كتاب تجسد الكلمة كاملا للقديس أثناسيوس الرسولي 57 فصل

كتاب تجسد الكلمة كاملا للقديس أثناسيوس الرسولي 57 فصل

كتاب تجسد الكلمة كاملا للقديس أثناسيوس الرسولي 57 فصل

كتاب تجسد الكلمة كاملا للقديس أثناسيوس الرسولي 57 فصل

ملخص تجسد الكلمة – أثناسيوس الرسولي

الفصل الأول

مقدمة: موضوع هذه المقالة: اتضاع وتجسد الكلمة. التعليم عن الخلق بواسطة الكلمة. إتمام الآب خلاص العالم بواسطة ذاك الذي به خلقه أولاً (الكلمة).

1 ـ اكتفينا بما أوضحناه في بحثنا السابق، مع أنه قليل من كثير، ببيان ضلال الأمم في عبادة الأوثان وخرافاتها، وكيف كانت هذه الأوثان من البدء من اختراعات البشر. وكيف كانت شرور البشر هي الدافع لابتكارهم عبادة الأوثان. والآن بعد أن أشرنا قليلاً لبعض الأمور عن ألوهية كلمة الآب[1] وتدبيره لكل الأشياء وسلطانه وكيف أن الآب الصالح يضبط كل الأشياء بالكلمة[2] وأن كل شيء به وفيه يحيا ويتحرك[3]، تعال ـ أيها الطوباوي ـ يا محبًا للمسيح بالحقيقة لنتتبع الإيمان الحقيقي ونتحدث عن كل ما يتعلق بتأنس الكلمة ونبيّن كل ما يختص بظهوره الإلهي بيننا[4]، ذلك الذي يسخر منه اليهود ويهزأ به اليونانيون[5]، أما نحن فنسجد له رغم ضعفه الظاهري وذلك حتى تتقوى وتزداد تقواك به (أى بالكلمة).

2 ـ فكلما ازداد الاستهزاء[6] من غير المؤمنين، بالكلمة، يعطى هو شهادة أعظم عن ألوهيته. وكل ما يظن البشر أنه مستحيل، فإن الله يثبت أنه ممكن[7]، وكل ما يسخر منه البشر، كأمر غير لائق[8]، هذا يجعله بصلاحه لائقًا. وكل ما يهزأون به ـ وهم يدّعون الحكمة ـ على أنه أعمال بشريّة فهذا كله يُظهره بقوته أنه أعمال إلهية[9]. وهكذا، فمن ناحية يحطّم عن طريق الصليب ـ الذي يُظن أنه ضعف ـ كل ضلالات عبادة الأوثان[10]، ومن ناحية أخرى يُقنع بطريقة خفيّة أولئك الهازئين وغير المؤمنين، حتى يدركوا ألوهيته وسلطانه.

3ـ ولإيضاح هذه الأمور فإنه يلزم أن تستحضر للذاكرة كل ما سبق أن قيل (في المقالة ضد الوثنيين) حتى تستطيع أن تدرك سبب ظهور كلمة الآب[11]، كلّي العظمة والرفعة، في الجسد، ولكي لا تظن أن مخلّصنا كان محتاجًا بطبيعته[12] أن يلبس جسدًا. بل لكونه بلا جسد بطبيعته، ولكونه هو الكلمة، فإنه بسبب صلاح أبيه ومحبته للبشر، ظهر لنا في جسد بشري لأجل خلاصنا[13].

4ـ والآن إذ نشرح هذا الأمر، فإنه يليق بنا أن نبدأ أولاً بالحديث عن خلقة الكون كله وعن الله خالقه[14]، وهكذا يستطيع المرء أن يُدرك أن تجديد الخليقة تم بواسطة الكلمة الذي هو خالق الخليقة في البدء. وهكذا يتضح أنه ليس هناك تناقض في أن يتمم الآب خلاص العالم بالكلمة الذي به خُلِقَ العالم[15].

 

الفصل الثاني

دحض بعض الآراء الخاطئة عن الخلق: (1) (مذهب الابيكوريين) وهو القائل بأن الخلق تم مصادفة. لكن تعدد الأجسام والأجزاء يستلزم وجود قوة خالقة. (2) (مذهب الأفلاطونيين) وهو القائل بوجود المادة من قبل. وهذا يُخضع الله للحدود البشرية ويجعله لا خالقًا بل صانعًا ميكانيكيًا. (3) (مذهب الغنوسيين)[16] وهو القائل بوجود خالق آخر، وهذا يشجبه الكتاب المقدس.

 

1ـ لقد فهم الكثيرون موضوع خلق الكون وجميع الموجودات بطرق مختلفة، وعبّر كل منهم عن رأيه كما يحلو له. فقال بعضهم إن الأشياء كلها قد وُجدت من تلقاء ذاتها وبمجرد الصدفة، كالأبيكوريين[17]، الذين في اعتمادهم على الأساطير يجزمون بأنه لا يوجد تدبير إلهي لكل الأشياء، وهم بهذا يناقضون ما هو واضح كل الوضوح.

2ـ فلو أن كل الأشياء قد وُجدت من نفسها وبدون تدبير، حسب اعتقادهم، لكان معنى ذلك أن هذه الأشياء قد وُجدت في بساطة وتشابه وبدون اختلافات فيما بينها، وبالتالي كان يجب أن كل الأشياء تمثل جسمًا واحدًا شمسًا أو قمرًا. وفي حالة البشر كان يجب أن يكون الجسم كله عينًا أو يدًا أو رجلاً. ولكن الواقع غير ذلك فنرى الشمس شيئًا والقمر شيئًا آخر والأرض شيئًا مختلفًا. وفي الأجساد البشرية نرى الرِجل شيئًا واليد شيئًا آخر والرأس شيئًا مختلفًا. فهذا الترتيب إذن يؤكد لنا أن هذه الأشياء لم توجد من نفسها بل يدل على أن هناك علّة سابقة عليها. ومن هذا الترتيب نستطيع أن ندرك الله الذي خلق كل الأشياء ودبّرها[18].

3ـ آخرون أيضًا من بينهم مثلاً العظيم عند اليونانيين أفلاطون[19]، علّموا بأن الله خلق الكون من مادة موجودة سابقًا وغير مخلوقة[20]، وكأن الله لم يكن يقدر أن يصنع شيئًا ما لم تكن المادة موجودة بالفعل، كالنجار ـ مثلاً ـ الذي يجب أن يتوافر له الخشب لكي يستطيع أن يعمل.. لكنهم لا يدركون أنهم بقولهم هذا ينسبون الضعف لله. لأنه إن لم يكن هو سبب وجود المادة، بل يصنع الموجودات من مادة موجودة سابقًا، فهذا معناه أنه ضعيف، طالما أنه لا يقدر أن يصنع شيئًا من المصنوعات بدون (توفّر) المادة. تمامًا مثل النجار فإنه يعتبر ضعيفًا لأنه لا يستطيع أن يصنع شيئًا من احتياجاته بدون توفر الأخشاب لديه.

4ـ وطبقًا لهذا الافتراض فإن الله لم يكن يستطيع أن يصنع شيئًا (قط) لو لم تكن المادة موجودة سابقًا. وكيف يمكن أن يسمى بارئًا وخالقًا، لو أنه كان يستمد قدرته على الخلق من مصدر آخر، وأعني بذلك من المادة؟[21]

فلو كان الأمر هكذا، لكان الله حسب فكرهم مجرد عامل فني يصّنع المادة الموجودة لديه دون أن يكون هو سبب وجودها ولا يكون خالقًا للأشياء من العدم. ولا يمكن أن يسمى الله خالقًا بالمرة، ما لم يكن قد خلق المادة نفسها التي منها خُلقت المخلوقات.

5ـ وهناك هراطقة[22] أيضًا يتوهمون لأنفسهم خالقًا آخر لكل الأشياء غير أبى ربنا يسوع المسيح وهم بهذا يبرهنون على منتهى العمى. لأن الرب كان يقول لليهود ” أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما رجل وأنثى وقال من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا“.. وبعد ذلك يقول مشيرًا إلى الخالق ” فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان[23] فكيف يدّعي هؤلاء بأن الخليقة غريبة عن الآب؟ أو عندما يقول يوحنا في اختصار شديد إن ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان[24] فكيف يمكن أن يكون خالق آخر سوى الله أبى المسيح؟

 

الفصل الثالث

العقيدة السليمة. خلقة الكائنات من العدم لسبب فرط جود الله وكرمه. خلقة الإنسان أعلى من سائر الكائنات ولكن دون أن تكون له المقدرة على الاستمرار حيًا بدون الله. العطية السامية الممتازة التي منحت له أن يكون على صورة الله ومثاله مع وعده بالسعادة بشرط احتفاظه بالنعمة.

1ـ هذه إذن هي أساطيرهم[25]. أما التعليم الإلهي والإيمان بالمسيح فإنهما يُظهران هذه الأساطير أنها كفر. فالكائنات لم توجد من تلقاء نفسها لأن هناك تدبيرًا سابقًا على وجودها. كما أنها لم تُخلق من مادة موجودة سابقًا، لأن الله ليس ضعيفًا. لكن الله خلق كل شيء بالكلمة من العدم وبدون مادة موجودة سابقًا، كما يقول على لسان موسى “ في البدء خلق الله السموات والأرض[26]، وأيضًا في كتاب “الراعي” الكثير النفع[27] ” قبل كل شيء آمن بالله الواحد الذي خلق ورتب كل الكائنات وأحضرها من العدم إلى الوجود “[28].

2ـ وهذا ما يشير إليه بولس قائلاً: ” بالإيمان ندرك أن العالمين أنشئت بكلمة الله حتى لم يتكون ما يُرى مما هو ظاهر[29].

3ـ الله صالح بل هو بالأحرى مصدر الصلاح. والصالح لا يمكن أن يبخل بأى شئ[30] وهو لا يحسد أحدًا حتى على الوجود[31]. ولذلك خلق كل الأشياء من العدم بكلمته يسوع المسيح ربنا، وبنوع خاص تحنن على جنس البشر[32]. ولأنه رأى عدم قدرة الإنسان أن يبقى دائمًا على الحالة التي خُلق فيها، أعطاه نعمة إضافية، فلم يكتف بخلق البشر مثل باقي الكائنات غير العاقلة على الأرض، بل خلقهم على صورته[33] وأعطاهم شركة في قوة كلمته[34] حتى يستطيعوا بطريقة ما، ولهم بعض من ظل (الكلمة) وقد صاروا عقلاء[35]، أن يبقوا في سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية، حياة القديسين في الفردوس[36].

4ـ ولكن لعلمه أيضًا أن إرادة البشر يمكن أن تميل إلى أحد الاتجاهين (الخير أوالشر)[37] سبق فأمّن النعمة المعطاة لهم بوصية ومكان، فأدخلهم في فردوسه[38] وأعطاهم وصية حتى إذا حفظوا النعمة واستمروا صالحين عاشوا في الفردوس بغير حزن ولا ألم ولا هم[39]، بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء. أما إذا تعدوا الوصية وارتدوا (عن الخير) وصاروا أشرارًا فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم، ولن يحيوا بعد في الفردوس، بل يموتون خارجًا عنه ويبقون إلى الأبد في الفساد والموت[40].

5ـ وهذا ما سبق أن حذّرنا منه الكتاب المقدس بفم الله قائلاً:” من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت[41]. “وموتًا تموت” لا تعني بالقطع مجرد الموت فقط، بل البقاء في فساد الموت إلى الأبد.

 

الفصل الرابع

مقدمة الفصلين الرابع والخامس. إن خلقتنا والتجسد الإلهي متصلان أحدهما بالآخر اتصالاً وثيقًا. وكما أنه بكلمة الله خُلِق الإنسان من العدم إلى الوجود ثم نال نعمة الحياة الإلهية، كذلك بخطية واحدة خسر الإنسان تلك الحياة، وجلب على نفسه الفساد، وامتلأ العالم بالخطية والشقاء.

1ـ وربما تتساءل، لماذا بينما نقصد أن نتحدث عن تجسد الكلمة، فإننا نتحدث الآن عن بداية خلق البشرية؟[42] لكن اِعلم أن هذا الحديث أيضًا يتصل بهدف هذا المقال.

2ـ لأنه من الضروري عندما نتحدث عن ظهور المخلّص بيننا، أن نتحدث عن بداية خلق البشر، ولكي تعلم أن نزوله إلينا كان بسببنا، وأن تعدِّينا استدعى تعطف الكلمة، لكي يأتي الرب مسرعًا لمعونتنا، ويظهر بين البشر.

3ـ فلأجل قضيتنا تجسد لكي يخلّصنا، وبسبب محبته للبشر قَبِلَ أن يتأنس ويظهر في جسد بشري[43].

4ـ وهكذا خلق الله الإنسان وكان قصده أن يبقى في غير فساد[44]. أما البشر[45] فإذ احتقروا التفكير في الله ورفضوه، وفكروا في الشر وابتدعوه لأنفسهم كما أشرنا أولاً[46]، فقد حكم عليهم بحكم الموت الذي سبق إنذارهم به، ومن ذلك الحين لم يبقوا بعد كما خُلقوا[47]، بل إن أفكارهم[48] قادتهم إلى الفساد ومَلَك[49] عليهم الموت. لأن تعدي الوصية أعادهم إلى حالتهم الطبيعية، حتى أنهم كما وُجِدوا من العدم هكذا أيضًا بالضرورة يلحقهم الفناء بمرور الزمن[50].

5ـ فإن كانوا وهم في الحالة الطبيعية ـ حالة عدم الوجود، قد دعوا إلى الوجود بقوة الكلمة وتحننه، كان طبيعياً أن يرجعوا إلى ما هو غير موجود (أي العدم)، عندما فقدوا كل معرفة بالله[51]. لأن كل ما هو شر فهو عدم، وكل ما هو خير فهو موجود[52]. ولأنهم حصلوا على وجودهم من الله الكائن، لذلك كان لابد أن يُحرموا إلى الأبد، من الوجود. وهذا يعني انحلالهم وبقائهم في الموت والفساد (الفناء).

6ـ فالإنسان فانٍ بطبيعته لأنه خُلق من العدم إلا أنه بسبب خلقته على صورة الله الكائن[53] كان ممكنًا أن يقاوم قوة الفناء الطبيعي ويبقى في عدم فناء لو أنه أبقى الله في معرفته كما تقول الحكمة “حفظ الشرائع تحقق عدم البلى[54]، وبوجوده في حالة عدم الفساد (الخلود) كان ممكنًا أن يعيش منذ ذلك الحين كالله[55] كما يشير الكتاب المقدس إلى ذلك حينما يقول ” أنا قلت إنكم آلهة. وبنوا العليّ كلكم، لكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون[56].

 

الفصل الخامس[57]

1ـ فالله لم يكتفِ بأن يخلقنا من العدم، ولكنه وهبنا أيضًا بنعمة الكلمة إمكانية أن نعيش حسب الله، ولكن البشر حولوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحولوا إلى أعمال الفساد الطبيعي وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت. لأنهم كانوا ـ كما ذكرت سابقًا ـ بالطبيعة فاسدين لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعي لو أنهم بقوا صالحين.

2ـ وبسبب أن الكلمة سكن فيهم، فإن فسادهم الطبيعى لم يمسهم كما يقول سفر الحكمة ” الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله على صورة أزليته لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم[58] وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون، هذا من جهة ومن جهة أخرى فمن ذلك الوقت فصاعدًا بدأ الفساد يسود عليهم بل صار له سيادة على كل البشر أقوى من سيادته الطبيعية، وذلك لأنه حدث نتيجة عصيان الوصية التي حذرهم أن لا يخالفوها.

3ـ فالبشر لم يقفوا عند حد معين في خطاياهم بل تمادوا في الشر حتى أنهم شيئًا فشيئًا تجاوزوا كل الحدود، وصاروا يخترعون الشر حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد، ثم توغلوا في الظلم والمخالفة ولم يتوقفوا عند شر واحد بل كان كل شر يقودهم إلى شر جديد حتى أصبحوا نهمين في فعل الشر[59] (لا يشبعون من فعل الشر).

4ـ ففي كل مكان انتشر الزنى والسرقة وامتلأت الأرض كلها بالقتل والنهب. ولم يرعوا حرمة أي قانون بل كانوا يسلكون في الفساد والظلم بل صاروا يمارسون الشرور بكل أنواعها[60] أفرادًا وجماعات. فنشبت الحروب بين المدن، وقامت أمم ضد أمم وتمزقت المسكونة كلها بالثورات والحروب، وصار كل واحد يتنافس مع الآخر في الأعمال الشريرة[61].

5 ـ كما انهم لم يكونوا بعيدين عن الخطايا التي هي ضد الطبيعة كما قال الرسول والشاهد للمسيح ” لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الأنثى الطبيعي اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورًا بذكور ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق”[62].

 

الفصل السادس

كان الجنس البشرى سائرًا إلى الفناء وكانت صورة الله فيه سائرة إلى الاضمحلال والتلاشي. لهذا كان أمام الله أحد أمرين: إما أن يتنازل عن كلمته التي تعدى عليها الإنسان فجلب على نفسه الخراب؛ أو أن يهلك الإنسان الذي كان له شركة في الكلمة. وفي هذه الحالة يفشل قصد الله. فماذا إذن؟ أيحتمل هذا صلاح الله؟ وإن كان الأمر كذلك فلماذا خلق الإنسان؟ لو أن هذا حصل لدل على ضعف الله لا على صلاحه.

1ـ لأجل هذا إذن ساد الموت أكثر وعم الفساد على البشر، وبالتالي كان الجنس البشرى[63] سائرًا نحو الهلاك، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان الإنسان العاقل والمخلوق على صورة الله آخذًا في التلاشي، وكانت خليقة الله آخذةً في الانحلال.

2ـ لأن الموت أيضًا، وكما قلت سابقًا[64]، صارت له سيادة شرعية علينا (بسبب التعدي)، منذ ذلك الوقت فصاعدًا، وكان من المستحيل التهرب من حكم الناموس، لأن الله هو الذي وضعه بسبب التعدي، فلو حدث هذا لأصبحت النتيجة مرعبة حقًا وغير لائقة في نفس الوقت.

3ـ لأنه (أولاً)، من غير اللائق طبعًا أن الله بعدما تكلم بشيء مرة يتضح أنه فيما بعد كاذب، أي أن الله بعد أن أمر أن الإنسان يموت موتًا، أن يتعدى الوصية ولا يموت، بل تبطل كلمة الله. وسيكون الله غير صادق إن كان الإنسان لا يموت بعد أن قال الله إنه سيموت.

4 ـ ثانيًا، كان سيصبح من غير اللائق أن تهلك الخليقة وترجع إلى العدم بالفساد، تلك الخليقة التي خُلقت عاقلة، وكان لها شركة في الكلمة[65].

5 ـ وأيضًا لأنه سيكون من غير الجدير بصلاح الله أن تفنى خليقته بسبب غواية الشيطان للبشر.

6 ـ ومن ناحية أخرى كان سيصبح من غير اللائق على الإطلاق أن تتلاشى صنعة الله[66] بيد البشر إما بسبب إهمالهم أو بسبب غواية الشياطين.

7 ـ فطالما طال الفساد الخليقة العاقلة، وكانت صنعة الله في طريقها إلى الفناء، فما الذي كان يجب على الله الصالح أن يفعله؟ أيترك الفساد يسيطر على البشر، والموت ليسود عليهم؟ وما المنفعة إذن من خلقتهم منذ البدء؟ لأنه كان أفضل بالحري ألاّ يُخلقوا بالمرة من أن يُخلقوا وبعد ذلك يُهملوا ويفنوا.

8 ـ فلو أن الله أهمل ولم يبال بهلاك صنعته، لأظهر إهماله هذا ضعفه وليس صلاحه. ولو أن الله خلق الإنسان ثم أهمله لكان هذا ضعفًا أكثر مما لو أنه لم يخلقه أصلاً.

9 ـ لأنه لو لم يكن قد خلق الإنسان لما تجرأ أحد أن ينسب إليه الضعف. أما وقد خلقه وأتى به من العدم إلى الوجود فقد كان سيصبح من غير اللائق بالمرة أن تفنى المخلوقات أمام عيني الخالق.

10 ـ كان يجب إذن أن لا يُترك البشر لينقادوا للفساد لأن هذا يُعتبر عملاً غير لائق ويتعارض مع صلاح الله.

 

الفصل السابع

على إننا من الجهة الأخرى نعلم أن طبيعة الله ثابتة ولا يمكن أن تتغير. أيدعى البشر إذن للتوبة؟ لكن التوبة لا تستطيع أن تحول دون تنفيذ الحكم كما أنها لا تستطيع أن تشفى الطبيعة البشرية الساقطة. فنحن قد جلبنا الفساد على أنفسنا ونحتاج لإعادتنا إلى نعمة مماثلة صورة الله. ولا يستطيع أحد أن يجدد الخليقة إلاّ الخالق، فهو وحده الذي يستطيع (1) أن يخلق الجميع من جديد (2) أن يتألم من أجل الجميع (3) أن يقدم الجميع إلى الآب.

1ـ لكن إن كان هذا هو ما يجب أن يحدث، فمن الناحية الأخرى نجد أنه لا يتفق مع صدق الله الذي يقتضى أن يكون الله أمينًا من جهة حكم الموت الذي وضعه، لأنه كان من غير اللائق أن يظهر الله أبو الحق[67] كاذبًا من أجلنا[68].

2ـ إذن، ماذا كان يجب أن يُفعل حيال هذا[69]؟ أو ما الذي كان يجب على الله أن يعمله؟ أيطلب من البشر التوبة عن تعدياتهم؟ ويمكن أن يرى

المرء أن هذا يليق بالله[70] ويقول: كما أن البشر صاروا إلى الفساد بسبب التعدي، فإنهم بسبب التوبة يمكن أن يعودوا إلى عدم الفساد وللخلود.

3ـ لكن التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله لأنه لن يكون الله صادقًا إن لم يظل الإنسان في قبضة الموت (لأنه تعدى فحُكم عليه بالموت كقول الله الصادق). ولا تقدر التوبة أن تغّير طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعهم عن أعمال الخطية.

4ـ فلو كان تَعِدى الإنسان مجرد عمل خاطئ ولم يتبعه فساد، لكانت التوبة كافية. أما الآن بعد أن حدث التعدي، فقد تورط البشر في ذلك الفساد الذي كان هو طبيعتهم ونزعت منهم نعمة مماثلة صورة الله، فما هي الخطوة التي يحتاجها الأمر بعد ذلك؟ أو مَن ذا الذي يستطيع أن يُعيد للإنسان تلك النعمة ويرده إلى حالته الأولى إلا كلمة الله الذي خلق في البدء كل شيء من العدم؟[71]

5ـ لأنه كان هو وحده القادر أن يأتي بالفاسد إلى عدم الفساد وأيضًا أن يصون صدق الآب من جهة الجميع. وحيث إنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، كان هو وحده[72] القادر أن يعيد خلق كل شيء وأن يتألم عوض الجميع وأن يكون شفيعًا عن الكل لدى الآب[73].

 

الفصل الثامن

إذ رأى كلمة الله كل هذه الشرور لهذا نزل إلى الأرض، آخذًا جسدًا من طبيعتنا من عذراء طاهرة عفيفة إذ حل في أحشائها، وذلك لكي يعلن نفسه فيه، ويقهر الموت، ويعيد الحياة.

1ـ لأجل ذلك إذن نزل إلى عالمنا كلمة الله الذي بلا جسد، عديم الفناء وغير المادي[74] مع أنه لم يكن ببعيد عنا من قبل. لأنه لم يترك جزءًا من الخليقة خاليًا منه إذ هو يملأ الكل، وفي نفس الوقت هو كائن مع أبيه. لكنه أتى إلينا في تنازله، ليُظهر محبته لنا ويفتقدنا[75].

2ـ وإذ رأى[76] الجنس (البشري) العاقل يهلك وأن الموت يملك عليهم بالفناء وإذ رأى أيضًا أن عقوبة التعدي (الموت) قد خلّدت الفناء فينا وأنه من غير اللائق أن يبطل الناموس قبل أن ينفذ، وإذ رأى أيضًا عدم اللياقة فيما هو حادث بالفعل، وهو أن الخليقة التي خلقها هو بنفسه قد صارت في طريقها إلى الفناء، وإذ رأى في نفس الوقت شر البشر المفرط، وأنهم يتزايدون فيه شيئًا فشيئًا إلى درجة لا تطاق وضد أنفسهم[77]، وإذ رأى أن كل البشر تحت سلطان الموت، فإنه رحم جنسنا وأشفق على ضعفنا وتراءف على فسادنا. وإذ لم يحتمل أن يرى الموت وقد صارت له السيادة علينا، لئلا تفنى الخليقة ويتلاشى عمل الله[78]، فقد أخذ لنفسه جسدًا[79] لا يختلف عن جسدنا.

3ـ لأنه لم يقصد أن يتجسد أو أن يظهر فقط[80]، وإلاّ لو أنه أراد مجرد الظهور لأمكنه أن يتمم ظهوره الإلهي بطريقة أخرى اسمى وأفضل[81].

لكنه أخذ جسدًا من جنسنا، وليس ذلك فحسب، بل أخذه من عذراء طاهرة نقية لم تعرف رجلاً، جسدًا طاهرًا وبدون زرع بشر[82]. لأنه وهو الكائن الكلّى القدرة وبارئ كل شيء، أعد الجسد في العذراء[83] ليكون هيكلاً له وجعله جسده الخاص متخذًا إياه أداة[84] ليسكن فيه ويُظهر ذاته به.

4ـ وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا[85]، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استنفذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر[86] (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد[87] الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تُبيد النار القش[88].

 

الفصل التاسع

وإذا لم يكن ممكنًا أن يوقف الفساد إلاّ بالموت، أخذ الكلمة جسدًا قابلاً للموت. وإذ اتحد الكلمة بالجسد أصبح نائبًا عن الكل، وباشتراك الجسد في عدم موت الكلمة أُوقف فساد الجنس البشرى. ولكونه فوق الجميع فقد جعل جسده ذبيحة لأجل الجميع ولكونه واحدًا معنا ألبسنا عدم الموت. تشبيه لإيضاح هذا.

1ـ فلقد أدرك الكلمة جيدًا أنه لم يكن ممكنًا أن يُقضى على فساد البشرية بأى طريقة أخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير الممكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يصبح جديرًا ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع[89]، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به[90]. ومن ذلك الحين فصاعدًا يُمنع الفساد من أن يسرى في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات[91]. لذلك قَدّم[92] للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدسة وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر[93].

2ـ ولأن كلمة الله هو فوق الجميع فقد كان لائقًا أن يقدم هيكله الخاص وأداته البشرية فدية (¢nt…yucon) عن حياة الجميع موفيًا دين الجميع بموته[94]. وهكذا باتخاذه جسدًا مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات. ولم يعد الفساد الفعلى بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده.

3ـ وكما أنه عندما يدخل أحد الملوك العظام إلى مدينة عظيمة، ويسكن في أحد بيوتها فإن المدينة كلها تكرّمه أعظم تكريم[95] ولا يجرؤ أي عدو أو عصابة أن تدخل إليها أو تحطمها، بل على العكس تكون جديرة بكل عناية واهتمام بسبب سكنى الملك في أحد من بيوتها، هكذا كان الحال مع ملك الكل[96].

4ـ والآن، لأنه قد جاء إلى عالمنا وسكن في جسد مماثل لأجسادنا، فقد بطلت منذ ذلك الحين كل مؤامرة العدو ضد البشر وأُبطل فساد الموت الذي كان سائدًا عليهم من قبل[97]. لأن الجنس البشري كان سيهلك بالتمام لو لم يكن رب الكل ومخلّص الجميع ابن الله قد جاء ليضع حدًا للموت.

 

الفصل العاشر

تشبيه آخر يوضح معقولية عمل الفداء. كيف أن المسيح أزال عنا هلاكنا، وقَدَمَ لنا في تعاليمه الدواء الشافي من الهلاك. البراهين الكتابية على تجسد الكلمة والذبيحة التي قدمها.

1ـ وفى الحقيقة، فإن هذا العمل العظيم هو لائق بدرجة فائقة بصلاح الله[98]. لأنه إذا أسس مَلِك منزلاً أو مدينة ثم بسبب إهمال سكانها حاربها اللصوص، فإنه لا يهملها قط، بل ينتقم من اللصوص ويخلّصها لأنها صنعة يديه وهو غير ناظر إلى إهمال سكانها، بل إلى مايليق به هو ذاته[99]. هكذا وبالأكثر جدًا فإن كلمة الآب كلي الصلاح، لم يتخل عن الجنس البشري الذي خُلق بواسطته، ولم يتركه ينحدر إلى الفناء. بل أبطل الموت الذي حدث نتيجة التعدي، بتقديم جسده الخاص. ثم قوّم إهمالهم بتعاليمه، وبقوته الخاصة أصلح كل أحوال البشر[100].

2ـ وهذه كلها يمكن للمرء أن يتحققها مما قاله الكُتّاب[101] الموحى إليهم عن المخلّص إذا قرأ أحد ما كُتب بواسطتهم حيث يقولون[102] لأن محبة المسيح تحصرنا إذ نحن نحسب هذا إنه إن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذًا ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي لا نعيش فيما بعد لأنفسنا، بل للذي مات لأجلنا وقام[103] ربنا يسوع المسيح. وأيضًا ” لكن الذي وُضع قليلاً عن الملائكة[104] نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد”[105].

3ـ وبعد ذلك يوضح السبب الذي من أجله كان ضروريًا أن الله الكلمة نفسه وليس آخر سواه هو الذي يتجسد فيقول ” لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكّلُ وبه الكل وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد أن يُكمّلَ رئيس خلاصهم بالآلام[106] وهو بهذا يقصد أن يوضح أنه لم يكن أحد آخر يستطيع أن يسترد البشر من الفساد الذي حدث (نتيجة السقوط) غير كلمة الله الذي خلقهم في البداية.

4ـ وأيضًا أشار الرسول إلى أن الكلمة بذاته اتخذ لنفسه جسدًا ليقدمه ذبيحة عن الأجساد المماثلة قائلاً ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضًا فيهما لكي يبيد بالموت ذلك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية”[107]

5ـ لأنه بذبيحة جسده الذاتي وضع نهاية لناموس الموت الذي كان قائمًا ضدنا. وصنع لنا بداية جديدة للحياة برجاء القيامة الذي أعطاه لنا. لأنه إن كان بإنسان واحد قد ساد الموت على البشر، ولهذا أيضًا فبسبب تأنس كلمة الله فقد حدثت إبادة للموت وتمت قيامة الحياة كما يقول لابس المسيح[108] بولس: “فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيُحيا الجميع[109] وبالتالي فنحن الآن لا نموت بعد كمدانين، بل كأناس يقومون من الموت ننتظر القيامة العامة[110] للجميع والتي سيبينها في أوقاتها التي يحددها[111] الله الذي أتمها والذى وهبنا إياها.

6ـ فهذا إذن، هو السبب الأول لتجسد المخلّص، ومما يلي سنعرف أسبابًا أخرى لضرورة ولياقة ظهوره المبارك بيننا.

 

الفصل الحادى عشر

سبب آخر للتجسد: أن الله إذ عرف أن الإنسان بطبيعته لم يكن في مقدوره معرفته، وهبه معرفته لكي يستطيع أن يجد فائدة من وجوده في الحياة. لقد خلقه على صورة الكلمة حتى يستطيع بذلك أن يعرف الكلمة وبه يعرف الآب. أما هو فإذ احتقر هذه المعرفة هوى إلى العبادة الوثنية تاركًا الله غير المنظور واتبع السحر والشعوذة، وذلك كله رغمًا عن إعلانات الله المتعددة عن نفسه.

1ـ عندما خلق الله ضابط الكل[112] الجنس البشري، بواسطة كلمته الذاتى، لأنه يعرف جيدًا ضعف طبيعة البشر[113] وعجزها عن أن تعرف الخالق من نفسها، ولا تستطيع أن تكوّن أية فكرة عن الله على الإطلاق، وذلك بسبب أنه “غير المخلوق”[114]، أما الكائنات فهى مخلوقة من العدم[115]. وبينما هو روح لا جسد له فإن البشر قد خلقوا في جسد أرضي من أسفل. وبصفة عامة فهناك عجز كبير في قدرة المخلوقات على أن تدرك وتعرف خالقها[116] ولهذا فإن الله بسبب صلاحه، تحنن على الجنس البشرى ولم يتركهم بعيدًا عن معرفته لئلا يكون وجودهم في الحياة بلا أية منفعة.

2ـ لأنه أية منفعة للمخلوقات لو أنها لم تعرف خالقها؟ أو كيف يمكن أن تكون (مخلوقات) عاقلة لو لم تعرف كلمة (LÒgon) الآب، الذي به خلقوا؟ لأنهم لن يتميزوا بالمرة عن المخلوقات غير العاقلة (الحيوانات) لو أنهم انحصروا فقط في معرفة الأمور الأرضية. ولماذا خلقهم الله طالما أنه لم يكن يريد لهم أن يعرفوه؟[117]

3ـ ولكى لا يحدث هذا، ولأنه صالح في ذاته، فقد جعل لهم نصيبًا في صورته الذاتى (الذى هو) ربنا يسوع المسيح، وخلقهم على صورته ومثاله حتى أنه ـ بسبب تلك النعمة ـ فإنهم عندما يرون تلك الصورة أي كلمة الآب، يمكنهم عن طريقه أن يصلوا إلى معرفة الآب، وإذ يعرفون خالقهم[118] فإنهم يحيون حياة حقيقية سعيدة مغبوطة.

4 ـ غير أن البشر ـ رغم كل هذا ـ بسبب تمردهم، لم يكترثوا بتلك النعمة المعطاة لهم، وهكذا رفضوا الله كلية وأصبحت نفوسهم مظلمة[119]حتى أنهم لم ينسوا فكرتهم عن الله فقط، بل وأيضًا اخترعوا لأنفسهم اختراعات كثيرة واحدًا تلو آخر. لأنهم لم يكتفوا بأن يصنعوا لأنفسهم أوثانًا بدلاً عن عبادة الحق، فاكرموا الكائنات المخلوقة من العدم[120] دون الله الحي ” وعبدوا المخلوق دون الخالق[121]. بل والأسوأ من الكل أنهم حوّلوا الكرامة التي تحق لله إلى الأخشاب والأحجار[122]، وإلى كل الأشياء المادية، وإلى البشر، بل ذهبوا إلى أبعد من هذا كله كما ذكرنا سابقًا[123].

5 ـ بل بلغ بهم الجحود إلى أنهم عبدوا الشياطين مُنادين بها كآلهة مُشبعين بذلك شهواتهم. ذلك لأنهم قدموا محرقات من الحيوانات غير العاقلة وذبائح من البشر كما ذكرنا سابقًا[124]، متممين بذلك فرائض تلك العبادات، منحدرين بأكثر سرعة وراء نزعاتهم الجنونية.

6 ـ ولهذا أيضًا تعلموا أعمال السحر وأضلّت العرافة البشر[125] في أماكن عديدة، وصار جميع الناس ينسبون سبب ميلادهم ووجودهم إلى النجوم والأجرام السماوية[126]، إذ لم يفكروا في أي شيء آخر إلاّ فيما كانوا ينظرونه بعيونهم[127].

7 ـ وعلى وجه العموم، صار كل شيء مشبّعًا (بروح) الكفر والعصيان[128] وأصبح الله وحده وكلمته غير معروفين للبشر، رغم أن الله لم يُخفِ نفسه عن البشر، وهو لم يُعلن نفسه بطريقة واحدة فقط، بل أعطاهم معرفته بأشكال متعددة وطرق كثيرة[129].

 

الفصل الثاني عشر

ومع أن الإنسان خُلِقَ على صورة الله، إلاّ أن الله إذ سبق فعلم ميله إلى النسيان أعد أعمال الخليقة لتذكّره بشخصه. والأكثر من ذلك أنه أعد الناموس والأنبياء الذين قصد أن تكون خدمتهم لكل العالم. ولكن البشر لم يلتفتوا إلاّ لشهواتهم.

1 ـ إن نعمة مماثلة الصورة الإلهية كانت كافية في حد ذاتها لكي تجعلنا نعرف الله الكلمة، ونعرف الآب بواسطته. غير أن الله إذ كان يعرف ضعف البشر، وضع في اعتباره أيضًا إهمالهم لمعرفة الله حتى اذا لم يهتموا أن يعرفوا الله من تلقاء أنفسهم[130] استطاعوا بواسطة المخلوقات أن يتجنبوا الجهل بخالقها[131].

2 ـ ولأن إهمال البشر انحدر قليلاً قليلاً نحو السفليات فقد أعدّ الله مرة أخرى علاجًا لضعفهم هذا، فأرسل لهم ناموسًا وأنبياءً معروفين لديهم، حتى أنهم إذا لم يرفعوا عيونهم إلى السماء ليعرفوا الخالق استطاعوا أن يتعلموا (عن الله) ممن يعيشون بينهم، وذلك لأن البشر يستطيعون أن يتعلموا من البشر أمثالهم عن الأمور العليا بطريقة مباشرة[132].

3 ـ وهكذا كان متاحًا لهم إذا رفعوا عيونهم إلى عظمة السماء وأدركوا تناسق الخليقة أن يعرفوا مدبرها كلمة الآب، الذي بتدبيره لكل الأشياء يعرِّف الآب للجميع، وهو الذي يحرِّك كل الأشياء لهذه الغاية عينها حتى يستطيع الجميع أن يعرفوا الله بواسطته[133].

4 ـ أو لو صعب عليهم هذا لكان في مقدورهم على الأقل أن يلتقوا بالرجال القديسين[134]، وبواسطتهم أن يعرفوا الله خالق الكل، أبا المسيح، وأن عبادة الأوثان هي كفر بالله ومملوءة بكل جحود وفساد[135].

5 ـ أو كان متيسرًا لهم بمعرفتهم للناموس أن يكّفوا عن كل تعدٍ[136]. وأن يعيشوا حياة الفضيلة لأن الناموس لم يكن فقط لليهود، ولا أُرسِل الأنبياء إلى اليهود فقط. ولكن، وإن كانوا قد أُرسِلوا لليهود ومن اليهود اضطهدوا إلاّ أنهم كانوا معلّمين مقدسين للمسكونة كلها، يعلّمون عن معرفة الله وعن سلوك النفس[137].

6 ـ وبالرغم من عِظمْ صلاح الله ومحبته للبشر[138] فإن البشر إذ انغلبوا من شهواتهم الزائلة ومن الضلالات والغوايات التي أرسلتها الشياطين[139] فإنهم لم يقبلوا الحق بل ثقّلوا أنفسهم بالشرور والخطايا إلى الحد الذي يجعلهم لا يظهرون بعد كخلائق عاقلة، بل من طريقة تصرفاتهم يُحسبون مجردين من العقل.

 

الفصل الثالث عشر

وهنا أيضًا: أكان ممكنًا لله أن يسكت، وأن يترك للآلهة الكاذبة أن تكون هي المعبودة بدلاً من الله؟ إن الملك إذا عصته الرعية يذهب إليهم بنفسه بعد أن يرسل إليهم الرسائل. فكم بالأحرى يعيد إلينا الله نعمة مماثلة صورته. هذا مالم يستطع البشر أن يتمموه لأنهم ليسوا هم صورة الله. لهذا كان لزامًا أن يأتي الكلمة نفسه ليجدّد الخلقة وليبيد الموت في الجسد.

 

1ـ وإذ صار البشر هكذا كالحيوانات غير العاقلة، وسادت غواية الشيطان في كل مكان حتى حُجِبت معرفة الإله الحقيقي[140]، فما الذي كان على الله أن يفعله؟ أيصمت أمام هذا الضلال العظيم ويدع البشر يضلون بتأثير الشيطان ولا يعرفون الله؟[141]

2ـ وما هي الفائدة من خلق الإنسان أصلاً على صورة الله؟ كان من الأفضل له لو أنه خُلق مثل مخلوق غير عاقل من أن يُخلق عاقلاً ثم يعيش كالحيوانات غير العاقلة[142].

3ـ أو هل كانت هناك ضرورة على الإطلاق أن يُعطَى فكرة عن الله منذ البداية؟ لأنه إن كان حتى الآن هو غير جدير بأن ينالها، فكان الأولى ألاّ تُعطى له من البداية[143].

4ـ وما الفائدة التي تعود على الله الذي خلقهم وكيف يتمجد إن كان البشر الذين خلقهم لا يعبدونه بل يظنون أن آلهة أخرى هي التي خلقتهم؟[144] لأنه بهذا يظهر أن الله قد خلقهم (أي خلق البشر) لا لنفسه بل للآخرين.

5ـ ومرة أخرى نقول: أي ملك[145]، وهو مجرد إنسان بشري، إذا امتلك لنفسه بلادًا يترك مواطنيه لآخرين يستعبدونهم[146]؟ وهو لا يدعهم يلتجئون لغيره، لكنه ينذرهم برسائله ثم يُرسل إليهم أصدقاءه[147] مرارًا، وإن اقتضى الأمر يذهب اليهم بشخصه[148]، لكي يوبخهم بحضوره[149]، كآخر وسيلة يلجأ إليها. وكل ذلك لكي لا يصيروا خدامًا لغيره فيذهب عمله هباءً[150].

6ـ أفلا يشفق الله بالأولى على خليقته[151] كي لا تضل عنه وتعبد الأشياء التي لا وجود لها[152]، وبالأكثر عندما يظهر أن هذه الضلالة هي سبب هلاكهم وخرابهم؟[153] وليس لائقًا أن يهلك هؤلاء الذين قد كانوا مرة شركاء في صورة الله.

7ـ إذن فما هو الذي كان ممكنًا أن يفعله الله؟[154] وماذا كان يمكن أن يتم سوى تجديد الخليقة التي وُجدت على صورة الله، مرة أخرى، ولكي يستطيع البشر أن يعرفوه مرة أخرى؟ ولكن كيف كان ممكنًا لهذا الأمر أن يحدث إلاّ بحضور نفس صورة الله ـ مخلّصنا يسوع المسيح؟ كان ذلك الأمر مستحيلاً أن يتم بواسطة البشر[155] لأنهم هم أيضًا خُلِقوا على مثال تلك الصورة[156].(وليس هم الصورة نفسها)، ولا أيضًا بواسطة الملائكة لأنهم ليسوا صورًا[157] (لله) ولهذا أتى كلمة الله بذاته[158] لكي يستطيع ـ وهو صورة الآب ـ أن يجدّد خلقة الإنسان، على مثال الصورة.

8 ـ وإضافة إلى ذلك فهذا[159] لم يكن ممكنًا أن يتم أيضًا دون أن يُباد الموت والفساد.

9ـ ولهذا فقد كان من اللائق أن يأخذ جسدًا[160] قابلاً للموت حتى يمكن أن يُبيد فيه الموت ويجدّد خلقة البشر الذي خلقوا على صورته. إذن فلم يكن كفءًا لسد هذه الحاجة سوى صورة الآب[161].

 

الفصل الرابع عشر

إن فسد الرسم وجبت إعادته من الصورة الأصلية. وهكذا أتى ابن الآب لكي يطلب ويخلص ويجدد الحياة. ولم تكن هنالك طريقة أخرى ممكنة. لأن الإنسان إذ طمس بصيرته بنفسه لم يستطع أن يبصر لكي يشفى. ولم تعد شهادة الخليقة لخالقها ذات نفع له. أما الكلمة فهو وحده الذي استطاع أن يتمم هذا. ولكن كيف؟ ليس إلاّ بأن يأتي إلينا كإنسان.

1ـ وكما أنه لو كانت هناك صورة لشخص مرسومة على قماش مثبّت على لوحة خشبية وتلطخت هذه الصورة من الخارج بالأقذار، مما أدى إلى اختفاء ملامحها، ففي هذه الحالة لابد من حضور صاحب الصورة نفسه ثانية لكي يمكن إعادة تجديد الصورة على نفس قماش اللوحة، فلا يلقى بالقماش[162]، لأن صورته رسمت عليه، بل يُجدِّد الرسم عليه مرة أخرى.

2ـ وعلى هذا النحو، فقد أتى إلى عالمنا كليّ القداسة ابن الآب، إذ هو صورة الآب، لكي يجدّد الإنسان الذي خُلِق مرة على صورته، ويخلّص ما قد هلك بمغفرة الخطايا، كما يقول هو في الأناجيل “جئت لكي أطلب وأخلّص ما قد هلك[163]. ولأجل هذا أيضًا قال لليهود ” إن كان أحد لا يولد ثانية[164] وهو لا يقصد بهذا ـ كما ظنوا ـ الولادة من امرأة، بل قصد التحدث عن إعادة ميلاد النفس وتجديد خلقتها بحسب الصورة [165].

3ـ ولكن إن كانت العبادات الوثنية والمعتقدات الإلحادية قد سيطرت على المسكونة، وإن كانت معرفة الله قد أُخفيت، فمن ذا الذي كان قادرًا أن يقوم بتعليم المسكونة عن الآب؟ وإن قال أحد إن هذه هي مهمة إنسان أجبناه أنه لم يكن في استطاعة إنسان أن يطوف المسكونة كلها وليس من طبيعته أن تكون لديه القدرة على الركض لمثل هذه المسافات الشاسعة[166]، ولا هو يستطيع أن يدّعي القدرة على القيام بهذا العمل. كما أن البشر لا يستطيعون من تلقاء أنفسهم أن يقاوموا غواية الأرواح الشريرة وحيلها.

4ـ لأنه طالما أن الجميع ضلوا واضطربت نفوسهم بسبب غواية الأرواح الشريرة وأباطيل الأوثان فكيف كان ممكنًا لهم أن يغيّروا نفوس البشر (الآخرين) وعقولهم[167] وهم أنفسهم عاجزون عن رؤية النفس والعقل؟[168] وكيف يمكن لأى كائن أن يغيّر النفس وهو لا يراها أو يعرفها؟

5ـ وقد يقول أحد إن الخليقة كانت كافية[169]. لكن لو كانت الخليقة كافية لما حدثت كل هذه الشرور الفظيعة، لأن الخليقة كانت موجودة بالفعل ومع ذلك كان البشر يسقطون في نفس الضلال عن الله.

6ـ فإلى من إذن كانت الحاجة الاّ إلى كلمة الله الذي يبصر (ويعرف) النفس والعقل، وهو المحرك لكل ما في الخليقة، والتي من خلالها يجعل الآب معروفًا؟ لأن ذلك الذي ـ بأعمال عنايته وتدبيره لكل الأشياء ـ يعلّم عن الآب هو الذي يستطيع أيضًا أن يجدّد ذلك التعليم عينه.

7ـ وكيف كان ممكنًا أن يحدث هذا؟ ربما قال امرء بأن هذا كان ممكنًا أن يحدث بنفس الطريقة السابقة، حتى أنه مرة أخرى ـ عن طريق أعمال الخليقة ـ يمكن أن يعلن معرفة الآب. لكن هذه الوسيلة لم تعد مضمونة، وبالتأكيد هي غير مضمونة، لأن البشر قد أهملوها سابقًا، بل أنهم لم يعودوا يرفعون أعينهم إلى فوق بل صاروا يشخصون إلى أسفل.

8 ـ ولهذا كان من الصواب، إذ أراد منفعة البشر[170]، أن يأتي الينا كإنسان آخذًا لنفسه جسدًا شبيهًا بجسدهم من أسفل[171]. حتى يستطيع الذين لا يريدون أن يعترفوا به، من خلال أعمال عنايته وسلطانه على كل الأشياء، أن يبصروا الأعمال التي عملها بجسده ـ هنا على الأرض ـ ويعرفوا كلمة الله الحال في الجسد ومن خلال الكلمة المتجسد يعرفون الآب.

 

الفصل الخامس عشر

وإذ رأى الكلمة أن البشر حصروا أفكارهم في الأمور الجسدية تنازل إلى مستوى تفكيرهم وأخذ جسدًا. والتقى بإحساساتهم في منتصف الطريق. وسواء اتجهت ميولهم إلى عبادة الطبيعة، أو البشر، أو الأرواح الشريرة، أو الموتى، فقد أظهر نفسه ربًا على كل هؤلاء.

 

1ـ وكما أن المعلّم الصالح، الذي يعتني بتلاميذه[172]، إذ يرى أن بعضًا منهم لا يستفيد من العلوم التي تسموا فوق إدراكهم، فإنه يتنازل إلى مستواهم ويعلّمهم أمورًا أبسط[173]، هكذا فعل كلمة الله كما يقول بولس ” إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة استحسن الله أن يُخلّص المؤمنين بجهالة الكرازة[174].

2ـ ولأن البشر قد تركوا التأمل في الله وانحطت نظراتهم إلى أسفل كأنهم قد غاصوا في الأعماق[175] باحثين عن الله في عالم الحسيّات، صانعين لأنفسهم آلهة من البشر المائتين[176] ومن الشياطين[177]، لهذا فإن محب البشر ومخلّص الجميع كلمة الله أخذ لنفسه جسدًا ومشى كإنسان بين البشر، وجذب أحاسيس كل البشر نحو نفسه[178]، لكي يستطيع أولئك الذين يظنون أن الله له جسد مادى، أن يدركوا الحق عن طريق الأفعال التي يعملها الرب بواسطة جسده، وعن طريقه يعرفون الآب[179].

3ـ ولأنهم بشر، ويفهمون كل شيء بطريقة بشرية، فعندما يستخدمون إحساساتهم الجسدية لتفسير هذه الأفعال ويحاولون فهمها بدقة فإنهم يرون أنفسهم قد قوبلوا في منتصف الطريق، وهكذا يتعلمون الحق من كل ناحية.

4ـ فإن نظروا إلى الخليقة وعبدوها عن خوف فإنهم يرون مع ذلك أنها تعترف بالمسيح ربًا[180]. وإن اتجهوا بأفكارهم إلى البشر، ظانين أنهم آلهة وجدوا ـ رغم ذلك ـ أن أعمال المخلّص إن قورنت بأعمال البشر[181] فإنها تظهره هو وحده أنه ابن الله دون سائر البشر، لأنه لم يقم بينهم قط من استطاع أن يعمل الأعمال التي عملها كلمة الله.

5 ـ أو إن انحرفوا وراء الأرواح الشريرة، فعندما يرون الكلمة يطردها يجب أن يدركوا أن كلمة الله وحده هو الله وأن تلك الأرواح ليست آلهة[182].

6ـ أو إن كانت عقولهم قد هبطت إلى الأموات، فعبدوا الأبطال والآلهة التي تحدث عنها شعراؤهم، فإنهم بعد أن رأوا قيامة المخلّص فيجب عليهم أن يعترفوا أن تلك الآلهة كاذبة، وأن الرب وحده هو الإله الحق، كلمة الآب، وهو الذي يسود على الموت أيضًا[183].

7ـ ولأجل هذا السبب وُلِد وظهر كإنسان، ومات، وقام. وهو قد أظهر بأعماله التي غطّت على أعمال كل من سبقوه من البشر، أن أعمالهم ضعيفة. وحتى إذا انحرفوا إلى أية ناحية فإنه يستردهم من هناك ويعلّمهم عن أبيه الحقيقي، كما يقول عن نفسه: “ أنا قد جئت لكي أطلب وأخلّص ما قد هلك[184].

 

الفصل السادس عشر

إذًا فقد جاء لكي يجذب أنظار البشر الحسيّة إليه كإنسان وبذلك يقودهم لكي يعرفوه كإله.

1ـ فطالما أن فكر البشر قد انحط كلية إلى الأمور الحسيّة، فالكلمة أيضًا تنازل وأخفى نفسه بظهوره في جسد، لكي يجذب البشر إلى نفسه كإنسان، ويوجه إحساساتهم نحوه، ومن ثم إذ يتطلع إليه البشر كإنسان فإنهم بالأعمال التي يعملها[185] يقتنعون إنه ليس مجرد إنسان بل هو إله أيضًا، وكلمة الإله الحقيقي وحكمته.

2ـ وهذا أيضًا هو ما قصده بولس الرسول عندما يقول: “وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين[186] ما هو الطول والعرض والعمق والعلو وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله[187].

3ـ فلقد امتلأت كل الأشياء من معرفة الله بإعلان الكلمة نفسه في كل مكان[188]: فوق وتحت، في العمق وفي العرض، أما “فوق” ففي الخليقة، و”تحت” بصيرورته إنسانًا، وفي “العمق” بنزوله إلى الجحيم، وفي “العرض” أي في كل المسكونة. لقد امتلأ الكل من معرفة الله[189].

4ـ ولهذا السبب أيضًا فإنه لم يتمم ذبيحته عن الكل بمجرد مجيئه مباشرة، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانية. لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهر، ولكنه صيّر نفسه ظاهرًا جدًا بتلك الأعمال التي عملها وهو في الجسد والمعجزات التي أظهرها، وبذلك صار معروفًا أنه ليس بعد مجرد إنسان فقط بل أنه هو الله الكلمة.

5ـ لأن المخلّص تمّم بتأنسه عمليتى المحبة[190]: (أولاً): أنه أباد الموت من داخلنا وجدّدنا ثانية. (ثانيًا): أنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن نفسه وعرّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومدّبر وملك الكون.

 

الفصل السابع عشر

كيف أن التجسد لم يحدّ من وجود الكلمة في كل مكان ولم ينقص من نقاوته. (تشبيه الشمس).

1ـ لأنه لم يكن محصورًا[191] في الجسد ـ كما قد يتوهم البعض ـ أو أنه بسبب وجوده في الجسد كان كل مكان آخر خاليًا منه، أو أنه بينما كان يحرّك الجسد كان العالم محرومًا من أفعال قدراته وعنايته. غير أن الأمر العجيب والمدهش جدًا هو أنه مع كونه هو الكلمة الذي لا يحويه شيء فإنه هو نفسه يحوي كل الأشياء[192]. وبينما هو موجود في كل الخليقة فإنه بحسب جوهره هو متميز عن كل الخليقة. فهو حاضر في كل الأشياء بقدرته فقط (وليس بجوهره)، ضابطًا كل الأشياء ومظهرًا سيادته على كل شئ، وعنايته بكل شئ، وواهبًا الحياة لكل شئ. ومع أنه يحوي كل الأشياء ولا يحتويه شئ، إلاّ أنه كائن كلية في أبيه وحده[193].

2ـ وهكذا حتى مع وجوده في جسد بشري معطيًا الحياة له فقد كان من الطبيعي أن يمنح الحياة للكون كله في نفس الوقت. ومع كونه حاضرًا في كل جزء (من الخليقة بقدرته) فهو خارج كل شيء (بجوهره). وبينما صار معروفًا بأعماله التي عملها في الجسد فإنه كان في نفس الوقت ظاهرًا أيضًا بواسطة أعماله في الكون كله.

3ـ إن عمل النفس أن تدرك الأشياء الخارجة عن جسدها بأفكارها[194] ولكنها لا تستطيع أن تعمل خارج نطاق جسدها أو أن تحرك الأشياء البعيدة عن الجسد. ولن يستطيع أي إنسان أن يحرك الأشياء البعيدة أو ينقلها بمجرد التفكير فيها. وأيضًا فأى إنسان لا يستطيع وهو جالس في بيته، بمجرد التفكير في الأجرام السماوية، أن يحرك الشمس أو يجعل السماء تدور، لكنه يرى أنها تتحرك وأنها قد وجدت[195]، دون أن يكون له أي قدرة للتأثير عليها.

4ـ أما كلمة الله فلم يكن كذلك في جسده (البشري)[196]، إذ لم يكن مقيدًا بسبب الجسد، بل بالحري كان يستخدم جسده، ولذلك فهو لم يوجد في الجسد فقط بل كان موجودًا بالفعل في كل شئ. وبينما كان خارج الكائنات فقد كان في أبيه وحده مستقرًا[197].

5 ـ وهذا هو الأمر العجيب، أنه بينما كان يتصرف كإنسان كان ككلمة الله يُحيي كل الأشياء وكابن كان كائنًا مع أبيه. ولذلك عندما ولَدَته العذراء لم يعتريه أي تغير (من جهة طبيعته الإلهية)[198]، ولا تدّنس بحلوله في الجسد، بل بالعكس فهو قد قدّس الجسد أيضًا.

6ـ ورغم وجوده في كل الأشياء إلا أنه لم يستمد منها شيئًا، بل العكس فإن كل الأشياء تستمد منه الحياة وتعتمد عليه في بقائها[199].

7ـ لأنه أن كانت الشمس ـ التي خلقها هو والتي نراها وهي تدور في السماء ـ لا تتدنس عندما تلمس أشعتها الأجسام الأرضية، ولا تفقد نورها بسبب ظلمة هذه الأجسام، لكنها بالعكس تنيرها وتطهرها أيضًا؛ فبالأولى جدًا كلمة الله كليّ القداسة، خالق الشمس وربها[200]، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل بالعكس، فلكونه عديم الفساد، فقد أحيا الجسد المائت وطهّره[201]، فهو الذي كُتب عنه ” الذي لم يفعل خطية ولا وُجدَ في فمه مكر[202].

 

الفصل الثامن عشر

أعمال المسيح بالجسد تظهر قوة كلمة الله وقدرته: بإخراجه الشياطين، وبالمعجزات، وبميلاده من العذراء.

1ـ عندما يتحدث الكتّاب الموحى إليهم عنه أنه يأكل ويشرب وأنه وُلِد، فإنهم يقصدون أن الجسد كجسد وُلِد واقتات بالطعام المناسب لطبيعته. أما الله الكلمة نفسه الذي كان متحدًا بالجسد، فإنه يضبط كل الأشياء. وكل أعماله التي عملها وهو في الجسد تظهر أنه لم يكن إنسانًا بل كان الله الكلمة[203]. وأما هذه الأمور فإنها تُذكَرعنه لأن الجسد الذي أكل ووُلِد وتألم لم يكن جسد أحد آخر، بل كان جسد الرب نفسه[204]. ولأنه صار إنسانًا كان من المناسب أن تقال عنه هذه الأمور كإنسان حتى يتبين أنه أخذ جسدًا حقيقيًا لا خياليًا[205].

2ـ وكما أنه بواسطة هذه الأمور عُرِفَ حضوره جسديًا كذلك بواسطة الأعمال التي عملها في الجسد أعلن نفسه أنه ابن الله. لهذا نراه ينادى اليهود غير المؤمنين قائلاً: ” إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي، ولكن إن كنت أعمل فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ وأنا فيه[206].

3ـ وكما أنه ـ بينما هو غير منظور ـ يمكن أن يُعرَف من أعماله في الخليقة، هكذا أيضًا عندما تأنس. فبينما هو غير منظور (بلاهوته) إلاّ أنه يمكن أن يُعرَف من أعماله التي عملها في الجسد أن مَن يستطيع أن يعمل هذه الأعمال لا يمكن أن يكون إنسانًا بل هو قوة الله وكلمته[207].

4ـ فأمرُه للأرواح الشريرة (بالخروج) وخروجها في الحال لا يمكن أن يكون عمل إنسان بل عمل الله[208]. ومن ذا الذي يراه وهو يشفي الأمراض التي يخضع لها الجنس البشري ويستمر في ظنه عنه أنه إنسان وليس إلهًا؟ فقد طهّر البرّص، وجعل العرج يمشون، والصم يسمعون، والعمي يبصرون، وبالإجمال طردَ من البشر كل مرضٍ وكل ضعف[209]. من هذه الأعمال كلها كان ممكنًا لأي إنسان بسيط أن يعرف ألوهيته. وأيضًا من ذا الذي يراه يرد للإنسان ما كان ينقصه منذ ولادته مثلما فتح عيني الأعمى منذ ولادته[210]، ولا يدرك أن طبيعة البشر خاضعة له، وأنه هو خالقها وصانعها؟ لأن من يرد للإنسان ما كان ينقصه منذ ولادته لابد أن يكون هو رب وسيد تكوين البشر[211].

5ـ ولهذا فإنه وهو نازل إلينا كوّن لنفسه جسدًا من عذراء لكي يقدم للجميع دليلاً قويًا على ألوهيته حيث إن الذي صوّر هذا الجسد هو صانع جميع الأشياء. لأن من ذا الذي يرى جسدًا يأتي من عذراء وحدها بدون رجل ولا يدرك أن من ظهر في هذا الجسد لابد أن يكون هو صانع ورب باقي الأجساد أيضًا؟[212]

6ـ أو من ذا الذي يرى تغيير طبيعة المياه وتحولها[213] إلى خمر ولا يدرك أن من فعل هذا هو سيد طبيعة هذه المياه وخالقها؟ ولأجل هذا دخل إلى البحر كسيّد له ومشى عليه كما على أرض يابسة لكي يقدم لكل من يراه برهانًا على سلطانه على كل الأشياء. وعندما أشبع جمعًا غفيرًا من طعام قليل، وقدّم لهم الكثير من لا شئ، فأطعم خمسة آلاف نفس من خمسة أرغفة وشبعوا وفضل عنهم الكثير، ألم يظهر ذاته أنه لم يكن آخر سوى الرب نفسه المعتني بالجميع؟

 

الفصل التاسع عشر

وإذ لم يقتنع الإنسان بطبيعته، فإنه كان يجب أن يتعلّم معرفة الله من أعمال المسيح في الجسد حيث اعترفت كل الطبيعة بلاهوته، خصوصًا عند موته.

1 ـ لقد رأى المخلّص أنه حسن أن يفعل كل هذا، حتى بعدما عجز البشر أن يدركوه في عنايته بالكون ولم يفهموا أنه الإله من خلال أعماله في الخليقة فإنهم على الأقل يستطيعون ـ بمشاهدتهم أعماله في الجسد ـ أن يستردوا بصيرتهم ويعرفوا الآب عن طريقه. ومن عنايته بأبسط الأمور يتبينوا بالقياس عنايته بكل الأشياء كما سبق القول[214].

2 ـ فمن ذا الذي يرى سلطانه على الأرواح النجسة، أو من ذا الذي يرى الأرواح النجسة تعترف بأنه هو سيدها[215]، ويساوره الشك بعد ذلك في أنه هو ابن الله وحكمته وقوته[216]؟

3 ـ لأنه جعل حتى الخليقة نفسها تخرج عن صمتها، فالأمر العجيب أنه في موته، أو بالحري في انتصاره على الموت وهو على الصليب، اعترفت كل الخليقة بأن من ظهر وتألم في الجسد لم يكن مجرد إنسان بل ابن الله ومخلّص الجميع. فالشمس توارت، والأرض تزلزلت، والجبال تشققت[217]، وارتعب كل البشر. جميع هذه الأمور أوضحت أن المسيح الذي على الصليب هو الله، وأن الخليقة كلها خاضعة كعبد له، وأنها شهدت برعبها لحضور سيدها[218]. وهكذا أظهر الله الكلمة نفسه للبشر بأعماله.

4 ـ على أنه لابد بعد ذلك أن نروي ونتحدث عن الهدف الذي من أجله جاء وعاش فيما بيننا بالجسد، وعن كيفية موت جسده، حيث إن هذا الأمر هو أساس إيماننا، وهو يشغل أذهان جميع الناس[219] حتى تعرف ويتضح لك يقينًا، بواسطة ما نقدمه، أن المسيح هو الله وابن الله.

 

الفصل العشرون

إذن فلن يستطيع أحد أن يهب عدم الفساد إلاّ الخالق، ولن يستطيع أحد أن يعيد مماثلة صورة الله إلاّ صورة الآب، ولن يستطيع أحد أن يحيي إلاّ رب الحياة، ولن يستطيع أحد أن يعرّف الآب للبشر إلاّ الكلمة. وهو ـ لكي يفي الدين الذي علينا وهو الموت ـ لابد أن يموت عنا أيضًا ويقوم ثانية كباكورة لنا من بين الأموات. إذن كان يجب أن يكون جسده قابلاً للموت، وأن يصير غير فاسد باتحاده بالكلمة.

1ـ لقد تحدثنا إذن، وباختصار على قدر المستطاع وبقدر ما أمكننا فهمه، عن سبب ظهوره في الجسد[220]، وأنه لم يكن ممكنًا أن يحول الفاسد إلى عدم الفساد إلا المخلّص نفسه، الذي خلق منذ البدء كل شيء من العدم. ولم يكن ممكنًا أن يعيد خلق البشر ليكونوا على صورة الله إلاّ الذي هو صورة الآب[221]. ولم يكن ممكنًا أن يجعل الإنسان المائت غير مائت إلاّ ربنا يسوع المسيح الذي هو الحياة ذاتها[222].

ولم يكن ممكنًا أن يُعلّم البشرعن الآب[223] ويقضى على عبادة الأوثان إلا الكلمة الذي يضبط كل الأشياء، وهو وحده الابن الوحيد الحقيقي.

2 ـ ولما كان من الواجب وفاء الدين المستحق على الجميع، إذ ـ كما بيّنا سابقًا[224] ـ كان الجميع مستحقين الموت، فلأجل هذا الغرض جاء المسيح بيننا. وبعدما قدّم براهينًا كثيرة على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد[225] فإنه قدّم ذبيحته عن الجميع، فأسلم هيكله للموت عوضًا عن الجميع[226]، أولاً: لكي يبرّرهم ويحررهم من المعصية الأولى[227]، وثانيًا: لكي يثبت أنه أقوى من الموت، مظهرًا جسده الخاص أنه عديم الفساد، وأنه باكورة لقيامة الجميع[228].

3 ـ ولا تتساءل إن كنا نكرر ما نقوله عند الحديث عن نفس الموضوعات[229]، فطالما نحن نتحدث عن مشورة الله الصالحة من جهتنا[230] فيجب علينا أن نشرح المعنى الواحد بطرق عديدة، حتى لا يبدو كأننا تركنا أي شيء بدون تفسير، فنُتهم بالتقصير أو بالعجز في معالجتنا لأمور هامة كهذه. لأنه من الأفضل لنا أن نُتهم ونُنتقد بسبب التكرار من أن نترك أي شيء كان يجب أن نعرضه بوضوح.

4 ـ فالجسد (جسد الكلمة) لكونه من طبيعة البشر ذاتها لأنه كان جسدًا بشريًا ـ حتى إن كان قد أُخذ من عذراء فقط بمعجزة فريدة[231] ـ لكن لأنه كان قابلاً للموت[232] لذلك كان لابد أن يموت كسائر البشر نظرائه[233]. غير أنه بفضل اتحاده بالكلمة فإنه لم يعد خاضعًا للفساد الذي بحسب طبيعته، بل بسبب كلمة الله الذي حلّ فيه فإن الفساد لم يلحق به[234].

5 ـ وهكذا تم ( في جسد المسيح ) فعلان متناقضان في نفس الوقت: الأول هو: أن موت الجميع قد تم في جسد الرب ( على الصليب ) والثاني: هو أن الموت والفساد قد أبيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به. فلقد كان الموت حتميًا، وكان لابد أن يتم الموت نيابة عن الجميع لكي يوفى الدين المستحق على الجميع[235].

6 ـ ولهذا ـ كما ذكرتُ سابقًا[236] ـ طالما أن الكلمة كان من غير الممكن أن يموت، إذ أنه غير مائت، فقد أخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت حتى يمكن أن يقدمه، كجسده الخاص نيابة عن الجميع، حتى إذا ما تألم عن الكل باتحاده بالجسد، فإنه “يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية[237].

 

الفصل الحادى والعشرون

لقد أبيد الموت بموت المسيح. ولكن لماذا لم يمت المسيح سرًا، أو بكيفية أكثر وقارًا واحترامًا؟ إنه لم يكن خاضعًا للموت الطبيعى، بل كان لابد أن يموت بأيدى الآخرين. لماذا مات إذن؟ مات لأنه لأجل هذا قد أتى، ولأجل هذا وحده. وإلاّ كيف كان ممكنًا أن تكون هناك قيامة بدون موت؟

1 ـ والآن[238] إذ قد مات مخلّص الجميع نيابة عنا[239] فإننا نحن الذين نؤمن بالمسيح لن نموت[240] (بحكم) الموت[241] الذي كان سابقًا[242] حسب وعيد الناموس لأن هذا الحكم قد أُبطل؛ وبما أن الفساد قد بَطُل وأُبيدَ بنعمة القيامة فإننا من ذلك الوقت وبحسب طبيعة أجسادنا المائتة ننحلّ[243] في الوقت الذي حدده الله[244] لكل واحد، حتى يمكن أن ننال قيامة أفضل[245].

2 ـ لأننا ـ كالبذور التي تلقى في الأرض ـ فهكذا نحن لا نفنى عندما ننحلّ بالموت، بل نزرع في الأرض لنقوم ثانية، بما أن الموت قد أبيد بنعمة قيامة المخلّص[246]. لهذا إذن أخذ المغبوط بولس على عاتقه تأكيد القيامة للجميع إذ يقول ” لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت. ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة اْبتُلِعَ الموت إلى غلبة. أين ذَنبُك (شوكتك) يا موت أين غلبتك يا هاوية [247].

3 ـ وربما تساءل أحد إن كان لابد أن يُسلِّم جسده للموت نيابة عن الجميع، فلماذا لم يضع هذا الجسد (على فراش للموت وفى موضع خاص) كأى إنسان عادى بدلاً من أن يأتي به إلى موت الصليب علنًا؟ فقد كان أكثر لياقة له أن يُسلِّم جسده بكرامة بدلا من أن يحتمل موتًا مشينًا كهذا.

4 ـ ولكن لابد أن نتنبه، أن هذه الاعتراضات هي اعتراضات بشريّة أما ما فعله المخلّص فهو حقًا عمل إلهي ولائق بلاهوته لأسباب كثيرة. أولاً[248]: إن الموت الذي يصيب البشر عادة يأتيهم بسبب ضعف طبيعتهم وإذ هم لا يستطيعون البقاء لزمن طويل فإنهم ينحلون في الزمن (المحدد). وبسبب هذا أيضًا تنتابهم الأسقام فيمرضون ويموتون. أما الرب فإنه ليس ضعيفًا بل هو قوة الله، وكلمة الله، وهو الحياة عينها[249].

5 ـ ولو أنه وضع جسده (للموت) في مكان خاص وعلى فراش كما يموت البشر عادة لكان الناس قد ظنوا أنه ذاق ذلك (الموت) بسبب ضعف طبيعته، ولظنوا أيضًا أنه لم يكن فيه ما يميّزه عن سائر البشر[250]. أما وأنه هو الحياة وكلمة الله، وكان من المحتم أن يتم الموت نيابة عن الجميع، لهذا ولأنه هو الحياة والقوة فقد نال الجسد منه قوة.

6 ـ هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فما دام الموت لابد أن يتم فإنه لم يَسعَ بنفسه إلى الفرصة التي بها يتمم ذبيحته. لأنه لم يكن لائقًا أن يمرض الرب وهو الذي يشفى أمراض الآخرين[251]. ولم يكن لائقًا أيضًا أن يضعف ذلك الجسد الذي به قَوّى ضعفات الآخرين.

7 ـ ولماذا إذن لم يمنع حدوث الموت كما منع المرض من أن يسيطر (على الجسد)؟ ذلك لأنه لأجل هذا (الموت) اتخذ الجسد، ولم يكن لائقاً أن يمنع الموت لئلا تتعطل القيامة أيضاً. ولم يكن لائقًا أيضًا أن يسبق المرض موته لئلا يُظن أن ذاك الذي كان في الجسد كان ضعيفًا. ألم يعان الجوع إذن؟ نعم إنه جاع بسبب أن (الجوع) هو من خواص جسده[252]، على أن (هذا الجسد) لم يهلك من الجوع لأن الرب لبس هذا الجسد. لهذا فإنه وإن كان قد مات لأجل فداء الجميع، لكنه لم ير فسادًا[253]. فقد قام جسده سليمًا تمامًا[254] إذ لم يكن سوى جسد ذاك الذي هو الحياة عينها.

 

الفصل الثاني والعشرون

ولماذا لم يحفظ جسده من اليهود فيمنع عنه الموت: (1) لأنه لم يكن يليق به أن يوقع الموت على نفسه أو أن يتجنبه. (2) لأنه أتى ليقبل الموت المستحق على الآخرين ويموت لينتصر على الموت مُقدمًا قيامته دليلاً على انتصاره الأكيد على الموت. وأيضًا لأنه لم يكن ممكنًا أن يموت من الضعف وهو الذي يشفى الآخرين.

1ـ وقد يقول أحد: كان من الأفضل أن يختفي من مؤامرات اليهود[255] لكي يحفظ جسده كلية من الموت. فليسمع مثل هذا أن ذلك الأمر أيضًا لم يكن لائقًا بالرب. لأنه كما لم يكن لائقًا بكلمة الله وهو الحياة أن يُوقِع الموت على جسده بنفسه، كذلك لم يكن لائقًا أن يهرب من الموت الذي يوقعه الآخرون عليه، بل بالحري أن يتعقبه حتى يقضى عليه. ولهذا السبب فإنه بطبيعة الحال لم يسلّم جسده من تلقاء نفسه، كما أنه لم يتهرب من مؤامرات اليهود ضده.

2ـ وهذا لم يُظهِر أن الكلمة ضعيف، بل بالحري بيّن أنه هو المخلّص وهو الحياة، إذ إنه أولاً: انتظر إلى أن يأتيه الموت ليبيده[256] وثانيًا: عندما قُدِّمَ إليه الموت فإنه عجّل بإتمامه لأجل خلاص الجميع.

3ـ وفضلاً عن ذلك فإن المخلّص لم يأتِ لكي يتمم موته هو بل موت البشر[257]، لذلك لم يضع جسده ليموت بموت خاص به (إذ إنه هو الحياة وليس فيه موت)، بل قَبِل في الجسد ذلك الموت الذي أتاه من البشر لكي يبيد ذلك الموت تمامًا عندما يلتقى به في جسده.

4 ـ وهناك اعتبارات أخرى تجعل المرء يدرك لماذا كان يليق بجسد الرب أن يتمم هذه الغاية. لأن الرب كان مهتمًا بصفة خاصة بقيامة الجسد التي كان مزمعًا أن يتممها، إذ إنها دليل أمام الجميع[258] على انتصاره على الموت[259]، ولكى يؤكد للكل أنه أزال الفساد، وأنه منح أجسادهم عدم الفساد من ذلك الحين فصاعدًا. وكضمان وبرهان على القيامة المُعَدّة للجميع فقد حفظ جسده بغير فساد.

5 ـ ومرة أخرى نقول لو أن جسده كان قد مات نتيجة تعرضه للمرض وانفصل عنه الكلمة أمام نظر الجميع لكان غير لائق بمن شفى أمراض آخرين أن يترك أداته الخاصة (جسده) أن يموت بسبب المرض. فكيف يُصدّق المرء أنه كان يشفى أمراض الآخرين إن كان هيكله[260] الخاص قد تعرض للمرض؟ لأنه إما أن يُهزَأ به كأنه غير قادر على شفاء الأمراض، أو إن كان قادرًا ولم يفعل شيئًا (لحفظ جسده) فيُظن أنه عديم الشفقة على الآخرين أيضًا.

 

الفصل الثالث والعشرون

ضرورة الموت علانية لأجل الإيمان بحقيقة القيامة.

1 ـ وحتى ولو لم يكن به أي مرض أو وجع، وافترضنا أنه هو نفسه قام بإخفاء جسده ” في زاوية “[261] أو في صحراء أو منزل، أو أي مكان آخر، ثم بعد ذلك ظهر فجأة قائلا أنه قام من بين الأموات، لترآى للجميع أنه يتكلم بكلام هذيان[262] ولَمَا صدقوا ما قاله عن القيامة، لأنه لم يكن هناك أي شاهد على موته.

 فالموت لابد أن يسبق القيامة، لأنه لا يمكن أن تكون هناك قيامة ما لم يسبقها موت. فلو أن موت جسده كان قد حدث سرًا في أي مكان ولم يكن الموت ظاهرًا، ولم يحدث أمام شهود، لكانت قيامته أيضًا مخفيّة ولا يوجد دليل عليها.

2 ـ ولماذا يجعل موته سرًا إن كان، بعد ما قام، أعلن قيامته جهارًا؟ أو إن كان قد طرد الشياطين أمام الجميع، وجعل الأعمى منذ ولادته يستعيد بصره، وحوّل الماء إلى خمر[263]، حتى بواسطة هذه الآيات يؤمن الجميع أنه كلمة الله؛ فلماذا لا يُظهِر أمام الجميع عدم فساد جسده[264] الذي كان قابلاً للموت، لكي يؤمن الجميع أنه هو “الحياة”؟[265]

3 ـ وكيف يكون لتلاميذه الجسارة[266] على أن يتكلموا عن القيامة إن كانوا لا يستطيعون أن يقولوا إنه مات أولاً؟ أو كيف يمكن أن يصدق أحد قولهم إن الموت حدث أولاً ثم بعد ذلك القيامة لو لم يكن هناك شهود على موته من بين الذين يكلمونهم؟

4 ـ لأنه رغم أن موته وقيامته قد حدثا أمام الجميع فإن الفريسيين حينئذ لم يؤمنوا، بل أجبروا حتى أولئك الذين رأوا القيامة أن ينكروها[267]. فلو أن هذه الأمور حدثت سرًا فما أكثر الحجج التي كانوا سيخترعونها ليبرّروا بها عدم إيمانهم!

5 ـ وكيف كان يمكن تقديم البرهان على إبطال الموت والانتصار عليه لو لم يكن قد واجه[268] الموت أمام أعين الجميع[269] وأظهر أنه ميت، وأنه سيتلاشى كلية في المستقبل، وذلك بواسطة عدم فساد جسده؟

 

الفصل الرابع والعشرون

الرد على بعض اعتراضات أخرى. المسيح لم يختر طريقة موته لأنه كان يجب أن يبرهن على أنه قاهر للموت في كل صوره وأشكاله، مثل المصارع القوى. طريقة الموت التي اختاروها للإمعان في تحقيره برهن بها نصرته على الموت. وفوق ذلك حفظ جسده سليمًا غير منقسم.

1 ـ ومن الضروري أن نردّ مقدمًا على ما يمكن أن يعترض به الآخرون. فقد يقول قائل ما يلي: لو كان لابد أن يحدث موته أمام أعين الجميع وبشهادة شهود، لكي يُصدَّق خبر قيامته، لكان من الأفضل على أي حال أن يخطّط لنفسه موتًا مجيدًا، لكي يهرب على الأقل من عار الصليب.

2 ـ ولكن حتى لو فعل هذا لأعطى فرصة للتشكك في شخصه، وكأنه لا يقوى على كل أشكال الموت بل فقط على الموت الذي اختاره بنفسه، ولكان هذا حجة لعدم الإيمان بالقيامة أيضًا. وهكذا أتى الموت إلى جسده، ليس بتدبيره هو بل بمشورة أعدائه، حتى أن أي شكل من أشكال الموت يأتون به إلى المخلّص[270] يستطيع هو أن يبيده كلية.

3 ـ وكما أن المصارع النبيل، العظيم في المهارة والشجاعة، لا يختار خصومه بنفسه، لئلا يُشك أنه يخشى مواجهة بعضٍ منهم، بل يترك الأمر لاختيار المشرفين على المباراة لاسيما لو كانوا أعداءً له، حتى إن أي مصارع يضعونه هم أمامه ينتصر هو عليه؛ وبهذا يؤمنون بأنه فاق الجميع. هكذا الحال أيضاً مع ربنا ومخلّصنا المسيح، حياة الكل، فإنه لم يختر لجسده موتًا معينًا، لكي لا يبدو وكأنه يخشى شكلاً آخر للموت؛ فالموت الذي قَبِلَه واحتمله على الصليب قد أوقعه عليه آخرون ـ اللذين هم أعداؤه، ظانين أن هذا الموت مرعب ومهين ولا يمكن احتماله ـ لكن المسيح أباد هذا الموت، فآمن الجميع أنه هو الحياة، الذي به تتم إبادة سلطان الموت كلية.

4 ـ وهكذا حدث أمر عجيب ومذهل لأن الموت الذي أوقعوه عليه ظانين أنه موت مهين حوّله هو إلى علامة للنصرة على الموت ذاته[271].

 ولهذا فإنه لم يمت موت يوحنا بقطع الرأس، ولا مات موت إشعياء بنشر الجسد، وذلك لكي يحفظ جسده غير منقسم وصحيحًا تمامًا حتى في موته، وحتى لا تكون هناك حجة لأولئك الذين يريدون أن يقسّموا الكنيسة[272].

 

الفصل الخامس والعشرون

ولماذا تم الموت بالصليب من بين كل أنواع الموت؟ لأنه كان يجب أن يحمل عنا اللعنة. هو بسط يديه على الصليب لكي يوحد الجميع ـ اليهود والأمم ـ في شخصه لأنه انتصر على “رئيس سلطان الهواء” في منطقته، مخليًا الطريق إلى السماء وفاتحًا لنا الأبواب الدهرية.

1ـ وهذا يكفى للرّد على الذين هم من خارج[273] الذين يحشدون المجادلات[274] ضدنا. ولكن لو أراد أحد من شعبنا أن يسأل[275] ـ لا حبًا في الجدل بل حبًا في التعلّم ـ لماذا لم يمت بأى شكل آخر غير الصليب، فهذا أيضًا نخبره بأنه لم تكن هناك طريقة أخرى نافعة لنا سوى هذه، وأنه كان أمرًا حسنًا أن يحتمل الرب هذا الموت من أجلنا.

