ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف مدينة ساردس[1] بمقاطعة ليديا هو واحد من أكثر شخصيات القرن الثاني الميلادي احتراماً. وفي رسالة إلى البابا فيكتور أسقف روما (189-199م9 ذكر “بوليكراتيس الأفسسي” اسمه من ضمن “كواكب الكنيسة في آسيا” الذين ذهبوا الآن إلى موضع راحتهم، وهو يدعوه “ميليتوس البتول (أي غير المتزوج) الذي عاش بكليته في الروح القدس، والذي يرقد في سادرس، منتظراً مكافأة السماء عندما سيقوم من الموت”. (Eusebius. Hist. Eccl. 5: 24: 5). وإلى جانب ما ذكر في تلك الملاحظة القصيرة، لا نعرف إلا أقل القليل عن حياته. ولقد كان ميليتوس كاتباً غزير الإنتاج، وكتب في عدد كبير من الموضوعات المتنوعة في النصف الثاني من القرن الثاني.

في حوالي عام 170م، وجه ميليتوس دفاعاً عن المسيحيين إلى الإمبراطور ماركس أوريليوس، ولم يبق منه إلا شذرات حفظت بواسطة يوسابيوس وفي كتاب “Chronicon Pasxhale”. وتوجد من ضمن هذه الشذارت عبارة ذات أهمية بالنسبة لمفهوم ميليتوس عن علاقة الكنيسة بالدولة، فهو أول من دافع عن فكرة تضامن المسيحية مع الدولة، فالدولة الدنيوية والديانة المسيحية أختان في الرضاعة، إنهما يشكلان معاً ثنائياً.

بالإضافة إلى أن الديانة المسيحية تعني البركة والرخاء للإمبراطورية: “إن فلسفتنا أصبحت فألاً حسناً على إمبراطوريتك، لأنه منذ ذلك العهد – الذي لأغسطس قيصر – زادت قوة روما في الحجم والعظمة. وأنت الآن خليفته السعيد، وسيكون هذا أيضاً مع ابنك إذا راعيت الفلسفة التي كبرت مع الإمبراطورية وبدأت منذ عهد أغسطس، وكان أجدادك يبجلونها مع الأديان الأخرى. أما الدليل الأكثر اقناعاً على أن ازدهار ديانتنا كان بركة للإمبراطورية، التي كانت حينها قد دشنت بسعادة، هي حقيقة كونها لم تعان من أية حوادث مؤسفة منذ عهد أغسطس، بل على العكس، كل شيء قد زاد من عظمتها وشهرتها في توافق مع الصلاة العامة” (Eusebius. Hist. Eccl. 4: 26: 7-8).

وحتى وقت قريب لم يكن لدينا من هذا الدفاع وأعمال ميليتوس الأخرى سوى الشذرات الصغيرة أو العناوين التي حفظها كل من يوسابيوس (Hist. Eccl. 4: 26: 2) وأنستاسيوس السينائي (Viae Dux 12: 13). ولهذا السبب كان أحد الاكتشافات الحديثة مثيراً للاهتمام بشكل كبير، فقد اكتشف “كامبل بونر” مقالاً لميليوس بعنوان “عظة عن الآلام” كاملاً تقريباً، وقد قام بنشره. وكانت هذه العظة حتى ذلك الحين غير معروفة عنواناً، إلا أنه كان يوجد منها بعض شذرات بلا عنوان باللغات السريانية والقبطية واليونانية.

وتشغل تلك العظة الجزء الأخير من مخطوطة بردية تعود إلى القرن الرابع الميلادي تحتوي على الفصول الأخيرة من سفر أخنوخ، تنتمي ثماني أوراق منها إلى مجموعة تشيستر بيتي والمتحف البريطاني، وست أوراق إلى جامعة متشيجان. وكما يدل عنوان العظة “عظة عن الآلام” تتناول العظة المكتشفة حديثاً آلام ربنا. وتوحي الكلمات الافتتاحية أنها عبارة عن عظة ألقيت في قداس بعد قراءة من العهد القديم، كما أن موضوعها يتناسب مع أسبوع الآلام حتى إن بونر يطلق عليها “عظمة الجمعة العظيمة”.

وبما أن ميليتوس كان من أصحاب وجهة النظر الأربعشرية، إذاً كان هذا اليوم يوافق يوم الاحتفال بعيد الفصح اليهودي. وقد أعيدت فيها صياغة قصة الخروج – وخاصة تأسيس وليمة الفصح – وفُسرت على أساس أنها رمز لعمل المسيح الخلاصي، فكلاهما أطلق عليه لفظة أي “سر” بمعنى أن الأحداث لها تأثير فائق للطبيعة يتجاوز تاريخيتها، فلقد أصبح كل من الخروج والفصح رمزاً لما حدث لاحقاً عندما مات يسوع وقام مجدداً.

إن آلام المسيح وموته تضمن للمسيحي هروبه من الخطية والفناء كما أن حمل الفصح المذبوح ضمن للعبرانيين الهروب من مصر. إن المسيحيين مثلهم مثل اليهود قد خُتموا كعلامة على خلاصهم، لكن اليهود قد رفضوا الرب وقتلوه كما تنبأ الأنبياء، وبالرغم من أن موته كان محدد مسبقاً، إلا أن مسؤوليتهم عنه كانت باختيارهم بالإضافة إلى هؤلاء الذين على الأرض سوف يشاركون في انتصارات القيامة.

وتكشف لغة هذه العظة عن ولع بالكلمات الغريبة والشعرية، والأدوات البلاغية الأدبية. وأسلوب العظة الأدبي متكلف للغاية ومصطنع، كما أن الطباق والجناس لهما فيه مكانة خاصة، وهذا يفسر إشارة ترتليانوس لامتلاك ميليتوس عبقرية ولباقة خطابية (Jerome De Viris Illus.: 24).

التعليم اللاهوتي في العظة

أولاً: الخريستولوجي

  1. إن عقيدة ألوهية المسيح ووجوده السابق الأزلي يسيطر على تعليم اللاهوتي لميليتوس، فهو يدعوه: إله، كلمة، أب، ابن، بكر الله، سيد، ملك إسرائيل، ملكنا. والحقيقة إن استخدام لقب “أب” في الإشارة للمسيح هو استخدام غير معتاد، هو يأتي في فقرة مهمة تشرح وظائف المسيح المختلفة: “لأنه قد ولد كابن وسيق كحمل وقدم ذبيحة كشاة ودفن كإنسان، قام من الموت كإله، كونه بالطبيعة إنساناً وإلهاً. إنه هو كل شيء: هو القانون لأنه يحكم، هو الكلمة لأنه يعلم، هو النعمة لأنه يخلص، هو الأب لأنه يلد، هو الابن لأنه مولود، هو الحمل الذبيح لأنه قد تألم، هو إنسان لأنه دفن، هو إله لأنه قام. هذا هو يسوع المسيح الذي له كل المجد إلى دهر الدهور” (Bonner 8-10).

وهذا التطابق الكامل بين المسيح واللاهوت نفسه يمكن أن يُفسر في صالح (الموداليزم الموارخية) أي وحدة الرئاسة التي تلغي تمايز الأقانيم والتي ظهرت في فترة لاحقة، فإذا كان الأمر هكذا فربما سيفسر هذا سبب إهمال كتابات ميليتوس وفقدانها في آخر الأمر.

  1. ومن ناحية أخرى، كان ميليتوس واضحاً جداً فيما يتعلق بعقيدة التجسد: “هذا هو الذي صار جسداً في العذراء، الذي لم تُكسر – عظامه – على الشجرة، الذي في دفنه لم ينحل إلى تراب، الذي قام من الأموات وأصعد الإنسان من القبر السفلي إلى أعالي السماوات. هذه هو الحمل الذي ذُبح، هذا هو الحمل الذي كان صامتاً، هذا هو من ولد من مريم الشاة الحسنة” (Bonner 70-71). وبطريقة مماثلة، يدعو الكاتب المسيح: “ذاك الذي تجسد عن طريق والعذراء مريم”.
  2. ويشرح ميليتوس وجود المسيح الأزلي السابق في شكل مدائح ترنيمية، كما في الفقرة التالية: “هذا هو بكر الله، الذي ولد قبل نجمة الصبح، الذي جعل النور يطلق، وجعل النهار يسطع، الذي جعل النور يطلع، وجعل النهار يسطع، الذي فصل الظلمة، وثبت أول علامات الخليقة، الذي علق الأرض في مكانها، وجفف لجج المياه، الذي بسط قبة السماء، ورتب العالم (82).
  3. وكانت وظيفة المسيح هي أن ينقذ الإنسان من الخطية (54. 103) والموت (102. 103) والشيطان (67. 68. 102).
  4. وكان وصف ميليتوس لنزول المسيح إلى الجحيم يوحي بأنه ربما قد ضمن في عظته بعض الأجزاء من ترنيمة ليتورجية أقدم: “لقد قام من الموت وصرخ إليك قائلاً: “من ذا الذي يقاومني؟ دعوه يقف أمامي، فلقد حررت المدانين، وجعلت الموتى يحيون مجدداً، وأقمت من دفن. من ذا الذي يرفع صوته ضدي؟” ثم يقول مجدداً: “أنا المسيح، أنا من هزمت الموت، وانتصرت على العدو، ودست الجحيم، وقيدت القوي، ورجعت بالإنسان سالماً إلى الوطن في أعالي السماوات” ثم يقول: “أنا هو المسيح” (101-102).

ثانياً: الخطية الأولى

لقد وصف ميليتوس هذه العقيدة بكل وضوح: “تترك الخطية علامتها على كل نفس، وتكرسها جميعاً للموت، فلا بد لها من أن تموت. هكذا يقع كل جسد تحت سلطان الخطية، ويسقط الجميع تحت سلطان الموت” (54-55).

ثالثاً: الكنيسة

يطلق ميليتوس على الكنيسة لقب “مستودع الحق” (40)

أعمال ميليتوس الأخرى

وبالإضافة إلى الدفاع والعظة المكتشفة حديثاً، كتب ميليتوس الأعمال التالية:

  1. كتابان عن الفصح دافع فيهما عما يدعى بالعادة الأربعشرية (كتبا حوالي عام 166-167م).
  2. مقالة عن الحياة المسيحية والأنبياء، وقد كانت في الغالب ذات طابع مضاد للمونتانية.
  3. عن الكنيسة.
  4. عن يوم الرب.
  5. عن إيمان الإنسان.
  6. عن الخليقة.
  7. عن طاعة الإيمان.
  8. عن الحواس.
  9. عن حسن الضيافة.
  10. عن النفس والجسد.
  11. عن المعمودية.
  12. عن الحق.
  13. عن الإيمان وميلاد المسيح.
  14. عن النبوة.
  15. المفتاح.
  16. عن الشيطان.
  17. عن رؤيا يوحنا.
  18. عن الله المتجسد.
  19. ستة كتب تحتوي على “مقتطفات من الناموس والأنبياء عن مخلصنا وكامل إيماننا”، ولقد حفظ يوسابيوس مقدمة هذا العمل في (Hist. Eccl. 4: 26: 13-14)، وهي تحتوي على أقدم قائمة لأسفار العهد القديم القانونية.
  20. كتاب عن تجسد المسيح.

ويظهر من كل عناوين كتاباته الضائعة تلك أن ميليتوس قد ناقش الكثير من الأسئلة العملية واللاهوتية الخاصة بزمانه بعقلية منفتحة.

كتابات منسوبة إلى ميليتوس

  1. تحتوي مخطوطة سريانية خاصة بالمتحف البريطاني (Add. 14658) على دفاع تحت اسم ميليتوس، غير أنه ليس بقلمه. ويظهر محتوى هذا الدفاع أن كاتبه كان على معرفة جيدة بدفاعات أرستيدس ويوستينوس، ويبدو أنه قد كُتب بالسريانية ولم يترجم عن اليونانية. أما زمن كتابته فهو على الأغلب كان في عهد الإمبراطور “كاراكالا” (Caracalla).
  2. هناك كتاب آخر في ترجمة لاتينية تعود إلى القرن الخامس منسوب بالخطأ إلى ميليتوس، وعنوانه هو: (##)، وتوجد أدلة على أن هذه الرواية الأبوكريفية التي تدور حول رقاد العذراء المطوبة وصعودها إلى السماء لم تظهر قبل القرن الرابع الميلادي، وهي بمثابة نظير لإنجيل الطفولة الأبوكريفي. والنص موجود في عدة تنقيحات يونانية وعدد من الترجمات.
  3. عمل آخر منسوب إلى ميليتوس هو (Clavis Scriptura)، وهو عبارة عن قاموس للمصطلحات الكتابية جمع من كتابات كل من أغسطينوس، وغريغوريوس الكبير، وكُتاب لاتين آخرين. ولقد حرره الكاردينال “بيترا” (Pitra) في عمله (Analecta Sacra, Vol. 2: 1884).

[1] سادرس هي من أهم مدن آسيا الصغرى (تركيا حالياً)، وكانت قديماً عاصمة ولاية ليديا. (المراجع)

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليادس – الآباء المدافعون اليونانيون

ميليادس – الآباء المدافعون اليونانيون

ميليادس – الآباء المدافعون اليونانيون

ميليادس – الآباء المدافعون اليونانيون

ولد ميليادس الخطيب في آسيا الصغرى، وهو معاصر لتاتيان، وقد كان أيضاً على أغلب الظن تلميذاً ليوستينوس. ولسوء الحظ فُقدت كل كتاباته؛ لكن ترتليانوس (Adv. Valent. 5) وهيبوليتوس (Eusebius. Hist. Eccl. 5: 28: 4) يذكران أنه قد دافع عن المسيحية ضد الوثنيين والهراطقة على حد سواء. وبحسب مايذكر يوسابيوس في (Hist. Eccl. 5: 17: 5) كتب ميلتيادس “دفاعاً عن الفلسفة المسيحية” وجهه إلى “الحكام الأرضيين”.

ويبدو أن “الحكام” المقصودين هنا هم على الأرجح الإمبراطور ماركوس أوريليوس (161-180م) وشريكه في الحكم لوسيوس فيروس[1] (161-169م). وقد كان عمله “ضد اليونانيين” المكون من جزئين ذا طبيعة دفاعية مشابهة، وكذلك كان الحال بالنسبة لعمله الآخر “ضد اليهود” والمكون أيضاً من جزئين. وقد تناولت المقالة التي كتبها ميلتيادس ضد المونتانيين مسألة “أنه لا يجب أن يتكلم النبي بنشوة صوفية (أو دهش) (Ecstasy)”، مبيناً أن الأنبياء المونتانيين أنبياء كذبة. كذلك توجد مقالة أخرى لميلتيادس ضد الهراطقة كانت موجهة ضد الغنوسيين الفالنتينيين[2].

