هل يمكن أن يكون جزئ الحمض النووي الريبي (RNA) قد تكون بمحض الصدفة منذ زمن بعيد، وهو الذي أنتج جزيئات البروتين؟
هل يمكن أن يكون جزئ الحمض النووي الريبي (RNA) قد تكون بمحض الصدفة منذ زمن بعيد، وهو الذي أنتج جزيئات البروتين؟
ج: ادعى ” وولتر جيلبرت ” الكيميائي في جامعة هارفارد سنة 1986م أن جزئ الحمض النووي الريبي RNA قد تكون منذ ملايين السنين بمحض الصدفة وتكاثر ذاتيا، وبواسطة تأثيرات خارجية بدأ جزئ الحمض النووي الريبي في إنتاج جزيئات البروتين، وبهذا ظهرت الحياة على الأرض، ولم يلتفت إلى ما يلي:
1- من أين جاءت النيوكليوتيدات التي تُكون الحمض النووي الريبي؟! وكيف استطاعت أن ترتب نفسها ترتيبا صحيحا لكيما تكون جزئ الحمض النووي الريبي..؟! لقد اعترف ” جون هورغان ” عالِم الأحياء التطوُري باستحالة تكوين جزئ الـRNA بمحض الصدفة قائلا ” كلما استمر الباحثون في دراسة مبدأ عالم الحمض النووي الريبي دراسة دقيقة، سيظهر العديد من الأسئلة:
كيف نشأ الحمض النووي الريبي في البداية؟ فمن الصعب تكوين الحمض النووي الريبي ومركباته في المختبر في أفضل الظروف، فكيف -إذا- تم ذلك في ظروف معقولة”(1)(2).
2- حتى لو افترضنا تكوين جزئ الحمض النووي الريبي بمجرد الصدفة، فكيف استطاع هذا الجزئ أن يُكرر (ينسخ) نفسه ذاتيا؟!! ومن أين جاءت النيوكليوتيدات التي تكونت منه الجزيئات الجديدة؟!.
3- حتى لو افترضنا أن جزئ الحمض النووي الريبي يستنسخ نفسه، فإن مشكلة تكوين جزئ بروتين واحد ستظل قائمة.
لقد فشل دعاة التطوُر ليس فقط في تفسير كيف نشأت الحياة، بل فشلوا أيضا في تفسير كيفية تكوين المواد اللازمة للحياة، وكيفية اجتماعها معا، وهذا ما دعى العالِم ” تشاندرا كراماسنغي ” الذي ظل طوال حياته يؤمن بأن الحياة ظهرت بمجرد الصدفة للاعتراف بالحقيقة قائلا ” منذ بداية تدريبي كعالِم، تعرض دماغي لعملية غسيل هائلة كي أعتقد أن العلوم لا يمكن أن تتوافق مع أي نوع من أنواع الخلق المقصود، وكان من الضروري أن تُجتث هذه الفكرة على نحو أليم، وفي هذه اللحظة لا أستطيع أن أجد أية حجة عقلانية تستطيع الوقوف أمام وجهة النظر المؤمنة بالله. لقد اعتدنا أن يكون عقلنا متفتحا، والآن ندرك الإجابة المنطقية الوحيدة للحياة هي الخلق، وليس الخلط العشوائي غير المقصود“(3)(4).
_____
(1) John Hargan ” In the Beginning ” Scientific American, vol 264, P. 119.
(2) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُر ص 136.
(3) Chandra Wickramasinghe, Jnterview in London Daily Express, August 14, 1981.
(4) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُر ص 139.
هل يمكن أن يكون جزئ الحمض النووي الريبي (RNA) قد تكون بمحض الصدفة منذ زمن بعيد، وهو الذي أنتج جزيئات البروتين؟
أصل المعلومات – جون ليونكسأصل المعلومات – جون ليونكس
في البدء كان البت.»
“هانز كريستيان فون باير” Hans Christian von Baeyer
«في البدء كان الكلمة.»
(يوحنا 1: 1)
المعلومات وحجة التصميم:
إذن وجود معلومات محددة معقدة يمثل تحدياً جباراً أمام الفكر القائل بأن العمليات الطبيعة غير الموجهة يمكن أن تفسر الحياة، ويضفي مقبولية علمية على الطرح القائل بمسؤولية مصدر ذكي عن نشأة الحياة. ومن المهم في هذا الصدد أن ندرك أن الاستدلال على وجود مصدر ذكي، بناءً على طبيعة الـ DNA، ليس مجرد حجة مبنية على مشابهة. فالكثير من حجج التصميم الكلاسيكية كانت من هذا النوع، حيث يسير التفكير المنطقي عكسياً مبتدئاً من آثار مشابهة للآثار المتضمنة في الموضوع المعنى ومنتهياً إلى مسببات تشبه مسببات هذا الموضوع. ومن ثم، غالباً ما اعتمدت صلاحية الحجج على درجة التشابه بين الموضوع المشبه والمشبه به. وقد اشتهر عن “دافيد هيوم” مناقشته لهذا الموقف في نقده لحجج التصميم، كما رأينا قبلاً. إلا أن الاستدلال على التصميم من الـ DNA أقوى بكثير من أسلافه الكلاسيكية للسبب التالي كما أوضح “ستيفن ماير”: «الـ DNA ينطوي على الحاجة لمصمم ذكي لا لأنه يشبه برنامج الكمبيوتر أو اللغة البشرية في بعض الجوانب، بل لأنه…. يتصف بسمة مميزة (ألا وهي محتوى المعلومات) تتصف بها النصوص البشرية ولغات الكمبيوتر المصممة تصميماً ذكياً.» ويؤيد هذا الرأي “هيوبرت يوكي” العالم المتخصص في نظرية المعلومات، قائلاً: «يجب أن نفهم أننا لا نبني تفكيرنا على المشابهات. ففرضية التسلسل sequence hypothesis (أن الشفرة الوراثية تعمل في الأساس مثل الكتاب) تنطبق مباشرة على البروتين والنص الوراثي، تماماً كما تنطبق على اللغة المكتوبة. ومن ثم، فالاثنان متماثلان من حيث التعامل الرياضي معهما.» ولذلك، نحن لا نبني حجتنا على المشابهات، ولكننا نفعل ما يسمى بالاستدلال القائم على أفضل التفسيرات. وكما يعلم أي مخبر سري، المسببات التي نعرف أنها قادرة على إنتاج أثر قابل للملاحظة تمثل تفسيراً أفضل لذلك الأثر من المسببات التي لا نعرف أنها قادة على إنتاج مثل هذا الأثر، فما بالك بالمسببات التي نعرف عنها أنها غير قادرة على ذلك؟
لقد كرس “دمبسكي” كتابه “الاستدلال على التصميم” لتوضيح صميم طبيعة الاستدلالات على التصميم التي نتوصل إليها بناء على خبرتنا بالنظم الغنية بالمعلومات مثل اللغات، والشفرات، وأجهزة الكمبيوتر، والماكينات، ونحوها. هذا النوع من الاستدلالات على التصميم منتشر بنسبة كبيرة في العلم. فبضع علامات صغيرة على قطعة من الحجر كافية أن تُعرف عالم الآثار بأنه يتعامل مع منتج بشري، لا مع مجرد قطعة حجر بالية. والاستدلال على وجود فعل ذكي يمثل نشاطاً معتاداً في بعض العلوم مثل علم الآثار، وعلم التشفير، وعلوم الكمبيوتر، الطب الشرعي.
البحث عن ذكاء من خارج الأرض وتداعياته:
حتى العلم الطبيعي كشف في السنوات الأخيرة عن استعداده للاستدلال على التصميم، وهو ما ظهر بوجه خاص في معهد “البحث عن ذكاء من خارج الأرض” Search for Extra-Terrestrial Intelligence (SETI). وقد أنفقت “وكالة الفضاء الأمريكية ناسا” North American Space Administration (NASA) ملايين الدولارات لوضع تلسكوبات راديو تراقب ملايين القنوات على أمل رصد رسالة من كائنات ذكية في مكان آخر في الكون.
ورغم أنه بعض العلماء قد ينظرون إلى معهد SETI بشيء من الريبة، فهو يطرح سؤالاً جوهرياً يختص بمدى علمية رصد الذكاء. فكيف يمكن التعرف علمياً على رسالة منبعثة من مصدر ذكي، وتمييزها عن الضوضاء العشوائية المنبعثة من الكون التي تشوش عليها؟ واضح أن السبيل الوحيد لذلك هو مقارنة الإشارات الواردة بأنماط محددة سلفاً تمثل مؤشرات للذكاء واضحة وموثوقة، ولتكن مثلاً سلسلة طويلة من الأعداد الأولية، ثم الاستدلال على التصميم. ومعهد SETI يعتبر أن التعرف على الفعل الذكي يقع داخل الإطار المشروع للعلم الطبيعي. فقد رأى عالم الفلك “كارل ساجان” أن رسالة واحدة من الفضاء تكفي لإقناعنا أن الكون يحوي ذكاءات أخرى بخلاف ذكائنا.
إلا أنه يجب التنويه إلى ملحوظة أخرى جوهرية. ألا وهي أننا إذا كنا مستعدين للبحث عن دلائل علمية على وجود نشاط خارج كوكبنا، فما السر وراء ترددنا الشديد في تطبيق هذا التفكير نفسه على ما هو موجود على كوكبنا؟ هذا الموقف المتضارب للغاية يأتي بنا إلى لب السؤال الذي أشرنا إليه في المقدمة: هل القول بتصميم ذكي للكون يعتبر علماً؟ إننا نؤكد أن العلماء يسعدون بإدماج الطب الجنائي ومعهد SETI في دينا العلم. فلماذا إذن تندلع ثورة عارمة عندما يزعم بعض العلماء وجود دلائل علمية على مسبب ذكي في الفيزياء (ثورة بسيطة) أو علم الأحياء (ثورة عنيفة)؟ مؤكد أنه لا فرق من حيث المبدأ. ألا ينطبق المنهج العلمي على كل شيء؟
وعندما نعبر عن القضية على هذا النحو، ألا يتضح أمامنا أن السؤال التالي الذي يجب أن نطرحه هو: ما الذي يجب أن نستنتجه إذن من كمية المعلومات المهولة المتضمنة حتى في أبسط النظم الحية؟ ألا تزودنا مثلاً بدلائل على أصل ذكي أقوى بكثير من الدلائل التي تزودنا بها الحجة التي تقوم على الضبط الدقيق للكون، وهي، كما رأينا، حجة تقنع الكثير من الفيزيائيين أن وجدنا نحن البشر على هذا الكوكب أمر مقصود؟ ألا يمكن أن يمثل ذلك البديل الحقيقي على ذكاء من خارج الأرض؟
عندما أُعلن اكتمال مشروع الجينوم البشري على الجمهور، قال مديره “فرانسيس كولينز”: «إن إدراكي أننا عاينا أول لمحة من كتاب التعليمات الذي صنعنا على أساسه يملؤني تواضعاً وإجلالاً، وهو الكتاب الذي لم يكن معروفاً إلا لله وحده.» أما “جين مايرز” Gene Myers عالم الكمبيوتر الذي كان دوره رسم خريطة الجينوم في مقر “سلرا جينومكس” Celera Genomics بولاية ماريلاند، فقد قال: «إننا كائنات معقدة ومركبة على المستوى الجزيئي تركيباً مبهجاً… ولكننا حتى الآن لا نفهم أنفسنا، وهو شيء مبهر، فما زال هناك عنصر ميتافيزيقي، سحري… وما يذهلني حقاً هو بنية برنامج الحياة…. فهو نظام في غاية التعقيد. يبدو أنه مصمم…. فهو ينطوي على قدر ضخم من الذكاء. ولا أرى أن هذا الفكر غير علمي. قد يعتقد البعض ذلك، ولكني لست منهم.»
لقد لعبت هذه التصريحات دوراً محورياً في تغيير فكر عدد من أبرز المفكرين. فالعالم المتخصص في علم الكون الرصدي observational cosmologist “آلن سانديج” الذي سبقت الإشارة إليه، قال في حديثه عن تحوله إلى المسيحية في سن الخمسين: «إن العالم شديد التعقيد في كل أجزائه وتشابكاته حتى إنه يستحيل أن يكون وليد الصدفة وحدها. إني مقتنع أن وجود الحياة بكل ما فيها من تنظيم في كل كائن من كائناتها الحية مركب معاً بمنتهى الروعة.» والفيلسوف “أنتوني فلو” منذ وقت قريب جداً أرجع تحوله إلى الإيمان بالله الخالق بعد أكثر من 50 عاماً من الإلحاج إلى أن دراسة علماء الأحياء للـ DNA «أظهرت أنه لا بد أن ذكاء ما تدخل في العملية نظراً لتعقيد الترتيبات اللازمة لإنتاج الحياة تعقيداً يفوق الخيال.»
المعلومات بوصفها كماً جوهرياً:
إن المعلومات والذكاء جوهريات لوجود الكون والحياة، وهما أبعد ما يكونان عن منتجات نهائية لعملية طبيعية غير موجهة تبدأ بالطاقة والمادة، ولكنهما فاعلان منذ البداية. وهذه الفكرة تحظى حالياً بالقبول حتى بين الفيزيائيين. وقد طرح “بول دافيز” اقتراحاً يتماشى مع هذه الفكرة في مقالة رئيس التحري في مجلة “نيو ساينتست” New Scientist حيث كتب: «إن تزايد تطبيق مفهوم المعلومات على الطبيعة يثير استنتاجاً مبدئياً عجيباً. فنحن عادة ما نتصور أن العالم مركب من جسيمات مادية بسيطة تشبه كتب الطين، ومن معلومات باعتبارها ظاهرة مشتقة، ملحقة بحالات خاصة من المادة تتسم بالتنظيم. ولكن ربما يكون الأمر بالعكس: ربما يكون الكون فعلاً لعبة من المعلومات الأولية، والأشياء المادية هي إحدى تجلياتها الثانوية المعقدة.» ويقول “دافيز” إن أول من طرح تلك الفكرة كان الفيزيائي المعروف “جون أرتشيبولد ويلر” John Archibald Wheeler سنة 1989 حين قال: «غداً سنتعلم أن نفهم كل الفيزياء بلغة المعلومات.»
وفي مجلة “نيو ساينتست” أيضاً نقراً مقالة تحت عنوان جذاب: «في البدء كان البت» حيث يقدم “هانز كريستيان فون باير” Hans Christian von Baeyer تقريراً عما قام به الفيزيائي “أنطون زيلينجر” Anton Zeilinger من “جامعة فيينا” University of Vienna الذي يطرح فرضية تقول بأنه إن أردنا فهم ميكانيكا الكم، علينا أن نبدأ بربط المعلومات (وفقاً لمقياس البت) بما يسمى بالأنظمة الابتدائية في ميكانيكا الكم التب “تحمل بت واحداً من المعلومات، مثل حركة الإلكترون المغزلية (يوجد فقط ناتجان يحتمل الحصول عليهما من قياس الحركة المغزلية، إما “لأعلى” أو “لأسفل”). ويرى “زيلينجر” أن مبدأه الأساسي يكتسب مصداقية من أنه يقود مباشرة إلى ثلاث دعائم في نظرية الكم: التعبير الكمي quantization نفسه، وعدم اليقين uncertainty، والتشابك الكمي quantum entanglement. والمقترح القائل بأنه يجب النظر إلى المعلومات باعتبارها كماً جوهرياً يتضمن تداعيات عميقة تتعلق بفهمنا للكون. فهو يزيد ثقل الاستدلال على التصميم.
إلا أن الفكرة ليست جديدة. ولكنها موجودة منذ قرون. فقد كتب الرسول يوحنا كاتب الإنجيل الرابع «في البدء كان الكلمة…. كل شيء به كان.» ولفظ “الكلمة” في اليونانية هو “لوجوس” Logos، هو مصطلح استخدمه الفلاسفة الرواقيون للإشارة إلى القانون العقلاني الذي يكمن وراء الكون، ثم أضفى عليه المسيحيون معنى إضافياً، إذ استخدموه للإشارة إلى أحد أقانيم الثالوث. فمصطلح “الكلمة” نفسه يحمل لنا دلالات الكلمة الآمرة، والمعنى، والشفرة، والتواصل، وبالتالي المعلومات، تماماً كما يحمل لنا معنى القدرة الخلاقة اللازمة لتحقيق ما حددته تلك المعلومات. الكلمة إذن أكثر جوهرية من المادة والطاقة. لأن المادة والطاقة تنتميان إلى فئة المخلوق. وهو ما لا ينطبق على الكلمة.
ومن المدهش حقاً أنه في صميم تحليل أعمال الخلق، طبقاً للكتاب المقدس، وهو ما يتجاهله الكثيرون بنوع من الغطرسة الشديدة، نجد المفهوم نفسه الذي أثبت العلم أيضاً في الآونة الأخيرة مدى أهميته القصوى، ألا وهو مفهوم المعلومات.
وهذه الفكرة المحورية من أن الخالق هو الله الكلمة ينعكس في عبارة «وقال الله [ليكن نور…]» التي تتكرر مراراً في رواية الخلق العبرية، ويؤكدها الكتاب المقدس في كل أقواله تقريباً عن الخلق. والقول الذي يعنينا بوجه خاص في دراستنا هو «بالأيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر.» وهذا الاقتباس من النص الكتابي القديم مبهر حقاً من حيث إنه يلفت انتباهنا إلى سمة أساسية للمعلومات، ألا وهي أن المعلومات غير مرئية. إلا أن حاملات المعلومات يمكن أن تكون مرئية، مثل الحبر والورق، أو إشارات الدخان، أو شاشات التلفاز، أو الـ DNA، ولكن المعلومات نفسها ليس مرئية.
والمعلومات لا تتصف بأنها غير مرئية فحسب، ولكنها أيضاً غير مادية، أليس كذلك؟ فأنت تقرأ هذا الكتاب، والفوتونات تطفر من الصفحات وتستقبلها عيناك، وتتحول إلى إشارات كهربية وتنتقل إلى مخك. والآن هب أنك تنقل بعض المعلومات من هذا الكتاب لأحد أصدقائك نقلاً شفهياً. فموجات الصوت تحمل المعلومات من فمك إلى أذن صديقك، حيث تتحول إلى إشارات كهربية وتنتقل إلى مخه. والآن أصبح صديقك يمتلك المعلومات التي نشأت في عقلك. ولكن ما ينتقل منك إلى صديقك أي شيء مادي. حاملات المعلومات مادية، لكن المعلومات نفسها ليست مادية.
سنة 1961 كتب “رولف لاندور” Rolf Landauer بحثاً شهيراً بعنوان “المعلومات فيزيائية الطابع” Information is Physical. ويبدو العنوان للوهلة الأولى وكأنه يعنى عكس ما بيناه تواً. إلا أنه يقصد أنه بما أن المعلومات عادة ما تشفر استناداً إلى شيء فيزيائي. إذن حاملات المعلومات تخضع لقوانين الفيزياء. وبهذا المعنى، المعلومات نفسها تخضع لقوانين الفيزياء عبر حاملاتها. وبالتالي يمكن التعامل معها وكأنها فيزيائية. إلا أن هذا لا يغير حقيقة أن المعلومات نفسها ليس كياناً فيزيائياً.
فماذا عن حلم التفسيرات المادية لكل شيء؟ كيف يمكن للمسببات المادية المحضة أن تقدم تفسيراً شافياً لما هو غير مادي؟
تعقيد الله: اعتراض قاتل!
