ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف مدينة ساردس[1] بمقاطعة ليديا هو واحد من أكثر شخصيات القرن الثاني الميلادي احتراماً. وفي رسالة إلى البابا فيكتور أسقف روما (189-199م9 ذكر “بوليكراتيس الأفسسي” اسمه من ضمن “كواكب الكنيسة في آسيا” الذين ذهبوا الآن إلى موضع راحتهم، وهو يدعوه “ميليتوس البتول (أي غير المتزوج) الذي عاش بكليته في الروح القدس، والذي يرقد في سادرس، منتظراً مكافأة السماء عندما سيقوم من الموت”. (Eusebius. Hist. Eccl. 5: 24: 5). وإلى جانب ما ذكر في تلك الملاحظة القصيرة، لا نعرف إلا أقل القليل عن حياته. ولقد كان ميليتوس كاتباً غزير الإنتاج، وكتب في عدد كبير من الموضوعات المتنوعة في النصف الثاني من القرن الثاني.

في حوالي عام 170م، وجه ميليتوس دفاعاً عن المسيحيين إلى الإمبراطور ماركس أوريليوس، ولم يبق منه إلا شذرات حفظت بواسطة يوسابيوس وفي كتاب “Chronicon Pasxhale”. وتوجد من ضمن هذه الشذارت عبارة ذات أهمية بالنسبة لمفهوم ميليتوس عن علاقة الكنيسة بالدولة، فهو أول من دافع عن فكرة تضامن المسيحية مع الدولة، فالدولة الدنيوية والديانة المسيحية أختان في الرضاعة، إنهما يشكلان معاً ثنائياً.

بالإضافة إلى أن الديانة المسيحية تعني البركة والرخاء للإمبراطورية: “إن فلسفتنا أصبحت فألاً حسناً على إمبراطوريتك، لأنه منذ ذلك العهد – الذي لأغسطس قيصر – زادت قوة روما في الحجم والعظمة. وأنت الآن خليفته السعيد، وسيكون هذا أيضاً مع ابنك إذا راعيت الفلسفة التي كبرت مع الإمبراطورية وبدأت منذ عهد أغسطس، وكان أجدادك يبجلونها مع الأديان الأخرى. أما الدليل الأكثر اقناعاً على أن ازدهار ديانتنا كان بركة للإمبراطورية، التي كانت حينها قد دشنت بسعادة، هي حقيقة كونها لم تعان من أية حوادث مؤسفة منذ عهد أغسطس، بل على العكس، كل شيء قد زاد من عظمتها وشهرتها في توافق مع الصلاة العامة” (Eusebius. Hist. Eccl. 4: 26: 7-8).

وحتى وقت قريب لم يكن لدينا من هذا الدفاع وأعمال ميليتوس الأخرى سوى الشذرات الصغيرة أو العناوين التي حفظها كل من يوسابيوس (Hist. Eccl. 4: 26: 2) وأنستاسيوس السينائي (Viae Dux 12: 13). ولهذا السبب كان أحد الاكتشافات الحديثة مثيراً للاهتمام بشكل كبير، فقد اكتشف “كامبل بونر” مقالاً لميليوس بعنوان “عظة عن الآلام” كاملاً تقريباً، وقد قام بنشره. وكانت هذه العظة حتى ذلك الحين غير معروفة عنواناً، إلا أنه كان يوجد منها بعض شذرات بلا عنوان باللغات السريانية والقبطية واليونانية.

وتشغل تلك العظة الجزء الأخير من مخطوطة بردية تعود إلى القرن الرابع الميلادي تحتوي على الفصول الأخيرة من سفر أخنوخ، تنتمي ثماني أوراق منها إلى مجموعة تشيستر بيتي والمتحف البريطاني، وست أوراق إلى جامعة متشيجان. وكما يدل عنوان العظة “عظة عن الآلام” تتناول العظة المكتشفة حديثاً آلام ربنا. وتوحي الكلمات الافتتاحية أنها عبارة عن عظة ألقيت في قداس بعد قراءة من العهد القديم، كما أن موضوعها يتناسب مع أسبوع الآلام حتى إن بونر يطلق عليها “عظمة الجمعة العظيمة”.

وبما أن ميليتوس كان من أصحاب وجهة النظر الأربعشرية، إذاً كان هذا اليوم يوافق يوم الاحتفال بعيد الفصح اليهودي. وقد أعيدت فيها صياغة قصة الخروج – وخاصة تأسيس وليمة الفصح – وفُسرت على أساس أنها رمز لعمل المسيح الخلاصي، فكلاهما أطلق عليه لفظة أي “سر” بمعنى أن الأحداث لها تأثير فائق للطبيعة يتجاوز تاريخيتها، فلقد أصبح كل من الخروج والفصح رمزاً لما حدث لاحقاً عندما مات يسوع وقام مجدداً.

إن آلام المسيح وموته تضمن للمسيحي هروبه من الخطية والفناء كما أن حمل الفصح المذبوح ضمن للعبرانيين الهروب من مصر. إن المسيحيين مثلهم مثل اليهود قد خُتموا كعلامة على خلاصهم، لكن اليهود قد رفضوا الرب وقتلوه كما تنبأ الأنبياء، وبالرغم من أن موته كان محدد مسبقاً، إلا أن مسؤوليتهم عنه كانت باختيارهم بالإضافة إلى هؤلاء الذين على الأرض سوف يشاركون في انتصارات القيامة.

