كتاب علم اللاهوت – القمص ميخائيل مينا (4 أجزاء كاملة)

كتاب علم اللاهوت – القمص ميخائيل مينا (4 أجزاء كاملة)

كتاب علم اللاهوت – القمص ميخائيل مينا (4 أجزاء كاملة)

كتاب علم اللاهوت – القمص ميخائيل مينا (4 أجزاء كاملة)

كتاب علم اللاهوت – الجزء الأول

كتاب علم اللاهوت – الجزء الثاني

كتاب علم اللاهوت – الجزء الثالث

كتاب علم اللاهوت – الجزء الرابع

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – الجزء الأول – سي إس لويس

“حيث أن حياة المسيح من كل جهة هي الأكثر مرارة وألماً “للطبيعة البشرية، “للذات” و “للأنا” (لأنه في الحياة الحقيقية للمسيح، لا بد أن يتم ترك وإنكار وإماتة الذات والأنا والطبيعة بالكامل)، لذلك فإنه في كل منا، يكون لدى الطبيعة البشرية رعب من هذا الألم.”

Theologia Germanica, XX.

لقد حاولت أن أوضح في فصل سابق أن احتمالية الألم هي شيء موروث في الوجود الحقيقي لعالم يمكن فيه للنفوس أن تتلاقى. عندما تصبح النفوس شريرة فإنها بالتأكيد ستستخدم هذه الإمكانية لكي تؤذي أحداها الأخرى؛ وربما يكون هذا هو السبب في أربعة أخماس الآم البشر. فالبشر وليس الله هم الذين يصنعون المخلعة (أداة تعذيب)، والسياط، والسجون، والرق، والبنادق، والحراب، والقنابل؛ ونتيجة الجشع أو الحمق البشري، وليس بسبب قسوة الطبيعة، أصبح لدينا الفقر والإعياء من كثرة العمل. لكن يظل هناك، رغم هذا، يوجد الكثير من الألم الذي لا يمكن أن نعزيه إلى أنفسنا. حتى لو كانت كل الآلام من صنع البشر، فإننا نود أن نعرف سبب إجازة إله الهائلة لأسوأ البشر بتعذيب رفاقهم الآخرين في الإنسانية[1]. فإن نقول، كما قلنا في الفصل السابق، أن الخير بالنسبة لبشر مثلنا الآن، يعني في الأساس خيراً تصحيحياً أو علاجياُ، هذه إجابة غير كاملة. ليس كل العقاقير الطبية طعمها كريه؛ أو إذا كان طعمها كذلك، فهذه في حد ذاتها واحدة من الحقائق المزعجة التي نود أن نعرف سبباً لها.

قبل أن نواصل لا بد أن أرجع مرة أخرى إلى نقطة قد أثرتها في الفصل الثاني. فقد قلت هناك أن الألم، تحت مستوى معين من الشدة، ليس مزعجاً بل أنه قد يكون محبباً. قد ترغب عندها أن تجيب “في تلك الحالة لا يجب عليّ أن أطلق عليه ألم”، وربما كنت على حق. لكن الحقيقة هي أن كلمة “ألم” لها معنيان يجب تحديدهما الآن.

  • الألم هو نوع معين من الشعور، ربما يتم نقله بواسطة ألياف عصبية خاصة، ويتم إدراكه بواسطة المتألم باعتباره هذا النوع من الإحساس، سواء كان يزعجه أم لا (مثلاً، الألم الضعيف في أطرافي سيتم إدراكه باعتباره ألم حتى لو لم أعترض عليه).
  • الألم هو أية خبرة سواء جسدية أو فكرية، يكرهها المتألم.

 سنلاحظ أن كل الآلام بحسب المعنى (أ) تصبح آلاماً بحسب المعنى (ب) إذا ارتفعت فوق مسـتوى معين من الحـدة، لكن تلك الآلام بحسب المعنى (ب) لا يلزم أن تكون آلاماً بحسب المعنى (أ). الألم بحسب المعنى (ب) في الحقيقة هو مرادف “للمعاناة”، أو “العذاب”، أو “المحنة”، أو “المصيبة”، أو “الضيق”، وبسبب الألم بحسب هذه المفهوم تنشأ معضلة الألم. في بقية هذه الكتاب سوف نستخدم الألم بحسب المعنى (ب)، وسوف يشمل كل أنواع المعاناة: أما بالنسبة للألم بحسب المعنى (أ)، فليس لنا أي شأن آخر به.

يمكن أن نقول الآن أن الخير الحقيقي لكائن ما من المخلوقات هو أن يخضع نفسه لخالقه. أن يحدث فكرياً، وإرادياً، وعاطفياً تلك العلاقة المعطاة في مجرد حقيقة وجوده كمخلوق. عندما يفعل ذلك، يكون في خير وسعادة. ولئلا نعتقد أن هذه معاناة، هذا النوع من الخير يبدأ على مستوى أعلى بكثير من المخلوقات، لأن الله نفسه، باعتباره الابن، يقدم طوال الأبدية لله الآب بالطاعة البنوية، الكيان الذي يلده الآب بالمحبة الأبوية سرمدياً في الابن. هذا هو النموذج الذي صنع الإنسان لكي يحاكيه – والذي حاكاه بالفعل إنسان الجنة – وأينما يقوم المخلوق برد الإرادة الممنوحة له من الخالق بتلك الطريقة الكاملة في طاعة وسعادة الابتهاج إلى الخالق مرة أخرى، فهناك بلا أي شك توجد السماء، وهناك يعمل الروح القدس ويكمل. تكمن المشكلة في العالم كما نعرفه الآن، في كيفية استعادة هذه الخضوع الذاتي. إننا لسنا مجرد كائنات غير كاملة لا بد من تحسينها؛ بل كما يقول نيومان Newman، إننا متمردون لا بد أن نُلقي بأسلحتنا نستسلم. الإجابة الأولى إذاً على السؤال، لماذا يجب أن يكون علاجنا مؤلماً، هي أنه لكي نرد لله الإرادة التي زعمنا لمدة طويلة للغاية أنها ملكاً لنا، فهذا في حد ذاته بأية طريقة يتم بها، هو الم شديد. حتى في الجنة أفترض أن أقل تمسك بالذات كان يجب التغلب عليه، رغم أن هذا التغلب، والتسليم، كان سيصيح مُفرحاً هناك. لكن أن نسلم إرادة ذاتية ثائرة ومنتفخة بفعل سنين من اغتصاب سلطتها، فهذا نوع من الموت. جميعنا نتذكر هذه الإرادة الذاتية كما كانت في الطفولة، الهياج المرير والمستديم لك إحباط وخيبة أمل. واندفاع الدموع الملتهبة، والرغبة الشيطانية السوداء في أن نقتل أحداً أو أن نموت عن أن نستسلم. من هنا كان النموذج الأقدم للمربية أو الوالد على حق تماماً في الاعتقاد بأن أول خطوة في التهذيب هي “أن تكسر إرادة الطفل”. لقد كنت وسائلهم في ذلك في الأغلب خاطئة؛ لكن أعتقد أن عدم رؤيتنا لضرورة ذلك معناه أن نعزل أنفسنا عن كل فهم للقوانين الروحية. والآن وقد كبرنا، إذا لم نكن نصرخ ونضرب بأقدامنا على الأرض كثيراً، فهذا يرجع جزئياً إلى أن آباءنا الذين ربونا قد بدأوا عملية كسر أو قتل الإرادة الذاتية ونحن في مرحلة الحضانة، ويرجع من ناحية أخرى إلى أن نفس العواطف الآن تأخذ أشكالاً أكثر مكراً إذ كبرت وأصبحت ماهرة في تجنب الموت بواسطة مختلف الأساليب “التعويضية”. من هنا تأتي ضرورة أن نموت يومياً؛ إذ مهما ظننا كثيراً أننا قد كسرنا الذات المتمردة فإننا سنجدها لا تزال حية. كون ان هذه العملية لا يمكن أن تتم بدون ألم فهذا مشهود له بما يكفي بواسطة نفس تاريخ كلمة “إماتة الجسد “Mortification.

لكن هذا الألم أو الموت الفعلي، في إماتة الذات المغتصبة، ليس هو القصة كلها. فللمفارقة، رغم أن “إماتة الجسد” في حد ذاتها مؤلمة، إلا أنها تصبح أسهل بوجود الألم في سياقها. أعتقد أن هذا يحدث أساساً بثلاث طرق؛ لن تبدأ الروح البشرية حتى في محاولة إخضاع وتسليم الإرادية الذاتية طالما أن الأمور كلها تبدو على ما يرام معها. إلا أن الخطأ والخطية كلاهما لديه هذه الخاصية، أنه كلما كان أكثر عمقاً كلما قل شك الضحية في وجوده؛ فهما شرور مقنعة. لكن الألم غير مقنع، وهو شر واضح لا لبس فيه. كل إنسان يعرف أن هناك شيء ما خطأ عندما يتعرض للأذى. المستألم أو الماسوشي Masochist (المنحرف جنسياً، أي الذي يتلقى اللذة – الجنسية غالباً – من خلال تلقي الألم – المترجم) ليس استثناء حقيقياً لذلك. تقوم كل من السادية Sadism (الحصول على متعة جنسية عن طريق إيقاع الألم بشخص آخر – المرجم) والماسوشية Masochism على التوالي بعزل ثم تضخيم “لحظة” أو “جانب” ما في الشهوة الجنسية الطبيعية. تضخم السادية جانب الاستيلاء أو السيطرة إلى النقطة التي تصبح فيها فقط إساءة معاملة المحبوب هي التي تشبع الشخص المنحرف – كما لو أنه يقول، “إنني شديد السيطرة حتى أنني أؤلمك أيضاً.” أما الماسوشية فتضخم الجانب المُكمل والمضاد لذلك، فتقول، “إنني مأسور ومُستعبد لك بالكامل حتى إنني أرحب حتى بالألم على يديك”. فإذا لم يتم الشعور بالألم باعتباره شر – إساءة عنيفة تؤكد على السيطرة الكاملة على الطرف الآخر – فإنه سيتوقف، بالنسبة للماسوشي، عن أن يكون محفزاً شهوانياً. الألم لا يتم فقط الشعور به في الحال باعتباره شر معترف به، بل شر من المستحيل تجاهله. يمكننا أن نستريح برضا في خطايانا وفي حماقاتنا؛ وأي إنسان يراقب إنساناً آخراً شرهاً وهو يلتهم أفخر الأطعمة لكا لو كان لا يعرف ما الذي يأكله، سوف يعترف أننا نستطيع أن نتجاهل حتى المتعة.

لكن الألم يصر على أن يتم الإصغاء إليه. يهمس الله لنا في مسراتنا، ويتحدث إلينا في ضميرنا، ولكنه يصرخ في آلامنا. فالألم هو بوق الله الذي ييقظ به العالم الأصم.

الإنسان الشرير، سعيد، لأنه هو الشخص الذي لا يكون لديه أقل شك في أن أفعاله لا “تجيب” (على ما يصرخ به الله)، وأنها لا تتفق مع قوانين الكون.

