مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة: ” نؤمن … “

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

 

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة*

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره ’المجمع الكبير والمقدس‘ أو ’المجمع المسكوني الكبير‘، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.

ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو ’التحديد الكنسي غير القابل للتغيير‘ (imperturbata constitutio)، أو ’الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة‘[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.

ومما يذكر أن القديس غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان القديس غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في ’عظته عن أثناسيوس الكبير‘ ذاكرًا ’مجمع نيقية المقدس‘ واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً ’المختارين‘ بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان القديس غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.

وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ القديس القديس أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل القديس أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين

كان القديس أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي القديس أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].

هكذا فهم القديس أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر القديس أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع القديس أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه. وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان القديس أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

إقرأ أيضًا: الشك ف الكمين – هل مجمع نيقية هو من قرر أن المسيح هو الله وأهم العقائد المسيحية؟

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح القديس أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام. ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14].

بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (ες Χριστν εσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15]. أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16].

ومن الواضح أن القديس أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

علاقة الإيمان بالتقوى

ومن العلامات المميِّزة لتوجه مجمع نيقية، أنه ربط بين الإيمان وبين الخشوع أو التقوى (εσέβεια / θεοσέβεια)، والذي يعني استخدام أسلوبٍ ورعٍ للعبادة والسلوك والفكر، يليق بالله الآب والابن والروح القدس. وكان هذا الارتباط بين الإيمان والتقوى طريقًا مسيحيًّا مميزًا للحياة، حيث كان فكر الكنيسة (διάνοια / φρόνημα) مختومًا بختم الثالوث القدوس الذي لا يُمحى، فلم يكن هناك فصل بين التقوى والتعليم اللاهوتي، أو بين العبادة والإيمان، حيث كان الاهتمام الثابت موجهًا: لتفسير الكتب المقدسة بوقار، ولاستخدام المنطق بوقار ولاتباع طرق للمناقشة بوقار، وفي كل ذلك بغير تدخلٍ حادٍّ في سر الله وبغير تعليمٍ خارج عن الوقار في الأمور التي تخص الله.

وحتى حين يتناول علم اللاهوت العلاقات الداخلية للثالوث في الله نفسه، كانت الكنيسة تُصرّ على التحفظ والخشوع سواء في الأسلوب أو في صياغة الفكر أو في اللغة المستخدمة؛ إذ كان ينبغي أن يتم كل شيء بتقوى أمام وجه صاحب الجلال والمجد الإلهي مثل ما يفعل الشاروبيم الذين يغطون وجوههم أمام عرش الله بشكل يليق بقداسة الله الفائقة.

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

إقرأ أيضًا: آباء الكنيسة الأولى (ما قبل مجمع نيقية) وحقيقة إيمانهم بلاهوت المسيح

الإيمان الذي حفظه الآباء في نيقية

إن إدراك آباء مجمع نيقية لمضمون التعليم الرسولي، بالإضافة إلى التقوى الإنجيلية في الاعتراف بالإيمان، قد أدّيا معًا إلى ظهور أسلوب مميَّز للتعبير ترك بصمته الدائمة على ذهن الكنيسة. وكان هذا الأمر واضحًا للغاية في مجمع القسطنطينية عام 381م حيث أُعيد التأكيد بشكل نهائي وحاسم على قانون الإيمان النيقي، مما جعله قانون الإيمان المسكوني الأسمى في العالم المسيحي. فالتعليم اللاهوتي الخاص بمجمع نيقية لم ينل فقط قوة داخلية وحركة دفع ذاتي في عصره، ولكنه ترسَّخ ضمن الأساسات الإنجيلية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، بحيث صار القاعدة التي انطلقت منها المجامع الأخرى ـ الواحد تلو الآخر ـ لتكمل عملها في القرون اللاحقة، بالرجوع دائمًا إلى “مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر”.

وهكذا كان يُنظر لقانون إيمان نيقية، على أنه المحور الرئيس والمتحكم في الرسالة المتنامية للكنيسة، وكإعلان إنجيلي يؤدي إلى الإيمان بالمسيح، كما كان يُنظر إليه أيضًا بكونه صياغة تعليمية لكبرى حقائق الإنجيل، لذلك يمكن أن يُعتبر كمرشد موثوق به وذو سلطان في قراءة وتفسير الكتب المقدسة. أي أنه في قانون الإيمان النيقي وبواسطته، عقدت الكنيسة العزم على الدفاع عن جوهر الإيمان والحفاظ عليه، كأمانة مقدسة تسلَّمتها لكي تسلِّمها إلى الآخرين متكاملة إنجيليًّا، وبالتالي تستطيع أن تعطي الله حساب وكالتها على سرائر الله[19].

وكان هذا هو قصد الكنيسة الذي أوضحه القديس أثناسيوس في خطابه إلى أساقفة إفريقيا عندما قال: “ليكن فقط الإيمان، الذي اعترف به الآباء بنيقية، قانونًا ساريًا بينكم، حتى يستطيع الرسول أن يقول عنا أيضًا: ’فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلَّمتها إليكم‘”[20].

إقرأ أيضًا:  ايمان الاباء بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – القمص عبد المسيح بسيط

 

نؤمن …

وبتعبير “نؤمن”، الذي استهلت به الكنيسة الجامعة نص اعترافها ـ في نيقية عام 325م ـ فإنها أوضحت أن ما كان يهمها هو أن تعترف بحقائق الإنجيل الأساسية، داعية إلى الالتزام بالإيمان (نؤمن)، أكثر من مجرد وضع مراسيم (قوانين للإيمان) (δόγματα) مطلوب إطاعتها كأنها قرارات رسولية[21] أو أوامر إمبراطورية[22].

ولكن بالطبع قدَّم آباء نيقية بعض الدلالات التي توضح كيف يجب أن تُفهم المصطلحات التي استخدموها، كما أشاروا أيضًا إلى “الحدود الفاصلة” (ρισθέντα) في اعتراف (قانون) الإيمان، والتي لا يجوز تعديها وإلاّ انحرف المرء إلى ضلال الهرطقة أو إلى خطورة التناقض[23].

وقد حدد الآباء أيضًا عددًا من “القوانين” أو “القواعد” الكنسية التي يجب أن تُراعى من أجل الحفاظ على الوحدة في الكنيسة كلها في تعليمها وتوجيهها المنتظم، وفي تنظيم الخدمة الكنسية[24]. غير أن هذه الأوامر “الناهية” والقواعد الرسمية، قد تم وضعها فقط كملحقٍ لنص قانون الإيمان، ولم تدخل في صلب التعبير عن الإيمان ذاته. وهكذا كان حرص الآباء ينصب كله على الحفاظ على سمة قانون الإيمان “كإعلان إنجيلي” للإيمان الخلاصي، الذي اضطرت الكنيسة إلى وضعه بإلزام من الحق الإلهي الذي وصل إليها من خلال الكتب المقدسة.

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

نظرة الآباء إلى ’الإيمان‘

ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي أعطاها مجمع نيقية ’للإيمان‘ على هذا النحو كانت لها دلالة كبيرة للغاية، لأنها تمثِّل التحوُّل الجذري في فهم شعب الكنيسة ـ حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيُّزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا أساس لها ـ وهو تحول من أن يكون مركز الفكر في داخل المنطق البشري (πίνοια) الشخصي (الغريب عن الله)، إلى أن يكون هذا المركز هو في إعلان الله (عن ذاته)، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح ’كلمته‘ المتجسِّد داخل حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق.

هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت هي السبب وراء الثقة الراسخة في ’إيمان‘ الكنيسة بالله، لأن الكنيسة قد أدركتها محبة الله الثابتة والأمينة، وقد أمسكت الكنيسة بهذه المحبة من خلال “كلمة حق الإنجيل”[25]، كما أن الله ذاته كان على الدوام يسند الكنيسة ويقويها. وهذه الأهمية القصوى التي أولاها قانون نيقية، ’للإيمان‘ إنما تعكس الفكر الآبائي الراسخ عن ’الإيمان‘ بأنه اقتناع للعقل لا يقوم على أساس منظور ’شخصي‘ بل على أساس ’موضوعي‘، وهذا الاقتناع تسنده ـ أبعد من حدوده نفسه ـ ’الحقيقة‘ الموضوعية أو الأقنومية (πόστασις) التي لله ذاته، كما أعلن لنا عن نفسه في يسوع المسيح.

ويعبِّر القديس هيلاري عن ذلك بقوله “في الإيمان، يتخذ الإنسان موقفه على أساس كيان الله ذاته (in substantia dei)”[26].

إقرأ أيضًا: مجرد إله؟ القضية الحقيقة في مجمع نيقية

 

علاقة ’الإيمان‘ بالمعرفة

وكان الآباء ’اليونان‘ (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (πιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[27]، حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها) (κατά φύσιν)[28].

وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور. وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[29]، مثلما كان القديس أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[30].

إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن ’الإيمان‘ حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطـرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ ’للحق‘ الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري. فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب ’الحقيقة‘ الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[31].

ويأخذ الإيمان شكل الطاعة (πακοή τς πίστεως)[32] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (πιστημονική συγκατάθεσις) ’للحق‘ الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[33].

وقد أكد القديس هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم ’الحق‘ الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[34]، وحين تحدث القديس هيلاري عن اعتراف الرسل ’بأن المسيح هو ابن الله‘ على أن ذلك هو ’صخرة الإيمان‘ التي بنيت عليها الكنيسة[35]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا، لأن الكنيسة بنيت على ’الحق‘ الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا ’الحق‘ الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها.

وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل ’بالإيمان‘ وفهمهم ’للحق‘ محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[36].

إقرأ أيضًا: مجمع نيقية، هل إخترع عقائد جديدة أم أكَّدَ على العقائد المستقرة من عصر الرُسل؟ عرض ونقد ورد

 

الله هو الذي يعلن عن ذاته

وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[37]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس ’الحق‘، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً ’للحق‘ الذي تشهد له الكتب المقدسة، لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس؛ إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته.

وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[38]. ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة ’للإيمان‘ في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته و يجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[39].

إقرأ أيضًا: الثالوث قبل مجمع نيقية – الأدلة الآبائية

 

البعد المزدوج للإيمان

إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه ’الحق‘ الإلهي في تجسد ’الكلمة‘ (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود.

إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[40]. وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.

 

التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق

وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه. مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد ’كلمته‘ في يسوع المسيح، أي في ’ما هو‘ يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.

وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على ’حقيقة‘ الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص. وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار ’للحق‘ رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة.

ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو ’الحق‘ الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه. هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في ’الحق‘ الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.

إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت ’للحق‘ الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر.

ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[41].

وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى ’إنجيل آخر‘ والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[42]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له ’جوهر‘ مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[43].

إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن ’الحق‘[44].

 

المجال المفتوح والمتسع للإيمان

وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه ’حقيقة‘ إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة ’الإيمان‘ ومرتكزًا على ’الحقيقة‘ الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها.

وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون ’مفتوحًا‘ لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق ’للحق‘. إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى ’للحق‘، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية ’ذات مجال مفتوح ومتسع‘ (open range in its focus ‘σκοπός’) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.

وقد أكد على مفهوم ’مجال الإيمان المفتوح‘ كل من القديس أثناسيوس والقديس هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح القديس أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[45].

فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو ’الحق‘ الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان ’الضابط المعياري‘ الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[46]. إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[47].

ولم يكن القديس هيلاري أقل من القديس أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[48]. إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من ’اللانهائية‘، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم ’شيء‘ عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله.

وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة ’إيمان‘، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[49]. وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن ’الحق‘ الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[50].

 

الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن ’الحق‘ الذي لا يُنطق به

إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال ’المفتوح والمتسع بلا حدود‘ للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى ’الحق‘ الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها. ولذا نجد أن مجال الإيمان ’المفتوح‘ قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[51].

ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن ’الحق‘ الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة ’معرفة‘ الله.

هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (μοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن ’الحقيقة‘ الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن القديس هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة.

ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[52].

 

أهمية التقوى مع الإيمان

وإلى جانب الإيمان الذي أولاه الفكر اللاهوتي النيقي أهمية قصوى، كان هناك عنصر رئيس آخر ـ له نفس الأهمية التي للإيمان ومرتبط به ومتداخل معه بغير انفصال ـ يجب علينا أن نأخذه أيضًا في الاعتبار، ألا وهو ’التقوى‘ (θεοσέβεια, εσέβεια). فالإيمان في حد ذاته هو عمل من أعمال التقوى داخل العبادة والطاعة المقدمة لله بكل تواضع وخضوع. والتقوى هي العلاقة السليمة مع الله، من خلال الإيمان الذي يعطي اتجاهًا مميزًا للعقل ويُشكِّل الفكر والحياة وفقًا “لكلمة وحق الإنجيل”[53].

التقوى إذن تعتبر من المكونات الجوهرية في التقليد الحيّ للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح. والتقوى ومعرفة ’الحق‘ ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي “للإيمان المسلَّم مرة للقديسين”.

إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تُشكِّل القوة التي توجِّه كل “تعليم صحيح”، وهى التي يجب أن يُسمح لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصةً في مجال الإيمان ’المفتوح‘، حيث نكون مضطرين أن نكوِّن مفاهيم وننطق بعبارات عن ’الحق‘ تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتب المقدسة.* لذلك وفي هذا المجال بعينه ـ حيث تحوي الكتب المقدسة سر الله الذي لا يُوصف، والذي يظل سرًّا حتى في صميم إعلانه عن ذاته ـ فإنه ينبغي علينا أن نحذر من الوقوع في الاقتحام بلا توقير وبغير ورع فيما أبقاه الله سرًّا في جوهره الأزلي الذاتي.

 

التقوى في الفكر الكنسي

والتقوى (εσέβεια) كما نجدها واضحة في الفكر اللاهوتي النيقي، كانت تشير إلى الفهم الأرثوذكسي القويم ’للحق‘ الذي في الإيمان والعبادة المسلَّمة من الرسل. ويتعين علينا أن نقتفي أثر التقوى من خلال العودة إلى الرسائل الرعوية في العهد الجديد، حيث كانت ’التقوى‘ كلمة تدل نوعًا ما إلى ما كان يُشار إليه بـ “الطريق” في سفر أعمال الرسل[54]، أي ’طريق‘ الإيمان والعبادة الذي ميَّز الذين اتبعوا المسيح الذي من أجله كان لا بد لهم أن يتألموا.

وكانت السمة المميّزة للتقوى، أنها تجسيد للإيمان أو معرفة ’لحق‘ الإنجيل، في تطابقٍ مع أسلوب الحياة والعبادة في خدمة الله بورع[55]. ومما كان له دلالة هامة، هذا التأكيد الشديد على العلاقة الثابتة (المتلازمة) والمتبادلة بين ’التقوى‘ و’الإيمان‘ و’الحق‘، أي التأكيد على “التعليم الذي هو حسب التقوى”[56]، أو على “التعليم الصحيح”[57] والذي جاء كرد فعل حاد لظهور تحريف للإنجيل على أساس خرافات وظنون عقلية[58].

فبينما اعتُبرت ’التقوى‘ كمرادف ’للإيمان‘ و’الحق‘، اعتُبر عدم التقوى مرادفاً لعدم الإيمان والضلال، وكان هذا التباين هو الذي حدد الاسلوب والنمط لصراع الكنيسة مع الهراطقة على مدى الأربعة قرون الأولى.

ومن الواضح أن ما ذكره القديس بولس الرسول من علاقة بين ’السر العظيم للتقوى‘ وبين التجسد، كان هو النص الكتابي الذي تحكَّم في فهم التقوى في الكنيسة الأولى. وكان الرسول يكتب لتيموثيئوس ليُعرِّفه كيف يجب أن يتصرف في بيت الله “الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته. وبالإجماع عظيم هو سر التقوى εσεβείας μυστήριον) (τό τς: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رُفع في المجد”[59].

فمن جانب نجد في هذا النص الكتابي، أن التقوى تُعَرَّف على أنها النفاذ إلى السر الداخلي للإيمان، وإلى الحقيقة الموضوعية ’لإعلان الله لذاته‘ بالتجسد، في حين على الجانب الآخر نجد أيضًا في النص الحديث عن الكنيسة على أنها تؤيد ’الحق‘ الإلهي وتتمسك به. وإذا عبَّرنا عن هذا المعنى بطريقة عكسية فإننا نقول إن ’الحق‘ الإلهي المُعلن، هو مؤسس وراسخ في حياة البشر وفي المجتمع، بحسب ما يُكشَف ويُؤمَن به وبحسب ما يُعرَف ويُعلّم بوَاسطة الكنيسة، وذلك بأسلوب يدعو إلى التقوى ويقود إليها.

ولذلك (وبحسب هذا النص الكتابي) فإن السر العظيم الذي للتقوى والظاهر جليًّا في يسوع المسيح ونعمته الخلاصية، صار مجسَّدًا ومتضمَّنًا في الكنيسة كقرينها، وهو ما يتمشى مع ما أشار إليه القديس بولس على أنه السر العظيم من نحو المسيح وكنيسته التي هي جسده[60]. وعلى هذا فإن إعلان الله الخلاصي في يسوع المسيح، وقبول وفهم الرسل لهذا الإعلان بإيمان، قد ساهما معًا في تأسيس الكنيسة، حتى أنه ـ وحسب قصد الله ’التدبيري‘ ـ صار ’الحق‘، كما استُعلن في يسوع، في متناول أيدي الناس من خلال تعليم ووعظ الرسل الخاص بالإنجيل، وبتواصل حي لتقليدهم ’التقويّ‘ في الكنيسة عبر التاريخ.

إقرأ أيضًا: مجمع نيقية – المجامع المسكونية المقدسة

 

’وديعة الإيمان‘ المسلَّمة هي ’حياة التقوى حسب الإيمان‘ أو هي ’الحياة حسب جوهر الإيمان أو حسب الحق‘

هذا بالتأكيد ما كانت تعنيه الرسائل الرعوية بـ “وديعة الإيمان” (παραθήκη)، التي استؤمنت عليها الكنيسة لحفظها والدفاع عنها ونقلها في تقوى إلى الآخرين[61]. إن ’الإيمان‘ الذي استؤمنت عليه الكنيسة، في معناه الأَوَّلي، هو الإيمان بيسوع المسيح واستعلانه لنا وعمله الخلاصي من أجلنا، هذا العمل الذي يفسِّر نفسه ويكشف عن نفسه داخل الكنيسة.

غير أن ’الإيمان‘ في معناه الثانوي يشير إلى المضمون الإنجيلي للرسالة الرسولية والتقليد، كما هو منقول إلينا من خلال كتاب العهد الجديد ومن خلال الاشتراك في ’سر التقوى‘ في وسط الكنيسة، حيث يستمر المسيح في التعريف بذاته وفي عمله الخلاصي من خلال القوة المنيرة لروحه القدوس.

لذلك ففقط بالاعتماد على الشهادة الرسولية والتعليم الرسولي، وبالاعتماد على المعنى الثانوي الذي ذكرناه ’لوديعة الإيمان‘ (أي الحياة حسب الإيمان)، والذي يعترف ويشير دائمًا إلى يسوع المسيح كرب ومخلِّص، تمكن البشر عبر التاريخ من فهم واقتناء الجوهر (المضمون) العقيدي للإيمان، وهو ما كانت تعنيه منذ البداية كلمة ’الوديعة‘. وعلى أية حال، فإن كل هذا يحدث فقط داخل التكامل البنياني بين ’الحق‘ و’الإيمان‘ و’التقوى‘ في تقليد الكنيسة الحي بكونها جسد المسيح أو بكونها الشكل الأرضي-التاريخي لوجوده في العالم.

وإذا قمنا بمحاولة لتقدير علاقة وتأثير هذا التعليم الإنجيلي على الفكر اللاهوتي النيقي، فإن ذلك سوف يساعدنا على أن ندرك كيف استفادت الكنيسة الأولى منه في الفترة ما بين عصر الرسل ومجمع نيقية، وهو ما نراه منعكسًا على فكر كل من القديس إيرينيوس والعلاّمة أوريجينوس.

إقرأ أيضًا: لاهوت الروح القدس عند اباء ما قبل نيقية أ/ أمجد بشارة

 

وديعة الإيمان في فكر القديس إيرينيوس

لقد كان لدى القديس إيرينيوس إحساس قوي بوجود ’حق الإنجيل‘ (مجسمًا) داخل الأساس الرسولي للكنيسة، كما كان لديه أيضًا إحساس قوي بطبيعة بناء الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين والمنقول بواسطة التقليد الرسولي. وقد فهم تعبير “وديعة الإيمان” فهمًا عميقًا، فلم يكن يعتبرها مجرد مجموعة مقولات عقائدية، بل الحق الإنجيلي الموضوعي (المُعاش) الذي يعيـد للكنيسة شبابها باستمرار ـ من خلال قوة الروح القدس ـ وهكذا تتجدد روابطها بالمصدر الخلاَّق لكيانها.

كما أن وديعة الإيمان تُشكِّل أيضًا حياة الكنيسة المتواصلة ورسالتها لتكون وفقًا لصورة المسيح ابن الله المتجسِّد وطبقًا لنموذج ’الحق‘ الإلهي المجسَّد فيه[62]. ولذلك فكنيسة يسوع المسيح استلمت إيمانًا ’واحدًا وثابتًا على الدَّوام‘، لأنه مؤسس على حقيقة المسيح غير المتغيرة، وعلى إعلان الله فيه الذي أُعطي مرة واحدة وللكل[63].

إننا لا نستطيع على الإطلاق أن ندرك الله أو نصفه، لأن عظمته الفائقة وجلاله السامي يفوقان ـ بما لا يُقاس ـ قدرة البشر على معرفته ووصفه كما هو في طبيعته الذاتية. غير أن الله ـ بغير انتهاك لسر جوهره الذاتي ـ قد اختار أن يجعل نفسه معروفًا لنا، وذلك من خلال حركة حب وتنازل فائق اقترب بها إلينا من خلال ظهوره في الجسد في المسيح يسوع، وهكذا جعل نفسه في نطاق المعرفة البشرية[64].

