دوافع الكتابة وطرق التعبير عند الآباء – مدخل إلى علم الآباء

دوافع الكتابة وطرق التعبير عند الآباء – مدخل إلى علم الآباء

دوافع الكتابة وطرق التعبير عند الآباء – مدخل إلى علم الآباء

دوافع الكتابة وطرق التعبير عند الآباء – مدخل إلى علم الآباء

هناك عدة دوافع للكتابة عند آباء الكنيسة نذكر أهمها :

1 ـ الكرازة وتفسير الكتاب المقدس وشرحه للشعب .
2 ـ مقاومة الهرطقات واثبات خطأها والرد على التعاليم المُضلة .
3 ـ التعبير عن الخبرات الروحية .
4 ـ العبادة وتمجيد الثالوث بواسطة الصلوات والتضرعات ، سواء المسجلة فى قداسات الكنيسة وتسابيحها أو فى الصلوات الخاصة .
5 ـ تسجيل حياة الشهداء والقديسين وذكر جهادهم وفضائلهم .

 

طرق التعبير عند الآباء :

عبّر الآباء عن لاهوتهم بوسائل أدبية متنوعة ، ولقد استخدموا هذه الأنواع لأجل خدمة المؤمنين ونموهم الروحى وليس تمسكًا بالشكل الأدبى. فقد أدخلوا المناقشات العقائدية فى رسائلهم . كما أدخلوا الإرشاد الروحى فى تفاسيرهم للكتاب المقدس ، وبهذا تجاوزوا الشكل الأدبى وحرفية أنماط الكتابة .
وهناك أنواع أدبية استخدمها الآباء فى كتاباتهم هى الآتية :

1 ـ الرسائل :

لقد أصبح فن كتابة الرسائل فنًا أدبيًا عند الآباء لذلك فلقد اتخذ منذ اللحظة الأولى مكانًا مرموقًا فى الأدب الكنسى ويمكن تصنيف الأشكال التى أخذتها الرسائل على النحو التالى :

أ ـ رسائل موجهة إلى الحكام .
ب ـ رسائل للتنظيم الكنسى .
جـ ـ رسائل للتعزية .
د ـ رسائل تعليمية .
هـ ـ رسائل لاهوتية .
و ـ رسائل دفاع عن مواقف شخصية وخاصة فى مواجهة الهرطقات .
ز ـ رسائل فصحية .
ح ـ رسائل فى مواضيع اجتماعية .

 

2 ـ المواعظ :

ازدهر فن الوعظ بانتشار المسيحية ووصل إلى عصره الذهبى فى القرنين الرابع والخامس حين صارت المواعظ حية وواضحة وقوية ، وبعد القرن الخامس ضعف فن الوعظ والخطابة بعض الشئ ، ولكن بقيت الطريقة التبشيرية هى الطريقة المثلى ، والتى تبتغى بناء المؤمنين روحيًا وعقائديًا ، وكانت تحوى : تفسيرات للكتاب المقدس ، ومواعظ فى الأعياد، ومدائح للقديسين ، ومراثى ، وتعليم عقائدى .

 

3 ـ النصوص العقائدية :

بعد أسفار العهد الجديد تأتى قوانين الإيمان التى كانت تتلى عند المعمودية ، تالية لها فى الأهمية . ففى كل كنيسة محلية كان هناك قانون إيمان خاص بها يُعطى للموعظين الذين يعدون للمعمودية ، وكل هذه القوانين الإيمانية كان لها محتوى عقائدى واحد ومحتوى روحى واحد ، وبعد ذلك اصبحت بعض هذه القوانين المحلية رسمية بعد الاعتراف بها فى المجامع المسكونية .

 

4 ـ النصوص الليتورجية :

تحتوى النصوص الليتورجية التى تستعملها الكنائس منذ القرون الأولى ثلاث عناصر :

أ ـ العنصر الأول هو الشكر والتسبيح .
ب ـ العنصر الثانى هو التضرع والابتهال .
جـ ـ والعنصر الثالث هو التعليم .

 

5 ـ الشعر فى كتابات الآباء :

الشعر الكنسى نوعان :

أ ـ شعر ليتورجى .
ب ـ شعر غير ليتورجى .

الشعر الليتورجى هو الذى نراه فى التسابيح الليتورجية المنظومة فى الأبصلمودية كالإبصاليات والتذاكيات وغيرها، أما الشعر غير الليتورجى فهو تأملى ، وينشأ لظروف خاصة حسب الموهبة وحسب الاحتياجات الروحية للأب أو للمؤمنين على أن يكون مضمون هذه الأشعار متفقًا مع إيمان الكنيسة .
وتنوع الترنيم بالشعر الكنسى ، يشير إليه الرسول بولس بقوله :

” لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى وأنتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعضًا بمزامير وتسابيح وأغانى روحية بنعمة مترنمين فى قلوبكم للرب ” (كو16:3) .

6 ـ القوانين الكنسية :

 

بما أن الحاجة صارت ماسة لتنظيم الكنيسة وعبادتها الجمهورية فقد ظهرت كتابات خاصة بهذا الأمر أخذت فيما بعد شكل القانون ، وهذه الكتابات تستخلص قواعد ومبادئ للقانون الكنسى من الكتاب المقدس ، ومن النصوص الليتورجية .
وأهم مجموعات القانون الكنسى التى تعترف بها الكنيسة القبطية هى :

أ ـ الدسقولية (تعاليم الرسل) وتلحق بها الديداكى (تعاليم الرب) وباقى النصوص التى يربطها التقليد بالرسل .
ب ـ قوانين الرسل وهى غير الدسقولية .
جـ ـ قوانين المجامع المسكونية الثلاث (نيقية والقسطنطينية وأفسس) .
د ـ قوانين المجامع المكانية .
هـ ـ قوانين بعض الآباء .

 

7 ـ التفاسير :

انتشر فى العصور الأولى للكنيسة منهجان فى تفسير الكتاب المقدس كان لهما شهرة كبيرة :
أ ـ المنهج الرمزى فى التفسير وخاصة فى تفسير العهد القديم ، الذى قام به علماء مدرسة الاسكندرية اللاهوتية مثل كليمندس وأوريجينوس . وقد استخدم أوريجينوس هذا المنهج بهدف الوعظ الروحى .
ب ـ المنهج التاريخى أو الحرفى : وقد اشتهرت به مدرسة إنطاكية اللاهوتية .

 

8 ـ التأريخ :

يعتبر سفر أعمال الرسل هو أول محاولة لكتابة تاريخ المسيحية بعد صعود المسيح وقد وصل كاتب السفر ، القديس لوقا البشير ، فى نهاية السفر إلى وصول الرسول بولس أسيرًا إلى روما وكرازته لليهود هناك ولكنه لم يضع خاتمة للسفر ولهذا اعتبرت الكنيسة أن جهاد خدامها بعد عصر الرسل هو استمرار لأعمال الرسل فى العالم .
ولكن التأريخ للأحداث الكنسية انقطع بسبب الاضطهادات التى توالت على الكنيسة بلا هوادة منذ نيرون فى سنة 65 م وحتى دقلديانوس فى بداية القرن الرابع . ولكن بعد تنصر قسطنطين تهيأت الفرصة مرة أخرى لكتابة تاريخ المسيحية ، فقام يوسابيوس القيصرى بكتابة أول تاريخ شامل للمسيحية منذ البداية وحتى القرن الرابع وهو الكتاب المشهور بـ ” تاريخ الكنيسة ” .
وأتت بعد تاريخ يوسابيوس كتب التاريخ الكنسى لسقراط وسوزمينوس وثيودورتيوس وإيرينيموس بكتابه المعروف ” مشاهير الرجال ” .
وهناك نوع آخر من التأريخ وهو تدوين سير الشهداء بعد استشهادهم لتكون مادة لبنيان المؤمنين ، وكذلك كتابة سير القديسين وأعمالهم وجهادهم.

 

9 ـ الكتابات اللاهوتية :

من أبرز الأنواع الأدبية فى كتابات الآباء هى الكتابات ذات الصبغة اللاهوتية ، وتتخذ هذه الكتابات أشكالاً متنوعة فى معالجتها للعقائد اللاهوتية .

أ ـ العرض المتسلسل للأفكار سواء للأب أو المبتدع .
ب ـ شرح العقيدة بطريقة السؤال والجواب .
جـ ـ دحض البدع بكشف الانحراف فى تفسير آيات الكتاب المقدس .

إتباع الآباء – مدخل إلى علم الآباء

إتباع الآباء – مدخل إلى علم الآباء

إتباع الآباء – مدخل إلى علم الآباء

إتباع الآباء – مدخل إلى علم الآباء

الآباء هم امتداد للرسل. لأن الرسل سلموا الوديعة إلى الآباء، والآباء هم الذين قاموا بتوصيل إيمان الرسل إلى الكنائس وقاموا بشرحه وتثبيته والدفاع عنه. ولذلك فإن إتباع الآباء أمر ضرورى لكل المؤمنين خاصة وأن لهم الإيمان الواحد رغم اختلاف الثقافات والمواهب والظروف مع بُعد المسافات بينهم. يقول القديس أثناسيوس الرسولى فى دفاعه عن قانون إيمان نيقية: ” قد اظهرنا أن فكرنا قد سُلم من أب إلى أب، أما أنتم أيها اليهود الجدد (1) وتلاميذ قيافا فإلى أى أب من الآباء تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم”.

ويتحدث عنهم أغسطينوس قائلاً: ” تمسكوا بما وجدوه فى الكنيسة، عملوا بما تعلموه، وماتسلموه من الآباء أودعوه فى أيدى الأبناء (2). وفكرة الإتباع هذه كانت تتردد كثيرًا فى المجامع المسكونية، إذ كانوا يكررون القول: ” نحن نتبع الآباء القديسين “. ولكن مع هذا فالكنيسة لا تؤمن بعصمة الآباء فى آرائهم الشخصية للموضوعات غير العقيدية. فقبول الكنيسة لأى تعليم من التعاليم الإيمانية من أحد الآباء أو الكُتّاب الكنسيين لابد أن يتوفر له مايلى:

  1. أن يكون مستندًا إلى تعليم الكتاب المقدس كما فهمه الآباء السابقون.
  2. وأن يكون تعليمه فى العقيدة متفقًا مع غيره من الآباء السابقين. فاتفاق الآباء الإجماعى فيما يخص العقيدة يعتبر هو المقياس للعقيدة السليمة. أما آراء الآباء الشخصية سواء فى موضوعات تفسيرية أو روحية فهى تبقى آراء خاصة بكل واحد منهم وليست مُلزمة للمؤمنين.
  3. وأن يكون متوافقًا مع اختبار ملء جماعة المؤمنين بقيادة الأسقف الملتئمين حول الإفخارستيا، حيث يحل الروح القدس على الكنيسة العابدة ويرشد الجماعة كلها إلى الحق حسب وعد المسيح (أنظر يوحنا 13:16).

هذا وإتباع الآباء لايكون بحفظ اقوالهم والاستشهاد بها، أو دراسة حياتهم وتفاصيلها فقط، إنما يكون بالإقتداء بحياتهم والسير حسب تعاليمهم. إتباع الاباء هو قاعدة الإيمان التى بها نحارب الضلال والرأى الفاسد لأننا نلجأ إلى خبرة الحياة فى المسيح. إتباع الآباء ليس تعلقًا بشخصيات تاريخية أو برجال عظام ينتمون إلى هذا العالم، وليس عودة إلى القديم ولا تعلقًا بتاريخ مجيد، ولا تمسكًا بتقليد خارجى لاقيمة له اليوم، إنما هو إتباع لكيفية المشاركة الإنسانية فى النعمة الإلهية.