2 ـ لأنه إن كان قد جاء ليحمل اللعنة الموضوعة علينا[276]، فكيف كان ممكنًا أن (يصير لعنة) بأى طريقة أخرى ما لم يكن قد قَبِلَ موت اللعنة الذي هو (موت) الصليب؟لأن هذا هو المكتوب:” ملعون كل من علق على خشبة[277].

3 ـ وإضافة إلى ذلك، إن كان موت الرب هو فدية (lÝtron) [278] عن الجميع وبواسطة موته هذا نقض “حائط السياج المتوسط[279] وصارت الدعوة لجميع الأمم، فكيف كان ممكنًا أن يدعونا إليه لو لم يكن قد صُلِبَ؟ لأنه على الصليب وحده يمكن أن يموت إنسان باسطًا ذراعيه. لهذا كان لائقا بالرب أن يحتمل هذا الموت ويبسط ذراعيه، لكي بأحدهما يجتذب الشعب القديم وبالذراع الأخر يجتذب الذين هم من الأمم[280]، ويوّحد الاثنين في شخصه.

4 ـ لأن هذا ما قاله هو نفسه عندما كان يشير إلى المِيتَة التي كان مزمعًا أن يفدى بها الجميع إذ قال ” وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلى الجميع[281].

5 ـ وأيضًا، إن كان الشيطان عدو جنسنا إذ قد سقط من السماء[282] يجول في أجوائنا السفلية[283] ويتسلط فيها على الأرواح الأخرى المماثلة له في المعصية، ويحاول أن يخدع الذين تغويهم هذه الأرواح كما أنه يعوق الذين يرتفعون إلى فوق[284]، وعن هذا يقول الرسول ” حسب رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية[285]، فإن الرب قد جاء ليطرح الشيطان إلى أسفل[286]، ويطهّر الهواء ويُعِدّ لنا الطريق الصاعد إلى السماء كما يقول الرسول ” بالحجاب أي جسده[287]، وهذا يلزم أن يتم بالموت. فبأى نوع آخر من الموت كان ممكنًا أن يتم هذا، إلاّ بالموت الذي تم في الهواء، أي (موت) الصليب؟ فإن الذي يموت بالصليب هو وحده الذي يموت (معلقًا) في الهواء. ولذلك كان لائقًا جدًا بالرب أن يموت بهذه الطريقة.

6 ـ لأنه إذ رُفع هكذا فقد طهّر الهواء من كل خبث الشيطان وكل الأرواح النجسة[288] كما يقول: “رأيت الشيطان ساقطا مثل البرق من السماء[289] وافتتح طريقًا جديدًا للصعود إلى السماء[290] كما هو مكتوب ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية[291].

 فلم يكن الكلمة نفسه هو المحتاج لانفتاح الأبواب إذ هو رب الكل[292] ـ فلم تكن مخلوقاته[293] مغلقة في وجهه هو الذي خلقها ـ بل نحن الذين كنا في احتياج إلى ذلك (أى إلى انفتاح الأبواب)، نحن الذين حملنا في جسده الخاص. لأنه كما قدّم جسده للموت عن الجميع، هكذا، بنفس هذا الجسد أيضًا، أعدّ الطريق للصعود إلى السموات.

 

الفصل السادس والعشرون

أسباب قيامته في اليوم الثالث. لم تتم قبل ذلك لئلا يشك في أنه مات موتًا حقيقيًا، ولا بعد ذلك (أولاً) لكي يحتفظ بسلامة جسده، (ثانيًا) لكي لا يعلق نفوس التلاميذ طويلاً، (ثالثًا) لكي لا ينتظر حتى يتشتت الذين شهدوا موته أو تتلاشى من الذاكرة حادثة الموت.

1 ـ إذًا فقد كان الموت من أجلنا على الصليب لائقًا وملائمًا. وقد اتضح أن سببه كان معقولاً من جميع الوجوه، ومن الحق أن يقال إنه لم تكن هناك طريقة أخرى يتحقق بها خلاص الجميع سوى الصليب[294]. لأنه حتى على الصليب فإنه لم يجعل نفسه مختفيًا بل بالحري فإنه جعل الطبيعة تشهد لحضور خالقها[295]، وبعد ذلك لم يَدَع هيكل جسده يظل وقتًا طويلا ميتًا، إلاّ بالقدر الذي أظهر فيه أن الجسد مات باحتكاك الموت به، ثم أقامه حالا في اليوم الثالث، حاملا عدم الفساد وعدم التألم اللذين حصلا لجسده، كعلامة للظفر والانتصار على الموت[296].

2 ـ ولقد كان يستطيع أن يقيم جسده بعد الموت مباشرة، ويظهره حيًا، ولكن المخلّص بحِكمَة وبُعد نظر لم يفعل هذا لأنه لو كان قد أظهر القيامة في الحال لكان من المحتمل أن يقول أحدهم إنه لم يمت بالمرة أو إن الموت لم يلمسه بشكل كامل.

3 ـ وربما لو كانت القيامة قد حدثت في اليوم التالي للموت مباشرة لما ظهر مجد عدم فساد جسده. ولذلك فلكي يتأكد موت الجسد فإن الكلمة أبقاه يومًا آخر، وفى اليوم الثالث أظهره عديمَ الفساد أمام الجميع.

4 ـ إذًا فلكى يتأكد موت الجسد لذلك أقامه في اليوم الثالث[297].

5 ـ ولكن لو أنه أقام الجسد بعد أن بقى فترة طويلة، وبعد أن يكون قد فسد تمامًا، فقد يُشَك فيه كأنه قد استبدل جسده بجسد أخر. لأن الإنسان بمرور الزمن قد يشك فيما سبق أن رآه، وينسى ما قد حدث فعلاً. لهذا السبب فإن الرب لم ينتظر أكثر من ثلاثة أيام، كما أنه لم يترك الذين سبق فأخبرهم عن القيامة معلقين لفترة طويلة.

6 ـ ولكن بينما كانت أقواله لا تزال ترن في آذانهم، وكانت عيونهم لا تزال في حالة توقع وعقولهم معلّقة حائرة، وإذ كان الذين قتلوه لا يزالون أحياءً على الأرض وفى نفس المكان، ويمكن أن يشهدوا بموت جسد الرب؛ فإن ابن الله نفسه ـ بعد فترة ثلاثة أيام ـ أظهر جسده الذي كان قد مات غير مائت وعديم الفساد. وقد اتضح للجميع أن الجسد قد مات ليس بسبب أي ضعف في طبيعة الكلمة الذي اتحد بالجسد، بل لكي يُباد الموت فيه (في الجسد) بقوة المخلّص[298].

 

الفصل السابع والعشرون

التغيير الذي أتمه الصليب في علاقة الإنسان بالموت.

1 ـ إن كان كل تلاميذ المسيح يزدرون بالموت وجميعهم يواجهونه بقوة، ولم يعودوا بعد يخشونه[299]، بل بعلامة الصليب وبالإيمان بالمسيح يطأونه كميت، فإن هذا برهان غير قليل، بل بالحري دليل واضح على أن الموت قد أُبيد[300] وأن الصليب قد صار هو الغلبة عليه[301]، وأن الموت لم يَعُد له سلطان[302] بالمرة بل قد مات حقًا[303].

2 ـ فقديما، قبل المجىء الإلهي للمخلّص، كان الموت مرعبًا حتى بالنسبة للقديسين، وكان الجميع ينوحون على الأموات كأنهم هلكوا[304]. أما الآن، بعد أن أقام المخلّص جسده، لم يعد الموت مخيفًا[305] لأن جميع الذين يؤمنون بالمسيح يدوسونه كأنه لا شئ[306]، بل بالحري يُفضّلون أن يموتوا على أن ينكروا إيمانهم بالمسيح، لأنهم يعرفون بكل يقين أنهم حينما يموتون فهم لا يفنون بل بالحري يحيون عن طريق القيامة ويصيرون عديمي فساد[307].

3 ـ أما ذلك الشيطان الذي بخبثه فرح قديمًا بموت الإنسان[308] فإنه الآن وقد نُقِضت أوجاع الموت[309]، فالوحيد الذي يبقى[310] ميتًا حقًا هو الشيطان، والبرهان على هذا هو أن الناس ـ قبل أن يؤمنوا بالمسيح ـ كان يرون الموت مفزعًا ويجبنون أمامه، ولكنهم حينما انتقلوا إلى إيمان المسيح وتعاليمه فإنهم صاروا يحتقرون الموت احتقارًا[311] عظيمًا لدرجة أنهم يندفعون[312] نحوه بحماس ويصبحون شهودًا للقيامة التي انتصر بها المخلّص عليه. إذ بينما لا يزالون صغار السن فإنهم يدرّبون أنفسهم بجهادات ضد الموت، مسارعين إليه، ليس الرجال منهم فقط بل والنساء أيضًا. وقد صار الشيطان ضعيفًا حتى أن النساء اللواتي انخدعن منه قديمًا، فإنهن الآن يسخَرون منه كميت وعديم الحركة.

4 ـ وكما يحدث حينما يهزم ملك حقيقي طاغية ويربط يديه ورجليه، فحينئذ يهزأ به كل العابرين، ويضربونه ويزدرون به ولا يعودون يخافون غضبه ووحشيته، بسبب الملك الذي غلبه، هكذا الموت أيضًا إذ قد هزمه المخلّص وشهّر به على الصليب وربط يديه ورجليه، فإن جميع الذين هم في المسيح، إذ يعبرون عليه، فإنهم يدوسونه وفى شهادتهم للمسيح يهزأون به، ويسخرون منه[313]، مردّدين ما قد قيل عنه في القديم ” أين غلبتك يا موت، أين شوكتك[314] يا هاوية[315].

 

الفصل الثامن والعشرون

هذه الحقيقة الفريدة تختبر عمليًا. وعلى الذين يشكّون فيها أن يؤمنوا بالمسيح ليروا بأنفسهم.

1 ـ وحينما يحتقر الشبّان والشابّات الذين في المسيح هذه الحياة ويرحبون بالموت، فهل يكون هذا إذن برهانًا هينًا على ضعف الموت؟ أو هل هو إيضاح ضئيل للنصرة التي حققها المخلّص عليه؟[316]

2 ـ فالإنسان بطبيعته يرهب الموت ويخشى انحلال الجسد. ولكن المدهش جدًا أن من قد تسلّح بالإيمان بالصليب فإنه يحتقر كل ما هو مفزع بالطبيعة، ومن أجل المسيح فإنه لا يخاف الموت.

3 ـ وعلى سبيل المثال، فإن خاصية النار الطبيعية هي الإحراق. فإن قال أحد إن هناك مادة لا تخضع لقوة إحراق النار بل بالحري تُثبْت أن النار ضعيفة كما يقول الهنود عن مادة الأمينت[317] (أى الاسبستوس)، ومن لا يصدّق هذه الرواية، فعليه إن أراد أن يختبرها أن يرتدى حُلّة من هذه المادة ويتعرض بها للنار، ليتأكد من ضعف النار أمام الأمينت.

4 ـ أو إن أراد أحد أن يرى الطاغية موثقًا فعليه أن يذهب إلى مملكة ذاك الذي قهره ليرى الطاغية المفزع للآخرين وقد صار ضعيفًا[318]. وهكذا أيضًا فإن كان هناك شخص لا يزال متشككًا، حتى بعد هذه البراهين الكثيرة وبعد أن استشهد كثيرون لأجل المسيح، وبعد الاحتقار للموت الذي يُظهره كل يوم أولئك الذين لهم حياة متلألئة في المسيح، وإن كان هذا الشخص لا يزال عقله متشككًا في أن الموت قد أُبيد وانتهى، وإن كان يتعجب من أمر عظيم كهذا، فدعه لا يكون عنيدًا في تشككه، ولا يقسّي قلبه أمام أمر واضح جدًا كهذا الأمر.

5 ـ بل كما أن الشخص الذي ارتدى حلة الأمينت يدرك ضعف النار أمام هذه المادة، وكذلك من يريد أن يرى الطاغية مربوطًا عليه أن يذهب إلى مملكة الذي قهره، هكذا بالمثل أيضًا فإن من يتشكّك في الغلبة التي تمت على الموت، فعليه أن يقبل إيمان المسيح ويدخل إلى تعليمه[319]، وسوف يرى بنفسه ضعف الموت والنصرة التي تمت عليه. لأن كثيرين ممن كانوا فيما مضى متشككين ومستهزئين قد آمنوا فيما بعد، وهكذا احتقروا الموت لدرجة أنهم صاروا شهداء لأجل المسيح نفسه[320].

 

الفصل التاسع والعشرون

نتائج عجيبة سببها صلب المسيح وقيامته. كما أن النهار هو نتيجة لإشراق الشمس.

1 ـ فإن كان الموت يداس بالإيمان بالمسيح وبعلامة الصليب، فلابد أن يكون واضحًا أمام محكمة الحق[321]، أنه ليس أحد آخر سوى المسيح نفسه له الغلبة والنصرة على الموت وهو الذي أفقده كل قوته.

2 ـ وإن كان الموت مرعبًا وقويًا فيما سبق، والآن بعد مجىء المخلّص وموت جسده وقيامته فإن الموت يُحتقر، فلابد أن يكون واضحًا أن المسيح نفسه الذي صعد على الصليب[322] هو الذي أباد الموت وغلبه[323].

3 ـ لأنه كما أن الشمس تشرق بعد الليل، وتستنير بها الأرض كلها فلا يكون هناك شك بالمرة في أن الشمس هي التي نشرت نورها في كل مكان وهي التي بدّدت الظلام وأنارت كل الأشياء[324]، هكذا أيضًا إن كان الموت قد احتُقر ووُطئ تحت الأقدام منذ الظهور الخلاصى للمخلّص في الجسد وموته على الصليب[325]، فيبقى أن يكون واضحًا تمامًا أن المخلّص نفسه الذي ظهر في الجسد هو الذي أباد الموت وهو الذي يُظهر علامات النصرة على الموت في تلاميذه كل يوم.

4 ـ لأنه عندما يرى الإنسان أن البشر الضعفاء بطبيعتهم[326] يسرعون إلى الموت ويتهافتون عليه ولا يخشون فساده ولا ينزعجون من موارتهم في القبر، بل يتحدّون الموت بحماس، ولا يجزعون من التعذيب، بل بالعكس فإنهم من أجل المسيح يندفعون نحو الموت بحماس[327] مفضلّينه على الحياة هنا، أو عندما يشاهد الإنسان بنفسه الرجال والنساء والأطفال يندفعون ويقفزون إلى الموت لأجل الإيمان بالمسيح، فمن يكون غبيًا بهذا القدر أو من يكون متشككاً أو عديم العقل حتى أنه لا يُدرك ولا يفهم أن المسيح الذي يشهد له هؤلاء الناس هو نفسه الذي يَهِب ويعطى كل واحد منهم النصرة على الموت؟ إذ أنه يجعل الموت ضعيفًا أمام كل من يتمسك بإيمان المسيح، ويحمل علامة الصليب.

5 ـ من ذا الذي يرى الحيّة مدوسة تحت الأقدام[328] ـ وخصوصًا وهو يعرف توحشها السابق ـ ويشك في أنها قد ماتت وفقدت قوتها تمامًا، إلاّ إذا كان قد فقد اتزانه العقلي أو كانت حواسه الجسدية غير سليمة؟ ومن ذا الذي يرى أسدًا[329] والأطفال[330] يلعبون به ولا يعرف إما أنه ميت أو أنه فقد كل قوته؟[331]

6 ـ وكما أنه يمكن أن نرى بأعيننا أن كل هذا حق، هكذا فحينما يعبث مؤمنو المسيح بالموت ويحتقرونه فيجب ألاّ يشك أحد فيما بعد ولا يبقى غير مصدَّق بأن المسيح قد أبطل الموت وأوقف فساد الموت وأباده.

 

الفصل الثلاثون

البرهان على حقيقة القيامة ببعض الوقائع وهى: (1) غلبة الموت كما تبين مما سبق. (2) عجائب عمل المسيح هي من فعل شخص حي هو الله.

1 ـ إن ما سبق أن قلناه إلى الآن ليس بالبرهان الهيّن على أن الموت قد أُبطِلَ وأن صليب الرب هو علامة الانتصار عليه. أما عن قيامة الجسد إلى حالة عدم الموت التي أكملها المسيح مخلّص الكّل وهو الحياة الحقيقية لهم جميعًا، فهذه (القيامة) يمكن إثباتها بالوقائع بوضوح أكثر من إثباتها بالحجج والمناقشات[332]، وذلك لمن لهم بصيرة عقلية سليمة.

2 ـ لأنه إن كان الموت قد أُبطِلَ، كما بينّا بالأدلة سابقًا، وإن كان الجميع قد وطأوه بأقدامهم بقوة المسيح، فبالأولى جدًا يكون هو نفسه قد وطأه بجسده أولاً وأبطله. وإن كان المسيح قد أمات الموت فماذا كان ممكنًا أن يحدث (بعد ذلك) إلا أن يقيم جسده ويظهره كعلامة للنصرة على الموت؟ أو كيف كان ممكنًا إظهار أن الموت قد أبيد ما لم يكن جسد الرب قد قام؟ ولكن إن كانت هذه الأدلة على قيامته تبدو لأحد غير كافية، فليتأكد مما قلناه من الأمور التي تحدث أمام أعيننا[333].

3 ـ لأنه عندما يكون المرء ميتًا لا يستطيع أن يمارس أي عمل[334]، إذ إن قدرته وتأثيره ينتهيان عند القبر. فإن كانت الأعمال والتأثيرات في الآخرين هي من خصائص الأحياء فقط فلينظر كل من أراد وليحكم، وليكن شاهدًا للحق مما يبدو أمام عينيه.

4 ـ لأنه إن كان المخلّص يعمل الآن بقوة بين البشر[335] ولايزال كل يوم ـ بكيفية غير منظورة[336] ـ يُقنع الجموع الغفيرة من كل المسكونة سواء من سكان اليونان[337] أو سكان بلاد البرابرة[338] ليقبلوا الإيمان به ويطيعون تعاليمه[339]، فهل لا يزال يوجد من يتطرق الشك إلى ذهنه أن المخلّص قد أتم القيامة (بقيامته) وأن المسيح حيّ أو بالأحرى أنه هو نفسه الحياة؟[340]

5 ـ وهل يمكن لشخص ميت أن ينخس ضمائر الآخرين[341] حتى يجعلهم يرفضون نواميس آبائهم الموروثة[342]، ويخضعون لتعاليم المسيح؟ أو إن كان (المسيح) لم يعد يعمل ما يتفق مع خاصية مَن هو ميت فكيف استطاع أن يوقف أعمال الأحياء حتى يكف الزاني عن الزنا، والقاتل عن القتل، والظالم عن الظلم، ويصيّر الكافر تقيًا؟ ولو أنه لم يقم، بل لايزال ميتًا، فكيف يستطيع أن يطرد ويطارد ويحطم تلك الآلهة الكاذبة التي يدّعى غير المؤمنين أنها حيّة؟ وأيضًا كيف يستطيع أن يطرد الأرواح الشريرة التي يعبدونها؟

6 ـ لأنه حيث يُذكر اسم المسيح والإيمان به تتلاشى من هناك كل عبادة وثنية، وتُفضَح كل أضاليل الأرواح الشريرة، بل لم يستطع أي من هذه الأرواح أن يحتمل مجرد سماع الاسم (اسم المسيح)، حتى إنه يختفي عند سماعه[343]. وهذا لا يمكن أن يكون عمل شخص ميت، بل هو عمل شخص حيّ، وبالحرى هو عمل الله.

7 ـ وسيكون من الحماقة أن يُقال عن الأرواح التي بددها والأصنام التي أبطلها إنها حيّة[344]، بينما يُقال عن ذلك الذي طردها، والذي بسلطانه منعها من الظهور وهو الذي يشهد له الجميع[345] أنه ابن الله، أن يقال عنه إنه ميت.

 

الفصل الواحد والثلاثون

إن كانت قوة العمل علامة الحياة، فماذا نتعلم من ضعف الأوثان وعجزها سواء في فعل الخير أو فعل الشر؟ وماذا نتعلم من قوة المسيح الفائقة ومن قوة علامة الصليب؟ إذن فقد اتضح من هذا البرهان أن الموت والأرواح الشريرة فقدت سلطانها.

1ـ فكل الذين لا يؤمنون بالقيامة يناقضون أنفسهم مناقضة شديدة، إذ إن كل الشياطين والآلهة التي يعبدونها عجزت عن طرد المسيح[346] الذي يدّعون أنه ميت، بل بالعكس فإن المسيح أظهر أنها كلها ميتة.

2 ـ لأنه إن كان صحيحًا أن الميت لا يستطيع أن يقوم بأى عمل فإن المخلّص كان يتمم كل يوم أعمالاً متعددة، جاذبًا البشر إلى التقوى ومقنعًا إياهم بحياة الفضيلة[347]، ومعلّمًا إياهم عن الخلود، وباعثًا فيهم حب السماويات، كاشفًا لهم معرفة الآب، ومانحًا لهم القوة لمواجهة الموت، مظهرًا لكل واحد ضلال عبادة الأوثان. فهذه الأعمال لا تستطيع الآلهة والأرواح التي يعبدها غير المؤمنين أن تعملها[348]، بل بالحري تظهر أنها ميتة في حضور المسيح، إذ تصير أُبهتها فارغة وباطلة تمامًا.

وعلى العكس من ذلك، فبعلامة الصليب تَبطل قوة السحر وتتلاشى كل قوات العرافة، والأوثان تُهجَر وتُترَك[349]. وكل الملذات غير العاقلة[350] تكف، ويرفع الجميع أنظارهم من الأرض إلى السماء[351]. فإن كان الميت لا يملك قدرة على العمل، فمن هو الذي يستحق أن ندعوه ميتًا؟ هل المسيح الذي يعمل أعمالاً كثيرة كهذه، أو ذاك الذي لا يعمل بالمرة بل هو مطروح عديم الحياة؟[352] وهذه هي حالة الأرواح الشريرة والأصنام، إذ هي ميتة.

3 ـ فابن الله هو حيّ وفعّال[353]، ويعمل كل يوم، ويحقق خلاص الجميع. أما الموت، فيتبرهن في كل يوم أنه قد فقد كل قوته، والأصنام والأرواح الشريرة هي التي يتبرهن بالحري أنها ميتة وليس الرب، وبالتالي فلا يستطيع أحد بعد أن يشك في قيامة جسده.

4 ـ أما من لا يؤمن بقيامة جسد الرب فهذا سيبدو أنه يجهل قوة كلمة الله وحكمته[354]. لأنه إن كان ـ كما بيّنا سابقًا ـ قد اتخذ لنفسه جسدًا وهيأه بطريقة لائقة ليكون جسده الخاص[355]، فما الذي كان سيصنعه الرب بهذا الجسد؟ أو ماذا كان يمكن أن تكون نهاية هذا الجسد بعد أن حلّ فيه الكلمة؟ لأنه كان لابد أن يموت إذ هو جسد قابل للموت، وأن يُقدَّم للموت نيابة عن الجميع. ولأجل هذه الغاية أعده المخلّص لنفسه. لكن كان من المستحيل أن يبقي هذا الجسد ميتًا بعد أن جُعِلَ هيكلاً للحياة[356]. ولهذا إذ قد مات كجسد مائت فإنه عاد إلى الحياة بسبب “الحياة” التي فيه. والأعمال التي عُملت بالجسد هي علامة لقيامته.

 

الفصل الثاني والثلاثون

مَن يستطيع أن يرى المسيح بعد قيامته؟ فإن الله غير منظور أبدًا، ومعروف بأعماله فقط. وهنا تنطق أعماله مقدمة البرهان. إن كنت لا تؤمن فانظر إلى من يؤمنون واعترف بألوهية المسيح. إن الأرواح الشريرة تعترف بهذا حتى وإن أنكر الملحدون. ملخص للحجج السابقة إلى الآن.

1 ـ فإن كانوا لا يصدقون أنه قام بسبب أنه لم يكن منظورًا (بعد القيامة)، فيلزمهم إذن أن ينكروا ما يخص الطبيعة (الإلهية) ذاتها. لأن من خواص الله الذاتية أن يكون غير منظور[357]، ومع ذلك فإنه يُعرف بواسطة أعماله، كما قلنا سابقًا.

2 ـ لأنه لو لم يكن هناك أعمال لكان يحق لهم ألاّ يؤمنوا بمن هو غير منظور[358]. لكن إن كانت الأعمال تصرخ[359] بصوتِِ عالٍ معلنة إياه بكل وضوح، فلماذا يصّرون على إنكار الحياة الواضحة جدًا الناتجة عن القيامة؟ لأنه حتى لو طُمِست أذهان البشر فإنهم يستطيعون بحواسهم الخارجية أن يروا قوة المسيح التي لا يُشك فيها ويدركون ألوهيته[360].

3 ـ إن كان حتى الأعمى ـ رغم أنه لا يرى الشمس[361] ـ فإنه عندما يشعر بالحرارة التي تشعها الشمس فإنه يعرف أنه توجد شمس فوق الأرض. هكذا أيضًا، إن كان مقاومونا لا يؤمنون حتى الآن بسبب أنهم لا يزالون عميانًا عن رؤية الحق[362]، فإنهم على الأقل عندما يعرفون قوته في الذين يؤمنون فلا ينبغي أن ينكروا ألوهية المسيح والقيامة التي أتمها.

4 ـ لأنه واضح لو كان المسيح ميتًا لما كان في قدرته أن يطرد الشياطين ويُبطل الأوثان[363]، فإن الشياطين لا تخضع لإنسان ميت. لكن إن كانت قد طُرِدت جهارًا بمجرد ذكر اسمه، فإنه يتضح بشكل أكيد أنه ليس ميتًا، خاصة وأن الشياطين وهي ترى ما لا يراه البشر، تستطيع أن تعرف إن كان المسيح ميتًا وبالتالي ترفض الخضوع له بالمرة.

5 ـ فمن لا يؤمن به الملحدون ترى الشياطين أنه هو الله، ولذلك فإنها تطير وتجثو تحت قدميه، وتردد ما سبق أن نطقت به أمامه وهو في الجسد ” نحن نعرفك من أنت قدوس الله[364]، “ما لنا ولك يا يسوع ابن الله أستحلفك ألا تعذبني[365].

6 ـ فإن كانت الشياطين تعترف به، وإن كانت أعماله تشهد له يومًا فيومًا. فيجب أن يكون واضحًا ـ ويجب ألاّ يتصلف أحد ضد الحق ـ أن المخلّص قد أقام جسده وأنه هو ابن الله بالحقيقة المولود من الآب وهو كلمته وحكمته وقوته؛ الذي في الأزمنة الأخيرة اتخذ جسدًا لأجل خلاص الجميع وعلّم العالم عن الآب وأبطل الموت ووهب عدم الفساد للجميع بوعد القيامة[366]، إذ قد أقام جسده كباكورة للراقدين[367]، مُظهِرًا إياه ـ بالصليب ـ كعلامة للغلبة على الموت والفساد.

 

الفصل الثالث والثلاثون

عدم إيمان اليهود واستهزاء اليونانيين. عدم إيمان اليهود تدحضه كتبهم. النبوات التي تشير إلى مجيئه كإله متأنس.

 

1 ـ طالما أن الأمور هي هكذا، وأن قيامة جسد المخلّص وانتصاره على الموت قد تبرهن عليها بوضوح، فهيا بنا الآن لكي ندحض كلاً من عدم إيمان اليهود واستهزاء الأمم.

2 ـ فبسبب عدم الإيمان عند اليهود والاستهزاء عند الأمم، فإنهم يعتبرون الصليب أمرًا غير لائق، وكذلك يرون عدم لياقة تأنس كلمة الله. ونحن لن نتباطأ عن تقديم الحجج ضد أراء هذين الفريقين، لأن البراهين ضدهما واضحة جدًا.

3 ـ فمن جهة اليهود، فإن الكتب المقدسة التي يقرأونها هي نفسها توضح عدم إيمانهم، إذ كل الكتاب الموحى به يصرخ عاليًا[368] شاهدًا لهذه الأمور في كلماته الصريحة[369]. فالأنبياء سبق أن تنبأوا عن عجيبة العذراء وولادتها (للمسيح) قائلين[370]: ” هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل[371].

4 ـ أما موسى، ذلك العظيم حقًا[372] ـ والذي يعتقدون فيه أنه ينطق بالحق، فقد اعترف بأهمية المخلّص، وأكد على حقيقته بهذه الكلمات: “يقوم كوكب من يعقوب وإنسان من إسرائيل فيحطم رؤساء موآب[373]. وأيضًا “ما أحلى مساكن يعقوب وخيامك يا إسرائيل كبساتين ظليلة، كجنّات على نهر، يخرج من نسله إنسان يصير ربًا على شعوب كثيرة[374]. ويقول أيضًا إشعياء: ” قبل أن يعرف الصبي أن يدعو يا أبي ويا أمي تُحمل ثروة دمشق وغنيمة السامرة قدام ملك أشور[375].

5 ـ فبهذه الكلمات تنبأ بظهور إنسان[376]. وأكثر من ذلك أن الكتاب تنبأ أيضًا أن هذا الإنسان الذي سيأتي هو رب الكل بقوله: ” هوذا الرب جالس على سحابة خفيفة وقادم إلى مصر فترتجف أوثان مصر المنحوتة[377]. لأن من هناك دعاه الآب أيضًا للرجوع قائلاً: “من مصر دعوت ابني[378].

 

الفصل الرابع والثلاثون

نبوات عن آلامه وموته.

1 ـ الكتب المقدسة أيضًا لم تصمت عن ذكر موته، بل على العكس أشارت إليه بوضوح تام. ولكي لا يتشكك أحد بسبب نقص المعرفة للأحداث الفعلية، فإنها لم تخش أن تتحدث عن سبب موته[379] ـ إذ هو لم يحتمل الموت لأجل نفسه بل من أجل خلود الجميع وخلاصهم ـ كما تحدثت الكتب عن مؤامرات اليهود ضده وما لاقاه من إهانات منهم.

2 ـ فالكتب تقول “ رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمُستَّرٍ عنه وجوهنا مُحتقر فلم نعتد به. لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابًا مضروبًا من الله ومرذولاً وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبجراحاته شُفينا[380]. يالها من محبة عجيبة للبشرية تلك التي أظهرها الكلمة من نحونا حتى أنه هو يُهان[381] لكي نحصل نحن على كرامة[382]. ثم يقول الكتاب: “ كُلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه والرب سلّمه لأجل خطايانا. ظُلم أما هو فلم يفتح فاه كشاة سيق إلى الذبح وكحمل صامت أمام الذي يجزه فلم يفتح فاه في اتضاعه رفعت عنه قضيته [383].

3 ـ ولئلا يظن أحد بسبب آلامه أنه إنسان عادي فقد سبق الكتاب وأشار إلى أوهام البشر معلنًا قوته واختلاف طبيعته عن طبيعتنا[384] إذ يقول الكتاب: ” من يُخبر بجيله؟[385] لأن حياته انتزعت من الأرض لأنه سيق إلى الموت بسبب شر الشعب، وجُعِلَ مع الأشرار قبره ومع غنيٍ عند موته، على أنه لم يعمل شرًا ولا وُجِدَ في فمه غش[386].

 

الفصل الخامس والثلاثون

نبوءات عن الصليب، وكيف تحققت هذه النبوات في المسيح وحده.

 

1 ـ وبعد أن سمعت النبوة عن موته فربما تسأل لكي تعرف[387] أيضًا ما كُتب عن الصلب. وهذا أيضًا لم يصمت عنه الكتاب بل ذكره القديسون[388] بوضوح تام.

2 ـ لأن موسى هو أول من تنبأ عنه بصوت عالٍ[389] قائلاً: “وترون حياتكم معلقة أمام أعينكم ولا تؤمنون[390] ومن بعده شهد الأنبياء قائلين: “وأنا كحمل برئ يساق إلى الذبح ولم أعلم أنهم تأمروا عليّ قائلين تعالوا لنلقى على خبزه شجرة[391] ونقطعه من أرض الأحياء[392].

4ـ وأيضًا ” ثقبوا يدي ورجلي، وأحصوا كل عظامي، اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقوا القرعة[393].

5 ـ فالموت الذي يُرفع فيه الإنسان إلى فوق في الهواء ويُعلّق على خشبة لا يمكن إلاّ أن يكون موت الصليب. وأيضًا اليدان والرجلان لا تثقبان في أي موت سوى موت الصليب.

6 ـ ولأنه منذ حلول المخلّص بين البشر بدأت الأمم أيضًا تعرف الله[394]، (فالأنبياء) لم يتركوا هذا الأمر أيضًا دون الإشارة إليه، بل ذكروه في الكتب المقدسة[395] كما هو مكتوب ” سيكون أصل يسى الذي يقوم ليسود على الأمم، عليه يكون رجاء الأمم[396] وهذا قليل من كثير لإثبات ما حدث.

7 ـ والكتاب المقدس مليء بالحجج التي تدحض عدم إيمان اليهود. لأنه مَن مِن الرجال الأبرار والأنبياء القديسين والأباء البطاركة الذين سُجِلت أسماؤهم في الكتب الإلهية وُلِدَ جسديًا من عذراء فقط؟ أو أية امرأة كانت قادرة أن تحمل بإنسان بدون رجل؟ ألم يولد هابيل من آدم؟ وأخنوخ من يارد ونوح من لامك، وإبراهيم من تارح، ويهوذا من يعقوب، وهارون من عمرام؟ ألم يولد صموئيل من ألقانة؟ وداود من يسى؟ ألم يكن سليمان من داود؟ ألم يكن حزقيال من أحاز؟ أما كان يوشيا من آموس؟ أما كان إشعياء من آموص؟ إرميا من حلقيا؟ وحزقيال ألم يكن من بوزي؟ ألم يكن لكل واحد أب كأصل لوجوده؟ فمن هو إذن الذي وُلِدَ من العذراء فقط؟ لأن النبي[397] شدّد بتأكيد على هذه العلامة.

8 ـ ومن ذا الذي وقت ميلاده جرى نجم في السماء ليعلن للعالم عن ذلك الذي وُلِدَ؟[398] فلما وُلِدَ موسى أخفاه أبواه، وجيران داود لم يسمعوا عن ميلاده حتى إن صموئيل العظيم نفسه لم يعرفه بل سأل: أليس ليسى ابن آخر؟ وإبراهيم لم يعرفه جيرانه كرجل عظيم إلاّ بعد ميلاده بزمن طويل، أما المسيح فعند ميلاده شهد له ليس إنسان بل نجم في السماء التي نزل هو منها.

 

الفصل السادس والثلاثون

نبوات عن عظمة المسيح وعن هروبه إلى مصر…ألخ

1 ـ ولكن أي ملك على الإطلاق مَلَكَ وانتصرَ على أعدائه قبل أن يكون قادرًا أن ينادي يا أبي ويا أمي[399]؟ ألم يصل داود إلى العرش في سن الثلاثين[400]؟ وسليمان صار ملكًا حينما وصل إلى سن الشباب؟[401] ألم يترأس يوآش على المملكة وهو في سن السابعة؟[402] ويوشيا وهو ملك جاء بعده ـ ألم يستلم الحكم وهو في سن السابعة تقريبًا؟[403] ومع ذلك فإن هذين الآخرين كانت لهما القدرة في تلك السن أن يدعو يا أبي ويا أمي.

2 ـ فمن هو إذن الذي كان يحكم[404] ويأسر[405] أعدائه حتى قبل ولادته؟ ليُخبرنا اليهود الذين فحصوا هذا الأمر[406]: أي ملك مثل هذا ـ وُجِدَ في إسرائيل وفي يهوذا، قد وضعت كل الأمم رجائها عليه فأعطاها السلام بدلاً من العداوة؟

3 ـ لأنه طالما كانت أورشليم قائمة[407] كانت هناك حرب بلا انقطاع إذ كانت جميع (الأمم) تحارب إسرائيل؛ فالآشوريون ضايقوا الإسرائيليين والمصريون طاردوهم والبابليون انقضّوا عليهم. وأعجب من ذلك فإن جيرانهم الآراميين (السوريين) كانوا يحاربونهم[408]، ألم يحارب داود ضد الموآبيين وألم يضرب الآراميين، ويوشيا كان يحترس من جيرانه[409]، وحزقيا انهار أمام تعايير سنحاريب؟[410] ألم يحارب عماليق موسى[411]، ألم يقاومه الأموريون[412]، وكذلك سكّان أريحا ألم يقفوا ضد يشوع بن نون؟[413] وبالإجمال لم تكن هناك معاهدات سلام بين الأمم وإسرائيل. والآن هو أمر جدير بالنظر أن نفكر في مَن هو هذا الذي تضع الأمم رجائها عليه؟ لأنه يجب أن يكون هناك شخص كهذا، فمن المستحيل أن ينطق النبي بالكذب[414].

4ـ فمَن مِن بين الأنبياء القديسين أو من الأباء البطاركة الأولين مات على الصليب لأجل خلاص الجميع؟ أو مَن الذي جُرِحَ وسُحِقَ لأجل شفاء الكل؟[415] أو مَن مِن الأبرار أو الملوك نزل إلى مصر فسقطت أوثان مصر عند مجيئه إليها؟[416] فإبراهيم ذهب إليها ولكن عبادة الأوثان ظلت مع ذلك منتشرة بها كما كانت. وموسى وُلِدَ هناك ومع ذلك فإن عبادة الشعب الضالة (للأوثان) لم تنقضِ.

 

الفصل السابع والثلاثون

نبوة ” ثقبوا يدىّ ورجلىّ ” (مز16:22). عظمة ميلاده وموته. اضطراب العرافين والشياطين في مصر.

1 ـ أو مَن مِن بين الذين سُجلت سيرتهم في الكتاب المقدس[417] قد ثُقبت يداه ورجلاه أو عُلق كله على خشبة ومات على الصليب لأجل خلاص الجميع؟[418] فإبراهيم مات وانتهت حياته على الفراش[419]، واسحق ويعقوب أيضًا ماتا رافعين أقدامهما على الفراش[420]، موسى وهارون ماتا في الجبل[421] وداود مات في بيته[422] دون أن يتعرض لمؤامرة من الشعب. صحيح أن شاول قد طارده، لكنه حُفظَ من الأذى[423].

وإشعياء نُشِرَ ولكنه لم يعلّق على خشبة[424]. وإرمياء أُهين[425] إلاّ أنه لم يمت بسبب الحكم عليه[426]. وحزقيال تألم[427]، ليس من أجل الشعب، بل لكي يوضح ما كان عتيدًا أن يأتي على الشعب (من كوارث).

2 ـ وأيضًا فإن هؤلاء الذين احتملوا الآلام كانوا بشرًا وجميعهم يشبهون بعضهم بعضًا في طبيعتهم المشتركة، أما ذلك الذي تنبأ عنه الكتاب بأنه يتألم عن الجميع فإنه يُدعى ليس مجرد إنسان بل “حياة ” الكل حتى إن كان مشابهًا للبشر في طبيعتهم. لأن الكتاب يقول “سوف ترون حياتكم معلّقة أمام أعينكم[428] وأيضًا يقول “من يُخبر بجيله[429] فيمكن للمرء أن يتحقق من سلسلة أنساب كل القديسين، ويُخبر عنها منذ بدايتها، ويعرف من أي جيل وُلِدَ كل منهم. أما جيل الذي هو ” الحياة ” فإن الكتب المقدسة تشير إليه على أن لا يُخبر به.

3 ـ فمَن هو إذن ذلك الذي تقول عنه الكتب الإلهية هذا الكلام؟[430] أو مَن هو العظيم بهذا المقدار حتى يتنبأ عنه الأنبياء[431] بهذه الأمور العظيمة؟ لا يوجد أحد آخر في الكتب سوى مخلّص الجميع، كلمة الله، ربنا يسوع المسيح. فهو الذي وُلِدَ من العذراء وظهر كإنسان على الأرض وهو الذي لا يُخبَر بجيله حسب الجسد، لأنه لا أحد يستطيع أن يُحدد له أبًا حسب الجسد لأن جسده لم يأتِ من رجل بل من عذراء فقط.

4 ـ لأنه لن يستطيع أحد أن يُخبر عن نسب (ولادة) المخلّص بالجسد من رجل بنفس الطريقة التي تُذكر بها سلسلة أنساب داود وموسى وجميع الآباء البطاركة. فهو الذي جعل النجم[432] يعلن عن ميلاده بالجسد، لأنه كان يليق بالكلمة النازل من السماء أن يكون الإعلان عن ميلاده أيضًا من السماء. وكان يليق بملك الخليقة، عند مجيئه (للعالم) أن تعترف به المسكونة جهارًا.

5 ـ فمع أنه وُلِدَ في اليهودية، فقد جاء رجال من بلاد فارس ليسجدوا له. فهو الذي نال الغلبة على الشياطين أعداءه، والنصرة على العبادة الوثنية حتى قبل ظهوره في الجسد[433]. وكل الأمم الوثنية من كل قطر هجروا تقاليدهم الموروثة وعبادة الأصنام[434]، والآن يضعون رجاءهم في المسيح[435]، ويقدمون خضوعهم له، الأمر الذي يمكن أن نراه بعيوننا[436].

6 ـ فضلال المصريين لم يتوقف في أي عصر من العصور إلاّ حينما جاء رب الكل بالجسد إلى هناك كأنه راكب على سحابة، وأبطل ضلالات الأوثان[437]، وجذب الجميع إلى نفسه ثم إلى الآب من خلال شخصه.

7 ـ وهو الذي صُلب والشمس وكل الخليقة ومن صلبوه شهود لصلبه[438]. وبموته صار الخلاص للجميع[439]، وتم الفداء لكل الخليقة. هذا هو “حياة الكل، الذي سلّم جسده للموت كَحَمل فدية[440] لأجل خلاص الكل[441] ولو لم يؤمن اليهود بذلك[442].

 

الفصل الثامن والثلاثون

نبوات أخرى واضحة عن مجىء الله في الجسد. معجزات المسيح المنقطعة النظير.

1 ـ فإن كانوا يظنون أن هذه البراهين غير كافية فليقتنعوا على الأقل ببراهين أخرى مستقاة من الأقوال الإلهية التي عندهم[443]. لأنه عن من يقول الأنبياء “ صرت ظاهرًا لمن لم يطلبوننى، وُجدت من الذي لم يسألوا عني، قلت هاأنذا للأُمَّة التي لم تُسمَّ باسمي، بسطت يدي إلى شعب معاند ومقاوم[444]؟

2 ـ ويمكن للمرء أن يسأل اليهود: مَن هو إذن الذي صار ظاهرًا؟ فإن كان هو النبي فليقولوا لنا متى اختفى[445] حتى يظهر ثانيةً، وأي نبي هذا الذي لم يظهر من الخفاء[446] فقط، بل أيضًا بسط يديه على الصليب؟[447] بالتأكيد أنه ليس بين الأبرار سوى كلمة الله فقط الذي هو بلا جسد حسب الطبيعة، ظهر في الجسد لأجلنا[448] وتألم عن الجميع.

3 ـ وإن كان حتى هذا لا يكفيهم فلعلهم على الأقل يصمتون بواسطة برهان آخر واضح كل الوضوح[449]، لأن الكتاب يقول ” تشدّدي أيتها الأيادي المسترخية والرُكب المرتعشة، تعزوا يا خائفي القلوب، تشدّدوا لا تخافوا هوذا إلهنا يجازي منتقمًا، هوذا يأتي ويخلّصنا. حينئذٍ تفتح عيون العُمي وآذان الصُمّ تسمع، حينئذٍ يقفز الأعرج كالأيّل ولسان العيين يصير فصيحًا[450].

4 ـ والآن ماذا يمكن أن يقولوا عن هذا أو كيف يجرأون على أن يواجهوا هذا بالمرة؟ فالنبّوة لا توضح فقط أن الله يحل هنا بل هي تكشف أيضًا عن علامات ووقت مجيئه. فهي تربط معًا استعادة العُمي لبصرهم، وشفاء العرج ليمشوا، والصُمّ ليسمعوا، ولسان المتلعثم يصير فصيحًا، وذلك بمجيء الإله الذي كان مزمعًا أن يحدث. فليخبرونا إذًا متى تمت هذه العلامات في إسرائيل أو في أي مكان في اليهودية حدث أمر كهذا؟

5 ـ فنعمان الذي كان أبرص تطهر[451]، ولكن لم يحدث أن أصمًا سمع أو أعرج مشى. وإيليا أقام ميتًا، وهكذا فعل إليشع[452]، ولكن لم يستَعِد أي أعمى منذ ولادته بصره[453]. حقًا إن إقامة الميت أمر عظيم ولكنه ليس مثل العجائب التي تمّمها المخلّص[454]. فإن كان الكتاب لم يغفل ذكر حادثة الأبرص، ومعجزة ابن الأرملة الذي أقامه إيليا، بالتأكيد لو كان قد حدث أن إنسانًا أعرج مشى أو أعمى استعاد بصره لما أغفل ذكر هذا أيضًا. وحيث إنه لم يَرِد شيء عن ذلك في الكتاب فواضح أن مثل هذه الأمور لم تحدث مطلقًا من قبل[455].

6 ـ إذن متى حدثت هذه (المعجزات) إلاّ عندما جاء كلمة الله نفسه في الجسد؟ ومتي مشي العرج وتكلم المُتلعثمون بفصاحة، وسمع الصُمّ، وأستعاد العُمي منذ ولادتهم بصرهم، إلاّ عندمـا جاء هو في الجسد؟ لأن هذا هو عين ما شهد به اليهود الذين عاينوا تلك الأمور لأنهم لم يسمعوا أنها حدثت في أي وقت من قبل إذ قالوا: “منذ الدهر لم يُسمع عن أحد فتح عيني مولود أعمى. لو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئًا[456].

 

الفصل التاسع والثلاثون

دليل آخر: دانيال يتنبأ عن وقت مجيئه. تفنيد الاعتراضات المتعلقة بهذا.

1 ـ ولكن ربما لأنهم لم يكونوا قادرين على مقاومة الحقائق الواضحة باستمرار فإنهم دون أن ينكروا الأمور المكتوب عنها يقولون إنهم ينتظرون تحقيقها وإن كلمة الله لم يأت بعد. وهذا هو ما يرددونه على الدوام دون أن تخجلهم الحقائق الواضحة التي يواجهونها.

2 ـ ولكن في هذا الأمر أكثر من غيره سيتم دحضهم بشدة ليس على أيدينا بل بواسطة دانيال الكثير الحكمة الذي يحدّد الوقت الفعلي لمجيء المخلّص الإلهي بيننا قائلاً: ” سبعون أسبوعًا قُضيت على شعبك وعلى المدينة المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الآثم وليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة والمسيح قدوس القديسين، فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس..[457]

3 ـ فربما في النبوات الأخرى يستطيعون أن يجدوا عذرًا لأنفسهم أو أن يؤّجلوا تتميم المكتوب إلى وقت آخر في المستقبل، ولكن ماذا يستطيعون أن يقولوا عن هذه النبوة؟ أو كيف يمكنهم مواجهتها على الإطلاق؟ إذ نجد فيها ليس إشارة فقط إلى المسيح بل هي تُخبر بأن الذي سيُمسح[458] ليس هو مجرد إنسان بل هو “قدوس القديسين” وأن أورشليم تبقى إلى وقت مجيئه وبعد ذلك تبطل النبوة والرؤيا في إسرائيل.

4 ـ فداود مُسح قديمًا وكذلك سليمان وحزقيا ومع ذلك فإن أورشليم والموضع (الهيكل) استمرا موجودين بعدهم، وأيضًا الأنبياء جاد وآساف وناثان ومن بعدهم إشعياء وهوشع وعاموس وآخرون، كل هؤلاء استمروا يتنبأون. ثم أن الأشخاص الذين كانوا يُمسحون كانوا يُدعون قديسين ولكن لم يُدع أحد منهم قدوس القدوسين.

5 ـ إن كانوا يجدون لهم ذريعة في السبي قائلين إن أورشليم لم تكن قائمة عندئذٍ، فماذا يستطيعون أن يقولوا عن الأنبياء أيضًا؟ فالواقع أنه في بداية السبي عندما نزل الشعب إلى بابل كان هناك دانيال وإرميا، وكذلك تنبأ هناك أيضًا حزقيال وحجي وزكريا.

 

الفصل الأربعون

براهين من إبطال النبوة وخراب أورشليم، ومن تجديد الأمم واتباعهم إله موسى. كل النبوات عن المسيا تحققت في يسوع المسيح.

 

1 ـ فاليهود إذن يخترعون أساطير[459]، فالوقت الذي نتحدث عنه قد جاء فعلاً، أما هم فيحاولون أن يثبتوا أنه لم يأت بعد. لأنه متى بَطُلت النبوة والرؤيا في إسرائيل إلاّ حينما جاء المسيح قدوس القدوسين؟ فالعلامة الواضحة والبراهين القوية على مجىء كلمة الله أن أورشليم لن تكون فيما بعد، ولا يكون هناك نبي في وسطهم، ولا تُعلن لهم رؤيا، وهذا ما كان من الطبيعي أن يحدث[460].

2 ـ لأنه عندما يكون الذي أشارت إليه النبوات قد جاء فعلاً فأى حاجة بعد ذلك لأية نبوة تشير إليه؟[461] وعندما يكون الحق حاضرًا فأى حاجة تكون بعد إلى الظـل؟[462] فإن هـدف تنبؤاتهم هو مجـىء البر ذاته[463] والذي يكون فدية عن خطايا الجميع. وهذا هو السبب في بقاء أورشليم حتى ذلك الوقت، حتى يستمروا في ممارسة الرموز هناك تمهيدًا لظهور الحقيقة[464].

3 ـ هكذا فحينما جاء قدوس القدوسين كان من الطبيعي أن تبطل الرؤيا والنبوة وتنتهي مملكة أورشليم. فقد كان يجب أن يُمسح ملوك بينهم إلى أن يُمسح “قدوس القدوسين”. فيعقوب تنبأ أن مملكة يهوذا تبقى حتى مجيء (المسيح) قائلاً: ” لا يزول حاكم من يهوذا ورئيس من بين أحقائه حتى يأتي المُعد له ويكون هو رجاء الأمم[465].

4 ـ لهذا هتف المخلّص نفسه قائلاً: ” الناموس والأنبياء إلى يوحنا تنبأوا[466]. فلو كان الآن بين اليهود ملك أو نبي أو رؤيا لكان لهم العذر أن ينكرون المسيح الذي أتى فعلاً. أما إن لم يكن هناك ملك ولا رؤيا، بل قد خُتمت كل نبوة من ذلك الوقت وأُخذت المدينة والهيكل، فلماذا يجحدون ويتمردون إلى هذه الدرجة، حتى أنهم بينما ينتظرون ما قد حدث فإنهم ينكرون المسيح[467] الذي جعل كل هذه الأمور تتم؟[468] ولماذا حينما يرون الوثنين يهجرون أصنامهم ويضعون رجاءهم في إله إسرائيل بإيمانهم بالمسيح نراهم هم (اليهود) ينكرون المسيح الذي وُلِدَ من أصل يسى حسب الجسد صائرًا ملكًا إلى الآن؟[469] لأنه لو كانت الأمم تعبد إلهًا آخر ولا تعترف بإله إبراهيم وأسحق ويعقوب وموسى لكان لهم العذر في أن يدّعوا أن الله لم يأت (في الجسد)[470].

5 ـ أما إن كانت الأمم تكرّم نفس الإله[471] الذي أعطى الناموس لموسى والذي سبق أن أعطى الوعد لإبراهيم، والذي احتقر اليهود كلمته (المتجسد)، فلماذا يجهلون، أو لماذا يتجاهلون، أن الرب الذي سبق أن أنبأت عنه الكتب المقدسة قد أشرق على العالم، وظهر للمسكونة متجسدًا كما قال الكتاب ” الرب الإله قد أشرق علينا[472] وأيضًا ” أرسل كلمته فشفاهم[473]، وأيضًا ” لا رسول ولا ملاك بل الرب نفسه خلّصهم[474]؟

6 ـ ويمكن أن تقارن حالتهم بما يحدث لإنسان غير متزن العقل يرى الأرض والشمس تضيؤها ومع ذلك ينكر الشمس التي تنيرها[475]. لأنه ما هو الأمر الذي لم يتممه المسيح (الذي أتى)، ويقولون أن مَن ينتظرونه سيتممه؟[476] أَدعوة الأمم؟[477] لقد دعاهم المسيح فعلاً[478]. أيبطل النبوّة والمُلك والرؤيا؟ وهذا أيضًا قد تم فعلاً[479]. أيفضح فساد وكفر العبادة الوثنية؟ لقد شُهّر بها فعلاً وشُجبت[480]. أيبيد الموت؟ لقد أُبيد فعلاً[481].

7ـ إذن فأي شيء كان ينبغي أن يفعله المسيح ولم يفعله؟ وأي شيء لم يتحقق حتى يصرُّ اليهود على عدم إيمانهم؟ وأقول إن كان الأمر ـ كما نرى فعلاً ـ أنه لم يعد هناك ملك ولا نبي ولا أورشليم ولا ذبيحة ولا رؤية بينهم، بل قد امتلأت الأرض كلها من معرفة الله[482]، والأمم تركوا ضلال عبادتهم الوثنية ولجأوا إلى إله إبراهيم بواسطة الكلمة، ربنا يسوع المسيح، فواضح إذن ـ حتى لأشد الناس عنادًا ـ أن المسيح قد جاء وأنه قد أنار الجميع بنوره وأعطاهم التعليم الصحيح الإلهي عن أبيه.

8ـ وبهذه الأدلة وبغيرها الكثير مما هو في الكتب الإلهية[483]، يمكن للمرء أن يفند حجج اليهود[484].

 

الفصل الواحد والأربعون

الرد على اليونانيين. هل هم يعترفون بالكلمة؟ إن كان يعلن نفسه في نظام وترتيب الكون فماذا يمنع ظهوره في جسد بشرى؟ أليس الجسد البشرى جزءًا من الكل؟

1 ـ إن اليونانيين يناقضون أنفسهم، فإنهم يسخرون مما لا يدعو إلى السخرية، وفي ذات الوقت لا يشعرون بالخزي الذي هم فيه ولا يرونه فهم يتعبدون لأحجار وأخشاب[485].

2 ـ ومع أن حجتنا لا تنقصها البراهين والإيضاحات لكن هيّا بنا نخجلهم ببيان أمور لا تقبل المناقضة، وبالحرى من تلك الأمور التي نراها نحن أنفسنا. فهل هناك أمر غير لائق[486] أو يدعو إلى السخرية فيما نقوله ونؤمن به، بأن الكلمة قد ظهر في الجسد؟[487] وهذا الأمر أيضًا كانوا سيشتركون معنا (في الإيمان به) لو كانوا مُحبين للحق[488]، دون أن يروا شيئًا من عدم اللياقة في ذلك.

3 ـ فإن كانوا ينكرون وجود كلمة الله بشكل مطلق فإن استهزاءهم هذا يكون على غير أساس، إذ أنهم يهزأون بما يجهلون[489].

4 ـ ولكن إن اعترفوا بوجود كلمة الله وأنه هو المهيمن على الكون[490]، وأن الآب خلق به الخليقة كلها، وأن الكل ينالون النور والحياة والوجود بعنايته، وأنه يملك على الكل، ولهذا فأنه يُعرف من أعمال عنايته، وبواسطته يُعرف الآب، فأتوسل إليك أن تتمعن لتدرك أنهم في هذه الحالة هم يهزأون بأنفسهم وهم لا يدرون.

5 ـ إن فلاسفة اليونانيين يقولون إن الكون جسم عظيم[491]، وهذا صحيح. لأننا نرى الكون وأجزاءه بحواسنا. فإن كان كلمة الله موجود في الكون الذي هو جسم، وإن كان (كما يقول الفلاسفة) موجود في الكون[492]، فما هو الأمر الغريب أو غير اللائق إن قلنا إنه اتحد بالإنسان أيضًا؟[493]

6 ـ لأنه لو كان حلوله في جسد أمر غير لائق لكان من غير اللائق أيضًا أن يوجد في الكون كله ويعطي بعنايته نورًا وحركة لكل الأشياء، لأن الكون أيضًا هو جسم.

7ـ فإن كان قد لاق به أن يرتبط بالكون وأن يُعرف في الكون كله، فإنه يليق به أيضًا أن يظهر في جسد بشري، وأن ينير هذا الجسد ويعمل به. لأن البشرية هي جزء من الكل (الكون كله) كغيرها من الأجزاء. فلو كان أمرًا غير لائق[494] أن يتخذ الجزء كأداة[495] يُعَرِّف بها لاهوته للبشر، لكان أمرًا غير معقول بالمرة أن يُعرَف بواسطة كل الكون.

 

الفصل الثاني والأربعون

إن اتحاده بالجسد مؤسس على علاقته بالخليقة ككل. وهو استخدم جسدًا بشريًا لأنه أراد أن يعلن نفسه للإنسان.

1 ـ فكما أن الجسد كله يحيا ويستنير بواسطة (نفس)[496] الإنسان فلو قال أحد إنه من غير المعقول أن تكون قوة الإنسان موجودة في إصبع قدمه أيضًا اعتبر هذا الشخص غبيًا. لأنه بينما يُسلّم بأن (نفس) الإنسان تسود كل أجزاء الجسم وتعمل فيها فإنه يستنكر وجودها في الجزء. هكذا أيضًا يجب على كل من يُسلّم ويؤمن أن كلمة الله هو في كل الكَوْن وأن الكَوْن كله يستنير ويتحرك بواسطته[497] أن لا يحسبه أمرًا غير معقول أن جسدًا بشريًا واحدًا ينال منه حركة ونورًا.

2 ـ فإن كانوا ـ بسبب أن الجنس البشري مخلوق وقد وُجد من العدم ـ يعتبرون أن ظهور المخلّص في الجسد الذي نتحدث عنه هو أمر غير لائق فإنه يجب عليهم أن يبعدوه خارج الخليقة أيضًا لأنها هي أيضًا وُجدت من العدم بالكلمة[498].

3 ـ أما إذا لم يكن أمرًا غير لائق أن يكون الكلمة في الخليقة رغم أنها مخلوقة كذلك يكون من اللائق أن يكون هو في (الجسد) البشري. لأنه يجب أن يفكروا بطريقة واحدة عن الكل والجزء معًا. لأن الإنسان أيضًا ـ كما سبق أن قلت ـ هو جزء من الكل[499].

4 ـ لذلك فليس من عدم اللياقة على الإطلاق أن يحل الكلمة في (الجسد) البشري في الوقت الذي تستمد منه كل المخلوقات نورها وحركتها وحياتها، كما يقول أحد شعرائهم[500]إننا به نحيا ونتحرك ونوجَد[501].

5 ـ إذن فأي شيء فيما نقوله يستدعي الاستهزاء إن كان الكلمة قد استخدم هذا الجسد الذي سكن فيه كأداة ليُظهر فيه نفسه؟ لأنه لو لم يكن كائنًا في الجسد لما استطاع أن يستخدمه. ولكن إن كنا قد قبلنا سابقًَا أنه موجود في الكون كله وفي الأجزاء فما هو الذي لا يمكن تصديقه عندما يُظهر ذاته في ذلك الجسد الذي هو كائن فيه؟

6 ـ لأنه بقدرته الذاتية هو موجود في الكل وفي الجزء ويضبط كل الأشياء بغير حدود. حتى أنه لو أراد أن يُعلن ذاته ويُعلن أباه بواسطة الشمس أو القمر أو السماء أو الأرض أو المياه أو النار لما تجاسر أحد بقول إن ما يفعله الكلمة هو في غير محله، إذ هو يمسك بكل الأشياء معًا في وقت واحد وهو في الحقيقة ليس موجودًا في الكل فقط بل كائن أيضًا في الجزء الذي نتحدث عنه، أي الجسد، وبطريقة غير منظورة يُظهر فيه ذاته. وبنفس الطريقة لا يمكن أن يكون أمرًا غير معقول ـ إن كان الكلمة وهو الذي يضبط كل الأشياء ويعطيها الحياة وأراد أن يجعل نفسه معروفًا للبشر ـ قد استخدم جسدًا بشريًا كأداة له يُظهر فيه الحق ويعلن الآب، لأن البشرية أيضًا هي جزء حقيقي من الكل.

7ـ وكما أن العقل موجود في الإنسان بكلّيته ومع ذلك يُعبر عنه جزء واحد من الجسم وأعني اللسان، دون أن يقلل أحد من جوهر العقل بسبب ذلك[502]؛ هكذا فإن كان الكلمة، وهو الكائن في كل الأشياء، قد استخدم الجسد البشري كأداة فإن ذلك لا يمكن أن يكون أمرًا غير لائق. لأنه كما قلت سابقًا[503]، لو كان أمرًا غير لائق أن يتخذ الجسد كأداة فإنه يكون أمرًا غير لائق به أيضًا أن يكون في الكل.

 

الفصل الثالث والأربعون

جاء في شكل بشرى وليس في شكل أسمى لأنه: (1) جاء ليخلّص لا ليبهر الأنظار (2) لأن الإنسان وحده هو الذي أخطأ دون سائر المخلوقات. وبما أن البشر لم يريدوا أن يروا أعماله في الكون فقد جاء وعمل بينهم كإنسان في الدائرة التي حصروا أنفسهم فيها.

1 ـ والآن إذا سألوا قائلين: لماذا لم يظهر عن طريق أجزاء أخرى من الخليقة أكثر سموًا، وأن يستخدم أداة أشرف كالشمس أو القمر أو النجوم أو الكواكب أو النار أو الهواء[504] بدلاً من الإنسان وحده؟ فدعهم يعرفوا أن الرب لم يأتِ لكي يتظاهر أو يستعرض نفسه، بل جاء لكي يُشفي ويعلّم[505] أولئك الذين هم تحت الآلام.

2 ـ فطريقة الذي يريد أن يتظاهر هي مجرد أن يظهر ويبهر عيون الناظرين، أما الذي يأتي ليُشفي ويعلّم فطريقته هي ألاّ يكتفي بمجرد حلوله بيننا بل أن يقدّم ذاته لمساعدة من هم في احتياج، وأن يَظهر لهم بالقدر الذي يحتمله أولئك الذين هم في حاجة إليه، لئلا إذا زاد (ظهوره) عن القدر الذي يحتاجه المتألمون[506] فقد يسبب هذا اضطرابًا لنفس الأشخاص الذين يحتاجونه مما يجعل ظهور الله عديم النفع بالنسبة لهم.

3 ـ ومن بين كل الخلائق لم يبتعد مخلوق منها عن الله سوى الإنسان وحده. فلا الشمس ولا القمر ولا السماء ولا الكواكب ولا الماء ولا الهواء انحرفت عن نظامها[507]، بل إذ عرفت خالقها وربها الكلمة فإنها باقية كما خُلقت. أما البشر وحدهم فإذ قد رفضوا الصلاح، فإنهم اخترعوا لأنفسهم أشكالاً من لا شيء بدلاً من الحق[508]، ونسبوا الكرامة الواجبة لله ومعرفته للشياطين ومنحوتات البشر[509].

4 ـ ولذلك، إذ لم يكن لائقًا بصلاح الله أن يهمل أمرًا خطيرًا كهذا[510]، ولأن البشر كانوا لا يزالون عاجزين عن أن يعرفوه أنه هو ضابط الكل ومدّبر الكل، لذلك اتخذ لنفسه جزءًا من الكل كأداة، أي ” الجسد البشري “[511] واتحد به[512] لكي لا يعجز البشر عن إدراكه في الجزء بعد أن عجزوا عن إدراكه في الكل. لكي بعدما عجزوا عن أن يدركو قوته غير المنظورة[513] يمكنهم بالحري أن يدركوه ويتأملوا فيه عن طريق ما هو مشابه لهم.

5 ـ ولكونهم بشرًا فإنهم يستطيعون بواسطة الجسد المماثل[514] لهم الذي اتخذه الكلمة، وبالأعمال الإلهية التي يعملها بواسطة هذا الجسد، أن يعرفوا أباه مباشرة وبأكثر سرعة[515]، إذ يدركون بالمقارنة أن هذه الأعمال ليست أعمالاً بشرية بل هي أعمال الله التي عملها الكلمة بالجسد[516].

6 ـ ولو كان من غير اللائق ـ كما يقولون ـ أن يُعرف الكلمة بواسطة أعمال الجسد لكان من غير اللائق أيضًا أن يُعرف بواسطة أعمال الخليقة كلها[517]. لأنه كما أنه كائن في الخليقة ومع ذلك لا يشترك في طبيعتها بأى حال، بل بالحري فإن كل المخلوقات قَبِلت قوة منه، هكذا أيضًا عندما اتخذ الجسد كأداة له فإنه لم يشترك[518] في خواص الجسد بل بالحري فإنه قدّس الجسد.

7 ـ لأنه حتى أفلاطون الذائع الصيت بين اليونانيين[519] يقول إن مُنشئ الكَوْن إذ رأى الكَوْن مضطربًا وفي خطر أن ينحدر إلى حالة الاضمحلال فإنه جلس على دفة حياة الكَوْن لينقذ الكَوْن ويصحح مساره[520]. فأي شيء إذًا لا يصدق عندما نقول إن البشرية عندما أخطأت[521] فإن الكلمة نزل إليها وظهر كإنسان[522] لكي يخلّصها من الاضطرابات بقيادته وصلاحه[523] الذاتي؟

 

الفصل الرابع والأربعون

وإن كان الله قد خلق الإنسان بكلمة فلماذا لا يخلّصه بكلمة؟ ولكن: (1) الخلقة من العدم تختلف عن إصلاح ما هو موجود فعلاً (2) والإنسان كان موجودًا وله حاجة معيّنة ويتطلب علاجًا معينًا. ولقد تأصل الموت في طبيعة الإنسان. فكان لابد للحياة أن تلتصق بالجسد وتصير فيه. لذلك تجسد الكلمة لكي يلتقي بالموت ويقهره في الجسد. تشبيه بالقش والاسبستوس.

1 ـ وربما بسبب الخجل[524] يوافقون على هذا[525]، ولكنهم يريدون أن يقولوا إن الله لو أراد أن يردَّ البشرية ويخلّصها كان يمكنه أن يفعل هذا بنطق عالٍ وبدون أن يتخذ كلمته جسدًا، أي بنفس الطريقة التي أوجد بها البشرية من العدم في البدء[526].

2ـ ونجيب على اعتراضهم هذا بجواب معقول قائلين إنه في البدء لم يكن شيء موجودًا بالمرة. فكل ما كان مطلوبًا هو مجرد “نطق” مع إرادة (إلهية) لإتمام الخلق[527]. ولكن بعد أن خُلق الإنسان (وصار موجودًا) واستدعت الضرورة علاج[528] ما هو موجود، وليس ما هو غير موجود، عندئذٍ كان من الطبيعي أن يظهر الطبيب والمخلّص فيما هو موجود لكي يشفي الخلائق الموجودة. لهذا السبب قد صار إنسانًا واستخدم جسده أداة بشرية.

3 ـ لأنه لو لم تكن هذه هي الطريقة الصحيحة فكيف كان ممكنًا للكلمة، الذي اختار أن يستخدم أداه “بشرية”، أن يظهر؟ أو من أين كان سيأخذ ” هذه الأداة “[529] إلاّ من أولئك الموجودين فعلاً، والذين هم في حاجة (أن يأتي) بلاهوته في واحد مشابه لهم؟[530] لأن الأشياء غير الموجودة لم تكن هي المحتاجة للخلاص (بالتجسد) بل كان يكفيها مجرد كلمة أو صدور أمر، ولكنه الإنسان (المخلوق) الذي كان موجودًا فعلاً وكان منحدرًا إلى الفساد والهلاك هو الذي كان محتاجًا أن يأتي الكلمة[531] ويستخدم أداة بشرية، ويعلن نفسه في كل مكان[532]، وكان هذا أمرًا طبيعيًا وصائبًا.

4 ـ ثم ينبغي أن يُعرف هذا أيضًا، أن الفساد الذي جرى لم يكن خارج الجسد، بل كان ملتصقًا به[533]، وكان الأمر يحتاج إلى أن تلتصق به الحياة بدلاً من الفساد حتى كما صار الموت في الجسد تصير الحياة في داخل الجسد أيضًا.

5 ـ والآن لو أن الموت كان خارج الجسد لكان من الملائم أيضًا أن تصير الحياة خارج الجسد أيضًا. ولكن ما دام الموت قد صار داخل نسيج الجسد وبوجوده في كيانه صار سائدًا عليه لذلك كان من اللازم أن تصير الحياة داخل نسيج الجسد أيضًا حتى إذا لبس الجسد الحياة بدل الموت فإنه يطرح عنه الفساد[534]. وإضافة إلى ذلك فلو افترضنا أن الكلمة قد جاء خارج الجسد وليس فيه، لكان الموت قد هُزم منه (من الكلمة) بحسب قانون الطبيعة، إذ إن الموت ليس له سلطان على الحياة. ولكن رغم ذلك، كان الفساد سيظل باقيًا في الجسد.

6 ـ لهذا السبب كان من الصواب أن يلبس المخلّص جسدًا لكي إذا اتحد الجسد ” بالحياة ” لا يعود يبقى في الموت كمائت بل إذ قد لبس عدم الموت فإنه يقوم ثانية ويظل غير مائت فيما بعد. ولأنه كان قد لبس الفساد فإنه لم يكن ممكنًا أن يقوم ثانية ما لم يلبس الحياة. وكما أن الموت بحسب طبيعته[535] لم يكن ممكنًا أن يظهر إلاّ في الجسد لذلك لبس الكلمة جسدًا لكي يلاقي الموت في الجسد ويبيده. لأنه كيف كان مستطاعًا البرهنة على أن الرب هو ” الحياة ” ما لم يكن قد أحيا ما كان مائتًا؟

7 ـ وكما أنه من الطبيعي أن القش تفنيه النار، فإذا افترضنا أن إنسانًا أبعد النار عن القش فرغم أنه لم يحترق يظل مجرد قش قابل للاحتراق بالنار لأن النار لها خاصية إحراقه بطبيعتها. أما لو حدث أن إنسانًا غلّف القش بمادة الأسبستوس[536] التي يقال عنها أنها لا تتأثر بالنار فإن القش[537] لا يتعرض لإحراق النار فيما بعد إذ قد تحصن بإحاطته بمادة غير قابلة للاحتراق.

8 ـ وبنفس الطريقة نستطيع أن نقول عن الجسد والموت. إنه لو كان الموت قد أُبعِدَ عن الجسد بمجرد إصدار أمر من الكلمة لبقى رغم ذلك قابلاً للموت والفساد بحسب طبيعة الأجساد[538]. ولكي لا يكون الأمر كذلك فإن كلمة الله الذي بدون جسد[539] قد لبس الجسد لكي لا يعود الموت والفساد يُرهب الجسد لأنه قد لبس الحياة كثوب[540] وهكذا أبيد منه الفساد الذي كان فيه[541].

 

الفصل الخامس والأربعين

ومرة أخرى نقرر أن كل جزء من الخليقة يعلن مجد الله. فالطبيعة وهي تشهد لخالقها تقدم شهادة ثانية (بالمعجزات) للإله المتجسد. وإذ انحرفت شهادة الطبيعة بسبب خطية الإنسان فقد أُجبرت على الرجوع إلى الحق بقوة أعمال المسيح. وإن لم تَكفِ هذه البراهين فليتأمل اليونانيون في الوقائع والحقائق الثابتة.

1 ـ إذن كان من الضروري أن يتخذ كلمة الله جسدًا ويستخدم أداةً بشريةً لكي يُحيي الجسد أيضًا، وكما أنه معروف في الخليقة بواسطة أعماله فيجب أن يُعرف بعمله في الإنسان أيضًا، وأن يُظهر نفسه في كل مكان، وبذلك لا يترك أيًا من المخلوقات مقفرًا من ألوهيته ومعرفته[542].

2 ـ فإنى أعود وأكرر[543] ما قلته سابقًا[544] إن المخلّص فعل ذلك حتى كما أنه يملأ كل الأشياء في كل مكان بحضوره هكذا أيضًا فإنه يملأ كل الأشياء من معرفته[545]، كما يقول الكتاب المقدس أيضًا: ” الأرض كلها امتلأت من معرفة الرب [546].

3 ـ لأنه إن نظر الإنسان إلى السماء فإنه سيرى تنظيمه لها[547]. ولكن إن كان لا يستطيع أن يرفع وجهه إلى فوق بل ينظر فقط بين الناس سيرى من خلال أعمال الله قوته التي لا مجال لمقارنتها بقوة البشر وسيعرف أن المسيح وحده بين البشر هو الله الكلمة (المتجسد)[548]. وإذا ضل إنسان، وإذا حوّل أحد نظره إلى الشياطين وكان يخاف منهم، فيمكنه أن يرى المسيح يطرد الشياطين ويتيقن بهذا أن المسيح هو صاحب السلطان عليها[549]. أو إذا نزل الإنسان إلى عمق المياه[550] وهو يتوهم أنها إله ـ كما كان المصريون مثلاً يعبدون الماء[551] ـ فإنه يمكن أن يرى طبيعة المياه تتغير بسلطانه (المسيح)[552] ويعرف أن المسيح الرب هو خالق المياه.

4 ـ أما إذا نزل إنسان إلى الهاوية، ووقف أمام أبطال العبادة الوثنية مرتعبًا منهم كآلهة فإنه يمكن أن يرى حقيقة قيامة المسيح ونصرته على الموت، ويدرك بهذا أن المسيح هو وحده الرب والإله الحقيقي[553].

5 ـ لأن الرب لمَسَ[554] كل أجزاء الخليقة وحرّرها من كل خداع كما يقول بولس: ” إذ جرّد الرياسات والسلاطين وأشهرهم جهارًا ظافرًا بهم في الصليب[555]، لكي لا ينخدع أي إنسان[556] فيما بعد بل يجد كلمة الله الحق في كل مكان.

6 ـ وهكذا إذ يكون الإنسان مُحاصرًا[557] من كل ناحية (بأعمال الخليقة) وإذ يرى ألوهية الكلمة مُعلنة في كل مكان ـ في السماء وفي الهاوية وفي الناس وعلى الأرض ـ فإنه لا يبقى مُعرّضًا للانخداع بأي فكر مُضل عن الله بل يَعبُد المسيح وحده وبه يأتي مباشرة ليعرف الآب.

7 ـ وعلى أساس هذه البراهين المعقولة[558] فإن اليونانيون بدورهم سيخزون. أما إن اعتبروا هذه البراهين غير كافية لتخجيلهم[559] فدعهم يتأكدون من صدق كلامنا بما سنقدمه (الآن) من حقائق ظاهرة أمام أنظار الجميع[560].

 

الفصل السادس والأربعون

افتضاح العبادة الوثنية، واستشارة الأوثان، والأساطير الخرافية، والأعمال الشيطانية، والسحر، والفلسفة الوثنية، منذ وقت التجسد. وبينما نرى العبادات القديمة محصورة في أماكنها المحلية ومستقلة بعضها عن بعض، نرى عبادة المسيح جامعة وعلى نسق واحد.

1 ـ فمتى بدأ الناس يهجرون عبادة الأوثان إلاّ عندما أتى كلمة الله الحقيقي[561] بين البشر؟ أو متى بطلت استشارة الأوثان[562] بين اليونانيين وفى كل مكان وصارت بلا معنى إلاّ عندما أظهر المخلّص نفسه على الأرض؟

2 ـ أو متى ظهر أن أولئك الذين دعاهم الشعراء آلهة وأبطالاً وهم ليسوا في الحقيقة إلاّ مجرد بشر مائتين إلاّ حينما أكمل الرب نصرته على الموت وحفظ الجسد الذي اتخذه غير فاسد، ولذلك أقامه من بين الأمـوات؟[563]

3 ـ متى صارت خداعات الشياطين وجنونهم محتقرة[564] إلاّ عندما تنازل قوة الله ـ الكلمة ـ الذي هو سيد الكل وسيدها أيضًا[565]، تنازل من أجل ضعف البشر[566] وظهر على الأرض؟ أو متى بدأت حرفة السحر وتعليمه تُداس بالأقدام إلاّ بعد أن صار الظهور الإلهي للكلمة بين البشر؟[567]

4 ـ وباختصار، متى صارت حكمة اليونانيين جهالة[568] إلاّ حينما أظهر حكمة الله الحقيقي نفسه على الأرض؟ ففي القديم ضّل العالم كله منقادًا في كل مكان لعبادة الأوثان، وكان البشر يعتقدون أن الأوثان وحدها هي الآلهة، أما الآن[569] فإننا نجد البشر في كل مكان يهجرون خرافة الأوثان ويأتون للمسيح، وإذ يعبدونه إلهًا لهم فإنهم بواسطته يعرفون الآب أيضًا الذي كانوا يجهلونه.

5 ـ والأمر المدهش أنه بينما تنوّعت المعبودات وتعدّدت ـ إذ كان لكل مكان صنمه الخاص، والذي كان يُعتبر إلهًا بينهم، لم يكن لهذا الصنم سلطان على المكان المجاور ليقنع الشعوب المجاورة بعبادته، بل كان بالكاد يُعبد بين شعبه فقط، إذ لم يكن أحد يعبد إله جاره قط، بل بالعكس كان كل واحد مرتبطًا بوثنه الخاص ومعتقدًا أنه سيد الكل، فإننا نرى المسيح وحده هو الذي يُعبد بين كل الشعوب إلهًا واحدًا للجميع في كل مكان. وما لم تستطع الأوثان الضعيفة أن تفعله، أي إقناع الذين يعيشون في مناطقهم بعبادتها ـ فَعَله المسيح إذ أقنع ليس فقط من يعيشون بالقرب منه بل أقنع كل المسكونة ليعبدوه ربًا واحدًا فقط، وبه يعبدون الله أباه[570].

 

الفصل السابع والأربعون

القضاء بعلامة الصليب على العرافات المتعددة والأشباح التي يتوهمون ظهورها في أماكن عبادتهم الخ. البرهان على أن الآلهة القديمة ما هي إلاّ مجرد بشر. افتضاح السحر. وبينما لم تستطع الفلسفة أن تقنع بالخلود والصلاح سوى جماعة محدودة محلية، فإن بعضًا من البشر ذوي الكفاءة المحدودة استطاعوا أن يقنعوا الجماهير العديدة في كل الكنائس بمبدأ الحياة التي تفوق الطبيعة.

 

1 ـ وبينما في القديم امتلأ كل مكان بخداع التنجيم وما اشتهرت به دلفى ودودنا وبوتيا وليكيا وليبيا ومصر، وما كان يُعجب به الناس من أعمال العرافة في كابرى وبيثيا، فإنه قد بَطُل الآن هذا الجنون، منذ أن بدأ التبشير بالمسيح في كل مكان، ولم يعد أحد من بين البشر يُنجِّم بعد[571].

2 ـ وبينما أضلّت الشياطين عقول البشر قديمًا باستخدامها الينابيع والأنهار[572] والأشجار والحجارة[573]، وهكذا أثرّت على بسطاء الناس بغواياتها فإن خداعاتها بَطُلت الآن بعد الظهور الإلهي للكلمة، لأنه حتى الإنسان العادي يستطيع بعلامة الصليب فقط أن يفضح ضلالاتها[574].

3 ـ وبينما كان البشر في السابق يعتقدون في زفس[575] وكرونوس[576] وأبوللو[577] والأبطال المذكورين في أشعارهم أنهم آلهة، وضلوا بعبادتهم لها[578] فالآن بعد أن ظهر المخلّص بين الناس فقد انكشف أمر أولئك، وظهر أنهم بشر مائتون، وعرف البشر أن المسيح وحده هو الإله الحقيقي كلمة الله.

4 ـ أو ماذا نقول عن السحر الذي كان يُدهش البشر؟ فإنه قبل مجيء الكلمة بيننا كان السحر له قوته وتأثيره بين المصريين والكلدانيين والهنود وكان يثير الرهبة في كل من شاهده، أما بعد مجيء الحق وظهور الكلمة فقد دُحض السحر تمامًا وأُبطل كلية.

5 ـ وأما عن الحكمة اليونانية وثرثرة الفلاسفة وضجيجهم فلا أظن أن أحدًا يحتاج أن نقدم له براهين من جانبنا. ذلك لأن الأعجوبة واضحة أمام أعين الكل. فبينما عجز حكماء اليونانيين عن أن يقنعوا ولو نفرًا قليلاً بواسطة كتاباتهم الكثيرة عن حقيقة الخلود[579] والحياة بحسب الفضيلة[580]، فإن المسيح وحده بلغته العادية، وبأشخاص غير فصحاء في الكلام، قد أقنع جماعات كثيرة من البشر أن يحتقروا الموت ويهتموا بالأمور التي لا تموت ولا تفنى، وأن يغضوا النظر عما هو زمني، وأن يحولوا أنظارهم للأمور الأبدية، وأن لا يفكروا في المجد الأرضي، بل يجاهدوا فقط لأجل الأمور التي لا تفنى.