وبهذا المعنى فإن يسوع المسيح يُمثِّل الطريق الموصل بين الله والإنسان، بين غير المرئي والمرئي، بين غير المُدرَك والمُدرَك، بين غير المحدود والمحدود. إذن ففي يسوع المسيح ومن خلال الاتحاد و’الشركة‘ معه في الحب، فإننا نستطيع أن نعرف الله بطريقة راسخة ومؤكدة، لأن هذه المعرفة تكون مثبتة ومستقرة في حقيقة الله الأزلي[65].

ولم يكن هذا الأمر ممكنًا بدون الدور الذي يقوم به روح الله، حيث في الرب يسوع المسيح ومن خلاله، ’عوَّد‘ الله روحه القدوس أن يسكن في الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت هيأ الطبيعة البشرية لقبول الروح القدس، ومن خلال عطية الروح القدس نستطيع أن نشارك في علاقة المعرفة المتبادلة بين الآب والابن وبالتالي نشارك في معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته[66].

وفي الشركة مع الله بالمسيح في الروح القدس، كما فهمها القديس إيرينيوس ـ والتي صارت بالمصالحة وشفاء بشريتنا بواسطة اتحاده بجسدنا ـ تأخذ الكنيسة بالضرورة دورًا هامًّا في تحقيقها، لأن الكنيسة هي التي ائتمنها الله على وديعة الإيمان، وقد أعطى روحه القدوس للكنيسة، وفي الكنيسة منحنا الله خدمة الإنجيل وجميع الوسائط الأخرى التي يعمل الروح من خلالها.

ولذلك استطاع القديس إيرينيوس أن يقول “حيثما توجد الكنيسة فهناك يوجد روح الله، وحيثما يوجد روح الله فهناك توجد الكنيسة وتوجد كل نعمة: لأن الروح هو الحق”[67]. وبينما أشار القديس إيرينيوس إلى الكنيسة على أنها مكان المعرفة الراسخة ’للحق‘، إلاّ أنه كان يؤكد على أن إعلان الله عن ذاتـه بواسطـة المسيـح وفي الـروح القـدس هـو المصـدر الحقيقي لمعرفتنــا ’للحــق‘[68].

وجاء تأكيده القــاطع هـذا واضحًا، عندما ـ وبالإشارة إلى كلمة القديس بولس عن الكنيسة بكونها “عمـود الحق وقاعدتـه”[69] ـ تكلَّم بقصد عن “الإنجيل وروح الحياة” على أنه “عمود الكنيسة وقاعدتها”: (στύλος δέ κα στήριγμα κκλησίας, τ εγγέλιον κα πνεμα ζως)[70].

ومن ناحية أخرى، كان إيرينيوس يعتقد أنه فقط في إطار الإيمان الذي استؤمنت عليه الكنيسة والمتضمَّن في التقليد الرسولي، يمكن ’للكلمة‘ الخاصة بالإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، أن تُفسَّر بأمانة بدون انحراف أو تجاوزات متجاسرة أو عديمة التقوى، وحينئذٍ يمكن للمسيح ذاته ـ الكنز المخفي في هذه الكتب ـ أن يُعرف معرفة حقيقية[71].

إن معرفة ’الحق‘ الإلهي أو ’الحق‘ الإنجيلي بالنسبة للقديس إيرينيوس لا تُعطى بشكل مجرد أو بشكل منفصل، ولكن تُعطى بشكل واقعي ملموس في داخل الكنيسة، حيث إن هذا ’الحق‘ يجب أن يُفهم داخل إطار الإيمان المُسلَّم للكنيسة من خلال تعليم الرسل، وبالتالي يجب أن يُفهم فقط في الوحدة والعلاقة غير المنفصلة مع الإيمان والعبادة وحياة التقوى لكل من هم متَّحدون (متضمَّنون) في المسيح كأعضاء في جسده.

وقد اعتبر القديس إيرينيوس ’الحق‘ المعلن في الكتب المقدسة على أنه تركيب عضوي أسماه “جسم الحق”، والذي تتمايز في داخله حقائق ومعتقدات متنوعة (كأعضاء هذا الجسم)، ولكنها تكوِّن ’كلاًّ متماسكًا‘ (أي وحدة كاملة متماسكة) ولا يمكن لإحدى هذه الحقائق والمعتقدات أن تنفصل عن هذا الكل، بالضبط كما أنه لا يمكن لأطراف الجسد الحي أن تنفصل عن الجسد دون أن تسبب تدميرًا وتمزيقًا لوحدة هذا الجسد[72].

وبالرغم من ذلك فان المهمة الأساسية التي كلَّف القديس إيرينيوس نفسه بها، كانت إظهار وكشف النظام المتضمَّن في داخل ’وديعة الإيمان‘ وتوضيح الترتيب الداخلي لـ “جسم الحق والتوافق المتناغم بين أعضائه”، وذلك بما يتفق مع ’قانون الحق‘ المسلَّم بالتقليد في المعمودية[73]، ليكون كل هذا مرشداً في تفسير الكتب المقدسة. ومن ثم يكون إيرينيوس قد قدَّم عرضًا واضحًا للكرازة الرسولية (kerygma) في مواجهة انحراف وضلال الهراطقة[74].*

وفي هذا الصدد، كان عمل القديس إيرينيوس يعكس بوضوح نشاط الكنيسة العام في القرنين الثاني والثالث في محاولتها لتوضيح المضمون العقيدي للإيمان في ضوء نظامها الخاص القائم على أسس موضوعية، حيث إنه في سياق هذه المحاولة ظهرت صيَغ محددة للإيمان وهي التي أخذت ـ في وضعها النهائي ـ شكل قوانين الإيمان الأولى[75].

ومن الطريقة التي تناول بها القديس إيرينيوس نفسه هذه الصيغ القانونية الأولية للإيمان، يتضح أنها لم تكن افتراضات عقائدية مرتبطة معًا من خلال نظام ’منطقي استنتاجي‘ للتفكير، بل كانت تأكيدات إيمانية منظومة معًا بصورة فائقة لذاتها، بفضل أساسها المشترك في وديعة الإيمان الرسولي، وبالأحرى بفضل إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ’الحق‘ الإلهي الواحد المتجسِّد والذي تنبع منه كل الحقائق الإنجيلية. وبالتالي فإن هذه الصيغ القانونية للإيمان لم يكن الحق الذي فيها نابع منها، بل من ذلك ’الحق‘ الأعلى الذي تشير هي إليه والذي فيه أيضًا تنحصر.

وبينما تحدث القديس إيرينيوس عن تلك الصيغ (القانونية) على أنها مرتبطة بـ “قانون الحق”، إلاّ أنه أوضح أن قانون الحق الفعلي أو المركز الذي يمكن الرجوع إليه هو ’الحق‘ ذاته[76]. وكان يُنظر إلى هذه التأكيدات (الصيغ) الإيمانية، على أنها تملك قوة ضابطة في ذاتها بقدر صحة انتمائها لذلك ’الحق‘ وبقدر خضوعها لسلطانه الأسمى؛ إذ إن كل معرفتنا عن الله (theology) هي فقط “معرفة جزئية” لأن هناك الكثير الذي يخص الله لا بد أن ندعه له بخشوع، بل إن مجرد التفكير في اقتحامه يعتبر من عدم التقوى[77].

وتكمن أهمية هذه الصيغ ليس في ’نوع الكلمات الصحيحة‘ المستخدمة فيها، بل في إسهامها في إخضاع ذهن الكنيسة لما يستوجبه الحق الإلهي، وفى إرشادها للكنيسة في رسالتها لحماية “الإيمان الرسولي والإنجيلي”، والدفاع عن هذا الإيمان الذي ائتُمنت عليه، لتسلِّمه للآخرين وفقًا “لسر التقوى”.

إقرأ أيضًا: المعمودية علي إسم الثالوث القدوس قبل مجمع نيقية

 

معرفة الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

هذا العرض لما أسهم به القديس إيرينيوس، في كشف البعد اللاهوتي لـ ’اعتراف الإيمان‘ الخاص بالكنيسة، يحتاج إلى تكملته بعرض آخر لبعضٍ من مساهمة أوريجينوس الواسعة النطاق في الفهم اللاهوتي والكتابي، والذي كان له أثره البالغ على الكنيسة وحتى مجمع نيقية.

لقد كان أوريجينوس عالِمًا فذًا ودارسًا إنجيليًّا لا يُضاهى في الكنيسة الأولى، ولكنه كان لاهوتيًّا صاحب فكر مُفرط في التأمل ـ رغم إخلاصه ـ ويشعر بضرورة نقل فكره إلى ما هو أبعد من المضمون الحرفي للأقوال الإنجيلية، أي إلى الحقائق الإلهية التي تدل عليها هذه الأقوال.

ورغم أنه كان يشارك القديس إيرينيوس الرأي بأن المرجع الذي يمكن الاستناد إليه في معرفتنا لله هو في النهاية ’الحق‘ ذاته ـ كما هو معلن في يسوع المسيح، وليس في أية صيَغٍ بشرية لمعرفتنا نحن ’للحق‘[78] ـ إلاّ أنه وبخلاف القديس إيرينيوس عمل من خلال إطار ثنائي للفكر، وهو الفصل الأفلاطوني بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) κόσμος) (ασθητς وعالم المدرَكات (الأشياء التي تُدرك بالعقل) κόσμος) (νοητς [79]، وكان لهذا المنهج الثنائي في التفكير، تداعيات بعيدة المدى لدى أوريجينوس إلى درجة قوله بأن: “الأشياء غير المرئية وغير المادية في السماء هي حقيقية، أما الأشياء المرئية والمادية على الأرض فهي نسخ من تلك الأشياء الحقيقية وليست هي حقيقية بذاتها”[80].

وقد أثرت وجهة النظر هذه بشدة في فهمه للكتب المقدسة، فرأى أنها وسائط وفرتها العناية الإلهية داخل عالم الحسيّات، والتي بواسطتها يُهيئ ’اللوغوس‘ الإلهي اتصاله بالضعف البشرى ويغلف أسرار الإعلان الإلهي في صورة أشكال وأرقام يسهل فهمها، وهذا فقط حتى يمكنه ـ من خلالها (الكتب المقدسة) ـ أن يرفع العقول المؤمنة إلى مستوى أعلى حيث تستطيع فهم الحقائق الروحية أو الإلهية في العالم العقلاني (عالم الأمور الحقائق) البعيد عنهم[81].

ولقد اعتقد أوريجينوس أن المصطلحات البشرية الموجودة في الوحي الإلهي في الكتاب المقدس، تحكمها طبيعة (φύσει) ’الحقائق‘ التي تدل عليها هذه المصطلحات، وأنها ليست مجرد متصلة بها فقط بصورة تقليدية (θέσει). ومن هنا فإن هذه المصطلحات ينبغي أن تُفهم من خلال القبول الإيماني لما تفرضه (καταληπτικός) تلك ’الحقائق‘ على عقل المفسِّر، مما يعني أنه لا بد له من أن ينهمك في بحث دقيق للتأكد من أن هذا القبول الإيماني (لمعاني المصطلحات) يتفق بالفعل مع الحقيقة[82].

هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فقد أصرَّ أوريجينوس على أن التفسير الروحي للكتب المقدسة طبقًا للطبيعة الروحية لهذه ’الحقائق‘، لا بد وأن يَعبر في الفكر من مستوى أدنى للمعنى ’المادي‘ أو الحرفي إلى مستوى أعلى للمعنى ’الروحي‘ أو السري حيث تشرق الحقيقة بنورها العقلاني والشاهد لذاته[83]. إلاّ أن هذا (العبور) يحتاج إلى قدر كبير من التدريب الروحي للعقل علي البصيرة اللاهوتية (θεωρία) ونوع من الحس الإلهي (θεία ασθησις) يتناسب مع معرفة الله[84].

هذا الجمع بين البحث الدقيق والتدريب الروحي كان سمة مميزة جدًّا لأوريجينوس، رغم علمه بالمخاطر التي ينطوي عليها هذا الاتجاه، والذي قاده للفصل بين الإنجيل “الجسدي ـ الحسي” وبين الإنجيل “الروحي ـ الفكري”، أو بين ما يُسمى بالإنجيل “الزمني” وما يُسمى بالإنجيل “الأبدي”, والذي اعتقد أوريجينوس أنه يوازي الفرق بين مجيء المخلِّص في حالة ’التواضع‘ عندما أخذ شكل العبد من أجلنا، وبين مجيء المسيح في المجد في المستقبل عندما ستفسح ظلال “الإنجيل الزمني” المجال للحقائق المطلقة التي “للإنجيل الأبدي”[85].

وينتج عن هذا، اعتبار المسيح الذي جاء في التاريخ على أنه هيئة مشروطة بفترة زمنية محددة، والذي فيها ينتقل ’الحق‘ الأبدي إلى المخلوقات الساقطة، ولكن بمجرد أن تتم معرفة هذا ’الحق‘ الأبدي، فإن ذلك الوسيط ’التاريخي‘ سوف يكون وجوده نسبيًّا[86]. وكان هذا هو السبب وراء تأكيد أوريجينوس على أهمية ’التفسير المجازي‘ وعلى غرس ’الإحساس‘ الروحي نحو الله، والذي قد يساعد المؤمن على اختراق قشور وظلال الإعلان ’التاريخي ـ الزمني‘ والوصول إلى حقائق الله الأبدية ’غير المرئية‘ والتي يمكن فهمها فقط بأسلوب بسيط ومباشر ولا يمكن التعبير عنها بكلمات بشرية[87].

هذا الامتداد التأملي للعقل الروحي، إلى ما وراء مجال المعرفة ـ الذي يخضع لمعايير الحقيقة التي عملت بها العلوم والفلسفة اليونانية[88] ـ كان بدون شك أمرًا خطيرًا، ولكن بالرغم من ذلك كان أوريجينوس منبهرًا به وبالأخص لأنه ارتبط برجال الله في العهد القديم مثل ملكي صادق رائد العبادة السماوية، أو موسى الذي تكلم مع الله وجهًا لوجه، أو حين ارتبط باختبار التلاميذ على جبل التجلي أو ما كتبه القديس بولس عن اختباراته المجيدة، والتي تشير جميعها إلى نوع من الرؤية السامية لله والتي من الممكن أن تكون مفتوحة أمام “البصيرة الصوفية التي تفوق التعبير”[89].

وثمة جانب آخر لاسلوب أوريجينوس ضمن لفكره اللاهوتي (θεολογεν) الحماية ضد التحول للفكر الأسطوري الخيالي (μυθολογεν)، كما وفَّر إطارًا معياريًّا للإيمان والعبادة يساعد على جعل ’معرفة الله‘ كمركز للحياة وللتقليد الحي الذي “للكنيسة العظيمة”، وهذا (الجانب الآخر) هو الذي كان يفرض على أوريجينوس أن يعمل بالأسلوب الذي فيه يؤثر ’البحث الدقيق‘ و’التدريب على التقوى‘ كل منهما على الآخر.

وطبقًا لمفهوم ’المعرفة العلمية‘ (πιστήμη) الذي قد ساد طويلاً في الإسكندرية، وهو أن المعرفة الصحيحة هي التي تكون وفقًا لطبيعة (κατά φύσιν) الشيء الذي تجري معرفته، فقد ركز أوريجينوس على تطوير طريقة لمعرفة الله تكون متمشية تمامًا مع طبيعة الله كما قد أعلنها لنا بنفسه، أي طريقة تتسم بالتقوى؛ فقد هيأ نفسه لتنمية التقوى الشخصية بالاعتماد على نعمة المسيح وقوة روحه القدوس، حتى يستطيع أن يعوِّد العقل على التقوى التي تلائم معرفة الله.

إذن فإن “معرفة الله” والتي في معناها الدقيق هي ’معرفة الثالوث القدوس‘، و “التقوى الإلهية التي تُحدد بواسطة يسوع المسيح ابن الله المتجسِّد، قد اعتبر أوريجينوس أن كلاًّ منهما متوقف على الآخر، وذلك في مجال (عملية) تعميق البحث اللاهوتي[90]. فكلما عُرف الله بحق وفقًا لطبيعته، زاد مستوى التقوى؛ وكلما زاد مستوى التقوى، زادت إمكانية معرفتنا لله بصورة تقوية تليق بطبيعة الله[91]. وعمومًا فإن “الهدف هو أن نقترب من ’الحق‘ على قدر المستطاع وأن نشكِّل إيماننا طبقًا لقاعدة التقوى”[92]. وهكذا صارت ’التقوى‘ و ’قانون الحق‘ متكافئين عمليًّا.

ولقد كان أوريجينوس يفكر ويعمل في إطار احترامه البالغ للكتب المقدسة وإخلاصه ’الكهنوتي‘ لكلمة الله وحق الله اللذين تنقلاهما لنا هذه الكتب[93]، والتي رأى أوريجينوس أنها يجب أن تُبحث على أنها من نتاج وحي الروح القدس، كما يجب أن تُفسَّر وفقًا “لسمتها الإلهية” بطريقة ورعة ووقور إدراكًا منا أن لها من عمق المعنى ما يفوق إدراك البشر مما لا يدع مجالاً للفهم المتسرع[94].

فالكتب المقدسة في صميم طبيعتها تستلزم الدراسة العميقة والتأمل والصلاة والجهد الشاق[95]، وهذا هو بالضبط ما أظهره أوريجينوس نفسه في إنتاجه الضخم من التفاسير الإنجيلية، التي تشهد شهادة رائعة على معالجته للنص بضمير حي في كل تفاصيله اللغوية والنحوية الدقيقة، كما تشهد أيضًا على بحثه الدؤوب لتوضيح الملابسات والخلفيات التاريخية التي قد تؤثر على المعنى، ولكنه سعى أيضًا لتوضيح مدى تأثير الإعلان الإلهي الكتابي بأكمله وكل تقليد الإيمان والفهم المسيحي في الكنيسة، مدى تأثير كل هذا على كل سفر وكل فقرة في الكتاب، وبذلك يمكن أن تُفهم الكتب المقدسة ـ بقدر المستطاع ـ خارجًا عن نفسها في ضوء القصد الإلهي الذي احتوته هي وأظهرته في ترابطها وتواصلها الداخلي[96].

وبما أن الكتب المقدسة هي نتيجة وحي الروح القدس بإرادة من الآب وبواسطة يسوع المسيح*، وبما أن ’كلمة‘ الله الذي يتكلم في كل الكتب المقدسة قد تجسَّد في شخص يسوع المسيح، لذلك فإن يسوع المسيح ذاته هو الذي يشكِّل المحور الحاكم لكافة التفسيرات الصحيحة للكتاب المقدس.

وقد ذهب أوريجينوس إلى القول بأن تفسير الكتاب المقدس، وحتى الأناجيل، بهذه الطريقة ـ أي من خلال وجود وحضور “فكر المسيح” ـ يعني الحفاظ على “قانون كنيسة يسوع المسيح السماوية متمشيًا مع التعاقب الرسولي”[97]، فيسوع المسيح هو نفسه الذي أعطى للمسيحيين تعريفًا للتقوى الحقيقية[98] لأنه هو نفسه “سر التقوى العظيم الظاهر في الجسد” والذي في نفسه ومن خلال نفسه حقَّق التلاقي بين تنازل الله الكريم إلينا واقترابنا نحن إلى الله، أي بين كُلٍّ من إعلان الله عن ذاته لنا ومعرفتنا نحن لله وعبادتنا له[99].

إذن ففي كل بحث عن ’الحق‘ ينبغي علينا أن نجاهد أكثر وأكثر لكي نحافظ بكل الطرق على موقف التقوى نحو الله ومسيحه[100]. ولكي نكون أمناء “لفكر المسيح” في كل تفسيرنا للكتب المقدسة “فإننا لا بد أن نحافظ على قانون التقوى”[101].

ومن المهم جدًا أن نلاحظ أنه بالنسبة لأوريجينوس، كانت ’التقوى‘ تُعرَّف وتتحدد ليس فقط بكونها ’بحسب يسوع المسيح‘ (κατ Іησον Хριστόν) بل أنها ’من خلال يسوع المسيح نفسه‘ (δι Іησο Хριστ)، من جهة علاقته الفريدة بالآب كابن الله وأيضًا من جهة علاقته الفريدة بنا كرئيس كهنتنا الذي فيه ومن خلاله نعبد الآب[102].

وإذ هو بذبيحته يشفينا، ويطهرنا بقدرته الإلهية الذاتية، لذلك نحن نعبده كما نعبد الآب، لأنه هو والآب واحد. ولكن لأنه هو أيضًا في نفس الوقت واحد معنا كما هو واحد مع الآب، فنحن نصلي له “كوسيط لنا وكرئيس كهنة وكشفيع” طالبين منه أن يقدِّم رغباتنا وتوسلاتنا وتشفعاتنا التي نرفعها إليه إلى الآب، وهكذا فإننا نعبد الآب ونحن في اتحاد به ومن خلاله. وكابن الله المتجسِّد وكرئيس كهنة، فإن يسوع المسيح قد عرَّف الجنس البشري الطريقة النقية لعبادة الله ـ وهذه هي التقوى الحقيقية التي بها يثبت إيماننا وفهمنا في الله[103].

ومما لا شك فيه أن ما كتبه أوريجينوس عن عبادة الآب التي مركزها المسيح والتي يتوسط فيها المسيح، إنما يعكس الفكر السائد للكنيسة في إيمانها القائم على التقليد الحي، وفي خدمتها لأجل خلاص الجنس البشري: حيث كان الانبهار المصحوب بالتوقير في معرفة الله، والشكر والتسبيح لأجل أعمال الله الخلاصية في تجسد يسوع المسيح وموته وقيامته، وأيضًا التقوى في القول والفعل، كل هذه مُضفَّرة معًا وملتحمة بغير انفصال في عبادة الكنيسة كما يتضح ذلك في ليتورجية المعمودية والإفخارستيا[104].

وكان تقديس اسم الله، والتفكير فيه والتكلم عنه بصورة لائقة، وكذلك التوقير العميق لكشف الله لذاته كآب وابن وروح قدس هذه كلها كانت من العلامات الجوهرية ’للفكر المسيحي‘ ـ بل وكما اعتقد أوريجينوس ـ ’للفكر الكنسي‘، وذلك نتيجة البصمة التي تركها الرسل عليه. لذلك فعندما شرع أوريجينوس في إعداد وطبع مؤلف عن المبادئ الأساسية للإيمان، بقصد زيادة الترتيب والتناغم في فهم العقيدة المسيحية، وضع أولاً ’خطًّا محددًا وقاعدة واضحة‘، وهى أن شرح الإيمان ينبغي أن يبقى داخل حدود تعليم الكنيسة المتفق عليه بالإجماع كما تسلَّمته من الرسل، وذلك في ضوء العقائد التي اعتبرها الرسل ضرورية للغاية.