يعتقد “ريتشارد دوكينز” أن اعتبارات التعقيد تسهم فعلياً في فوزه بقضيته ضد الله: «أي إله قادر على تصميم كون…. لا بد أن يكون كياناً معقداً على نحو فائق ولا بد أن يكون غير محتمل الحدوث من حيث إنه يتطلب تفسيراً أكبر من التفسير الذي يفترض فيه أن يقدمه.» أي أنه يقول إن هذا ليس بتفسير حيث أن الله بطبيعة الحال أعقد (مما يجعله أقل احتمالاً) من الشيء المراد تفسيره. وفي تعبيره عن الفكرة يزعم قائلاً: «إن تفسير أصل آلة الـ DNA أو البروتين باستجلاب مصمم فائق للطبيعة لا يفسر أي شيء، لأنه يترك أصل المصمم بلا تفسير. فلا يكون بوسعك إلا أن تقول شيئاً من قبيل «الله موجود منذ الأزل» وإن سمحت لنفسك بالكسل والهروب من هذا المخرج السهل، يمكنك بالمثل أن تقول: «الـ DNA موجود منذ الأزل»، أو «الحياة موجودة منذ الأزل»، وهكذا تنهي المسألة.»
إن هذا التفكير يفتقر للمنطق بشدة؛ أولاً، نحن نعلم أن الـ DNA لم يكن موجوداً منذ الأزل، والحياة لم توجد منذ الأزل، وبالمناسبة، الكون أيضاً لم يوجد منذ الأزل. وهو ما يمثل أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع العلماء للسعي وراء تفسيرات لوجودها. إلا أن القضية الحقيقية هنا تكمن في أنه يبدو أن “دوكينز” يعتقد أن التفسير الوحيد الذي يستحق أن يوصف بأنه “علمي” هو تفسير ينطلق من البسيط إلى المعقد. فرغبته الواضحة وضوح الشمس هي تفسير كل شيء وفقاً لما «يفهمه الفيزيائيون من أشياء بسيطة».
فلنفكر في الفيزيائيين إذن في محاولتهم تفسير سقوط تفاحة، وهو بالطبع حدث “بسيط” بمعنى أن الشخص العادي غير المتخصص يسهل عليه فهمه. إلا أن تفسيره طبقاً لقانون نيوتن في الجاذبية هو أصلاً شديد التعقيد بالنسبة للغالبية، والتفسير النسبي طبقاً لخط الزمكان المنحني curved space-time لا يفهمه إلا المتخصصون. فإن رفضنا هذه التفسيرات بدعوى أنها أعقد من الشيء الذي تفسره، سنرفض قدراً كبيراً من العلم.
والذرات أيضاً أبسط من الكائنات الحية لأن الكائنات الحية عبارة عن بنى معقدة مكونة من ذرات. ومع ذلك، الذرات أبعد ما تكون عن البساطة، وهو ما يفسر جزئياً سر اهتمام أقوى العقول الجبارة على الأرض بفيزياء الجسيمات الأولية. فكلما تعمقت في صميم طبيعة بنية الكون، وجدته يزداد تعقيداً. أي أن ما “يفهمه الفيزيائيون من أشياء بسيطة” ليس بسيطاً مهما كان.
خذ مثلاً النسبية، أو ميكانيكا الكم، والأفضل من هذه وتلك الكهروديناميكا الكمية. كلها أبعد ما تكون عن البساطة لدرجة أنه لا يفهمها سوى أذكى العقول البشرية، ورغم ذلك ما زالت هناك الكثير من الأسرار التي لم تكشف بعد. أولها أنه ما من أحد يعلم على وجه التحديد السبب وراء عمل ميكانيكا الكم، كما اعتاد “ريتشارد فاينمن” أن يشير إلى أنه ما من أحد يعرف حتى ماهية الطاقة. والآن إن كان “ريتشارد دوكينز” يعترض على تعقيد الله باعتباره تفسيراً نهائياً، عليه أن يعترض كذلك على تعقيد بنية الكون المكونة من فيزياء الجسيمات وعليه ألا يقنع إطلاقاً بالتفسيرات النهائية التي تعتمد على مفاهيم مثل “الطاقة”، لأننا لا نفهمها فهماً كاملاً.
إن “دوكينز” باختصار مخطئ في نظرته الضيقة لفكرة التفسير. فأولاً، الأشياء التي يعتبرها بسيطة ليست بسيطة. ثانياً، لا يرجع قبول هذه النظريات الفيزيائية المعقدة بين العلماء إلى بساطتها، بل إلى قدرتها التفسيرية. والقدرة التفسيرية تتساوى في أهميتها مع البساطة، إن لم تكن تفوقها أهمية، بصفتها معياراً للتحقق من صلاحية النظرية العلمية. وأحياناً ما رفضت النظريات البسيطة لأنها لم تتمتع بقدر كاف من القدرة التفسيرية. وعلى أي حال، فإن أينشتاين هو من قال: «التفسيرات يجب أن تكون بسيطة قدر الإمكان، ولكنها يجب ألا تزداد بساطة عن ذلك.» والقدرة التفسيرية غالباً ما تعلو على البساطة، وهو ما يعجز “دوكينز” عن إدراكه على ما يبدو.
وهي قضية في منتهى الأهمية تستحق منا مزيداً من الدراسة. فافتراض وجود كائن أعقد مما تريد تفسيره، هو شيء يفعله العلماء باستمرار. لقد قرأت كتاباً من 400 صفحة بعنوان “وهم الإله”، فإن افترضت أن التفسير هو كائن يدعى “ريتشارد دوكينز” وهو أعقد بما لا يقاس من الكتاب نفسه، لا يعتبر افتراضي تفسيراً؟
والحقيقة أننا لا نحتاج حتى إلى 400 صفحة لتقنعنا بتفسيرات مقبولة أعقد من الأشياء المراد تفسيرها. تخيل مثلاً عالم آثار يشير إلى خدشين على جدار كهف لم تبدأ فيه عمليات استكشافية بعد، فيقول متعجباً: «ذكاء بشري!» وبناء على منطق “دوكينز” نجيب: «لا تكن أحمق. هذه الخدوش بسيطة جداً. وعموماً هما خدشان فقط. فافتراض وجود شيء معقد كالمخ البشري لا يعد تفسيراً لهذه العلامات البسيطة على جدار كهف.» فماذا نقول إن أجاب العالم بهدوء قائلاً إن الخدشين “البسيطين” يشكلان الكلمة الصينية (ren) التي تعني إنساناً، أي أنهما يتضمنان بعداً دلالياً، إنهما يحملان معنى؟
فهي سنستمر في إصرارنا على أن تفسير الخدوش باعتبارها نشاطاً إنسانياً «لا يفسر أي شيء»؟ بالطبع لا. بل سنعترف أن استدلال العالم على نشاط ذكي استدلال مشروع. علاوة على ذلك، مؤكد أننا سندرك أن تفسير الخدوش بشيء أعقد من الخدوش نفسها لا يقض على العلم. ولكن تلك الخدوش يمكن أن تزودنا بمفاتيح مهمة للتوصل إلى هوية من صنعوها وثقافتهم وذكائهم، حتى وإن لم تخبرنا بكل شيء عنهم.
وبالمناسبة، أليس غريباً أن عالم الآثار هذا يستدل فوراً على أصل ذكي عندما يكتشف خدشين، في حين أن بعض العلماء عندما يواجهون تسلسل الجينوم البشرين البالغ طوله 3,5 مليار حرف، يخبروننا أن تفسيره الوحيد هو الصدفة والضرورة؟ إن كلاً من الخدوش وتسلسل الـ DNA ينطوي على بعد دلالي. ولذلك ليس عبثاً أن نطلق على الأخير شفرة الـ DNA.
ونحن دائماً ما نستدل على مصادر معقدة للذكاء عندما نجد تراكيب أو أنماطاً معينة بسمات يتفرد بها النشاط الذكي حتى وإن كانت “بسيطة” في حد ذاتها. وقد يعترض أحدهم قائلاً إننا نتوصل لهذه الاستدلالات نظراً لمعرفتنا بالبشر وبميلهم الطبيعي لتصميم أشياء. ولكن هل هذا سبب قوي لإرجاع شيء يتسم ببنية تتوافق مع النشاط الذكي لمصدر غير ذكي، ولا سيما إن لم يكن لذلك دلائل تؤيده؟
تذكر ما نتوصل إليه من استنتاج مؤكد عند زيارة كوكب ناء لو وجدنا سلسلة من أكوام مكعبات التيتانيوم المنتظمة التي يتكون كل منها من عدد أولي من المكعبات والسلسلة مرتبة ترتيباً تصاعدياً 2، 3، 5، 7، 11…. الخ. سندرك فوراً أننا أمام عمل أنتجه فاعل ذكي، حتى وإن لم تكن لدينا أي فكرة عن نوعية هذا الفاعل الذكي. ورغم أن أكوام المكعبات في حد ذاتها “أبسط” كثيراً من الذكاء الذي أنتجها، فهذه الحقيقة لا تمنعنا من استنتاج أصل ذكي باعتباره استدلالاً منطقياً يقوم على أفضل التفسيرات. فنحن بالفطرة نميل أن نستدل “من أسف لأعلى” حتى نصل إلى مسبب ذكي نهائي. أكثر من ميلنا للاستدلال “من أعلى لأسف” حتى نصل إلى الصدفة والضرورة.
وكما رأينا يكتسب مشروع SETI مشروعيته من هذه الحجة على وجه التحديد. فلو تلقينا (كما يصور “كارل ساجان” في روايته “اتصال” Contact) إشارة تتكون من سلسلة أعداد أولية، سنفترض أنها مرسلة من مصدر ذلك. بل إن هذا الحدث لو وقع فعلياً سينتشر في الصحف العالمية ليلة حدوثه، ولن يحلم عالم واحد بالاعتراض بدعوى أن افتراض أصل ذكي للسلسلة ليس تفسيراً لأنه يعنى تفسير السلسلة بشيء أعقد من السلسلة نفسها. والمؤكد أن الحدث سيثير مزيداً من الأسئلة، عن طبيعة الذكاء مثلاً، ولكننا على الأقل سنكون قد تأكدنا من وجود ذكاء خارج الأرض. وكما أشرنا، حتى “دوكينز” يظهر (في فيلم “المطرود” Expelled) أنه غيّر موقفه وأصبح يميل للاعتقاد بأن التصميم شيء يمكن الاعتراف به علمياً من حيث المبدأ.
وعلينا أن نلاحظ أيضاً في هذا الصدد أنه يبدو أن “دوكينز” مبهور بفرضية الأكوان المتعددة ولكنه يدرك وجود مشكلة: «إن الاعتقاد بأن افتراض وجود أكوان عديدة هو نوع من الرفاهية والبذخ اللذين لا يجب السماح بهما، هو اعتقاد مغر (وقد استسلم الكثيرون لإغرائه). فإن كنا سنسمح بما ينطوي عليه تعدد الأكوان من تبذير، وما دامت كل أنواع التبذير ستتساوى، ما المانع إذن أن نسمح بالله أيضاً؟» والحل الذي يقترحه لهذا السؤال أن الإسراف صفة أصيلة في فرضية الله، في حين أن فرضية الأكوان المتعددة تبدو ظاهرياً مسرفة ولكنها في حقيقتها ليس كذلك. إلا أن منطقه بناء على الاحتمالية الإحصائية غير مقنع.
فإن كان هناك عدد ضخم من الأكوان، سيعتقد المرء أن معظمها شديد التعقيد، وإن كنا في النهاية نتاج هذه الأكوان المتعددة، عندئذ، الحجة التي يزعمها “دوكينز” بأن الأشياء دائماً ما تسير من البسيط إلى المعقد تذهب أدراج الرياح.
والنقطة التي لا بد أن نشير إليها هنا أننا لا نحاول تقديم تفسير للتعقيد النهائي، أياً كان معناه، ولا حتى للتعقيد بوجه عام. ولكننا نحاول أن نفسر مثالاً واحداً بعينة على التعقيد المنظم (الحياة). ومن ثم، فالحكمة الحقة تستلزم أن نعبر عن ذلك بشيء أعقد، إن كان ذلك هو ما تقتضيه الدلائل. والدلائل كما رأينا، هي:
1 – الحياة تشتمل على قاعدة بيانات DNA معقدة من المعلومات الرقمية.
2 – الذكاء هو المصدر الوحيد الذي نعرفه لهذا التعقيد الذي يشبه اللغة.
3 – علم الحاسبات النظري يبين أن الصدفة غير الموجهة والضرورة لا تستطيعان إنتاج تعقيد دلالي (يشبه اللغة).
لذلك، بناء على الاستدلال العلمي وفقاً لأفضل التفسيرات، يعتقد المرء أن العلماء يفضلون تفسيراً يشرح ظاهرة ما على تفسير لا يفعل ذلك. وإن كان هذا المبدأ لا ينطبق على تفكيرنا في أصل الحياة، فهذا يبين وجود نزعة مادية مفترضة بديهياً افتراضاً مسبقاً من شأنها أن تنتج توجهاُ شديد المعاداة للعلم، يتمثل في الإعراض عن اتباع الدلائل حيثما تقود لمجرد أن المرء لا يحب ما سيؤول إليه ذلك من تداعيات.
وفي ضوء الأهمية التي يعلقها “دوكينز” على “تعقيد حجة الله”، اندهشت (كما اندهش آخرون) من اعترافه العلني في مناظرة معي في “متحف أكسفورد للتاريخ الطبيعي” Oxford Natural History Museum في تشرين الأول/أكتوبر 2008 بأنه يمكن بناء قضية تؤيد وجود إله ربوبي. ورغم أنه أشار أنه لا يقبل هذه القضية، فقد كان مجرد ذكره لها أمراً يدعو للدهشة، لأنه ما من شيء يقضي على حجته نهائياً بقدر وجود إله ربوبي. وذلك لأن الإله الربوبي كائن معقد باعتباره تفسيراً نهائياً لكون أبسط.
وهكذا يتضح أن حجة “تعقيد الله” أضعف بكثير من بيت مبني بورق اللعب. والاستمرار في ترديدها لا يفيد من يستخدمونها إلا في زيادة الشكوك أن إمبراطور الإلحاد لا يملك ثياباً. فهذه الحجة ليس لها أي تأثير في زحزحة ما نراه من حكمة وعقل في التصريح القاطع الذي يبدأ به سفر التكوين: «في البدء خلق الله السموات والأرض»، بل إنها تنجح نجاحاً مبهراً في تأكيده.
من صنع الله؟
هناك اعتراض آخر على وجود الله يرتبط بالاعتراض السابق. وقد حظي بكثير من الاهتمام لأن “ريتشارد دوكينز” اتخذ منه قضية محورية في كتابه الأكثر مبيعاً “وهم الإله”. وهو عبارة عن السؤال الطفولي القديم: إن قلنا أن الله خلق الكون، فلا بد أن نسأل عمن خلق الله، وهلم جرّ، وهكذا يرى “دوكينز” أن السبيل الوحيد للخروج من هذه الحركة الارتدادية اللانهائية أن ننكر وجود الله.
هل هذا أفضل ما يمكن أن يحرزه “الأذكياء” Bright’s؟ إني أسمع صديقاً أيرلندياً يقول: «إن هذا يثبت شيئاً واحداً أنهم لو كانوا يملكون حجة أفضل، لاستخدموها.» وإن كان هذا رد فعل قوياً، فما بالك بسؤال: من صنع الله؟ إن مجرد السؤال يبين أن السائل يتصور إلهاً مخلوقاً. ومن ثم، ليس غريباً أن من يطرح السؤال يؤلف كتاباً بعنوان “وهم الإله”. لأن هذه هي تحديداً ماهية الإله المخلوق، وهم بطبيعة الحال، كما بين زينوفانيس قبل “دوكينز” بقرون. ومن ثم، كان يمكن استخدام عنوان أدق مثل: “وهم الإله المخلوق”. وكان يمكن عندئذ اختصار الكتاب إلى نشرة صغيرة، ولكن المبيعات كانت ستتأثر.
والآن “دوكنيز” يخبرنا صراحة أنه لا يحب أن يخبره الناس بأنهم بدورهم لا يؤمنون بالله الذي لا يؤمن هو به. ولكننا لا نستطيع أن نؤسس حججنا على ما لا يجب. لأنه سواء أحب أم لم يحب، فهو الذي يستجلب هذه التهمة علناً. فمهما يكن من أمر، هو الذي يقول إن الله وهم. وحتى نقيّم حجته علينا أولاً أن نعرف مفهوم الله عنده، مع ملاحظة أن حجته الرئيسية منصبة على إله مخلوق. والحقيقة أن بضعة مليارات منا يشاركونه عدم إيمانه بهذا الإله. فما كان عليه أن يقلق بهذا الشأن. فمعظمنا مقتنع منذ زمن بعيد بما يحاول أن يخبرنا به. فمن المؤكد أنه ما من مسيحي يعتقد أن الله مخلوق، ولا حتى في أحلامه. وهو ما ينطبق طبعاً على اليهود والمسلمين. فحجته، باعترافه هو شخصياً لا تقول أي شيء عن الإله الأزلي، ولا تمت لهذه الفكرة بصلة. لذلك، ينبغي على “دوكينز” أن يضعها على الرف المكتوب عليه “الأباريق السماوية”[1] Celestial Teapots حيث مكانها الصحيح.
وذلك لأن الله الذي خلق الكون ويحفظه لم يُخلق، فهو أزلي. لم “يُصنع”، وبالتالي لا يخضع لما اكتشفه العلم من قوانين، لأنه هو من صنع الكون بقوانينه. وهذه الحقيقة تشكل الفارق الأساسي بين الله والكون. فالكون لم يكن موجوداً، ثم أتى للوجود، أما الله فليس كذلك. قد كان الإغريق واعين بهذا الفرق، ويوحنا الرسول المسيحي يشير إليه في افتتاحية إنجيله: «في البدء كان الكلمة كائناً (أي أن “الكلمة كان كائناً من الأصل”)، وكان الكلمة مع الله… به خلق كل شيء (أي أن “كل شيء أتى للوجود”)»[2] (يوحنا 1: 1، 3) فالله ينتمي لفئة غير المخلوق. وهو ما لا ينطبق على الكون الذي لم يكن موجوداً ثم وجد، أي أنه خُلق به.
وقد رأينا في الفصل الثالث أن ما نقصده بمصطلح “الخلق” يمثل قضية جوهرية ما زالت النظم الفلسفية والدينية في العالم منقسمة عليها.
وقد علم اليونانيون بأن:
1 – المادة كانت موجودة دائماً وستظل موجودة. أي أنها أزلية أبدية. وقد كانت في حالتها البدائية بلا شكل، وبلا نظام وبلا حدود، أي فوضى[3] chaos. ولكن بعد ذلك برز إله من الآلهة وفرض نظاماً على هذه المادة الموجودة سلفاً، محولاً إياها إلى عالم جيد التنظيم، أي كون[4] cosmos. وهذه العملية تعبر عما قصده الإغريق بالخلق.
2 – الخالق جزء من نظام أزلي حيث كل شيء في الكون ينبثق من الله، كما تنبثق أشعة الشمس من الشمس. ومن ثم، يكون كل شيء هو الله. فالله في مادة الكون على نحو ما، وهو فاعل بنشاط في تحريك المادة وتطويرها حتى تصل إلى أفضل وضع.
إلا أن التقليد العبري القديم الذي ورثته المسيحية والإسلام مختلف كلية مع ملاحظة أنه أسبق من الفلاسفة الأيونيين بمئات السنين. وقد علم بأن:
1 – المادة ليست أزلية: الكون له بداية، وليس هناك إلا إله أزلي واحد هو خالق الكل.
2 – الله كائن قبل الكون، ومستقل عنه. والكون ليس انبثاقاً من الله. فالله خلقه من عدم، ولم يخلقه من ذاته، وإن كان يحفظه ويوجهه إلى غايته التي حددها له.