 

الفصل الثامن والأربعون

حقائق أخرى. عفة العذارى المسيحيات والنساك. الشهداء. قوة الصليب ضد الشياطين والسحر. المسيح أظهر بقوته أنه أعظم من البشر ومن الأرواح، وأعظم من السحرة، لأن هذه كلها تخضع لسلطانه كلية. إذًا فهو كلمة الله.

1 ـ وما عرضناه[581] ليس هو مجرد كلام بل هناك اختبارات[582] فعليّة تشهد بأنه حق.

2 ـ فمن يُرد دعه يذهب ليرى برهان الفضيلة في عذارى المسيح والشبان الذين يعيشون حياة العفة المقدسة[583]، ويرى أيضًا في الجوقات[584] الكثيرة من شهداء المسيح، اليقين والثقة في الخلود[585].

3 ـ ومن يُرد أن يمتحن أقوالنا السابقة بطريقة عملية فدعه ـ في وجود خداع الشياطين وضلالات المنجمين وأعاجيب السحر ـ يستعمل علامة الصليب التي يسخرون منها، وينطق فقط باسم المسيح[586]، فيرى كيف تهرب الشياطين من اسمه، ويَبْطُل التنجيم، ويتلاشى كل سحر وعرافة[587].

4ـ إذن من هو المسيح هذا وما أعظمه، ذاك الذي باسمه وبحضوره يحجب كل الأشياء ويلاشيها[588]، وهو وحده يَقوى على الكل وهو قد (أنار) المسكونة كلها بتعليمه؟[589] فليخبرنا اليونانيون الذين يُسرّون بالاستهزاء بدون خجل.

5 ـ فإنه لو كان إنسانًا[590] فكيف استطاع إنسان واحد أن يَقوى على كل الذين يظن اليونانيين أنهم آلهة[591]، وأن يفضحهم بقوتـه ويُظهر أنهم لا شيء؟ أما إن دَعُوه ساحرًا[592] فكيف يمكن لساحر أن يبيد كل أعمال السحر بدلاً من أن يدعمها؟ لأنه لو كان قد قهر سحرة بعينهم، أو غلب ساحرًا واحدًا فقط، لجاز لهم أن يدّعوا أنه تفوق على الباقين بمهارته الأعظم[593] من مهارتهم

6 ـ أما إن كان صليبه قد ربح النصرة على كل سحر على الإطلاق، بل وعلى اسم السحر نفسه، فلابد أن يكون واضحًا أن المخلّص ليس ساحرًا[594]، إذ إن الشياطين نفسها ـ التي يستدعيها السحرة ـ تهرب منه (باعتباره) هو سيدها[595].

7 ـ فليخبرنا اليونانيون الذين حصروا كل ذهنهم في الاستهزاء إذن مَن يكون هو؟ ربما يقولون إنه هو أيضًا كان شيطانًا، وهذا هو سبب قوته، فليقولوا ما يشاءون، فإن استهزاءهم يرتد عليهم. فإنه من الممكن تخجيلهم مرة أخرى بواسطة براهيننا السابقة، لأنه كيف يمكن لمن يطرد الشياطين أن يكون شيطانًا؟

8 ـ لأنه لو كان فقط قد طرد شياطين معينة لكان يمكن أن يُقال إنه برئيس الشياطين قد غلب الشياطين الأضعف، وهذا هو ما قاله اليهود له عندما أرادوا أن يهينوه[596]. أما إن كان بمجرد ذكر اسمه قد تم استئصال كل جنود الشياطين وطُردت بعيدًا فقد اتضح هنا أيضًا أن اليونانيون مخطئون، وأن ربنا ومخلصنا المسيح ليس قوة شيطانية، كما يظنون.

9 ـ إذن إن كان المخلّص ليس مجرد إنسان وليس ساحرًا، ولا شيطانًا، ولكنه بألوهيته قد أبطل تعاليم الشعراء وضلالات الشياطين وحكمة اليونانيين، وطرحها في الظلام، فيجب أن يكون واضحًا وأن يعترف الجميع أن هذا هو بالحقيقة الكائن، ابن الله[597]، كلمة الآب وحكمته وقوته. وهذا هو السبب في أن أعماله أيضًا ليست أعمال إنسان، بل هي أسمى جدًا من أعمال الإنسان، وهي حقًا أعمال الله سواء من جهة طبيعة هذه الأعمال ذاتها أو من جهة مقارنتها بأعمال باقى البشر[598].

 

الفصل التاسع والأربعون

ميلاده ومعجزاته. أنتم تدعون أسكيليبوس وهرقل وديونيسيوس آلهة بسبب أعمالهم. فقارنوا بين أعمالهم وأعمال المسيح، والعجائب التي تمت عند موته الخ.

1 ـ ومَن مِن البشر وُلِدَ قط وقد شكّل لنفسه جسدًا من عذراء فقط؟[599] أو أي إنسان قط قد شفى أمراضًا كتلك التي شفاها رب الكل؟ أو مَن الذي أكمل نقصًا في الخلقة لإنسان، وجعل الأعمى منذ ولادته يُبصر؟[600]

2 ـ لقد اعتبر اليونانيون أسكيليبوس إلهًا[601] لأنه مارس الطب واكتشف أعشابًا لعلاج الأجساد المريضة وهو لم يخلق هذه الأعشاب من الأرض بل اكتشفها بالخبرة التي من الطبيعة. وماذا يكون هذا العمل بالمقارنة بما فعله المخلّص الذي بدلاً من أن يشفى جرحًا فإنه أكمل طبيعة إنسان أعمى منذ ولادته وأعاد جسده سليمًا؟[602]

3 ـ وقد عَبَد اليونانيون هيراكليس كإله لأنه حارب بشرًا مثله[603] وفتك بوحوش برّية بخداعه. وأين هذا مما فعله الكلمة بطرده للأمراض والشياطين، بل والموت نفسه، من الإنسان؟ وهم يعبدون ديونيسيوس لأنه علّم الإنسان شرب الخمور[604]، أما المخلّص الحقيقي ورب الكُلْ الذي علّم العفة والاعتدال فإن هؤلاء يهزأون به.

4 ـ بل وأكثر من ذلك، ماذا يقولون عن المعجزات الأخرى لألوهيته، فأي إنسان أظلمت الشمس وتزلزلت الأرض عند موته؟[605] فأي من البشر الذين يموتون كل يوم منذ القديم وإلى الآن[606] حدثت عند موته عجيبة كهذه؟!

5 ـ وإذ نترك الأعمال التي أكملها في جسده دعنا نتذكر تلك الأعمال التي تمت بعد قيامته. فأي إنسان ساد تعليمه وانتشر في كل مكان وهو نفس التعليم الواحد من أقاصي الأرض إلى أقاصيها، حتى إن عبادته قد انتشرت في كل البلاد؟[607]

6 ـ أو إن كان المسيح إنسانًا كما يدّعون وليس هو الله الكلمة فلماذا لم تستطع آلهتهم أن تمنع عبادة المسيح من أن تمتد إلى نفس البلاد التي تُعبد فيها تلك الآلهة، بل بالحري فإن الكلمة بظهوره هنا قد أوقف عبادتها وفضح ضلالها بتعليمه؟[608]

 

الفصل الخمسون

بموت المسيح افتضح ضعف المغالطين ومنافساتهم. قيامته لا مثيل لها حتى في الأساطير اليونانية.

1 ـ وقبل المسيح كان هناك ملوك وطغاة[609] كثيرون في العالم، كما سجلّ التاريخ أسماء العديد من الحكماء والسحرة بين الكلدانيين والمصريين والهنود[610]. فمَن منهم استطاع ليس فقط بعد موته، بل في حياته أيضًا[611]، أن يملأ كل المسكونة بتعليمه وأن يرد كل تلك الجموع الغفيرة عن أباطيل الأوثان مثلما فعل مخلّصنا، إذ نقلهم من عبادة الأوثان إلى شخصه؟

2 ـ لقد ألّفَ فلاسفة اليونانيين كتابات كثيرة بحكمة[612] واضحة ومهارة فهل كان لهذه الكتابات تأثير مثل التأثير العظيم الذي لصليب المسيح؟[613] فالفلسفة والأفكار التي علّموا بها كانت مقبولة حتى وفاتهم فقط، ولكن حتى في أثناء حياتهم فإن هذا التأثير العظيم كان موضع تنافس متبادل بينهم. لأنهم كانوا يغارون من بعضهم البعض ويهاجم كل منهم الآخر[614].

3 ـ أما كلمة الله، فالعجيب جدًا أنه بينما علّم بلغة أبسط[615] إلاّ أنه قد حجب بنور تعليمه (تأثير) أعظم الفلاسفة، وإذ جذب الجميع إلى نفسه فإنه قد ملأ كنائسه بينما أفرغ مدارسهم. والأمر المدهش أنه بنزوله إلى الموت كإنسان[616] أبطل أصوات الفلاسفة وتعاليمهم عن الأوثان.

4 ـ فهل هناك مَن كان موته يطرد الشياطين؟ أو مَن هو الذي ارتاعت الشياطين من موته كما فعلت عند موت المسيح؟ فحيث سُمّى اسم المخلّص[617] هناك يُطرد كل شيطان. ومَن هو الذي حرّر البشر من شهواتهم النفسانية حتى صار الزناة عفيفين[618] والقتلة لا يعودون يحملون السيف[619] والذين كان يتملكهم الجبن قبلاً صاروا شجعانًا؟[620]

5 ـ وبالإجمال، ما الذي أقنع سكان البلاد البربرية والوثنيين في كل مكان أن يتخلوا عن عنفهم الجنوني وأن يميلوا للسلام إلاّ الإيمان بالمسيح وعلامة الصليب؟ أو ما الذي أعطى للبشر مثل هذا اليقين بالخلود كما فعل صليب المسيح وقيامة جسده؟[621]

6 ـ فرغم أن اليونانيين[622] قد تكلموا بكل نوع من الأساطير الكاذبة لكنهم لم يستطيعوا أن يؤلفوا أساطير تنسب لأوثانهم القيامة، إذ لم يخطر ببالهم أبدًا أن الجسد يمكن أن يحيا أيضًا بعد الموت[623]. وهنا نحن نقبل ما يقولونه إذ بأقوالهم هذه يكشفون ضعف عبادتهم الوثنية، وذلك يؤدى للاعتراف بقيامة المسيح بالجسد، وبذلك أيضًا يُعرف عند الكل أنه ابن الله.

 

الفصل الواحد والخمسون

فضيلة البتولية. فاعلية تعليم المسيح في تغيير الطباع الوحشية والميل للقتل والحرب.

1ـ ومَن من البشر بعد موته أو حتى أثناء حياته علّم عن البتولية وعن أن هذه الفضيلة ليست مستحيلة بين الناس؟ أما المسيح مخلّصنا وملك الكل، فقد كانت تعاليمه عنها لها قوة عظيمة حتى إن الأحداث الذين لم يبلغوا السن القانونية كانوا ينذرون أنفسهم ليعيشوا حياة البتولية التي تفوق الناموس[624].

2ـ وأي إنسان استطاع أن يصل بتأثيره حتى إلى السكيثيين أو الأثيوبيين أو الفرس أو الأرمن أو الغوطيين[625] أو أولئك الذين يقال عنهم أنهم يسكنون فيما وراء البحار[626] أو سكان بلاد أركانيا[627] بل إلى المصريين والكلدانيين[628]، هؤلاء الذين ينشغلون بالسحر ويبالغون في ميلهم للخرافات[629] ولهم طباع شرسة، وأي إنسان استطاع أن يكرز بالفضيلة وضبط النفس ويندد بعبادة الأوثان كما فعل رب الكل، قوة الله، ربنا يسوع المسيح؟

3ـ فالمسيح لم يكرز فقط بواسطة تلاميذه بل أقنع عقول البشر[630] بالتخلي عن طباعهم الفظة والكف عن عبادة آلهة آبائهم[631]، بل وأن يتعلموا أن يعرفوه وأن يعبدوا الآب عن طريقه.

4ـ فاليونانيون والبرابرة[632]حينما كانوا لا يزالون يعبدون الأوثان اعتادوا أن يحاربوا بعضهم بعضًا[633]. وكانوا قساة حتى على ذويهم[634]. ولم يكن ممكنًا على الإطلاق للواحد منهم أن يَعبُر بحرًا أو أرضًا دون أن يكون متسلحًا بالسيوف بسبب الحروب المستمرة بينهم.

5 ـ وكانوا يستعملون السلاح في كل مسيرة حياتهم، إذ كانوا يعتمدون على السيف[635] عوض العصى كسند لهم. ولم تستطع عبادتهم للأوثان بكل ما فيها مع تقديم الذبائح للشياطين[636] أن تغّير من روحهم المتوحشة.

6ـ ولكن حينما انتقلوا إلى نهج تعاليم المسيح حدث أمر عجيب إذ إنهم قد نخسوا في ضمائرهم[637] حقًا وتخلوا عن وحشية القتل، ولم يعودوا يفكّرون في القتال والحرب بل أصبحوا يعيشون في سلام تام، وصار كل ما يؤول إلى المودة والصداقة هو أهم شيء لديهم.

 

الفصل الثاني والخمسون

الحروب التي حركتها الشياطين أبطلتها المسيحية.

 

1ـ فمَن هو إذًا الذي فعل هذا[638]؟ ومَن هو الذي وحّد بين الذين كانوا يبغضون بعضهم بعضًا وجعلهم في سلام سوى ابن الآب المحبوب، مخلّص الكُلْ، يسوع المسيح، الذي بمحبته احتمل كل شيء لأجل خلاصنا[639]؟ فقد تم التنبؤ منذ القِدم عن السلام[640] الذي كان مزمعًا أن يأتي به إذ يقول الكتاب “فيطبعون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل، لا ترفع أُمّة على أُمّة سيفًا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد “[641].

2ـ وهذا أمر لا شك فيه، فالبرابرة ذوي الأخلاق الوحشيّة بالفطرة[642]، حينما كانوا لا يزالون في عبادتهم الوثنية، كانوا يحاربون بعضهم بعضًا بجنون، ولا يحتملون أن يبقوا ساعة واحدة بدون سلاح.

3ـ ولكن حينما يسمعون تعليم المسيح فإنهم في الحال يتحولون إلى أعمال الزراعة بدلاً من القتال، وبدلاً من تسليح أيديهم بالسيوف فإنهم يرفعونها في الصلاة[643]، وبالإجمال فإنهم عوض أن يحاربوا بعضهم بعضًا يتسلحون ضد الشيطان وضد الأرواح الشريرة[644]، وينتصرون عليها بفضيلة النفس وضبط الذات.

4ـ هذا هو بلا شك برهان على ألوهية المخلّص، لأنه علّم البشر[645] ما عجزوا عن أن يتعلموه من الأوثان[646]، كما أنه افتضاح ليس بقليل لضعف الشياطين والأوثان ودليل على أنها لا شيء. فالشياطين لأنها تعرف ضعفها كانت تحرّض البشر قديمًا ليحاربوا بعضهم بعضًا[647]، لئلا إن كفوا عن ذلك تحولوا إلى محاربة الشياطين.

5ـ فتلاميذ المسيح بدلاً من أن يحاربوا بعضهم بعضًا فإنهم يصطفّون في مواجهة الشياطين بأخلاقهم وأعمالهم الفاضلة[648]، فيطردونها[649] ويهزأون برئيسها. وهكذا فإن تلاميذ المسيح يضبطون أنفسهم في شبابهم، ويحتملون التجارب[650]، ويثابرون في الأتعاب، وحينما يُشتمون يصبرون، وان سُلبوا لا يبالون. والأمر المدهش أكثر أنهم يحتقرون الموت نفسه[651]، ويصيرون شهداء للمسيح.

 

الفصل الثالث والخمسون

كل العبادة الوثنية قد هبطت إلى أسفل السافلين بضربة واحدة من المسيح إذ إنه تحدث سرًا إلى ضمير الإنسان.

1ـ ولنذكر أيضًا برهانًا عجيبًا جدًا على ألوهية المخلّص فنقول[652]: أي إنسان عادى أو ساحر أو طاغية أو ملك استطاع أن يواجه بنفسه ويحارب ضد كل عبادة وثنية وكل قوات الشياطين[653] وكل سحر وكل حكمة لليونانيين بينما كان كل هؤلاء في أوج قوتهم وازدهارهم، باسطين نفوذهم على الكُلْ؟ ومَن استطاع أن يوقعهم جميعًا بضربة واحدة[654] مثلما فعل ربنا كلمة الله الحقيقي[655]، الذي يكشف في الخفاء[656] ضلالات جميع الناس ويخلّص بنفسه كل البشر من هذه الضلالات كلها، حتى إنهم صاروا يدوسون الأوثان التي كان يعبدونها من قبـل؟ أما الذين اشتهروا بالسحر فصاروا يحرقون كتبهم[657]. والحكماء صاروا يفضّلون تفسير الأناجيل على كل الدراسات الأخرى.

2ـ والآن صاروا يهجرون المعبودات التي كانوا يعبدونها من قَبل[658]، وذلك الذي كانوا يهزأون به كمصلوب صاروا الآن يعبدونه مسيحًا، معترفين به أنه الله. والذين كانوا يُدعَون آلهة بينهم غُلبوا بعلامة الصليب. أما المخلّص المصلوب فقد صار ينادى به في كل المسكونة إلهًا وابن الله. والآلهة التي كان يعبدها اليونانيون سقطت في نظرهم لأنها كانت معثرة لهم[659]. أما أولئك الذين قبلوا تعاليم المسيح فإنهم يعيشون حياة أكثر عفة منهم.

3ـ فإن كانت هذه الأمور وما يماثلها هي أعمال بشرية فليذكر لنا ـ مَن يريد ـ أعمالاً مماثلة عملها البشر في عصر سابق وهكذا يمكنه أن يقنعنا[660]. أما إن ثبتَ أن هذه الأمور ليست أعمال بشر بل أعمال الله، وهي كذلك فعلاً، فلماذا يبقى غير المؤمنين على ضلالاتهم ولا يعترفون بالرب الذي عملها؟[661]

4ـ مثلهم مثل إنسان عجز أن يعرف الله الخالق من أعمال خليقته. لأنهم لو عرفوا ألوهيته من خلال سلطانه على الكَوْن لكانوا قد أدركوا أن أعمال المسيح التي عملها في الجسد ليست أعمالاً بشرية بل هي أعمال مخلّص الجميع كلمة الله[662]. ولو كانوا قد عرفوا هذا حينذاك ” لما صلبوا رب المجد” كما قال بولس الرسول[663].

 

الفصل الرابع والخمسون

إن الكلمة المتجسد يُعرف لنا بأعماله كما هو الحال مع الله غير المنظور. وبأعماله ندرك رسالته التي يريد بها أن يجعلنا آلهة. ولنكتفِ بذكر القليل منها تاركين كثرتها المبهرة للأبصار لمن يريد أن يبصر.

 

1ـ وهكذا إذن، فكما أنه إذا أراد أحد أن يرى الله، غير المنظور، الذي هو بطبيعته غير منظور ولا يمكن رؤيته قط، فيمكنه أن يعرفه ويدركه من أعماله[664] كذلك فعَلى من لا يستطيع أن يرى المسيح بعقله[665] أن يدركه على الأقل من أعمال جسده، ويفحص إن كانت هذه أعمال بشريّة أم أعمال الله.

2ـ فإن كانت أعمالاً بشرية جاز له يسخر[666]، أما إن لم تكن بشريّة بل هي أعمال الله فلا ينبغي أن يسخر مما لا يستحق السخرية بل بالحري فليتعجب لأنه بواسطة وسائل عادية جدًا كهذه أُظهرت لنا الإلهيات[667]، ولأنه بواسطة الموت طال عدم الموت الجميع، ولأنه بتأنس الكلمة عُرفت عنايته بكل الأشياء، كما عُرف كلمة الله نفسه خالقها وواهبها.

3ـ لأن كلمة الله صار إنسانًا لكي يؤلهنا نحن[668]، وأظهر نفسـه في جسد لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور[669]، واحتمل إهانة البشر لكي نرث نحن عدم الموت[670]. لأنه بينما لم يمسه هو نفسه أي أذى، لأنه غير قابل للألم أو الفساد، إذ هو الكلمة ذاته[671] وهو الله، فإنه بعدم قابليته للتألم حفظ وخلّص البشر[672] الذين يتألمون والذين لأجلهم احتمل كل هذا[673].

4ـ وباختصار فإن الأعمال التي حققها المخّلص بتأنسه عظيمة جدًا[674] في نوعها وكثيرة في عددها، حتى أنه إذا أراد أحد أن يحصيها فإنه يصير مثل الذين يتفرسون في عرض البحر ويريدون أن يحصوا أمواجه. لأنه كما أن الإنسان لا يستطيع أن يحصى كل الأمواج بعينيه، لأن الأمواج تتتابع بطريقة تبلبل ذهن كل من يحاول ذلك، هكذا مَن يحاول أن يحصى كل أعمال المسيح في الجسد، فمن المستحيل أن يدركها كلها إذ إن الأعمال العظيمة التي تفوق ذهنه هي أكثر من تلك التي يظن أنه قد أدركها[675].

5ـ إذًا فمن الأفضل ألاّ يحاول الإنسان أن يتحدث عنها كلها مادام لا يستطيع أن يوفي ولو جزءًا منها حقه، وإن ذكرنا عملاً آخر منها فإننا نترك لك باقي الأعمال كلها للتعجب منها. لأنها كلها عجيبة على السواء. وأينما وجّه الإنسان بصره فإنه يرى ألوهية الكلمة ويتملك عليه الذهول العظيم.

 

الفصل الخامس والخمسون

ملخص لما سبق. إبطال العرافة الوثنية ألخ وانتشار الإيمان. لقد جاء الملك الحقيقي وأسكت كل المغتصبين.

 

1ـ وبعد كل ما قلناه يحق لك أن تعلم هذا أيضًا وأن تضعه أساسًا لكل ما سبق أن قررناه وأن تتعجب منه بشدة، وهو أنه منذ مجئ المخلّص بيننا فإن العبادة الوثنية لم تعد تنمو بل إن ما كان موجودًا منها قبلاً بدأ يتناقص ويتلاشى تدريجيًا. وبالمثل فلم يبطل تقدم الفلسفة (الوثنية) اليونانية فحسب بل إن ما كان موجودًا منها بدأ الآن يذبل. والشياطين لم تعد قادرة على خداع الناس بالخيالات والعرافة والسحر، وإن تجاسرت وحاولت أن تفعل ذلك أُخجِلت بعلامة الصليب[676].

2ـ ونلخص الحديث هكذا: لاحظ كيف أن تعليم المخّلص يزداد انتشارًا في كل مكان بينما كل عبادة وثنية وكل ما يتناقض مع إيمان المسيح يذبل كل يوم ويضعف ويتلاشى. وهكذا إذ تنظر ذلك فاعبد المخلّص الذي هو فوق الكل[677]، والمقتدر أي الله الكلمة، واشجب هؤلاء الذين غلبهم وأبادهم.

3ـ لأنه كما أنه حينما تأتى الشمس فلا تسود الظلمة بعد، وإن بقى شيء منها في أي موضع فإنه يتبدد[678]، هكذا يحدث الآن، فإنه عندما أتى الظهور الإلهي لكلمة الله فإن ظلمة العبادة الوثنية لم تعد تسود بعد، وأصبحت كل أجزاء المسكونة مستنيرة بتعليمه.

4ـ فكما أنه إن كان هناك مَلَك يملك في بلد ما لكنه لا يظهر لشعبـه بل يلازم قصره فإن المارقين إذ ينتهزون فرصة عدم ظهوره يعلنون عن أنفسهم وكل منهم يدّعى أنه ملك ويحاول التأثير على البسطاء وإقناعهم بأنه ملك، وهكذا ينخدع الناس بهذا الاسم، لأنهم بينما يسمعون أن هناك ملكًا فإنهم لا يرونه لعدم استطاعتهم الدخول إلى القصر[679]، ولكن حينما يخرج الملك الحقيقي ويظهر فحينئذ يفتضح أمر أولئك المارقين بظهوره[680]. وإذ يرى الناس الملك الحقيقي فإنهم يهجرون أولئك الذين أضلوهم سابقًا.

5ـ وبنفس الطريقة فإن الأرواح الشريرة قد أضلت البشر في القديم منتحلة لنفسها كرامة الله. ولكن عندما ظهر كلمة الله في الجسد، وعرّفنا بأبيه، فحينئذ بَطلت وتبددت خداعات الأرواح الشريرة. وإذ بدأ البشر يحوّلون أنظارهم إلى الإله الحقيقي، كلمة الآب، فإنهم أصبحوا يهجرون الأصنام، وصاروا الآن يعرفون الإله الحقيقي[681].

6ـ والآن هذا هو البرهان على أن المسيح هو الله الكلمة، وقوة الله. لأنه إن كانت الأمـور البشرية تُبطَل وكلمة المسيح تثبت فيكون واضحًا أمام أنظار الجميع أن ما يبطُل هو وقتي[682]، أما ما يثبت فهو الله وابن الله الحقيقي، كلمته الوحيد الجنس.

 

الفصل السادس والخمسون

فتّش الكتب وبذلك تتمم هذا البحث.

تعلّم أن تترقب مجيئه الثاني ويوم الدينونة.

1ـ فلتكن هذه إذًا هي تقدمتنا إليك أيها الإنسان المحب للمسيح كمبادئ أساسية موجزة عن إيمان المسيح وظهوره الإلهي لنا. وهذا يعطيك فرصة لكي تفحص نصوص الكتب المقدسة وتُعمِل ذهنك فيها بإخلاص، فتتعلّم منها بصورة أكمل وبوضوح أكثر[683] التفاصيل الدقيقة لما سبق أن قلناه.

2ـ لأنها نصوص[684] قد نُطق بها وكُتبت من الله على أيدي أناس تكلموا من الله. ونحن نعرّفك بما تعلمناه من المعلّمين الذين درسوا الكتب المقدسة، والذين صاروا شهودًا لألوهية المسيح[685]، وذلك لكي تزداد غيرة بدورك في الدراسة والتعلم.

3ـ وستتعلم أيضًا من الكتب عن ظهوره الثاني المجيد، الإلهي والحقيقي. حيث لا يظهر بعد في فقر بل في مجد، ولا يظهر بعد متخفيًا متواضعًا بل في عظمته. وهو سيأتي لا ليتألم ثانية بل ليقدم للجميع ثمر صليبه، أي القيامة وعدم الفساد. ولا لكي يُحكم عليه بعد بل ليدين الجميع بحسب ما صنع كل واحد في الجسد خيرًا كان أم شرًا[686] حيث أعد للصالحين ملكوت السموات، أما للذين عملوا السيئات فالنار الأبدية والظلمة الخارجية.

4ـ لأنه هكذا يقول الرب نفسه أيضًا ” من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء في مجد الآب [687].

5ـ ولهذا السبب عينه نجد أيضًا كلمة للمخلّص تهيئنا لذلك اليوم إذ يقول ” كونوا مستعدين واسهروا لأنه يأتي في ساعة لا تعلمونها[688] لأنه بحسب قول الرسول بولس ” لأنه لابد أننا جميعًا نُظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحدٍ ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًا [689].

 

الفصل السابع والخمسون

وفوق كل شيء عش الحياة التي تؤهلك للأكل من هذه الشجرة، شجرة المعرفة والحياة، وتتمتع بالأفراح الأبدية. تسبحة ختامية.

 

1ـ إن دراسة الكتب المقدسة ومعرفتها معرفة حقيقية تتطلبان حياة صالحة، ونفسًا طاهرة[690] وحياة الفضيلة التي بالمسيح[691]. وذلك لكي يستطيع الذهن ـ باسترشاده بها ـ أن يصل إلى ما يتمناه وأن يدرك بقدر استطاعة الطبيعة البشرية ما يختص بالله الكلمة[692].

2ـ فبدون الذهن النقي، والتمثل بحياة القديسين، لا يستطيع الإنسان أن يفهم أقوال القديسين. فكما أنه إذا أراد إنسان أن يبصر نور الشمس عليه أن يمسح عينيه ويجليها، لكي تقترب نوعًا ما من نقاوة النور الذي يريد أن يراه، حتى إذا استنارت العين يمكنها أن ترى نور الشمس. أو كما أنه إذا أراد إنسان أن يرى مدينة أو قرية فيجب عليه أن يذهب إلى هناك لكي يراها[693]، هكذا فمن يريد أن يعرف فكر أولئك الذين يتكلمـون عن الله[694] يلزمه بالضرورة أن يبدأ بغسل نفسه وتطهيرها بتغيير طريقة حياته ويقترب إلى القديسين أنفسهم بالاقتداء بأعمالهم. وهكذا إذ يشترك معهم في السلوك يمكنه أيضًا أن يفهم ما قد أُعلن لهم من الله، وبعد ذلك إذ يكون قد ارتبط بهم ارتباطًا وثيقًا فإنه يفلت من الخطر المحدق بالخطاة والنار في يوم الدينونة، ويحصل على ما أُعِدَ للقديسين في ملكوت السموات، ” ما لم تَرَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان[695] ما أُعد للذين يعيشون في الفضيلة، ويحبون الله الآب بالمسيح يسوع ربنا الذي به ومعه يحق للآب نفسه، مع الابن نفسه، في الروح القدس، الكرامة والقدرة والمجد إلى دهر الدهور[696] أمين.

 

1 كلمة الآب ليست مثل كلمة البشر لأن الآب يضبط كل الأشياء بالكلمة، فهو خالق. انظر أيضًا فصل 3/3 “… ولذلك خلق كل الأشياء من العدم بكلمته يسوع المسيح ربنا “، 17/1 “… فهو (أي الكلمة) حاضر في كل الأشياء… ضابطًا كل الأشياء ومظهرًا سيادته على كل شيء وعنايته بكل شيء وواهب الحياة لكل شيء “، 42/4ـ6 “… لأنه (أي الكلمة) بقدرته الذاتية هو موجود في الكل وفي الجزء ويضبط كل الأشياء بغير حدود “، ضد الوثنيين 41/1.

2 انظر القديس أثناسيوس: ضد الوثنيين 35/1.

3 أع28:17، انظر أيضًا فصل 31/3 “… فابن الله هو حيّ وفعّال “.

4 يقصد التجسد، حيث أن تعبير ظهوره الإلهي هو مرادف لمصطلح تجسد.

5 انظر 1كو23:1.

6 استهزاء غير المؤمنين بالكلمة تجلى واضحًا في كلامهم عن موت الابن بالصليب. انظر فصول

 21ـ25.

1 انظر مت26:19.

2 انظر فصل 7/2.

3 انظر الفصول 18، 21.

4 انظر فصل 47. انظر أيضًا القديس أثناسيوس: ضد الوثنيين 1.

5 ضد الوثنيين 41/2.

6 انظر القديس أثناسيوس. المقالة الثالثة ضد الأريوسيين فقرة 57.

7 لأجل خلاصنا “ di¦ t»n ¹mîn swthr…an “.هذه العبارة وردت أيضًا في قانون الإيمان الذي أقرّه مجمع نيقية سنة325م. وكثيرًا ما يكرر القديس أثناسيوس هذا التعبير في هذا المقال. انظر الفصول 4/3 ” فلأجل قضيتنا تجسد لكى يخلّصنا “، 32/6 “… الذي في الأزمنة الأخيرة اتخذ جسدًا لأجل خلاص الجميع “، 52/1 “… يسوع المسيح الذي احتمل كل شيء لأجل خلاصنا “.

8 سيتكلم القديس أثناسيوس عن هذا الأمر بالتفصيل في الفصول من 6ـ8.

1 تمثل هذه الجملة التي يختم بها القديس أثناسيوس الفصل الأول، تعليمًا أساسيًا له عن الخلاص وهو يرددها دائمًا في هذا الكتاب.

1 وهم أصحاب مذهب “المعرفة” الذين كانوا يعتقدون أيضًا أن الخلاص يأتي بالمعرفة.

2 هم أتباع ابيكوروس الفيلسوف الوثني الذي وُلِدَ سنة 341 ومات سنة 270 ق.م. ويرد القديس أثناسيوس على أفكار الابيكوريين ـ بدون أن يذكر أسماءهم ـ في دفاعه عن قانون إيمان مجمع نيقية. فصل 19 وأيضًا في كتابه عن مجمعي أرمينيا وسيلفكيا. فقرة 35.

1 انظر القديس أثناسيوس: ضد الوثنيين. فصول 28، 35، 37.

2 انظر أفلاطون: (429ـ347ق.م) T…maioj 2ge ويشير القديس أثناسيوس إلى أفلاطون الذي كان يفتخر بمعرفته بالله، إلاّ أن إيمانه لم يكن بالله الخالق، وهكذا فإنه لم يكن يعبد الله الحي بل الإلهة أرطاميس كأحد الآلهة التي اخترعتها البشر. انظر: ضد الوثنيين. فصل 10/4.

3 انظر القديس أثناسيوس ضد الأريوسيين المقالة الثانية. فصل 22.

4 انظر القديس أثناسيوس. الدفاع عن قانون إيمان مجمع نيقية. فصل 11.

1 يقصد الغنوسيين وعلى وجه الخصوص ماركيون. انظر أيضًا القديس أثناسيوس: ضد الوثنيين. فصل6 حيث يفند تعاليم ماركيون.

2 مت 4:19ـ6 وربما استخدم القديس أثناسيوس هذا الشاهد للرد على فكر خاطئ آخر لأتباع ماركيون إذ كانوا ينادوا بتحريم الزواج.

3 يو 3:1 استخدمت هذه الآية بواسطة القديس إيريناؤس للرد أيضًا على تعاليم ماركيون (انظر ضد الهرطقات 2/2، 4). إذ أن ماركيون كان يعلّم بأن الله الخيّر قد خلق الأشياء غير المنظورة والسماء الثالثة وإله العهد القديم خلق الأشياء المنظورة. وهنا يرد القديس أثناسيوس بأن الله خلق كل شيء بالمسيح.

1 يقصد القديس أثناسيوس التعاليم الخاطئة التي يخترعها البشر عن الله، وفي المقابل يوجد التعليم الإلهي الموحى به. انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 43 حيث يذكر القديس أثناسيوس بعضًا من هذه الهرطقات.

2 تك 1:1.

3 يكرر القديس أثناسيوس رأيه بنفع هذا الكتاب في الرسالة الفصحية. رقم 39.

4 كتاب الراعي لمؤلفه هرماس 1/1.

5 عب 3:11.

1 ذكر القديس أثناسيوس هذا التعبير في المقال السابق (ضد الوثنيين) فصل41 وبأكثر وضوح: “والصالح لا يمكن أن يحسد (أحدًا) على أى شئ، ولهذا السبب فإنه لا يمكن أن يحسد أحدًا حتى على الوجود، بل يُسّر أن يوجد الجميع ليتمكن أن يُظهر لهم محبته للبشر”.

2 يرد على ما جاء عند أفلاطون في tˆmaioj انظر أيضًا القديس أثناسيوس: ضد الوثنيين. فصل 41.

3 انظر فصل 11/1 “… ولهذا فإن الله بسبب صلاحه تحنن على الجنس البشرى ولم يتركهم بعيدًا عن معرفته “.

4 تك 26:1ـ27 انظر أيضًا القديس أثناسيوس: ضد الوثنيين. فصل 34/3.

5 انظر القديس أثناسيوس: ضد الوثنيين. فصل 2/2.

6 الربط بين كون الإنسان له شركة في قوة الكلمة وبين كونه عاقلاً وحكيمًا هو تعليم اسكندرى منذ عصر فيلو ويشرح القديس أثناسيوس هذا الأمر في المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرات 78ـ81

7 انظر: ضد الوثنيين 2/4 ويذكر القديس أثناسيوس فرح حياة الفردوس في عدة مواضع من كتاباته، والجدير بالذكر أنه يرى أن الإنسان في مرتبة الملائكة وأن الفردوس هو موضع القديسين وكثيرًا ما ربط بين الفردوس والأديرة واصفًا إياها بأنها مواضع سكنى إلهية، انظر: الرسالة الفصحية29، حياة أنطونيوس 44، الرسالة إلى الرهبان.

1 انظر المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 52 حيث يميّز بين كلمة الله غير المتغير والبشر ذوى الطبيعة المتغيرة. انظر أيضًا المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة 62، 66.

2 في المقال ضد الوثنيين 2/4 يعبّر القديس أثناسيوس بطريقة رمزية عن المكان الذي كان يعيش فيه آدم فيقول: “.. في المكان الذي كان فيه الذي دعاه القديس موسى رمزيًا بالجنة “.

3 انظر ضد الوثنيين 41/3.

4 انظر ضد الوثنيين 3/3ـ4.

5 تك 16:2ـ17.

1 انظر فصل 20 حيث يوضح فيه القديس أثناسيوس هدف المقال.

2 انظر فصل 43.

3 هذا تعليم أساسى ليس في العهد الجديد فقط لكن في العهد القديم أيضًا، وهو أن الله أراد أن يظل الإنسان في حالته الأولى بغير فساد، كما خلقه.

4 الجدير بالملاحظة أن القديس أثناسيوس بدلاً من تعبير “آدم” يستخدم تعبير البشر، وهو تعبير يدل ليس على إنسان بمفرده بل على كل البشر، تأكيدًا منه على وحدة الجنس البشرى.

1 الرسالة إلى الوثنيين فصل 3ـ5.

2 انظر ضد الوثنيين. فصل 2.

3 انظر ضد الوثنيين. فصل 3. وعن ضرورة أن يكون الفكر والذهن نقيًا انظر: تجسد الكلمة. فصل 57.

4 رومية14:5 وكثيرًا ما يعطى القديس أثناسيوس تشبيهات لأعمال الله بأعمال الملك. انظر فصل9.

5 انظر فصل 21/4 “… إن الموت الذي يصيب البشر عادةً يأتيهم بسبب ضعف طبيعتهم وإذ هم لا يستطيعون البقاء لزمن طويل فإنهم ينحلون في الزمن المحدد “.

6 تكرار لما جاء في فصل 41 من ضد الوثنيين. والفصل 3 من تجسد الكلمة.

7 انظر ضد الوثنيين. فصل6.

8 انظر ضد الوثنيين 2/2.

1 سفر الحكمة 19:6.

2 انظر ضد الوثنيين2/15.

3 مز 6:82،7 ويشرح القديس أثناسيوس هذه الآية في المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 9 فيقول ” أما بالنسبة للكائنات الأخرى التي قال لها: أنا قلت أنتم آلهة، فإنها حصلت على هذه النعمة من الآب وذلك فقط بمشاركتها للكلمة عن طريق الروح القدس “.

1 انظر مقدمة هذا الفصل بمقدمة الفصل الرابع.

2 سفر الحكمة 23:2ـ24. ويلاحظ أن بداية صلاة الصلح في القداس الباسيلى مأخوذة من هذه الآيات من سفر الحكمة.

3 انظر ضد الوثنيين. فصل 3.

1 انظر ضد الوثنيين. فصل 4.

2 انظر القديس أثناسيوس: ضد الوثنيين. فصل 5. ويعود القديس أثناسيوس فيذكر في الفصول30، 48، 52 من تجسد الكلمة أن المسيح بتجسده أعطى شفاءً من كل هذه الأعمال.

3 رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 26:1ـ27. انظر أيضًا ضد الوثنيين. فصول 5، 9، 32.

1 “.. في آدم كل ذرية الجنس البشرى ” انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 48.

2 انظر فصل 3.

1 ” وكان لها شركة في الكلمة (toà LÒgou aÙtoà metascÒnta) انظر أيضًا القديس أثناسيوس: ضد الوثنيين فصل46، حيث يرد مصطلح شركة metoc»n وكثيرًا ما يستخدم القديس أثناسيوس هذا المصطلح أو الفعل يشترك metšcw في وصف العلاقة بين البشر والكلمة. ويقصد القديس أثناسيوس أن نعمة خلق الإنسان على صورة الله وما يُعبّر عنها هنا بشركة في الكلمة، كانت تمنح للإنسان إمكانية الغلبة على الموت والفساد كما وضح ذلك من قبل في فصل 3.

2 انظر فصل 14/1.

1 تعبير ” الحق ” ¢l»qeia يرتبط في إنجيل يوحنا بالأقانيم الثلاثة، فالمسيح يدعو نفسه الحق ¢lºqeian (يو6:14) والروح القدس روح الحق “ pneÚma tÁj ¢lhqšiaj “ (يو17:14، 13:16) والآب ليس فقط أبو الحق بل هو أيضًا صادق “ qeÒn ¢lhq» “ يو33:3.

2 انظر القديس أثناسيوس: الرسالة الفصحية رقم 19/3.

3 يكرر القديس أثناسيوس نفس السؤال الذي وضعه في الفصل السابق (6/7) ” فطالما طال الفساد الخليقة العاقلة وكانت صنعة الله في طريقها للفناء، فما الذي كان يجب على الله الصالح أن يفعله؟ “. غير أن السؤال هناك كان يتعلق بصلاح الله الذي كان من غير اللائق به أن يترك خليقته تتلاشى أمام عينيه، أما السؤال هنا فإنه يتعلق بكون الله أمينًا من جهة حكم الموت وعدم لياقة أن يظهر الله ابو الحق كاذبًا من أجلنا.

1 هنا يرد القديس أثناسيوس على مَن لا يجدون ضرورة لتجسد الكلمة ويرون أن هناك طرقًا أخرى لخلاص البشر. احدى هذه الطرق هي التوبة. وفي فصل 44 يرد على رأى آخر ينادى بإمكانية إصلاح الخليقة بمجرد نطق عالٍ دون حاجة إلى تجسد الكلمة.

2 انظر فصل ¼ “… وهكذا يتضح أنه ليس هناك تناقض في أن يتمم الآب خلاص العالم بالكلمة الذي به خُلق العالم “.

3 انظر فصل 13/7 حيث يشرح القديس أثناسيوس معنى هذه العبارة بالتفصيل “… إذن فما هو الذي كان ممكنًا أن يفعله الله؟ وماذا كان يمكن أن يتم سوى تجديد الخليقة التي وُجدت على صورة الله، مرة أخرى، ولكي يستطيع البشر أن يعرفوه مرة أخرى؟ ولكن كيف كان ممكنًا لهذا الأمر أن يحدث إلاّ بحضور نفس صورة الله ـ مخلّصنا يسوع المسيح؟ كان ذلك الأمر مستحيلاً أن يتم بواسطة البشر[72] لأنهم هم أيضًا خُلِقوا على مثال تلك الصورة. (وليس هم الصورة نفسها)، ولا أيضًا بواسطة الملائكة لأنهم ليسوا صورًا (لله) ولهذا أتى كلمة الله بذاته لكي يستطيع ـ وهو صورة الآب ـ أن يجدّد خلقة الإنسان، على مثال الصورة “.

4 انظر 1يو 1:2، عب 25:7، 24:9.

1 الصفات التي يستخدمها القديس أثناسيوس عن الكلمة بأنه بلا جسد، عديم الفناء، غير المادي لا ترد بالطبع في كتابات الفلاسفة عن الله، إذ هي تحديدات من العصر المسيحي، ويقصد بها هنا القديس أثناسيوس توضيح الفرق بين طبيعة كلمة الله وطبيعة البشر المادية المخلوقة. انظر دفاعه عن قانون إيمان مجمع نيقية. فصل10. وتعبير “غير المادي” يوضح ألوهية الكلمة. انظر فصل 2/3، 4.

2 يعود القديس أثناسيوس لشرح هذه الحقيقة في فصل 17.

3 في فصل (6) يذكر القديس أثناسيوس “.. فقد كان من غير اللائق بالمرة أن تفنى المخلوقات أمام عيني الخالق”، وهنا في فصل (8) يوضح حالة الجنس البشرى وما قد رأي الله أنها وصلت إليه، مستخدمًا فعل “رأى” خمس مرات، وهذه الحالة التي رآها الله هي التي ” لأجلها إذن نزل إلى عالمنا كلمة الله.. وأخذ لنفسه جسدًا لا يختلف عن جسدنا “.

1 انظر فصل 5/3 “… فالبشر لم يقفوا عند حد معين في خطاياهم بل تمادوا في الشر حتى أنهم شيئًا فشيئًا تجاوزوا كل الحدود، وصاروا يخترعون الشر حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد، ثم توغلوا في الظلم والمخالفة ولم يتوقفوا عند شر واحد بل كان كل شر يقودهم إلى شر جديد حتى أصبحوا نهمين في فعل الشر (لا يشبعون من فعل الشر) “.

2 انظر فصل 6/6 “… ومن ناحية أخرى كان سيصبح من غير اللائق على الإطلاق أن تتلاشى صنعة الله “.

3 انظر حياة أنطونيوس 5 ” الرب الذي من أجلنا أخذ جسدًا “.

4 انظر فصل 4/2 ” لأنه من الضروري عندما نتحدث عن ظهور المخلّص بيننا، أن نتحدث عن بداية خلق البشر، ولكي تعلم أن نزوله إلينا كان بسببنا، وأن تعدينا استدعى تعطف الكلمة، لكى يأتي الرب مسرعًا لمعونتنا، ويظهر بين البشر “.

5 انظر فصل43 حيث يجيب القديس أثناسيوس على السؤال لماذا لم يظهر عن طريق أجزاء أخرى من الخليقة أكثر سموًا وأن يستخدم أداة أشرف كالشمس أو القمر أو النجوم أو الكواكب أو النار أو الهواء بدلاً من الإنسان وحده؟

6 انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 7.

7 الولادة من العذراء تثبت ألوهية الكلمة كخالق انظر فصل 18/5.

8 هيكل “NaÒj” وأداة “Órganon” مصطلحان يردان باستمرار عند القديس أثناسيوس. انظر فصل 22/5 ” 41/7،43/4، 44/4، وأيضًا

  1. Grillmeier, Christ in Christian Tradition (London 1955 pp.205ff)

اصطلاح “هيكل” لوصف الجسد الذي أعده الكلمة في العذراء ليحل فيه يمكن أن يفسر على أنه بديل عن هيكل أورشليم الذي نقض كعلامة وبرهان على مجىء كلمة الله، الذي قدم هيكل جسده ذبيحة بدل ذبائح العهد القديم. انظر فصل 40/1.

1 وهذا معناه أنه كان جسدًا حقيقيًا لا خياليًا. انظر فصل 18/1.

2 أنظر فصل 21/1ـ2.

3 وهذا معناه أن اصلاح البشرية وخلاصها كان لابد أن يتم بتجسد الله الكلمة وليس بمجرد نطق.

4 انظر فصل 44 حيث يشير فيه أيضًا تشبيه النار والقش.

1 انظر فصل 37/7.

2 “.. هكذا أيضًا عندما اتخذ الجسد كأداة فإنه لم يشترك في خواص الجسد بل بالحري فإنه قدس الجسد “. فصل 43/6.

3 انظر 1كو54:15 وتبرز قيامة المسيح كتتميم لعمل المسيح الخلاصي الذي اتخذ فيه الكلمة طبيعة بشرّية كاملة. فبواسطة قيامة المسيح تحققت إعادة الإنسان إلى ” مماثلة الصورة ” وأيضًا وهب للبشر “عدم الفساد” كثمرة لهذه القيامة.

4 يستخدم هنا القديس أثناسيوس نفس الفعل (قدّم) الذي سبق أن استخدمه في فصل 8/4 حيث يذكر أن المسيح “بذل جسده عوضًا عن الجميع وقدمه للآب”.

1 المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 9.

2 انظر فصل 25/3، وهامش رقم (2) ص71 حيث يُستخدَم مصطلح آخر يوناني لكلمة فدية.

3 وهذا ليس معناه أن الملك يصبح جزءًا من المدينة.. انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فصل 71 “.. لأن مَن يدخل إلى المنزل لا يعتبر جزءًا من المنزل بل هو مختلف عن المنزل “.

4 يتكرر استخدام أعمال الملك كتشبيهات في الفصول 10، 13، 27، 36، 55، من هذا الكتاب وأيضًا في الفصول 10، 21، 38 من “ضد الوثنيين”.

5 آخر عدو يبطل هو الموت (1كو 26:15) وشوكة الموت هي الخطية وقوة الخطية هي الناموس (1كو 56:15) انظر فصل 27.

1 هذه الجملة توضح ما سبق أن كتبه القديس أثناسيوس في بداية المقالة: ” وكل ما يسخر منه البشر كأمر غير لائق، هذا يجعله بصلاحه لائقًا ” فصل 2/1.

2 إهمال البشر يقابله عدم إهمال الله، فالإهمال لا يليق بصلاح الله. انظر فصل 6/8.

3 انظر فصل 11.

4 يُقصد بهم التلاميذ والرسل.

5 استخدم القديس أثناسيوس الفعل في صيغة الجمع ثم أورد نصوص من رسائل القديس بولس فقط. ولعله يقصد هنا أن القديس بولس يقول عن ما كان يؤمن به باقي التلاميذ والرسل. ونفس هذا الاستخدام نجده في فصل 33/3 حيث يستخدم كلمة الأنبياء ويورد نص لإشعياء وحده.

1 انظر 2كو 14:5ـ15.

2 هذه الآية أساء الأريوسيين تفسيرها واستخدموها لتعضيد رأيهم بأن الابن مخلوق كالملائكة، ورد عليهم القديس أثناسيوس معطيًا التفسير السليم لها. انظر المقالة الأولى ضد الأريوسيين فقرة 53. وهنا الآية تركز على أنه بموت وقيامة المسيح أعطى لكل واحد منا الحياة الجديدة.

3 عب 9:2.

4 وهنا يورد القديس أثناسيوس شاهدًا كتابيًا (عب10:2) لما جاء في الفصلين السابقين 6، 7 ويرجع اختياره لهذا الشاهد لسببين: أولاً: أنه يشمل تعبير “لاق” والذي سبق أن استخدمه عدة مرات في الفصول السابقة حيث أوضح به أنه كان لائقًا بكلمة الله أن يتجسد. وهو في هذا يرد على تعاليم الوثنيين التي كانت تنادى بأن التجسد أمر غير لائق بالله. والسبب الثاني أنه ورد في النص الكتابي أن المسيح هو رب وخالق “من أجله الكل وبه الكل” وهنا يربط مرة أخرى في تعليمه بين الخلق والفداء.

1 هنا أيضًا يورد القديس أثناسيوس شاهدًا كتابيًا (عب14:2، 15) لما تكلم عنه في الفصلين 8، 9 ويريد أن يوضح من خلاله أن الكلمة اتخذ لنفسه جسدًا مماثلاً لأجسادنا أى باشتراك الكلمة في اللحم والدم. غير أن إبادة الموت داخل هذا الجسد قد تمت باشتراك اللحم والدم في حياة الكلمة الذي قدّس الجسد أيضًا وهذا ما يشرحه بالتفصيل في الفصول 17/5ـ6، 43/5ـ6. وفي استخدامه لهذا الشاهد يريد القديس أثناسيوس أن يركز بالأكثر لا على هزيمة الشيطان بل على كل ما جاء بالفصل (8) وهو أن المسيح قهر الموت وأعاد الحياة. وهذه الغلبة تطرد منا كل خوف من الموت (انظر فصل 28).

2 لقب بولس الرسول هذا يمكن أن يشتق من 1كو 49:15 وسبق أن لقّب القديس أثناسيوس بولس الرسول بهذا اللقب في مقالته ضد الوثنيين. فصل 5/2.

13كو21:15ـ22.

4 انظر فصل 21.

5 تيموثاوس 6:1، 15، تيطس 3:1. عن المجيء الثاني انظر فصل 56.

1 انظر ضد الوثنيين. فصل 29/2.

2 انظر فصل 3/3ـ4 حيث يذكر أن ضعف طبيعة البشر تتمثل في عدم إمكانيتها أن تحيا حياة أبدية من نفسها وهنا يشير إلى ضعف آخر وهو عجزها عن أن تعرف الخالق من نفسها.

3 انظر المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فصل 30 حيث يشرح القديس أثناسيوس معنى مصطلح “غير المخلوق” بالتفصيل وأيضًا الفصل 28 من كتاب الدفاع عن قانون إيمان مجمع نيقية.

4 انظر فصل 2، المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 21.

5 صلاح الله وتحننه على الجنس البشرى ظهر في خلقتهم لكي يحيوا إلى الأبد (فصل3) وهنا في فصل11 يظهر هذا الصلاح في إعطاء الجنس البشرى نعمة معرفته والتي بدونها كانت حياة البشر ستصبح بدون معنى، والإنسان نفسه كان سيصبح مثل باقي المخلوقات غير العاقلة. عن الفرق بين الإنسان العاقل وباقي المخلوقات انظر ضد الوثنيين فصل 31.

1 يتكرر نفس هذا السؤال في فصل 13/2.

2 أمران رئيسيان يوضحهما القديس أثناسيوس في المقالتين “ضد الوثنيين” و”تجسد الكلمة” وهما النصرة على الموت والفساد والعودة إلى معرفة الله الحقيقي. انظر ” تجسد الكلمة ” الفصول 15، 20، 32، 54 وضد الوثنيين الفصل الثاني. انظر أيضًا (يو3:17).

3 يعود القديس أثناسيوس لشرح هذا الأمر في الفصل 57.

1 انظر فصل 4/5.

2 انظر رومية 25:1، ضد الوثنيين فصل 47 حيث يستخدم أيضًا نفس الآية.

3 انظر ضد الوثنيين الفصول 13ـ15.

4 انظر ضد الوثنيين 8، 9 حيث يشير إلى العبادات الوثنية، وفي فصل 26 يتحدث عن الممارسات الجنسية الشاذة التي كانت سائدة بينهم.

5 ضد الوثنيين. الفصول 22ـ25.

6 هذه الأعمال هي أعمال الشياطين. انظر فصل 46ـ47.

7 انظر ضد الوثنيين. الفصول 9، 27.

8 انظر ضد الوثنيين. فصل 8، وتجسد الكلمة فصل 15.

1 انظر ضد الوثنيين فصل 25.

2 انظر ضد الوثنيين. فصل 35.

1 تعبير “من تلقاء أنفسهم” يُقصد به أن البشر كانوا قادرين على معرفة الله من تلقاء أنفسهم بسبب كونهم مخلوقين على صورة الله ومثاله غير أنهم أهملوا هذا. انظر ضد الوثنيين. فصل 34/3.

2 انظر ضد الوثنيين. فصول 2، 4.

3 انظر فصول 15، 34.

1 انظر ضد الوثنيين فصل 35.

2 القداسة هي أمر أساسي لمعرفة الأسرار الإلهية، القديس هو بالحري معلّم عن الحق الإلهي.. هنا يقصد القديس أثناسيوس القديسين الذين كتبوا أسفار العهد القديم. ويشير القديس أثناسيوس إلى التمثل بحياة القديسين في الفصل 57.

3 انظر ضد الوثنيين. فصول 11، 14، 45.

4 انظر ضد الوثنيين. فصل 4/2.

5 يوضح القديس أثناسيوس ثلاث طرق أعدها الله للإنسان لتساعده على معرفة الله. هذه المعرفة تحققت في صورتها الأكمل بتجسد كلمة الله. أما هذه الطرق فهي: خلقة الإنسان على صورة الله ومثاله، تناغم وتناسق الكون ثم أخيرًا الناموس والأنبياء. هذا التعليم نجده أيضًا عند القديس إيريناؤس. انظر ضد الهرطقات 2/8.

6 صلاح الله ومحبته للبشر هما الدافع لتجسده. انظر فصول 1، 8، 9.

7 عن غوايات وضلال الشياطين انظر فصل 47.

1 يوضح القديس أثناسيوس نتيجة أخرى للسقوط وهي أن معرفة الإله الحقيقي قد حُجِبت وسبق أن بيّن النتيجة المباشرة للسقوط وذلك في فصل 6/1 حيث ذكر أنه ” لأجل هذا إذ ساد الموت أكثر وعم الفساد على البشر”.

2 هذا السؤال يماثل السؤال الذي ورد في فصل 6/7 ” فما الذي كان يجب على الله الصالح أن يفعله؟ أيترك الفساد يسيطر على البشر والموت ليسود عليهم؟ “.

3 ويوجد تقابل مع باقي السؤال الوارد في فصل 6/7 “ما المنفعة إذن من خلقهم منذ البدء؟ لأنه كان أفضل بالحري ألاّ يُخلقوا بالمرة من أن يُخلقوا وبعد ذلك يُهملون ويفنون”. والملاحظ أن الحديث في فصل 6 هو عن صنعة الله التي كانت في طريقها للهلاك إذ قد طالها الفساد ولهذا كان من الأفضل ألاّ تُخلق بدلاً من أن تُخلق وبعد ذلك تُهمل وتُفنى، أما في فصل 13 فإن الحديث هو عن أنه نتيجة للسقوط فإن معرفة الله حُجِبت عن الإنسان المخلوق والموجود بالفعل، ولهذا فالإشارة هنا ليست إلى أنه كان من الأفضل في هذه الحالة عدم خلق الإنسان بالمرة بل إلى خلقه لكن كمخلوق غير عاقل (أي لا يعرف الله).

1 انظر فصل 11/2.

2 في فصل 6/7ـ8 يذكر القديس أثناسيوس أن الله لو كان قد أهمل ولم يبال بهلاك صنعته لأظهر هذا الإهمال ضعفه وليس صلاحه. وهنا في هذا الفصل يوضح أن الله لو كان قد ترك البشر الذين خلقهم بدون أن يعرفوه لظنوا أن آلهة أخرى هي التي خلقتهم. وكلا الأمرين لا يحققان الهدف من خلق البشر. وفي فصل 11/2 يتساءل القديس أثناسيوس: لأنه أية منفعة للمخلوقات إن لم تعرف خالقها؟

3 التشبيه المأخوذ من حياة الملك وقدرته والمذكور في فصل10 والذي يوضح به القديس أثناسيوس كيف أنه بالتجسد قد أُبطل الموت والفساد، هذا التشبيه يستخدم مرة أخرى هنا في فصل 13 لكن يوضح كيف أنه بالتجسد صارت معرفة الله الحقيقي ممكنة لنا.

4 هنا يشير إلى ضلالات الشياطين التي حجبت معرفة الإله الحقيقي.

5 الرسائل والأصدقاء يرمزان هنا بالطبع إلى الناموس والأنبياء. وفي الفصل 12/2 الأنبياء هم أُناس معروفين بين البشر ويستطيع الآخرون أن يتعلّموا منهم عن الإله الحقيقي.

1 وفي مجال المقابلة بين ما جاء في الفصلين10، 13 نجد أنه بينما يشير القديس أثناسيوس في فصل10 إلى أن الملك “ينتقم” لعمله فيقضى على الموت كعدو، فإننا نجده هنا في فصل 13 يوضح بالأكثر ضرورة القضاء على “عدم معرفة” الله الحقيقي وذلك بحضور “شخص” الملك نفسه.

2 انظر ما جاء في مت33:21ـ41 عن صاحب الكرم والكراميين.

3 انظر فصل 8/2 “فيتلاشى عمل الله”.

4 استخدم القديس أثناسيوس عدة مرات ـ منها ما جاء في فصل 10/1 ـ تشبيهات من أعمال الملك الأرضي ليبين بها أعمال الله الخلاصية وأوضح أن أعمال الكلمة المتجسد هي بالحري أعظم جدًا من أعمال الملك البشرى. وهنا أيضًا في فصل 13/6 يشدّد مرة أخرى على هذه النقطة موضحًا أنه بينما لم يترك الملك الأرضي الأمور هكذا بل انتقم من اللصوص (10/1) نجد هنا أن الله أشفق على خليقته. وتعبير أن الله يشفق هو تعبير كتابي ” الذي لم يشفق على ابنه ” رو 33:8. وإشفاق الله على خليقته اتضح جليًا في أنه لم يشفق على ابنه الوحيد بل بذله من أجل الكل.

5 الله هو الكائن الحقيقي. انظر فصل 4/5، وكل آلهة أخرى هي كاذبة. انظر فصل 11، فصل 15

6 هنا يربط القديس أثناسيوس بين ضلالات الشياطين كسبب والموت كنتيجة. ومن مقارنة فصلى 10، 13 نلاحظ التشديد على أمرين هما القضاء على الموت، واستعادة معرفة الله الحقيقية. ورغم أنه قد يكون هناك تمييز بين الأمرين إلاّ أنهما لا ينفصلان. فعندما تنحجب معرفة الله فهذا يعنى حجب نعمة الخلق على صورة الله ومثاله وهذا يؤثر بالطبع على وجود الإنسان في حالة عدم فساد.

7 كرر القديس أثناسيوس نفس هذا السؤال في الفصل 7/2 والإجابة التي يعطيها هناك توضح أن ما فعله الكلمة بتجسده هو القضاء على الموت. وهنا يجيب على نفس السؤال والأسئلة التي تليه موضحًا أن ما فعله الكلمة المتجسد هو أنه جعل البشر يعرفون الله الحقيقي. وأيضًا في فصل 7/4 يذكر أن البشر الذين خُلقوا من العدم أمكنهم بالتجسد استعادة نعمة الخلق على صورة الله ومثاله، أما هنا في فصل 13 فيذكر أنه بعد التجسد أمكن تجديد هذه الصورة. وفي الحالة الأولى يتكلم عن القضاء على الموت الذي تم بالكلمة الخالق وفي الحالة الثانية يتكلم عن تجديد الصورة في الإنسان الكائن بالفعل وهذا حدث بواسطة الكلمة الذي هو صورة الآب.

1 يرى القديس أثناسيوس أن الإنسان المخلوق لا يمكن أن يعين المخلوق نظيره. انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 67.

2 حسب تعاليم القديس أثناسيوس يوجد فرق بين التعبيرين “صورة الله” و”على (مثال) صورة الله”. ففي فكره أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار الإنسان “صورة الله”. “فكلمة الله” فقط هو “صورة الله”. وحيث إنه مولود من جوهر الآب فهو الصورة الطبيعية والحقيقية الوحيدة للآب.

3 الملائكة ليسوا صورة الله وهم ليسوا خالقين بل مخلوقات. وبهذا التعليم يرد القديس أثناسيوس على تعاليم الغنوسيين. انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 21.

4 انظر فصل 40/6 حيث يستشهد القديس أثناسيوس بالنص الكتابي ” لا رسول ولا ملاك بل الرب نفسه خلصهم ” إش 8:63 س.

5 يقصد تجديد خلقة الإنسان.

6 القول بأنه كان من اللائق بكلمة الله أن يأخذ جسدًا بدون ذكر أى شيء عن النفس البشرية ليس معناه أن المسيح اتخذ جسدًا خاليًا من النفس البشرية. فالقديس أثناسيوس يتكلم هنا عن ضرورة تغيير حالة الجسد بالقضاء على الموت الذي فيه ولهذا اتخذ الكلمة جسدًا. والنفس أيضًا لابد أن تتحرر من الخطية وهذا تم أيضًا بواسطة الكلمة إذ هو صورة الله. انظر فصل 15 حيث يوضح القديس أثناسيوس أن المسيح بظهوره في الجسد قد حرر النفس البشرية من نتائج الخطية.

1 انظر الفصل الأول هامش رقم 3.

1 ويقصد هنا النفس البشرية التي خُلقت على صورة الله ومثاله. انظر ضد الوثنيين. فصل 34/3.

2 لو 10:19.

3 يو 3:3، 5.

4 إذ أن المسيح هو صورة الآب كما سبق الحديث. انظر هامش رقم (2) ص39.

1 هنا يكمن الفرق الواضح بين المسيح الإله والكائن المخلوق انظر فصل 46 حيث يتضح عمل المسيح في كل المسكونة.

2 انظر فصول 30، 52 وفيهما يتحدث القديس أثناسيوس عن عمل المسيح في تغيير حياة وسلوك الذين آمنوا به.

3 يُرجع القديس أثناسيوس السبب في عجز البشر عن رؤية أن لهم نفوسًا وأيضًا أن هذه النفوس عاقلة إلى أمرين هما: ضلالات وغواية الأرواح الشريرة كما هو مذكور بالتفصيل في مقالته ضد الوثنيين فصل 34/1 فيقول “إنه كما أنكر البشر الله وصاروا يعبدون أشياء لا نفس لها، وهكذا أيضًا بتوهمهم أنهم ليست لهم نفوس عاقلة ينالون حالاً قصاص غباوتهم أي أنهم يُحسبون في عداد المخلوقات غير العاقلة”. ويتابع القديس أثناسيوس شرحه فيقول ” مع أن لهم نفس خالدة وهم لا يرونها فإنهم يجعلون من الأشياء المنظورة الفانية صورة الله ” بدلاً من أن تكون نفوسهم على حسب صورة الله لأن ” النفس خُلقت على صورة الله ومثاله “. والسبب الثاني لهذا العجز يكمن في كون البشر من المخلوقات بينما الكلمة وحده إذ هو الله فهو الذي يبصر ويعرف النفس والعقل إذ قد خلقهما على صورته ومثاله، فصل 14/6.

4 انظر فصل 12/1 وضد الوثنيين. فصل 34/4.

1 تعتبر هذه الفقرة مقدمة للفصل التالي.

2 انظر فصل 11/1 ” فإن البشر قد خُلقوا في جسد أرضى من أسفل “.

1 استخدم القديس أثناسيوس نفس هذه الكلمات ليصف ما فعله الله أيضًا ليجعل نفسه معروفًا للبشر إذ أنه أعطى الكون بكلمته نظامه الحالي. انظر ضد الوثنيين. فصل 35/1.

2 انظر القديس أثناسيوس: رسالة عن ديونيسيوس أسقف الإسكندرية. فصل 6 حيث يذكر طريقة المعلم في التعامل مع تلاميذه.

3 1كو 21:1.

4 انظر ضد الوثنيين. فصل 8.

5 انظر ضد الوثنيين. فصل 10/3.

6 انظر فصل 47.

1 انظر فصل 46.

2 انظر فصل 11 هامش رقم (5) ص 29.

3 انظر ضد الوثنيين فصل 37/3 واعتراف الخليقة بالمسيح ربًا ظهر أيضًا وقت الصليب انظر تجسد الكلمة فصل 19.

4 في الفصل 49 يقارن القديس أثناسيوس بالتفصيل بين أعمال السيد المسيح في الجسد وبين أعمال آلهة اليونانيين.

5 انظر فصل 48.

1 من الحجج التي يسوقها القديس أثناسيوس ضد الآلهة التي تحدّث عنها الشعراء اليونانيين أنها أولاً مائتة وفانية ثم أنها ضعيفة وثالثًا أن سلوكياتها شائنة (انظر ضد الوثنيين. فصل 12). ولهذا فإنه هنا يبرز قيامة المخلّص لأن هذه الحقيقة تبطل تلك الآلهة وتثبت أنها كاذبة.

2 لو 10:19، انظر فصل 14 حيث استخدم القديس أثناسيوس نفس هذه الآية لكن في سياق أن الابن الذي هو صورة الآب قد جاء ليجدّد خلقة الإنسان على حسب صورته ومثاله.

1 انظر فصل 18.

2 انظر فصل 57.

3 أفسس 17:3ـ19.

4 انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 11.

5 انظر إشعياء9:11.

1 عمليتا المحبة هاتان تمثلان أساس عقيدة الخلاص في فكر القديس أثناسيوس. انظر أيضًا الفصل الأول والهامش رقم (7) ص2، و(1) ص3 انظر أيضًا ضد الوثنيين فصل 35 حيث يذكر أن الله وإن كان غير منظور بالطبيعة، فقد جعل نفسه معروفًا للبشر من خلال أعمال الخليقة. انظر أيضًا تجسد الكلمة فصل 32.

1محصورًا perikekleismšnoj لقد استخدم القديس أثناسيوس مصطلحات متنوعة لوصف علاقة الكلمة بالجسد. وأكثر هذه المصطلحات شيوعًا هي: جعله “جسدًا” خاصًا …diopoie‹sqai، لبس labe‹n، اتخذ ™nduesqai انظر على سبيل المثال فصول 8/4، 10/1، 14/8، 31/4، 43/4

2 هذا التعبير من التعبيرات الشائعة عند القديس أثناسيوس. انظر فصل 42، وأيضًا ضد الوثنيين فصل42،41، الدفاع عن مجمع نيقية. فصل 11.

3 انظر المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة 1.

1 والإنسان فقط هو الذي يستطيع أن يفعل هذا. انظر ضد الوثنيين. فصل 31/1.

2 انظر ضد الوثنيين. فصل 35.

3 الكلمة يختلف عن النفس البشرية. انظر ضد الوثنيين. فصل 33.

4 انظر ضد الوثنيين 42/4.

5 انظر فصل 54/3.

6 انظر فصل 43/6.

1 انظر المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 27.

2 انظر الفصول من42ـ45.

3 1بط 22:2، انظر إشعياء9:53 وردت هذه الآية أيضًا في الفصل 34 ضمن الشاهد المستخدم هناك من إشعياء النبي كتنبؤات عن آلام المسيح وموته. وهنا جاءت في الآية كلمة “خطية” وفي الفصل 34 جاءت كلمة “شر”، وهذا يوضح أن تعبير ” الذي لم يفعل خطية ” يتمشى مع تعبير أن الكلمة ” لا يتدنس بمجيئه في الجسد “.

1 انظر: القديس أثناسيوس الرسالة الرابعة إلى سرابيون عن الروح القدس. فصل 18.

2 هنا يرد القديس أثناسيوس على بعض الغنوسيين الذين فصلوا بين شخص المسيح وجسده. انظر إيريناؤس: ضد الهرطقات 3، 17: 6.

3 هنا يرد القديس أثناسيوس على تعاليم فالنتينوس وماركيون والمونارخيين، انظر أيضًا مقالته الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 27 “.. ولكنه بالتأكيد اتخذ جسدًا حقيقيًا برغم ما يهذي به فالنتينوس ” انظر أيضًا رسالته إلى ابكتيتوس. فصل 7.

4 يو 37:10ـ38.

1 انظر المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة 31، الرسالة الرابعة إلى سرابيون عن الروح القدس. فصل 16.

2 انظر فصل 48.

3 انظر فصل 38.

4 انظر المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة 40.

5 الرسالة الرابعة إلى سرابيون عن الروح القدس. فصل 21.

1 انظر فصل 8.

2 استخدم القديس أثناسيوس نفس مصدر فعل يحوّل “metab£lein” وذلك في الفصل 20/1 ليصف التحوّل الذي تم في طبيعة الإنسان بواسطة الخالق والمخلّص أى التحوّل من حالة الفساد إلى حالة عدم الفساد.

1 يكرر القديس أثناسيوس ما سبق أن أوضحه في الفصول 12، 14، 15.

2 انظر فصول 32، 48.

3 انظر 1كو24:1.

4 انظر المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة 56.

1 انظر ضد الوثنيين. فصل 37.

2 ما كان يتحدث عنه الوثنيين بشأن المسيحيين كان في الواقع هو أن المسيحيين يؤمنون بشخص حُكم عليــه بمــوت الصليب على أنه هو الله، وهذا يظهـر مما جــاء في كتـاب لوكيانوس perˆ tºj peregrˆnou teleut»j (11) والذى كتبه لجذب المسيحيين نحوه.

1 انظر بداية الفصلين الأول والرابع.

2 انظر فصل 13.

3 انظر الفصول 8ـ10 تعبير “الحياة ذاتها” AÙtozw» في تعاليم القديس أثناسيوس يعنى أن الابن هو واحد مع الآب في الجوهر ولهذا فهو صورة الآب. وفي فصل 46 من مقالته ضد الوثنيين يوضح هذه العقيدة ويستخدم صفات أخرى ليصف بها الابن في علاقته الجوهرية بالآب وكل هذه الصفات تبدأ بمقطع “AÜto” الذي يعنى ذات فيقول “.. ولأنه المولود الصالح من الآب الصالح والابن الحقيقي فهو قوة الآب وحكمته وكلمته ليس عن طريق المشاركة ولا كأن هذه الصفات اكتسبها من الخارج كما هو الحال مع مَن يشتركون فيه ويصيرون حكماء به وينالون منه قوة وتعقلاً، بل أنه هو “حكمة (الآب) ذاتها” AÙtosofˆa، “كلمة (الآب) ذاته AÙtolÒgoj”، “قوة (الآب) ذاتها AÙtodÚnamij”، “نور (الآب) ذاته AÙtofèj”، “الحق ذاته AÙtoal»qeia”، “البر ذاته AÙtodikaiosÚnh”، “الفضيلة ذاتها ‘Autoaret»”.

1 انظر فصل 14.

2 انظر فصل 9.

3 انظر فصل 16.

4 انظر فصل 8/4، 10/5.

5 انظر فصل 5.

6 انظر 1كو20:15. في الفقرتين1، 2 من هذا الفصل يلّخص القديس أثناسيوس تعليمه عن عقيدة الفداء.

7 في كتاباته اللاهوتية، يفضل القديس أثناسيوس تكرار المعنى الذي يريد توضيحه باستخدام طرق متعددة في شرحه، وهو ينبه القارئ دائمًا إلى عملية التكرار هذه. انظر فصل 45/2. والمقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 29، 31، المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 22، 80.

8 يقصد ما جاء في فصل 19/1.

1 انظر فصل 35/7.

2 لكنه كان جسدًا طاهرًا وخاليًا بالحق من زرع البشر فصل 8/3.

3 انظر فصل 3/4.

4 انظر فصل 9/2.

5 يشدّد القديس أثناسيوس هنا على النصرة التي أتمها الكلمة المتجسد على الموت وأيضًا يشدّد على الشفاء الجذرى للفساد. ولقد كان جسد الكلمة هو الأداة التي تمت بها هذه النصرة. وهنا يشدّد القديس أثناسيوس مرة أخرى على ما ورد في الفصلين 8، 9.

6 انظر الفصول 8ـ10.

1 عب 14:2، 15.

1 استعمال ظرف الزمان “الآن” عند القديس أثناسيوس وفي العهد الجديد وعند آباء الكنيسة الذين سبقوه يقصد به زمن الخلاص الذي بدء بالمسيح.

2 انظر فصل 4/8.

3 الخلاص تم للجميع غير أنه فاعل فيمن يؤمنون فقط.

4 انظر فصل 3/5.

5 سابقًا تعنى الوقت قبل مجئ المسيح أو قبل الإيمان بالمسيح.

6 يستخدم القديس أثناسيوس نفس المصطلح ننحل di¦lusij في الفصل 28/2.

7 انظر أيضًا ضد الوثنيين فصل 33/3 وفي مقالة الدفاع عن هروبه. فصل 14 حيث يؤكد القديس أثناسيوس أن لحظة الموت يحددها الله وليست بالصدفة كما يزعم بعض اليونانيين.

8 انظر عب 35:11.

1 انظر فصل 9.

2 1كو 53:15ـ55 انظر أيضًا هوشع14:13. يستخدم القديس أثناسيوس نفس الآية في فصل 27 فقرة 4.

3 يبدأ القديس أثناسيوس في ذكر الأسباب بكلمة “أولاً” غير أنه بعد ذكر السبب الأول لا يستتبع ذلك بكلمة ” ثانيًا “، و” ثالثًا “،.. ألخ.

4 انظر ضد الوثنيين فصل 41/2. وهنا أيضًا يستخدم القديس أثناسيوس تعبير “الحياة ذاتها” الذي سبق أن استخدمه في الفصل 20/1.

1 انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 67 حيث يذكر القديس أثناسيوس أن الابن يتميز عن سائر البشر.

2 انظر فصول 18، 49.

3 يذكر القديس أثناسيوس أن الحديث عن أن يسوع كان يأكل هو لاثبات أن الكلمة قد اتخذ جسدًا حقيقيًا. انظر فصل 18. والجدير بالذكر أن القديس أثناسيوس يشير إلى أن الجوع والحزن والألم والتعب التي يشعر بها الجسد هي نتيجة لمخالفة آدم. انظر مقالته الكبرى عن الإيمان. فصل 24.

1 مز 10:16، أع27:2،31. انظر أيضًا المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة 57.

2 هنا يوضح القديس أثناسيوس أنه مع أن الجوع والموت هما من خصائص الجسد إلاّ أن هذا الجسد الذي اتحد به الرب لم يهلك بسبب الجوع ولم يفسد بالموت وذلك بسبب اتحاد الكلمة به.

1 في تعليق القديس أثناسيوس على إجابة السيد المسيح على اليهود عندما جاءوا ليقبضوا عليه “أنا هو مَن تطلبونه” (يو5:18) يقول “أن المسيح لم يترك نفسه ليُسلم قبل أن يحين الوقت، وعندما جاء الوقت لم يختف، لكنه أسلم نفسه لطالبيه”. راجع كتاب الدفاع عن هروبه. فصل 15.

2 انظر فصل 16/4.

3 انظر الفصول 8، 9.

1 يرى القديس أثناسيوس أن موت المسيح على الصليب بهذه الطريقة العلنية وأمام أعين الجميع هو علامة ودليل على انتصاره على الموت، وهو يذكر ذلك عدة مرات. انظر الفصول 19/3، 23/4، 30/1.

2 سيتكلم القديس أثناسيوس عن هذه النقطة في الفصل التالى.

3 انظر فصل 8 هامش رقم (8) ص 21.

1 انظر أع 26:26.

2 لو 11:24.

3 سبق أن ذكر القديس أثناسيوس هذه المعجزات في فصل 18 وبيّن كيف أن الرب وقد أتمها في الجسد فقد كانت كافية لكى يعرف البشر حقيقة الابن المتجسد وبه يعرفون الآب (ومعرفة الآب هي السبب الثاني للتجسد).

1 والقيامة تعيد للإنسان حالة عدم الفساد (وهذا هو السبب الأول للتجسد). وعندما يحقق المسيح القيامة وبطريقة علنية فإن السبب الأول يتحقق وإن كان لا يرى.

2 انظر فصل 9/2.

3 انظر أع 13:4.

4 انظر أعمال الرسل 17، 18.

5 حرفيًا (واجه قضائيًا). ولقد استخدم القديس أثناسيوس هذا المصطلح القانونى ليوضح أن موت المسيح على الصليب نيابة عن البشر هو إتمام للحكم الإلهي ولهذا فبموته جسديًا صان صدق الآب من جهة الجميع وفي نفس الوقت أبطل عن البشر ناموس الفناء وذلك لأن سلطان الموت قد استنفذ في جسد الرب فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (انظر فصلى 7، 8).

6 انظر فصل 22 هامش رقم (1) ص 65.

1 موت الصليب وما استتبعه من قيامة أثبت أن المسيح ليس هو إنسان مائت بل هو المخلّص الذي قضى على الموت الذي فرضه عليه أعداؤه وبالتالى قضى على كل أشكال الموت.

1 انظر ضد الوثنيين. فصل 1.

2 يرى القديس أثناسيوس أنه بالرغم من أن الكتاب المقدس يورد حادثتى موت يوحنا وإشعياء اللذان ماتا بطريقة علنية، إلاّ أن الرب لم يختر أى منها وهنا يعطى القديس أثناسيوس سببين لهذا. والجدير بالذكر أن السبب الأخير كثيرًا ما يفسر على أنه يشير إلى الهرطقة الآريوسية التي عانت منها الكنيسة طويلاً.

1 الذين هم من خارج “ oƒ œxwqen “ تعبير شائع استخدامه في العهد الجديد لوصف من هم غير مسيحيين. غلا13:3، تث 23:21.

2 المجادلات هي سمة من سمات الفلاسفة. انظر فصل 50 وأيضًا كان يثيرها الهراطقة. انظر المقالات ضد الأريوسيين 1/6، 2/1، 3/10.

3تعبير”أن يسأل” zhte‹n هو تعبير تقنى فلسفى خاص بعملية البحث والتحرى عن أمر ما، ويوضح القديس أثناسيوس مصادر المعرفة التي هي الكتب المقدسة وتعاليم الآباء في فصل 56/1،2.

4عندما أشار القديس أثناسيوس إلى قصة السقوط في فصل4، لم يذكر أن الإنسان قد لُعن، بينما يذكر سفر التكوين إصحاح4 أن الحيّة هي التي لُعنت، أما الإنسان فقد عوقب بالموت. ما يذكره القديس أثناسيوس هنا له أساس كتابى أيضًا من رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية إصحاح 13:3.

1 أفسس14:2.

2 السبب الثاني لموت المسيح على الصليب هو رفع الحاجز بين اليهود والأمم. ولقد استخدم القديس أثناسيوس هنا الفعل ” نقض lÝein ” وهو فعل يناسب في اليونانية كلمة ” فدية lÝtron ” التي يصف بها موت الرب عن الجميع، كما يلاحظ أن القديس أثناسيوس قد استخدم تعبيرًا يونانيًا آخر لكلمة “فدية” وهو ¢ntˆyucon وذلك في فصل 9/2.

3 أف 14:2.

4 يتبع القديس أثناسيوس فكر القديس إيريناؤس (ضد الهرطقات17:5.4) في أن المسيح بسط ذراعيه على الصليب لجذب اليهود بذراع والأمم بذراعه الآخر.

5 يو 32:12.

