دوافع الكتابة وطرق التعبير عند الآباء – مدخل إلى علم الآباء
دوافع الكتابة وطرق التعبير عند الآباء – مدخل إلى علم الآباء
دوافع الكتابة وطرق التعبير عند الآباء – مدخل إلى علم الآباء
هناك عدة دوافع للكتابة عند آباء الكنيسة نذكر أهمها :
1 ـ الكرازة وتفسير الكتاب المقدس وشرحه للشعب . 2 ـ مقاومة الهرطقات واثبات خطأها والرد على التعاليم المُضلة . 3 ـ التعبير عن الخبرات الروحية . 4 ـ العبادة وتمجيد الثالوث بواسطة الصلوات والتضرعات ، سواء المسجلة فى قداسات الكنيسة وتسابيحها أو فى الصلوات الخاصة . 5 ـ تسجيل حياة الشهداء والقديسين وذكر جهادهم وفضائلهم .
طرق التعبير عند الآباء :
عبّر الآباء عن لاهوتهم بوسائل أدبية متنوعة ، ولقد استخدموا هذه الأنواع لأجل خدمة المؤمنين ونموهم الروحى وليس تمسكًا بالشكل الأدبى. فقد أدخلوا المناقشات العقائدية فى رسائلهم . كما أدخلوا الإرشاد الروحى فى تفاسيرهم للكتاب المقدس ، وبهذا تجاوزوا الشكل الأدبى وحرفية أنماط الكتابة . وهناك أنواع أدبية استخدمها الآباء فى كتاباتهم هى الآتية :
1 ـ الرسائل :
لقد أصبح فن كتابة الرسائل فنًا أدبيًا عند الآباء لذلك فلقد اتخذ منذ اللحظة الأولى مكانًا مرموقًا فى الأدب الكنسى ويمكن تصنيف الأشكال التى أخذتها الرسائل على النحو التالى :
أ ـ رسائل موجهة إلى الحكام . ب ـ رسائل للتنظيم الكنسى . جـ ـ رسائل للتعزية . د ـ رسائل تعليمية . هـ ـ رسائل لاهوتية . و ـ رسائل دفاع عن مواقف شخصية وخاصة فى مواجهة الهرطقات . ز ـ رسائل فصحية . ح ـ رسائل فى مواضيع اجتماعية .
2 ـ المواعظ :
ازدهر فن الوعظ بانتشار المسيحية ووصل إلى عصره الذهبى فى القرنين الرابع والخامس حين صارت المواعظ حية وواضحة وقوية ، وبعد القرن الخامس ضعف فن الوعظ والخطابة بعض الشئ ، ولكن بقيت الطريقة التبشيرية هى الطريقة المثلى ، والتى تبتغى بناء المؤمنين روحيًا وعقائديًا ، وكانت تحوى : تفسيرات للكتاب المقدس ، ومواعظ فى الأعياد، ومدائح للقديسين ، ومراثى ، وتعليم عقائدى .
3 ـ النصوص العقائدية :
بعد أسفار العهد الجديد تأتى قوانين الإيمان التى كانت تتلى عند المعمودية ، تالية لها فى الأهمية . ففى كل كنيسة محلية كان هناك قانون إيمان خاص بها يُعطى للموعظين الذين يعدون للمعمودية ، وكل هذه القوانين الإيمانية كان لها محتوى عقائدى واحد ومحتوى روحى واحد ، وبعد ذلك اصبحت بعض هذه القوانين المحلية رسمية بعد الاعتراف بها فى المجامع المسكونية .
4 ـ النصوص الليتورجية :
تحتوى النصوص الليتورجية التى تستعملها الكنائس منذ القرون الأولى ثلاث عناصر :
أ ـ العنصر الأول هو الشكر والتسبيح . ب ـ العنصر الثانى هو التضرع والابتهال . جـ ـ والعنصر الثالث هو التعليم .
5 ـ الشعر فى كتابات الآباء :
الشعر الكنسى نوعان :
أ ـ شعر ليتورجى . ب ـ شعر غير ليتورجى .
الشعر الليتورجى هو الذى نراه فى التسابيح الليتورجية المنظومة فى الأبصلمودية كالإبصاليات والتذاكيات وغيرها، أما الشعر غير الليتورجى فهو تأملى ، وينشأ لظروف خاصة حسب الموهبة وحسب الاحتياجات الروحية للأب أو للمؤمنين على أن يكون مضمون هذه الأشعار متفقًا مع إيمان الكنيسة . وتنوع الترنيم بالشعر الكنسى ، يشير إليه الرسول بولس بقوله :
” لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى وأنتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعضًا بمزامير وتسابيح وأغانى روحية بنعمة مترنمين فى قلوبكم للرب ” (كو16:3) .
6 ـ القوانين الكنسية :
بما أن الحاجة صارت ماسة لتنظيم الكنيسة وعبادتها الجمهورية فقد ظهرت كتابات خاصة بهذا الأمر أخذت فيما بعد شكل القانون ، وهذه الكتابات تستخلص قواعد ومبادئ للقانون الكنسى من الكتاب المقدس ، ومن النصوص الليتورجية . وأهم مجموعات القانون الكنسى التى تعترف بها الكنيسة القبطية هى :
أ ـ الدسقولية (تعاليم الرسل) وتلحق بها الديداكى (تعاليم الرب) وباقى النصوص التى يربطها التقليد بالرسل . ب ـ قوانين الرسل وهى غير الدسقولية . جـ ـ قوانين المجامع المسكونية الثلاث (نيقية والقسطنطينية وأفسس) . د ـ قوانين المجامع المكانية . هـ ـ قوانين بعض الآباء .
7 ـ التفاسير :
انتشر فى العصور الأولى للكنيسة منهجان فى تفسير الكتاب المقدس كان لهما شهرة كبيرة : أ ـ المنهج الرمزى فى التفسير وخاصة فى تفسير العهد القديم ، الذى قام به علماء مدرسة الاسكندرية اللاهوتية مثل كليمندس وأوريجينوس . وقد استخدم أوريجينوس هذا المنهج بهدف الوعظ الروحى . ب ـ المنهج التاريخى أو الحرفى : وقد اشتهرت به مدرسة إنطاكية اللاهوتية .
8 ـ التأريخ :
يعتبر سفر أعمال الرسل هو أول محاولة لكتابة تاريخ المسيحية بعد صعود المسيح وقد وصل كاتب السفر ، القديس لوقا البشير ، فى نهاية السفر إلى وصول الرسول بولس أسيرًا إلى روما وكرازته لليهود هناك ولكنه لم يضع خاتمة للسفر ولهذا اعتبرت الكنيسة أن جهاد خدامها بعد عصر الرسل هو استمرار لأعمال الرسل فى العالم . ولكن التأريخ للأحداث الكنسية انقطع بسبب الاضطهادات التى توالت على الكنيسة بلا هوادة منذ نيرون فى سنة 65 م وحتى دقلديانوس فى بداية القرن الرابع . ولكن بعد تنصر قسطنطين تهيأت الفرصة مرة أخرى لكتابة تاريخ المسيحية ، فقام يوسابيوس القيصرى بكتابة أول تاريخ شامل للمسيحية منذ البداية وحتى القرن الرابع وهو الكتاب المشهور بـ ” تاريخ الكنيسة ” . وأتت بعد تاريخ يوسابيوس كتب التاريخ الكنسى لسقراط وسوزمينوس وثيودورتيوس وإيرينيموس بكتابه المعروف ” مشاهير الرجال ” . وهناك نوع آخر من التأريخ وهو تدوين سير الشهداء بعد استشهادهم لتكون مادة لبنيان المؤمنين ، وكذلك كتابة سير القديسين وأعمالهم وجهادهم.
9 ـ الكتابات اللاهوتية :
من أبرز الأنواع الأدبية فى كتابات الآباء هى الكتابات ذات الصبغة اللاهوتية ، وتتخذ هذه الكتابات أشكالاً متنوعة فى معالجتها للعقائد اللاهوتية .
أ ـ العرض المتسلسل للأفكار سواء للأب أو المبتدع . ب ـ شرح العقيدة بطريقة السؤال والجواب . جـ ـ دحض البدع بكشف الانحراف فى تفسير آيات الكتاب المقدس .
رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
رسائل السنوديقا [1] أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
د. جوزيف موريس فلتس
تعريف بالمصطلح:
كلمة “سنوديقا” ليست كلمة عربية بل هى كلمة يونانية “Sunodika…” وهى صفة في صيغة الجمع المؤنث لكلمة مجمع “SÚnodoj”. هذه الصفة “Sunodika…” كُتبت بحروف عربية حسب النطق اليونانى بمعنى أنه جرى لها ما يُعرف بـ Transliteration، ومع قليل من التحريف فى النطق، صارت “سنوديقا”.