[1] لوسيوس فيروس كان قد شارك ماركوس أوريليوس الحكم في الفترة (161-169م)، وقد انتصر على المملكة الفارسية في الشرق بعد محاولة لعودتها مرة أخرى.

[2] نسبة إلى فالنتينوس الذي ولد في دلتا النيل حوالي عام 100م وتعلم في الإسكندرية. وقد أوجد أكاديمية للبحث الحر، كان من ثمرتها جماعات لها صبغة دينية بلا ضوابط. شهد له حتى مقاوموه بأنه كان معروفاً ببلاغته وعبقريته. وربما كان أكثر الغنوسيين تأثيراً وكان له أتباع كثيرون وأقام كثير من تلاميذه مدارس خاصة بهم. (المراجع).

ميليادس – الآباء المدافعون اليونانيون

إيريناؤس أسقف ليون وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

إيريناؤس أسقف ليون وقانونية العهد الجديد

إيريناؤس أسقف ليون وقانونية العهد الجديد

إيريناؤس أسقف ليون وقانونية العهد الجديد (120 – 202م)

كان إيريناؤس أسقف ليون، بفرنسا حاليا، أحد الذين تتلمذوا على أيدي تلاميذ الرسل، خاصة القديس بوليكاربوس أسقف سميرنا، وتلميذ الرسل وأحد خلفائهم، كما أكد هو نفسه، كما بينا أعلاه، ويضيف القديس جيروم: ” من المؤكد أنه كان تلميذا لبوليكاربوس “[1]. وكان بوليكاربوس تلميذا للرسل، كما يقول إيريناؤس نفسه[2].

” ولكن بوليكاربوس لم يتعلم من الرسل فقط بل وتحدث مع الذين رأوا المسيح، ولكن أيضاً تعين أسقفا من الرسل في أسيا على كنيسة سميرنا، الذي رأيته أنا أيضا في شبابي، لأنه بقي على الأرض زمنا طويلاً وصار عجوز جدا، وعانى استشهاد مجيد بنبل وغادر هذا العالم. وقد علم دائماً الأمور التي تعلمها من الرسل والتي سلمتها الكنيسة والتي هي وحدها الحق. هذه التعاليم التي شهدت لها كل كنائس آسيا “[3].

ويقول يوسابيوس أن إيريناؤس في مؤلفه عن الثماني: ” الذي يبين فيه أنه هو نفسه تعرف على أول خلفاء الرسل “[4].

ويقول أيضا: ” في الرسالة إلى فلورينوس السابق التحدث عنها، يذكر إيريناؤس أيضاً أنه كان تلميذا لبوليكاربوس قائلاً: … وأنني أتذكر حوادث ذلك الوقت بوضوح أكثر من السنوات الأخيرة. لأن ما يتعلمه الصبيان يرسخ في عقولهم. لذلك ففي أمكاني وصف نفس المكان الذي كان يجلس فيه المغبوط بوليكاربوس وهو يلقي أحاديثه، ودخوله وخروجه، وطريقة حياته وهيئة جسمه، وأحاديثه للشعب، والوصف الذي قدمه عن عشرته ليوحنا والآخرين الذي رأوا الرب.

ولأن بوليكاربوس كان متذكرا كلماتهم وما سمعه منهم عن الرب وعن معجزاته وتعاليمه لاستلامها من شهود شهدوا بأعينهم كلمة الحياة فقد روى كل شيء بما يتفق مع الأسفار المقدسة “[5].  

وأيضاً: ” إنه لا يزال ثابتاً في مخيلتي ما كان يتصف به القديس بوليكاربوس من احتشام ورصانة مع احترام هيئته ووقار طلعته وقداسة سيرته، وتلك الإرشادات الإلهية التي كان يعلم بها رعيته وبأبلغ من ذلك كأني أسمع ألفاظه التي كان ينطق بها عن الأحاديث التي تمت بينه وبين القديس يوحنا الإنجيلي وغيره من القديسين الذين شاهدوا يسوع المسيح على الأرض وترددوا معه وعن الحقائق التي تعلمها وتسلمها منهم “[6].

فقد كان إيريناؤس حلقة الوصل بين الآباء الرسوليين تلاميذ الرسل ومن جاءوا بعده. وقد أكد هو نفسه أنه عرف الإنجيل الحقيقي النقي وذلك بالمقارنة بالأناجيل المزيفة التي وضعها الهراطقة ودافع عنها طوال حياته. وقد كتب مجموعة من الكتب بعنوان ” ضد الهراطقة “، دافع فيها عن المسيحية وأسفارها المقدسة وشرح لنا كيف انتشر الإنجيل من خلال التسليم الرسولي في العالم المعروف وقتئذ، حوض البحر المتوسط وما بين النهرين (سوريا والعراق) والعربية وفارس وجنوب الهند.

هذا العالم العظيم في زمانه، والذي شهد لعلمه ودقته وأمانته جميع العلماء والدارسين، نقل لنا صورة حية عن التقليد الشفهي وكيفية انتقاله وانتشاره في الكنيسة الأولى والوحي الإلهي وقانونية العهد الجديد وكيفية انتقال أسفاره بدقة من المسيح لتلاميذه لخلفائهم وتلاميذهم حتى أيامه، في كل البلاد التي انتشرت فيها المسيحية، فيقول:

إذ أن الرسل وضعوا في أيدي الكنيسة كل الأمور التي تخص الحق بغزارة بلا حدود، مثل رجل غنى (أكتنز ماله) في بنك، لذلك فكل إنسان أيا كان يستطيع أن يسحب منها ماء الحياة “[7].

ويقول أيضاً: ” المعرفة الحقيقية قائمة في تعليم الرسل وقيام الكنيسة في العالم كله، وفي امتياز إستعلان جسد المسيح بواسطة تتابع الأساقفة الذين أعطوا الكنيسة القائمة في كل مكان أن تكون محروسة ومصانة دون أي تزييف أو ابتداع في الأسفار بسبب طريقة التعليم الكاملة والمتقنة التي لم تستهدف لأي أضافه أو حذف، وذلك بقراءتها بغير تزوير مع مواظبة شرحها باجتهاد بطريقة قانونية تلتزم بالأسفار دون أي خطورة من جهة التجديف، وبواسطة المحبة الفائقة التي هي أكثر قيمة من المعرفة وأعظم من النبوّة والتي تفوق كل ما عداها من المواهب “[8].

ويضيف: ” كما سبق أن أوضحت، الكنيسة وقد تقبلت هذه الكرازة وهذا الإيمان، بالرغم من انتشارها في العالم كله إلا أنها كمن تقطن في بيت واحد، تحافظ على هذه الأمور بكل عناية … وتتباين لغات العالم، لكن معنى التقليد واحد في كل موضع. فالكنائس التي قامت في ألمانيا لا تؤمن ولا تسلم أمرًا مغايرًا، وكذلك الكنائس التي في أسبانيا أو بلاد الغال أو التي في الشرق أو في مصر أو في ليبيا أو تلك التي قامت في مركز العالم “[9].

” إذ نشير ” للهراطقة ” عن التقليد المنحدر إلينا من الرسل والمحفوظ خلال تتابع الشيوخ “، أي رجال الكهنوتفي الكنائس نقول أنهم يقاومون التقليد مدعين أنهم أكثر حكمة من الأساقفة ” الشيوخ ” بل ومن الرسل أنفسهم، وأنهم قد وجدوا الحق الأصيل، ” ويؤكدون ” أن الرسل قد خلطوا الأمور الخاصة بالشريعة بأقوال المخلص … من هذا يظهر أنهم (الهراطقة) لم يتفقوا لا مع الكتاب المقدس ولا مع التقليد … أنه في قدرة الجميع، في كل كنيسة، أن يروا الراغبين في رؤية الحق وأن يتأملوا بوضوح تقليد الرسل معلنًا في العالم كله … بهذا الترتيب وخلال التتابع ” منذ الرسل “، وصل إلينا التقليد الكنسي من الرسل وأيضًا الكرازة بالحق. وهذا هو برهان قوى أنه يوجد إيمان واحد محيى، حفظ في الكنيسة منذ الرسل إلى يومنا هذا، وسلم بالحق.

إذ لدينا مثل هذه البراهين، لا نطلب الحق من الآخرين ” الخارجين عن الكنيسة ” إذ يسهل الحصول عليه من الكنيسة. لأنه في الكنيسة أستودع الرسل وديعتهم كما يصنع الرجل الغنى ” مودعًا أمواله ” في مصرف، إذ سلموا كل ما يتعلق بالحق. بهذا يستطيع كل إنسان يريد أن يشرب مياه الحياة (رؤ22 :17). أنها مدخل الحياة! وكل الآخرين هم سراق ولصوص.

لهذا يلزمنا أن نجتنبهم، وأن نسعى بكل غيرة واجتهاد في التمسك بما يخص الكنيسة، متمسكين بتقليد الحق. فانه ماذا يكون الموقف لو ثار نزاع فيما يخص أمرًا هامًا حدث بيننا؟ أما كنا نلجأ إلى أكثر الكنائس قدمًا، التي أودع فيها الرسل حديثهم الدائم، ونتعلم منها ما هو أكيد وواضح في ذلك الأمر؟! فإنه ماذا لو أن الرسل لم يتركوا لنا كتبًا مكتوبة؟ أما كان يلزمنا أن نتبع ” قانون التقليد ” الذي سلموه إلى الذين استأمنوهم على رعاية الكنائس؟!

إلى أي شئ يلتجئ كثير من البرابرة ” الذين لم يترجم الكتاب المقدس إلى لغتهم حتى ذلك الحين” الذين يؤمنون بالسيد المسيح، وقد كتب الخلاص في قلوبهم بالروح وليس على ورق وبحبر، حافظين التقليد القديم بكل حرص. ما دام التقليد المنحدر إلينا من الرسل موجودًا في الكنيسة وهو دائمًا بيننا، فلنرجع إلى البرهان الكتابي الذي أقامه الرسل، الذين كتبوا الإنجيل، وسجلوا فيه التعليم الخاص بالله، مشيرين إلى ربنا يسوع المسيح على أنه الحق (يو6 :14) وليس فيه كذب.

لقد وهبت عطية الله هذه ” أي الأيمان بالمسيح الذي قبلناه خلال التقليد ” للكنيسة، وكأنها النسمة التي أعطيت للإنسان الأول، لكي يتمتع الأعضاء جميعهم بالحياة بقبولهم هذه العطية وينالوا ” وسائط الشركة مع المسيح ” التي هي: الروح القدس، لنوال عدم الفساد، وسائط الثبوت في الإيمان، السلم المرتفع نحو الله. فقد قيل إن الله أقام في الكنيسة رسلاً وأنبياء ومعلمين (1كو12 :28).

وقدم كل الوسائط الأخرى التي من خلالها يعمل الروح. أما الذين ليست لهم شركة في الكنيسة ولا هم منتمين إليها فيحرمون أنفسهم من الحياة بآرائهم المضادة وسلوكهم المشين. لأنه حيث توجد الكنيسة، ونجد كل نوع من النعمة، لأن الروح هو الحق[10].

وأقتبس إيريناؤس من كل أسفار العهد الجديد حوالي 1075 اقتباسا، فقد اقتبس منها 626 من الأناجيل الأربعة وحدها و54 اقتباس من سفر أعمال الرسل و325 من رسائل القديس بولس الرسول الأربعة عشر (84 من رومية، و102 من 1كورنثوس، و18 من 2كورنثوس، و27 من غلاطية و 37 من أفسس، و18 من كولوسي، و2 من 1تسالونيكي، وو9 من 2تسالونيكي، و5 من 1 تيموئاؤس، و5 من 2 تيموثاؤس، و4 من تيطس. كما اقتبس واستشهد بسفر الرؤيا 29 مرة[11].

وهو بهذا يؤكد لنا أن العهد الجديد، بل والكتاب المقدس بعهديه، كان وحدة واحدة في الكنيسة الأولى لا يمكن تجزئتها أو فصلها, وأن كل أسفار العهد الجديد كانت متساوية في فكره وفكر جميع الآباء.

وأكد على حقيقة انتشار الأناجيل الأربعة في كل مكان بقوله ” لقد تعلمنا خطة خلاصنا من أولئك الذين سلموا لنا الإنجيل الذي سبق أن نادوا به للبشرية عامة، ثم سلموه لنا بعد ذلك، حسب إرادة الله، في أسفار مقدسة ليكون أساس وعامود إيماننا[12].

لأنه من غير اللائق قانوناً أن نؤكد أنهم بشروا قبل أن يمتلكوا ” معلومات كاملة ” … لأنه بعد أن قام ربنا من الموت امتلأ الرسل بقوة من الأعالي عندما نزل عليهم الروح القدس وامتلئوا بمواهبه مع معلوماتهم المؤكدة فقد انطلقوا إلى اقاصي الأرض كارزين بالأخبار المفرحة والأمور السارة من الله لنا ونادوا بسلام السماء للبشر، فقد كانوا يمتلكون بالحقيقة إنجيل الله، كل بمفرده وبالتساوي، فقد نشر متى إنجيلاً مكتوباً بين العبرانيين بلهجتهم عندما كان بطرس وبولس يكرزان ويؤسسان الكنائس في روما.

وبعد رحيلهما سلم لنا مرقس تلميذ بطرس ومترجمه، كتابة ما بشر به بطرس. ودون لوقا، رفيق بولس في سفر الإنجيل الذي بشر به (بولس)، وبعد ذلك نشر يوحنا نفسه، تلميذ الرب والذي اتكأ على صدره إنجيلا أثناء أقامته في أفسس في آسيا الصغرى “[13].

وقال عن وحدة الإنجيل ” لا يمكن أن تكون الأناجيل أكثر أو أقل مما هي عليه

الآن حيث يوجد أربعة أركان في العالم الذي نعيش فيه أو أربعة رياح جامعة حيث انتشرت الكنيسة في كل أنحاء العالم وأن “عامود الحق وقاعدة ” الكنيسة هو الإنجيل روح الحياة، فمن اللائق أن يكون لها أربعة أعمدة تنفس الخلود وتحي البشر من جديد، وذلك يوضح أن الكلمة صانع الكل، الجالس على الشاروبيم والذي يحتوى كل شيء والذي ظهر للبشر أعطانا الإنجيل في أربعة أوجه ولكن مرتبطة بروح واحد … ولأن الإنجيل بحسب يوحنا يقدم ميلاده الأزلي القدير والمجيد من الآب، يقول ” في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله وكان الكلمة الله ” و ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.