يكمن إدراك هذا الحق في خلفية المشاعر الإنسانية العامة بأن الأشرار لا بد أن يتألموا. لا فائدة من إقحام أنوفنا في تلك المشاعر، كما لو كانت دنيئة بالكامل. لأنها في أكثر مستوياتها اعتدالاً تناشد شعور كل إنسان بالعدالة. في مرة من المرات، عندما كنا أنا وأخي صبية صغاراً، أثناء قيامنا برسم صور معاً على نفس المنضدة، هززت مرفقه مما جعله يرسم خطاً غير مستو في منتصف عمله الفني؛ فقمت بطريقة ودية بتصفية الأمر معه إذ سمحت له بأن يرسم بالمثل خطاً بنفس الطول في منتصف عمل الفني. وهذا معناه أنني “كنت أضع نفس مكانه”، مما جعلني أرى اهمالي من وجهة نظره هو. على مستوى أكثر صرامة، تظهر نفس الفكرة باعتبارها “عقوبة القصاص”، أو “إعطاء الإنسان ما يستحقه”. بعض المستنيرين يرغبون في إزالة كل مفاهيم القصاص أو الاستحقاق من نظريتهم العقابية ويضعون مدلولها بالكامل في ردع الآخرين أو في إصلاح المجرم نفسه. لكنهم لا يرون أنهم يفعلون ذلك يجعلون كل العقوبات غير عادلة. فماذا يمكن أن يكون أكثر لا أخلاقية من أن أوقع الألم على نفسي لأجل ردع الآخرين إذا لم أكن “أستحق” ذلك؟ بل فوق ذلك، على مستوى ثالث، نحصل على “شهوة الانتقام”، والتعطش للثأر والانتقام. هذا بالطبع شر ومحظور بوضوح بالنسبة للمسيحيين. لكن ربما ظهر بالفعل من نقاشنا حول السادية والماسوشية أن أبشع الأمور في الطبيعية البشرية هي تشويه وإفساد الأمور الصالحة أو البريئة. الأمور الصالحة التي تكون شهوة الانتقام تشويه لها تأتي بوضوح مذهل في تعريف هوبز Hobbes للانتقام Revengefulness؛ بأن الانتقام هو “الرغبة، عن طريق إيقاع الأذى بشخص آخر، في جعله يدين واقعة معينة قام بها”. يفقد الانتقام رؤية الغاية التي يرغب في الوصول إليها من خلال الوسيلة، لكن غايته ليس شريرة بالكامل – إذ أنه يريد من إيقاع الأذى بالإنسان الشرير أن يكون الشر بالنسبة له كما هو بالنسبة لكل إنسان آخر. هذا الأمر مُثبت من حقيقة أن المنتقم يريد الطرف المذنب ليس فقط أن يتألم، بل أن يتألم على يديه، وأن يعرف أنه يتألم، ويعرف سبب تألمه. من هنا يأتي الدافع للتهكم على الشخص المذنب وجريمته في لحظة تلقيه لجزائه، من هنا أيضاً تأتي مثل هذه التعبيرات الطبيعة مثل، “إنني أتساءل كيف كان سيشعر لو أن نفس هذه الفعل وقع له” أو “سوف ألقنه درساً”. لنفس هذا السبب عندما نأتي لكي نوقع الألم بشخص ما عن طريق الكلام فإننا نقول إننا “سوف نجعله يعرف كيف نفكر بشأنه”.

عندما أشار أسلافنا إلى الآلام والأحزان باعتبارها “انتقام” الله من الخطية لم يكونوا بالضرورة ينسبون شهوات أو عواطف شريرة لله؛ لكنهم ربما قد أدركوا العنصر الجيد في فكرة القصاص. فإنه إلى أن يجد الرجل الشرير الشر موجوداً بصورة لا لبس فيها في حياته، في صورة ألم، فإنه يكون محاطاً بالوهم. لكن بمجرد أن يوقظه الألم، فإنه يعرف أنه بطريقة او بأخرى “قد تصرف ضد” الكون الحقيقي؛ فهو إما أن يتمرد (مع إمكانية أن يتضح له الأمر أكثر ويقوم بتوبة أعمق في مرحلة ما لاحقة) أو أن يقوم بمحاولة ما للتكيف مع ذلك الوضع، الأمر الذي إذا اتبعه، سوف يقوده إلى الدين، إلا أنه من الصحيح انه لا هذا التأثير ولا ذاك شديد التأكيد الآن كما كان الأمر في الأزمنة التي كان فيها وجود الله (أو حتى الآلهة) معروفاً أكثر على نطاق واسع، لكن حتى في أيامنا هذه نراه يؤثر. فحتى الملحدين يتمردون ويعبرون، مثل هاردي Hardy وهاوسمان Housman، عن ثورتهم ضد الله رغم (أو بسبب) أن الله غير موجود، بحسب رأيهم. وهناك ملحدون آخرون مثل هكسلي Mr. Huxley، يدفعهم الألم أن يثيروا قضية الوجود بأكملها وأن يجدوا طريقة ما للتوافق مع ذلك الشيء الذي، إن لم يكن مسيحياً، فهو متفوق إلى ما لانهاية تقريباً على الرضا السخيف بالحياة الوثنية الدنسة.

لا شك أن الألم باعتباره بوق الله هو أداة مريعة؛ إذ أنه قد يؤدي إلى تمرد نهائي لا توبة عنه. ولكنه يقدم الفرصة الوحيدة التي يمكن للإنسان الشرير أن يحصل عليها للتغير والإصلاح. إنه يزيل البرقع؛ ويغرس راية الحق داخل حصن النفس المتمردة.

إن كان أول وأقل تطبيق للألم يبدد الوهم بأن كل شيء على ما يرام، فإن التطبيق الثاني له يبدد الوهم بأن لدينا، سواء كان جيداً أم سيئاً في حد ذاته، هو ملك لنا وكاف بالنسبة لنا. كل إنسان يلاحظ كم هو صعب أن يوجّه أفكاره إلى الله عندما يكون كل شيء يسير معنا بطريقة جيدة. فعبارة “إن لدينا كل ما نريد” هي عبارة مزعجة عندما تكون “كل” هذه لا تشمل الله. فنجد أن الله عبارة عن عائق. كما يقول القديس أوغسطينوس St. Augustine في إحدى المواضع، “يريد الله أن يعطينا شيئاً ما، ولكنه لا يستطيع، لأن أيدينا ملآنة، فلا يوجد مكان له لكي يضع فيه هذا الشيء. أو كما قال أحد أصدقائي، “إننا ننظر إلى الله كما ينظر الطيار إلى الباراشوت؛ إنه موجود للطوارئ ولكنه يتمنى ألا يضطر إلى استخدامه.”

لكن الله الذي صنعنا، يعرف من نحن ويعرف أن سعادتنا تكمن فيه. ومع ذلك فإننا لن نبحث عن تلك السعادة في الله طالما أنه يترك لنا أي ملجأ آخر حيث يمكن حتى ظاهرياً أن نبحث عن السعادة فيه.

فطالما يظل ما نطلق عليه “حياتنا الخاصة” مريحة ومقبولة فإننا لن نُخضعها ونسلمها له. ماذا يمكن لله إذاً أن يصنع لصالحنا إلا أن يجعل “حياتنا الخاصة” أقل راحة بالنسبة لنا، ويأخذ منها المصادرة الظاهرية للسعادة الزائفة؟ هنا فقط، عندما تبدو عناية الله في البداية أنها شديدة القسوة، فإن “الاتضاع الإلهي”، تنازل الله العلي، يكون أكثر ما يستحق الثناء. إننا نصاب بالارتباك عندما نرى المصائب تقع على اللطفاء، والمسالمين، والأفاضل، على الأمهات الأكفاء والمجتهدات أو على الأشخاص المثابرين والمقتصدين ذوي الأعمال الصغيرة، على أولئك الذين يعملون بجد شديد، وبأمانة عظيمة. بسبب نصيبهم المتواضع من السعادة، إذ نعتقد أنهم سيدخلون الآن إلى الاستمتاع بتلك السعادة عن حق تماماً. كيف يمكنني أن أقول برقة كافية ما يجب أن يقال هنا؟ لا يقلقني أن أعرف أنني لا بد أن أصبح، في عيني كل قارئ، عدوانياً كما لو أنني مسؤول شخصياً عن كل الآلام التي أحاول أن أفسرها – كما يحدث، حتى يومنا هذا، عندما يتكلم الجميع عن القديس أوغسطينوس كما لو أنه كان “يريد” أن يذهب الرُضع غير المتعمدين إلى الجحيم. لكن الأمر المقلق بشكل هائل هو ما إذا كنت أنفر أي إنسان من الحق. دعوني أناشد القارئ أن يحاول تصديق، حتى ولو للوقت الحالي فقط، أن الله، الذي خلق هؤلاء الأشخاص الأفاضل، قد يكون فعلاً على حق عندما يعتقد أن نجاحهم المتواضع وسعادة أبنائهم ليست كافية كي تجعلهم مطوبين؛ وأن كل هذه الأمور لا بد أن تسقط عنهم في النهاية، وأنهم لو لم يكونوا قد تعلموا أن يعرفوا الله فإنهم سيكونون بؤساء وأشقياء. ولذلك فإنه يزعجهم، ويحذرهم مقدماً من عدم الكفاية والنقص الذي سوف يكتشفونه في يوم من الأيام. إن الحياة لأجل أنفسهم ولأجل أسرهم تحول بينهم وبين إدراك احتياجهم لله؛ ولذلك يجعل الله تلك الحياة أقل جمالاً بالنسبة لهم. إنني أدعو هذا “الاتضاع الإلهي” لأنه شيء سيء أن نلجأ إلى الله عندما تغرق السفينة تحتنا؛ أمر سيء أن نأتي له باعتباره الملجأ الأخير، وأن نقدم “ما نمتلكه وما هو خاص بنا” عندما لا بعد الاحتفاظ به ذو قيمة تُذكر. لو كان الله متكبراً، لكان بالكاد يمتلكنا بمثل هذه الشروط؛ ولكنه ليس متكبراً، بل أنه ينحني لكي يمتلكنا، فهو يريد ان يمتلكنا رغم أننا نفضل أي شيء آخر عليه، ورغم أننا نأتي إليه لأنه لا يوجد “شيء أفضل” الآن يمكن الحصول عليه. يظهر نفس هذا الاتضاع بواسطة كل المحاولات الإلهية لإثارة مخاوفنا، المحاولات التي تزعج قراء الكتاب المقدس ذوي المبادئ السامية. يشق على نفس الله كثيراً أن يكون علينا أن نختاره كبديل للجحيم؛ ورغم ذلك فإن يقبل حتى هذا الاختيار إن توهم المخلوق بشأن اكتفائه بنفسه، لا بد لأجل خاطر المخلوق نفسه، أن يتبدد؛ وعن طريق الضيق أو الخوف من الضيق على الأرض، بواسطة الخوف القاسي من النار الأبدية، يبدد الله هذا الوهم “دون أن يهتم (الله) بنقصان مجده”. أولئك الذين يحبون أن يكون إله الكتاب المقدس أكثر التزاماً بالمعايير الأخلاقية البحتة، لا يعلمون ما يطلبونه. لو كان الله أحد أتباع الفيلسوف “كنت” Kantian، لا يمتلكنا إلا إذا جئنا ساعي إليه وبأفضل الدوافع، من كان يمكنه أن يخلص؟ مع العلم بأن هذا الوهم بالكفاية الذاتية ربما يكون في أقوى صوره في أكثر الناس أمانة ولطفاً وأكثرهم اعتدالاً وقناعة، ولذلك، لا بد أن تقع المصائب على مثل هؤلاء الناس.