1 في موضع آخر يوضح القديس أثناسيوس سبب سقوط الشيطان. ففي سياق حديثه عن البدعة الآريوسية يصف أفكار الأريوسيين القائلة بعدم وحدة جوهر الآب والابن بأنها أفكار شريرة، فالقديسون وبالأكثر الملائكة يؤمنون بألوهية الابن، أما الشيطان فهو شرير ومخالف لهذه العقيدة وهذا هو سبب سقوطه (راجع القديس أثناسيوس عن مجمعي أرمينيا وسيلفكيا 48) وهناك يستخدم القديس أثناسيوس آية إنجيل لوقا 18:10 ” فقال لهم يسوع: رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق “.

2 تمثل ” الأجواء السفلى ” مكان تواجد الشيطان وذلك حسب تصور العصر المسيحي المبكر. انظر على سبيل المثال أوريجانوس: المبادئ 2، 11، 6. وفي الحقيقة فإن هذا التصور يرجع إلى الفلاسفة اليونانيين (انظر أفلاطون في t£maioj 127-136). ويوضح القديس أثناسيوس نصرة السيد المسيح على الشياطين وطرده للأرواح الشريرة في الفصل 48. بينما يذكر كل حيل وضلالات الشياطين وصراعاتهم في الفصل 47.

3 السبب الثالث لموت المسيح عن طريق الصليب هو رفع الحاجز الذي وضعه الشيطان بين السماء والأرض. إذ أنه بمشورة الشيطان وبحسد إبليس جلب البشر على أنفسهم الموت والفساد (انظر فصل 5). انظر أيضًا ما ذكره القديس أثناسيوس في كتابه “حياة أنطونيوس ” عن الرؤيا التي رآها القديس أنطونيوس عن مقاومة الأرواح الشريرة للنفوس الصاعدة إلى السماء (حياة أنطونيوس 65، 66).

4 أف 2:2 سبق لأوريجانوس استخدام هذا النص كشاهد كتابى على وجود الشياطين في أجواء الهواء السفلية (المبادئ 2، 11، 6).

5 انظر لو18:10.

6 عب 20:10 انظر أيضًا المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 65 حيث يشرح القديس أثناسيوس هذه الآية في إطار دفاعه ألوهية الابن.

1 الضربة التي وُجهت للشياطين تكمن في فضح غواياتهم التي أضلت البشر وقادتهم للهلاك وعندما تم فضح الشيطان عاد البشر إلى معرفة الله الحقيقية.

2 لو 18:10.

3 هذا التعبير متأثر بما جاء في عب20:10 ” فإذا لنا أيها الاخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقًا كرَّسه لنا حديثًا حيًا بالحجاب أى جسده “، انظر أيضًا الرسالة إلى ادلفيوس 7، الرسالة الفصحية رقم 22، حياة أنطونيوس 22 حيث يكرر القديس أثناسيوس نفس المعنى.

4 مز 7:24.

5 يشرح القديس أثناسيوس هذه الآية بالتفصيل في سياق رده على الأريوسيين الذين أنكروا ألوهية الكلمة جاعلين إياه ضمن المخلوقات. انظر المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 41.

6 يقصد “بمخلوقاته” الأبواب الدهرية.

1 هذه الفقرة تلخص ما تم شرحه بالتفصيل في الفصول من 21ـ25.

2 انظر فصل 19/3.

3 انظر فصل 21/7.

1 يمكن مقارنة الفقرات 2ـ4 بما جاء في الفصل 16 فقرة 4 ” ولهذا السبب أيضًا فإنه لم يتمم ذبيحته عن الكل بمجرد مجيئه مباشرةً بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانية لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهر ولكنه صيّر نفسه ظاهرًا جدًا بتلك الأعمال التي عملها وهو في الجسد والمعجزات التي أظهرها وبذلك صار معروفًا أنه ليس بعد مجرد إنسان فقط بل هو الله الكلمة. أى أن السيد المسيح لم يتمم ذبيحته عن الكل ” في الحال ” كما أنه لم يُظهر قيامته ” في الحال ” بعد موته، وفي كلتا الحالتين أراد أن يتيقن الجميع أنه الله ” الكلمة ” الذي ظهر في الجسد.

2 الجملة الأخيرة تلخص وتشدد على كل ما جاء في فصل 21.

1 انظر فصل 28/2.

2 الموت الذي من نتيجته ” انحلال الجسد ” (28/2) وانفصال النفس عن الجسد (ضد الوثنيين 2:33) هو نفسه قد أُبيد ومات.

3 عن أن موت الصليب هو علامة نصرة على الموت. انظر فصل 22.

4 عن سيادة الموت وسلطانه كملك على البشر بعد سقوطهم. انظر فصل 4/4، فصل 8/2. وفي فصل 10/1 يعطى القديس أثناسيوس تشبيهًا آخر للموت بأنه لص سطى على مدينة الملك.

5 عن أن الموت الذي اختاروه للمسيح للمبالغة في تحقيره كان بالذات علامة للانتصار على الموت نفسه انظر فصل 24/4.

6 يصف القديس أثناسيوس ما كان يفعله البشر قديمًا حيال الأموات منهم. انظر ضد الوثنيين10/3.

7 يسجل يوستينوس المدافع والشهيد موقف المسيحيين وعدم خوفهم من الموت قائلاً: “لأنى أنا أيضًا عندما كنت بعد أدرس تعاليم أفلاطون، وكنت أرى المسيحيين المفترى عليهم وهم غير خائفون من الموت ولا من الأشياء التي ترهب الإنسان، تيقنت أنه من المستحيل أن تكون حياة هؤلاء الناس مليئة بالشرور والملذات كما يُفترى عليهم ” (الدفاع الثاني 12/1).

1 الموت الذي كان يهدد البشر بالفناء والعدم أصبح بواسطة المسيح كالعدم ” وكأنه لا شيء “، ولم يعد المؤمنون بالمسيح يعيشون تحت تهديد الفناء والعدم بالموت.

2 انظر فصل 21/1.

3 الشيطان كان يحسد الإنسان على عطية عدم الموت ولهذا يذكر القديس ” أثناسيوس أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس ” انظر فصل 5/2.

4 انظر أع 24:2.

5 يستخدم القديس أثناسيوس نفس هذا الفعل “يبقى” في فصل 5:4 ليصف حالة الإنسان بعد السقوط.

6 يعود القديس أثناسيوس للحديث عن شجاعة الشهداء في مواجهة الموت وذلك في الفصول29، 48

7 يستخدم القديس أثناسيوس فعل “ Ðrm£n “ ” يندفعون ” في فصل 2:31 من مقالته ضد الوثنيين وذلك ليفرق بين الإنسان العاقل والمخلوقات غير العاقلة (الحيوانات) فيقول: “.. إن الإنسان هو وحده الذي يفكر فيما هو خارج عن نفسه، ويعلل الأشياء غير الموجودة أمامه فعلاً ويتأمل ويختار الأفضل، لكن الحيوانات غير العاقلة ترى فقط ما هو أمامها ولا تستجيب إلاّ بما تقع عليه أعينها حتى لو كانت النتائج ضارة بها. بينما لا “يندفع Ðrm£ ” الإنسان بمجرد رؤيته لشئ ما بل يحّكم فكره فيما يراه بعينيه ” والقصد واضح من استخدام القديس أثناسيوس لنفس الفعل في سياق حديثه عما يفعله المؤمنون بالمسيح تجاه الموت إذ يريد أن يوضح أن رد فعلهم أمام الموت ليس بلا وعى بل بإدراك حقيقى وإيمان بأن الموت لا سلطان له عليهم بعدما أُبيد بموت المسيح وقيامته.

1 في فصل 4:55 يعطى القديس أثناسيوس تشبيهًا آخر للملك ليوضح به أيضًا خضوع البشر للملك الحقيقي وتركهم للطاغية المزيف.

2 كلمة شوكة في الأصل اليونانى هي “TÒ kšntron ” وتعنى “ذَنبَ” العقرب أو “ذَنبَ” النحلة الذي يلدغ. والمعنى هنا في الآية أنه بقوة المسيح أُبطلت قدرة الموت والهاوية على إيذاء المؤمنين بالمسيح. وهذه الآية وردت في رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس الأولى هكذا ” أين شوكتك ياموت أين غلبتك يا هاوية” 1كو 55:15. راجع فصل 21 فقرة 2.

3 هوشع 14:13.

1 يتساءل القديس أثناسيوس في فصل 50/2 قائلاً: لقد ألّف الفلاسفة اليونانيين كتابات كثيرة بحكمة واضحة ومهارة، فما هي البراهين التي توضح أن تأثير فعل هذه الكتابات كالتأثير العظيم الذي فعله صليب المسيح؟ والشئ المهم عند القديس أثناسيوس هو أن المرء ليس محتاجًا أن يكون فيلسوفًا بالمرة كي يكون قادرًا على الترحيب بالموت. فالمسيح قادر أن يعطى هذه الامكانية حتى للأطفال، انظر أيضًا فصل 27، فصل 47/5.

2 مادة الأمينت هي مادة غير قابلة للإشتعال وعازلة وكانت معروفة منذ ذلك الزمان وكانت تستورد من الهند.

1 استخدم هذا التشبيه من قبل في الفصل السابق فقرة 4. حيث كان الحديث عن عدم خوف البشر من غضب ووحشية ذلك الطاغية بعد تقييده. أما هنا فالحديث هو عن ذلك المكان الذي يظهر فيه ضعف الطاغية ويجب على مَن يرغب في رؤية تلك الحقيقة أن يذهب إلى ” مملكة ذاك الذي قهره ” أى الكنيسة ليراه وقد صار ضعيفًا.

2 تجدر المقارنة هنا بين ” عليه أن يذهب إلى مملكة الذي قهره ” وبين ” عليه أن يقبل إيمان المسيح ويدخل إلى تعليمه ” واستخدام فعلى ” يذهب “، ” يدخل ” موفق جدًا ولا يخلو من الاشارة إلى ” مكان ” وواضح أنه يقصد الكنيسة التي تصبح فيها تعاليم المسيح حياة لكل المؤمنين به.

3 هنا يشدّد القديس أثناسيوس على الخبرة الشخصية.

1 انظر ضد الوثنيين. فصل 20/1حيث يستخدم القديس أثناسيوس نفس هذا التعبير، ويقصد به أنه أمام المحكمة لابد وأن يعطى دليلاً وبرهانًا، فالأمر الذي يُشك فيه يتم اثباته بأمر غير مشكوك فيه. ودائمًا ما كان القديس أثناسيوس يستخدم تعبير ” برهان ” كما كان يقدم براهين للكل وخصوصًا لمَن يدّعون أنهم فلاسفة filosofoˆ أى محبى الحق انظر فصل 41/2.

2 تعبير ” المسيح نفسه الذي صعد على الصليب ” يدل على أن السيد المسيح قَبِل موت الصليب بإرادته. انظر فصل 22.

3 ما جاء في القفرة 2 هو إعادة لما ذكره القديس أثناسيوس من براهين في الفصول 27ـ28.

4 كثيرًا ما يستخدم القديس أثناسيوس مَثَل الشمس لشرح أمور تخص الله وذلك في المقالتين الدفاعيتين: “ضد الوثنيين” و”تجسد الكلمة”. وأيضًا يستخدمه في بيان أنه مع وضوح ألوهية المسيح من خلال أعماله وانتشار تعاليمه إلاّ أن هناك مَن ينكره. (انظر فصول 32، 40، 55 من تجسد الكلمة).

1 انظر فصل 22.

2 ” الموت الذي يصيب البشر عادةً يأتيهم لأنه يناسب ضعف طبيعتهم ” انظر فصل 21/4.

3 انظر هامش 7 ص 76.

4 انظر لو 19:10 وأيضًا حياة أنطونيوس فصل 30 حيث يستخدم نفس الشاهد.

5 يصور الكتاب المقدس الحية والأسد كرموز للشر أكثر منها كرموز للموت. انظر مز13:91.

1 ربما تأثر القديس أثناسيوس هنا بما جاء في إش 6:11 ” والعجل والشبل والمسّمن معًا وصبى صغير يسوقها “.

2 ولقد أشار القديس أثناسيوس إلى الحيّة كرمز للشر في فصل 3/3 من مقالته ضد الوثنيين. وإلى الأسد كرمز للشر في كتابه عن حياة أنطونيوس. فصل 7.

1 في فصل 27 قدّم القديس أثناسيوس براهين على غلبة المسيح ـ بموت الصليب ـ للموت وذلك بإيضاح موقف كل تلاميذ المسيح من الموت وأنهم مع كل مَن يؤمنون به لم يعودوا يخشونه بل يهزأون به كميت. وهنا في هذا الفصل يقدم براهين على قيامة السيد المسيح ببعض الوقائع، إذ إن كل مَن يؤمن بالمسيح يطأ الموت بقدميه، وأيضًا بإيضاح أن أعمال المسيح ومعجزاته هي أفعال شخص حي.

2 يكرر القديس أثناسيوس نفس معنى هذه الجملة الأخيرة في الفصل 45/7.

1 قبل المسيح كان الأموات لا يستطيعون تقديم أى شيء للأحياء، أما الأحياء فقد كانوا فقط ينوحون على الأموات كأنهم هلكوا. انظر فصل 27/2.

2 أعمال المسيح في الجسد تثبت ألوهيته. انظر فصل 18.

3 عن عمل كلمة الله الحقيقي في الخفاء، انظر فصل 53/1.

4 كان يُطلق علي الوثنيين في عصر القديس أثناسيوس والذين كانوا يتحدثون اليونانية، لقب “اليونانيين”.

5 كما كان يطلق علي من هم غير يونانيين لقب “البرابرة”.

6 يعتبر القديس أثناسيوس أن هذا العمل هو دليل قوى على قوة السيد المسيح الإله الحقيقي مقابل ضعف آلهة الأوثان الكاذبة. انظر فصل 46/5.

7 انظر فصل 3:3 ” الله صالح بل هو بالأحرى مصدر الصلاح “.

8 تعاليم المسيح تنخس الضمائر فتغير حياة البشر وسلوكياتهم. انظر فصل 51/6.

9 أشار القديس أثناسيوس عدة مرات في مقالته ضد الوثنيين (فصول 12، 26، 23، 39) إلى أن القوانين الرومانية العادية تقف ضد بعض الأفعال التي يقوم بها أتباع العبادات الوثنية. وهنا في هذا الفصل يجعل تعاليم المسيح هي التي تواجه وتؤثر في ضمائر الذين يتمسكون بنواميس آبائهم الموروثة وهذا دليل على قوة قيامة المسيح.

1 انظر الفصول 48، 50.

2 يصف القديس أثناسيوس كيف أن هذه الأصنام عديمة الحياة في الفصول 14ـ15 من مقالته ضد الوثنيين. مستعينًا بما جاء في إشعياء 9:44ـ20 (س).

3 وأيضًا الشياطين تعترف به.. انظر فصل 32/4ـ6.

1 عجز الشياطين الكاذبة عن طرد المسيح وعن إيقاف انتشار تعاليمه يثبت ألوهية المسيح. انظر فصل 49/6.

2 لم تستطع الفلسفة اليونانية وحكمائها أن تجذب البشر لحياة الفضيلة. انظر فصل 5:48.

3 تعمل الآلهة الكاذبة التي يعبدها غير المؤمنين أعمالاً هي على النقيض من تلك الأعمال العظيمة التي يتممها المخلّص كل يوم. ويذكر القديس أثناسيوس ما تعمله تلك الآلهة والأرواح في الفصل 5 من تجسد الكلمة، وفى الفصلين 3، 25 من ضد الوثنيين.

4 انظر فصل 46.

1 في مقالته ضد الوثنيين: 3 يوضح القديس أثناسيوس كيف سيطرت تلك ” الملذات غير العاقلة ” على الإنسان وأيضًا يتحدث عن نتائجها.

2 رفع النظر من الأرض إلى السماء معناه حسب القديس أثناسيوس هو معرفة الإله الحقيقي الخالق انظر فصل 12.

3 الآلهة الكاذبة والأصنام هي عديمة الحياة. انظر ضد الوثنيين:1.

4 عب12:4.

5 في الفصول 40، 41 من مقالته ضد الوثنيين. يوضح القديس أثناسيوس أن خلق الكون ونظام عمله يبرهنان على قوة كلمة الله وحكمته.

6 انظر فصل 8 هامش رقم (8) ص 21

1 وهنا يكرر القديس أثناسيوس ما سبق أن تحدث عنه في الفصلين 9، 20.

1 يعبر القديس أثناسيوس عن هذه الحقيقة في موضع آخر متسائلاً “.. لأنه إن كان الله بطبيعته لا جسد له وغير منظور ولا ملموس فكيف يتخيلون أن الله جسد؟ ” ضد الوثنيين 29/1.

2 انظر ضد الوثنيين. فصل 7/1.

3 استخدم القديس أثناسيوس تعبير ” الأعمال تصرخ ” لوصف عمل الله في الخلق. انظر ضد الوثنيين فصول 1/4، 27/3، 34/4. والمقالة الثانية ضد الأريوسيين. فصل 25.

4 انظر رومية20:1. انظر أيضًا ضد الوثنيين. فصل 35، تجسد الكلمة فصول11، 18.

5 يستخدم القديس أثناسيوس تشبيه رؤية العين للشمس في مجال حديثه عن تطهير النفس. انظر فصل 57/3.

1 الذين لا يؤمنون لهم أعين لكنهم أغلقوها عن رؤية الحق كما أن نفوسهم خُلقت لكى ترى الله ولكى تستنير به غير أنهم توهموا الشر لأنفسهم. انظر ضد الوثنيين: 7.

2 انظر فصل 53/1.

3 لو 34:4. يستخدم القديس أثناسيوس نفس هذا الشاهد في رسالته إلى أساقفة مصر وليبيا فصل 14 وذلك في سياق حديثه عن الأريوسيين. وأيضًا في كتابه عن حياة أنطونيوس. فصل 26 في سياق حديثه عن حروب الشياطين.

4 مر7:5.

1 1كو20:15.

2 قبل أن يبدأ القديس أثناسيوس جزءًا جديدًا في كتابه هذا يختم هذا الفصل بإجمال ما سبق أن علّم به في الفصول السابقة مستخدمًا عبارات مختصرة كهذه ويكررها باستمرار لتأكيد تعليمه عن الفداء. انظر فصل 20 هامش رقم (5) ص59، وفصل 54.

1استخدم القديس أثناسيوس تعبير يصرخ عاليًا في الفصل السابق فقرة 2 وذلك في سياق حديثه عن شهادة الطبيعة بألوهية المسيح من خلال أعماله فيها. وهنا يكرر هذا التعبير مؤكدًا على أن هذه الشهادة تمت لا بواسطة الطبيعة وحدها لكن أيضًا بواسطة الكتاب الموحى به.

2 رغم أن كلمات الكتب المقدسة صريحة في الشهادة لألوهية السيد المسيح إلاّ أن اليهود لم يفهموها فهمًا صحيحًا كما يقول القديس أثناسيوس (انظر ضد الوثنيين فصل 46/4).

3 صيغة الجمع ” قائلين ” للفعل “يقول” تناسب صيغة الجمع ” أنبياء “.

4 إش14:7، مت23:1.

5 موسى عظيم حقًا واليونانيون يعتبرون أن أفلاطون عظيم. انظر فصل 2/3.

1 عد17:24 (س).

2 عدد 5:24ـ6 (س).

3 إش4:8. يستخدم القديس أثناسيوس هذا الشاهد مرة أخرى ويشرحه في فصل 36.

4 لقد كان اليهود ينتظرون المسيح ويعتقدون أنه إنسان عادى (انظر فصل 3:34) وأيضًا (رسالة عن ديونيسيوس الاسكندرى: 8)، ولهذا يعود القديس أثناسيوس في فصل 35 ليوجه لليهود عدة أسئلة لبيان الفرق الجوهرى بين طبيعة المسيح وأى إنسان عادى.

5 إش1:19 (س) انظر فصل 5:37 حيث يشرح القديس أثناسيوس معنى هذه الآية بدون أن يذكرها مباشرةً.

6 هو1:11.

1 أى الموت بواسطة الصليب متحملاً الآلام من أجلنا. ولقد ظن اليهود أن المسيح لن يقاسِ ألمًا عندما يأتي انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 15.

2 إش3:53ـ5.

3 اختار اليهود أن يموت المسيح بالصليب للمبالغة في اهانته. انظر فصل 24/4.

4 هذه الجملة على وزن الجملة الشهيرة للقديس أثناسيوس ” لأن كلمة الله صار إنسانًا لكى يؤلهنا نحن ” فصل 54/3.

5 إش6:53ـ8 (س)، أع32:8ـ33.

1 يوضح القديس أثناسيوس أن اليهود حينذاك ضلوا وبالتالى أضلوا الأمم وذلك بعدم فهمهم أن طبيعة المسيح تختلف عن طبيعتنا فاعتقدوا أن المسيح هو مجرد إنسان من نسل داود ولم يؤمنوا به على أنه هو الله وكلمة الله الذي صار إنسانًا (رسالة عن ديونيسيوس الاسكندرى: 8). وأثناء صراعه ضد الأريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن لأنهم هم أيضًا اعتقدوا أن طبيعة الابن هي مثل طبيعة باقي المخلوقات، دعا القديس أثناسيوس الأريوسيين بأنهم يعتقدون مثل اليهود” انظر المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 38.

2 يستخدم القديس أثناسيوس هذا الشاهد في فصل 37 وذلك في سياق حديثه عن ولادة السيد المسيح من العذراء مريم.

3 إش8:53ـ9

1 هذه العبارة تشبه عبارة ” لكن لو أراد أحد من شعبنا أن يسأل لا حبًا في الجدل بل حبًا في العلم ” فصل 25/1.

2 يقصد موسى والأنبياء.

3 انظر هامش رقم (3) ص90، وهامش رقم (1) ص 93.

4 تث 66:28 (س)

5 يقصد بالشجرة خشبة الصليب.

6 إر 19:11.

7 مز16:22ـ 18.

1 يوضح القديس أثناسيوس هذه النقطة في فصل 40/3.

2 بعد أن أوضح القديس أثناسيوس ان الكتب المقدسة قد تنبأت بميلاد المسيح وصلبه الآن يوضح أن يسوع هو المسيح، ولقد اتبع القديس أثناسيوس طريقة مشابهة لهذا في مقالته الدفاعية ضد الوثنيين عندما نسأل أولاً عن الكلمة الذي يضبط الكون (فصول 35ـ39) ثم بعد ذلك أوضح مَن يكون الكلمة (فصل 40)، ثم في الختام كيف يضبط الكلمة الكون كله (فصل 40ـ45).

3 إش 10:11.

4 يقصد إشعياء النبي في الآية 14:7 ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل “. ويقول القديس أثناسيوس ” إن اليهود يفهمون أن هذه الآية تُقال على واحد منهم ” انظر المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 54.

1 انظر مت1:2ـ3. وهنا يستبدل القديس أثناسيوس نبوءة سفر العدد 17:24 التي سبق أن استخدمها في فصل 33/4 بما جاء في إنجيل متى.

1 انظر إشعياء 4:8 ” لأنه قبل أن يعرف الصبى أن يدعو يا أبى ويا أمى تحمل قوة دمشق وغنائم السامرة قدام ملك أشور” (س). وهنا يعطى القديس أثناسيوس شرحًا لهذا الشاهد الذي سبق أن أشار إليه في فصل 33.

2 2صم4:5.

3 لم يذكر القديس أثناسيوس سن سليمان عندما صار ملكًا، وذلك لأن هذا لم يُذكر مباشرةً في الكتاب المقدس، ونعرف من سفر صموئيل الثاني أن سليمان وُلد بعد سنوات من إقامة داود ملكًا في أورشليم انظر 2صم14:5، 24:12. وملك داود 33 عامًا، وربما كان سليمان في عمر الثلاثين عندما صار ملكًا.

4 2مل21:11.

5 2مل1:22 حيث يذكر الشاهد أن يوشيا كان ابن ثمان سنين حين مَلَك.

6 ربما قصد القديس أثناسيوس هنا مَن قد أشار إليه في رسالته إلى مكسيموس الفيلسوف (فصل4) عندما كتب ” فليعلم غير المؤمنين أنه رغم كونه رضيعًا في المذود إلاّ أنه جعل المجوس يسجدون له “.

7 يقصد أنه كان يأسر كل عبادة الأوثان وضلالات الشياطين كما ذُكر في نهاية هذا الفصل وأيضًا في فصل 33.

1 الوصية لليهود بفحص الكتب وردت في إنجيل يوحنا 39:5 على لسان المسيح ” فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية وهي التي تشهد لى ” وكان لابد بعد هذا الفحص أن يتأكد اليهود أن هذه النصوص تشهد أن يسوع هو المسيح والإشارة هنا إلى نص إش10:11 الذي أورد القديس أثناسيوس نصه في الفصل السابق فقرة 6. وفي الفقرات التالية يوضح أن هذه النبوءة لم تكن على أى ملك من ملوك العهد القديم.

2 يستخدم القديس أثناسيوس تعبير “طالما” هنا لأنه يعود في اصحاح 3:40 فيذكر أن مملكة إسرائيل قد انتهت بمجىء السيد المسيح.

3 انظر 2صم 2:8.

4 انظر 2أخ 22:35.

5 انظر 2مل 8:19 ـ16.

6 انظر خر 8:17 ـ 16.

7 انظر العدد 21:21ـ35.

8 انظر يشوع 6.

1 فالكتاب كله موحى به انظر فصل 33/3. انظر أيضًا المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 16 حيث يقول ” لأن هذه الكلمات … قد قالها الله ولا يمكن أن يعتريها أى كذب “.

2 انظر إش6:53ـ13، تثنية66:28. في الفصل القادم سيوضح أن هذه النبوات تنطبق فقط على السيد المسيح.

3 انظر إش1:19 راجع فصل 33/5 ويذكر القديس أثناسيوس في الرسالة إلى مكسيموس الفيلسوف فصل 4 أن الأوثان قد سقطت بمصر عند مجىء السيد المسيح إليها.

1 السؤال هنا يعتمد على نبؤة إش3:53ـ5 التي أوردها القديس أثناسيوس في فصل 2:34 وهو هنا يقاوم الفهم الخاطئ لليهود عن نبوات الكتاب المقدس ويشير إلى هذه المفاهيم الخاطئة في مقالته الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 54. “أما القول: كشاة قد سيقت إلى الذبح (إش7:53) فإنهم لم يتعلموا من فيلبس إلى مَن تشير بل ظنوا أنه يتكلم عن إشعياء أو عن نبى آخر من بين أنبيائهم “.

2 يركز القديس أثناسيوس على إيضاح أمرين قد حدثا معًا للسيد المسيح ولم يحدثا لأى شخص آخر ورد اسمه في العهد القديم وهما النبؤات عن آلام الصليب الشافية والموت من أجل خلاص الجميع.

3 انظر تك8:25.

4 تك 29:35، 33:49. إذن موت السيد المسيح على الصليب كان موتًا مختلفًا عن موت كل هؤلاء. فهو لم يمت كالباقين على الفراش بسبب ضعف طبيعته بل كان موته من أجل خلاص الجميع انظر فصل21.

5 تث1:34ـ5، 50:32.

6 1مل10:2.

7 1صم19:18.

8 انظر فصل 24.

9 حسب التقليدين اليهودى والمسيحى المبكرين.

1 منذ السقوط والإنسان يموت بسبب حكم الموت. فصول21،10. ولقد رفع السيد المسيح حكم الموت عنا بموته هو شخصيًا عندما حُكم عليه بموت الصليب فصل 25.

2 حز1ـ3

3 انظر تث 66:28. هذه الآية سبق أن استخدمها القديس أثناسيوس في فصل 35 في سياق حديثه عن موت الصليب. وفي مقالته الثانية ضد الأريوسيين: 16 يقول: لأن الصلب هو المقصود بالقول ” سترون حياتكم معلقة “. هنا يركز على كلمة ” حياة ” لبيان الفرق بين طبيعة السيد المسيح وباقي الأنبياء في العهد القديم. ويوضح هذه النقطة في فصل 20 من تجسد الكلمة.

4 إش8:53 (س). انظر فصل 34 حيث استخدم القديس أثناسيوس نفس الشاهد.

5 هنا يستخدم القديس أثناسيوس نفس السؤال تقريبًا الذي سبق أن جاء في فصل 35/7.

6 والأنبياء لا ينطقون بالكذب. انظر فصل 36 هامش رقم (1) ص 102.

1 انظر فصل 35/8.

2 انظر فصل 36/2 حيث تجد نفس المعنى.

3 عن هجرة التقاليد الموروثة وعبادة الأصنام انظر فصل 30/5.

4 يستند القديس أثناسيوس هنا على ما ذكره في فصل 35/6 حيث يستعين هناك بنبوءة إشعياء 10:11.

5 رغم أن الكل يرى هذا الأمر بوضوح إلاّ أن اليهود ينكرون السيد المسيح الذي تمم كل شئ. انظر فصل40/4.

1 في فصل 33/5 يورد القديس أثناسيوس نص نبوءة إشعياء1:19 عن قدوم المسيح إلى مصر وفي فصل 4:36 يشرح ما قد حدث نتيجة مجىء المسيح إلى أرض مصر. انظر أيضًا فصل 36 هامش رقم (3) ص 102.

2 عن شهادة الخليقة لصلبه انظر فصل 19، وعن أن مَن صلبوه كان شهودًا انظر فصل 23.

3 يختم القديس أثناسيوس هذا الفصل بهذه الفقرة التي توضح موت السيد المسيح بصورة علنية بشهادة الخليقة كلها وكل مَن صلبوه وأيضًا أن موته كان من أجل خلاص الجميع. وكان في بداية هذا الفصل قد أوضح أن موت أبرار العهد القديم لم يكن علنًا وأيضًا لم يكن موتًا من أجل خلاص الكل.

4 بخصوص تعبير فدية “ ¢nt…yucon “ انظر فصل 9/2.

5 في المسيح تمت نبوءة سفر التثنية 66:28، إش6:53.

6 عن تشكيك اليهود الدائم انظر فصل 40.

1 راجع فصل 35/7. حيث يذكر القديس أثناسيوس أن هناك براهينًا وحججًا كثيرة من الكتب المقدسة يمكن أن تقنع اليهود.

2 إش 1:65ـ2 (س).

3 في فصل 12/2 يقول القديس أثناسيوس إن الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى البشر كانوا ” رجال معروفين لديهم ” وفي فصل 13/5 يعطى تشبيه بأن هؤلاء الأنبياء كانوا مثل أصدقاء أرسلهم الملك للبشر.

4 الكلمة ظهر من الخفاء بمعنى أنه هو بلا جسد حسب الطبيعة والآن ظهر في الجسد. انظر فصل8/1.

5 عن معنى بسط اليدين على الصليب انظر فصل 25.

6 انظر فصل 8/1 حيث يوضح معنى أن الكلمة ظهر من الخفاء بظهوره في الجسد من أجل خلاصنا. وعن معنى العبارة ” الذي بلا جسد حسب الطبيعة ظهر في الجسد لأجلنا ” انظر فصل 1/3.

1 وردت نفس هذه العبارة في فصل33/2. وعن إنكار اليهود للحقائق رغم وضوحها انظر فصل32.

2 إش 3:35ـ6، 4:42. اعتبر القديس أثناسيوس أن هذا الشاهد سيكون أوضح في المعنى جدًا عندما يُكتب النص أولاً ثم يتساءل عن مَن هو الشخص الذي تتحدث عنه النبوءة وعن زمن ومكان اتمامها. ويرى القديس أثناسيوس أنه يجب على المرء عندما يدرس الكتب المقدسة أن يبحث عن الوقت والشخص والموضوع فيقول: “من الملائم كما نعمل في كل الأسفار الإلهية هكذا من الضروري أن نعمل هنا أيضًا فيجب أن نفهم بأمانة الوقت الذي كتب عنه الرسول والشخص والموضوع اللذين كُتب عنهما ” المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 45. انظر أيضًا المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 7، وأيضًا الدفاع عن قانون الإيمان مجمع نيقية14. وفي الفقرة التالية يطبق هذه القاعدة على النص.

3 2مل:5.

1 1مل21:17ـ23، 2مل33:4ـ35. لم تُذكر معجزات إقامة الموتى في نبوءة إشعياء. غير أن القديس أثناسيوس اعتمد على نص إنجيل متى5:11 الذي يذكر قول السيد المسيح ” والبُرص يطهرون والموتى يقومون ” وهذا القول فيه تتميم للنبوءة حيث كان في سياق الإجابة عن سؤال اليهود أنت هو الآتى أم ننتظر آخر؟ وما يقصده أثناسيوس بذكر معجزات إقامة الموتى بواسطة إيليا واليشع هو أن السيد المسيح أيضًا صنع هذه المعجزات. ولقد صمت النبي عن ذكرها لأنه ركز على المعجزات التي انفرد السيد المسيح وحده بفعلها.

2 إجراء السيد المسيح لمعجزة فتح عيني الأعمى منذ ولادته دليل على أن طبيعة البشر كانت خاضعة له. انظر فصل 8/4 ويستخدم القديس أثناسيوس هذه المعجزة ليس في رده على اليهود فقط بل في محاجة الوثنيين أيضًا. انظر فصل49/1 من مقالته ضد الوثنيين.

3 هناك فرق في عمل المعجزات بين الأنبياء والمخلّص، فإيليا واليشع صرخا إلى الرب لإتمام المعجزة أما المسيح إذ هو الإله المتجسد فقد أتمها بنفسه ويقول القديس أثناسيوس ” حيث إن الأعمال التي عملها القديسون، كما اعترفوا هم أنفسهم، لم تكن أعمالهم الخاصة بل أعمال الله الذي أعطاهم القوة فإيليا واليشع مثلاً يطلبان إلى الله أن يقيم الأموات ” المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة 2.

4 فالنبوءة إذن لا تشير إلى أحداث تمت في العهد القديم بل إلى أحداث من حياة السيد المسيح نفسه إذ أن هذه ” الأمور لم تحدث من قبل “.

1 يو 32:9ـ33.

1 دانيال 24:9ـ25.

2 في صراعه ضد الأريوسيين شدّد القديس أثناسيوس على الفرق بين السيد المسيح كملك أزلى وبين باقي ملوك إسرائيل الذين يصيرون ملوكًا بعد أن يُمسحوا فقط فيقول “لأنه عندما كان الملوك أيام إسرائيل يُمسحون فعندئذٍ فقط كانوا يصيرون ملوكًا حيث إنهم لم يكونوا ملوكًا قبل مسحهم أما المخلّص فهو على العكس حيث أنه إذ هو الله يزاول دائمًا حكم مملكة الآب وهو نفسه مانح الروح القدس “المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 46″. وفي دفاعه عن قانون إيمان مجمع نيقية فصل49 يورد نص دانيال 14:7 ” سلطانه سلطان أبدى لن يزول وملكوته لا ينقرض ” للدلالة على مُلك المسيح الأزلى.

1 الأساطير التي يخترعها اليهود هي عكس التعليم الإلهي انظر فصل3/1 وفي فصل2/1 يشير القديس أثناسيوس إلى أساطير الأبيكوريين ويذكر أن ما يقولونه ” يناقضون به ما هو واضح كل الوضوح ” وهذا هو ما يفعله اليهود بالضبط إذ إنهم عندما ” يخترعون أساطير فإنهم يريدون أن يؤجلوا الوقت الذي قد جاء فعلاً إلى وقت آخر في المستقبل “.

2 هنا يتحدث عن تحقيق نبوءة دانيال24:9ـ25 التي ذكرها في الفصل السابق.

3 مهمة الأنبياء هي أن تعلّم البشر عن السماويات. انظر فصل12/2.

4 يتحدث القديس أثناسيوس في “تجسد الكلمة” فصل3 وبالأكثر في “المقالة الثانية ضد الأريوسيين” فصلى 22، 88 عن الفرق بين الإعلان الإلهي عن طريق الخليقة كظل للإعلان الإلهي الحقيقي في شخص يسوع المسيح فيقول: ” لأن الله لا يريد بعد ـ مثلما حدث في العصور السابقة ـ أن يعرف عن طريق ظل الحكمة الموجودة في المخلوقات بل جعل الحكمة الحقيقية ذاتها تتخذ جسدًا وتصير إنسانًا وتعاني موت الصليب لكى يتمكن جميع الذين يؤمنون أن يخلصوا بالإيمان “.

1 حول استخدام القديس أثناسيوس لتعبيرات أخرى مثل “البر ذاته aÙtodikaiosÚnh” انظر فصل20هامش (3) ص 57. وهذا التعبير يأتي من سياق نبوءة إشعياء7:9 عن أن المسيح يسوع هو ” البر الأبدى “.

2 يقول القديس أثناسيوس في نهاية هذا الفصل4 فقرة7 ” أنه لم يعد هناك ملك ولا نبى ولا أورشليم ولا ذبيحة ولا رؤية بينهم ” وذلك لأنه ” عندما يكون الحق حاضرًا فأى حاجة تكون بعد إلى الظل ” فقرة2. وفي موضع آخر يذكر ” أن الهيكل القديم الذي كان مشّيدًا من حجارة ومن ذهب لم يكن إلاّ مجرد ظل. ولكن عندما جاءت الحقيقة بطل المثال من ذلك الحين. ولم يبق فيه حجر على حجر لم يُنقض ” انظر الرسالة إلى أدلفيوس 7.

3 تك 10:49 (س). جاءت في العبرانية: حتى يأتي شيلون وشيلون فُسرت بمعنى ” المُعد له” أو “من له الحق”.

4 مت 13:11، لو 16:16.

1 يذكر القديس أثناسيوس أن اليهود قالوا ليس لنا ملك إلاّ قيصر، وبسبب إنكارهم لمُلك السيد المسيح عليهم فقد لقوا عقابًا ” وتلاشت مدينتهم وأفكارهم ” انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 42.

2 أى أنه كما أن البراهين على القضاء على الموت بالصليب والقيامة يمكن لمسها من خلال وقائع واضحة وأعمال جلية هكذا يكون الأمر بالنسبة للبرهان على صحة نبؤات العهد القديم فالحال الذي يوجد عليه اليهود إذ ليس لهم ملك أو نبي أو رؤيا هي حالة واضحة وضوح الشمس وتثبت صدق نبوات العهد القديم. فيسوع هو المسيا المنتظر والملك المشهود بملكه الأبدي من خلال أعماله ” لأنه لو لم يكن هناك أعمال لكان يحق لهم ألاّ يؤمنوا بمن هو غير منظور، لكن إن كانت الأعمال تصرخ بصوت عالِ معلنة إياه بكل وضوح فلماذا يصّرون على إنكار الحياة الواضحة الناتجة عن القيامة؟ انظر فصل32/2.

3 وهنا يشير القديس أثناسيوس إلى إتمام نبوءة إشعياء10:11 ” سيكون أصل يسى الذي يقوم ليسود على الأمم، عليه يكون رجاء الأمم ” والتي سبق أن أوردها في فصل 35/6.

4 لأنه لو أن الأمم كانت تعبد إلهًا آخر لكان هذا معناه عدم إتمام نبوءة إشعياء 10:11 السابق الإشارة إليها.

5 عن عبادة الأمم لنفس الإله وإكرامها له يقول القديس أثناسيوس ” وليس إسرائيل وحده الذي يعتمد عليه بل كل الأمم كما سبق القول وأنبأ النبي: يتركون أصنامهم ويتعرفون على الإله الحقيقي أي المسيح ” راجع المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 43.

1 مز 27:117 (س).

2 مز 20:106 (س).

3 إش 8:63،9 (س). عن عدم إمكانية الملاك أن يخلّص البشر انظر فصل13/7.

4 انظر فصل 29 هامش رقم (4) ص 81.

5 انظر فصل39/1.

6 نبوءة إشعياء 10:11.

7 نبوءة إشعياء 1:65ـ2 وسبق أن صار الحديث عن إتمامها في فصل 38.

8 نبوءة دانيال24:9ـ25، ذكرت في فصل39.

9 نبوءة إشعياء 1:19 وصار الحديث عن إتمامها في فصل 33.

10 النبؤات التي ذُكرت في فصل 35 عن القضاء على الموت بالصليب جاء الحديث عن إتمامها بفصل 37.

11 انظر إشعياء9:11.

1 يذكر القديس أثناسيوس في موضع آخر ” أن كل الكتاب المقدس مشحون بالحجج التي تدحض عدم إيمان اليهود ” راجع فصل 35/7.

2 بهذه الجملة يختم القديس أثناسيوس محاججته لليهود وكان قد بدأها في فصل33/2 بقوله ” فمن جهة اليهود فإن الكتب المقدسة التي يقرأونها هي نفسها توضح عدم إيمانهم “.

1 انظر فصل11/4، ويوضح القديس أثناسيوس أن عبادة الأصنام تتعارض مع كل منطق. انظر ضد الوثنيين فصل13، 20.

2 في فصل 6 يوضح القديس أثناسيوس أن التجسد كان أمر لائقًا ويتفق مع صلاح الله.

3 ظهور الكلمة في الجسد ثم صلبه من أجلنا هو بالنسبة لليونلنيين أمر غير لائق ويستهزأون به. ولقد أشار القديس أثناسيوس إلى هذا الأمر في عدة مواضع من كتاباته. انظر تجسد الكلمة الفصول 1/1، 33/2، 48/3، 49/3، 53/2، 54/2 ضد الوثنيين 1/3 الرسالة إلى مكسيموس الفيلسوف1. المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة35 وفي حياة انطونيوس74 حيث سجل ما قاله الأنبا انطونيوس لجماعة من الفلاسفة اليونانيين “كيف تسخرون منا عندما نقول أن المسيح ظهر كإنسان “.

4 أى ” لو كان اليونانيين مُحبين للحق “. وهو يقصد بالطبع فلاسفة اليونانيين كما جاء في فقرة5 من هذا الفصل، حيث كلمة ” فلاسفة filosofo… ” تعنى مُحبى الحق. غير أن وصفهم بهذه الصفة يمكن أن يكون فيه نوع من السخرية حيث يفند القديس أثناسيوس ـ من خلال كتاباته الدفاعية ضد أفكارهم ـ “الأباطيل” التي يرددونها في تعاليمهم والتي تبيّن عدم محبتهم للحق. انظر ضد الوثنيين فصل1/7.

1 هنا يقصد الأبيكوريين. انظر فصل 2 وأيضًا في الفصل40/6 من ضد الوثنيين حيث نقول ” وإن شك أى إنسان فيما نقول وتساءل إن كان يوجد هناك كلمة الله على الاطلاق فإن إنسانًا كهذا لابد وأن يكون معتوهًا إذ يشك في كلمة الله “.

2 هنا يقصد الأفلاطونيين الذين ينكرون حقيقة أن الكلمة هو مدبر الكون. انظر فصل 2. ولقد فند القديس أثناسيوس أفكارهم في كتابه ضد الوثنيين: الفصول 35ـ44، مستعينًا أيضًا بآراء من فلاسفتهم.

3 يشير القديس أثناسيوس هنا إلى ما قد سبق أن تحدث عنه بإسهاب في كتابه ضد الوثنيين: 28.

4 عن فعل ” الكلمة ” في الكون انظر ضد الوثنيين41/2.

5 الكلمة مع كونه في الكون كله إلاّ أنه تجسد أيضًا انظر فصل8/1، وفي تجسده لم يكن محصورًا في الجسد انظر فصل17.

1 استخدام القديس أثناسيوس للتعبير ” أمر غير لائق ” هو بقصد فلقد أثبت بعدة طرق أن تدبير التجسد لم يكن ” أمر غير لائق ” انظر فصل6 وهكذا فإنه يبرهن هنا على أنه لم يكن ” أمر غير لائق ” أيضًا أن يتخذ الكلمة جسدًا بشريًا.

2 سبق للقديس أثناسيوس استخدام هذا التعبير ليصف به جسد المسيح. انظر فصل8 هامش رقم (8) ص21، وكان قد أشار من قبل إلى أن السيد المسيح قد استخدم جسده ليعرّف به لاهوته للبشر. انظر فصول 21/7، 42/5.

1 انظر فصل 17/3 انظر أيضًا ضد الوثنيين فصل5:4 حيث يذكر القديس أثناسيوس أن النفس ” في استطاعتها تحريك الجسد “.

2كلمة الله ” يعمل في كل الأشياء التي بالكون ” فيعطيها نورًا وحياة ويحركها ويرتبها بإيماءة منه جاعلاً الكون واحدًا ” انظر ضد الوثنيين44/2.

3 انظر فصل 11/1 أما الفلاسفة فيدعون أن الخليقة قد وُجدت لكنها لم تُخلق من العدم. انظر فصل2/3ـ4.

1 هذه الفقرة هي إيضاح أكثر للفقرة الأخيرة من الفصل السابق.

2 يقصد الشاعر اليونانى ابيمينسياس الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد والذي استشهد بقوله هذا بولس الرسول عندما خاطب اليونانيين في آريوس باغوس. انظر: أع28:17. وفي رسالته عن مجمعي أرمينيو وسيلفكيا فصل 39 يقتبس القديس أثناسيوس النصف الآخر لهذه الآية ” لأننا جميعًا ذريته ” ليؤكد بذلك امكانية استخدام عبارات من خارج الكتاب المقدس شريطة أن تعبّر في استخدامها عن الإيمان الصحيح.

3 انظر أع28:17. عن أن الكلمة يعطى حياة لكل الأشياء. انظر المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة 1. ضد الوثنيين فصل41.

1 في موضع آخر يوضح القديس أثناسيوس العلاقة بين ما يفكر فيه الإنسان بعقله وما يتكلم به بلسانه وذلك في مجال المقارنة بين كلمة البشر، وكلمة الله والرد على مَن اعتقدوا بأن الابن كلمة الله هو مثل البشر. انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 35.

2 يقصد الجملة الختامية في الفصل السابق. حيث تكلم عن أنه ليس بالأمر غير اللائق أن يوجد الكلمة في الجزء حيث أنه يوجد في الكل. وبالجملة الختامية لهذا الفصل فإنه يؤكد على هذه الحقيقة بأنه ليس هو بالأمر غير اللائق أن يُتخذ الجسد كأداة وهو جزء من كل البشرية طالما أن الكلمة هو أيضًا في الكون كله.

وجدير بالذكر أنه في الفصول 41ـ45 يرد القديس أثناسيوس على اليونانيين بقوله أن التجسد هو أمر لا ينتقص من ألوهة الكلمة المتجسد، لأن كلمة الله إذ هو خالق الكون ومدبره فهو كائن في الكون كله يحفظه ويسيّره، وبالتالي فليس بالأمر غير اللائق بالله أن يظهر في جزء من هذا الكون أي في جسد بشرى مستخدمًا إياه كأداة لخلاص البشرية. وفي المقالات ضد الأريوسيين حيث نراهم قد أساءوا فهم وتفسير بعض آيات الكتاب المقدس التي تشير إلى الابن في الجسد، وبالتالي اعتقدوا أن الابن هو جزء من الخليقة منكرين بذلك ألوهيته وعمله الخلاصي، نجد في هذه المقالات أن القديس أثناسيوس يرد على هذه الهرطقة بقوله ” ليس في وسع جزء من الخليقة أن يكون خلاصًا للخليقة ” انظر المقالة الثانية69.

إذن فقد كان دفاع القديس أثناسيوس في “تجسد الكلمة” عن أن التجسد هو عمل لائق بالله ولا ينتقص من ألوهيته بينما كان دفاعه في مقالات “ضد الأريوسيين” لإثبات أن الابن المتجسد ليس ضمن المخلوقات وأن كل ما ورد في هذه الآيات يخص الابن في الجسد ولا يخص ألوهيته.

1 في مقالته ضد الوثنيين: 27 يرد القديس أثناسيوس على الأفكار القائلة بأن النجوم ومثل هذه الأشياء أفضل من الإنسان، الأمر الذي جعل من يؤمن بهذه الأفكار يعبد هذه الأشياء.

2 عن أن المعلّم الصالح لا يتعالى على تلاميذه بل يتباسط معهم من أجل منفعتهم. انظر فصل1/1.

3 في موضع آخر يعطى القديس أثناسيوس مثالاً بما يفعله الطبيب لمساعدة المرضى فيقول ” لأنه في مرات كثيرة يضع الطبيب أدوية على الجروح حسب ما يرى هو أنها نافعة ومفيدة للمرض، رغم أن الكثيرين يظنون أنها غير مناسبة، والطبيب يهدف دائمًا إلى شفاء مرضاه ” انظر رسالة عن ديونيسيوس الاسكندرى: 6. ثم نلاحظ أن الحديث عن ” الشفاء ” الذي تممه كلمة الله بتجسده مستمد من نبوءة إشعياء 5:53 ” وبجراحاته شُفينا ” انظر فصل34/2 وأيضًا من مز20:107 ” أرسل كلمته فشفاهم ” انظر فصل40/5.

1 عن خضوع كل العناصر للخالق، انظر ضد الوثنيين37/1. وفي وقت لاحق عندما حارب القديس أثناسيوس الفكر الآريوسى شدّد على أن خضوع كل هذه العناصر لله لا تفرض أن هناك وحدة في الجوهر بينها وبين الله مثل وحدة الجوهر التي بين الآب والابن. فعلاقة الآب بالابن ليست مثل علاقة الخليقة بخالقها. انظر المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة 10.

2 انظر فصل4/4.

3 فصل11/4 وأيضًا ضد الوثنيين فصل 9/2.

4 انظر فصل 6/4ـ9.

5 “الجسد البشرى” ليس هو فقط جزءًا من الكل بل فيه أيضًا نفس بشرية. والقديس أثناسيوس يستعمل هنا تعبير “الجسد البشرى” ليعبّر به عن الطبيعة البشرية الكاملة (جسدًا ونفسًا).

6 انظر فصل14/8.

7 انظر فصل12.

1 انظر فصول15،14.

2 انظر فصل12.

3 انظر فصل15.

4 هنا يكرر القديس أثناسيوس ما سبق أن اشار إليه في الفصل السابق مع التركيز على أن الكلمة يُعرف بواسطة أعمال الجسد.

5 انظر الفصول17،6.

6 انظر فصل2/3.

7 انظر أفلاطونd,e PolitikÒj 273. في كتابه ” ضد الوثنيين ” فصل 41/3 يستخدم القديس أثناسيوس هذا النص بتصرف فيقول عن الله أنه.. إذ رأى أن كل الطبيعة التي خُلقت زائلة وعُرضة للانحلال وفق نواميسها، ولكي لا تنتهى إلى هذا المصير، ولكى لا يتحطم الكون مرة أخرى ويعود إلى العدم لهذا فإنه خلق كل الأشياء بكلمته الأزلى وأعطى الخليقة وجودًا وكيانًا وعلاوة على ذلك لم يرد أن يطرح به في عاصفة في اتجاه طبيعته لئلا يتلاشى من الوجود مرة أخرى “.

1 لم ينشغل القديس أثناسيوس مباشرةً بقضية لماذا تجسد الله الكلمة في ذاك الوقت بالتحديد وليس قبل أو بعد ذلك، هنا يشير فقط إلى أن هذا حدث عندما ” أخطأت البشرية ” وفي موضع آخر وفي سياق الرد على الأريوسيين يشير إلى هذا الأمر بطريقة غير مباشرة فيقول ” وكما أنه كان قادرًا منذ البدء أن يرسل كلمته في أيام آدم أو في أيام نوح أو في أيام موسى لكنه لم يرسله إلاّ في آخر الدهور لأنه رأى أن هذا نافع لكل الخليقة ” انظر المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 29.

2 في فصل 41 من مقالته ” ضد الوثنيين ” شدّد القديس أثناسيوس على أن الطبيعة قد خلقت بكلمة الله وهو الذي يحفظها ويدبرها كي لا تتلاشى، وهنا في فصل 43 يشدّد على أن كلمة الله المتجسد هو الذي أنقذ الكون وصحح مساره. وما أراد القديس أثناسيوس أن يوضحه بهذا هو أنه ليس فقط أن حضور الكلمة في الخليقة وأيضًا في جسد بشرى هو أمر ممكن ولائق بل أن الخالق هو أيضًا المخلّص، والجدير بالملاحظة أن هذا الفكر هو أحد المحاور الرئيسية في مقالته هذه عن تجسد الكلمة.

3 وردت هذه الكلمات ” قيادته، وصلاحه ” في النص المشار إليه من ضد الوثنيين:41.

1 يقصد خجل اليونانيين من أنفسهم إذ أنهم يتعبدون للأحجار والأخشاب. انظر فصل41/1.

2 يشير إلى البراهين التي أوردها في الفصول41ـ43.

3 سبق أن حاجج كليسوس المسيحيين بهذا القول. انظر أوريجانوس في رده على كليسوس4/3. وفي موضع آخر يكرر القديس أثناسيوس هذا القول والذي جاء هذه المرة على لسان الأريوسيين. انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 68.

4 يكرر هنا القديس أثناسيويس تعليمه بأن إتمام الخلق كان عن طريق إرادة الله الصالحة، انظر فصلى 11،3. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التعليم ورد بكثرة من قبل في كتابات القديس إيريناؤس ويمثل محورًا رئيسيًا في كتاباته اللاهوتية. انظر ضد الهرطقات 2/1/1، 2/1/4، 2/2/1ـ3، 2/9/2، 2/11/1، 2/47/2، 3/8/3، 4/20/1، 5/18/2.

5 انظر فصل43 هامش رقم (3) ص 124.

1 انظر فصل 8 هامش (7) ص 21، وأيضًا فصل15.

2 حيث إن الكلمة هو بلا جسد. انظر فصل1:8.

3 انظر الفصلين 8،6.

4 الكلمة رغم تجسده إلاّ أنه لم يكن محصورًا في الجسد، انظر فصل 17.

5 انظر الفصلين 7،5.

1 انظر الفصول 9، 20، 26 والملاحظ أن تعبير “لبس الجسد الحياة” مأخوذ من رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس الأولى53:15 ” لبس هذا المائت عدم الموت “.

2 أى بانفصال النفس عن الجسد كما يذكر القديس أثناسيوس في ” ضد الوثنيين3/4 “. ونتيجة لهذا الانفصال فإن الجسد هو الذي يموت لا النفس انظر ضد الوثنيين33/2.

3 انظر فصل28/3 حيث يذكر خواص مادة الاسبستوس.

4 عن تشبيه الجسد بالقش انظر فصل 8.

1 طبيعة الأجساد قابلة للموت حيث إنها مخلوقة. انظر فصل3/4.

2 انظر فصل8/1.

3 انظر القديس أثناسيوس: الرسالة إلى أدلفيوس فصل 7.

4 انظر المقالة الثانية ضد الأريوسيين. فقرة 68 حيث يوضح القديس أثناسيوس نفس هذا التعليم بأسلوب مشابه، وذلك في سياق رده على الأريوسيين الذين ينكرون ألوهية الكلمة المتجسد.

1 في هذه الفقرة يلخص القديس أثناسيوس البراهين الفعلية لسبب ظهور الله الكلمة في الجسد، والتي سبق أن عرضها بإسهاب في الفصول 41ـ45. وأيضًا يكرر السببين الرئيسيين للتجسد واللذين كانا قد ذكرهما بالتفصيل في الفصول (4ـ10)، (11ـ19) وهما القضاء على الموت وعدم ترك البشر خاليين من معرفته.

2 في فصل20/3 يبرر القديس أثناسيوس سبب تكراره لنفس الأقوال.

3 وهنا في هذا الفصل يكرر ما سبق أن أوضحه في الفصلين 15ـ16.

4 انظر فصل42.

5 إش 9:11.

6 انظر فصل12/3.

1 انظر الفصول 12، 15/4، 16/1.

2 انظر الفصلين 15/5، 48.

3 انظر فصل 15/2.

4 انظر ضد الوثنيين24/2.

5 عن تغيير طبيعة الماء، انظر فصل 18/6 وبالطبع هنا الإشارة إلى عرس قانا الجليل حيث حوّل السيد المسيح الماء إلى خمر.

6 انظر الفصلين15/6، 16/3.

7 في فصل44 رد القديس أثناسيوس على اعتراض اليونانيين بأن كلمة الله لا يمكن أن يظهر في مادة مخلوقة أي جسد بشرى، وسبق أن أوضح في فصل 17 أن الكلمة لا يتدنس بحلوله في الجسد وهنا في هذا الفصل يوضح أن الرب ” لمس ” كل أجزاء الخليقة من أجل أن يحررها.

1 انظر كو 15:2.

2 ما يذكره القديس أثناسيوس هنا عن تحرر كل أجزاء الخليقة من كل خداع يماثل ما سبق أن ذكره في فصل43/3. ومن بين كل هذه الخلائق لم يضل سوى الإنسان ولهذا كان من الضروري أن يظهر الكلمة في جسد بشرى.

3 الكلمة بسبب تجسده لم يكن “محصورًا في الجسد” كما توهم البعض انظر فصل17/1. بل الإنسان هو الذي أصبح ـ بسبب تجسد الكلمة ـ محاصرًا بأعمال الكلمة في الخليقة انظر فصل16/3.

4 يقصد البراهين التي بدء في شرحها في فصل41/2.

5 سبق أن أشار القديس أثناسيوس إلى أنه يجب على اليونانيين أن يخجلوا من أنفسهم بسبب عبادتهم للأخشاب والأصنام انظر فصل41/1وفي فصل44/1 يذكر أنهم ربما بسبب خجلهم قد قبلوا البراهين التي أوضحها لهم. غير أنهم مع هذا يظنون أن هذه البراهين غير كافية (في رده على اليهود يشير ق. أثناسيوس إلى أنهم هم أيضًا ظنوا أن الأدلة المعطاة لهم غير كافية فصل38/1).

6 لإيضاح الفرق بين استخدام البراهين المعقولة والبراهين والأدلة من خلال الحقائق الظاهرة في سياق الحديث عن الأمور الإيمانية مثل القيامة انظر فصل30/1حيث يذكر القديس أثناسيوس أن القيامة ” يمكن اثباتها بالوقائع بوضوح أكثر من اثباتها بالحجج والمناقشات “. وفي كتابه عن ” حياة أنطونيوس “، يذكر القديس أثناسيوس ما حدث أثناء مقابلة بعض الفلاسفة اليونانيين للقديس انطونيوس وأنهم طلبوا منه ” حججًا ” بالكلام المقنع. أما هو فقد قدّم براهينًا بوقائع وأحداث تثبت إيمانه بالمسيح وقوته. (انظر حياة أنطونيوس فصل79).

1 في فصل11/3 يوضح القديس أثناسيوس أن البشر بسبب تركهم الله كليةً أظلّمت أنفسهم واخترعوا لهم آلهة مزيفة وعبدوها. وعندما أتى كلمة الله الحقيقي أنهى كل هذه العبادات.

2 استشارة الأوثان (العرافة) بالطبع هي ضمن عبادات الأوثان. انظر فصل11/6 ولقد كانت هذه العرافة منتشرة في كل مكان انظر فصل47/1.

3 بواسطة قيامة المسيح اتضح أن الآلهة الوثنية كاذبة (انظر فصل5/6)، وأنهم بشر يفنون (انظر فصل47/3).

4 انظر فصل47/3.

1 عن سيادة المسيح على الأرواح النجسة والأوثان انظر فصل 32/4.

2 لقد تنازل الرب من أجل ضعف البشر انظر فصل 8/2.

3 عن انتصار المسيح على أعمال السحر انظر فصل 48.

4 انظر 1كو18:1ـ24 راجع فصل 15/1 حيث يستخدم القديس أثناسيوس نفس الشاهد.

5 يجرى القديس أثناسيوس مقارنة بين ما كان يحدث “في القديم” وما يجرى “الآن”، وسبق أن تحدث عن هذا في فصل 21/1.

1 في هذه الفقرة يلخص القديس أثناسيوس ما سبق أن ذكره بالتفصيل في مقالته ضد الوثنيين:23. ويقابل كل ما كان يحدث بما فعله السيد المسيح حينما ظهر في الجسد إذ أقنع كل المسكونة ليعبدوه وحده فهو القادر أن يعلّم العالم كله عن الآب (انظر فصل 14/3). ومع أنه وُلد في اليهودية إلاّ أنه صار يعبد في كل مكان (انظر فصل 37/5).

1 في هذا الفصل وما يليه يشرح القديس أثناسيوس ما تحدث عنه باختصار في الفصول السابقة ويوضح أن العرافة قد أبطلت بمجيء السيد المسيح، ويشير القديس أثناسيوس إلى نفس هذا الأمر في كتابه “حياة أنطونيوس” فصل32 حيث يشرح الفرق بين أن يتنبأ أحد بالحوادث وبين أن يتكهن بوقوعها.

2 انظر ضد الوثنيين فصل 24/2.

3 انظر فصل4:11. وفي كتابه حياة انطونيوس فصل23 يذكر القديس أثناسيوس أن الشياطين تحاول أن تضل المسيحيين ولا سيما الرهبان باتخاذها أشكالاً وصورًا أخرى غير المذكورة هنا.

4 يشرح القديس أثناسيوس بالتفصيل أوجه الغلبة بعلامة الصليب على ضلالات الشياطين. انظر الفصول 48، 50. انظر أيضًا حياة أنطونيوس:78.

1 هو الإله زحل.

2 هو الإله عطارد.

3 إله الجمال والرجولة والشعر والموسيقى عند قدماء اليونانيين.

4 في مقالته ضد الوثنيين فصل 15/2 يذكر القديس أثناسيوس أن الشعراء والكتّاب لم يكتفوا بذكر أسماء هذه الآلهة بل سجلوا أعمالها الفاضحة وانحطاط حياتها الأمر الذي أضل وأفسد حياة كل مَن كان يعبدها من البشر. وكان قد سبق في الفصول 12،11 من نفس المقال أن استعرض كل هذه الأعمال.

5 عندما يفكر الإنسان العاقل في الحياة الخالدة فإنه يتخلى بسهولة عن الأمور الزائلة. انظر ضد الوثنيين1:32.

6 سبب عدم استطاعة حكماء اليونانيين أن يقنعوا أحد بحياة الفضيلة هو أنهم هم أنفسهم كتبوا عن الفضائح الأخلاقية لآلهتهم وليس هذا فقط بل وكانوا يقلدونها. انظر ضد الوثنيين: الفصول12،11.

1 يقصد ما تم عرضه في الفصلين السابقين.

2 وردت كلمة اختبار “Pe‹ra“ في فصل 28/3 في سياق الحديث عن التجربة العملية للتأكد من شئ.

3 يعطى القديس أثناسيوس أهمية كبرى للعفة كفضيلة مسيحية، ويتضح ذلك من خلال نصوص بعضها منسوب إليه ومترجمة إلى اللغة السريانية والقبطية.

4 جوقات جمع جوقة. وفي مقالته ضد الوثنيين:43 يشّبه القديس أثناسيوس التناغم الحادث بين المخلوقات والذي يشهد بألوهية الكلمة الخالق بتناغم الأصوات التي تصدر عن جوقة من المرتلين.

5 سبق أن أشار القديس أثناسيوس إلى أن حياة العفة التي يعيشها الشبان والعذارى واستعدادهم للاستشهاد على اسم المسيح هي دليل على نصرة المسيح المصلوب وعلى قوة القيامة. انظر فصل 27.

6 انظر مر17:16 وراجع فصل30/6.

1 ذكر أوريجانوس أيضًا في رده على كيلسس أن عرافة وتنجيم المجوس قد أبطلت وتلاشت بمجرد ميلاد السيد المسيح. انظر الرد على كيلسس 1/60.

2 السيد المسيح هو كلمة الله، الذي بحضوره في الجسد غطى بأعماله كل أعمال البشر الذين سبقوه. انظر فصل 7:15.

3 هذا السؤال الموجه هنا لليونانيين يقابل السؤال ” مَن ذا الذي … ” الموجه في فصل 35 لليهود.

4 عن عدم إيمان اليهود واعتقادهم بعدم لياقة تأنس كلمة الله انظر فصل 33. وفي فصل 14/3 يرى أثناسيوس أنه يستحيل على مجرد إنسان أن يعلّم العالم كله عن الآب وأن يرده عن طريق الضلال إذ أن هذا العمل أكبر من قدرة مجرد إنسان.

5 البشر اخترعوا لأنفسهم آلهة من البشر. راجع فصل 15/2.

6 سبق أن ادّعى كثيرون أن المسيح يستعمل السحر. ولقد رد عليهم المدافعون والكتّاب الكنسيون. انظر على سبيل المثال: يوستينوس الشهيد في حواره مع تريفو فصل 69 وأوريجانوس في رده على كيلسس 1/6، 1/38، 1/68.

7 الترجمة الحرفية ” بمهارته الأفضل “. وهنا يستخدم القديس أثناسيوس كلمة الأفضل “ kre‹twn” لوصف مهارة السيد المسيح بالمقارنة بمهارة السحرة من حيث الكم فقط ولم يستخدم كلمة الأعظم “me‹zwn “ بينما في محاربته للبدعة الأريوسية وفي سياق شرحه للآية “صائرًا أفضل من الملائكة” عب3:1 (حسب الأصل اليوناني) شدّد على أن استخدام كلمة “أفضل” في المقارنة بين شيئين يوضح الفرق في النوع بينما استخدام كلمة ” أعظم ” يوضح الفرق في الكم.

1 في هذه الفقرة يتضح فكر القديس أثناسيوس بأن إبادة كل أعمال السحر يدل على أن السيد المسيح ليس هو العظيم بين السحرة وإلاّ لكان عليه أن يدعم هذه الأعمال، كما يتضح أن الفرق بين السيد المسيح وبين السحرة ليس في كم الأعمال التي قام بها كل منهم بل في نوعية هذه الأعمال (في الفصلين 18، 38 ركز القديس أثناسيوس على أن المسيح كان يشفى كل الأمراض).

2 حينما تعترف الأرواح بأن السيد المسيح هو سيدها (انظر أيضًا فصل32) فإن هذا معناه أن السيد المسيح ليس من بين السحرة إذ أن هؤلاء السحرة يطلبون مساعدة هذه الأرواح في الأعمال التي يعملونها.

3 انظر مت24:12، مر22:3، لو15:11. ” وعندما عاينوا معجزاته الإلهية أنكروا لاهوته ونسبوا هذه المعجزات للشيطان “… وأهانوه. راجع رسائل القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس. رسالة 22/4.

1 انظر مر39:15 وهي شهادة واعتراف قائد المئة وهو أول شخص أممي يعترف بألوهية السيد المسيح عند الصليب.

2 بهذه الفقرة يختم القديس أثناسيوس حديثه عن الوقائع الظاهرة التي تثبت ألوهية الكلمة المتجسد. وما سبق أن تحدث عنه في الفصلين 45،15 بشأن المقارنة بالآخرين من البشر، سوف يشرحه في الفصول التالية.

1 انظر الفصلين20/4، 35/7

2 انظر فصل 38/3 حيث يذكر القديس أثناسيوس نبوءة إشعياء عن مجيء المسيح وعمل المعجزات وخاصةً معجزة شفاء المولود أعمى. وأيضًا فصل 18/4 حيث يذكر معجزات الشفاء الكثيرة التي عملها المسيح ومن بينها أيضًا هذه المعجزة.

3 عن اتخاذ اليونانيين بشرًا عاديين آلهة لهم. انظر ضد الوثنيين: 18.

4 وما فعله السيد المسيح يثبت بالطبع أنه الخالق. انظر فصل 18/4.

5 أي إنسان يثبت أنه ليس هو مجرد إنسان عندما يتغلب لا على بشر مثله بل على مَن يُظن أنهم آلهة انظر فصل 48/5.

1 كان الهنود أكثر من غيرهم يعبدون ديونيسيوس باعتباره إله الخمر انظر ضد الوثنيين24/2. ويذكر القديس أثناسيوس عن الأنبا انطونيوس أن مجرد الكلام عن الخمر واللحم كان يعد ترفًا بالنسبة له راجع حياة انطونيوس: 7.

2 انظر فصل 19/3، وراجع أيضًا فصل 37/7.

3 يقصد منذ السقوط إلى الآن.

4 يكرر القديس أثناسيوس في هذه الفقرة ما سبق أن أشار إليه في فصل 46/5.

5 راجع فصل 31/2.

1 في مقالته ضد الوثنيين: 9ـ11 يتحدث القديس أثناسيوس عن ملوك وطغاة كثيرون قد أقامهم البشر آلهة لهم وعبدوهم.

2 في فصل47/4 ذكر القديس أثناسيوس أن السحر الذي كان منتشرًا بين الكلدانيين والمصريين والهنود كان يبعث الخوف والرهبة في كل مَن شهده.

3 في فصل 49/5 يقارن القديس أثناسيوس (في صيغة سؤال استنكاري) بين أعمال السيد المسيح التي تمت بعد موته وقيامته وأعمال أى إنسان آخر. وهنا في هذا الفصل (وباستخدام سؤال استنكاري أيضًا) يقارن بين أعمال السيد المسيح التي عملها أثناء حياته بالجسد وبين أعمال البشر.

4 في الفصول 71ـ79 من كتابه ” حياة انطونيوس ” يسرد القديس أثناسيوس الحوار الذي جرى بين الأنبا انطونيوس واثنين من الفلاسفة اليونانيين وفي الفصول 77ـ79 يورد رد الأنبا انطونيوس فيما يتعلق بعلاقة الإيمان بالحجج الفلسفية فيقول ” إننا نحن المسيحيين نتمسك بالسر لا في حكمة الحجج الفلسفية بل في قوة الإيمان أننا نحن الآن مدعمون بالإيمان بالمسيح أما أنتم فتعتمدون على مماحكاتكم الكلامية، هوذا خرافات الأوثان قد تلاشت، أما إيماننا فيمتد في كل مكان. هوذا أنتم بحججكم ومماحكاتكم لم تحولوا أحد من المسيحية إلى الوثنية أما نحن فإذ ننادى بالإيمان ندحض خرافاتكم.

لأن الجميع يعترفون بأن المسيح هو الله وابن الله، وبينما أنتم بفصاحتكم لا تعطلون تعليم المسيح فإننا نحن فبمجرد ذكر المسيح مصلوبًا نطرد كل الشياطين التي تخشونها كأنها آلهة. فحيث وُجدت إشارة الصليب ضعف السحر وتلاشت قوة العرافة” (فصل78).

1 الصليب أظهر النصرة على الموت. انظر فصل 29/1.

2 يرى القديس أثناسيوس أن عدم اتفاق اليونانيين فيما بينهم يدل على عدم صحة تعاليمهم، وعلى العكس من ذلك فإن اتفاق آباء الكنيسة على العقيدة السليمة يؤكد صحتها وحقيقتها، فيقول في كتاب دفاعه عن مجمع نيقية فصل 4: ” إن اليونانيين إذ لا يشهدون لنفس العقائد بل يشكك كل منهم في تعايم الآخر فإن تعاليمهم لا تحوى أي حقيقة، أما القديسون الحقيقيون والذين يعلنون الحقيقة فهم متفقون معًا ولا يختلفون فيما بينهم فبالرغم من أنهم عاشوا في أزمنة مختلفة، إلاّ أنهم يتبعون نفس الطريق لكونهم أنبياء لله الواحد ويبشرون برأي واحد عن الكلمة.

3 انظر فصل 47/5.

4 موت السيد المسيح بالجسد اعتبره كل من اليهود والوثنيين أنه ضعف ودليل على أن السيد المسيح ليس هو الله انظر فصول31 وما بعده. غير أن المدهش هو أنه بالموت على الصليب صارت النصرة على الموت انظر فصول27ـ29.

5 انظر مر17:16 وراجع فصل30/6.

1 هنا يوضح القديس أثناسيوس ما سبق ذكره في فصل 49/3 عن الفرق بين تعاليم السيد المسيح وتعاليم الفلاسفة بالنسبة للأمور الأخلاقية.

2 استخدام السيف لا يدل على أن المرء يتمتع بفكر راجح ” كما لو أصيب إنسان بآفة في عقله وطلب سيفًا ليشهره ضد كل من تعبه وظن أن هذا هو العقل السليم ” انظر ضد الوثنيين4/1، كما أن السيف مؤذٍ ” فاليد تستطيع أن تستل السيف والفم يقدر أن يذوق السم لكن كليهما لا يعرف أن هذه مؤذية إن لم يقرر العقل ذلك ” انظر ضد الوثنيين31/5. والوثنيون تلطخت أذهانهم بالخطية انظر فصل14 ولهذا لم يستطيعوا أن يردوا الإنسان للصواب ويقنعوه بتغيير مسلكه.

3 في فصل 30 ذكر القديس أثناسيوس أن هذا التحول في حياة البشر هو برهان على حقيقة القيامة وإبطال الموت. راجع أيضًا فصل 28/1 حيث يشير إلى شجاعة الشبان في مواجة الموت بعد أن صار ضعيفًا بقيامة السيد المسيح. وفي فصل 47/5 يركز عن أن تعاليم الفلاسفة لم تقنع أحدًا بأن يحتقر الموت ويتأمل في الخلود ويتغاضى عن الزمنيات وينظر إلى الأبديات.

4 انظر فصل27.

5 يقصد الفلاسفة اليونانيين

6 فعلى سبيل المثال يصف كيلسس القيامة بأنها أمر ” رجس ومنفر ومستحيل انظر رد أوريجانوس على كيلسس 5/4 وراجع أيضًا 8/49.

1 انظر فصل 30/5ـ7.

2 الغوطيين: قدماء الألمان.

3 ربما يقصد البريطانيين.

4 أركانيا اسم قديم لمقاطعة في أسيا ما بين بلاد الفرس وبحر قزوين على حدود روسيا.

5 هنا يذكر القديس أثناسيوس أسماء شعوب من داخل حدود الإمبراطورية الرومانية ومن خارجها أيضًا.

6 انظر فصل 4/47.

7 انظر فصل 14.

1 انظر فصل 30/5.

2 البرابرة: هم الشعوب التي كانت لا تتحدث اللغة اليونانية ولا تعرف الثقافة اليونانية في ذلك العصر، إذ كانت اللغة اليونانية حينئذ هي لغة الثقافة والعلم. وهكذا يمكن ان نطلق على تلك الشعوب بلغة اليوم أنها كانت شعوب “غير متحضرة “.

3 انظر فصل 12 من مقال ” ضد الوثنيين “.

4 في فصل 45 من مقالته ” ضد الوثنيين ” يذكر القديس أثناسيوس بالتفصيل مظاهر هذه القسوة.

5 وهذا بدلاً من الاتكال على الرب والثقة به كما جاء في مز4:23، أمثال 26:12.

6 في فصل 11/5 من ضد الوثنيين يذكر القديس أثناسيوس أنه كانت تقدم ذبائح من البشر.

7 أع27:2 وهذا عكس ما كانت تفعله الشياطين التي كانت تضل عقول البشر وتقسى نفوسهم. انظر فصل 14/4، 47/2. وفي فصل 30/5 يشير القديس أثناسيوس إلى بعض الوقائع ليبرهن على حقيقة قيامة المسيح ويتساءل: هل يمكن لشخص ميت أن ينخس ضمائر الآخرين حتى يجعلهم يرفضون نواميس آبائهم الموروثة ويخضعون لتعاليم المسيح؟

1 يكرر القديس أثناسيوس هنا هذا السؤال الذي سبق أن ذكره في فصل 48/4 في مجال المقارنة بين أفعال السيد المسيح الفائقة وبين ما يفعله الآخرون.

2 انظر الفصول1/3، 4/3، 32/6.

3 أشار القديس أثناسيوس إلى بعض هذه التنبؤات في فصلي 36، 37.

4 إش 4:2.

5 في الرسالة ضد الوثنيين 25/3 يذكر القديس أثناسيوس أسماء شعوب كثيرة من البرابرة منهم السكيثيون الذين تتصف أخلاقهم بوحشية خطيرة موضحًا مظاهر هذه الوحشية.

6 في موضع آخر يذكر القديس أثناسيوس أن ” اليدين هما لإتمام الأعمال الضرورية ولرفعها في الصلاة غير أن خطية البشر ” حركت أيديهم إلى العكس وجعلتها ترتكب القتل ” انظر ضد الوثنيين 4/4، 5/1.

1 منذ السقوط أصبح الشيطان عدوًا للإنسان. وعندما يرتبط الإنسان بتعاليم السيد المسيح فإن المسيح يفتح عينيه ويقويه ليجاهد ضد الشيطان (انظر رسالة أفسس10:6) وكمثال لمحاربة الشيطان يذكر القديس أثناسيوس التجارب التي تعرض لها القديس أنطونيوس. انظر حياة أنطونيوس فصل 5.

2 عن كون المسيح هو المعلم الصالح راجع فصل 15.

3 يقصد أن عبادتهم للأوثان لم تستطع أن تغير من طباعهم المتوحشة أو تصرفاتهم الفظة. انظر فصل 51/5.

4 الآلهة المزعومة بسبب الغيرة المتبادلة بينها كانت تدفع حتى الخلائق البشرية للاشتباك والنزاع فيما بينها. انظر ضد الوثنيين فصل 12/2 ويذكر القديس أثناسيوس مثالاً من محاربة اليونانيين المستمرة للبرابرة انظر فصل 51/4.

5 مع أن القديس أثناسيوس يستخدم عبارات من الحياة العسكرية مثل ” يصطفون “، ” مواجهة ” إلاّ أن ما يريد أن يوضحه بالأكثر هو الفرق بين ما يفعله المسيحيون الذين يصفهم ” بتلاميذ المسيح ” وما يفعله غير المؤمنين. وربما كان القديس أثناسيوس يفكر في واقع عصره. فمنذ أن تولى قسطنطيوس الإمبراطورية لم يعد هناك حروب كالتي كانت من قبل وبدلاً من الحروب بين البشر صارت هناك حروب مع العدو الحقيقي للإنسان أي ضد الشيطان. انظر رسالة بولس الرسول إلى أفسس 10:6، وهذه الآيات يشرحها القديس أثناسيوس في كتابه حياة أنطونيوس فصل 21.

6 انظر أيضًا فصل 30 حيث يذكر أن الشياطين كانت تهرب بمجرد سماع اسم المسيح.

1 عن هذه التجارب انظر فصل 27.

2 عن احتقار تلاميذ المسيح للموت انظر فصول 27، 28، 29/4.

1 لا يذكر القديس أثناسيوس هنا براهين جديدة بل أنه يقدم مجملاً لما سبق أن أشار إليه في الفصول السابقة.

2 يشير القديس أثناسيوس في كتابه ” حياة أنطونيوس ” فصل 23 إلى أنه من خداعات الشياطين للبشر أنها تخيف النفوس متخذة صورًا مرعبة منها أنها تظهر في شكل حشود من القوات.

3 تعبير أن المسيح قضى على العبادات الوثنية وكل أعمال السحر ” بضربة واحدة ” يدل على أن المعركة لم تستمر طويلاً بل إنه فعل هذا بمجرد ظهوره الإلهي في الجسد انظر أيضًا فصل 47/2.

4 انظر ” حياة أنطونيوس ” فصل 28. وفى الفصل 55 من تجسد الكلمة يوضح نتيجة مجيء المخلّص وتأثير ذلك على العبادات الوثنية.

5 المسيح يعمل في الخفاء ويبطل كل الضلالات التي يعلّم بها المغالطون علانية. انظر فصل 50.

6 ربما يقصد ما ورد في أعمال الرسل 19:19ـ20.

1 انظر فصل 31 وما بعده.

2 يذكر القديس أثناسيوس في “ضد الوثنيين” ما يفعله اليونانيون من أمور مخجلة لإرضاء آلهتهم (انظر فصول 11 ـ 12)، وأن هذه الأفعال قد انتشرت في كل مدينة (انظر فصل 25/4).

3 في هذه الجملة يلخص القديس أثناسيوس ما سبق أن تحدث عنه في الفصل 49 وما بعده.

4 أعمال السيد المسيح التي عملها في الجسد تشهد بألوهيته انظر فصل 32.

1 من لا يعترف بألوهية المسيح من خلال أعماله التي قام بها وهو في الجسد فهو مُدان (انظر تجسد الكلمة فصل 32).

2 اكو 8:2.

1 من خواض الله الذاتية أنه غير منظور ومع ذلك فإنه يُعرف بواسطة أعماله انظر فصل 23/1.

2 من لا يستطيع رؤية المسيح بعقله فهو أعمى روحيًا، ولهذا يجب عليه أن يستخدم أعينه الجسدية ليعرف المسيح من خلال أعماله بالجسد وبواسطتها يعترف بألوهيته انظر فصل 32/2.

3 عن سخرية اليونانيون بأمور لا تستحق السخرية انظر فصل 41/1.

4 انظر فصل1.

5 هذه العبارة من العبارات المشهورة عند آباء الكنيسة الكبار مثل القديس إيريناؤس وأثناسيوس وكيرلس وغريغوريوس النيسّى وغريغوريوس النزينزي. وكثيرًا ما يستخدمها القديس أثناسيوس في كتاباته الأخرى (حوالى 10 مرات) وهذا التعبير عند الآباء لا يعنى أن الإنسان يصير بطبيعته إلهًا، بل يعنى أنه يشترك في الحياة الإلهية، حياة البر والقداسة.

1 استعادة البشرية معرفتها لله الآب كان هو السبب الثاني للتجسد، انظر الفصول 11 ـ 19.