هذا يعنى أن كتاباتهم وثيقة الصلة بعصرنا لأنها تتجاوز الماضى. صحيح أن كل أب يعبر بلغة العصر الذى عاش فيه إلاّ أن عمله يبقى ذا قيمة تتجاوز عصره، لأنه عاش تقليد الكنيسة بطريقة ديناميكية حية وأمتلأ فى حياته بنور الروح القدس. لذلك فإن إتباع تعاليم الآباء يقودنا إلى الخلاص، فهم قد جاهدوا من أجل خلاصهم وخلاص إخوتهم كما فعل المسيح الذى بذل نفسه من أجل خلاص الجميع.

 

هوامش: 

(1) يقصد باليهود الجدد، الآريوسيين.

(2) St. Aug.: Contra Julian. 11:9 عن كتاب الآباء الرسوليون ـ للقمص تادرس يعقوب ص 15.

إتباع الآباء – مدخل إلى علم الآباء

أبوليناريس أسقف هيرابوليس Apollinaris of Hierapolis

أبوليناريس أسقف هيرابوليس Apollinaris of Hierapolis

أبوليناريس أسقف هيرابوليس Apollinaris of Hierapolis

أبوليناريس أسقف هيرابوليس Apollinaris of Hierapolis

كان كلاوديوس أبوليناريس أسقفاً لهيرابوليس، مدينة بابياس، في عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس (161-180م). ويقول عنه يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 27): “من بين كتابات أبوليناريس الكثيرة والتي حفظت على نطاق واسع، وصلتنا الكتابات التالية: مقالة موجهة إلى الأمبراطور سابق الذكر ماركوس أوريليوس، خمسة كُتب ضد اليونانيين، وكتابان عن الحق، وكتابان ضد اليهود، ثم بعد هذا المقالة التي كتبها ضد هرطقة الفيرجيين (المونتانيين) والتي كانت قد قامت منذ وقت ليس بطويل، ثم بدأت حينها في النمو حيث كان مونتانوس مع نبياته الكاذبات، يضعون بداية الضلالة”.

ولم يبق لدينا أي كتاب من هذه الكتب التي ذكرها يوسابيوس، والأمر نفسه صحيح بالنسبة لعمل آخر لأبوليناريس لم يذكره يوسابيوس، لكنه كان معروفاً لكاتب كتاب “Chronicon paschale”. وقد كان عنوان هذا العمل هو “عن الفصح”. (##) والاقتبسان اللذان يستشهد بهما كاتب الـ (Chronicon) توحيان بأن أبوليناريس كان ضد الموعد الأربعشري للفصح[1].

[1] أي الاحتفال بالفصح في الرابع عشر من شهر نيسان بغض النظر عن كونه أي يوم من أيام الأسبوع (المراجع).

أبوليناريس أسقف هيرابوليس Apollinaris of Hierapolis

هرمياس Hermias

هرمياس Hermias

هرمياس Hermias

هرمياس Hermias

هناك عمل آخر ذو طبيعة دفاعي يجب علينا أن نذكره هنا، هو العمل المعروف بعنوان: “السخرية من الفلاسفة الدنسين”، الذي كتبه شخم ما يدعى “هرمياس” (Hermias) [1] ويحاول هرمياس في عشرة الفصول التي يتكون منها هذا الكتاب أن يظهر تفاهة الفلسفة اليونانية بالتهكم عليها، مظهراً تناقض تعاليمها فيما يتعلق بجوهر الله، والعالم، والنفس. ولا يعرف أي شيء عن شخص الكاتب حتى اليوم، وسيكون من الخطأ أن نفترض أنه كان فيلسوفاً متخصصاً، فهو لا يدين بمعرفته الفلسفية إلى دراسة مكثفة للفلسفة القديمة، لكنه يستمدها من الملخصات الشعبية الخاصة بالفلسفة. وعمله في الأساس ساخر لا تعليمي.

ولم يرد ذكر هذا العمل الساخر في أي موضع في الأدب المسيحي القديم، ولهذا السبب من المستحيل تحديد زمن كتابته، خاصة لأن المحتوى لا يزودنا بأي معلومات يمكن لها أن تساعدنا. وتختلف الآراء فيما بين عام 200م إلى 600م، لكن إذا حكمنا على أساس الأدلة الداخلية، سيكون القرن الثالث الميلادي هو الزمن الأرجح للكتابة. والمقالة موجودة في ست عشرة مخطوطة، واحدة منها فقط ترجع إلى ما قبل القرن الخامس عشر الميلادي، وهي مخطوطة (Codex Patmius 202) التي تعود إلى القرن العاشر الميلادي.

[1] يطلق عليه في بعض المراجع “إرميا”.

هرمياس Hermias

الرسالة إلى ديوجنيتوس Diognetus

الرسالة إلى ديوجنيتوس Diognetus

الرسالة إلى ديوجنيتوس Diognetus

الرسالة إلى ديوجنيتوس Diognetus

إن الرسالة إلى ديوجينتوس هي عبارة عن دفاع عن المسيحية كُتب على شكل رسالة موجهة إلى الوثني ذي المنصب المرموق ” ديوجينتوس” (Diognetus)، ونحن لا نعرف المزيد عن الكاتب أو المرسل إليه. ويعتقد ليتزمان (H. Leitzmann) أنه من الممكن أن يكون ديوجينتوس هو نفسه المعلم الخاص بالإمبراطور ماركوس أوريليوس. أما زمن الكتابة فهو محل تخمين.

وهناك الكثير من الأمور المشتركة بين محتوى الرسالة إلى ديوجينتوس وكتابات أرستيدس، لكن لا يبدو أن الرسالة تعتمد عليها بشكل مباشر. ومن ناحية أخرى، استخدم الكاتب كتابات إيرينيوس، وعلاوة على ذلك، يذكرنا الفصل (7: 1-5) بما ورد في عمل هيبوليتوس (Philosophoumena) الفصل (19: 33)، أما الفصلان (11 و12) فهما بكل بساطة خاتمة هذا العمل.

لهذا السبب اعتقد (R. H. Connolly) أن هيبوليتوس الروماني هو الكاتب، وهذا سيضع تاريخ كتابتها في بداية القرن الثالث، وهناك سبب آخر لهذا التاريخ يقترحه ما ذكره الكاتب في سياق العمل بأن المسيحية كانت قد انتشرت بالفعل في كل مكان.

وقد ظهر مؤخراً اقتراح بخصوص كاتب الرسالة، ذلك لأن (P. Andressen) يعتقد أن كوادراتس هو من كتبها، وأنها ليست إلا الدفاع المفقود الذي كتبه هذا الكاتب. وبالرغم من أنه من الصحيح أن العبارة الوحيدة التي اقتبسها يوسابيوس (Hist. Eccl. 4: 3: 2) من هذا الدفاع غير موجودة في الرسالة إلى ديوجنيتوس، إلا أن هناك فجوة بين العدد 6 والعدد 7 من الفصل السابع تنساب جداً مع الشذرة التي من دفاع كوادراتس المفقود.

كذلك تتفق المعلومات التي لدينا عن كوادراتس من كتابات يوسابيوس، وجيروم، وفوتيوس، وسلسلة الشهداء الخاصة بـ (Bede) والرسالة الأبوكريفية الموجهة من القديس يعقوب إليه، مع محتوى الرسالة إلى ديوجنيتوس. أيضاً يتفق الانطباع الذي نأخذه عن الكاتب من قراءة الرسالة إلى ديوجنيتوس مع ما نعرفه عن المدافع كوادراتس تقليدياً، أي كونه كان تلميذاً للرسل، وأنه كان يكتب مستخدماً الأسلوب الأدبي الكلاسيكي، وأنه لم يكن فقط معادياً للوثنية، بل لليهودية أيضاً.

بالإضافة إلى هذا، وكما نعرف من يوسابيوس، وجه كوادراتوس دفاعه إلى الأمبراطور هادريان؛ والحقائق التي تزودنا بها تلك الرسالة عن المرسل إليه ديوجنيتوس ستتناسب بشدة مع هذا الإمبراطور.

وأخيراً، إذا افترضنا أن كوادراتس هو نفسه كاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس، سيكون السؤال حول أصالة الفصلين الأخيرين (الفصلين 11 و12)، الذين يشكلان معاً نوعاً من الخاتمة، هو في ضوء مختلف تماماً.

فكاتب هذه الخاتمة يسمي نفسه “تلميذ الرسل ومعلم الوثنيين”، ويبدو لـ (P. Andriessen) أنه لا يوجد كاتب كنسي آخر يمكن لهذا الوصف أن ينطبق عليه كل الإنطباق، غير أن اختلاف الأسلوب بين الفصلين الأخيرين وما سبقهما من فصول يبقى قائماً. وهكذا، تعيد فرضية (Andriessen) فتح النقاش حول كاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس.

ولسوء الحظ، لم يبق لدينا اليوم أي مخطوطات للرسالة، فالمخطوطة الوحيدة التي كنا نمتلكها هلكت عام (1870م) عندما احترقت مكتبة ستراسبورغ أثناء الحرب الفرنسية البروسية. وكانت هذه المخطوطة، التي تعود إلى القرن الثالث عشر أو الرابع عشر، مملوكة فيما مضى لدير (Maursmuenster) الألزاسي (Alatian). وأدرجت الرسالة في هذه المخطوطة ضمن كتابات يوستينوس الشهيد. ولقد اعتمدت كل الطبعات الخاصة بالرسالة على هذه المخطوطة.

وكانت مناسبة لكتابة الرسالة هي طلب ديوجنيتوس الذي سأل صديقه المسيحي أن يمده بمعلومات عن ديانته، ويمكن للمرء أن يستنتج الأسئلة التي سألها ديوجنيتوس من مقدمة الرسالة: “أرى يا ديوجنيتوس أنك تبذل الكثير من الجهد لتتحقق من ديانة المسيحيين وتسأل بشأنهم أسئلة دقيقة جداً متأنية، إنك تسأل “من هو هذا الإله الذي يثقون به؟

وما هي نوعية عبادتهم التي تمكنهم جميعاً من أن يحتقروا العالم ويستخفوا بالموت، ولا يقيموا اعتباراً للآلهة التي يؤمن بها اليونانيون، ولا يمارسون خرافات اليهود؟ وما هو سر هذه المحبة القوية التي يكنونها لبعضهم البعض؟ ولماذا أتى هذا الدم الجديد أو الروح الجديدة إلى العالم الذي نعيش فيه في وقتنا هذا وليس قبل ذلك؟”

ويصور الكاتب (فصول 2-4) بكلمات تتوهج حماسة تفوق المسيحية على وثنية الأمميين الحمقاء وشكلية العبادة الخارجية عند اليهود. وهو في نقده للديانتين الوثنية واليهودية يستخدم براهين يمكن للمرء أن يجدها بالفعل في كتابات المدافقين اليونانيين.

وأفضل جزء من الرسالة هو التقرير الذي يصف فيه الكاتب الحياة الفائقة للطبيعة التي للمسيحيين (فصول 5-6): “إن المسيحيين لا يختلفون عن بقية البشر في الموطن، أو اللغة، أو الملبس، فالحقيقة أنهم لا يسكنون في مدن خاصة بهم، ولا يستخدمون لغة معينة؛ ولا يعيشون نمطاً شاذاً من الحياة. وبكل تأكيد لم تكن عقائدهم اكتشافاً يرجع الفضل فيه إلى أفكار بعض الرجال المحبين للبحث أو تأملاتهم؛ كما أنهم لا يدافعون – كما تفعل بعض الجماعات الأخرى – عن أية عقيدة ذات منشأ بشري.