تفسر مخاطر الكفاية الذاتية الواضحة السبب الذي لأجله ينظر ربنا إلى رذائل الضعفاء والفجار الفاسقين بتساهل أكثر بكثير من الرذائل التي تقود إلى النجاح العالمي. هذا لأن الفاجرات لسن في خطر أن يجدن حياتهن الحالية مُرضية للغاية بحيث لا يتمكن من العودة إلى الله؛ أما المتكبر والجشع، وصاحب البر الذاتي، فهم في ذلك الخطر.

أما التطبيق الثالث للألم فهو أصعب في فهمه قليلاً. يعترف الجميع بأن الاختيار أمر واع في الأساس؛ فإن تختار يتضمن ذلك معرفة أنك تختار. كان إنسان الجنة يختار دائماً أن يتبع مشيئة الله. وفي اتباعها أشبع أيضاً رغبته الخاصة، وهذا لأن كل الأفعال التي كانت مطلوبة منه كانت، في الحقيقة، مقبولة لميوله البريئة، وأيضاً لأن خدمة الله كانت هي نفسها أقوى متعة له، فكل الأفراح والمسرات كانت ستصبح بلا طعم بالنسبة له لو لم تكن تلك الخدمة هي حدودها القاطعة. السؤال الذي يقول، “هل أفعل ذلك لأجل الله أم فقط لأنه تصادف أنني أحب هذا الأمر؟” لم يكن يثار عندئذ، حيث أن فعل الأمور لأجل الله كان هو في الأساس “ما تصادف أنه يحبه”. إن إرادته التي كانت موجهة لله قادت سعادته بعيداً، كما في سفينة تسابق تياراً سريعاً منحدراً. كانت المتعة عندئذ (في الجنة) تقدمة مقبولة لله لأن التقدمة نفسها كانت متعة. لكننا نرث نظاماً كاملاً من الرغبات الذي ليس بالضرورة يتعارض مع إرادة الله. ولكنه بعد قرون من الحكم الذاتي المغتصب، يتجاهل تلك الإرادة باستمرار. فالحقيقة أنه إذا كان الشيء الذي نحب أن نفعله هو الشيء الذي يريدنا الله أن نقوم به، ومع ذلك ليس هذا هو مبررنا لفعله؛ تظل هذه مجرد مصادفة سعيدة. فلا نستطيع عندها أن نعرف أننا نؤدي دوراً أو خدمة على الإطلاق، أو أننا نقوم بذلك أساساً لأجل الله، ما لم تكن مادة الفعل مناقضة لميولنا، أو (بمعنى آخر) مؤلمة، والشيء الذي لا نستطيع أن نعرف أننا نختار، لا يمكننا اختياره. فالإظهار الكامل لإخضاع الذات لله إذاً يتطلب ألماً؛ وهذا الفعل لكي يكون كاملاً، لا بد أن يتم القيام به من منطلق الإرادة الخالصة للطاعة في غياب، أو على الرغم من ميولنا. كم هو أمر مستحيل إذاً أن نقوم بعلم إخضاع الذات بواسطة فعل ما نحبه، أنا أعرف ذلك جيداً من خبرتي الشخصية في الوقت الحالي. فعندما شرعت في كتابة هذا الكتاب، تمنيت لو أن الرغبة في طاعة ما يمكن أن يكون “قيادة إلهية” كان لها على الأقل مكان ما في دوافعي. لكن الآن حيث أنني منغمس في كتابة بعمق، أصبح ما أقوم به إغراء أكثر منه واجب. ربما لا أزال أتمنى أن تكون كتابة هذا الكتاب، تتفق فعلياً مع إرادة الله لكن أن أؤكد بأنني أتعلم أن أخضع نفسي بأن أفعل شيئاً شديد الجاذبية بالنسبة لي، سيكون هذا أمراً سخيفاً ومنافياً للعقل.

إننا نطأ الآن أرضاً شديدة الصعوبة. اعتقد الفيلسوف “كنت” Kant أنه لا يوجد فعل ذو قيمة أخلاقية إلا إذا تم فعله من منطلق الاحترام الخالص للقانون الأخلاقي، بمعنى، بدون ميل أو رغبة فيه، وقد تم اتهامه بأن لديه “إطار عقلي مَرَضي وغير سليم” إذ أنه يقيس قيمة فعل ما على أساس كونه غير سار أو بغيض للنفس. إلا أن الرأي العام كله هو في الحقيقة إلى جانب “كنت”. فالناس لا يُعجبون أبداً بإنسان لأنه يقوم بعمل شيء يحبه؛ إن نفس كلمات “لكنه يحبه” تعني ضمنياً النتيجة الطبيعية، “وبالتالي فليس له أية قيمة”. لكن كلما أصبح الإنسان أكثر تقوى، كلما استمتع أكثر بالأفعال الفاضلة. ما الذي يجب على الملحد أن يفعله بشأن هذه الصراع بين أخلاقيات الواجب وأخلاقيات الفضيلة، هذا ما لا أعرفه؛ لكنني كمسيحي أفترض الحل التالي.

في بعض الأحيان يتم طرح السؤال ما إذا كان الله يأمر بأشياء معينة لأنها صحيحة، أو ما إذا كانت هناك أشياء معينة صحيحة لأن الله يأمر بها. إلى جانب “هوكر” Hooker، وضد د. جونسون Dr. Johnson، إنني أعتنق بشكل قاطع البديل الأول. البديل الثاني قد يقود إلى النتيجة البغيضة (التي توصل إليها، كما أعتقد، “بالي” Paley) بأن الفضيلة جيدة فقط لأن الله أمر بها قسراً – وأنه يمكن بالمثل أن يأمرنا بأن نكرهه ونكره بعضنا البعض وعندها ستكون تلك الكراهية صحيحة. لكن أؤمن، على العكس من ذلك، “أنه يخطئ من يعتقد هكذا في إرادة الله؛ لأنه لا يوجد سبب آخر لكي نعمل هذا أو ذاك إلا إرادته”. إن إرادة الله تحددها حكمته التي تدرك دائماً، وصلاحه الذي يتبنى دائماً، ما هو خير جوهرياً. لكننا عندما نقول إن الله يأمر بأشياء فقط لأنها صالحة، لا بد أن نضيف أن واحداً من الأشياء الصالحة جوهرياً هو أن المخلوقات العاقلة يجب أن تُخضع أنفسها بحرية لخالقها في طاعة. أما محتوى طاعتنا – أي الشيء الذي يأمرنا الله أن نفعله – فسوف يكون دائماً شيئاً صالحاً جوهرياً، شيئاً يجب علينا أن نفعله حتى (بواسطة افتراض مستحيل) لو لم يكن الله قد أمر به. لكن بالإضافة إلى محتوى الطاعة، مجرد الطاعة نفسها هي أمر صالح أيضاً جوهرياً، لأنه بالطاعة، يؤدي المخلوق العاقل عن وعي دوره كمخلوق، ويناقض الفعل الذي بواسطته نسقط، ويؤدي رقصة آدم إلى الخلف، ويعود إلى الله.

لذلك نحن نتفق مع أرسطو في أن ما هو صحيح جوهرياً قد يكون مقبولاً بصورة جيدة، وأنه كلما كان الإنسان أفضل كلما أحب أكثر ما هو صحيح. لكننا نتفق مع “كنت” حتى الآن في القول بأن هناك فعل واحد صحيح – وهو فعل إخضاع الذات – الذي لا يمكن للمخلوقات الساقطة أن تريده إلى أقصى درجة إلا إذا كان بغيضاً. ولا بد أن نضيف أن هذا الفعل الواحد الصحيح يشمل كل بر وصلاح آخر، وأن الإزالة الفائقة لسقوط آدم، حركة “العودة إلى الخلف بأقصى سرعة” التي بها نرجع من حيث أتينا في رحلتنا الطويلة من الجنة، ونفك العقدة القديمة، الصعبة، لا بد أن تحدث عندما يقوم المخلوق، بدون رغبة في معونة، بالتجرد الكامل للرغبة الخالصة في الطاعة، فيتبنى ما هو مضاد لطبيعته، ويفعل الشيء الذي لأجله يوجد دافع واحد فقط ممكن. يمكن وصف مثل هذا الفعل بأنه “امتحان” لعودة المخلوق إلى الله؛ من هنا قال آباؤنا أن المتاعب “قد أرسلت لكي تمتحننا”. من الأمثلة المألوفة على ذلك هو “امتحان” إبراهيم عندما أمره الله بأن يقدم إسحاق ابنه ذبيحة. لا تعنيني الآن الصفة التاريخية أو الأخلاقية لتلك القصة، بل السؤال الواضح، “إذا كان الله كل العلم والمعرفة فلا بد أنه كان يعرف ما سوف يفعله إبراهيم، بدون أي امتحان، فلماذا إذاً هذا العذاب دون داعٍ؟” لكن كما يشير القديس أوغسطينوس، مهما كان ما عرفه الله، فإن إبراهيم على أية حال لم يكن يعلم أن طاعته كان يمكنها احتمال مثل هذا الأمر إلى أن علمه هذا الحدث ذلك؛ والطاعة التي لم يكن يعلم أنه سيختارها، لم يكن يستطيع أن يقول إنه سيختارها.

كانت حقيقة طاعة إبراهيم هي الفعل نفسه؛ وما عرفه الله عندما عرف أن إبراهيم “سوف يطيع” كان طاعة إبراهيم الفعلية على قمة ذلك الجبل في تلك اللحظة. لذلك أن نقول إن الله “لم يكن يحتاج أن يقوم بهذا الامتحان” فهذا معناه أن نقول، حيث أن الله يعرف، فإن الشيء الذي يعرفه الله لا يحتاج أن يوجد.

إذا كان الألم في بعض الأحيان يبدد الكفاية الذاتية الباطلة لدى المخلوق إلا أنه في “الامتحان” الفائق أو في “ذبيحة التضحية” يعلمه الكفاية الذاتية التي يجب بالفعل أن تكون لديه، أي “القوة، التي إذا منحتها السماء، يمكن أن يطلق عليها أنها ملك له”؛ لأنه عندها، في غياب مجرد الدوافع والمساندات الطبيعية كلها، يتصرف المخلوق بتلك القوة، وبتلك القوة وحدها، التي يهبها له الله من خلال إرادته المخضعة لله.

فالإرادة البشرية تصبح خلاقة حقاً وتصبح ملكنا بالفعل عندما تكون بالكامل ملكاً لله، وهذا واحد من المعاني الكثيرة التي يكون بها الإنسان الذي يضيع نفسه يجدها.