2 بهذه الجملة يعبر القديس أثناسيوس في اختصار عن تعليمه عن الفداء. انظر أيضًا فصل 20، 32 والمقالة الأولى ضد الأريوسيين فقرة 38، 39.

3 الكلمة ذاته هو الله “AÙtolÒgoj” يأتي هذا المصطلح مرتبط بمصطلح آخر هو “AÙtosof…a” “إن الله هو ذاته الحكمة وهو ذاته الكلمة. انظر المقالة الرابعة ضد الأريوسيين فقرة 2.

4 التجسد كان من أجل خلاصنا، فالله الكلمة اتخذ له جسدًا قابلاً للألم والموت مع أنه هو غير متألم ولا مائت، وذلك لكى يقضى على الموت والفساد، انظر الفصول 8 ـ 9.

5 يجمل القديس أثناسيوس في هذه الفقرة ما سبق أن استعرضه في فصل 26.

6 يصف القديس أثناسيوس الأعمال التي أتمها المخلّص بتأنسه بأنها ” أعمالاً عظيمة ” katorqèmata، وسبق أن استخدم هذا التعبير ليصف به ما عمله السيد المسيح إذ إن بواسطته امتلأ العالم كله بمعرفة الله، انظر ضد الوثنيين 1/6.

7 يستخدم القديس أثناسيوس هذا التشبيه ليوضح كثرة الأعمال التي أتمها المخلّص وصعوبة حصرها. وما يمكن عمله هو التحدث عن بعض هذه الأعمال. ومن الجدير بالذكر أن القديس أثناسيوس استخدم هذه الطريقة عندما كان يتحدث ضد ضلالات الأمم في عبادة الأوثان فيشير في بداية الفصل الأول من كتابه تجسد الكلمة قائلاً ” اكتفينا بما أوضحناه في بحثنا السابق مع أنه قليل من كثير ببيان ضلال الأمم في عبادة الأوثان وخرافاتها “.

1 في هذه الفقرة يلخص القديس أثناسيوس ما استعرضه في فصل 53.

2 رو5:9.

3 سبق أن استخدم هذا التشبيه في فصل 29/3.

1 بهذا المثل لا يقصد القديس أثناسيوس أن الله كان غائبًا عن العالم وغير مهتم به قبل أن يتجسد الله الكلمة، لأنه لو كان قد حدث شيء من ذلك لأظهر هذا ضعف الله وليس صلاحه انظر فصل6/8. وما أراد أن يشدّد عليه هنا هو أن الله هو ضابط كل شيء وأنه يعمل في قصره غير أن الناس لا يستطيعون أن يقبلوا إليه. فبعد السقوط لم يقدر البشر على التعرف على الله في سمائه إذ هم لا يرونه بل يسمعون عنه. وعدم تحققهم من وجود الملك الحقيقي لا يرجع إلى عدم وجود هذا الملك الحقيقي إذ هو موجود بالفعل في سمائه، بل يرجع إلى أن البشر لم يريدوا أن يؤمنوا بالنبؤات الخاصة بهذا الملك الحقيقي انظر فصل 12/2.

2 التشبيه بحياة الملك ورد أيضًا في فصل 8/3ـ4.

3 في الفقرة السابقة أشار القديس أثناسيوس إلى أن هؤلاء المارقين هم بعض البشر الذين أضلوا البشر، وفى هذه الفقرة يشير إلى الأرواح الشريرة التي أضلت هي أيضًا البشر وفى فصل 47 يوضح بالتفصيل هذه الضلالات.

1 عندما آمن البشر بالسيد المسيح فإنهم اقتنعوا بالاهتمام بالأمور الأبدية وغضوا النظر عما هو زمني، انظر فصل 47/5.

1 أوضح القديس أثناسيوس أن الكتب المقدسة قد تنبأت بكل وضوح عن مجيء الله في الجسد، انظر فصل38. ويقول إن اليهود لم يلتفتوا إلى الكتب المقدسة بإخلاص، انظر ضد الوثنيين 46/4، رغم أن الكتب المقدسة المُوحى بها كافية لتوضيح الحق انظر ضد الوثنيين 1/3 وأيضًا ” أن الأسفار كافية للتعليم ” انظر حياة أنطونيوس فصل 16.

2 يشير القديس أثناسيوس إلى هذه النصوص أيضًا في ضد الوثنيين 1/3.

3 لعله يشير إلى مؤلفات آباء مدرسة الإسكندرية.

4 2كو 10:5، في كتاباته الدفاعية لا يتحدث القديس أثناسيوس كثيرًا عن المجيء الثاني للسيد المسيح لدينونة العالم، بل يذكره في اختصار شديد، انظر ضد الوثنيين 47/4، تجسد الكلمة10/5، وهذا لا يعنى أنه لا يهتم بالبعد الإسخاتولوجى، فهذه الكتابات تركز بالأكثر على السيد المسيح كخالق ومخلّص، فعلى سبيل المثال يكتب القديس أثناسيوس كتابه الدفاعي ” ضد الأريوسيين ” وفيه يعتبر هرطقة الآريوسية أنها ضد المسيح فصل 1/1 وأيضًا يذكر نفس الأمر في كتابه حياة أنطونيوس 9/6.

1 هذه الآية من مت 62:26، وقد أُضيف إليها عبارة ” في مجد الآب ” وربما كان ذلك بتأثير الآية “فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته” التي جاءت في مت27:16، حيث تشير الآية التالية إلى دينونة العالم مما يتفق مع سياق الكلام السابق. وحالة المجد هذه هي عكس حالة الفقر والتواضع المذكورة في الفقرة السابقة.

2 هذه الآية مركبة من الآيتين الواردتين في مت42:24، مت44:24، ولقد وردتا في المقالة الدفاعية الثالثة ضد الأريوسيين فقرة 45، 49 لإثبات ألوهية الابن وأنه يعرف الساعة إذ هو إله حق.

3 2كو 10:5.

1 ” طهارة النفس كافية في حد ذاتها للتأمل في الله ” انظر ضد الوثنيين 2/4.

2 انظر ضد الوثنيين فصل 34.

3 جوهر الله لا يمكن إدراكه ¢kat£lhptoj انظر الدفاع عن مجمع نيقية 22، عن مجمع أرمينيا وسيلفكيا 35. ولهذا فالذهن يمكن أن يدرك بقدر استطاعة الطبيعة البشرية ما يختص بالله الكلمة، وذلك لأن الابن، إذ هو الصورة الحقيقية للآب، فإن من يرى الابن يرى الآب أيضًا، انظر المقالة الأولى ضد الأريوسيين21، 23، 27، 28، عن مجمع سيلفكيا 42، الدفاع عن مجمع نيقية 10.

4عن أهمية أن يذهب المرء إلى بلد ما للتأكد بنفسه مما يحدث فيها انظر فصل 28/3ـ5 حيث يذكر القديس أثناسيوس أنه بالمثل من يريد أن يرى نصرة السيد المسيح على الموت فعليه أن يذهب إلى كنيسة المسيح.

5 يقصد القديسين كتبة الوحى الإلهى.

1 1كو 9:2.

2 يستخدم القديس أثناسيوس هذه الذكصولوجية ومثلها في كثير من كتاباته، منها الدفاع عن مجمع نيقية فصل 32 ورسالته إلى سرابيون 7، 23.

كتاب تجسد الكلمة كاملا للقديس أثناسيوس الرسولي 57 فصل

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

للقراءة أيضًا: 

رسائل القديس الأنبا أنطونيوس – الجزء الثاني (8-19) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

كتاب القديس العظيم الأنبا أنطونيوس – سيرته، رسائله، تعاليمه – موريس ويصا ديمتريوس

 

للمساهمة في استمرار خدمة فريق اللاهوت الدفاعي وفي تطوير خدماته:

https://www.patreon.com/difa3iat

يمكنكم المساهمة عن طريق أي فيزا/ماستر كارد أو أي أكونت باي بال، كما يمكن المساهمة لمرة واحدة فقط أو تحديد مبلغ شهري (برجاء ألا يزيد المبلغ عن 5$ = 80 جنية مصري).

[اضغط هنا للقراءة والتحميل]

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رسائل الانبا انطونيوس – الجزء الأول (1-7) – تعريب بيت التكريس لخدمة الكرازة

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

تحميل الكتاب PDF

مقدمة

هذه العظة تحمل عنوان ” يوم ميلاد المخلص ” وقد أُلقيت كما هو واضح يوم عيد الميلاد، وفيها يعلّم القديس يوحنا ذهبى الفم عن ميلاد المسيح من العذراء، أى لماذا أخذ شكل إنسانى، وبأى طريقة أخذه، ولماذا اختار هذه الطريقة.

وقد قدم فى هذه العظة تفسيرًا قيمًا مدعمًا هذا التفسير باقتباسات من العهدين القديم والجديد.

غير معروف على وجه التحديد زمن إلقاء هذه العظة، لكنه واضح أن ذهبى الفم كان يقاوم الهرطقة الآريوسية دون أن يشير إليها صراحةً، والتى شغلت المجمع المسكونى الأول والمجمع المسكونى الثانى (325، 381م) ويبدو للمرء أنه فى جزء من العظة صار تحليل لجزء من قانون الإيمان الذى يتحدث عن ألوهية المسيح، وهذا يدعونا إلى الاعتقاد أن تاريخ هذه العظة ليس بعيدًا عن سنة 381م. ويرجح أنه ألقاها بعد سيامته كاهنًا فى إنطاكية سنة 386م، وربما فى سنة 387م بإنطاكية.

تُرجمت هذه العظة من باترولوجيا Migne الجزء 56 من ص 385 ـ 394. ولإلهنا المحب الآب والابن والروح القدس الثالوث المساوى كل مجد وسجود وتسبيح الآن وإلى دهر الدهور . آمين .

أرى سرًا عجيبًا ومدهشًا، أسمع أصوات رعاة يصلوّن بتسبيح سماوي. ملائكة يرتلون، رؤساء ملائكة يمجدون، الشاروبيم يسبحون، والساروفيم يمجدون، الجميع يحتفلون برؤية الله على الأرض والإنسان في السماوات. وهذا الكائن أصلاً في السماء، يرونه بسبب تنازله ـ كائنًا على الأرض، وهذا الذي هو أصلاً على الأرض (أي الإنسان)، يرونه ـ بسبب محبة الله للبشر ـ موجودًا في السماء.

اليوم تشبهت بيت لحم بالسماء وبدلاً من النجوم استقبلت الملائكة الذين يمجدون، وبدلاً من الشمس، قبلت شمس البر بأسلوب لا يوصف. ولا نطلب أن نعرف كيف حدث هذا. لأنه عندما يريد الله فإن القوانين الطبيعية تنهزم. لذلك فهو قد تمم ما أراده، نزل إلى الأرض, وخلّص الإنسان.

اليوم وُلِدَ هذا الكائن منذ الدهور، والموجود منذ الأزل صار إنسانًا، دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لأنه لم يصر إنسانًا متخليًا عن ألوهيته، ولا أيضًا صار إلهًا نتيجة تقدم أخلاقي، لكن بينما هو كلمةالله صار إنساناُ دون أن يعاني أي تغيير في طبيعته (الإلهية).

عندما وُلِدَ رفض اليهود ميلاده العجيب، والفريسيين أساءوا تفسير الكتب الإلهية، والكتبة تكلموا وقالوا عكس الناموس. هيرودس طلب أن يجد الطفل الذي وُلد لا لكي يُكرمه بل لكي يقتله (متى13:2). اليوم رأوا أمورًا مختلفة. لأنه كما يقول المزمور” لا تخفي عن بنيهم إلى الجيل الآخر مخبرين بتسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنع ” (مز4:78).

والملوك أتوا وهم مملوئين بالدهشة من الملك السماوي، كيف أتى إلى الأرض بدون ملائكة،بدون عروش، بدون قوات، بدون سلطات، لكن سار في طريق عجيب، لم يعبر فيه أحد ودون أن يترك ملائكته محرومين من حمايته ولا أخذ جسدًا إنسانيًا وهو تارك لألوهيته.

الملوك إذن سجدوا للملك السماوي، أتت الأجناد السماوية لكي تخدم رئيس القوات، أتت النساء لكي يسجدن للذي وُلِدَ من امرأة، لكي يحول فيما بعد حزن المرأة إلى فرح، وأتت العذارى لكي يسجدن لطفل العذراء، مندهشين كيف أن هذا الذي خلق الثدي واللبن وجعل الثدي يخرج لبن من نفسه، أخذ شكل طفل من أم عذراء. أتى الأطفال لكي يسجدوا لذاك الذي صار طفلاً، لكي يُنشد تسبيح المجد من أفواه الأطفال والرضعان.

أتى الرجال لكي يسجدوا لذاك الذي صار إنسانًا وخلص العبيد من الشرور التي أصابتهم. أتى الرعاة لكي يسجدوا للراعي الصالح الذي قدم حياته من أجل الخراف. أتى الكهنة لكي يسجدوا لذاك الذي أخذ شكل العبد لكي يمنح الحرية للمستعبدين. أتى الصيادون لكي يسجدوا لذاك الذي حّول الصيادين إلى صيادين للناس. أتى العشارون لكي يروا ويسجدوا لذاك الذي حولهم من عشارين إلى مبشرين. أتت الزانيات لكي يسجدن لذاك الذي ترك قدميه لدموع زانية.

كل الخطاة أتوا لكي يروا حمل الله الذي يحمل على كتفية خطية العالم، المجوس وضعوه نصب أعينهم، الرعاة باركوه، العشارون بشروا به، الزانيات قدمن طيبًا، السامرية عطشت لمصدر الحياة، الكنعانية أظهرت إيمانًا ثابتًا.

إذن فطالما أن الجميع ارتكضوا من الفرح، أريد أنا أيضًا أن ارتكض، أريد أن أحتفل، وأرقص لا عازفًا على قيثارة ولا محركًا لأوتار، ولا لاعبًا على مزمار ولا ماسكًا لشموع مضيئة ولكن ماسكًا أقماط المسيح بدلاً من الآلات الموسيقية. لأن هذه الأقماط هي رجائي، هي حياتي، هي خلاصي، هي قيثارتي. ولهذا أنا آتي ممسكًا بهذه الأقماط لكي آخذ منها قوة أن أتكلم وأقول مع الملائكة ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ” (لو14:2).

ذاك الذي وُلِدَ من الآب بأسلوب لا يوصف، وُلِدَ اليوم من العذراء بأسلوب لا يُعبر عنه. فهو وُلِدَ من الآب قبل كل الدهور حسب قوانين الطبيعة الإلهية، تلك القوانين المعروفة من ذاك الذي وَلَدَه، بينما اليوم وُلِدَ أيضًا لا بحسب القوانين الطبيعية ولكن بنعمة الروح القدس.

وهنا الميلاد السماوي هو حقيقي والميلاد الأرضي أيضًا هو حقيقي ـ غير كاذب ـ بالحقيقة وُلِدَ إله من إله، وبالحقيقة هو نفسه وُلِدَ إنسانًا من العذراء. هو وحدة في السماء الابن الوحيد الجنس الذى وُلِدَ من الآب، بينما على الأرض هو وحده بذاته الابن الوحيد الجنس الذي وُلِدَ من العذراء. وبالضبط كما أنه في حالة ميلاده السماوي، يعتبر كفراُ أن نسأل عن وجود أم له، هكذا فإنه يعتبر تجديف أن نقول إن له أب في ميلاده الأرضي.

الآب وَلَدَ الابن بأسلوب يفوق الإدراك، بينما العذراء ولدته محتفظة بنقاوتها بغير فساد. الله ولده بدون زرع، لأنه ولده بأسلوب إلهي وليس كالبشر، والعذراء لم يصبها فساد لأنها ولدته بالروح القدس. وعليه فلا ميلاده السماوي يمكن أن يُشرح، ولا ظهوره في ملء الزمان كإنسان يقبل البحث لمزيد من الفهم.

إذن فمن حيث إن العذراء ولدته اليوم، فهذا أعرفه، ومن حيث إن الله ولده قبل الدهور، فهذا أؤمن به، لكن تعلمت أن أكرم بصمت أسلوب ميلاده، وألا أشرع في فهم كل هذا واضعًا إياه تحت الفحص. لأنه في حالة ولادة الابن من الآب، لا يجب أن يفكر المرء في كيفية هذه الولادة، ولكن فقط أن يؤمن بقوة ذاك الذي وُلد.

لأنه ناموس طبيعي أن تلد امرأة متزوجه من رجل، ولكن عندما ولدت العذراء والتي لم تعرف رجلاً وبقيت أيضًا عذراء، فإن هذا الحدث يظل فوق النواميس الطبيعية. هذا الذي يحدث وفقًا للقوانين الطبيعية يمكن أن نفحصه، بينما ما يحدث وفقًا لأسلوب يفوق الطبيعة فلنحترمه بصمت، لا كشيء يجب أن نتجنبه، ولكن كشيء لا يمكن شرحه، ولهذا يجب أن نحترمه بصمت.

ولكن سامحوني من فضلكم، لأنني أريد أن أوقف حديثي والذي لا يزال في بدايته. لأنني أشعر بخوف أمام بحث الأمور الإلهية، ولا أعرف كيف أو أين أُغير دفة الحديث.

لأنه ماذا أقول، أو عن أى شيء أتكلم ؟ أرى تلك التي ولدت وأرى ذاك الذي وُلد، لكن لا أستطيع أن أفهم أسلوب أو طريقه الميلاد. لأنه عندما يريد الله فإن الطبيعة تنهزم، ويُهزم ناموس النظام الطبيعي. إن هذا الحدث حقًا لم يصر وفقًا للنواميس الطبيعية، لكن هذه المعجزة هي أمر فوق الطبيعة، لأن الطبيعة لم تعمل، ولكن الإرادة الإلهية هي التي عملت. أقول أنها نعمه كبيرة غير موصوفة.

وحيد الجنس الذي هو قبل الدهور، الغير مقترب منه، المتفرد والغير جسدي، أتى إلى جسدي الفاسد والمرئي. لماذا ؟

لكي يعلمنا عندما ننظر إليه، وعندما يعلمنا يقودنا إلى ذاك الذي لا يُرى. لأن الناس يؤمنون أكثر مما ينظرون، أكثر مما يسمعونه. ويتشككون في تلك الأمور التي لا يرونها. ولهذا قَبِلَ أن يأخذ جسدًا إنسانيًا، وأن يعطي لعيوننا إمكانية أن نراه لكي يزيل هذا الشك.

وُلِدَ إذن من عذراء، ذاك (السر) الذي كان غير معروف لديها، فهى لم تصنع هذه المعجزة، لكنها كانت فقط أداة لهذه القوة غير الموصوفة. واضعة في اعتبارها فقط هذا الذي سمعته من جبرائيل الملاك بعد السؤال الذي سألته ” كيف يكون لي هذا وأنا لم أعرف رجلاً ” ـ فأجاب الملاك وقال ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظلك ” (لو34:1).

كيف وُجد داخل العذراء وبعد قليل كيف خرج منها ؟ تمامًا مثل فنان، وجد مادة مفيدة جدًا ويصنع منها إناءً جميلاً جدًا، هكذا فإن المسيح عندما وجد الجسد المقدس ونفس العذراء، صنع لنفسه هيكلاً عاقلاً داخل العذراء بالطريقة التي أرادها هو. واليوم يُستعلن للعالم، دون أن يشعر بخجل من ضعف الطبيعة الإنسانية التي لبسها. فإن لبس هيئة خليقته لا يُعتبر أهانه له.

لكن ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ لأن المعجزة تملأني بالدهشة. قديم الأيام صار طفلاً، ذاك الذي يجلس على العرش العالي بعظمة وجلال يوضع في مزود. الذي لا يُقترب منه، غير الجسدي، قُمط بأيدي إنسانية. ذاك الذي يفك رُبط الخطية، لُف في لفائف، لأن هذه هي إرادته. لأنه أراد للهوان أن يتحول إلى كرامة، وللعار أن يكتسي بالمجد، ولحالة الهوان أن تتحول إلى حالة الفضيلة. ولهذا أخذ جسدي لكي أسع الكلمة في داخلي. وما دام قد أخذ جسدي فقد أعطاني روحه حتى يقدم لي كنز الحياة الأبدية. يأخذ جسدي لكي يقدسني ويعطيني روحه لكي يخلصني.

ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا ” (أش14:7). هذا لم يُكتب كشيء سيحدث، لكن أعجب له كشيء حدث. إنه تحقق لليهود الذى أُفرز من وسطهم ، لكن نحن آمنا به، رغم أنه لم يصر من عندنا كلام عنه(أى أن الأمم لم يتنبأوا عنه).

ها العذراء تحبل ” هذه النبوءة هي للمجمع، أما تحقيق النبوءة فقد صار ميراثًا للكنيسة. المجمع وجد المخطوط القديم، الذي فيه كان مكتوبًا، بينما الكنيسة اكتشفت اللؤلؤة الكثيرة الثمن التي كانت مختبئة فيه. المجمع لبس الصوف المطلي، بينما الكنيسة ارتدت الرداء الملوكي.

لأن اليهودية ولدت المسيح، بينما المسكونة قبلته. المجمع غذاه بالنبوات، والكنيسة أخذته وأثمرت فائدة منه. في المجمع نبت فرع الكرم، بينما نحن تمتعنا بالكرمة الحقيقية. المجمع قطف العنب، والأمم شربوا الشراب السري. المجمع بذر بذرة القمح في اليهودية، والأمم حصدوا السنابل بمنجل الأيمان. الأمم بالأيمان قطفوا الرمّان، أما اليهود فبقى لهم شوك عدم الإيمان، العصفور طار، بينما الأغبياء يجلسون ويحرسون العش. اليهود يمسكون بالحرف والأمم يحصدون ثمار الروح.

ها العذراء تحبل “. أخبرني أيها اليهودي وقل لي من وَلَدتْ ؟

أظهر شجاعة مثل شجاعتك التي أظهرتها أمام هيرودس. لكن ليست لديك شجاعة. وأنا أعرف لماذا. بسبب مكيدتك ودسيستك. لأنك تكلمت إلى هيرودس لكي تقتله (الطفل). لكنك لا تتكلم لي أنا وذلك لكي لا تسجد له.

إذن من وَلَدتْ ؟ من ؟ سيد الطبيعة. لأنه حتى لو صمْتَ أنت، فالطبيعة تصرخ. ولدته إذن كما أراد هو أن يُولد. ففي الطبيعة، لا توجد مثل هذه الإمكانية للميلاد (العجيب)، ولكن كسيد الطبيعة أبتكر أسلوب ميلاد عجيب، لكي يظهر أن ذاك الذي وُلد لم يولد كما يولد الإنسان، بل وُلِدَ كما يليق بالله. اليوم وُلِدَ من عذراء، والتي هزمت الطبيعة وتجاوزت قانون الزواج.

لأنه كان يجب أن يأتي ملك البر بطريقة ميلاد طاهرة ومقدسة. لأنه هو الذي من البدء خلق آدم من أرض عذراء ومن آدم أيضًا خلق امرأة دون أن تكون هناك امرأة. تمامًا مثلما حصل آدم على زوجة دون أن تكون هناك زوجة، هكذا اليوم العذراء ولدت رجلاً بدون رجل. ولأن الجنس النسائي مدين بوجوده للرجال، فالمرأة خُلقت من آدم دون أن تتوسط امرأة، هكذا اليوم ولدت العذراء دون أن يتوسط رجل مسددة للرجال دين حواء.

ولكي لا يفتخر آدم الذي بدون امرأة صارت له امرأة، هكذا فإن العذراء ولدت رجلاً بدون رجل، حتى أنه بالمعجزة المشتركة تصير المساواة في الطبيعة. لأنه كما أخرج الله المرأة من جنب آدم دون أن يُقلل أبدًا من آدم، هكذا صنع الهيكل الحي داخل العذراء دون أن يفسد عذراويتها.

لقد بقى آدم صحيحًا بعد أن أخذ ضلعًا من جنبه، وبقيت العذراء طاهرة بعد أن ولدت الطفل. ولهذا لم يخلق لنفسه هيكلاً من مكان آخر ولا خلق جسدًا آخر ولبسه، حتى لا يبدوا أنه يحتقر الطينة التي صنع منها آدم. لأن الإنسان عندما أنخدع صار أداة للشيطان، وأهان هذا الهيكل الحي الذي دُمِرَ، والله لأجل علاقته الحميمة مع الإنسان الذي خلقه أراد أن يبعده عن معاشرة الشيطان.

والذي وُلد (من العذراء) لم يُولد مثل أي إنسان، لكن وُلد كإله. لأنه لو وُلد كما يولد الجميع، مثلما أُولد أنا بالضبط، سيعتبر من الكثيرين أكذوبة، ولهذا وُلد من العذراء. وبعد الميلاد بقيت الأم عذراء ونقية. حتى تصير طريقة الحمل العجيب سبب إيمان كبير. فلو سألني اليوناني أو اليهودي: هل المسيح الذي بحسب طبيعته إله يصير إنسانًا، بطريقة تفوق الطبيعة ؟. سأجيبه نعم، وأستدعي كشاهد على قولي هذا، الختم غير الدنس للعذراوية.

لأنه هكذا هزم الله نواميس النظام الطبيعي. هكذا خلق بطن المرأة وخلق العذراوية، وابتكر طريقة غير دنسه لميلاده، وبنى لنفسه هيكلاً بطريقة لا يُعبّر عنها كما أراد هو.

أخبرني أيها اليهودي إذن هل العذراء ولدت أم لا؟ لأنه إن كانت قد ولدت، اعترف بطريقة الميلاد العجيب، ولو أنها لم تلد، فلماذا تخدع هيرودس ؟ لأنة عندما أراد أن يعرف أين يولد المسيح، قلت له في بيت لحم اليهودية (متى4:2).

فهل أنا الذي عرفت المدينة أو الطريقة؟ وهل أنا علمت بقيمة ذاك الذي وُلد؟ ألم يتكلم إشعياء عنه أنه هو الله؟ لأنه يقول “وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل” (أش14:7). هل تستطيعوا أيها الكتبة والفريسيين أن تعرفوا وأنتم حراس الناموس كل ما يتعلق به في الناموس ؟ وهل نحن نعرف لغة العبرانيين؟

ألم تفسروا أنتم الكتب؟ ألستم أنتم الذين ـ عندما ولدت العذراء وسألكم هيرودس ـ قدمتم شاهدًا من النبي ميخا لكي تؤكدوا كلامكم ؟ لأنه يقول ” أما أنت يا بيت لحم أفراته وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (ميخا2:5).

حسن جدًا قال النبي ” فمنك يخرج ..” فكما أنه أتى منكم، وقُدم فيما بعد للأمم، هكذا فإن الله موجود وهو قبل الوجود وهو موجود على الدوام كإله ضابط الكل، ولكنه أتى منكم كإنسان يحكم الشعب، وكإله يخلص المسكونة.

هؤلاء هم الذين أظهروا أن الذي وُلِدَ هو الله، هم الذين أظهروا ذاك الذي أختبئ في المزود كسيد،هم الذين دون أن يقصدوا أعلنوا عن ذاك الذي وُجد في المغارة، ودون أن يقصدوا صنعوا به خيرًا، من حيث أنهم أظهروه، بينما هم أرادوا ألا يعلنوا عنه. أرأيت أيها المعلم الجاهل. أولئك الذين يعلّمون لم يعرفوا، وبينما هم جوعي يقدمون غذاء للآخرين، وبينما هم عطشي يسقون الآخرين، وبينما هم فقراء يغنون الآخرين.

إذن تعالوا بنا نحتفل ونفرح. بالحقيقة هو أمر عجيب أسلوب هذا العيد لأنه عجيب سبب الميلاد هذا، لأن اليوم حُلت رُبط الأزمنة البعيدة، إبليس خجل، الشياطين هربت، الموت بطل، الفردوس فُتح، واللعنة اختفت، الخطية طُردت بعيدًا، الخداع ابتعد، والحقيقة عادت مرة أخرى، وكلمة التقوى انتشرت في كل مكان، أسلوب الحياة السماوي نبت في الأرض، الملائكة يلتقون بالناس، والناس بلا خوف يتحدثون مع الملائكة. لماذا ؟

لأن الله أتى إلى الأرض والإنسان صعد إلى السماء، والله بكليته يوجد على الأرض. وإذ هو الإله صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. إذ هو الكلمة غير المتحول، أخذ جسدًا، نعم أخذ جسدًا إنسانيًا لكي يسكن فينا. وبالتأكيد هو لم يصر إلهًا لأنه كان إلهًا ثم أخذ جسدًا إنسانيًا. حتى أن ذاك الذي لا تسعة السموات، يستقبله المزود. حتى أن ذاك الذي يعول الكون، يأخذ طعام الأطفال من الأم العذراء.

ولهذا فأب الدهور الأبدية قبل أن يُحِملَ في الأحضان العذراوية كطفل يرضع، لكي يستطيع المجوس الاقتراب منه. اليوم أتى المجوس إلى المسيح، وضعوا بداية لرفضهم للطاغية (هيرودس)، وتباهت السماء لأن نجمها أظهر سيدها، والسيد يأتى فى الجسد، كما فوق سحابة رقيقة تسير نحو مصر.

وواضح طبعًا أنه ذهب إلى هناك لكي يتجنب تسلط هيرودس، لكن في الحقيقة أكمل هذا الذي قيل من أشعياء ” في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثًا لمصر ولأشور بركة في الأرض، بها يبارك رب الجنود قائلاُ مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل ” (أش24:19).

ماذا تقول أيها اليهودي ؟ أنت الذي كنت أولاً صرت ثالثًا. المصريون والأشوريون وُضعوا في الأمام وإسرائيل البكر حُسِبَ بعد هؤلاء. نعم حقًا إن الأشوريين سيصيرون أولاً لأنهم سجدوا أولاً مع المجوس للمسيح، بينما المصريين سيوضعون بعد الأشوريين، لأنهم استقبلوه عندما لجأ إلى مصر هاربًا من طغيان هيرودس. وفي النهاية يوضع الشعب الإسرائيلي، لأنهم عرفوه بواسطة الرسل بعد عودته من الأردن.

أتى إلى مصر وأربك أوثان مصر لا مصادفة، ولكن لأنه أغلق أبواب مصر بفقدان الأبكار. ولهذا فهو اليوم أتى كبكر، لكي يمحو حزن ذلك الحدث القديم الشنيع. أما أن المسيح دُعي بكرًا، فهذا يؤكده اليوم لوقا الإنجيلي قائلاً “ فولدت أبنها البكر وقمطته وأضجعته في المزود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل ” (لو7:2). لجأ إذن إلى مصر لكي ينهي حزن ذلك الحدث القديم الشنيع، مانحًا بدلاً من الضربات، فرح، وبدلاً من الليل والظلام، نور الخلاص.

كانت مياه النهر ملوثة وقتها بسبب ذبح الرضعان. أتى لمصر إذن ذاك الذي جعل ماء النهر في العصر السابق أحمر بالدم، وحول مياه النهر وسيلة الخلاص، منقيًا بقوة الروح هذه المياه الملوثة غير النقية. تعذب المصريون وساد عليهم الهوس ورفضوا أن يؤمنوا بالله. أتى إذن إلى مصر وملأ النفوس المتقية لله من معرفة الله. وبمياه هذا النهر صار هناك شهود للربكسنابل القمح.

ولأن الوقت ضيق أريد أن أتوقف هنا عن الكلام، وأقول كيف وهو الكلمة غير المتألم، أخذ جسدًا، وبقيت طبيعته غير متغيرة. ماذا أقول أو كيف أتكلم ؟ أرى خالق، ومزود، وطفل، وأقمطة، وعذراء نفساء، دون أن يكون لديها ولا حتى الأمور الأكثر احتياجًا، كل شيء مليء بالعوز.

هل رأيت غنى وسط الاحتياج الشديد ؟ كيف وهو الغني، افتقر لأجلنا؟ كيف وُضع في مزود خشن ولا يوجد به سرير ولا فراش. أقول هو الفقر الذى هو ينبوع للغنى، وأقول الغنى الذى لا يحد، الذي يحمل غطاء الفقر. داخل المزود يرقد ويحرك الكون. داخل اللفائف قُمِطَ وهو الذي فك رُبط الخطية قبل أن ينطق بكلمة، علّم المجوس وحّركهم أن يعودوا إلى الله.

ماذا أقول وعن أي شيء أتحدث ؟ ها هو طفل ملفوف داخل أقمطة، موضوع في مزود، بالقرب منه توجد مريم التي هي عذراء وأم. وأيضًا بالقرب منه يوجد يوسف الذي يُدعى أبوه. يوسف يسمى رجل وهي تسمى امرأة، أسماء قانونية ولكن بدون رباط الزواج. فليذهب فكرك فقط حتى حدود الكلمات ولكن ليس إلى الحدث نفسه. قد خطبها فقط والروح القدس قد ظلّلها، ولهذا فإن يوسف مملوء بالدهشة ولم يعرف كيف يسمي الطفل.

لم يستطع أن يقول كلمة تجديف ضد العذراء، ولم يقبل أن يجعله ابنه، لأنه لم يعرف كيف ومن أين وُلِدَ الطفل، ولذلك وهو في هذه الحيرة من نحو هذا الحدث تلقى إجابة من السماء برسالة من الملاك الذي قال ” يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل فيها هو من الروح القدس ” (متى20:1) لأن الروح القدس ظلل العذراء.

لكن لماذا وُلِدَ من عذراء وترك عذراويتها بغير فساد ؟ لأن الشيطان قديمًا خدع حواء بينما كانت عذراء، ولهذا فإن جبرائيل حمل إلى مريم البشرى المفرحة بينما كانت عذراء.

حواء حينما خُدِعت خرجت منها كلمة صارت سببًا للموت، بينما العذراء مريم بعدما قبلت البشارة المفرحة، ولد منها كلمة الله بجسد إنساني، وهو الذي صار لنا سبب حياة أبدية.

الكلمة الذي أتي من العذراء أظهر الصليب، الذي به قاد اللص إلى الفردوس لخلاص أدم والبشرية. ولأن اليونانيون واليهود والهراطقة التابعين لهم لم يؤمنوا أن الله وَلَدَ ابنه بطريقة لا يُعبّر عنها وبدون أي تحول, لهذا وُلِدَ اليوم من جسد مُعرض للألم وحفظ الجسد الذي يعاني بلا تأثر لكي يظهر كيف وُلِدَ من عذراء ولم يفسد عذراويتها ، وهكذا بقى جوهر الله غير متغير و مقدس، وكإله ولد بطريقة إلهية.

ولأن البشر هجروا الله وصنعوا لأنفسهم أوثانا وعبدوها، محتقرين هكذا الخالق، لهذا فإن اليوم كلمة الله ـ بينما هو إله ـ ظهر على هيئة إنسان حتى يبطل الضلال ويعيد الإنسان إلى العبادة الحقيقية. فلنعطِ إذن المجد للمسيح الذي فتح الطريق الذي لم يكن أحد يستطيع العبور فيه من قبل. الذي له المجد مع أبيه الصالح، و الروح القدس الآن و كل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

أين قال المسيح أنا الله أعبدوني؟ -لاهوت المسيح دليل شامل مبسط

أين قال المسيح أنا الله أعبدوني؟ -لاهوت المسيح دليل شامل مبسط

أين قال المسيح أنا الله أعبدوني؟ – دليل شامل مبسط

أين قال المسيح أنا الله أعبدوني؟ -لاهوت المسيح دليل شامل مبسط

تقديم

يُعتبَر الإيمان بلاهوت المسيح حجر الزاوية في الإيمان المسيحي، والسجود له – بحسب كلمة الله – هو الطريق الوحيدة للحياة الأبدية. وحيث أن ملايين المسيحيين في العالم اليوم يؤمنون أن المسيح هو الله، وبالتالي فإنهم يتعبدون له، فإننا معرضون لهذا السؤال: ”أرني أين قال المسيح: أنا هو الله فاعبدوني؟“. وحيث إننا يجب أن نكون مستعدين دائمًا لمجاوبة كل من يسأل عن سبب الرجاء الذي فينا بوداعة وخوف (1بطرس3: 15)، فقد شرعت بمعونة الرب أن أكتب هذا الكتاب.

إن الإجابة عن السؤال السابق ببساطة – كما سنفهم من هذا الكتاب – هي أن المسيح قال بكل وضوح إنه هو الله، لا مرة بل مرات عديدة، لا بطريقة واحدة يفهمهما البعض، بل بطرق متنوعة وكثيرة لكي يفهمها الجميع، حتى لا يبقى هناك عذر عند أي واحد كائنًا من كان.

وليس فقط أن المسيح قال ذلك عن نفسه، بل إن الأنبياء من القديم قالوا ذلك عنه، ورسل العهد الجديد أكدوا الأمر عينه. وبالإضافة إلى ذلك، فلقد عمل المسيح أعمالاً لا يمكن لغير الله أن يعملها، وبالتالي فإن إيمان جماهير المسيحيين الذين يؤمنون بوحي الكتاب المقدس، وباعتباره مصدر الإعلان الإلهي الوحيد، يقودهم – عن يقين – للإقرار بأن المسيح هو الله، وبعبادته أيضًا. إن سدى الإعلان في العهد الجديد ولحمته هو الإيمان بلاهوت المسيح.

على أن السؤال المطروح أمامنا لم ينتج من فراغ، بل له خلفيته. فالكتاب المقدس يقول عن المسيح: «الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب» (فيلبي2: 6-8).

في هذه الآية يذكر الرسول لنا أمرين هامين وجديرين بالانتباه ولو أنهما متميزان:

  1. من هو المسيح في ذاته من الأزل وإلى الأبد. إذ يقول عنه إنه ”كان في صورة الله“، وأنه ”لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله“، ذلك لأنه هو الله.
  2. ما قَبِل المسيح أن يصيره، بكامل إرادته، طاعة لأبيه وحبًا لنا، إذ يقول عنه إنه «أخلى نفسه»، التعبير الذي يتضمن أنه أخفى مجده الإلهي في حجاب الناسوت. ثم إنه إذ وجد في الهيئة كإنسان، فإنه لم يكن قصده إطلاقًا العظمة رغم أنه هو العظيم، بل يستطرد الرسول قائلاً: إنه «وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب».

فهل الذي أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، ننتظر منه أن يقول في كل مجلس: أنا ربكم؟ أو أن يقول أمام كل حشد: لأني الله فاسجدوا لي واعبدوني؟! أ لأجل هذا أتى المسيح إلى العالم؟ كلا على الإطلاق كما سنفهم ونحن ندرس هذا الأمر في هذا الكتاب.

إننا نؤمن بأن المسيح صار في ملء الزمان إنسانًا في كل ما هو الإنسان، فلقد ولد من امرأة، وختن في اليوم الثامن، وكبر، وجاع وعطش، وتعب وتجرب، وتألم ومات. وهذا كله يبرهن على أنه إنسان بكل معنى الكلمة، لكنه أبدًا لم يكن مجرد إنسان، بل إنه أكثر من ذلك، وهو ما يعلنه الكتاب المقدس أيضًا.

فرغم حجاب الناسوت، الذي خلفه أخفى المسيح مجده، ورغم فكر التواضع الذي ميز سيدنا وربنا المعبود كل مسيرة حياته فوق الأرض، فإن كل الذين جلى الروح القدس بصائرهم عرفوه، وكل من أعلن الآب شخصه لهم قدروه وكرَّموه، وأما الباقون فلم يروا فيه سوى نجار الناصرة، أو على أكثر تقدير نبي الجليل.

لقد كان له المجد مثل خيمة الاجتماع التي نصبها موسى النبي، بناء على أمر الرب. لقد كانت هذه الخيمة ترمز وتشير إليه. ولكن هذه الخيمة لم يكن لها المنظر الخارجي الجذاب على الإطلاق، إذ كانت مغطاة من الخارج بجلود ”التخس“ الذي لا يشد إليه الناظرين، لكنها كانت تحوي من الداخل الذهب النقي. والذهب، الذي هو أنقى المعادن كلها، يعطينا تصويرًا بسيطًا للاهوت المسيح. ففي المسيح سُر كل الملء أن يحل (كولوسي1: 19)، ولو أنه بدا للعين البشرية الطبيعية، التي لم يجلها روح الله القدوس، أنه مجرد إنسان فقير ومسكين!

والحال هكذا، فإن المسيح لم يقل بحصر اللفظ: ”أنا هو الله فاعبدوني“. ولا كان من المنتظر أن يقول ذلك، ولو أنه قال هذا المعنى – كما ذكرنا – مرة ومرات، لا بطريقة واحدة بل بطرق عديدة.

ولمن كان من المنتظر أن يقول المسيح ذلك؟ أ يقوله للمؤمنين أم لغير المؤمنين؟ أما المؤمنون فقد عرفوه كذلك وسجدوا له بدل المرة مرات، وأما عن غير المؤمنين فإننا نقرأ كلمات الوحي الكريم على لسان النبي إشعياء: «من صدق خبرنا؟ ولمن استعلنت ذراع الرب؟». ثم يستطرد النبي قائلاً: «محتقر ومخذول من الناس.. وكمستر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به» (إشعياء53: 1-3). وعبارة ”مستر عنه وجوهنا“ تعني، ضمن ما تعني، أن الناس لم يعرفوه، وأنهم عثروا فيه. لا عجب فإنه بحسب تعليم كلمة الله هو ”حجر صدمة وصخرة عثرة“ (إشعياء8: 14)، وكثيرون عثروا به في يومه، وما زال الكثيرون يعثرون. لكن كلمات المسيح لتلميذي المعمدان، تظل تنطق لنا نحن أيضًا: «طوبى لمن لا يعثر في» (متى11: 6، لوقا7: 23)، وليس ذلك فقط، بل إن كل من اتكل عليه وآمن به لن يخزى (1بطرس2: 6).

فمن أي الفريقين أنت أيها القارئ الكريم؟ هل أنت من فريق المتعثرين به، أم من فريق الذين اتكلوا عليه وآمنوا به؟

قديمًا سمعت ملك سبأ عن مجد سليمان وحكمته، ولكنها لم تصدق الخبر حتى أتت ورأت، وعندئذ قالت: «صحيحًا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن أمورك وعن حكمتك، ولم أصدق الأخبار حتى جئت وأبصرت عيناي، فهوذا النصف لم أخبر به» (1ملوك10: 6، 7). وفي العهد الجديد لم يصدق نثنائيل، واحد من تلاميذ المسيح، أن شيئًا صالحًا يمكن أن يخرج من الناصرة، إلى أن التقاه، فهتف قائلاً: «يا معلم أنت ابن الله. أنت ملك إسرائيل» (يوحنا1: 49). فهل تكلف خاطرك أيها القارئ العزيز أن تعمل معنا سياحة في الكتاب المقدس نحو ذلك الشخص العظيم، لنعرف شيئًا عن مجد من هو ”أعظم من سليمان“؟ أ تذهب معنا لكي تبصر شيئًا عن ذاك الذي قال عنه يوحنا «رأينا مجده مجدًا، كما لوحيد من الآب، مملوءًا نعمة وحقًا» (يوحنا1: 14)؟

ليتك تفعل ذلك لبركة نفسك، ولأجل حياتك الأبدية

 

(1) هذا ما قاله المسيح

«فقال لهم يسوع: أنا من البدء ما أكلمكم أيضًا به» (يوحنا8: 25).

نبدأ حديثنا في هذا الكتاب – كما هو متوقع- بما قاله المسيح عن نفسه، مركزين حديثنا في هذا الفصل عما قاله المسيح بفمه الكريم، وسجَّله لنا البشير يوحنا – أحد تلاميذ المسيح الأوائل – في البشارة المعنونة باسمه. والمعروف لدارسي الكتاب أن إنجيل يوحنا يحدثنا – في المقام الأول – عن لاهوت المسيح، ولذلك فإن كل عباراته محملة بالمعاني المجيدة الأكيدة، على أن المسيح هو الله الذي ظهر في الجسد.

وسنسرد فيما يلي بعضًا من أقوال المسيح بحسب أهميتها ووضوح دلالتها من جهة ما نتحدث عنه الآن:

1- قال المسيح: إنه الأزلي، والواجب الوجود:

فلقد قال المسيح لليهود:

«الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن». (يوحنا8: 58و59).

خلفية هذا الإعلان العظيم أن المسيح كان قد قال إن الذي يؤمن به لن يرى الموت إلى الأبد. فاعترض السامعون من اليهود على هذا الكلام وقالوا له: «أ لعلك أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات؟ والأنبياء ماتوا. من تجعل نفسك؟». فقال لهم: «أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح». سألوه: «ليس لك خمسون سنة بعد. أ فرأيت إبراهيم؟» (يوحنا8: 57). ونحن نعرف أن إبراهيم أتى قبل المسيح بنحو ألفي عام. لكن لاحظ أن المسيح لم يقل إنه هو الذي رأى إبراهيم، بل قال إن إبراهيم هو الذي تهلل بأن يرى يومه، فرأى وفرح. وهنا جاء الإعلان العظيم، الذي وقع كالصاعقة على هؤلاء الأشرار غير المؤمنين، إذ قال لهم المسيح إنه ”كائن“ قبل إبراهيم!

هل تعرف معنى هذه العبارة أيها القارئ العزيز؟

دعني قبل أن أذكُر لك معناها، أذكِّرك بما قاله يوحنا المعمدان عن المسيح: «إن الذي يأتي بعدي صار قدامي لأنه كان قبلي» (يوحنا1: 15). ومعروف أن يوحنا ولد قبل المسيح بنحو ستة أشهر، وهذا معنى قول المعمدان «الذي يأتي بعدي». لكن المعمدان يقول عن هذا الشخص: «صار قدامي، لأنه كان قبلي». فكيف يمكننا فهم أن المسيح الذي ولد بعد يوحنا المعمدان بنحو ستة أشهر، كان قبل يوحنا، إن لم نضع في الاعتبار لاهوت المسيح؟

والآن ما الذي يعنيه قول المسيح: ”أنا كائن“ قبل إبراهيم. لاحظ أن المسيح لا يقول لليهود: ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كنت“، بل أرجو أن تلاحظ عظمة قول المسيح: «قبل أن يكون إبراهيم، ”أنا كائن“». إنها كينونة لا علاقة لها بالزمن، كينونة دائمة!

إن عبارة ”أنا كائن“ تعادل تماما القول ”أنا الله“ أو ”أنا الرب“ أو ”أنا يهوه“ الذي هو اسم الجلالة بحسب التوراة العبرية. فهذا التعبير ”أنا كائن“ هو بحسب الأصل اليوناني الذي كتب به العهد الجديد ”إجو آيمي“، وتعني الواجب الوجود والدائم، الأزلي والأبدي. فمن يكون ذلك سوى الله؟

عندما ظهر الرب لموسى في العليقة، وطلب أن يرسله إلى بني إسرائيل، وقدم موسى العديد من الاعتراضات، كان أحد تلك الاعتراضات «فقال موسى لله ها أنا آتي إلى بني إسرائيل وأقول لهم إله آبائكم أرسلني إليكم، فإذا قالوا لي ما اسمه، فماذا أقول لهم؟ فقال الله لموسى: ”أهيه الذي أهيه“. وقال هكذا تقول لبني إسرائيل ”أهيه“ أرسلني إليكم» (خر3: 13، 14). وعندما تُرجم العهد القديم إلى اللغة اليونانية، وهي تلك الترجمة المعروفة باسم الترجمة السبعينية، فقد تُرجم اسم الجلالة ”أهيه“، إلى ”إجو آيمي“. نفس الكلمة التي استخدمها المسيح مع اليهود عندما قال لهم: ”أنا كائن“!

وعبارة ”أنا كائن“ مشتقة من الفعل ”أكون“، والذي منه جاء اسم الجلالة ”يهوه“. وقد تكررت هذه العبارة ”إجو آيمي“ عن المسيح في إنجيل يوحنا 21 مرة (3×7). كأن المسيح يرى في نفسه بحسب ما أعلن عن ذاته، أنه هو ذات الإله القديم الذي ظهر لموسى في العليقة في جبل حوريب. والذي أرسل موسى ليخرج بني إسرائيل من أرض مصر.

ومن ضمن مرات استخدام المسيح لهذا الاسم عن نفسه، هي ما قاله المسيح في هذا الأصحاح عينه لليهود: «إن لم تؤمنوا أني ”أنا هو“ (إجو آيمي) تموتون في خطاياكم» (يوحنا8: 24).

ومرة أخرى لما تحدث لتلاميذه عن خيانة يهوذا الإسخريوطي قبل حدوثها، فقال: «أقول لكم الآن قبل أن يكون (أي قبل أن تتم الأحداث)، حتى متى كان تؤمنون أني أنا هو ”إجو آيمي“ (أي أنا الله، علام الغيوب)» (يوحنا13: 19).

وفي حادثة إلقاء القبض على المسيح في البستان، عندما سأل المسيح الذين أتوا للقبض عليه: من تطلبون؟ قالوا له يسوع الناصرى. قال لهم يسوع: ”أنا هو“ (أي ”إجو آيمي“). ويعلق البشير على ذلك بالقول إنهم رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض (يوحنا18: 4). فهم لم يقدروا أن يقفوا أمام مجد شخصه!

إن هذا الإعلان الذي ذكره المسيح في يوحنا 8: 58 يعتبر أعظم الأدلة والبراهين على لاهوت المسيح بحيث لو أنه ليس لدينا في كل الكتاب سوى هذا الإعلان لكان يكفي، ولو أنه لدينا العديد من البراهين كما سنرى الآن.

ولقد فهم اليهود جيدًا ماذا كان المسيح يقصد من هذه الأقوال، ولم بكن ممكنًا التجاوب مع ذلك الإعلان العظيم إلا بأسلوب من اثنين، إما أن ينحنوا أمامه بالسجود باعتباره الله، أو أن يعتبروه مجدفًا. وللأسف هم اختاروا الأسلوب الثاني المدمر لهم! ويذكر البشير أن اليهود عندما سمعوا من المسيح هذا الإعلان «رفعوا حجارة ليرجموه، أما يسوع فاختفى، وخرج من الهيكل مجتازًا في وسطهم، ومضى هكذا»، مما يدل على أنهم فهموا ما كان يعنيه المسيح تمامًا، أنه هو الله.

يا للعار، فلقد أعطاهم المسيح فرصة في أول الفصل أن يرجموا المرأة الزانية، بشرط أن يكون الشخص الذي سيرجمها بلا خظية، أي لم يقع في الفعل ذاته، فلم يستطيعوا، وخرجوا هاربين من ضيائه، ولكنهم الآن انحنوا لا ليسجدوا له، بل انحنوا يلتقطون الحجارة، لا ليرجموا بها الزانية، ولا حتى لكي يرجموا موسى، كما حاول آباؤهم الأشرار، بل ليرجموا ذاك الذي ظهر لموسى وقال له: ”أنا أهيه“ ”إجو آيمي“!

 

2- قال المسيح إن له ذات الكرامة الإلهية

فلقد قال لليهود:

«لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب» (يوحنا5: 23)

في حديث الرب مع اليهود، بعد شفائه للرجل المقعد في بيت حسدا (يوحنا5)، قال المسيح عبارة فهم اليهود منها أنه يعادل نفسه بالله. والمسيح في الحديث الذي تلى ذلك، لم يحاول تبرئة نفسه من هذه التهمة، وذلك لأنه فعلاً «الله (الذي) ظهر في الجسد» (1تيموثاوس3: 16)، بل أكد ذلك المفهوم بصور متعددة. فلقد أوضح (في ع22) أنه يعمل الأعمال الإلهية ذاتها، من ثم يخطو خطوة أبعد في الآية موضوع دراستنا فيقول إن له ذات الكرامة الإلهية. وواضح أن الأولى (الأعمال الإلهية) لا يقوى عليها مخلوق، وأن الثانية (الكرامة الإلهية) ليست من حق مخلوق، كائنًا من كان. فلقد ختم المسيح تلك القائمة من الأعمال الإلهية التي يمارسها بالقول إن الآب لا يدين أحدًا، بل قد أعطى كل الدينونة للابن، ويوضح السبب لذلك فيقول: «لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب».

والآن أرجو أن تلاحظ هذين الأمرين اللذين لا يجب أن يمرا بدون تعليق من الكاتب، ودون انتباه من القارئ. الأمر الأول: أن الجميع سيكرمون الابن، وليس فريق من الناس دون غيرهم. والأمر الثاني: أنهم سيكرمون الابن كما يكرمون الآب، وليس بمستوى أقل أو بأسلوب أضعف.

هذه الآية إذًا توضح بأسلوب قاطع وصريح أن الابن له ذات الكرامة والمجد الذي للآب، ويستحيل أن يكون هذا مع أي مخلوق أيا كان. لقد قال الله في العهد القديم مجدي لا أعطيه لآخر. والله طبعا لم يتراجع عن ذلك عندما أعلن المسيح أن الآب يريد إكرام الابن بذات الكرامة التي للآب، وذلك لأن الآب والابن واحد (يوحنا10: 30).

ونلاحظ أن المسيح في هذه الآية – كعادة إنجيل يوحنا دائمًا – بعد أن ذكر هذا الحق إيجابيًا، عاد وأكده في صيغة سلبية. فقال: «من لا يكرم الابن لا يكرم الآب». يقول البعض إنهم يكرمون الله، ويسجدون له، ولكنهم لا يقبلون فكرة إكرام المسيح بذات مستوى إكرامهم لله، بل وربما تتضمن نظرتهم للمسيح شيئًا من الاحتقار لشخصه. ولكن كلمات المسيح هنا قاطعة، إن ”من لا يكرم الابن لا يكرم الآب“، وبعد ذلك قال المسيح إن من يبغض الابن يبغض الآب (يوحنا15: 23)، كما قال أيضًا إن من ينكر الابن ينكر الآب أيضًا (1يوحنا2: 23).

وعندما يقول المسيح إن ”الجميع“ سيكرمون الابن، فهو كان يعني المؤمنين وغير المؤمنين على السواء. فالله لم يدع ذلك الأمر حسب مزاج الإنسان، أن يكرم المسيح أو لا يكرمه، ولو أنه وضع في يديه أسلوب إكرامه للابن. فجميع البشر سوف يكرمون الابن بطريقة أو بأخرى، إما بإيمانهم به الآن، أو بدينونتهم منه فيما بعد. والمسيح إما أن يحيي أو يدين. من يؤمن به ينال الحياة الأبدية، ومن لا يؤمن يدان.

 

3- قال المسيح إنه ابن الله الوحيد:

فلقد قال لنيقوديموس أيضًا:

«لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأن لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم. الذي يؤمن به لا يدان، والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد» (يوحنا3: 16).

يقول البعض – بجهل أو بخبث – إن الكتاب المقدس عندما يقول إن المسيح هو ابن الله، فهو في ذلك نظير الكثيرين من الخلائق الذين دعوا ”أبناء الله“، مثل الملائكة (أيوب 1: 6؛ 2: 1)، أو مثل آدم (لوقا3: 38)، أو مثل المؤمنين (غلاطية 3: 26). لكن الحقيقة أن الفارق بين الأمرين واسع وكبير.

إن الملائكة، وكذلك آدم، اعتبروا أبناء الله باعتبارهم مخلوقين منه بالخلق المباشر. وأما المسيح فهو ليس مخلوقًا بل هو الخالق (يوحنا1: 3؛ كولوسي 1: 16). ثم إن المؤمنين هم أبناء لله بالإيمان وبالنعمة (يوحنا1: 12؛ 1يوحنا3: 1)، أما المسيح فهو الابن الأزلي. وسوف نعود لهذا الأمر في الفصل التالي عند حديثنا عن المسيح ابن الله.

على أن الآية التي نتحدث عنها هنا قاطعة الدلالة، فهي تقول عن المسيح إنه ”ابن الله الوحيد“ (ارجع أيضًا إلى يوحنا1: 14و 18؛ 3: 18؛ يوحنا الأولى 4: 9). وعندما يقول إنه ابن الله الوحيد، فهذا معناه أنه ليس له شبيه ولا نظير. ولقد كرر المسيح الفكر عينه في أحد أمثاله الشهيرة ، حيث ذكر المسيح أن الإنسان صاحب الكرم (الذي يرمز في المثل إلى الله) أرسل عبيدًا كثيرين إلى الكرامين ليأخذوا ثمر الكرم، لكن الكرامين أهانوا العبيد وأرسلوهم فارغين، لكنه أخيرًا أرسل إليهم ابنه. يقول المسيح: «إذ كان له أيضًا ابن واحد حبيب إليه، أرسله أيضًا إليهم أخيرًا قائلاً إنهم يهابون ابني» (مرقس 12: 6). وواضح أن العبيد الكثيرين هم الأنبياء، وأما الابن الوحيد الذي أرسله إليهم أخيرًا فهو الرب يسوع المسيح.

ويوضِّح كاتب رسالة العبرانيين هذا الأمر عندما يقول: «الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه.. الذي به أيضًا عمل العالمين. الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته» (عبرانيين 1: 1-3).

ونلاحظ أن المسيح لما كان هنا على الأرض لم يستخدم عن الله سوى تعبير ”الآب“ أو ”أبي“، ولم يستعمل تعبير ”أبانا“ قط، وذلك لأن هناك فارقًا كبيرًا بين بنوته هو لله وبنوتنا نحن. وبعد قيامته له المجد من الأموات قال لمريم المجدلية: «إني أصعد إلى أبي وأبيكم» (يوحنا20: 17). لقد صرنا نحن أبناء الله بالنعمة، وأما هو فالابن من الأزل.

صحيح هو كان قد سبق وقال عن نفسه لنيقوديموس إنه ابن الإنسان (ع14)، والآن يقول إنه ابن الله الوحيد (ع16)، وفي الحالتين استخدم التعبير ذاته: ”يؤمن به“، وذلك لأننا نؤمن بالطبيعتين اللاهوتية والناسوتية في المسيح، فهو ”ابن الله الوحيد“، وهو أيضًا ”ابن الإنسان“، هو الله وهو الإنسان في آن. والإيمان به ينجي من الهلاك الأبدي ويمتع بالحياة الأبدية.

ثم تفكر في هذا المجد: فيقول المسيح لنيقوديموس: ”لكي لا يهلك كل من يؤمن“ بالابن الوحيد، أي شخصه المعبود، بل تكون له الحياة الأبدية“. وأيضًا: ”الذي يؤمن به لا يدان، والذي لا يؤمن قد دين، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد“ (يوحنا3: 18). إنه هو إذًا سر الحياة الأبدية، وهو السبب للدينونة الأبدية، أ فليس لهذا من معنى يا أولي الألباب؟

 

4- قال المسيح: ”أنا والآب واحد“:

فلقد قال المسيح لليهود:

«قلت لكم ولستم تؤمنون.. لأنكم لستم من خرافي.. خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد.. أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي. أنا والآب واحد» (يوحنا10: 25-30).

هذه الآيات تتحدث عن أن المسيح هو مصدر الحياة الأبدية لمن يؤمن به، باعتباره المحيي. كما تتحدث أيضًا عن قدرة المسيح باعتباره ”الراعي العظيم“ على حفظ الخراف، بحيث أنه أكد أنه لا يقدر كائن أن يخطف أحد خرافه من يده. هنا نجد قدرة المسيح كالحافظ، وهي قدرة مطلقة. وفي أثناء الحديث عن تلك القدرة الفائقة، أعلن هذا الإعلان العظيم: «أنا والآب واحد».

هنا نجد المسيح للمرة الثالثة – بحسب إنجيل يوحنا – يعلن صراحة للجموع لاهوته وأزليته ومعادلته للآب. كانت المرة الأولى في يوحنا5: 17، والثانية في يوحنا8: 58، وهنا نجد المرة الثالثة، وفي هذه المرات الثلاث حاول اليهود رجمه، لأنهم فهموا تمامًا ما كان المسيح يقصده من كلامه.

في المرة الأولى في يوحنا 5: 17 تحدث المسيح عن معادلته للآب في الأقنومية، عندما قال لليهود: «أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل»؛ وفي المرة الثانية في يوحنا 8: 58 تحدث عن أزليته، عندما قال: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» وهنا في المرة الثالثة تحدث المسيح عن وحدته مع الآب في الجوهر.

يدَّعي بعض المبتدعين أن الوحدة هنا هي وحدة في الغرض، بمعنى أن غرض المسيح هو بعينه غرض الله. لكن واضح من قرينة الآية أن الوحدة بين الابن والآب هي أكثر بكثير من مجرد الوحدة في الغرض، وإن كانت طبعًا تشملها. كان المسيح يتحدث عن عظمة الآب لا عن غرضه. فيقول: «أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل».. ثم يستطرد قائلاً: «أنا والآب واحد». فالوحدة المقصودة هنا هي وحدة في الجوهر. وهذا التعليم مقرر بوضوح في كل إنجيل يوحنا.

واليهود الذين كان المسيح يوجه كلامه إليهم فهموا تمامًا كلام المسيح، بدليل عزمهم على رجمه باعتباره مجدفًا. أن تلك الحجارة التي رفعها أولئك الآثمون تصرخ. نعم إنها تصرخ في وجه من ينكر أن المسيح قال إنه الله. فلماذا – لو كان المسيح يقصد أي شيء آخر – أراد اليهود رجمه؟!

 

5- قال المسيح إن من رآه رأى الآب

قال الرب يسوع لتلميذه فيلبس:

«أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس. الذي رآني فقد رأى الآب، فكيف تقول أنت أرنا الآب. أ لست تؤمن أني أنا في الآب والآب في؟» (يوحنا14: 8-10).

هذه الأقوال قالها المسيح ردا على فيلبس عندما قال له: «يا سيد أرنا الآب وكفانا». لاحظ أن فيلبس لم يقل ”نريد أن نرى المسيا“ أو ”المسيح“، بل قال: «أرنا الآب». فكانت إجابة المسيح بما معناه: كيف لم تعرفني حتى الآن يا فيلبس، رغم أنك من أوائل تلاميذي؟ ليس معنى ذلك أن فيلبس لم يعرف أن يسوع هو المسيح، كلا، لقد عرفه كذلك، وعرفه من أول لقاء له معه، إذ قال لنثنائيل: «وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء» (يوحنا1: 43-45). أي وجدنا المسيح المنتظر، لكن المسيح هنا كان ينتظر من فيلبس، ومن باقي التلاميذ، أن يدركوا من معاشرتهم للمسيح على مدى أكثر من ثلاث سنين، أنه ابن الآب، المعبر عنه. لأنه هو والآب واحد (يوحنا10: 31).

لقد قال المسيح له: «أ لست تؤمن أني أنا في الآب والآب في؟». وكون الابن في الآب، والآب في الابن، فهذا يدل على المساواة في الأقنومية والوحدة في الجوهر.

ونلاحظ أن المسيح – بحسب إنجيل يوحنا – أكد أن من يعرفه يعرف الآب (يوحنا8: 19؛ 14: 7)، وأن من يبغضه يبغض الآب (يوحنا15: 23)، وأن من يؤمن به يؤمن بالآب (يوحنا10: 40؛ 12: 44؛ 14: 1)، وأن من رآه فقد رأى الآب (يوحنا14: 9؛ 12: 45)، وأن من يكرمه يكرم الآب أيضًا (يوحنا5: 23)!

وإننا نقول كما قال أحد المفسرين: إن إنكار لاهوت المسيح إزاء هذه الكلمات يظهر رعب ظلام الذهن الطبيعي. فكيف يمكن لشخص، أثبت – في كل أعماله وأقواله – أنه كامل، أن يقول مثل هذه العبارات، إن لم يكن هو الله؟! لا يمكن لشخص مسيحي اليوم، مهما بلغت درجة كماله، أن يقول إن من رآه فقد رأى المسيح، إلا إذا كان مدعيًا، فكم بالحري لشخص يهودي أن يقول إن من رآه فقد رأى الآب!

 

6- قال يسوع إنه مصدر الحياة الأبدية ومعطيها

فلقد قال المسيح لليهود:

«الحق الحق أقول لكم تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون» (يوحنا5: 25). انظر أيضا يوحنا10: 27، 28؛ 17: 2

سبق أن رأينا (في البند 4) كيف قال المسيح إنه يعطي خرافه، أي المؤمنين باسمه، الحياة الأبدية (يوحنا10: 27، 28). والمسيح هنا في حديثه الجامع المانع يؤكد على هذا الحق ذاته. وهذا الحديث كان المسيح قد قاله لليهود بعد أن شفى رجل بركة بيت حسدا من مرض دام 38 سنة، وشفاه المسيح بكلمة واحدة منه. ثم أوضح المسيح في حديثه التالي مع اليهود أن هذه الكلمة عينها تهب الحياة الأبدية لمن يسمعها.

ونحن نعلم أنه ليس سوى الله يميت ويحيي (تثنية 32: 39؛ 1صموئيل2: 6؛ 1تيموثاوس 6: 13). لكن في هذه الآيات يقول المسيح إن صوته يعطي الحياة.

كان المسيح في الأقول السابقة قال عن نفسه إنه «يحيي من يشاء» (يوحنا5: 21). فالمسيح هو المحيي، وهو يفعل ذلك ليس كمجرد منفذ أو كواسطة، بل إنما يفعله بمقتضى إرادته هو وسلطانه الشخصي، فهو «يحيي من يشاء».

ثم لاحظ وسيلة الإحياء التي يذكرها المسيح هنا، إنها في منتهى البساطة، كما أن لها دلالة عظمى، إذ قال المسيح بعد ذلك: «تأتي ساعة وهي الآن، حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون». إن هذه الكلمة التي تهب الحياة هي كلمة الله (مزمور 119: 50)، وهذا الصوت المحيي لا يمكن إلا أن يكون صوت الله (إشعياء 55: 3).

كما أن نوعية الحياة هي أسمى أنواع الحياة، إنها الحياة الأبدية (يوحنا3: 16؛ 5: 24)، الحياة الأفضل (يوحنا10: 10). إن إعطاء الحياة في أية صورة، أمر لا يقوى عليه سوى الله، فكم بالحري عندما تكون الحياة هي الحياة الأبدية!

والآن هل أدركت سمو المجد الذي تتضمنه هذه الأقوال. إن هذه الساعة امتدت للآن نحو ألفي عام، وفيها سمع ما لا يحصى من ملايين الأموات صوت ابن الله. وهل يمكن للأموات أن يسمعوا صوتًا؟ هذا محال. لكن السر يكمن في أن هذا الصوت ليس صوتًا عاديًا، بل هو صوت ابن الله. إنه الصوت الذي يخترق الموت، ويصل لأولئك الأموات في ذنوبهم وخطاياهم ويحييهم. ومهما كانت حالتهم، ولو كان لهم في موتهم عشرات من السنين، ولو كانوا قد أنتنوا في قبور خطاياهم، فإنهم بمجرد أن يسمعوا صوت ابن الله فإنهم ينالون فورًا الحياة الأبدية! أ ليس لهذا دلالته ومعناه؟

7- قال المسيح إنه مقيم الموتي ومحيي الرميم:

قال المسيح أيضًا لليهود:

«الحق الحق أقول لكم تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته (صوت المسيح)، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة» (يوحنا5: 28و29).

هنا نحن نجد شيئًا أكثر عجبًا مما ذكرناه الآن! فليس أن صوت ابن الله يحيي الموتى روحيًا فقط، بل إن ما لا يحصى من البلايين الذين دخلوا القبور، سيخرجون من القبور بمجرد سماعهم لصوته!

الكل سيسمع صوته وهم في القبور، حتى أولئك الذين لم يسمعوه في حياتهم على الأرض. وإذ يسمعون صوته سيخرجون من قبورهم ليقفوا أمامه للحساب.

هذا معناه أن المسيح هو مقيم الأموات ومحيي الرميم. ونحن نعلم أن هناك أشخاصًا ماتوا من آلاف السنين، يستحيل جمع ذرات أجسادهم، وقد تبعثرت في أربع أطراف المسكونة، وأربع رياح الأرض، ولكن سيأتي يوم فيه يسمعون صوته مناديًا، فيخرجون جميعهم من قبورهم، سواء كانوا أشرارًا أم صالحين!

من ذا الذي يقدر أن يبعث رممًا إلى الحياة؟ أ يقدر إنسان أن يبعث أناسًا ماتوا من آلاف السنين، وتحللت أجسادهم فعادت إلى التراب، وزرع في مكان دفنِهم بستان، طلعت فيه أشجار، أكل منه الإنسان والحيوان، وهؤلاء بدورهم ماتوا وتحللت أجسادهم، وهكذا دواليك!

من هو هذا الذي صوته يقيم جميع الذين في القبور؟ أ يمكن أن يكون مجرد إنسان؟ وإن لم يكن هو الله فمن يكون؟ أ يعطي الله مجده لآخر؟ أ يشارك أحد المخلوقات الله في قدرته المطلقة؟

والمسيح لم يقل ذلك فقط، بل برهنه عمليًا إذ أقام الرميم فعلاً، كما حدث عند إقامته للعازر من الأموات وهو ما سنوضحه في الفصل الثالث. وذلك الصوت الذي دعا لعازر فخرج فورًا بعد أن كان قد أنتن، سيخترق في يوم قادم قبور البشر جميعهم، ويأمر الأرواح أن تلبس أجسادها من جديد لتقوم من موتها.

 

8- قال المسيح إنه أتى من السماء إلى الأرض.

فلقد قال المسيح لليهود:

«لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني» (يوحنا6: 38)

كثيرون يؤمنون بأن الله رفع المسيح إلى السماء، وهذا طبعًا شيء عظيم، ولكن ما يؤكده المسيح هنا لا مرة ولا مرتين بل سبع مرات في فصل واحد هو يوحنا 6 أنه نزل من السماء (ع 33و 38و 41و 42و 50و 51و 58).

وفي مناسبة أخرى قال المسيح لليهود: «أنتم من أسفل، أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم، أما أنا فلست من هذا العالم» (يوحنا8: 23). وهو عين ما أكده لنيقوديموس قبل ذلك: «وليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء» (يوحنا13: 13).

وعن هذا الأمر عينه قال يوحنا المعمدان: «الذي من الأرض هو أرضي، ومن الأرض يتكلم، الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع» (يوحنا3: 31). ترى ما الذي دفع المعمدان أن يقول ذلك؟ لماذا اعتبر المعمدان أن الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع؟ الإجابة لأن الذي يأتي من السماء لا يمكن أن يكون مجرد إنسان. فالإنسان مصدره أرضي. فإن لم يكن إنسانًا. فمن يكون إذًا؟

ثم إن هذا يتضمن أيضًا معنى آخر، أعني به سبق الكينونة. فإن مولد المسيح في ”بيت لحم“ لم يكن بداية وجوده، فمع أنه خرج من بيت لحم، كما يقول عنه النبي ميخا في العهد القديم، لكن هو الذي «مخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل» (ميخا5: 2؛ متى 2: 6). بمعنى أنه هو الأزلي.

وفي مناسبة أخرى قال المسيح لتلاميذه: «خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم، وأيضًا أترك العالم وأذهب إلى الآب» (يوحنا16: 28). لاحظ أنه في العبارة الأولى يقول ”خرجت من عند الآب“، ولم يقل ”تركت“ الآب، بينما في العبارة الثانية يقول ”أترك العالم“. فعندما يتحدث عن خروجه من عند الآب فالإشارة هنا إلى لاهوته، ذلك اللاهوت الذي يملأ السماء والأرض، ولكن عند حديثه عن تركه للعالم فإنه يتحدث عن ناسوته ومحدودية هذا الناسوت.

إذا كان المسيح قال إنه أزلي، ونحن نعرف أنه ليس أزلي سوى الله، أ لا يكون المسيح بهذا قد قال أيضًا أنا هو الله؟ وهذا الحق ذُكر في العديد من الفصول في الإنجيل ذاته مثل 1: 1؛ 17: 5، 24.

 

9- قال المسيح إن روحه الإنسانية ملكه وتحت سلطانه:

فقال لليهود:

«ليس أحد يأخذها (نفسي) مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أيضًا أن آخذها» (يوحنا10: 17).

حقيقة يعملها الجميع، ويُعلِّم بها الكتاب المقدس أيضًا، أنه «ليس لإنسان سلطان على الروح» (جامعة8: 8). أما المسيح فكان له السلطان على روحه، نظرًا لأنه لم يكن مجرد إنسان. وهو لم يقل ذلك فقط، بل نفذه أيضًا، فلقد مات ليس لأن قواه نفدت، أو لأن السر الإلهي خرج منه، بل يقول الوحي: «فصرخ يسوع بصوت عظيم، وأسلم الروح» (متى27: 50). لاحظ عبارة ”أسلم الروح“، وهي عيارة – نظرًا لأهميتها – تكرر ذكرها في البشائر الأربع (متى27: 50؛ مرقس15: 37؛ لوقا23: 46؛ يوحنا19: 30).

وفي إنجيل يوحنا الذي يحدثنا عن المسيح ابن الله، يذكر شيئا جميلاً عن المسيح، فيقول إنه ”نكس رأسه، وأسلم الروح“. فليس أن روحه خرجت، ورأسه تدلدلت، بل إنه أولا نكس رأسه، استعدادًا للموت الذي كان سيدخله بكامل إرادته، ثم أسلم الروح.

ولذلك فإن استفانوس الشهيد الأول في المسيحية لحظة موته قال للمسيح: «أيها الرب يسوع اقبل روحي» (أعمال 7: 59)، وأما المسيح فإنه عند موته قال: «يا أبتاه في يديك أستودع روحي». ذلك لأن استفانوس مجرد إنسان، ولكن المسيح قَبِل أن يصير إنسانًا، وهم ليس مجرد إنسان، كما ذكرنا مرارًا، بل هو الله وإنسان في آن.

 

10- قال المسيح إنه ”النور“

فلقد قال لليهود:

«أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة» (يوحنا 8: 11)

نحن نعرف من هو نور السماوات والأرض، فيذكر الكتاب المقدس أن «الله نور» (1يوحنا1: 5). وفي العهد القديم قال داود: «الرب نوري وخلاصي» (مزمور27: 1). فأن يقول المسيح إنه هو ”نور العالم“، بل وأكثر من ذلك، هو يعد كل من يتبعه ألا يمشي في الظلمة، بل يكون له ”نور الحياة“، أي النور الذي يفضي إلى الحياة والذي يمتع بالحياة؛ فهذا معناه بكل وضوح أنه هو الرب. ونلاحظ أن البشير يوحنا ذكر عن المسيح إنه النور في إنجيل يوحنا، لا مرة ولا مرتين، بل 21 مرة (3×7).

كان المسيح في اليوم السابق مباشرة قد دعا كل العطاش لكي يأتوا إليه ويشربوا (يوحنا7: 37-39)، أي إنه وعد البؤساء بالري والانتعاش، وهنا يدعو الذين في ظلمة الخطية والجهل ليأتوا إليه فيتمتعوا بنور الحياة!

والمسيح يقول عن نفسه إنه ”النور“، في الوقت الذي يقول فيه عن يوحنا المعمدان النبي العظيم، بل الذي هو أفضل من نبي، إنه ”السراج الموقد المنير“ (يوحنا5: 35). لاحظ الفراق الكبير بين ”النور“ ومجرد ”السراج“. بكلمات أخرى، بين المطلق (النور) والنسبي (السراج).

والمسيح لم يقل ذلك فقط، بل برهن عليه فورا، في المعجزة العظيمة التي فعلها بعد ذلك مباشرة، إذ منح نعمة البصر لمولود أعمى، وسنتأمل – بمشيئة الرب – تلك المعجزة في الفصل الثالث.

 

11- قال المسيح إنه الراعي الصالح:

فلقد قال المسيح لليهود:

«أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف» (يوحنا10: 14).

هذه الآية تحمل أكثر من دليل على كون المسيح هو الله، فالراعي الذي يرعى الأفراد والجماعات أيضًا، لا يمكن أن يكون – بحسب تعليم العهد القديم – شخصًا آخر بخلاف ”الرب“، ”الله“. قال داود: «الرب راعيّ فلا يعوزني شيء » (مزمور23: 1)، وقال إشعياء النبي عن الرب: «كراعٍ يرعى قطيعه، بذراعه يجمع الحملان، وفي حضنه يحملها، ويقود المرضعات» (إشعياء 40: 11). فالراعي هو الرب الله.

ثم إن المسيح قال هنا: «أنا هو الراعي الصالح». وفي مناسبة أخرى قال المسيح: «ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله». فكون لا أحد صالح إلا الله، وكون المسيح صالحًا، كقوله هنا «أنا هو الراعي الصالح» يعني أنه قال عنه نفسه إنه هو الله.

 

12- قال المسيح إنه هو القيامة والحياة

فلقد قال لمرثا: «أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيًا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد» (يوحنا11: 24-26).

قيلت هذه العبارة عندما ذهب الرب يسوع إلى بيت عنيا ليقيم لعازر من الأموات. ونحن نعلم أنه لم يقل كلمات مثل هذه أي نبي قبل المسيح، ولا أي رسول بعده، مع أن بعضهم أقام موتى. إنها عبارة مملوءة بالجلال، بحيث لا يمكن لشخص بشري أن يقول نظيرها، ما لم يكن مدعيًا. فالمسيح يوضح بتلك الكلمات أنه ليس معلمًا بشريًا يتحدث عن القيامة، بل هو المصدر الإلهي لكل قيامة، سواء كانت روحية الآن، أو حرفية في أوانها. كما أنه أصل وينبوع كل حياة، طبيعية كانت أم روحية أم أبدية.

فهذه العبارة إذا هي عبارة فريدة وتعطي دلالات أكيدة على لاهوت المسيح. فذاك الذي هو مصدر الحياة، والذي فيه كانت الحياة (يوحنا1: 4)، قَبِل أن ”يذوق بنعمة الله الموت“ (عبرانيين 2: 9)، ليمكنه أن يكون أيضًا القيامة لمن يؤمن به. وحده وليس سواه – بموته وقيامته – أمكنه أن يبطل الموت، وينير الحياة والخلود بواسطة الإنجيل (2تيموثاوس1: 10).

 

13- قال المسيح إنه يستجيب الدعاء

فلقد قال لتلاميذه في حديث العلية:

«ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد الآب بالابن. إن سألتم شيئا باسمي فإني أفعله» (يوحنا14: 13، 14)

لا يوجد شخص ممكن أن يسمع كل دعوات الداعين، الصاعده له من كل العالم، إلا الله وحده. وأي ادعاء بأن هناك مخلوق يمكن أن يستمع إلى نداءات البشر الذين يتجهون إليه، هو ادعاء عار من الصحة. أسفي على الذين ألَّهوا البشر، ونسبوا لهم سماع الصلوات واستجابتها. لقد قال إيليا النبي العظيم مرة لأليشع: «ماذا أفعل لك، قبل أن أؤخذ منك؟» (2ملوك2: 9). لاحظ قوله: ”قبل أن أؤخذ منك“، وأما المسيح فهو ما زال يفعل، وذلك بعد رحيله بألفي سنة. إنه يسمع الصلوات ويستجيبها. هذا ما أكده المسيح هنا، وما اختبره كل المؤمنين الأتقياء.

ونلاحظ أن المسيح لم يقل هنا: ”مهما سألتم باسمي فذلك يفعله الآب“، ولم يقل ”إن سألتم شيئًا باسمي فإن الآب يفعله“، بل قال: «فذلك أفعله»، وأيضًا «فإني أفعله».

 

14- قال المسيح إن تلاميذه بدونه لا يقدرون أن يفعلوا شيئًا.

فلقد قال في حديثه الأخير مع تلاميذه في العلية أيضًا:

«لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا» (يوحنا15: 5).

في هذه الأقوال ينسب الرب يسوع لنفسه القوة والقدرة على كل شيء. ونلاحظ أن الرب قال هذا لتلاميذه، ليس في بداية تواجده معهم، بل في نهايته، وفي نفس ليلة آلامه. فهو كان مزمعًا أن يتركهم، لكنه يؤكد لهم أنه بلاهوته باقٍ معهم. وعليهم أن يدركوا أنهم لن يقدروا أن يعملوا أي شيء بدونه. وهذا معناه أنه ليس مجرد إنسان، غيابُه عنهم ينهي عمله، بل إن لاهوته ظاهر في أقواله هنا، وهم بدونه لن يقووا على عمل أي شيء.

والعكس أيضًا صحيح، فلقد قال الرسول بولس: «أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني» (فيلبي4: 13).

ونلاحظ أن المسيح لم يقل في المقابل: ”لأني بدونكم لا أقدر أن أفعل شيئًا“. فكون المسيح يستخدمنا، فليس ذلك لأنه بدوننا عاجز، حاشا، بل إنه يكرمنا بأن يقبل أن يستخدمنا في عمله، وهو وحده الكفؤ لهذا العمل، فمسرة الرب بيده تنجح (إشعياء53: 10).

 

15- قال المسيح إنه هو معطي الروح القدس

فقد قال لتلاميذه في العلية:

«خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم» (يوحنا16: 7).

فإذا عرفنا أن الروح القدس هو أقنوم في اللاهوت (ارجع إلى تعليقنا على الأقانيم في متى 28: 20 في الفصل التالي)، اتضح لنا فورًا أنه لا يمكن أن يرسل أقنومًا إلهيًا سوى الله.