وتكشف لغة هذه العظة عن ولع بالكلمات الغريبة والشعرية، والأدوات البلاغية الأدبية. وأسلوب العظة الأدبي متكلف للغاية ومصطنع، كما أن الطباق والجناس لهما فيه مكانة خاصة، وهذا يفسر إشارة ترتليانوس لامتلاك ميليتوس عبقرية ولباقة خطابية (Jerome De Viris Illus.: 24).

التعليم اللاهوتي في العظة

أولاً: الخريستولوجي

  1. إن عقيدة ألوهية المسيح ووجوده السابق الأزلي يسيطر على تعليم اللاهوتي لميليتوس، فهو يدعوه: إله، كلمة، أب، ابن، بكر الله، سيد، ملك إسرائيل، ملكنا. والحقيقة إن استخدام لقب “أب” في الإشارة للمسيح هو استخدام غير معتاد، هو يأتي في فقرة مهمة تشرح وظائف المسيح المختلفة: “لأنه قد ولد كابن وسيق كحمل وقدم ذبيحة كشاة ودفن كإنسان، قام من الموت كإله، كونه بالطبيعة إنساناً وإلهاً. إنه هو كل شيء: هو القانون لأنه يحكم، هو الكلمة لأنه يعلم، هو النعمة لأنه يخلص، هو الأب لأنه يلد، هو الابن لأنه مولود، هو الحمل الذبيح لأنه قد تألم، هو إنسان لأنه دفن، هو إله لأنه قام. هذا هو يسوع المسيح الذي له كل المجد إلى دهر الدهور” (Bonner 8-10).

وهذا التطابق الكامل بين المسيح واللاهوت نفسه يمكن أن يُفسر في صالح (الموداليزم الموارخية) أي وحدة الرئاسة التي تلغي تمايز الأقانيم والتي ظهرت في فترة لاحقة، فإذا كان الأمر هكذا فربما سيفسر هذا سبب إهمال كتابات ميليتوس وفقدانها في آخر الأمر.

  1. ومن ناحية أخرى، كان ميليتوس واضحاً جداً فيما يتعلق بعقيدة التجسد: “هذا هو الذي صار جسداً في العذراء، الذي لم تُكسر – عظامه – على الشجرة، الذي في دفنه لم ينحل إلى تراب، الذي قام من الأموات وأصعد الإنسان من القبر السفلي إلى أعالي السماوات. هذه هو الحمل الذي ذُبح، هذا هو الحمل الذي كان صامتاً، هذا هو من ولد من مريم الشاة الحسنة” (Bonner 70-71). وبطريقة مماثلة، يدعو الكاتب المسيح: “ذاك الذي تجسد عن طريق والعذراء مريم”.
  2. ويشرح ميليتوس وجود المسيح الأزلي السابق في شكل مدائح ترنيمية، كما في الفقرة التالية: “هذا هو بكر الله، الذي ولد قبل نجمة الصبح، الذي جعل النور يطلق، وجعل النهار يسطع، الذي جعل النور يطلع، وجعل النهار يسطع، الذي فصل الظلمة، وثبت أول علامات الخليقة، الذي علق الأرض في مكانها، وجفف لجج المياه، الذي بسط قبة السماء، ورتب العالم (82).
  3. وكانت وظيفة المسيح هي أن ينقذ الإنسان من الخطية (54. 103) والموت (102. 103) والشيطان (67. 68. 102).
  4. وكان وصف ميليتوس لنزول المسيح إلى الجحيم يوحي بأنه ربما قد ضمن في عظته بعض الأجزاء من ترنيمة ليتورجية أقدم: “لقد قام من الموت وصرخ إليك قائلاً: “من ذا الذي يقاومني؟ دعوه يقف أمامي، فلقد حررت المدانين، وجعلت الموتى يحيون مجدداً، وأقمت من دفن. من ذا الذي يرفع صوته ضدي؟” ثم يقول مجدداً: “أنا المسيح، أنا من هزمت الموت، وانتصرت على العدو، ودست الجحيم، وقيدت القوي، ورجعت بالإنسان سالماً إلى الوطن في أعالي السماوات” ثم يقول: “أنا هو المسيح” (101-102).

ثانياً: الخطية الأولى

لقد وصف ميليتوس هذه العقيدة بكل وضوح: “تترك الخطية علامتها على كل نفس، وتكرسها جميعاً للموت، فلا بد لها من أن تموت. هكذا يقع كل جسد تحت سلطان الخطية، ويسقط الجميع تحت سلطان الموت” (54-55).