لذا فالإنجيل يستحق كل ثقة لأن هذا كان شخصه في الحقيقة 00 ولكن الذي بحسب لوقا يركز على شخصيته (المسيح) الكهنوتية فقد بدأ بزكريا الكاهن وهو يقدم البخور لله. لأن العجل المسمن ( أنظر لوقا 23:15)، الذي كان سيقدم ذبيحة بسبب الابن الأصغر الذي وُجد، كان يعُد حالاً … ويركز متى على ميلاده الإنساني قائلاً ” كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم ” و ” وكان ميلاد يسوع المسيح هكذا “. فهو إذا إنجيل الإنسانية، ولذا يظهر [ المسيح ] خلال كل الإنجيل كإنسان وديع ومتواضع. ويبدأ مرقس من جهة أخرى بروح النبوة الآتي على الناس من الأعالي قائلاً ” بدء إنجيل يسوع المسيح، كما هو مكتوب في اشعياء النبي ” مشيراً إلى المدخل المجنح للإنجيل. لذلك صارت رسالته وجيزة ومختصره لمثل هذه الشخصية النبوية “[14].

كما يؤكد لنا القديس إيريناؤس وجود الأناجيل الأربعة في كل مكان حتى مع الهراطقة. فقد اعتمدت كل هرطقة منها أما على الأناجيل الأربعة ككل أو على واحد من الأناجيل الأربعة. ونظرا لأن الكتابات الغنوسية[15]، في معظمها، بنيت على أساس ما بعد قيامة المسيح أو بعد صعوده إلى السماء، ولم تذكر شيئاً عن تعليم المسيح وأعماله قبل ذلك، عدا إنجيل توما المنحول وإنجيل بطرس المنحول، لذا لم تستغنى عن الأناجيل الأربعة أو حتى على واحد منها على الأقل. وقد أكد ذلك القديس إيريناؤس قائلاً: ” الأرض التي تقف عليها هذه الأناجيل أرض صلبة حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها ويبدأون من هذه الوثائق، ويسعى كل منهم لتأييد عقيدته الخاصة منها.

فالأبيونيين الذين يستخدمون الإنجيل بحسب متى، يستخرجون فقط بنفس الأسلوب، مفترضين افتراضات كاذبة بخصوص الرب. ولكن ماركيون يشوه الإنجيل بحسب لوقا، مبرهنا أنه جدف على الله الواحد الموجود من هذه الفقرات التي لا يزال يحتفظ بها. وأولئك الذين يفصلون يسوع عن المسيح مدعين أن المسيح بقي غير متألم، وأن الذي تألم هو يسوع، يفضلون الإنجيل بحسب مرقس، والذي لو قرءوه بمحبة الحق لكانوا قد صححوا أخطاءهم. وأيضاً هؤلاء الذين يتبعون فالنتينوس، يستخدمون الإنجيل بحسب يوحنا كثيراً موضحين بأمثلة ارتباطهم مبرهنين كل أخطائهم من الإنجيل نفسه، كما بينت في كتابي الأول. ونظراً لأن خصومنا يشهدون لنا ويستخدمون هذه الوثائق، فبراهيننا المأخوذة منها قوية وحق “[16].

ويحدثنا القديس إيريناؤس عن الأبيونيين والناصريين واستخدامهم للإنجيل للقديس متى قائلاً: ” أنهم يستخدمون الأنجيل بحسب متى فقط “[17]. كما تكلم عن ماركيون الذي استخدم الإنجيل للقديس لوقا وحذف منه نصوصاً كثيرة ليتفق مع فكره الغنوسي: ” إلى جانب هذا فقد شوه (ماركيون) الإنجيل الذي بحسب لوقا وحذف منه ما كتب بخصوص مواليد الرب ووضع جانباً كما كبيراً من تعاليم الرب “[18]، مؤكدا قوله أنه حتى الهراطقة يشهدون للأناجيل الأربعة.

كما أكد على كتابة كل من القديسين متى ومرقس ولوقا ويوحنا للأناجيل القانونية الأربعة المعروفة بأسمائهم وأكد على محتوى كل سفر ونسبه لكاتبه؛ فقال عن الإنجيل للقديس متى: ” متى أيضاً اصدر أنجيلا مكتوبا للعبرانيين بلهجتهم, بينما بطرس وبولس كانوا يبشرون في روما ويضعون أسس الكنيسة “[19].

ويقتبس من هذا الإنجيل حوالي 210 اقتباس ويؤكد لنا في الكثير منها أن كاتب الإنجيل هو القديس متى وفيما يلي أمثلة لذلك، حيث يقول: ” ويركز متى على ميلاده كإنسان قائلاً ” كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم (مت1 :1) ” و أيضاً ” وكان ميلاد يسوع المسيح هكذا “. فهو إذا إنجيل إنسانيته، ولهذا السبب يظهر [ المسيح ] خلال كل الإنجيل كإنسان وديع ومتواضع “[20].

بل ويلخص لنا محتوى الإصحاح الأول من الإنجيل للقديس متى قائلاً: ” وقد أدرك متى أيضا أن يسوع المسيح هو نفسه واحد ويقدم لنا ميلاده كإنسان من عذراء، وكما سبق أن وعد الله داود أنه سيقيم من ثمرة جسده ملك أبدي[21]، وقد أعطى نفس الوعد لإبراهيم قبله بزمن طويل قائلا: كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم (مت1 :1)، وليحرر عقولنا من الشك فيما يختص بيوسف، يقول: أما ولادة المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس.

ثم عندما فكر يوسف أن يتخلى عن مريم بسبب حبلها بطفل، يخبرنا متى أن ملاك الرب وقف به وقال له: ” لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا “[22].

ويتحدث عن كتابة القديس مرقس للإنجيل المعروف باسمه قائلا: ” وبعد رحيلهم سلمنا مرقس, تلميذ ومفسر بطرس, كتابةً ما بشر به بطرس “. ويقتبس منه حوالي 18 مرة.

ويذكر بداية الإنجيل للقديس مرقس قائلاً: ” بينما يقول مرقس أيضاً: بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله كما هو مكتوب في الأنبياء “[23]. ويقول في نفس الكتاب: ” بينما بدء مرقس مفسر بطرس وتابعه رواية إنجيله: بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله كما هو مكتوب في الأنبياء ها أنا أرسل ملاكي أمام وجهك ليعد طريقك. صوت صارخ في البرية اعدوا طريق الرب اصنعوا سبل مستقيمة أما إلهنا “[24].

ويقول عن كتابة الإنجيل للقديس لوقا: ” لوقا أيضاً رفيق بولس سجل أيضاً في كتاب الإنجيل الذي بشر به, بعد ذلك “. ويقتبس منه 130 مرة. ويذكر لنا مقدمة الإنجيل قائلاً: ” وهكذا سلم لنا الرسل ببساطة ودون اعتبار للأشخاص ما تعلموه بأنفسهم من الرب.

وهكذا أيضا فعل أيضاً لوقا دون اعتبار للأشخاص فقد سلم لنا ما تعلمه منهم كما شهد هو نفسه قائلاً: كما سلمه لنا الذين كانوا من البدء شهود عيان وخداما للكلمة ” (لو1 :3)[25]. 

ويقتبس القديس إيريناؤس من الإنجيل للقديس لوقا الحديث عن بداية كرازة الرب يسوع المسيح والسن التي بدأ فيها وينسب النص للقديس لوقا مؤكدا لنا أن كاتب هذا النص هو القديس لوقا بل والذي يصفه بالذي ذكر سنوات المسيح ولذلك أقتبس النص منه مما يعطى ترابطا في فكر إيريناؤس بين القديس لوقا وبين اختياره هو لاقتباس هذا النص من البشارة التي دونها: ” لوقا, الذي ذكر سنواته (أي المسيح) قد عبر عنها: لما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة ” (لو3 :23)[26].

ويقدم لنا شهادته لكتابة القديس لوقا للإنجيل وكيفية استلامه من شهود العيان كقوله: ” وهكذا سلمنا لوقا، دون اعتبار للأشخاص، ما تعلمه منهم (أي الرسل) كما شهد هو نفسه قائلاً: كما سلمها إلينا الذين كانوا من البدء شهود عيان وخدم للكلمة ” (لو1 : 2)[27].

وقال عن تسجيل القديس لوقا لميلاد يوحنا المعمدان: ” لوقا أيضاً تابع وتلميذ الرسل يشير إلى زكريا واليصابات اللذين طبقا للوعد، وُلد لها يوحنا قائلا وكانا كلاهما بارين أمام الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم “[28]. بل وفي هذا الفصل العاشر من كتابه الثالث يشرح لنا معظم ما جاء في لوقا الإصحاحين 1و2[29].

وهو هنا يقدم لنا جزء آخر من محتويات الإنجيل للقديس لوقا. كما يذكر تسبحة العذراء كما جاءت في الإنجيل للقديس لوقا (1 :46) قائلا: ” مريم أيضاً تهللت, ولذلك بكت متنبأة عن الكنيسة “، مشيرا إلى نبوّة العذراء عن تطويبها في جميع الأجيال, ثم يضع نص تسبحة العذراء.

وفي مكان أخر يستشهد بالنص ” ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب ” قائلا: ” أن لوقا يتكلم عن الرب قائلا “.

واقتبس قول القديسين متى ولوقا الذي يشير إلى نبوّة اشعياء عن المعمدان الذي جاء ليعد الطريق للرب: ” فان هذا هو الذي قيل عنه باشعياء النبي القائل صوت صارخ في البرية اعدوا طريق الرب.

اصنعوا سبله مستقيمة ” (مت3 :3؛ لو3 :4) اش 40 :1) قائلا: ” أن متى ولوقا قالا مثله “. ثم سرد النص كما هو في أنجيل متى موفقا نفس المعنى مع ما جاء في خطاب يوحنا المعمدان في أنجيل لوقا الإصحاح الثالث, فأن كان اللفظ أختلف إلا أن معنى النصين واحد وروح النصين واحد[30].

ثم يتكلم القديس إيريناؤس عن ماركيون الهرطوقي الذي ظهر في القرن الثاني وأعترف فقط بالإنجيل للقديس لوقا وعشر من رسائل القديس بولس فقط قائلا ” أنه أخذ أنجيل لوقا فقط “[31]، وذلك بنفس الأسلوب والصيغة التي تكلم بها عن الأبيونيين وكأنه يريد أن يقول لا يصلح أن نأخذ بشارة واحدة فقط فالكل هو وحى الرب.

وبعد ذلك يتكلم عن ماركيون ناقداً إياه, قائلا عن الإنجيل: ” هؤلاء الرسل الذين سلموا لنا الإنجيل بأيديهم “. مؤكدا أن ما بين يديه هو ما تسلمه من خلفاء الرسل وتلاميذهم، وقد كان هو، إيريناؤس نفسه، تلميذا لبوليكاربوس تلميذ الرسل، والذين استلموه هم بدورهم من الرسل تلاميذ الرب يسوع المسيح. موضحا التسلسل الرسولي

المكتوب بدون انقطاع وذلك إلى جانب التقليد الشفوي جنبا إلى جنب[32].

ويقول عن سفر أعمال الرسل مؤكدا أن كاتبه هو القديس لوقا في حديثه قائلاً: ” سيمون السامري كان ذاك الساحر الذي قال عنه لوقا تلميذ وتابع الرسل: ” كان هناك رجل في المدينة اسمه سمعان قبل الوقت يستخدم فنون السحر ويضل شعب السامرة قائلاً أنه شيء عظيم … ” (أع 8: 9-11)[33].

والقديس إيريناؤس في هذه الفقرات التي اقتبسناها منه يؤكد لنا على الحقائق التالية:

(1) أن التلاميذ تسلموا الإنجيل من الرب يسوع المسيح نفسه وحملوه للعالم بالروح القدس شفويا ثم دونوه في أسفار مكتوبة.

(2) أن تلاميذ المسيح ورسله بشروا المسكونة كلها وكرزوا لها بالإنجيل وخلفوا وراءهم تلاميذهم وخلفاءهم الذين اقاموهم كأساقفة وقسوس وشمامسة (شيوخ الكنيسة).

(3) أن الآباء الرسوليين، تلاميذ التلاميذ والرسل استلموا منهم، الإنجيل الشفوي والإنجيل المكتوب وسلموه لخلفائهم بنفس الطريقة.

(4) أنه كان في الكنيسة كلها إنجيل واحد له أربعة أوجه، أو أربعة أناجيل للقديسين متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وأن هذا الإنجيل بأوجهه الأربعة كان مع الهراطقة أيضاً.

(5) ومن المقدمات التي ذكرها عن كل إنجيل وذكره لكل بدايات الإنجيل بأوجهه الأربعة يؤكد لنا أن هذا الإنجيل هو نفسه الذي معنا الآن كما كان معه وفي عصره وفي الكنيسة المسيحية كلها في كل مكان انتشرت فيه في المسكونة.

كما استشهد من الرسالة إلى العبرانيين بقوله: ” الآب الوحيد خلق كل شيء ما يرى وما لا يرى … ما في السماء وما على الأرض بكلمة قوته “[34]، مشيرا إلى ما جاء في العبرانيين: ” وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته ” (عب1 :3).

واقتبس من الرسالة إلى يعقوب قوله: ” تم الكتاب القائل فآمن إبراهيم بالله فحسب له برا ودعي خليل الله ” (يع2 :23). فيقول إيريناؤس: ” وإبراهيم نفسه بدون الختان

وبدون تقديس السبت آمن بالله وحسب له ذلك براً ودعي خليل الله “[35].

واقتبس من رسالة بطرس الأولى قوله: ” يقول بطرس: ذلك وان لم تروه تحبونه. ذلك وان كنتم لا ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرح لا ينطق به ومجيد ” (1بط1 :8)[36].

ويستشهد بما جاء في رسالة القديس يوحنا الأولى قائلاً: ” ولهذا السبب فقد شهد لنا في الرسالة: أيها الأولاد هي الساعة الأخيرة. وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون. من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة. منا خرجوا لكنهم لم يكونوا منا لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا لكن ليظهروا انهم ليسوا جميعهم منا … من هو الكذاب إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح. هذا هو ضد المسيح الذي ينكر الآب والابن ” (1يو2 :18 و22؛4 :3)[37].

وكان دائما يرجع لأسفار العهد الجديد، خاصة الأناجيل الأربعة التي يسميها الدليل المكتوب: ” ولأنه هكذا يوجد تسليم الرسل في الكنيسة ودائم بيننا، لنعود إلى الدليل المكتوب الذي وضعه هؤلاء الرسل الذين كتبوا الإنجيل والذي سجلوا فيه العقيدة من جهة الله مؤكدين أن الرب يسوع المسيح هو الحق وليس فيه كذب ” (يو14 :6)[38].

ويضيف: ” ولكن إيماننا أكيد وصادق، والإيمان الوحيد الصحيح وله برهانه الواضح من الأسفار المقدسة والتي تم تفسيرها بالطريقة التي رويتها وأن تبشير الكنيسة بدون تحريف. لأن الرسل أقدم بكثير جداً من كل هؤلاء الهراطقة متفق مع التفسير السابق والترجمة متجانسة مع تقاليد الرسل. لأن بطرس ويوحنا ومتى والباقين الذين خلفوهم وأيضا أتباعهم أعلنوا كل استحقاقات الإعلان كما حوتهم تفسيرات الشيوخ “[39].