رسائل السنوديقا:
رسائل السنوديقا إذًا معناها الرسائل المجمعية. ولقد ورد هذا المصطلح في نصوص التراث العربى المسيحى لوصف الرسائل التي اعتاد كل من باباوات كرسى الأسكندرية وبطاركة[2] السريان الأرثوذكس بأنطاكية تبادلها عند سيامة أحدهم بطريركًا في كنيسته، ولوصف الردود على هذه الرسائل أيضًا، يذكر كاتب مخطوط اعتراف الآباء الذي يرجع تاريخه إلى ق11 عن بطريرك الأسكندرية الثالث والثلاثون (528 ـ 559م)، ما يأتى: “وقال القديس ثاودسيوس المعترف بالحق في رسالة السنوديقا التي كتبها لما صار بطريركًا على كرسى الأسكندرية إلى الطاهر ساويرس بطريرك أنطاكية…“[3]، كما يذكر كتاب تاريخ البطاركة عن بطرس بطريرك أنطاكية في القرن السادس أنه ” من أجل الإتحاد بين الكرسيين كتب بطرس رسالة سنوديقا إلى الأب دميانوس البطرك كما جرت العادة“[4].
كما نقرأ في السنكسار عن عادة كتابة وتبادل هذه الرسائل بمجرد سيامة باباوات وبطاركة الكرسيين السكندرى والأنطاكى، فنسمع في اليوم السابع عشر من شهر بابة المبارك، وهو عيد نياحة البابا ديسقوروس الثانى بابا الأسكندرية الحادى والثلاثين والمُلقب بديسقوروس الجديد (516 ـ 518م) ” أن هذا الأب كان وديعًا في أخلاقه، فاضلاً في علمه وعمله، كاملاً في حياته، حتى أنه لم يكن مَن يشبهه في جيله، فقُدِّم بطريركًا بإرشاد الروح القدس، وكانت باكورة أعماله أنه بعد ارتقائه الكرسى المرقسى كتب رسالة مجمعية (سنوديقا) إلى الأب القديس ساويرس بطريرك أنطاكية ضمنها القول عن الثالوث الأقدس المساوى في الجوهر والألوهية ثم شرح التجسد وأن الله الكلمة قد اتحد بجسد بشرى كامل في كل شئ بنفس عاقلة ناطقة.
وأنه صار معه بالإتحاد ابنا واحد ومسيحًا واحدًا ربًا واحدًا لا يفترق إلى اثنين وأن الثالوث واحد قبل الإتحاد وبعده لم تدخل عليه زيادة بالتجسد. ولما وصلت الرسالة إلى الأب ساويرس قرأها وفرح بها وتلاها على الشعب الأنطاكى فاستبشر بها وكتب إلى القديس ديسقورس رد الرسالة يهنئه بالرئاسة المسيحية والأمانة الأرثوذكسية ويوصيه أن لا يحيد عنها يمينًا أو شمالاً وأن يعتمد فيجميع أقواله وأفعاله على الأمانة التي وضعها الآباء الثلثمائة والثمانية عشر بنيقية وعلى ما أقروا به من القوانين والسنن، ولما وصلت هذه الرسالة إلى الأب ديسقورس قبلها بفرح، وأمر بتلاوتها فقُرئت من فوق المنبر ليسمعها كل الشعب“[5].
كما يرد في سيرة الأنبا أنسطاسيوس بابا الأسكندرية السادس والثلاثون(589 ـ 611م) ” أن بطرس المخالف بطريرك أنطاكية كان قد مات وأُقيم عوضًا عنه راهب قديس عالم يسمى أثناسيوس قويم المعتقد، الذي بمجرد أن صار بطريركًا عمل على تجديد الإتحاد بين كنيستى الأسكندرية وأنطاكية فكتب رسالة بالإيمان المستقيم وأرسلها إلى الأب أنسطاسيوس ففرح بها جدًا وقرأها عليهم ثم رد على الأب أثناسيوس وبأنه يتمنى من صميم قلبه أن يراه“[6].
اللغة التي كُتبت بها رسائل السنوديقا:
كانت اللغة اليونانية هى اللغة السائدة في منطقة الشرق الأوسط بجانب اللغات المحلّية كالقبطية في مصر والسريانية في أنطاكية. وبعد الفتح العربى في القرن السابع سادت اللغة العربية رويدًا رويدًا. وكان من الطبيعى والأسهل استخدام اللغة اليونانية السائدة في ذلك الوقت والتي كتب بها آباء كل من الأسكندرية وأنطاكية، لكتابة رسائل السنوديقا. أما بعد أن انتشرت اللغة العربية وصارت مستخدمة في كل من الكنيستين صارت هى اللغة التي دُونت بها هذه الرسائل، غير أنه لا يمكننا بسهولة أن نحدد متى بدأ استخدام اللغة العربية بدلاً من اليونانية.
ما نستطيع أن نقوله هو أن الكنيسة السريانية اهتمت بترجمة هذه الرسائل من اليونانية إلى السريانية لتعم فائدتها حيث يذكر البطريرك الأنطاكى أغناطيوس افرام الأول (1887 ـ 1957) في كتابه اللؤلؤ المنثور وفي الفصل الثلاثون في ترجمات التصانيف الأعجمية ما يلى ” صرف السريان أبعد الهمم وجهدوا في ترجمة المصنفات اليونانية إلى السريانية نزوعًا إلى العلم وولوعًا به “[7]. وفي المقصد الثالث من هذا الكتاب حيث يذكر الترجمات من سنة 451م فما بعد، يورد بيانًا بالرسائل المجمعية التي ترجمت من اليونانية إلى السريانية مع ذكر اسم كل من المرسل والمرسل إليه ومدة بطريركتهما وبداية الرسالة وعدد صفحاتها وأحيانًا السنة التي أُرسلت فيها وعن أى مخطوط ترجمت[8].
أما في الكنيسة القبطية فقد اهتم كاتب مجهول في القرن الحادى عشر بترجمة نصوص هذه الرسائل التي تحوى في الأساس اعتراف كل من باباوات الأسكندرية وبطاركة أنطاكية بالإيمان الأرثوذكسى وتمسكهم بالتقليد المقدس وأقوال آباء الكنيسة وتعاليم المجامع المقدسة، من اليونانية إلى العربية في كتاب واحد يعرف بـ “اعتراف الآباء”[9]. هذا المخطوط الهام يحوى نصوص هذه الرسائل المترجمة إلى العربية عن اليونانية وأيضًا المكتوبة مباشرةً باللغة العربية[10].
كاتب رسائل السنوديقا:
كان باباوات الأسكندرية وبطاركة أنطاكية يقومون بكتابة هذه الرسائل بأنفسهم في أغلب الأحيان، أو يقوموا بتكليف أحد الآباء الأساقفة أو الكهنة المشهود لهم بسعة الإطلاع والتضلع في العلوم الدينية واللاهوتية والعقائدية بكتابتها نيابة عنهم. فعلى سبيل المثال نجد في ختام رسالة السنوديقا التي أرسلها البابا فيلوثاوس الـ63 (970 ـ 995م) في القرن العاشر إلى البطريرك أثناسيوس الخامس بطريرك أنطاكية الـ61 (987 ـ 1003م) ما يلي: ” … يقبل قدميك مقاره الحقير الكاتب أسقف منوف الذي كتب هذه السنوديقا العنوان بخط انبا فيلوثاوس برحمه الله أسقف الأسكندرية كتبت بيدى ورسمت هذه الرسالة السنوديقا إلى القديس انبا أثناسيوس بطريرك مدينة الله أنطاكية “[11].
ويذكر كاتب ” تاريخ البطاركة ” في سيرة البابا خرستوذولوس الـ 66 ( 1046 ـ 1077م) أنه ذهب إلى دير ابو مقار بوادى هبيب “وكان انبا ميخائيل كاتب السنوديقا هناك معه “[12]. ويذكر المؤرخ كامل صالح نخلة أن من كان يكتب رسائل السنوديقا من الأساقفة أو الكهنة كان يقيم في القلاية البطريركية أى في دار البطريركية.
حامل رسائل السنوديقا:
كان يحمل رسائل السنوديقا ـ عادةً ـ وفد مكون من أساقفة وكهنة وشمامسة ليقوم بتقديمها للبابا أو البطريرك المرسلة إليه. فعلى سبيل المثال نجد أن رسالة البابا يوحنا الثانى الـ30 (497 ـ 508م) إلى البطريرك ساويرس الأنطاكى كانت بيد كل من الأسقف إيلاريانس والقس واليس والشماس قرطوريوس[13]. وكان الوفد الذي حمل رسالة البابا مرقص الثانى الـ45 (790 ـ 830م) إلى البطريرك الأنطاكى قرياقس الـ48 (793 ـ 817م)، مكون من أسقفين يجيدان اليونانية أحدهما مرقس أسقف تنيس الحكيم والآخر مرقس أيضًا أسقف الفرما ومعهما الشماس جرجه قيّم بيعة الأسكندرية[14].
ومن الجهة الأخرى بعث البطريرك الأنطاكى يوحنا الحادى عشر الـ64 (1058ـ 1073م) رسالة سنوديقا إلى أخيه البابا السكندرى خرستوذولوس الـ66 (1039 ـ 1069م) بيد الأنبا تيموثاوس مطران بيت المقدس[15].