ثالثاً: الكنيسة

يطلق ميليتوس على الكنيسة لقب “مستودع الحق” (40)

أعمال ميليتوس الأخرى

وبالإضافة إلى الدفاع والعظة المكتشفة حديثاً، كتب ميليتوس الأعمال التالية:

  1. كتابان عن الفصح دافع فيهما عما يدعى بالعادة الأربعشرية (كتبا حوالي عام 166-167م).
  2. مقالة عن الحياة المسيحية والأنبياء، وقد كانت في الغالب ذات طابع مضاد للمونتانية.
  3. عن الكنيسة.
  4. عن يوم الرب.
  5. عن إيمان الإنسان.
  6. عن الخليقة.
  7. عن طاعة الإيمان.
  8. عن الحواس.
  9. عن حسن الضيافة.
  10. عن النفس والجسد.
  11. عن المعمودية.
  12. عن الحق.
  13. عن الإيمان وميلاد المسيح.
  14. عن النبوة.
  15. المفتاح.
  16. عن الشيطان.
  17. عن رؤيا يوحنا.
  18. عن الله المتجسد.
  19. ستة كتب تحتوي على “مقتطفات من الناموس والأنبياء عن مخلصنا وكامل إيماننا”، ولقد حفظ يوسابيوس مقدمة هذا العمل في (Hist. Eccl. 4: 26: 13-14)، وهي تحتوي على أقدم قائمة لأسفار العهد القديم القانونية.
  20. كتاب عن تجسد المسيح.

ويظهر من كل عناوين كتاباته الضائعة تلك أن ميليتوس قد ناقش الكثير من الأسئلة العملية واللاهوتية الخاصة بزمانه بعقلية منفتحة.

كتابات منسوبة إلى ميليتوس

  1. تحتوي مخطوطة سريانية خاصة بالمتحف البريطاني (Add. 14658) على دفاع تحت اسم ميليتوس، غير أنه ليس بقلمه. ويظهر محتوى هذا الدفاع أن كاتبه كان على معرفة جيدة بدفاعات أرستيدس ويوستينوس، ويبدو أنه قد كُتب بالسريانية ولم يترجم عن اليونانية. أما زمن كتابته فهو على الأغلب كان في عهد الإمبراطور “كاراكالا” (Caracalla).
  2. هناك كتاب آخر في ترجمة لاتينية تعود إلى القرن الخامس منسوب بالخطأ إلى ميليتوس، وعنوانه هو: (##)، وتوجد أدلة على أن هذه الرواية الأبوكريفية التي تدور حول رقاد العذراء المطوبة وصعودها إلى السماء لم تظهر قبل القرن الرابع الميلادي، وهي بمثابة نظير لإنجيل الطفولة الأبوكريفي. والنص موجود في عدة تنقيحات يونانية وعدد من الترجمات.
  3. عمل آخر منسوب إلى ميليتوس هو (Clavis Scriptura)، وهو عبارة عن قاموس للمصطلحات الكتابية جمع من كتابات كل من أغسطينوس، وغريغوريوس الكبير، وكُتاب لاتين آخرين. ولقد حرره الكاردينال “بيترا” (Pitra) في عمله (Analecta Sacra, Vol. 2: 1884).

[1] سادرس هي من أهم مدن آسيا الصغرى (تركيا حالياً)، وكانت قديماً عاصمة ولاية ليديا. (المراجع)

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

قائمة جيروم وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (394 م)

قائمة جيروم وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (394 م)

قائمة جيروم وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (394 م)

ولد القديس جيروم (340 – 420م) في مدينة ستريدون (Stridon) في دالماتيا (Dalmatia) سنة 329م وعاش في روما لفترة من الزمن وقضي معظم حياته كراهب في سوريا وفلسطين. وقد كان الاكثر ثقافة وتعليما في عصره وقد كلفه اسقف روما بإنتاج ترجمة لاتينية معتمدة (Vulgate) [1] للأناجيل الأربعة حوالي سنة 383م[2].

وقد كتب جيروم عن القانون أكثر من مرة في كتاباته منها على سبيل المثال عندما كتب لبولينوس حيث يقول[3]: ” سوف أتعامل مع العهد الجديد باختصار. متى، مرقس، لوقا، ويوحنا هم الفريق الرباعي للرب، الشاروبين الحقيقيين، الذين يعنون خزينة المعرفة. وقد منحوا أعيناً في كل أجسادهم، يلمعون بشرارة، فيختفون ويظهروا كالإشعاع، أقدامهم مستقيمة ومرفوعة لأعلى، وظهورهم مُجنحة، مُستعدين للطيران في كل الاتجاهات. يمسكون بعضهم ببعض ويدورون واحد مع الآخر مثل العجل مع العجل، وينطلقون معاً بأنفاس الروح القدس الذي يدفعهم[4].

وقد كتب الرسول بولس لسبع كنائس، فالرسالة الثامنة التي للعبرانيين ليست محسوبة عدداً معها[5]. فهو يُرشد تيموثاوس وتيطس، ويتوسط لفليمون من أجل عبده الهارب. اعتقد أنه من الأفضل عدم الكلام من أن أكتب شيئاً غير ملائم. أعمال الرسل يبدو أنه بركة، قصة غير مُزينة وصفية لطفولة الكنيسة الوليدة الجديدة. ولكن حينما نعرف أن مُؤلفه هو لوقا الطبيب، الذي ثناؤه في الإنجيل، فسنرى أن كل كلماته هي طبية للروح المريضة. الرسل يعقوب، بطرس، يوحنا، ويهوذا، نشروا سبعة رسائل بنفس الروح والهدف. قصيرة وطويلة، قصيرة في الكلمات ولكن طويلة في جوهرها حيث قليلون فقط الذين يجدون أنفسهم في الظلمة حينما يقرءونها.