لكنهم يعيشون في مدن يونانية أو غير يونانية كما هو نصيب كل واحد منهم، ويمتثلون لعادة البلد في الملبس، والمأكل، وطريقة الحياة. إن فحوى أسلوب حياتهم بكليته يدل على أنها تستحق الإعجاب، وهي باعتراف الجميع تخالف كل توقع.

إنهم يقيمون في مواطنهم، ولكن كما لو كانوا غرباء؛ إنهم يشتركون في كل شيء كمواطنين، ويتحملون كل الأعباء كغرباء؛ كل أرض غريبة هي موطنهم؛ وكل وطن هو أرض غريبة. إنهم يتزوجون كالآخرين وينجبون أطفالاً؛ لكنهم لا يهملون أطفالهم. إنهم يبسطون مائدتهم للجميع، لكن ليس مضاجعهم.

إنهم في الجسد، ولكنهم لا يعيشون بحسب الجسد. إنهم يقضون أيام حياتهم على الأرض، ولكنهم يحملون جنسية السماء. إنهم يطيعون القوانين المستقرة، لكن حياتهم الخاصة تذهب إلى ما هو أبعد من تلك القوانين.

إنهم يحبون الجميع، ويضطهدون من الجميع. إنهم غير معروفين، إلا أنهم يُدانون؛ يحكم عليهم بالموت، ولكن يعادون إلى الحياة. إنهم فقراء، لكنهم يغنون كثيرين. إنهم محرومون من كل شيء، لكنهم أغنياء في كل شيء، إنهم مهانون، لكنهم في إهانتهم يجدون مجدهم. يفترى عليهم، لكنهم يُبرئون. يُشتمون، ولكنهم يباركون؛ يُهانون لكنهم يعطون كرامة.

يفعلون الخير، ولكنهم يعاقبون كفاعلي شر، وعندما يُعاقبون يبتهجون لأنهم قد أسرعوا للحياة. يحاربهم اليهود كأشخاص من قبيلة مختلفة؛ ويضطهدهم اليونانيون. وهؤلاء الذي يضطهدونهم لا يستطيعون أن يعطوا سبباً لما يكنوه لهم من عداوة. ولنقل ذلك باختصار، كما أن الروح في الجسد، هكذا أيضاً المسيحيون في العلم، فالروح منتشر في كل أعضاء الجسد، والمسيحيون منتشرون في كل مُدن العالم.

والروح يسكن في الجسد لكنه ليس جزءً منه؛ هكذا يسكن المسيحيون في العالم، لكنهم ليسوا جزءاً منه. إنه هو نفسه غير مرئي، لكنه محبوس في الجسد المرئي؛ هكذا المسيحيون معروفون في العالم هكذا، لكن ديانتهم تبقى خفية. وبالرغم من أن الروح لم يسئ إطلاقاً إلى الجسد إلا أن الجسد يكرهه ويحاربه لأنه يمنعه من الانغماس في شهواته؛ هكذا أيضاً العالم، بالرغم من أن المسيحيين لم يسيئوا إطلاقاً إليه، إلا أنه يكرههم لأنهم يقاومون مسراته. والروح يحب الجسد الذي يكرهه؛ هكذا يحب المسيحيون الذين يكرهونهم.

والروح محبوس في الجسد، ولكنه يحفظه؛ هكذا أيضاً المسيحيون محبوسون في العالم كما في سجن، إلا أنهم هم الذين يحفظونه. وبالرغم من أن الروح خالد، إلا أنه يسكن في مسكن مائت؛ هكذا أيضاً المسيحيون بالرغم من أنهم يسكنون كغرباء بين الأشياء القابلة للفساد، إلا أنهم يتطلعون لعدم الفساد الذي ينتظرهم في السماء.

وكما أن الروح يكون في حال أفضل بتقنين المأكل والمشرب؛ هكذا أيضاً المسيحيون عندما يضطهدون يزدادون يوماً بعد يوم. هذا هو الدور المهم الذي أسنده الله إليهم، ومن غير المسموح به أن يهربوا منه”.

ويحتوي الفصلان (7، 8) على تعليم ملخص فيما يتعلق بالمصدر الإلهي للإيمان المسيحي، ذاك الذي أعلنه ابن الله، بهدف إظهار جوهر الألوهة. ولقد ظهر الملكوت على الأرض في زمن متأخر كهذا لأن الله قد أراد أن يُظهر للبشرية عجزها وحاجتها للخلاص (فصل 9). وفي الختام، ينصح الكاتب ديوجنيتوس أن يقبل العقيدة المسيحية (فصل 10).

والرسالة تستحق أن تصنف ضمن أروع وأجمل أعمال الأدب المسيحي اليوناني، فالكاتب متمكن بلاغياً، وعباراته مليئة بالجمال وموزونة بحذق، كما أن أسلوبه الأدبي واضح وصاف. ويكشف المحتوى عن رجل ذي إيمان متقد ومعرفة واسعة، وذهن متشرب تماماً بمبادئ المسيحية. كما أن أسلوب الكتابة يتلألأ بالحرارة والحيوية.

الرسالة إلى ديوجنيتوس

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف مدينة ساردس[1] بمقاطعة ليديا هو واحد من أكثر شخصيات القرن الثاني الميلادي احتراماً. وفي رسالة إلى البابا فيكتور أسقف روما (189-199م9 ذكر “بوليكراتيس الأفسسي” اسمه من ضمن “كواكب الكنيسة في آسيا” الذين ذهبوا الآن إلى موضع راحتهم، وهو يدعوه “ميليتوس البتول (أي غير المتزوج) الذي عاش بكليته في الروح القدس، والذي يرقد في سادرس، منتظراً مكافأة السماء عندما سيقوم من الموت”. (Eusebius. Hist. Eccl. 5: 24: 5). وإلى جانب ما ذكر في تلك الملاحظة القصيرة، لا نعرف إلا أقل القليل عن حياته. ولقد كان ميليتوس كاتباً غزير الإنتاج، وكتب في عدد كبير من الموضوعات المتنوعة في النصف الثاني من القرن الثاني.

في حوالي عام 170م، وجه ميليتوس دفاعاً عن المسيحيين إلى الإمبراطور ماركس أوريليوس، ولم يبق منه إلا شذرات حفظت بواسطة يوسابيوس وفي كتاب “Chronicon Pasxhale”. وتوجد من ضمن هذه الشذارت عبارة ذات أهمية بالنسبة لمفهوم ميليتوس عن علاقة الكنيسة بالدولة، فهو أول من دافع عن فكرة تضامن المسيحية مع الدولة، فالدولة الدنيوية والديانة المسيحية أختان في الرضاعة، إنهما يشكلان معاً ثنائياً.

بالإضافة إلى أن الديانة المسيحية تعني البركة والرخاء للإمبراطورية: “إن فلسفتنا أصبحت فألاً حسناً على إمبراطوريتك، لأنه منذ ذلك العهد – الذي لأغسطس قيصر – زادت قوة روما في الحجم والعظمة. وأنت الآن خليفته السعيد، وسيكون هذا أيضاً مع ابنك إذا راعيت الفلسفة التي كبرت مع الإمبراطورية وبدأت منذ عهد أغسطس، وكان أجدادك يبجلونها مع الأديان الأخرى. أما الدليل الأكثر اقناعاً على أن ازدهار ديانتنا كان بركة للإمبراطورية، التي كانت حينها قد دشنت بسعادة، هي حقيقة كونها لم تعان من أية حوادث مؤسفة منذ عهد أغسطس، بل على العكس، كل شيء قد زاد من عظمتها وشهرتها في توافق مع الصلاة العامة” (Eusebius. Hist. Eccl. 4: 26: 7-8).

وحتى وقت قريب لم يكن لدينا من هذا الدفاع وأعمال ميليتوس الأخرى سوى الشذرات الصغيرة أو العناوين التي حفظها كل من يوسابيوس (Hist. Eccl. 4: 26: 2) وأنستاسيوس السينائي (Viae Dux 12: 13). ولهذا السبب كان أحد الاكتشافات الحديثة مثيراً للاهتمام بشكل كبير، فقد اكتشف “كامبل بونر” مقالاً لميليوس بعنوان “عظة عن الآلام” كاملاً تقريباً، وقد قام بنشره. وكانت هذه العظة حتى ذلك الحين غير معروفة عنواناً، إلا أنه كان يوجد منها بعض شذرات بلا عنوان باللغات السريانية والقبطية واليونانية.

وتشغل تلك العظة الجزء الأخير من مخطوطة بردية تعود إلى القرن الرابع الميلادي تحتوي على الفصول الأخيرة من سفر أخنوخ، تنتمي ثماني أوراق منها إلى مجموعة تشيستر بيتي والمتحف البريطاني، وست أوراق إلى جامعة متشيجان. وكما يدل عنوان العظة “عظة عن الآلام” تتناول العظة المكتشفة حديثاً آلام ربنا. وتوحي الكلمات الافتتاحية أنها عبارة عن عظة ألقيت في قداس بعد قراءة من العهد القديم، كما أن موضوعها يتناسب مع أسبوع الآلام حتى إن بونر يطلق عليها “عظمة الجمعة العظيمة”.

وبما أن ميليتوس كان من أصحاب وجهة النظر الأربعشرية، إذاً كان هذا اليوم يوافق يوم الاحتفال بعيد الفصح اليهودي. وقد أعيدت فيها صياغة قصة الخروج – وخاصة تأسيس وليمة الفصح – وفُسرت على أساس أنها رمز لعمل المسيح الخلاصي، فكلاهما أطلق عليه لفظة أي “سر” بمعنى أن الأحداث لها تأثير فائق للطبيعة يتجاوز تاريخيتها، فلقد أصبح كل من الخروج والفصح رمزاً لما حدث لاحقاً عندما مات يسوع وقام مجدداً.

إن آلام المسيح وموته تضمن للمسيحي هروبه من الخطية والفناء كما أن حمل الفصح المذبوح ضمن للعبرانيين الهروب من مصر. إن المسيحيين مثلهم مثل اليهود قد خُتموا كعلامة على خلاصهم، لكن اليهود قد رفضوا الرب وقتلوه كما تنبأ الأنبياء، وبالرغم من أن موته كان محدد مسبقاً، إلا أن مسؤوليتهم عنه كانت باختيارهم بالإضافة إلى هؤلاء الذين على الأرض سوف يشاركون في انتصارات القيامة.

وتكشف لغة هذه العظة عن ولع بالكلمات الغريبة والشعرية، والأدوات البلاغية الأدبية. وأسلوب العظة الأدبي متكلف للغاية ومصطنع، كما أن الطباق والجناس لهما فيه مكانة خاصة، وهذا يفسر إشارة ترتليانوس لامتلاك ميليتوس عبقرية ولباقة خطابية (Jerome De Viris Illus.: 24).