ولكن بالنظر لاحتمال حدوث الخطأ والاختلاف في الرأي فيما بعد، شعر أوريجينوس أنه يتعين عليه المزيد من البحث في “دوافع وخلفيات الأقوال التي وعظ بها الرسل عن الإيمان بالمسيح” أملاً في تأسيس القاعدة الأولية للإيمان المسيحي، ومن ثم يحدد الارتباطات المنطقية ’للحق‘ المعلَّن، وذلك لبناء كيان متماسك وثابت للعقيدة المسيحية[105].

وفي خلال مشروعه هذا والذي كان الأول من نوعه، سعى أوريجينوس لإدراك ’الحق‘ الإلهي بكل ما أوتي به من إخلاص، وكان يحرص خاصةً بالنسبة “للنقاط الأكثر صعوبة” على أن يسترشد بقانون التقوى، أي قاعدة البر. وكان يسمح فقط باستخدام المفاهيم اللاهوتية التي يشعر أنها تليق بالله والمصوغة طبقًا لما يتطلبه ويحتِّمه كيان الله وطبيعته الفائقة الإدراك.

ونتيجة لشدة افتراضاته الفلسفية المسبقة، والتي لم يخضعها بصورة كافية للنقد ـ وعلى الرغم من التزامه بما أعلنه الكتاب المقدس ـ فإن فكر أوريجينوس التأملي تجاوز قاعدة التقوى في عدد من النقاط الحاسمة، مما أدى إلى اصطدام تعليمه مع فكر الكنيسة الجامعة. ومع ذلك فإن أوريجينوس، بجمعه بين البحث العلمي لأسس الإيمان الموضوعية والإصرار على مراعاة مبدأ التقوى(εσέβεια / θεοσέβεια) في معرفة الثالوث القدوس، كان له تأثير بالغ على اللاهوتيين في نيقية وما بعد نيقية، حيث أصبح المبدأ الفعَّال فيما بينهم هو ما عُرف فيما بعد بقانون التقوى-قانون الإيمان (lex orandi – lex credendi)[106].

إقرأ أيضًا: هل أسس مجمع نيقية قانونية أسفار الكتاب المقدس؟ ترجمة: زاهي جندي

 

دور التقوى في حفظ الإيمان

وعبر تاريخ الكنيسة، قُدِّمت مرارًا وتكرارًا أفكار عن الله ناتجة عن تجاسر وعدم توقير، وقد رفضتها الكنيسة بصورة بديهية بسبب احترامها العميق لسر الله وجلاله، هذا الاحترام العميق الذي كان قد تأسس ونما داخل نسيج الإيمان بواسطة الصلاة والعبادة. وكان هذا هو بالضبط ما حدث بسبب الهرطقة الأريوسية في فترة حرجة من تاريخ الكنيسة، حيث شككت هذه الهرطقة في وحدانية الثالوث القدوس بإصرارها على أن الابن مخلوق، وبالتالي فصله عن جوهر الآب وإدخال نوع من التضارب في الألوهية.

وكان رد فعل الأساقفة بنيقية هو الفزع الشديد لتلك الإهانة التي إنما تنم عن ’عدم التقوى‘ و’عدم الورع‘ (ασέβεια) الأريوسي، وهذا قد جعلهم يقدمون ضد تلك البدعة “مجادلات تتسم بالتقوى” (πόδειις εσεβείας)[107].

وقد أخبر القديس أثناسيوس أساقفة مصر بأنه عندما كان يدوِّن تعبيرات الأريوسيين المنحرفة والعديمة التقوى، كان يتعين عليه أن يطهر نفسه بالتفكير في عكس هذا الاتجاه تمامًا، وأن يتمسك “بذهن التقوى” (τν τς εσεβείας διάνοιαν)[108].

وبالإشارة إلى حقيقة أن مجمع نيقية اضطر إلى استخدام التعبير غير الكتابي (أي الذي لم يرد في الكتاب المقدس) “هوموأووسيوس” (μοούσιος) لشرح ما كان يعنيه الكتاب المقدس في حديثه عن المسيح (بكونه كابن) “لـ الله” أو “من الله”، أوضح القديس أثناسيوس أنه لا يهم إذا استخدم المرء أو لم يستخدم تعبيرًا غير كتابي طالما أن له “ذهن تقوّي” (εσεβ τν διάνοιαν)، كما أوضح القديس أثناسيوس أيضاً حقيقة أن الآباء بنيقية كانوا بعيدين كل البعد عن التحدث عن المسيح بدون توقير، فهم تحدثوا عنه بوقار “وبذهن متسامٍ وتقوى تنم عن محبة للمسيح” (υψηλ διάνοια κα φιλόχριστος εσέβεια). [109]

وفي فترة لاحقة، عندما تجاسر بعض رجال الكنيسة من دعاة الأريوسية على القول بأن الروح القدس مخلوق، وتجرأوا على إخضاع العلاقات الداخلية للثالوث القدوس ـ حيث “يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية” ـ للفحص الوقح، قدَّم القديس أثناسيوس حججًا مضادة بنفس أسلوب نيقية (الورع)، وكان يفعل هذا بروح التقوى المتمركزة حول المسيح. فالتعليم الذي سبق أن سُلِّم يجب أن يُقبَل بخبر الإيمان، ويجب أن يُشرَح “بنمط فكري يتسم بالتقوى” (εσέβε λογισμ μετ ̉ ελαβείας)[110] وليس بمجادلات لغوية تفتقر للوقار.

وكان القديس أثناسيوس يصرُّ دائمًا على أن إطاعة الإيمان تؤدي إلى أسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله. ففي كل محاولة للفهم وإعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلى حالة الانسجام “بواسطة صلاة دائمة لله، ومعرفة تتسم بالتقوى، وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب”.

هكذا يمكن أن يكون الدخول إلى الله، والذي فيه الإيمان والتقوى كل منهما يحكم الآخر في معرفتنا لله “لأن (كلمتي) الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما أختان: فمن يؤمن بالله لا ينفصل عن التقوى، ومَن يملك التقوى فهو حقًّا يؤمن”[111].

وقد لعب نفس مبدأ (lex orandi – lex credendi) أي ’قانون التقوى ـ قانون الإيمان‘ دورًا هامًّا في فكر القديس هيلاري، وكما قد رأينا فإن القديس هيلاري كانت تزعجه بالأكثر الطريقة التي استغل بها الهراطقة ’المجال المفتوح‘ للإيمان لإقحام أفكارهم الخاصة الوقحة في معرفة الله، كما أقلقه أيضًا ـ في الرد على الهراطقة ـ الحاجة إلى فكر لاهوتي مستقيم (أرثوذكسي)، لصياغة اعترافات محددة ـ أبعد من تصريحات الكتاب المقدس ـ عن أمور هي في الأساس تفوق الوصف.

واعتقد القديس هيلاري أنه في هذه الظروف، ينبغي علينا أن نعتمد على ذلك النوع من الإدراك والفهم لله، المتضمَّن في الإيمان الذي يزداد بالعبادة، كما نعتمد على تلك العبادة التي يدخلنا فيها الله بنفسه؛ إذ إننا قد أُعطينا قدومًا إلى الآب من خلال الابن[112]. فإننا مهما حاولنا تطويع لغتنا لتعرب عن عظمة الله، فهي تبقى قاصرة بصورة لا حد لها في التعبير عن ’ماهية الله‘ في كيانه وطبيعته السرمدية. ولكن رغم هذا فإن لغتنا يمكن توجيهها والتحكم فيها من جانبنا بواسطة أعمال العبادة الرئيسية التي يطلبها الله منا، من خلال إعلانه عن ذاته في الإنجيل.

وهكذا فإن القديس هيلاري عمل بمفهوم للإيمان مؤسس على التقوى الإنجيلية، وبمفهوم للتقوى التي تتسع بالإيمان بحقيقة الله التي لا تستنفذ. وفي هذا يقول القديس هيلاري: “ينبغي علينا أن نصدِّقه وندركه ونعبده وأن نسمح لأعمال العبادة هذه أن تكون الطرق الأساسية التي نتحدث بها عن الله”[113].

وبهذا الأسلوب لم يكن القديس هيلاري يعني أن نرتد في ذعر أمام جلال الله الفائق الإدراك، ونتراجع تمامًا إلى التوقير القلبي الصامت (فقط)، ولكن بالأحرى كان يعني أننا يجب أن نفكر في الله، فقط بالطريقة التي بها ندرك أنه يفوق بصورة لا نهائية إمكانيات الفكر والكلام البشرى؛ إذ يجب أن نجعل عبادتنا لله من خلال الابن ـ والذي فيه ينكشف سر الآب غير المدرك ـ هي التي تحكم كل ما نعترف به في الإيمان أو ما نعبِّر عنه في صياغات لاهوتية[114].

لأن الفكر اللاهوتي، كما سعى فيه القديس هيلاري نفسه، لا بد أن يمتزج ويتشابك مع الصلاة بصفة دائمة، حتى إنه في كل محاولاتنا للتعبير عن إيماننا واعترافنا بإله واحد الآب، ورب واحد يسوع المسيح ـ حسب ما قد تعلمناه بالأنبياء والرسل ـ فإن الله سوف يهبنا ما نريده من معنى في اللغة، ونور في الفهم، ووقار في التعبير والعرض، وإخلاص وأمانة للحق[115].

إقرأ أيضًا: الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

 

كيف تشكَّلت البصيرة اللاهوتية في الكنيسة في القرن الرابع؟

في كل ما سبق، كنا نفحص بعمق في الطريقة التي يجب بها البحث في جذور قانون الإيمان النيقي، في محاولة للعودة إلى ما كانت عليه الأمور عند التأسيس الرسولي للكنيسة، حين صار الإيمان الخلاصي بالله الآب والابن والروح القدس مصوغًا (مجسمًا) فيها مرة وإلى الأبد. وأيضًا كنا نبحث في الطريقة التي بدأ فيها هذا الإيمان يكشف عن محتواه اللاهوتي وهو في طريقه للوصول إلى قانون نيقية، مسترشدًا بالأساس الإنجيلي للتقليد الرسولي العامل في حياة الكنيسة الجامعة في القرون الأولى ـ وفي رسالتها وعبادتها ـ حيث اتضح هذا الأساس في طريقة تفسير الكنيسة للكتب المقدسة وفي طريقة تعبيرها عن التعليم المسيحي.

ولقد وجدنا في هذه القرون تقليدًا متواصلاً يتميز بكون الإيمان والتقوى والفهم والعبادة مضفَّرة معًا بعمق، تحت التأثير الخلاَّق للقناعات الإنجيلية التي انطبعت في ذهن الكنيسة، في التزامها بإعلان الله عن ذاته بواسطة الابن المتجسِّد وفي الروح القدس. وهذه القناعات المصحوبة بتنسيق وترتيب للعقل مركزه المسيح، ظلت تتولد وتُغذَّى معًا داخل الحياة والشركة المتنامية للكنيسة من خلال التأمل المنتظم في الكتب المقدسة والمشاركة في العبادة الليتورجية.

وهذا هو الذي كوَّن القالب الذي تشكَّلت داخله البصيرة اللاهوتية والرأي الذي يتصف بالتقوى، واللذان ساهما في تحديد صياغة أكثر رسمية للمعتقدات في داخل حدود ما طالب به المسيح الكنيسة من طاعة وخدمة.

ومن هنا برز إطار فهم عام للحياة والتقوى، وإطار خاص تحددت فيه المعتقدات التي نشأت من المعمودية المقدسة ومن خلالها، و”المتضمَّن فيها كل جوهر الإيمان بالثالوث” على حد تعبير القديس أثناسيوس[116]. وفي إطار هذا الفهم وعمله المعياري، ومع الرجوع المستمر للإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، فإن فهم الكنيسة وصياغتها ’للحق‘ الإنجيلي أخذ يتسع ويتعمق.

ولذلك حدث في الكنيسة الجامعة في فترة ما قبل نيقية، تعمق متزايد داخل بناء مفاهيم الإيمان المسيحي، والذي بالرغم من أنه أخذ يتزايد في الفهم والدقة إلاّ أنه كان لا يزال في نطاق ’المقدمات‘ لمعتقدات الكنيسة النهائية المتضمنة في وديعة الإيمان الرسولي.

إقرأ أيضًا: دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية بقلم اثناسيوس الرسولي

 

تطابق ’العقيدة الداخلية‘ و’العقيدة المعلَنة‘ في مجمع نيقية

ومن الجدير بالذكر أنه عندما بدأت تظهر صياغات صريحة للعقيدة نابعة من ’كيان متكامل‘ للإيمان الرسولي، فإنها عادة ما كانت تحتوي على ’عبارات عن “الكنيسة”‘، وهو ما نجده قد ترسَّخ نهائيًّا في الصورة الناضجة لـ “قانون الرسل” و”قانون نيقية”[117]، وهذا يعبِّر عن حقيقة أنه عندما تبلورت القوانين الرسمية، فإنها ظلت مرتبطة بالتركيب الضمني الداخلي للإيمان و’المجسم‘ في الأساس الرسولي للكنيسة، وبالتالي كانت هذه القوانين ستصبح معيبة للغاية لو أنها جُردت من هذا الارتباط.

وهكذا فإن التكامل العميق بين العقيدة الداخلية (الحياة التقوية الداخلية التي بحسب جوهر الإيمان) والعقيدة الصريحة المعلنة (الصياغة المحددة للإيمان) لم يكن منسيًّا أبدًا، بل أن هذا التكامل قد تم تحويله إلى اعتراف كامل للإيمان الجامع. ورغم أنه في مجمع نيقية نفسه لم تُدرج عبارة صريحة عن الكنيسة في قانون الإيمان، إلاّ أن إعطاء الشكل القانوني الواضح والمحدد للإيمان، كان معروفًا أنه اعتمد على ما كانت تؤمن به الكنيسة الجامعة على الدوام، وما عرفته بالبديهة أنه “حق”[118].

ومن خلال هذا النوع من الصياغة الرسمية، فإن كل جسم ’الإيمان الداخلي‘ المضمر في التقليد الرسولي للكنيسة قد تم تدعيمه وإمداده بالشكل ’النظامي‘ الذي وسّع في قوته الضابطة داخل حياة الكنيسة ورسالتها. وكان هذا كله يعتمد على مبدأ “معرفة الحق بحسب التقوى”[119] الذي تضمَّنه ميراث الكنيسة، والإحساس الفطري بالله الذي انطبع في ذهن الكنيسة بواسطة الإعلان الإلهي؛ كما اعتمد أيضًا على بصيرة معطاة ـ كعطية إلهية ـ لإدراك العلاقات الفائقة في الله بكونه آب وابن وروح قدس، وهو الذي ينبغي له السجود والتعبد أكثر مما ينبغي التعبير عنه.

إقرأ أيضًا: بارت إيرمان حبيب الإخوة المسلمين، يرد على إدعاء الإخوة المسلمين بشأن مجمع نيقية وألوهية المسيح

 

* العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3 Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

 [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

 5 Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.

6 Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.

7 Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.

8 Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9 Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10 Athanasius Ad Afr., 1.

11 Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12 Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13 Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14 Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15 Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16 Athanasius Ad Ser., 1.17, 20 ; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17 Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18 Athanasius De inc., 56.1.

[19] 1كو1:4؛ انظر كذلك: Athanasius, Ep. Enc. 1.

 [20] 1كو2:11؛ انظر كذلك: Athanasius, Ad Afr., 10.

 [21] انظر أع 28:15 وما بعدها؛ وكذلك 4:16.

 [22] انظر لو 1:2؛ وكذلك أع 7:17.

 [23] Athanasius De decretis ـ العنوان اللاتيني المتداول هو ترجمة خاطئة للكلمة: (ο̉ρισθέντα) . انظر كذلك Cf. De syn., 5, and Hilary, De Trin., 4.1-7.

[24] بعد مجمع نيقية، أصبح استخدام مصطلح ’قانون‘ يرتبط بالتأديبات الكنسية. وقد استخدم ق. أثناسيوس هذا المصطلح ليشير إلى القوانين التي ترجع إلى الرسل. انظر:

Athanasius Ep. Enc., 1.6 ; Ap. con. Ar., 25, 29, 31f ; Hist. Ar., 36, 51.

[25] كو 5:1.

26 Hilary, De Trin., 1.18

[27] إش 9:7. ولذلك نجد ق. إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.

[28] انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:

See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

29 Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,

وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض ق. هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.

30 Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,

2.2.6; De div. quaest., 48; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.

31 Hilary, De Trin., 1.18; 2.6f; 3.9f, 23; 4.14, 36; 5.20f; 6.13-16; 8.52.

[32] رو 5:1؛ 26:16.

33 Cf. Clement Alex., Strom., 2.2ff, 6, 11f; 8.3; and Augustine, De spir. et litt., 21.54; 34.60.

34 Hilary, De Trin., 6.34; see also 4.6.14.

35 Hilary, De Trin., 6.36f; cf. 2.22f; 6.20f; and ‘The Liturgy of St James’

E. Brightman, Liturgies of Eastern and Western Churches, 1896, p. 54:

حيث إن ’الكنيسة الجامعة الرسولية‘ هي أيضاً تقول أنها تأسست على ’صخرة الإيمان‘.

36 Hilary, De Trin., 2.22.

37 Hilary, De Trin., 5.20f.

38 Hilary, De Trin., 4.14; 5.4, 7; 8.52.

39 Hilary, De Trin., 1.6, 16; 2.2ff, 12, 24ff, 52ff.

40 Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.

41 Athanasius, Con. Ar., 4.12:

“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.

[42] غل 9:1.

43 Athanasius, Ap. con. Ar., 49; De decr., 2.5; Ad Ep. Aeg., 2; Ep., 2.6; Theodoret, Hist. eccl., 1.3; 2.6; 5.10.

44 Hilary, De syn., 61-64.

45 Athanasius, Ad. mon., 1.1-3.

46 Athanasius, Con. Ar., 2.15; 3.28, 35, 58; cf. also my discussion of this in Reality and Evangelical Theology, 1982, pp. 106ff.

47 Athanasius, De vit. Ant., 77-80.

48 Hilary, De Trin., 1.7-16; 2.5-11; 3.1-6, 18-26.

49 Hilary, De Trin., 1.8, 12; 2.5ff, 11.

50 Hilary, De syn., 65; De Trin., 3.18; 10.53; 11.44-47; 12.24-37.

51 Hilary, De Trin., 2.1-5; 10.51-53.

52 Hilary, De Trin., 2.2, 5.

53 Cf. G. Florovsky, Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View, 1972, on ‘the scriptural mind’ and ‘the catholic mind’, pp. 9ff, 57f.

* إن الإيمان المسلَّم للكنيسة لم يكن مجرد مقولات عقيدية، ولكن كان هو الحياة الجديدة في المسيح، أي الحياة التقوية بحسب الحق المؤسس عليه هذا الإيمان، وهو ما سُمي ’وديعة الإيمان‘. إذن ففي الإيمان الصحيح تكون هناك المعرفة الصحيحة والتقوى السليمة، وهذه التقوى بدورها تقوم بحفظ الإيمان السليم والتعليم الصحيح من أي انحراف. (المترجم)

[54] أع 2:9؛ 9:19، 23؛ 4:22؛ 14:24، 22.

[55] 1تي 2:2؛ 16:3؛ 7:4، 8؛ 3:6، 5؛ 2تي 5:3؛ تي 1:1؛ 2بط 3:1، 6؛ 11:3.

[56] 1تي 3:6؛ تي 1:1؛ 2 تي 7:3.

[57] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2.

[58] 1تي 4:1؛ 7:4؛ 3:6-6؛ 2تي 4:4؛ تي 14:1؛ 2بط 16:1.

[59] 1تي 15:3-16؛ وعلى سبيل المثال: Hilary, De Trin., 11:9.

[60] أف 32:5.

[61] 1تي 20:6؛ 2تي 12:1؛ 2:2، 4؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 2تس 15:2؛ 6:3؛ غل 9:1؛ 2:2، 9؛ 1كو 23:11؛ 3:15؛ 2كو 3:11؛ رو 17:6؛ 1تي 6:4؛ عب 1:3؛ 14:4؛ 23:10.

62 Irenaeus, Adv. haer. (edit. By Harvey, 1897), 3. praef., 1-5, vol. 2, pp. 22ff; 3.38.1, pp. 131f; 4.40.2, p. 236. for this and what follows see, T.F. Torrance, ‘The Deposit of Faith’, Scottish Journal of Theology, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28.

63 Irenaeus, Adv. haer., 1.3, vol. 1, p.94; 3.1-4, vol. 2, pp. 1ff; 3.11.1, p.47; 3.12.9, p.62; 4.4ff, pp. 234ff; 5.20, pp. 377ff.

64 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.4, vol. 1, pp. 282f; 2.39.1f, pp. 345f; 2.40-43, pp. 349-358; 3.38.1f, vol. 2, pp. 131f; 4.22.2, p. 178; 4.34.4, pp. 215-219.

65 Irenaeus, Adv. haer., 3.11f, vol. 2, pp. 43f; 3.17.6, p. 87f; 4.6, p.153; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.1, 4-6, pp. 212, 215f; 4.6.1, p. 291; 5.praef., 1-2, pp. 313ff; 5.27.2, pp. 398f.

66 Irenaeus, Adv. haer., 2.3.7, 1-4, vol. 1, pp. 342-344; 3.6.2, vol. 2, pp. 22f; 3.18.1, p. 92; 3.19.6, pp. 100f; 3.21.2, p. 107; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.5, 7, pp. 210, 218f.

67 Irenaeus, Adv. haer., 3.38, vol. 2, p. 132.

68 Irenaeus, Adv. haer., 3.38.1-2, vol. 2, pp. 131f; 4.53.1f, pp. 261ff; 5.20.1, pp. 378ff.

[69] اتي 15:3.