رؤيا يوحنا يحتوى على أسرار كثيرة مثل كلماته، وبقوله هذا فأنا أقول مما يستحقه، كل مدح له غير كافي ففيه معاني كثيرة مختفية في كل كلمة فيه “.

” … أنا اطلب منكم يا اخوتي الاعزاء ان تعيشوا بين هذه الكتب من اجل ان تتأملوا فيها ولا تعرفون غيرها ولا تلتمسون غيرها “[6].

وهنا يقدم القديس جيروم أسفار العهد الجديد كما هي بين أيدينا الآن في القانون مع بعض التعليقات الهامة. ويعلق العالم ويستكوت على الترجمة اللاتينية الفولجاتا ويقول[7]: ” في مراجعة رسالة العبرانيين فقد بقيت تالية للرسائل التي لا جدال عليها للقديس بولس ويبدو انه (جيروم) قد تساءل عن نسبها للقديس بولس بالرغم من انه لم يظهر ادنى شك في قانونيتها “[8].

كما يشير ويستكوت إلى أن القديس جيروم قد أشار إلى الاختلاف بين أسلوب رسالتي القديس بطرس قائلاً[9]: ” أنه حسب (القديس جيروم) فأن الاختلاف بين أسلوب الرسالتين الاولى والثانية للقديس بطرس يمكن تفسيره من خلال فرضية ان الرسول قد استخدم نساخ مختلفين في كتابة الرسالتين “[10].

قوائم أسفار العهد الجديد القانونية وآباء الكنيسة في القرن الرابع

 

[1] http://www.bible-researcher.com/jerome.html

[2] F F Bruce, P.225.

[3] N. and P. N. F. second series, vol. 6, St. Jerome; Letters and Select Works.

[4] يُلاحظ أن جيروم يُقدم الشكل الوصفى للبشيرين لكونهم الأربعة حيوانات غير المتجسدين, أنظر حز1 :7 – 21).

[5] يقول ويستكوت:” انها عبارة واضحة و هامة تُشير الى ان جيروم يتكلم عن “الرسالة الى العبرانيين ليست محسوبة لبولس” فى رسالته الى بولس , فيجب ان نرى ان الشك يحوم حول الكاتب و ليس قانونية الرسالة”. أنظر:

  1. F. Westcott, P. 452.

[6] Ad Paulinum 53 & 8.

[7] Brooke Foss Westcott, The Bible in the church P. 183.

[8] F F Brucem PP.225-226.

[9] Ibid. 184.

[10] http://www.bible-researcher.com/jerome.html

قائمة جيروم وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (394 م)

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

 

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

أول من استعمل مصطلح (باترولوجيا  Patrologia)، هو اللوثري الألماني الجنسية (جون جرهارد  John Grehard)، القرن السابع عشر، حيث استخدم كلمة (Patorologia) كعنوان لكتاب نشره عام 1653م، يُقسّم فيه علم الآباء إلى عدة مراحل وإن كانت غير محددة، ألا وهي:

1- عصر الآباء الأولين:

أخذتْ أقوال الآباء فترة من الزمن تُسلّم من جيل إلى جيل شفهياً، لا لغرض دراسيّ، أو كهدف في ذاتها، بل كوديعة تحمل داخلها الإيمان الحيّ، فلم تُكتب أو تُدرَّس كفلسفة؛ ولهذا لم يُكتَب منها إلاّ القليل، وعلى مستوى فرديّ مثل كتابات يوحنا كاسيان.

ونحن بصدد الحديث عن أقوال اللآباء في العصر الأول، نلاحظ الآتي:

أ – محاولة المؤمنين حفظها قدر المستطاع لقُدسيتها، فيقول القديس أكلِمَنْضُس السكندريّ: “هؤلاء الرجال قد حفظوا التقليد الصحيح، تقليد التعليم المبارك، المُسلّم لهم مباشرةُ من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس… والذي وصل إلينا بعناية الله ابناً عن أب[1]، كما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصُص: “يليق بنا أن نحفظ التقليد الذي تسلّمناه بالتتابع من الآباء ثابتاً بغير تغير”، كما يقول القديس كيرلس الإسكندريّ: “إنني مُحب للتعليم الصحيح مقتفياً آثار آبائي الروحيّة” [2]..

 ساد هذا العصر روح التلمذة، فالتلميذ يسمع من معلّمه وخاصة في الحياة الرهبانية، ويحفظ لا أقواله فقط، إنما حياته ككل؛ فهو يأكل معه ويصلي معه ويسهر معه، يأخذ روح الإيمان العمليّ من أبيه، وغالباً بعد نياحة الأب يكتب التلميذ حياة أبيه وكل التعاليم التي أخذها منه.

ب – في الكنائس كان يميل البعض إلى كتابة تعاليم الآباء الأسبوعية، كشرح للكتاب المقدس أو المواضيع العقائدية أو الروحيّة، مثل عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم وعظات القديس أُغسطينوس.