 

[1] مشاهير الرجال ف 35.

[2] Ag. Haer. 3.3.4c.

[3] وكان بوليكاربوس قد استشهد سنة 167م في حكم مركوس أورليوس، وكان عمره 86 سنة مما يعني أنه عاصر القديس يوحنا وهو في سن العشرين، أي في شبابه: ” وعندما كان المغبوط بوليكاربوس في روما، في وقت انيسيتوس واختلفا قليلا في بعض أمور أخرى، حل السلام بينهما في الحال، دون أن يتشاجرا بصدد هذا الأمر. لأن انيسيتوس عجز أن يقنع بوليكاربوس بالعدول عن إتباع ما كان يمارسه دواما مع يوحنا رسول ربنا وباقي الرسل الذين أختلط بهم، كذلك عجز بوليكاربوس عن إقناع انيسيتوس لحفظه، إذ قال أنه يجب أن أتباع العادات التي مارسها المشايخ قبله ” (يوسابيوس ك 5 ف 24).

[4] يوسابيوس ك 5 ف20 ،1.

[5] يوسابيوس ك 5 ف20 ،1و4.

[6] الآباء الرسوليين للقمص تادرس يعقوب ص 126.

[7] N. T. Apoc رؤ 17:22 

[8] Adv. Hear. B 5;33.

[9] Probably referring to the in Palestine(Ante Nicene Frs, vol1, p 331.

[10] Irenarus: Against Heresies 1:10:2;3:2,2:3, 3L:3:1; 3:3:3; 3:4:1, 2; 3:5:1;3:24:1. Ante-Nicene Fathers, vol 1. j. Stevenson: A new Eusebius, London, 1974,p 115 – 117.

 

[11] Ante N. F. Vol. 2, pp. 598 – 602.

(1 :5؛ 1 :12؛ 1 :15؛ 1 :17؛ 2 :5؛ 2 :6؛ 2 :17؛ 3 :7؛ 4 :7؛ 5 :6؛ 5 :8؛ 6 :2؛ 7 :5-7؛ 11 :19؛ 12 :14؛ 13 :2؛ 13 :11 و14؛ 15 :26؛ 17 :8؛ 17 :12؛ 19 :11-17؛ 19 :20؛ 20 :2؛ 20 :6؛ 20 :11و 15؛ 20 :12-14؛ 20 :15؛ 21 :1-4؛ 21 :2؛ 21 :5و 6؛ 22 :17؛ 22 :19).

[12] أنظر ” بَيْتِ اللهِ، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ ” (1تي3 :15).

[13] Ag. Haer.3:1.

[14] Ag.Haer. 3:11,8.

[15] لأنه لما ظهرت الهرطقة الغنوسية الدوسيتية وبدأ أتباعها يكتبون الكتب الخاصة بأفكارهم وعقائدهم وينسبوها لتلاميذ المسيح بصورة مكشوفة لا تتفق وفكر الكنيسة، بل وراح كل كتاب من هذه الكتب أما ينسب نفسه لأحد التلاميذ أو يزعم أن المسيح خصه هذا التلميذ المنسوب له الكتاب المنحول قد ظهر له المسيح بعد قيامته من الأموات أو بعد صعوده إلى السماء وخصه بأسرار لم يخص بها غيره من التلاميذ وطلب منه أن يدونها بع ذلك في كتاب!!

[16] Ag. Haer. 3:11,8.

[17] Ag. Haer. 1: 26, 2.

[18] Ag. Haer. 1 :27,2.

[19] Ag.Haer. 3:1.

[20] Ag.Haer. 3:11,8.

[21] اقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه. من ثمرة بطنك اجعل على كرسيك (مز132 :11).

[22] Ag. Haer. 3.16.2.

[23] Ag. Haer. 3.16.3.

[24]Ag. Haer. 3: 10.5.

[25] Ag. Haer. 3: 15.2.

[26] Ag. Haer.2 :22,5.

[27] Ag. Haer.2 :14,2.

[28] Ag. Haer.3 :10,1.

[29] Ag. Haer.3 :10.

[30] Ag. Haer.3 :9.

[31] Ag. Haer.2 :27,2.

[32] Ag. Haer.3 :3.

[33] Ag. Haer.1 :23,1.

[34] Ag. Haer. 2.30.9.

 

[35] Ag. Haer. 4.16.2.

[36]Ag. Haer. 5.7.2.

[37] Ag. Haer. 3.16.5.

[38] Ag. Haer. 3.5.1a.

[39]Ag. Haer.3.21.3c.

إيريناؤس أسقف ليون وقانونية العهد الجديد

العلامة بنتينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

العلامة بنتينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

العلامة بنتينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

العلامة بنتينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

 العلامة بنتينوس:

ولد العلامة (Pantaenus) بالإسكندرية، وقد سمّاه تلميذه أكليمندس بـ ” النحلة الصقلية “[1]، ومن هنا قال البعض أنه من جزيرة صقلية. وقد درس بنتينوس الفلسفة الرواقية ثم اعتنق المسيحية على يدي اثيناغوراس الفيلسوف المسيحي مدير مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، ثم صار بنتينوس مديراً للمدرسة سنة 180م[2]. وكان أول مدرس، معروف لنا، لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية. ويقال أنه أدخل الفلسفة والعلوم إلى مدرسة الإسكندرية لجذب الهراطقة والوثنيين المثقفين حيث أعد لهم دراسات خاصة تقدم الأساسيات الإيمانية مستخدمة الفلسفة كسلاح للحوار والإقناع، كما قدمت المدرسة دراسات متقدمة عن الحكمة الإلهية والمعرفة الروحية.

ويقول عنه يوسابيوس القيصري: ” ونحو هذا الوقت عهد إلى بنتينوس[3] وهو شخص بارز جداً بسبب علمه، إدارة مدرسة المؤمنين في الإسكندرية. إذ كانت قد أنشئت منذ الأزمنة القديمة مدرسة للتعاليم المقدسة، ولا زالت حتى يومنا هذا، وكان يديرها، كما ما وصل إلى علمنا، رجال في غاية المقدرة والغيرة نحو الإلهيات وبرز بينهم في ذلك الوقت بنتينوس لأنه تهذب بفلسفة الرواقيين، وقد أظهر غيرة شديدة نحو الكلمة الإلهية حتى أنه عُين سفيراً لإنجيل المسيح للأمم في الشرق ووصل حتى بلاد الهند، لأنه كان كثيرون من الكارزين بالكلمة الذين سعوا باجتهاد يستخدمون غيرتهم الإلهية على مثال الرسل لزيادة انتشار وبنيان الكلمة الإلهية.

ولقد كان العلامة واحداً منهم حتى أنه ذهب إلى بلاد الهند ومن المعروف أنه عثر هناك على إنجيل متى الرسول لدى الذين عرفوا المسيح إذ أن برثلماوس، أحد الرسل، كان قد كرز بينهم وترك لهم ما كتبه متى باللغة العبرية واحتفظوا به حتى ذلك الوقت. وبعد أعمال صالحة كثيرة، صار في النهاية على رأس مدرسة الإسكندرية وشرح كنوز التعليم الإلهي بالكلمة الشفاهية وبالكتابة، في هذا الوقت تعلم أكليمندس في الإسكندرية الكتب الإلهية على يد بنتينوس حتى صار مشهوراً “[4].

وكان بنتينوس معلماً لعدد كبير من آباء الكنيسة المؤثرين في موضوعنا هنا، وكان أول مدرس، معروف لنا، لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية، كما كان معلماً لأكليمندس الإسكندري خليفته كمدير للمدرسة وأوريجانوس والإسكندر أسقف أورشليم، وكان تأثيره الأكبر على تلميذه أكليمندس الإسكندري، الذي يقول عنه يوسابيوس القيصري ما يلي: ” وفي كتابه (أكليمندس) ” وصف المناظر “، يتحدث عن بنتينوس بالاسم كمعلمه “. بل ويراه من ابرز خلفاء الرسل[5].

ونظرا لعلمه في الكتاب المقدسة قال عنه تلميذه وخليفته أكليمندس الإسكندري معبراً عن ثقته في تفاسيره: حيث كان يكرر عبارة: ” أما بنتينوسنا، فقد قال … “[6]، مؤكداً أنه كان مصدر ثقة في عصره للمعلمين ولأكليمندس نفسه.

كما يقول أكليمندس عن مصدر كتابات العلامة بنتينوس أنه استقاها من عظماء الحكماء والعلماء وعلى قمتهم بنتينوس: ” وحينما جئت إلى الأخير (بنتينوس) كان أولهم في القوة، وقد تتبعته حيث كان مختفياً في مصر، فوجدت الراحة, وهو في الحقيقة النحلة الصقلية التي تجمع رحيق الأزهار من المروج النبوية والرسولية[7]، غارساً في نفوس سامعيه عنصر المعرفة الحية. حسناً فقد حفظوا التقليد للعقيدة المقدسة المأخوذة مباشرة من من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس، فقد استلم الابناء عن الآباء … الذي آتى إلينا أيضاً بإرادة الله كوديعة لهذه البذار الرسولية والتي تعود إلى الأسلاف “[8]. وينقل يوسابيوس: ” أما الكتب المعنونة وصف المناظر فهي بنفس العدد، ويذكر فيها بنتينوس كمعلمه[9]، وينقل اراءه وتعاليمه “[10].

ويقول عنه القديس جيروم أنه: ” فيلسوف من المدرسة الرواقية … ولقد كان من كبار العلماء وكانت له فطنة كبيرة ودراية بكل من الإنجيل والعلوم الدراسية “[11]. ويضيف إلى ما قاله يوسابيوس عن وجود الإنجيل للقديس متى في الهند: ” وعندما عاد بنتينوس إلى الإسكندرية أحضر هذه النسخة معه والمكتوبة بالعبرية “[12].

ومن ابرز أعماله أنه قام مع تلميذيه أكليمندس وأوريجانوس بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة القبطية مستخدمين الحروف اليونانية مضافاً إليها سبعة حروف غير موجودة في اليونانية.

من ذلك يتضح لنا حقيقة إيمان العلامة بنتينوس بوحي أسفار الكتاب المقدس بعهديه بما فيها الرسالة إلى العبرانيين. ولكن للأسف فقدت جميع كتاباته، عدا جذاذة صغيرة.

وينقل يوسابيوس ما نقله أكليمندس عن استاذه بنتينوس عن الرسالة إلى العبرانيين[13]: ” والآن يقول الشيخ لأن الرب رسول القدير أرسل إلى العبرانيين، فأن بولس إذا أُرسل إلى الأمم لم يشأ أن يعتبر نفسه رسول العبرانيين وذلك تأدباً منه. وهو إذ كان سفيراً ورسولاً للأمم لم يكتب إلى العبرانيين إلا لغزارة مادته “[14].

وترجع قيمة بنتينوس بالنسبة لنا لكونه معلما لعدد كبير من آباء الكنيسة المؤثرين في موضوعنا هنا، فقد كان معلماً لأكليمندس الإسكندري خليفته كمدير للمدرسة والإسكندر أسقف أورشليم وكذلك أوريجانوس، وكان تأثيره الأكبر على تلميذه أكليمندس الذي يتكلم عنه بكل احترام ويصفه بـ ” النحلة الصقلية ” التي قد تكون إشارة إلى مكان ميلاده[15]، ومن يوسابيوس نعرف أن أكليمندس كان خليفة له: ” وفي ذلك الوقت عهد إلى أكليمندس تعليم الإيمان في الإسكندرية خلفاً لبنتينوس[16]. وكان رأي بنتينوس في الأسفار المقدسة هو ما قبله تلاميذه، خاصة، أكليمندس وأوريجانوس[17].

وقد قدم لنا العلامة بنتينوس، وهو ما قبله تلميذاه أكليمندس وأوريجانوس، نوعين من الاعتراف برسائل القديس بولس؛ واحد يضم رسائل بولس الثلاث عشرة، بدون الرسالة إلى العبرانيين، والثاني يتكون أربع عشرة رسالة، تضم الرسالة إلى العبرانيين[18].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش: 

[1] Stomata, I,1.

[2] وسلم إدارة المدرسة لتلميذه اكليمندس سنة 190م عندما قام برحلته الكرازية للهند.

[3] يقول مترجم الترجمة الإنجليزية أن العلامة هو أول مدرس عرفناه لمدرسة الإسكندرية.

[4] يوسابيوس ك 5 ف 10 و11. الترجمتين العربية والإنجليزية.

[5] يوسابيوس ك 5 ف 11 :2.

[6] العلامة بنتينوس الإسكندري، ترجمة وإعداد أنطون فهمي جورج ص 11.

[7] يقصد مثل بقية الآباء أسفار العهدين القديم والجديد.

[8] Stomata, I,1.

[9] Strom. I. 1.

[10] يوسابيوس ك 6 ف 13 :2.

[11] مشاهير الرجال ص 55.

[12] مشاهير الرجال ص 56.

[13] Bruce M. Metzger, p130.

[14] يوسابيوس ك 6 ف 14 :4.

[15] The Church History Of Eusebius, B. 5, 10, note, 1.

[16] يوسابيوس ك 6 ف 6 :1.

[17] Ibid.

[18] Bruce M. Metzger, p130.

العلامة بنتينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

صور من واقع الاستشهاد في عصر دقلديانوس في مصر (1)

صور من واقع الاستشهاد في عصر دقلديانوس في مصر (1)

صور من واقع الاستشهاد في عصر دقلديانوس في مصر (1)

صور من واقع الاستشهاد في عصر دقلديانوس في مصر (1)

الباحث جورج ميشيل اندراوس

مقدمة:

          الغالبية العظمى لشهداء الكنيسة القبطية تعود إلى عصر دقلديانوس ومعاونيه، ومن خلفوه أيضًا، في الفترة ما بين سنة 303 إلى 313 ميلادية. ولذلك تعتبر كنيستنا القبطية بداية التقويم القبطي، والذي يُطلق عليه تقويم الشهداء، من العام 284 ميلادية، وهى السنة التي اعتلى فيها دقلديانوس عرش الحُكم. ويرجع ذلك لاعتبار أن عصره هو الأكثر دموية وصعوبة بين بقية فترات الاضطهاد في القرون الأولى للمسيحية. كما أن هذه الفترة قد أغنت تاريخ الكنيسة القبطية بالكثير من سير الشهداء القديسين.

          يمكننا أن نتتبع في تقويم الكنيسة القبطية أربعة مجموعات من الشهداء: شهداء مصريين استشهدوا في مصر، وآخرين استشهدوا في بلدان أخرى، ومجموعة ثالثة وهم شهداء ليسوا مصريين استشهدوا في مصر، وأخيرًا مجموعة أخرى من الشهداء لم يعيشوا في مصر ولا استشهدوا على أرضها مثل الشهيد ديمتريوس من تسالونيكي. وسيختص حديثنا هنا فقط على الثلاثة مجموعات الأولى التي ذكرناها.