التعليم اللاهوتي في العظة

أولاً: الخريستولوجي

  1. إن عقيدة ألوهية المسيح ووجوده السابق الأزلي يسيطر على تعليم اللاهوتي لميليتوس، فهو يدعوه: إله، كلمة، أب، ابن، بكر الله، سيد، ملك إسرائيل، ملكنا. والحقيقة إن استخدام لقب “أب” في الإشارة للمسيح هو استخدام غير معتاد، هو يأتي في فقرة مهمة تشرح وظائف المسيح المختلفة: “لأنه قد ولد كابن وسيق كحمل وقدم ذبيحة كشاة ودفن كإنسان، قام من الموت كإله، كونه بالطبيعة إنساناً وإلهاً. إنه هو كل شيء: هو القانون لأنه يحكم، هو الكلمة لأنه يعلم، هو النعمة لأنه يخلص، هو الأب لأنه يلد، هو الابن لأنه مولود، هو الحمل الذبيح لأنه قد تألم، هو إنسان لأنه دفن، هو إله لأنه قام. هذا هو يسوع المسيح الذي له كل المجد إلى دهر الدهور” (Bonner 8-10).

وهذا التطابق الكامل بين المسيح واللاهوت نفسه يمكن أن يُفسر في صالح (الموداليزم الموارخية) أي وحدة الرئاسة التي تلغي تمايز الأقانيم والتي ظهرت في فترة لاحقة، فإذا كان الأمر هكذا فربما سيفسر هذا سبب إهمال كتابات ميليتوس وفقدانها في آخر الأمر.

  1. ومن ناحية أخرى، كان ميليتوس واضحاً جداً فيما يتعلق بعقيدة التجسد: “هذا هو الذي صار جسداً في العذراء، الذي لم تُكسر – عظامه – على الشجرة، الذي في دفنه لم ينحل إلى تراب، الذي قام من الأموات وأصعد الإنسان من القبر السفلي إلى أعالي السماوات. هذه هو الحمل الذي ذُبح، هذا هو الحمل الذي كان صامتاً، هذا هو من ولد من مريم الشاة الحسنة” (Bonner 70-71). وبطريقة مماثلة، يدعو الكاتب المسيح: “ذاك الذي تجسد عن طريق والعذراء مريم”.
  2. ويشرح ميليتوس وجود المسيح الأزلي السابق في شكل مدائح ترنيمية، كما في الفقرة التالية: “هذا هو بكر الله، الذي ولد قبل نجمة الصبح، الذي جعل النور يطلق، وجعل النهار يسطع، الذي جعل النور يطلع، وجعل النهار يسطع، الذي فصل الظلمة، وثبت أول علامات الخليقة، الذي علق الأرض في مكانها، وجفف لجج المياه، الذي بسط قبة السماء، ورتب العالم (82).
  3. وكانت وظيفة المسيح هي أن ينقذ الإنسان من الخطية (54. 103) والموت (102. 103) والشيطان (67. 68. 102).
  4. وكان وصف ميليتوس لنزول المسيح إلى الجحيم يوحي بأنه ربما قد ضمن في عظته بعض الأجزاء من ترنيمة ليتورجية أقدم: “لقد قام من الموت وصرخ إليك قائلاً: “من ذا الذي يقاومني؟ دعوه يقف أمامي، فلقد حررت المدانين، وجعلت الموتى يحيون مجدداً، وأقمت من دفن. من ذا الذي يرفع صوته ضدي؟” ثم يقول مجدداً: “أنا المسيح، أنا من هزمت الموت، وانتصرت على العدو، ودست الجحيم، وقيدت القوي، ورجعت بالإنسان سالماً إلى الوطن في أعالي السماوات” ثم يقول: “أنا هو المسيح” (101-102).

ثانياً: الخطية الأولى

لقد وصف ميليتوس هذه العقيدة بكل وضوح: “تترك الخطية علامتها على كل نفس، وتكرسها جميعاً للموت، فلا بد لها من أن تموت. هكذا يقع كل جسد تحت سلطان الخطية، ويسقط الجميع تحت سلطان الموت” (54-55).

ثالثاً: الكنيسة

يطلق ميليتوس على الكنيسة لقب “مستودع الحق” (40)

أعمال ميليتوس الأخرى

وبالإضافة إلى الدفاع والعظة المكتشفة حديثاً، كتب ميليتوس الأعمال التالية:

  1. كتابان عن الفصح دافع فيهما عما يدعى بالعادة الأربعشرية (كتبا حوالي عام 166-167م).
  2. مقالة عن الحياة المسيحية والأنبياء، وقد كانت في الغالب ذات طابع مضاد للمونتانية.
  3. عن الكنيسة.
  4. عن يوم الرب.
  5. عن إيمان الإنسان.
  6. عن الخليقة.
  7. عن طاعة الإيمان.
  8. عن الحواس.
  9. عن حسن الضيافة.
  10. عن النفس والجسد.
  11. عن المعمودية.
  12. عن الحق.
  13. عن الإيمان وميلاد المسيح.
  14. عن النبوة.
  15. المفتاح.
  16. عن الشيطان.
  17. عن رؤيا يوحنا.
  18. عن الله المتجسد.
  19. ستة كتب تحتوي على “مقتطفات من الناموس والأنبياء عن مخلصنا وكامل إيماننا”، ولقد حفظ يوسابيوس مقدمة هذا العمل في (Hist. Eccl. 4: 26: 13-14)، وهي تحتوي على أقدم قائمة لأسفار العهد القديم القانونية.
  20. كتاب عن تجسد المسيح.

ويظهر من كل عناوين كتاباته الضائعة تلك أن ميليتوس قد ناقش الكثير من الأسئلة العملية واللاهوتية الخاصة بزمانه بعقلية منفتحة.

كتابات منسوبة إلى ميليتوس

  1. تحتوي مخطوطة سريانية خاصة بالمتحف البريطاني (Add. 14658) على دفاع تحت اسم ميليتوس، غير أنه ليس بقلمه. ويظهر محتوى هذا الدفاع أن كاتبه كان على معرفة جيدة بدفاعات أرستيدس ويوستينوس، ويبدو أنه قد كُتب بالسريانية ولم يترجم عن اليونانية. أما زمن كتابته فهو على الأغلب كان في عهد الإمبراطور “كاراكالا” (Caracalla).
  2. هناك كتاب آخر في ترجمة لاتينية تعود إلى القرن الخامس منسوب بالخطأ إلى ميليتوس، وعنوانه هو: (##)، وتوجد أدلة على أن هذه الرواية الأبوكريفية التي تدور حول رقاد العذراء المطوبة وصعودها إلى السماء لم تظهر قبل القرن الرابع الميلادي، وهي بمثابة نظير لإنجيل الطفولة الأبوكريفي. والنص موجود في عدة تنقيحات يونانية وعدد من الترجمات.
  3. عمل آخر منسوب إلى ميليتوس هو (Clavis Scriptura)، وهو عبارة عن قاموس للمصطلحات الكتابية جمع من كتابات كل من أغسطينوس، وغريغوريوس الكبير، وكُتاب لاتين آخرين. ولقد حرره الكاردينال “بيترا” (Pitra) في عمله (Analecta Sacra, Vol. 2: 1884).

[1] سادرس هي من أهم مدن آسيا الصغرى (تركيا حالياً)، وكانت قديماً عاصمة ولاية ليديا. (المراجع)

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ثيوفيلوس الأنطاكي Theophilus of Antioch

ثيوفيلوس الأنطاكي Theophilus of Antioch

ثيوفيلوس الأنطاكي Theophilus of Antioch

ثيوفيلوس الأنطاكي – الآباء المدافعون اليونانيون

كان ثيوفيلوس، كما يقول يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 20)، سادس أسقف على مدينة أنطاكية بسوريا. ويظهر من كتاباته أنه ولد بالقرب من نهر الفرات من أبوين وثنيين، ونال تعليماً هيلينياً. ولم يعتنق ثيوفيلوس المسيحية إلا بعد أن بلغ سن الرشد، وحتى في ذلك الحين، لم يكن هذا إلا بعد تفكير طويل ودراسة للكتب المقدسة. وهو يقول التالي بشأن اهتدائه إلى المسيحية: “لا تكن متشككاً بل مؤمناً؛ لأني أنا نفسي أيضاً كنت أشك في قيامة الموتى؛ لكن بعد أن فكرت في هذه الأمور، صرت مؤمناً. وفي الوقت عينه، تقابلت مع الكتب المقدسة التي للأنبياء القديسين، هؤلاء الذين بروح الله سبق وأخبروا بالأمور التي تمت بالفعل كما حدثت، والأمور التي تحدث الآن كما تقع، والأمور المستقبلية بالترتيب الذي ستكمل فيه. لهذا، معترفاً بدليل الأحداث التي جرت كما سبق وتنبأ الأنبياء عنها، أصبحت لا غير مؤمن بل مؤمناً مطيعاً لله”. (الرسالة إلى أوتوليكوس 1: 14).

كتاباته

لم يتبق من كتاباته سوى ثلاثة الكتب الموجهة إلى “أوتوليكوس” (Ad Qutolycum). ولابد من أنها قد كتبت بعد سنة 180م بفترة قصيرة، لأن الكتاب الثالث يحتوي على تسجيل لتاريخ العالم حتى موت الإمبراطور ماركوس أوريليوس (17 مارس 180م). والكاتب في هذه الكتب الثلاثة يدافع عن المسيحية ضد اعتراضات صديقه الوثني أوتوليكوس (Autosycus).

في الكتاب الأول، يتكلم عن طبيعة الله، الذي لا يمكن أن يُرى إلا بعيون الروح: “يبصر الله هؤلاء الذين أعطي لهم أن يبصروه عندما فتحت عيون أرواحهم؛ لأن الجميع لديهم عيون؛ لكنها في البعض مشتتة ولا تبصر نور الشمس. إلا أن كون الأعمى لا يرى لا يعني أن الشمس لا تشرق؛ لكن على العميان أن يلوموا أنفسهم وعيونهم… مثل المرآة المصقولة، هكذا يجب على الإنسان أن ينقي قلبه. فعندما يكون هناك صدأ على سطح المرآة، لا يمكن للإنسان أن يرى وجهه فيها؛ هكذا أيضاً عندما يكون في الإنسان خطية، لا يمكن لمثله أن ينظر الله”. (الرسالة إلى أوتوليكوس 1: 2) وفوق ذلك، يتناول الكتاب الأول سخافة الوثنية، والفرق بين الاحترام المؤدي للإمبراطور والعبادة اللائقة بالله: “أنا أفضل أن أحترم الإمبراطور، لن أعبده بكل تأكيد، بل أصلي من أجله. لكن أعبد الله، الإله الحي والحقيقي، عارفاً بأنه هو من خلق الإمبراطور”. (الرسالة إلى أوتوليكوس 1: 11) وفي الختام يناقش ثيوفيلوس معنى وأهمية اسم “مسيحي”، ذلك الأسم الذي استهزأ به خصمه. ثم بعد شرحه لعقيدة قيامة الأموات، يختم بالكلمات التالية: “بما أنك قلت لي: “أرني إلهك”، فهذا هو إلهي وأنصحك بأن تخافه وتثق به”. (الرسالة إلى أوتوليكوس 1: 14(.