ج – وفود قادة كثيرين إلى مصر للتلمذة على أيدي متوحدي مصر، أو داخل الأديرة، أو بمدرسة الإسكندرية، وتدوينهم أقوال الآباء وسيرهم وأفكارهم وترجمتها بلغاتهم سوء اليونانية أو السريانية أو اللاتينية، مثل يوحنا كاسيان (حوالي 360 -435م)[3]

أحد مشاهير الكُتَّاب الروحيّين في القرن الخامس في جنوب بلاد الغال (فرنسا)، خاصة في الفكر الرهبانيّ، وقد نجح في تطوير الحياة الرهبانية في فرنسا، فكان سفيراً للتراث الآبائي النُسكي القبطي في الغرب، وأحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يختص بالطقس الرهبانيّ الحيّ، يربط بين نواحيه الخارجية والداخلية، وبين الطقس والروحانية بطريقة حية، وقد التقى بآباء الرهبنة في مصر، وسجل لنا خبرات الآباء في كتابين غاية الأهمية ألا وهما: (المناظرات) Conferences of John of Cassian   و(المؤسسات) Institutes of the Coenobia.

† كما جاء الراهب بلاديوس من القسطنطينية إلى مصر، وعاش فيها ما يقرب من خمس سنوات، في أديرة مختلفة، ودوَّن ملاحظاته وكتب سيَر وأقوال عددٍ كبيرٍ من الآباء، ثم أرسل مذكراته هذه إلى صديق له يُدعى (لوسيوس) ليتعرف على الحَياة النسكية، فصار هذا التراث الهام يُعرف بـ (التاريخ اللوزياكي) والآن يُعرف باسم بستان الرهبان (365 -425م)[4].

† كما سجّل لنا روفينوس (345 -410م)[5] أحاديث عن آباء مصر الرهبان، في كتابه تاريخ الرهبنة في مصر المعروف باسم (هستوريا موناخورم)، ويُذكر أنَّ روفينوس جاء إلى مصر حوالي سنة (373م) بمعيّة السيدة ميلانيا الشريفة الرومانية – التي كرّست حياتها بعد ترمّلها لخدمة القديسيو والعاملين في كنيسة الله – وقد قابل عدداً كبيراً من آبائها، وكان أحد تلاميذ القديس ديديموس الضرير[6].

هذا وقد جذبت مدرسة الإسكندرية الكثير من قادة الكنيسة في العالم، فجاءوا إليها ونقلوا منها تُراثها لكي يتتلمذوا عليه، وبلغ شَغف أوسابيوس أسقف قرسيل (بإيطاليا) بكتابات أوريجانوس، ووجد نفسه أنه لم يَر فلسفة حقيقية في غيرها.

د – كثير من رهبان مصر خرجوا من الأديرة إلى العالم، سواء إلى مدرسة الإسكندرية أو بغرض الكرازة حاملين معهم التراث الآبائي.

2 – عصر ظهور المؤرخين الكنسيين:

1- يوسابيوس القيصري (260 -340م)

هو أول مَن سجل تاريخ الكنيسة، وقد عَمَّد الملك قسطنطين الكبير، ورغم ميوله الأريوسية في بعض العقائد (نصف أريوسي)، إلا أنه صاحب فكرة نشر أقوال الآباء وكتاباتهم، يقول في كتابه (التاريخ الكنسي) The Church History of Eusebius (326م) عن هدف كتابات: “هذا هو هدفي أن أكتب تقريراً عن خلافات الرسل (التتابع الرسولي) القديسين، وأن أُشير إلى أولئك الذين في كل عصر نادوا بالكلمة الإلهية سواء كتابة أو شفاهاً، وأيضاً أسماء وأعداد أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدُعاة معرفة وعلم بالكذب”[7].

وقد كان الدافع لهذا العمل هو الهجوم الذي قام به اليهود والوثنيون، حيث اتهموا المسيحيين بأنهم جماعة سُذّجٌ بسطاء ليس لهم فكرٌ ولا علمُ ولا معرفة، فأراد يوسابيوس أن يكشف عن شخصية القيادات الكنسية، فاهتم أن يَذكُر أغلب قيادات الشرق، ويُبرز الجوانب العلمية لهم وكتاباته، وترجماتهم، وتفاسيرهم…. كما سجل لنا مُقتطفات صغيرة جداً من هذه الكتابات، وفعلاً قدّم يوسابيوس قائمة بكل الكُتاب وكتاباتهم، ويُعَدّ عمله هذا من أهم الأعمال حيث إن هناك شخصيات لم يتناول ذكرها أحد غيره.

جاء بعد يوسابيوس مؤرخون كثيرون حاولوا تكملّة عمله مثل: (سقراط Socrates)، و(سوزومين Sozomen) و(ثيؤدوريت Theodoret)… وكانت كتاباتهم مركّزة على الكنيسة الشرقية.

كما قام (روفينوس Rufinus) بترجمة تاريخ يوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية، وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيؤدوسيوس سنة 392م.

2- القديس جيروم Jerome

سجل لنا (جيروم Jerome) تاريخ الأدب المسيحي اللاهوتي في كتاب (مشاهير الرجال) عام (392م) في (135) فصلاً، مستمداً معلوماته من تاريخ يوسابيوس، حتى إنه كرّر نفس أخطائه، وأضاف شخصيات، وحذف شخصيات، في (78) فصلاً منهم، وكان الدافع لهذا العمل أيضاً هو نفس الدافع لكتاب يوسابيوس وبصورة أقوى، وهو قول الوثنيين أمثال: (كيلسوس Celsus)، (بروفيريوس Prophyry)، (يوليان Julian)… بأن المسيحيين ليس لهم في الأدب أو الفكر.