          لقد كان المؤرخ يوسابيوس القيصري شاهد عيان لبعض هذه الأحداث القاسية والظروف الصعبة التي مرت على هؤلاء الشهداء، نجده يعقد مقارنة بين المصريين الذين استشهدوا في مصر وأولئك الذين استشهدوا خارج وطنهم. وبرغم أنه يصف العذابات المؤلمة، ويعبر عن إعجابه بشجاعة وثبات هؤلاء الشهداء على الإيمان المسيحي، إلاّ أنه لم يذكر لنا أسماء هؤلاء الشهداء الذين شاهد عذاباتهم. لقد عبّر عن انبهاره لثبات وصبر هؤلاء الأبطال، وقوة احتمالهم العجيب، الذين استشهدوا في صور بفنيقية[1]. الوحوش لم تلمس أجساد هؤلاء الشهداء، بل هاجمت الآخرين الذين كانوا يستحثونها من الخارج ويحفزونها (أى الوثنيين). وأيضًا نجد أن شبابًا صغيرًا في السن وأجسادهم غضة، برهنوا على ثباتهم وصلابة إيمانهم. لقد وقف أحدهم غير مرتعب، ثابتًا دون أن يتراجع على الإطلاق عن المكان الذي وقف فيه، منشغلاً في صلاة حارة لله، بينما تقترب منه جدًا النمور والدبب المتوحشة تكاد تلمس جسده، دون أن تفتح أفواهها[2]. وحينما تأكدوا بأن هذه الوحوش لم تقترب من هؤلاء الشهداء قتلوهم جميعًا بالسيف، وألقوهم في أعماق البحر[3].

 

أعداد الشهداء وأنواع العذابات في مدن مصر:

          لا يوجد رقم محدد لأعداد الشهداء، بل أن الأعداد تختلف في كتابات الباحثين ما بين أرقام صغيرة وكبيرة جدًا[4]. ومع ذلك يمكننا أن نستنتج عن طريق البيانات التي بين أيدينا والمتعلقة بسير الاستشهاد المختلفة، وأيضًا من المصادر الأخرى المتنوعة أن أعداد الشهداء في الكنيسة القبطية هى عشرات الآلاف. فلقد اجتازت آلام هذه الأحداث مدن كاملة. فمثلاً قتل الوالي أريانوس كل المسيحيين في مدينة اسنا (Λατόπολη)، وهؤلاء كانوا مع أسقفهم أمونيوس في الدير الذي أقامه في أحد الجبال خارج المدينة، وفيه كان يختلي للعبادة عدة أيام في كل أسبوع. وحينما قاد أريانوس حملة على هذه المدينة كان مسيحيوها مجتمعين كلهم هناك لأجل تكريم أحد القديسين. وفي الطريق إلى الدير كان الجنود يقتلون أى مسيحي يقابلهم. وحينما رأى المسيحيون أريانوس كانوا يعلنون إيمانهم وكان نتيجة ذلك هو قتل كل المسيحيين، الأطفال والكبار، الرجال والنساء. لقد حاول أريانوس دون جدوى أن يثني الأسقف عن الإيمان المسيحي وأن يقدم التكريم للأوثان. وفي نهاية الأمر ألقى الجنود الأسقف في النيران، دون أن يحترق جسده على الإطلاق[5].

          ونفس المصدر الذي قدم لنا تفصيلاً عن الأحداث التي جرت لشعب مدينة اسنا وأسقفها أنبا أمونيوس يحدثنا عن إعداد وتجديد المواضع الخاصة برفات هؤلاء الشهداء، والذي تم على يد الملكة هيلانة أم قسطنطين الكبير. يتكلم المصدر عن أن هذا المكان الذي يحوي رفاتهم يُقدر بنحو ثمانين فدانًا، وأن رفات الشهداء التي وُضعت فيه كانت بلا حصر، وذلك حين قارن هؤلاء الشهداء مع شهداء مدينة أخميم (Πανόπολη)، والتي كان عدد شهدائها ثمانية آلاف وأربعة وأربعون[6]. ومن هنا يتضح كيف أن عدد الشهداء في مدينة اسنا كان كبيرًا جدًا.

          وفي مدينة إنصنا (Αντινοόπολη) استشهد خمسة آلاف وثمانمائة شهيد مع أسقفهم أباديون[7]. وفي مدينة أسيوط (Λυκόπολη) نجد أن عددًا كبيرًا من المسيحيين جاهروا بالإيمان وكان نتيجة ذلك أنهم نالوا إكليل الشهادة[8]. لقد حاول يوسابيوس أن يقترب من أعداد الشهداء المصريين فكتب بأنهم كانوا ألوف من الرجال والنساء والأطفال[9].

          في وصفه لشهداء مصر يتعجب يوسابيوس من صبرهم على العذابات، مؤكدًا على أن ذلك هو من أجل تعاليم مخلّصنا. ومن ضمن هذه العذابات المتنوعة نجد أن البعض قد أُلقوا في النيران بعد كشط أجسادهم وجلدهم. والبعض الآخر أُغرقوا في البحر، والبعض ماتوا من شدة هذه العذابات ولم تتحملها أجسادهم. لقد قدم البعض رؤوسهم بشجاعة والبعض مات جوعًا. لقد صُلب بعضهم بالطريقة المعتادة وبعضهم الآخر بطريقة عكسية أى أن رؤوسهم منكسة إلى أسفل، وبدون طعام حتى الموت[10].

          لقد خص يوسابيوس أيضًا شهداء طيبة بشرح منفصل، بعدما تكلّم عن نضال المصريين. وكانت طيبة هى أحد الأقاليم الثلاثة التي تتكون منها مصر. يجد يوسابيوس أن الكلمات عاجزة عن وصف العذابات التي تكبدها الشهداء في طيبة[11]. فبدلاً من المناجل كانت تستخدم المحار في كشط الأجساد وهو ما كان يسبب ألمًا أشد. وكانت النساء تُمتهن كرامتهن أثناء تعذيبهن مما كان يسبب الخجل الشديد لهن. هناك أيضًا طرق قاسية جدًا كانت تستخدم مع بعض الشهداء، إذ كانوا يوثقون أطراف أجسادهم مع بعض فروع لأشجار ضخمة، بعدما يقربونها لبعضها البعض عن طريق ماكينات خاصة، ثم بعد ذلك يتركون هذه الفروع كي تعود إلى وضعها الأصلي، بهذه الطريقة تتمزق أعضاء الجسد في الحال. وهنا يجب أن ننتبه إلى أن أعداد الشهداء يجب أن يكون كبيرًا أيضًا في طيبة، لأن هذه الأحداث كانت تستمر لأعوام طويلة، كما أن أعداد الشهداء في كل يوم كان يتراوح بين عشرة ومائة رجل، غير أعداد الأطفال والنساء. ولقد أورد المؤرخ يوسابيوس أحد التفاصيل التي تبين لنا أعداد هؤلاء الشهداء الذين كانوا ينفذون فيهم الحكم كل يوم في طيبة. يذكر يوسابيوس أن حدّ السيف قد ضعف من كثرة استخدامه، وإذ ضعف انكسر، كما أن قوى منفذي الأحكام قد وهنت فكانوا يتبادلون الواحد مكان الآخر لكي يستريحوا من شدة التعب[12].

          لقد كان من العجيب حقًا أنه برغم كل هذه العذابات المرعبة واللا إنسانية فإن مسيحيي طيبة كانوا في شدة الحماس والنشاط والغيرة[13]. فبمجرد أن يتم الاعلان عن القرار النهائي بإعدام أحد هؤلاء، كان يندفع الباقون نحو كرسي القضاء مقدّمين اعترافهم بالإيمان المسيحي بدون خوف من الموت، بل أكثر من هذا نجدهم يتقبلون الحكم بالموت وهم فرحين مترنمين ومتهللين ومقدمين الشكر والتسبيح لله[14].

          كان محتوى إيمانهم واعترافهم يتم التعبير عنه بكلمتين “أنا مسيحي”. وهاتين الكلمتين القصيرتين كانتا تلخصان وتشرحان كل شئ، لقد كانوا يجيبون حينما يسألونهم عن أسماءهم بأنهم مسيحيين، فلقد كانوا يسرعون بذكر إيمانهم بالمسيح، مفضلين ذلك على أن يذكروا أسماءهم الخاصة. فلقد كان إيمانهم هذا محل فخرهم ومجدهم، وفي نفس الوقت هو السبب الرئيسي لإتهامهم بأبشع الإتهامات والوشاية بهم، وبالتالي تعرضهم للعذابات والآلام المتنوعة.

          لقد كان الوثنيون يُظهرون أو يتظاهرون بالأسف من أجل حياة الشهداء، على الرغم من أنهم كانوا يعتبرونهم مجانين، لأنهم يقدمون حياتهم غير مبالين بالموت. لقد كانوا أيضًا متعجبين جدًا بسبب شجاعة الشهداء وإقدامهم[15]. من بين الشهداء نجد أسماء كثيرة لأشخاص كانوا في مواقع عليا أو من أصول نبيلة، والذين لم يبالوا بموقعهم الاجتماعي، ولا بثروتهم أو علمهم. كمثال لهؤلاء نذكر فيلوروموس والذي يقال عنه إنه كان يشغل مركزًا عاليًا في الحكومة الإمبراطورية بالأسكندرية. كذلك فيلياس أسقف كنيسة تمى[16]، والقديسة كاترينة[17]، والقديسة دميانة، وغيرهم الكثير. ولأجل هذا فإن كثيرين من الوثنيين تأثروا بهؤلاء وبسيرتهم وبسلوكهم، ولذا انضموا للمسيحية. ولذلك فإننا نجد أن كل السجلات والنصوص تقريبًا التي تخبرنا عن الشهداء وسيرتهم تتكلم عن اعتناق المسيحية من جانب مشاهدين وثنيين تأثروا بمعجزات حدثت أثناء الاستشهاد وبشجاعة الشهداء وثبات إيمانهم.

          إن تاريخ الاستشهاد في فترة دقلديانوس لا يبدأ من وقت تطبيق منشورات أو قرارات الإمبراطورية ضد المسيحية أى من عام 303م، ولكن قبل هذا التاريخ بوقت كافٍ. ربما يعود ذلك مثلاً إلى عام 295م حينما بدأت بعض الإجراءات والمضايقات ضد جنود مسيحيين في الجيش[18]. ولهذا فإن أول ضحايا الاضطهاد كانوا من قادة الجيش، مثل الشهيد العظيم مارمينا العجائبي[19]. كذلك لدينا مثال الكتيبة الطيبية، وقد أُرسِلَت هذه الكتيبة لكي تساعد ماكسيميانوس في حملة لقمع اضطرابات كانت قد نشبت في فرنسا. وقبل القيام بمهامها طُلب من أفرادها طاعة الإمبراطور، وتقديم البخور للآلهة قبل حملته المرتقبة، وبعدما رفض هؤلاء الجنود هذه الأوامر ابتدأ الإمبراطور في التخلص من الجندى العاشر في الترتيب، كي يخيف الآخرين، ولكن عبثًا لم يستطع أن يثنيهم عن عزمهم وتمسكهم بإيمانهم. وهكذا استمر في قتلهم واحد تلو الآخر حتى أتى على هذه الكتيبة كلها.. ومن هذه الكتيبة هناك أسماء لامعة مثل القديس موريس وأسماء أخرى منتشرة في دول أوربا كسويسرا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا[20].

          لقد أرسل الأسقف فيلياس رسالة إلى رعيته في تمى من داخل سجنه بالأسكندرية. من هذه الرسالة يتضح العمل الرعائي للأسقف تجاه رعيته في ظروف وأيام الاضطهاد الصعبة، ولقد كان هو نفسه ينتظر الاستشهاد في ذلك الوقت. لقد كتب لرعيته كلمات ممتلئة تشجيعًا، يصف فيها ثبات المسيحيين في الأسكندرية أمام تهديدات حراسهم المتعددة.

          لقد واجهوا بكل بسالة وعزم، وفضيلة أيضًا، هذه الأهوال التي واجهتهم، وألوان التعذيب التي تفنن المضطهدين في استخدامها معهم، وأيضًا سخط المشاهدين وهياجهم واعتداءاتهم. وبعد العذابات الشديدة التي كان يجتازها هؤلاء الأبطال، كانوا يتركونهم بدون أى رعاية كما لو كانوا غير موجودين.

          والبعض منهم كانوا ينالون جرعات أخرى من العذابات، بعدما يكونوا قد أمضوا النهار كله وهم يقاسون الكثير منها. فيمددون أرجلهم على آلة خشبية، ويضعونها في ثقوب، وهم عاجزون عن أن يقوموا عن هذا الوضع، نظرًا لجراحاتهم التي تكون قد امتلأت بها أجسادهم، نتيجة لجلدهم على كل الجسد[21]. لقد كانت لديهم الفرصة أن يتخلصوا من الآلام والموت، إن شاركوا في الذبائح، أو حتى لمسوا فقط هذه الذبائح، ولكنهم كانوا يرفضون هذه الحرية البغيضة الزائفة، مفضَّلين أن يركضوا للموت فرحين، كي لا يعبدوا إلهًا آخر. لقد أوجز يوسابيوس، بعد نهاية هذه الرسالة، القانون الذي كان يُطبَّق على هؤلاء الشهداء، وهو أنهم كانوا يُعتبرون كأعداء في حرب[22].

 

                                                                                                           

1 تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، ترجمة القمص مرقس داود 7:8.

2 تاريخ الكنيسة 4:7:8

3 نلاحظ أن كثير من أجساد الشهداء في اضطهاد دقلديانوس وأعوانه كانوا يُلقون في البحر أو في النار أو كانوا يتركونها للوحوش المفترسة كي تأكلها. نعتقد أن السبب في ذلك، بحسب دراستنا لهذه السير، يرجع إلى أن المضطهدين كانوا يخشون القوة المعجزية التي كانت بداخل هؤلاء الشهداء (والتي كانوا يطلقون عليها سحرًا) والتي ظهرت في حالات التعذيب، لقد كانوا يريدون أن تُمحى هذه الأجساد معتقدين أنه بذلك لا يستطيع هؤلاء الشهداء أن يجذبوا الوثنيين إلى المسيحية ولا أن يكونوا هم أنفسهم محل تكريم من المؤمنين. راجع أيضًا تاريخ الكنيسة  7:6:8

4 عن الاختلافات في أعداد الشهداء في هذه الفترة عامة انظر ديمتري تسامس، سجل شهداء سيناء، تسالونيكي 1989، ص17ـ18 (باللغة اليونانية).