ويقارن الكتاب الثاني بين تعاليم الأنبياء، الذين أوحي لهم بالروح القدس، وحماقة الديانة الوثنية وتناقض أقوال الشعراء اليونانيين – مثل هوميروس وهيرودوت – فيما يتعلق بالآلهة وأصل العالم، ويحلل بشكل مفصل رواية سفر التكوين فيما يخص خلق العالم والجنس البشري، والفردوس والسقوط، ويفسرها رمزياً. وفي الختام يقتبس الكاتب بعضاً من وصايا الأنبياء التي تدور حول الأسلوب الصحيح لعبادة الله والسلوك الحياتي اللائق. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أن ثيوفيلوس يشير إلى هذه الوصايا باعتبارها متساوية في السلطة مع الأقوال السيبلية[1] (Sibyl)، وهكذا يحفظ لنا شذريتن طويلتين من أقوال السيبلية غير موجودة في أي من مخطوطات (Oracula Sibyllina). وتتكون هاتان الشذراتان من أربعة وثمانين عدداً، وهي تمتدح الإيمان بإله واحد بكلمات جميلة.

ويظهر الكتاب الثالث تفوق المسيحية من وجهة النظر الأخلاقية، وهو يفند افتراءات الوثنيين واتهامهم للمسيحيين بالاستباحة. ومن ناحية أخرى، يُثبت الكتاب لا أخلاقية الديانة الوثنية من خلال الشرور التي نسبها الكتاب الوثنيين إلى الآلهة الوثنية. وأخيراً، وحتى يظهر أن الديانة المسيحية أقدم من كل الديانات الأخرى، يستعمل ثيوفيلوس تاريخ العالم ليثبت أن موسى والأنبياء أقدم من كل الفلاسفة.

كتاباته المفقودة

وإلى جانب ثلاثة الكتب الموجهة إلى أتوليكوس، كتب ثيوفيلوس – بحسب ما يذك يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 24) مقالة “ضد هرطقة هيرموجينيس[2] (Hermogenes)”، وعملاً “ضد ماركيون”[3]، وبعض “الكتابات التعليمية”. كذلك يذكر جيروم في (De Viris Illustribus: 25)، إلى جانب المقالات التعليمية، عملين آخرين لثيوفيلوس، وهما “تفسير الأناجيل” و”تفسير أمثال سليمان”. كما يتحدث جيروم في فقرة أخرى (Epistula) عن “اتفاق الأناجيل” بقلم ثيوفيلوس. ويشير ثيوفيلوس نفسه عدة مرات إلى عمل “عن التواريخ” (##) كان قد كتبه قبل أن يكتب ثلاثة الكتب الموجهة إلى أوتوليكوس. ويظهر من كلامه أنه كان عملاً يضم تاريخ البشرية، فهو يقول في (2: 30(: “أما بالنسبة لهؤلاء الذين يرغبون في أن يكونوا على دراية بكل الأجيال، من السهل أن يقدم إليهم شروحات باستخدام الكتب المقدس، لأننا كما سبق وذكرنا قد عالجنا جزئياً هذا الموضوع، أي ترتيب سلسلة نسب الإنسان، في الجزء الأول من كتابنا “عن التواريخ”.

ولقد فقدت جميع كتابات ثيوفيلوس ما عدا ثلاثة الكتب الموجهة إلى أوتوليكوس. وقد بُذلت جهود لإعادة تجميعها، لكنها حتى هذه اللحظة قد باءت بالفشل. وقد ظن (Zhan) أنه قد اكتشف “تفسير الأناجيل” في تفسير لاتيني للأناجيل الأربعة حرره (M. de la Bigne) تحت اسم ثيوفيلوس في (Biblotheca SS. Patrum. Paris 1575, 5, 169-192)، إلا أنه قد اتضح أن هذا التفسير ما هو إلا خليط من أقوال كبريانوس، وأمبروسيوس، وجيروم، وأرنوبيوس الصغير المنحول، وأغسطينوس، وقد كتب في نهاية القرن الخامس الميلادي. وعلى نحو مماثل، فشل (Loofs) عندما حاول أن يثبت أنه من الممكن بشكل جزئي إعادة تجميع مقالة ثيوفيلوس المعنونة بـ “ضد ماركيو” من عمل إيرينيوس “ضد الهرطقات”.

وبالرغم من أن ثيوفيليوس يقول عن نفسه إنه “غير بارع في فن الكلام” (2: 1)، إلا أنه يظهر دراية جيدة بفن البلاغة. صحيح أنه يكتب بأسلوب سهل ولبق مليء بالحيوية والقوة، إلا أنه أيضاً معتاد على استخدام أدوات بلاغية مثل الطباق والجناس، ويصل عمله إلى ذروة جاذبيته بما فيه من وفرة الصور المجازية الدقيقة. وثيوفيلوس يظهر بكونه متضلعاً في أدب وفلسفة عصره، وهذا يوحي بأنه كان ذا ثقافة ومعرفة شاملة.

وبالرغم من أنه – بشكل عام – يأخذ من المصادر نفسها التي أخذ منه المدافعون اليونانيون الآخرون، إلا أنه يستخدم كتابات العهد الجديد أكثر بكثير منهم، فبالنسبة له، لم يكن كتبة الإنجيل أقل من أنبياء العهد القديم إلهاماً من الروح القدس: “إن الأقوال الداعمة موجودة في كل من كتابات الأنبياء والأناجيل، لأن جميع هذه الأقوال قد نطق بها بوحي من الروح الواحد الذي لله” (3: 12). والأناجيل بالنسبة له هي “الكلمة المقدسة”، كما أنه دائماً ما يقدم لرسائل القديس بولس بجملة لا تتغير هي: “الكلمة الإلهية تعلمنا”. (##) (3: 14). وبكل وضوح يحسب ثيوفيلوس القديس يوحنا من ضمن حاملي الروح: “هكذا تعلمنا الكتب المقدس وكل الرجال حاملي الروح، الذي يقول أحدهم هو القديس يوحنا: في البدء كان الكلمة”. (2: 22) وهكذا كان ثيوفيلوس هو أول من علم بوضوح أن العهد الجديد هو موحى به.

سمات التعاليم اللاهوتية لثيوفيلوس

  1. ثيوفيلوس هو أول من استخدم كلمة ثلاثة، للتعبير عن الثالوث، فهو يقول إن ثلاثة الأيام الأولى للخليقة قبل خلق الشمس والقمر هي بمثابة صور للثالوث: “إن الثلاثة أيام التي سبقت خلق المنيرين هي رموز للثالوث: الله، وكلمته، وحكمته” (2: 15).
  2. ثيوفيلوس هو أول كاتب مسيحي يميز بين اللوغوس (##)، واللوغوس (##)، أي بين “الكلمة” الداخلي أو الكامن بداخل الله، و”الكلمة” المنطوق من الله، أما فيما يتعلق بأصل اللوغوس فيقول: “بما أن الله لديه “الكلمة” الداخلي (##) بداخله؛ فقد ولده وأصدره مع الحكمة قبل كل الأشياء. ولقد كان الكلمة معاوناً له في خلق الأشياء التي خلقها، وبه صنع كل شيء” (2: 10). وهذا اللوغوس قد تكلم إلى آدم في الفردوس: “إن إله وأبا الكل بكل تأكيد لا يمكن احتواؤه، وهو لا يوجد في مكان، لأنه لا مكان لراحته؛ لكن كلمته، ذاك الذي به صنع كل شيء، كونه هو قوته وحكمته، اتخذ شخص أبي ورب الكل، وذهب إلى الجنة في شخص الله وتكلم مع آدم. لأن الكتب المقدسة نفسها تعلمنا أن آدم قال إنه قد سمع الصوت، لكن لمن يكون هذا الصوت إلا لكلمة الله الذي هو أيضاً ابنه؟ إنه ليس كما يتكلم الشعراء ومؤلفو الأساطير عن أبناء الآلهة أنهم نتيجة اتصال جنسي، لكنه – كما يبين الحق – هو الكلمة الذي كان كائناً دائماً في قلب الله، لأنه قبل أن يُخلق أي شيء كان عنده مشيراً، كونه هو عقله وفكره. لكن عندما أراد الله أن يخلق كل ما عزم على أن يخلقه، ولد كلمته ونطق (##) ببكر كل خليقة، لا كمن أصبح هو نفسه خالياً من الكلمة، لكنه كمن ولد العقل، ومتحدثاً دائماً مع العقل” (2: 2).
  3. وثيوفيلوس، مثله مثل يوستيوس (Dial. 5) وإيرينيوس (Adv. Haer. 4. 4. 3)، يعتبر أن خلود النفس ليس من طبيعتها، بل مكافأة على حفظها لوصابا الله. إن النفس في ذاتها ليست بفانية ولا بخالدة، لكنها قابلة للفناء كما أنها قابلة للخلود: “هل خُلق الإنسان فانياً بطبيعته؟ لا بكل تأكيد. هل كان خالداً إذن؟ لا نوافق على هذا أيضاً. لكن سيسأل أحدهم، هل كان إذن لا شيء؟ هذا أيضاً لم يصب الهدف. فالإنسان بطبيعته ليس فانياً ولا خالداً، لأنه لو كان الله قد خلقه فانياً، سيبدو وكأنه هو سبب موته. إذاً، لم يخلقه الله فانياً ولا خالداً، لكنه خلقه، كما قلنا سابقاً، قابلاً لكلتا الحالتين؛ حتى إذا مال إلى أمور الخلود حافظاً وصية الله، ينال الخلود كمكافأة ويصبح إلهاً؛ لكن من ناحية أخرى، إذا عاد إلى أمور الموت عاصياً الله، سيكون هو نفسه سبب موته، لأن الله قد خلق الإنسان حراً ذا سلطان على نفسه” (2: 27).

[1] هي خليط من تقاليد يهودية وإضافات مسيحية، وهي على نفس نمط النبوات (العرافة) اليونانية. (المراجع).

[2] هو رسام غنوسي من قرطاج، ظن أن المادة أزلية وأنها معادلة لله، وهكذا هناك إلهان، وبحسب ترتليان استقى هرموجينيس عقيدته هذه من الفلسفة الوثنية ومن الرواقيين الذين علموه أن يضع المادة في نفس المكانة مع الله كما لو كانت سرمدية، غير مولودة وغير مخلوقة، بلا بداية ولا نهاية. (المراجع).

[3] ولد في مدينة سينوب شمال تركيا نحو سنة 120م، وكان أبوه اسقفاً على المدينة، وتأثر ماركيون بالغنوسية بسبب تردده على مدرسة سردون الغنوسي السرياني في روما. (المراجع).

ثيوفيلوس الأنطاكي Theophilus of Antioch

أثيناغوراس الأثيني Athenagoras of Athens

أثيناغوراس الأثيني Athenagoras of Athens 

أثيناغوراس الأثيني Athenagoras of Athens

أثيناغوراس الأثيني Athenagoras of Athens

كان أثيناغوراس معاصراً لتاتيان، لكنه يختلف عنه وعن يوستينوس على حد سواء، فرأيه في الفلسفة والحضارة اليونانية كان أخف وطأة من رأي تاتيان، لكنه من ناحية أخرى يُظهر قدرات أكبر بكثير من قدرات يوستينوس، وذلك من حيث اللغة والأسلوب الأدبي وترتيب المحتوى. وهو بالفعل وبكل تأكيد أكير المدافعين المسيحيين القدامى بلاغة، فهو يحب الاقتباسات المأخوذة من الشعراء والفلاسفة، ويستخدم مصطلحات وعبارات فلسفية. ويمكن أن نرى في كل من أسلوب أثيناغوراس الأدبي وإيقاعه أنه قد درس بمدرسة للبلاغة، وأنه قد قصد الكتابة وفقاً لأسلوب الأتيكيين (Atticists) البلاغي والأدبي.