وفي هذا قال الرب في العهد القديم: «أني أنا الرب إلهكم وليس غيري.. ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي على كل بشر» (يوئيل2: 27و28).

ونلاحظ أن المسيح في العظة نفسها قال إن الآب سيرسل إليكم الروح القدس (14: 26)، وهنا يقول إنه هو الذي سيرسله، مما يدل على الاتحاد والتوافق بين الابن والآب.

 

16- قال المسيح إن كل ما للآب هو له

فلقد قال المسيح لتلاميذه في عظة العلية: «كل ما للآب هو لي» (يوحنا16: 15)،

ومرة ثانية قال في صلاته إلى أبيه: «كل ما هو لي فهو لك، وما هو لك فهو لي» (يوحنا 17: 10).

حسنًا علَّق القديس لوثر على هذه الآية بالقول: ”قد يمكن لأي مؤمن أن يقول الجزء الأول من هذه الآية العظيمة: «كل ما هو لي فهو (للآب)»، ولكن من ذا الذي يقدر أن يضيف قائلاً: «وما هو (للآب) هو لي»؟“.

ونلاحظ أن المسيح لم يقل للآب كل ”من هو“ لي هو لك، ”ومن هو“ لك هو لي، بل قال: «كل.. ما لك فهو لي». إن عبارة «كل ما للآب» تعني، ضمن ما تعني: أزلية الآب، وقداسته، وكماله، ومجده، وصفاته، وعرشه.

ثم إن هذه العبارة لا تعني مجرد معادلة ومساواة الابن بالآب، بل هي في الواقع تعني شيئًا أكثر من ذلك، إذ إنها تستلزم أيضًا الشركة والوحدة الكاملة في كل شيء، كقول المسيح: «أنا والآب واحد» (يوحنا10: 30) وهذا هو تعليم الكتاب المقدس بخصوص أقانيم اللاهوت. مساواة في الأقنومية ووحدة في الجوهر!

 

17- قال المسيح إنه صاحب المجد الأزلي

فلقد قال المسيح في صلاته لأبيه على مسمع من تلاميذه: «والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك، بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم» (يوحنا17: 4و5).

ما أقوى هذه العبارة: «المجد الذي لي عندك قبل كون العالم»! إننا نتفق مع أحد الشراح الذي قال لو لم يكن لدينا سوى هذه الآية، تحدثنا عن لاهوت المسيح، لما أمكننا أن نطعن في لاهوته. فهي تقول لنا صراحة إن المسيح كان من الأزل مع الآب، وليس ذلك فقط، بل تحدثنا أن له مجدًا أزليًا يتمتع به مع الآب في الأزل! ونحن طبعًا لا يمكننا أن ندرك كنه هذا المجد الأزلي، فهو من ناحية غير معلن، ومن ناحية أخرى يفوق عقولنا المحدودة. ولكن ما لا نقدر أن نستوعبه ونفهمه، يمكننا أن نؤمن به ونسجد لأجله.

أين قال المسيح أنا الله أعبدوني؟ – دليل شامل مبسط

(2) المزيد من أقوال المسيح

«ولما جاء يسوع إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل تلاميذه قائلاً: من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟» (متى16: 13).

سنواصل الحديث في هذا الفصل عما قاله المسيح بفمه الكريم عن نفسه في البشائر المتماثلة (متى ومرقس ولوقا)، وسنتجاوز ما ورد من أدلة على لاهوت المسيح في سفر الأعمال وفي الرسائل، نظرًا لأننا لا نريد أن ننشغل الآن بأقوال الرسل الكثيرة عن سيدهم في هذه الأسفار، رغم أن شهادتهم لها تقديرها، لأن الرسل هم من عايشوا المسيح لمدة تزيد على ثلاث سنوات، ويعرفون عنه أكثر من يعرف غيرهم عنه؛ بل إننا سنقصر حديثنا فقط عن أقوال المسيح نفسه التي تبرهن أنه الله. ثم نذكر بعض الآيات من سفر الرؤيا، نظرا لأن هذا السفر هو ”إعلان يسوع المسيح“. وكلام المسيح فيه يرد دائما بصيغة المتكلم. وسنذكر بعضًا من هذه الآيات بحسب ترتيب ورودها في الكتاب المقدس.

1- قال المسيح: إنه هو الرب الديان

فلقد قال في المسيح موعظته من فوق الجبل، وهي أول مواعظه المسجلة له في الأناجيل:

«كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: ”يا رب يا رب: أ ليس باسمك تنبأنا؟ وباسمك أخرجنا شياطين؟ وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟“ حينئذ أصرح لهم إني ما أعرفكم» (متى7: 22).

تحتوي موعظة المسيح من فوق الجبل على العديد من البراهين على لاهوت المسيح. فمثلا في بداية الموعظة قدم المسيح مجموعة من التطويبات، ختمها بهذه التطويبة: «طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السماوات. فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم» (متى5: 11، 12). والشيء اللافت هنا أن المسيح يقارن بين تلاميذه الذين يتألمون لأجله، والأنبياء في العهد القديم. لقد اضطهدوا الأنبياء في العهد القديم بسبب أمانتهم لله، والآن يقول المسيح لتلاميذه إنهم، في اتباعهم له، سيتعرضون للاضطهاد بسبب أمانتهم له، ويعدهم بأنه سيكون لهم ذات المكافأة التي للأنبياء. الدلالة واضحة هنا، فإن كان تلاميذ المسيح يُشَبَّهون بأنبياء الله، فهذا معناه أنه هو يُشَبِّه نفسه بالله. أو بكلمات أخرى، يعتبر نفسه أنه هو الله.

ثم في ختام العظة يقول المسيح: «من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر» (متى7: 24). يوضِّح المسيح هنا أن أساس الأمن والسلام في الحياة الحاضرة وفي الأبدية أيضًا هو الاستماع إلى كلامه. فمن يكون هذا؟

ثم في الأقوال السابقة للآية التي نتحدث فيها قال المسيح: «ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات». وهذا معناه أن هناك حسابًا لمن يقول له: ”يا رب“ دون أن يعيها، فكم بالحري لمن يرفض من الأساس أن يقولها!

وهذه الآية وردت في إنجيل لوقا هكذا: «ولماذا تدعونني يا رب يا رب، وأنتم لا تفعلون ما أقوله لكم» (لوقا 6: 46). ومن هذا نفهم أن المسيح لا يعتبر نفسه مجرد سيد يُقدَّر، بل إنه رب يُطاع.

وإن كانت الأقوال التي قالها المسيح في (ع21) تنطبق على الوقت الحاضر، فإن كلماته في (ع 22) تنطبق على يوم قادم. إن ”ذلك اليوم“ الذي يتحدث عنه المسيح في الآية السابقة، هو يوم الدينونة. إنهم سيقولون له، باعتبارهم المدانون، وهو سيصرح لهم، باعتباره الديان. وكلامه هو، وليس كلامهم هم، هو الفيصل في ذلك اليوم العصيب!

ثم نلاحظ أن هؤلاء الكثيرين من البشر سيقولون للمسيح الديان في ذلك اليوم: «يا رب يا رب». فالمسيح إذًا بحسب كلامه هنا، هو ”الرب“ وهو ”الديان“.

وفي هذا الاتجاه قال المسيح في عظة جبل الزيتون، إنه متى جاء في مجده وجميع الملائكة القديسون معه، سيجمع أمامه جميع الشعوب، ويقول للذين عن يمينه: «تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم .. ثم يقول للذين عن اليسار اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته. فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية» (متى 25: 31- 46). هذه الآيات تؤكد لنا أيضا أن المسيح هو الديان. ومن هذه الآيات نفهم أن مصائر جميع الشعوب سيحدده المسيح، وذلك عندما يأتي كالديان في مجده، ومعه لا جمهور كبير من الملائكة، بل جميع الملائكة. ويومها سيجتمع أمامه لا جنس واحد من البشر، ولا مجموعة محدودة، بل جميع الشعوب، وسيقوم هو باعتباره الديان بمحاسبتهم.

ترى من هو الديان الذي سيدين جميع البشر؟ قال إبراهيم في العهد القديم وهو يكلم الرب والمولى: «أ ديان كل الأرض لا يصنع عدلاً؟» (تكوين 18: 22و25). ويقول موسى النبي في العهد القديم: «الرب يدين شعبه» (تثنية32: 36)، وفي العهد الجديد يقول كاتب العبرانيين: «أتيتم.. إلى الله ديان الجميع» (عبرانيين 12: 22و23).

وبحسب أقدم نبوة في الكتاب المقدس، وهي تلك التي نطق بها أخنوخ السابع من آدم، فإن الذي سيدين الجميع هو الرب، فلقد قال أخنوخ: «هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسييه ليصنع دينونة على الجميع، ويعاقب جميع فجارهم، على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها، وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار» (يهوذا14).

ومن هذا نفهم أن الرب الديان كان في ذات يوم محتقرًا ومخذولاً من الناس، ولذلك فقد تكلموا عليه الكلمات الصعبة. إنه هو الرب يسوع المسيح الذي رُفض لما كان هنا على الأرض، وما زال مرفوضًا من عدد كبير من البشر، لكنه مع ذلك سيأتي عن قريب باعتباره الرب الديَّان، وسيدين جميع البشر!

 

2- قال المسيح: إنه المُعين، ومريح كل المتعبين

ففي متى 11: 28 يقول المسيح: «تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم»

فإذا كان المسيح، في المستقبل – كما ذكرنا لتونا – هو الديان، فإنه في الحاضر هو المستعان!

والمسيح قبل أن يذكر هذه الآية العظيمة، فإنه ذكر في الآيات السابقة أمجادًا ثلاثية عن نفسه تؤكد لاهوته. وهذه الأمجاد الثلاثية هي:

أن ”الآب قد دفع كل شيء إلى يديه“.

أن ”لا أحد البتة – سوى الآب – يقدر أن يعرفه“،

أنه وحده يقدر أن ”يعلن الآب للبشر“.

وبدراسة هذه الأمجاد الثلاثية يتضح لنا عظمة شخصه المعبود، فليس سوى اللاهوت هو الذي يقدر أن يمسك بيديه كل شيء. ثم لماذا لا يقدر أحد أن يعرف شخصه الكريم سوى الآب؟ السبب في ذلك هو اتحاد اللاهوت والناسوت في شخص المسيح، وبالتالي فإنه فوق مدارك البشر. وأخيرًا ليس سواه من يقدر أن يعلن الآب، فالله ساكن في نور لا يدنى منه، وأما المسيح فإنه واحد مع الآب، ساكنًا في حضنه. «الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر» (يوحنا1: 18). وكون لا أحد يعرف الآب إلا الابن، فهذا معناه أن الابن ليس مجرد أحد. وحقًا إنه لا يقدر أن يعلن الله إلا الله.

بعد ذلك تحدث المسيح عن نفسه باعتباره مسدد احتياجات البشر الملحة، فأعلن أنه المريح، الذي بوسعه لا أن يريح شخصًا أو مجموعة من الأشخاص، بل يريح جميع التعابى، فيقول:

«تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم» (ع28).

من ذا يستطيع أن يدعو جميع التعابى الذين في العالم كله ليأتوا إليه، ويعدهم إنه سيعطيهم الراحة، إلا الله؟

إننا عندما نسمعه يقول «تعالوا إليّ»، ويعد من يأتي إليه بالراحة، كأننا نستمع إلى رجع الصدى من إعلان الله العجيب في العهد القديم وهو يقول: «التفتوا إليَّ واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض، لأني أنا الله وليس آخر» (إشعياء45: 22)؟

 

3- قال المسيح إنه رب السبت:

فلقد قال لليهود:

«إن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا» (متى12: 8).

والمسيح في الأصحاح نفسه الذي يذكر فيه أنه رب السبت، يؤكد أنه أعظم من يونان النبي (ع 41)، وأعظم من سليمان الملك (ع 42)، بل إنه قال أيضًا: إنه أعظم من الهيكل (ع 6). من هو هذا الذي ليس فقط أعظم من نبي أو من ملك، بل أعظم من هيكل الله نفسه، بنظامه وعبادته، بذبائحه وكهنوته؟ وإن لم يكن هو الله فمن يكون؟

لكن المسيح لم يذكر فقط إنه أعظم من الهيكل، بل قال إنه ”رب السبت أيضًا“. وهذا القول يتضمن الإعلان عن لاهوته. فلو عرفنا ماذا قال الرب في العهد القديم عن يوم السبت، لأمكننا أن نفهم بصورة أفضل معنى قول المسيح إنه ”رب السبت“.

لقد قال الله لموسى في خروج31: 13و17 «وَأَنْتَ تُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: سُبُوتِي تَحْفَظُونَهَا لأَنَّهُ عَلاَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِي أَجْيَالِكُمْ .. هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلاَمَةٌ إِلَى الأَبَد». فأن يقول المسيح إنه ”رب السبت“ أيضًا، فهذا معناه أنه هو الرب ”يهوه“ الذي تكلم قديمًا إلى موسى، والذي أمر الشعب قديمًا بحفظ السبوت. فواضح أنه لا يجرؤ نبي أن يعتبر نفسه ”رب السبت“ بعد أن قال الرب عن السبوت إنها سبوته (ارجع إلى خروج31: 13؛ لاويين19: 3و 30؛ 26: 2؛ حزقيال 20: 12و 20؛ 44: 24).

لقد أوضح المسيح أنه في عمله هو أعظم من الهيكل، إذ يقدم علاجًا كاملاً للخطية، لكنه في مجد شخصه هو أعظم من السبت، بل هو رب السبت أيضًا.

 

4- قال المسيح إنه موجود في كل مكان.

فلقد قال المسيح لتلاميذه:

«لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم» (متى 18: 20).

كيف يمكن للمسيح أن يوجد في وسط كل اجتماع يوجد فيه اثنان أو ثلاثة مجتمعون إلى اسمه؟ أ ليس هذا دليلاً على أنه الرب الذي يملأ الكل؟ وفي ما بعد أوضح الرسول بولس أن المسيح «يملأ الكل في الكل» (أفسس1: 23؛ 4: 10).

وهناك عبارة نطق بها المسيح توضح كيف أنه يملأ الكل، فلقد قال لنيقوديموس: «وليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء» (يوحنا3: 13). لقد كان المسيح يتكلم مع نيقوديموس في أورشليم، لكنه يعلن أن السماء لا تخلو منه. فهو موجود على الأرض وموجود أيضًا في السماء. وهذه واحدة من الخصائص الإلهية، فالله وحده يملأ السماء والأرض، كقول الرب لإرميا: «أ ما أملأ أنا السماوات والأرض يقول الرب؟» (إرميا23: 24).

ونلاحظ أن المسيح الذي كان يتكلم مع نيقوديموس، كان بناسوته في أورشليم، وبلاهوته هو يملأ السماء والأرض. واتحاد الطبيعتين – اللاهوتية والناسوتية – في شخص المسيح، هو فوق المدارك البشرية.

 

5- قال المسيح إنه رب داود.

فلقد سأل الفريسيين:

«ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ فقالوا ابن داود. فقال لهم يسوع: فكيف يدعوه داود بالروح ربًا قائلا: قال الرب لربي حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك؟ فإن كان هو ابنه فكيف يكون ربه؟» (متى22: 42-45).

لقد قُدِمت في هذا الفصل (متى 22) أسئلة كثيرة: سؤال عن الجزية التي تُعطى لقيصر، وسؤال عن الزواج في العالم الآتي، وسؤال عن الناموس ووصيته العظمى، ولقد أجاب المسيح عنها كلها إجابات رائعة، ولكنه هنا يوجه السامعين إلى السؤال الأكثر أهمية. «ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟»

والمسيح – كما يعلن الوحي – هو ابن داود، ولكنه ليس مجرد ابن لداود، وإلا لاستحال أن يدعوه داود ربًا. إنه ابن داود بالجسد، ولكنه في الوقت نفسه هو رب داود بلاهوته. ونحن نعرف أن الفريسيين واليهود لم يستطيعوا الإجابة عن سؤال المسيح الذي تركه معهم ليفكروا فيه. وهم إلى الآن، وبعد نحو ألفي عام لم يصلوا إلى الإجابة عنه.

ومن الجميل أن يقول المسيح إن داود دعاه بالروح ربًا، فليس أحد يقدر أن يقول ”يسوع رب“ إلا بالروح القدس (1كورنثوس12: 3). ولهذا فقد دعته أليصابات، وهو ما زال جنينا في بطن أمه: ”ربي“. قالت هذا وهي ممتلئة من الروح القدس (لوقا1: 43). وقال توما له بعد قيامته من الأموات: ”ربي وإلهي“ (يوحنا20: 28)، وقالها الرسول بولس عنه بعد صعوده إلى السماء (فيلبي 3: 8)، ويخبرنا الوحي أنه سيأتي الوقت الذي فيه سيقول كل لسان أن يسوع رب (فيلبي 2: 11).

وللأسف يعلق البشير متى قائلا: «من ذلك الوقت لم يتجاسر الفريسيون أن يسألوه شيئًا» (ع46). إنهم لم يستطيعوا الرد على منطقه الواضح وحجته القاطعة، لكنهم بدلاً من الإيمان به والانحناء بالسجود له، باعتباره ربهم أيضًا، كما هو رب داود، فإنهم فضلوا أن يمضوا في عماهم وظلام فكرهم باقي عمرهم وإلى أبد الآبدين!

 

6- قال المسيح إنه هو الذي يرسل الأنبياء.

فلقد قال في عظة الويلات:

«لِذَلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ» (متى 23: 34)

لقد قال المسيح هذه الكلمات لليهود، قبيل صلبه بأيام أو ساعات معدودة، قال إنه سيرسل إليهم أنبياء وحكماء وكتبة. فمتى أرسلهم؟ يقينًا أرسلهم بعد قيامته من الأموات، وصعوده فوق جميع السماوات.

هذه الأقوال تؤكد أن المسيح ليس مجرد نبي ولا مجرد رسول، بل إنه هو الذي يرسل الرسل والأنبياء. وعليه فإن من يظن أن المسيح مجرد رسول أو نبي، يكون قد فاته مدلول هذه العبارة العظمى. فمن الذي يرسل الأنبياء والحكماء؟ أليس هو الله؟ (ارجع إلى إشعياء 6: 8؛ يوحنا1: 6). إذًا قول المسيح هنا يتضمن أنه هو بنفسه الرب ”إله الأنبياء القديسين“ (رؤيا22: 6). ولقد تمم المسيح كلامه هنا بعد قيامته من الأموات وصعوده إلى السماوات، حيث أرسل إلى تلك الأمة العاصية أنبياء وحكماء وكتبة.

وفي هذا الصدد يقول المسيح أيضًا في موعظة جبل الزيتون هذا القول المبارك والمحمل بالمعاني «تظهر علامة ابن الإنسان … فيبصرون ابن الإنسان … فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه» (متى 24: 31). هذا معناه أن الملائكة هم ملائكة ابن الإنسان، وأنه يملك السلطان على إرسالهم، وكذلك فإن المختارين هم مختاروه. فهذا الذي اتضع وافتقر لم يكن، كما نفهم من الأصحاح الأول في هذه البشارة سوى ”عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا“ (1: 23).

 

7- قال المسيح أن كلامه لا يزول

فلقد قال المسيح في موعظة جبل الزيتون:

«السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول» (متى 24: 35).

ونحن نعرف أنه بعض الدكتاتوريين كانوا يفرضون على الناس أقوالهم، وربما قال مغرور من هؤلاء إن كلامه لا يزول. ولكن ماذا بعد موت هؤلاء؟ يقول المرنم: «تخرج روحه فيعود إلى ترابه. في ذلك اليوم نفسه تهلك أفكاره» (مزمور146: 4). نعم ليس الإنسان – كائنًا من كان – هو الذي كلامه لا يزول، بل الله، كقول المرنم: «إلى الأبد يا رب كلمتك مثبتة في السماوات» (مز119: 89).

ولقد كان الأنبياء دائمًا يبدأون نبواتهم بالقول: «هكذا قال الرب». ولكن المسيح ليس كذلك، بل إنه يقول هنا: «كلامي لا يزول»!

ومن الجميل أن نذكر أن المسيح قال هذا الكلام قبيل آلامه وموته بساعات معدودة. وكانت الأيام التالية ستحمل الكثير من المفاجآت غير السارة لتلاميذه، ومع ذلك فقد ثبت أن كل ما قاله المسيح تم، وتم حرفيًا.

إن طريقة موته تمت كما قال، فمات فوق الصليب (قارن يوحنا18: 32، مع يوحنا 12: 33). لقد كان قصد قادة اليهود الأشرار أنه بموته فوق الصليب، وهي ميتة اللعنة والعار، ستنتهي إلى الأبد شعبيته (ارجع إلى مزمور41: 5)، ولكن العجيب أن العكس هو ما حصل، وبعد نحو خمسين يومًا بدأت الكرازة به، وآمن في عظة واحدة ثلاثة آلاف نفس، وما زال هذا يحدث يوميًا في كل بقاع العالم. هناك ملايين لم تكن لهم به أية علاقة، والبعض كان ينكره ويبغضه، لكن الصليب غيرهم فأحبوه وعبدوه، وذلك إتمامًا لقوله: «وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلي الجميع» (يوحنا12: 32). ولقد قال أيضًا إنه سيقوم في اليوم الثالث. وهو ما حدث فعلا، فعندما ذهبت المرأتان إلى القبر في فجر أول الأسبوع، وجدن الحجر مدحرجا عن باب القبر، وسمعن صوت ملاك السماء يقول لهما: «إني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب، ليس هو ههنا لأنه قد قام كما قال» (متى 28: 5، 6). ولقد ظهر لتلاميذه في الجليل كما قال أيضًا (متى 26: 32؛ 28: 7). وقال إن الهيكل سيدمر تمامًا، بحيث لا يترك حجر على حجر فيه إلا وينقض، وحدد المدة قائلاً: «الحق أقول لكم: لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله» (متى 24: 2، 34). وهو ما تم فعلاً، ويخبرنا التاريخ أنه رغم تعليمات تيطس القائد الروماني بعدم المساس بمبنى الهيكل، والإبقاء عليه كأثر تاريخي، إلا أن كلام المسيح، وليس كلام تيطس، هو الذي تم.

وقبل ذلك كان قد قال: «على هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (متى 16: 18) وهو ما تشهد به القرون العشرون الماضية. فكم حاولت معاول الهدم أن تهدم كنيسة المسيح، ولكن طاش سهمهم! واتضح أن كلام المسيح هو أشد ثباتًا من السماوات بقوانينها الثابتة، وأكثر رسوخا من الأرض بجبالها الراسخة.

إذا فكلام المسيح أبدي وإلهي، معصوم وصادق. إن كلامه له ذات صفات كلام الله، لأنه هو الله.

 

8- قال إنه صاحب كل سلطان في السماء وعلى الأرض:

فلقد قال المسيح لتلاميذه بعد القيامة:

«دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض» (مت28: 18).

من هو هذا الذي له كل السلطان في السماء وعلى الأرض؟ أ يمكن أن يكون مجرد مخلوق محدود، ويُسَلم له كل السلطان لا في الأرض فقط، بل في السماء أيضًا، حيث مسكن الله؟

أ يمكن أن يكون هذا الشخص صاحب السلطان المطلق في الأرض وفي السماء شخص آخر غير الله؟

قال أحد المفسرين: ”أن يُعطى مجرد مخلوق، مهما سما، كل السلطان في السماء وعلى الأرض، هو تعليم أكثر صعوبة بما لا يقاس، من التقرير بأن المسيح هو الله. فإن العبارة الأولى تتضمن فكرين متنافرين ولا يمكن جمعهما معًا على الإطلاق“.

 

9- المسيح قال إنه واحد مع الآب والروح القدس:

فلقد قال المسيح أيضًا لتلاميذه بعد قيامته من الأموات:

«اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس» (متى 28: 20).

وعبارة «عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس» تتضمن تعليمًا عظيمًا، يعتبر قمة الإعلان في الإيمان المسيحي، أعني به وحدانية الله، وثالوث أقانيمه. فالله واحد، لكن وحدانيته ليست مطلقة ولا مجردة بل جامعة مانعة. ولذلك فقد قال لتلاميذه هنا: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآ ب والابن والروح القدس». إنه لا يقول: ”عمدوهم باسم الله“، فهذا هو الإيمان اليهودي غير الكامل، ولا يقول عمدوهم بأسماء الآب والابن والروح القدس، كأن هناك أكثر من إله واحد، فتعدد الآلهة هو مفهوم وثني، وهو مفهوم خاطئ وفاسد، بل يقول: «عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس». هذا هو التعليم العظيم الذي يُميِّز المسيحية عن كل من الوثنية واليهودية؛ فالأولى تعلم بتعدد الآلهة، والثانية تعلم بوحدانية مجردة مطلقة، وأما المسيحية فتعلم بوحدانية جامعة مانعة، تجعل الله الواحد ليس في حاجة إلى خليقته ليمارس معها صفاته الأصيلة. فالله واحد في جوهره، لكنه ثالوث في أقانيمه. لذلك قال المسيح لتلاميذه، عندما يتلمذون الأمم، أن يعمدوهم ”باسم الآب والابن والروح القدس“.

ولقد تم هذا الإعلان عن الله في المسيحية، ففي اليهودية لم يكن قد جاء بعد وقت الإعلان الكامل عن الله، حيث يقول البشير يوحنا: «الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر» (يوحنا1: 18).

لقد أعلن الكتاب المقدس حقيقة الوحدانية والتثليث معًا، فالله واحد في ثالوث وثالوث في واحد. الجوهر واحد، ولكن التعينات (أو الأقانيم) ثلاثة. وهذا الأمر، وإن كان يسمو على العقل، لكنه ليس ضد العقل.

 

10- قال المسيح إنه الموجود دائما أبدًا

فلقد قال لتلاميذه: «وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر» (متى 28: 20)

في متى 18: 20 يتحدث المسيح عن وجوده في كل مكان، والآن في متى 28: 20 يشير المسيح إلى وجوده في كل زمان.

من ذا الذي يملأ الزمان والمكان سوى الله كلي التواجد. فأن يعد المسيح تلاميذه بأنه معهم كل الأيام، إلى انقضاء الدهر، فهذا معناه أن «يسوع المسيح هو هو أمسا واليوم وإلى الأبد» (عبرانيين 13: 8).

ومن هذا فإننا نرى أن الأقوال الختامية لإنجيل متى تحمل لنا أدلة متنوعة على لاهوت المسيح، فيذكر أولاً أنه موضوع سجود الأتقياء، إذ يقول عن تلاميذه إنهم لما رأوه سجدوا له. وثانيًا: أنه كلي السلطان، ليس في السماء فقط ولا على الأرض فحسب، بل في السماء وعلى الأرض، وهذه أيضًا واحدة من خصائص الله. وثالثًا: هو كلي التواجد، لا يخلو منه زمان ولا مكان، إذ قال لتلاميذه: «أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر»، ونعلم أن هذه أيضًا واحدة من الخصائص الإلهية. فليس ملاك ولا إنسان يقال عنه إنه موجود في كل مكان وكل زمان.

ومن الجميل أن إنجيل متى يبدأ بمولد ابن العذراء الذي دُعي «اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا» (متى 1: 23)، ويختم الإنجيل بقول عمانوئيل نفسه إنه مع تلاميذه كل الأيام إلى انقضاء الدهر!

 

11- قال المسيح: إنه الرب:

فالمسيح بعد أن خلص مجنون كورة الجدريين قال له:

«اذهب إلى بيتك وإلى أهلك واخبرهم كم صنع الرب بك ورحمك» (مرقس 5: 19).

ترى كيف فهم الرجل الذي شفاه المسيح هذا التعبير: «أخبرهم كم صنع بك الرب، ورحمك»؟ من هو الرب الذي أنقذ هذا المجنون من الشياطين التي كانت تسكنه؟

نرى الإجابة على ذلك من كلمات البشير مرقس التي تلت عبارة المسيح هذه: «أما هو (أي الرجل الذي كان مجنونًا ورحمه الرب وشفاه) فمضى ونادى في العشر المدن كم صنع به يسوع». وهذا معناه أن يسوع الذي خلص الرجل من الشياطين، هو الرب. ونحن نعرف أن هذا هو التعبير الذي ارتبط بالنسيح من يوم مولده، عندما قال ملاك السماء للرعاة: «ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب». فلم يكن يسوع هذا مجرد مسيح، ولا مجرد رب، بل هو ”المسيح الرب“.

وفي العهد الجديد بعد قيامة المسيح وصعوده، اربتط لقب الرب بأقنوم الابن، واستخدم فيما ندر عن الآب أو الروح القدس، لكنه استخدم عن الابن حوالي 650 مرة!

 

12- قال المسيح: إنه ”ابن الله“:

ففي محاكمة المسيح أمام رئيس الكهنة يقول الوحي «قال يسوع: أنا هو (المسيح ابن المبارك)» (مرقس14: 62).

في محاكمة المسيح أمام قيافا رئيس الكهنة، طرح رئيس الكهنة سؤالاً محددًا، ليجيب المسيح عنه بنعم أو لا، إن كان هو ”ابن الله“، فأجابه المسيح قائلاً له: «أنا هو». فكانت النتيجة أن «مزق رئيس الكهنة ثيابه وقال: ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم التجاديف. ما رأيكم؟ فالجميع حكموا عليه أنه مستوجب الموت»

هذه الكلمة ابن الله تعني في مفهوم اليهود أنه المعادل لله (يوحنا5: 18)، ولقد فهموها هم بهذا المعنى، والرب لم يصحح لهم مفهومهم، ولو أنهم بكل أسف – في عمى عدم الإيمان – رفضوا الإيمان بهذه الحقيقة، وصلبوه باعتباره مجدفًا لأنه قال ذلك عن نفسه.

هذا التعبير الذي أثار حنق رئيس الكهنة الشرير هو وبطانته، ورد عن المسيح في العهد الجديد ما لا يقل عن خمسين مرة. ومع أن المسيح بصفة عامة لم يشر إلى شخصه أنه ابن الله، إلا فيما ندر، ومع ذلك فقد عرفه الكثيرون كذلك، إذ لاحظوا عظمة شخصه وسمو أمجاده.

مرة قال عن نفسه لليهود: «فالذي قدسه الآب، وأرسله إلى العالم، أ تقولون له إنك تجدف، لأني قلت إني ابن الله؟» (يوحنا10: 36). وفي مناسبة أخرى قال لليهود: «أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل. فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا إن الله أبوه، معادلاً نفسه بالله» (يوحنا5: 17، 18).

ومرة أخرى سأل الرب تلاميذه قائلاً: «من يقول الناس عني إني أنا ابن الإنسان؟». ومن ردود التلاميذ نفهم أن البشر قالوا عن المسيح كلامًا حسنًا، في مجمله أنه ”واحد من الأنبياء“، لكن المسيح لم تسره هذه الإجابة، وكأنه كان ينتظر شيئًا أفضل بعد كل ما عمله بينهم. لذلك فإنه سأل تلاميذه: «وأنتم من تقولون إني أنا هو؟»، فأجابه بطرس قائلاً: «أنت هو المسيح ابن الله الحي». والرب طوَّب بطرسا لأن الآب أعلن هذا له، مما يدل على أن هذا الإعلان: ”المسيح ابن الله الحي“ يختلف تمامًا عما وصل إليه باقي الناس من أن المسيح ”هو واحد من الأنبياء“، وإلا فعلامَ كان التطويب لبطرس؟

ونحن نلاحظ أن المسيح لم يندهش لإجابة بطرس السابقة، وكأنه يفاجأ بها، ولا طرب لها وكأنها تكريم لم يكن يتوقعه، ولا هو اعترض عليها، بل إنه بكل بساطة طوَّب صاحبها قائلاً له: «إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك، لكن أبي الذي في السماوات» (متى16: 17). مما يدل على أن هذه المعرفة عن المسيح يلزمها إعلان من الله الآب مباشرة.

والذين شهدوا في الوحي بأن المسيح هو ابن الله كثيرون. نكتفي بالإشارة إلى سبع شهادات:

  • فالآب شهد له بأنه ابنه، وفعل ذلك 7 مرات (متى3: 17؛ 17: 5؛ مرقس 1: 11؛ 9: 7؛ لو3: 22؛ 9: 35؛ 2بط1: 17).
  • والروح القدس شهد عنه كذلك (مرقس1:1)،
  • وهو قال كذلك عن نفسه سواء قبل الصليب (يوحنا9: 35؛ 10: 36)، أو بعد القيامة (رؤيا2: 18).
  • والملاك جبرائيل في بشارته للمطوبة العذراء قال ذلك (لوقا1: 35و 36).
  • وحتى الشياطين عرفته كذلك (مرقس5: 7).
  • والتلاميذ أقروا بهذا الأمر أكثر من مرة (متى 14: 33؛ 16: 16؛ يوحنا 1: 34و 49؛ 11: 27)،
  • بل وحتى الغرباء عرفوا ذلك واعترفوا به، كما حدث مثلاً من قائد المئة الأممي الذي كان عند الصليب، الذي لما رأى أعاجيب الجلجثة قال: «حقًا كان هذا ابن الله» (متى27: 54؛ مرقس15: 39).

 

13- قال المسيح إنه المخلص الوحيد.

فلقد قال لتلميذيه يعقوب ويوحنا: «لستما تعلمان من أي روح أنتما لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص» (لوقا9: 55، 56).

كما قال أيضًا: «لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك» (لوقا19: 10).

وقال أيضًا لليهود: «أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعي» (يوحنا10: 9)

يوضِّح المسيح في الأقوال السابقة أنه ليس إحدى طرق الخلاص، بل هو الطريق الوحيدة له. ولهذا فإنه هنا يقول إنه ”الباب“، بمعنى أنه الباب الوحيد للخلاص. وفي مكان آخر قال المسيح لتلاميذه: «أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي» (يوحنا14: 6).

ونحن نعرف من العهد القديم أن المخلص الوحيد هو الله. فيقول المرنم: «لا تتكلوا على الرؤساء، ولا على ابن آدم، حيث لا خلاص عنده» (مزمور 146: 3). كما قال الله على لسان نبيه إشعياء: «أ ليس أنا الرب ولا إله آخر غيري؟ إله بار ومخلص، ليس سواي. التفتوا إليَّ واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض، لأني أنا الله وليس آخر» (إشعياء45: 21، 22). كما قال النبي يونان: «للرب الخلاص» (يونان 2: 9). ويقول الرسول بطرس عنه «ليس بأحد غيره الخلاص، لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص» (أعمال 4: 12).

لو كان المسيح مجرد نبي ما كان يمكنه مطلقًا أن يكون الطريق الوحيدة للخلاص، بل في هذه الحالة يكون إحدى طرق الله لخلاص البشر. أما أن يكون هو الطريق الوحيد للخلاص، فليس لهذا من تفسير معقول سوى أنه ليس نبيًا، من الأنبياء الذين أتوا ورحلوا، بل هو الله، إذ هو ”المخلص الوحيد“.

 

14- قال المسيح إنه هو الأول والآخر. البداية والنهاية. الألف والياء.

فلقد قال لعبده يوحنا في سفر الرؤيا: «لا تخف أنا هو الأول والآخر» (رؤيا1: 17)؛

وقال لملاك كنيسة سميرنا: «هذا يقوله الأول والآخر. الذي كان ميتًا فعاش» (رؤيا2: 8)؛

ومرة أخرى: «قال لي قد تم. أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجانًا» (رؤيا21: 5و6)

كما قال أيضًا: «وها أنا آتي سريعا وأجرتي معي لأجازي كل واحد كما يكون عمله. أنا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر» (رؤيا22: 12و13)

لقد قال الرب هذا ليوحنا «أنا هو الأول والآخر»، عندما سقط يوحنا عند رجليه كميت. ونحن نجد في العهد القديم تأثيرًا مشابهًا لهذا حدث في ظهورات إلهية سابقة، مع إبراهيم (تكوين17: 3)، ومنوح (قضاة13: 20)؛ وحزقيال (حزقيال3: 23؛ 43: 3؛ 44: 4)، ودانيآل (دانيال8: 17؛ 10: 8، 9، 15-17).

لكن، إن كان – من جانب يوحنا – حدث الخوف والفزع، فمن جانب المسيح أتت تلك الإعلانات السامية عن شخصه، مستخدمًا التعبيرات الخاصة بالله دون سواه. فمن سوى الله يمكن أن يكون «الأول والآخر، البداية والنهاية، الألف والياء». هذا التعبير لا يرد في كل الكتاب سوى في نبوة إشعياء، ويرد فيها ثلاث مرات (في ص41: 4؛ 44: 6؛ 48: 12) كلها عن الرب (يهوه) مما يدل على أن هذا التعبير إلهي. فالله هو وحده – كما عبَّر إشعياء في الآية الأولى (41: 4) الذي يقف خارج التاريخ، خارج تاريخ الفداء (إشعياء 44: 6)، وخارج تاريخ الخليقة (إشعياء48: 12). إن الزمان ضيف عليه! هو الأول ولا شيء قبله. هو علة كل شيء وليس له علة. ثم إنه هو الآخر، وليس بعده شيء، هو المآل لكل خليقته. وعندما يكرر الوحي هذا الفكر ثلاث مرات: الأول والآخر، البداية والنهاية، الألف والياء، فإن هذا لا يمكن أن ينطبق إلا على الله وحده.

لقد قيل أيضًا عن المسيح بحسب كولوسي 1: 17 «إنه قبل كل شي، وفيه يقوم الكل». كل شيء يستمد الأصل منه، وكل شيء يستمد الوجود منه. وإليه يؤول كل شيء. إنه الأول في كل مجال، وهو الآخر لكل مدى. هو يحتوي الكل، وخارجه لا يوجد سوى العدم. إنه تعبير يدل على الأولوية الكاملة والتفوق المطلق.

وعليه فإنه في ضوء الإعلان الصريح عن الله باعتباره ”الأول والآخر“، وعن المسيح باعتباره ”الأول والآخر“، يتضح على الفور أن المسيح قال عن نفسه صراحة أنه هو الله.

من جهة الزمان هو الأول، ومن جهة الأبدية هو الآخر. بكلمات أخرى هو أزلي أبدي. أو بكلمات أخرى هو الكائن بذاته والواجب الوجود.

 

15- قال المسيح إنه هو الحي إلى أبد الآبدين.

قال المسيح عن نفسه ليوحنا في جزيرة بطمس إنه

«الحي. وكنت ميتًا، وها أنا حي إلى أبد الآبدين» (رؤيا1: 18)

في الآية السابقة كان الرب قد قال ليوحنا: «أنا هو الأول والآخر». والآن يضيف له أنا ”الحي“، وأيضا ”أنا حي إلى أبد الآبدين“. فالله يسمى في الكتاب المقدس بأنه الحي. بينما الكل عداه أموات. قال اليهود للمسيح عن إبراهيم وعن باقي الأنبياء: «ألعلك أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات، والأنبياء ماتوا جميعًا». نعم كل الأنبياء ماتوا لأنهم بشر، أما الله فلا يموت. وهنا يقول المسيح عن نفسه إنه هو الحي. بل هو الذي قيل عنه: «فيه كانت الحياة» (يوحنا1: 4).

ويرد التعبير ”الله الحي“ في الكتاب المقدس 28 مرة. 14 مرة في العهد القديم و14 مرة في العهد الجديد، منها ست مرات في سفر الرؤيا (1: 18؛ 4: 9، 10؛ 5: 14؛ 10: 6؛ 15: 7). ويقول الكتاب المقدس عن الله إنه «وحده له عدم الموت». لكن ها إنسان مات، ولكنه قام أيضًا، لأنه بلغة الرسول بطرس هو ”رئيس الحياة“ (أعمال3: 15). وعندما مات لم يمت لأن هذا كان حقًا عليه كما على كل إنسان، بل كان موته اختياريًا، كما كان موتًا كفاريًا عن الجنس البشري كله. وهذا الشخص يقول عن نفسه إنه «حي إلى أبد الآبدين». وتعبير ”أبد ألابدين“ كما ورد في اللغة اليونانية، هو أقوى تعبير في اللغة للدلالة على عدم نهاية الزمن. فكيف يكون هذا؟ أ ليس ببساطة لأنه ليس مجرد إنسان، بل هو الله وإنسان في آن واحد معًا؟

 

16- قال المسيح إن له مفاتيح الموت والهاوية

ففي الآية السابقة استطرد المسيح متحدثًا إلى يوحنا فقال له:

«ولي مفاتيح الهاوية والموت» (رؤيا1: 18).

يستطرد المسيح مع يوحنا في جزيرة بطمس، بعد كلامع السابق له، قائلاً: «ولي مفاتيح الهاوية والموت». وهذا التعبير يدل على أن المسيح هو المهيمن المطلق على أجساد وأنفس الجميع. السلطان الذي كان الشيطان به يرعب الإنسان، بسبب خطيته، ولكن ها قد أتى الفادي الذي أمكنه أن يعتق الإنسان من تلك العبودية القاسية.

ونحن نتساءل من ذا الذي يملك مفاتيح الحياة والموت؟ أ ليس هو بعينه الذي قال عن نفسه: «دفع إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض» (متى28: 18). وإن لم يكن صاحب هذا السطان هو الله، فمن يكون؟

 

17- قال المسيح أنا فاحص القلوب

فهو قال لملاك كنيسة ثياتيرا: «فستعرف جميع الكنائس أني أنا هو الفاحص الكلى والقلوب، وسأعطي كل واحد منكم بحسب أعماله» (رؤيا2: 23).

يقال هذا التعبر عن الرب يهوه أكثر من مرة في نبوة إرميا. فلقد قال: «القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس من يعرفه؟» ويجيب: «أنا الرب فاحص القلوب ومختبر الكلى» (إرميا17: 10 انظر أيضا ص11: 20؛ 20: 12)، بمعنى أنه لا يوجد من يعرف قلوب البشر إلا الله. وهو عين ما قاله سليمان الحكيم: «لأنك أنت وحدك عرفت أفكار جميع بني البشر» (1ملوك8: 39). ولا يوجد مطلقًا من يعلم ما في صدور الناس سوى الله «لأنه هو يعرف خفيات القلب» (مزمور44: 21). هذا مجد يخص الرب (يهوه) وحده دون سواه.

لكن المسيح هنا يقول إنه هو «فاحص الكلى والقلوب»، بمعنى إنه يعرف الأفكار والنيات، ويعلم أعماق الإنسان. يدرك الدوافع والأفكار، ويفحص العواطف الداخلية والرغبات في الأعماق. بكلمات أخرى هو الكلي العلم. كيف لا وهو الديان!

فعندما يؤكد المسيح إنه يعرف قلوب البشر جميعًا، مستخدما العبارة عينها التي استخدمها الرب يهوه عن نفسه في نبوة إرميا، أ فلا يكون المسيح بهذا قد قال عن نفسه إنه هو الله؟

 

18- قال المسيح إنه أصل داود (أي خالقه)

فلقد قال ليوحنا الرائي في ختام سفر الرؤيا:

«أنا أصل وذرية داود، كوكب الصبح المنير» (رؤيا22: 16).

والمقطع الأول من الآية السابقة ليس أحجية، بل إنه إجابة عن أحجية المسيح التي قالها كآخر سؤال وجهه لليهود قبل أن ينطق عليهم بمرثاته. عندما سألهم «ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ فقالوا ابن داود. فقال لهم يسوع: فكيف يدعوه داود بالروح ربًا قائلا: قال الرب لربي حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك؟ فإن كان هو ابنه فكيف يكون ربه؟» (متى22: 43-45).

لم يستطع الفريسيون واليهود الإجابة عن سؤال المسيح السابق. لكن اللغز الذي ورد في متى 22، نجد الإجابة عنه في رؤيا 22. فالمسيح كما أعلن هنا عن نفسه: ”أصل وذرية داود“. بلاهوته هو أصل داود أي هو خالقه، وبناسوته هو ذرية داود، لأنه ولد من مريم بنت داود.

هذه الآية تشبه كثيرا ما قاله النبي إشعياء عن المسيح: «ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت فرع من أصوله.. في ذلك اليوم يكون أصل يسى راية للشعوب» (إشعياء 11: 1، 10). فالمسيح هو قضيب من جذع يسى بمقتضى ناسوته، وهو أصل يسى بمقتضى لاهوته. كما تشبه ما ورد عن المسيح في رومية 9: 5 فلقد قال الرسول عن المسيح: «منهم المسيح حسب الجسد (أي إنه من الشعب اليهودي، ولكنه أضاف في الحال القول) الكائن على الكل إلها مباركا إلى الأبد (أو بتعبير أكثر دقة ”الله المبارك إلى الأبد“)»

أين قال المسيح أنا الله أعبدوني؟ – دليل شامل مبسط

(3) ماذا قالت أعمال المسيح؟

«صدقوني.. وإلا فصدقوني بسبب الأعمال نفسها» (يوحنا 10: 37و38).

رأينا في الفصلين السابقين أن المسيح قال مرات عديدة ما يفيد أنه الله الظاهر في الجسد. وسنرى في هذا الفصل أنه لم يقل ذلك فقط، بل قدم أيضًا الدليل الساطع والبرهان القاطع عليه. ونحن نعرف أن الأفعال لها صوت أعلى من الأقوال، فما أسهل أن يدعي شخص بأنه إله، أو أنه رسول من عند الله ، أو أنه أحد أنبيائه. لقد تقابلت أنا شخصيًا مع أشخاص فقدوا قواهم العقلية فادعوا مثل هذه الادعاءات. لكن المسيح – له كل المجد – كما قال بأساليب مختلفة إنه الله، فقد برهن على ذلك أيضًا بما لا يحصى من أعمال.

في ختام حياته مع التلاميذ وهو يحدثهم حديث الوداع في العلية، قال له المجد للتلاميذ: «لو لم أكن قد جئت وكلمتهم (يقصد اليهود) لم تكن لهم خطية، وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم. لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالاً لم يعملها أحد غيري لم تكن لهم خطية، وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي» (يوحنا15: 22-24). والمقصود بعبارة ”خطيتهم“ هو خطية رفضه، وعدم الإيمان به أنه هو الله الذي ظهر في الجسد، وأنه المسيا.

والآن، دعنا نمر على ثمانية أنواع من المعجزات التي عملها المسيح له المجد كعينات:

1- تطهير الأبرص:

لقد اخترت هذه المعجزة لأتحدث عنها في البداية، لأنها كانت أول معجزة مسجلة للمسيح في البشائر الأربع. وهي معجزة عظيمة في نظر اليهود الذين عملت المعجزة بينهم، والذين كتب متى البشير إنجيله إليهم، وذلك لجملة أسباب:

أولاً: لأن مرض البرص هو مرض بشع للغاية، يجعل صاحبه كالميت الذي أكل لحمه (عدد12: 12). وهذا يعطينا فكرة عن مقدار بشاعة هذا المرض.

ثانيًا: كان هذا المرض – بحسب شريعة موسى – يعتبر نجاسة، تحرم صاحبها ليس فقط من ممارسة العبادة في هيكل الله، بل حتى من الاختلاط مع شعب الله، فكان يتم عزله خارج أماكن إقامة الشعب. وعن هذا المرض اللعين أفرد الناموس أصحاحين كاملين لشرحه وشرح كيفية التعامل مع المصابين به (لاويين 13؛ 14).

ثالثًا: إنه كان يستحيل الشفاء من هذا المرض. ولهذا فإنه عندما أرسل ملك أرام إلى ملك إسرائيل رئيسَ جيشه نعمان السرياني ليشفيه من برصه، مزق الملك ثيابه، وقال: «هل أنا الله لكي أميت وأحيي، حتى أن هذا يرسل إليَّ أن أشفي رجلاً من برصه؟» (2ملوك5: 7). مما يوضح لنا نظرة الناس إلى خطورة هذا المرض، واستحالة الشفاء منه.

لكن المسيح في هذه المعجزة بلمسة واحدة مصحوبة بأمر منه، طهَّر الأبرص!

نلاحظ أن الرب يسوع لم يكن دائمًا يلمس من يقوم بشفائهم، فكثيرًا ما اكتفى بالكلمة وحدها، لكنه في حالتنا هذه لمس الأبرص. ولقد كان – بحسب الشريعة – من يلمس الأبرص يتنجس، لكننا هنا نرى شخصًا يلمس الأبرص فلا يتنجس هو، بل الأبرص هو الذي يطُهر. فمن يكون هذا الشخص العجيب؟

وعندما أتي ذلك الأبرص فقد قال للمسيح: «يا سيد: إن أردت تقدر أن تطهرني»، فقال له يسوع: «أريد فاطهر». لاحظ أن المسيح لم يقل له: ”كل شيء بإذن الله“، بل قال: ”أريد“. ونقرأ: ”ففي الحال طهر برصه“!

ترى من الذي له سلطان أن يقول ”أريد“. ولا يقولها فقط، بل يفعل أيضًا. حقًا لقد أثبت المسيح بهذا أنه هو الله الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته» (أفسس1: 11).

والمسيح هنا نراه بحنانه يلمس الأبرص المنبوذ، وبقوته يطهره من برصه. مجدًا له فإنه صاحب أرق قلب، وأقوى ذراع!

2- شفاء المرضى:

لقد قام بعض الأنبياء والرسل بعمل معجزات شفاء، لكنهم عملوا تلك المعجزات بقوة استمدوها من الله عن طريق الصلاة، أو بسلطان أخذوه من الرب يسوع المسيح نفسه، أما المسيح – بخلاف كل من سبقه وكل من لحقه – فعل تلك المعجزات بقوته هو وسلطانه الشخصي. وليس ذلك فقط بل إنه أعطى هذا السلطان لآخرين (متى 10: 5-8). وواضح أن من يعطي السلطان لغيره، يملك هو شخصيًا هذا السلطان.

ثم لاحظ أنه لم تكن هناك أنواع من الأمراض متخصص فيها الرب يسوع، بل يقول عنه متى البشير إنه «كان يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب .. فأحضروا إليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة والمجانين والمصروعين والمفلوجين فشفاهم» (متى 4: 23و24). ومرة ثانية يقول: «وكان يسوع يطوف المدن كلها والقرى يعلم في مجامعهم… ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب» (متى9: 35). ارجع أيضًا إلى متى 14: 35و36؛ 15: 30و31؛ مرقس1: 32-34؛ 3: 10؛ 6: 55و56؛ لوقا4: 40؛ 6: 19

وأما كيف كان الرب يشفي المرضى، فإن المسيح أحيانًا كان يشفي بكلمة، مجرد كلمة يقولها، وكانت كلمته تحمل معها السلطان، فيهرب المرض من المريض الذي أمامه. ومرات كان المسيح يشفي بكلمة، لكن من على بعد، دون أن يقابل المريض شخصيًا، لكن كلمته وأمره كانا يحملان معهما السلطان؛ وأحيانًا كان الذين يلمسونه ينالون الشفاء.

لقد شفى المسيح بكلمة. فهو مثلاً قال للمفلوج الذي قُدِم إليه يحمله أربعة: «قم واحمل سريرك، واذهب إلى بيتك. فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل» (مرقس2: 11، 12). ولمريض بركة بيت حسدا الذي ظل مقعدًا لمدة ثماني وثلاثين سنة، يرجو الحصول على الشفاء عن طريق نزوله في البركة متى تحرك الماء، كلمة واحدة من فم المسيح جعلت ذلك الرجل صاحب أقدم مرض، يحمل سريره ويمشي» (يوحنا5: 5-9). ولحماة بطرس نقرأ أنه انتهر الحمى فتركتها، بل نقرأ إنها في الحال قامت وصارت تخدمهم (لوقا4: 38، 39). ومع الرجل ذي اليد اليابسة قال المسيح له مد يدك فعادت صحيحة كالأخرى (متى12: 13).

في هذا يقف المسيح في موقف المباينة مع كل رجال الله والأنبياء، ففي العهد القديم نقرأ عن ملك يبس الله يده، ردعًا له عن شره، هو الملك يربعام، الذي مد يده ليمسك رجل الله الذي تنبأ ضده في ذلك اليوم. لقد يبست يده في الحال، ولم يستطيع أن يردها. ولما تضرع رجل الله إلى وجه الرب من أجل الملك، رجعت يد الملك إليه، وكانت كما في الأول (1مل 13). أما الرب يسوع فعندما شفي الرجل ذا اليد اليابسة، لم يكن محتاجًا إلى أن يتضرع إلى وجه الرب، لأنه هو الرب. ففارق كبير بين ”رجل الله“ الذي يعمل معجزة، وبين الله نفسه الذي تنازل وقَبِلَ أن يصير رجلاً. وأما بالنسبة للحُمى التي شفى حماة بطرس منها، فمعروف اليوم أن العلاج من الحمى، برغم تقدم الطب الهائل، يحتاج علاج يستمر لأيام كثيرة، فيها تبدأ الحمى في الاختفاء بالتدريج تاركة المريض منهكًا. أما المسيح فلا يلزمه سوى أن يأمر، فتهرب الحمى هروبًا من أمام وجهه! قال النبي عن الرب: «قدامه ذهب الوبأ، وعند رجليه خرجت الحمى» (حبقوق 3: 5).

وبالنسبة لمريض بركة بيت حسدا، فنحن نتذكر ما عمل الله في الخليقة الأولى، عندما «قال ليكن نور فكان نور» (تكوين 1: 3). ويقول المرنم: «قال فكان، هو أمر فصار» (مزمور33: 9). هكذا المسيح هنا، كلمة واحدة حملت معها القوة للمريض، فقام طاعة لكلمات المسيح (يوحنا5: 8، 9). إنه الرب الذي قال عنه المرنم: «أرسل كلمته فشفاهم» (مزمور107: 20).

ومرات كان المسيح يشفي بكلمة، ولكن من على بعد، فمرة أتى قائد مئة إلى يسوع يطلب إليه من أجل غلامه المفلوج، ولما قال المسيح: «أنا آتي وأشفيه. فأجاب قائد المئة وقال: يا سيد لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي». ولقد تعجب يسوع من إيمان ذلك القائد، لأنه كان أمميًا، وقال له: «اذهب، وكما آمنت ليكن لك، فبرأ غلامه في تلك الساعة» (متى 8: 5-13). ومرة ثانية مع ضابط من الحرس الملكي في كفرناحوم، أتى إلى يسوع وهو في قانا الجليل وطلب إليه أن ينزل معه، ليشفي ابنه قبل أن يموت، لأنه كان مصابًا بحمى شديدة، «قال له يسوع: اذهب، ابنك حي» (يوحنا5: 46-54). إن قانا الجليل حيث التقى الرب ذلك الضابط، تبعد عن كفر ناحوم نحو أربعين كيلو مترًا. لكن الأمر لم يستلزم أكثر من قول الرب «اذهب، ابنك حي»!

يفتخر الإنسان اليوم في القرن الواحد والعشرين بقدرته على التحكم من بعد. فمن الأرض يمكنه أن يصلح الأعطال التي تحدث في الأقمار الصناعية ومركبات الفضاء. لكن إن كان الإنسان يقدر أن يصحح من بُعد أخطاء في أشياء صنعها، فإن الله يستطيع أن يشفي من بُعد أمراضًا في أشخاص خلقهم. هذا ما عمله الرب يسوع في معجزة شفاء ابن خادم الملك في كفرناحوم، وشفاء غلام قائد الئة في كفرناحوم أيضًا. لقد شفى المرض المستعصي من بُعد، وأقام المشرف على الموت بكلمة قدرته. يا لروعة المعجزة!! وما ذلك إلا لأنه بلاهوته يملأ كل مكان.

ونحن نتذكر كيف في بداية المسيحية كان ظل بطرس يشفي المرضى. فبمجرد أن يخيم ولو ظله على أحد المرضى كان يبرأ في الحال (أعمال5: 15). وأما بولس فقد صنع الله على يده قوات غير المعتادة، حتى إنه كان يُؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى فتزول عنهم الأمراض (أعمال19: 11و12). لكن رب بطرس وبولس لم يكن بحاجة لا إلى أن يخيم بظله، ولا أن يؤتى عن جسده بمناديل. بل إن كلمة تخرج من فمه، وهو في مكانه، كانت تحمل معها الأمر، وهذا يكفي!

ومرات كان المسيح يشفي بدون كلمة يقولها هو، ولا كلمة يقولها المريض، كل ما في المسألة أن يأتي المريض ويلمس هدب ثوب المسيح فينال المريض الشفاء في الحال. ويخبرنا الوحي عن امرأة نازفة دم منذ اثنتي عشرة سنة، تألمت كثيرًا من أطباء كثيرين، وأنفقت كل ما عندها، ولم تنتفع شيئًا بل صارت إلى حال أردأ. ما أن سمعت عن يسوع حتى أتت إليه لأنها قالت إن مسست ولو هدب ثوبه شفيت، وقد كان. ولقد صارت هذه المرأة رائدة، اقتدى بها الكثيرون. ففي مرقس 5: 28 يذكر لنا لمسة هذه المرأة للمسيح وشفائها، وفي مرقس 6: 56 يذكر كيف أن مرضى كثيرين طلبوا أن يلمسوا ولو هدب ثوبه، وكل من لمسه شفي!

وبالنسبة للمرأة نازفة الدم تذكر البشائر أن الرب توقف ليسأل هذا السؤال، الذي بدا على المسامع غريبًا: ”من لمسني؟“. قال له تلاميذه أنت ترى الجمع يزحمك، وتقول من لمسني؟ لكن الرب أصر على أن يرى الذي فعل ذلك. وكان له في هذا حكمة، فلقد أراد الرب أن تذهب هذه المرأة نازفة الدم إلى بيتها، ليست متمتعة بالشفاء الجسدي فقط، بل بما هو أفضل وأهم، ببركة السلام لنفسها وروحها، فما أن اعترفت أمامه بالحق كله، حتى قال لها: «اذهبي بسلام». لقد خرجت من بيتها مريضة وها هي تعود إلى البيت صحيحة؛ وجاءت إلى الرب «وهي خائفة ومرتعدة» وها هو يقول لها «اذهبي بسلام»!

فإيمان هذه المرأة شفاها، ولكن كلمة الرب ملأت قلبها بالثقة.

وبالإضافة إلى ذلك أراد الرب أن يعلمنا درسًا هامًا، وهو أنه العليم بكل شيء. فلا شيء يمكن أن يختفي عنه على الإطلاق، ولا حتى لمسات أصابعنا! وذاك الذي رأى إيمان هذه المرأة وانتعش به، أ لم يكن يرى أيضًا عدم إيمان الجموع؟!

قارئي العزيز إنه أيضا يراك ويعرفك، فهل لديك إيمان؟ «إيمان مختاري الله»؟ (تيطس 1: 1). مكتوب: «ولكن بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه (أي إرضاء الله). لأنه يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه» (عبرانيين 11: 6).

3- فتح أعين العميان:

هذه الآية لم يقم بعمل نظيرها نبي من قبل المسيح، ولا رسول من بعده. وكان معروفًا بين معلمي اليهود أن آية تفتيح أعين العميان تخص المسيح وحده دون سواه، بحيث أن من يفتح أعين العميان يكون بالتأكيد هو المسيح منتَظَر الأمة. ولهذا فلما أرسل يوحنا المعمدان اثنين من تلاميذه إلى الرب ليسأله: «أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟» فإن المسيح في إجابته على المعمدان، أشار على رأس ما أشار، إلى معجزات تفتيح أعين العميان قائلاً: «إذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران. العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتي يقومون، والمساكين يبشرون. وطوبى لمن لا يعثر فيَّ» (متى 11: 4، 5).

لكن هذه المعجزة العظيمة، تفتيح أعين العميان، ليست دليلاً على مسياوية يسوع فقط، بل على لاهوته أيضًا. ففي العهد القديم ينسب تفتيح العميان إلى الرب وإلى الله، فنقرأ قول المرنم: «الرب يفتح أعين العميان» (مزمور 146: 8)، كما يقول النبي: «هوذا إلهكم .. هو يأتي ويخلصكم، حينئذ تتفقح عيون العمي» (إشعياء35: 4، 5). وكلمة ”تتفقح“ تعني إنها تتفتح على اتساعها، وتبصر بكل وضوح.

ولهذا فآية تفتيح أعين العميان برهنت لكل ذي بصيرة داخلية أن يسوع هو المسيح، وأنه هو الرب الإله.

ولقد ذكرت البشائر الأربع قيام المسيح بإعطاء نعمة البصر لسبعة أشخاص مذكورين بالتفصيل، هم بترتيب ذكرهم في الكتاب: الأعميان اللذان شفاهما المسيح في بداية خدمته (متى 9: 27-31)؛ ثم أعمى آخر مذكور في متى 12: 22، وكانت حالته بؤسًا مركبًا، إذ كان أعمى وأخرس ومجنونًا؛ ثم أعميان شفاهما الرب بقرب أريحا، في نهاية خدمته تقريبًا (متى 20: 29-34)، والسادس هو الأعمى الذي من بيت صيدا والذي ذكر في مرقس 8: 22-26، والسابع هو رجل أعمى منذ ولادته، مذكورة قصته في يوحنا9

والعين من أعقد أعضاء جسم الإنسان. فالشبكية مثلا وهي تقع في مؤخر العين، مع أنها في سُمك الورقة العادية، لكنها مليئة بملايين المخاريط والنبابيت التي تعمل على تميز الضوء والألوان. فتحتوي العين على نحو 125 مليون عصًا، وهي تتأثر بالضوء الخافت، كما تحتوي على نحو 6 مليون مخروط من أنواع ثلاثة تستجيب للألوان الرئيسية: الأزرق والأخضر والأحمر. ثم توجد القزحية، وفي منتصفها يوجد ثقب هو ”البؤبؤ“، أو ”إنسان العين“ أو ”الحدقة“. وهي عضلة ملونة تتحكم في هذا الثقب، فتضيقه وتوسعه حسب كمية الضوء المعرض له العين.

وخلف البؤبؤ توجد العدسة، وهذه ليست مثل عدسات النظارات أو الكاميرات ثابتة، بل إن الله الخالق العظيم جعلها متغيرة الشكل لتساعد العين على التركيز، حسب بعد الغرض أو قربه. فتتحكم بكل عين ست عضلات، وتمكن العين من أن تتحرك في أي اتجاه تقريبًا. لكن العينين تتحركان معًا، وهما مزودان بأسرع عضلات في جسم الإنسان.

ثم العصب البصري، وهو يحول طاقة الضوء إلى نبضات عصبية، من ثم ينقل تلك النبضات من العين إلى الدماغ ليترجمها المخ.

أمام هذا الإعجاز الإلهي، كيف يمكن لمجرد إنسان أن يخلق عيونًا لشخص ولد أعمى؟ لقد قال الرجل الذي كان أعمى فأبصر عن المسيح: «لو لم يكن هذا من الله، لما قدر أن يعمل شيئًا». لكن الحقيقة أن يسوع ليس فقط ”من الله“، بل إنه هو الله. ولذلك فعندما ثارت الدنيا على الرجل الذي نال الشفاء، ووصل الأمر إلى طرده خارج المجمع، التقاه المسيح، وسأله هذا السؤال المصيري الهام: «أ تؤمن بابن الله؟ قال له الرجل: من هو يا سيد لأومن به. أجابه يسوع: قد رأيته، والذي يتكلم معك هو هو. قال له الأعمى: أؤمن يا سيد. وسجد له».

أيها القارئ العزيز؟ أ تؤمن بابن الله؟

ليتك تقول نعم، وليتك تسجد له!

4- إسكات عاصفة البحر:

لقد عمل المسيح خمس معجزات بالارتباط بالبحر ذُكرت بالتفصيل في البشائر الأربع، ، وهي كالآتي:

إسكات عاصفة البحر عندما كان المسيح مع تلاميذه في السفينة، وكان هو في مؤخر السفينة نائمًا، ومرة أخرى أسكت المسيح العاصفة حين مشى فوق البحر الهائج، كما سنرى في الفقرة التالية، وثلاث معجزات أخرى عملها المسيح بالارتباط بصيد السمك (لوقا5: 4-9؛ متى17: 27؛ يوحنا21: 3-7). فالبحر خاضع له، وأيضًا سمك البحر السالك في سبل المياه (مزمور8: 8).

دعنا الآن نركز الفكر في معجزة إسكات عاصفة البحر الأولى، والتي بها أظهر المسيح سلطانه على قوى الطبيعة.

ولقد وردت معجزة إسكات المسيح للعاصفة في الأناجيل الثلاث المتماثلة (متى8: 23-27، مرقس4: 35-41، لوقا8: 22-25). وكان المسيح قد قال لتلاميذه لنجتز إلى العبر. ثم دخلوا السفينة معًا، وأما هو فإذ كان متعبًا فقد خلد للنوم على وسادة في مؤخر السفينة. ويبدو أنه في أثناء نومه، أراد الشيطان ”رئيس سلطان الهواء“ أن يهز إيمان التلاميذ، فأهاج ريحًا عاصفة شديدة، ضربت السفينة، وبدأت المياه تدخل إليها، وصاروا في خطر.

ولقد كان معظم التلاميذ صيادين مهرة، لهم خبرة كبيرة في البحر، وبلا شك حاولوا بكل مهارتهم مواجهة العاصفة، دون أن يُقلقوا معلمهم. لكن انطبقت عليهم كلمات المزمور أمام الريح العاصفة، والأمواج المتلاطمة: «يصعدون إلى السماوات، يهبطون إلى الهاوية، ذابت أنفسهم بالشقاء. يتمايلون ويترنحون مثل السكران، وكل حكمتهم ابتلعت» (مزمور107: 26، 27). فماذا يفعلون؟

الأمر الطبيعي في مثل هذه لأحوال هو الصراخ إلى الله. ويستطرد المرنم في المزمور قائلاً: «فيصرخون إلى الرب في ضيقهم، ومن شدائدهم يخلصهم. يهدي العاصفة فتسكن وتسكت أمواجها» (مزمور107: 28، 29). على أن التلاميذ التجأوا إلى يسوع الذي كان نائمًا في سفينتهم، فهل أمكنه أن يخلصهم من شدائدهم؟

الإجابة العظيمة هي نعم. واستمع إلى كلام البشير: «ثم قام، وانتهر الرياح والبحر، فصار هدوء عظيم» (متى8: 26)!

ما أعجب هذا! الرياح سكنت، والأمواج وقفت، والجو صفا، والماء صار كصفحة الزجاج. ومع أن العاصفة عادة تتوقف تدريجيًا، لكن ما حدث هنا كان خلافًا لهذا ، فكلمته حملت معها الهدوء التام للعاصفة!

من ذا الذي له سلطان على الريح؟! لقد كان هذا السؤال «من جمع الريح في حفنتيه؟» (أمثال30: 4)، إحدى الأحاجي التي ذكرها أجور بن متقية مسا، لا إجابة عنها سوى «الله».

والبحر .. من يتحكم فيه؟ إن أحجية أجور تستطرد قائلة: «من صر المياه في ثوب؟». والله وهو يحاج أيوب مظهرًا له ضعفه التام إزاء قدرة الله المطلقة، قال له: «من حجز البحر بمصاريع، حين اندفق .. جزمت عليه حدي وأقمت له مغاليق ومصاريع، وقلت إلى هنا تأتي ولا تتعدى، وهنا تتُخم كبرياء لججك» (أيوب38: 8-11).

ليس عجيبًا إذًا أن سيدنا يدعى اسمه ”عجيبًا“؛ فذاك الذي قبلَ لحظات كان نائمًا من الإعياء، قام وانتهر قوى الطبيعة الثائرة! وهو إن كان قد ذكر قبل تلك المعجزة مباشرة أنه ”ليس له أين يسند رأسه“ (متى8: 20)، لكن دعنا لا ننسى أنه هو المتسلط على كبرياء البحر، الرب يهوه. إنها واحدة من المشاهد التي تظهر لنا بوضوح الطبيعتين في الشخص الواحد يسوع المسيح: الطبيعة اللاهوتية، والطبيعة البشرية.

دعنا نتوقف عند توبيخ المسيح لتلاميذه، ليس لأنهم أقلقوه في نومه، بل لأنهم هم أنفسهم قلقوا. لقد قال لهم: «ما بالكم خائفين هكذا يا قليلي الإيمان؟». والسؤال الذي يفرض نفسه: أ لم يكن من الواجب عليهم أن يوقظوه لأنهم صاروا بالفعل في خطر؟ الإجابة: إنه كان قد أمر بالذهاب إلى العبر. وكأنه يقول لهم: ”طالما أني قلت ذلك، فلا بد أنكم ستصلون إلى العبر كما قلت لكم. مهما حدث في البحر“!

«فتعجب الناس قائلين أي إنسان هذا! فإن الرياح والبحر جميعًا تطيعه» (متى 8: 27). والدلالة التي لا مفر منها لهذه المعجزة العظيمة إن المسيح ليس شخصًا عاديًا، ولا حتى مجرد نبي. ولذلك كان تعجب التلاميذ من عمله هذا. سبق لتلاميذه أن رأوا سلطانه على المرض، وبكلمة من فمه أو لمسة من يده كان المرض يهرب من أمامه. لكن من ذا الذي له سلطان على البحر وعلى الريح؟ من الذي يكلم قوى الطبيعة قائلاً: اسكت ابكم، فيصير هدوء عظيم!

هناك آيات كثيرة في العهد القديم تعرفنا أكثر بحقيقة شخص ربنا يسوع المسيح، كما نراه في هذه المعجزة، فيقول المرنم عن الرب: «يجمع كند أمواج اليم، ويجعل اللجج في أهراء» (مزمور33: 7)، ويقول أيضًا: «يا رب إله الجنود من مثلك، قويٌ ربٌ وحقك من حولك. أنت متسلط على كبرياء البحر، عند ارتفاع لججه أنت تسكنها» (مزمور89: 8، 9). وأيضًا «من أصوات مياه كثيرة، من غمار أمواج البحر، الرب في العلى أقدر» (مزمور93: 4). والمسيح حين صار إنسانًا، لم يكف عن كونه الله، ولا تخلى عن أية صفة من صفات اللاهوت، فكان هو كلي العلم وكلي القدرة ومعجزاته تظهر لنا ذلك.

5- المشي فوق الماء:

هذه المعجزة حدثت أيضًا بالارتباط بالبحر، وتمت بعد معجزة إشباع الجموع بالأرغفة الخمسة والسمكتين. وهناك فارق هام بين هذه المعجزة والمعجزة السابقة، فعندما هبت العاصفة عليهم هذه المرة لم يكن المسيح معهم، بل هبت العاصفة عليهم في أثناء الليل، وهم وحدهم بدون رفقته لهم.

لكن المسيح لم يترك تلاميذه في هذه التجربة الصعبة، بل نقرأ «وفي الهزيع الرابع من الليل مضى إليهم يسوع ماشيًا على البحر».

ونحن في هذه الحادثة نجد أربع معجزات للمسيح، وهذه أولها، إذ سار المسيح فوق الماء!

يخبرنا الكتاب المقدس أن موسى شق البحر الأحمر، فعبر بنو إسرائيل في وسط اليابسة! كما يخبرنا أن يشوع شق نهر الأردن، فعبر الشعب النهر أيضًا إلى كنعان، وكل من إيليا وأليشع أيضًا شقا نهر الأردن وعبرا في اليابس. أما المسيح فلم يجفف بحيرة طبرية، لكي يصل إلى تلاميذه، بل مشى فوق أمواجها العاتية!

يقال إن الرمز الهيروغليفي لكلمة ”مستحيل“ هو رسم لأقدام تسير فوق الماء. لكن هذا المستحيل عند قدماء المصريين ليس مستحيلاً على الرب، الذي قال لإبراهيم قديمًا: «هل يستحيل على الرب شيء؟» (تكوين18: 14).

في هذا قال أيوب عن الرب: «الباسط السماوات وحده، الماشي على أعالي البحر» (أيوب9: 8). وقال المرنم عنه: «الجاعل السحاب مركبته، الماشي على أجنحة الريح» (مزمور104: 3).

وعن باقي المعجزات المتضمنة في هذه المعجزة المركبة فهو أن بطرسا طلب من المسيح أن يأمره ليأتي إليه سائرًا على الماء، فقال له الرب تعال. وسار بطرس فعلاً فوق الماء بأمر المسيح. هذه هي المعجزة الثانية.

والمعجزة الثالثة أنهما، أي الرب يسوع وبطرس «لما دخلا السفينة سكنت الريح» (ع32).

والمعجزة الرابعة مذكورة في يوحنا 6: 21 إذ بمجرد دخولهما السفينة صارت السفينة إلى الأرض التي كانوا ذاهبين إليها.

ليس سوى المسيح الذي أمكنه أن يعمل هذه المعجزات الأربع، وكلها تؤكد أنه لا يمكن أن يكون مجرد إنسان، إذ تذكرنا بكلمات المرنم: «النازلون إلى البحر في السفن، العاملون عملاً في المياه الكثيرة.. يصرخون إلى الرب في ضيقهم ومن شدائدهم يخلصهم. يهدي العاصفة فتسكن وتسكت أمواجها. فيفرحون لأنهم هدأوا، فيهديهم إلى المرفأ الذي يريدونه» (مزمور107: 23-30).

6- إخراجه للشياطين.

الشيطان هو عدو البشرية الأول، فهو الذي أسقط الإنسان في الجنة، وهو الذي ما زال يلاحقه خارج الجنة ليمنعه من التوبة والرجوع إلى الله. بل إن الشيطان يجد لذة خاصة في إهانة الإنسان وإذلاله. والمشكلة أنه لا يوجد في كل الكون من هو أقوى من الشيطان إلا الله، ولذلك فمن ذا الذي يقدر أن يخلص البشرية من عبوديته وإيذائه للبشر؟ لقد جاء ابن الله لينقض أعمال إبليس (1يوحنا3: 8)، وباعتباره الأقوى من هذا القوي فقد أمكنه أن يدخل بيته، وأن يربطه، ثم أخذ ينهب أمتعته (لوقا11: 21، 22).

ولذلك فقد كانت نصرة المسيح على الشيطان وتخليصه لأولئك الذين كانوا له عبيدًا، دليلاً على أنه الأقوى من هذا القوي، وبالتالي كانت دليلاً على أنه هو الله

والجدير بالذكر أن المسيح ليس فقط خلص البشر من الشياطين بسلطانه الشخصي، بل قد أعطى هذا السلطان لرسله الاثني عشر (متى10: 8)، ثم للرسل السبعين (لوقا10: 17)، ومرة ثانية للرسل بعد قيامته من الأموات (مرقس16: 17). وكون المسيح أعطى تلاميذ السلطان على إخراج الشياطين، فهذا معناه أن يملك هذا السلطان بصورة أصيلة.

ولقد ذكرت لنا الأناجيل سبع معجزات لإخراج الشياطين، فيها أظهر المسيح تفوقه على الشياطين. والرقم 7 هو رقم الكمال، وهذه المعجزات هي:

شفاء أخرس مجنون (متى9: 32-34)، ثم شفاء المجنون الأعمى والأخرس (متى12: 22-30، مرقس3: 22-27، لوقا11: 14-23)؛ ثالثًا: شفاء الذي به الروح النجس في المجمع (مرقس1: 21-28، لوقا4: 31-37)، ورابعًا: شفاء مجنون بلدة الجدريين (متى8: 28-34، مرقس5: 1-20، لوقا8: 26-29) ؛ وخامسًا: شفاء المرأة المنحنية (أو الحدباء) (لوقا13: 10-17) ؛ وسادسًا: شفاء ابنة المرأة الكنعانية (متى15: 21-28، مرقس7: 24-30)؛ وسابعًا: شفاء الولد المصروع (متى17: 14-21، مرقس9: 14-29، لوقا9: 37-43).

لقد كان المعزمون يحاولون إخراج الشياطين بتلاوات وقراءات يقولونها، وأما المسيح فلا تلاوة ولا تعزيم، بل أمرٌ بسلطان جعلت الشياطين تخضع له. كان المسيح يقول كلمة واحدة، فلا تملك الشياطين سوى الإذعان والطاعة. لقد رأينا فيما سبق كيف سيطر الرب على الريح الهائجة، وعلى الزوبعة العاصفة، وهنا نجد المسيح يسيطر على الأرواح الشريرة رغم شراستها وكثرتها. في الحالتين كانت كلمة الرب يسوع كافية لإسكات الرياح وإخراج الأرواح.

ولنا بعض الملاحظات على تلك المعجزات السبع:

إن أول معجزة عملها المسيح لتخليص رجل من الشياطين التي تسكنه نقرأ: «فتعجب الجموع قائلين لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل». وفعلاً لم يظهر مثل هذا، لأن الشخص الذي فعله هو «عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا». وإن «كان الله معنا فمن علينا؟» (رومية8: 31). لم يعد الشيطان له اليد العليا، فقد ظهر في المشهد من هو أقوى منه.

والمعجزة الثانية كانت مع «مجنون أعمى وأخرس». وهل يوجد مثل هذه صورة ترينا مدى الذل الذي عمله الشيطان في الإنسان؟ والرب الذي قديمًا رأى مذلة شعبه، فنزل لكي يخلصهم، أتى في ملء الزمان ليخلص الإنسان من عدوه الشيطان. إنه ذاك المتفوق على كل القوى غير المنظورة، والأقوى من القوي (لوقا11: 21، 22). وإذ أحضر القوم إليه هذا الإنسان البائس شفاه على الفور، حتى إن الأعمى الأخرس تكلم وأبصر. ويا للمباينة بين الشيطان وقوته المؤذية التي جعلت الإنسان أعمى وأخرس، وبين المسيح الأقوى، الذي استخدم قوته لبركة الإنسان وشفائه!

في المعجزة الثالثة، حيث خلص الرب رجلاً فيه روح نجس في مكان العبادة (المجمع) فإننا نقرأ عن اعتراف الشياطين التي قالت للمسيح: «آه، ما لنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا؟» (مرقس1: 24)، مما يدل على أن «الشياطين يؤمنون ويقشعرون» (يعقوب 2: 19)، كما يدل على أنها تعرف من هو الذي سيدينها، إنه هو المسيح! في مناسبة أخرى اعترفت الشياطين أن المسيح هو ابن الله، وعرفت أنه معذبها، إذ قالوا له: «ما لنا ولك يا يسوع ابن الله؟ أ جئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا؟» (متى 8: 19). فمن يكون هذا؟

في المعجزة الرابعة أخرج المسيح ”لجئونًا“ من الشياطين كانوا يسكنون شخصًا واحدًا، واللجئون تشكيل عسكري قوامه ستة آلاف جندي. ويمكن أن نعتبر هذه المعجزة هي معجزة شفاء أخطر مريض! وكانت هذه الآلاف من الشياطين تسكن في رجل واحد، أذلته ودمرت شخصيته، فجعلته يسكن القبور، ويعيش عاريًا تمامًا، ويصيح ويجرح نفسه بالحجارة. لكن خلاص الرب لهذا الرجل لم يكلفه سوى كلمة واحدة، أمرٌ من صاحب الأمر، فخرجت جميع الشياطين صاغرة من الرجل، ووجد جالسًا ولابسًا وعاقلاً!

لقد طلبت الشياطين من الرب أن يسمح لهم بالدخول في قطيع الخنازير، وكان قصدهم من وراء هذا الطلب – كما اتضح فيما بعد – أن يُغرقوا الخنازير، فيجعلوا أهل المدينة ينقلبون على المسيح، وهو ما حدث بالفعل. لكن لا ينبغي أن يفوتنا دلالة استئذانهم من المسيح. فقبل مجيء المسيح كانت الأرواح الشريرة ورئيسهم الشيطان يتنقلون في الأرض بحرية (أيوب1: 7؛ 2: 2)؛ وأما الآن، وهم في محضر صاحب السلطان الحقيقي، فقد أخذوا الإذن منه قبل ذهابهم إلى الخنازير! وكون المسيح أذن لهم فهذا يتضمن دلالة هامة وهي أن «للرب الأرض وملؤها، المسكونة وكل الساكنين فيها» (مزمور24: 1). فالشياطين تستأذنه، ولأنه هو صاحب الكل، فقد أعطاهم الإذن.

وفي المعجزة السادسة حدث إخراج شيطان من على بعد. فكما شفى المسيح الأمراض بكلمة يقولها من على بعد، فعل كذلك مع الشياطين. وبأمر منه – وهو في مكانه – شفيت ابنة المرأة الكنعانية.

في المعجزة السابعة، كان تسعة من تلاميذ المسيح قد فشلوا في إخراج الشيطان، فيبدو أن جنس الشياطين الذي كان يسكن في الصبي كان جنسًا أخطر من بقية أجناس الشياطين الأخرى، إلى الدرجة التي فيها قال المسيح عنه: «هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم»، وأما بالنسبة للمسيح فالأمر مختلف، فلا شيء أكثر من كلمة واحدة خرج فيها الشيطان على التو!

7- تكثير الخبز:

دائرة أخرى أظهر فيها المسيح لاهوته، تختلف عن الدوائر السابقة، فهذه المعجزة ليست مثل معجزات الشفاء، أو إسكات العاصفة أو إخراج الشياطين، فيها أرجع الرب شيئًا إلى سابق عهده القديم، إذ أعاد للمريض صحته الضائعة، وأعاد للبحر سكونه وهدوءه وأعاد للإنسان المجنون عقله، بل إن المسيح في هذه المعجزة أوجد شيئًا لم يكن له سابق وجود، أي أوجده من العدم. وهذا معناه أن المسيح ”يدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة“. وهذه واحدة من الخصائص الإلهية (رومية 4: 17).