في كل الأفعال الأخرى تتغذى إرادتنا من خلال الطبيعة، أي من خلال الأشياء المخلوقة بخلاف الذات من خلال الرغبات التي تمدنا بها أعضاؤنا الجسدية وما ورثناه من صفات. عندما نتصرف من أنفسنا وحدها – أي من خلال الله الساكن فينا – فإننا نكون مشاركين في، أو دعامات حية، للخليقة؛ وهذا هو السبب في أن مثل هذا الفعل يُبطل “دمدمات الشكوى العكسية للقوة التي فصلتنا عن الله”، اللعنة الهدامة التي ألقاها آدم على جنسه. من هنا كما أن الانتحار هو التعبير النموذجي عن الروح اللامبالية بأية مشاعر Stoic، والموت في الحرب هو التحدي الحقيقي لكل جندي، يظل الاستشهاد دائماً هو التمثيل والكمال الفائق للمسيحية. هذا الفعل العظيم تتم المبادرة به لأجلنا، ويُصنع نيابة عنا، كمثال نحتذي به، ويتم نقله بصورة لا تصدق إلى جميع المؤمنين، بواسطة المسيح على الجلجثة. هناك تصل درجة الموت المقبول إلى أقصى حدود لما يكن تخيله وربما تتخطاها؛ تتخطى ليس فقط كل المساندات الطبيعية، بل تتخطى وجود الآب نفسه الذي تُقدم له الذبيحة وهو يتخلى عن الضحية، ومع ذلك لا يتداعى المسيح لله رغم أن الله “يتركه”.

عقيدة الموت التي أصفها هنا ليست مقصورة فقط على المسيحية. بل أن الطبيعة نفسها تكتبها بصورة كبيرة عبر العالم في الدراما المتكررة للبذرة المدفونة والحبوب التي تنمو من جديد. ربما تعلمتها أقدم المجتمعات الزراعية، من الطبيعة، ومن خلال الذبائح الحيوانية أو البشرية، أظهرت هذه المجتمعات على مدى قرون حقيقية أنه “بدو سفك دم لا تحصل مغفرة” (عب 9: 22)؛ ورغم انه في البداية كانت هذه المفاهيم تختص فقط بمحاصيل وتقدمات العشيرة، فإنها جاءت فيما بعد، في الأسرار The Mysteries هو نسخة من مسرحيات العصور الوسطى الإنجليزية تتحدث عن الأسرار، والتي كانت تعرض عام 1977. وهي عبارة عن دورة من ثلاث مسرحيات تحكي قصة الكتاب المقدس منذ الخلق وحتى الدينونة الأخيرة The Free Dictionary by Farlex – المترجم). الهندي الزاهد Ascetic، إذ يميت جسده على سرير من المسامير، يعظ نفس الدرس؛ ويخبرنا الفيلسوف اليوناني Plato ان حياة الحكمة هي “ممارسة الموت”. يفسر الوثني الحساس والنبيل في الأزمنة الحديثة، هكسلي Mr. Huxley، الذي يجعل آلهته التخيلية “تموت لكي تحيا”، “عدم ارتباط” هذه العقيدة بالمسيحية. وهكذا لا يمكننا أن نهرب من تلك العقيدة حتى إذا توقفنا عن أن نكون مسيحيين. فهذه “بشارة أبدية” “Eternal Gospel” معلنة للبشر في أي مكان يبحث فيه البشر عن الحق أو يحتملونه: إنها عصب الفداء نفسه، الذي تكشفه الحكمة المنيرة في كل الأزمنة وفي كل الأماكن؛ المعرفة التي لا يمكن الهروب مها، التي ينقشها النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان في عقول كل من يتساءل بجدية عن ماهية الكون، لا يتمثل تميز الإيمان المسيحي في أنه يعلم هذه العقيدة بل في أنه يجعلها، بطرق متنوعة، أكثر احتمالاً. فالمسيحية تعلمنا أن المهمة المريعة، من ناحية ما قد تم إنجازها لأجلنا – أن هناك يداً خبيرة تمسك بأيدينا إذ نحاول أن نتتبع الأحرف الصعبة، وأن المخطوطة التي لدينا تحتاج فقط أن تكون “صورة منسوخة” Copy، وليس “أصلاً” Original. مرة أخرى، حيث تُعَرِّض الأنظمة الأخرى طبيعتنا بأكملها إلى الموت (كما في عملية النبذ والإنكار في البوذية Buddhist Renunciation) تتطلب المسيحية فقط أن نُصحح “التوجيه الخاطئ” Misdirection لطبيعتنا؛ وليس لدى المسيحية نزاع، مثل أفلاطون Plato، مع الجسد بهذا المفهوم، ولا مع العناصر المادية في تكويننا الجسدي. كما أن التضحية في إدراكها الفائق ليس منتزعة ومغتصبة من كل ذلك. فالمجاهرون بإيمانهم مثلهم مثل الشهداء، مخلّصون، وبعض العجائز اللذين لا نشك في وضعهم في النعمة يبدو انهم يجتازون أعوامهم السبعين بسهولة تثير الدهشة. وهكذا تتكرر ذبيحة المسيح، أو يتردد صداها مرة أخرى، بين أتباعه بدرجات متنوعة للغاية، انتهاء من أقسى ميتات الاستشهاد وحتى إخضاع الذات المتعمد، الذي لا تميزه العلامات الخارجية عن الثمار العادية لضبط النفس و”الاعتدال الجميل”. إنني لا أعرف أسباب هذا التصنيف؛ لكن من وجهة نظرنا الحالية يجب أن يكون واضحاً أن المشكلة الحقيقية ليس في السبب الذي لأجله يتألم بعض المؤمنين المتضعين، والأتقياء، بل في سبب عدم تألم البعض منهم. يجب أن نتذكر أن ربنا نفسه فسر خلاص أولئك المطوبين في هذا العالم فقط بالإشارة إلى قدرة الله الكلية التي لا تُستقصى (مرقص 10: 27).

كل المجادلات الخاصة بتبرير الألم تثير استياء مريراً تجاه كاتبها. فأنت تود أن تعرف كيف أتصرف عندما أختبر الألم، وليس أن أكتب كتباً عن ذلك. لكنك لا تحتاج أن تخمن، لأني سأخبرك؛ إنني جبان جداً. لكن ما علاقة هذا الغرض الذي أتحدث بشأنه؟ عندما أفكر في الألم – في القلق الذي يلتهم مثل النيران وفي الوحدة التي تمتد وتنتشر مثل البيداء، وفي روتين التعاسة الممل الذي يكسر القلب، أو مرة أخرى في الأوجاع الكئيبة التي تظلم الأفق بأكمله أو في الآلام المفاجئة المثيرة للغثيان التي تُسقط قلب الإنسان بضربة واحة، في الآلام التي تبدو بالفعل غير محتملة ثم تتزايد فجأة بعد ذلك، عندما أفكر في الآلام المثيرة للحنق التي تشبه قرصة العقرب والتي تباغت الإنسان في حركة جنونية، الإنسان الذي كان يبدو بالفعل نصف ميت من عذاباته السابقة – فإن هذا “يرعب روحي تماماً”. لو كنت أعرف أية طريقة للهرب كنت سأزحف عبر البالوعات لكي أجدها. لكن ما جدوى إخبارك عن مشاعري؟ إنك تعرفها بالفعل؛ إنها نفس مشاعرك. إنني لا أجادل أن الألم غير مؤلم. الألم موجع. فهذا هو ما تعنيه الكلمة. لكني أحاول فقط أن أوضح لك أن العقيدة المسيحية القديمة “بتكميل الإنسان من خلال الألم” (عب 2: 10) ليست غير قابلة للتصديق. لكن أن أثبت أنه يمكن قبولها فهذا يتخطى قصدي.

في تقييم مدى مصداقية هذه العقيدة، يجب مراعاة مبدأين، في المقام الأول، لا بد أن نتذكر أن اللحظة الفعلية للألم الحالي هي فقط مركز ما يمكن أن يطلق عليه نظام المعاناة الكلي الذي يمدد نفسه بواسطة الخوف والحزن. مهما كان الآثار الجيدة لهذه الخبرات فهذا يعتمد على المركز؛ بحيث أنه حتى لو كان الألم نفسه ليست له قيمة روحية، إلا أنه إذا كان للخوف والحزن هذه القيمة الروحية، سيكون على الألم أن يتواجد لكي يكون هناك شيء يجب الخوف منه والحزن لأجله. ويجب ألا نشك في أن الخوف والحزن يساعداننا في عودتنا إلى الطاعة وعمل الخير. جميعنا اختبرنا أثر الحزن إذ ييسر لنا محبة من هو غير محبوب – بمعنى أن نحب الناس ليس لأنهم مقبولين لدينا بأية طريقة طبيعية بل لأنه إخوتنا. كما أن معظمنا قد تعلم فعل الخير وقت الخوف خلال فترة “الأزمات” والتي قادتنا إلى الحرب الحالية. تشبه خبرتي الشخصية شيئاً من هذا. فأنا أتقدم عبر طريق الحياة بحالتي العادية الراضية الساقطة غير الباردة. منغمس في لقاءات سعيدة مع أصدقائي لليوم التالي أو في قليل من العمل الذي يداعب غروري اليوم، في عطلة أو كتاب جديد، عندما أشعر فجأة بضربات ألم في عمودي الفقري تهدد بمرض خطير، أو بعنوان في الصحيفة يهددنا جميعاً بالهلاك، مما يجعل كل هذه الحزمة من البرامج تنهار. في البداية سأشعر بالارتباك، وكل الأشياء الصغيرة التي تسبب لي السعادة ستبدو مثل اللعب المكسورة. ثم بعد ذلك، ببطء وامتعاض، رويداً رويداً، أحاول أن آتي بنفسي إلى الإطار الفكري الذي يجب أن أكون عليه في كل الأوقات. فأذكر نفسي بأن كل هذه اللعب لم يكن من المفترض لها مطلقاً أن تمتلك قلبي، أن خيري الحقيقي هو في عالم آخر وأن كنزي الوحيد الحقيقي هو المسيح. وربما بنعمة الله، أنجح، ولمدة يوم أو اثنين، أصبح مخلوقاً معتمداً عن وعي على الله ويستمد قوته من المصادر الصحيحة. لكن في اللحظة التي يتوارى فيها التهديد، تعود طبيعتي بأكملها للقفز مرة أخرى نحو اللعب؛ بل أشعر حتى بالتلهف، وليسامحني الله، أن أزيل من عقلي الشيء الوحيد الذي ساندني وقت التهديد لأنه الآن مرتبط بتعاسة تلك الأيام القليلة. وهكذا تتضح تماماً الآن الضرورة الشديدة للألم والمعاناة. لقد امتلكني الله لمدة ثمان وأربعين ساعة فقط، وقد حدث ذلك عندئذ فقط بفضل انتزاع كل شيء أخر مني. دع الله فقط يضع ذلك السيف في غمده للحظة وعندها سأتصرف مثل الجرو الصغير عندما ينتهي فرض الاغتسال البغيض، أهز نفسي حتى أجف قد الإمكان وأتسابق ليك أعيد الحصول على نجاستي المريحة، إن لم يكن في أقرب تل من الروث، على الأقل في أقرب مشتل أزهار. وهذا هو السبب في أن المعاناة والضيقات لا يمكنها أن تنتهي إلا عندما يرى الله إما أننا قد تشكلنا من جديد أو أن إعادة تشكلينا قد أصبح الآن ميؤوساً منه.