ونحن لا نكاد نعرف أي شيء عن حياة أثيناغوراس، لأنه قد ذُكر في الأدب المسيحي القديم مرة واحدة (Methodius De ressurrectione. 1: 36: 6 – 37: 1). وكان (Th. Zanh) يرى أن أثيناغوراس هو نفسه الذي أهدى إليه “بويثوس” (Boethos) الفيلسوف الأفلاطوني، كتابه المُعنون بـ “عن المصطلحات الصعبة عند أفلاطون” كما ذكر فوتيوس في (Bibl. Cod. 154f). وقد لقب أثيناغوراس في عمله المعنون بـ “التوسل من أجل المسيحيين” بلقب “الفيلسوف المسيحي الأثيني”. وبالإضافة إلى هذا العمل، كتب أثيناغوراس مقالة عن قيامة الأموات.

كتابات أثيناغوراس

أولاً: التوسل من أجل المسيحيين

كتب “التوسل من أجل المسيحيين” حوالي عام 177م، ووجهه أثيناغوراس إلى الإمبراطور ماركوس أوريليوس أنطونينوس ولوكيوس أوريليوس كومودوس. وكان هذا الأخير ابناً لماركوس أوريليوس الذي منحه لقب “إمبراطور” عام 176م. ولقد كُتب هذا العمل في لهجة هادئة، وهو مرتب بشكل جيد.

وتحتوي مقدمة هذا العمل (الفصول 1-3) على العنوان، وتذكر صراحة الهدف من كتابته “سوف تعرفون من هذا الخطاب أننا نتألم ظلماً ومخالفة لكل القوانين والمنطق، مما سوف يحتم على الحكام أن يُبطلوا بقوة القانون هذه المعاملة المُهينة”.

ثم يفند أثيناغواس في الفصول (4-36) التهم الثلاث التي وجهها الوثنيون إلى المسيحيين، وهي الإلحاد، وأكل لحوم البشر، وارتكاب زنى المحارم مع الأم:

  1. ليس المسيحيون ملحدين، فبالرغم من أنهم لا يؤمنون بالآلهة الوثنية إلا أنهم يؤمنون بالله، فهم يعبدون الإله الواحد. ويمكن للمرء أن يجد الميل إلى التوحيد حتى عند بعض الشعراء والفلاسفة الوثنيين، لكن لم يحدث أبداً أن اتهم أحد ما هؤلاء الرجال بالإلحاد بالرغم من أنهم لم يعطوا سوى أدلة ضعيفة على صدق أفكارهم. لكن المسيحيين قد تلقوا إعلاناً وتعليماً إلهياً بخصوص هذا الأمر من أنبيائهم، هؤلاء الذين أوحي إليهم بالروح القدس. إضافة إلى هذا، توجد لدى المسيحيين إثباتات منطقية لإيمانهم، فالمفهوم المسيحي عن الله أكثر نقاوة وكمالاً من الذي للفلاسفة، وهذه حقيقة يُظهرها المسيحيون، لا بالكلام فقط، بل بالأفعال أيضاً: “مَن مِن هؤلاء الفلاسفة اليونانيين قد طهر روحه حتى إنه بدلاً من أن يكره أعداءه أحبهم؛ وبدلاً من أن يتفوه بكلام بزيء عمن لعنوه باركهم؛ وصلى من أجل الذين يتآمرون على حياته؟… لكنكم سوف تجدون بيننا رجلاً غير متعلمين، وحرفيين، ونساء عجائز، هؤلاء الذين وإن لم يستطيعوا بالكلام أن يثبتوا فائدة تعاليمنا، إلا أنهم بأفعالهم يظهرون فائدة امتلاكهم للحق الذي بها”. (Aplo. 11) وللسبب نفسه، أي كونهم يعبدون إلهاً واحداً، فإن المسيحيين لا يعبدون آلهة متعددة، ولهذا ليست لديهم ذبائح مثل الوثنيين، ولا يؤمنون بالآلهة الوثنية. والأكثر من ذلك أنهم لا يحبون العالم الذي هو أكبر من أي وثن، لكنهم يعبدون خالقهم.
  2. ليس المسيحيون مدانين بجريمة أكل لحوم البشر. إنهم لا يقتلون أحداً، والأكثر هو أنهم لا يشهدون جريمة قتل وهي تتم، بالرغم من أن هذا الأمر يعد متعة خاصة عند الوثنيين كما تدل عروض المصارعين. كذلك يحترم المسيحيون الحياة البشرية أكثر من الوثنيين، ولهذا السبب يدينون جريمة التخلي عن الأطفال وإهمالهم. إن إيمانهم بقيامة الأجساد كاف وحده لجعلهم يمتنعون عن أكل لحوم البشر.
  3. اتهام المسيحيين بارتكاب الزنى مع أمهاتهم – عقدة أوديب[1] – ليس إلا نتيجة للكراهية، فالتاريخ يظهر أن الرذيلة كان دائماً تضطهد الفضيلة. إن المسيحيين بعيدون جداً عن ارتكاب مثل هذه الجرائم حتى أنهم لا يسمحون بارتكاب خطية ضد طهارة الفكر. كما أن الأفكار المسيحية فيما يتعلق بالزواج والعذرية تدل على شدة احترامهم للعفة.

وخاتمة الدفاع (الفصل 37) عبارة عن توسل من أجل محاكمة عادلة: “والآن، بعد أن فندت التهم العديدة، وأثبت أننا صالحون، ولطفاء، وودعاء بالروح؛ أحنيا رأسيكما الملكيتين في موافقة. لأن من يستحق أن يأخذ ما يسأل، أكثر من هؤلاء الذين مثلنا يصلون لأجل حكومتكما، لكي يكون، وهو الأكثر إنصافاً، أن تسلم المملكة للابن من الأب، و(يصلون) حتى تزيد مساحة إمبراطوريتكما ويضاف إليها، وحتى يخضع البشر جميعهم تحت سلطانكما؟ أيضاً من مصلحتكما أن نعيش حياة سلامية هادئة، وأن نفعل بطيب خاطر كل ما عهد إلينا به”.

ثانياً: عن قيامة الأموات

يتكلم أثيناغوراس في نهاية الدفاع (فصل 36) عن خطبة عن قيامة الأموات، وقد حفظت لنا تحت عنوان “عن قيامة الأموات” (##). وتذكر مخطوطة “أريثاس”، التي تعود لعام 914م، صراحة أن هذه الخطبة بقلم أثيناغوراس، وهي تأتي مباشرة بعد دفاعه. والطابع الفلسفي موجود بوضوح في هذه المقالة، كما أنها تثبت قيامة الأموات مستخدمة المنطق.

وتتكون المقالة من قسمين: الأول (فصول 1-10) يتناول موضوع الله والقيامة، مظهراً أن حكمة الله، وقدرته الكلية، وعدالته، لا تتعارض مع قيامة الأموات، بل أنها في تناغم معها.

أما القسم الثاني (فصول 11-25) فيتناول موضوع الإنسان والقيامة. وقيامة الأموات ضرورة تقتضيها الطبيعة البشرية:

  1. لأن الأنسان قد خلق من أجل الأبدية (فصول 12-13).
  2. لأن الإنسان يتكون من جسد ونفس. وعلى هذه الوحدة التي دمرها الموت أن تجدد بواسطة القيامة حتى يتمكن الإنسان من أن يعيش للأبد. (فصول 14-17).
  3. سيكافأ الجسد والروح على حد سواء، لأن كليهما كان خاضعاً للنظام الأخلاقي، هكذا سيكون من الظلم أن تترك الروح تعاقب وحدها على ما فعلته مدفوعة من الجسد، هكذا أيضاً، على نحو مماثل، سيكون من الظلم ألا يكافأ الجسد على الأعمال الصالحة التي تمت بالتعاون معه. (فصول 18-23).
  4. خُلق الإنسان لينال السعادة، تلك السعادة التي لا يمكنه أن يبلغها في هذه الحياة الأرضية، لكنه سيبلغها في حياة أخرى (فصول 24-25).