70 Irenaeus, Adv. haer., 3.11.11, vol. 2, p. 47.

71 Irenaeus, Adv. haer., 1. praef., vol. 1, pp. 1ff; 1.15, p. 67; 1.1.19-4.1, pp. 80-97; 2.7-9, pp. 271-274; 2.40-43, pp. 349-358; 3.1-5, vol. 2, pp.1-20; 3.38, pp. 131-3; 4.40-42.1, pp. 234-238; 4.53-54, pp. 261-264; 5. praef., pp. 313f; 5.20.1f, pp. 377ff.

72 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.15, vol. 1, pp. 66f; 1.18, pp. 80ff; 2.40-45, pp. 347-358.

73 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.14, vol. 1, p. 67; cf. 1.1.20, pp. 87ff; 1.3, pp. 93f; and Tertullian, De virg. vel., 1.

74 Irenaeus, Adv. haer., 1.19f, vol. 1, pp. 80-90; 2.37-43, pp. 342-358; 3.12.11, vol. 2, p. 65; 3.38, pp. 131f; Dem., 1-6.

* كان للهراطقة منهج مخالف لهذا المنهج في تفسير الكتاب المقدس. (المترجم)

75 Irenaeus, Adv. haer., 1.2, vol. 1, pp. 90f; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 2ff, 25ff; 4.1, pp. 146ff; 4.53. 1, pp. 261f; 5.20.1, pp. 377f; Dem., 6.

76 Irenaeus, Adv. haer., 2.41, p. 349.

وهذه النقطة ذاتها كان ق. كليمندس السكندري قد طرحها عندما تكلم عن “النفاذ إلى الحق عن طريق أخذ قانون الحق من داخل الحق ذاته” – Strom, 7.16.

77 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.3f, vol. 1, pp. 282f; 2.41ff, pp. 349-358.

78 Origen, De prin., praef., 1.2, 6.

وكان أوريجينوس قد تكلم عن المسيح بكونه ’الحق الذاتي‘ أو ’الحق ذاته‘ انظر:

In Jn., 6.6; cf. 1.27; 2.4; and Con. Cel. 8.12.

79 See especially Origen, In Jn. 1.25-28 with 1.8.

80 Origen, In Cant. 2; Con. Cel., 7.31, 376.

81 Origen, In Jn. 1.7; In Matt., 10.1; In Deut., 1.21; In Jer., 18.6; Con. Cel., 4.71, etc.

82 Origen, Con. Cel., 1.2, 9f, 13, 24f, 42, 71; 3.23, 39, 42, 86; 4.2; 5.45; 6.27; 7.10; De prin., 4.3.16.

83 Origen, De prin., 1.1.1f; 1.3.3; 2.2.2; 2.4.4; 2.5.2; 2.7.2; 2.11.2ff; 3.5.1; 3.12.4; 4.2.1ff, 15. Origen sometimes distinguished between three meanings – cf. 4.2.4.

84 Origen, Con. Cel., 1.48; 6.23; 7.34; De prin., 1.1.9; 4.4.10; LXX Prov. 2.5.

85 Origen, In Jn., 1.8-10; 2.6; De prin., 3.6.8; 4.2.6; 4.3.13.

86 Cf. Origen, In Matt., 1.14. See also In Jn., 10.4, 18, 22; 20.3, 10, etc.

87 Origen, De prin., 4.3.15.

88 Origen, Con. Cel., 1.2; 8.32.

89 Origen, In Jn., 13.24; 32.25-29.

90 Cf. Origen, In Luc., 14.28.

91 Origen, Con. Cel., 3.8, 34, 60, 78; 5.33; 7.40, 49; 8.13, 75.

92 Origen, De prin., 1.5.4

93 Origen, In Jn., 1.3.

94 Origen, De prin., 4.1.1f; 4.2.2.

95 Origen, Ep. ad Greg., 3; Ep. ad Afr., 2-5.

96 Origen, Con. Cel., 7.11; De prin., praef.; 4.2.4, 7-9; 4.3.5.

* حيث إن كل ما يعمله الله يكون من الآب بالابن في الروح القدس. (المترجم)

97 Origen, De prin., 4.2.3; cf. praef. 1-2; In Jer., 3.22-4.

98 Origen, Con. Cel., 1.27; 3.60, 81; 5.33; 7.46; 8.20; De prin., 4.1.2, 5;

In Jn., 28. 23.

99 Origen, In Jn., 6.5f; De prin., 4.1.2, 5; Con. Cel., 2.4; 3. 34, 81; 5.4;

 8.13, 26, 59.

100 Origen, De prin., 3.1.17.

101 Origen, De prin., 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.5.3; 4.3.14; cf. Praef. 2;

 3.3.4; 4.2.2, 4; 4.3.15.

102 Origen, Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.46; 8.13; De or., 10.2; 13.1; 15.1-4.

103 Origen, In Jn., 1.33, 35; 2.34; Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.41, 46, 49; 8.12f, 26, 75; De prin., 1.3.4.

104 Origen, Con. Cel., 3.60; 5.4; 7.46; 8.57; 75; De or., 14-16, 20, 31; In Jn., 32.24; In Mat., 11.14. See also Origen’s Dialogue with Herakleides, SC, 67, ed. By J. Scherer, 1960, pp. 62, 64.

105 Origen, De prin., praef., 2, 3, 10; cf. 1.4.4; 4.4.5.

106 See Prosper of Aquitaine, De gratia Dei et libero voluntatis arbitrio, 8: legem credendi lex statuat supplicandi, MPL, 8, 209. Lex orandi-Lex credendi represents a telescoped form of Prosper of Aquitaine’s thought, found in the Ineffabilis Deus of Pius IX, and the Munificentissimus Deus of Pius XII, AAS, 1947, pp.540f.

107 Athanasius, De decr., 1-3; cf. Ep. Enc., 1 (ευ̉σέβεια α̉πό α̉σεβείας διώκεται)

وهنا تكلم ق. أثناسيوس عن التقوى التي تُضطهد بواسطة عدم التقوى

108 Athanasius, Ad episc. Aeg., 13; cf. 4, 9, 12.

109 Athanasius, De syn., 39.

110 Athanasius, Ad Ser., 1.17, 20; 4.4.

111 Athanasius, Ep., 11.9-11.

112 Hilary, De Trin., 5.18, 20.

113 Hilary, De Trin., 2.6f, 11.

114 Hilary, De Trin., 2.2, 5-8, 10-11.

115 Hilary, De Trin., 1.38.

116 Athanasius, Con. Ar., 4.21.

117 See the Der Balyzeh papyrus, cited by J.N.D. Kelly, Early Christian

 Creeds, 1950, p.89; or Epistola Apostolorum, ibid., p.82.

[118] ارجع إلى الحروم التي أُلحقت بقانون نيقية والتي ذُكرت باسم “الكنيسة الجامعة”.

[119] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2 وما بعدها.

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

أسلوب بولس الدفاعي للبلوغ إلى جيل ما بعد الحداثة هذا

أسلوب بولس الدفاعي للبلوغ إلى جيل ما بعد الحداثة هذا

أسلوب بولس الدفاعي للبلوغ إلى جيل ما بعد الحداثة هذا

أسلوب بولس الدفاعي للبلوغ إلى جيل ما بعد الحداثة هذا

طوال الوقت الذي كان للمسيحية فيه تأثير فعال في حضارة الغرب، حتى إن اجماعاً مسيحياً عاماً كان سائداً عند الشعب حيال طبيعة الحق والقيم. كان الدفاع المبني على الفرضيات المسبقة التي سلمت بالكامل بمصداقية الكتاب المقدس وبموثوقيته. كان هذا الصنف من الدفاع يمارس في العديد من أوساط الكنيسة. لكننا بدأنا نشهد حقيقة رفض هذا الجيل ما بعد الحداثة من البشرية، في غالبيته، للكتاب المقدس بصفته كلمة الله ولمفاهيم المسيحية للحق المطلق، وتركيزه بالمقابل على العقلانية كأحد المستلزمات الضرورية لاكتساب المعرفة، ولا سيما على النطاق الديني، إلى جانب تبنيه المنحى العلمي لاكتساب الحق والقيم. في ضوء كل هذا، أصبحت الكنيسة أمام حالة جديدة. وقد تطرح في هذه الحال الأسئلة: المدافع المسيحي الملتزم نظام الدفاع الكتابي والمبني على فرضيات مسبقة مسلم بصحتها، ألا يلزمه الآن التعديل في منهجه، إن لم نقل التخلي عنه بالتمام، من أجل مخاطبة المتطلبات العملية لهذا العالم ما بعد الحداثة؟ ألا يحتاج، على الأقل، إلى إدخال بعض التعديلات الرئيسة على أسلوبه الدفاعي مع استعداده لمواجهة الناس اليوم بالحجج المبنية على الدلائل لكي يتمكن من اجتياز الامتحان العلمي الدقيق بنجاح، إن كان يتوقع البلوغ إلى هذا الجيل؟ أنا أجيب عن هذه الأسئلة بـ “لا” قاطعة؛ حقاً، أومن أن أسلوب الدفاع الكتابي لا يزال ضرورياً كأي وقت مضى، لبلوغ هذه الجيل ما بعد الحداثة. وفي هذا الفصل الختامي، سأعرض موجباتي وراء تصريحي هذا. لكن في إطار قيامي بهذا، وحيال هذه المعطيات الجديدة، سأحاجج أيضاً في حاجتنا إلى التحلي بقدر أكبر من الحكمة، في معرض دفاعنا عن مصداقية الإيمان المسيحي بالله. وسأبدأ بسرد قصة واقعية حصلت معي.

خلال السنين الطوال التي قضيتها في التدريس في كلية اللاهوت “كوفنانت”، كان لي الامتياز العظيم بأن أعرف وأعمل جنباً إلى جنب مع د. “فرانسس شايفر”، مؤسس L’Abri “الملجأ” في “هويموز” سويسرا، كزميل في الجسم التعليمي. كان قد اعتاد أن يقبل إلى الكلية سنوياً لكي يعلم على مدى نحو الشهر الواحد. كان ينقل إلى التلامذة مفهومه للحضارة الغربية مع السبيل لتوصيل إليها رسالة المسيح. ذات مساء، نحن المدرسين المقيمين داخل حرم الجامعة، دعونا د. “شايفر” إلى تناول طعام العشاء معنا في مطعم محلي – جهنم المتقدة، إن كنت لا أزال أتذكر الاسم الصحيح لهذا المطعم (يا له من مكان غريب لجمع حفنة من اللاهوتيين الكتابيين – جهنم المتقدة!) ومن جملة الأمور التي دار حولها حديثنا في تلك العشية، نقله إلينا عزمه، بعد الانتهاء من تكليفه الحالي، التوجه إلى جامعة “يال”، للتكلم إلى التلامذة داخل قاعة الاجتماعات هناك. خلال جلوسي قبالته مباشرة، سألته: “كيف حصلت على هذه الدعوة، يا د. “شايفر”؟” أعلمنا كيف أن القسيس النشيط جداً للشركة المسيحية “إنتر فارستي”، كان قد قصد قسيس جامعة “يال”، “وليم سلووان كوفن” وخاطبه بالقول: “تأتون إلينا بأناس غريبي الأطوار من جميع الأصناف للتكلم إلى تلامذتنا داخل قاعة الاجتماعات. ما رأيكم بدعوة واحدة من غريبي الأطوار من صفوفنا نحن الإنجيليين للتكلم؟” وعلى هذا الأساس، قدم له “كوفن” الدعوة. من ثم سألت د. “شايفر”: “أنت تعلم جيداً أنه على الأرجح لن يصار إلى دعوتك ثانية في القريب العاجل. بماذا تنوي أن تعظهم؟” المعلم بامتياز د. “شايفر” سألني على الفور: “ماذا تقترح عليّ أنت يا “بوب”؟ “أجبته: “لست متأكداً، لكن ما رأيك بعظة حول يوحنا 3: 16؟” قال لي: “كلا، لأن تلامذة “يال” في معظمهم لن يفهموا أي شيء إن فعلت ذلك. يعوزهم الإطار الذي يصلح كمرجع لوضع التعليم من يوحنا 3: 16. لذا، أنوي الطلب منهم فتح الكتب المقدسة المتوافرة على المقاعد أمامهم على تكوين 1. سأقرأ لهم قصة التكوين وأخبرهم عن هويتهم وعما هم عليه فعلاً”. قلت له: “أيها الدكتور “شايفر” ما إن تعلن عن نصك، حتى سيبلغك بصوت عال تقريباً صوت أذهان التلامذة وهي تقفل في كل أرجاء القاعة”. رد عليّ د. “شايفر” بالقول: “ربما، لكن من أجل هذا الغرض بالذات أريد أن آخذهم إلى تكوين 1”. قلت: “لكن لن يبقى لديك الوقت للكرازة بالإنجيل إن فعلت ذلك”. أجابني هذا صحيح، لكن قسيس الإنتر فارستي” قد يعني بذلك قد ذهابي. لكن التلامذة يا “بوب”، من كانت قد تشبعت أذهانهم طوال حياتهم بالتعاليم عن النشوء والارتقاء، والوجودية، والحركة الإنسانية الدنيوية خلال فترة تعلمهم في المدارس العامة، من الضروري تذكيرهم بما هم يعرفون من قبل في قلوبهم أنه حق عن أنفسهم، كونهم أناساً خلقهم الله على صورته. ففي هذه الحقيقة بالذات، تكمن قيمتهم الحقة، الأمر الذي يجعلهم بالتالي مسؤولين أمام الله، ويلزمهم اتخاذ قرارات مسؤولة بما أنهم سوف يحاسبون أمامه ذات يوم إن كانوا لا يعيشون لأجله. فبعد اقرارهم بكونهم مخلوقين، عندئذ فقط يصبح “للأخبار السارة” من يوحنا 3: 16 معنى في نظرهم”. هذا الحوار دار بيننا قبل ثلاثين سنة. وإن كانت كلمات “شايفر” هذه في محلها حينذاك، فكم بالأكثر تصلح لأيامنا الحاضرة؟

كان “د. أ. كارسن” ليوافق “شايفر” الرأي، ذلك لأنه في مقاله “Athens Revisited” (“زيارة أثينا من جديد”) يكتب ما يلي:

في الماضي القريب، على الأقل في أميركا الشمالية وأوروبا، كان التبشير بمثابة عرض هجومي إلى حد ما لجزء صغير فقط من رواية الكتاب المقدس. كان يجمع بين معشر غير المسيحيين الذين عرضنا عليهم الإنجيل في معظمهم، وبيننا القدر الكافي من اللغة المشتركة والنظرة الواحدة حتى لم نكن نجد من الضروري أن نبسط أمامهم رواية الكتاب المقدس بأكملها. قبل مجرد ربع قرن من اليوم، إن كنا نتعامل مع ملحد، لم يكن من الذين يجهلون الكل عن الله، بل كان بالحري ملحداً مسيحياً. بكلام آخر، فالله الذي لم يكن ليؤمن به كان نوعاً ما إلهاً يتميز لديه على أنه من أصل يهودي – مسيحي فالملحد لم يكن لينكر على نحو خاص، وجود آلهة الهندوس – ربما “كريشنا” – بل بالحري وجود الله. إله الكتاب المقدس. لكن هذا يعني أن الفئات كانت لا تزال فئاتنا، ونطاق الحديث نطاقنا.

[ثم يتابع] عندما كنت فتى، كان التبشير يفترض مسبقاً أن غالبية غير المؤمنين، سواء أكانوا ملحدين أو لا أدريين أو من المؤمنين بالله الخالق الذي لم يعد يتدخل بشؤون هذا الكون، أو من المؤمنين ظاهرياً بإله الكتاب المقدس، جميع هؤلاء يعرفون جيداً أن الكتاب المقدس يبدأ من الله، وأن الله هو شخصي ومتسام، وأنه صنع الكون وصنعه حسناً، وأن السقوط هو الذي أدخل الخطيئة وجلب اللعنة. كان لك واحد تقريباً على علم بأن الكتاب المقدس يقع في عهدين، وأن التاريخ يتبع في سيره خطاً مستقيماً، وأن ثمة فرقاً بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الحقيقة والضلال، وبين الواقع والخيال. عرفوا أن المسيحيين يؤمنون بوجود سماء يجب الفوز بها وجهنم يجب خشيتها. يعرفون أن عيد الميلاد مرتبط بولادة يسوع. فيما الجمعة العظمية والفصح بموت يسوع وقيامته. تلك كانت المعطيات. من هنا كان تركيزنا في التبشير على خطورة الخطيئة، وحرية النعمة، وهوية يسوع الفعلية، وعن المغزى وراء موته، والدعوة الملحة إلى الإيمان والتوبة. ذاك كان التبشير… وبالنسبة إلى معظمنا، كان التبشير يرتبط بالإفصاح عن جزء صغير جداً من الرواية الكتابية، والتركيز عليه[1].

ما الذي حصل حتى تغير كل هذا؟ لماذا على المسيحيين الإنجيليين في أميركا عدم افتراض أن جيل الناس الذي يخاطبونهم اليوم، بالإمكان تبشيرهم كما في الماضي؟ الأسباب عديدة وراء ذلك، لكن الأسباب الخمسة الرئيسة هي التالية[2]:

ç السبب الأول يعود إلى مرسوم الهجرة والتجنيس لعام 1965 الذي ألغى أنظمة الحصص النسبية السابقة لمرسوم الهجرة لعام 1924 الذي كان يحظر على من ليسوا من بلاد الغرب حصولهم على الجنسية. هذا المرسوم أصدر قوانين جديدة مشرعاً الباب أمام هجرة الآسيويين. ضم هؤلاء فيما بعد أناساً من جذور لاتينية إلى جانب رعايا من الشرق الأوسط وفيما كان نحو 90٪ من المهاجرين في القرن التاسع عشر، قد أتو من أوروبا، لهم بالتالي بعض الشبه بالمسيحية (من الكاثوليك الرومانيين بشكل رئيس)، نحد خلال الفترة الممتدة بين 1981 و1990 كيف أن من جملة 1,031,620 مهاجراً الذين أقبلوا إلى هذه الشواطئ، كان 15٪ من جملتهم فقط أوروبيين و70٪ آسيويين وشرق أوسطيين الذين جلبوا معهم دياناتهم الشرقية إلى جانب الإسلام. وفي التسعينات من القرن العشرين، 43٪ من المهاجرين كانوا آسيويين و39٪ من أميركا اللاتينية؛ وكان هؤلاء قد جلبوا معهم تعاليم الكاثوليكية الرومانية. يعد اليوم المتحدرون من جذور لاتينية الأقلية الأكبر عدداً في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن عدد المسلمين في أميركا بات يفوق عدد اليهود فيها. ونتيجة لذلك، تشهد أميركا اليوم ضمن حدودها أكثر من 1500 ديانة مختلفة، كما أن المدارس العامة الأميركية تعلم تلامذتها ضرورة التحلي بالتساهل والتسامح مع الديانات كافة وعدم الاعتقاد أنه يلزم إيلاء أية واحدة منها أفضلية أو اعتبارات خاصة. خلفت الهجرة بصماتها على الحياة الأميركية حتى باتت أميركا اليوم الدولة الأكثر تنوعاً دينياً في العالم. وبذلك تعد الولايات المتحدة حقلاً إرسالياً كأي حق آخر، تبعث الكنائس إليه مرسلين.

ç السبب الثاني هو أن جيلاً كاملاً من التلامذة الغربيين قد جرى إطعامهم وبالتالي اشباعهم جرعات هائلة من التعاليم العلمية للحركة الطبيعية (النشوء والارتقاء)[3]، والوجودية الفلسفية (إنكار وجود أي حق في المطلق. والتسليم بالحق كأمر نسبي)[4]. والصوفية الشرقية (هذه، لا المسيحية، مسموح تعليمها في المدارس العامة الأميركية)، والحركة الإنسانية الدنيوية (التساهل مع كل نظرة دينية) في مدارسهم العامة[5] وجامعاتهم. كما أن كل ذلك جاء لتدعمه الثورة الجنسية في الستينيات من القرن العشرين وحتى يومنا هذا.

ç السبب الثالث هو ظهور الإنترنت، والذي أضاف بعداً جديداً بالكامل على السبيل لنشر المعلومات، والحصول عليها، والتعامل معها. وبذلك لم يعد الشخص العادي يشعر بحاجته إلى التطلع إلى أناس لهم سلطة ضمن دائرته الجغرافية والثقافية لسد احتياجاته أو لما يرغب في معرفته. وفي حال احتاج أو أراد معرفة شيء ما، عند الميل إلى الاعتقاد أن بوسعه استقاء المعلومات بنفسه من خيارات لا حدود لها تقريباً من مصادر الإنترنت.

ç السبب الرابع هو القيود التي فرضتها محكمة الدولة العليا على معلمي المدارس العامة المسيحية، الذين كانوا سيقدمون تعليماً دينياً لتلامذتهم، لو سمح لهم فقط بذلك.