5 عن الاستشهاد في مدينة اسنا، استخدمنا المخطوط 638 البطريركية القبطية، تاريخ 44، ورقة 90 وجه ـ 103 ظهر. وقد صدر هذا المخطوط كاملاً ونشر مع ثلاثة مخطوطات أخرى في طبعة علمية مع ترجمة فرنسية في كتاب شهداء مدينة اسنا، د. أنطون خاطر، القاهرة، أورشليم 1981. انظر أيضًا :

Delacy O’leary, The Saints of Egypt, London, New yourk 1937, pp 68-70.

6 مخطوط 638، تاريخ 44، 117 ظهر ـ 118 وجه (إصدار د. أنطون خاطر كما سبق).

7 انظر Coptic Encyclopedia, New Yourk, Toronto 5, 1551,

[8]  R.Graffin, F. Nau, Patrologia Orientalis, 11, 762.

9 تاريخ الكنيسة1:8:8

10 تاريخ الكنيسة 8:8

11  تاريخ الكنيسة 9:8.

12  نفس المرجع السابق.

13 عن حماس الشهداء هناك دراسة قيّمة: Ι. κοτσώνη, Το ενθόυσιαστικόν στοιχείον εις την εκκλησία των μαρτύρων, Αθήνα 1952.

14 تاريخ الكنيسة 5:9:8.

15 يرى Dodds أن المسيحية استحقت أن تحيا وتستمر لأنها أعتبرت مستحقة لأن يموت أحد من أجلها. كذلك يرى أنه بالرغم من آراء ماركوس أوريليوس ولوكيانوس وجالينوس وكلسس إلاّ أنهم كانوا مبهورين من شجاعة المسيحيين أمام الموت والاستشهاد D E R. Dodds, Εθνικοί και χριστιανοί σε μια εποχή αγωνίας (ترجمة يونانية) 1995, p.203

16 استشهاد فيلياس إما أنه قد حدث في أواخر عصر دقلديانوس أو بعد اعتزاله بوقت قصير. انظر H. Musurillo, The Acts of the Christian Martyrs, Oxford 1979, p.x/vii. Π. χρήστου, Τα Μαρτύρια των αρχαίων χριστιανών, ΕΠΕ 30, 83

17 استشهدت في فترة إدارة ماكسيمينوس في الأسكندرية. ديمترى تسامس، سجل شهداء سيناء، ص46 الخ.

18 Γλαβίνα ، تاريخ الكنيسة جزء أول، تسالونيكي 1993، ص208 (باللغة اليونانية). تاريخ الكنيسة 1:4:8ـ4

19 غالبًا استشهد عام 296 Δετοράκης, Μηνάς ο Μεγαλομάρτυς ο άγιος του Μεγάλου Κάστρου, Ηράκλειον 1995, p.29

[20]  Coptic Encyclopedia, 7, 2231-2234.

21 تاريخ الكنيسة 8:10:8

22 تاريخ الكنيسة 12:10:8

صور من واقع الاستشهاد في عصر دقلديانوس في مصر (1)

صور من واقع الاستشهاد في عصر دقلديانوس في مصر (2)

صور من واقع الاستشهاد في عصر دقلديانوس في مصر (2)

صور من واقع الاستشهاد في عصر دقلديانوس في مصر

صور من واقع الاستشهاد في عصر دقلديانوس في مصر (2)

الباحث. جورج ميشيل أندراوس

 

شدة الإجراءات وقسوة الولاة في الشرق:

لقد كانت الإجراءات الأولية التي اتخذت من قِبَل الولاة تهدف إلى المساس بالكيان الكنسي كتنظيم. لهذا بدأت هذه الإجراءات بهدم الكنائس، والتخلص من الكتب المقدسة، وكذلك التخلص من الأكليروس ورؤساء الكنائس. لقد طلبوا من تيموثاؤس وهو قارئ في الكنيسة[1]، أن يسلم الكتب المقدسة التي لديه، وذلك بحجة من أريانوس الوالي أنه يريد أن يَعْلم ما بها من قوة. بالطبع رفض تيموثاؤس ذلك معتبرًا هذه الكتب إنها أبناؤه كمثل يجب أن يحافظ عليهم من الموت[2].

      برغم أن الإضطهاد كان يسود كل أرجاء الأمبراطورية، إلا أن الشرق قد اجتاز آلامًا أكبر بكثير مما أجتازه الغرب[3]. لقد كانت المنشورات المطبَّقة واحدة في كل الأمبراطورية. لكن الاضطهادات كانت أخف في مكان عن مكان آخر، وذلك تبعًا للقادة الذين كانوا يشغلون إمارة هذه المقاطعات. ففي الشرق كانت تطبق القوانين بطريقة حرفية، بينما في الغرب كان يُطبق فيها روح القانون. لقد وقعت مصر في أيدي قاسية في فترة دقلديانوس، وأيضًا في فترة إمارة ماكسيمينوس. لقد عُرفت أسماء ارتبطت بعصر الإستشهاد في هذه الفترة مثل ارمانيوس، كولسيانوس، سوسيانوس، هيروكليس وبالطبع ساتريوس اريانوس[4]، وهم أشخاص طبقوا المنشورات الصادرة بحذافيرها. لهذا فإن مصر، وخاصة مصر العليا، كانت مكانًا مشهورًا ومعروفًا بالنسبة للإستشهاد ليس للمصريين فقط، وإنما أيضًا للمعترفين الذين أرسلهم الحكام من خارج مصر لكي تُنفذ فيهم الأحكام وتُمارس ضدهم العذابات المختلفة.

لقد أقترح رومانوس، وهو أب الشهيد بقطر، أن يُرسَل كلوديوس ابن بتولماوس، وهو من عائلة ملكية إلى أريانوس في أنصنا لكي يحاكم فيها بدلاً من أن يُرسل إلى بلده الأصلي أنطاكية[5]. ومن أنطاكية نعرف شخصية أخرى وهو باسيليدس، شخص ذو مكانة عالية في بلده، مع مجموعة من عائلته وأصدقائه الذين كانوا يرتبطون به[6]. لقد أُرسل هؤلاء إلى مصر للمحاكمة بناء على أوامر من الحكام. كما إننا نعرف حالات أخرى مختلفة مثل الشهيد أبادير والذي قاده السيد المسيح نفسه أن يذهب إلى مصر لينال إكليل الشهادة، كما جاء في المخطوطات القبطية والعربية[7].

بالرغم من القسوة التي كانت ظاهرة للعيان في معاملة الشهداء القديسين، إلا أنه كان يوجد رغبة من المضطّهِدين كي يرجع المسيحيون ويقبلوا مشاركتهم في الديانة الرسمية للدولة. ولهذا بذل القضاة كل ما بوسعهم كي يجذبوا هؤلاء المعترفين ويربحوهم. لذا فإننا نلاحظ من سجلات الإستشهاد وسير الشهداء ومحاكماتهم أن الحوار الذي جرى معهم من جانب القضاة كان طويلاً، وخاصة مع هؤلاء الذين كانوا في مكانة إجتماعية مرموقة أو في وظيفة من الوظائف العليا في الإدارة، كما هو في حالة الشهيد فيلياس[8]. لقد كانت الضغوط والعذابات النفسية عليهم أقسى من عذابات الجسد التي رأها المشاهدين. فلا يجب أن ننسى الضغوط التي كانت تلحق بهم من جراء التأثير على مشاعرهم نحو عائلاتهم والتي كانت تُستَخْدَم كوسائل للضغط عليهم، حتى يتركوا إيمانهم. لقد حاولوا مثلاً الضغط على تيموثاؤس عن طريق زوجته الشابة مورا[9]. وبالنسبة للأساقفة كانوا يستخدمون علاقة الأسقف ومحبته نحو رعيته كوسيلة للضغط. حتى الكتاب المقدس كانوا يستخدمونه بصورة خاطئة حتى يؤثروا على المعترفين؛ فيتساءلون مثلاً أليس المسيح هو الله، فكيف له أن يُصلب[10]؟ لقد أرسل ماكسيمينوس دايا رسالة ينصح فيها القضاة بأن يستخدموا التملق والنصح كوسيلة حتى يعرف المسيحيون إهتمام آلهة الدولة ورعايتها، وبذلك يعودوا إليها[11]. ومن هنا ندرك كيف يكون القرار بالنسبة لهؤلاء القديسين في ظل هذه الظروف الصعبة والجو المشحون وتحت كل هذه الضغوط. والأمر يكون أكثر صعوبة حينما يتعلق بمن هم في سن صغيرة، كما هو الحال بالنسبة للثلاثة عذارى الأخوات ثيؤكتيستا 15عامًا، ثيؤذوسيا 13عامًا، وأدوكسيا 11عامًا واللاتي استشهدن مع أمهن أثناسيا . لقد شعر القديس أباكير بالخوف لربما تتراجع الصغيرات ولا يتحملن العذابات بسبب سنهن الصغيرة. ولكنهن أبدين شجاعة كبيرة، كما لو كانوا يعذبون أجسادًا أخرى وليس أجسادهن[12].

 

أضطهاد ماكسيمينوس دايا:

          لقد كان جاليريوس عدوًا دائمًا للمسيحية، ووجد هذا الإمبراطور من يساندونه في تنفيذ سياسته ضد المسيحيين في الشرق، وذلك في الفترة التي أعقبت اعتزال دقلديانوس العرش. وكان ماكسيمينوس دايا واحدًا من هؤلاء، والذي جعل صفحة الإضطهاد في مصر أكثر قتامة. قال عنه لاكتانتيوس، إنه لكي يشبع رغباته الشهوانية جعل إرادته الخاصة هي مقياس الحق[13]. لقد حكم مصر في الفترة من عام 305 وحتى هزيمته عام 313. وبحسب ما روى يوسابيوس القيصري فقد جعل هذا الطاغية الإضطهاد أكثر شدة وتحول بصورة أكبر ضد المسيحيين[14]. لقد وصف يوسابيوس بالتفصيل سلوكه المشين، فلقد فعل كل ما بوسعه لكي يجدد العبادة الوثنية في المقاطعات، ولقد طبق سياسات متشددة وظالمة. استخدم ماكسيمينوس كل وسائل التعذيب ضد الرجال وقادته شهواته إلى أفعال مشينة ضد النساء، ولكن هؤلاء فضلن أن يسلمن حياتهن للموت على أن يسلمن أجسادهن للنجاسة. لقد أرسل ماكسيمينوس بعض الشهداء إلى المحاجر والمناجم في أعمال اضطرارية، ولكن قبل أن يرسلهم كان يقطع إحدى أرجلهم ويقلع إحدى عينيهم[15]. وإذ لم تكفِ المحاجر في طيبة، كانوا يُرسلون إلى مناجم النحاس في فلسطين. ولدينا من هؤلاء سبعة وتسعون شهيدًا ممن قاسوا هذه الآلام. وهم أيضًا كانوا قد فقدوا العين اليمنى والرجل اليسرى قبل ذهابهم لتأدية هذه الأعمال الإجبارية[16]. وهناك أيضًا مائة وثلاثون نُقلوا إلى مناجم فلسطين وكليكية[17]. في عام 308 أرسل ماكسيمينوس رسائل إلى حكام المقاطعات وللقادة العسكريين، وأمرهم بإعادة بناء الهياكل الوثنية المتهدمة، لكي يجبروا الجميع رجالاً ونساءًا وأطفالاً أن يذبحوا للآلهة الوثنية. كما أمر أن يأكل الجميع من هذه الذبائح، وأيضًا أن يتم رش دماء هذه الذبائح على الأطعمة الموجودة بالأسواق. لقد وصل إصراره على عبادة الأوثان إلى درجة الأمر بأن يُرش هؤلاء الذين يستعملون الحمامات الشعبية العامة بدماء الذبائح أو بالبخور المستخدم في الهيكل. مثل هذه الأوامر لم يرض عنها الوثنيون أنفسهم بسبب تطرفها[18]. وبمرور الوقت كانت تزداد القسوة والشدة. لقد أستشهد ثلاثة مصريون وهؤلاء كانوا في البداية متطوعين ذهبوا إلى كليكية بإرداتهم لخدمة المعترفين هناك. هكذا أيضًا فإن الكثيرين ممن يُذكرون مع الشهداء الفلسطينيين كانوا مصريين[19]. قُتل من هؤلاء المعترفين أيضًا تسعة وثلاثون لم يقدروا أن يعملوا في المحاجر بسبب أعمارهم الكبيرة أو بسبب مرضهم، ومن الواضح أن هؤلاء كانوا أيضًا مصريين[20].

 

منشور ميلان وعودة السلام:

          قبل أن ينتهي هذا الإضطهاد الذي لماكسيمينوس، تخلل عام 311 إصدار منشور جديد، وبحسب هذا المنشور توقف جاليريوس بصورة مفاجئة عن الإضطهاد. ينادي هذا المنشور بتطبيق سياسة التسامح مع الديانات الأخرى[21]، وفيه يطلب من المسيحيين أن يتضرعوا لإلههم لأجل سلامة الأباطرة والإمبراطورية نفسها، وألا يفعلوا شيئًا ضد النظام[22]. وهذا المنشور يُعد برهانًا على فشل الإضطهاد في تحقيق أهدافه، ويُعد هزيمة للوثنية نفسها، وأنتصارًا للمسيحية، وإنتصارًا لشهداء المسيح في الوقت ذاته.

          لقد توافق ماكسيمينوس، ولكن ظاهريًا فقط مع هذا المنشور، مما يبين عداوته وشعوره الداخلي ضد المسيحية. فلم يستخدم أي وسيلة رسمية من شأنها أن تنقل هذا المنشور، وإنما اكتفى بالتوصية بذلك[23]. على أية حال تُرك المقيدون في الحبس أحرارًا، كذلك أيضًا عاد المعترفون من المحاجر مرة أخرى. بذلك تنسَّم المسيحيون الحرية وزال الضيق ولو لفترة زمنية قصيرة.

          ولعل استشهاد القديس بطرس الملَّقب بخاتم الشهداء، وهو رئيس أساقفة الأسكندرية في ذلك الوقت، يؤكد ما قلناه بخصوص عداوة ماكسيمينوس ضد المسيحية وضد إله المسيحيين، كما يشير إلى المحاولة الأخيرة والجريئة له كي يقضي على المسيحية في مصر، والتي كانت غالبيتها في ذلك الوقت من المسيحيين[24]. لا يوجد من الأسباب ما كان يتطلب القبض على ق. بطرس والتخلص منه[25]. ربما تكون الأسباب هي تعاليمه وإهتمامه برعيته، ومقاومته للشعائر الوثنية، وهو ما يكون بذلك سببًا لغضب دقلديانوس[26]. ولكننا نعرف أن هذا القديس لم ينل الشهادة حينما كان دقلديانوس إمبراطورًا، ولكن في وقت متأخر في إدارة ماكسيمينوس. كما أن التقليد يربط بين إستشهاد ق. بطرس ونهاية الإضطهاد. وبالرغم من وجود اختلافات بين روايات الإستشهاد في النصوص التي تتكلم عن القديس بطرس[27]، إلا إنها تتفق على إنه كان يريد ألا يتعرض شعبه لأي مكروه بسببه، ولذلك ضحى بنفسه حتى ينجي شعبه، والذي كان مجتمعًا محيطًا بسجنه يريد أن ينقذه من أيدي منفذي الحكم. ومن أجل هذا سلَّم نفسه بصورة خفية إلى منفذي الحكم دون أن يراه الشعب[28].