إذن “دوكينز” متأخر جداً من حيث إنه لم يزل مع الإغريق ومع فكرتهم عن الآلهة التي «انحدرت من السماء والأرض»، ومن ثم فهي مخلوقة. وربما يحسن صنعاً لو أنضم للجمهور الذي استمع للرسول بولس المسيح في مدرسة أريوس باغوس الفلسفية في أثنيا إبان القرن الأول. ويسجل المؤرخ لوقا أن بولس لاحظ أثناء تجواله في المدين مدى قصور نظرة مواطنيها لله، فقد كان المكان ممتلئاً بالأصنام، حتى إن أحدها كتب عليه “لإله مجهول”. وبولس لم يكن شخصاً متشدداً معادياً للفكر ومتمسكاً بالأوهام مثل الصورة النمطية الشائعة في الإلحاد، ولكنه في الواقع درس الفلسفة اليونانية دراسة متعمقة ولم يكن اندهاشه من سذاجة الأثنينيين أقل من اندهاش “دوكينز” لو كان في ذلك الموقف. وقد أوضح لهم أن أحد شعرائهم أدرك أن البشر، من جانب ما، ذرية الله. وطرح عليهم هذا الاستدلال المنطقي حتى يفكروا فيه: «فإذ نحن ذرية الله، لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعة واختراع إنسان.» فالآلهة الناتجة من اختراع الخيال البشري الخصب، الآلهة المخلوقة، ليست أمراً جديداً.
هل من شيء أزلي؟
إن سؤال “دوكينز” عن صنع “الصانع” يبين أنه ربما يعاني صعوبة فكرية في أن يتخيل وجود غير المخلوق والأزلي. ولكن إن كان الأمر كذلك، فهو متهم بوجه آخر من وجوه عدم الاتساق الخطيرة. فمن المفترض طبقاً لمنظوره الفلسفي أن يؤمن (مثل الإغريق أيضاً) بأزلية المادة والطاقة (وقوانين الطبيعة). فإن كان الأمر كذلك، إذن هو يؤمن بشيء أزلي، بل الكثير منه، ألا هو مادة الكون كله المحيط بنا.
وكم تحيرت في زياراتي الكثيرة للدول الشيوعية السابقة من كثرة ما سألني أساتذة الجامعات الشيوعيون القدامى هذا السؤال: «من صنع الله؟» وكم كان مثيراً أن أرى المأزق الذي يتورطون فيه عندما اكشف لهم عن اعتقادهم بأزلية المادة. وفي النهاية كنا غالباً ما نتمكن من وضع أيدينا على القضية الجوهرية. فبالنسبة لهم، كان أزلية المادة عديمة العقل شيئاً مقبولاً بالكامل، ولكنهم لم يقبلوا أزلية إله شخصاني. وهكذا لم يكونوا منطقيين في اعتقادهم. وهو ما ينطبق على “دوكينز”. طاقة أزلية: نعم، ولكن شخص أزلي: لا. أين المنطق في هذا كله؟
وسواء أكان “دوكينز” يعتنق الفلسفة المادية عتيقة الطراز بكونها الأزلي أو لا، فلا شك أنه مضطر أن يؤمن بأن الكون خلقه هو شخصياً. ومن ثم من حقنا أن نرد إليه سؤاله: «من خلق الخالق؟» ونسأله: من خلق خالقه، أي الكون؟ وهكذا تكون المعاملة بالمثل.
نظرية كل شيء!
يعبر “دوكينز” عن أمله في أن الفيزيائيين سوف «يكملون تحقيق حلم أينشتاين ويكتشفون النظرية النهائية لكل شيء. وإني متفائل أنه بالرغم من أن نظرية كل شيء ستضع نهاية مقنعة للفيزياء، فالمشروع الفيزيائي سيستمر في الازدهار، تماماً كما استمر علم الأحياء في النمو بعد أن حل داروين المشكلة العويصة فيه. وإني متفائل أن النظريتين معاً ستقدمان تفسيراً طبيعياً محضاً لوجود الكون وكل ما فيه، بما فيه نحن.»
وهنا أيضاً نرى تناقضاً فكاهياً لطيفاً، وإن كان غير مقصود. نظرية كل شيء Theory of everything (TOE)، كما يرى “دوكينز”، تضع نهاية للفيزياء. أي أن نظرية كل شيء هي بالطبيعة النقطة التي ينتهي عندها المسار التفسيري. وبناء على اعتراض “دوكينز” على أن يكون الله هو نهاية هذا المسار التفسيري، يجب أن يوبخ الفيزيائيين على اقتراحهم كل شيء باعتبارها التفسير النهائي لأصل الكون. ولكن يبدو أن البحث عن “نظرية كل شيء” مقبول طالما أنه لا يتصل بقدم إلهية.
ولكن تفاؤل “دوكينز” أثبت عدم واقعيته. فبعض الحقائق الرياضية النكدة تقف في طريقة متمثلة في الخلاصة الشهيرة التي توصل إليها “كرت جودل” من أن علم الحساب المألوق لنا وغيرها من النظم الرياضية الأكبر لا يمكنها إثبات اتساقها الداخلي، ولا بد أن تشتمل على افتراضات لا يمكن إثبات صحتها من خطئها، أي لا يمكن إثباتها ولا نفيها بوسائل علم الحساب. وللتعبير عن المعنى بأسلوب آخر أقول إن أي نظام بديهي منته finite axiomatic system ويتمتع بالقوة التي تؤهله ليحوي أساسيات في علم الحساب، دائماً ما يتضمن جملاً تقريرية صحيحة لا يمكن إثباتها. ويشير عالم الرياضيات “نايجل كتلاند” Nigel Cutland إلى أن هذه الحقيقة تجر تداعيات سلبية فيما يختص بإمكانية صياغة نظرية علمية موحدة تشتمل طبعاً على الحساب.
أما “ستيفن هوكينج” الذي حلم أيضاً لسنوات بهذه النظرية النهائية اعترف سنة 2004 أن “جودل” قضى عليهم: «سيشعر البعض بخيبة أمل شديدة إن لم يمكن وضع نظرية نهائية في شكل عدد منته من القوانين. لقد كنت ضمن هذا المعسكر، ولكني غيرت رأيي. وأنا الآن سعيد أن سعينا للفهم لن ينتهي أبداً. ودائماً ما ستتوفر لنا تحديات الاكتشافات الجديدة، وإلا نصاب بالركود. وكما ضمنت نظرية “جودل” وظيفة دائمة للرياضيين، أظن أن نظرية – إم M theory ستضمن وظيفة دائمة للفيزيائيين.»
ولنعد الآن لمسألة التفسير النهائي. الملحدون الجدد يعترضون على أن يكون الله هو التفسير النهائي. ومع ذلك، هم أنفسهم لا يملكون تفسيراً لوجود المادة أو الطاقة التي يتكون منها الكون. ففلسفتهم المادية تتوقف عند هذه النقطة، أي وجود المادة أو الطاقة الذي يجب عليهم أن يأخذوه بصفته حقيقة جامدة أساساً. ومن ثم، يمثل تفسيرهم النهائي. ومنطقياً، سلاسل المسبب والأثر إما تسير للخلف إلى ما لا نهاية، أو تتوقف عند نقطة حقيقة نهائية. والتفسير في العلم (أو في أي مجال آخر)، إن أراد أن يتجنب الرجوع إلى ما لا نهاية، دائماً ما يقود إلى أشياء معينة تعتبر نهائية.
وقد كتب “أوستن فارر” قائلاً: «أي سعي لا نهائي نحو تفسير يمدح من حيث إنه حالة من الكمال المثالي الذي لا يقنع أبداً. وهو في الحقيقة ميل يميز العقول الطفولية. “لماذا يرتدي ذلك الرجل القبعة؟” “لأنه شرطي”. “لماذا هو شرطي؟” “لأنه أراد أن يكون شرطياً عندما يكبر”. “لماذا أراد أن يكون شرطياً؟” “لأنه أراد أن يكسب رزقه”. “لماذا أراد أن يكسب رزقه؟” “ليستطيع أن يعيش. كل الناس يريدون أن يعيشوا”. “لماذا يريد كل الناس أن يعيشوا؟” “كف عن قول [لماذا؟] يا حبيبي، واذهب للنوم”. نعم. عند نقطة ما لا بد أن نتوقف عن قول “لماذا؟” لأننا وصلنا إلى الحقيقة التي يعتبر السؤال عنها بلا طائل، فمثلاً لا فائدة من أن نسأل: لماذا تريد الكائنات الحية أن تعيش؟» فحتى الطفل يمكنه أن يشرح صعوبة الرجوع إلى ما لا نهاية.
وقد أوجز “فارر” المسألة وأصاب الهدف ببراعة قائلاً: «إن القضية بين الملحد والمؤمن ليس فيما إذا كان من الحكمة أن نسأل عن الحقيقة النهائية أم لا، ولكنها تتمثل في السؤال: ما هي الحقيقة النهائية؟ الحقيقة النهائية عن الملحد هي الكون، أما الحقيقة النهائية عند المؤمن بالله الخالق هي الله.»
السؤال المُلح:
السؤال الملح إذن: في أي اتجاه يشير العلم، المادة قبل العقل، أم العقل الأسمى قبل المادة؟ لا بد من تحديد إجابة هذا السؤال، كما هو الحال دائماً، باتباع نصيحة سقراط، ألا هوي فحص الدلائل والسير في الاتجاه الذي تقود إليه، حتى وإن كان في ذلك تهديد لأفكارنا المسبقة.
ويطرح عالم الأحياء “جيمز شابيرو” هذا السؤال: «ما أهمية ظهور نقطة التقاء بين علم الأحياء وعلم المعلومات في دراستنا للتطور؟ إنها تتيح إمكانية التعامل العلمي وليس الأيديولوجي مع القضية المحورية التي تمثل أرض المعركة للأصوليين من الجانبين، الخلقي والدارويني. هل من أي ذكاء موجه يعمل في أصل الأنواع التي تظهر قدرات عجيبة على التكيف بدءًا من دورة كربز ومروراً بأداة الانقسام المتساوي mitotic apparatus والعين وانتهاءً بجهاز المناعة، ونظام التمويه والتنظيم الاجتماعي عند الحيوانات؟»
عالم الفيزياء الحيوية “دين كنيون” Dean Kenyon أحد مؤلفي كتاب دراسي قوى في أصل الحياة، يقول إنه كلما ازدادت معرفتنا في السنوات الأخيرة بالتفاصيل الكيميائية للحياة من علم الأحياء الجزيئي ودراسات أصل الحياة، تضاءلت مقبولية التفسير الطبيعي المحض لأصل الحياة. فما أجراه “كنيون” من دراسات قاده لخلاصة مفادها أن المعلومات البيولوجية مصممة: «إن كان العلم يقوم على الخبرة، إذن فهو يخبرنا أن الرسالة المشفرة في الـ DNA لا بد أن تكون قد نشأت من مسبب ذكي. ولكن ما نوع هذا الفاعل الذكي؟ العلم وحده لا يستطيع الإجابة عن هذا السؤال. لذا، عليه أن يتركه للدين وللفلسفة. إلا أن هذا يجب ألا يمنع العلم من الاعتراف بالدلائل على مسبب ذكي للأصل أينما وجدت.»
لذلك، من الغريب أن يسطر عالم بارز في مكانة “إي. أو. ويلسون” ما يعبر عن إنكاره لوجود هذه الدلائل: «أي باحث يمكنه أن يثبت وجود تصميم ذكي في الإطار المقبول للعلم سيدخل التاريخ وسيخلد اسمه. لأن هذا يعني أنه نجح أخيراً في إثبات أن العلم والعقيدة الدينية متوافقان! إن جائزة مجمعة من جائزة نوبل وجائزة تمبلتون Templeton Prize (الأخيرة تهدف لتشجيع البحث عن هذا النوع من الانسجام) لا ترقى إلى مستوى هذا الإنجاز. وكل عالم يتمنى أن يحرز هذا السبق الذي يشكل بداية عصر جديد. إلا أنه ما من عالم تمكن ولو حتى من إحراز قدر ضئيل من هذا الإنجاز، لأنه للأسف ليس لدينا دليل، ولا نظرية، ولا مقاس للإثبات يمكن أن يبدو ولو ظاهرياً أنه علم. فكل ما لدينا بقايا ذلك الموقف المأمول، الذي يتضاءل باطراد كلما تقدم علم الأحياء.» وقد وصفت هذا الكلام بأنه غريب لأنه حتى لو أراد المرء التقليل من شأن ما ناقشناه في الفصول السابقة بخصوص علم الأحياء لأنه يتحدى بعض الأفكار السائدة عن أصل الحياة، فكيف له أن يتجاهل دلائل الفيزياء وعلم الكون التي لا تشكك في العلم المقبول، بل تنبثق منه؟ ولكن قارن موقف “ويلسون” بموقف “آلن سانديج” الذي يعتبره الجميع أعظم علماء الكون المعاصرين: «إن العالم شديد التعقيد في كل أجزائه وتشابكاته حتى إنه يستحيل أن يكون وليد الصدفة وحدها. إني مقتنع أن وجود الحياة بكل ما فيها من تنظيم في كل كائن من كائناتها الحية مركب معاً بمنتهى البراعة.»
ولعلنا نذكر أيضاً أن دلائل البحث العلمي المختصة بمسائل أصل الحياة هي التي قادت الفيلسوف البارز “أنتوني فلو” الذي عاش ملحداً طيلة حياته، للإيمان بأن طبيعة تعقيد الـ DNA لا يمكن تفسيرها إلا بخالق ذكي. “ويلسون” يقول إنه لا يوجد دليل، “سانديج” وكذلك “فلو” يقولان بوجود دليل. لا يمكن أن يكون كلا الموقفين صحيحاً.
إله الفجوات مرة أخرى!
يجب عند هذه النقطة أن نؤكد أن ما توصلنا إليه في هذا الفصل من استدلالات على مسبب ذكي لا تنتمي لفئة “إله الفجوات” وذلك لأنها لا تقوم على الجهل بالعلم بل على المعرفة به. فمثلاً، مؤيدو برنامج SETI يرون أن القول بذكاء كائن فضائي من خارج الأرض باعتباره مصدر الرسالة الغنية بالمعلومات التي وصلت إلينا، لا يعادل القول بفكرة “كائن الفجوات الفضائي”. وإن كان التحليل الرياضي والمعلوماتي متشابهاً في الحالتين، أليس من قبيل الاتساق أن نفترض مصدراً ذكياً للرسائل الغنية بالمعلومات المتضمنة في الـ DNA ولا نعتبره “إله الفجوات”؟
ويساعدنا هذا المثال على استخلاص ولو جزء من السبب وراء صعوبة التخلص من انطباع محاجة إله الفجوات. وهذا هو السبب: إن سلمنا بفرضية SETI (إشارة ينقلها مصدر ذكي ويعترف بها العلم)، لاكتشفنا فجوة واضحة في معرفتنا على مستوى التعرف على هوية الذكاء مصدر الرسالة، لا على مستوى تحديد لما إذا كان هناك ذكاء أم لا. أي أننا نخرج من ذلك بحالة التشويش نفسها بشأن معنى “التصميم الذكي” الذي طرحناه في تمهيد الكتاب.
وكما رأينا آنفاً، نحن لا نجد صعوبة في الاستدلال على كاتب ذكي بصفته مصدر الكتابة، لأننا نعلم أنه لا جدوى من محاولة تقديم تفسير اختزالي يقوم على فيزياء وكيمياء الحبر والورق. ويمكن التعبير عن ذلك بأسلوب مختلف: فيما يتعلق بتقديم تفسير كامل للكتابة على الورق، مؤكد أن هناك فجوة في القدرة التفسيرية للفيزياء والكيمياء. وهي ليست فجوة جهل، ولكنها فجوة من الناحية النظرية، أي فجوة تكشفها معرفتنا بالعلم، لا جهلنا به. أي أننا يمكن أن نطلق عليها فجوة “جديدة” لتميزها عن الفجوات “السيئة” التي لا تمثل فجوات من الناحية النظرية، ويتضح في النهاية أنه يمكن تفسيرها بالفيزياء والكيمياء.
فالكتابة على ورقة (أو الرسم على لوحة) يعكس ما يسميه الفيلسوف “دل راتش” Del Ratzsch التيار المضاد counter flow، وهي ظواهر لا تستطيع الطبيعة إنتاجها دون مساعدة فعل ذكي. وذلك لأننا نعلم، حتى من الناحية النظرية، أن علوم الفيزياء والكيمياء لا تستطيع أن تفسر التيار المضاد الذي يظهر في الكتابة، لدرجة أننا نرفض التفسير الطبيعي المحض، ونفرض وجود كاتب.
ولكن لا بد أن نشير إلى أن افتراض فاعل ذكي لتفسير الكتابة لا يندرج تحت فئة “كاتب الفجوات”، بل إن معرفتنا بطبيعة “الفجوة” هي التي تتطلب افتراض وجود كاتب.
وهكذا، معرفتنا بطبيعة المعلومات البيولوجية من ناحية، ومعرفتنا بأن المصادر الذكية هي المصادر الوحيدة المعروفة للمعلومات، من ناحية أخرى، بالإضافة إلى معرفتنا بأن الصدفة والضرورة لا تقدران أن تولدا نوعية المعلومات المحددة المعقدة التي نراها في الكائنات الحية، تشير كلها إلى التصميم باعتباره أفضل تفسير لوجود الـ DNA الغني بالمعلومات.
ولا أشك أن إحجام بعض العلماء عن الاستدلال على التصميم بناءً على وجود جزيئات حيوية غنية بالمعلومات لا يتعلق كثيراً بالعلم بقدر ما يتعلق بما يجره هذا الاستدلال من تداعيات بخصوص هوية المصمم. ومن ثم، فهي مسألة منظور فلسفي، وليست مجرد مسألة علمية. لأن العلماء لا يمانعون مطلقاً في التوصل لاستدلالات تصميم (علمية) تدلل على فعل بشري أو حتى فعل كائن فضائي. إذن الصعوبة لا تكمن في كوننا عاجزين عن التوصل لاستدلالات على التصميم.
وعند هذه النقطة يبدأ البعض في الشعور بعدم الارتياح، ومفهوم طبعاً أنهم الملحدون، حيث إنه يرفضون وجود الله، فكم وكم يكون شعورهم تجاه فعله. ولكن هذا الشعور يعكس خوفاً من تهمة إله الفجوات حتى إن بعض اللاهوتيين يرون أن الطبيعة تتمتع بنوع من “الاكتمال الوظيفي” Junctional integrity، وهو ما يعنى أن العالم مخلوق ولكن “لا تشوبه أي عيوب وظيفية، ولا تتخلل نظامه أي فجوات تتطلب فعلاً فورياً من الله.» ومن ثم، يبدو أن أصحاب هذا الموقف مضطرون أن يؤمنوا على الأقل بأن كل المعلومات اللازمة لإنتاج كل التعقيد الذي نراه حولنا كانت متضمنة في الكون منذ البداية عند الخلق الأصلي ولم تضف أي معلومات بعدئذ.
إلا أن “جون بولكينجهورن” الذي يرفض لاهوت إله الفجوات (السيئة) رفضاً قطعياً، يصر على أننا لا بد ألا «نقنع بالكلام اللطيف الخفيف غير الحاسم الذي لا ينجح حتى في ربط أفكارنا الحدسية عن فعل الله بمعرفتنا بالعملية الفيزيائية.» ويتلخص موقفه فيما يلي: «إن كان العالم المادي مفتوحاً حقاً، وإن كانت علّيّة رأسية تتجه من أعلى لأسفل تعمل في هذا العالم، فلا بد من وجود “فجوات” أصيلة (“مظروف يحمل فرصة لإمكانية حدوث شيء”) في تفسير الطبيعة التي تتجه من أسف لأعلى لتفسح مجالاً للعلية المقصودة…. فنحن، بلا خجل، “أناس الفجوات” بهذا المعنى الأصيل ولا عيب في فكرة “إله الفجوات” بهذا المعنى أيضاً.» أما عن طبيعة تفاعل الله فهو «لا يتم في صورة طاقة energetic بل في صورة معلومات informational.»