ç السبب الخامس هو إخفاق الكنيسة الإنجيلية بالكامل تقريباً عن إدراك ما هو حاصل في هذه المجالات على مدى جيل، من أجل شن هجوم مضاد وفعال. في الواقع، عوضاً عن اجتهاد الكنيسة لمد هذا الجيل بجنود مسيحيين “ضليعين من الأسفار المقدسة، أصحاب مواقف صلبة وثابتة في الإيمان، تحركهم محبة لله وللإنسان، يعرفون شؤون هذا العالم، والجسد والشيطان، ملمين بتصرفات الأخوية المسيحية الصادقة، يعيشون في ظل اليوم الأخير، ومعززين بالقوة لإنكار النفس وحمل الصليب من أجل انجاز أمور عظيمة للمسيح وللملكوت” (روبرت س. رايبرن) – عوضاً عن إقدام الكنيسة، أنا أقول، على تجهير هذا الصنف من المسيحيين “الذين ليسوا من هذا العالم” والموطدي العزم والمستعدين على أكمل وجه لخوض المعارك الروحية، تركت أولادها على مدى جيل الآن ينزفون في العالم، حتى تخلت أعداد غفيرة منهم عن الإيمان للفوز بالمقابل بما لدى العالم ليعرضه عليهم. لماذا حدث ذلك؟ توثق ذلك رواية “تم ولف” تحت عنوان I am Charlotte Simmons (“أنا شارلوت سمونس”). إنها قصة شابة لامعة، جميلة وطاهرة لكن ساذجة تركت بيتها في جبل “الأبلاش” طلباً لثقافة من نصيب “النخبة” وحدهم في إحدى “أعظم” جامعات أميركا. روايته هذه، كما يعلمنا، مبنية على أبحاث أجراها داخل حرم خمس من أشهر الجامعات (“ستانفورد”، “ميتشغان أت آن أربر”، “نورث كارولاينا أت تشابل هل”، “ألاباما إن هانتسفيل”، و”فلوريدا أت غاينسفيل”. لكن التركيز عليها يفوتنا النقطة التي أراد “ولف” نقلها إلينا. اختر بشكل عشوائي أية خمس جامعات دنيوية، وستسفر عن ذلك النتائج عينها، الأوصاف الرهيبة التي عرضها “ولف” ليس بصورة كاريكاتورية، ولا بخيال، لكنها بالحري وصف لواقع الشر، والابتذال والفساد المنتشر في كل مكان والذي:

“… يملأ قاعات التدريس، الواحدة تلو الأخرى لجهة كل من مضمون التعليم وأسلوبه. كما أن هذا يؤثر في أخلاق الجسم التعليمي. إنها تملأ حياة التلامذة الاجتماعية، قاطعة بالنسبة إلى معظمهم أية صلة لهم بحياتهم الأكاديمية والفكرية. الفساد يعم أماكن السكن، وقد وصفها السيد “ولف” بكلام منفر يمجه الذوق السليم. الفساد يملأ البرنامج الرياضي. وهو يبلغ حتى إلى سياسي الدولة الذين يلقون خطابات داخل حرم الجامعة وإلى المسؤولين عن الأعمال القاصدين الجامعة من أجل توظيف خريجي الجامعة. لكن الفساد يعم فوق كل شيء التلامذة أنفسهم – طموحاتهم، أخلاقهم اليومية، وكلامهم. الشبان قد استفحل فيهم الفساد حتى لا تريد لإحدى الشابات الاقتراب منهم. بالمقابل، الشابات فاسدات جداً حتى لم يعدن أهلاً لحمايتهن أو الدفاع عنهن…”[6]

أما بالنسبة إلى “شارلوت”، فبينما كانت أمها التي ترتاد الكنيسة مقتنعة بأنها أعدت ابنتها لمواجهة كل هذا ببساطة من خلال قدرتها على السيطرة على عواطفها ورباطة جأشها ولسان حالها: “أنا لا أومن بك هذا، لن أفعل ذلك. فعلى كل حال، أنا “شارلوت سمونس”، وأعرفي من أنا، ولا حاجة لي إلى الذهاب إلى هناك”. سرعان ما نكتشف أنها “بعيدة كل البعد عن امتلاكها في داخلها الموارد الكفيلة بجعلها تصمد… أمام كل ما يسعى لإفسادها”، الأمر الذي ينطبق كثيراً عليها. يكفي ما قلناه حتى الآن. والآن، يسأل “جويل بلز”:

“…إن كان مشهد الجامعة الدنيوية المعاصرة يبلغ حتى نصف ما يصفه به “تم ولف” لجهة فساده وتشبهه بسدوم، لماذا يحظى هذا المشهد برعاية بعض العائلات المسيحية القليلة، ويفوز بنسبة أقل برضى المئات بل الآلاف [من الأهل المسيحيين] الذين يرسلون أبناءهم وبناتهم إليها لأجل “تثقيفهم” بواسطة هكذا قوى مدمرة؟”.

والجواب هو: لأنهم يريدون أن يكون أولادهم “ناجحين”، ويحصلوا على أفضل الوظائف، ويحصلوا أكبر قدر من المال، ما يمكنهم من العيش في “حياة رفيعة المستوى”. معظم هؤلاء الأهلين سوف تروعهم بالمقابل، معرفة كون ولدهم تراوده فكرة الالتحاق بالخدمة المسيحية في الحقل الإرسالي.

نتيجة لهذه التأثيرات الخمسة في المجتمع الغربي، فقدت الكنيسة فعلياً جيلاً بأكمله من الناس. جيل الأولاد والعديد من تلامذة المدارس والجامعات اليوم، لم يعودوا يعرفون ولا حتى أكثر الحقائق الأساسية في الكتاب المقدس، كتلك المتعلقة بإبراهيم، وداود وسليمان وبولس، كما إنهم يعرفون بنسبة أقل بكثير هوشع، أو صفنيا، أو حجي. إلى ذلك.

ليسوا هم بألواح بيض ينتظرون منا أن نكتب عليها. ولا هم بمثابة أجهزة كومبيوتر فارغة لكي نحملها ملفاتنا المسيحية. لكنهم طوروا لأنفسهم مجموعة بديلة من النظرات إلى العالم. إنهم بمثابة أجهزة كومبيوتر ملآنة بالعديد من الملفات الأخرى التي تشكل معاً مرجعيات متنوعة غير مسيحية[7].

لم يعودوا يعتقدون أن لهذا الكون هدفاً، لكنه في نظرهم “أشبه باللغز” المليء بالصدفة والأمور الغريبة التي قد تشمل حتى أيضاً قيامة الأجساد. لم يعودوا يؤمنون بأن التاريخ إنما يعكس “الصورة الكبرى” للكتاب المقدس أو “الرواية الكبرة” أو كونه يسير في “اتجاه معين”. وكل هذا بات يصح على أعداد متزايدة من اللاهوتيين المعاصرين أيضاً، كما سبق لي أن صرحت بذلك في كتابي A New Systematic Theology (“لاهوت نظامي جديد”):

اللاهوتيون ما بعد الحداثة، كما باتوا يعرفون، صار لهم الآن بعض الوقت يشددون على ضرورة احترام الكنيسة للغموض ورفض كل المحاولات لصياغة رؤية سينويتية أو “نظامية” إلى الأمور. بكلام آخر، [على الكنيسة] الإقرار بعدم وجود أية “صورة كبرى” ومقررة سابقاً لأي شيء يجب اكتشافه. “لذا يكتفون بالقول: “حسبك أن ترسم صورتك الخاصة بك، وذلك في غياب أية صورة كبرى لاكتشافها”. بالطبع، يرفض هؤلاء الدارسون إدراك كيف أن إقرارهم: “لا وجود لصورة كبرى”، يشكل بحد ذاته صورة كبرى لها أمورها الخاصة بها لجهة لاهوتها، ونظرتها إلى كل من الكون، والإنسان، والمسيح، والخلاص، والأمور الأخيرة. لكن المشكلة مع صورتهم الكبرى هي تبعثرها، وعدم تماسكها، وإخفاقها في استيعاب حتى الطريقة التي بها يعمل العالم فعلياً[8].

إن انعكاسات كل هذا على علم الدفاع وعلى التبشير، هائلة وواضحة. لنتأمل في ثلاثة من جملتها:

أولاً، علينا النظر بأكثر جدية مما فعلنا في الماضي إلى حقيقة كون الناس الذين نسعى للبلوغ إليهم، عندهم بعض المواقف الجوهرية التي يترتب عليهم التخلي عنها لكي يصبحوا مسيحيين.

في معرض مواصلتنا للتشابه الجزئي مع الكومبيوتر، لقد احتفظوا لأنفسهم بالعديد من الملفات التي يترتب عليهم محوها أو مراجعتها، لأن هذه الملفات كما هي عليه، تتضارب بشكل فظيع مع الملفات المسيحية. [بالطبع، لطالما صح هذا دائماً بعض الشيء، لكن ليس بالمقدار نفسه كما هي الحال اليوم]. لكن كلما قلت القواسم المشتركة حيال النظرة إلى العالم بين “المبشِر” و”المبشَر”، وبين المسيحي الضليع كتابياً والشخص من جيل ما بعد الحداثة الذي هو أمي كتابياً، كان التحول أشبه بالصدمة العارمة. والتغيير جذرياً. وازدادت المواد التي ينبغي التخلي عنها[9].

ثانياً، بما أن الأمور هي هكذا، علينا نحن الذين نبغي تبشير جيلنا أن نكون جاهزين للبدء في ذلك من أماكن أبعد. يحسن “كرنيليوس فان تل” من خلال ملاحظته ما يلي:

علينا جعل رسالة الصليب ضمن إطار [الأسفار المقدسة ككل]. إن لم نفعل هذا، فلا نكون كارزين فعلاً بيسوع والقيامة. فالحقائق الخاصة بيسوع والقيامة هي ما هي ضمن إطار عقائد الخلق، والعناية الإلهية، وانتهاء التاريخ بالدينونة الأخيرة[10].

لن يشهد الإنجيل تماسكاً ما لم تحتل بعض المداميك اللاهوتية مكانها، مشكلة بذلك إطاراً مرجعياً يجعل كلماتنا ملموسة. يكتسب الإطار الأوسع والأشمل للإنجيل أهمية بالغة، فهو الذي يجعل معنى للحقائق الإفرادية. فحقائق الإنجيل تبقى بمعزل عن موقعها الكتابي بمثابة أمور غريبة حدثت من طريق الصدفة داخل “كون غامض وأشبه باللغز”.

لن تستطيع أن تستوعب يسوع الفعلي على حقيقته ما لم تتوافر لديك أقوال تخص الله، إله الكتاب المقدس الشخصي/ والمتسامي، إلى جانب طبيعة الكائنات البشرية المخلوقين على صورة الله، ووصمة العار الفظيعة المتمثلة بالتمرد عليه؛ واللعنة التي تسبب لنا بها تمردنا؛ والنتائج الوخيمة التي ترتبت على تعدياتنا على شتى الأصعدة الروحية، والشخصية، والعائلية، والاجتماعية؛ وطبيعة الخلاص؛ وقداسة الله مع غضبه ومحبته. لا يستطيع أحد فهم الرواية الكتابية بمعزل عن هذه المحتويات الأساسية. كما أنه لا يستطيع أحد فهم الصورة التي يقدمها الكتاب المقدس عن يسوع قبل وضع هذه المداميك في مكانها. لا يستطيع أحد الموافقة على الحل الذي يعرضه يسوع إن لم يوافق أولاً على المشكلة التي تواجهه[11].

هنا السبب وراء رؤية أحدنا العالم يتجاوب مع الملصق المسيحي المكتوب عليه: “المسيح هو الجواب”، ويلي ذلك العبارة التي يلحظها الملصق عينه: “ما هو السؤال؟” بكلام آخر، لا يعرف العالم ببساطة ملابسات الرواية حيث يجعل الكتاب المقدس البشارة. وعليه، لا يفهم العالم لماذا أو كيف يسوع هو أو قد يكون الجواب عن أي شيء.

ثالثاً، على المبشر أن يشق طريقه إلى داخل قلوب الذين يبشرهم، وإلى أنظمة قيمهم وأنماط تفكريهم – بكلام آخر – إلى نظراتهم إلى العالم. يحتاج إلى مد جسور إلى داخل… الإطار المرجعي [للذين يتم تبشيرهم]، وإلا استحال حصول أي تواصل بينهما، وإلا وجد المبشر نفسه منزوياً في زاوية بمفرده”[12].

أشعر بأن عليّ التصريح بالمناسبة بأن لا أحد نظير “فرانسيس شايفر” تمكن من الولوج إلى داخل ذهن الشخص ما بعد الحداثة. فهو من خلال إصراره أولاً على حث الإنسان ما بعد الحداثة على العيش بانتظام بموجب نظرته إلى العالم، أرغمه من خلال ما دعاه “أسلوبه السابق للتبشير” على اختبار ما يرتبط به من سخافة ويأس والإقرار بذلك.

كل هذا، كان الرسول بولس قد أدركه جيداً: ففي إطار المجمع، كان يقتبس نصوصاً من العهد القديم، كما نفعل نحن من خلال اقتباسنا الأسفار المقدسة أمام معشر غير المسيحيين من الجيل الأقدم. أما في أعمال 17: 16-34، فنجده منكباً على تبشير أناس مثقفين كانوا أميين بالتمام لجهلة معرفتهم الكتابية. ففي هذه الحالة الأخيرة، بشر بطريقة مختلفة – بشكل بارز – وهذا النص عنده الشيء الكثير لتعليمنا في معرض سعينا لتبشير هذا الجيل من الأميين كتابياً. حقاً، لا يكون أحدنا بعيداً عن الحق، في نظري، في حال استخلص أن الروح القدس قاد لوقا لتدوين الأريوباتيغا في سفر أعمال الرسل، خطاب بولس هذا الذي ألقاه على تلة مارس، خصيصاً لزمان كهذا! لذا، أبغي تخصيص بعض الوقت للتأمل في مضمون هذا الخطاب معكم الآن.

في أثينا، بولس “احتدت روحه فيه، إذ رأى المدينة مملوءة أصناماً” (أعمال 17: 16). حقاً كانت أثينا تزخر بالتماثيل المنحوتة “للبنتيون” الإغريقي، ما دفع واحد من الكتاب الأقدمين إلى التصريح بأن تماثيل الآلهة في أثينا، فاق عددها تلك الموجودة في كل اليونان مجموعة. كما أن “بترونيوس”، الهجاء الروماني، اعتبر أن مقابلة تمثال كان أسهل من مقابلة إنسان[13]. وحتى شيدوا مذبحاً “لإله مجهول” (أغنوستو ثيو) (أعمال 17: 23). كانت هذه المذابح يقصد منها من دون شك ان تعبر عن ولاء ديني، لكن بولس تمكن من إدراكها أكثر على حقيقتها، وكما تقر بذلك هذه المذابح نفسها، إذ رأى فيها أفعال جهل ديني.

في حال دخل بولس المدينة من الجنوب عبر بابها “البايريتي” والمؤدي إلى المرفأ، كان سيواجه على الفور بمنحوتة “نبتون” على صهوة حصانه وهو يرمي بعنف رمحه المثلث الشُعب. وعلى مقربة من هناك، يقع هيكل “كيرس” حيث نصبت الأشكال المنحوتة لكل من “مينرفا”، “جوبيتر”، و”أبولو”، مع تماثيل لـ “مركوري”، و”الميوزس” بالقرب من معبد “باخوس”. كما أن لدى دخول “الأغورا”، الذي يعد محور الحياة العامة للمدينة، والمحتوي على تماثيل مكرسة لـ “أبولو”، الإله حامي المدينة، مع مذبح الآلهة الاثني عشر (“زويس”، “هيرا”، “بوزايدن”، “هايدس”، “أبولو”، “أرطاميس”، “هيفياستس”، “أثينا”، “أيرس”، “أفروديت”، “هرمس”، و”هستيا”، كان بولس سيعاين ذلك الجزء من جبل اللأيروباغس الكثير المنحدرات والذي يصل إلى البحر، حيث يقع هيكل مارس عند شماله. وإذا ما تطلع بولس نحو الشرق، كان سيرى “الأكروبوليس” حيث شيدت على نتوءاته الشاهقة معابد لـ “باخوس”، “إيسكولابيوس”، “فينوس”، “الأرض”، و”كيرس” انتهاء بهيكل “الانتصار من دون أجنحة”. ثم على “الأكروبوليس” نفسه الذي كان بأكمله بمثابة عمل واحد للهندسة المعمارية والمنحوتات المخصصة لمجد الأمة ولعبادة آلهتها، انتصب “هيكل الانتصار” الحاوي على تماثيل لـ “فينوس” و”الغرايسس”. فيه أيضاً صرح مخصص لـ “مينرفا” إلى جانب معبد للإلهة “ديانا”. كذلك بالإمكان العثور هناك على تماثيل تخص “ثيسيوس”، “هركيولس”، و”الأرض”. بالطبع، الصرح الأروع على الإطلاق والواقع في أعلى “الأكروبوليس”، كان “البارتينن” (“بيت العذراء”) والمخصص لـ “مينرفا”. كان ينتصب بين أعمدته تمثال هائل لهذه الإلهة مصنوع من العاج والذهب. كما أن تمثالين آخرين لـ “مينرفا” يقعان داخل أروقة الهيكل، الأكثر تبجيلاً بين التماثيل الثلاثة المعروفة باسم إركثيوم، فيما تمثال “مينرفا بروماخس” الحاملة الرمح والترس ارتفع بأحجام هائلة فوق كل أبنية “الأكروبوليس” بصفتها الإلهة الحارسة لأثينا و”أيتكا”. كان بولس سيلاحظ أيضاً أن كل بناء عام في “الأغورا” نفسها، كان بمثابة معبد لإله أو إلهة ما. كان “بيت التدوين” هيكلاً لأم الآلهة فيما “بيت المجلس” حوى تماثيل لـ “أبولو” و”جوبيتر” مع مذبح لـ “فستا”. كان المسرح مخصصاً لـ “باخوس” والمذابح شيدت في كل مكان لإلهة الشهرة، والاحتشام، والطاقة، والإقناع، والشفقة، إلى جانب مذابح، كما أسلفت، إلى “إله مجهول”.

علم بولس أن أثينا كانت تحتل الصدارة بين مدن العالم القديم من جراء فلاسفتها العظماء شكلت مسقط رأس كل من سقراط وأفلاطون كما أن أرسطو اتخذها مقراً له. وبينما كان بولس يبشر أولاً اليهود في أثينا والخائفين الله من الأمم الذين كان عندهم شيء من المعرفة بالعهد القديم (17: 17أ)، أدرك أنه كان أكثر ما يتعامل مع أناس أميين كتابياً يدينون بنظرات دينية إلى العالم متنوعة ومتنافسة. يأتي أعمال 17: 18 على ذكر اثنتين منها: الأبيكوريون والرواقيون. كان المثال الأعلى للأبيكوريين العيش في حياة هادئة خالية من أي انزعاج. علم الأبيكوريون أن الغاية الرئيسة من الحياة هي اللذة، هذه اللذة التي تبلغ ذروتها في حياة هادئة خالية من الألم، والشهوات المزعجة، والمخاوف الوهمية بما في ذلك الخوف من الموت. لم ينكروا وجود “البانثيون” الإغريقي؛ فهم آمنوا فعلاً بالآلهة الإغريق “ككائنات مباركة وخالدة”. لكنهم اعتبروا أن الآلهة لم تكن معنية بشؤون البشر. بالمقابل، علم الرواقيون عن مادية دينية من صنف وحدة الوجود. وكل ما كان فعلياً، بما في ذلك الآلهة، كان مادياً. كانوا يهدفون إلى حياة متناغمة وتشهد انسجاماً مع الطبيعة. كان سؤالهم الأعظم: “كيف باستطاعة الإنسان الحكيم العيش بانسجام مع الطبيعة؟” علموا أن الحياة المنسجمة مع الطبيعة هي الحياة التي تعاش عقلانياً، هذه الحياة التي تتضمن أيضاً ضرورة قبول الإنسان مصيره من الآلهة، والذي لا مفر منه على كل حال. شكلت الحياة الفاضلة، في نظرهم، “الخير” الأوحد في المطلق. وكل ما عدا ذلك، بما في ذلك الصحة، والغنى، والجمال، وحتى الحياة والموت، اعتبر أنه “لا يعمل فرقاً” بما أن هكذا أمور لا تعمل أي فرق على صعيدي الفضيلة أو السعادة. كثيراً ما ركزوا على تفوق القدرة العقلانية لدى الإنسان، وعلى سعي الفرد في إثر “الفضيلة”. هذا السعي الذي محوره الذات، ولئن تميز بصدق أخلاقي عظيم وإحساس رفيع بالواجب، اتسم أيضاً بقدر عظيم من الكبرياء الروحية. بانت هذه الكبرياء في تعليق بعض الفلاسفة الأثيونيين على بولس بحيث اعتبروه سبرمولوغس والمترجم “مهذار”، ومعناه الحرفي “ملتقط البذور” أو “عصفور الدوري العائش داخل قناة المجاري” الذي يلتقط نتفاً من المعلومات ويبيعها من أجل المال. فكر آخرون أنه كان “ينادي بآلهة غريبة” من جراء مناداته “بيسوع والقيامة”. وفي هذه الحال الأخيرة، بما أن اللفظة “آلهة” هي في صيغة الجمع، قد يكون هؤلاء المفكرون الإغريق قد جعلوا رابطاً بين إيسوس “يسوع”، الترجمة الصوتية الإغريقية لاسم العلم العبراني يشوع وبين إيسو، الصيغة “الأيونية” لاسم إلهة الصحة. كما أن الاسم أنستاسس (“قيامة”)، بما أنه في المؤنث قد يشير، في نظرهم، إلى خليلة يسوع أو زوجته. إن صح ذلك، قد يكونون قد رأوا في العبارة “يسوع والقيامة” التشخيص والتأليه لقوى “الشفاء” و”التجدد”[14]. وهكذا أحضروا بولس إلى اجتماع للأريوس باغوس، مجلس المدينة، والذي يرجع اسمه إلى حقيقة حصول هذا اللقاء في الماضي على “تلة مارس”، لكن في أزمنة الرومان في “الرواق الملكي” داخل “الأغورا”. وهناك التمسوا من بولس أن يخبرهم أكثر عن هذا “التعليم الجديد” وهذه “الأمور الغريبة” (أعمال 17: 18-21)، لا بسبب وجود لديهم اهتمام خاص بالإنجيل بحد ذاته، لكن وكما يلحظ لوقا: “أما الأثينويون أجمعون والغرباء المستوطنون، فلا يتفرغون لشيء آخر، إلا لأن يتكلموا أو يسمعوا شيئاً حديثاً” (أعمال 17: 21).

بولس الذي لم يكن رسولاً مسيحياً وحسب، بل أيضاً رسولاً مسيحياً ويهودياً، لم يتأثر بصيت أثينا التي كانت بمثابة “أكسفورد” أو “هارفارد” العالم القديم. لكن روّعته الصنمية الفظيعة المنتشرة داخل المدينة! لذا، “كان يكلم في المجمع اليهود المتعبدين، والذين يصادفونه في السوق كل يوم”، والذين كانوا في غالبيتهم، إن لم نقل جميعهم، من الأميين كتابياً. لم ينتظر ريثما يقوم آباء المدينة بدعوته إلى ذلك. واصل ببساطة جهوده التبشيرية، التي نتجت منها الدعوة إلى الأريوس باغوس. وهكذا يتبين لنا أن أولويات بولس شملت أولاً تحليلاً ثقافياً محوره الله (لم ير أثينا كمدينة مثقفة جداً، بل كمدينة اجتاحتها الصنمية بالكامل وتعاني حاجة روحية ماسة). وشملت ثانياً التبشير بشكل متواصل لكل من العارفين والأميين كتابياً بهذا الترتيب (راجع رومية 1: 16)[15].