ثانياً، عندما نعتبر أن الألم نفسه هو مركز نظام المعاناة كله لا بد أن نكون على حذر لكي نصغي إلى ما نعرف وليس إلى ما نتخيل. هذا هو واحد من الأسباب التي لأجلها يكرس الجزء المركزي من هذا الكتاب بأكمله إلى الألم البشري، بينما يتم إنزال الألم الحيواني إلى مرتبة ثانية في فصل خاص. فنحن نعرف عن الألم البشري، لكننا نتكهن فقط بشأن الألم الحيواني (انظر الملحق في آخر الكتاب). لكن حتى داخل الجنس البشري، لا بد لنا من أن نستخلص أدلتنا عن الألم من المرات التي وقعت تحت ملاحظتنا الشخصية. اتجاه هذا الروائي أو ذاك الشاعر قد يعرض المعاناة باعتبارها سيئة بالكامل في آثارها. باعتبار أنها تنتج أو تبرر كل أنواع الحق والوحشية في المتألم. وبالطبع، فإن الألم، مثل المتعة، يمكن قبوله بهذه الطريقة؛ إذ أن كل ما يُعطى إلى مخلوق ذي إرادة حرة لا بد أن يكون سلاحاً ذي حدين. ليس بواسطة طبيعة المعطي أو طبيعة العطية، بل بواسطة طبيعة مُتلقي العطية. ومرة أخرى، النتائج الشريرة للألم يمكن أن تتضاعف إذا تعلم المتألمون باستمرار بواسطة من يشاهدونهم أن مثل هذه النتائج هي الأنسب وهي النتائج الرجولية التي يجب عليهم إظهارها. إن السخط والاستياء بسبب آلام الآخرين، رغم أنه عاطفة كريمة، إلا أنها تحتاج إلى السيطرة عليها جيداً لئلا تسلب الصبر والاتضاع من أولئك الذين يتألمون، وتزرع فيهم بدلاً من ذلك الغضب والتهكم. لكني غير مقتنع أن الألم إذا خلا من مثل هذه السخط المتصلف بالإنابة، يكون له أي اتجاه طبيعي لإنتاج مثل هذه الشرور. فأنا لم أجد المتجندين في خنادق الخط الأمامي أو C. C. S. أكثر امتلاءً بالكراهية والأنانية والتمرد وخيانة الأمانة، ممن هم في أي مكان آخر. بل إنني رأيت جمالاً عظيماً في الروح في بعض من أكثر الناس الذين كانوا يعانون بدرجة رهيبة. لقد رأيت رجالاً، في معظم الأحوال، يصيرون أفضل وليس أسوأ مع تقدم السنين، كما رأيت المرض الأخير وهو ينتج فيهم كنوزاً من الاحتمال والوادعة النابعة من أكثر الأمور إثارة لليأس والإحباط. إنني أرى في شخصيات تاريخية محبوبة ومهابة، مثل جونسون Johnson وكوبر Cowper، سمات ربما كان بالكاد يتم احتمالها لو كان هؤلاء الرجال أكثر سعادة. إذا كان العالم بالحقيقة “واد لصنع النفوس”، فيبدو في الإجمال أنه يقوم بعمله. أما الفقر – وهو المصيبة التي تحوي فعلياً أو احتمالياً كل المصائب الأخرى – فأنا لا أجرؤ أن أتكلم عنه كما من نفسي؛ وأولئك الذين يرفضون المسيحية لن يتأثروا بعبارة المسيح أن الفقر مُطوب. لكن هنا تأتي إلى إعانتي حقيقة أخرى جديرة بالملاحظة. إن أكثر الذين ينبذون المسيحية بازدراء باعتبارها مجرد “أفيون للشعوب” لديهم احتقار للأغنياء، بمعنى، لكل البشر فيما عدا الفقراء. فهم ينظرون إلى الفقراء باعتبارهم البشر الوحيدون الذين يستحقون النجاة من “التصفية الجسدية” (القتل)، ويضعون فيهم الأمل الوحيد للجنس البشري. لكن هذا لا يتفق مع الاعتقاد بأن آثار الفقر على أولئك الذين يتألمون منه شريرة بالكامل؛ بل إنه يشير ضمنياً إلى أنها آثار جيدة. لذلك يجد تابع الماركسية Marxist نفسه في اتفاق حقيقي مع المسيحي في هذين المعتقدين اللذين، بشكل متناقض، تتطلبهما المسيحية، أن الفقر مُطوب ومع ذلك يجب القضاء عليه.

[1] ولابد من القول “أسوأ البشر”، ربما أفضل القول “المخلوقات البشرية الأخرى”. أنا لا أرفض على الإطلاق الرأي الذي يقول أن أحد أسباب أمراض الإنسان قد يكون “مخلوق” آخر (الشيطان. انظر الفصل التاسع). الكتاب المقدس يعلن أن الشيطان هو سبب الأمراض في أيوب، في لوقا 13: 16، 1كورنثوس 5: 5، وربما أيضاً 1تيموثاوس 1: 20، ولكن في هذا السياق من حوارنا، لا يهمنا إذا كانت كل المخلوقات التي يمنحها الله إمكانية إحداث آلام في الآخرين هي مخلوقات بشرية أم لا (شيطانية).

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

والدة الإله العذراء – د. سعيد حكيم (1)

والدة الإله العذراء – د. سعيد حكيم (1)

والدة الإله العذراء – د. سعيد حكيم (1)

والدة الإله العذراء – د. سعيد حكيم (1)

مقدمة:

إن قبول العذراء القديسة مريم للوعود الإلهية قد ساهم كما يقول القديس كيرلس في رفع الفساد والموت اللذان دخلا إلى العالم[1]، إذ صارت خادمة لسر الخلاص (uporgÒj thj oikonom…aj). ” إن اسم والدة الإله وحده يحوى كل سر التدبير الإلهى للخلاص “[2]. لذلك لم يتردد آباء الكنيسة في مقاومة كل البدع المنحرفة التي رفضت لقب ” والدة الإله “. هكذا يدعو القديس كيرلس الأسكندرى العذراء القديسة مريم: والدة الإله[3] ” H qeotÒkoj”.

لقد أقر المجمع المسكونى الثالث المنعقد بأفسس سنة 431م بالتعاليم اللاهوتية للقديس كيرلس الأسكندرى واعتمد عليها، وذلك عندما بدأت جلسات المجمع في طرح آراء نسطور الهرطوقية للمناقشة. وكان اثبات لقب والدة الإله عقيديًا من قِبَل هذا المجمع، يُشكل بالنسبة للقديس كيرلس الأسكندرى مركز الصراع ضد نسطور[4]. فعدم قبول نسطور لهذا اللقب “والدة الإله”، هو الذي قاد القديس كيرلس للتصدى له وتفنيد آرائه الخاطئة، وإبطال حججه المزعومة الخاصة بعدم قبوله للقب “والدة الإله”، وكان القديس كيرلس في تصديه للمزاعم النسطورية يُعبر عن تقليد آبائى أصيل امتد لقرون طويلة، وهذا ما أشار إليه مرارًا في كثير من رسائله. فقد كتب “إن كتب الآباء القديسين يمكن أن نجد فيها ليس مرة واحدة بل كثيرًا جدًا التعبير المألوف الذي به كانوا يعترفون وهو أن القديسة العذراء مريم هى والدة الإله[5]. وبينما قبل نسطور مصطلحات:

+ أم الإنسان + أم المسيح

إلاّ أنه قد رفض لقب والدة الإله. وعلى العكس من ذلك يرى القديس كيرلس أن لقب “والدة الإله” له أبعاد خلاصية، فهو ليس مجرد لقب تكريمى بل إن لقب “والدة الإله” يُشكّل في حد ذاته اعتراف بالإيمان المستقيم[6]، فالكلمة المولود من العذراء هو إله حق من إله حق كما أقر قانون الإيمان. وقد أُثير هذا النزاع عندما حاول نسطور رئيس أساقفة القسطنطينية، بواسطة رسائل مختلفة، أن يدعم الكاهن أنسطاسيوس (Anast£sioj) الذي علّم في الكنيسة قائلاً: “لا أحد يستطيع أن يدعو العذراء، والدة الإله، فالعذراء إنسانة، ومستحيل أن تكون أم الله”[7]، وأيضًا دعمه للأسقف ذوروثيؤس (Dwroqšoj)، ذاك الذي ناول الأسرار المقدسة، بعد أن أعلن رفضه للقب “والدة الإله”[8]. هذه الآراء قد تكونت بسبب عدم قدرة أصحابها على استيعاب أن الله يمكن أن يولد من امرأة. وعلى الفور أخذ القديس كيرلس الأسكندرى موقفًا من نسطور في كلمته الاحتفالية بمناسبة عيد القيامة في 7 أبريل سنة 429 مشددًا على لقب “والدة الإله”[9]. من ذلك الوقت وحتى أغسطس سنة 430، حيث أُدين نسطور في مجمع انعقد في روما تحت رئاسة كلستينوس[10]، بدأ نسطور يكثف من اتصالاته ولجأ إلى بابا روما، وقد خاطب الأخير القديس كيرلس مستطلعًا رأيه فيما يتعلق بهذا الأمر، وتبادلا فيما بينهم رسائل كثيرة. بل إن القديس كيرلس تبادل مع نسطور بعض الرسائل بيّن له فيها صحة لقب “والدة الإله”، إلاّ أن نسطور لم يستجب لهذه الرسائل وظل على موقفه الرافض للقب “والدة الإله”، وانتهى الأمر بأن أرسل القديس كيرلس إلى نسطور رسالة تحتوى على 12 حرم وطلب منه أن يوقع عليها، حتى يُقلع بهذه الطريقة عن ضلاله، إلاّ أن نسطور أصر أيضًا على موقفه، وبدأ الصراع يأخذ بُعدًا مسكونيًا.

فقد انعقد المجمع المسكونى الثالث سنة 431 في أفسس برئاسة القديس كيرلس الأسكندرى. ومن أول يوم للمجمع تمت إدانة تعاليمه الهرطوقية، ثم عزله عن كرسيه البطريركى.

ولقد كان تعليم نسطور منصبًا على أنه لا يوجد اتحاد حقيقي بين الطبيعتين في المسيح، بل هو مجرد اتصال. ولذلك نجد أنه تجنب استخدام، لفظة (šnwsh) أي اتحاد، واستخدم بدلاً منها لفظة (sun£fia) أي مصاحبة، فهو يفصل الطبيعتين في المسيح[11]. وتعليم نسطور هذا ينتهي به إلى رفضه للقب “والدة الإله”، فهو يُعلّم بأن العذراء قد ولدت إنسانًا مثل كل البشر، الإنسان يسوع المسيح، بهدف أن يصير مسكنًا لله. أي أن في هذا الإنسان أراد أن يحل الله الكلمة[12]. ومعنى سُكنى الكلمة في الإنسان يسوع المسيح، هو أنه لا يوجد اتحاد حقيقي بين الطبيعتين. نسطور بهذا التعليم يُحرض المسيحيين واللاهوتيين على دعوة العذراء بأم المسيح (CristotÒkoj) أو بالوعاء الإلهي (QeodÒcoj). لأنه يرى أن ولادة الله من إنسان هو أمر مستحيل[13].

ورفض نسطور دعوة العذراء بوالدة الإله (QeotÒkoj) قد آثار ردود فعل غاضبة لدي المسيحيين، واستشعروا بأن شيئًا غير طبيعي يظهر في إصرار نسطور على دعوة العذراء مريم بوالدة المسيح، لأنه بهذا التعليم أراد أن يؤكد على أن العذراء قد ولدت إنسانًا.