سمات الفكر اللاهوتي لأثيناغوراس

  1. كان أثيناغوراس هو أول من حاول أن يثبت وحدانية الله علمياً. هفو، في سبيل تحقيق هذا الهدف، حاول أن يُثبت وحدانية الله، التي شهد لها الأنبياء، باستخدام أسلوب التفكير التأملي. وهو يقوم بهذا عن طريق دراسة العلاقة القائمة بين الله والمكان: “إذاً، فيما يتعلق بالتعليم الذي يقول بأنه من البداية كان هناك إله واحد، خالق هذا الكون، تفكرا فيه بالحكمة التي تجعلكما عارفين بالأساس الجدلي الذي تأسس عليه إيماننا. فإن إن كان هناك منذ البدء إلهان أو أكثر، فإما أن يكونا في المكان الواحد نفسه أو أن كلا منهما كان في مكانه الخاص المنفصل عن الآخر. ولا يمكن أن يكونا في المكان الواحد نفسه. لأنهم إن كانوا آلهة فهم غير متشابهين؛ لأن غير المخلوقين غير متشابهين. الأشياء المخلوقة تشبه من خلقت على مثاله؛ لكن غير المخلوقين غير متشابهين، لأنهم لم يولدوا من أحد ولم يخلقوا على مثال أحد…. لكن لو كان الأمر على العكس من هذا، وكان كل منهم في مكانه منفصلاً عن الآخر، وبما أن هذا الإله الذي خلق العالم يسكن فوق الأشياء التي خلقها ورتبها، أين إذن يمكن أن يوجد الإله الآخر أو الآلهة الأخرى؟ لأنه إن كان العالم قد خلق دائرياً، محدوداً بدائرة السماء، وخالق العالم يسكن فوق الأشياء التي خلقها، مدبراً إياها بعنايته الإلهية، أي مكان إذن قد بقي لإله آخر أو آلهة أخرى؟”
  2. أثيناغوراس أكثر وضوحاً من القديس يوستينوس وأقل تحفظاً منه في تعريفه للاهوت اللوغوس ووحدته مع الآب. فهو يتجنب الخضوعية التي نادى بها المدافعون اليونانيون الآخرون كما يمكننا أن نرى في الفقرة التالية: “لكن إذا حدث وطلبتما أن تعرفا بذكائكما الفائق معنى “الابن”، فسوف أقول باختصار إنه ناتج من الآب، ليس كمن أُحضر إلى الوجود، لأنه من البدء، كان الله، الذي هو العقل (##) الأزلي، لديه اللوغوس في نفسه، كونه منذ الأزل مفعم باللوغوس. لكن ما إن صدر ليكون هو الفكرة والقوة المنشطة لكل الأشياء المادية، تلك التي كانت خامدة كطبيعة بلا أي صفة مميزة، وأرضاً غير نشطة، حتى اختلطت الأجزاء الأثقل بالأجزاء الأخف. والروح النبوي أيضاً يتفق مع أقوالنا، فهو يقول: “الرب جعلني أول طرقه لأجل أعماله”. (Apol. 10.ANF 2. 133).
  3. أما بخصوص الروح القدس، فيقول أثيناغوراس: “نحن نؤكد أيضاً أن الروح القدس، العامل في الأنبياء، ينبثق من الله، ويفيض منه، ثم يعود إليه مرة أخرى مثل شعاع من الشمس” (Apol. 10).
  4. واحدة من أفضل الفقرات اللاهوتية الموجودة في الدفاع، هو ذلك التعريف الماهر لعقيدة الثالوث المسيحية، والذي يعد، بالنسبة لزمن ما قبل مجمع نيقية، متطوراً بشكل مدهش: “لقد أظهرت بما يكفي أننا لسنا ملحدين، كوننا نعبد إلهاُ واحداً، فمن إذن لا يصيبه الذهول عندما يسمع أن الرجال الذين يتكلمون عن الله الآب، الله الاين، والروح القدس، معلنين اتحادهم في القوة وتمايزهم في الترتيب، يلقبون بالملحدين؟” (Apol. 10. Ibidem).
  5. وهو يقول في الفصل نفسه بشأن وجود الملائكة: “نحن نعترف أيضاً بوجود جماهير من الملائكة والخدام الذين وزعهم الله، صانع العالم ومخططه، وحدد لهم مهامهم المتعددة بواسطة كلمته، ليعتنوا بالعناصر، والسماء، والعالم، والأشياء التي به، والتدبير الجيد لهم جميعاً.”
  6. كما أن أثيناغوراس هو شاهد ممتاز لعقيدة الوحي: “لأن الشعراء والفلاسفة قد أتبعوا طريق الحدس في هذا الأمر كما في كل الأمور الأخرى، فتحرك كل واحد منهم بروحه، بسبب انجذابه للإلهام الذي من الله، ليجرب ما إذا كان سيكتشف الحقيقة ويدركها أم لا. لكنهم لم يكونوا أهلاً بشكل كامل ليدركوها، لأنهم ظنوا أنه من المناسب ألا يتعلموا من الله عن الله، بل أن يُعلم كل واحد نفسه، هكذا توصل كل واحد منهم إلى استنتاج خاص به عن الله، والمادة والشكل، والعالم. لكن، نحن لدينا شهود على الأمور التي ندركها ونؤمن بها، إنهم الأنبياء، وهم رجال قد تكلموا عن الله وأمور الله مسوقين بروح الله. أنتما أيضاً ستعترفان… بأنه سيكون من غير المنطقي بالنسبة لنا أن نكف عن الإيمان بالروح الذي من الله، الذي قد حرك أفواه الأنبياء مثل آلات موسيقية، ونكترث لمجرد آراء بشرية”. (Aplo. 7. ANF 2. 132).
  7. وهو يرفع من شأن البتولية كواحدة من أجمل ثمار الأخلاق المسيحية: “سوف تجدان بيننا رجالاً ونساء قد كبروا ولم يتزوجوا رغبة في شركة أعمق مع الله”. (Apol. 33) وبهذه الكلمات يحدد أثيناغوراس بشكل جيد الهدف الإيجابي من البتولية المسيحية.
  8. وفيما يتعلق بالمفهوم المسيحي عن الزواج يقول أثيناغوراس في نفس الفصل: “ولأننا لدينا رجاء في الحياة الأبدية، نرفض كل أمور هذه الحياة، حتى مُتع النفس، فكل واحد منا يعتبر المرأة التي تزوجها بحسب القوانين التي وضعناها زوجة له، وهذا فقط بغرض إنجاب الأطفال. لأنه كما أن المزارع ينثر البذور في الأرض ينتظر الحصاد ولا ينثر المزيد منها، هكذا أيضاً بالنسبة لنا إنجاب الأطفال هو مقياس انغماسنا في الشهوة الغريزية”. وتدل كلمات أثيناغوراس بكل وضوح على أن الأطفال هو الهدف الأولى والأخير من الزواج، وبالمثل، تُظهر فقرة أخرى الصراع الذي كان على المسيحيين الأوائل أن يخوضوه في سبيل الدفاع عن حق الأطفال الذين لم يولدوا بعد في الحياة. فبينما كان الوثنيون يتهمون المسيحيين بارتكاب جرائم قتل أثناء عبادتهم، رد أثيناغوراس على هذا الاتهام كالتالي: “حينما نقول إن أولئك النسوة اللائي يتعاطين العقاقير ليجهضن أنفسهن يرتكبن جريمة قتل وسوف يعطين حساباً أمام الله عن هذا، على أي أساس يمكننا نحن أنفسنا أن نرتكب جريمة قتل؟ لأنه لا يمكن لنفس الشخص أن يعتبر الجنين في بطن أمه كائناً مخلوقاً ومن ثم موضعاً لعناية الله، ثم يقتله عندما يخرج إلى الحياة؛ ولا أن يترك رضيعاً – لأن من يهملونهم متهمون بقتل الأطفال – ثم عندما يكبر يقتله. لكننا في كل الأمور (مواقفنا) واحدة لا تتغير، مُخضعين أنفسنا للعقل لا مهيمنون عليه”. (Apol. 35. ANF 2. 147). وإشارة أثيناغوراس هنا للجنين باعتباره “كائناً مخلوقاً” هي على جاب كبير من الأهمية، فوفقاً للقانون الروماني في ذلك الوقت، لم يكن الجنين يعتبر “كائناً” على الإطلاق، ولم يكن له حق في الوجود.
  9. وأثيناغوراس مقتنع للغاية باستحالة انفصام الزواج، لدرجة أنه، بحسب رأيه، حتى الموت لا يمكنه أن يفصم الرابطة الزوجية. كما أنه يذهب إلى أبعد من هذا بإطلاقه على الزواج الثاني لقب “الزنى المهذب”: “على المرء إما أن يبقى كما ولدته أمه أو أن يكتفي بزيجة واحدة، لأن الزواج الثاني ما هو إلا زنى مهذب…. لأن من يفصم نفسه عن زوجته الأولى، حتى لو كانت ميتة، فهو زان مقنع، ويقاوم يد الله، لأنه من البدء خلق الله رجلاً واحداً وامرأة واحدة”. (Apology. 33. ANF 2. 146 f).

 

[1] عقدة أوديب هي مفهوم أنشأه سيجموند فرويد واستوحاه من أسطورة أوديب الإغريقية وهي عقدة نفسية تطلق على الذكر الذي يحب والدته ويتعلق بها ويغير عليها من أبيه ويكرهه، وهي المقابلة لعقدة إليكترا عند الأنثى. (المراجع)

 

أثيناغوراس الأثيني Athenagoras of Athens 

ميليادس – الآباء المدافعون اليونانيون

ميليادس – الآباء المدافعون اليونانيون

ميليادس – الآباء المدافعون اليونانيون

ميليادس – الآباء المدافعون اليونانيون

ولد ميليادس الخطيب في آسيا الصغرى، وهو معاصر لتاتيان، وقد كان أيضاً على أغلب الظن تلميذاً ليوستينوس. ولسوء الحظ فُقدت كل كتاباته؛ لكن ترتليانوس (Adv. Valent. 5) وهيبوليتوس (Eusebius. Hist. Eccl. 5: 28: 4) يذكران أنه قد دافع عن المسيحية ضد الوثنيين والهراطقة على حد سواء. وبحسب مايذكر يوسابيوس في (Hist. Eccl. 5: 17: 5) كتب ميلتيادس “دفاعاً عن الفلسفة المسيحية” وجهه إلى “الحكام الأرضيين”.

ويبدو أن “الحكام” المقصودين هنا هم على الأرجح الإمبراطور ماركوس أوريليوس (161-180م) وشريكه في الحكم لوسيوس فيروس[1] (161-169م). وقد كان عمله “ضد اليونانيين” المكون من جزئين ذا طبيعة دفاعية مشابهة، وكذلك كان الحال بالنسبة لعمله الآخر “ضد اليهود” والمكون أيضاً من جزئين. وقد تناولت المقالة التي كتبها ميلتيادس ضد المونتانيين مسألة “أنه لا يجب أن يتكلم النبي بنشوة صوفية (أو دهش) (Ecstasy)”، مبيناً أن الأنبياء المونتانيين أنبياء كذبة. كذلك توجد مقالة أخرى لميلتيادس ضد الهراطقة كانت موجهة ضد الغنوسيين الفالنتينيين[2].

[1] لوسيوس فيروس كان قد شارك ماركوس أوريليوس الحكم في الفترة (161-169م)، وقد انتصر على المملكة الفارسية في الشرق بعد محاولة لعودتها مرة أخرى.

[2] نسبة إلى فالنتينوس الذي ولد في دلتا النيل حوالي عام 100م وتعلم في الإسكندرية. وقد أوجد أكاديمية للبحث الحر، كان من ثمرتها جماعات لها صبغة دينية بلا ضوابط. شهد له حتى مقاوموه بأنه كان معروفاً ببلاغته وعبقريته. وربما كان أكثر الغنوسيين تأثيراً وكان له أتباع كثيرون وأقام كثير من تلاميذه مدارس خاصة بهم. (المراجع).

ميليادس – الآباء المدافعون اليونانيون

تاتيان السوري Tatian the Syrian

تاتيان السوري Tatian the Syrian

تاتيان السوري Tatian the Syrian

تاتيان السوري Tatian the Syrian

ولد تاتيان – السوري المنشأ – من أبوين وثنيين. وكما ذكرنا أعلاه، كان تاتيان تلميذاً ليوستينوس الشهيد. وهو يشترك مع معلمه في أنه بعد الكثير من الحيرة قد وجد أن التعاليم المسيحية هي الفلسفة الوحيدة الصحيحة. وهو يزودنا بالمعلومات التالية عن أسباب اهتدائه إلى المسيحية:

“ولأني كنت قد رأيت هذه الأشياء، وبالأكثر لأني أيضاً قد سمح لي بالدخول إلى الأسرار، ولأني في كل مكان قد فحصت الشعائر الدينية التي يقوم بها المخنثون والمأبونون، ووجدت أنه بين الرومان يتلذذ “جوتيتر” بالأشلاء البشرية ودماء الرجال المذبوحين، وأن أرطميس – في مكان لا يبعد كثيراً عن المدينة العظيمة – تجيز أفعالاً من نفس النوع، وأن شيطاناً هنا وآخر هناك يحض على ارتكاب الشر، أويت إلى نفسي وبحثت عن الكيفية التي بها يمكنني أن أصبح قادراً على أن أجد الحق.

وبينما كنت أولي اهتماماً جاداً جداً لهذه المسألة، حدث أن وقعت في يدي كتابات قديمة جداً مقارنة بآراء اليونانيين، وإلهية جداً على أن تقارن بضلالهم.

وقد قادني عدم تكلف هذه الكتابات، وشخصية كُتابها غير المصطنعة، ومعرفتها المُسبقة بأحداث المُستقبل، ونوعية وصاياها الممتازة، وإعلانها عن أن مقاليد الأمور في الكون تتمركز في يد كائن واحد، إلى أن أؤمن بها. ولقد تعلمت روحي من الله، فاكتشفت أن الفئة الأولى من الكتابات – كتابات اليونانيين – تقود إلى الدينونة، في حين تصنع هذه (الفئة) حداً للعبودية التي في العالم وتنقذنا من تعددية الحكام ومن عشرة آلاف طاغية، في حين لا تعطينا بكل تأكيد ما لم يكن لنا قبل أن نناله، لكن تعطينا ما كنا قد نلناه لكن الضلالة قد منعتنا من الاحتفاظ به”. (Orat. 29).

ويبدو أن اهتداء تاتيان إلى المسيحية قد حدث في روما، وهناك تردد على المدرسة التي أنشأها يوستينوس. وبالرغم من أن يوستينوس كان معلم تاتيان. إلا أنه بمجرد مقارنة كتابتهما سنلاحظ وجود تضاد حاد بينهما، وهذا يظهر على وجه الخصوص في التقييم الذي يعطيه كل منهما للفلسفة والثقافة غير المسيحية، ففي حين يحاول يوستينوس أن يجد عناصر للحق في كتابات بعض المفكرين اليونانيين، يعلم تاتيان بالتخلي الكامل عن الفلسفة اليونانية من حيث المبدأ.

