاثنان مرتبطان؛ لأن أحد الوظائف الرئيسية للنظرة الدارونية هي محاولة جعل التصميم غير ضروري. وهذا ما اختبرته أنا أيضاً. ولهذا فإن توضيح أن الحجج المؤيدة لنظرة التطور ضعيفة سيفتح الأبواب حتماً أمام التصميم.
“وعندئذ، عندما تحلل معظم الأدلة المؤكدة السائدة من علم الكونيات، والفيزياء، والفلك، والأحياء، إلخ، فإني أعتقد أنك ستكتشف أن الدفاع الإيجابي عن مصمم ذكي يصبح قوياً تماماً.”
عندئذ وقفت وصافحت ويلز قائلاً: “وهذا ما سأكتشفه”.
العلم ضد الإيمان
كانت الرحلة الجوية ممتعة عبر الأجواء المخملية لساحل المحيط الهادئ في تلك الليلة. أغلقت عيني بينما بسطت مقعدي بقدر استطاعتي. وشعرت بالرضى بلقائي مع ويلز، وكنت متوجساً بخصوص ما إذا كانت الأدلة العلمية الأحدث تدعم وجود المصمم الذكي الذي تحدث عنه. ومع ذلك، كانت هناك أسئلة مزعجة لا تزال تضايقني.
بقيت منزعجاً إثر التداخل بين العلم والإيمان. كنت بحاجة لأن أعرف ما إذا كان قد قدر لهذين الأمرين أن يكونا في صراع مع بعضهما البعض كما يدعى البعض. هل يمكن لشخص علمي أن يؤمن بفكرة ما فوق الطبيعة؟ إلى أي مدى يمكن للبيانات التجريبية أن تخبرنا عن السماويات؟ هل يجب على العلماء أن يتمسكوا فقط بأنابيب الاختبار تاركين اللاهوتيين يتأملون في الله؟ هل يجب على القساوسة أن يشتركوا في معامل الأبحاث؟ هل يمكن للعلم والإيمان أن يشتركا حقاً في البحث عن الإجابات الحاسمة للحياة؟
عرفت أنني كنت بحاجة للحصور على إجابات هذه الأسئلة قبل الاستمرار. جذبت البطانية حتى رقبتي وقررت أن آخذ قسطاً من النوم. ففي الغد سأخطط لرحلة أخرى.
لمزيد من الأدلة
مصادر أخرى حول هذا الموضوع
Denton, Michael, Evolution: A Theory in Crisis.
Bethesda, Md.: Adler & Adler. 1986.
Hanegraaff, Hank. The Face that Demonstrates the Face of Evolution. Nashville: Word. 1998.
Johnson. Phillip. Darwin on Trial. Downers Grove, III.: InterVarsity Press, second edition, 1993.
Jonathan. Icons of Evolution. Washington. D. C: Reg-nerv. 2000.
[1] Quoted in Scientific American (July 2000).
[2] Larry Hatefield, “Educators Against Darwin,’ Science Digest (Winter 1979).
[3] “A Scientific Dissent From Darwinisin,” two-page advertisement, The Weekly Standard (October 1, 2001).
[4] See: Getting the Facts Straight (Sealtle: Discovery Institute Press, 2001), 11.
[5] Ibid., 9.
[6] Jonathan Wells, Charles Hodge’s Critique of Darwinism: An Historical- Critical Analysis of Concepts Basic to the 19th Century Debate (Lewiston, N.Y.:Edwing Mellen, 1988).
[7] What Wells called his “faith Jouney” even Brought him to the Unification Church, Partly because he Shared its strong anticommunist Stance. For Critiques of this group, whose theology I thoroughly disagree with. See: Ruth A. Tucker, Another Gospel (Grand Rapids, Mich.: Zondervan 1989), 245- 66.
[8] See: Jonathan Wells, Icons of Evolution (Washington, D.C.: Regnery, 2000).
[9] Note that all interviews have been edited for conciseness, clarity, and content.
[10] While Wells’s definition of neo-Darwinism is valid, I generally have used the term “Darwinism” in this book to encompass the concept of neo-Dar-Winism.
[11] See: Philip H. Abelson, “Chemical Event on the primitive Earth,” Pro-ceedings of the National Academy of Sciences USA 55 (1966). 1365-72.
[12]See: Michael Florkin, “Ideas and Experiments in the Field of prebio-logical Chemical Evolution,” Comprchensive Biochemistry 29B (1975), 231-60.
[13] See: Sidney W. Fox and Klaus Dose, Molecular Evolution and the Origin of Life (New York: Marcel Dekker, revised edition 1977), 43, 74-76.
[14] John Cohen, “Novel Center Seeks to Add Spark to Origins of Life,” Science 270 (1995), 1925-26.
* غاز عديم اللون ونافذ الرائحة.
* كلمة تعبيرية تعني جمع بيض الضفدع مع الناقة القوية! للدلالة على عدم الإمكان.
[15] See: Gerald F. Joyce, “RNA Evolution and the Origins of Life,” Nature 338 (1998), 217-24; and Robert Irion, “RNA Can’t Take the Heat,” Science 279 (1998), 1303.
[16] Charles B. Thaxton, Walter L. Bradley, and Roger L.Olsen, The Mystery of Life’s Origin (Dallas: Lewis and Stanley, 1984).
[17] See: Lee Strobel, The Case for Faith, 87-112.
[18] Gregg Easterbrook, “The New Convergence”.
[19] Lee Strobel, The for Faith, 108.
[20] John Horgan, “A Holiday Made for Believing,” New York Tiroes (December 25, 2002).
[21] Francis Crick, Life Itself (New York: Simon and Schuster, 1981), 88.
[22] Lee Strobed, The Case for Faith, 108.