ذكر تاريخ إرسال السنوديقا:
لم يسجل كل من كاتبوا الرسائل أو مَن اعتنى بترجمتها، التاريخ الذي أُرسلت فيه الرسالة، واكتفوا بالقول بأنها أُرسلت ” لما صار ” هذا البابا أو ذلك البطريرك على كل من كرسى الأسكندرية وأنطاكية، أو بالقول بأن كتابة الرسالة كانت ” باكورة أعمال البابا “[16]. غير أننا نجد من بين كل رسائل السنوديقا والتي يبلغ عددها 32، ثلاث رسائل فقط قد حملت تاريخ الإرسال حسب تقويم الشهداء وأحيانًا حسب التقويم الهجرى أو الميلادى. وهذه الرسائل المدونة في مخطوط اعتراف الآباء، هى التي بعث بها كل من:
1ـ البابا زخارياس الـ 64 (996 ـ 1023م) إلى البطريرك الـ 62 يوحنا بن عبدون العاشر (1004 ـ 1030م) في سنة 403هـ.
2ـ البابا سانوتيوس الثانى الـ 65 (1024 ـ 1038م) إلى البطريرك ديونيسيوس الـ 63 (1032 ـ 1042م) في 752 ش 1035م.
3ـ يوحنا 11 البطريرك الأنطاكى الـ64 (1058ـ1073م) إلى البابا خرستوذولس الـ62 (1039 ـ 1069م) في سنة 882 للشهداء.
كما يمدنا كتاب اللؤلؤ المنثور بمعلومات عن تاريخ إرسال الرسائل الآتية[17]:
1 ـ رسالة يوحنا الثانى رئيس أساقفة الأسكندرية سنة (505 ـ516) إلى ساويروس بطريرك أنطاكية في 8 نيسان وهو اثنين اسبوع البياض سنة 516 لأنطاكية 512م.
2 ـ رسالة مجمعية (سنوديقية) من يوحنا الثالث[18] الأسكندرى إلى أثناسيوس الثانى بطريرك أنطاكية في 4 حزيران سنة 686م.
3 ـ جواب يوحنا الرابع الأنطاكى إلى يوسف[19] الأسكندرى سنة 846م.
ظروف أدت لعدم كتابة السنوديقا:
مرت منطقة الشرق الأوسط بفترات عصيبة خلال التاريخ بسبب الحروب والمنازعات ولم تسلم مصر وبلاد الشام من هذه الحروب، الأمر الذي إنعكس على كافة سكان تلك البلاد وأيضًا على أحوال كرسيّ كل من الأسكندرية وأنطاكية، فلم يتمكن البابا بالأسكندرية أو البطريرك بأنطاكيا من كتابة وإرسال السنوديقا كل منهما للآخر كما جرت العادة، واكتفى الآباء بزيارة قام بها بطريرك أنطاكية لبابا الأسكندرية وحدث هذا الأمر في حبرية البابا يعقوب والمشهور بالعمود المضئ الـ50 (819 ـ 830م) والبطريرك ديونيسيوس الأنطاكى.
ويذكر كاتب تاريخ البطاركة بخصوص هذا الأمر ما يلي: ” ونعود الآن إلى خبر انبا يعقوب مع ديونوسيوس بطرك أنطاكية وأنه لم يمكنه أن ينقذ سنوديقا لأجل الحروب بمصر والشرق وكذلك الأب البطرك ديونوسيوس كان يسمع بأفعال الأب البطرك انبا يعقوب وكان يشتهى أن يسلم عليه وهو في الجسد فلما أنفق له هذا الأمير وهو متوجه إلى مصر سار صحبته إليها حتى وصل إلى مصر فلما نظره أبونا انبا يعقوب فرح فرحًا عظيمًا روحانيًا وتلقاه أحسن تلق وتهللت جميع كورة مصر بمشاهدتها بعضًا لبعض وكانوا الكهنة المصريون يقروؤا قدامهما من قول داءود الرحمة والعدل التقيا والصدق والسلامة أقبلا إلينا ثم أقام الأب ديونوسيوس البطرك بأنطاكية عند الأب انبا يعقوب أيامًا كثيرة ليشبع كل واحد منهما من قدس الآخر “[20].
السنوديقا رسالة غير شخصية:
لما كان محتوى رسائل السنوديقا وهدفها هو الإقرار بالإيمان وإعلانه طلبًا للشركة والوحدة بين كرسيّ أنطاكية والأسكندرية، لهذا لم يكن لهذه الرسائل طابعًا شخصيًا بمعنى أنها لم تكن تعبّر عن الآراء الشخصية لمَن يقوم بكتابتها بقدر ما تعبّر عن إيمان الكنيسة التي أؤتمن عليها ” والمسلّم مرة للقديسين ” والذي هو إيمانه الشخصى في نفس الوقت، والحادثة التي ورد ذكرها في سيرة البابا كيرلس الثانى الـ 67 (1078 ـ 1092م)، يمكن أن نبررها في ضوء هذا الملمح غير الشخصى لرسائل السنوديقا حيث كان البطريرك الأنطاكى ديونيسيوس الرابع الـ 63 (1032 ـ 1042م) قد أرسل سنوديقا إلى البابا خرستوذولوس الـ66 (1046 ـ 1077م) حملها القس توما، وحدث أنه ” بعد أن وصل توما القس في هتور سنة سبع ماية خمسة وتسعين للشهداء ومعه الرسالة السنوديقا من ابا ديونوسيوس بطرك أنطاكية ومطارنته وأساقفته وكهنته فوجدوا الأب انبا اخرسطودلوس قد تنيح وجلس الأب انبا كيرلص بعده فغير ترجمة السنوديقا باسمه[21] وأوصلها إليه وقريت في كنائس مصر وذكر اسمه على هياكلها ودعى له فيها في أوقات الصلوات والقداسات كما جرت العادة وكتب له (أى البابا كيرلس) رسالة سنوديقا جوابًا على رسالته “[22].
أهداف رسائل السنوديقا:
بناء على ما ورد في نصوص هذه الرسائل نستطيع أن نقول أن هناك أهدافًا متعددة دفعت الباباوات والبطاركة إلى تبادل هذه الرسائل، هذا ويمكن إجمال هذه الأهداف فيما يلي:
1 ـ إعلان الإتفاق التام في الإيمان الأرثوذكسى ومن ثم الشركة الرسولية الكاملة والإتحاد بين الكنيستين:
وهذا ما عبّر عنه البطريرك الأنطاكى باسيليوس الـ55 (923 ـ 935م) في ختام رسالة السنوديقا التي رد بها على رسالة الأنبا قزمان (قسما) الثالث البابا الـ58 (911 ـ 923م) حين كتب ما يلي ” إننا نقول الآنلقدسكم أيها الأخ المغبوط أننا أثبتنا لكم أننا متفقون معكم كل الموافقة بالأخوة الروحية وذلك بما أوردناه لكم من النصوص الأبوية التي تلهجون بها دائمًا ونحن واثقون أنكم مقتنعون بإتحادنا معكم قولاً وعملاً واختيارًا في الشركة الرسولية.
وكما أن المولودين الذين لهم مساواة النفس إذا تقابلوا معًا ونظروا لبعضهم يشفون غليلهم ويطفئون نيران أشواقهم، هكذا نحن الذين لنا الروح الواحد الملتهبة شوقًا التي بالرغم من بعد البلاد وبعد الأشخاص ترى بعضًا بأعينها الحادة ونبل شوقنا ونعانق بعضنا معانقة الغرباء إذا جمعهم الوطن الواحد “[23].
وكان إعلان الوحدة في الإيمان والشركة الكامله بين الكرسيين الرسوليين يتم بأن يأمر البابا أو البطريرك بأن يُدرج اسم أخيه في الطلبات (الأواشى) في القداسات. فقد ورد في نهاية رسالة السنوديقا التي بعث بها البابا فيلوثاوس الـ 63 في القرن العاشر إلى أخيه البطريرك الأنطاكى أثناسيوس الـ 61 ما يلي ” … وتقدمنا إلى ساير الكور ليصلوا ويذكروك في كل قداس تبّت الله اسمك “[24].
2 ـ للرد على الأسئلة التي يوجهها أحد البطاركة لأخيه للإستفسار عن أمور تتعلق بالإيمان ومسائل تمس العقيدة:
فقد حدث أن بعث البطريرك الأنطاكى أثناسيوس الـ 61 إلى أخيه البابا فيلوثاوس الـ 63 في القرن العاشر برسالة حملها إليه توفيلس مطران دمشق وباسيليوس مطران طبرية، يسأله فيها عن أمر موت الرب يسوع على الصليب وكيف تم. فقد جاء في مقدمة جواب البابا فيلوثاوس بابا الأسكندرية عليه ما يلى ” فهمت ما كتبت به أيها الأخ المكرم الحبيب أطال الله بقاك وآدام نعماك وكبت أعداك ونجاك بشفاعة السيدة وجميع القديسين ثم أنى وقفت على مسالتك فيما خطر بقلبك أحياه الله وعمّره بالسرور وهو أن موت سيدنا المسيح لما كان من مفارقة النفس للجسد من حيث لم يفارق اللاهوت للجسد ولا للنفس…“[25].
3 ـ تصحيح تعاليم مخالفة للإيمان المستقيم:
جاء في سيرة البابا داميانوس البطريرك الـ 35 (563 ـ 598م) كما سجلها لنا كاتب تاريخ البطاركة ما يلى ” لما تنيح الأب ثاوفانيوس البطرك ومضى إلى الرب عمد أهل أنطاكية إلى رجل من كهنة البيعة اسمه بطرس فجعلوه بطركًا وكان غليظ القلب مظلمًا في أفكاره مضطرب العقل مقاومًا للأمانة المستقيمة كما قال الحكيم في الله كيرلس البطرك القديس لأجل أصحاب أناطوليوس أنهم مظلموا الأفكار. ومن أجل الإتحاد الذي بين الكرسيين كتب بطرس رسالة سنوديقا إلى الأب داميانوس البطرك كما جرت العادة.