قدم بولس خطابه الأريوباغيتكا أمام هؤلاء الفلاسفة الأميين كتابياً معتمداً في ذلك تعابير مفهومة عندهم. يلحظ “كارسن” في هذا السياق: “يظهر أن العديد من التعابير في هذا الخطاب، وبالأخص في أجزائه الأولى، هي من صنف الأمور التي يعثر عليها أحدهم في أوساط الرواقيين… بكلام آخر، التعابير ملائمة لغوياً لسامعيه”[16]. كان “الأنكنيفنغسبونكت” – ألستم شغوفين بالألفاظ الألمانية؟ – أي “نقطة اتصاله بهم”، كان مذابح المدينة والمكتوب عليها “لإله مجهول”. هذا الكائن الإلهي الذي أقروا بأنهم يعبدونه عن جهل، قام بولس: “أنا أنادي لكم به”. كيف كان باستطاعة هؤلاء الفلاسفة الاعتراض على ذلك؟ مذابحهم الخاصة بهم تقر بأنهم لم يكونوا يعرفون كل الآلهة، لذا كان عليهم أن يكونوا منفتحين على التعليم حول الله، إله بولس. بولس وفي تلخيصه اللاهوتي الرائع لراوية التاريخ الكتابي التي تلت، والتي عرضها بحساسية على الصعيدين التبشيري والدفاعي، وضع إعلانات الحق العشرة التالية في الإطار الصحيح المناسب لسامعيه من دون أن يأتي على ذكر الأسفار المقدسة العبرانية[17].

أولاً، أعلن بولس أن الله الذي أقروا بأنفسهم أنهم يجهلونه، هو “الذي خلق العالم وكل ما فيه” (17: 24). هذا يعني أن الله يختلف عن فئة المخلوقات، نافياً بذلك الاعتقاد بوحدة الوجود عند الرواقيين. حقيقة الله الخالق، ترسي أيضاً الأساس للمسؤولية البشرية: الإنسان مديون لخالقه بكل شيء، حتى إن إقدام الإنسان على تحديه وجعله نفسه محوراً للكون، يدخل في جوهر الخطيئة. والأسوأ من ذلك هو أن تعلقه بأي شيء في الخليقة عوضاً عن الخالق، يدخل في جوهر الصنمية.

ثانياً، أعلن بولس أن الله الخالق “هو رب السماء والأرض، لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيادي” (17: 24). إنه السيد على كل شيء؛ لا يمكن حده ضمن مجال أضيق كالبحر (نبتون). “لا يمكن “تدجينه” – ولا حتى ضمن تخوم الهياكل” (“كارسن”).

ثالثاً، “الله الخالق هو “من نفسه” بمعنى “موجود بحد ذاته”: “ولا يخدم بأيادي الناس كأنه محتاج إلى شيء” (17: 25). هذا يعني أنه غير معتمد، من أجل وجوده، على أي شيء خارج عن ذاته. هذا يؤسس لعقيدة العناية الإلهية التي يعود بولس ويشرحها في أعمال 17: 26-28.

رابعاً، ولئن لا يحتاج إلينا الله الحي الحقيقي والمثلث الأقانيم، نقيض ذلك هو الذي يصح في البشرية؛ نحن نتكل عليه بالكامل “إذ هو يعطي الجميع حياة ونفساً وكل شيء” (17: 25ب). هذه الحقيقة تجرد البشرية من تبجحها باستقلاليتها.

أتوقف هنا لأطرح سؤالاً: أي تأثير أو وقع كان لتعليم بولس حول الله الخالق على الذهن الإغريقي؟ حسناً، كان تعليمه غريباً بالتمام عليهم، وذلك بحسب اقتناعهم كإغريق بخلود الشكل والمادة. يصرح “غردن هـ. كلارك” بما يلي:

هؤلاء [الفلاسفة] الذين استوعبوا في نهاية المطاف مفهوم الحقيقة الخالية من الجسد، لم يفكروا أبداً من قبل في اختزال التعددية في الكون إلى عمل الخلق الذي قام به الله الشخصي والقادرة على كل شيء. هذا المفهوم العبراني كان قد دخل للمرة الأولى الحضارة الإغريقية – الرومانية من طريق انتشار المسيحية بالطبع، كان الإغريق يفكرون من منطلق الآلهة؛ في الواقع، نقل عن “ثاليس” قوله إن كل الأشياء مليئة بالآلهة؛ لكن هذه الآلهة، التي يجري تفسيرها أحياناً من زاوية علمية لكن غير تاريخية، على أنها تجسيدات لقوى طبيعية، كانت كائنات لها أجسام، والتي على غرار الأشخاص الأحياء الآخرين، أصبحوا في الوجود نتيجة عمليات طبيعية. لم تكن أزلية بل ولدت؛ كان بالإمكان الانقلاب عليها وحتى تدميرها. فكرة الله القادر على كل شيء كانت غريبة بالتمام على الإغريق. والأكثر من ذلك مفهوم الخلق. أن يكون الله القادر على كل شيء قد أوجد العالم من العدم، لم يكن طرحاً قابلوه بالرفض! بل كان أمراً لم يخصر على بالهم. فالخلق فكرة حكر على الفكر العبراني وحده[18].

من الواضح إذاً أن بولس لم يكن يعدل في عقيدته لكي تتلاءم مع سامعيه “الجهال” ومع نظرتهم إلى العالم. بالمقابل، كم هي جلية مواجهته إياهم بنظرته المسيحية/ اليهودية إلى العالم.

خامساً، بولس وفي معرض تطرقه إلى مجال علم الإنسان، جاء يؤكد كيف أن كل الأمم تحدرت من إنسان واحد (7: 26). كان من الأهمية بمكان أن يركز بولس على وحدانية الجنس البشري من طريق التحدر الطبيعي من الإنسان الأول، ذلك لأنه خاطب من خلال إنجيله مشكلة كانت كونية – كونية لأن الإنسان الأول هو الذي أدخل الخطيئة والموت إلى البشرية جمعاء (راجع رومية 5: 12-19).

سادساً، ألمح بولس من دون الإفصاح عن ذلك صراحة، إلى أن شيئاً ما رديئاً بشكل فظيع ضرب العالم الذي كان قد خلقه الله. لذا بات الآن أحد الأهداف من عنايته أن يبحث الناس عن الله لكي يجدوه (17: 27)، إننا نستنتج من هذا أنه وخلافاً “للثور [الذي] يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه” (إشعياء 1: 3)، الجنس البشري ككل – لا الأثينويون فقط – لم يعرفوا الله الذي خلقهم. لقد اختلت الأمور بشكل عميق جداً.

سابعاً، ولئن كان من الأهمية بمكان أن يثبت بولس تسامي الله، لم يقل عن ذلك أهمية تثبيته كونه قريباً من الناس. لم يرد بولس أن يظن هؤلاء القوم، ولو للحظة واحدة، أن الله المتسامي لا يبالي باحتياجات الناس. لذا أعلن: “مع أنه عن كل واحد منا ليس بعيداً. لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد. لأننا أيضاً ذريته”.

ثامناً، في ضوء هذا كله، أشار بولس ضمناً إلى كون الخطيئة تعد في جوهرها صنمية – عبادة أي كان أو أي شيء غير الله هذا – معتبراً أن الصنمية تستحق التوبيخ بالكامل (17: 29). على هذا اللاهوت، وعلى علم الإنسان هذا، وعلم الخطيئة، أرسى بولس أساس مشكلة الإنسان. علم أنه لم يكن بمقدوره تقديم يسوع لهم كالمخلص للبشرية، ما لم يصور أولاً الحالة الحقيقية التي يتخبط فيها الجنس البشري. علم أن إنجيله شكل “الأخبار السارة” فقط مقابل خلفية الأخبار السيئة المتعلقة بالخطيئة الكونية والتي بوسع يسوع وحده إنقاذنا منها.

تاسعاً، من ثم تناول بولس فلسفته المختصة بالتاريخ أو الوقت، ما يعرف باسم “البعد الرابع”. مقابل الفكر الإغريقي على العموم، ومفاده أن التاريخ أو الوقت يسيران بشكل دائري، بحيث يدوران ويدوران على غير هدى حتى لا يبلغان إلى الأبد مكاناً ما بالتحديد، شدد على كون تاريخ الأرض يتبع خطاً مستقيماً، بمعنى أنه كان له بداية. وقد مرت فترة طويلة من الوقت كان الله خلالها “متغاضياً عن أزمنة الجهل” لشخصه – هذا الجهل الذي كان الأثينويون عبروا عنه بأنفسهم بما كتبوه على مذابحهم – بمعنى أنه لم يعمل سوى الشيء القليل بشكل مباشر لتيشير الأمم خلال أزمنة العهد القديم (17: 30)[19]. كما أن البشرية هي في طريقها إلى دينونة نهائية عتيدة من جراء صنميتها.

عاشراً، صرح بولس بنقطته العاشرة من خلال إعلامه النخبة المثقفة في أثينا أن الله ولئن سمح للناس في الأزمنة الماضية أن يستمروا في الجهل، فهو الآن يأمر جميع الناس في كل مكان أن يتوبوا. فلماذا هذا التبديل في معاملات الله مع البشرية الآن؟ اللفظة “الآن” التي استخدمها بولس مبينة على الحقيقة المدهشة كون يسوع المسيح، مسيا الله، كان في جيلهم قد جاء إلى العالم، وأيضاً على “الأخبار السارة” التي تجسمت فيه والتب كان بصدد شرحها لهم في تلك اللحظة بالذات. الله الآن يأمر الناس بأن يتوبوا، أعلن بولس، لأنه أقام يوماً هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل، برجل قد عينه، مقدماً للجميع إيماناً إذ أقامه من الأموات!

ما إن أكد بولس أن الله أقام يسوع في الجسد من الأموات، حتى أسكته المجمع. بالرغم من ادعائهم بالانفتاح، لم يعد بمقدورهم تحمل المزيد من هذا. هذا يعني أننا لسنا نملك خطاب بولس بالكامل. بعضهم سخر بكلامه، فيما تصرف آخرون بأكثر لطف إذ أعلنوا عزمهم على دعوته إلى التحدث معه في وقت ما لاحقاً. لكن بعضهم تبعوه فوراً من ذلك المكان. هؤلاء بلا شك أكمل لهم عظته وآمنوا على أثر ذلك.

تلك إذاً كان النظرة إلى العالم التي بسطها بولس أمام هؤلاء الفلاسفة لم يقدم على ذلك من أجل لذة تكوين نظرة إلى العالم. لكنه فعل ذلك لتأمين الإطار الأوحد الذي يجعل لعمل يسوع على الصليب معنى. وإنه لمن الأهمية بمكان أن يدرك المسيحيون كيف أنه واجه أخطاء “الجهل” في الفكر الإغريقي مباشرة عند نقاط هامة، من دون العمل على تكييف رسالته لجعلها تتلاءم مع ما كان هؤلاء المفكرون على استعداد للإيمان به. علم عقيدة الخلق مقابل أزلية الشكل والمادة. وعلم عن العناية الإلهية – كون إلهه هو المسيطر على كل الأشياء – مقابل أية حرية بشرية. علم عن حالة الخطيئة التي يتخبط فيها الإنسان والحق المتعلق بعقاب الله لها ذات يوم. علم أن للتاريخ بداية وأنه يسير بخط مستقيم نحو الدينونة الأخيرة، مقابل أية نظرة دائرية إلى التاريخ؛ علم أن الله أقام يسوع في الجسد من الأموات مقابل الرأي القائل إن المادة شر. وعلم عن حاجة إلى التوبة والرجوع إلى الله. علم كل هذا من دون لجوئه إلى اقتباس ولا حتى آية واحدة من الكتاب المقدس. لكن، ما أقدم عليه، فهذا فعله لبسط القصة الكتابية الكبرى، والتي في ضوئها وحدها يصبح لقصة الإنجيل معنى.

الآن، من المهم جداً رؤية كيف أن بولس غطى الرواية الكتابية الكبرى قبل حديثه عن يسوع. ونحن أيضاً يلزمنا بدورنا أن نحذو حذوه في معرض دفاعنا المسيحي لهذا الجيل ما بعد الحداثة، برفق وبشكل جذاب، لكن مع الحرض على عدم المساومة على الرواية الكتابية وعقيدة الإنجيل فيها. وهذا بالتحديد ما فعله “شايفر” لدى كرازته أمام تلامذة “يال” عن الله خالقهم، واصفاً أسلوبه هذا بعبارة “ما قبل التبشير”. أنا أفضل وصف هذا الأسلوب بـ “التبشير الكتابي”، أو ببساطة مع “كارسن” “التبشير المبني على النظرة إلى العالم”. يشرح “كارسن”:

إن كانت الماروائيات (الميتافيزياء)، أحد أشكال الفيزياء الكبرى، والتي تفسر جميع أقسام الفيزياء الأخرى، هكذا حال الرواية الكبرى التي تفسر جميع القصص والروايات الأخرى…. فما يعرضه بولس هو الرواية الكتابية الكبرى. إنها الرواية الكبرى في الكتاب المقدس التي تشكل الإطار لكل القصص الصغرى وتفسرها. فبمعزل عن الرواية الكبرى، لا تعود القصص المختصة بيسوع تكتسب أي معنى. عرف بولس ذلك… ففي غيار هذه الرواية الكبرى، الرواية الصغرى [في الكتاب المقدس عما عمله يسوع على الصليب وعن قيامته]…. تفتقر إلى التماسك أو حتى مضللة بشكل إيجابي. أدرك بولس هذا الأمر.

…. الأمر المدهش هو عدم احجام بولس عن تأكيد قيامة يسوع من الأموات. وهذا الذي يتسبب بإزعاج كبير، ويدفع إلى تسكيت بولس فيتوقف عند هذا الحد خطابه في الأريوس باغوس. كان بولس بالطبع يعي بالتمام كيف أن الإغريق، في معظمهم، كانوا يتبنون شكلاً ما من أشكال الثنائية. المادة ردئية، أو على الأقل رديئة نسبياً، فيما الروح جيدة. كان مجرد تخيل رجوع أحدهم من الموت تحت شكل جسدي، أمراً غير مرغوب فيه، وقابل للتصديق بنسبة أقل. كانت القيامة في الجسد من الأموات أمر غير عقلاني… من أجل ذلك، ضجر بعض المنصتين إلى بولس من هذا الكلام. وسخروا جهاراً به ووضعوا حداً للاجتماع (العدد 32). لو أن بولس ذكر عوضاً عن ذلك كلاماً عن خلود بسوع، وعن استمرار وجوده روحياً إلى الأبد بمعزل عن أي جسد، لم يكن ليتسبب بحدوث أية بلبلة. لكن بولس يأبى التراجع. وهو يحاجج في مكان آخر معتبراً أنه لو لم يقم المسيح من الأموات، لظهر الرسل على أنهم كذبة، ولبقينا نحن أموات في ذنوبنا وخطايانا (1كورنثوس 15). هنا يستمر أميناً لهذه الرؤية. لا يبتر بولس الإنجاز لجعله مقبولاً وملائماً للنظرة إلى العالم التي يراعيها سامعوه.

إذاً، بالنسبة إلى بولس، ثمة مضمون للإنجيل غير قابل للاختزال أو التفاوض حوله، هو المضمون الذي يجب عدم التخلي عنه، مهما بدا غير مقبول لدى نظرات أخرى إلى العالم وعليه، وبشكل خاص لدى بذلنا قصارى جهدنا مع تحلينا بالحكمة لإيجاد رابط مع نظرات أخرى إلى العالم تختلف عن نظرتنا نحن، علينا الحرص على عدم التقليل من أهمية أمور الإنجيل غير القابلة للتفاوض حولها، لئلا في معرض سعينا للتواصل بشكل حكيم وله صلة بالسامعين، نضحي عن غير قصد بما نقصد توصيله[20].

اعتمد بولس في خطابه الأريوباغيتيكا حقيقة قيامة يسوع في الجسد لكي يصلح كـ “المدخل” إلى الإنجيل، لكن سامعيه دفعوا هذا المدخل و”أغلقوه بقوة” – ليس على بولس بل في الواقع على أنفسهم – قبل دخولهم منه. ترى، هل كان خيار بولس لهذا “المدخل” بمثابة انحراف؟ إجراؤنا مسحاً شاملاً للعظات في أعمال 2: 14-39؛ 3: 13-26؛ 4: 10-12؛ 5: 30-32؛ 10: 36-42؛ 13: 17-41؛ 17: 22-31 إلى جانب تعاليم الرسائل في العهد الجديد (رومية 1: 2-4؛ 2: 16؛ 8: 34؛ 9: 5؛ 10: 8، 9؛ 1كورنثوس 15: 3، 4)، كل هذا يظهر بوضوح كيف أن اعتماد بولس قيامة يسوع في الجسد بمثابة “المدخل” إلى الإنجيل، لم يكن بمثابة انحراف على الإطلاق. هو اعتمدها من أجل ردة الفعل العنيفة التي ستثيرها! حقاً، كان التركيز على صعيد الكرغما (“المناداة”) القديمة يحصل دائماً على حقيقة قيامة يسوع في الجسد من الأموات. فالواعظ لا يتوقف في أي من هذه العظات المدونة لكي يبين لسامعيه الأهمية الخلاصية لموت المسيح. لكنها كلها تركز بالحري على كون الله قد قلب حكم البشر رأساً على عقب بإقامته من الأموات إنساناً – يسوع الناصري – الذي كان قد صلب كمجرم من قبل السلطات الرومانية وبإيعاز من السنهادرين اليهودي. وكما يؤكد “ولبر م. سميث”: “يشهد سفر أعمال الرسل على أن العالم انقلب رأساً على عقب من خلال الكرازة بالقيامة من الأموات [لا من خلال الصليب]”[21]. وبأكثر دقة، كما سبق لي أن صرحت قبلاً في الفصل الرابع، لكن الأمر يستحق تكراره، كانت المضامين التي استخرجها الرسل من ذلك الحدث الجلل هي التي هزت العالم الروماني في القرن الأول من جذوره، بمعنى أن:

ç قيامة يسوع من الأموات في الجسد، هي التي أظهرت ألوهيته (رومية 1: 3، 4)[22].

ç شكلت قيامة يسوع من الأموات في الجسد السبيل لتنصيبه على العرش في السماء بصفته رباً على البشر (أعمال 2: 36؛ 10: 42).

ç أظهرت قيامة يسوع من الأموات في الجسد أن مخلص الناس الوحيد (أعمال 4: 12). بوسعنا استنتاج من هذا كيف أن سائر ديانات العالم هي باطلة وكاذبة وليست أهلاً لولاء الناس.

ç أظهرت قيامة يسوع من الأموات في الجسد أن الله وضع خاتم موافقته ورضاه على عمل المسيح الفدائي (رومية 4: 25؛ عبرانيين 9: 24، 25).

ç قيامة يسوع من الأموات في الجسد، جعلت منه “بناء الهيكل” الحق حيث بإمكان الناس إيجاد الله وعبادته (بوحنا 2: 19، 21؛ مرقص 14: 58).

ç تشكل قيامة يسوع من الأموات في الجسد جانباً ضرورياً من الإيمان الذي يخلص الخطاة (رومية 10: 9).

ç تؤكد قيامة يسوع من الأموات في الجسد، للمسيحيين مصداقية تعليمه (متى 16: 21)، وتمسي تشجيعاً لهم بأن يستمروا أمناء له لدى تعرضهم للاضطهاد من أجل إيمانهم (2تيموثاوس 2: 8).

ç تؤكد قيامة يسوع من الأموات في الجسد بصفته “باكورة الراقدين”، للمسيحيين، وبشكل ضمني لسائر الناس، أن قيامة الأموات التي ستحصل في آخر الأيام قد بدأت، وبالتالي سيأتي يوم فيه يقومون هم أيضاً من الأموات، بعضهم للسعادة الأبدية وبعضهم الآخر للهلاك الأبدي (يوحنا 5: 28، 29؛ أعمال 24: 15؛ رومية 8: 19 والأعداد التالية؛ 1كورنثوس 15: 20؛ والأعداد التالية؛ 1تسالونيكي 4: 14؛ 1بطرس 1: 3، 4).

ç قيامة يسوع من الأموات في الجسد، وما تلاها من صعود إلى السماء وترفيع إلى منزلة الربوبية، جعلته الديان لكل الناس (أعمال 17: 31).

ç كان على الكنيسة الاحتفال بحقيقة قيامة المسيح في الجسد من خلال اجتماعها اليوم الأول من كل أسبوع على مدار السنة وإلى انقضاء الدهر. على الكنيسة عدم السماح لأي كان بأن ينسيها السبب وراء تحويلها السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول.

ترون جيداً أنه بينما قد يبقى أحدنا غير متأثر شرعياً بالمناداة بأن شخصاً ادعى بكونه المسيا اليهودي قد صلب على صليب روماني بما أن الآلاف من الناس ماتوا ولقوا المصير عينه، لا يستطيع أحد البقاء محايداً حيال المناداة بأن الله قد أقام يسوع هذا من الأموات في الجسد. لا يستطيع أحدنا أن يتثاءب، علامة اللامبالاة، ويكتفي بالقول: “ما أجمل هذا الكلام”، قبل أن يسلم على المدافع باليد ويمضي من دون أن ينال جزاءه! شكلت قيامة المسيح معجزة! فهي إما حصلت وإما لم تحصل! ولا مكان للحياد هنا. هذا الجانب من المناداة القديمة، استحوذ على اهتمام السامع، وطالبه بضرورة إخضاع نفسه لمصداقية المسيحية. في حال رفضه، إنما بذلك يعرض نفسه للخطر من جراء إنكاره الرب الممجد الذي سوف يدينه ذات يوم. إن كان يقبله، فهو بذلك يكون قد تحول إلى مخلص البشرية الوحيد الذي مات من أجل خطاياه. وعندما شرح له بولس تلك “الأخبار السارة”، شرحها، أنا أسلم، من زاوية التبرير بالإيمان وحده!