          من الواضح أن الإسترخاء في الأضطهاد من جانب ماكسيمينوس في شتاء عام312ـ313م ضد المسيحية لم يكن محل ثقة من جانب المسيحيين[29]. ولكن هزيمة ماكسيمينوس ومنشور ميلان كانا قد جلبا السلام للكنيسة بصورة نهائية. وبهذا أنطوت صفحة المضايقات الخارجية للكنيسة، وبدأت صفحة أخرى وهي الخاصة بشئونها الداخلية.

          نستطيع أن نلّخص ملامح هذا العصر الجديد: لقد عادت حرية العبادة، وعادت اجتماعات المسيحيين دون خوف، كما عادت أيضًا ممتلكات الكنائس المغتَّصَبة[30]. وهكذا بدأت المسيحية رويدًا رويدًا تجد السلام، كما ساعد ذلك على نمو الكنيسة وإزدهارها. وإن كان ليسينيوس في وقت لاحق لم يحافظ على الإتفاق مع قسطنطين فخرج عليه محاولاً تجديد المضايقات مرة أخرى ضد المسيحيين في الشرق عام 322ـ323، ولكن لم تستمر هذه الإجراءات بسبب هزيمته من قسطنطين.

 

+++++++

[1]  Acta Sanctorum, Mai I, 741.

2 لقد كان تيموثاؤس حينما قبضوا عليه وعذبوه متزوجًا حديثًا بمورا وكان قد مر على زواجه عشرون يومًا فقط.

3  قارن T.D. Barnas, Constantine and Eusebius, London 1981, pp.14, 28

4 لقد تحول أريانوس فيما بعد للمسيحية وقد تم ذلك بعدما حدثت معه معجزة ذُكرت في قصة إستشهاد فليمون وأبوللونيوس ( انظر Acta Sanctorum, Mart. I, 895-899).

[5] R. Graffin, F. Nau, Patrologia Orientalis, 17, 552-555.

[6] Delacy O’Leary, The Saints of Egypt, London, New Yourk 1937, P.18.

7 مخطوط سير قديسين 43 ص91 “Passion des ss. Abadir et Irai, P62

بكتالوج(Ugo Zanetti, Les Manuscrits de Dair Abu Maqar, Geneve 1989).

أنظر أيضًا Patrologia Orientalis 1,303

[8]  ΕΠΕ, (سلسلة آباء الكنيسة باللغة اليونانية) 30,336-357.

[9] Acta Sanctorum, Mai I, 741-744.

[10]  ΕΠΕ 30, 340, 344, 346.

11 تاريخ الكنيسة 9:9: 15.

[12] Bibliotheca Hagiographica Greace (BHG). 469, PG 87, 3677-3689.

13 لاكتانتيوس، موت المُضطهِدين، إصدار مطرانية بني مزار والبهنسا 2006، الفصل39، صـ98.

[14]  Περί των εν Παλαιστίνη μαρτυρησάντων 4.1, PG 20, 1472c. تاريخ الكنيسة 14:8: 9

15  يعتقد المُضطهِدون أن هذه العقوبة عمل إنساني وأخف قسوة بالمقارنة بعقوبة الموت، أنظر تاريخ الكنيسة 12:8: 10.

[16] PG 20,1485D.

[17] PG 20,1489C-D.

[18] PG 20,1492B.

[19] PG 20,1496C. PG 20, 1513C-1516A.

[20] PG 20,1513A- 1516B. قارن H.D elehaye, “ Les Martyrs d’Egypte”, Analecta Bollandiana, 40 (1922), 20.

21 سبب تطبيق هذه السياسة إما الفشل في الاضطهاد أو مرضه الشديد. أنظر

Α. Γλαβίνα, Ιστορία της Εκκλησίας , Ά, Θεσσαλονίκη 1995, P221.

22 تاريخ الكنيسة 17:8

 Lactantius, De Mortibus Persecutorum, 34 (Ante- Nicene Fathers, vol. VII).

23أنظر تاريخ الكنيسة 2:9ـ6 ومنها يظهر كيف أن تطبيق سياسة جاليريوس الجديدة لم تتوافق مع كره ماكسيمينوس للمسيحية.

[24] W.H.C.Frend, Martyrdom and Persecution in the early church, Oxford 1965, P452.

25 يوسابيوس، تاريخ الكنيسة 6:9: 2.

26 يذكر ساويرس بن المقفع قصة عماد أم لطفليها في الأسكندرية، وأن هذا ما سبب غضب دقلديانوس ضد القديس بطرس. أنظر:

 Corpus Scriptorum Christianorum Orientalium, Scriptores Arabica, IX (1906), 55-58.

27 في رواية قصيرة باللغة اللاتينية نجد إستشهاد القديس بطرس في السجن، بينما في رواية أخرى باللغة العربية نجد أن الاستشهاد تم خارج السجن. تتضمن النسخة العربية للإستشهاد أيضًا السماح للقديس بطرس بأن يخرج من حبسه قبل إستشهاده للصلاة عند قبر الشهيد القديس مارمرقس. أنظر:

 Coptic Encylopedia, 6,1945.BHG. 1502. J.Viteau, Passions des Saints Ecaterine et Pierre d’Alexandrie, Barbara et Anysia, Paris 1897, PP 68-85.

[28] BHG. 1502. J.Viteau, 75-76 قارن T.vivian, St. Peter of  Alexandria Bishop and Martyr, Philadelphia 1988, PP 44-45.

29  يوسابيوس، تاريخ الكنيسة 9:9: 13ـ15.

30 لقد حاول ماكسيمينوس بعد هزيمته أن يصدر منشورًا يمنح فيه الحرية الكاملة للمسيحيين، ولكن الوقت كان قد تأخر على ذلك المنشور وواضح انه لم يستفد أي شيء من ذلك. تاريخ الكنيسة 10:9: 7ـ15.

صور من واقع الاستشهاد في عصر دقلديانوس في مصر (2)

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

 

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

أول من استعمل مصطلح (باترولوجيا  Patrologia)، هو اللوثري الألماني الجنسية (جون جرهارد  John Grehard)، القرن السابع عشر، حيث استخدم كلمة (Patorologia) كعنوان لكتاب نشره عام 1653م، يُقسّم فيه علم الآباء إلى عدة مراحل وإن كانت غير محددة، ألا وهي:

1- عصر الآباء الأولين:

أخذتْ أقوال الآباء فترة من الزمن تُسلّم من جيل إلى جيل شفهياً، لا لغرض دراسيّ، أو كهدف في ذاتها، بل كوديعة تحمل داخلها الإيمان الحيّ، فلم تُكتب أو تُدرَّس كفلسفة؛ ولهذا لم يُكتَب منها إلاّ القليل، وعلى مستوى فرديّ مثل كتابات يوحنا كاسيان.

ونحن بصدد الحديث عن أقوال اللآباء في العصر الأول، نلاحظ الآتي:

أ – محاولة المؤمنين حفظها قدر المستطاع لقُدسيتها، فيقول القديس أكلِمَنْضُس السكندريّ: “هؤلاء الرجال قد حفظوا التقليد الصحيح، تقليد التعليم المبارك، المُسلّم لهم مباشرةُ من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس… والذي وصل إلينا بعناية الله ابناً عن أب[1]، كما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصُص: “يليق بنا أن نحفظ التقليد الذي تسلّمناه بالتتابع من الآباء ثابتاً بغير تغير”، كما يقول القديس كيرلس الإسكندريّ: “إنني مُحب للتعليم الصحيح مقتفياً آثار آبائي الروحيّة” [2]..

 ساد هذا العصر روح التلمذة، فالتلميذ يسمع من معلّمه وخاصة في الحياة الرهبانية، ويحفظ لا أقواله فقط، إنما حياته ككل؛ فهو يأكل معه ويصلي معه ويسهر معه، يأخذ روح الإيمان العمليّ من أبيه، وغالباً بعد نياحة الأب يكتب التلميذ حياة أبيه وكل التعاليم التي أخذها منه.

ب – في الكنائس كان يميل البعض إلى كتابة تعاليم الآباء الأسبوعية، كشرح للكتاب المقدس أو المواضيع العقائدية أو الروحيّة، مثل عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم وعظات القديس أُغسطينوس.

ج – وفود قادة كثيرين إلى مصر للتلمذة على أيدي متوحدي مصر، أو داخل الأديرة، أو بمدرسة الإسكندرية، وتدوينهم أقوال الآباء وسيرهم وأفكارهم وترجمتها بلغاتهم سوء اليونانية أو السريانية أو اللاتينية، مثل يوحنا كاسيان (حوالي 360 -435م)[3]

أحد مشاهير الكُتَّاب الروحيّين في القرن الخامس في جنوب بلاد الغال (فرنسا)، خاصة في الفكر الرهبانيّ، وقد نجح في تطوير الحياة الرهبانية في فرنسا، فكان سفيراً للتراث الآبائي النُسكي القبطي في الغرب، وأحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يختص بالطقس الرهبانيّ الحيّ، يربط بين نواحيه الخارجية والداخلية، وبين الطقس والروحانية بطريقة حية، وقد التقى بآباء الرهبنة في مصر، وسجل لنا خبرات الآباء في كتابين غاية الأهمية ألا وهما: (المناظرات) Conferences of John of Cassian   و(المؤسسات) Institutes of the Coenobia.

† كما جاء الراهب بلاديوس من القسطنطينية إلى مصر، وعاش فيها ما يقرب من خمس سنوات، في أديرة مختلفة، ودوَّن ملاحظاته وكتب سيَر وأقوال عددٍ كبيرٍ من الآباء، ثم أرسل مذكراته هذه إلى صديق له يُدعى (لوسيوس) ليتعرف على الحَياة النسكية، فصار هذا التراث الهام يُعرف بـ (التاريخ اللوزياكي) والآن يُعرف باسم بستان الرهبان (365 -425م)[4].

† كما سجّل لنا روفينوس (345 -410م)[5] أحاديث عن آباء مصر الرهبان، في كتابه تاريخ الرهبنة في مصر المعروف باسم (هستوريا موناخورم)، ويُذكر أنَّ روفينوس جاء إلى مصر حوالي سنة (373م) بمعيّة السيدة ميلانيا الشريفة الرومانية – التي كرّست حياتها بعد ترمّلها لخدمة القديسيو والعاملين في كنيسة الله – وقد قابل عدداً كبيراً من آبائها، وكان أحد تلاميذ القديس ديديموس الضرير[6].

هذا وقد جذبت مدرسة الإسكندرية الكثير من قادة الكنيسة في العالم، فجاءوا إليها ونقلوا منها تُراثها لكي يتتلمذوا عليه، وبلغ شَغف أوسابيوس أسقف قرسيل (بإيطاليا) بكتابات أوريجانوس، ووجد نفسه أنه لم يَر فلسفة حقيقية في غيرها.

د – كثير من رهبان مصر خرجوا من الأديرة إلى العالم، سواء إلى مدرسة الإسكندرية أو بغرض الكرازة حاملين معهم التراث الآبائي.

2 – عصر ظهور المؤرخين الكنسيين:

1- يوسابيوس القيصري (260 -340م)

هو أول مَن سجل تاريخ الكنيسة، وقد عَمَّد الملك قسطنطين الكبير، ورغم ميوله الأريوسية في بعض العقائد (نصف أريوسي)، إلا أنه صاحب فكرة نشر أقوال الآباء وكتاباتهم، يقول في كتابه (التاريخ الكنسي) The Church History of Eusebius (326م) عن هدف كتابات: “هذا هو هدفي أن أكتب تقريراً عن خلافات الرسل (التتابع الرسولي) القديسين، وأن أُشير إلى أولئك الذين في كل عصر نادوا بالكلمة الإلهية سواء كتابة أو شفاهاً، وأيضاً أسماء وأعداد أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدُعاة معرفة وعلم بالكذب”[7].

وقد كان الدافع لهذا العمل هو الهجوم الذي قام به اليهود والوثنيون، حيث اتهموا المسيحيين بأنهم جماعة سُذّجٌ بسطاء ليس لهم فكرٌ ولا علمُ ولا معرفة، فأراد يوسابيوس أن يكشف عن شخصية القيادات الكنسية، فاهتم أن يَذكُر أغلب قيادات الشرق، ويُبرز الجوانب العلمية لهم وكتاباته، وترجماتهم، وتفاسيرهم…. كما سجل لنا مُقتطفات صغيرة جداً من هذه الكتابات، وفعلاً قدّم يوسابيوس قائمة بكل الكُتاب وكتاباتهم، ويُعَدّ عمله هذا من أهم الأعمال حيث إن هناك شخصيات لم يتناول ذكرها أحد غيره.

جاء بعد يوسابيوس مؤرخون كثيرون حاولوا تكملّة عمله مثل: (سقراط Socrates)، و(سوزومين Sozomen) و(ثيؤدوريت Theodoret)… وكانت كتاباتهم مركّزة على الكنيسة الشرقية.

كما قام (روفينوس Rufinus) بترجمة تاريخ يوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية، وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيؤدوسيوس سنة 392م.

2- القديس جيروم Jerome

سجل لنا (جيروم Jerome) تاريخ الأدب المسيحي اللاهوتي في كتاب (مشاهير الرجال) عام (392م) في (135) فصلاً، مستمداً معلوماته من تاريخ يوسابيوس، حتى إنه كرّر نفس أخطائه، وأضاف شخصيات، وحذف شخصيات، في (78) فصلاً منهم، وكان الدافع لهذا العمل أيضاً هو نفس الدافع لكتاب يوسابيوس وبصورة أقوى، وهو قول الوثنيين أمثال: (كيلسوس Celsus)، (بروفيريوس Prophyry)، (يوليان Julian)… بأن المسيحيين ليس لهم في الأدب أو الفكر.

وقد حدّد جيروم في مقدمة كتابه أن مجال عمله هو الآباء، الذين كتبوا عن الكتاب المقدس (رغم أنه شمل لاهوتيين)، وقد نقد القديس أغسطينوس هذا الكتاب، حيث إن جيروم لم يفصل بين الكُتّاب الأرثوذكسيين وبين الهراطقة مثل ذكره لشخصية (تاتيان Tatian)، و(بريسكيليان Priscillian)  و(أونوميس الأريوسيّ)، كما ذكر فلاسفة وثنيين مثل (سينيكا Seneca)، ويهوداً مثل (فيلون) و (يوسيفوس).