فلما وصلت السنوديقا إليه فرح بها وجمع الأساقفة وفيما هو يميز كلامه المنصوص فيها وجد فيه عثرة في الإعتراف بالثالوث وطلب بحكمته ودعته أن يجذب إليه بطرس المذكور[26] برفق حتى لا تنقسم البيعة ولا يفترق الإتحاد الذي بيد الكرسيين، فكتب إليه ميمرًا (مكتوب)[27] يذكر فيه جميع المخالفين والتعليم الذي وضعه ساويرس البطرك غرضًا في أن يفهمه الأمانة ليدبر عقله لأن بطرس قال بحكمته البرانية أنه لا حاجة إلى ذكر الثالوث وكانوا معلموا البيعة أجمعون وكيرلس الحكيم ومن حياء بعده إلى أيام داميانوس في كتبهم يعترفون بالثالوث المقدس أنه ثلثة أقانيم طبيعة واحدة … والمجد للثالوث المقدس المساوى الكامل في كل شئ الذي لا يقبل شيئًا جديدًا ولا اسمًا جديدًا بالجملة بل أساميه ثابتة وأفعاله معًا.
هذا الكلام كتب به الأب داميانوس البطرك إلى بطرس بطرك أنطاكية. وكان بطرس بطرك أنطاكية مثل الأفعى العمياء التي تسد أذنيها فلا تسمع كلام الحاوى ولا دواء يصنعه حكيم بل بقى مدمنا على فكره الضال يعترف ويقول بلسانه ما الحاجة إلى تسمية الثالوث بهذا وكان يقسم الثالوث الغير منقسم فصار بين المصريين والشرقيين خصومه لهذا السبب وأقاموا هكذا عشرين سنة مختلفين بغير اتفاق “[28]، ” حتى جددها أثناسيوس البطريرك الأنطاكى في مجمع عقده في دير على ساحل البحر المتوسط بمصر في أوائل الجيل السابع “[29].
أو كما سجل لنا تاريخ البطاركة ما حدث بقوله ” فقام المغبوط أثناسيوس وأخذ معه خمسة أساقفة فضلاء معلّمين وسار في مركب إلى الأسكندرية فلما وصلوا أعلموهم أن الأب أنسطاسيوس البطريرك في الديارات فخرجوا إليه فلما سمع أن بطرك أنطاكية قد جاء إليه جمع الأساقفة والكهنة والرهبان وقام بتواضع كثير عظيم وخرج ماشيًا حتى تلقاه بالقراءة والتسبيح والفرح والبهجة ودخلوا جميعًا إلى الدير الذي هو ساحل البحر شرقي بحرى الديارات، وجلسوا فيه هناك بسلامة وفرح وأنفذ الأب أنسطاسيوس للوقت وأحضر كهنة الأسكندرية كلهم ليحضروا إجتماع الآباء وليكملوا القداس معهم ويتناولوا السرائر المقدسة وتكلم أثناسيوس في ذلك المجمع بكلام عجيب مملوء حكمة حتى تعجب كل مَن كان حاضرًا ثم قال في هذه الساعة يا أحبائى يجب أن نأخذ قيثارة وأعواد ونرتل بصوت المزمور ونقول إن الرحمة والحق تلاقيا أثناسيوس وأنسطاسيوس قبلا بعضهما بعضًا، الحق من أرض مصر ظهر والبر من الشرق أشرق وصارت مصر والشام مقالة واحدة صارت الأسكندرية وأنطاكية بيعة واحدة وعذراء واحدة لعريس واحد طاهر نقى هو الرب يسوع المسيح الابن الوحيد كلمة الآب … ومن ذلك اليوم صار الإتفاق بين كرسى أنطاكية وكرسى الأسكندرية إلى يومنا هذا“[30]. والجدير بالذكر أن هذه كانت المرة الوحيدة ـ حسب ما نعلم ـ التي حدثت فيها مثل هذه الأمور بين الكنيستين.
حالة امتنع فيها البابا الأسكندرى عن كتابة رسالة سنوديقا:
رغم أن الباباوات والبطاركة كانوا حريصين على كتابة وإرسال هذه الرسائل بمجرد سيامتهم، تحقيقًا لوحدة وشركة الإيمان بين الكنيستين كما رأينا، إلاّ أن هذا الحرص كان يدفعهم في بعض الأحيان إلى التروى في كتابة هذه الرسائل أو حتى الإمتناع عن كتابتها وإرسالها إن كان هذا سيؤدى إلى إضفاء شرعية وقانونية على أمر يخالف القوانين الكنسية.
حدث مثل هذا الأمر في عصر البابا خائيل (ميخائيل) الأول الـ 46 (743 ـ 767م) وولاية هشام بن عبد الملك الذي كان يتحكم في سيامة البطاركة. وفي أنطاكية كان من الصعب عليهم سيامة أحد الرهبان فأقاموا أحد الأساقفة بطريركًا خلافًا لقوانين الكنيسة، أدى هذا إلى حدوث خلاف بين الأساقفة ووصل الأمر إلى الشكوى للملك.
ويخبرنا كتاب تاريخ البطاركة عن هذه المشكلة وموقف بابا الأسكندرية خائيل تجاهه فيذكر الآتى: ” وكان أبونا يوحنا البطرك بأنطاكية الذي كان أسقفًا بينه وبين أساقفته مشاجرة عدة أيام ولم يستطع الصلح وكتب إلى الملك وكتب سنوديقا ما وجد سبيلاً لإنفاذها إلاّ في ذلك الوقت فلم وصلوا وتسلّم الأب أنبا ميخائيل من الرسل السنوديقا والكتب فقرأها وحزن جدًا لأجل الخلف التي بينه وبين أساقفته لأنهم قالوا أنه أسقف وليس هو بطرك وأنهم لم يقدروا أن يخاطبوه في أيام هشام بالبطرك ثم أن أنبا ميخائيل أحضر جميع أكابر أساقفته بكورة مصر وقرئ عليهم الكتب فقالوا نحن ما نكتب إلى هناك كتابة ولا ننفذه لأن هذا أمر فيه صعوبة إن أرادوا أن يخرجوه قال لهم السلطان لا لأنه أسقف وإن كتبنا إليهم أن لا يخرجوه إنقسمت الأساقفة كما قد كتبوا بل اجعل يا أبانا الأمر باقيًا على ما هو عليه ففعل ذلك“[31].
محتوى رسائل السنوديقا:
سبق أن تكلمنا أن رسائل السنوديقا هى رسائل عبّر فيها كل من باباوات كرسى الأسكندرية وبطاركة كرسى أنطاكية عن الإيمان المستقيم. ولهذا نجد أن هذه الرسائل قد احتوت على الشهادة للإيمان بالثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس، وبالتجسد الإلهى وتعاليم الكنيسة فيما يختص بطبيعة السيد المسيح واتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية في طبيعة واحدة متجسدة وأقنوم واحد متجسد في شخصه الواحد البسيط. أو كما يذكر السنكسار عن محتوى رسالة البابا ديسقوروس فيقول: ” ضمنها القول في الثالوث الأقدس المساوى في الجوهر والألوهية. ثم شرح التجسد وأن الله الكلمة قد اتخذ جسد بشرى كامل في كل شئ بنفس عاقلة ناطقة. وأنه صار معه الاتحاد[32] ابنًا واحدًا، مسيحًا واحدًا، لا يفترق إلى اثنين وأن الثالوث واحد قبل الإتحاد وبعده ولم تدخل عليه زيادة بالتجسد “[33].
الإستشهاد بنصوص الكتاب المقدس:
حوت نصوص الرسائل على شواهد لآيات من العهد القديم وخصوصًا من سفر إشعياء النبى (4 مرات)، ومن أسفار العهد الجديد (12 مرة).
التأكيد على التمسك بالتقليد:
من الجدير بالملاحظة هو اهتمام كُتّاب هذه الرسائل ـ وهم يسجلون اعترافهم ـ بالتقليد وما تسلموه من الآباء إذ أن هذا هو الضامن الأكيد لحفظ الإيمان بدون أى تغيير أو تجديد أو كما قال القديس أثناسيوس أن الرب قد أعطى الإيمان والرسل كرزوا به والآباء حفظوه[34]. ولهذا نجد أن عددًا كبيرًا من الرسائل (21 رسالة) قد حوت على مثل هذه العبارة ” أما نحن فلا نأتى بأمانة جديدة بل نتأدب من كل شئ يحفظ الأمانة الجليلة التي سلمها لنا آباؤنا الأطهار ونرفض ما قرر غيرهم“.