وقد حدّد جيروم في مقدمة كتابه أن مجال عمله هو الآباء، الذين كتبوا عن الكتاب المقدس (رغم أنه شمل لاهوتيين)، وقد نقد القديس أغسطينوس هذا الكتاب، حيث إن جيروم لم يفصل بين الكُتّاب الأرثوذكسيين وبين الهراطقة مثل ذكره لشخصية (تاتيان Tatian)، و(بريسكيليان Priscillian)  و(أونوميس الأريوسيّ)، كما ذكر فلاسفة وثنيين مثل (سينيكا Seneca)، ويهوداً مثل (فيلون) و (يوسيفوس).

ولم يذكر جيروم في كتابه أيّ شيء عن كتابات أغسطينوس التي ظهرت في ذلك الوقت، ولعل هذا هو سر الخلاف بينهما.

ومن الأخطاء المنسوبة لجيروم أنه قد أغفل ذكر شخصيات كبيرة، أو ذكر القليل عن البعض الآخر مثل القديس أثناسيوس الرسولي والقديس باسيليوس الكبير وكبريانوس الأسقف.

فتح جيروم الباب أمام الشرق والغرب في الكتابة عن آباء الكنيسة وكتاباتهم وأفكارهم…

3- جيناديوس Gennadius

حوالي عام 480م كتب (جيناديوس Gennadius) كاهن “مرسيليا” – وهو نصف بيلاجيّ ومع ذلك يُحكم عليه من كتاباته أنه واسع الاطّلاع دقيق في أحكامه) – كتاباً بنفس اسم كتاب جيروم (مشاهير الرجال)، ويعتبر إضافة لعمل جيروم، ولكنه كان عملاً هزيلاً ليس ذا قيمة بالمقارنة بعمل جيروم، شمل 99 فصلاً حتى عام 495م.

4- آخرون

† بعد جيناديوس قام كُتاب كثيرون مثل: (إيسيذوروس Isidore of Serville) (تنيح عام 636م)، الذي اهتم بالكُتّاب الاسبان.

† كذلك في أواخر القرن الحادي عشر، قام راهب بندكتي ببلجيكا يُسمّى سيجبيرت (Sigebert of Gembloux) بالكتابة عن سير الآباء البندكت.

† وفي عام (1122م) كتب (هونوريوس Honorius Ausgusodunum ) باسم الكنيسة المنيرة Luminaaribus Ecclesaia.

† وفي سنة (1494م) ألّف أبٌ لدير بندكتي في (Sponheim)، يُسمى الراهب (جوهانس تريثيموس Johannes Trithemius) كتاباً باسم “الكُتّاب الكنسيون، يحوي سيرة (963) أب مع كتاباتهم، ويستقي معلوماته من كتابات جيروم وجيناديوس، وقد حصل على شهرة فائقة، إذ جمع مكتبة من حوالي (2000) مجلداً.

† أم في الشرق فلم يظهر ما يفيد بأن هناك كُتّاباً سجلوا الكُتّاب الكنسيين، مع ذلك كتب البابا (فوتيوس Photius) بطريرك القسطنطينية (تنيح عام 891م) كتابا مماثلاً تحت عنوان (Photil Bibliotheca) يمتاز بالدقة، وذكر فيه مؤلفين وثنيين.

† وفي الكنيسة القبطية ظهر السنكسار الذي يركز على سير الآباء القديسين، كما اهتم البعض بنسخ كتابات الآباء الأولين، وظهر بعض المؤرخين مثل يوحنا النيقيوسي وغيره.

† وفي عصر النهضة الأوروبية من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر، بدأت التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة لنصوص الآباء، ففي القرن الخامس عشر قام في القسطنطينية (نسيفورس كالستوس) بوضع تاريخ الكنيسة منذ نشأتها حتى عام (911م) معتمداً على كتابات يوسابيوس وأضاف إليه سير بعض الرهبان، وقد عبر عبوراً سريعاً في حديثه عن الكنيسة اللاتينية بعد القرن الخامس الميلاديّ.

3- عصر النهضة العلمية والدراسات النقدية[8]:

† في عصر النهضة (القرن السادس عشر) بدأ الاهتمام بترجمة ونشر كتابات الآباء، إمّا بأعمال فردية للمؤلف أو كمجموعة كاملة، وقد ازدهر هذا العمل جداً في القرن السابع عشر، حيث نَشر (Marguerin de la Migne)، مجموعة كبيرة لأكثر من 200 كاتب في عمله (Bibliotheca Sanctorum Patrum) أُضيفت إليها أعمال أخرى بالتدريج، وقد صارت عام (1616) أربعة عشر مجلداً باسم Patrum (Magna Bibliotheca Veterum) أُعيد طبعها في ليون عام (1677م) في (27) مجلد باسم (Bibliotheca et antiq orum eccelsiasticorum).

† في القرن الثامن عشر قام (A. Galland) بنشر مجموعته في (14) مجلد بفينيس عام (1765 -1781) باسم (Bibliotheca Veterum Patrum).