تثير هذه العبارة الأخيرة قضية في غاية الأهمية. فإن كان الله قد فعل بعض الأشياء بشكل مباشر (مثل خلق الكون)، فلا بد أن يكون مسؤولاً عن بعض الأفعال أو التفاعلات المختصة بالطاقة. فمهما كان، قانون حفظ الطاقة يخبرنا أن الطاقة تحفظ. ولكنه لا يخبرنا بمصدر هذه الطاقة، وهو شيء غالباً ما يسهل تجاهله. والآن، أنا أتفق أنه علينا أن نحذر من السقوط في فخ إله الفجوات (السيئة)، ولكن كما أشار “آلفن بلانتيجا” أنه منطقياً إن كان هناك إله يفعل أي شيء في العالم بشكل غير مباشر، فلا بد في نهاية الأمر أن يفعل شيئاً مباشراً أو يخلق شيئاً على نحو مباشر. وما أن نعترف أن الله فعل فعلاً مباشراً ولو مرة واحدة في الماضي في الخلق الأصلي للعالم، فما الذي يمنعه من أن يفعل أكثر من مرة، سواء في الماضي أو المستقبل؟ فمهما كان، قوانين الكون ليست مستقلة عن الله، فهي مجموعة المبادئ التي نعبر بها عن الضوابط التي وضعها هو في الكون. فمن العبث أن نظن أنها قيدت الله ومنعته من أن يفعل أي فعل خاص. ويوجز “بلانتيجا” موقفه قائلاً: «ألا يمكن أن نتوصل لهذا الاستنتاج الحكيم من أن الله خلق الحياة مثلاً، أو الحياة البشرية، أو خلق أي شيء آخر خلقاً خاصاً؟ (ولست أقول إنه يجب علينا أن نستنتج ذلك: ولكني أقترح فقط وأقول «ألا يمكن»، وإن كان هذا هو أكثر ما ترجحه الأدلة بقوة، عندئذ يجب علينا أن نصل لهذه الخلاصة).»
إن لب القضية هو: هل نحن مستعدون أن نتبع الدلائل أينما تقودنا، حتى وإن كانت تشير إلى تفسير بعيد عن التفسير الطبيعة المحض؟ إن كان هناك خالق، إذن يجب أن نجد شيئين. أولهما، يجب ألا نتعجب إن كانت محاولاتنا لفهم الكون بناءً على افتراضات طبيعية ناجحة جداً في أغلبها، لسبب بسيط جداً، ألا وهو أن الطبيعة موجودة سواء آمنا بخالق أم لا (نحن لم نأت بالطبيعة). وثانيهما، من المحتمل أن نجد عدداً قليلاً نسبياً من الفجوات “الجيدة” التي لا تخضع لأي منهجية طبيعية خالصة، بل الحقيقة أنها تزداد صعوبة أمام هذه المنهجية. ولكنها على قدر كبير من الأهمية كما سيتضح لك عندما أسردها عليك: أصل الوعي، أصل القدرة على التفكير ومفهوم الحق، أصل الأخلاق والروحانية. وهذا الكتاب لا يمكنه إلا أن يمثل بداية متواضعة في بضع النقاط الأول في هذه القائمة.
والآن لا بد أن أشدد بكل وضوح على أنه إن كانت هناك بعض الفجوات “الجيدة” التي تشير إلى خالق، فهذا لا يعني على الإطلاق أن هذه الفجوات هي الدليل الوحيد الذي يقدمه العلم على وجود الله. ولكنها دلائل إضافية على مجموعة الدلائل الرئيسية التي تزودنا بها عجائب الخليقة ككل. وعلى أي حال، فاللاهوت المسيحي المعتبر يؤكد أن الله لم يخلق الكون في البداية وحسب، ولكنه فاعل باستمرار في حفظه وفي كل ما يجري فيه من عمليات وإلا يختفي الكون من الوجود. وما نفهمه من ذلك على ضوء الفيزياء والكيمياء يبين لنا مجده بغض النظر عن قولنا فيما لا نفهمه بمساعدة هذه العلوم.
والمادي بطبيعة الحال لابد أن يرفض مسبقاً احتمالية وجود فجوات “جيدة” تشير إلى نشاط الخالق. أما المؤمنون بالله، فلهم موقف مختلف. فهم على أقل تقدير يؤمنون أن الله يتسبب في وجود الكون. ومن ثم، فهو مسؤول عما يجري فيه من عمليات طبيعية. وعندئذ ينشأ السؤال عما إذا كان يجب أن نعتبر أن الله هو المسبب الأعلى لهذه العمليات جميعاً أي أنه يسببها على نحو غير مباشر من حيث أنها تتم في كون هو المسؤول الأعلى عنه، أم أن بعض ما يجري في الكون من عمليات أو أحداث قد ينطوي على نوع من الفعل الإلهي المباشر.
ولقد بينت فيما سبق أن تفاصيل علم الأحياء تشير إلى “لوجوس” يكمن وراء الحياة. وقد أوضحت أن جزءًا من هذا الدليل يتعلق بمحدودية قدرة الانتخاب والطفرة، أي حدود التطور، إلا أني ركزت في حجتي على أصل الحياة وشفرتها الرقمية. وأود أن أسجل ملاحظة أخيرة في هذا الجزء عبارة عن مشابهة مثيرة للفيلسوف الألماني البارز “روبرت سبيمن” Robert Spaemann لإلقاء الضوء على خلل التفكير الإلحادي بشأن علم الأحياء. فهو يشير إلى ما اكتشفته عالمة الموسيقى “هلجا ثون” Helga Thoene في مقطوعة “بارتيتا الكمان في سلم ري الصغير” Violin Partita in D-minor للموسيقي “ج. س. باخ” J. S. Bach من تشفير مزدوج عجيب. فقد وجدت أنك إن طبقت على المقطوعة نمطاً صورياً من الأرقام يقابل الحروف الأبجدية تنتج عندك هذه الحكمة القديمة: Ex Deo nascimur, in Christo morimur, per Spiritum Sanctum reviviscimus. وبالطبع لسنا بحاجة لمعرفة هذا النص الخفي حتى نستمتع بالمقطوعة، فقد استمتع بها الناس على مدى مئات السنين دون أن تكون لديهم أدنى فكرة عن هذه الرسالة الخفية. ولكن الفضل يرجع لعبقرية “باخ” في تشفير رسالة مختلفة تماماً في مقطوعة موسيقية، عندما تقيم بمعايير علم الموسيقى وحدها، تعد مقطوعة في غاية الروعة.
ويرى “سبيمن” أن هذه هي مشكلة الملحدين الجدد وموقفهم من علم الأحياء التطوري: «يمكنك إن أردت أن تصف العملية التطورية بلغة طبيعية بحتة. إلا أن النص الذي يظهر بعدئذ عندما ترى شخصاً، وعندما ترى فعلاً جميلاً أو صورة جميلة لا يمكنك أن تقرأه إلا إذا استخدمت شفرة مختلفة تماما.» ويستأنف “سبيمن” مشابهته فيتخيل عالم موسيقى يقول إن المقطوعة تشرح نفسها بالكامل، وإن الصدفة وحدها هي التي أنشأت هذه الرسالة. ومن ثم، يكفي تفسير المقطوعة تفسيراً موسيقياً صرفاً دون اعتبار للنص. ألا يتطلب منا ذلك قدراً كبيراً من السذاجة حتى نقتنع به؟ بالطبع. فيستحيل أن نقبل ولو للحظة واحدة أن النص وجد بالصدفة دون أن يضع أحد شفرته. وهو ما ينطبق على العلم. فيمكنك، إن شئت، أن تحد نفسك في علم طبيعي بحت. ولكنك لا تستطيع بعدئذ أن تأمل في تفسير النص الذي سيظهر أمامك. ووفقاً لهذه النظرة فعالم الموسيقى، بصفته عالم موسيقى، يمكنه أن يشرح كيفية تأليف المقطوعة في حالة واحد فقط، إن تجاهل النص. ويبدو أن هذا هو بالضبط موقف الملحدين الجدد. فهم يتجاهلون “النص” الذي هو عبارة عن إنسان بكل ما في لوحة حياته وقدرته اللغوية والفكرية من ثراء.
إلا أنهم عند هذه النقطة سينفذ صبرهم ويطلقون اعتراضاً من حيث المبدأ على فكرة إله فائق للطبيعة يمكنه أن “يتدخل” في مجرى الطبيعة. وقد اشتهر فيلسوف التنوير الإسكتلندي “دافيد هيوم” بصياغته لهذا الاعتراض، إذ رأى أن “المعجزات تنتهك قوانين العلم”. وقد حذت أجيال من العلماء حذو “هيوم”، وأشهرهم “ريتشارد دوكينز”. ولذا، علينا أن نفحص ما قاله “هيوم”.
[1] مشابهة وضعها “برتراند رسل” ليبين أن مسؤولية البينة الفلسفية تقع على من يقول بمزاعم لا يمكن إثبات صحتها أو خطئها علمياً، ولا تقع المسؤولية على من يشكك فيها، ولا سيما في مجال الذين (المترجم).
«ما يكمن في صميم كل كائن حي ليس ناراً، ولا نفساً دافئاً،
ولا “شرارة الحياة”. ولكن معلومات، كلمات، تعليمات….
تخيل مليار رمز رقمي مختلف….
فإن أردت أن تفهم الحياة تخيل التكنولوجيا الرقمية.»
“ريتشارد دوكينز”
«المعلومات هي أحد الموضوعات المركزية
في علم الأحياء المعاصر.»
“جون مينارد سميث”
المعلومات الكامنة في الخلية:
إن أردنا فهماً أوضح للقضايا المتعلقة بأصل الحياة، علينا الآن أن نتجاوز مستوى البروتينات وننتقل إلى المستوى الجزيئي الذي نجد تحته إحدى اللبنات الأساسية الأخرى للحياة التي تفوق البروتين تعقيداً، ألا وهو جزيء الـ DNA. ويعد اكتشاف طبيعة هذا الجزيء الكبير Macromolecule الحامل للمعلومات وأهميته من أعظم ما توصلنا إليه من اكتشافات علمية. وذلك لأن الخلية الحية ليست مجرد مادة. ولكنها مادة زاخرة بالمعلومات. وعلى حد تعبير “ريتشارد دوكينز”: «ما يكمن في صميم كل كائن حي ليس ناراً، ولا نفساً دافئاً، ولا “شرارة حياة”. ولكن معلومات، كلمات، تعليمات… تخيل مليار رمز رقمي Digital Characters مختلف… فإن أردت أن تفهم الحياة تخيل التكنولوجيا الرقمية».
إن محتوى معلومات الـ DNA أساسي للحياة، ولكن الحياة أكثر من مجرد DNA في البداية، نقول إن الـ DNA نفسه ليس حياً. إلا أن “دوكينز” محق في قوله بأننا يجب أن ننظر للمعلومات بصفتها تؤدي دوراً محورياً في الحياة برمتها. والـ DNA الحامل للمعلومات يكمن في نواة الخلية ويختزن التعليمات اللازمة لبناء البروتينات في الكائن الحي. وهو جزيء الوراثة الذي يحوي الصفات التي تنتقل إلى الأبناء. والـ DNA يشبه القرص الصلب في الكمبيوتر من حيث إنه يضم قاعدة بيانات المعلومات والبرنامج اللازمين لتكوين منتج محدد. وكل خلية من خلايا جسم الإنسان التي يتراوح عددها من 10 تريليون إلى 100 تريليون تحتوي على قاعدة بيانات أكبر من “موسوعة بريتانيكا” Encyclopedia Britannica. وعلى مدى العقود القليلة الماضية رأينا علماء الأحياء الجزيئية يقبلون على مضض لغة تكنولوجيا المعلومات ومنهجيتها اللتين فرضتا عليهم نتيجة لإدراك طبيعة الشفرة الوراثية ووظيفتها، ولكنهم فيما بعد رحبوا بها جميعاً. وأصبحنا الآن لا نجد غضاضة في الحديث عن الخلية الحية بصفتها آلة تعالج المعلومات لأنها هكذا بالفعل، فهي بنية جزيئية مزودة بالقدرة على معالجة المعلومات. وهو تطور فكري مثير لأنه يعني أنه يمكن استكشاف طبيعة المعلومات البيولوجية باستخدام مفاهيم نظرية المعلومات ونتائجها.
ولكن يفضل ألا نتسرع في بحث هذا الأمر قبل أن نكون في أذهاننا صورة لماهية جزيء الـ DNA وكيفية حمله للمعلومات.
ما هو الـ DNA؟
الحروف الثلاثة هي اختصار لمصطلح Deoxyribose Nucleic Acid الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين. وهو جزيء طويل جداً ذو بنية ثنائية الحلزون كان لاكتشافه الفضل في فوز “كريك” وزميله “واطسون” بجائزة نوبل. وهو يشبه سلماً حلزونياً يتكون من سلسلة طويلة جداً من جزيئات أبسط كثيراً يطلق عليها نوكليوتايدات Nucliotides. وكل لفة كاملة من لفات الحلزون تحوي عشرة نوكليوتايدات. وتتكون النوكيلوتايدات من سكر يطلق عليه ريبوز Ribose، ومجموعة فوسفات نزعت منها ذرة أكسجين واحدة (وهو ما يفسر استخدام تعبير “منقوص الأكسجين” deoxy. في المصطلح)، وقاعدة. والقواعد هي أربع مواد كيميائية: الأدنين Adenine، الجوانين Guanine، السايتوسين Cytosine، الثايمين Thymine، أو اختصاراً أ، ج، س، ث، A, G, C, T. وهي (الوحيدة) التي تميز بين كل نوكليوتايد والمجاور له. والقاعدتان الأولى والثانية هما بورينات Purines، أما الثانية والثالثة من البرميدينادت Pyrmidines. ودرجات السلك مكونة من الأزواج القاعدية حيث جزيئات الزوجين القاعديين المكونة لطرفي أي درجة من درجات السلم ترتبط معاً بروابط هيدروجينية. وهناك قانون يقول إن (أ) دائماً يتزاوج مع (ث)، ويتزاوج (س) مع (ج)، أي أن البورين يكون دائماً رابطة مع البرميدين. وعليه إن كان شريط واحد من ثنائي الحلزون يبدأ هكذا: أ ج ج ث س س ج ث أ أ ث ج … إذن الشريط الأخر سيبدأ هكذا: ث س س أ ج ج س أ ث ث أ س…. وهكذا يكمل الشريطان بعضهما البعض، أي أنك إذا عرفت أحد الشريطين، يمكنك أن تستنتج الآخر. وسنرى أهمية هذه الفكرة بعد قليل.
وطبعاً تسمية النوكليوتايدات على الأشرطة تسمية عشوائية بمعنى أنه يمكننا أن نشير إليها بأربعة أرقام، مثل 1، 2، 3، 4، أو 2، 3، 5، 7 (أو أي أربعة رموز مختلفة)، وعندئذ تكون بداية الشريط الأول المذكور أعلاه 341143224331… أو 572275337552…. على التوالي. وهكذا يمكن الإشارة لكي جزيء DNA برقم خاص (وعادة ما يكون رقماً طويلاً للغاية، كما سنرى أدناه) يمكّننا من قراءة سلسلة قواعده.
وكما أن أي سلسلة حروف في أي من الأبجديات العادية لإحدى لغات العالم المكتوبة تحمل رسالة وفقاً لترتيب هذه الحروف، هكذا سلسلة القواعد على العمود الفقري للـ DNA (أو تسلسل درجات السلم، إن شئت) يحمل رسالة محددة مكتوبة بالأبجدية المكونة من أربعة حروف هي: أ، س، ج، ث. أما المورث أو الجين Gene فهو حبل طويل من هذه الحروف يحمل معلومات بروتين ما، وهكذا يمكن تفسر الجين باعتباره مجموعة من التعليمات، مثل أحد البرامج، اللازمة لصنع ذلك البروتين. والطريقة التي يعمل بها التشفير هي أن كل مجموعة من ثلاثة نوكليوتايدات، ويطلق عليها كودون Codon تحدد كود أو شفرة الحمض الأميني. وبما أنه لدينا أربعة نوكليوتايدات، إذن هناك 34 = 64 ثلاثياً متاحاً لتشفير عشرين حمضاً أمينياً. ويمكن أن يكون لحمض أميني واحد أكثر من ثلاثي (ويمكن أن يصل العدد إلى ستة ثلاثيات) يضع شفرته. وهذا التشفير هو ما ينشئ مفهوم الشفرة الوراثية.
ويتكون المحتوى الجيني أو الجينوم Genome من مجموعة كاملة من الجينات. والمحتويات الجينية، أو بالأحرى الـ DNA لبكتيريا الإشريكيا القولونية يبلغ طوله حوالي 4 مليون حرف ويمكن أن يملأ كتاباً من 1000 صفحة، أما الجينوم البشري يزيد طوله عن 3,5 مليار حرف ويملاً مكتبة بأكملها. ومما يلفت النظر أن الطول الفعلي للـ DNA الملفوف بإحكام في خلية واحدة في جسم الإنسان يبلغ نحو مترين. وبما أن جسم الإنسان يحوي حوالي 10 تريليون (= 1310) خلية، إذن إجمالي طول الـ DNA يبلغ رقماً يذهب العقل هو 20 تريليون متر.
ولا بد أن نشير إلى أننا غالباً ما نعتبر الـ DNA لأحد الكائنات الحية مرادفاً للجينوم، إلا أننا إن أردنا الدقة يجب أن ندرك أن الجينوم لا يشغل فعلياً سوى جزء من الـ DNA، وهو جزء صغير نسبياً يبلغ في الإنسان 3٪ أما النسبة الباقية (97٪) من الـ DNA التي يطلق عليها الـ DNA غير المشفر يشار إليها باسم ” الـ DNA الخردة” Junk DNA، ولكننا الآن نعلم أنها ليست خردة على الإطلاق بعد أن ثبت أنها مسؤولة عن تنظيم العمليات الوراثية وصيانتها وإعادة برمجتها، وأنها تحتوي على أجزاء من الـ DNA ذات قدرة عالية على الحركة تعرف باسم النواقل Transposons وهي قادرة على أن تصنع نسخاً من نفسها ثم تنتقل إلى مواقع أخرى على الجينوم وتؤتي تأثيرات متنوعة، منها مثلاً إعاقة بعض الجينات وتنشيط جينات أخرى خاملة. ومن الاستخدامات المهمة أيضاً للـ DNA غير المشفر البصمة الوراثية المستخدمة في مجال البحث الجنائي التي اكتشفها “ألك جفريز” Alec Jeffreys عام 1986.