أو كما ورد في رسالة البطريرك الأنطاكى قرياقص الـ 48 (793 ـ 817م) إلى البابا مرقص الثانى (799 ـ 819م) ” هذا هو إعتقادنا في الثالوث بحسب ضعف منطقنا (تعبيرنا) لكن كما علّمنا آباؤنا “[35]. وأيضًا ” أما نحن فما علمتنا هكذا بيعة الله، نحن نعلن كلام آبائنا الأطهار الصحيح المملوء حياة “[36]. ويختم البابا خرستوذلوس الـ 66 (1039 ـ 1069م) رسالته إلى البطريرك الأنطاكى يوحنا العاشر الـ 64 (1042 ـ 1057م) بما يلي: ” هذا الميراث الأفضل والغنا العظيم الذي ورثناه من الآباء القديسين الأجلاء وتلقناه من السادة الموعزين إلينا منيرين العالم الذين أضأت بتعاليمهم المسكونة بأسرها “[37]. ولم يكن تمسك البطاركة في الكرسى الأنطاكى بالتقليد أقل من باباوات الأسكندرية. وهنا نأتى بمثال على ذلك من رسالة السنوديقا التي بعث بها البطريرك أثناسيوس الخامس الـ 61 (987 ـ 1003م) إلى شريكه البابا فيلوثاوس الـ 63 (970 ـ 995م) ” … هذا قلناه في هذا المعنى بالإختصار حسبما سلموه إلينا الآباء القديسين “[38].
وفي موضع آخر من نفس الرسالة وفي سياق حديثه عن الإتحاد الأقنومى يقول: ” … ومن هنا تبّت الإتحاد الحقانى الأقنومى طبع واحد اقنوم واحد للكلمة المتجسد كما علمونا الآباء لابسى الله “[39]. ونختم هذه النقطة بالإشارة إلى رسالة البابا سانوتيوس الثانى الـ 65 (1024 ـ 1038م) إلى البطريرك الأنطاكى ديونيسيوس الرابع الـ 63 (1032 ـ 1042م) والتي يعبّر فيها عن نفس هذا المعنى بقوله إن ما يعلّم به من جهة التجسد الإلهى وشرح كيفية الإتحاد الأقنومى هو ” كما علمونا الآباء لابسوا الله “[40].
ولم يكتف كاتبو الرسائل بالإشارة إلى الآباء المعلّمين بل يذكرون أسماء الآباء ومقاطع من نصوصهم وكتاباتهم العقائدية ملقبين إياهم ومن تبعهم ” بالأرثوذكسيين “[41] وليس هذا فقط بل أن كاتبوا الرسائل كانوا كثيرًا ما يذكروا أيضًا أسماء الهراطقة[42] والهرطقات ويصفون مَن يتبع أفكارهم وتعاليمهم بأنهم هم ” الذين مرضوا مرض سبليوس ومقدونيوس “[43] على سبيل المثال.
الإستشهاد بأقوال الآباء:
كان من الطبيعى أن يلجأ باباوات وبطاركة الكنيسة إلى آباء الكنيسة الذين سبقوهم والذين تسلموا منهم الإيمان عن طريق التقليد المقدس لهذا نجد أن هذه الرسائل قد حوت أقوالاً لكثير من آباء الكنيسة المعلّمين مثل القديس أغناطيوس الثيوفورس (مرتين)، والقديس أثناسيوس (17 مرة)، والقديس كيرلس السكندرى (7 مرات)، والقديس ساويرس الأنطاكى (7 مرات)، والقديس باسيليوس (7 مرات)، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات (11 مرة)، والقديس غريغوريوس النيسى (7 مرات)، والقديس ابيفانيوس أسقف قبرص (مرتين)، والقديس يوحنا ذهبى الفم (4 مرات)، والقديس يعقوب السروجى والقديس مارافرام السريانى وغيرهم.
ألقاب البطاركة كما ورد بالرسائل:
اختلفت ألقاب البطاركة من رسالة إلى أخرى. فتذكر إحداها أن البطريرك هو أول أساقفة الأسكندرية وتلقبه رسالة أخرى ببطريرك الأسكندرية ومصر وبلاد النوبة والحبشة والمغرب[44]. وعادةً يسبق اسم البطريرك لقب ” قدس“، ” طاهر“. وبالنسبة لبطريرك أنطاكية فإن الرسائل تلقبه بـ “بطريرك أنطاكية ” أو ” بطريرك أنطاكية والمشرق وما والاها”[45]. ويسبق اسمه ألقاب ” الطاهر ” و” الجليل ” وغيرها.
صفات المخالفين في العقيدة:
اعطت الرسائل للمخالفين في العقيدة عدة صفات منها “المضادون”[46]، “المقاومون”، “المخالفون” وذكرت أن ما يقولونه هو زعم ” كما زعم بلا فهم الذين ظنوا بأنفسهم أنهم حكماء ” أو ” ذوو الفهم القاصر الذين جهلوا أو ظنوا ظنًا فاسدًا أنهم حكماء “[47].
ذكر مجمع خلقيدونية بالاسم:
كانت قرارات مجمع خلقيدونية وهو المجمع المسكونى الرابع، هى التي تسببت في الإنشقاق الذي حدث بين الكنائس، ولم تقبل كنيستى الأسكندرية وأنطاكية قرارات هذا المجمع ولا تعده من بين المجامع المسكونية المعترف بها.
ولما كانت عقيدة “الخرستولوجى” كما علّمت بها كنيستى الأسكندرية وأنطاكية هى أمر جوهرى في الإيمان المستقيم الذي شهد له كتُّاب رسائل السنوديقا من الكنيستين، لهذا نجدهم يشرحون تعاليم آباء الأسكندرية وأنطاكية فيما يختص بهذا الأمر في معظم رسائلهم مع الإشارة إلى تعاليم مجمع خلقيدونية بدون ذكر اسم المجمع إلاّ في عدد6 رسائل[48] فقط جاء فيها اسم مجمع خلقيدونية عند الاشارة إلى تعاليمه.
كلمات يونانية كُتبت بحروف عربية:
بجانب كلمة “Sunodika…” اليونانية التي كُتبت بحروف عربية “سنوديقا” ومعناها “مجمعية” كما سبق القول، نجد أن هناك كلمات أخرى مثل:
+ الأرطتستيكا. Εortastika… ومعناها رسائل عيّدية أى تُرسل في الأعياد وخصوصًا عيد القيامة أى الرسائل الفصحية.
[1] نص المحاضرة التى أُلقيت بسمنار أساتذة كلية البابا كيرلس عمود الدين اللاهوتية ببورسعيد، وبتشريف صاحبا النيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوى مطران دمياط والبرارى وكفر الشيخ، والأنبا تادرس أسقف بورسعيد فى 19/12/2003.
[2] سنشير دائمًا إلى بطاركة الأسكندرية بلقب ” بابا ” ولبطاركة أنطاكية بلقب ” بطريرك ” بدون تغيير الألقاب التى وردت فى نصوص المخطوطات.
[3] انظر مخطوط اعتراف الآباء رقم 196 لاهوت بالمتحف القبطى ورقة 131 (v) [ عند الرجوع لنصوص من المخطوط سوف نحتفظ بها كما هى بدون أى تدخل لغوى فيها ].
[4] انظر تاريخ البطاركة لساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين عن الباترولوجيا أورثيتاليس أعدها للنشر صموئيل السريانى، المجلد الأول، ص 98.
[5] السنكسار، طبعة مكتبة المحبة القبطية الأرثوذكسية، ج1، ص82.
[6] السنكسار: طبعة مكتبة المحبة، اليوم الثانى والعشرون من شهر كيهك المبارك: ج1، ص 217.
[7] اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية بقلم أغناطيوس افرام الأول برصوم. قدم له ونشره المطران غريغوريوس يوحنا إبراهيم في سلسلة التراث السريانى (1) حلب الطبعة الخامسة 1987، ص166.
[8] المرجع السابق، ص182 ـ 183.
[9] هذا هو الاسم الذي يحمله المخطوط. وللأسف عندما قام أحد رهبان الدير المحرق بنشر هذا المخطوط أعطى له اسمًا آخر وهو ” اعترافات الآباء ” مما غير من معنى محتوى المخطوط. فلا يوجد إلاّ اعتراف واحد بالإيمان المستقيم وما جاء بالمخطوط هو ” اعتراف ” كل الآباء بهذا الإيمان.
[10] لمزيد من المعلومات عن هذا المخطوط راجع:
Georg Graf: Zwei dogmatische florilegien der kopten, B. Das Bekenntnis der Väter. Orientalia Christiana Periodica vol III, Roma, 128, 1937, P. 345-403.
[11] انظر مخطوط اعتراف الآباء ورقة 196 (v).
[12] تاريخ البطاركة. المرجع السابق، المجلد الثانى 172 ـ 173.
[13] اللؤلؤ المنثور، المرحع السابق، ص182.
[14] انظر تاريخ البطاركة، المرجع السابق، المجلد الأول، ص234.
[15] انظر مخطوط اعتراف الآباء ورقة 237 (r).
[16] كما ورد في سيرة البابا ديسقوروس بالسنكسار ج1، ص61.
[17] اللؤلؤ المنثور … المرجع السابق، ص182.
[18] المشهور بيوحنا السمنودى (680 ـ 689م).
[19] هو البابا يوساب الأول (831 ـ 849م).
[20] تاريخ البطاركة. المرجع السابق المجلد الأول، ص 259.
[21] أى أنه غيّر اسم البطريرك الموجهة إليه الرسالة.
[22] تاريخ البطاركة، المرجع السابق، المجلد الثانى، ص210.
[23] كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة. بقلم أحد رهبان دير السيدة برموس في برية أنبا مقاريوس، الطبعة الثالثة 1923 الجزء الثانى، ص289.