† في القرن التاسع عشر اغتنت المكتبات بالكتب المسيحية القديمة، وظَهرت الحاجة إلى كتابتها بعد تحقيقها علمياً وتنقيتها من الدخيل عليها من النساخ، وتُعتبر أعظم مجموعة كاملة تلك التي قام بها (Migne) في القرن التاسع عشر باسم (Patrilogiae)، وهي عبارة عن إعادة طبع للنصوص السابق نشرها لتكون في متناول اللاهوتيين وهي عبارة عن مجموعتين:

1- مجموعة الآباء اللاتين (P.L.) طبعة باريس (1844 -1855) وتتكون من (221) مجلداً بها فهارس.

2- مجموعة الآباء الإغريق (P.G.) أي الكتابات اليونانية طبعة (1857 -1866م)، وتتكون من 161 مجلداً وَرد بها ترجمة كاملة باللغة اللاتينية وهي بغير فهارس، وقد تُرجم الكثير من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة من ألمانية وفرنسية وإنجليزية ولهجات عديدة أخرى.

كما توجد مجموعات أخرى تُعتبر ملحقاً لمجموعتي Migne وهي:

1- كُتاب القرون الثلاثة الأولى اليونان المسيحيين، وقد قامت بنشرها أكاديمية برلين عام 1897 مع مُقدمات وفهارس بالألمانية، وقد بلغ عددها (41) مجلداً.

2- (Coprus orum ecclesiasticorum Latinorum) وقد قامت بنشرها أكاديمية فيينا عام (1866) ونُشرت في (70) مجلداً.

3- (Bibliotheca Teubneriana, Leibzig) وتشمل كثير من كتابات الآباء.

4- (The Loeb Classical Library) وقام بنشرها (Rouse, Capps and Page) بلندن ونيويورك، وتشمل الكثير من كتابات الآباء اليونان واللاتين.

5- مجموعة (Patrologia Orientals) قام بنشرها (Nau, Graffin) بباريس عام (1907) في (28) مجلد.

6- (The ante-Nicene Fathers& Nicene and Post-Nicene Fathers) وتشمل ترجمة جميع أقوال الآباء مع غرض لسير هؤلاء الآباء ل (A Clevland Coxe)، وقام بوضعها (Wace & Scgaff) بنيويورك عام (1900) في (37) مجلداً، وهي تُعتبر الأكثر انتشاراً على الإطلاق في العالم كله لدقتها اللاهوتية والعلمية.

† أكاديمية فيينا وبرلين أول من طرقت هذا المجال، فقد طَبعت مجموعة مطبوعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية.

† منذ عام (1951) تُعقد مؤتمرات دولية بصفة استمرارية كل (4) سنوات للدراسات الآبائية في جامعة أُكسفورد بلندن، ويجتمع فيها جميع الدارسين لـ علم الآباء أو الآباء لتبادل الخبرات والدراسات، وينتج عن كل مؤتمر مُجلّد يُوضع فيه نتيجة أعمال المؤتمر، ويقوم مركز الدراسات الآبائية بترجمته.

في القرن العشرين كان الاهتمام أكثر بدراسة تاريخ الأفكار وتاريخ المفاهيم في الكتابات المسيحية القديمة، كما يقول البروفيسور (كواستين Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردي في مصر، قد مَكَّنت العلماء من استعادة الكثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.

ومن مظاهر الاهتمام بذلك انعقاد مؤتمرات آبائية عالمية مثل مؤتمر جامعة أكسفورد بإنجلترا لدراسة الآبائيات سنة (1951م)، وينعقد مرة كل (4) سنوات، كما بدأت مؤتمرات دولية أخرى تُعقد في جامعات أوربا المختلفة، ويُخصص كل مؤتمر لدراسات أحد الآباء، مثل مؤتمر دراسة كتابات أغسطينوس، ومؤتمر دولي للتراث العربي المسيحي في جامعة سيدني بأُستراليا.

علم الآباء في مصر:

† إذ كانت الإسكندرية أكبر مركز هيلينيّ فلسفيّ (مدرسة الإسكندرية الفلسفية)، التزمت الكنيسة منذ عهد القديس مرقص الرسول بإنشاء مدرسة مسيحة قادرة على مواجهة التيار الهيلينيّ القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

† كذلك اهتم الآباء ولا سيما الرهبان بنسخ كتابات الآباء سواء باليونانية أو القبطية أو العربية، فهناك اهتمام كبير في مصر بـ علم الآباء وتاريخ الآباء، منع أنه في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث حمل عُلماء الغرب كنوز أديرتنا إلى مكتباتهم ومتاحفهم وجامعاتهم، وصارت مادة أساسية في قيام علم الآباء…

منها المخطوطات السريانية التي لا تُقدر بثمن، والتي أُخِذت من دير السريان، النصيب الأعظم منها كان للمتحف البريطاني وجزءاً منها لمكتبة الفاتيكان وبعض متاحف أوروبا، رغم ذلك ما زالت المخطوطات والبرديات المصرية تفتح آفاقاً جديدة في علم الآباء – حسب شهادة الغرب – لا تزال حية بالروح الآبائية الأصيلةن نستطيع أن ننتفع بها في الأبحاث العلمية.