ونظرًا لأهمية هذه المعجزة فقد وردت في البشائر الأربع (متى14: 14-21، مرقس6: 30-44، لوقا9: 10-17، يوحنا6: 1-15). وبالنظر إلى ذلك فإنه يمكن اعتبار هذه المعجزة أشهر معجزة، بالإضافة إلى استفادة أكبر عدد من الناس بها.

والمسيح كان يعرف أنه سيعمل تلك العجيبة. ويوضح لنا البشير يوحنا أن المسيح أمسك بزمام المبادأة عندما سأل فيلبس: «من أين نبتاع خبزًا ليأكل هؤلاء؟ وإنما قال هذا ليمتحنه لأنه علم ما هو مزمع أن يفعل».

ولقد أكل الجميع وشبعوا، وليس كما قال فيلبس «يأخذ كل واحد شيئًا يسيرًا». لقد أعطاهم الرب «بقدر ما شاءوا» (يوحنا6: 11)، و”فضل عنهم“!

والذين ينكرون المعجزات قدموا تفسيرات فجة لهذه المعجزة العجيبة. قال واحد مهم، إن الجموع أكلت أقل القليل من الأرغفة الخمسة، ومع ذلك فإنهم شبعوا، وقال آخر إن ما فعله الصبي الصغير، إذ قدم الأرغفة التي عنده، حفز كل من كان معه طعام أن يخرجه ويشارك به الآخرين، فأكل الجميع وشبعوا. ولكن هذه التفسيرات تعسفية ولا نجد ما يؤيدها في النص على الإطلاق. فبالنسبة للتفسير الأول لا يعقل أن الخمسة الأرغفة يمكن أن تشبع خمسة آلاف رجل بدون النساء والأولاد، مهما اكتفوا بأقل القليل. ثم حتى لو افترضنا هذا المستحيل، يبقى السؤال: من أين أتت القفف الفاضلة بعد أن شبعوا؟ ثم إن الوحي يناقض هذا التفسير عندما يخبرنا إن الناس ”أكلوا بقدر ما شاءوا“. وبالنسبة للتفسير الثاني ينقضه أيضًا ما ذكره البشير يوحنا من أن الجموع في اليوم التالي هرولت إلى حيث كان المسيح، وهو عرف غرضهم وكشف عدم إيمانهم إذ قال لهم: «أنتم تطلبونني، ليس لأنكم رأيتم آيات، بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم» (يوحنا6: 26).

التفسير الوحيد المنطقي والمقبول إننا هنا أمام واحدة من أعظم المعجزات التي تبرهن لاهوت المسيح، والتي تعلن مجده باعتباره الخالق، الذي «قال فكان، هو أمر فصار».

ثم كرر المسيح مرة ثانية هذه المعجزة عندما أشبع نحو أربعة آلاف، ما عدا النساء والأولاد، وهي المعجزة التي وردت في بشارتي متى15: 32-39، ومرقس8: 1-10. فأكل الجميع وشبعوا، ثم رفعوا ما فضل من الكسر سبعة سلال مملوءة»!

8- إقامة الموتى

إن معجزات إقامة الموتى تعتبر من أعظم الأدلة على لاهوت المسيح. فيقول الرسول في رومية 1: 4 إن المسيح «تعين (أو تبرهن إنه) ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات».

لاحظ أحدهم أن المسيح لما كان هنا على الأرض لم يعظ في أية جنازة، وذلك لأنه إذ كان يوجد في مكان، كان الموت يهرب من أمامه! ولقد أقام المسيح في أثناء خدمته الكثيرين من الذين كانوا قد ماتوا. وتسجل لنا البشائر الأربع ثلاثة أشخاص بالذات أقامهم المسيح من الأموات: وهم كالآتي: ابنة يايرس (متى9: 23-26، مرقس5: 35-43، لوقا8: 49-56)؛ ثم ابن أرملة نايين (لوقا7: 11-17)؛ وأخيرًا أقام المسيح لعازر الذي من بيت عنيا (يوحنا11: 1-44).

في المعجزة الأولى أقام المسيح ابنة يايرس بعد موتها بفترة وجيزة، حيث كانت ما تزال على فراشها وفي غرفتها.

والذين ينكرون المعجزات يقولون إن البنت، باعتراف الرب، لم تكن قد ماتت، حيث قال المسيح: «لم تمت الصبية، لكنها نائمة»، وبالتالي فلا توجد معجزة على الإطلاق. لكن الفهم البسيط للحادث كما روته البشائر الثلاثة يقودنا إلى التسليم بأن البنت كانت قد ماتت فعلاً (قارن مع كلمات لوقا الطبيب 8: 53). أما قول المسيح عنها ”إنها نائمة“، فهو لطمأنة أهل البنت المائتة، وهو يشبه قوله عن لعازر الذي كان قد مات ودفن وأنتن: «لعازر حبيبنا قد نام، ولكني أذهب لأوقظه» (يوحنا11: 11). وهذا معناه أن الموت والمرض والنوم كلها تستوي في نظر الرب.

قال أحد القديسين: إنه بالنسبة لنا هناك صعوبة في أن نيقظ شخصًا نائمًا، أكثر من الصعوبة التي عند المسيح ليقيم واحدًا من الموت. وهذا الأمر واضح ليس فقط في قصتنا هذه، إذ كانت البنت قد ماتت من بضع دقائق، بل حتى بالنسبة للعازر الذي كان قد مات من أربعة أيام، ودُفن وأنتن.

عندما وصل الرب إلى البيت، وجد هناك الضجيج والبكاء. وهذا يؤكد كم الإنسان ضعيف أمام هذا العدو اللعين الموت، والذي يُسمى في الكتاب ”ملك الأهوال“! لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للرب يسوع. لقد قهر المسيح عدو البشرية الأول، أعني به الموت. وكان هذا برهانًا على أنه هو الرب، إذ «عند الرب السيد للموت مخارج» (مزمور68: 20).

وعندما قال المسيح «لم تمت الصبية لكنها نائمة». فإنهم في عدم إيمانهم استهزئوا به. ”ضحكوا عليه“. ومن ضحك هؤلاء الأشرار نتيقن أن البنت كانت قد ماتت فعلاً، فلقد خدمت ضحكاتهم الشريرة قصدًا صالحًا، وكانت بمثابة شهادة وفاة للبنت، تعلن أن البنت كانت قد ماتت فعلاً.

«فلما أخرج الجمع دخل وأمسك بيدها ، فقامت الصبية، فخرج ذلك الخبر إلى تلك الأرض كلها» (متى9: 25و26).

وفي المعجزة الثانية، أقام المسيحُ الشابَ ابن أرملة نايين، وكان قد مات من فترة أكبر، إذ كانوا يشيعونه إلى القبر، وفي الطريق التقى موكب رئيس الحياة بموكب الموت، فأقام الشاب من النعش ودفعه إلى أمه!

يا لروعة المعجزة! يا لقوة ربنا يسوع! بهذه البساطة يقهر المسيح عدو البشرية المرعب والمخيف!

لكننا هنا نرى بالإضافة إلى قوة الرب ونصرته على الموت، ترفق المسيح وحنانه على الأرملة المحطمة التي انكسر عكازها، وانطفأت شمعتها، وهي ماضية لتدفن آخر أمل لها في الحياة. لكن القوي الحنان تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون، وبكلمة واحدة منه انتهر الموت، وأعاد الشاب الميت إلى أمه صحيحًا معافى!

هذا هو طابع إنجيل لوقا الذي انفرد بذكر هذه المعجزة. ولهذا فإنه بخلاف ابنة يايرس التي حضر أبوها يدعو المسيح ليشفي ابنته من المرض ثم ليقيمها من الموت، وبخلاف لعازر الذي أرسلت أختاه تطلب من المسيح ليحضر ليشفيه من مرضه، فإن المسيح في هذه المعجزة لم يرسل إليه أحد ولا طلب منه أحد شيئًا. إنها النعمة التي تأخذ زمام المبادرة وتقيم الميت.

ونلاحظ أن المسيح هنا لم يصلِ كما فعل قبل ذلك إيليا عند إقامته ابن الأرملة التي كان نازلاً في بيتها (1ملوك17: 20-22)، وكما بعد ذلك بطرس عند إقامته لطابيثا (أعمال9: 40)، ولا اضطجع فوق الميت كما فعل قبل ذلك إليشع عندما أقام ابن الشونمية (2ملوك4: 33-35)، ولا وقع على الميت ليعتنقه كما فعل بولس عند إقامته لشاب آخر اسمه أفتيخوس (أع20: 10)، بل كما كان يأمر الأمراض فتهرب من قدامه، ويأمر الشياطين فتخرج من الشخص، ويأمر الريح والبحر فيصير هدوء عظيم، هكذا هنا أيضًا باعتباره رئيس الحياة، أمر فعادت الحياة للشاب المائت!

أما المعجزة الثالثة فقد كانت أصعب وأهم معجزات إقامة الموتى، أعني بها معجزة إقامة لعازر بعد موته بأربعة أيام. وكان فيها قد دفن في القبر وأنتن. والمسيح قبل إقامة لعازر كان قد قال عن نفسه: «أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد» (يوحنا11: 25، 26)

لقد كان المسيح على الجانب الآخر من الأردن مع تلاميذه حين وصلته أخبار مرض لعازر، لكنه لم يتحرك فورًا لشفائه، بل انتظر توقيت الآب له، قائلاً: «هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله لكي يتمجد ابن الله به» (ع5). ثم بعد ذلك قال لهم: «لعازر حبيبنا قد نام، ولكنني أذهب لأوقظه» (ع 11). أ يقدر مجرد إنسان أن يتكلم بمثل هذه الثقة؟ يعرف موت حبيبه وهو بعيد عنه، لكن ليس ذلك فقد بل يتحدث بلغة الواثق فيقول إنه سيذهب ليوقظه!

ولما لم يفهم التلاميذ ما الذي كان يقصده الرب من قوله: «لعازر حبيبنا قد نام»، فقد تكلم معهم بلغتهم التي يفهمونها وقال لهم: «لعازر مات».

وهنا نحن أمام اللاهوت، فالذي يتكلم هو العليم بكل شيء، والموجود في كل مكان، كلي القدرة، القادر حتى على إحياء الميت بعد مماته. إنه هو ذاك الذي «يدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة» (رومية4: 17).

ويخبرنا الوحي بأن ما عمله المسيح كان بقوته الشخصية، ولكي يتمجد هو نتيجة ما حدث. ونلاحظ أن المسيح ذكر مجد الله ومجده هو في تتابع لافت، فقال: «هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله به». ومن ها يتضح أن مجد الله، ومجد ابن الله هو مجد واحد، لا تناقض بينهما ولا حتى مجرد اختلاف.

ولما جاء إلى القبر قال: «ارفعوا الحجر». وهنا اعترضت مرثا، وقالت له: «يا سيد قد أنتن، لأن له أربعة أيام». كأنها أرادت أن تقول: ”لا فائدة من المحاولة“. قال لها الرب: «أ لم أقل لكِ إن آمنتِ ترين مجد الله؟».

ثم رفع المسيح الشكر للآب، وبعدها صرخ بصوت عظيم، لا ليسمعه لعازر، بل «لأجل .. الجمع الواقف»، وقال: ”لعازر هلم خارجًا“. وهي المرة الوحيدة التي فيها نادى الرب الميت باسمه. ولقد أصاب القديس أغسطينوس عندما قال: ”لو لم يكن الرب في هذه المعجزة قال «لعازر»، لكان كل الأموات الذين في المدفن قد قاموا“.

عند القبر لم يقل المسيح: في اسم الآب قم أيها الرجل، ولا قال أرجوك يا أبي أن تقيم لعازر، بل أصدر أمرًا للميت: «لعازر هلم خارجًا، فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة، ووجهه ملفوف بمنديل» (يوحنا11: 43، 44). حدث هذا في وضح النهار، وأمام شهود قد يعدوا بالعشرات أو بالمئات. ونحن لا يمكننا أن نتخيل معجزة ممكن أن تكون أوضح أو أقوى من تلك التي عملها المسيح، كآخر معجزة مسجلة له في إنجيل يوحنا. وأن يسمع الميت الصوت الذي يناديه، ويطيعه، ويخرج الميت أمام جمع حاشد في المدفن، فهذا برهان أكيد على لاهوت المسيح.

وكما انفرد لوقا بذكر المعجزة السابقة، معجزة إقامة الشاب ابن أرملة نايين، فقد انفرد يوحنا بذكر هذه المعجزة، فيوحنا في إنجيله يحدثنا عن المسيح ”ابن الله“. ويوحنا اكتفى من معجزات إقامة الأموات بذكر هذه المعجزة وحدها، فهي الأصعب. فإقامة الميت بعد أن أنتن، لا تقل عظمة عن الخلق نفسه .. أن يجمع الله ذرات جسد الإنسان بعد تحلله، هذا – بكل تأكيد – يتطلب عظمة قدرة الله الفائقة (أفسس1: 19، 20، فيلبي3: 20، 21).

أشياء ما زال المسيح يعملها إلى اليوم!

بالإضافة إلى تلك المعجزات العظيمة التي عملها المسيح في أيام جسده هنا على الأرض، فإن المسيح ما زال يعمل العجائب حتى اليوم. إننا نؤمن بلاهوت المسيح، لأنه من غير سيف أو حروب، أثر في النفوس وغزا القلوب. وهو إلى الآن ما زال يؤثِّر تأثيرًا مدهشًا عجيبًا في الفجار الساقطين، فيحولهم إلى أبرار وقديسين، ويتعامل باللطف مع المتعصبين، وبالنعمة مع الشرسين، فيحوِّلهم إلى حملان وديعة، قلوبهم عامرة بالرقة، ونفوسهم مليئة بالشفقة. ويغيِّر الذين كانوا غارقين في الشرور والفجور، إلى أشخاص يشع من حياتهم النور والسرور. كما ونحن نؤمن بلاهوت المسيح من أجل العدد اللانهائي من الذين امتلأت قلوبهم بالمحبة للمسيح فضحّوا لأجل خاطره، فتخضَّبت ثيابهم بدماء الاستشهاد، بعد أن كانت ملوّثة بالخطايا والفساد. هذا التأثير العجيب في الملايين، على مدى ما يقرب من ألفين من السنين، لا يمكن أن يكون نتاج وهم أو شيطان، ويؤكد أن المسيح هو ابن الله الذي قَبِلَ أن يصير ابن الإنسان.

أين قال المسيح أنا الله أعبدوني؟ – دليل شامل مبسط

(4) آيات مؤيدة للاهوت المسيح

يعلن الكتاب المقدس، كتاب الله، أن المسيح هو الله منذ الأزل، لكنه قَبِل أن يصير إنسانًا، فولد وعاش ومات كما يحدث مع البشر، وذلك لكي يتمم قصد الله من جهة مشروع الفداء. لكنه لم يولد كما يولد باقي البشر، ولم يعش كما يعيشون، ولا مات كما يموتون، وذلك لأنه مع كونه الإنسان، لكنه ليس مجرد إنسان، بل هو أعظم بما لا يقاس.

وسنتحدث فيما يلي عن خمس مجموعات من هذه الآيات ارتبطت بالمسيح تعلن أنه ابن الله، هذه الآيات هي:

  • آيات مولده: المولد العذراوي
  • آيات حياته: الحياة القدوسة
  • آيات موته: الموت الاختياري
  • آيات قيامته: القيامة المجيدة
  • ثم نختم ببعض آيات الكتاب المقدس التي تؤكد الحقيقة ذاتها

آيات مولده:

آية المولد العذراوي، ثم آيتان مصاحبتان لمولده

أولاً: آية المولد العذراوي

هذه الآية يمكن اعتبارها آية الآيات، ليس فقط لاستحالتها المطلقة من الناحية العلمية، بل لأن لها العديد من الدلالات الأدبية والروحية العظيمة. فالمولد العذراوي يحمل دلالة مبدئية هامة جدًا، وهي أن مجيء المسيح إلى العالم لم يكن بناء على رغبة إنسان، ولا كان في قدرة الإنسان، بل إنه أيضًا كان فوق توقعات الإنسان وتصوراته. وليس هذا بغريب، فالمسيح ليس شخصًا عاديًا اصطفاه الله لنفسه، بل هو ابن الله من الأزل وإلى الأبد. وهو جاء إلى العالم لا بناء على مبادرة من إنسان، بل إتمامًا لخطة الله الأزلية، وفي التوقيت الذي اختاره الله. وفي هذا يقول الكتاب المقدس: «لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة» (غلاطية4: 4).

ويخطئ كثيرًا من يظن أن المسيح بمولده من عذراء يشبه آدم في خلقه. ففي الحقيقة إن الاختلاف هنا أكبر جدًا من المشابهة. فالبعض يقول إن قدرة الله تجلَّت في خلق آدم بدون أبٍ وأمٍ، ثم في حواء التي خلقت من أب وبدون أم، وأخيرًا في المسيح الذي ولد من أمٍ بدون أب. لكن هذا الكلام غير صحيح بالمرة، فآدم مخلوق من الله خلقًا مباشرًا، وبالتالي فإنه ليس له أب أو أم. وبالنسبة لحواء فآدم لم يكن أبًا لها بل زوجها. والله لما خلق حواء من ضلعة أخذها من آدم، كان غرضه من ذلك توضيح نظرة الله المقدسة للزواج، وأنهما في نظر الله جسد واحد. لكن لا آدم ولا حواء وُلد، بل الله خلقهما، كقول الوحي الكريم: «فخلق الله الإنسان.. ذكراً وأنثى خلقهم» (تكوين1: 27).

لكن بعد حادثة خلق آدم وحواء، فإن الله جعل طريقة الدخول إلى العالم هي طريقة واحدة، لا يمكن أن يحدث دخول إلى العالم بغيرها، وهي تزاوج رجل بامرأة. واستمر هذا الأمر آلافًا من السنين، فيها وُلد ملايين وبلايين البشر بهذه الطريقة الوحيدة. إلى أن جاء المسيح، فوُلد، ولكنه وُلد بطريقة مختلفة تمامًا عن سائر البشر.

لماذا؟

ليس من سبب لذلك سوى أن المسيح مختلف عن كل البشر.

ويمكن القول إن آدم خُلق ولم يولد، وكذلك حواء. أما المسيح فقد وُلِد ولكنه لم يُخلَق.

وآدم قبل خلقه لم يكن له وجود، ولا حواء كانت موجودة قبل خلقها، لكن المسيح كان موجودًا قبل ولادته. قال المسيح في إنجيل يوحنا 8: 58 «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن».

إذاً فمسألة الميلاد العذراوي، لها أبعاد تختلف عن مجرد قدرة الله، التي نحن نؤمن بها تمامًا، بل إنها تؤكد سمو شخص المسيح. فهذا العظيم عندما دخل إلى العالم، لم يدخله بالطريق الذي دخل منه سائر البشر.

في المطارات ومحطات السكك الحديدية الكبرى، يكون هناك عادة باب لا يفتح إلا للملوك والعظماء دون جماهير البشر الآخرين. على أن الباب الذي دخل منه المسيح إلى العالم لم يُفتح ولا حتى للمشاهير والعظماء، ولا للرسل أو الأنبياء، بل لشخص واحد في كل الكون، وذلك لأن المسيح ليس واحدًا من زمرة الأنبياء، بل هو يختلف اختلافًا جوهريًا وجذريًا عن سائر البشر، سواء في حقيقة شخصه، أو غرض مجيئه إلى العالم.

آيتان مصاحبتان لمولده

أولاً: آية ظهور الملائكة للرعاة

عندما وصل ابن الله إلى العالم، فقد أعلنت السماء لسكان الأرض هذا الخبر العظيم، ميلاد المسيح. ولقد وقع اختيار السماء على قوم من الرعاة البسطاء، كانوا محط اهتمام السماء، لأنهم أتقياء، رغم أنه لا وزن لهم أو تقدير عند العظماء. وكان هؤلاء الرعاة الفقراء أول من سمع بخبر ميلاد الفادي، في ذات ليلة الميلاد.

لقد أتى ملاك السماء لهؤلاء الرعاة يقول: «لا تخافوا فها أنا أبشركم بفرحٍ عظيمٍ يكون لجميع الشعب، إنه وُلد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب. وهذه لكم العلامة؛ تجدون طفلاً مقمطًا مضجعًا في مذود» (لوقا2: 10-12).

من هو هذا الذي بمولده تتحرك السماء، وتعلن خبر مولده؟ قبل أن يولد يوحنا المعمدان قال الملاك جبرائيل لزكريا أبيه: «كثيرون سيفرحون بولادته»، وأما عند مولد المسيح فكانت كلمات الملاك للرعاة أن الفرح العظيم سيكون ”لجميع الشعب“! وذلك لأنه ولد لهم ”مخلص هو المسيح الرب“!

إذًا فلقد أعلن ملاك السماء لهؤلاء البسطاء مجدًا ثلاثيًا عن المسيح: فالذي ولد هو المخلص، وهو المسيح، وهو الرب!

يا للبشرى السارة! أخيرًا وُلد المخلِّص.

ونحن نعلم أن المسيح أتى مخلصًا، لا من عدو أرضي، ولا من مشكلة وقتية، بل من الخطايا! دعنا لا ننسى أن الله في العهد القديم كان قد صرح بشكل حاسم بأنه هو وحده المخلص، عندما قال: «أنا أنا الرب، وليس غيري مخلص» (إشعياء 43: 11)، وأيضًا: «أ ليس أنا الرب ولا إله آخر غيري، إله بار ومخلص، ليس سواي» (إشعياء 45: 21). وها قد أتى المسيح لكي يخلص شعبه من خطاياهم، وذلك لأنه هو الله الذي ظهر في الجسد

وبمجرد أن نطق الملاك بهذه العلامة العجيبة حتى حدث شيء عجيب آخر، إذ انشقت السماء على جمع حاشد من الملائكة المسبحين لله، وقائلين المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة. فهو إن كان طفلاً مقمطًا في مذود، إلا أنه موضوع تسبيح ملائكة السماء! إنه ابن الإنسان المتواضع وابن الله العظيم في آنِ! «وبالإجماع عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد … تراءى لملائكة!» (1تيموثاوس3: 16).

ثانيًا: آية ظهور نجم السماء

لقد ارتبط مولد المسيح أيضًا بظهور نجم في السماء لمجوس من بلاد المشرق. كان هؤلاء المجوس علماء في الطبيعة والفلك. ولقد رأوا نجمًا يدل على مولد المسيح، فأتوا ليسجدوا له. فكما كلم الله الرعاة باللغة البسيطة التي يفهمونها، فقد كلم المجوس أيضًا بلغة الفلك التي يفهمونها.

وعندما أتى المجوس فقد قالوا عبارتهم الصغيرة، لكن العميقة: «إننا رأينا نجمه في المشرق، وأتينا لسنجد له» (متى2: 2). لاحظ إنهم لم يقولوا رأينا نجمًا في السماء، بل رأينا ”نجمه“!

وهؤلاء المجوس ما أن رأوا نجمه، وعرفوا بمولده، فقد شدوا الرحال فورًا إلى أورشليم. فماذا رأوا بعد كل هذا العناء وتلك المشقة؟! لم يروا شخصًا في قصرٍ عظيمٍ، بل رأوا طفلاً صغيرًا في مكان بسيط ومتواضع، تحمله امرأة رقيقة الحال. لكن ما كان أعظم إيمانهم، فهم من خلال حجاب الاتضاع وستار الفقر رأوا مجده!

لم يسجد هؤلاء المجوس الحكماء لهيرودس عندما رأوه في قصره، مع كل مظاهر العظمة الزائفة التي كانت تحوطه، لكنهم سجدوا لذلك المولود، ذلك الملك الجليل. ثم لاحظ أيضًا أنهم لما سجدوا لم يسجدوا لسواه. فلا يُقال مثلاً إنهم سجدوا للعائلة المقدسة، بل «خروا وسجدوا له» (متى2: 11).

آيات حياته

وأقصد بها آية حياتة الخالية من الخطية، ثم آيتان مصاحبتان

آية حياته القدوسه

قال واحد أنا أومن بلاهوت المسيح لأن كمال ناسوته هو الحجة على كمال لاهوته. فبخلاف جميع البشر، لم يعتذر المسيح على تصرف عمله، ولم يسحب كلمة قالها. لقد قال المسيح لليهود أعدائه: «من منكم يبكتني على خطية؟» (يوحنا8: 46). فلم يستطع واحد منهم أن ينبس ببنت شفة!

ما السر أن المسيح وحده، دون كل البشر، الذي لا يسجل له الوحي المقدس ولا التاريخ البشري أية خطية، لا بالفكر ولا بالقول ولا بالعمل؟ السبب أنه لم يكن مجرد إنسان. إن القداسة صفة أصيلة في الله، كما قالت عنه السرافيم: «قدوس قدوس قدوس، رب الجنود» (إشعياء6: 3). فليس عجيبًا أنه عندما يولد ابن الله، يقول عنه الملاك جبرائيل للمطوبة العذراء مريم: «القدوس المولود منك يُدعى ابن الله» (لوقا1: 35).

لقد عاش المسيح هنا فوق الأرض أكثر من ثلاثين سنة، وتكالبت ضده كل قوى الشر، وتجرب بكل التجارب نظيرنا تمامًا، ولكن يؤكد الوحي أنه تجرب بلا خطية. لقد سقط آدم في الخطية والتعدي فورًا عندما تجرب من امرأته، وسقطت حواء في الغواية عندما غرتها الحية، وأما المسيح القدوس فلقد تجرب من كل حدب وصوب، ولكنه قط لم يسقط أمام التجربة.

ونعرف من كتاب المقدس وكتاب الاختبار أنه لم يوجد من لم يسقط في التجربة أمام الشيطان من البشر، بل لقد نجح الشيطان أيضًا في إسقاط جمهور كبير من الملائكة (ارجع إلى رؤيا 12: 4، 7؛ متى 25: 41). لكن هناك شخص وحيد في الأرض وفي السماء، لم ينحن لتجارب الشيطان، هو المسيح.

لقد قال عنه الرسول بطرس: «لم يفعل خطية» (1بطرس2: 22)، وقال عنه الرسول بولس: «لم يعرف خطية» (2كورنثوس5: 21)، وقال عنه الرسول يوحنا: «ليس فيه خطية» (1يوحنا3: 5). الشياطين نفسها اعترفت بأنه القدوس فقالت: «أنا أعرفك من أنت، قدوس الله» (مرقس 1: 24)، والوالي الذي فحص قضيته وحكم عليه بالصلب اعترف سبع مرات أنه لم يجد فيه علة واحدة (متى 27: ؛ ؛ )؛ ويهوذا الخائن الذي أسلمه، رد الفضة بندم قائلاً: «أخطأت إذ سلمت دمًا بريئًا… ثم مضى وخنق نفسه» (متى27: 4، 5)؛ واللص الذي كان مصلوبًا إلى جواره قال: «هذا.. لم يفعل شيئًا ليس في محله» (لوقا23: 41)؛ وقائد المئة الذي كُلف بعملية صلب يسوع وحراسته، قال: «حقًا كان هذا الإنسان بارًا» (لوقا23: 47). وأما المسيح فقد شهد هو عن نفسه قائلاً: «الآب معي، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه» (يوحنا8: 28).

آيتان مصاحبتان لحياته

رأينا أنه عند ولادة المسيح حدثت آيتان عظيمتان، واحدة في السماء الأولى (عندما ظهر للرعاة جمهور من الجند السماوي مسبحين الله)، والأخرى في السماء الثانية (عندما ظهر للمجوس نجم خاص به، قادهم إلى حيث كان المسيح الملك)، ولكن في حياة المسيح حدثت آيتان في السماء الثالثة، فالله لم يكتف بملائكته يرسلهم، ولا بنجم يُظهِره، بل في بداية خروج المسيح للخدمة، ثم قرب نهايتها، أعلن الله بنفسه من سماواته أنه وجد سروره بهذا الشخص الكامل الفريد. حدث ذلك في مياه نهر الأردن، ثم مرة ثانية من فوق جبل التجلي.

أولاً: معمودية المسيح

لقد قصد المسيح أن يبدأ خدمته الجهارية بالمعمودية من يوحنا المعمدان المرسل من الله ليهيء الطريق قدامه. وفي المعمودية جاءت شهادتان سماويتان: شهادة منظورة وأخرى مسموعة، الأولى هي شهادة الروح القدس النازل من السماء المستقر على المسيح، والثانية هي شهادة الآب يتكلم من سماواته المفتوحة فوق المسيح!

ونلاحظ أن الوحي لا يقول إن السماوات ”انفتحت“، بل ”انفتحت له“. ولقد سُر الله، بدخول المسيح إلى الخدمة، أن يعلن في معمودية المسيح أول إعلان واضح عن حقيقة الثالوث في المسيحية. فالمسيح خرج من المعمودية (هنا نرى الابن)، والروح القدس نزل بهيئة جسمية مثل حمامة (هنا نرى الروح القدس)، والآب من السماء يشهد عن المسيح قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (متى 3: 17).

ثانيًا: حادثة التجلي

لقد كانت المعمودية في بداية خدمة المسيح، بينما التجلي كان قرب نهاية خدمته له المجد. لقد خرجت السماء عن صمتها عند مشهد المعمودية لأن المسيح القدوس البار نزل إلى مياه الأردن، واتحد نفسه مع الخطاة التائبين. ولكي لا يحدث خلط بينه وبين الخطاة، فإن الآب ميزه في الحال، قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (متى3: 17). ومن فوق جبل التجلي كرر الآب على مسامع تلاميذه الإعلان عينه، لا ليميزه عن الخطاة التائبين، بل ليمزه عن القديسين!

لقد أخطأ بطرس عندما قال للمسيح: «يا رب، جيد أن نكون ههنا! فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال: لك واحدة، ولموسى واحدة، ولإيليا واحدة». نعم أخطأ بطرس حينما ساوى الخالق بالمخلوق، والابن بالعبد، والسيد بالخادم. لذلك نقرأ: «وفيما هو يتكلم إذ سحابة نيرة ظللتهم، وصوت من السحابة قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا. ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدًا. فجاء يسوع ولمسهم وقال: قوموا، ولا تخافوا. فرفعوا أعينهم ولم يروا إلا يسوع وحده»

ولقد انتهى مشهد التجلي الجميل بسقوط التلاميذ على وجوههم وخوفهم الشديد. ولعل النور الفائق، وصوت الآب من المجد الأسنى، سببا لهم هذا الخوف الشديد، فلقد كانوا ما زالوا في أجسادهم الترابية التي لا تتحمل بهاء النور وعظمة المشاهد السمائية، لكن المسيح جاء ولمسهم. والمسيح في هذا يقف موقف المباينة ليس فقط من التلاميذ، بل أيضًا من موسى وإيليا العظيمين، فموسى قال يوم أن رأى مشهد جبل سيناء وقد وقف الرب عليه: «أنا مرتعب ومرتعد» (عب12: 21)؛ وإيليا أيضًا لف وجهه بردائه يوم أن استشعر عبور الرب أمامه وهو في المغارة (1ملوك19: 13). وأما المسيح فقد أتى لتلاميذه وشجعهم، ويقول لنا البشير متى: «فرفعوا أعينهم ولم يروا إلا يسوع وحده» (متى 17: 8).

لقد عاد كل من موسى وإيليا إلى راحتهما، وظل المسيح في صورة العبد، ليواصل مسيرة الطاعة والتواضع حتى يختمها بالصليب. فماذا كان سيفعل لنا موسى وإيليا لو أنهما تُركا، وأخذ المسيح؟ لكن حمدًا لله «الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين» (رومية 8: 32).

ويلذ لنا أن نلحظ كيف في كل المواقف التي وصل فيها اتضاع المسيح العجيب إلى بعد كبير، أرادت السماء فورًا أن تأكد على عظمته:

فعندما ولد في مذود للبهائم، ظهر جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين: «المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة».

وعندما اتحد نفسه مع الخطاة التائبين «السماء انفتحت له».

وبعد الإعلان الأول عن رفض اليهود له وقتله (متى16: 21)، تبع ذلك مباشرة حادثة التجلي (متى 17: 1-8)، حيث جاءت شهادة الآب ثانية من السماء بأنه ”الابن الحبيب“ الذي فيه وجد الآب سروره.

وأخيرًا في موته فوق الصليب حدثت أعاجيب الجلجثة المذكورة في متى 27، كما سنرى بعد قليل.

آيات موته:

آية موته الاختياري، ثم آيتان مصاحبتان

آية موته الاختياري

ذكرنا أن المسيح لم يولد كما يولد باقي البشر، بل ولد بمعجزة، ولم يعش كما يعيشون، فعمل ما لا يحصى من العجائب والمعجزات وشهدت له السماء بالآيات، ثم إنه لم يمت كما يموت الآخرون، وذلك لأنه مع كونه إنسانًا، ولد وعاش ومات، لكنه ليس مجرد إنسان، بل هو أعظم بما لا يقاس.

ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أن المسيح عندما مات كان موته موتًا اختياريًا، فنحن لا نسمعه يقول – بصوت متهدج – كما قال الملايين في كل العصور: ها أنا أغيب عن وعيي وأخور، ولا حتى قال كما فعل بعض القديسين قبله: «ها أنا ذاهب في طريق الأرض كلها» (يشوع14: 23؛ 1ملوك2: 2)، بل ما أروع ما نقرأه عندما حانت ساعة الموت: «صرخ بصوت عظيم وأسلم الروح».

قال أحد الأفاضل: ”مَن فينا يذهب ولو إلى النوم، وينام بإرادته كما فعل هو – تبارك اسمه – عندما مات؟ مَن فينا يخلع ملابسه بسهولة ويسر، بمطلق رغبته، كما فعل يسوع عندما خلع جسده؟ من فينا يخرج من باب غرفته عندما يريد، كما فعل سيدنا عندما خرج من هذا العالم وقت أن أراد؟“

ثم ما أعظم هذا التعبير الذي تكرر في الأناجيل الأربعة جميعًا «أسلم الروح». فروحه لم يأخذها أحد منه عنوة، بل كما قال له المجد «أضعها أنا من ذاتي» (يوحنا10: 18). نعم لم تؤخذ روحه منه قهرًا، بل بكامل إرادته واختياره قَبِلَ الموت. وبلغة إشعياء 53: 12 «سكب للموت نفسه».

آيات مصاحبة لموته

يقول الوحي:

«إن يسوع صرخ بصوت عظيم وأسلم الروح. وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل. والأرض تزلزلت والصخور تشققت، والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين. وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان خافوا جدا وقالوا حقا كان هذا ابن الله».

والعجائب السابقة حدثت من كل اتجاه: من السماء، ومن الأرض، ومن تحت الأرض. وأخيرًا من هيكل الله في أورشليم! ويمكن تقسيمها إلى مجموعتين:

  • علامات طبيعية
  • علامات روحية

علامات طبيعية: عودة النور وحدوث الزلزلة

كانت ظلمة الجلجثة خلال الساعات الثلاث الأخيرة للمسيح فوق الصليب، ظلمة معجزية. وبمجرد أن أسلم الرب يسوع الروح، عاد النور من جديد كما كان.

وأما عن الزلزلة فقد كانت زلزلة عظيمة إلى درجة أن الصخور نفسها تشققت. وكما أظلمت شمس الطبيعة وهي ترى ”شمس البر“ متألمًا، فقد ترنحت الصخور عندما مات ”صخر الدهور“.

ومن الجميل أن نتذكر أنه منذ ذلك اليوم وإلى الآن فإن قلوبًا أقسى من الحجر تشققت في توبة حقيقية، وتخلصت من قوة الموت والخطية!

علامات روحية: تفتح القبور وانشقاق حجاب الهيكل

يا لروعة هذه العجيبة. لقد تفتحت القبور التي كانت تضم رفات القديسين، ودخلت في الجثث حياة جديدة! وبعد قيامة ”باكورة الراقدين“، الذي هو ربنا يسوع المسيح، خرج هؤلاء أيضًا من مخادعهم، وظهروا لكثيرين في المدينة المقدسة. ويخبرنا الوحي أن الذين قاموا كانوا كثيرين، وأنهم ظهروا في أورشليم لكثيرين. وهذا معناه أن المسيح بموته كسر شوكة الموت، ووضع الأساس لإبادة ذاك الذي كان ”له سلطان الموت أي إبليس“ (عبرانيين2: 14).

وأما انشقاق الحجاب فنحن نعلم أن قدس الأقداس في هيكل أورشليم كان هو مكان حضور الله الرمزي وسط شعبه. وكان ”الحجاب“ الذي يفصل بين القدس، حيث خدمة الكهنة، وقدس الأقداس حيث مسكن الله الرمزي، تعبيرًا عن عدم السماح للإنسان بالاقتراب من محضر الله. لكن يا للدهشة التي أصابت الكهنة بني هارون عندما انشق الحجاب السميك، دون أن تلمسه يد بشرية، وكأن يد الله هي التي شقته، إذ يوضح الكتاب المقدس أن الحجاب انشق من فوق إلى أسفل!

في بداية خدمة المسيح ليعلن الآب جانبًا عن عظمة ذلك الشخص المجيد، فقد شق السماء له (مرقس 1: 10)، والآن ليعلن رضاه عن عظمة عمله الذي عمله، فقد شق حجاب الهيكل!

ويعلق كتبة البشائر على هذا الأمر بالقول: «وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان خافوا جدًا وقالوا حقا كان هذا ابن الله».

لقد كان قائد المئة – المكلف مع فرقته للقيام بحراسة المصلوبين – وثنيًا، لكنه لما رأى جانبًا من تلك الأعاجيب فقد وقف يتأمل في ذلك المصلوب العجيب. كان شاهد عيان لعملية الصلب، وشده يقينًا مسلك ذلك الشخص الفريد. ورأى الظلمة تكسو المشهد لمدة ساعات ثلاث ثم تنسحب. كما أنه سمع عبارات المسيح السبع التي نطق بها من فوق الصليب، وشاهد الوقار والجلال اللذين كانا له طوال فترة الصلب. ولاحظ كيف دخل إلى الموت بإرادته بعد أن صرخ بصوت عظيم، ثم رأى التلال تترنح والصخور تتشقق. ونحن نعلم أن الزلازل على مر التاريخ كانت من أكثر الظواهر الطبيعية التي ترهب الإنسان وتفزعه. لذلك فإن قائد المئة والذين معه، لما رأوا ذلك كله، فقد خرجت من أرواحهم المرتعدة تلك الصرخة الواضحة والمعبرة: «حقًا كان هذا ابن الله» (متى27: 54؛ مرقس15: 39).

يقول البعض أن كلمة ”ابن الله“ في الأصل اليوناني وردت بدون أداة تعريف، وعليه فإنها لا تعني ابن الله بل ابنًا لله، ولكننا نرد عليهم بمنطقهم فنقول إن هذه العبارة أيضًا وردت خالية من أداة النكرة، فلا يصح ترجمتها ”ابنًا لله“. لكن الأكثر من ذلك فإن قادة الأمة استخدموا التعبير ذاته في يوحنا 19: 7 عندما اشتكوا يسوع أمام بيلاطس أنه جعل نفسه ”ابن الله“، بالمعنى الذي نفهمه نحن. ويعلق البشير على ذلك بالقول إن بيلاطس ازداد خوفًا! كل الفارق أن رؤساء الكهنة قالوها في أسلوب تهكمٍ ورفض، بينما قائد المئة والذين معه قالوها بتصديق: «بالحقيقة كان هذا ابن الله»!

ترى هل تقولها أنت أيضًا؟ ثم بأي أسلوب تقولها؟ إن عبارات قائد المئة والذين معه تعلن لنا نصرة المصلوب. فلا يقدر أحد أن يؤمن بلاهوت المسيح إلا بالروح القدس (1كورنثوس 12: 3). وعلى مر التاريخ كثيرون من ألد أعداء المسيح والمسيحية تغيَّروا في لحظة واحدة، وليس من تفسير لذلك سوى عمل روح الله السري في داخل القلوب. فهل لك نصيب في هذا الإيمان الثمين، ”إيمان مختاري الله“، أيها القارئ العزيز؟

آية قيامته، ثم آيتان مصاحبتان

آية القيامة

بعد حياة القداسة والكمال، والخير والصلاح التي عاشها المسيح فوق الأرض، رفع فوق الأرض بالصليب لكي يموت نيابة عن الخطاة، ولكنه فعل ما هو أكثر من ذلك، إذ ذاق الموت بنعمة الله، ونزل إلى القبر. لقد رُبط المسيح بوثق الموت المتينة وحباله القوية، ودُفِن. فهل استطاعت تلك القيود الباردة أن تمسك به، كما أمسكت قبلاً بكل من قيدتهم؟ الإجابة كلا، فلقد قام المسيح من الأموات ناقضًا أوجاع الموت، مقطعًا حباله، في ذات اليوم الذي كان قد سبق هو وحدده

فالمسيح ليس فقط مات بكامل إرادته، وعندما أراد وكما حدد، بل أيضا قام بكامل إرادته عندما أراد وكما حدد. فلاعجب أن يعلق الرسول بولس على هذه آية قيامته بالقول: «تعيَّن (تبرهن) ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات» (رومية1: 4). فإقامة المسيح لنفسه من بين الأموات من أقوى الأدلة على لاهوته.

ما زال الموت في نظر الكثيرين عدو مخيف، أمامه تنحني كل الجباه، وتصمت كل الأفواه. لذا سُمى في الكتاب المقدس «ملك الأهوال» (أيوب18: 14). لقد «وضع للناس أن يموتوا مرة، ثم بعد ذلك الدينونة» (عبرانيين 9: 27). من ذا الذي يستطيع أن يهزم ذلك الملك الرهيب، العدو الأول للبشرية؟ إنه ليس مجرد إنسان. صحيح هو إنسان، ولكنه أكثر من ذلك بكثير. وإقامته لنفسه من بين الأموات دلت على أنه هو «الله (الذي) ظهر في الجسد».

يقول داود في المزمور: «قدامه يجثو كل من ينحدر إلى التراب، وكل من لم يحي نفسه» (مزمور22: 29). وهي عبارة تنطبق يقينًا على كل بني آدم، فقد يستطيع الإنسان أن يميت نفسه، لكن أين هو الإنسان الذي يقدر أن يحيي نفسه؟ لقد صار الحكم على جميع البشر أجرة للخطية التي ارتكبها آدم في الجنة، فقال له الرب: «لأنك تراب، وإلى تراب تعود» (تكوين3: 19). والعجيب أن المسيح نفسه شاركنا في هذا عندما أتى ليحمل عنا عقوبة الخطية، فيقول في المزمور كحامل الخطايا: «إلى تراب الموت تضعني» (مزمور22: 15). ولكن مع أن المسيح شاركنا في الجزء الأول من الآية، وانحدر إلى التراب، ولكن – لأنه كان مختلفًا عنا – لم يشاركنا في بقية الآية، إذ إنه أقام نفسه من الأموات!

والواقع أن هذا هو منتهى العجب، فالموت هو عين الضعف البشري، وإقامة الميت من قبره هو عين القوة الإلهية، فكيف يجتمع التقيضان معًا في شخص واحد؟ كيف يجتمع منتهى الضعف ومنتهى القوة في الوقت ذاته؟ كيف يلتقي الضعف البشري مع القوة الإلهية في الشخص نفسه؟ الإجابة لأن المسيح مع أنه صار إنسانًا، لكنه لم يكف لحظة عن أن يكون ابن الله الذي ظهر في الجسد.

آيتان مؤيدتان لقيامته

نحن نقرأ أقوال المسيح عن إقامته لنفسه، في آيتين وردتا في إنجيل يوحنا؛ الأولى في بداية خدمته، والثانية قرب ختامها.

الآية الأولى كانت بمناسبة تطهير الهيكل في زيارة الرب الأولى لأورشليم بعد خروجه للخدمة، وكانت ردًا من المسيح على اليهود عند طلبهم منه آية تبرهن أنه ابن الله، فقال لهم: «انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه» (يوحنا2: 19). لقد ظنوا أنه يتحدث عن هيكل هيرودس الذي استغرق بناؤه ستًا وأربعين سنة، وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده. «فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال».

والآية الثانية كانت ضمن حديث الرب الشامل مع اليهود بعد أن شفى الرجل المولود أعمى، ووهبه البصر، فكانت النتيجة أن طردوه خارج المجمع. ولقد تحدث الرب عن خرافه ومحبته لها، وكذلك عن محبته للآب، وكان من ضمن ما قاله في هذا الحديث: «لهذا يحبني الآب، لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا. ليس أحد يأخذها (أي نفسي) مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا» (يوحنا10: 17).

آيات الكتاب تشهد عنه

إن المسيح الذي ظهر في أول العهد الجديد هو نفسه مسيح الكتاب المقدس بعهديه. ومع أن التوراة أساسًا كتاب يهودي، واليهود لا يؤمنون بالمسيح، فإنه كما تحدث العهد الجديد بوضوح عن لاهوت المسيح، كذلك فعلت أسفار العهد القديم

وسنكتفي من العهد القديم بآيتين من نبوة إشعياء أول أسفار الأنبياء، التي تحدثنا عن تطلعات القديسين في التدبير السابق؛ ومن العهد الجديد بآيتين من رسالة رومية، أولى الرسائل، التي تحدثنا عن مجمل الحق المسيحي.

الآية الأولى في إشعياء 7: 14 حيث ترد النبوة عن مولد المسيح العذراوي، ولكن ليس فقط عن هذا الميلاد المعجزي بل أيضا عن اسم المولود العجيب.

يقول إشعياء: «وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ» (إشعياء7: 14).

وعندما يقول إشعياء: ”ها العذراء“، فكأنه يتطلع بمنظار النبوة عبر القرون والأجيال الممتدة أمامه، ويقول: ها هي. إني أراه ولكن ليس قريبًا، وأبصره ولكن ليس الآن. وقوله ”العذراء“، فالكلمة هنا تدل بحسب الأصل العبري أنه كان يقصد عذراء بذاتها، وليس أي عذراء في إسرائيل، حيث ترد في الأصل معرفة وليس نكرة. هذه العذراء المقصودة بذاتها ستحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل.

والآن، ماذا يعني هذا الاسم ”عمانوئيل“؟

إنه يعني ”الله معنا“.

وللتأكيد على هذا المعنى، وأن هذا ليس مجرد اسم لشخص عادي يدعى عمانوئيل، كما قد يحدث في أيامنا، ولا هو ابن النبي إشعياء كمما ادعى البعض، فإن الأصحاح التالي تحدث عن أرض الرب التي سيغزوها ملك أشور. وفيه يقول النبي، كأنه يستغيث بالمولى صارخًا: «يكون بسط جناحيه ملء عرض بلادك يا عمانوئيل» (إشعياء8: 8).

إذا فعمانوئيل ليس أحد آخر غير المسيا، الذي الأرض أرضه، والذي «إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله» (يوحنا1: 11). عمانوئيل هو صاحب الأرض، عمانوئيل هو يهوه الذي يملك الأرض. و”يهوه“ هو مولود العذراء!

أن تحبل العذراء، هذا منتهى العجب! لكن كون الطفل المولود هو ”عمانوئيل“، الله معنا. فهذه آية أروع من أن العذراء تحبل، وكانت هذه الطريقة المعجزية في الميلاد، تليق بمقدم «الكائن على الكل الله المبارك إلى الأبد» (رومية9: 5).

والآية الثانية وردت في إشعياء 9 حيث يقدم النبي اسمًا خماسيًا للمسيا فيقول:

«لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه. ويدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام» (إشعياء9: 6).

هنا نقرأ عن ناسوت المسيح عندما يقول النبي: «لأنه يولد لنا ولد». فالذي ولد هو الإنسان، ولكنه أيضا يحدثنا عن لاهوته عندما يقول: «نعطى ابنًا»، فهو كابن الإنسان ولد، وكابن الله أعطي لنا! من ثم يذكر هذا الاسم الخماسي للمسيح، وهذه الخماسية كلها تدل على عظمته وسموه.

ويدعى اسمه عجيبًا“. ولعل وجه العجب حقًا أنه يجمع في نفسه صفات اللاهوت كلها وصفات الناسوت كلها. كيف؟ هذا سر يفوق العقول. «وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد» (1تيموثاوس3: 16).

”مشيرًا“: وهي صفة من صفات اللاهوت التي تحدث عنها إرميا إذ أشار إلى الرب بالقول «عظيم في المشورة، وقادر في العمل» (إرميا 32: 19).

”إلهًا قديرًا“وبالعبري ”إيل جيبور“: وإيل هنا هو المقطع الأخير من ”عمانوئيل“.وأما اسم ”إيل جيبور“، فهو عينه الاسم الذي ورد في إشعياء10: 21 وترجم هناك ”الله القدير“. نعم إن أحد أسماء المسيح هو ”الله القدير“. إنه هو الذي يرد عنه في الرسالة إلى العبرانيين 1: 3 أنه «ابنه.. وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته». ما أعظم ما تعنيه هذه الكلمة الصغيرة: ”كل الأشياء“! ما لا يحصى من المجرات والنجوم يحملها المسيح بكلمة قدرته! إنه هو الذي يحمل الفلك!

«أبًا أبديًا» أو بكلمات أخرى ”أبو الأبدية“. بمعنى منشئ الأبدية. فهو مصدر الزمن، هو قبل الزمن وبعده أيضًا.

«رئيس السلام»: هنا نجد التأثير العجيب لحضوره، فهو يأتي بالسلام!

ثم لننتقل إلى آيتين في العهد الجديد، في رسالة رومية:

الآية الأولى:

«الله بيَّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا» (رومية 5: 8).

آية عظيمة تحدثنا عن محبة الله من نحونا. وماذا كان تعبير تلك المحبة؟ يقول الرسول: «مات المسيح لأجلنا». فموت المسيح إذًا هو مقياس محبة الله! بعبارة أخرى: المسيح هو نفسه الله.

والآن تفكر في هذا الأمر السامي العجيب: أ يمكن أن تتصور أن الله يحبك؟ يحبك أنت. وإلى أي درجة هو يحبك؟ إلى الدرجة التي فيها يضحي بابنه الوحيد لأجلك؟

ترى ما هو صدى هذه المحبة في نفسك؟ أ لعلك تتجاوب معها بالإيمان؟ ليتك تفعل ذلك الآن.

الآية الثانية:

«المسيح.. الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد» (رومية 9: 5)

ومع أن الرسول في هذه الآية يؤكد على ناسوت المسيح إذ يقول إنه أتى من إسرائيل حسب الجسد، ولكنه يوضح أنه هو «الكائن على الكل (الله) المبارك إلى الأبد». إنها الأحجية عينها، فهو أتي منهم (بحسب الجسد)، وأما بلاهوته فهم منه، وهو فوق الكل. تمامًا كما قال إنه ذرية داود، كما أنه أصله! (رؤيا22: 16)، وهو ابن داود وفي الوقت نفسه هو ربه! (مزمور 110: 1)، وهو يخرج من يسى من جهة الجسد، وهو ”أصل يسى“ بلاهوته! (إشعياء11: 1، 10).

يقال عن المسيح هنا إنه الله، تمامًا كما قيل عنه ”الله العظيم“ (تيطس 2: 13)، و ”الله القدير“ (إشعياء9: 6)، و ”الله الحقيقي“ (يوحنا الأولى 5: 20)، و ”الله معنا“ (متى 1: 23). له كل المجد.

 

(5) المسيح قَبِلَ السجود

لم يطلب المسيح – لما كان هنا على الأرض – من أحد أن يسجد له، فهو الذي أخلى نفسه بمحض اختياره، آخذًا صورة عبد، وهو الوديع الذي لم يكن يحاول أن يلفت الأنظار إلى نفسه؛ بل عندما أراد الأشرار، سواء في اليهودية أو الجليل، قتله، ترك المكان واجتاز في وسطهم ومضى (متى 12: 14، 15؛ يوحنا8: 59)، وعندما رفضوا قبوله في قرية للسامريين واقترح عليه تلاميذه إبادة تلك القرية، انتهرهما قائلاً: «لستما تعلمان من أي روح أنتما. لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس، بل ليخلص» (لوقا9: 55، 56). نعم إنه لم يفعل مثل إيليا: يأمر بنزول نار السماء لتأكل أعداءه (2ملوك1: 10، 12)، ولا مثل موسى الذي دعا أن تفتح الأرض فاها لتبتلع مقاوميه (عدد16: 28-30)!

كلا، إن المسيح لم يطلب من الناس السجود له، ولكن الآب قال ذلك، والروح القدس قاد إلى ذلك، وهو – تبارك اسمه – قبل ذلك!

وسنقسم حديثنا في هذا الفصل إلى أربعة أفكار هامة تقود كلها إلى النتيجة ذاتها، أن المسيح هو الله:

  • أن المسيح هو موضوع سجود جميع الخلائق، ونحن نعلم أن السجود لا يليق إلا بالله وحده لا سواه.
  • والمسيح هو موضوع التمجيد، ولقد قال الله: «مجدي لا أعطيه لآخر» (إشعياء 42: 8).
  • والمسيح هو موضوع اتكال شعبه. ويعلمنا الكتاب إنه ملعون من يتكل على المخلوق دون الله,
  • وإليه تُرفع صلوات المؤمنين والأتقياء. ولا يقدر أن يسمع الصلوات ويستجيبها إلا لله.

 

أولاً: المسيح موضوع سجود جميع الخلائق

نحن نقرأ في الأناجيل عن مناسبات كثيرة فيها قَبِل المسيح – لما كان هنا على الأرض – سجود البشر.

والمسيح، بحسب إنجيل متى وحده، قبل السجود في ثماني مناسبات مختلفة. من يهود وأمم، من رجال ونساء، من فرادى وجماعات، قبل الصليب وبعد القيامة.

فلقد سجد له المجوس كما أشرنا في الفصل السابق، ونحن نتحدث عن الآيات التي صاحبت مولده. ولم يكن ما فعله المجوس هنا زلة منهم، باعتيار أنه لم يكن عندهم شريعة ولا ناموس، فيلفت النظر أن المجوس، حين رأوا هيرودس الملك مع كل مظاهر السلطان والجاه التي كانت محيطة به، لم يسجدوا له. لكنهم حين رأوا المسيح، أمكنهم من خلال حجاب الاتضاع وستار الفقر، أن يروا مجده.

وهؤلاء المجوس يذكروننا بحادثة أخرى في آخر حياة المسيح على الأرض، وبالتحديد حين كان معلقًا فوق الصليب، حين قال اللص التائب للمسيح: «اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك» (لوقا23: 42). لقد رأى فيه اللص أنه الملك وهو معلق فوق الصليب، ورأى فيه المجوس أنه ملك اليهود وهو مازال طفلاً. في بداية المسار سجد له هؤلاء المجوس باعتباره الله، وفي نهاية المسار صلى إليه اللص التائب باعتباره الرب!

ولنلاحظ دقة الوحي هنا في وصف سجودهم، فيقول: «وأتوا إلى البيت، ورأوا الصبي مع مريم أمه. فخروا وسجدوا له. ثم فتحوا له كنوزهم» (متى2: 11). وتعبير ”الصبي وأمه“ يتكرر 5 مرات، ولا مرة يقول الأم وطفلها. فهو وُلد ليكون الأول. إذ يقول الرسول عنه: «لكي يكون هو متقدمًا في كل شيء» (كولوسي1: 18). وواضح من كلام البشير أن المجوس «خروا وسجدوا (ليس لهم) بل له» فالسجود له وحده.

ويا له من إيمان عظيم، اخترق ما تراه العين البشرية، ليرى ما لا يمكن لغير الإيمان أن يراه! يرى في الطفل الصغير ملك المجد، ورب الكون، فيسجد له! ويرى في المصلوب ملك الوجود ومخلص البشرية، فيصلي له. وأريد أن أقول إننا اليوم عندنا من الأدلة أضعاف ما كان عند المجوس قديمًا، أو اللص التائب من بعدهم؟ فهل نعمل مثلما عمل المجوس فنسجد له سجود الحب؟ وهل نتكل عليه اتكال القلب، ويكون لنا الإيمان الذي يخلِّص؟!

ثم نقرأ مرة ثانية على السجود للمسيح من الأبرص الذي طهره المسيح وشفاه. لقد وثق هذا الأبرص في قدرة المسيح على شفائه، ولا يوجد من يشفي من البرص غير الله. ولهذا فإن هذا الرجل أول ما جاء للمسيح سجد له قبل أن يطلب منه أي شيء. وسجود الأبرص للمسيح، وقبول المسيح هذا السجود منه، له دلالة هامة. ففي أصحاح4، قبل موعظة الجبل مباشرة، رفض المسيح في التجربة تقديم السجود للشيطان، الذي وعده أن يعطيه في المقابل كل ممالك العالم. والمسيح رفض السجود لليطان ليس لأنه شيطان، بل «لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد» (متى4: 10)؛ وفي هذا الأصحاح، وبعد الموعظة مباشرة، قبل هو نفسه السجود من هذا الرجل الأبرص. أ ليس لهذا مدلول هام؟

ثم نقرأ في متى 9 عن رئيس مجمع اليهود، كيف أتى ليسوع وسجد له، وطلب منه أن يأتي معه ليقيم ابنته من الموت، وهو ما حدث فعلاً. ومن ذا الذي يقيم الموتى إلا الله وحده؟ فلا عجب أن يسجد رئيس المجمع له.

ثم نقرأ في متى 14: 32و33 أن «الذين في السفينة جاءوا وسجدوا له قائلين بالحقيقة أنت ابن الله». قالوا ذلك بعد أن شاهدوا، لا معجزة واحدة، بل أربع معجزات عجيبة، لا يقدر على فعل واحدة منها سوى الله، ولقد سبق أن تأملنا فيها في الفصل الثاني ”أعمال المسيح قالت“.

ومرة خامسة قبل المسيح السجود من المرأة الكنعانية في متى 15: 25 ولقد أثبت المسيح لاهوته، عندما أثبت أنه الأقوى من الشيطان القوي، وليس أقوى من الشيطان سوى من خلقه (قارن مع كولوسي 1: 16). ولقد أمكن للرب له المجد أن يخرج الشيطان من ابنة هذه المرأة بكلمة واحدة قالها، رغم أنه كان بعيدًا عن الفتاة المسكونة بالشيطان، وذلك لأنه هو الله الذي لا يتحيز بحدود المكان أو الزمان.

ومرة سادسة قبل المسيح السجود من أم ابني زبدي، إذ أتت وسجدت له قبل أن تقدم طلبها له في متى 20: 20

ثم نقرأ بعد قيامة المسيح من الأموات عن مناسبتين فيهما قدم التلاميذ سجودهم للمسيح. فيقول متى البشير عن المرأتين اللتين ذهبتا إلى القبر في صباح يوم القيامة: «فتقدمتا وأمسكتا بقدميه، وسجدتا له». فالمرأتان لم تقولا كلمة واحدة، لأن سجودهما له أعفاهما عن الكلام. لقد أمسكتا بقدمي يسوع وبهذا أظهرتا له الاعتبار العظيم مع المحبة الشديدة له. وفي مقابل ذلك نالتا برهانًا جديدًا على أن ما رأتاه لم يكن وهمًا ولا خيالاً، بل كان جسد يسوع المقام فعلاً.

والتلاميذ إن كان قد سبق لهم السجود للمسيح قبل الصليب، أما الآن، فبعد قيامته من الأموات، صار لسجودهم مذاق جديد. لكأن هاتين المرأتين قالتا، في قلبيهما، بلغة بني قورح: «لأنه هو سيدك، فاسجدي له» (مزمور45: 11).

والمرة الأخيرة عندما نقرأ عن ظهور المسيح لعدد كبير من التلاميذ، ويقول البشير: «ولما رأوه سجدوا له، ولكن بعضهم شكوا» (متى 28: 17). هذه هي المرة الثامنة في الإنجيل التي فيها يقدم السجود للمسيح من المؤمنين به، والمرة الثانية بعد قيامته له المجد من الأموات. وسوف نعود لهذا الأمر بعد قليل.

وإنجيل يوحنا يتضمن مناسبة واحدة قُدِّم فيها السجود للمسيح، لكن هذه الحادثة لها جمالها الأخاذ، وأعني بها تلك المرة التي سجد فيها الرجل الذي كان أعمى فأعطاه الرب نعمة البصر، بحسب إنجيل يوحنا 9. والحقيقة إن ما عمله المسيح مع هذا الرجل، يعتبر أحد الأدلة على لاهوت المسيح، وهو موضوع إنجيل يوحنا الرئيس. فالله خلق الإنسان في البداية من الطين (انظر أيوب33: 6)، وها المسيح، بوضعه الطين على عيني الأعمى، كأنه يكمل ما نقص من خلقة ذلك الرجل!

إذًا فلقد كان عمانوئيل، الرب الشافي، وسطهم، وسبق له أن فتح أعين عميان كثيرين، لكن كانت الأمة كلها بالأسف في حالة العمى الروحي فلم تبصر شافيها ولا فاديها الذي أتى لنجدتهم. على العكس من ذلك، كان إدراك الرجل الذي كان أعمى فأبصر يزداد: فأولاً عرف أنه ”إنسان يقال له يسوع“ (ع 11)؛ ثم سرعان ما نما في النعمة والمعرفة، وأدرك أنه ”نبي“ (ع 17)؛ ثم أدرك ثالثًا أنه ”من الله“ (ع33). على أن معرفة المسيح أنه ”ابن الله“ كان يستلزم إعلانًا مباشرًا من المسيح، وهو ما فعله المسيح معه فعلاً، إذ وجد الإخلاص متوفرًا.

وعندما تمسّك ذلك الرجل بالولاء للمسيح فقد طرده اليهود خارج المجمع، جردوه من انتسابه الوطني، واعتبروه كجسم غريب فلفظوه، وهو عين ما يحدث مع الكثيرين حتى يومنا هذا. على أن المسيح التقاه في الخارج وسأله: «أ تؤمن بابن الله؟ أجابه ذاك: من هو يا سيد لأومن به؟ قال له يسوع: قد رأيته، والذي يتكلم معك هو هو. فقال: أومن يا سيد. وسجد له» (ع35-38).

لقد خسر صاحبنا مكانًا يمكنه أن يقترب فيه، لكي يسجد سجودًا طقسيًا، لكنه وجد شخصًا يمكنه عنده أن يسجد السجود الحقيقي. ونلاحظ أن ذلك الرجل لم يسجد أمام ”إنسان يقال له يسوع“، كما أنه لنبي أيضًا لم يسجد، ولكن لما عرف أن المسيح هو ابن الله فقد سجد له!

ذكرنا أن التلاميذ ليس فقط قبل الصليب، بل أيضًا بعد القيامة من الأموات سجدوا للمسيح. ونلاحظ أن المسيح بحسب مرقس 16: 14 وبخ عدم إيمان تلاميذه، لكننا لا نقرأ في أي مكان أنه وبخهم على سجودهم له. كما أنه وبخ توما على عدم إيمانه بقيامته (بحسب يوحنا 20: 27)، ولكن لما قال له توما: ”ربي وإلهي“ وهي الألقاب التي لا ينبغي أن تقال سوى لله، فإن المسيح لم يوبخه على تجديف قاله، بل قبل منه اللقبين، فهو فعلا ربه وإلهه، بل هو ربنا وإلهنا، كما يشهد عنه ”كل الكتاب“.

ثم بعد الأناجيل تأتي الرسائل وسفر الرؤيا لتواصل الحديث عن ذلك المجد الذي يخص الله دون سواه، فتحدثنا إنه لا بد أن يأتي اليوم الذي فيه كل الخلائق، بشرية كانت أم ملائكية، أم جهنمية، ستسجد له. فيخبرنا كاتب العبرانيين أنه سيأتي اليوم عن قريب الذي فيه ستجثو للمسيح كل الملائكة. فهذا هو كلام الوحي الصريح في افتتاحية الرسالة: «عند دخول البكر إلى العالم (مرة ثانية) يقول ولتسجد له كل ملائكة الله» (عبرانيين 1: 6). وهذه الآية مقتبسة من مزمور 97: 1و7 حيث ترد هناك عن الرب (يهوه) الملك، فيقول: «الرب قد ملك.. اسجدوا له يا جميع الآلهة». فيقتبسها كاتب العبرانيين مطبقًا إياها على المسيح ابن الله.

لكن ليس الملائكة فقط، بل كما يقول الرسول بولس إنه سوف: «تجثو باسم يسوع كل ركبة من في السماء، ومن على الأرض، ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب» (فيلبي2: 10و11).

وحسن أن نعلم أن الآية الأخيرة اقتبسها الرسول بولس من نبوة إشعياء حيث يقول الرب: «أنا الله وليس آخر. بذاتي أقسمت، خرج من فمي الصدق، كلمة لا ترجع، إنه لي تجثو كل ركبة، يحلف كل لسان (إشعياء 45: 22و23). المتكلم بحسب إشعياء هو الله، ويؤكد أنه له ستجثو كل ركبة، فيقتبسها الرسول بولس مطبقًا إياها على الرب يسوع المسيح، مما يبرهن على أمرين: أولهما أن المسيح هو الله، وثانيهما أنه لن يفلت أحد من السجود لابن الله!

والآن ما المدلول الذي نخرج به من أن المسيح قبل السجود مرات عديدة، وأنه سيأتي الوقت عن قريب وسيجثو له الجميع. الإجابة الوحيدة المنطقية على ذلك، باعتبار أن السجود هو مجد خاص بالله وحده، ولا ينبغي إطلاقًا أن نقدمه للمخلوق مهما كان، أن المسيح هو الله. في العهد القديم قال الله: «مجدي لا أعطيه لآخر». ولذلك فإن كل الأمناء رفضوا مطلقًا أن يقدم السجود لهم، فالرسول بطرس رفض سجود كرنيليوس له، قائلا: ”أنا أيضًا إنسان“ (أعمال10: 25و26)، والرسولان بولس وبرنابا رفضا تقديم الذبائح لهما، لأنهما بشر تحت الآلام نظير من كانوا يريدون أن يذبحوا لهما (أعمال14: 13-15)، والملاك رفض سجود يوحنا في جزيرة بطمس لأنه أيضًا عبد (رؤيا19: 9و10؛ 22: 8و9).

وفي مفارقة مع كل هؤلاء قبل المسيح السجود، لأنه هو الرب، وهو الله.

 

ثانيًا: المسيح هو موضوع الإكرام والتمجيد في الأرض وفي السماء:

عندما تحدثت المرأة السامرية مع الرب يسوع عن السجود، حدثها عن السجود الحقيقي للآب بالروح والحق. فماذا عن الابن؟ هل يقدم المؤمنون السجود له أيضًا؟ الإجابة نجدها في الأصحاح التالي، عندما قال المسيح لليهود: «لكي يُكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب. من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله» (يوحنا5: 23).

ولذلك فلا عجب أن نجد سجود المفديين في السماء موجه إلى الآب والابن، أو بلغة الكتاب للجالس على العرش وللحمل (رؤيا5: 13). وسوف نعود بعد قليل لهذه النقطة.

وبعد القيامة ظهر الرب للتلاميذ وهم مجتمعين، على نحو ما يخبرنا به البشير يوحنا. ظهر لهم في المرة الأولى، ولم يكن توما الرسول معهم. فلما أخبره زملاؤه الرسل بأن المسيح قام من الأموات، وأنهم رأوه، قَالَ لَهُمْ: «إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ لاَ أُومِنْ» (يوحنا20: 25). ويستطرد البشير قائلا: «وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تلاَمِيذُهُ أَيْضاً دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: «سلاَمٌ لَكُمْ». واتجه الرب فورًا إلى توما بالقول: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِناً». أَجَابَ تُومَا وقال له: ”رَبِّي وَإِلَهِي“. قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا».

بعض المزوِّرين، ليتحاشوا هذا الكلام الصريح الذي فيه قال واحد من التلاميذ للمسيح إنه ربه وإلهه، قالوا إن توما وقد أخذ بالمفاجأة، كيف عرف المسيح ما قاله، رغم عدم وجود المسيح معهم عندما نطق بهذه الكلمات، فإنه هتف قائلا: ”يا إلهي“، كما تفعل نحن أحيانا عندما نقابل شيئًا مدهشًا وعجيبًا!

وللرد على ذلك نقول أولاً إن معرفة المسيح لما حصل، رغم عدم وجوده مع التلاميذ، يؤكد لنا أنه هو الحاضر الغائب، الذي لا تراه عيوننا لكنه هو يرانا ويسمعنا. وهذه واحدة من صفات اللاهوت لا يشاركه فيه سواه.

وثانيًا: كان اليهود يتحاشون تمامًا استخدام اسم الجلالة في نطقهم العادي، فهم ليسوا نظيرنا الآن ينطقون باسم الله في كل مناسبة وفي غير مناسبة، بل إذ كانوا يوقرون اسم الله كانوا يستبدلونه ما أمكنهم بغيره من المسميات، مثل تعبير ”ملكوت السماوات“ بدلاً من التعبير ”ملكوت الله“، والقول ”أخطأت إلى السماء“ بدلاً من ”أخطأت إلى الله“ (لوقا15: 18)، وأيضًا قولهم للمسيح: ”هل أنت ابن المبارك“؟ بدلاً من قولهم: ”هل أنت ابن الله؟“، وهكذا. ومع أننا كثيرًا ما نستعمل التعبير يا إلهي اليوم للتعبير عن الدهشة، لكن لا يوجد أدنى دليل تاريخي على الإطلاق في أن اليهود كانوا معتادين على استخدام هذا اللفظ كتعبير عن التعجب.

وثالثًا: النص لا يدعنا نذهب إلى هذا الاستنتاج مطلقًا، فالنص يقول: «أجاب توما وقال له: ربي وإلهي». فليس أن توما قال ربي وإلهي، بل ”قال له“، أي قال هذا للمسيح.

وليس توما وحده الذي اعتبر أن الرب يسوع ربه وأنه هو عبده، بل جميع الرسل، فيقول بولس: «بولس عبد ليسوع المسيح» (رومية 1: 1)، ويقول أيضًا: «بولس وتموثاوس عبدا يسوع المسيح» (فيلبي1: 1). والرسول يعقوب يكتب قائلاً: يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح» (يعقوب1: 1). وكذلك فعل الرسول بطرس إذ كتب يقول: «سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله» (2بطرس1: 1). وكذلك أيضًا يهوذا إذ كتب قائلاً: «يهوذا عبد يسوع المسيح» (يهوذا 1). وكما فعل الرسل هكذا فعل باقي المؤمنين، فنقرأ عن أبفراس: «يسلم عليكم أبفراس الذي هو منكم، عبد للمسيح، مجاهد كل حين لأجلكم بالصلوات» (كولوسي4: 12). وقيل عن باقي المؤمنين: «لأن من دعي في الرب وهو عبد فهو عتيق الرب، كذلك أيضًا الحر المدعو هو عبد للمسيح. قد اشتريتم بثمن، فلا تصيروا عبيدًا للناس» (1كورنثوس7: 22، 23). والعبارة الأخيرة تؤكد لنا أن المسيح ليس واحدًا من الناس.

المسيح موضوع الحب والتسبيح:

إن كل المؤمنين يحبون المسيح. كيف لا وهو قد أحبنا أولاً (1يوحنا4: 19). ولهذا الأمر، الذي قد لا يفكر فيه الكثيرون، أهمية قصوى. وتَرِد في الوحي آيتان في منتهى الأهمية، إذا وضعناهما جنبًا إلى جنب، يتضح لنا المعنى الهام المتضمن فيهما. يقول الرسول: «النعمة مع جميع الذين يحبون ربنا يسوع المسيح في عدم فساد» (أفسس6: 24)؛ بينما يقول «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا (وهي كلمة أرامية تعني محرومًا من البركة وملعونًا)» (1كورنثوس 16: 22). هكذا إلى هذا الحد! المحبة له تجلب كل البركات، وعدم المحبة له (ولا يقول البغضة له)، تحرم من كل بركة، بل وتجلب اللعنة!

المسيح موضوع تمجيد شعبه

وعن تمجيد الرب يسوع نقرأ قول الرسول: «لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ فِيهِ، بِنِعْمَةِ إِلَهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (2تسالونيكي 1: 12).

وفي سفر الرؤيا نقرأ عن مناسبات كثيرة فيها يقدم التمجيد للمسيح.

فيقول الرائي عن المسيح: «له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين» (رؤيا1: 6).

ويقول أيضًا: «وَلَمَّا أَخَذَ السِّفْرَ خَرَّتِ الأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخاً أَمَامَ الْحَمَلِ، وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُوراً هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ. وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: «مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا لِلَّهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لِإِلَهِنَا مُلُوكاً وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ» (رؤيا 5: 8-10).

وليس المفديين وحدهم بل الملائكة جميعهم أيضًا، وكذلك كل الخليقة ستتحد في تسبيح المسيح فيقول الرائي: «وَنَظَرْتُ وَسَمِعْتُ صَوْتَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيرِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ، قَائِلِينَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْحَمَلُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ». وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً: «لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْحَمَلِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ» (رؤيا5: 11-13). والعبارة الأخيرة تعني أن التسبيح ذاته الذي يُقدَّم للجالس على العرش (أي الله) هو الذي يقدم للحمل (أي المسيح). فكيف يمكن أن يكون هذا إن لم يكن المسيح هو الله؟

ومرة أخرى نقرأ في رؤيا 7: 10 -17 «وَهُمْ يَصْرُخُونَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلِينَ: «الْخَلاَصُ لإِلَهِنَا الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْحَمَلِ». وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ كَانُوا وَاقِفِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالشُّيُوخِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَخَرُّوا أَمَامَ الْعَرْشِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا لِلَّهِ قَائِلِينَ: «آمِينَ! الْبَرَكَةُ وَالْمَجْدُ وَالْحِكْمَةُ وَالشُّكْرُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ لإِلَهِنَا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ» وَسَأَلَنِي وَاحِدٌ مِنَ الشُّيُوخِ: «هَؤُلاَءِ الْمُتَسَرْبِلُونَ بِالثِّيَابِ الْبِيضِ، مَنْ هُمْ وَمِنْ أَيْنَ أَتُوا؟» فَقُلْتُ لَهُ: «يَا سَيِّدُ أَنْتَ تَعْلَمُ». فَقَالَ لِي: «هَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ أَتُوا مِنَ الضِّيقَةِ الْعَظِيمَةِ، وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوهَا فِي دَمِ الْحَمَلِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ اللهِ وَيَخْدِمُونَهُ نَهَاراً وَلَيْلاً فِي هَيْكَلِهِ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ. لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِّ، لأَنَّ الْحَمَلَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ».

نلاحظ في النص السابق أن العدد العاشر يذكر أن العرش هو عرش الله، إذ يقول في ع10 ”إلهنا الجالس على العرش“، لكن في ع17 يذكر أن الحمل هو الذي ”في وسط العرش“. مما يدل على أن المسيح (الحمل) ليس شخصًا آخر بخلاف الله.

وعن هذا الأمر أيضًا، نقرأ قول الرائي: «وَأَرَانِي نَهْراً صَافِياً مِنْ مَاءِ حَيَاةٍ لاَمِعاً كَبَلُّورٍ خَارِجاً مِنْ عَرْشِ اللهِ وَالْحَمَلِ» (رؤ22: 1). لاحظ أنه لا يوجد في السماء عرشان، بل عرش واحد، وهذا أمر مفهوم جيدا لكل إنسان عاقل يؤمن بوجود الله. وطبعًا لا يجلس على العرش الواحد شخصان مختلفان، بل شخص واحد، لأن الله واحد. وهو ما قاله المسيح لليهود «أنا والآب واحد» (يوحنا10: 30).

ونقرأ أيضًا: «وَعَرْشُ اللهِ وَالْحَمَلِ يَكُونُ فِيهَا، وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ» (رؤيا22: 3). ونلاحظ في الآية الأخيرة أنه لا يقول يخدمونهما، بل يخدمونه. قواعد اللغة ترجع الضمير إلى آخر اسم في الجملة، فإذا اتبعنا قواعد اللغة، فإن الخدمة تكون منسوبة للحمل، وفي هذه الحالة يكون ”الحمل“، أي الرب يسوع المسيح هو هدف العبادة، مما يدل على أنه الله، لأنه «للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد (أي تخدم)» (متى4: 6). ولكن الفهم الروحي يعيد الضمير في الجملة إلى ”الله والحمل“، وذلك لسبب بسيط قاله المسيح وذكرناه قبلا: «أنا والآب واحد». وفي الحالتين نصل إلى النتيجة نفسها أن المسيح هو الله؟

وأيضا نقرأ: «وَلَمْ أَرَ فِيهَا (أي في المدينة السماوية) هَيْكَلاً، لأَنَّ الرَّبَّ اللهَ الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ هُوَ وَالْحَمَلُ هَيْكَلُهَا» (رؤيا21: 22)، ولا يقول إنهما هيكلاها، ومرة أخرى نقول إن هذا يدل على وحدة الجوهر بين الآب والابن، لأن الآب والابن واحد (يوحنا10: 30).

ثالثًا: هو موضوع إيمان شعبه واتكالهم.

قال الرب لتلاميذه في العلية في ليلة آلامه: «أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بى» (يوحنا14: 1). لاحظ أن الرب لم يقل أنتم تؤمنون بالله، وأطلب منكم أن تؤمنوا بي أيضًا، كما لو كان هناك شخصان يجب أن نؤمن بهما، أو أن إيماننا المسيحى مبني على أمرين متميزين. كلا، بل «أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي*». أ لا يعني هذا بكل وضوح أنه هو الله ؟!

ونلاحظ أن سجان فيلبي عندما سأل بولس وسيلا عما ينبغي أن يفعل لكي يخلص، أجاباه قائلين: «آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك» (أعمال 16: 30، 31). ما أعظم هذا! مجرد الإيمان بالرب يسوع المسيح يأتي بالخلاص للشخص، ولأهل بيته. لكن التعليق الذي يكتبه لوقا الطبيب الحبيب لافت للنظر، إذ يقول عن السجان: «وتهلل مع جميع أهل بيته، إذ كان قد آمن بالله» (أعمال 16: 34). ومن هذا أيضًا يتضح لنا أن المسيح هو الله.

وما أكثر البركات التي تصير لنا عندما نؤمن بالمسيح ربًا ومخلصًا؟ يقول الرسول بطرس: «له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا» (أعمال 10: 43). مرة أخرى نقول: ما أعجب هذا! مجرد الإيمان بالرب يسوع يمتع النفس بغفران جميع الخطايا، وهذه هي شهادة، لا واحد من الأنبياء ولا مجموعة منهم، بل جميع الأنبياء!

وإن كان الرسول بطرس ذكر هنا أن غفران الخطايا يناله المؤمن ”باسمه“، إلا أننا من باقي أجزاء الوحي نعرف أن في هذا الاسم الكريم، اسم ربنا يسوع المسيح، ينال المؤمن العديد من البركات:

1- غفران الخطايا: «كتبت إليكم أيها الأولاد لأنه قد غفرت لكم الخطايا من أجل اسمه (اسم المسيح)» (1يوحنا 2: 12).

2- الخلاص: «لأن ليس اسم آخر (خلاف اسم المسيح) تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص» (أعمال 4: 12).

3- الحياة الأبدية: «آيات أخر كثيرة عملها يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب، وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه» (يوحنا 20: 31).

4- يهب الشفاء، وتجرى به القوات: «فقال بطرس (للرجل الأعرج) .. باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش .. ففي الحال تشددت رجلاه وكعباه .. وصار يمشي» (أعمال3: 6-8). ويعلق الرسول بطرس على ذلك بالقول: «بالإيمان باسمه (يسوع) شدد اسمه هذا الذي تنظرونه وتعرفونه.. أعطاه الصحة أمام جميعكم» (أعمال3: 16). وفي صلاة التلاميذ قالوا لله: «بِمَدِّ يَدِكَ لِلشِّفَاءِ وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِاسْمِ فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ» (أعمال4: 30).

5- يهب النعمة: «يسوع المسيح ربنا، الذي به، لأجل اسمه، قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان» (رومية 1: 4و5).

6- وإلى هذا الاسم الكريم يجتمع القديسون. قال المسيح: «لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم» (متى 18: 20).

7- وبهذا الاسم الكريم يرفع المؤمنون صلواتهم، فيستجيب الآب لهم: فيقول المسيح: «وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذَلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالاِبْنِ. إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئاً بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ» (يوحنا14: 13و14). وأيضًا: «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ الآبِ بِاسْمِي يُعْطِيكُمْ. إِلَى الآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئاً بِاسْمِي. اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً» (يوحنا16: 23و24).