بعض تلامذة الكتاب المقدس، بنوا رأيهم على ما صرح به بولس لاحقاً في 1كرونثوس 2: 2، حيث يقول: “لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم [أيها الكورنثيون] إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً”، يحاججون في كونه استخلص من “عرضه الهزيل” للرسالة في أثينا بأن استراتيجيته الإرسالية التي اعتمدها هناك لم تكن حكيمة. هم يعتبرون بالتالي أن نهجه الذي اعتمده في خطابه الأريوباغيتيكا كان خطأ، وبأنه استعاض عن لاهوت الإنجيل بـ “اللاهوت الطبيعي” وعن “لاهوت الصليب” بـ “لاهوت المجد”، كما أنه أخفق في بسطه رواية الكتاب المقدس الكبرى قبل أن “يكرز بيسوع”، إذ كان عليه الاكتفاء ببساطة “بالكرازة بيسوع”. علق مثلاً “مريب سي. تني”، العميد الأسبق لمعهد الدراسات العليا في كلية “ويتن” على هذا بالقول: “الطريقة غير المألوفة التي بها صرفته أثينا، أسخطته ودفعته إلى إعادة النظر في مجمل أسلوبه في معرض الدفاع عن الإنجيل”[23]. لكن بولس لم يساوم في خطابه في الأريوباغيتيكا بأي شكل من الأشكال على الإنجيل، كما أن عزمه الذي أفصح عنه في 1كورنثوس 2: 2 لم يكن القصد منه ادخال تصويب على خدمته كان قد خطط له لتصحيح خطأ سابق كان قد اقترفه في أثينا. يعرض “ف. ف. بروس” في هذا السياق تبصراً غنياً جداً في مضمونه:

في أثينا كما هي الحال قبلاً في ليسترا، يتعمد بولس في سفر الأعمال عدم اقتباس نبوات من العهد القديم. والتي من شأنها أن تكون غريبة وغير معروفة عند سامعيه… لكنه لا يحاجج من منطلق “المبادئ الأولى” من الصنف الذي كان يشكل الأساس لأنظمة متنوعة من الفلسفة الإغريقية. [لكنه عوضاَ عن ذلك] نجد كيف أن تفسيره ودفاعه عن رسالته، يتأسسان على الإعلان الكتابي، بحيث يعيدان صدى الفكر، وأحياناً اللغة عينها لكتابات العهد القديم. فعلى شاكلة الإعلان الكتابي نفسه، يستهل خطابه من الله خالق الكل، ويواصل مع الله حامل الكل، ويختتم بالله ديان الكل [هذه المفاهيم الثلاثة جميعها تشكل عثرة للفكر الإغريقي][24].

إلى ذلك، ما هو الدليل على كون الأريوباغيتيكا أسفرت عن “عرض هزيل”؟ لا يذكر لوقا في أعمال 17: 34 أن قلة فقط آمنوا، لكنه يصرح بأن “أناساً التصقوا به وآمنوا”، ذاكراً بالتحديد اسمين منهم (ديونيسيوس ودامرس) بسبب أهميتها المدنية، على ما يبدو. ثم يعلمنا بوجود “آخرين معهما”. ليس لدينا ببساطة أي سبيل لمعرفة أية نسبة مئوية من الحضور شكل هذا. أخيراً، عندما يأخذ أحدنا بعين الاعتبار أولاً، أن المجلس لم يدع بولس يكمل خطابه لدى تطرقه إلى قيامة يسوع من الأموات، حتى إن ما يذكره لوقا في سفر الأعمال لا يعتبر كل ما أراد بولس قوله لو أتيحت له الفرصة بذلك (ونحن نعلم مما نادى به في أماكن أخرى ما كان سيقوله لو أتيحت له الفرصة لذلك)، وثانياً كون بولس “في ذلك الوقت لم يعند مبتدئاً في مجال تبشير الأمم، من أجل اختبار الأسلوب الذي سيثبت فعاليته”[25]. كان بولس سيبرأ من ارتكابه أي خطأ ارسالي في أعين الجميع، ما عدا أكثر المفسرين عداء له.

بسط أمام الأميين كتابياً القصة التاريخية الكبرى للكتاب المقدس لا يعقد الأمور أكثر بالنسبة إليهم، بل على نقيض ذلك بما أنه يجعل المعنى والقصد من “الرواية الأصغر” للإنجيل أوضح في نظرهم. كما أن بسط أمام الأميين كتابياً القصة التاريخية الكبرى للكتاب المقدس، تظهر أن للإنجيل أيضاً مضموناً حول يسوع التاريخي وأن ما قاله وفعله، من الضروري أخذه على محمل الجد. بسط أمام الأميين كتابياً القصة التاريخية الكبرى للكتاب المقدس، ينجح في تقرير الوجهة التي سيتخذها البحث الدائر بين المبشر والسامع. كما أن بسط أمام الأميين كتابياً القصة التاريخية الكبرى للكتاب المقدس، سيمكن السامع من إدراك بشكل أفضل مصداقية الإنجيل، وصلته الوثيقة به، وجماله، وقدرته على تغيير الحياة[26]. باختصار، بينما لن نتمكن أبداً من إدخال أي تحسين على نقلنا إلى الناس ما يطلب منا الله أن ننقله إليهم، أي كونهم خلائقه، وهم تحت دينونته بسبب خطاياهم ضده، وقد رتب الله نفسه للبشرية سبيلاً للهرب من غضبه، والمؤسس على العمل الذي أكمله ابنه الإلهي، يسوع المسيح ربنا، وكيف أنه من خلال الإيمان به “يتبرر [يتحرر] كل من يؤمن من كل ما لم [يقدر] أن يتبرر [يتحرر] منه” (أعمال 13: 39)، من هنا ضرورة أن نكون على استعداد اليوم لوضع هذه الرسالة، عند الضرورة، ضمن القصة الكبرى للأسفار المقدسة ككل، من دون المساومة على تلك الرسالة.

ليساعدنا الله جميعنا على تبشير هذا الجيل بأكثر حكمة من خلال إدخال ضمن شهادتنا عند الضرورة، القصة الكبرى التي تستطيع وحدها أن تضفي معنى على إنجيل يسوع. وليت هذا يتم أيضاً على صعيد الحقول الإرسالية في العالم بينما تسعى الكنيسة هناك لتتميم المأمورية العظمى لربها.

 

 

[1] D. A. Carson, “Athens Revisited” in Telling the Truth: Evangelizing Postmoderns, edited by D. A. Carson (Grand Rapids: Zondervan), 2000, 384-85.

[2] هذه الأسباب الخمسة تنطبق أيضاً بالقدر نفسه ميوتاتس ميوتاندس (أي بعد إدخال التعديلات الضرورية) على العالم المسيحي الإنجيلي بشكل عام في الغرب.

[3] Lee Strobel The Case of a Creator (Grand Rapids. Zondervan, 2004)

كثيراً ما يساعد هذا الكتاب على اكتساب حجج علمية دعماً لمفهوم “التنظيم الذكي”.

[4] يتمسك المسيحيون بـ “نظرة التطابق إلى الحق” لكن ليس نظرة التطابق الكلاسيكية إلى الحق، والتي ارتبطت باسم “جون لك”، والتي يعتنقها الفلاسفة الطبيعيون. يعتبر هؤلاء الفلاسفة أن الحق هو ما يتطابق مع الواقع. لكن في هذه الحال يثار السؤال: “الواقع كما تفهمه وتقرره أية جهة؟” فيجيب هؤلاء الفلاسفة على هذا بالقول: “إنه الواقع كما يفهمه ويقرره الإنسان وعلومه!” وبذلك يكون الإنسان قد أصبح المعيار للحق والمقياس لكل شيء. أما نحن فنصرح بأن الحق هو ما ينطبق مع الحقيقة كما يُعرّف بها الله، ذلك لأنه كما أن الله هو محبة، فهو يعد أيضاً مصدر كل حق. فحقه يتجذر ويتأسس بكل إحكام في طبيعته التي لا تتغير. ليس الحق من تركيب البشر، ولا هو يتغير، أو نسبي، كما أنه ليس وقفاً على أية ظروف اجتماعية أو ثقافية. لذا، فإن ما يعرفه الله وينقله إلينا في كلمته، يعد المعيار الكامل للحق المطلق.

[5] “كريستيان سميث” و”مليندا لاندكويست دانتن” أجريا البحث الأكثر شمولية على الإطلاق حول المراهقين الأميركيين (سن 13-17) وحول موقفهم من الدين. ففي كتابهما

Soul Searching: The Religious and Spiritual Lives of American Teenagers (Oxford University Press)

يصرحان بأن المراهقين على وجه العموم يعتقدون أن الدين مع أنه “جيد للعديد من الناس، لا يستحق أن تخاض الحروب في سبيله”. فالدين يكتسب في نظرهم أهمية ثانوية، وهم عاجزون عن الإفصاح عن مضون إيمانهم. وبحسب “سميث” و”دانتن”، “الديانة التي أثبتت نفسها كالرئيسة بين أوساط المراهقين الأميركيين المعاصرين هي ما يمكن وصفها بالعبارة الربوبية الأخلاقية والمعالجة”. تدين هذه الديانة بما يلي:

1 – الله موجود وهو خالق العالم ومنظمه والساهر على الحياة البشرية على الأرض.

2 – يريد الله أن يكون الناس صالحين، لطفاء وعادلين مع بعضهم بعضاً، كما يعلم الكتاب المقدس ومعظم ديانات العالم.

3 – الهدف الرئيس من الحياة هو أن يكون الإنسان سعيداً ويشعر بالرضى على نفسه.

4 – ليس الله في حاجة إلى التدخل في حياة الناس إلا متى دعت الحاجة إليه لحل معضلة ما.

5 – يمضي الناس الصالحون إلى السماء بعد موتهم.

[6] Joel Belz, “Vile and Vulgar” World, vol. 21. Num. 24 (June 17, 2006).

[7] Carson, “Athens Revisited,” 386.

[8] Robert L. Reymond, A New Systematic Theology of the Christian Faith (Second Edition: Nashville, TN: Thomas Nelson, 2004), XX, fn. 2.

[9] Carson, “Athens Revisited”, 386.

[10] Cornelius Van Til, Paul at Athens (Pamphlet Published by Lewis J. Grotenhuis; Phillipsburg, N. J. n. d.), 13.

[11] Carson, “Athens Revisited”, 386.

[12] Carson, “Athens Revisited”, 387.

[13] The Excursus on Athens in My Paul, Missionary Theologian (Ross-shire, Scotland: Mentor, 2000), 159-61.

[14] See F. C. Chase, The Credibility of Acts (London: Macmillan, 1902), 205ff.

[15] Carson, “Athens Revisited”, 390-91.

[16] Carson, “Athens Revisited”, 392.

[17] هنا أتبع بشكل رئيس تحليل “كارسن”.

[18] Gordon H. Clark, Thales to Dewey (Reprint: Grand Rapids: Baker, 1980), 14-15.

[19] راجع أيضاً أعمال 14: 16، 17أ: “الذي في الأجيال الماضية ترك جميع الأمم يسلكون في طرقهم مع أنه لم يترك نفسه بلا شاهد”، وأفسس 2: 12، 13: يقول بولس إن الأمم من عصر العهد القديم، كانوا “أجنبيين عن روعية إسرائيل، وغرباء عن عهود الموعد، لا رجاء لكن، وبلا إله في العالم…. [وكانوا] قبلاً بعيدين” عن هذه البركات.

[20] Carson, “Athens Revisited”, 394-96.

[21] Wilbur M. Smith, “Resurrection” in Baker’s Dictionary of Theology (Grand Rapids: Baker, 1960), 453.

سبق لي أن ذكرت هذه المعلومة في سياق الفصل حول قيامة المسيح في الجسد، لكنها تستحق أن نكررها: في سفر الأعمال الذي كتبه لوقا، “دم” المسيح مذكور مرة واحدة، وذلك أمام قسوس أفسس (20: 28). كذلك حقيقة “قتل” يسوع مذكورة مرة واحدة فقط (3: 15). كما أن حقيقة “صلبه” مذكورة مرتين (2: 36: 4: 10). والخشبة” التي علقوه عليها مذكورة ثلاث مرات (5: 30: 10: 39؛ 13: 29) فيما لا يوجد أي ذكر على الإطلاق لـ “صليبه”! بالمقابل، الكلام عن “قيامته” يتكرر عشر مرات. كما أن حقيقة كونه “أقيم” في الجسد من الأموات مذكورة عشر مرات. من هنا يتضح لنا كيف أن التركيز في الكرغما القديمة، كان على حقيقة قيامة يسوع من الأموات في الجسد وعلى مضامينها.

[22] راجع تفسيري لهذا النص في كتابي

Jesus, Divine Messiah: The New and Old Testament Witness (Ross-Shire, Scotland: Mentor, 2003), 372-84.

[23] Merrill C. Tenney, New Testament Survey (Grand Rapids: Eerdmans, 1961), 287. See also William M. Ramsay in His St Paul. The Traveler and the Roman Citizen (New York, G. P. Putnam’s Sons, 1896), 252, and

[24] F. F. Bruce, Apostle of the Heart Set Free (Grand Rapids: Eerdmans, 1996), 239.

[25]  F. F. Bruce, Apostle of the Heart Set Free 246.

[26] هذه الأفكار اقتبستها من Carson, “Athens Revisited”, 398.

بولس الرسول – التحول الجذري في حياة بولس الرسول من مضطهد للمسيح لتابع له

التحول الجذري في حياة بولس الرسول من مضطهد للمسيح لتابع له جيمس بيشوب بتصرف

التحول الجذري في حياة بولس الرسول من مضطهد للمسيح لتابع له

 

يوجد العديد من الاسباب التي تقف وراء تحول بولس الجذري من شاول إلى بولس كارز الكنيسة وفيلسوفها. واهمها ما يتعلق بتاريخية القيامة التي يجب ان نراها من المنظور التاريخي

كان شاول مضطهداً وقاتل للمسيحين الاوائل. وتغير كلياً خلال التقاءه بيسوع القائم من الاموات. ويسرد لنا بولس معاناة الكنيسة الاولي والمسيحين الاوائل قائلاً في كورنثوس الاولي 15 : 9 لأني أصغر الرسل، أنا الذي لست أهلا لأن أدعى رسولا، لأني اضطهدت كنيسة الله.

وايضاً يشير مبكراً إلى ان المسيح ظهر له ايضاً في كرونثوس الاولي 15 : 8 وآخر الكل – كأنه للسقط – ظهر لي أنا. وايضاً ظهر ليعقوب وبطرس وكثيرين. فقبل تحول بولس للمسيح كان مضطهداً للكنيسة في وقت مبكر وهذا يشير إلى قتل المسيحين والاضطهاد في المسيحية المبكره. لكن السؤال الان لماذا بولس كفريسي كان معادياً للمسيحية واعلان اسم يسوع القائم من الاموات؟

في الواقع بولس اجابنا علي هذا فبولس كفريسي دارس للعهد القديم يري ان الصلب هو لعنه.فاليهود وبولس كانوا يتوقعون مجئ المسيح الذي من شأنه ان يزيل الحكم الروماني الظالم لليهود. فعندما يبشر المسيحين الاوائل اليهود والامم ان المسيح الذي ينتظره اليهود وطال انتظاره قد صلب. هذا يعتبر تجديفاً ويأخذ هذا التجديف بمحمل الجد.

ويعبر الباحث Martin Hengel قائلاً:

“The social stigma and disgrace associated with crucifixion in the Roman world can hardly be overstated”

وصمة العار والخزي الاجتماعي ارتبطت بالصلب في العالم الروماني. التي من الصعب المبالغة فيها. (1)

لذلك يقول بولس ويعترف بعد ان تحول إلى المسيح. كورنثوس الاولي 1 : 21 – 22

21 لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة، استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة

22 لأن اليهود يسألون آية، واليونانيين يطلبون حكمة

23 ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا: لليهود عثرة، ولليونانيين جهالة

ويشير بولس ان يسوع افتدانا من لعنة الناموس اذ صار لعنة لاجلنا لانه مكتوب ملعون كل من علق علي خشبة “غلاطية 3 : 13 يشير ويليام لان كريج “ان صلب المسيح جاهدة الكنيسة المبكرة لاجله.فهو لم يتم اختراعه بل ان يسوع صلب بالفعل حقيقة حتي اكثر العلماء المتطرفين يوافقون علي ان المسيح قد صلب ” (2)

فبالتالي الوعظ بالمسيح المصلوب والمقام كان امرأً صعباً بالنسبة لليهود. وقد ساهم ظهور المسيح لبولس إلى كسر هذا الحاجز. ففي رحلة بولس إلى دمشق ظهر له يسوع القائم. فكان هذا تغيير جذري في حياة بولس الرسول من مضطهد للمسيح إلى تابع. حتي ان ايرمان المشكك يقول ان ” ان تحول بولس للمسيحية كان الاكثر اهمية من تحول اي انسان في تاريخ المسيحية” (3)
وهناك العديد من الاسباب الاخري التي تجعل العلماء مقتنعين بتحول بولس للمسيحية وولاءه إلى يسوع القائم من الاموات.

اولاً رسائل بولس التي تعتبر دليلاً تاريخياً. فيقدم فيها بولس شهادات عيان من الذين اختبروا يسوع والمقربين ليسوع. وبولس نفسه يعترف باضطهاده للكنيسة في وقت مبكر في رسائله مثل ما جاء في :-

” كورنثوس الاولي 15 : 9- 10 , غلاطية 1 : 12 -16 , غلاطية 1 : 22 – 23 ,فليبي 3 : 6 -7 ” وهذا ايضاً ما اكده لوقا في سفر اعمال الرسل 8 : 3 حيث يقول وأما شاول فكان يسطو على الكنيسة، وهو يدخل البيوت ويجر رجالا ونساء ويسلمهم إلى السجن.فتقارير لوقا ايضاً عن رجم استفانوس في اعمال الرسل 8 : 1 تاكد ما ذكره بولس عن نفسه انه كان مضطهداً للكنيسة في وقت مبكر وهذا دليل ان ما ذكره بولس كان يتمتع بالقبول الذاتي وايضاً هناك شهادات متعدده عنه ومستقله في اعمال الرسل ورسائل بولس.

ثانياً ان اضطهاد بولس للكنيسة ليس امر للافتخار بل امر مخجل. فهو كان يعادي الكنيسة بشده في وقت مبكر ويقول بولس انه اضطهد كنيسة الله. فيذكر بولس عن نفسه هذا الامر وشعوره بالخزي. وبالتاكيد جلبت هذه الشواهد له احراجاً كبيراً. فالموضوع ليس قصة او ان لوقا اخترع ما جاء من اضطهاد بولس. فذكر بولس لاضطهاده بالتاكيد اساء إلى سمعته في عيون الناس.

ثالثاً بعد ايمان بولس عاني كثيراً من اضطهادات ومعاناه لاجل نشر رساله يسوع. فقبل ان يتحول للمسيح كان هو من يقوم بهذا الدور فاذا بهذا الدور يمارس ضده فعاني بولس من سوء في المعاملة والاضطهاد والمراره و العزله حتي استشهد ايضاً في وقتاً لاحق. وايضا سجن بولس. وايضاً ضرب في كورنثوس الثانية 11 : 24 -27 وحاولوا قتله اعمال الرسل 9 : 29 وتعرض للاضطهاد اعمال الرسل 13 : 50 , كورنثوس الاولي 4 : 12.

وكورنثوس الثانية 4 : 9 وتيموثاوس الثانية 3 : 11 وفيلبي 1 : 12 – 30 “ورجم وجر إلى خارج المدينة ايضاً في اعمال الرسل 14 : 9 وضرب ايضاً بقضبان في اعال الرسل 16 : 22 وتحمل المحاكمة في اعمال الرسل 18 : 12. وتم اهانتة لفظياً في اعمال الرسل 21 : 36 , 22 : 22 وسجن في ثيموثاوس الثانية 2 : 9. فبولس كان علي اتم الاستعداد للمعاناة من اجل ايمانه.اذا فدينا شهادات مستقلة عن معاناة بولس علي الاقل ثلاثة السجلات التي اشاره إلى استعداد بولس لان يتالم علي اسم يسوع القائم من الاموات.
فبولس الحاقد المضظهد للكنيسة كيف يمكن ان يتحول إلى انه هو الذي يتم اضطهاده. ويتحمل المشاقات لاجل اعلان الانجيل. وايضا اشار بولس إلى ظهور إلى كثيرين من ضمنهم يعقوب. وانهم اقتنعوا نتيجة القيامة (4)

فلدينا مصادر عن معاناة بولس وموته في نهاية المطاف علي يد الرومان. ويشير اكليمندوس الروماني ان بولس بعد ان القي في الاسر سبع مرات واجبر علي الرحيل ورجم … عاني الاستشهاد ايضاً ” (5) وكان اكليمندوس يكتب في منتصف التسعينيات في القرن الاول. وبالتالي شهادته توضع مع المصادر النهائية وايضاً يستشهد بوليكاربوس علي استشهاد بولس (6) وكذلك ترتليان الذي يخبرنا انه تم قطع رأس بولس (7) وفي وقت لاحق يشير يوسابيوس مقتبساً من ديونيسيوس بشان استشهاد بولس (8).

وفي الختام لدينا ادله متعدده ومستقله لرغبة بولس إلى المعاناه لما امن به واستشهاده في نهاية المطاف. واعتراف بولس انه كان مضطهداً للكنيسة. بالرغم انه موضع حرجاً لكن يوحي بانه يكتب بناءاً علي التاريخ الحقيقي. فايمان بولس وتحوله الجذري ومعاناته واضطهاده وموته في نهاية المطاف. يتطلب تفسيراً وهو ان بولس آمن بيسوع القائم من الاموات وكان علي اقتناع تما بما كتب عنه.

 

المراجع

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

 

1. Hengel, M. 1977. Crucifixion.

2. Craig, W. 2012. Stephen Law on the Non-existence of Jesus of Nazareth. Available.

3. Ehrman, B. 2006. Peter, Paul, and Mary Magdalene: The Followers of Jesus in History and Legend. p. 101.

4. Price, C. 2015. Making Sense of Resurrection Data. Available.

5. Clement, 1 Clement, 5.

6. Polycarp, Epistle to the Philippians, 9.

7. Tertullian, Scorpiace, 15.

8. Eusebius quotes Dionysius of Corinth in Eusebius, Ecclesiastical History, 2.25.8 writing that “I have quoted these things in order that the truth of the history might be still more confirmed.” Eusebius also quotes Origin regarding both Peter and Paul’s martyrdom in Eusebius, Ecclesiastical History, 3.1.1-2

بولس الرسول – التحول الجذري في حياة بولس الرسول من مضطهد للمسيح لتابع له

ولكني أعطي رأيا – كيف يقول بولس الرسول أنه يعطي رأياً ؟ هل هو وحي أم مجرد آراء؟

ولكني أعطي رأيا – كيف يقول بولس الرسول أنه يعطي رأياً ؟ هل هو وحي أم مجرد آراء؟

ولكني أعطي رأيا – كيف يقول بولس الرسول أنه يعطي رأياً ؟ هل هو وحي أم مجرد آراء؟

عرضت قناة البينة هذه الصورة، وقالت ما ترونه مكتوباً، ولا يخفى على احدكم الكم الهائل من الأكاذيب والتضليل التي يمررونها داخل عقول البسطاء من الإخوة المسلمين الذين لا يراجعون خلفهم ما يقولوه، وهو ما دفعهم أكثر وأكثر إلى المزيد من الأكاذيب، وبين يدينا اليوم مثال مثالي للكذب البواح!