كيف ينشئ الـ DNA البروتينات؟
يقع الـ DNA في نواة الخلية التي يحميها غشاء. وحتى “تعيش” الخلية، وحتى يحدث أي شيء لا بد من نقل المعلومات الكامنة في الـ DNA إلى الستوبلازم، وهو المنطقة التي تقع خارج نواة الخلية حيث تعمل آلة الخلية، أو أرضية مصنع الخلية، إن شئت أن تطلق عليه هذا الاسم. وهذه المعلومات ضرورية مثلاً لبناء الإنزيمات في السيتوبلازم بواسطة الآلات الجزيئية التي يطلق عليها الريبوسومات ribosomes. فكيف تصل المعلومات التي على الـ DNA إلى الريبوسومات لصنع إنزيم؟ يتم ذلك عن طريق جزيء حمضي نووي آخر طويل يطلق عليه الحمض النووي الريبوزي Ribonucleic acid (RNA) وهو شديد الشبه بالـ DNA فيما عدا أنه عادة لا يكون ثنائي الشريط Double stranded، وإن كان مقدار ما يه من هيدروكسيل (OH) يزيد عما يحوية الـ DNA بمجموعة واحدة. وهو يحوي أربع قواعد مثل الـ DNA. ثلاث منها هي أصدقاؤنا القدامى أ، ج، س، أما الرابع وافد جديد هو اليوراسيل (ي) Uracil (U) الذي يحل محل القاعدة (ث) في الـ DNA. وما يحدث أولاً أن الـ DNA الموجود داخل النواة “ينفتح كالسوسنة” وينقسم إلى نصفين فينفصل الشريطان بعضهما عن بعض. وما يساعد على ذلك هو ضعف روابط الهيدروجين فيما بين الشريطين مقارنة بالروابط التي تربط القواعد في كل شريط من شريطي الـ DNA. وثانياً يتحول شريط من الـ DNA إلى RNA، ويعرف عندئذ باسم “الحمض النووي الريبوزي المرسل” (mRNA) “messenger – RNA”. والنتيجة نشوء شريط RNA يكمل شريط الـ DNA حيث يحل (ي) محل (ث) على طول الشريط. ومن حين لآخر (أو في الواقع نادراً) تحدث أخطاء في عملية النسخ تؤدي إلى إنتاج بروتين متغير. وبعد ذلك ينتقل الـ mRNA عبر جدار النواة إلى السيتوبلازما حيث تتم عملية الترجمة بالغة الدقة.
ويمكننا أن نتخيل شريط الـ mRNA مثل شريط الكمبيوتر الممغنظ والريبوسوم مثل آلة تنتج بروتيناً من المعلومات الموجودة على ذلك الشريط. ولإتمام هذه العملية يتحرك الريبوسوم على طول شريط الـ mRNA “قارئاً” المعلومات المختزنة فيه. فهو يماثل شريط التسجيل الممغنط في جهاز الكمبيوتر. أو رأس الماسح الضوئي في ماكينة تورينج[1] Turing machine، وإن كان الفرق أنه في هاتين الحالتين يكون الرأس ثابتاً والشريط متحركاً، ولكنه فرق عديم القيمة فيما يتعلق بغرضنا من التشبيه. وهو يقرأ الكودونات كالكمبيوتر بترتيب ظهورها على الشريط، والكودون كما نذكر هو مجموعة من ثلاثة رموز متتالية، فيمكن أن يقرأ مثلاً: أ أ س ي ج س ي ي ج… والمهمة التالية للريبوسوم هي إيجاد الأحماض الأمينية التي تتوافق مع هذه الكودونات (وتلك الأحماض في هذه الحالة هي الأسباراجين Asparagine، والسيستين Cysteine، واللوسين Leucine). ثم تسبح في محيط الريبوسوم المتصل عن طريق روابط مركب عضوي اسمه الإستر ester بجزيئات (يطلق عليها الحمض النووي الريبوزي الناقل transfer RNA أو tRNA) تشبه الصلبات. فإن كان الأسباراجين مثلاً متصلاً بذراع واحد في هذا الجزيء، فالطرف الآخر لذلك الذراع يتصل بما يطلق عليه الكودون المضاد anticodon المقابل لكودون” أ أ س”، ألا وهو “ي ي ج”. وعندما يقرأ الريبوسوم أي كودون معين يسعى ليتصيد الكودون المضاد المقابل له. فيلتقطه ثم ينزع الحمض الأميني المتصل به. ثم يضم الريبوسوم ذلك الحمض الأميني مع الأحماض الأمينية الأخرى التي جمعها من قبل. وهكذا ينشأ البروتين الجديد تدريجياً.
وهذه الآليات بالغة الصغر التي لا يمكن أن “ترى” إلى بالميكروسكوب الذري، لا بالمكروسكوب الضوئي العادي، تتسم بدرجة مذهلة من التعقيد، كما يتبين لنا من نظرة سريعة على أي كتاب دراسي في علم الأحياء الجزيئي. وما تبلغه من تعقيد يدفع أقوى علماء الأحياء التطوريين مثل “جون مينارد سيمث” وكذلك “إرش ساتماري” Eors Szathmary للقول بأن: «آلة الترجمة الموجودة يستحيل الاستغناء عنها وهي تبلغ من التعقيد والشمولية ما يجعل معرفة كيفية نشأتها أو كيف يمكن للحياة أن تنشأ بدونها مهمة عسيرة.» وبعد قرابة عشر سنوات نجد عالم الأحياء الدقيقة “كارل وز” Carl Woese يعبر عن أسفه أنه حتى البشر بكل ما لديهم من ذكاء لا يمكنهم بناء مثل هذه الآليات: «إننا لا نفهم كيف نخلق شيئاً جديداً من الصفر، وهو سؤال متروك لعلماء الأحياء في المستقبل».
ومن المهم في هذا الموضوع برمته أن ندرك أنه رغم أن الـ DNA ينشئ البروتينات، فإعادة إنتاج الـ DNA نفسه لا يمكن أن تتم دون وجود عدد من البروتينات. ويذكرنا “روبرت شابيرو” الخبير المحترم في كيمياء الـ DNA أن البروتينات رغم أنها تبني وفقاً لتعليمات مشفرة في الـ DNA، فهي جزيئات كبيرة تختلف اختلافاً كبيراً عن الـ DNA من الناحية الكيميائية: «إن الشرح السابق يذكرنا بالأحجية القديمة: أيهما أسبق، الدجاجة أم البيضة؟ فالـ DNA يمتلك وصفة عمل البروتين. ولكن تلك المعلومات لا يمكن استعادتها أو نسخها دون مساعدة البروتينات. فأي جزيء كبير ظهر أولاً، البروتينات (الدجاجة) أن الـ DNA (البيضة)؟».
وفي فقرة عجيبة كاشفة (مقتبسة هنا من النسخة الإلكترونية)[2] يرسم صورة حية لما يبرز حالياً من مشكلات: «الكثير من الكيميائيين عندما اصطدموا بهذه التحديات هربوا من فرضية ” الـ DNA أولاً” كما لو كانت بيتاً يحترق. إلا أن مجموعة منهم ما زالت مأخوذة بمشهد الجزيء الذي ينسخ نفسه، فبحثت عن مخرج يفضي إلى مخاطر مشابهة. وفي هذه النظريات المعدلة، ظهر عنصر آخر مستنسخ قادر على إنتاج نفسه ولكن أبسط، وحكم الحياة في “عالم ما قبل الـ DNA.” وقد طرحت تنويعات مختلفة لهذا العنصر حيث القواعد، أو السكر، أو العمود الفقري كله للـ RNA تمت الاستعاضة عنها بمواد أبسط، يسهل على تكوينات ما قبل الحياة الوصول إليها. ويفترض أن هذا المستنسخ الأول يتمتع بالقدرات التحفيزية التي يتمتع بها الـ RNA. ولكن بما انه لم يعثر حتى الآن في علم الأحياء الحديث على أي أثر لهذا المستنسخ والمحفز الأولى الافتراضي، فلا بد أن الـ RNA استولى تماماً على كل وظائفه في مرحلة ما عقب ظهوره.
«علاوة على ذلك، الظهور التلقائي لأي مستنسخ من هذا النوع دون مساعدة عالم كيمياء تشوبه عدة نقاط غير منطقية تفوق تلك التي تشوب تحضير حساء نوكليوتايد. فلنفترض أن حساء ممتزجاً في اللبنات الأساسية المكونة لكل هذه المستنسخات المقترحة قد جمع بشكل ما تحت ظروف تميل إلى ربط هذه المستنسخات في سلاسل. وستكون مصحوبة بالكثير من اللبنات الأساسية المعيبة. مما سيؤدي إلى تدمير قدرة السلسلة على القيام بدور المستنسخ. فأبسط وحدة معيبة كفيلة بإيقاف السلسلة كلها، وكأن يوجد مثلاً مكون به “ذراع” واحد فقط للاتصال، بدلاً من الذراعين اللازمين لاستمرار السلسلة في النمو.
«ليس لدينا سبب يدعونا للافتراض بأن الطبيعة الهوجاء لن تدمج وحدات عشوائياً، منتجة بذلك أنوعاً عديدة من السلاسل المهجنة القصيرة التي تتوقف عن إعادة إنتاج نفسها بدلاً من السلسلة الأطول التي تستند إلى تركيب السلسلة الرئيسية backbone geometry [3]الموحدة اللازمة لدعم وظائف المستنسخ والمحفز. ويمكننا هنا أن نستخدم حساب الاحتمالات، ولكني أفضل استخدام صورة من صور إحدى المشابهات الشائعة: تخيل غوريلا (ولا بد أن يكون لها ذراعان طويلان جداً) جالسة على لوحة مفاتيح ضخمة متصلة بجهاز معالج للكلمات. ولوحة المفاتيح لا تحوي فقط على الرموز المستخدمة في اللغة الإنجليزية واللغات الأوروبية، بل تشمل كذلك رموزاً لا حصر لها من كل اللغات المعروفة، وكل الرموز مختزنة في كمبيوتر عادي. واحتمالات تجميع مستنسخ في البركة التي وصفتها أعلاه يمكن مقارنتها باحتمالات تكوين الغوريلا لوصفة متسقة لعمل كرات البطاطس باللحم المفروم باللغة الإنجليزية. وبناء على اعتبارات مشابهة استنتج “جرالد ف. جويس” Gerald F. Joyce من “معهد أبحاث سكريبس” Scripps Research Institute وكذلك “لسلي أورجل” من “معهد سولك” Salk Indtitute أن الظهور التلقائي لسلاسل RNA على الأرض الخالية من الحياة “يكاد يكون معجزة”. وأود أن أطبق هذا الاستنتاج على كل بدائل الـ RNA المقترحة التي ذكرتها سابقاً.»
إن استنتاج “شابيرو” (النسخة الورقية من المقال) حاسم وكاشف: “الـ DNA، والـ RNA، والبروتينات وغيرها من الجزيئات الكبيرة المعقدة لا بد أن ينظر إليها باعتبارها عناصر مشاركة في نشأة الحياة.» وقد تناولنا بالفعل الاعتراضات التي أثيرت ضد مقترحه البديل، ألا وهو “الأيض أولاً.»
هل كل شيء في الجينات؟
علينا أن نتوقف هنا قليلاً لأننا عندما نتحدث عن تعقيد الجزيئات الحيوية الغنية بالمعلومات مثل الـ DNA والشفرة الوراثية، من السهل أن ننقل انطباعاً بأن الجينات تخبرنا بكل شيء عن معنى الكينونة الإنسانية. والحقيقة أنه على مدى سنوات طويلة رأى علماء الأحياء الجزيئية أن الجينوم يقدم تفسيراً كاملاً للصفات الوراثية عند أحد الكائنات، واعتبروا ذلك “عقيدة مركزية”، طبقاً للمسمى الذي أطلقه “فرانسيس كريك”. وهو ما غذى النزعة التي تربى إن سلوك الإنسان كله محكوم بالوراثة bio determinism، ومن ثم تعتبر أن جينات الفرد مسؤولة لا عن الأمراض البشرية فحسب، بل عن كل السمات بدءًا بالاستعداد للعنف أو السمنة وانتهاء بالقدرات العقلية، كالقدرة الرياضية.
هرمية التعقيد:
إلا أن الأدلة تتزايد بسرعة على أنه هذا الزعم غير وارد. وذلك لأنه اتضح أن عدد الجينات التي تحوي عليها الجينوم البشري يترواح بين ثلاثين ألفاً وأربعين ألفاً فقط. وهو ما كان مفاجأة كبرى للكثيرين، على أي حال فآلة الخلية البشرية تنتج نحو 100 ألف بروتيني مختلف، فكان من المتوقع أن يوجد العدد نفسه من الجينات لتشفيرها. ولكن الجينات الموجودة أقل بكثير من أن تفسر التعقيد المذهل الذي تتسم به صفاتنا الوراثية، ناهيك عن الفروق الكبيرة بين النبات والإنسان مثلاً. ولذلك، يطلق عالم الوراثة “ستيف جونز” صيحة تحذير مدوية: «قد يتشابه DNA الشمبانزي مع DNA الإنسان بنسبة 98٪، ولكن هذا لا يجعل الشمبانزي إنساناً بنسبة 98٪: فهو ليس إنساناً على الإطلاق، ولكنه شمبانزي. وهل اشتراكنا في بعض الجينات مع الفئران، أو مع الموز يعكس أي شيء عن الطبيعة البشرية؟ يزعم البعض أن الجينات تخبرنا عما هيتنا الحقيقية. ولكنها فكرة سخيفة».
إن الجينات يمكن أن تكون في وضع تشغيل أو في وضع إيقاف في مراحل معينة من نمو الكائن الحي. والتحكم في هذه الحركة يتم أساساً عن طريق سلاسل يطلق عليها “المحفزات” promoters، وعادة ما توجد بالقرب من بداية الجين. ولنتخيل الآن كائناً حياً له (س) من الجينات، وكل منها يمكن أن يكون في حالة من اثنتين، إما تشغيل، أو إيقاف، معبراً عنه expressed أو غير معبر عنه unexpressed، بلغة المصطلحات الوراثية. وهكذا يكون لدينا 2س من حالات التعبير الممكنة. هب الآن أن لدينا اثنين من الكائنات الحية (أ)، (ب) لديهما اثنان وثلاثون ألف، وثلاثون ألف جين على الترتيب. عندئذ يكون عدد حالات التعبير للكائن (أ) هو 320002، وللكائن (ب) 300002. وهكذا فإن حالات تعبير (أ) تزيد عن حالات تعبير (ب) بمقدار 20002، مع ملاحظة أن 20002 رقم كبير جداً، فهو في الواقع أكبر من عدد الجسيمات الأولية التي يقدر وجودها في الكون (حوالي 8010).
وهكذا فإن اختلافاً طفيفاً نسبياً في عدد الجينات يمكن أن يفسر الاختلافات الشاسعة جداً في الشكل الظاهري (الصفات المرئية) للكائن الحي. ولكن ذلك ليس سوى بداية حيث أن الافتراض الأساسي في حسبتنا الأخيرة من أن الجينات إما في وضع تشغيل أو إيقاف هو افتراض ساذج للغاية مقارنة بالقضية ككل، ولا سيما في حالة الكائنات الحية الأعقد. فجينات هذه الكائنات تتمتع بقدر أكبر من “الذكاء” بمعنى أنها قادرة على بناء قدر أكبر من الآلات الجزيئية والتحكم فيها. فيمكن مثلاً أن يعبر عنها جزيئاً، أي أنها لا تكون في وضع تشغيل كامل ولا في وضع إيقاف كامل. وآليات التحكم هذه قادرة على الاستجابة لبيئة الخلية في تحديد مدى تشغيل الجين. وهي بذلك تشبه فعلاً أجهزة كمبيوتر مصغرة مسؤولة عن التحكم. وبما أن درجة تشغيلها أو إيقافها تختلف، فلا بد من زيادة قيم الحسابات المذكورة أعلاه زيادة كبيرة. وأثر البروتينات على بروتينات أخرى تعنى أننا الآن ندخل إلى ترتيب هرمي مكون من مستويات تتزايد تعقيداً زيادة حادة حتى إنه يصعب إدراك أدنى مستوياتها.
إلا أن مجال التعقيد ما زال يحتوي على المزيد بما أنه أصبح من الواضح الآن أن مجموعة كبيرة من الجينات قد تكون مشاركة في سمة أو وظيفة واحدة بعينها، وبذلك نجد جينات كثيرة مقابل سمة أو وظيفة واحدة، لا جيناً واحداً مقابل سمة أو وظيفة واحدة. وأسباب ذلك تبدأ في الظهور. فمثلً “باري كومنر” Barry Commoner كبير علماء ومدير “مشروع علم الوراثة النقدي” Critical Genetics Project في “مركز بيولوجيا النظم الطبيعية” Center for the Biology of Natural Systems في “كلية كوينز” Queens College في “جامعة سيتي في نيويورك” City University of New York يذكر ثلاثة اكتشافات تؤكد أن الحياة أعمق من الـ DNA في مقالة بعنوان “تفكيك أسطورة الـ DNA” “Unravelling the DNA Myth”.
1 – التضفير البديل:
يرجح “كومنر” أن أحد المبادئ الجوهرية في “العقيدة المركزية”، أي فرضية التسلسل التي يقول بها “كريك” قد يحتاج إلى قدر كبير من المراجعة. ويتلخص هذا المبدأ في أن تسلسل النوكليوتايد في جين واحد يحدد شفرة تسلسل الحمض الأميني لبروتين واحد. وذلك لأنه تبين أنه بإمكان جين واحد أن ينشئ الكثير من تنويعات البروتين بعملية يطلق عليها التضفير البديل alternative splicing يمكن أن تتم عند نقل تسلسل النوكليوتايد في أحد الجينات إلى ال RNA المرسل. أي أنه لا يحدث أن الجين الواحد يقابل بروتيناً واحداً. ولكن ما يحدث أن مجموعة خاصة من البروتينات يصل عددها إلى 150 بروتين مع خمسة جزيئات من الـ RNA تعبر باسم جسيم التضفير spliceosome تجتمع في مواضع متنوعة في الـ mRNA وتشكل آلة جزيئية تقطع الـ mRNA إلى أجزاء تدمج مرة أخرى بترتيبات مختلفة متنوعة. وأحياناً قد تنزع بعض القطع وتضاف أخرى. ومن ثم، أي من هذه المواد التي أعيد دمجها تحمل تسلسلاً يختلف عن التسلسل الأصلي. وهكذا، يمكن لجين واحد أن ينشئ الكثير من البروتينات المختلفة بأسلوب القص واللصق الذي يقوم به التضفير البديل. فمثلاً يوجد جين في الأذن الداخلية للدجاج وللبشر يمكنه أن ينشئ 576 بروتيناً مختلفاً. وهناك أيضاً جين في ذبابة الفاكهة يعرف عنه أنه ينشئ 38016 بروتيناً مختلفاً.
ويشير “كومنر” إلى تداعيات هذا الاكتشاف التي تدمر الاعتقاد بأن المعلومات الجينية التي تصدر من تسلسل الـ DNA الأصلي تنتهي دون أن تتغير في تسلسل الحمض الأميني للبروتين. وقد أكد “كريك” أن «اكتشاف نوع واحد فقط من الخلية الحالية» حيث تنتقل المعلومات الوراثية من بروتين إلى حمض نووي أو من بروتين إلى بروتين «من شأته أن يزعزع الأساس الفكري برمته لعلم الأحياء الجزيئي». ولكن هذا هو بالضبط ما يحدث هنا، حيث تنتج معلومات وراثية جديدة في الـ RNA بفعل عملية التضفير، وهي عملية تشتمل على بروتينات جسيم التضفير. ومن ثم، لا يمكن للمرء أن يتنبأ بتأثير جين واحد بمجرد تحديد التعليمات المتضمنة في تسلسل النوكليوتايد الخاص به. فعملية التضفير تحرر تلك التعليمات كمن يحرر نصاً مكتوباً. ومن ثم، تمكنها من إنشاء العديد من المعاني. وفي سنة 2002 أثبت “شين كواك” Shin Kwak من “جامعة طوكيو” University of Tokyo أن الأخطاء في التضفير هي السبب الأرجح وراء الإصابة بمرض التصلب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis وهو نوع من الشلل الفتاك.