[23] The biological classifications in ascending order are: species, genus, famity, order, class, phylum, and kingdom. For example, for human beings, the classifications would be: species (sapiens); genus (homo); family (hominids). Order (primates); class (mammals); phylum (chor- dates); and king dom (animals).
[24] The big bright spot, of course was the > 46-10 victory over New England in Super Bowl XX, which was played on January 26, 1986, at the Louisian> 46-10 victory over New England in Super Bowl XX, which was played on January 26, 1986, at the Louisiana Superdome.
[25] See: Jeffrey II. Schwartz, “Homeobox Genes, Fossils, and the Origin of Species,” Anatomical Record (New Anatomist) 257 (1999), 15 – 31.
[26] See: James W. Valentine and Douglas H. Erwin, “Interpreting Great Developmental Experiments: The Fossil Record, “in: Rudolf A. Raff and Elizabeth C. Raff, editors, Development as Evolutionary Process (New York: Alan R. Liss, 1987), 84-85.
[27] See: Stephen Jay Gould, “Abscheulich! Atrocious!” Natural History (March, 2002).
[28] For A description of how various textbook use embryo drawings, see: Jonathan Wells, Icons of Evolution, 101-104.
[29] The World Book Encyclopedia, Volume 2, 242.
[30] See: Kenneth Miller, “What Does It Mean To Be One Of Us?” Life (November 1996).
[31] See: Jonathan Wells, Icons of Evolution, 105.
[32] Lewis Wolpert, The Triumph of the Embryo (Oxford: Oxford University Press, 1991), 185.
[33] See: Tim Berra Evolution and the Myth of Creationism (Stanford: Stanford University Press, 1990), 117-19.
[34] R. Gore “Dinosaurs,” National Geographic (January 1993).
[35] Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis Chevy Chase, Md: Adler and Adler, 1986), 162.
[36] Ibid 172.
* حيوان مائي ثدي له منقار بطة.
** نظام تصنفي يعتمد على علاقات التاريخ النوعي والتاريخ التطوري لمجموعات من الكائنات الحية.
[37]Larry D. Martin, “The Relationship of Archaeopteryx to other Birds,” in: M. K. Hechl, J. H. Ostrom , G. Vilhs, And P. Wellnhofer, editors, The Behinnings of Birds (Eichstatt: Freunde des Jura-Museums. 1985), 182, quoted in : Jonathan Wells, Icons of Evolution, 116.
[38] Pierre Lecomte du Nouy, Human Destiny (New York: Longmaus, Green and Co., 1947), quoted in: Hank Hanegranff, The Face That Demonstrates the Farce of Evolution (Nashville: Word, 1998), 37.
[39] Phillip E. Hohnson, Darwin on Trial, 81.
[40] Kathy A. Svitil, “Plucking Apart the Dino-Birds,” Discover (February 2003).
[41] Ibid.
[42] Discovery of what news articles described as a “four-winged dinosaur” caused a stir in early 2003. In a letter to the New York Times, however, Howard Zimmerman, co-editor of The Scientific American Book of Dinosaurs, said he doubted whether this finding “will cast new light on the evolution of birds.” He said that “since the geographix strata in which the fossils were found are about 125 million years old, this animal could not have been the progenitor of the avian line” In oterh words, Zimmerman indicated it was not “the missing evolutionary link.” See: “Do Birds and Dinosaurs Flick Together?” New York Times (January 26, 2003).
[43] See: Charles Darwin, The Origin of Species (New York: Grammercy, 1998).
[44] “Ape Man: The Story of Human Evolution,” hosted by Walter Cronkite, Arts and Entertainment network, September 4, 1994, quoted in: Hank Hanegraaf, The Face That Demonstrates the Farce of Evolution, 57.
[45] Marvin L. Lubenow, Bones of Contention (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1998). 86.
[46] World Book Encyclopedia, Volume 10, 50.
[47] Martin L. Lubenow, Boncs of Contention, 87.
[48] Hank Hanegraaff, The Face That Demonstrates the Farce of Evolution, 50.
[49] See: Martion L Lubenow, Boncs of Contention, 86-99.
[50] Hank Hancgraaff, The Face That Demonstrates the Farce of Evolution, 52.
[51] Martin L. Lubenow, Boncs of Contention, 87.
[52]Michael D. Lcmonick, “How Man Began,” Time (March 14, 1994). Quoted in: Hank Hancgraaff, The Face That Demonstrates the Farce of Evolution, 52.
[53] See: Constance Holden, “The Politics of Paleaoanthropology,” Science 213(1981).
[54] See: Henry Gee, In Search of Deep Time: Beyond the Fossil Record to a New History of Life (New York: The Free Press, 1999).
[55]See: Lan Tattersail, “Paleoanthropology and Preconception,” in: W. Eric Meikle, F. Clard Howell, and Nina G. Jablonski, editors, Contemporary issues in Human Evolution, Menoir 21 (San Francisco: California Academy of Sciences, 1996); Geoffrey A. Clark, “Through a Glass Darkly: Conceptual Issues in Modern Human Origins Research, ” in G. A. Clark and C. M. Willermet, editors, Concptual Issues in Modern Human Origins Research (New York: Aldinc de Gruyler, 1997), quoted in: jonathan wells, Icons of Evolution, 223.
[56] See: Misia Landau, Narratives of Human Evolution (New Haven: Yale University Press. 1991).
[57] F. Clark Howell, “Thoughts on the Study and Interpretation of the Human Fossil Record” in W. Eric Meikl, F. Clark, and Nina G. Jablonski, editiors contemporary issues in Human Evolution, Memoir21.
[58] For a critique of “punctuated equilibrium,” see: Phillip E. Johnoson, Dar-win on trial,50, 52, 58, 60-61, 120, 141, 153, 184-185, 187.