وبحسب شهادة المؤرخين، فإن تعليم نسطور هذا، قد أثار اضطرابات وانقسامات شديدة بين المسيحيين، لأن الاضطرابات كانت قد وصلت إلى درجة كبيرة جدًا، كما يبدو، لأن نسطور اضطر في النهاية أن يعدل هذه الصيغة ولو ظاهريًا، أي صيغة (CristotÒkoj). خاصة وأنه قبل هذه الاضطرابات، كان قد أثار اضطرابات أخرى بمجرد تنصيبه على كرسي البطريركية، عندما بدأ في اضطهاد الآريوسيين والمكدونيين. ويُقال إنه حرق كنائس للآريوسيين، وقام بتعذيب الرجال والنساء، وحاول أن يمحو كل أثر للآريوسيين تمامًا. وربما كانت هذه الاضطرابات قد أرهقته، حتى ظهر في هذه الاضطرابات الجديدة وكأنه مُهادنًا (diallaktikÒj)[14].

بالطبع لم يكن نسطور هو أول مَن رفض لقب “والدة الإله” كما يؤكد القديس كيرلس. فرفض تعبير “والدة الإله”، ظهر قبل نسطور بكثير، وأخذ بُعدين:

1 ـ رفض بشكل غير مباشر لدور العذراء القديسة مريم في خطة التدبير الإلهى، وعدم قبول دعوتها بوالدة الله. وهذا الرفض جاء كنتيجة لرفض ألوهية الابن الكلمة المتجسد[15]. في هذه الشريحة يدخل كل من آريوس وافنوميوس اللذان رفضا ألوهية الأقنوم الثانى في الثالوث القدوس. فالابن وفقًا لآريوس هو مخلوق ولا يمكن أن يكون إلهًا كاملاً، لكنه مخلوق من الآب لكى يخلق الآب العالم بواسطته. وامتدادًا لتعليم آريوس فقد رفض افنوميوس أى مساواة بين الآب والابن. النتيجة لهذا الرفض المباشر لألوهية الابن، هو رفض لقب “والدة الإله”. ويدخل في هذه الشريحة أيضًا المانويين الذين رفضوا سر التجسد الإلهى، لأنهم نظروا إليه على أنه حدث خيالى، وبما أن التجسد هو حدث غير حقيقي، فإن النتيجة الطبيعية هى عدم قبول لقب “والدة الإله”[16]. أيضًا يدخل ضمن هذه المجموعة بولس الساموسطائى[17]، الذي رفض ولادة الابن قبل كل الدهور، وقَبِلَ فقط ولادة المسيح من العذراء[18]. وبهذه الطريقة فإن بولس الساموسطائى يرفض الاتحاد الأقنومى للطبيعتين في الكلمة المتجسد[19]. من الواضح أن هذه الهرطقات تعكس الرؤية اليهودية بشأن ألوهية الابن، وبشأن عدم قبول لقب “والدة الإله”[20].

2 ـ الرفض المباشر للقب “والدة الإله” أو على الأقل تزييفه وعدم الاستخدام الدقيق له. ويُعد ذيودوروس الطرسوسى[21] وثيودروس الموبسيستى[22] سابقين على نسطور، في رفضهما للقب “والدة الإله”. فقد علم ذيودوروس الطرسوسى بأن العذراء تُدعى (anqrwpotÒkoj) أى والدة الإنسان، لأنها ولدت الإنسان يسوع المسيح، ونسب إليها مجازًا لقب “والدة الإله”، على أساس أن الإنسان الذي حملت به العذراء قد اتحد به كلمة الله. وعليه فقد قَبِل بابنين، واحد من العذراء، والثانى من الله الآب[23]. ومن الواضح أن القديس غريغوريوس النيسى كان قد اكتشف مبكرًا هذا التعليم المنحرف لذيودوروس الطرسوسى، وذلك قبل أن يأخذ هذا الموضوع حجمه الكبير من قِبَل القديس كيرلس الأسكندرى. هذا ما يظهر بوضوح في رسالته الثالثة[24]، والتي يُفترض أنها كتبت حوالى سنة 383، والذي يُعلّم فيها بأن العذراء تدعى “والدة الإله” (qeotÕkoj) وليست والدة الإنسان[25] (anqrwpotÒkoj). أما ثيودروس الموبسيستى فقد دُعى بنسطور آخر قبل نسطور، حيث كانت تعاليمه الخرستولوجية تتسم بالغموض والخطورة[26]. فهو يرى أن اتحاد كلمة الله بالإنسان في بطن العذراء، تحقق أثناء فترة تكوين الجنين[27]، وأن العذراء هى أم الإنسان (anqrwpotÒkoj) و”والدة الإله” (qeotÒkoj) في نفس الوقت. فالعذراء حملت بالإنسان الذي اتحد به كلمة الله فيما بعد[28]. ولقد أشار القديس كيرلس إليهما في رسالته 71 (من كيرلس إلى الإمبراطور ثيودروس) حيث يقول ” كان هناك شخص ما اسمه ثيودروس وقبله ذيودوروس، الأخير أسقف طرسوس والأول أسقف موبسستيا، هذان كانا أبوى تجديف نسطوريوس. ففي الكتب التي ألفّاها تكلما بجنون شديد ضد المسيح مخلّصنا جميعًا، لأنهما لم يفهما سره، وأراد نسطوريوس أن يدخل تعاليمها في وسطنا ولذلك عزله الله”[29]. 

 

رفض نسطور للقب “والدة الإله”

لقد حاول نسطور إبدال لقب “والدة الإله” (qeotÒkoj) بلقب آخر وهو أم المسيح (cristotÒkoj) أو أم السيد (kuriotÒkoj) أو أم الإنسان (anqrwpotÒkoj) أو الإناء الإلهى (qeodÒcoj). وقد نسب لقب أم المسيح (cristotÒkoj) للعذراء، لأنها ولدت الإنسان يسوع، الذي ارتبط به الله الكلمة فيما بعد. وفيما يتعلق بلقب أم الإنسان (anqrwpotÒkoj) يقدم نسطور حجتين:

وفقًا للحجة الأولى: يقول عندما تلد امرأة، فإنها تلد الجسد أما النفس فينفخها الله في هذا الجسد، على الرغم من أن المرأة في النهاية تلد كائن حى أو يحمل نفسًا حية، إلاّ أنها لا تدعى أم النفس (YucotÒkoj)، لكن أم الإنسان (anqrwpotÒkoj). هذا بالضبط ما يدّعيه نسطور بالنسبة للعذراء، على الرغم من انها ولدت الإنسان مرتبط بالله الكلمة، ومع هذا لا تُدعى والدة الإله (qeotÒkoj)، لكن والدة الإنسان (anqrwpotÒkoj).

ووفقًا للحجة الثانية: يقول لو ان العذراء تُدعى “والدة الإله” فإن إليصابات يجب أن تُدعى “والدة الروح” (pneumatotÒkoj) طالما أن الملاك قد بشر زكريا بأن يوحنا “من بطن أمه يمتلئ من الروح القدس” (لو15:1)[30]. ولم يكن نسطور يخجل من الاعلان عن رفضه للقب “والدة الإله”. ويظهر هذا الرفض بوضوح في رده على رسائل القديس كيرلس الأسكندرى.

على سبيل المثال يقول نسطور في رده على احدى الرسائل التي أرسلها له القديس كيرلس “إنه في كل موضع من الكتاب المقدس، حينما يُذكر تدبير الرب، فإن الولادة من أجلنا والآلام تنسب لا إلى لاهوت المسيح بل إلى ناسوته. وهكذا فبحسب أدق تسمية، فإن العذراء القديسة تدعى والدة المسيح وليست والدة الإله[31].

فقد اعتبر أن لقب “والدة المسيح” هو المصطلح الأدق والحقيقى، لأنه يظهر “الهيكل” أى الإنسان الذي ولدته العذراء، كأداة (Òrgano) لألوهية الكلمة. وينتهى إلى نتيجة وهى أن العذراء ولدت إنسانًا مثله مثل كل البشر، لكى يكون مسكن لله الكلمة[32]. ولذلك فالعذراء لا يمكن أن تُسمى “والدة الإله” بل “أم المسيح” أو “أم الإنسان”. لكن القديس كيرلس في رسالته إلى رهبان مصر يؤكد أن العذراء ” ندعوها والدة المسيح ووالدة الإله معًا. لأنها لم تلد مجرد إنسان بسيط مثلنا، بل بالحرى الكلمة الذي من الله الآب، الذي تجسد وتأنس لأننا نحن أيضًا ندعى آلهة بحسب النعمة، أما الابن فليس إلهًا على هذا النحو، بل بالحرى هو إله بالطبيعة وبالحق، حتى وإن كان قد صار جسدًا “[33].

(يتبع .. اضغط هنا )

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] omilˆa 4 PG 77,992C.

[2] هذه العبارة وردت عند يوحنا الدمشقى وذكرها آباء آخرون، فيقول مخاطبًا العذراء: ” ستخدمين خلاص كل الناس لكى يتم بواسطتك قصد الله القديم “. الرؤية الأرثوذكسية لوالدة الإله، منشورات النور، بيروت سنة 1982، ص190، 192.

[3] kÝrilloj Alex Epistol» 125, PG 77, 229D.

[4] kÝrilloj Alex Epistol» 119, PG 77, 177C.

[5] “رسائل القديس كيرلس” الجزء الثانى (1ـ31)، ترجمة د. موريس تاوضروس، د. نصحى عبد الشهيد، 1989، ص42.

[6]kÝrilloj Alex omil…a 15, PG 77, 1093A.

[7] Euagr…ou Ekklhsiastik» istor…a 1,2. PG 86, 2425A. Swkr£touj, Ekklhsiastik» istor…a 32, 7, PG 67, 808CD.

[8]kÝrilloj Alex Epistol» 11, PG 77, 81B.

[9]kÝrilloj Alex LÒgoj 17, PG 77, 768-789.

[10] هو أسقف مدينة مركيانوبوليس وهى مدينة في مويسيا Moesia تقع على الجانب السفلى للشاطئ الأيمن لنهر الدانوب وقد سميت على اسم مركيانا شقيقة الإمبراطور تراجان.

[11] Euagr…ou ScolastikoÚ, Ekklhsiastik» Istor…a 1,2 PG86, 2424A.

[12] Swkr£tou, Ekkl. Istor…a 7, 32 PG 67, 809AB.

[13] Euagr…ou ScolastikoÚ, Ekklhsiastik» Istor…a 1,2 PG86, 2425A.

[14] Swkr£tou, Ekkl. Istor…a 7, 29 PG 67, 804C.

[15] kÝrilloj Alez Ehistol» 16, PG 77, 104C.

[16] kata Nestor…ou, 1, PG 76, 21B.

[17] بولس الساموسطائى كان أسقفًا لأنطاكية سنة 260م.

[18] kat£ twn mh boulomšnwn omologe…n qeotÕkon thn ag…an parqšnon, PG 76, 268B.

[19] PG 76, 276D.

[20] Epistol» 5, PG 77, 77B.