لو كان المسيح مجرد إنسان، أ كان يمكن أن ترتبط باسمه كل هذه البركات العظمى والثمينة؟

والمسيح هو موضوع إيمان شعبه واتكالهم، ونعلم أنه لا يمكن أن يكون مجرد إنسان هو موضوع إيمان وأساس اتكال جماهير المؤمنين، فهذا مجد يخص الله وحده فقط. ويعلمنا الكتاب أنه «ملعون من يتكل على ذراع بشر» (إرميا17: 5)، وأيضًا «لا تتكلوا على الرؤساء ولا على ابن آدم حيث لا خلاص عنده» (مزمور146: 3). لكن من الجانب الآخر يقول: «مبارك الرجل الذي يتكل على الرب (يهوه)، وكان الرب متكله» (إرميا 17: 7). إذًا فبينما يمنع الوحي الكريم وضع الثقة في البشر، فإنه يحرضنا على وضع الثقة كلها في الله. ويؤكد الوحي بالوضوح عينه أن الإيمان بابن الله له بركات كثيرة، فيقول داود في المزمور الثاني: «قبلوا الابن لئلا يغضب فتبيدوا من الطريق، لأنه عن قليل يتقد غضبه. طوبى لجميع المتكلين عليه» (مزمور2: 12). ويقول النبي إشعياء: «هأنذا أوسس في صهيون حجرًا، حجر امتحان، حجر زاوية كريمًا أساسًا مؤسسًا، من آمن لا يهرب» (إشعياء28: 16)، فيقتبسها الرسول بطرس مطبقًا إياها على المسيح إذ يقول: «الذي يؤمن به لن يخزى» (1بطرس2: 6).

ولذلك، وبالنظر إلى كل ما سبق، لا عجب إطلاقًا أن قال الرسول بولس: «أرجو في الرب يسوع.. وأثق بالرب» (فيلبي2: 19، 24).

رابعًا: إليه تُرفع الصلوات، وهو يستجيبها

نلاحظ أن الكتاب المقدس يحذرنا من أن نتقدم بصلواتنا إلى أي مخلوق، سواء كان قديسًا من البشر أو الملائكة. ومع ذلك سنجد الآن أن الكتاب المقدس يعلمنا أن نرفع صلواتنا للمسيح، وأنه هو الذي يستجيبها

فمرات عديدة قُدِّمت الصلوات للرب يسوع.

1- الرسل عند اختيار متياس الرسول، وجهوا صلاتهم للرب يسوع قائلين: «أيها الرب العارف قلوب الجميع، عيِّن أنت من هذين الاثنين أيًا اخترته» (أعمال1: 24). ومن البشائر نعرف أن الذي كان يعين الرسل (مرقس3: 13-19)، ويدعوهم (متى10: 1، 5)، ويختارهم (لوقا6: 13-16) هو المسيح. ثم إن الرب يسوع بحسب القرينة في سفر الأعمال أصحاح1 هو الرب يسوع (ع21).

2 – الشهيد استفانوس، شهيد المسيحية الأول، لحظة رقاده، وكان ممتلئًا من الروح القدس، صلى للرب يسوع قائلاً: «أيها الرب يسوع اقبل روحي». مما يدل على إيمانه أن المسيح يقدر أن يسمع صلاته، وعنده القدرة على قبول روحه لحظة رقاده. ثم جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم: «يا رب لا تقم لهم هذه الخطية» (أعمال7: 59و60).

1- في أعمال 8: 24 قال بطرس لسيمون الساحر: «اطلب إلى الرب عسى أن يغفر لك فكر قلبك». والرب بحسب ع16 من الأصحاح ذاته هو الرب يسوع.

2- ثم هو هدف دعاء القديسين من البداية، وهو يسمع الدعاء، فيرد قول حنانيا للرب من جهة شاول الطرسوسي: «وههنا له سلطان من قبل رؤساء الكهنة أن يوثق جميع الذين يدعون باسمك» (أعمال 9: 14). والرب بحسب قرينة الفصل هو المسيح (قارن ع5، 6، 17 ولا سيما ع21).

3- يقول الرسول بولس «كل من يدعو باسم الرب يخلص». وهذه الآية مقتبسة من يوئيل 2: 32 حيث ترد عن الرب ”يهوه“، فيقول يوئيل النبي: «ويكون أن كل من يدعو باسم الرب (يهوه) ينجو». ولقد اقتبسها الرسول بطرس في أعمال 2: 21 وواضح من القرنية أنه يطبقها على المسيح. ثم اقتبسها الرسول بولس في رسالة رومية، وواضح أنها لا تنطبق هناك سوى على الرب يسوع المسيح (رومية10: 9- 13).

4- يكتب الرسول بولس للمؤمنين في كورنثوس قائلاً: «إلى كنيسة الله .. المدعوين قديسين، مع جميع الذين يدعون باسم ربنا يسوع المسيح في كل مكان» (1كورنثوس1: 2). والمعروف أن المؤمنين من بدء الزمان يدعون باسم الرب ”يهوه“، حيث نقرأ حينئذ ابتدئ أن يدعى باسم الرب» (تكوين 4: 26)، ولكن هنا نقرأ عن الدعاء باسم الرب يسوع المسيح، مما يدل على أن جموع المسيحيين، ومن بداية المسيحية، كانوا معتادين على الدعاء باسم الرب يسوع، وعلى الصلاة له. الأمر الذي يعني أن المسيح هو الله.

5- قال الرسول بولس عن الشوكة التي في الجسد والتي أعطيت له: «من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني، فقال لي تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل. فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل عليَّ قوة المسيح» (2كورنثوس12: 8و 9). واضح أن الرب الذي تضرع إليه الرسول هو المسيح، فلقد قال له: ”قوتي في الضعف تكمل“، وتحقق له ذلك إذ حلت عليه ”قوة المسيح“. مما يدل على أن الرب الذي صلى له هو المسيح.

6- الرسول بولس قدم صلاة موجهًا صلاته للمسيح مقرونًا بالآب، فيقول: «وربنا يسوع المسيح نفسه، والله أبونا يعزي قلوبكم، ويثبتكم في كل كلام وعمل صالح» (2تسالونيكي2: 16و17). ولاحظ أنه بعد أن وجه الكلام إلى الرب يسوع وإلى الله الآب، لم يستخدم صيغة المثنى بل المفرد، فلم يقل ”يعزيان“، بل ”يعزي قلوبكم“؛ وذلك لاتحاد الجوهر، رغم تعدد الأقانيم في اللاهوت الأقدس.

7- يوجه الرسول بولس الشكر للرب يسوع قائلاً: «وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا، الذي قواني، أنه حسبني أمينًا إذ جعلني للخدمة» (1تيموثاوس1: 12).

8- يقول الرسول يوحنا: «كَتَبْتُ هَذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا بِاسْمِ ابْنِ اللهِ. وَهَذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئاً حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا. وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبْنَا يَسْمَعُ لَنَا، نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا الطِّلْبَاتِ الَّتِي طَلَبْنَاهَا مِنْهُ» (1يوحنا5: 13-15). الضمير في العبارات السابقة كلها يعود على ابن الله، الذي هو المسيح مما يدل على ضرورة موافقة صلواتنا لمشيئته، وأنه هو الذي يسمع لنا، وثالثا أننا نطلب منه، بمعنى أننا نوجِّه الصلوات للمسيح ابن الله.

9- يُختم العهد الجديد بنداء ودعاء للرب يسوع، إذ يقول يوحنا الرائي بلسان كل القديسين: «آمين تعال أيها الرب يسوع» (رؤيا 22: 20).

 

(6) أهمية هذا الحق

لقد تأكد لنا الآن، بعد هذا الذي شرحناه في الفصول السابقة من الكتاب، أن المسيح قال عن نفسه بطرق متنوعة وعديدة، أنه هو الله. وإني أتذكر هنا كلمات أحد الفلاسفة المسيحيين قال ما معناه: إنه في ضوء تلك الإعلانات الواضحة التي قالها المسيح عن نفسه، يستحيل أن يكون المسيح مجرد إنسان صالح، بل من المُحتَّم أن نصل إلى قناعة من ثلاث: أن تقول إنه كاذب يستحق الاحتقار، أو مجنون يستحق الرثاء، (وأنا أنأى بنفسي وبقارئي تمامًا عن هذه الأقوال المهلكة)، وأما الافتراض الثالث، الذي لا محيص عنه، فهو أن نؤمن بأنه هو الله الي ظهر في الجسد، ونتعامل معه على هذا الأساس، بما يليق به من تقدير وإكرام، ومن عبادة وسجود.

اعتراضات

كثيرون من الذين يرفضون الإيمان المسيحي، يقولون إن أمورًا كالثالوث الأقدس، وطبيعة المسيح المزدوجة (اللاهوت والناسوت) هي فوق العقل.

عزيزي الفارئ: هل أنت من الذين يقولون إنهم لا يستطيعون أن يستوعبوا كيف يكون الله واحدًا وثلاثة أقانيم في آن؟ دعني أسألك إذًا: وهل تقدر أن تستوعب الله في شخص واحد؟ بكلمات أخرى إني أسألك: هل تقدر أن تستوعب الله الذي خلق كل الأشياء، وبالتالي هو قبل كل الأشياء، أو بكلمات أخرى هو أزلي؟

قارئي العزيز: سيظل الله فوق العقل. قال عنه واحد من أصحاب أيوب: «هوذا الله عظيم ولا نعرفه، وعدد سنيه لا يفحص»، وقال أيضًا: «القدير لا ندركه» (أيوب 36: 26؛ 37: 27). ومن أين لعقول محدودة أن تستوعب اللامحدود؟

ومع ذلك فإننا لسنا في حيرة ولا ظلام، ولا نحن – مثل الوثنيين – نتعبد ”لإله مجهول“ (أعمال17: 23). لقد أعطانا الله كلمته الصالحة التي عرفتنا من هو الله، ويمكننا أن نقول له، مع عبد الرب داود: «بنورك نرى نورًا» (مزمور36: 9).

ويعترض آخرون على الإيمان المسيحي قائلين: إنه يستحيل أن الله يُصلب، فالله روح. أو يقولون: كيف للإله أن يتألم ويعاني ويموت؟ ونحن نجيبهم بالقول: نعم هذا كله مستحيل بالفعل، ولهذا كان ينبغي أن يتجسد هذا الإله، لكي يعاني ويتألم ويموت! وآخرون يقولون إنه من غير المعقول ولا المقبول أن الله يولد. كما أنه من غير الممكن أن يقدِّم الله نفسه لنفسه. ونحن نقول إن هذا الاعتراضات تتجاهل حقيقة الأقانيم، وحقيقة التجسد، وأن الابن هو الذي مات، عندما قَبِل أن يتخذ لنفسه جسدًا.

لهذا فإننا سنتحدث في هذا الفصل عن معنى كل ذلك، وضرورته. لكن دعني أشاركك أولاً ببعض الأفكار. فلقد ميَّز الله الإنسان بالعقل. وبقدر ما هذه الميزة عظيمة، بهذا القدر سوف يحاسبه الله إن لم يستعملها. ولقد أعطاه أيضًا إرادة حرة. لقد أعطى الله خليقته قبسًا من سلطانه، وسمح أن يكون الواحد رئيسًا لنفسه، وأن يقرر بنفسه ولنفسه أي اتجاه يختار، وإلى أي مصير ينتهي.

ونظرًا لبركة العقل والاختيار الحر، فإن الإنسان إن شاء أن يرفض الكتاب المقدس والتعاليم الإلهية التي يحويها، فهو حر في ذلك، وأما إن قبل تعليم الكتاب المقدس، فإنه من المستحيل – كما أوضحنا في هذا الكتاب – التملص من الإقرار بأن يسوع الكتاب المقدس هو الله. نعم هو الله الذي ظهر في الجسد. إن الإيمان بلاهوت المسيح – كما رأينا ونحن ندرس جانبًا من هذا الموضوع العظيم – هو في صلب نسيج الكتاب المقدس، في لحمته وسداه. بل إننا إذا نزعنا من المسيحية لاهوت المسيح، لا يبقى منها شيء. ثم كيف يمكن أن يكون لموت إنسان واحد كل هذا التأثير على جميع الناس، وهو الأمر الذي نحسه وندركه ممن حولنا، كما أنه أيضًا مُعلَن في كل أجزاء العهد الجديد.

لماذا تجسد ابن الله؟

والآن دعنا من كلمة الله نبحث عن السبب الذي جعل ابن الله يأتي أولاً في صورة الاتضاع؟

كان أمام المسيح العديد من الأغراض ليقوم بالتجسد:

أولاً: حنين الإنسان للتواصل مع الله، ورغبة الله في التواصل مع الإنسان.

كانت البشرية تحن حنينا جارفًا للتواصل مع الله، فلقد خلقنا الله على صورته كشبهه، وبلغة أحد الفلاسفة الأقدمين: لن يمكن للنفس أن تجد راحتها حتى تلتقي بالله. ولكن بالأسف كان هذا مستحيلاً على البشر بعد السقوط. ولقد استغل الشيطان هذا الحنين في قلب الإنسان، وانحرف به لينشر الوثنية في العالم. لقد كان البشر في ذلك مثل ابن تائه لا يعرف لنفسه أب، وكان يشتاق لمعرفة من هو أبوه.

ونحن نستمع إلى هذا الحنين من كثير من رجال الله في العهد القديم. فمثلاً قال أيوب الصديق في سفر أيوب23: 8و9 «هأنذا أذهب شرقًا فليس هو هناك، وغربًا فلا أشعر به، شمالاً حيث عمله فلا أنظره، يتعطف الجنوب فلا أراه». كما تجاسر موسى النبي يومًا وقال لله: «أرني مجدك! فقال له الرب لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش» (خروج33: 18-20). بل حتى في العهد الجديد عبَّر عن هذه الأمنية العزيزة واحد من تلاميذ المسيح إذ قال له: «أرنا الآب وكفانا» (يوحنا14: 8). لاحظ قوله ”أرنا“ وليس ”أرني“، فلقد كان بهذه الطلبة يعبر عن رأي الآخرين من التلاميذ أيضًا.

ومن كان بوسعه أن يعلن الله لنا سوى أقنوم ”الكلمة“، أعني المسيح ابن الله. فكما أن الكلمة هي التعبير عن الشخص، هكذا كلمة الله تعبر عن الله. ولذلك قال الرسول يوحنا: الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر» (يوحنا1: 18).

إذًا فلقد كان غرض التجسد الأول هو أن يعلن للناس الذات الإلهية بكيفية يمكن للذهن أن يستوعبها، والعقل أن يفهمها، والقلب أن يعبدها

ثانيًا: ليكون قريبُا منا، ويشاركنا ظروفنا

أعلن الله من القديم إنه غير منفصل عن شعبه. فقال مثلاً إنه «في كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم» (إشعياء 63: 9). لكن كيف يمكن للإنسان أن يفهم هذا؟ كيف يفهم الإنسان أن الله المنزه عن الشعور بالألم، يمكنه حقًا أن يشعر بآلام البشرية؟ أ ليس هو منفصلاً عنا في برجه، بعيدًا بعيدًا في سماه؟ لكن هذه الحيرة انتهت، وهذا السؤال أجيب عنه، عندما أتانا «عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا» (متى 1: 23)، ووصل إلى مركز بؤسنا نفسه. يقول كاتب العبرانيين عن المسيح: «من ثم كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء، ليكون رحيمًا ورئيس كهنة أمينًا. ويقول أيضا: «في ما هو قد تألم مجربًا، يقدر أن يعين المجربين» (عبرانيين2: 17و 18).

ثالثًا: أن يكون الوسيط بين الله والناس

صرخ أيوب قائلاً: «ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا» (أيوب 9: 33). وأين نجد ذلك الوسيط العظيم الذي يمكن أن يضع يده على كل من الله والناس في آن. هل ملائكة السماء يصلحون لأن يفعلوا ذلك؟ هل الكروبيم أو السرافيم يصلحون لهذا العمل؟ أ يمكن للكروب أو للسراف أن يضع يده في يد الله؟ ماذا نقرأ عن ”سرافيم“ إشعياء 6؟ إنهم لا يقدرون أن ينظروا وجه الله، ولا أن يُرَوا منه! إنهم عبيده، وهو خلقهم، فكيف يمكنهم أن يضعوا أيديهم في يده تعالى؟ كنا نحتاج إذًا إلى شخص يكون ندًا لله، ويكون ندًا للبشر، ليمكنه أن يقوم بعمل الوسيط بين الله والناس، فيضع يده على كل من الله والإنسان. ولم يوجد في كل الكون من يقدر أن يفعل هذا سوى المسيح، وذلك نظرًا لاتحاد لاهوته بناسوته.

قال عنه الرسول: «فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا» (كولوسي2: 9). فهو له جسد، لأنه قَبِل أن يصير إنسانًا، لكن في هذا الناسوت القدوس يحل كل ملء اللاهوت!

لكن توسط المسيح استلزم منه أن يقوم بعمل الفداء، فبعد أن قال الرسول: «لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح»، استطرد قائلاً: «الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع» (تيموثاوس الأولى2: 5، 6)، وهو ما سنتحدث عنه الآن

رابعًا: أن يقوم بعمل الفداء.

إن القصد الأهم لتجسد المسيح هو أن يقوم بعمل الفداء. قال الرسول: «إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهماـ لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية» (عبرانيين 2: 14و15).

لو لم يصبح المسيح إنسانًا لاستحال عليه أن يموت، فالله له وحده عدم الموت، ولاستحال أن يمثل الإنسان أمام عدالة الله. ثم لو أنه كان مجرد إنسان لما كانت فديته مقبولة ولا كافية.

ليست مقبولة لأن نفسه في تلك الحالة لا تكون ملكه هو، بل ملك الله الذي خلقها، وبالتالي لا يصلح أن يقدمها لله. ولا تكون كافية لأن الإنسان محدود، وأما الخطأ الذي ارتكب في حق الله – غير المحدود – هو أيضًا غير محدود. ولكن نظرًا لأن المسيح هو الله والإنسان في آن، أمكنه – كما رأينا الآن – أن يكون الوسيط، وأمكنه أن يكفر بموته عن خطايا كل المؤمنين، بل وكل العالم أيضًا (1يوحنا2: 2). وهو ما سنركز عليه حديثنا الآن.

المسيح الذبيح

لقد عرف الإنسان منذ القديم أن طريق الاقتراب إلى الله هو بالذبيحة. والكتاب المقدس يعلن ذلك بدءًا من السقوط في الجنة، عندما كسا الرب الإله آدم وامرأته أقمصة من جلد ذبيحة (تكوين 3). ثم مورس تقديم الذبائح بمجرد خروج الإنسان من الجنة، في قصة أول أخوين نقرأ عنهما في الكتاب المقدس، هما قايين وهابيل (تكوين 4).

صحيح انحرف الشيطان بهذا الفكر وشوهه، كما هي عادته، ولكن انتشاره في كل الوثنيات بل وفي أقدم ديانة وهي اليهودية، يؤكد أن مصدره إلهي. ونحن نتذكر قصة إبراهيم الشهيرة مع ابنه، وكيف افتدى الرب هذا الابن بالذبيحة، وكان هذا العمل تأكيدًا لفكرة الكفارة في الذبيحة، باعتباره الطريق الذي ارتآه الله بما يتناسب مع قداسته وعدله.

ويجب أن نلاحظ هذا جيدًا أن الذبائح الحيوانية التي مورست في العهد القديم لم يكن لها في ذاتها أية قيمة تكفيرية، فكيف يمكن للبهائم التي تُباد، والتي ليس لها أرواح خالدة، أن تفدي الإنسان الخالد من الموت الأبدي؟ لهذا ترد كلمات الرسول القاطعة: «لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا» (عبرانيين10: 4).

لكن إذا لم يكن لتلك الذبائح الحيوانية – في ذاتها – أية قيمة تكفيرية عن مقدميها، فليس معنى ذلك أنه لم يكن لها أية قيمة على الإطلاق. فهي بررت من قدّمها بالإيمان (عبرانيين11: 4)، وذلك لقيمتها الرمزية، إذ كانت تشير إلى ذبيحة المسيح المعروف سابقاً قبل تأسيس العالم (1بطرس1: 18). ومن هذه الزاوية فإنها كانت تشبه إلى حد ما بطاقات الائتمان التي نتعامل بها اليوم.

إن القيمة الحقيقية لهذه البطاقات ليس في قطعة البلاستيك المصنوعة منها، بل لما لها من رصيد نقدي في البنك الذي أصدر تلك البطاقة. هكذا كانت تلك الذبائح مقبولة عند الله لأن لها رصيدًا في دم المسيح، الذي وإن لم يكن قد مات بعد، لكن الله ليس عنده ماضٍ وحاضر ومستقبل نظير البشر، فهو يرى ما لم يحدث كأنه حدث، بل يرى النهاية من البداية.

إذًا فلم تكن كل ذبائح العهد القديم التي قدمت، سوى رمز باهت لذبيحة ربنا يسوع المسيح العظمى. وما إن ولد المسيح في ملء الزمان، ثم خرج للخدمة، فإن يوحنا المعمدان أشار إليه بالقول: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم» (يوحنا1: 29).

الفادي الذي يصلح للفداء

نرى من هو الفادي الذي يصلح لفداء الإنسان؟

1- هل تنفع ذبيحة حيوانية؟ إذا كانت الكفارة تعني الستر والغطاء، فلا يصلح أن تكون الذبيحة أقل في قيمتها من قيمة الإنسان ليمكنها أن تكفِّر عنه، أي تغطيه وتستره. وعليه فلا تنفع ذبيحة حيوانية (عبرانيين10: 3).

2- هل ينفع إنسان عادي؟ يجب أن يكون الفادي خاليًا من الخطية. فلو كان خاطئًا، لاحتاج هو نفسه لمن يكفِّر عنه وما صَلُح لكي يفدي غيره. وعليه فإن الإنسان العادي، نظراً لأنه مليء بالعيوب، لا يصلح لكي يكفِّر عن البشر.

3- هل ينفع إنسان بار؟ مع أن كل البشر خطاة، وليس بار ولا واحد (رومية3: 10). لكن على فرض وجود الشخص البار فإنه لا يصلح أن يفدي. لأن هذا الفادي مطلوب منه أن يفدي لا إنسانًا واحدًا بل كثيرين، وبالتالي المطلوب أن تكون قيمته أكبر من هؤلاء جميعهم معًا.

4- هل ينفع أن يكون ملاكًا أو مخلوقًا سماويًا عظيمًا؟ هب أننا وجدنا مخلوقًا سماويًا عظيمًا، خاليًا من الخطية، وقيمته أكبر من قيمة الناس، فإنه أيضًا ما كان يصلح ليفدي البشر، ذلك لأن نفسه ليست ملكه هو، بل ملك الله خالقها، وبالتالي فلا يصح أن يقدِّم لله شيئًا هو ملك الله أصلاً.

ومع ذلك فإنه ينبغي ويتحتم أن يكون الفادي إنسانًا لكي يمكنه أن يُمثِّل الإنسان أمام الله. فيا لها من معضلة!

من أين لنا بمثل هذا الشخص العجيب الذي يجمع كل هذه المواصفات معًا: إنسان، وخالٍ من الخطية، غير مخلوق، وقيمته أكبر من كل البشر مجتمعين!!

أحجية وحلها

لكن إن لم يكن عندنا نحن البشر حل لتلك الأحجية، أفلا يوجد عند الله حل؟ وإذا كانت قد غلقت على البشر إلى الدهر (مزمور49: 8)، فهل استغلقت أيضًا على الله؟ (راجع مزمور68: 20).

لما تساءل القديسون الأقدمون: «كيف يتبرر الإنسان عند الله، وكيف يزكو مولود المرأة؟» (أيوب9: 2، 3؛ 25: 4)، ولما لم يعرفوا حلاً لهذه الأحجية، تقدم أليهو – وهو واحد من أصحاب أيوب – بهذا الإعلان العجيب: «إن وُجد عنده (عند الله) مرسل، وسيط، واحد من ألف ليعلن للإنسان استقامته (أي استقامة الله أو بر الله)، يتراءف عليه ويقول: أُطلقه عن الهبوط إلى الحفرة. قد وجدتُ فدية» (أيوب33: 23، 24)، وكأن أليهو يريد أن يقول: ”لو أن الله قصد أن يرتب للبشر من يفديهم، وأرسله من عنده، عندئذ فقط يمكن حل الأحجية“.

فهل وُجد مثل هذا الشخص عند الله؟ نعم، يقول الرسول: «عالمين أنكم أفتديتم»، ثم يذكر لنا من هو الفادي: «المسيح، معروفًا سابقًا قبل تأسيس العالم» (1بطرس1: 19، 20).

إن هذا المُصالِح أمكنه أن يضع يده على الله والناس في آن واحد، وذلك لأنه معادل لله ومعادل أيضًا للناس.

لو لم يكن هو الإنسان لما أمكنه أن يكون نائبًا عن البشر، يحمل خطاياهم ويحتمل دينونتها بالنيابة عنهم. ولو لم يكن هو الله، أو كان هو أقل، ولو قيد شعرة من الآب، لما أمكنه قط أن يوفي الله كل حقوقه.

إذًا فلقد تجسد ابن الله، وقَبِلَ أن يموت فوق الصليب نيابة عن الخطاة، ليمكن لله القدوس أن يقدم أساسًا بارًا وعادلاً لتبرير المذنب الأثيم. هذا المذنب الأثيم ليس أحدًا آخر بخلافنا، أنا وأنت، أيها القارئ العزيز!

لقد سبق الرب وأعلن لموسى قائلاً: «الرب إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب، وكثير الإحسان والوفاء. حافظ الإحسان إلى ألوف، غافر الإثم والمعصية والخطية، ولكنه لن يبرئ إبراء» (خروج34: 6و 7). وهذه العبارة تدل على أن غفران الله للبشر لا يمكن أن يكون من دون أساس، فهذا الأمر يتعارض مع عدل الله، وليس بقبول الخاطئ على حاله، فهذا الأمر يتعارض مع قداسة الله!

إن قداسة الله تعتبر الخطية نجاسة يجب تغطيتها من أمام عيني الله. كما أن بر الله يعتبر الخطية تعديًا، وكل تعد يجب أن ينال مجازاة عادلة (عبرانيين2: 2)، وبهذا يجب أن تتم ترضية عن التعدي الذي حدث. وهذا هو المدلول المزدوج للكفارة: “تغطية وترضية”، تغطية من أمام عيني الله نظرًا لقداسة طبيعته، وترضية لغضبه العادل نظرًا لبره.

وللأسف، كان الإنسان نتيجة سقوطه وشرِّه، متجَنِّبًا عن الله بسبب ضمير الخطايا الذي كان يشعره بالرعب من الله (عبرانيين 10: 2، 22)، والله كان متجنبًا عن الإنسان بسبب الغضب، غضب الله على جميع فجور الناس وإثمهم (رومية1: 18). وموت المسيح الكفاري والنيابي رفع الخطايا وسكَّن الغضب، فأصبح بإمكان الله أن يتقابل مع الإنسان الخاطئ. في كلمات أخرى، فإنه بناء على كفارة المسيح أمكن لله أن ينظر إلى الإنسان بدون غضب، وأمكن للإنسان أن ينظر إلى الله بدون خوف. إذ إن الخطية تغطت، والله ترضى.! أ يوجد خبر أروع من هذا!

ولقد تكفَّل الله بالعمل كله. فإن كان بر الله وقداسته استلزما الكفارة، فإن محبة الله ونعمته جهزتاها. وكما أن قداسة الله جعلت الصليب حتميًا، فإن محبة الله هي التي جعلته ممكنًا.

غفران الله وفداؤه

لقد أعلن الكتاب المقدس مرات عديدة في كل من العهدين القديم والجديد أن الله غفور. فبالإضافة إلى كلمات الرب لموسى التي أشرنا إليها منذ قليل: «الرب إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب، وكثير الإحسان والوفاء. حافظ الإحسان إلى ألوف، غافر الإثم والمعصية والخطية، ولكنه لن يبرئ إبراء» (خروج34: 6و 7).

نقرأ كلمات داود: «باركي يا نفسي الرب.. الذي يغفر جميع ذنوبك» (مزمور103: )، وأيضًا «إن كنت تراقب الآثان يا رب يا سيد، فمن يقف؟ لأن عندك المغفرة لكي يُخاف منك» (مزمور130: 3و 4).

ويقول الرب على لسان إشعياء النبي: «أنا أنا هو الماحي ذنوبك من أجل نفسي، وخطاياك لا أذكرها»‎ (إشعياء43: 25).

كما يقول أيضا على لسان إرميا النبي: «يقول الرب.. أني أصفح عن إثمهم، ولا أذكر خطيتهم بعد» (إرميا31: 34).

وفي نبوة ميخا يناجي النبي ربه بالقول: «من هو إله مثلك غافر الإثم وصافح عن الذنب» (ميخا7: 18).

وكما غفر الله في العهد القديم، فقد غفر المسيح الخطايا في العهد الجديد، مما يؤكد أنه هو الله كما تحدثنا قبل ذلك بأكثر تفصيل. لقد قدم المسيح غفرانه لامرأة كانت معروفة بخطيتها في المدينة (لوقا7: 48)، كما غفر للرجل المفلوج الذي قدموه إليه لكي يشفيه (متى9: 2). ولكنه لما كان على الصليب لم يقل للخطاة الذين صلبوه: ”مغفورة لكم خطاياكم“، بل قال: «يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون».

والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لما كان على الأرض قدم الغفران للخطاة، ولم يعمل الشيء ذاته وهو فوق الصليب؟

والإجابة البسيطة على ذلك: إن المسيح في حياته، قَدَّم غفرانًا للخطايا، كما لو كانت الخطايا موجهة إليه هو؟ وقال ”مغفورة لك خطاياك“ باعتبار أن في سلطانه أن يفعل ذلك. ونحن حقا بوسعنا أن نغفر الخطايا التي يرتكبها الناس في حقنا، ولكن لا يستطيع أحد بحال من الأحوال أن يغفر الخطايا المرتكبة ضد الله غير الله. فغفران المسيح إذًا لخطايا الخطاة، لهو دليل أكيد على أن المسيح هو الله. ولقد قال الرسول بطرس عنه: «له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به، ينال باسمه غفران الخطايا» (أعمال 10: 43).

وأما عندما كان المسيح فوق الصليب فقد كان يدفع ثمن جرمنا. ولذا فإنه لم يقل أنا أغفر لكم، فهو كان هناك يدفع الغرم وليس يغفره. أو بكلمات أخرى كأنه قال لله: اغفر لهم وأنا على أتم استعداد أن أدفع الحساب. وفي هذا قال النبي في العهد القديم: «وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين» (إشعياء 53: 12). والحقيقة إنه لو لم يحمل خطية الكثيرين، لما أمكنه أن يغفر خطايا الخطاة على أساس عادل. وفي هذا يتفق تعليم العهد الجديد أيضًا إذ يقول عن المسيح: «إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا» (1يوحنا2: 2).

الكتاب إذًا يعلن لنا أن غفران الله ليس بغير أساس، بل أساسه في تلك الكفارة العظمى التي قدمها المسيح على الصليب.

إذًا فكيف أمكن للمسيح أن يغفر الخطايا لما كان هنا على الأرض؟ كيف أمكن للمسيح أن يحل هؤلاء الأشخاص من خطاياهم ودينها الرهيب؟ الإجابة أنه مضى إلى الجلجثة ودفع عقوبة خطايانا عندما مات لأجلنا.

منطقية هذا الفكر

إن كان الله في البداية قد طرد آدم من الجنة نتيجة لخطية واحدة أخطأ بها ضد الله، وإن كان كل نسله قد وُلدوا خارج الجنة في مكان البعد عن الله، فكيف يمكن لله أن يعيد الإنسان ثانية إلى حماه؟ فإنه لو كان الله مستعدًا للتنازل عن حقوقه، ما الذي جعله من البداية يطرد آدم، إذا كان سيعود فيقبله ويقبل نسله مرة ثانية إليه، دون الكفارة اللازمة؟

لكن الوحي الإلهي يقدم لنا الإجابة السديدة عندما يقول: «إن المسيح تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة، لكي يقربنا إلى الله» (1بطرس3: 18). فبالخطية تم طرد الإنسان من محضر الله، وبالكفارة تتم إعادته من جديد.

وفكرة الموت النيابي، أو موت كائن بديلاً عن كائن آخر، هي فكرة محفورة بعمق في أعماق التاريخ المقدس القديم. ولعل أوضح إشارة إليها هي ما ورد في سفر التكوين 22، عندما طلب الله من إبراهيم أن يقدم ابنه الذي يحبه، فنحن نعرف كيف أن ابن إبراهيم لم يمُت، إذ افتداه الله من الموت، وكانت الفدية بذبح عظيم!

قال أحد الأفاضل: ”لا يدرك كثير من الناس أنه حينما يوجد غفران يوجد ثمن يُدفع. ولنفرض مثلاً أن ابنتي كسرت مصباحًا. فإني كأب محب ومسامح، أجلسها على ركبتي وأطوقها بذراعَي الحنان، وأقول لها لا تبكي يا حبيبتي، فأبوك يحبك ويغفر لك. وحين يسمع الشخص الذي أقص عليه هذا المثل يقول لي: هذا ما يتوجب على الله ببساطة أن يفعله معنا عندما نخطئ. وعندها أسأل: ومن سيدفع ثمن المصباح المكسور؟ حقيقة الأمر أني أنا الذي سأدفعه.

هنالك دائمًا ثمن للغفران. ولنقل مثلا إن أحدهم أهانك أمام الآخرين وأنك سامحته، من يدفع ثمن الإهانة؟ أنت.

هذا ما فعله الله. لقد سامحنا الله، لكنه دفع هو ثمن مسامحته لنا من خلال الصليب.

لذا كان يتحتم على ابن الله أن يظهر في الجسد. وبموته الكفاري فوق الصليب أمكن لله أن يغفر الخطايا.

قصتان

قصة من مصر، والأخرى من أمريكا.

نبدأ بالقصة الأولى من مصر

ذكرت هذه القصة إحدى المجلات الأسبوعية، عن امرأة أرملة رقيقة الحال، من إحدى محافظات الوجه القبلي في مصر، ترعى ابنها الوحيد، عجزت عن تسديد إيجار الشقة. ورفع عليها مالك العقار قضية طرد. ومثلت المرأة أمام القاضي، دون محام، فهي لا تملك أن تقيم من يدافع عنها. وأقرت بأنها تأخرت عن سداد الإيجار وعزت ذلك إلى فقرها الشديد، قالت ذلك والدموع تنهمر من عينيها. ولم يملك القاضي سوى أن يصدر أمرًا بطردها من العقار كما يقول القانون الذي هو يمثله.

لكنه عندما ذهب إلى بيته لم يستطع أن ينام ولا أن يهدأ له بال. لقد كان في المحكمة يمثل القانون، ولكن في بيته تغلبت عليه نوازعه الإنسانية، فماذا يفعل؟ إنه لا يستطيع أن يوقف الحكم القانوني العادل الذي أصدره على المرأة، ولا يملك أن يتجاهل دموع تلك المرأة البائسة. وقبل وصول الشرطة لتنفيذ الحكم ضد المرأة وابنها، كان سبقهم هو ومعه عقد تمليك لشقة متواضعة اشتراها بماله هو، وأهذاها للمرأة المعدمة، لكي تكمل بقية عمرها فيه.

والقصة الثانية التي من أمريكا قصها الكاتب المسيحي المعروف ”جوش ماكدويل“ قال:

قامت شرطة المرور بإيقاف سيارة تقودها شابة، بسبب سرعتها الزائدة. حررت لها الشرطة مخالفة سير، واستدعيت الفتاة للمثول أمام القاضي. تلا القاضي أمامها لائحة الاتهام، وسألها: ماذا تقولين؟ هل أنت مذنبة أم بريئة. أجابت الفتاة مذنبة. وعندها حكم القاضي عليها بأن تدفع مائة دولار غرامة، أو أن تسجن مدة عشرة أيام. ثم حدث شيء مدهش، عندما وقف القاضي وخلع ثوب القضاء وتقدم إلى الأمام وأخرج محفظته ودفع الغرامة.

لقد كان هذا القاضي أباها. وهو أحب ابنته، غير أنه كان قاضيًا عادلاً. كسرت ابنته القانون، فلم يستطع أن يقول لها ”اذهبي بسلام“. طالما أنتِ بنت القاضي فلا خطر ممكن أن يصيبك، لأنه لو فعل ذلك لما كان قاضيًا عادلاً، ولما كان أمينًا على تنفيذ القانون الذي أقسم يومًا بأن يحترمه. لكنه أيضًا أحب ابنته إلى الدرجة التي كان فيها مستعدًا أن يخلع ثوبه القضائي، ويتقدم إلى الأمام ليمثلها كأب، ويدفع عنها الغرامة.

هذا يصور لنا إلى حد ما ما فعله الرب يسوع معنا. فإذ كانت أجرة الخطية موت، وهو ما سيقع حتمًا على كل الخطاة غير التائبين والذين لم يؤمنوا بالرب يسوع المسيح، فلكونه إلهًا محبًا فقد نزل من عرشه في هيئة إنسان، بل استمر في طريقه إلى أن وصل إلى الجلجثة ليمثل المذنبين أمام الله ويدفع نيابة عنهم أجرة معصيتهم وخطاياهم. وليعطيهم عطية الحياة الأبدية مجانا. وكان ثمن هذا كله موت الصليب. فاستعلن أروع ما في قلب الله أعني محبته. الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا.

مجيئان:

عزيزي القارئ: لقد أتى المسيح مرة من ألفي عام، وصنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا (عبرانيين 1: 3)، وبناء عليه أمكن للمبشرين أن يتجهوا بالأخبار السارة لكل ربوع الأرض، فلقد أكمل المسيح العمل (يوحنا19: 30). وكل المطلوب أن تأتي للمسيح كما أنت، فتنال عطية الغفران والحياة الأبدية. يقول الوحي الكريم: «كل من يدعو باسم الرب يخلص» (رومية 10: 13).

على أن القصة لم تنته عند هذا الحد. فسيأتي الرب عن قريب مرة ثانية. وسيكون الأمر مختلفا تماما في هذا المجيء الثاني.

لقد أتى مرة متضعًا ليتألم ويموت، وسيأتي ثانية بقوة ومجد كثير (متى24: 30).

في مجيئه الأول حمل مبذر الزرع وذهب ذهابًا بالبكاء، وفي مجيئه الثاني سيحمل حزمه ويمتلئ فمه بالترنم (مزمور 126: 6)!

في مجيئه الأول وضع نفسه وأطاع (فيلبي 2: 8). وُضِع قليلاً عن الملائكة (عبرانيين 2: 9)، وفي مجيئه الثاني سيأتي وجميع الملائكة معه (متى 25: 31).

إذًا هو سيأتي المرة الثانية في صورة مختلفة عما رأيناه عليها في المرة الأولى. فلن يأتي في ضعف بل في قوة، لا في صمت بل بهتاف، لا ليتألم بل ليملك، لا ليخلص بل ليدين!

نعم لا بد أن يجيء المسيح مرة ثانية كما أتي المرة الأولى.

إن ذاك الذي أتى في المرة الأولى ليموت نيابة عن الخطاة الذين أحبهم، سيأتي في المرة الثانية ليدين الخطاة الذين رفضوه واحتقروه. ومن ذا الذي يشك أن هذه اللحظة التي فيها يظهر المسيح للعالم ستكون أعظم لحظة في كل التاريخ. والرب بنفسه هنا يصف تلك الحادثة بأسلوب بسيط وواضح وقاطع.

وأختم حديثي بسؤال: إن كان المسيح سوف يأتي وسوف يظهر قوته العظيمة، فما الذي منعه أن يفعل ذلك حتى الآن؟

الإجابة: ليس لعدم امتلاكه للقوة؛ بل ليعطيك فرصة للتوبة.

سوف يظهر من السماء، وسوف ينصهر هذا الكون المادي ويذوب! يعلن لنا الوحي المقدس أنه يوم ظهور المسيح ستذوب الجبال مثل الشمع (مزمور 97: 5)! لكن الأخطر من ذلك أنه في ذلك اليوم سيذوب لحم الأشرار، وتذوب عيونهم في أوقابها، ويذوب لسانهم في فمهم (زكريا14: 12). ساعتها لن تفيدك التوبة حينئذ، سيكون الوقت قد فات. وسيمضي الرافضون وغير المؤمنين إلى عذاب أبدي. «ويصعد دخان عذابهم إلى أبد الآبدين» (رؤيا14: 11).

ليتك تسرع بالتوبة والإيمان، نحو ذاك الذي أتى من قمة مجده إلى الأرض ليبحث عنك، والذي مات فوق الصليب ليخلصك.

———–

[1] يرد هذا الاسم كثيرا في نبوة إشعياء. فمثلا يقول الرب: أنتم شهودي يقول الرب، وعبدي الذي اخترته، لكي تعرفوا وتؤمنوا بي وتفهموا أني أنا هو (إجو آيمي)، قبلي لم يصور إله، وبعدي لا يكون» (إش43: 10)؛ و «أيضا من اليوم أنا هو (إجو آيمي) ولا منقذ من يدي. أفعل ومن يرد» (إش43: 13). أنظر أيضا إشعياء 41: 4؛ 43: 25؛ 46: 4؛ 48: 12.
[2] يركِّز كثير من أصحاب البدع على قول المسيح للشاب الغني: «لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله» (متى 19: 17)، معتبرين ذلك دليلاً على أن المسيح نفى صفة الألوهية عن نفسه. لكن نلاحظ أن المسيح لم يقل لذلك الشاب: ”لا تدعني صالحًا“، بل قال له: «لماذا تدعوني صالحًا؟». والفارق كبير.  فالمسيح هنا لم يكن ينفي الألوهية عن نفسه، بل كان ينفى الصلاح عن البشر. وأما كونه صالحًا، كما ذكر هو عن نفسه في يوحنا 10: 14،«أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ،» وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي،  فليس لذلك من سبب سوى أنه ليس مجرد إنسان.
 
[3] نلاحظ أن المسيح ذكر في أصحاح 16: 23 «إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم». وفي هذا نحن نرى وحدة الابن والآب في استجابة الصلاة، كما في كل شيء.
 
[4] أحيانًا يحدث هذا قبل موتهم، إذ بمجرد عزلهم يزول عنهم الجاه والصولجان، ويمسي أسيرًا لا يملك من أمر نفسه شيئًا!

——-

[1] هذه الحقيقة وإن كنا نجد إشارات عديدة لها في العهد القديم، لكنها لم تكن معلنة بالوضوح الكافي في ذلك الوقت، لأن الله كان ما زال محتجبًا (قارن 1ملوك 8: 12؛ إشعياء 45: 15 مع يوحنا 1: 18)، وأما وقد جاء المسيح، ”الكلمة“، المعلن لله، وبدأ خدمته، فإننا هنا، وللمرة الأولى، نرى أوضح إعلان لهذه الحقيقة في الوحي.
[2] انظر تعليقنا على قول المسيح: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (يوحنا8: 58)، في الفصل الأول؛ وأيضًا «أنا هو الأول والآخر» (رؤيا1: 17؛ في الفصل الثاني.
[3] نلاحظ أن إنجيل لوقا يحدثنا عن تفوق المسيح وربوبيته وهو بعد جنين في بطن العذراء مريم. فلقد قالت لها أليصابات: «من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي.  فهوذا حين صار صوت سلامك في أذني، ارتكض الجنين بابتهاج في بطني» (لوقا1: 43و44).
[4] نلاحظ أن اسمى الجلالة اللذين استخدمهما توما في كلامه مع المسيح يسبقهما أداة تعربف، فتوما لم يقل غن المسيح إنه مجرد رب وإله، بل هو الرب وهو الله مسبوقًا بأداة التعريف.
* هذا القول الكريم قاله المسيح وهو ماض إلى الصليب والموت، وكان هو يعلم ذلك (يوحنا 13: 21، 36) ولكنه مع ذلك طلب من تلاميذه أن يجعلوه موضع إيمانهم لأنه هو مفتاح المصير الأبدى «الطريق والحق والحياة»!
[5] من يريد معرفة الحق المسيحي بخصوص وحدانية الله وأقانيمه الثلاث، انظر كتاب ثلاث حقائق أساسية للمؤلف،وايضا الموسوعة الكتابية لخادم الرب برسوم ميخائيل، وأيضا كتاب الله ذاته ونوع وحدانيته للمفكر المسيحي عوض سمعان.

أين قال المسيح أنا الله أعبدوني؟ –لاهوت المسيح دليل شامل مبسط

فهرس شهادات بارت إيرمان ضد الإدعاءات الباطلة

فهرس شهادات بارت إيرمان ضد الإدعاءات الباطلة

فهرس شهادات بارت إيرمان ضد الإدعاءات الباطلة

فهرس شهادات بارت إيرمان ضد الإدعاءات الباطلة

الشهادة الأولى: هل الرواية الإنجيلية عن يسوع اقتباس للآلهة الوثنية؟ يُجيب إيرمان

في قلب كل الألغاز الوثنية المختلفة، كان جزم ​​فريك وغاندي، بأسطورة إله متجسد مات وقام من بين الأموات. تم تسمية هذا الرقم الرمز بأسماء مختلفة في الألغاز الوثنية: أوزوريس، ديونسيوس، أتيس، أدونيس، باكوس، ميثراس. لكن “كل هؤلاء الآلهة المتجسدة هم في الأساس نفس الكائن الأسطوري” (4).

السبب الذي جعل فريك وغاندي يعتقدان ذلك هو أنه من المفترض أن جميع هذه الشخصيات تشترك في نفس الأساطير: كان والدهم هو الله؛ كانت أمهم عذراء فانية. وُلِدَ كلٌّ منهما في كهف في 25 كانون الأول (ديسمبر) أمام ثلاثة رعاة وحكماء؛ بين معجزاتهم حولوا الماء الى خمر. جميعهم دخلوا المدينة على حمار. صُلبوا جميعًا في عيد الفصح ذبيحة عن خطايا العالم. نزلوا الى الجحيم. وفي اليوم الثالث قاموا مرة أخرى. بما أن هذه الأشياء نفسها قيلت عن يسوع أيضًا، فمن الواضح أن القصص التي يؤمن بها المسيحيون هي مجرد تقليد للأديان الوثنية.

إن المؤرخين الحقيقيين للعصور القديمة يثيرون الفزع بسبب مثل هذه التأكيدات – أو سيكونون كذلك إذا كلفوا أنفسهم عناء قراءة كتاب فريك وغاندي. لا يقدم المؤلفان أي دليل على ادعاءاتهم المتعلقة بالأساطير المعيارية للآلهة المتجسدة. لم يذكروا أي مصادر من العالم القديم يمكن التحقق منها. ليس الأمر أنهم قدموا تفسيرًا بديلاً للأدلة المتاحة. لم يستشهدوا حتى بالأدلة المتاحة. ولسبب وجيه. لا يوجد مثل هذا الدليل.

ما الدليل -على سبيل المثال- على أن أوزوريس ولد في 25 ديسمبر أمام ثلاثة رعاة؟ أم أنه صلب؟ وأن موته أتى بالتكفير عن الخطيئة؟ أم أنه عاد إلى الحياة على الأرض بقيامته من الأموات؟ في الواقع، لا يوجد مصدر قديم يقول أي شيء من هذا القبيل عن أوزوريس (أو عن الآلهة الأخرى). لكن فريك وغاندي يدعيان أن هذه معرفة عامة. وهم “يثبتون” ذلك من خلال الاستشهاد بكتاب آخرين من القرنين التاسع عشر والعشرين قالوا ذلك. لكن هؤلاء الكتاب أيضًا لا يستشهدون بأي دليل تاريخي. كل هذا يعتمد على التأكيد، الذي صدقه فريك وغاندي لمجرد أنهما قرأوه في مكان ما. هذه ليست دراسة تاريخية جادة. إنها كتابة مثيرة مدفوعة بالرغبة في بيع الكتب.

الشهادة الأولى: هل الرواية الإنجيلية عن يسوع اقتباس للآلهة الوثنية؟ يُجيب إيرمان

Ehrman, Did Jesus Exist? 26.

الشهادة الثانية: وجود 4 أناجيل فقط في القرن الأول

[هذا هو الحال بشكل خاص، بالطبع، في تلك المقاطع (أغلبها) التي لا تتداخل فيها قصص يوحنا مع تلك الخاصة بالأناجيل الإزائية. وهذا صحيح بنفس القدر فيما يتعلق برواية يوحنا عن موت يسوع. يعتبر يوحنا بشكل عام آخر أناجيلنا الكنسية، المؤرخة 90-95 م. لذلك في القرن الأول، لدينا أربع روايات مستقلة عن حياة يسوع وموته (كان متى ولوقا مستقلين في عدد لا بأس به من قصصهما المؤيدة؛ ومن المحتمل أن يوحنا في جميع قصصه وبالتأكيد في معظمها)].

الشهادة الثانية: وجود 4 أناجيل فقط في القرن الأول

Bart D. Ehrman, Did Jesus Exist? The Historical Argument for Jesus of Nazareth (New York: HarperOne, 2012), p. 68-9.

الشهادة الثالثة: المسيح مات ودُفن ورآه تلاميذه

 ما أعتقد أنه يمكننا قوله ببعض الثقة هو أن يسوع مات بالفعل، وربما دُفن، وأن بعض تلاميذه (جميعهم؟ بعضهم؟) زعموا أنهم رأوه حياً بعد ذلك. ومن المثير للاهتمام أن يعقوب، أخو يسوع، الذي أصبح يؤمن بيسوع وبعد فترة وجيزة أصبح أحد القادة الرئيسيين للكنيسة المسيحية الأولى.

عرف الرسول بولس يعقوب ونقل هذه المعلومات عن رؤيته ليسوع (1 كورنثوس 15: 7). علاوة على ذلك، يدعي بولس أنه رأى يسوع بنفسه بعد موته (1 كورنثوس 15: 8)، رغم أنه لا يوجد ما يشير إلى أنه كان يعرف كيف كان شكل يسوع من قبل. علاوة على ذلك، لا يخرج ويقول إنه رأى يسوع بالفعل في الجسد. بعبارة أخرى، من غير الواضح ما إذا كان لدى بولس “رؤيا” عن يسوع أو صادفه بالفعل على الطريق.

وهكذا، على الرغم من أننا لا نستطيع أن نقول بأي تأكيد أن يسوع قد قام من بين الأموات، عندما نتحدث كمؤرخين وليس كمؤمنين أو غير مؤمنين، أو أن تلاميذه ادعوا على الفور أنه كان كذلك، أو أنهم يمكن أن يشيروا إلى قبر فارغ على أنه دليل (من المثير للاهتمام أن بولس لم يتحدث أبدًا عن دليل القبر)، يمكننا أن نقول بكل تأكيد أن بعض تلاميذه في وقت لاحق أصروا على (أ) ذهبت نساء من مجموعتهم لدهن جسد يسوع لدفنه ووجدوه في عداد المفقودين، و (ب) سرعان ما ظهر لهم، وأقنعهم أنه قد قام من بين الأموات.

في نهاية المطاف، قلبت قناعتهم بهذا الأمر العالم إلى آخره. لم تكن الأمور كما كانت منذ ذلك الحين.

الشهادة الثالثة: المسيح مات ودُفن ورآه تلاميذه

Bart D. Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium (New York: Oxford University Press, 1999), 229-30.

الشهادة الرابعة: كتب العهد الجديد هي مصادر لحياة يسوع

يبدو أن الحقيقة هي أن هناك قصصًا تُروى عن يسوع لفترة طويلة جدًا ليس فقط قبل الأناجيل الباقية ولكن حتى قبل إنتاج مصادرها. إذا كان العلماء على حق في أن Q ومصدر إنجيل توما، لاختيار مثالين فقط، فقم بالتاريخ من الخمسينيات، وأنهم استندوا إلى التقاليد الشفوية التي كانت متداولة بالفعل لفترة طويلة، إلى أي مدى تعود هذه التقاليد؟ أي شخص يعتقد أن يسوع موجود ليس لديه مشكلة في الإجابة على السؤال: إنهم في النهاية يعودون إلى الأشياء التي قالها يسوع وفعلها أثناء مشاركته في خدمته العامة، على سبيل المثال، في حوالي العام 29 أو 30.

ولكن حتى أي شخص يتساءل فقط عما إذا كان يسوع موجودًا يجب أن نفترض أن هناك قصصًا تُروى عنه في الثلاثينيات والأربعينيات. لسبب واحد، كما سنرى في الفصل التالي، كيف يمكن لشخص مثل بولس أن يعرف أنه يضطهد المسيحيين، إذا لم يكن المسيحيون موجودين؟ وكيف يمكن أن يكونوا موجودين إذا لم يعرفوا شيئًا عن يسوع؟

غالبًا ما يجيب الأسطوريون بأن المسيحيين المعروفين للمضطهد بولس قبل أن يصبح هو نفسه مسيحيًا – وكذلك المسيحيون اللاحقون في الكنائس التي أسسها بعد التحول – لم يعرفوا شيئًا عن يسوع التاريخي ولكنهم عبدوا المسيح الإلهي، الذي قام على أساسه. أساطير وثنية حول احتضار الآلهة وقيامتها. سنرى العيوب في هذه الحجة لاحقًا، وسنلاحظ أيضًا أن بولس يتحدث في الواقع عن يسوع كإنسان قدم تعاليم مهمة وصُلب بتحريض من القادة اليهود في فلسطين.

ولكن حتى لو تركنا بولس خارج المعادلة، فلا يزال هناك أكثر من سبب كافٍ للاعتقاد بأن القصص عن يسوع انتشرت على نطاق واسع في جميع أنحاء المناطق الحضرية الرئيسية في البحر الأبيض المتوسط ​​منذ وقت مبكر جدًا. وإلا فإنه من المستحيل شرح كل المصادر المكتوبة التي ظهرت في منتصف ونهاية القرن الأول. هذه المصادر مستقلة عن بعضها البعض. لقد كتبوا في أماكن مختلفة.

إنها تحتوي على روايات مختلفة بشكل مذهل عما قاله يسوع وفعله. ومع ذلك، يتفق الكثير منهم، على الرغم من استقلاليتهم، على العديد من الجوانب الأساسية لحياة يسوع وموته: على سبيل المثال، كان معلمًا يهوديًا لفلسطين وصلب بأمر من بيلاطس البنطي. من أين أتت كل هذه المصادر؟ لا يمكن أن يحلم المسيحيون في جميع أنحاء الخريطة بشكل مستقل عن بعضهم البعض لأنهم يتفقون على الكثير من الأساسيات.

بدلاً من ذلك، فهي تستند إلى التقاليد الشفهية. كانت هذه التقاليد الشفوية متداولة لفترة طويلة جدًا قبل أن يتم تدوينها. هذه ليست مجرد تكهنات. تظهر جوانب من قصص يسوع الباقية في الأناجيل المكتوبة، والتي تستند نفسها إلى روايات مكتوبة سابقة، بوضوح أنها كانت تستند إلى التقاليد الشفوية (كما يشير لوقا نفسه) وأن هذه التقاليد كانت موجودة لفترة طويلة جدًا – في حقيقة أنهم كانوا موجودين منذ ظهور المسيحية لأول مرة كدين في فلسطين نفسها.

الشهادة الرابعة: كتب العهد الجديد هي مصادر لحياة يسوع

 

Bart D. Ehrman, Did Jesus Exist? The Historical Argument for Jesus of Nazareth (New York: HarperOne, 2012), 77-78.

 

الشهادة الخامسة: يسوع وُجد حقاً في التاريخ

على أي حال، يجب أن أعترف أنني أكتب هذا الكتاب ببعض الخوف والرهبة. أعلم أن بعض القراء الذين يؤيدون القضايا اللاأدرية أو الملحدة أو الإنسانية والذين يقدرون عادةً كتاباتي الأخرى سيكونون صريحين وصاخبين في رفض ادعاءاتي التاريخية. في الوقت نفسه، سيتفاجأ بعض القراء الذين وجدوا بعض كتاباتي الأخرى خطرة أو مهددة، وربما يسعدون بذلك، ليروا أنني هنا أتفق معهم. من المحتمل أن يتساءل العديد من القراء عن سبب ضرورة وجود كتاب يشرح أن يسوع لا بد وأن يكون موجودًا. أود أن أقول لهم إن كل شخص أو حدث أو ظاهرة تاريخية بحاجة إلى إثبات. لا يمكن للمؤرخ أن يأخذ أي شيء كأمر مسلم به.

وهناك العديد من الأصوات الصاخبة، سواء كنت توافق عليها أم لا، والتي تعلن أن يسوع هو أسطورة. هذا الموقف الأسطوري مثير للاهتمام تاريخيًا وظاهراتيًا، كجزء من شكوك أوسع تسللت إلى أجزاء من عالم التفكير والتي تستحق تحليلًا اجتماعيًا واضحًا في حد ذاتها. لا أمتلك المهارات أو الخبرة لتقديم هذا التحليل الأوسع، على الرغم من أنني سأدلي ببعض الملاحظات الموجزة حول الظاهرة الأسطورية الواسعة في استنتاجي.

في غضون ذلك، بصفتي مؤرخًا، يمكنني أن أوضح سبب خطأ مجموعة واحدة على الأقل من الادعاءات المتشككة حول التاريخ الماضي لحضارتنا، على الرغم من أن هذه الادعاءات تتسرب إلى الوعي الشعبي بمعدل ينذر بالخطر. كان يسوع موجودًا، وأولئك الذين ينكرون ذلك لا يفعلون ذلك لأنهم نظروا إلى الأدلة بعين المؤرخ النزيهة، ولكن لأن لديهم بعض الأجندات الأخرى التي يخدمها هذا الإنكار. من وجهة نظر نزيهة، كان هناك يسوع الناصري

 

مرجع:

Bart D. Ehrman, Did Jesus Exist? The Historical Argument for Jesus of Nazareth (New York: Harper One, 2012), 7.

المرجع

مقابلة على الراديو مع ريجنالد فينلي برنامج “Infidel Guy”

 

الشهادة السادسة: يسوع التاريخي صُلب على عهد بيلاطس البنطي ومات ودُفن وزعم اتباعه انهم رأوه حياً بعد موته وهذا يتنافى مع المعتقدات الإسلامية

 

يؤكد تقرير تاسيتوس ما نعرفه من مصادر أخرى، أن يسوع قد أُعدم بأمر من الحاكم الروماني لليهودية، بيلاطس البنطي، في وقت ما خلال فترة حكم طيباريوس.

المرجع:

Bart Ehrman, The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings, Oxford University Press, 2000], p. 197.

 

أنا لا اعتقد أن القرآن لديه أفكار دقيقة عن يسوع التاريخي لآخذ بياناته كسجلات مستقله من قبل الدارسين للتاريخ. ولم يعتمد أي باحث تاريخي أخر عليه وانا اعرف هذا “أو أي شخص يعمل بجديه في دراسات يسوع التاريخي. وانا اشك كثيراً أن وجهات نظري تتفق مع الإيمان الإسلامي بنسبة 99 %. حول يسوع. فعلي سبيل المثال أنا مقتنع بما لا يدع مجالاً للشك أن يسوع قد صلب جسدياً ومات على الصليب. وهذا أساس ما اكتب في كتبي. وبالطبع المعتقدات الإسلامية الأساسية تخالف هذا تماماً.

المرجع:

http://ehrmanblog.org/weekly-readers-mailbag-february-18-201

 

“متى ولوقا على مرقس – إنهما مستقلان تمامًا عن الآخرين، وإلى هذا الحد هما (شهود مستقلان) ولذا فمن الخطأ تمامًا القول بأن مرقس هو شهادتنا المستقلة الوحيدة ليسوع كشخص تاريخي.

المرجع:

Did Jesus Exist? The Historical Argument for Jesus of Nazareth Bart D. Ehrman) P. 140

 

الشهادة السابعة: ألوهية المسيح قبل نيقية

 

الشهادة الثامنة: ألوهية المسيح في العهد الجديد.

يقع هذا النص في إنجيل يوحنا، وهو إنجيل يتميز عن غيره من الأسفار التي صنعت طريقها إلى العهد الجديد بأنه بالفعل قد قطع شوطا كبيرا تجاه تحديد هويّة يسوع لذاته باعتباره إلهيا (انظر على سبيل المثال، يوحنا 8: 58؛ 30:10؛ 28:20).

المرجع:

Bart Ehrman, Misquoting Jesus, p. 161.

 

لا يوجد أي شك بأن في إنجيل يوحنا (الإنجيل الرابع) يسوع يفهم نفسه على أنه الله وبصراحة يدعو نفسه إلهيا. يسوع يقول: “أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي الى الآب إلا بي” لكنه أيضا يقول: “أنا والآب واحد”، “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن”

المرجع:

 

الشهادة التاسعة: ألوهية المسيح كانت إيمان المسيحيين الأوائل

إن فكرة أن يسوع هو الله ليست من اختراع العصر الحديث بالطبع. كما سأبين في مناقشتي، كانت وجهة نظر المسيحيين الأوائل بعد موت يسوع بفترة وجيزة.

The idea that Jesus is God is not an invention of modern times, of course. As I will show in my discussion, it was the view of the very earliest Christians soon after Jesus’s death.

المرجع:

Bart D. Ehrman, How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee (New York: Harper One, 2014), p 3.

 

الشهادة العاشرة: التغيرات في المخطوطات لا أهمية لها.

لنكن واثقين، من بين كل مئات الألوف من التغييرات النصية الموجودة بين مخطوطاتنا، فإن غالبيتهم لا أهمية لهم تماماً، غير هام، لا أهمية حقيقية لهم أكثر من أن يبينوا بأن النُساخ لم يكونوا يستطيعون التهجئة أو التركيز أفضل مننا جميعاً.

To be sure, of all the hundreds of thousands of textual changes found among our manuscripts, most of them are completely insignificant, immaterial, of no real importance for anything other than showing that scribes could not spell or keep focused any better than the rest of us.

المرجع:

Ehrman, Bart D., 2005a. Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed The Bible And Why. San Francisco: Harper San Francisco. P. 207.

 

سيكون من الخطأ، مع ذلك، افتراض أن التغييرات الوحيدة التي تم إجراؤها كانت من قبل الناسخين الذين لديهم مصلحة شخصية في صياغة النص. في الواقع، معظم التغييرات الموجودة في مخطوطاتنا المسيحية المبكرة لا علاقة لها باللاهوت أو الأيديولوجيا. تحدث معظم التغييرات، بعيدًا وبعيدًا، نتيجة أخطاء، زلات قلم بسيطة وبسيطة، عمليات حذف عرضية، إضافات غير مقصودة، كلمات بها أخطاء إملائية، أخطاء إملائية من نوع أو آخر. قد يكون الكتبة غير أكفّاء.

It would be a mistake, however, to assume that the only changes being made were by copyists with a personal stake in the wording of the text. In fact, most of the changes found in our early Christian manuscripts have nothing to do with theology or ideology. Far and away the most changes are the result of mistakes, pure and simple slips of the pen, accidental omissions, inadvertent additions, misspelled words, blunders of one sort or another. Scribes could be incompetent.

المرجع:

Ehrman, Bart D., 2005a. Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible And Why. San Francisco: Harper San Francisco. P 55.

 

الشهادة الحادية عشر: عدم تأثير اختلافات المخطوطات على أي عقيدة مسيحية.

لست متأكدًا مما تريد توضيحه. يمكن أن يتوقف لاهوت مقطع معين، أو حتى كتاب كامل، (بطريقة مهمة، وحتى جذرية) على أساسه يتم اختيار البديل النصي؛ ولكن على حد علمي لن يغير ذلك أبدًا أيًا من العقائد المسيحية الراسخة، لأنها لا تستند أبدًا إلى فقرة أو أخرى. ما هو غير واضح في ذلك؟

I’m not sure what you would like clarified. The theology of a particular passage, or even an entire book, can hinge (in a significant, even radical way) on which textual variant is chosen; but to my knowledge that would never change any of the established Christian doctrines, because these are never based simply on one passage or another. What is unclear about that?

المصدر:

https://ehrmanblog.org/do-textual-variants-really-matter-for-anything/

 

بالرغم من هذه الاختلافات الملحوظة، فإن العلماء مقتنعين بأننا نستطيع إعادة تكوين الكلمات الأصلية للعهد الجديد بدقة معقولة، رغم أنها لا تصل إلى 100 %، وأول خطوة نقوم بها هي تحديد أنواع التغييرات التي قام بها النساخ في نصوصهم.

المصدر:

Bart D. Ehrman: The New Testament: A Historical Introduction To The New Testament, 3rd Edition, P. 415

 

من جانبي، مع ذلك، ما زلت أفكر لو لم نكن قادرين على الوصول بنسبة 100% بخصوص ما يمكننا أن نحصل عليه (أي النص الأصلي)، إلا أننا يمكننا على الأقل أن نكون متأكدين من أن كل المخطوطات الباقية قد نسخت من مخطوطات أخرى، والتي كانت بدورها منسوخة من مخطوطات أخرى، والتي على الأقل تعود بنا إلى المرحلة المبكرة والأكثر قدماً لكل تقليد مخطوط لكل كتاب من كتب العهد الجديد.

كل مخطوطاتنا لرسالة غلاطية، على سبيل المثال، تعود بشكل واضح إلى نص كان ينسخ، كل مخطوطاتنا الخاصة بإنجيل يوحنا تعود بوضوح إلى نسخة من إنجيل يوحنا كانت تضم المقدمة الاستهلالية والفصل 21. وهكذا ينبغي أن نبقى راضين عن معرفتنا أن العودة إلى أقدم نسخة يمكن الحصول عليها هو أفضل ما يمكننا فعله، سواء أستعدنا النص ” الأصلي ” أم لا. هذا الشكل الأكثر قدماً من النص هو بلا شك متصل بشكل وثيق (وثيق للغاية) بما كتبه المؤلف في الأصل، ولذلك فهو بمثابة الأساس لتفسيرنا لتعاليمه الخاصة.

مرجع:

Bart D. Ehrman: Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why, 1st edition, p. 62

 

الشهادة الثانية عشر: الأناجيل فقط هي التي توضح ما قاله وما فعله يسوع.

نحن نأخذ تحيزاتهم في الاعتبار وأحيانًا نأخذ أوصافهم للأحداث مع بعض الحذر. لكننا لا نرفض استخدامهم كمصادر تاريخية…. إن رفض استخدامهم كمصادر هو التضحية بأهم السبل للماضي لدينا، وعلى أسس أيديولوجية بحتة وليست تاريخية.

مرجع:

Ehrman, Bart D. Did Jesus Exist? The Historical Argument for Jesus of Nazareth. New York: Harper One, 2012. 74.

 

من الواضح أننا لا نستطيع أن نتعلم الكثير عن يسوع من مصادر غير مسيحية، سواء كانت وثنية أو يهودية. وبالتالي، إذا أردنا أن نعرف ما قاله يسوع فعلاً وما فعله خلال حياته، فنحن مضطرون إلى اللجوء إلى المصادر التي قدمها أتباعه.

Clearly, we cannot learn much about Jesus from non-Christian sources, whether pagan or Jewish. Thus if we want to know what Jesus actually said and did during his life, we are therefore compelled to turn to sources produced by his followers.

 

إذا أراد المؤرخون معرفة ما قاله يسوع وهل هم مضطرون إلى حد ما لاستخدام أناجيل العهد الجديد كمصادر رئيسية لهم. اسمحوا لي أن أؤكد أن هذا ليس لأسباب دينية أو لاهوتية – على سبيل المثال، يمكن الوثوق بهذه الأشياء وهذه وحدها. إنه لأسباب تاريخية صافية وبسيطة. نادرًا ما تذكر المصادر غير المسيحية عن يسوع لما يزيد عن قرن من الزمان بعد وفاته، ويهتم مؤلفو العهد الجديد الآخرون أكثر بأمور أخرى.

علاوة على ذلك، تميل روايات الإنجيل خارج العهد الجديد إلى أن تكون متأخرة وأسطورية، وذات اهتمام كبير بذاتها، ولكنها قليلة الفائدة للمؤرخ المهتم بمعرفة ما حدث خلال حياة يسوع. مع الاستثناءات الجزئية من أناجيل توما وبطرس، والتي حتى من خلال التفسيرات الأكثر سخاءً لا تستطيع تزويدنا بكميات كبيرة من المعلومات الجديدة، فإن المصادر الحقيقية الوحيدة المتاحة للمؤرخ المهتم بحياة يسوع هي إنجيل العهد الجديد.

 

If historians want to know what Jesus said and did, they are more or less constrained to use the New Testament Gospels as their principal sources. Let me emphasize that this is not for religious or theological reasons for instance, that these and these alone can be trusted. It is for historical reasons, pure and simple. Jesus is scarcely mentioned by non-Christian sources for over a century after his death, and the other authors of the New Testament are more concerned with other matters.

Moreover, the Gospel accounts outside the New Testament tend to be late and legendary, of considerable interest in and of themselves, but of little use to the historian interested in knowing what happened during Jesus’ lifetime. With the partial exceptions of the Gospels of Thomas and Peter, which even by the most generous interpretations cannot provide us with substantial amounts of new information, the only real sources available to the historian interested for the life of Jesus are therefore the New Testament Gospels.

المرجع:

The New Testament: a historical introduction to the early Christian writings. P. 229

العلماء النصيين تمتعوا بنجاح معقول في إرساء النص الأصلي للعهد الجديد، بأفضل ما لديهم من قدرات.

 

المرجع:

Ehrman, Bart D.; Holmes, Michael W.: The Text of the New Testament in Contemporary Research: Essays on the Status Quaestiones. Grand Rapids, MI.: Eerdmans, 1995, p. 375

 

الشهادة الثالثة عشر: أهمية يسوع والعهد الجديد

يُمْكِنْ للمَرء أنْ يُجَادلْ بَسُهولة فِي أنّ الكِتاب المُقدسْ هو أهم كٍتَابْ فِي تَاريخ الحَضَارة الغَربِية. مَا هُو الكِتاب الآخّر الذِي يَقْتربُ مِنْ حَيثُ الأهمِية التَاريِخية والاجْتماعية والثَقَافِية؟ مَن مِنا لا يَرغَب فِي مَعْرفة المَزيِد عن كِتاب غيّر حَياة مَلايينِ الأشَخَاص وأثّر عَلى حَضَاراتٍ بأكمَلها؟ مِنّ المُهِم لَيسَ فَقط للمُؤمنين. بعِيد عَنه. إنّه مُهِم لنا جَمِيعًا – عَلى الأقْل بالنِسبة لنا جَمِيعًا المُهتَمِين بِتَاريِخ البَشّرِية والمُجْتَمع والثَقافة.

يُمكِن للمَرء أنْ يُجَادل أيضًا بِأن يَسُوع هُو أهَم شَخص فِي تَاريِخ الغَرب، مِن مَنظُور تَاريِخي أو اجْتِماعِي أو ثَقَافي، بَعِيدًا تَمامًا عَن أهمّيته الدِينية. وبِالطَبع فَإنّ المَصَادر الأوُلىَ للمَعْلوُمَات التِي لَدينا عَنه، وهِي أنَاجِيل العَهد الجَديِد، مُهِمة للغَاية. ولَيسَ الأنَاجِيل فَقَطْ، بَل كُل كُتُب العَهدِ الجَديِد.

 

المصدر:

Did Jesus Exist? The Historical Argument for Jesus of Nazareth (Bart D. Ehrman) P. 169

 

الشهادة الرابعة عشر: الأرثوذوكسية انتصرت بالإقناع

بينما كنت أقرأ الحوار الذي أجراه Deborah Caldwell مع بارت إيرمان وجدت المحاور يسأله عن كيفية انتصار الأرثوذكسية على الهرطقات القديمة فأجاب إيرمان أن الانتصار جاء بإقناع الغالبية بحجج الأرثوذكسية أو على حد تعبيره أثبتوا قناعة بارعة proved pretty convincing. 

 

 

http://www.beliefnet.com/Faiths/Christianity/2004/08/The-Christianity-Battles. aspx?p=3

 

الشهادة الخامسة عشر: الأناجيل الأربعة والآباء

كان بإمكان يوستينوس التحدث بشكل ما عن “مذكرات الرسل” دون الإشارة إلى أي من هذه الكتب (على الأرجح الأناجيل) أسقف ليون في بلاد الغال (فرنسا الحديثة)، إيريناؤس، الذي كتب عملاً من خمس مجلدات ضد الهراطقة مثل مرقيون والغنوصيين، وكان لديه أفكار واضحة جدًا حول الكتب التي يجب اعتبارها ضمن الأناجيل الكنسية.

في مقطع يُستشهد به كثيرًا من كتابه ضد الهرطقات، يقول إيرينيؤس إن ليس مرقيون فحسب، بل أيضًا الهراطقة” الآخرين، قد افترضوا خطأً أن واحدًا أو أكثر من الأناجيل يجب أن يُقبل ككتاب مقدس: كل هذه المجموعات كانت مخطئة، لأنه لا يمكن أن يكون عدد الأناجيل أكثر أو أقل مما هو عليه. لأن هناك أربع مناطق في العالم نعيش فيها، وأربع رياح رئيسية، بينما الكنيسة منتشرة في جميع أنحاء العالم، وعمود الكنيسة وأرضها هو الإنجيل. ومن المناسب أن يكون لها أربعة أركان.

المصدر:

‏MISQUOTING JESUS The Story Behind Who Changed the Bible and Why (BART D. EHRMAN) P. 37

الشهادة السادسة عشر: أهمية كتابات الآباء

في النقد النصي للعهد الجديد، يُنظر إلى الاستشهادات الآبائية عادةً على أنها السطر الثالث من الأدلة، غير المباشر والتكميلي للغة اليونانية، وبالتالي غالبًا ما يتم التعامل معها على أنها ذات أهمية من الدرجة الثالثة. ومع ذلك، عند تقييم الدليل الآبائي بشكل صحيح، يكون له أهمية قصوى، لكل من المهام الرئيسية للنقد النصي للعهد الجديد: على عكس المخطوطات اليونانية المبكرة، فإن الآباء لديهم القدرة على تقديم أدلة مؤرخة وجغرافيًا معينة.

المصدر:

D. Ehrman 1995, 191

الشهادة السابعة عشر: مصداقية بولس

يُوجد لدينا مُؤلّف واحد عرف بالحقيقة أقارب يسوع وعرف تلاميذه…بولس…ليس تزييناً أن بولس التقى بيعقوب في أورشليم.

 

المصدر:

مقابلة على الراديو مع ريجنالد فينلي برنامج “Infidel Guy” بين الدقيقتين 31:50 و35:38

 

إنها حقيقة تاريخية أن بعض اتباع يسوع امنوا به من خلال انه قام من بين الأموات بعد فتره قصيره من موته. ونحن نعرف بعض الذين امنوا بالاسم وأحد هؤلاء هو بولس الرسول الذي ادعي انه رأي يسوع بشكل واضح على قيد الحياة بعد وفاته. وهذا يعتبر بالنسبة للمؤرخ إن المسيحية بدأت بعد وفاة يسوع. ليس مع القيامة. لكن مع الإيمان بالقيامة.

 

المصدر:

The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings. Third Edition. (New York, Oxford: Oxford University Press, 2004. P. 276.

 

الشهادة الثامنة عشر: الثالوث موجود في الكتاب المقدس

الشهادة التاسعة عشر: اخلاص نساخ العهد الجديد

وتجدر الإشارة إلى أن الأدلة الأخرى تشير إلى العمل الدقيق والمضني من جانب العديد من النساخ المخلصين. هناك ، على سبيل المثال، حالات من القراءات الصعبة التي تم نقلها بإخلاص دقيق … حتى في التفاصيل العارضة، يلاحظ المرء إخلاص النساخ.

it ought to be noted that other evidence points to the careful and painstaking work on the part of many faithful copyists. There are, for example, instances of difficult readings that have been transmitted with scrupulous fidelity… Even in incidental derails, one observes the faithfulness of scribes.

Source: Metzger, Bruce M.. and Bart D. Ehrman. 2005. The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration. 4th ed. Oxford: Oxford Univ. Press. P 271

  • المسيحية‬ لم تصبح الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية في مجمع نيقية‬.
  • لم يستعمل الإمبراطور قسطنطين مجمع نيقية ليعلن أن المسيحية هي ديانة الإمبراطورية.
  • الإمبراطور قسطنطين لم يعلن أبداً أن المسيحية هي ديانة الدولة.
  • قسطنطين جعل المسيحية “ديانة مسموح بها قانونيا” لا تضطهد.
  • المسيح لم يُعتبر إلها بداية من مجمع نيقية. خرافات‬
  • لم يحدث تصويت على ألوهية المسيح. خرافات
  • المسيح من بداية الإيمان المسيحي، وبعد موته مباشرةً، كان معتبراً “إبن الله” وأنه هو نفسه “كائن إلهي”.
  • يسوع دُعي “إبن الله” و “الله” في كتابات العهد الجديد، مثل ‫‏يوحنا 1‬:1 و ُفيلبي 2 و‫‏رومية 9‬:5 و ‫‏عبرانيين 1‬:8.
  • المسيح كان معتبرا “الله” عند كل الجماعات الأرثوذوكسية الأولية (ويقصد هنا الإيمان المستقيم وليس أي طوائف)، بل وأغلب الجماعات المسيحية المهرطقة في القرنين الثاني والثالث.
  • الإستثناء الوحيد كان عند “البنويين” الذين إعتبروا يسوع إنسان إرتفع إلى الألوهية، وحتى هؤلاء إعترفوا أنه “إرتفع إلى الألوهية”.
  • المهرطق أريوس وألكسندروس فهموا أن يسوع هو الله.
  • مجمع نيقية لم يكن عن “هل يسوع هو إبن الله؟” أو “هل يسوع هو الله؟”
  • كل من كان في المجمع كان يؤمن أن يسوع هو الله.
  • الخلاف كان عن هل المسيح له بداية قبل كون الكون في الماضي السحيق، أو هل يسوع مساويا وأزليا مع الله.

إقرأ أيضا:

بارت إيرمان يُفنّد إدّعاءات الإسلام حول المسيحية

هل بارت إيرمان بطل الإسلام؟ – ترجمة وليد بخيت

بارت إيرمان يرد على المسلمين بشأن مجمع نيقية وألوهية المسيح

فهرس شهادات بارت إيرمان ضد الإدعاءات الباطلة

كتاب مهارات الحياة – الدكتور أوسم وصفي PDF (مهارات الحياة، قيادة الحياة وجدانيًا وفكريًا وعلاقاتيًا وروحيًا)

كتاب مهارات الحياة – الدكتور أوسم وصفي PDF (مهارات الحياة، قيادة الحياة وجدانيًا وفكريًا وعلاقاتيًا وروحيًا)

كتاب مهارات الحياة – الدكتور أوسم وصفي PDF (مهارات الحياة، قيادة الحياة وجدانيًا وفكريًا وعلاقاتيًا وروحيًا)

لتحميل كتاب مهارات الحياة

إضغط هنا

 

كتاب مهارات الحياة – الدكتور أوسم وصفي PDF (مهارات الحياة، قيادة الحياة وجدانيًا وفكريًا وعلاقاتيًا وروحيًا)

لتحميل الكتاب الاساسي، برنامج للتنمية الشخصية

إضغط هنا

 

كتاب مهارات الحياة – الدكتور أوسم وصفي PDF (مهارات الحياة، قيادة الحياة وجدانيًا وفكريًا وعلاقاتيًا وروحيًا)

كتاب علم اللاهوت – القمص ميخائيل مينا (4 أجزاء كاملة)

كتاب علم اللاهوت – القمص ميخائيل مينا (4 أجزاء كاملة)

كتاب علم اللاهوت – القمص ميخائيل مينا (4 أجزاء كاملة)

كتاب علم اللاهوت – القمص ميخائيل مينا (4 أجزاء كاملة)

كتاب علم اللاهوت – الجزء الأول

كتاب علم اللاهوت – الجزء الثاني

كتاب علم اللاهوت – الجزء الثالث

كتاب علم اللاهوت – الجزء الرابع

كتاب التجسد والكنيسة – الشهيد في الكهنة هيلاريون تروئيتسكي – عامر هلسا

التجسد والكنيسة – الشهيد في الكهنة هيلاريون تروئيتسكي

كتاب التجسد والكنيسة – الشهيد في الكهنة هيلاريون تروئيتسكي – عامر هلسا

التجسد والكنيسة – الشهيد في الكهنة هيلاريون تروئيتسكي

 

لتحميل الكتاب إضغط هنا

 

لتحميل المزيد من الكتب المسيحية اضغط هنا

كتاب الجبل المقدّس – بستان والدة الإله – عامر هلسا

الجبل المقدّس – بستان والدة الإله – عامر هلسا

كتاب الجبل المقدّس – بستان والدة الإله – عامر هلسا

الجبل المقدّس – بستان والدة الإله – عامر هلسا

 

لتحميل الكتاب إضغط هنا

لتحميل المزيد من الكتب المسيحية اضغط هنا

كتاب الحكمة في التربية – الشماس اسبيرو جبور

الحكمة في التربية – الشماس اسبيرو جبور

الحكمة في التربية – الشماس اسبيرو جبور

الحكمة في التربية – الشماس اسبيرو جبور

 

لتحميل الكتاب إضغط هنا

لتحميل المزيد من الكتب المسيحية اضغط هنا

Exit mobile version