[24] مخطوط اعتراف الآباء .. المرجع السابق ورقة 195(r).
[25] مخطوط اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 193 (r).
[26] يذكر الأسقف إيسيذورس مؤلف كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة، أن البطريرك الأنطاكى بطرس ” هدم الإقرار بتمييز الأقانيم الثلاثة والإقتصار على القول بوحدة أقنوم الله نظير وحده جوهره وكانت غاية بطرس من هذا التعليم المغاير أن ينقص بدعة “كونون” أسقف طرسوس و ” فيلوبونتس ” الفيلسوف الأسكندرى اللذين زعم كل منهما أن في الله ثلاثة طبائع متميزة بالعدد ومتساوية لكنها غير متحدة الإتحاد الجوهرى “. وقد أفرط البطريرك بطرس في المهاجمة والمجادلة فوقع في بدعة جديدة مثلما فعل من قبله بولس السموساطى أسقف أنطاكية في القرن الثالث ونسطور بطريرك القسطنطينية في القرن الخامس. انظر الخريدة النفيسة، المرجع السابق ص70 ـ 71.
[27] وهذا الموقف أيضًا يعكس الملمح غير الشخصى لرسائل السنوديقا الذي أشرنا إليه سابقًا، فالبابا داميانوس يدافع عن الإيمان المستقيم بغض النظر عن شخص ومكانة مَن يعلّم بتعاليم غير أرثوذكسية.
[28] تاريخ البطاركة … المرجع السابق، ص97 ـ 98.
[29] الخريدة النفيسة … المرجع السابق ص35.
[30] تاريخ البطاركة .. المرجع السابق، ص101.
[31] تاريخ البطاركة، المرجع السابق، ص176.
[32] أى تحقق فيه الاتحاد الأقنومى.
[33] السنكسار: اليوم السابع عشر من شهر بابة المبارك ج1، ص82.
[34] انظر ” رسائل الروح القدس للقديس أثناسيوس ـ إلى الأسقف سرابيون “، ترجمه عن اليونانية د. موريس تاوضروس ود. نصحى عبد الشهيد، الرسالة الأولى فصل 28 ص82، إصدار مركز دراسات الآباء 1994.
[35] اعتراف الآباء، المرجع السابق ورقة 159 (v).
[36] المرجع السابق ورقة 161 (v).
[37] اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 227 (r).
[38] المرجع السابق، ورقة 201 (v).
[39] المرجع السابق ورقة 201 (r).
[40] اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 212 (r).
[41] رسالة البابا قسما إلى البطريرك يوحنا الأنطاكى. انظر اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 168 (v).
[42] الخريدة النفيسة. المرجع السابق ص362.
[43] المرجع السابق. ورقة 167 (r).
[44] اعتراف الآباء ورقة 233 (v).
[45] انظر على سبيل المثال رسالة السنوديقا التي أرسلها يوحنا بطريرك أنطاكية الـ 64 إلى البابا خرستوذولس الـ 66. اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 233 (v).
[46] اعتراف الآباء 167 (r).
[47] اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 201 (r)، 212 (r).
[48] اعتراف الآباء. المرجع السابق: + ورقة177(r) “..المجمع الطمت الذي اجتمع بخلقيدونية “. + ورقة183(r) “..المجمع الطمت الذي اجتمع بخلقيدونية “. + ورقة202(v) ” سنودس خلقدون الاثمة “. + ورقة213 (r) ” المحفل الذي اجتمع بخلقدونية بغير ناموس … الفاسدين “. + الخريدة النفيسة ج2 ص362 ” المجمع الردئ الاسم والسمعة مجمع خلقيدون ولاون بطومسه “. +ورقة 219 (r) ” المجمع الردئ الطمت اليهودى الذي اجتمع بخلقدون “، وأيضًا بورقة رقم 197 (v).
[49] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 202 (v).
[50] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 214 (v).
[51] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 237 (v).
[52] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 213 (v).
[53] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 202 (v).
[54] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 237 (v).
[55] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 208 (v).
* إختصارات: حرف (v) يعنى وجه الورقة بالمخطوط.
حرف (r) يعنى ظهر الورقة بالمخطوط.
رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي
· أساليبنا التفسيرية الحياتية المتداولة.
· القاعدة الأساسية.
· القاعدة الثانية.
· المسألة الأولى: التطبيق الممتد.
· المسألة الثانية: الأمور غير المشابهة.
· المسألة الثالثة: النسبية البيئية أو الحضارية.
· المسألة الرابعة: اللاهوت المقدم لمهمة محددة.
نعود الآن إلى ما كنا قد أشرنا إليه سابقاً حول أسئلة التفسير الحياتي، وإلى ما تعنيه لنا هذه النصوص؟ هذا السؤال هو النقطة الحاسمة لكل أمر، فبالمقارنة مع مهمتنا في تقديم تفسير حياتي جيد، تظل عملية التفسير الاستنتاجي سهلة نسبياً؛ لأن التفسير الاستنتاجي حتى وإن واجهتنا بعض الاختلافات في الرأي فيه حول عدد من النقاط، إلا أن معظم الناس على الأقل متفقون فيه على المعنى العام، حتى الاحتمالات الموضوعية والتي قد تفرضها القرينتان التاريخية والأدبية يمكن أن نجدها ضمن حدود معينة.
فعلى سبيل المثال: لا يمكن لبولس الرسول أن يكون قد قصد أمراً لم يسمع به هو أو قراؤه، وعلى هذا الأساس فالمعنى الذي أراده بولس الرسول لابد له من أن يكون معنى ممكناُ يتناسب مع القرن الأول الميلادي.
إن القضية الكبرى بين المؤمنين بالكتاب المقدس ككلمة الله تتمثل في مشكلات النسبية البيئية.
وهنا يلفت انتباهنا ما يلي: لا يوجد إجماع على الأمور التي تحدد معنى التفسير الحياتي والذي يعني تعلّم رؤية المعنى في بيئتنا وظروفنا المعاصرة. فجميع الناس يمارسون التفسير الحياتي حتى وإن كانوا لا يعلمون شيئاً عن التفسير الاستنتاجي. وهنا نقول: إنه لا عجب إذاً إن وجدنا اختلافات كثيرة في التفسير بين المسيحيين.
وما نريد فعله في هذا الفصل قبل كل شيء، هو تقديم وشرح مختلف أساليب التفاسير الحياتية الشائعة بين المسيحيين وإظهار حسناتها ومساوئها، ثم مناقشة وإعطاء إرشادات لعدة مجالات قد تبدو فيها هذه الأساليب الشائعة غير ملائمة؛ لأن القضية الكبرة بين المؤمنين بالكتاب المقدس ككلمة الله تتمثل في مشكلات النسبية البيئية، أو بمعنى آخر: ما هو بيئي من بيئة قُراء الكتاب المقدس الأصليين – يختص بالقرن الأول وحده، وما يسمو فوق البيئة غير محصور ضمن بيئة قُراء الكتاب المقدس الأصليين – هو كلمة تصلح لكل العصور.
ونحن بدورنا سنولي هذه القضية العناية اللازمة.
أساليبنا التفسيرية الحياتية المتداولة
ما الذي نفعله جميعنا عندما نقرأ رسائل العهد الجديد؟ بكل بساطة، ترانا نستخدم فطرتنا السليمة في التعامل مع النص محاولين تطبيق ما نستطيع تطبيقه على حالتنا الشخصية، وما لا يبدو منطبقاً علينا نتركه ببساطة في حدود القرن الأول.
فعلى سبيك المثال ليس فينا مِنْ شعر يوماُ بدعوة الروح القدس إياه للسفر إلى ترواس كي يجلب رداءً لبولس الرسول من بيت كاربس وليحضره إليه في سجن رومية (2تي 4: 13) مع أن هذا المقطع يظهر لنا بوضوح ذلك الأمر. ولكن فهم معظم المسيحيين لمقطع آخر من نفس الرسالة هو أن يخبرهم بضرورة احتمال المشقات في أزمنة الضيق…. كجندي صالح ليسوع المسيح (2 تي 2: 3) وهنا لن يقوم أي منا بالتساؤل والجدال عما تم عمله بشأن هذه المقطعين – بل سيجاهد الكثيرون منا ساعين لطاعة المقطع الثاني طاعة حقيقة.
وهنا جدير بنا القول بأن معظم مشاكلنا – واختلافاتنا – تنجم عن تلك النصوص التي تقع بين اعتقاد البعض منا بوجوب الطاعة الكاملة لما دُون فيها بينما يظل الآخرون غي متأكدين تماماً من هذا الأمر.
أما الصعوبات التي تواجهنا في التفسير الحياتي فهي متعددة، لكنها جميعها ترتبط بأمر واحد وهو عدم ثباتنا على مبدأ واحد. وهذا بعينه سبب الخلل الكبير في أسلوبنا التفسيري الحياتي المتداول. فترانا ودون أن نقصد ذلك بالضرورة، نجلب إلى الرسائل ونضمنها حين قراءتنا لها تراثنا اللاهوتي، ومعاييرنا الثقافية والبيئية أو همومنا الراهنة. أما ما ينجم عن عملنا هذا فهو كل أنواع التفاسير الانتقائية الممكنة أو دوران حول نصوص معينة دون أخرى.