إستشهدت القناة بـ(1كورنثوس 9: 23) [وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكا فيه] وعلقت القناة وقالت أن القديس بولس يقول أنه يكتب رأيه حتى يكون شريكا في الإنجيل! فمن أين أتوا بهذا الكلام وفقا لهذا النص المقتبس؟!

لو ذهبنا إلى هذا النص وقرأنا سياقه، سنجد:

1Co 9:16   لأنه إن كنت أبشر فليس لي فخر إذ الضرورة موضوعة علي فويل لي إن كنت لا أبشر.

1Co 9:17   فإنه إن كنت أفعل هذا طوعا فلي أجر ولكن إن كان كرها فقد استؤمنت على وكالة.

1Co 9:18   فما هو أجري؟ إذ وأنا أبشر أجعل إنجيل المسيح بلا نفقة حتى لم أستعمل سلطاني في الإنجيل.

1Co 9:19   فإني إذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين.

1Co 9:20   فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس

1Co 9:21   وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس – مع أني لست بلا ناموس لله بل تحت ناموس للمسيح – لأربح الذين بلا ناموس.

1Co 9:22   صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوما.

1Co 9:23   وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكا فيه.

فأين قال بولس الرسول هنا أنه يعطي رأيه لكي يكون شريكا في الإنجيل؟! بولس الرسول يقول هنا أنه يبشر ويتعب لكي يكون شريكا في الإنجيل أي “الخبر السار”، فما علاقة هذا بأنه يعطي رأيه؟!! أرجوكم راجعوا سياق النصوص!

ثم عادت القناة للأصحاح السابع لتنقل لنا النص [وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهن ولكنني أعطي رأيا كمن رحمه الرب أن يكون أمينا.] (1 كورنثوس 7: 25)، وللأسف، عندما يختلط الجهل بتعمد التشويه ينتج مثل هذا الذي قالته القناة! فما حقيقة معنى هذا النص؟

من لديه أقل دراية بالكتاب المقدس سيعرف أن مقصد القديس بولس هنا هو أن بين أنه ليس لديه أمرا مباشرا من الرب يسوع أثناء حياته بالجسد، وبالتالي فهو لا يضع قانونا إلزاميا يجب على كل مسيحي أن يتبعه، بل أنه يترك الأمر للمسيحيين أنفسهم أن يبقوا بلا زواج أو يتزوجوا، ولهذا قد أعطى رأيه، أي عدم وجود قانون من المسيح، لكن هذا الرأي نفسه بالروح القدس لأن كل ما يكتبه بولس الرسول هنا هو بالروح القدس، إنما الفارق هنا في أنه يوضح أنه ليس لديه إلزاما من الرب يسوع بل يضع الأمر حسب رغبة المسيحي، أو بحسب تعبير الإخوة المسلمين، فإن هذا ليس “فرضاً”.

يقول سفيريان أسقف جبالة:

من الواضح أن بولس يقول هذا ليس لأن لديه أمر بأن يعلم بخصوص البتولية، وإنما لأن اللَّه لم يخبره بأن هؤلاء الناس يلتزمون بممارسة البتولية. لهذا يكتب مقدمًا رأيه وموصيًا البتولية دون إلزامهم بها[1].

ويقول أوكليمينوس:

هنا يبلغ بولس حكمة علوية، لكنه يتردد في فرض (العفة) مباشرة، لأن هذا قد يظهر لسامعيه أنه غير مقبول. لهذا وضع الأمر كأنه رأي لا وصية ملزمة[2].

العلامة أوريجينوس:

بعض الأحكام تقدم كوصايا اللَّه، بينما أحكام أخرى أكثر مرونة يتركها اللَّه لقرار الأفراد. النوع الأول هو الوصايا التي تمس الخلاص، والأحكام الأخرى للحياة الأفضل التي وإن لم نحفظها إلا أننا نخلص. إنها ليست ملزمة بأية طريقة، إنما ممارستها أمر اختياري[3].

يقول القمص تادرس يعقوب ملطي تعليقا على هذا النص:

بالنسبة للعذارى يشتاق أن يبقين هكذا إن أمكن [25، 26]. أما قوله: “فليس عندي أمر من الرب فيهن ولكنني أُعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا، فأظن أن هذا حسن لسبب الضيق الحاضر أنه حسن للإنسان أن يكون هكذا” [26]، لا يعني أن الرسول متشكك في الأمر، إنما لا يقدم وصية ملزمة وإلا التزمت جميع العذارى ألا يتزوجن حتى لا يكسرن الأمر الإلهي. هنا يقدم طريقًا لراغبي وراغبات الكمال البتولي كنصيحة وليس كأمر واجب.

بكل أمانة يعلن الرسول أنه لم يتسلم أمرًا من الرب في هذا الموضوع لكنه يكتب كرسولٍ يعلن له الروح القدس الحق ويوحي له به.

وجاء في تفسير وليم ماكدونالد:

العدد 25 هو عدد آخر تذرّع به قوم للقول بأنه يعلم أن محتويات هذا الأصحاح ليست بالضرورة من الوحي. ويذهب هؤلاء إلى حد القول بأن بولس لكونه عازبا كان يفاخر بكونه ذكراً وأن تحاملاته الشخصية تعكسها أقواله هنا، ولكن تبني مثل هذا الموقف هو بالطبع بمثابة هجمة شرسة على وحي كلمة الله.

فعندما يقول بولس: [ليس عندي أمر من الرب فيهن]، يعني أن الرب في أثناء خدمته الأرضية لم يترك أي تعليم واضح حول هذا الموضوع. ومن هنا فإن بولس يعطي حكمه الشخصي في المسألة [ولكني أعطي رأياً كمن رحمه الرب أن يكون أمينا] وهذا الرأي موحى به من الله.

[1] Pauline Commentary from the Greek Church.

[2] Pauline Commentary from the Greek Church.

[3] Commentary on 1 Cor. 3:39:2-6.

ولكني أعطي رأيا – كيف يقول بولس الرسول أنه يعطي رأياً ؟ هل هو وحي أم مجرد آراء؟

صرت غبيا وأنا أفتخر – كيف يقول بولس الرسول عن نفسه أنه غبي؟ وكيف يفتخر أنه غبي؟ هل قال عن نفسه حقاً أنه غبي؟

صرت غبيا وأنا أفتخر – كيف يقول بولس الرسول عن نفسه أنه غبي؟ وكيف يفتخر أنه غبي؟ هل قال عن نفسه حقاً أنه غبي؟

صرت غبيا وأنا أفتخر – كيف يقول بولس الرسول عن نفسه أنه غبي؟ وكيف يفتخر أنه غبي؟ هل قال عن نفسه حقاً أنه غبي؟

 

في كثير من الحوارات التي رأيتها بين المسيحيين والمسلمين، تجد المسلم يقول للمسيحي أن بولس رسولكم يقول عن نفسه أنه غبي، بل يتفاخر بهذا الغباء!، وفي أغلب الأحيان، يقول المسلم هذا لإضعاف نفسية الطرف المسيحي، والنص المعتمد عليه في هذا الإتهام هو:

2Co 12:11   قد صرت غبيا وأنا أفتخر. أنتم ألزمتموني! لأنه كان ينبغي أن أمدح منكم، إذ لم أنقص شيئا عن فائقي الرسل، وإن كنت لست شيئا.

فهل بحسب هذا النص، يقول بولس الرسول عن نفسه أنه غبيا، وأنه يفتخر بهذا الغباء؟

لندع القديس بولس يجب على هذا السؤال بنفسه، وليس هذا فحسب، بل من ذات الرسالة التي يستشهد بها المعترض، بل، ومن الأصحاح السابق لهذا الأصحاح الذي إستشهد المعترض بأحد نصوصه! فيجيب علينا القديس بولس بكل صراحة:

2Co 11:16   أقول أيضا: لا يظن أحد أني غبي. وإلا فاقبلوني ولو كغبي، لأفتخر أنا أيضا قليلا.

 

فهو لا ينهى فقط أن يقول أحد أنه غبي، بل ينهى حتى عن مجرد الظن أنه غبي! فكيف يقول قائل أنه يقول عن نفسه أنه غبي، بل أنه يفتخر بهذا الغباء؟ ومن هنا يتوضح لنا كيف أن المعترض لم يقرأ الكتاب المقدس، بل أقتطف نصاً وذهب ليسقط عليه فهمه الخاص!

 

ولكن، ما معنى كلام بولس الرسول؟ وهل كان يفتخر بأنه غبي؟!!

بقراءة سريعة للرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس، يتبين ما يقصده منه كلامه..

 

فقد كان هناك معلمين كذبة يقاومونه في خدمته ويعثرون أهل كورنثوس فيه، فمع هذا الهجوم عليه وعلى الرسل الآخرين الذين خدموا معه في كورنثوس، إضطُرَّ أن يدافع عن نفسه وعن الرُسل لكي لا يتعطل صليب المسيح والإنجيل بسبب كلام المعلمين الكذبة، فمع معارضته لهذا الدفاع

لأنه فيه سيضطر أن يذكر أشياء لا يريد ان يذكرها على سبيل ذكر مميزات الرُسل الحقيقيون، وهو يحسب هذا إفتخار، وهو يقاوم أن يفتخر بشيء إلا بالرب، ولكن،  لأجل هؤلاء المعلمين الكذبة الذين ينسبون لأنفسهم أشياء ليست فيهم ولا لهم لكي يساوا أنفسهم بالرسل الأطهار، ثم يبثون سمومهم في شعب المسيح في كورنثوس

فكان من باب أولى أن يذكر بولس الرسول على إستحياء، مجبراً لأجل الخدمة، ما كان يخفيه في قلبه من قامة الرسل الحقيقيين، فعلى الرغم من أنه بنفسه لا يحب أن يفعل هذا، ولكن لأجل ألا يتعطل صليب المسيح أضطر أن يتكلم بأسلوب المعلمين الكذبة الأغبياء الذين يفتخرون، لأن في إفتخارهم بما هو أرضي غباء وجهل، وليت هذا الإفتخار كان في محله، بل أنهم كانوا يفتخرون بما ليس فيهم، فمن باب أولى أن يذكر القديس بولس ما فعله الرُسل الحقيقيون لكي يفندوا إتهامات وادعاءات هؤلاء الكذبة.

راجع:

2Co 10:2   ولكن أطلب أن لا أتجاسر وأنا حاضر بالثقة التي بها أرى أني سأجترئ على قوم يحسبوننا كأننا نسلك حسب الجسد.

2Co 10:3   لأننا وإن كنا نسلك في الجسد، لسنا حسب الجسد نحارب.

2Co 10:7   أتنظرون إلى ما هو حسب الحضرة؟ إن وثق أحد بنفسه أنه للمسيح، فليحسب هذا أيضا من نفسه: أنه كما هو للمسيح، كذلك نحن أيضا للمسيح!

2Co 10:8   فإني وإن افتخرت شيئا أكثر بسلطاننا الذي أعطانا إياه الرب لبنيانكم لا لهدمكم، لا أخجل.

2Co 10:12   لأننا لا نجترئ أن نعد أنفسنا بين قوم من الذين يمدحون أنفسهم، ولا أن نقابل أنفسنا بهم. بل هم إذ يقيسون أنفسهم على أنفسهم، ويقابلون أنفسهم بأنفسهم، لا يفهمون.

2Co 10:13   ولكن نحن لا نفتخر إلى ما لا يقاس، بل حسب قياس القانون الذي قسمه لنا الله، قياسا للبلوغ إليكم أيضا.

2Co 10:14   لأننا لا نمدد أنفسنا كأننا لسنا نبلغ إليكم. إذ قد وصلنا إليكم أيضا في إنجيل المسيح.

2Co 10:15   غير مفتخرين إلى ما لا يقاس في أتعاب آخرين، بل راجين إذا نما إيمانكم أن نتعظم بينكم حسب قانوننا بزيادة،

2Co 10:16   لنبشر إلى ما وراءكم. لا لنفتخر بالأمور المعدة في قانون غيرنا.

2Co 10:17   وأما من افتخر فليفتخر بالرب.

 

ثم بعد هذا، يعتذر القديس بولس عن أنه سيتنازل ويتكلم في فضائل الرُسل الحقيقيين، وأتعابهم وثمارهم، وكلامه هذا ليس نابعاً من رغبته في الكلام، كما أسلفنا، بل هو مجبر عليه لأجل الذين يقلقون سلام الكنيسة في كورنثوس، وتخدعهم الحيّة بمكرها، وتفسد أذهانهم عن البساطة في المسيح، فهو يقول هذا مضطراً، ورغم ذلك يقول لهم أن يحتملوه وهو يقول هذا الكلام الذي يعده جهل وغباوة لأن الإفتخار يكون بالرب، وليس بالأتعاب في الخدمة

فقال لهم أن ما سيفعله، سيفعله فقط لكي يقطع الطريق ويُفَوِّت الفرصة على الذين يمتحدون أنفسهم كذباً لكي يكونوا عند اهل كورنثوس مثل الرسل الحقيقيين، فلأنه يخاف على الرعية فأراد أنه حتى لو تنازل وتكلم فيما يتكلم فيه هؤلاء الرسل الكذبة، فهو سيكون أفضل منهم أيضاً

وهذا تنازلاً لأنه لا يفعل هذا بإرادته الشخصية بل مجبراً، ثم يخبرهم أن الذي سيقوله لن يقوله كأنه شيء ممدوح في المسيح، بل سيتكلم مجارياً هؤلاء الكذبة فيما يفتخرون به في جهلهم، فهو سيضع نفسه مجبراً مفتخراً حسب الجسد لأجل هؤلاء الذين في كورنثوس، فهل يقولون لكن أنهم عبرانييون؟ قبولس الرسول أيضاً عبراني!، هل هم إسرائيليون؟

فبولس أيضاً كذلك!، هل هم من نسل إبراهيم؟ فبولس أيضاً، كذلك، فأي فضل لهم عليه؟، هل يقولون لكم انهم خدام المسيح؟، فجدلاً، بولس الرسول أفضل، في الأتعاب أكثر. في الضربات أوفر. في السجون أكثر. في الميتات مرارا كثيرة، تم جلده من اليهود في خمس مرات، أربعين جلدة إلا واحدة، تم ضربه ثلاث مرات بالعصى، تم رجمه مرة واحدة، إنكسرت السفينة به ثلاث مرات وهو في عرض البحر وعُرِّضت حياته للخطر  مما في البحر من مخاطر

وقضى نهار وليس في عرض البحر، سافر مرات كثيرة، وتعرض لخطر السيول ولخطر اللصوص، وبأخطار من اليهود والأمم، بأخطار في المدن والبراري، بأخطار من إخوة كذبة، تعبَ وكدَ كثيراً، جاع وعطش وصام مرارا كثيرة، تعرى في البرد، وفوق كل هذا كان يهتم بجميع الكنائس، بل أنه يهتم بهم فرداً فرداً، فمن منهم ضَعُفَ أو أُعثر ولم يهتم به بولس الرسول؟، فإن كان يجب الإفتخار من جانبهم، فسيفتخر بولس الرسول بهذه كلها مجبراً لكي لا يخدعوهم في كورنثوس مجبراً، هذا كله زيادة على أنه هرب من الملك في دمشق.

راجع:

2Co 11:5   لأني أحسب أني لم أنقص شيئا عن فائقي الرسل.

2Co 11:6   وإن كنت عاميا في الكلام فلست في العلم، بل نحن في كل شيء ظاهرون لكم بين الجميع.

2Co 11:7   أم أخطأت خطية إذ أذللت نفسي كي ترتفعوا أنتم، لأني بشرتكم مجانا بإنجيل الله؟

2Co 11:8   سلبت كنائس أخرى آخذا أجرة لأجل خدمتكم، وإذ كنت حاضرا عندكم واحتجت، لم أثقل على أحد.

2Co 11:9   لأن احتياجي سده الإخوة الذين أتوا من مكدونية. وفي كل شيء حفظت نفسي غير ثقيل عليكم، وسأحفظها.

 2Co 11:10   حق المسيح في. إن هذا الافتخار لا يسد عني في أقاليم أخائية.

2Co 11:12   ولكن ما أفعله سأفعله لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجدوا كما نحن أيضا في ما يفتخرون به.

2Co 11:16   أقول أيضا: لا يظن أحد أني غبي. وإلا فاقبلوني ولو كغبي، لأفتخر أنا أيضا قليلا.

2Co 11:17   الذي أتكلم به لست أتكلم به بحسب الرب، بل كأنه في غباوة، في جسارة الافتخار هذه.

2Co 11:18   بما أن كثيرين يفتخرون حسب الجسد أفتخر أنا أيضا.

2Co 11:22   أهم عبرانيون؟ فأنا أيضا. أهم إسرائيليون؟ فأنا أيضا. أهم نسل إبراهيم؟ فأنا أيضا.

2Co 11:23   أهم خدام المسيح؟ أقول كمختل العقل: فأنا أفضل. في الأتعاب أكثر. في الضربات أوفر. في السجون أكثر. في الميتات مرارا كثيرة.

2Co 11:24   من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة.

2Co 11:25   ثلاث مرات ضربت بالعصي. مرة رجمت. ثلاث مرات انكسرت بي السفينة. ليلا ونهارا قضيت في العمق.

2Co 11:26   بأسفار مرارا كثيرة. بأخطار سيول. بأخطار لصوص. بأخطار من جنسي. بأخطار من الأمم. بأخطار في المدينة. بأخطار في البرية. بأخطار في البحر. بأخطار من إخوة كذبة.

2Co 11:27   في تعب وكد. في أسهار مرارا كثيرة. في جوع وعطش. في أصوام مرارا كثيرة. في برد وعري.

2Co 11:28   عدا ما هو دون ذلك: التراكم علي كل يوم. الاهتمام بجميع الكنائس.

2Co 11:29   من يضعف وأنا لا أضعف؟ من يعثر وأنا لا ألتهب؟

2Co 11:30   إن كان يجب الافتخار، فسأفتخر بأمور ضعفي.

2Co 11:31   الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي هو مبارك إلى الأبد، يعلم أني لست أكذب.

2Co 11:32   في دمشق والي الحارث الملك كان يحرس مدينة الدمشقيين يريد أن يمسكني،

2Co 11:33   فتدليت من طاقة في زنبيل من السور، ونجوت من يديه.

 

لكن بولس الرسول، يعود فيُؤكد ويُذكِّر أنه لا يوافقه هذا الإفتخار ولا يرضى عنه، لأنه إفتخار بأمور بشرية، ومن يفتخر فليفتخر بالرب، وبعد أن قام بولس الرسول في مجاراة الإخوة الكذبة فيما يفتخرون به مجبراً، وأثبت، أنه حتى إن قارنهم بما لديه، في ذكر الأمور البشرية، فسيكون هو أفضل منهم بكثير، يقوم الآن بذكر الأمور الروحية التي من الرب في تواضع كبير، فيتكلم عن إعلانات الرب له وأنه إختُطِف إلى السماء الثالثة، إلى الفردوس، وسمع بكلمات لا ينطق بها،

ولا يجوز لأنسان أن يتكلم بها، فهو من جهة هذا فقط، يفتخر ، ولا يفتخر  فيما عدا هذا إلا بضعفاته، فحتى إن إفتخر بالأمور الروحية أو حتى تنازلاً الأرضية، لا يكون غبي، لأنه يقول الحق، ولكن لأجل الكرازة فهو لا يفتخر إلا بالأمور الروحية فقط، ومن كثرة هذه الإعلانات، فلكي لا يرتفع متكبراً، أعطي شوكة في الجسد لكي يشعر بضعه رغم كل هذه الإعلانات، وعندما طلب من الرب أن يزيل هذه الشوكة، قيل له أن قوة الرب في ضعفه تكمن، فالله قادر أن يخلص بالقوي والضعيف

فالله هو العامل فينا، وليس بقدرتنا أو بقوتنا، ثم يقول بولس الرسول أنه يسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح. لأني حينما هو ضعيف في كل هذا فحينئذ هو قوي بالمسيح.

لذا، فبولس الرسول لم يتفاخر بالأرضيات إلا لمجاراة من يتفاخر بها عن جهل، ولكنه حتى هو إن تفاخر بالأرضيات لا يكون غبياً (كما قال هو نفسه، 2كو 12: 6) لأنه يقول الحق، وكما أكد أن لا يظن احد، مجرد الظن، أنه غبي (2كو 11: 16)، ففي الأرضيات هو أفضل، وفي السماويات هو أفضل بالأكثر، فهو لا يقول عن نفسه أنه غبي، بل يقول أن من يفتخر بهذه الأرضيات عن إرادته، وعن عمد هو غبي، إذن، وبماذا كان يفتخر؟

في الحقيقة عبارة “وأنا أفتخر” ليست أصيلة، فهى غير موجودة في أقدم وأهم المخطوطات، مثل البردية 46 والسينائية، والسكندرية والفاتيكانية وبيزا و F و G و K ومخطوطات الترجمات القبطية القديمة والفولجاتا وبعض مخطوطات اللاتينية القديمة وغيرها من المخطوطات القديمة والمهمة، حتى أن غالبية كتب القراءات النصية في المخطوطات لا تذكرها من فرط وضوح أنها ليست من النص.

وبهذا، يكون مقصود بولس الرسول قد أصبح واضحاً، ولم تعد هناك حجة أو شبة حجة أو دليل أو شبة دليل يتمسك به المعترض ليتبجح ويقول أن بولس الرسول يقول عن نفسه أنه غبي!!!

صرت غبيا وأنا أفتخر – كيف يقول بولس الرسول عن نفسه أنه غبي؟ وكيف يفتخر أنه غبي؟ هل قال عن نفسه حقاً أنه غبي؟

Exit mobile version