وكان يعتقد فيما مضى أن عملية التضفير نادرة الحدوث. إلا أن الملاحظة أثبتت أن حدوث التضفير البديل يزداد بزيادة تعقيد الكائن الحي، وتبين التقديرات الحالية أن نسبة الجينات البشرية المعرضة لهذه العملية يمكن أن تصل إلى 75٪. ويتضح أن التضفير البديل يضيف كمية ضخمة من المعلومات. ولذلك، لم نعد نتعجب مما نراه من اختلافات شاسعة بين كائنات حية تتشابه في جيناتها تشابهاً كبيراً.
2 – تصحيح الأخطاء:
إن عملية نسخ الـ DNA التي تتم بدقة بالغة لا تتحقق بفعل الـ DNA وحده، ولكنها تعتمد على وجود الخلية الحية. وفي وسط الظروف المحيطة الطبيعية داخل الخلية، يستنسخ الـ DNA نفسه بحوالي خطأ واحد إلى 3 مليار نوكليوتايد (تذكر أن طول الجينوم البشري يبلغ نحو 3 مليار نوكليوتايد). إلا أنه عندما يكون وحده في أنبوبة اختبار، يرتفع معدل الخطأ إلى نسبة مخيفة تصل إلى حوالي 1 من 100. ولكن عندما تضاف في أنبوبة الاختبار أنزيمات بروتين مناسبة، يهبط معدل الخطأ إلى حوالي 1 من 10 مليون. ويعتمد تحقيق أقل معدل من الأخطاء على إضافة مزيد من البروتينات على هيئة إنزيمات “إصلاحية” repair ترصد الأخطاء وتصححها.
ومن ثم تتوقف عملية نسخ الحمض النووي على وجود إنزيمات البروتين هذه، وليس على الـ DNA فقط. وقد سجل “جيمز شابيرو” تعليقاً مهماً على النظام الإصلاحي إذ كتب يقول: «لقد كانت مفاجأة لي عندما عرفت مدى دقة الخلايا في حمايتها لنفسها ضد مختلف التغيرات الوراثية العارضة التي تعتبر مصدر التنوع التطوري، وفقاً للنظرية التقليدية. وبفضل ما تتمتع به الخلايا الحية من أنظمة مراجعة وإصلاح، فهي لا تقف كالضحية العاجزة أمام القوى العشوائية للكيمياء والفيزياء. ولكنها تكرس موارد ضخمة لقمع التنوع الوراثي العشوائي وهي قادرة على تحديد مستوى ما يحدث من طفرات مستترة في موضع معين background localized mutability بضبط نشاط أنظمتها الإصلاحية».
أيهما أسبق: الدجاجة أم البيضة؟
من أهم الآثار المترتبة على وجود التضفير البديل وآليات إصلاح الأخطاء هو أنه يبدو أن وجود الـ DNA يتوقف على وجود الحياة، وليس أن الحياة تتوقف على الـ DNA، مما يدعو إلى إعادة النظر في الفكرة الشائعة بأن الحياة نشأت من تسلسل الـ RNA المؤدي إلى الـ DNA المؤدي إلى الحياة (سيناريو عالم الـ RNA). وقد صرح “كومنر” قائلاً: « الـ DNA لم يخلق الحياة، بل الحياة هي التي خلقت الـ DNA.» ويستفيض “ميلر” وزميله “لفين” Levine في هذا الموضوع قائلين: «لا تزال أكبر عثرة تقف عائقاً أمام سد الثغرة بين العالم غير الحي والعالم الحي. فكل الخلايا الحية محكومة بالمعلومات المختزنة في الـ DNA الذي يتحول إلى RNA ثم يتحول إلى بروتين. وهو نظام في غاية التعقيد وكل من هذه الجزيئات الثلاثة يحتاج للاثنين الآخرين، إما ليحفظ له تماسكه أو ليساعده على العمل. فالـ DNA مثلاً يحمل المعلومات ولكنه لا يستطيع أن يُفّعل استخدامها، ولا حتى أن يستنسخ نفسه دون مساعدة الـ DNA والبروتين».
وهو ما يبدو نوعاً من التكافل غير القابل للاختزال الذي لا تعكسه نماذج أصل الحياة التي تميل لتبسيط العملية على نحو مخل. ويقدم “لسلي أورجل” من “معهد سولك للدراسات البيولوجية” مثالاً مشابهاً: «ليس هناك اتفاق على مدى قدرة الأيض على النمو دون مادة وراثية. وإني أرى أن الاعتقاد بأن تسلسلات طويلة من التفاعلات يمكنها أن تنتظم تلقائياً ليس له أي أساس في الكيمياء المعروفة، بل لدينا كل الأسباب التي تدعونا للاعتقاد بأنها لا تستطيع أن تفعل ذلك. ومشكلة تحقيق قدر كاف من التحديد، سواء في المحلول المائي أو على سطح أحد الأملاح صعبة للغاية لدرجة أن احتمال إغلاق دورة تفاعلات معقدة مثل دورة حمض الستريك العكسية مثلاً احتمال ضئيل للغاية».
3 – هندسة البروتينات:
عندما تصنع البروتينات تطوى متخذة شكلاً هندسياً دقيقاً ثلاثي الأبعاد يتوقف عليه ما ستقوم به من نشاط بيوكيميائي. وكان يعتقد فيما مضى أنه ما أن يتحدد تسلسل الحمض الأميني للبروتين، حتى “يعرف” هذا البروتين كيف يطوى متخذاً الشكل الصحيح. إلا أننا الآن نعلم أن بعض البروتينات تحتاج إلى بروتينات أخرى “مرافقة” تساعدها على أن تطوى طياً صحيحاً، وإلا ستظل خاملة بيوكيميائياً.
علاوة على ذلك، البروتينات المعروفة باسم البرايونات prions الخالية من الحمض النووي مسؤولة عن الأمراض التي تحدث تلفاً في المخ مثل مرض “جنون البقر”. وقد بينت الأبحاث أن أحد بروتينات البرايون يخترق بروتيناً سليماً في المخ ويدفعه ليطوى مرة أخرى بشكل يتوافق مع بنية البرايون ثلاثية الأبعاد. وتنتج هذه العملية برايون آخر من البروتين المعاد طيه يبدو معدياً ويحدث تفاعلاً تسلسلياً فتاكاً. ولكن الشيء الغريب والمهم أن البرايون وبروتين المخ الذي يؤثر فيه البرايون لهما نفس تسلسل الحمض الأميني، ومع ذلك أحدهما “معد” وخطير، والآخر “صحي” وسليم. وهو ما يرجح بقوة أن البنية المطوية لا بد أن تكون مستقلة جزئياً عن تسلسل الحمض الأميني. ويعنى هذا طبعاً أننا عند تقدير محتوى معلومات البروتين، لا بد أن نأخذ في اعتبارنا شكل الطي الهندسي ثلاثي الأبعاد، وهي مشكلة تحير العقل.
وبما أن الكثير من هذا الكلام معروف للعلماء منذ فترة، فقد دفع ذلك “كومنر” أن يسأل عن سر استمرار العقيدة المركزية. وإجابته: «لقد ظلت النظرية محمية من النقد نوعاً ما بأداة أكثر شيوعاً في الدين منه في العلم: فالاختلاف عما هو متعارف عليه، أو مجرد اكتشاف حقيقة لا تتفق مع الاتجاه العالم يعد جريمة تستوجب العقاب، وهرطقة قد تجلب لصاحبها عقوبة الإقصاء المهني. ويمكن إرجاع الكثير من هذا التحيز إلى الركود المؤسسي، والتخلي عن الدقة والمنطقية، إلا أن هناك أسباباً أخرى خفية أخطر من ذلك، وهي تفسر سبب ارتياح علماء الوراثة الجزيئية للأمر الواقع، وهذه الأسباب هي أن العقيدة المركزية منحتهم تفسيراً للوراثة مرضياً بسيطاً مغرياً لدرجة أن الشك فيه أصبح يعتبر إهانة للمقدسات. فقد كانت العقيدة المركزية من الجمال بحيث لا يتمنى المرء أن تكون خاطئة.» ومن ثم، يبدو أن معنى الكينونة الإنسانية أعمق بكثير مما تحويه الجينات.
علم البروتيوميات:
إن الترتيب الهرمي لمستويات التعقيد لا يتوقف عند ترجمة الشفرة الوراثية إلى بروتينات. وذلك لأن البروتينات يمكن أن تتغير بطرق كثيرة، بل يمكن أيضاً أن تقطع وتضفر كما يتم في جزيئات الـ mRNA. وهو ما أدى إلى نشأة علم البروتيوميات Proteomics حيث البرتيوم Proteome هو مجموعة كاملة من كل البروتينان وتنويعاتها في الخلية. ويعد تبسيط ما تتسم به من تعقيد مذهل، يفوق تعقيد الجينوم بما لا يقاس، من أعظم التحديات الفكرية التي تواجه العلم.
معالجة المعلومات في الخلية:
ومن ثم، كلما تعمقنا في دراسة الخلية الحية، اتضحت لنا القواسم المشتركة بينها وبين واحد من أعقد منتجات التكنولوجيا المتقدمة التي أبدعها الذكاء البشري، ألا وهو الكمبيوتر. والفارق الوحيد أن قدرة الخلية على معالجة المعلومات تفوق بمراحل أي شيء يمكن لأجهزة الكمبيوتر المعاصرة أن تفعله. وقد قال “بيل جيتس” Bill Gates مؤسس “شركة ميكروسوف” Microsoft إن « الـ DNA يشبه برنامج كمبيوتر، ولكنه أكثر تطوراً بما لا يقاس من كل ما صممناه من برامج.»
وقد كتب عالم الرياضيات “دوجلاس هوفستاتر” Douglas Hofstadter في كتابه “جودل، إشر، باخ: جديلة ذهبية خالدة” Godel, Escher, Bach – an Eternal Golden Braid يقول: «عندما نعرف عن هذه البرامج والمكونات المتداخلة على نحو مذهل دقيق، لا يسعنا إلا أن نسأل سؤالاً طبيعياً وجوهرياً، ألا وهو: «كيف بدأت أصلاً؟»…. من جزيئات بسيطة إلى خلايا مكتملة، إنه أمر يفوق قدرة المرء على التخيل. ورغم ما يتوافر لدينا من نظريات متنوعة عن أصل الحياة، فجميعها تنهار أمام هذا السؤال الذي يشكل لب الأسئلة الجوهرية: «كيف نشأت الشفرة الوراثية وآليات ترجمتها؟» والقول بأن هذه الشفرة في غاية القدم لا يقلل من صعوبة السؤال. والعالم “ورنر لونشتاين” Werner Loewenstein الذي حاز على شهرة عالمية لما توصل إليه من اكتشافات في تواصل الخلية ونقل المعلومات البيولوجية يقول: «هذا المعجم الوراثي يرجع تاريخه إلى أزمنة سحيقة. ويبدو أنه لم يتغير منه مثقال ذرة على مدى ملياري سنة، فكل الكائنات الحية على الأرض من البكتيريا إلى البشر تستخدم الشفرة نفسها ذات الكلمات الأربع والستين».
ولنأخذ جانباً واحداً من هذه المشكلات المركبة، ألا وهو نشأة البرنامج الوراثي الـ DNA. أحياناً ما يقال إن توليد المعلومات الوراثية يتم بمساعدة نوع من الانجذاب الكيميائي بين الجزيئات التي تحمل تلك المعلومات. إلا أن هناك سبباً منطقياً بسيطاً ينفي هذا الزعم، وسأوضحه بالحروف الأبجدية. ففي الإنجليزية مثلاً قاعدة تقول إن حرف “q” لا بد أن يتبع بحرف “u”. والآن تخيل وجود “انجذاب مشابه بين أزواج أخرى من الحروف. والآن يتضح فوراً أنه كلما زادت “حالات الانجذاب” هذه بين الحروف الأبجدية، تضاءل عدد التعبيرات التي يمكنك كتابتها. فحرية كتابة الحروف بالترتيب الذي يعجبك أمر أساسي للحصول على مخزون لغوي ثري من الكلمات. وهو ما ينطبق على الـ DNA. فالعنصر الجوهري في قواعد النوكليوتايد (أ، س، ج، ث) أنها يمكن أن تنتظم بأي ترتبي عشوائي. ولكن وجود أي نوع من الانجذاب بينها من شأنه أن يحد من قدرتها على حمل المعلومات بدرجة كبيرة.
وترتبط القواعد مع العمود الفقري للـ RNA بروابط (تساهمية) قوية. ولكن شريطاً الـ DNA المكملان يرتبطان معاً بروابط كيميائية ضعيفة مقارنة بالأولى، وهي روابط هيدروجينية بين القواعد المكملة. ويشرح “مايكل بولاني” ما يترتب على ذلك من آثار قائلاً: «هب أن البنية الفعلية لجزيء الـ DNA تعزى إلى روابط قواعده أقوى بكثير من روابط أي توزيعات أخرى من القواعد، عندئذ لن يكون لجزيء الـ DNA هذا أي محتوى من المعلومات. وطبيعته الشفرية سيغلب عليها قدر كبير جداً من التكرار عديم الفائدة…. وأياً كان أصل تركيب الـ DNA، فهو لا يستطيع أن يقوم بدور الشفرة إلا إذا كان ترتيبه لا يرجع إلى قوى الطاقة الكامنة. فهو لا بد ألا يكون مقيداً من الناحية الفيزيائية تماماً مثل تسلسل الكلمات المطبوعة على الصفحة». والعبارة المحورية هنا هي «من الناحية الفيزيائية.» فكما رأينا فيما سبق أن الرسالة لا تشتق من فيزياء وكيمياء الحبر والورق.
ويؤكد هذا الموقف “هيوبرت يوكي” Hubert Yockey كاتب أحد المقالات القوية بعنوان “نظرية المعلومات وعلم الأحياء” Information Theory and Biology قائلاً: «إن محاولات ربط فكرة الترتيب…. بالتنظيم أو التحديد البيولوجي هي لعب بالكلمات لا يصمد أمام الفحص الدقيق. فالجزيئات الضخمة المعلوماتية يمكنها أن تشفر رسائل وراثية. ومن ثم، تحمل المعلومات لأن تسلسل القواعد أو المتبقي من العملية الكيميائية لا يتأثر إلا قليلاً، أو لا يتأثر على الإطلاق بالعوامل الفيزيائية – الكيميائية». فالنص الوراثي لا يتولد من كيمياء الروابط بين الجزيئات.
ولكن إن كانت الروابط الكيميائية لا تصلح أن تكون تفسيراً، إذن ما البدائل المتاحة أمامنا؟ فلا يحتمل أن اللجوء الساذج إلى عمليات تشبه العمليات الداروينية بإمكانه أن يزودنا بالحل ما دمنا نتحدث عن أصل الحياة، وأياً كان ما يمكن للعمليات الداروينية أن تفعله، فمن الصعب جداً أن نتخيل كيف يمكن لهذه العمليات أن تسير في غياب الحياة. وذلك لأن الانتخاب الطبيعي يحتاج لعنصر قادر على نسخ نفسه وقادر على إحداث طفرة. وقد اقتبسنا آنفاً مقولة “ثيودوشس دوبجانسكي” الشهيرة: «التطور السابق لظهور الحياة عبارة متناقضة مع نفسها.» ورغم أنها تبدو للكثيرين الآن “قديمة الطراز”، فهي تحذرنا في استخدامنا لبعض المصطلحات مثل: “التطور الجزيئي” الذي يمكن أن يفهم على أنه يعنى أننا نفترض خفية أن العملية نفسها (إنتاج نسخ مماثلة من حيث إنها الوحيدة التي يمكن للانتخاب الطبيعي أن يعمل في وجودها ويؤثر فيها، وإلا تصبح المسألة كلها بلا معنى) بين أيدينا، ونحن نحاول أن نفسر وجودها. وقد أشار “جون بارو” John Barrow إلى أن “جيمز كلرك ماكسويل” قد لاحظ منذ عام 1873 أن الذرات كانت «تجمعات من الجسيمات المتماثلة التي لم يؤثر الانتخاب الطبيعي على خواصها. وهذه الخواص هي التي أتاحت إمكانية وجود الحياة».
إلا أن المحاولات مستمرة لحل معضلة أصل الحياة باستخدام الحجج الداروينية التي تعتمد فقط على الصدفة والضرورة. وعلينا الآن أن نتناول بعض المساهمات الرياضية في هذا الموضوع حتى نضع تلك المحاجات في سياقها المناسب.
[1] نموذج رياضي لكمبيوتر افتراضي (http://www.oxfronddictionaries.con/us/definition/american_english/Turing machin) تم الإطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015) (المترجم)
[2] يمكن الرجوع للمقال المشار إليه على (http://www.scientifieamerican.com/article/a-sim-pler.origin.for.life)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)
[3] السلسلة الرئيسية في جزيء البوليمر (“قاموس أكسفورد”). (المترجم)
لتطور أول كائن حي قادر على التكاثر أضحى أمراً في غاية الصعوبة.»
“أنتوني فلو”
تعقيد الخلية الحية
هدفنا الأول من هذا الفصل أن نتعلم قليلاً عما يميز الخلية الحية من تعقيد يفوق الخيال، ثم نركز انتباهنا على جانب واحد فيها، ألا وهو طبيعة تعقيد الـ DNA.
يرى عالم الوراثة “مايكل دنتون” Michael Denton أن الفارق بين العالم الحي والعالم غير الحي «يمثل أكبر وأعمق الفوارق في الطبيعة. فالفرق بين الخلية الحية وأكثر النظم غير الحية تنظيماً كالبلور أو رقائق الجليد فرق شاسع والهوة بينهما أعمق مما نتصور». وحتى أصغر خلايا البكتيريا التي يقل وزنها عن واحد على تريليون من الجرام تمثل «بحق مصنعاً متناهي الصغر يحتوي آلاف الآلات الجزيئية المعقدة ذات التصميم العجيب التي تتكون معاً من 100 ألف مليون ذرة تفوق في تعقيدها أحد الماكينات التي صنعها الإنسان ولا نظير لها على الإطلاق في العالم غير الحي».
ويقول “دنتون” علاوة على ذلك إن الدلائل التي تشير للتطور بين الخلايا نادرة جداً: «لقد كشف علم الأحياء الجزيئي أيضاً أن التصميم الأساسي لنظام الخلية واحد في كافة الأنظمة الحية على الأرض بدءًا من البكتريا وانتهاءً بالثدييات. والأدوار التي يؤديها كل من الـ DNA والحمض الريبوزي المرسل mRNA والبروتيني متماثلة في كل الكائنات. ومعنى الشفرة الوراثية أيضاً يكاد يكون متماثلاً في كل الخلايا. وحجم ماكينة تخليق البروتين وبنيتها وتصميمها تكاد تكون متماثلة في كل الخلايا. ولذلك، لا يمكن أن نعتبر أي نظام حيوي بدائياً أو سلفاً من حيث تصميمه البيوكيميائي الأساسي مقارنة بأي نظام آخر، ولم يثبت تجريبياً على الإطلاق وجود سلسلة تطورية بين مختلف الخلايا المتنوعة على وجه الأرض.»
ويؤيد هذه النظرة “جاك مونوه” Jacques Monod الحائز على جائزة نوبل ويستشهد به “دنتون” قائلاً: «ليست لدينا أدنى فكرة عن بنية أي خلية أولية. فأبسط النظم الحية المعروفة لنا، أي خلية البكتيريا…. في خريطتها الكيميائية العامة تماثل الخريطة الكيميائية لسائر الكائنات الحية جميعاً. فهي تستخدم نفس الشفرة الوراثية ونفس آلية الترجمة التي تستخدمها الخلايا البشرية مثلاً. ومن ثم، فأبسط الخلايا المتاحة للدراسة لا تتصف بأي شيء “بدائي”… ولا يمكن العثور على أي أثر لبنى بدائية بمعنى الكلمة».