ومن المشوق على سبيل المثال، أن نلاحظ بأن الكثيرين من الإنجيليين الغربيين المحافظين، يوافقون على موقفنا المشترك من تيموثاوس الثانية 2: 2 و4: 13، غير أن البيئة الثقافية لمعظم أولئك المؤمنين أنفسهم تجعلهم يبدون حجتهم ضد طاعة ما جاء في تيموثاوس الأولى 5: 23 “لا تكن فيما بعد شرَّاب ماء، بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة”.
وهم يقولون لنا عن هذا الأمر إنه متعلق بتيموثاوس فقط وليس بنا، بحجة أن الماء في ذلك الوقت لم يكن مأموناً للشرب، او قد يجادل البعض في أن الخمر في ذلك الحين كان يعني عصير العنب – مع أن الواحد منا لربما يتعجب كيف كان لهذا أن يحصل وأساليب الحفظ والتبريد الحالية لم تكن معروفة آنذاك!
وهنا نسأل: لماذا تعد هذه الكلمة في تيموثاوس الأولى 5: 23 محصورة بتيموثاوس نفسه، بينما الحث على الاستمرار والثبات في الكلمة في تيموثاوس الثانية 3: 14-16 عام وشامل، مع أن هذه الآية هي وصية موجهة إلى تيموثاوس فقط، لكنها صارت وصية لجميع الناس في كل زمان وكل مكان؟
انتبه قد تكون كدارس محقاً في تجاوز تيموثاوس الأولى 5: 23 بدعوى أن ليس لها تطبيق شخصي في حاضرنا. ولكن على أي أساس تفسيري حياتي يمكنك أن تبني هذا؟
خذ مثلاً آخر: المشاكل التي واجهها الكثيرون من المؤمنين التقليديين في أواخر عقد الستينات وبداية عقد السبعينات. آنذاك كان قد أصبح الشعر الطويل للشباب رمزاً لبداية حقبة جديدة. لكن أن يتخذ المسيحيون هذا الشكل كان بمثابة مخالفة لله نفسه في ضوء ما جاء في كورنثوس الأولى 11: 14 “أم ليست الطبيعة نفسها تُعلِّمكم أن الرجل أن كان يرخي شعره فهو عيب له”.
ومع هذا فإن معظم الذين تمسكوا بهذه الآية ضد شكل الشباب هذا كانوا قد سمحوا للنساء بقص شعورهن قصيراً (على الرغم من عدد 15 من النص ذاته)، ولم يُصروا على ضرورة تغطية النساء لرؤوسهن أثناء العبادة.
هذان المثالان يعرضان ببساطة كيف يمكن للبيئة الثقافية أن تُملي علينا ما هي الفطرة السليمة. إلا أنه يوجد أمور أخرى تملي أيضاً علينا الفطرة السليمة كالتراث اللاهوتي، على سبيل المثال.
فكيف يمكن أن نفسر منع النساء من التكلم في الكنيسة وفي كثير من الكنائس بناءً على ورد في 1كورنثوس 14: 34، 35 وفي الوقت نفسه يجادل كثير من الكنائس نفسها ضد كل شيء آخر ورد في الأصحاح 14 بحجة أنه لا يمت للقرن العشرين بصلة! كيف يمكن أن يكون العددان 34 و35 صالحين لكل زمان وحضارة أو ثقافة بينما الأعداد 1، 5 أو 26، 32 أو 39، 40 والتي تعطي تعليمات تتعلق بالتنبؤ والتكلم بألسنة تختص بكنيسة القرن الأول فقط؟!
والآن هل لاحظت كيف أن مفاهيمنا اللاهوتية المسبقة تجعل الكثيرين منا يرون مفاهيمهم في متى بعض النصوص الكتابية، بينما نقوم بالدوران حول نصوص أخرى والابتعاد عنها.
لاحظ أيضاً مدى السهولة التي يرى بها مسيحيو القرن العشرين تقاليد أنظمتهم الكنسية بين سطور رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ورسالته إلى تيطس. ومع هذا فإن عدد الكنائس التي تمارس القيادة الجماعية قليل جداً (1تي 5: 17؛ تي 1: 5)، فتيموثاوس لم يكن راعياً للكنيسة هناك بل كان موفداً مؤقتاً من قبل بولس ليضع الأمور في نصابها ويصحح بعض المساوئ فيها. حتى الكنائس التي تقوم فعلياً بالاهتمام بالأرامل في الكنيسة يحسب النص الوارد في تيموثاوس الأولى 5: 3-15 أقل بكثير.
والآن هل لاحظت أن مفاهيمنا اللاهوتية المسبقة تجعل الكثيرين منا يرون مفاهيمهم في متي بعض النصوص الكتابية، بينما نقوم بالدوران حول نصوص أخرى والابتعاد عنها.
يفاجأ بعض المسيحيين تماماً لدى اكتشافهم أن مسيحيين آخرين يدعمون معمودية الأطفال من نصوص مثل كورنثوس الأولى 1: 16؛ 7: 14 أو كولوسي 2: 11-12، أو ان آخرين يجدون لهم برهاناً على مجيء المسيح الثاني على مرحلتين في تسالونيكي الثانية 2: 1، أو أن آخرين ما زالوا يجدون لأنفسهم دليلاً على أن التقديس هو عمل ثان للنعمة، بناء على تيطس 3: 5.
إن الذين يؤمنون بحرية إرادة المؤمن ومسؤوليته يصابون بنوع من الحرج عند قراءة رومية 8: 30؛ 9: 18-24، غلاطية 1: 15، أفسس 1: 4-5، وفي المقابل فالذين يؤمنون بالاختيار وسلطان الله المطلق لهم طرقهم في الدوران حول كورنثوس الأولى 10: 1-13، بطرس الثانية 2: 20-22، عبرانيين 6: 4-6. في الواقع، ومن خلال خبرتنا في التدريس نرى أن الطلاب الذين ينتمون إلى هاتين المدرستين اللاهوتيتين قلما يتساءلون عن معنى تلك النصوص، فهم فقط يريدون معرفة كيف يجيبون على هذه النصوص!
نحن نفقد الكثير من قرائنا بسبب ما قلناه في الفقرات القليلة السابقة، ومع ذلك فغايتنا هي محاولة توضيح عمق المشكلة فقط، وتبيان مدى احتياج الدارس إلى التكلم مع الآخرين حول هذه القضية الخطيرة.
وهنا نسأل: ما هي الإرشادات المطلوبة لتأسيس قواعد تفسير أكثر رسوخاً في تفسير الرسائل؟
القاعدة الأساسية
هل تذكر بأننا قد وضعنا مقدمة منطقية في بداية الفصل الأول على هيئة قاعدة أساسية تقول: “بأنه لا يمكن للنص أن يعني لنا أمراً إن لم يكن قد عناه فعلاً لقرائه الأصليين أو لكاتبه”. هذه المقدمة تفسر سبب وأهمية إتمام التفسير الاستنتاجي قبل أي أمر آخر. وتؤكد على ضرورة تكرارنا لها لأننا في ذلك قد نجد على الأقل ترسيخاً لما يحدد المعنى. ربما لن تخدمنا هذه القاعدة دائماً في إيجاد ما يعنيه النص، لكنها على الأقل ستساعدنا في وضع حدود لما نقوم بتفسيره فلا نعطي للنص ما لا يمكن أن يعنيه.
القاعدة الثانية
أما القاعدة الأساسية الثانية فنقول: “بأننا كلما اشتركنا أكثر مع خلفية أو محيط القرن الأول في مواقف حياتية مشابهة لحياتهم صارت كلمة الله لنا اليوم هي نفسها كما كانت لهم آنذاك”. هذه القاعدة عادة ما تجعل معظم النصوص والأوامر الموجهة للقراء الأصليين في الرسائل – تناسب قراء القرن الحالي على نفس مستوى قراء القرن الأول. فلا يزال صحيحاً أن “الجميع أخطأوا”… وأن “المسيح مات لأجلنا”… وأن الله يقول: “فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناة” (كو 3: 12).
والتحذير هنا هو في ضرورة قيامنا بالتفسير الاستنتاجي بشكل جيد حتى تتكون لدينا تلك الثقة بأن أحوالنا وأمورنا هي مشابهة حقاً لأحوال وأمور القراء الأصليين.
فعلى سبيل المثال، من المهم جداً ولخدمة تفسيرنا ملاحظة أن الدعوى القضائية المذكورة في كورنثوس الأولى 6: 1-11 كانت بين أخين مؤمنين أمام قاض وثني في الساحة العامة في مدينة كورنثوس. وهنا يمكننا أن نجادل قائلين: إن القصد من النص لن يتغير فيما لو كان القاضي شخصاً مؤمناً أو لو كانت المحاكمة قد حدثت داخل دار المحكمة، النقطة التي يشير إليها بولس الرسول كخطأ هو أن يتخاصم أخان من الكنيسة لدرجة أن يلجأ إلى التقاضي خارج الكنيسة وهذا هو القصد من النص كما واضح تماماً في الأعداد 6-11.