ويظهر يوستينوس في دفاعه عن المسيحية الكثير من الاحترام للفلسفة غير المسيحية، في حين يظهر تاتيان كراهية صميمة لكل ما ينتمي إلى الحضارة، والفن، والعلوم، واللغة اليونانية.

لقد تطرفت شخصيته حتى إنه تصور أن المسيحية لم ترفض التعليم والثقافة المعاصرة بشكل كاف. وقد عاد تاتيان إلى الشرق حوالي عام 172م حيث أصبح مؤسساً لطائفة “الإنكراتيين” (Encratites) أي “المتقشفين” التي تنتمي إلى مجموعة الغنوسيين المسيحيين. لقد رفضت هذه الهرطقة الزواج باعتبار زنى، وأدانت استخدام اللحوم تحت أي صورة، وشرب الخمر، وتمادت في هذا حتى استبدلت بالخمر الماء في الخدمة الإفخارستية، ولهذا السبب لُقب المنتمون إلى هذه الطائفة بالـ “Aquarii” أي المائيون. ونحن لا نعرف شيئاً عن موت تاتيان.

كتابات تاينان

أولاً: الخطاب إلى اليونانيين

بقي من أعمال تاتيان عملان فقط، هما: “الخطاب إلى اليونانيين” و”الدياتسرون” (Diatessaron). وزمن كتابة “الخطاب إلى اليونانيين” والهدف من كتابته موضع خلاف، وأغلب الظن أنه قد كتب بعد موت القديس يوستينوس، لكن من الواضح أنه لم يكتب في روما. أما أن كان تاتيان قد كتبه قبل ارتداده أم بعده فلا يزال غير مؤكد.

ويعتقد بعض الدارسين أن “الخطاب” ليس دفاعاً كُتب بهدف الدفاع عن المسيحية أو لتبرير تحول الكاتب إليها، بل عظة تعليمية تشتمل على دعوة للالتحاق بالمدرسة التي أنشأها الكاتب. لكن حتى لو كان قد ألقي كخطاب في افتتاح المدرسة، فلا شك أنه في البداية كان التفكير هو أن يكون خطاباً موجهاً إلى العامة.

غير أنه يبقى صحيحاً أن هذا الخطاب ليس دفاعاً عن المسيحية بقدر ما هو مقالة هجومية عنيفة متطرفة ترفض الثقافة اليونانية برمتها وتستخف بها، فهو يرى أن فلسفة، ودين، وإنجازات اليونانيين أمور حمقاء، مخادعة، ولا أخلاقية، وبلا قيمة. ويقول تاتيان في المقدمة أن أي شيء يبدو ذا قيمة في الحضارة اليونانية، قد أخذه اليونانيون من البرابرة، لكن معظمها بلا قيمة أو يشجع على اللا أخلاقية، كأشعارهم وفلسفتهم وبلاغتهم.

وينقسم الجزء الرئيس من هذا العمل إلى أربعة أقسام:

  1. القسم الأولى (الفصول 4: 3 – 7: 6) ويحتوي على رؤية الكون من منظور مسيحي:

1) يعطي الكاتب تعريفاً للمفهوم المسيحي عن الله (فصل 4: 3-5).

2) ثم يتناول علاقة اللوغوس بالآب، وتكون المادة، وخلق العالم (فصل 5).

3) يتبع هذا وصف لخلق الإنسان، وقيامة الموتى، والدينونة الأخيرة (فصول 6-7: 1).

4) في نهاية القسم (فصل 7: 2-8) يتناول تاتيان خلق الملائكة، وحرية الإرادة، وخطية آدم وحواء، والملائكة الأشرار والشياطين، وهذا الموضوع يقودنا إلى القسم الثاني.

 

  1. القسم الثاني (فصول 8 -20) ويحتوي على رؤية للشياطين من منظور مسيحي:

1) علم التنجيم من اختراع الشياطين، ولقد أساء الإنسان استخدام حرية الإرادة، ومن ثم أصبح عبداً للشياطين. لكن هناك إمكانية أن يحرر الإنسان نفسه من هذا القيد، وذلك بان يتخلى تماماً عن كل الأمور العالمية. (الفصول 8-11).

2) وللحصول على قدرة على هذا التخلي ومن ثم الهروب من قوة الشياطين، يجب علينا أن نسعى لكي ترجع نفوسنا لتتحد بالروح السماوي. وقد كان هذا “الروح في الأصل يسكن في صدر الرجل الأول[1]، لكنه قد رحل عنه بسبب الخطية الأولى، تلك التي كانت من عمل الشياطين. (الفصول 12-15: 1)

3) الشياطين هي صورة للمادة والشر، لذا لا تستطيع أن تُقدم توبة، لكن البشر هم صور لله، وهكذا يستطيعون أن يبلغوا الخلود عن طريق إماتة الذات (الفصول 15: 2 – 16: 6).

4) على الإنسان ألا يخاف الموت لأنه مُرغم على أن يرفض المادة كلها حتى يحوز الخلود. (فصل 16: 7-20).

 

 

  1. القسم الثالث (فصول 21-30) ويتناول الحضارة اليونانية في ضوء الموقف المسيحي من الحياة:

1) جهل التعاليم اللاهوتية اليونانية تتناقض مع سمو سر التجسد تناقضاً حاداً. (فصل 21).

2) المسارح اليونانية هي مدارس الرذيلة، وحلبة المصارعين تشبه المجزرة. والرقص، والموسيقا، والشعر هي أمور أثيمة وبلا قيمة. (فصول 22-24).

3) الفلسفة اليونانية والقانون اليوناني متناقضان ومخادعان (فصول 25-28).

4) يُشرق على خلفية الحضارة اليونانية المظلمة سمو الديانة المسيحية بإشراق أكثر لمعاناً. (فصول 29-30).

 

 

  1. القسم الرابع ويتناول عصر المسيحية وقيمها الأخلاقية (فصول 31-41):

1) الديانة المسيحية أقدم من كل الديانات الأخرى، لأن موسى عاش قبل هوميروس والمشرعين اليونانيين كلهم بزمن طويل، بل وحتى قبل الحكماء السبعة. (فصول 31: 1-6، 36-41).

2) الفلسفة المسيحية والسلوك الحياتي المسيحي يخلوان من كل حسد وحقد، ولهذا السبب يختلفان عن حكمة الكُتاب اليونانيين. وتعود الاتهامات الباطلة الموجهة إلى المسيحيين باللا أخلاقية وأكل لحوم البشر على هؤلاء الذين افتروها من عابدي الآلهة اليونانية، لأن مثل هذه الجرائم متكررة ومعروفة في العبادة اليونانية. ولا يمكن وصم أخلاقية ونقاء المسيحيين بمثل هذه الافتراءات (فصول 31: 7-35).

وفي الختام يقدم تاتيان نفسه لأي نقد:

“يا أيها اليونانيون، أنا تاتيان، تلميذ الفلسفة البربرية، قد كتبت هذه الأمور من أجلكم. لقد ولدت في أرض الآشوريين، وتثقفت أولاً بتعاليمكم، ثم بعد هذا تثقفت بهذا التعاليم التي أخذت على عاتقي أن أنشرها من الآن فصاعداً، عارفاً من هو الله وما هي أعماله، أقدم نفس إليكم مستعداً لاختبار عقيدتي في حين ألتزم ثابتاً بأسلوب الحياة الذي بحسب الله”. (Ch. 42, ANF 2: 81/2).

 

ثانياً: الدياتسرون

إن أهم أعمال تاتيان هو “الدياتسرون”. وهو في حقيقته، عبارة عن توفيق بين الأناجيل الأربعة. ولقد أطلق عليه تاتيان عنوان “الذي من خلال الأربعة” لأنه ينسق فقرات من الأناجيل الأربعة معاُ ليؤلف منها رواية إنجيلية واحدة متواصلة. وقد كان هذا الكتاب لوقت طويل يستخدم رسمياً في ليتورجية الكنيسة السريانية، ولم تُستبدل به الأناجيل الأربعة القانونية قبل القرن الخامس الميلادي.

وقد كُتب الدياتسرون في أغلب الظن بعد عودة تاتيان إلى الشرق، وقد فقدت النسخة الأصلية، فيبقى السؤال قائماً إذا ما كان الدياتسرون قد جمع معاً باليونانية أم السريانية، إلا أن هناك من الأسباب ما يجعلنا نفترض أن تاتيان قد كتبه باليونانية ثم ترجمه بعد ذلك إلى السريانية.

ومؤخراً فقط اكتشف الأثريون الأمريكيون شذرة من نص الدياتسرون اليوناني، وهي تتكون من أربعة عشر سطراً وجدت أثناء الحفريات التي قامت بها جامعة “جون هوبكينز” (John Hopkins) في منطقة “دورا أيروبوس” بسوريا عام 1934، ومن الواضح أنها قد كُتبت قبل عام 1934، ومن الواضح انها قد كتبت قبل عام 254م. ويبدو أن وجود نص يوناني يعود إلى مثل هذا التاريخ المبكر يعزز من الرأي القائل بأن الدياتسرون قد كتب أصلاً باليونانية. ويمكننا أن نعيد تكوين النص كاملاً من الترجمات الباقية لدينا.

ولقد حفظ الدياتسرون في ترجمات عربية، ولاتينية، وفرنكونية متوسطة. علاوة على ذلك، ألف “أفرايم سايروس” (Ephrem Syrus) تفسيراً للدياتسرون في الفترة بين 360م و370م، وهو لا يزال في حوزتنا، وإن يكن ليس في نصه السرياني الأصلي، بل في ترجمة أرمنية تعود إلى القرن السادس الميلادي. وتوحي كل هذه الترجمات للدياتسرون بأن قد أثر بدرجة عالية على النصوص الإنجيلية الخاصة بالكنيسة كلها. ولقد نشأ نص الترجمة اللاتينية للدياتسرون في زمن مبكر، وهو يشكل المحاولة الأولى لتقديم الإنجيل باللغة اللاتينية.

وقد فقدت كل كتابات تاتيان الأخرى، وهناك ثلاثة منها قد ذكرت بواسطة المؤلف نفسه في الدفاع الذي كتبه، فالفصل الخامس عشر من هذا العمل يفترض مسبقاً أن تاتيان كان قد كتب فيما مضى مقالة بعنوان “عن الحيوان”، وفي الفصل السادس عشر يوضح أنه في مناسبة أخرى كتب عملاً عن الشياطين، ثم يعلن في الفصل الرابع عشر أنه بصدد كتابة عمل مستقبلي عن “هؤلاء الذين يتباحثون في الأمور الإلهية”. ويقتبس كليمندس السكندري في (Stromat. 3: 81: 1f) فقرة من مقالة تاتيان “عن الكمال بحسب وصايا المخلص”.

كذلك يقول رودون (Rhodon) إن معلمه تاتيان “قد أعد كتاباً عن المعضلات” أخذ فيه على عاتقه أن يبين ما كان مبهماً أو مخفياً في الكتب الإلهية، إضافة إلى ذلك، يقول يوسابيوس إن تاتيان: “قد جرؤ على أن يعيد صياغة بعض كلمات الرسول “بولس” ظناً منه أنه يصحح أسلوبه الأدبي” (Hist. Eccl. 4: 29: 6)

[1] المقصود هنا هو آدم. (المراجع)

تاتيان السوري Tatian the Syrian

Exit mobile version