وهكذا فالخلايا نفسها تعكس نوعاً من “السكون” يشبه فترات السكون في سجل الحفريات، كما أشرنا في الفصل السابق.
التعقيد غير القابل للاختزال:
يقول “بولس ألبرتس” Bruce Alberts رئيس “الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية” The National Academy of Sciences of the USA «دائماً ما كنا نحط من قدر الخلايا. رغم أن الخلية بأكملها يمكن رؤيتها كمصنع يحتوي على شبكة دقيقة من خطوط التجميع المتشابكة التي يتكون كل منها من مجموعة من ماكينات البروتيني الضخمة… ولماذا نطلق على تجميعات البروتين الضخمة التي تؤلف وظيفة الخلية اسم ماكينات البروتين؟ لأن تجميعات البروتين هذه تحوي فعلياً أجزاء متحركة عالية التناسق تماماً مثل الآلات التي تخترعها البشر للتعامل بفاعلية مع العالم المرئي بالعين المجردة.»
ومن الصعب أن نتصور النشاط بالغ التعقيد الذي يجري باستمرار داخل الخلية الحية التي تحوي في غشائها الدهني Lipid Membrane حوالي 100 مليون بروتين من 20 ألف نوع مختلف، ومن ذلك الخلية نفسها تكون شديدة الصغر حتى إنه يمكن وضع بضع مئات منها على نقطة حرف “ب”.
والخلية لا تتوقف عن الإنتاج، لأن خطوط تجميعها الكثيرة متناهية الصغر تنتج حصصاً لا حصر لها من آلات البروتين. وهذه الآلات الجزيئية ذات التركيب العجيب تمثل لبعض العلماء دليلاً قوياً على وجود ذكاء مصمم. ومن أبرزهم عالم الكيمياء الحيوية “مايكل بيهي” الذي عرض دراسة لهذه الآلات في كتاب أثار الكثير من المناقشات الساخنة. وهو يقدم مثال الموتور الصغير الذي يعمل بالحمض acid-driven motor (الذي اكتشف سنة 1973) الذي يدير سوط البكتيريا، وهو أداة تشبه ذراع التحريك تكمن البكتريا من السباحة، وهو يبين أن هذا الموتور متناهي الصغر الذي إذا رصصنا منه 35 ألفاً لن يساوي طورها إلا 1 ملم (0,04 بوصة) يتكون من حوالي أربعين جزءًا من البروتين تشتمل مثل أي موتور على جزء دوار، وجزء ثابت، وبطانات تقلل الاحتكاك، وعمود توجيه. ويقول “بيهي” إن غياب أي جزء من أجزاء البروتين هذه ينجم عنه فقدان الوظيفة الحركية بالكامل. وهو ما يعني أن الموتور معقد تعقيداً لا يقبل الاختزال Irreducibly complex، أي أنه «نظام واحد يتألف من عدة أجزاء متفاعلة شديدة التناسق تسهم في الوظيفة الأساسية حيث يؤدي نزع أي جزء إلى توقف النظام فعلياً عن القيام بوظيفته». ويشار إلى هذا المفهوم بنموذج مصيدة الفئران البسيط. فكل مكوناتها الخمسة أو الستة لا بد أن تتواجد حتى تقوم المصيدة بوظيفتها. وهو ما يعني، كما يشير “بيهي” «أنه لا يمكن إنتاج نظام معقد تعقيداً لا يقب الاختزال على نحو مباشر (أي بالتطوير المستمر للوظيفة الأصلية التي تظل تعمل بنفس الآلية) بتغيرات طفيفة متوالية في نظام سابق. لأن أي نظام يسبق نظاماً معقداً بشكل لا يقبل الاختزال ويفقد أحد أجزائه، هو نظام بطبيعته غير قابل للعمل».
والآن يتضح أن وجود آلات بيولوجية معقدة تعقيداً لا يقبل الاختزال يشكل تحدياً هائلاً أمام نظرية التطور، كما رأى داروين نفسه إذ كتب يقول: «إن ثبت وجود أي عضو معقد لم يتكون بالعديد من التغيرات الطفيفة المتوالية، فنظريتي ستنهار لا محالة». وقد أعاد “دوكينز” الفكرة عينها في كتابه “الساعاتي الأعمى” حيث يقول إنه إذا وجد مثل هذا الكائن سوف «يكف عن الإيمان بالداروينية».
ويرد “بيهي” على تحدي داروين بأنه يوجد الكثير من الآلات الجزيئية المعقدة تعقيداً لا يقبل الاختزال، مثل سوط البكتيريا. والآن يتضح من التعريف أن القول إن نظاماً بعينه معقد تعقيداً لا يقبل الاختزال يتطلب برهاناً على ما هو منفي، أي على نفي إمكانية الاختزال عن هذا النظام وإثبات عدم وجود أنظمة أبسط منه، وهو أمر شديد الصعوبة كما نعرف جميعاً. ولذلك تسبب “بيهي” (الذي يجب أن نشير إلى أنه لا يختلف عن داروين من حيث انحدار السلالات عن طريق حدوث تغيرات) في إثارة عاصفة من الجدل بزعمه أن «التطور الجزيئي لا يقوم على مرجعية علمية. فالإصدارات العلمية من المجلات المحترمة والمتخصصة والكتب لم ينشر فيها أي وصف يوضح كيف حدث فعلياً تطور جزئي لأي نظام كيميائي حيوي حقيقي معقد، ولا حتى كيف يحتمل أن يكون قد حدث. والبعض يؤكدون أن هذا التطور حدث، ولكن المؤكد قطعاً أن التجارب والحسابات ذات الصلة لا تؤيد أياً من هذه التأكيدات…. ورغم مقارنة السلاسل واستخدام النماذج الرياضية، فالتطور الجزيئي لم يتناول مطلقاً السؤال المتعلق بكيفية ظهور البنى المعقدة إلى الوجود. والحقيقة أن نظرية التطور الجزيئي الدارويني لم تنشر أيضاً أي شيء في هذا الصدد، وعليه لا بد أن يكون مصيرها الفناء».
ويعترف “جيمز شابيرو” James Shapiro أيضاً عالم الكيمياء الحيوية في جامعة شيكاغو بعد وجود أي شرح دارويني مفصل لتطور أي نظام كيميائي حيوي أساسي أو نظام خلية، كل ما هناك مجموعة متنوعة من التخمينات الرغبوية الحالمة. وحتى رأي “كافالير – سميث” Cavalier – Smith الذي يعتبر أشد الآراء نقداً لمزاعم “بيهي” يعترف بما يقوله “بيهي” عن عدم وجود نماذج كيميائية حيوية مفصلة.
ورغم عدم اتفاق “ستيفن جاي جولد” مع حجة “بيهي” فقد اعترف بأهمية مفهوم التعقيد غير القابل للاختزال: «إن العلم الكلاسيكي بميله لاختزال الأشياء إلى القليل من العوامل العلوية الضابطة حقق نجاحاً باهراً في الأنظمة البسيطة نسبياً مثل حركة الكواكب والجدول الدوري للعناصر. إلا أن الأنظمة المعقدة تعقيداً غير قابل للاختزال، أي معظم الظواهر المثيرة في علم الأحياء، والمجتمع البشري، والتاريخ لا يمكن تفسيرها بالطريقة نفسها. ولكننا نحتاج إلى فلسفات ونماذج جديدة لا بد ان تنبثق من اتحاد العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية بالمعنى التقليدي لكل منها». ومما يلفت النظر هنا أن “جولد” يتحدث عن فلسفات جديدة وليس مجرد منهجيات علمية جديدة، وهي أيضاً نقطة مهمة عند “بيهي”.
ويرى “بيهي” أن قصور التركيب الدارويني الحديث يرجع إلى عجزه حتى نظرياً عن تفسير أصل التعقيد غير القابل للاختزال. وهو يرى أن وجود التعقيد غير القابل للاختزال على مستوى الآلة الجزيئية يؤكد وجود تصميم ذكي: «من لا يشعر أنه مجبر على تقييد بحثه بالمسببات غير الذكية يخلص إلى نتيجة واضحة هي أن الكثير من الأنظمة الكيميائية الحيوية مصممة. ولم تصممها قوانين الطبيعة، ولا الصدفة، ولا الضرورة، بل جاءت وفقاً لخطة. أي أن المصمم كان يعرف الشكل الذي ستؤول إليه هذه الأنظمة عند اكتمالها، وبناءً على ذلك اتخذ الخطوات التي أتت بها للوجود. فالحياة على الأرض في مستوياتها الأساسية وفي مكوناتها الضرورية هي نتاج نشاط ذكي». ويؤكد “بيهي” علاوة على ذلك أن استنتاجاته تقوم بالطبع على البيانات، لا على كتب مقدسة ولا عقائد طائفية. فهي لا تتطلب قوانين جديدة منطقية أو علمية، ولكنها تنبثق من الأدلة التي تقدمها الكيمياء الحيوية مع الأخذ في الاعتبار الأسلوب المستخدم عادة في الاستدلال على التصميم. وهو زعم عظيم الأثر حتى إننا سنتناوله بمزيد من التفصيل لاحقاً.
ولكن قبل الخوض في ذلك وأثناء احتدام المعركة حول ما إذا كان “بيهي” قد تمكن من إثبات فكرته أم لا (وفي ضوء الوضع الحالي يبدو أن المعركة ستستمر لفترة طويلة)، ننتقل إلى ما يكمن وراء البنية المعقدة للآلات الجزيئية. وهو ما يقودنا فوراً لمسألة أصل الحياة نفسها.
لقد صيغت الكثير من النظريات المختلفة حول أصل الحياة. ومن أبرزها سيناريو “المستنسخ أولاً” Replicator first وسيناريو “الأيض أولاً” Metabolism first. وقد روج “ريتشارد دوكينز لأولى هاتين النظريتين في كتابه الأكثر مبيعاً “الجين الأناني” The Selfish Gene: «عند نقطة معينة تكون جزيء من نوع خاص جداً بالصدفة. وسنطلق عليه “المستنسخ” Replicator. ربما لم يكن أكبر الجزيئات الموجودة أو أعقدها، ولكنه كان يتمتع بالخاصية المتميزة من القدرة على إنتاج نسخ من نفسه». إلا أننا سنرى في الصفحات التالية أن هذا النموذج وغيره من النماذج التي تصف أصل الحياة أصبح غير وارد إطلاقاً في ضوء ما تم من أبحاث في السنوات الثلاثين الماضية منذ نشر كتاب “دوكينز”.
اللبنات الأساسية للحياة:
تتكون الآلات الجزيئية، مثل سوط البكتيريا، من البروتينات التي تتكون بدورها مما يطلق عليه غالباً اللبنات الأساسية للأنظمة الحية، ألا وهي الأحماض الأمينية التي يوجد عشرون منها في الكائنات الحية. ومن الأسئلة الجوهرية في علم الأحياء: كيف نشأت هذه الأحماض الأمينية؟
لقد رجح عالم الكيمياء الحيوية الروسي الشهير “إيه. آي. أوبارين” A. I. Oparin في العشرينات من القرن العشرين أن الغلاف الجوي للأرض البدائية Primeval Earth كان يتكون أساساً من الميثان، والأمونيا، والهيدروجين، وبخار الماء، وأن الحياة نشأت نتيجة التفاعلات الكيميائية بين هذا الغلاف الجوي والكيماويات الموجود في الأرض بمساعدة الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس وغيرها من مصاد الطاقة التي تحدث طبيعياً مثل البرق. وفي سنة 1952 أجرى طالب جامعي يدعى “ستانلي ميلر” Stanley Miller في الثانية والعشرين من عمره تجربة شهيرة في المعمل ليختبر زعم “أوبارين” حيث قام بتمرير شحنات تفريغ كهربي من خلال خليط كيميائي يحاكي الغلاف الجوي للأرض البدائية كما كان يعتقد. وبعد يومين وجد “ميلر” ناتجاً من الأحماض الأمينية يبلغ 2٪ والتجارب اللاحقة أنتجت تسعة عشر من الأحماض الأمينية العشرين اللازمة للحياة.
ومفهوم أن هذه التجارب حظيت بترحيب وحماس غير عادي باعتبارها حلاً لمشكلة أصل الحياة. وقد بدا وكأن اللبنات الأساسية للحياة يمكن الحصول عليها بسهولة نسبية بالعمليات الطبيعية غير الموجهة. إلا أن هذه النشوى تراجعت أمام ما تلى ذلك من صعوبات عسيرة نجمت عن فهم أعمق للكيمياء ذات الصلة بهذه التجارب.
وكان التحدث الأول أن الإجماع الذي اتفق عليه علماء الجيوكيمياء[1] من حيث تركيب الغلاف الجوي البدائي للأرض قد تغير. فهم الآن يعتقدون أنه لم يحتو على مقادير تذكر من الأمونيا أو الميثان أو الهيدروجين التي كانت تلزم لإنتاج غلاف جوي مختزل Reducing Atmosphere للغاية كما تتطلب فرضية “أوبارين”، ولكن الأرجح أنه تكون من النيتروجين، وثاني أكسيد الكربون، وبخار الماء. وتشير بعض الدلائل أيضاً إلى كميات ضخمة من الأكسجين الحر Free Oxygen. وهو ما يغير الصورة كلية لأن لدينا أسباباً نظرية وعملية تدعونا للاعتقاد باستحالة تكون الأحماض الأمينية في هذا الغلاف الجوي كما أكدت التجارب. فوجود الأكسيجين مثلاً من شأنه أن يمنع إنتاج الجزيئات الحيوية الضرورية، بل يضعف ما كان موجوداً منها بالفعل. أي أن الدلائل تشير باختصار إلى أن الغلاف الجوي للأرض البدائية يفترض فعلياً أن يكون معادياً لتكون الأحماض الأمينية.
والآن هب أننا نريد أن نصنع بروتيناً يحتوي على 100 حمض أميني (وهو بروتين قصير، حيث أن معظم البروتينات يبلغ طولها ثلاثة أضعاف ذلك على الأقل). والأحماض الأمينية توجد على هيئة شكلين غير متناظرين Chiral forms يمثل كل منهما صورة في المرآة للآخر يسميان الشكل L والشكل D. وهذا الشكلان يظهران بأعداد متساوية في التجارب التي تحاكي ما قبل ظهور الحياة، بحيث إن احتمالية الحصول على الواحد أو الآخر تعادل حوالي 1/2. إلا أن الغالبية الساحقة من البروتينات الموجودة في الطبيعية لا تحوي إلا الشكل L. ومن ثم، احتمالية الحصول على 100 حمض أميني من (الشكل L–acids) L تعادل (1/2)100 وهو يساوي نحو احتمال واحد من 3010. وثانياً ربط هذه الأحماض الأمينية ببعضها. وحتى يتمكن البروتين من أداء وظيفته يتطلب أن تكون كافة الروابط من الروابط الببتايدية Peptide حتى يطوى متخذاً بنيته الصحيحة ثلاثية الأبعاد. ولكن في تجارب محاكاة ما قبل ظهور الحياة لا تزيد الروابط الببتايدية عن نصف الروابط المتكونة. ولذلك، فاحتمالية تكون رابطة ببتايدية يعادل حولي 1/2، وبالتالي احتمالية الحصول على 100 حمض من الشكل L عشوائياً بالروابط الببتايدية تساوي نحو 1 من 6010. وفي كل أشكال الحياة المعروفة، الآلة الوراثية هي التي تبقى على كل من عدم تناظر الجزيئات والروابط وسلسلة الأحماض الأمينية لن تؤدي إلى الحالات المطوية ذات البنية الصحيحة ثلاثية الأبعاد القادرة على إعادة إنتاج نفسها التي لا غنى عنها في وظيفة الجزيئات.
والبروتين القصير بطبيعة الحال أقل تعقيداً من أبسط خلية حيث الاحتمالات تتضاءل بشكل كبير. إلا أن الاحتمالات الصغيرة التي حصلنا عليها في هذا الجزء شديدة الشبة بالاحتمالات التي سردناها في الجزء المتعلق بالضبط الدقيق للكون. فالمكونات الأساسية للحياة تبين دلائل نستنتج منها أن أجسامنا مضبوطة ضبطاً دقيقاً يناسب الحياة.
ويشير عالم الفيزياء “بول دافيز” إلى مشكلات خطيرة تتعلق بالديناميكا الحرارية فيما يختص بإنتاج السلاسل الببتايدية للأحماض الأمينية. فالقانون الثاني من الديناميكا الحرارية يصف الميل الطبيعية للأنظمة المغلقة إلى التدهور، وإلى فقد المعلومات والنظام والتعقيد، أي إلا زيادة الإنتروبيا. فالحرارة تنساب من السخونة إلى البرودة، والمياه تنساب من أعلى لأسفل، والسيارات تصدأ…. الخ، والقانون الثاني يتميز بسمة إحصائية، أي أنه لا يمنع الأنظمة الفيزيائية أن تسير “لأعلى”، أي عكس الاتجاه، منعاً مطلقاً، ولكن غالباً ما يحشد كل الظروف التي تحول دون حدوث ذلك. ويقول “دافيز”: «يُقدّر أن محلولاً مركزاً من الأحماض الأمينية، إذا ترك على طبيعته يحتاج إلى سائل بحجم الكون المرئي حتى يسير ضد التيار الديناميكي الحراري وينتج ببتايدا متعدداً Polypeptide صغيراً بشكل تلقائي. والواضح أن الخلط الجزيئي Molecular Shuffling العشوائي قليل الفائدة عندما يشير السهم إلى الاتجاه الخاطئ».
علاوة على ذلك أمامنا مشكلة أساسية تتعلق بالزمن حيث إن الزمن المتاح لحدوث مثل هذا “الخلط الجزيئي العشوائي» أقصر بكثير مما يظن الكثيرون. فالتقديرات الحالية تبين أن الوقت المتاح لنشأة الحياة صغير نسبياً، وهو أقل من مليار سنة بعد تكون الأرض، أي منذ حوالي 4,5 مليار سنة، ومع ذلك نشأة الحية بالفعل حيث وجدة بقايا بعض الكائنات الحية وحيدة الخلية في أقدم الصخور.
المشكلة الكبرة: أصل بنية البروتين:
ولكن حتى هذه التخمينات (وهي تحديات مهولة) تبدو ضئيلة نسبياً، بل تافهة مقارنة بالتحدي الأكبر. وهو ما يتعلق بكيفية بناء البروتينات من الأحماض الأمينية. وذلك لأن البروتينات لا تتكون ببساطة بخلط الأحماض الأمينية المناسبة بالمقادير الصحيحة كما نخلط حمضاً عضوياً مع قلوي لإنتاج ملح وماء. ولكن البروتينات هي تراكيب شديدة التخصص والتعقيد تتكون من سلاسل طويلة من جزيئات الحمض الأميني ولا يمكن إنتاجها ببساطة بحق الطاقة من المواد الخام اللازمة لبنائها.
ويعبر “بول دافيز” عن ذلك بشكل تصويري قائلاً: «صنع البروتين بمجرد حقن الطاقة أشبه بتفجير إصبع ديناميت تحت كومة من قوالب الطوب على أمل أين يُكون بيتاً. فيمكنك إطلاق قدر كاف من الطاقة لإنشاء الطوب، ولكن إن لم تمزج الطاقة بالطوب بطريقة مضبوطة ومنظمة، فلا أمل في إنتاج أي شيء سوى فوضى عارمة».