† في القرن السابع قام الأنبا يوحنا أسقف نيقيوس بالمنوفية، بكتابة تاريخ آدم حتى نهاية القرن السابع الميلاديّ، وهذا الكتاب كُتب باللغة القبطية، وتُرجم إلى الأثيوبية، وتُرجم من الأثيوبية إلى الفرنسية، وحدث أن فُقدت النسخة الأصلية القبطية وأخيراً صدرت ترجمة عربية لهذا الكتاب عن اللغة الحبشية.

† في القرن العاشر قام الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين بكتابة تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية، بدءاً من عصر مار مرقص حتى القرن العاشر، وكتبه باللغة العربية.

† وُجد مخطوط عربي مشهور من القرن الحادي عشر بعنوان (اعتراف الآباء) يضم تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وطبيعة المسيح، من مخطوطات البطريركية القديمة بالأزبكية، وتوجد نسخ أخرى في المتحف القبطي ودير المحرق وبعض الأديرة الأخرى.

† السنكسار يرجع إلى القرن الثاني عشر، كتبه الأنبا ميخائيل أسقف أتريب ومليج بالمنوفية، وراجعه الأنبا بطرس أسقف مليج، يُقرأ في الكنيسة بعد سفر أعمال الرسل، ويحتوي على سيراً مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية، ولكنه لا يحتوي إلا على القليل من أقوال الآباء.

† في القرن العشرين قام الأرشدياكون حبيب جرجس، بجمع مؤلفات الآباء القديسين من أوروبا منذ العصر الرسولي حتى مجمع نيقية، وعَهد إلى بعض الخدام الأمناء بالترجمة إلى العربية ونشرها في أعداد مجلة الكرمة سنة (1923م)، وقدمها بقوله: “إن كتابات الآباء لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية، لقُرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولي وأقوالهم حُججاً قوية على تعاليم الكنيسة في عصرها الأول”.

† كذلك قام القس مرقص داود بترجمة كتاب (تجسد الكلمة) للقديس أثناسيوس سنة (1946م)، ثم أكمل كتابات القديس أثناسيوس.

† في عصرنا الحالي تُوجد مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر كتابات الآباء حيث تأسست هذه المؤسسة سنة (1979م)، وقد كان للسيد صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في تأسيس هذه المؤسسة، وتنيّح سنة (1986م).

† وفي عام (1991م) تأسس مركز دراسات الآباء، وبلغ عدد نصوص الآباء التي نشرها حتى الآن (138) عملاً، ويقوم المركز بعمل دراسات على هذه النصوص الآبائية المترجمة وتصدر في سلسلة باسم “دراسات آبائية” وصل عددها إلى 32 كتاباً، كما تُنشر مجلة دورة بدأت في يناير (1998م) وهي مجلة نصف سنوية.

اتباع أثر الآباء:

بعد أن تعرفنا على الآباء وعلى كتاباتهم التي كتبوها بإرشاد الروح القدس العامل في الكنيسة، يجب علينا اتباع أثر الآباء في حياتنا، فلا تستطيع الكنيسة أن تعيش دون أن تشرب وترتوي من تعاليم الآباء وحياتهم وكتاباتهم، وهذا ما قاله الله للكنيسة في نشيد الأنشاد “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 1: 8)، وهذا ما يقوله لنا معلمنا القديس بولس الرسول:

” اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 13: 7)، فالآباء هم امتداد للرسل ونحن نفتخر أن لنا آباء، وهذا يتضح من قول القديس أثناسيوس الرسولي للأريوسيين “قد أظهرنا أن فكرنا قد سُلِّم من أب إلى أب، وأما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا (يقصد الأريوسية) فإلى أي أب من الآباء تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم”[9]

اتباع الآباء ليس هو تعلقاً بشخصيات، إنما هو استقاء لكيفية كون هذا الأب عضواً في جسد المسيح الواحد. إنه علم الآباء.

[1] المتنوعات كتاب 51: 1: 11.

[2] القمص تادرس يعقوب ملطي: مفاهيم إيمانية (2): الكنيسة والتقليد، ص9

[3] J. Quasten. Patrology. Vol. 4 ,p.512 ff.

[4] نيافة الأنبا مكاريوس – الأسقف العام: فضيلة النسك الطبعة الأولى –  مارس 2006 م. ص 8، 9

[5] ولد بالقرب من مدينة أكويلا الواقعة على شاطئ البحر الأدرياتيكي بإيطاليا. درس في روما حيث التقى بالقديس جيروم، وكان روفينوس واحداً من مئات الشباب الذين استهوتهم الحياة النسكية فاندمجوا فيها بحرراة، عاش في جماعة نسكية في وطنه، ثم قصد الأراضي المقدسة حيث عاش بضع سنوات منع رهبانها. وحالما وصل رؤفينوس إلى الإسكندرية قصد لفوره إلى الصحراء حيث قابل عدداً كبيراً من آرائها. القمص تادرس يعقوب ملكي – قاموس آباء الكنيسة.

[6] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ح – ص) – 2001 – ص200.

[7] يوسابيوس القيصري – تاريخ الكنيسة 1: 1 – مرجع سابق – ص 9.

[8]  القمص تادرس يعقوب ملطي – المدخل لـ علم الباترولوجي ص 18.

[9] N&P.N.Fathers, 1st ser . Vol. IV p.168

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

Exit mobile version