ولم يذكر جيروم في كتابه أيّ شيء عن كتابات أغسطينوس التي ظهرت في ذلك الوقت، ولعل هذا هو سر الخلاف بينهما.

ومن الأخطاء المنسوبة لجيروم أنه قد أغفل ذكر شخصيات كبيرة، أو ذكر القليل عن البعض الآخر مثل القديس أثناسيوس الرسولي والقديس باسيليوس الكبير وكبريانوس الأسقف.

فتح جيروم الباب أمام الشرق والغرب في الكتابة عن آباء الكنيسة وكتاباتهم وأفكارهم…

3- جيناديوس Gennadius

حوالي عام 480م كتب (جيناديوس Gennadius) كاهن “مرسيليا” – وهو نصف بيلاجيّ ومع ذلك يُحكم عليه من كتاباته أنه واسع الاطّلاع دقيق في أحكامه) – كتاباً بنفس اسم كتاب جيروم (مشاهير الرجال)، ويعتبر إضافة لعمل جيروم، ولكنه كان عملاً هزيلاً ليس ذا قيمة بالمقارنة بعمل جيروم، شمل 99 فصلاً حتى عام 495م.

4- آخرون

† بعد جيناديوس قام كُتاب كثيرون مثل: (إيسيذوروس Isidore of Serville) (تنيح عام 636م)، الذي اهتم بالكُتّاب الاسبان.

† كذلك في أواخر القرن الحادي عشر، قام راهب بندكتي ببلجيكا يُسمّى سيجبيرت (Sigebert of Gembloux) بالكتابة عن سير الآباء البندكت.

† وفي عام (1122م) كتب (هونوريوس Honorius Ausgusodunum ) باسم الكنيسة المنيرة Luminaaribus Ecclesaia.

† وفي سنة (1494م) ألّف أبٌ لدير بندكتي في (Sponheim)، يُسمى الراهب (جوهانس تريثيموس Johannes Trithemius) كتاباً باسم “الكُتّاب الكنسيون، يحوي سيرة (963) أب مع كتاباتهم، ويستقي معلوماته من كتابات جيروم وجيناديوس، وقد حصل على شهرة فائقة، إذ جمع مكتبة من حوالي (2000) مجلداً.

† أم في الشرق فلم يظهر ما يفيد بأن هناك كُتّاباً سجلوا الكُتّاب الكنسيين، مع ذلك كتب البابا (فوتيوس Photius) بطريرك القسطنطينية (تنيح عام 891م) كتابا مماثلاً تحت عنوان (Photil Bibliotheca) يمتاز بالدقة، وذكر فيه مؤلفين وثنيين.

† وفي الكنيسة القبطية ظهر السنكسار الذي يركز على سير الآباء القديسين، كما اهتم البعض بنسخ كتابات الآباء الأولين، وظهر بعض المؤرخين مثل يوحنا النيقيوسي وغيره.

† وفي عصر النهضة الأوروبية من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر، بدأت التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة لنصوص الآباء، ففي القرن الخامس عشر قام في القسطنطينية (نسيفورس كالستوس) بوضع تاريخ الكنيسة منذ نشأتها حتى عام (911م) معتمداً على كتابات يوسابيوس وأضاف إليه سير بعض الرهبان، وقد عبر عبوراً سريعاً في حديثه عن الكنيسة اللاتينية بعد القرن الخامس الميلاديّ.

3- عصر النهضة العلمية والدراسات النقدية[8]:

† في عصر النهضة (القرن السادس عشر) بدأ الاهتمام بترجمة ونشر كتابات الآباء، إمّا بأعمال فردية للمؤلف أو كمجموعة كاملة، وقد ازدهر هذا العمل جداً في القرن السابع عشر، حيث نَشر (Marguerin de la Migne)، مجموعة كبيرة لأكثر من 200 كاتب في عمله (Bibliotheca Sanctorum Patrum) أُضيفت إليها أعمال أخرى بالتدريج، وقد صارت عام (1616) أربعة عشر مجلداً باسم Patrum (Magna Bibliotheca Veterum) أُعيد طبعها في ليون عام (1677م) في (27) مجلد باسم (Bibliotheca et antiq orum eccelsiasticorum).

† في القرن الثامن عشر قام (A. Galland) بنشر مجموعته في (14) مجلد بفينيس عام (1765 -1781) باسم (Bibliotheca Veterum Patrum).

† في القرن التاسع عشر اغتنت المكتبات بالكتب المسيحية القديمة، وظَهرت الحاجة إلى كتابتها بعد تحقيقها علمياً وتنقيتها من الدخيل عليها من النساخ، وتُعتبر أعظم مجموعة كاملة تلك التي قام بها (Migne) في القرن التاسع عشر باسم (Patrilogiae)، وهي عبارة عن إعادة طبع للنصوص السابق نشرها لتكون في متناول اللاهوتيين وهي عبارة عن مجموعتين:

1- مجموعة الآباء اللاتين (P.L.) طبعة باريس (1844 -1855) وتتكون من (221) مجلداً بها فهارس.

2- مجموعة الآباء الإغريق (P.G.) أي الكتابات اليونانية طبعة (1857 -1866م)، وتتكون من 161 مجلداً وَرد بها ترجمة كاملة باللغة اللاتينية وهي بغير فهارس، وقد تُرجم الكثير من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة من ألمانية وفرنسية وإنجليزية ولهجات عديدة أخرى.

كما توجد مجموعات أخرى تُعتبر ملحقاً لمجموعتي Migne وهي:

1- كُتاب القرون الثلاثة الأولى اليونان المسيحيين، وقد قامت بنشرها أكاديمية برلين عام 1897 مع مُقدمات وفهارس بالألمانية، وقد بلغ عددها (41) مجلداً.

2- (Coprus orum ecclesiasticorum Latinorum) وقد قامت بنشرها أكاديمية فيينا عام (1866) ونُشرت في (70) مجلداً.

3- (Bibliotheca Teubneriana, Leibzig) وتشمل كثير من كتابات الآباء.

4- (The Loeb Classical Library) وقام بنشرها (Rouse, Capps and Page) بلندن ونيويورك، وتشمل الكثير من كتابات الآباء اليونان واللاتين.

5- مجموعة (Patrologia Orientals) قام بنشرها (Nau, Graffin) بباريس عام (1907) في (28) مجلد.

6- (The ante-Nicene Fathers& Nicene and Post-Nicene Fathers) وتشمل ترجمة جميع أقوال الآباء مع غرض لسير هؤلاء الآباء ل (A Clevland Coxe)، وقام بوضعها (Wace & Scgaff) بنيويورك عام (1900) في (37) مجلداً، وهي تُعتبر الأكثر انتشاراً على الإطلاق في العالم كله لدقتها اللاهوتية والعلمية.

† أكاديمية فيينا وبرلين أول من طرقت هذا المجال، فقد طَبعت مجموعة مطبوعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية.

† منذ عام (1951) تُعقد مؤتمرات دولية بصفة استمرارية كل (4) سنوات للدراسات الآبائية في جامعة أُكسفورد بلندن، ويجتمع فيها جميع الدارسين لـ علم الآباء أو الآباء لتبادل الخبرات والدراسات، وينتج عن كل مؤتمر مُجلّد يُوضع فيه نتيجة أعمال المؤتمر، ويقوم مركز الدراسات الآبائية بترجمته.

في القرن العشرين كان الاهتمام أكثر بدراسة تاريخ الأفكار وتاريخ المفاهيم في الكتابات المسيحية القديمة، كما يقول البروفيسور (كواستين Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردي في مصر، قد مَكَّنت العلماء من استعادة الكثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.

ومن مظاهر الاهتمام بذلك انعقاد مؤتمرات آبائية عالمية مثل مؤتمر جامعة أكسفورد بإنجلترا لدراسة الآبائيات سنة (1951م)، وينعقد مرة كل (4) سنوات، كما بدأت مؤتمرات دولية أخرى تُعقد في جامعات أوربا المختلفة، ويُخصص كل مؤتمر لدراسات أحد الآباء، مثل مؤتمر دراسة كتابات أغسطينوس، ومؤتمر دولي للتراث العربي المسيحي في جامعة سيدني بأُستراليا.

علم الآباء في مصر:

† إذ كانت الإسكندرية أكبر مركز هيلينيّ فلسفيّ (مدرسة الإسكندرية الفلسفية)، التزمت الكنيسة منذ عهد القديس مرقص الرسول بإنشاء مدرسة مسيحة قادرة على مواجهة التيار الهيلينيّ القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

† كذلك اهتم الآباء ولا سيما الرهبان بنسخ كتابات الآباء سواء باليونانية أو القبطية أو العربية، فهناك اهتمام كبير في مصر بـ علم الآباء وتاريخ الآباء، منع أنه في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث حمل عُلماء الغرب كنوز أديرتنا إلى مكتباتهم ومتاحفهم وجامعاتهم، وصارت مادة أساسية في قيام علم الآباء…

منها المخطوطات السريانية التي لا تُقدر بثمن، والتي أُخِذت من دير السريان، النصيب الأعظم منها كان للمتحف البريطاني وجزءاً منها لمكتبة الفاتيكان وبعض متاحف أوروبا، رغم ذلك ما زالت المخطوطات والبرديات المصرية تفتح آفاقاً جديدة في علم الآباء – حسب شهادة الغرب – لا تزال حية بالروح الآبائية الأصيلةن نستطيع أن ننتفع بها في الأبحاث العلمية.

† في القرن السابع قام الأنبا يوحنا أسقف نيقيوس بالمنوفية، بكتابة تاريخ آدم حتى نهاية القرن السابع الميلاديّ، وهذا الكتاب كُتب باللغة القبطية، وتُرجم إلى الأثيوبية، وتُرجم من الأثيوبية إلى الفرنسية، وحدث أن فُقدت النسخة الأصلية القبطية وأخيراً صدرت ترجمة عربية لهذا الكتاب عن اللغة الحبشية.

† في القرن العاشر قام الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين بكتابة تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية، بدءاً من عصر مار مرقص حتى القرن العاشر، وكتبه باللغة العربية.

† وُجد مخطوط عربي مشهور من القرن الحادي عشر بعنوان (اعتراف الآباء) يضم تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وطبيعة المسيح، من مخطوطات البطريركية القديمة بالأزبكية، وتوجد نسخ أخرى في المتحف القبطي ودير المحرق وبعض الأديرة الأخرى.

† السنكسار يرجع إلى القرن الثاني عشر، كتبه الأنبا ميخائيل أسقف أتريب ومليج بالمنوفية، وراجعه الأنبا بطرس أسقف مليج، يُقرأ في الكنيسة بعد سفر أعمال الرسل، ويحتوي على سيراً مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية، ولكنه لا يحتوي إلا على القليل من أقوال الآباء.

† في القرن العشرين قام الأرشدياكون حبيب جرجس، بجمع مؤلفات الآباء القديسين من أوروبا منذ العصر الرسولي حتى مجمع نيقية، وعَهد إلى بعض الخدام الأمناء بالترجمة إلى العربية ونشرها في أعداد مجلة الكرمة سنة (1923م)، وقدمها بقوله: “إن كتابات الآباء لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية، لقُرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولي وأقوالهم حُججاً قوية على تعاليم الكنيسة في عصرها الأول”.

† كذلك قام القس مرقص داود بترجمة كتاب (تجسد الكلمة) للقديس أثناسيوس سنة (1946م)، ثم أكمل كتابات القديس أثناسيوس.

† في عصرنا الحالي تُوجد مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر كتابات الآباء حيث تأسست هذه المؤسسة سنة (1979م)، وقد كان للسيد صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في تأسيس هذه المؤسسة، وتنيّح سنة (1986م).

† وفي عام (1991م) تأسس مركز دراسات الآباء، وبلغ عدد نصوص الآباء التي نشرها حتى الآن (138) عملاً، ويقوم المركز بعمل دراسات على هذه النصوص الآبائية المترجمة وتصدر في سلسلة باسم “دراسات آبائية” وصل عددها إلى 32 كتاباً، كما تُنشر مجلة دورة بدأت في يناير (1998م) وهي مجلة نصف سنوية.

اتباع أثر الآباء:

بعد أن تعرفنا على الآباء وعلى كتاباتهم التي كتبوها بإرشاد الروح القدس العامل في الكنيسة، يجب علينا اتباع أثر الآباء في حياتنا، فلا تستطيع الكنيسة أن تعيش دون أن تشرب وترتوي من تعاليم الآباء وحياتهم وكتاباتهم، وهذا ما قاله الله للكنيسة في نشيد الأنشاد “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 1: 8)، وهذا ما يقوله لنا معلمنا القديس بولس الرسول:

” اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 13: 7)، فالآباء هم امتداد للرسل ونحن نفتخر أن لنا آباء، وهذا يتضح من قول القديس أثناسيوس الرسولي للأريوسيين “قد أظهرنا أن فكرنا قد سُلِّم من أب إلى أب، وأما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا (يقصد الأريوسية) فإلى أي أب من الآباء تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم”[9]

اتباع الآباء ليس هو تعلقاً بشخصيات، إنما هو استقاء لكيفية كون هذا الأب عضواً في جسد المسيح الواحد. إنه علم الآباء.

[1] المتنوعات كتاب 51: 1: 11.

[2] القمص تادرس يعقوب ملطي: مفاهيم إيمانية (2): الكنيسة والتقليد، ص9

[3] J. Quasten. Patrology. Vol. 4 ,p.512 ff.

[4] نيافة الأنبا مكاريوس – الأسقف العام: فضيلة النسك الطبعة الأولى –  مارس 2006 م. ص 8، 9

[5] ولد بالقرب من مدينة أكويلا الواقعة على شاطئ البحر الأدرياتيكي بإيطاليا. درس في روما حيث التقى بالقديس جيروم، وكان روفينوس واحداً من مئات الشباب الذين استهوتهم الحياة النسكية فاندمجوا فيها بحرراة، عاش في جماعة نسكية في وطنه، ثم قصد الأراضي المقدسة حيث عاش بضع سنوات منع رهبانها. وحالما وصل رؤفينوس إلى الإسكندرية قصد لفوره إلى الصحراء حيث قابل عدداً كبيراً من آرائها. القمص تادرس يعقوب ملكي – قاموس آباء الكنيسة.

[6] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ح – ص) – 2001 – ص200.

[7] يوسابيوس القيصري – تاريخ الكنيسة 1: 1 – مرجع سابق – ص 9.

[8]  القمص تادرس يعقوب ملطي – المدخل لـ علم الباترولوجي ص 18.

[9] N&P.N.Fathers, 1st ser . Vol. IV p.168

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

Exit mobile version