فإنتاج الطوب يختلف كلية عن تنظيم بناء بيت أو مصنع. فإن أردت أن تبني بيتاً، يمكنك أن تستخدم الحجارة التي وجدتها ملقاة هنا وهناك، بكل الأشكال والأحجام التي أصبحت عليها الحجارة نتيجة لمسببات طبيعية. إلا أن تنظيم البناء يتطلب شيئاً لا تحتويه هذه الحجارة. إنه يتطلب ذكاء المهندس المعماري ومهارة البناء. وهو ما ينطبق على اللبنات الأساسية للحياة. فالصدفة العمياء لا تستطيع أن تقوم بوظيفة وضع هذه اللبنات معاً بطريقة محددة. ويعبر عالم الكيمياء العضوية والأحياء الجزيئية “أ. ج. كيرنز-سميث” A. G. Cairns-Smith عن هذه الفكرة قائلاً: «الصدفة العمياء…. محدودة للغاية… فهي قادرة على إنتاج ما يعادل حروفاً وكلمات صغيرة بمنتهى السهولة، ولكن سرعان ما يظهر قصورها عندما يزداد مقدار التنظيم. وإضافة فترات زمنية طويلة وموارد مادية ضخمة لا يغير في الأمر شيئاً ولا يتيح للصدفة فرصاً أفضل».
ويستخدم “كيرنز – سميث” مشابهة الحروف والكلمات هنا وهو استخدام صائب جداً لأن الخاصية الجوهرية التي تميز البروتينات هي أن الأحماض الأمينية المكونة لها لا بد أن تكون في أماكنها الدقيقة في السلسلة. تخيل الأحماض الأمينية مثل عشرين “حرفاً” في “أبجدية” ما. والبروتين “كلمة” طويلة جداً في تلك الأبجدية حيث كل “حرف” (أي كل حمض أميني) لا بد أن يكون في مكانه الصحيح. أي أن ترتيب وضع الأحماض الأمينية في السلسلة هو العنصر الجوهري، فوجودها وحده لا يكفي، تماماً مثل كل حرف من حروف كلمة ما، أو كل نقرة على لوحة المفاتيح في أحد برامج الكمبيوتر التي يجب أن تكون في أماكنها الصحيحة حتى تعطي الكلمة معناها الصحيح أو حتى يعمل البرنامج. فلو تغير مكان حرف واحد فقط، تصبح الكلمة كلمة أخرى أو تصبح بلا أي معنى. ونقرة واحدة على مفتاح خاطئ في برنامج الكمبيوتر قد تتسبب في تعطيل عمل البرنامج.
وتتضح فكرة هذه الحجة من الاعتبارات البسيطة القائمة على الاحتمالات. فمن بين الكثير من أنواع الأحماض الأمينية المختلفة هناك عشرون حمضاً يصنعون البروتينات، وبحيث إن كان لدينا بركة مكونة من الأحماض العشرين، يكون احتمال الحصول على الحمص الأميني الصحيح في مكان محدد في البروتين 1/20. وبذلك يكون احتمال الحصول على 100 حمض أميني بالترتيب الصحيح (1/20)100 وهو ما يعادل حوالي 1 من 13010، وهو احتمال ضعيف للغاية.
ولكن هذه ليست إلا البداية، بل بداية في منتهى التواضع. وذلك لأن هذه الحسابات تقتصر على بروتين واحد. ولكن الحياة كما نعرفها تتطلب مئات الآلاف من البروتينات، وقد قدر أن احتمالات عدم إنتاج هذه البروتينات بالصدفة تزيد عن 4000010 إلى 1. وقد اشتهر عن السير “فرد هويل” مقارنته بين هذه الاحتمالات المضادة لتَكَوّن الحياة تلقائياً واحتمالات تَكوّن طائرة طراز بوينج 747 نتيجة لهبوب إعصار على ساحة خردة.
وهذا التصوير ليس سوى نسخة مطورة مما أشار إليه شيشرون حوالي سنة 46 ق.م. عندما اقتبس من بالبوس Balbus الرواقي الذي رأى بكل وضوح التحديات البالغة المرتبطة بإرجاع أصل الشيء إلى الصدفة في اللغة مثلاً: «لو ألقينا عدداً لا نهائياً من النسخ لحروف الأبجدية الواحد والعشرين المصنوعة من الذهب أو أي مادة تحلو لك في حاوية ما، ورججناها ثم ألقينا بها على الأرض، هل من الممكن أن تنتج ملحمة “حوليات إنيوس” Annals of Ennius؟ أشل أن الصدفة يمكنها أن تنجح في إنتاج بيت شعري واحد». صحيح. إن الصدفة العمياء لا تستطيع أن تفعل ذلك، وهو رأي يلقى قبولاً واسعاً بين العلماء سواء أكانوا مؤمنين بالفلسفة الطبيعية أم لا. ولكن ما زال علينا أن نذكر عنه المزيد فيما يلي.
سيناريوهات التنظيم الذاتي:
يحظى مفهوم التنظيم الذاتي بمزيد من الجاذبية بوصفه حلاً لمشكلة أصل الحياة. فمثلاً، يرى “إيليا بريجوجين” Ilya Prigogine الحائز على جائزة نوبل وكذلك “إيزابل ستنجرس” Isabelle Stengers أن الترتيب والتنظيم يمكن أن ينشأ تلقائياً من الفوضى والتشوش. ونوع الفوضى الذي يعنهما هو ذلك الذي يظهر في أنظمة الديناميكا الحرارية التي تبتعد بعيداً عن التوازن وتبدأ في الإتيان بسلوك لاخطي non-linear behavior بحث إن أي تغير طفيف في المدخلات يمكن أن تثير عواقب كبرى لا تتناسب مع حجم هذا التغير. وأشهر مثال على هذه الفكرة هو الظاهرة المعروفة باسم “تأثير الفراشة” Butterfly effect حيث رفرفة جناحي الفراشة في إحدى مناطق العالم تطلق سلسلة من الأحداث التي تثير عاصفة مدارية في منطقة أخرى. وهذه الأنظمة التي تتميز بشدة حساسيتها للتغيرات التي تطرأ على الأوضاع الأصلية، مما يجعل التنبؤ بها أمراً مستحيلاً بطبيعة الحال، كالطقس مثلاً، يطلق عليها الأنظمة الفوضوية Chaotic Systems. ويبين “بريجوجين” أن الأنماط المنظمة غير المتوقعة يمكن أن تنتج دون توقع. ومن أفضل الأمثلة على ذلك الحمل الحراري المعروف باسم “ريلي بنار” Rayleigh–Benard Convection حيث الحرارة التي تسري في انسيابية خلال سائل تتحول فجأة إلى تيار حمل حراري يعيد تنظيم السائل بحيث يظهر نمط على هيئة قرص عسل النحل مكون من خلايا سداسية، وشكله يماثل التكوينات الصخرية الشهيرة في “ممر العمالقة” Giant’s Causeway بإيرلندا الشمالية.
ومن الأمثلة الأخرى التي تشيع الاستشهاد بها تفاعل بلوسوف جابوتينسكي Belousov-Zhabotinski الذي يظهر فيه كسر للتناظر Symmetry braking ولكنه كسر زمني Temporal وليس مكانياً Spatial. وتحدث هذه الظاهر مثلاً عند أكسدة حمض المالونيك بواسطة برومات البوتاسيوم بمساعدة محفزين مثل كبريتات السيريوم والفريون Ferroin. وإن وضع الخليط على درجة حرارة نحو 25 مئوية (77 فارنهاريت) مع التقليب المستمر سيظل لونه يتغير من الأحمر إلى الأزرق بفاصل زمني حوالي دقيقة بين كل تغير والآخر بحيث يعمل التفاعل وكأنه ساعة كيميائية بفترة زمنية منتظمة بشكل مذهل. وهو تفاعل مبهر حتى إنه يمكن شرحه بأسلوب وصفي في منتهى البساطة.
فلنتخيل إذن تفاعلاً حيث المادة (أ) تتحول إلى المادة (ب). وهو ما نعبر عنه بالشكل التالي:
1 – أ >> ب
ثم نفترض أن هذا التفاعل يعقبه تفاعل ثان يطلق عليه تفاعل ذاتي التحفيز Autocatalytic:
2 – أ + ب >> 2ب
حيث (ب) مادة محفزة بما أن كل جزيء في (ب) على اليمين يعاود الظهور على اليسار. ولكن الكمية الناتجة من (ب) أكثر من الكمية التي بدأنا بها بحيث إن سرعة التفاعل الثاني تعتمد على كمية الناتج المتكون، وبذلك نحصل على حلقة ارتجاع إيجابية Positive feedback Loop تسرع من التفاعل، ومن هنا أتى مصطلح ذاتي التحفيز. والآن سنزيد الموقف تعقيداً وإثارة بإضافة تفاعلين آخرين:
3 – ب + ج >> 2ج
4 – ج >> د
والتفاعل الثالث هو تفاعل آخر ذاتي التحفيز، ولكنه هذه المرة ينقص كمية (ب)، وهو بذلك يعمل في الاتجاه المعاكس للتفاعل الثاني. ويمكننا أن نتخيل أن التفاعل الرابع ينتج مادة مهدرة هي (د). والمكونات النهائية التي نحتاجها لإكمال الصورة هي مؤشر يتحول إلى اللون الأحمر في وجود (ب) وإلى الأزرق في وجود (ج). الآن نبدأ التفاعل بحيث يكون تركيز (أ) أعلى من تركيز (ج). وبما أن سرعة التفاعل تتناسب مع تركيزات المواد المتفاعلة، ففي البداية سيسيطر التفاعل الثاني على الثالث. ومن ثم، سيرتفع تركيز (ب) وسيكون لون الخليط أحمر. ولكن التفاعل الثالث ذاتي التحفيز سيحتل مكانه في النهاية ويقلل تركيز (ب) ويتحول اللون إلى الأزرق بسبب سيطرة (ج). ولكن الآن يظهر التفاعل الرابع على الساحة ويتغلب على (ج)، وهكذا تعود (ب) للسيطرة مرة أخرى ويتغير اللون ثانية. وستتوقف العملية عندما تنفذ (أ) أو تعطل (د) النظام. ويمكننا بالطبع أن نجعل العملية تستمر، أي أن نحافظ على النظام بعيداً عن التوازن، وذلك بإضافة المزيد من (أ) واستبعاد (د).
وهكذا، في كل من هذه الأنظمة يتولد نوع من الترتيب، ويعتقد البعض أن هذه العمليات يمكن أن تعرفنا بكيفية نشأة الحياة.
وعلى صعيد مشابه يقترح “روبرت شابيرو” Robert Shapiro وغيره سيناريو أولياً لأصل الحياة يقوم على “الأيض” أو “الجزيء الصغير”، أي سيناريو لا يحوي من البداية آلية وراثية، ومن ثم يشتمل على جزيئات صغيرة وليس جزيئات كبيرة حاملة للمعلومات مثل DNA أو RNA. ويتحدث “شابيرو” عن بدء «نوع من الحياة…. يعرّف بأنه إنتاج نظام أكبر من مواضع محددة بواسطة دورات كيميائية تسير بتدفق من الطاقة». إلا أن “لسلي أورجل” Leslie Orgel، وهو أحد خبراء أصل الحياة البارزين، أجرى تقييماً تحليلياً دقيقاً لهذه الدورات، ولا سيما فيما يختص بأبحاث “كوفمن”. وهو يبني حجته على أساس كيميائي ويقول إن وجود هذه الدورات غير معقول أساساً. وقد كتب قائلاً: «واضح أن وجود سلسلة من التفاعلات المحفزة التي تشكل دورة ذاتية التحفيز شرط أساسي لاستمرار عمل الدورة، إلا أنه ليس شرطاً كافياً. فمن الضروري أيضاً تفادي التفاعلات الجانبية التي تعطل الدورة. وليس من المستحيل تماماً وجود محفزات معدنية محددة كافية لكل تفاعل في دورة حمض الستريك العكسية Reverse Citric Acid Cycle، إلا أن احتمالية حدوث مجموعة كاملة من هذه المحفزات في موضع واحد على الأرض البدائية في غياب المحفزات التي تنتج تفاعلات جانبية معوقة تبدو أمراً بعيداً بما لا يقال. وعندئذ قد يكون عدم التحديد وليس قلة التحفيز من أي نوع تقريباً.» ثم يستطرد قائلاً: «ما الذي يدعو المرء ليصدق أن مجموعة من المعادن القادرة على تحفيز كل خطوة من الخطوات الكثيرة في دورة حمض الستريك العكسية وجدت في أي مكان ما على الأرض البدائية، أو أن الدورة نظمت نفسها تضاريسياً بشكل سرى غامض على سطح معدني من الكبريتيد؟»
وهو يقول في تعليق لافت للنظر على إحدى الدارسات المتعلقة بالتنظيم الذاتي الكيميائي: “غاديري” Ghadiri وزملاؤه…. أظهروا التنظيم الذاتي في شبكات تفاعلات الإدماج Ligation reactions عند استخدام أكثر من اثنين من مدخلات الببتايد المصممة بدقة. ولكن هذه النتائج لا تؤيد نظرية “كوفمن” إلا إذا أمكن تفسير تركيبات ما قبل ظهور الحياة Prebiotic synthesis من الروابط الببتايدية المحددة من نوع 15mer وكذلك 17mer الناتجة عن الأحماض الأمينية المونومر Monomeric amino acids. وإلا تصبح تجارب “غاديري” تعبيراً عن “التصميم الذكي” للمدخلات الببتايدية، وليس تعبيراً عن التنظيم الذاتي التلقائي للأحماض الأمينية المبلمرة Polymerizing amino acids... ولا يمكن لأي من هذه الاحتمالات أو غيرها مما هو مألوف لدي أن يفسر كيفية نشأة عائلة من الدورات المعقدة المتشابكة القادرة على التطور، ولا أن يفسر ما يحافظ على استقرارها.»
والخلاصة التي يتوصل إليها هي أن «التركيبات التي تكونت في فترة ما قبل الحياة Prebiotic Syntheses التي خضعت للبحث التجريبي تؤدي في كل الحالات تقريباً إلى تكوين أنواع من الخليط المعقد. ومخططات تكرار إنتاج البوليمرات Polymer Replication المقترحة لا يحتمل أن تنجح إلا في وجود مدخلات نقية بما يكفي من المونومرات. فلا يمكن العثور على حل لمشكلة أصل الحياة إلا إذا أغلقت الفجوة بين نوعي الكيمياء. وتبسيط أنواع الخليط الناتجة عن طريق التنظيم الذاتي لسلاسل التفاعلات العضوية، سواء أكانت في صورة دورة أم لا سيكون عظيم الفائدة، تماماً مثل اكتشاف البوليمرات البسيطة جداً القابلة للتكرار. إلا أن الحلول التي يقترحها مؤيدو سيناريوهات الوراثة أو الأيض التي تعتمد على كيمياء افتراضية وهمية لن تفيد».
جوهر المشكلة:
إن الموقف القائل بأن هذه العمليات حتى وإن كانت قد حدثت بالفعل رغم كل العوائق التي يفترضها الكيميائيون تعطينا فكرة نوعاً ما عن أصل الحياة نفسها لا بد أن يصادف في النهاية تحديات أكبر بكثير تتعلق بطبيعة التعقيد الذي يظهر في بنية البروتينات التي ذكرناها في نهاية الجزء السابق. وذلك لأن جوهر المشكلة لا يكمن في إنتاج نوعية التنظيم الذي نراه في بلورة أو قرص عسل أو حتى تفاعل بلوسوف جابوتينسكي. ولكنه تنظيم ينتج بنى مختلفة نوعياً كالتي نراها في المنتجات اللغوية التي تتكون بتنظيم معقد للأحماض الأمينية المكونة للبروتين. ويعبر “بول دافيز” عن الفرق بكل وضوح قائلاً: «الحياة فعلياً ليست نموذجاّ للتنظيم الذاتي. ولن الحقيقة أن الحياة محددة، أي أنها تنظيم موجه وارثياً. فالكائنات الحية تتلقى تعليماتها من البرنامج الوراثي المشفر في الـ DNA (أو الـ RNA) الخاص بها. وخلايا الحمل الحراري تتكون تلقائياً بواسطة التنظيم الذاتي. ولكن خلية الحمل الحراري ليس لها جين وارثي. فمصدر التنظيم ليس مشفراً في برنامج، ولكن يمكن إرجاعه إلى الشروط الحدثة Boundary Conditions في السائل… أي تنظيم خلية الحمل الحراري مفروض عليها من الخارج، من بيئة النظام. وعلى العكس من ذلك، تنظيم الخلية الحية يشتق من ضبط داخلي…. فنظرية التنظيم الذاتي الذي ما زال يشتمل على بنى بسيطة نسبياً حتى في أعقد النماذج غير البيولوجية إلى التنظيم الوراثي للكائنات الحية الذي يقوم على المعلومات ويتميز بشدة تعقيده.»
ويعبر “ستيفن ماير” عن المسألة على هذا النحو: «أصحاب نظريات التنظيم الذاتي يجيدون شرح ما لا يحتاج إلى شرح. فما يحتاج إلى شرح ليس أصل التنظيم… بل أصل المعلومات». إن مفهوم المعلومات هو جوهر المشكلة، وهو ما لا بد أن ينصب عليه اهتمامنا في معظم الجزء المتبقي من الكتاب.
واحد من أبرز العلماء المشتغلين بأصل الحياة، وهو “لسلي أورجل” أوجز الموقف قائلاً: «لدينا الكثير من النظريات المعقولة عن منشأ المادة العضوية على الأرض البدائية، ولكن ما من نظرية واحدة تقدم دلائل مقنعة. ولدينا كذلك عدة سيناريوهات تفسير التنظيم الذاتي في كيان قادر على إعادة إنتاج نفسه من المادة العضوية السابقة لظهور الحياة، ولكن كل هذه السيناريوهات ذات الصياغة الجيدة تقوم على تكوينات كيميائية افتراضية تمثل مشكلة في ذاتها».
ومن ثم، يردد “أورجل” رأي “كلاوس دوس” Klaus Dose وهو أيضاً من أبرز العاملين في أبحاث أصل الحياة الذي خلص قبل “أورجل” بعشر سنوات إلى أن: «أكثر من ثلاثين سنة من التجريب في أصل الحياة في مجالي التطور الكيميائي والجزيئي زودتنا بفهم أفضل لضخامة مشكلة أصل الحياة على الأرض بدلاً من أن تزودنا بحل لها. وفي الوقت الحالي كل المناقشات المختصة بالنظريات والتجارب الرئيسية في المجال ينتهي بها الأمر إما إلى طريق مسدود أو الاعتراف بجهلها».
والسير “فرانسيس كريك” الذي لا يعرف عنه إيمانه بالمعجزات كتب يقول: «يبدو أن أصل الحياة معجزة، فالشروط اللازم توافرها للحياة كثيرة للغاية».
وكل هذا يقود المرء إلى الاعتقاد بأن حكم “ستيورات كوفمن” من “معهد سانتا فيه” Santa Fe Institute في محله: «أي شخص يخبرك أنه يعرف كيف بدأت الحياة على الأرض منذ حوالي 3،45 مليار سنة إما أحمق أو مخادع. لا أحد يعلم». وقد صرح بعده “فرانسيس كولينز” بالرأي نفسه قائلاً: «ولكن من الإنصاف أن نقول إننا في الوقت الحالي لا نعرف. فليست لدينا فرضية واحدة حتى الآن تقترب من تفسير ما قامت به بيئة ما قبل الحياة التي وجدت على كوكب الأرض من إنشاء الحياة في غضون 150 مليون سنة فقط. وهو ما لا ينفي وجود فرضيات منطقية، ولكن الاحتمالية الإحصائية لقدرتها على تفسير نشأة الحياة ما زالت ضعيفة للغاية».
[1] Geochemistry هو العلم الذي يعنى بدراسة التركيب الكيميائي للأرض وصخورها ومعادنها (المترجم).