[21] هو من آباء القرن الرابع الميلادى وكان ايغومينوس لأحد الأديرة في أنطاكية لفترة طويلة من الزمن، وكان معلم بمدرسة أنطاكية ومعلم للقديس ذهبى الفم، ورسم أسقفًا لطرسوس سنة 378. سنة 438 أدانه القديس كيرلس الأسكندرى باعتباره مسئول عن الهرطقة النسطورية. وهكذا أُدين سنة 449 في مجمع بالقسطنطينية. PG 67, 1516AB

Ekklhsiastik» istor…a 8,2,.

[22] أما ثيودروس qeÒdwroj فكان تلميذًا لـ DiÒdwroj. في سنة 383 رسم كاهنًا في انطاكية، وفي سنة 392 رسم أسقفًا لمبوسطائية التابعة لكلكيس. وتوفى سنة 428. وبعد وفاته أُدين من قِبَل القديس كيرلس الأسكندرى باعتباره مصدر النسطورية، وفي سنة 553 أُدين من المجمع الخامس.

D.G.Ts£mhj Ekklhsiastik» Grammatologˆa,qesin…kh 1992, sel.163.

[23] رسائل القديس كيرلس الأسكندرى، الجزء الثالث ـ رسالة 45. ترجمة د. موريس تاوضروس، د. نصحى عبد الشهيد ـ 1995، ص86ـ87.

[24] PG 46, 1016-1025.

[25] PG 46, 1024A. “ M» thn Ag…an parqšnon etÒlmhse tij hmën kai anqrwpotÒkon e…pein, Òper akoÚmen tinaj ez autèn afeidëj lšgein”.

[26] “ Ek tou kat£ enanqrwp»sewj tou kur…ou hmèn ihsÒu cristoÚ “ LÒgou 7, PG 66, 981B.

[27] op. par, PG 666, 977C.

[28] op. par, PG 66,992B.

[29] رسائل القديس كيرلس، الجزء الرابع، ترجمة د. موريس تاوضروس، د. نصحى عبد الشهيد سنة 1997، ص82.

[30] C.A.StamoÝlh “ qeotÒkoj kai orqodoz…a “ qes n…kh, 1996, sel. 143.

[31] “رسائل القديس كيرلس” الجزء الثانى (1ـ31) ترجمة د. موريس تاوضروس، د. نصحى عبد الشهيد 1989م، ص34.

[32] N. MatsÒuka “orqodoz…a kai a…resh” sel 166.

[33] “رسائل القديس كيرلس” الجزء الثانى (1ـ31)، ص12.

والدة الإله العذراء – د. سعيد حكيم (1)

خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الأول – أيمن فايق

خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الأول – أيمن فايق

خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الأول – أيمن فايق

خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الأول – أيمن فايق

أولاً – الخطوة الأولى (الوعي والإيمان بالمُخلِّص):

أننا من خلال تاريخ الكتاب المقدس نتعرف على أننا جميعاً طبيعة بشرية واحدة، لا تختلف قط مهما تغير الزمان أو المكان أو الظروف، فنحن جميعاً كإنسان نتعرض لنفس ذات التجارب والسقطات والشهوات، وان اختلف شكل السقوط أو مظهره من واحد لآخر، فمن الممكن أن يسقط أي أحد في أي خطية مهما كان علمه أو تربيته أو أخلاقه أو حتى قامته الروحية، بل ومن الممكن أن يسقط في أعظم الخطايا شراً وعنفاً بل وقد تصل للزنا أو القتل أو أي نوع من أنواع الخطايا التي نعتبرها بشعة للغاية !!!!

وبالرغم من ذلك كله – ومهما ما حدث لنا – فأن الله ينقذنا ويقدم لنا طوق النجاة، وهو الإيمان به كمخلص حقيقي وشافي للنفس فعلاً، وإمكانياته لا تتغير لأنه هو هو أمس واليوم وإلى الأبد، إذ أنه قادر بفعل نعمته أن يخلق من أشر المجرمين وأعظم العُتاة وأفجر الخطاة قديسين وبلا لوم أمامه في المحبة…

فلنا أن نعرف أننا لا نختلف عن القديسين الذين نعتبرهم أعمده في الكنيسة، لا أقصد من جهة القامة أو المواهب، إنما من جهة إنسانيتنا الواحدة، والتي تتعرض للتجارب والسقوط وحرب عدو الخير من جهة معرفته بمداخل الشرّ عندنا من ناحية خبرتنا التي قضيناها في الشرّ زماناً طويلاً، فهو يدخل لنا من خلال محبتنا للذة معينة أو بسبب كبرياء القلب أو غيرها من الأسباب المتعددة والتي توجد في عمق كل شخص فينا، وفي هذا لا فرق بين صغير وكبير وقديس متقدم في الطريق ومبتدأ في الحياة الروحية !!!

فيا ترى ما هو الفرق الحقيقي بيننا وبين القديسين الذين نجدهم وصلوا للحرية الحقيقية والتطبع بالطبع الإلهي وحراسة القلب والفكر بقوة الله وعمل نعمته فتحرروا من الهوى في داخل القلب الذي هو المحرك الأساسي للخطية فينا !!!

عموماً الفرق الحقيقي بيننا وبين القديسين ينصب في أمرين:
[1] الأمر الأول: هو معرفتهم – الإيمانية – بإمكانية النعمة الإلهية المُخلِّصة القوية القادرة أن تعمل بقوة الله في داخل النفس فتغيرها بالتمام، وقد وضعوا كل ثقتهم في الله المُغير مع تقديم توبة مستمرة عن كل خطأ، طالبين ليلاً ونهاراً المعونة الإلهية لتسندهم ليقينهم أنهم بدون نعمة الله لا يقدروا أن يصنعوا شيئاً قط، غير قادرين على أن يسيروا في طريق القداسة لأنهم لا يثقون في قوتهم الشخصية بل في قوة الله وحده !!!، لذلك اعتمادهم على الله قوي جداً، بل ثابت كجبل من الصخر لا يتزحزح مهما أتت من رياح أو عواصف شديدة أو حتى تكسرت بعض أجزاؤه !!!

فالقديس هو إنسان مثلي ومثلك، له ضعفاتي وضعفاتك، لأنه عاش بنفس ذات الجسد عينه وبكل غرائزه وإمكانياته، إنما أدرك القوة الإلهية وتلامس معها وتلاقى مع الحب الإلهي في قوة الصليب والفداء بالإيمان، وعرف أنه هوَّ كما ما هو، أي أن ليس له شيء في ذاته يُنجيه أو يُخلصه حتى توبته نفسها، بل هي فقط نعمة الله العاملة فيه وغرس كلمة الحياة في قلبه [الكلمة المغروسة القادرة أن تخلص نفوسكم ] (يعقوب 1: 21)، لهذا لا عجب في أن القديس بولس الرسول لا يكف عن أن يطلب من أجل شعب المسيح لكي تستنير عيونهم وقلوبهم فيدركوا تلك القوة الفائقة العظيمة التي تعمل في قلوب المؤمنين:

+ لذلك أنا أيضاً إذ قد سمعت بإيمانكم بالرب يسوع ومحبتكم نحو جميع القديسين. لا أزال شاكراً لأجلكم ذاكراً إياكم في صلواتي. كي يُعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته. مستنيرة عيون أذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوته وما هو غنى مجد ميراثه في القديسين وما هي عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته (أفسس 1: 15 – 18)

[2] والأمر الثاني الذي ميز القديسين: أن معرفتهم لم تقف عند حدود المعرفة العقلية الجافة كمعلومة أو فكرة للوعظ أو النقاش والجدل، أو الإيمان النظري الفكري، لكن آمنوا إيماناً حياً عاملاً بالمحبة ظاهراً في حياتهم الشخصية واتكالهم التام على من يُقيم من الأموات: [ لكن كان لنا في أنفسنا حكم الموت لكي لا نكون متكلين على أنفسنا بل على الله الذي يُقيم الأموات ] (2كورنثوس 1: 9).

فالمعرفة الحقيقية تتطلب منا حياة حقيقية فعلية مُعاشه، بالجهد والاغتصاب [ ملكوت الله يُغتصب والغاصبون يختطفونه ]، فينبغي أن نعمل ونجتهد جداً بالنعمة التي لنا من الله، وكما يقول القديس بولس الرسول: [ لكن بنعمة الله أنا ما أنا ونعمته المُعطاة لي لم تكن باطلة بل “تعبت”… ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي ] (1كورنثوس 15: 1).

فالعمل عمل النعمة، والجهد والتعب والبذل يأتي بسبب خضوعي لنعمة الله العاملة فيَّ والتي معي، لأن النعمة تحرك الإنسان بقوة وتحثه على البذل لأقصى درجة حتى الموت، واي جهد أو تعب أو بذل بدون النعمة ينفخ الإنسان ويجعله يشعر أن له فضائل تخصه ويُريد ان يخفيها عن أعين الناس لكي لا يسرقها أحد منه وأن ظهرت تجلب المدح للإنسان وتعظيمه في أعين الناس إلى حد تقديسه حتى ينسى الناس عمل المسيح الرب نفسه وينحصروا في شخصيته التي تكون محور حديثهم وتفكيرهم حتى يصير لهم مصدر البركة، وهذه هي أعمال الإنسان الميتة حسب قدرته الشخصية التي تخفي عمل الله وتظهر ذاته؛ أما عمل النعمة لا يضيع ولا يسرقه أحد بل يظهر قوة الله في الإنسان، وبطبيعة ظهورها فأنها تجذب الكثيرين وتشدهم نحو المُخلِّص إذ يشتهوا هذه النعمة الجاذبة والكل يُمجد الله:

+ من يفعل الحق فيُقبل إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة؛ فليُضيء نوركم هكذا قُدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويُمجدوا أباكم الذي في السماوات (يوحنا 3: 21؛ متى 5: 16)

___ومن الأهمية ___
يا إخوتي أن لا تفزعوا أو تخوروا في أنفسكم وتفشلوا حينما تجدوا أنفسكم وقعتم في أشد الخطايا فظاعة وعنفاً، أو أحد القامات العليا وقعوا في خطايا لا يقع فيها المبتدئين، لأن جميعنا نضعف ونخور ونسقط لأسباب كثيرة متنوعة تختلف من واحد لآخر ومن قامة لقامة ومن حالة لحالة، إنما “أفزعوا من عدم التوبة”، لأن الفزع الحقيقي هو من عدم العودة لحياة القداسة والتقوى والشركة المقدسة مع الله والقديسين في النور، لأن نعمة الله مُخلِّصة فعلاً ويد الرب لا تُقصر على أن تُخلص، فهو قادر أن يُغير الفُجار لقديسين عِظام جداً، فلا تفشلوا أو تحزنوا حزن بلا رجاء حي بيسوع المسيح الذي مات لأجل خطايا العالم كله، لأن الخطية خاطئة جداً تجرح وتُميت، وخطورتها تكمن في أنها تعطي روح الفشل واليأس واحتقار الذات وكل مرض نفسي والإحساس بالدونية، فلنا أن نبتعد عنها فوراً مهما تورطنا فيها أو طال سقوطنا فيها، ولا نهتم أبداً بروح الفشل والحزن الذي بلا رجاء حي التي تولده فينا، لأن أي فشل وحزن واكتئاب هو ثمرتها المُرّة الطبيعية، أما نعمة الله المُخلِّصة فهي الأقوى والقادرة على تبديدها بل وتلاشيها تماماً وتفقدها سلطانها وفعل حزنها المُدمر للنفس، لأن الخطية لها سلطان الموت أما النعمة المخلصة لها سلطان الحياة في المسيح يسوع، لأن من آمن يرى مجد الله ويقوم من الموت، لأن ربنا يسوع هو القيامة والحياة، الذي إن آمنا به يكون لنا حياة أبدية ولا نأتي لدينونه بل به يحق أن ندخل للأقداس لأنه هو برنا وسلامنا الحقيقي (أفسس 2: 14) الذي نقلنا من الظلمة إلى النور:

+ الحق الحق أقول لكم أن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة (يوحنا 5: 24)
+ لأن هذه مشيئة الذي أرسلني أن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أُقيمه في اليوم الأخير (يوحنا 6: 40)
الحق الحق أقول لكم: “من يؤمن بي فله حياة أبدية” (يوحنا 6: 47)
+ إذاً لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح، لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت (رومية 8: 1 و2)
+ فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع، طريقاً كرسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده. وكاهن عظيم على بيت الله. لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي. لنتمسك بإقرار الرجاء راسخاً لأن الذي وعد هو أمين. (عبرانيين 10: 19 – 23)

فاليوم لنا أن نتوب الآن، ونعود لذلك الحضن الحلو، فلا نفقد رجاءنا لأن اتكالنا عليه وحده، وهو الذي قام وأقامنا معه وصعد بجسم بشريتنا عن يمين الآب، وجلس في العظمة في الأعالي يشفع فينا وينجينا من فخ الصياد ومن الوباء الخطر، ويُدخلنا لعرش مملكه مجده لنتذوق حبه ونحيا له مُبررين بدمه، لأننا ان اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل أن يغفر لنا خطايانا إذ يسمع لنا وبدمه يطهرنا من أي خطية أو إثم.

________________________________________________

* ثانياً – الخطوة الثانية (بداية التوبة وأول ما ينبغي أن نسعى إليه)

دائماً عند بداية الطريق الروحي، يبدأ بشعور الإنسان أنه غير نافع وغير صالح في شيء وليس له أي قدرة أن يحيا مع الله بأصوامه أو جاهده الشخصي، لأن كل أعماله ستظل منقوصة لن يستطيع بها أن يُرضي الله أبداً لأنها تخلو من عنصري القداسة الداخلية وطهارة القلب والفكر، وحينما يحاول جاهداً أن يقدم صوماً ويتمم كل الطقوس والواجبات التي يراها مفروضة فأنه يجد أنه يعود ويرجع للخطية التي تعمل في أعماق قلبه وفكره بعنف وترديه صريعاً في النهاية لأنه غير قادر على التغلب عليها والنصرة حينما تهتاج عليه، ولو كان إنسان أميناً في السعي لإرضاء الله فأنه بأنين داخلي يصرخ في النهاية صرخة صامته يسمعها الله في أعماق قلبه المتألم الجريح: ويحيي أنا الإنسان الشقي من يُنقذني من جسد هذا الموت (رومية 7: 27).

ومن هنا تبدأ التوبة الحقيقية الصادقة، لأن التوبة في مفهومها الأصيل [ ألبسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات (رومية 13: 14) ]، فيبدأ الله يتعامل مع النفس وتحل نعمة الله المُخلَّصة في القلب للشفاء والإبراء، ويتيقن الإنسان أن بالمسيح الرب وحده القيامة من موت الخطية، فيدخل في خبرة [ لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني (فكني وحررني) من ناموس الخطية والموت (رومية 8: 2) ]، فيبدأ الإنسان في حياة الإيمان الحي بشخص المسيح الرب الذي هو القيامة والحياة ويبدأ يُبصر مجد الله [ ألم أقل لك إن آمنتِ ترين مجد الله (يوحنا 11: 40) ]، ويبدأ التعرف على النعمة المُخلِّصة ويتذوقها بفرح حينما يجد قلبه يتحرر وينطلق نحو الله بالمحبة لأنه يشعر أنه هو من فداه وشفاه وهو حياته الأبدية، فلا يعد يخاف شراً ولا كل حروب العدو لأن من معه هو أقوى ممن عليه، وله النصرة الأكيدة المضمونة بيسوع وحده لأنه مُخلِّص نفسه من الفساد ومعطيه حياة داخليه باسمه، وله الوعد برجاء حي أنه يدخل للأقداس بدم المسيح يسوع حينما يستمر في حياة التوبة بإيمان حي ثابت لا يلين، وحتى لو سقط يعود ويقوم أعظم مما كان، بالرجاء الحي والثقة في شخص الكلمة الذي يعطيه النصرة ليغلب بالإيمان “العالم والجسد والشيطان”:
+ وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه؛ ها أنا أعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء (يوحنا 1: 12؛ لوقا 10: 19).
ومن هنا ينطلق الشكر من أعماق قلب الإنسان ليقول [ أشكر الله بيسوع المسيح ربنا ]، ويحب الاسم الحلو اسم [ يسوع ] ويصير أنشودة قلبه المبتهج به لأنه هو سرّ خلاصه وفرح حياته الخاص: اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم (متى 1: 21)

ولكن الطريق يمتد ويطول، لأن كل هذا المجد يبدأ ويتداخل مع خطوات أخرى ليدخل الإنسان في حياة تُسمى التجديد المستمر والذي لا يتوقف قط [ تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة (رومية 12: 2) ]، بل يستمر ليوم انتهاء أيامه على الأرض، لأن كل واحد فينا لازال وهو في الجسد معرض للسقوط والضعف واستمرار الحرب الروحية، وعليه أن يتقدم من مرحلة لمرحلة، قد تتوالي أو تتداخل، لذلك نحن نتدرج في الطريق الضيق لكي نسير معاً في درب المسيح الحلو الذي سنبلغ منتهاه للسكنى في حضره الرب بل في حضنه المبارك ونتهلل بلقائه المفرح إلى الأبد مع جميع القديسين…
+ فأن مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرّ الروحية في السماويات (أفسس 6: 12)

 

+ إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة بالله على هدم حصون (2كورنثوس 10: 4)

وأول شي ينبغي أن نسعى إليه ونقتنيه هو “المحبة”، والمحبة ليست كلمة تُقال أو عاطفة مشاعر فياضة نتكلم بها ونبكي من شدة التأثير النفسي، إنما هي فعل ذات سلطان، لأنها وحدها القادرة أن تُدخلنا لله بجدارة، وبدونها سنفقد كل شيء حتى قوة النعمة المُخلِّصة، لأن بدون المحبة ليس هناك علاقة شركة مع الله القدوس ولا القديسين في النور، لأن هدف المسيحي الحقيقي هو أن يكون له شركة حيه مع الله بإيمان رائي وقلب شديد الحب…
ونشكر الله لأن المحبة ليست صناعة بشر ولا عمل إنسان لكي يخفق أو ينجح فيها، بل هي انسكاب الروح القدس في داخل القلب، لأنه مكتوب في رسالة رومية 5 [ محبة إلهنا قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا ].

والمحبة – حسب طبيعتها – ليست سلبية تنسكب ونسكت ولا نتحرك أو نقوم بفعل – لا بأعمالنا الخاصة بل بفعل سلطان المحبة كثمرها في حياتنا – لأن طبيعة المحبة مثمرة، وثمرتها هي حفظ وصية المحبوب يسوع، لأن من يحب الرب يحفظ وصاياه [ إن أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً (يوحنا 14: 23) ]، ومن يحفظ وصاياه بالحب، يبحث عن كلام الرب بشغف لكي يحيا به، ومن يحيا به يبحث عن إرادة الله وينفذها بكل شوق واجتهاد عظيم، لأن المحبة في قلبه كالنار تشتعل فيه وتقوده لله بقوة وعزم لا يلين، لأنها تفتح بصيرته على مشيئة الله أبوه في المسيح يسوع متمم مشيئة الآب [ قال لهم يسوع طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله – يوحنا 4: 34 ]
+ أجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك، لأن المحبة قوية كالموت، الغيرة قاسية كالهاوية، لهيبها لهيب نار لظى الرب، مياه كثيرة لا تستطيع أن تُطفئ المحبة والسيول لا تغمرها، أن أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر احتقارا (نشيد 8: 6 و7)
+ المتوكلون عليه سيفهمون الحق، والأمناء في المحبة سيلازمونه، لأن النعمة والرحمة لمختاريه (الحكمة 3: 9)
+ وتطلب التأديب هو المحبة، والمحبة حفظ الشرائع، ومراعاة الشرائع ثبات الطهارة (الحكمة 6: 19)
+ بنو الحكمة جماعة الصديقين وذريتهم أهل الطاعة والمحبة (سيراخ 3: 1)
+ الحكمة والعلم ومعرفة الشريعة من عند الرب، المحبة وطرق الأعمال الصالحة من عنده (سيراخ 11: 15)

يا إخوتي الآن لنا أن نعرف أن القداسة ليس معجزات ولا خوارق ولا دراسات عظيمة ولا معرفة لاهوت نظري أو فكري، بل أساسها وقاعدتها هي المحبة، أي إفراز النفس وتخصيصها لله، لتكون إناءه الخاص يحل فيها ويسكنها، ومن هنا تأتي قداستنا لأننا نكون اللابسي الله، أو المتوشحين بالله، فعلى الفور نصير قديسين لأن القدوس السماوي يسكننا وهو القدوس الذي يشع فينا قداسته…

أعود وأكرر بإلحاح كما كتبت سابقاً، وأحدث الكلمات قليلاً قائلاً:
لا ترتعبوا من سقوطكم في خطية ما، إنما ارتعبوا وخافوا جداً من عدم التوبة، وافزعوا من أن تكون توبتكم ليس لها هدف الشركة مع الله والقديسين في النور، واحزنوا جداً أن لم تسكن محبة الله في قلوبكم لتعيشوا كما يحق لإنجيل ربنا يسوع.

أفرحوا يا إخوتي بالرب كل حين واطلبوه ليلاً ونهاراً ولا تدعوه يسكت حتى يسكب محبته بالروح القدس في قلوبكم فتعيشوا الوصية بتدقيق وإخلاص المحبين لله والطالبين اسمه ليلاً ونهاراً:
+ ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بالحري أن اسماءكم كُتبت في السماوات (لوقا 10: 20)
+ افرحوا بالرب وابتهجوا يا أيها الصديقون واهتفوا يا جميع المستقيمي القلوب (مزمور 32: 11)
+ افرحوا أيها الصديقون بالرب واحمدوا ذِكر قدسه (مزمور 97: 12)
+ ويا بني صهيون ابتهجوا وافرحوا بالرب إلهكم لأنه يُعطيكم المطر المبكر على حقه وينزل عليكم مطراً مبكراً و متأخراً في أول الوقت (يؤيل 2: 23)
+ أفرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً افرحوا (فيلبي 4: 4)
+ افرحوا كل حين (1تسالونيكي 5: 16)
+ أخيراً أيها الإخوة افرحوا، اكملوا، تعزوا، اهتموا اهتماماً واحداً، عيشوا بالسلام، وإله المحبة والسلام سيكون معكم (2كورنثوس 13: 11)

__________ وسوف نتكلم في الجزء الثاني عن الخطوات الثلاثة الأخيرة__________ 

الجزء الثاني 

Exit mobile version