من جهة أخرى يحق للدارس أن يتساءل فيما إذا كان الأمر ينطبق على شخص مسيحي له دعوى قضائية على مؤسسة ما في عالمنا الحديث لأنه وفي هذه الحالة لن تكون جميع الأمور مشابهة لمثلنا. إذاً دارس النص في هذا الشأن يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مناشدة الرسول بولس بالالتزام بعدم الانتقام (عدد 7) على مثال الرب يسوع.
حتى الآن قد يبدو أن كل ما قيل سهل إلى حد معين. إلا أن مسألة كيفية تطبيق نص مثل كورنثوس الأولى 6: 1-11 تطبيقاً يتجاوز حدود تفاصيله الخاصة تظل إحدى المسائل التي تحتاج إلى مناقشة وبحث. وقد خصصنا ما تبقى من هذا الفصل لمعالجة أربع من هذه المسائل.
المسألة الأولى:
التطبيق الممتد
هل يصح أن نقوم بمد تطبيق النص إلى قرائن أخرى، أو جعل نص ما ينطبق على محيط مختلف كلياً عن محيط وبيئة القرن الأول؟
مثال: قد يقال بأنه حتى وإن كان نص كورنثوس الأولى 3: 16-17 موجهاً إلى الكنيسة في كورنثوس فإنه يمثل المبدأ التالي وهو: أن ما خصصه الله لنفسه بسكنى الروح القدس هو مقدس، وأن مَنْ يُفسد هذا سيقع تحت دينونة الله الشديدة.
والسؤال هنا: ألا يمكن تطبيق هذا المبدأ اليوم على المسيحي كفرد، لإظهار أن الله سيُدين الشخص الذي يسئ إلى جسده؟
وأيضاً كورنثوس الأولى 3: 10-15 موجهة إلى أولئك المسئولين في بنيان الكنيسة، وفيها يحذر بولس الرسول من الخسارة التي سيلاقيها كل مِنْ يبني رديئاً. فبما أن هذا النص نفسه يتكلم عن الدينونة والخلاص كمَنْ سيخلص كما بنار، ألا يحق لنا استخدامه لتوضيح قضية ضماه سلامة المؤمن أبدياً؟
هنا نجيب بما يلي: إن كانت هذه التطبيقات تعد تطبيقات سليمة، فمعنى هذا أننا تلقائياً نقوم بتجاوز التفسير الاستنتاجي تجاوزاً كلياً. وفضلاً عن ذلك، فإنه من الخطأ تطبيق نص كورنثوس الأولى 3: 16-17 على شخص ما كفرد، وعلى هذا الأساس ما الفائدة من التفسير الاستنتاجي إذاً؟ ولماذا لا نبدأ ببساطة من هنا والآن؟! وإن كنا في كلتا الحالتين عرضة للخطأ.
وهكذا عندما تصادفنا أمور مشابهة لهذه الأمثلة السالفة، فإن كلمة الله لنا في مثل تلك النصوص ينبغي أن تنحصر دائماً بالنية والقصد الأصلي الذي كتبت من أجله. إلا أنه يجب التنبير على أن التطبيق الممتد عادة ما يحق إجراؤه إذا كان منصوصاً عنه بوضوح، ففي مقاطع كتابية أخرى يكون التطبيق فيها هو القصد من المقطع.
لكن في كورنثوس الثانية 6: 14 نجد حالة أكثر تعقيداً، وهي الآية التي تقول: “لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين” وقد تم تفسير هذا النص بمنع زواج طرف مسيحي بطرف غير مؤمن. لكن من خلال التفسير الاستنتاجي قلما استُخدِم النير كمجاز أو كاستعارة لمسألة الزواج في القرن الأول الميلادي، ولا يوجد في النص أية إشارة أو قرينة تدل على أن الزواج هو المقصود هنا.
ومشكلتنا في هذا المثال تتلخص في عدم قدرتنا على معرفة الشيء الذي يمنعه النص الأصلي. الذي هو على الأرجح يشير وبطريقة ما إلى الوثنية أو ربما ينبه إلى منع حضور الاحتفالات الوثنية (انظر كورنثوس الأولى 10: 14-22)، إذن لا يمكننا أن نمد مبدأ هذا النص. إننا لسنا متأكدين من معناه الأصلي لكن قد يصح التطبيق الممتد في هذا النص لأن هذا المبدأ في الحقيقة هو مبدأ كتابي يمكن استخلاصه في نصوص أخرى بمعزل عن هذا النص.
المسألة الثانية:
الأمور غير المشابهة
لهذه المسألة علاقة بنوعين من النصوص في الرسائل: (1) النصوص التي تتعلق بأمور القرن الأول والتي لا نجد لها نظيراً في أغلب الأحوال في هذا القرن الحالي. (2) النصوص التي تعالج مشكلات يمكن أن تحدث في القرن الحالي لكن احتمال حدوثها نادر. إذاً ما الذي يمكن عمله بهذه النصوص، وكيف يمكن لها أن تتكلم إلينا؟
هذا مثال على النوع الأول نراه في كورنثوس الأولى 8-10 حيث يتحدث الرسول بولس عن مواضيع ثلاثة:
أ- مؤمنون يتجادلون بشأن حقهم في الاستمرار بالانضمام إلى جيرانهم الوثنيين في الولائم داخل المعابد الوثنية (انظر 8: 10؛ 10: 14-22).
ب- طعن مؤمني كورنثوس في سلطة بولس الرسولية (انظر 9: 1-23).
ت- الذبائح المقدمة للأصنام والتي كانت تباع في الأسواق العامة (10: 23-11: 1)
يشير التفسير الاستنتاجي السليم لهذه المقاطع بأن بولس الرسول قد عالج هذه المسائل كما يلي:
منعهم تماماً من المشاركة في ولائم الأوثان بسبب مبدأ حجر العثرة (8: 7-13)، لأن مثل هذه الأطعمة لا تليق مع الحياة في المسيح التي تعاش حول عشاء الرب (10: 16، 17)، ولأن الاشتراك في مثل هذه الأطعمة يعنى الاشتراك فيما هو شيطاني (10: 19-22).
يدافع بولس عن حقه في الدعم المالي كرسول، على الرغم من تخليه عن هذا الحق، ويدافع أيضاً عن تصرفاته حول المسائل التي لا تُحدث فرقاً في نظر الله (9: 19-23).
أما رأيه في المسألة الثالثة فهو: أنه يمكن شراء وأكل ما ذبح للأوثان إن كان معروضاً للبيع في الأسواق، ويمكن أكله بحرية في منزل شخص آخر. وفي القرينة الأخيرة يشير إلى أن المؤمن يستطيع رفض الأكل منه إن كان هذا يسبب عثرة لشخص آخر. وعلى هذا يمكن للإنسان أكل كل شيء لمجد الله، لكن لا ينبغي عمل أي أمر بقصد الإساءة إلى الآخرين.
لكن مشكلتنا في هذا النص هي أن هذا النوع من العبادة الوثنية غير معروف في كثير من البلدان المعاصرة مما يجعل المشكلتين رقم 1، 3 غير موجودتين. بالإضافة إلى أنه لم يعد لدينا رسل بمرتبة بولس ممن أسسوا الكنائس الجديدة، ومارسوا سلطتهم الرسولية عليها (9: 1-2 انظر أيضاً كورنثوس الثانية 10: 16)، وممن رأوا الرب المُقام فعلياً (9: 1 انظر أيضاً 15: 8).
أما النوع الثاني فيمكننا توضيحه من خلال النصين التاليين: النص الأول يتحدث عن قضية الرجل المتهم بزنا المحارم (1كو 5: 1-11) والنص الثاني يتحدث عن الناس الذين كانوا يسكرون في عشاء مرتبط بعشاء الرب (1كو 11: 17-22). وهنا نقول: إنه يمكن لهذه الأمور أن تحدث في مجتمعاتنا لكنها بعيدة الاحتمال إلى حد كبير. والسؤال هو: كيف يمكن لمشكلات القرن الأول هذه أن تفيد مسيحيي القرن الحالي؟
نحن نقترح أن تأخذ عملية التفسير الحياتي هنا خطوتين:
أولاً: إجراء عملية التفسير الاستنتاجي بانتباه خاص للتمكن من سماع ما قالته كلمة الله للقراء الأصليين حقاً ولما تقوله لنا. وفي معظم الحالات المماثلة، نرى أنه قد تم فعلاً تحديد مبدأ واضح، وهذا المبدأ نادراً ما يتعدى إطاره التاريخي الذي سبق أن طُبق فيه.
ثانياً: نقطة هامة جداً، إذ ينبغي علينا احترام مبدأ الزمن فلا يمكن لنا أن نطبق التفسير الاستنتاجي بشكل عشوائي على أي نوع أو على كل نوع من المواقف. إنما علينا الإصرار على ضرورة تطبيقه فقط في الحالات التي تنطوي على مشابهة أصيلة.
دعنا نوضح هاتين الخطوتين:
أولاً: مَنعَ بولس الرسول المشاركة في ولائم المعابد بناء على مبدأ حجر العثرة، لكن لاحظ أن هذا الأمر لا يشير إلى المنع لمجرد أن يستاء مسيحي آخر مما نفعله. إن مبدأ العثرة يشير إلى أمر يقوم به أحد المؤمنين وهو مرتاح الضمير، لكن بسبب عمله هذا وقناعته هذه، يدفع آخر لفعل نفس الأمر بدون راحة ضمير. وهكذا لا يظل الأمر مجرد إزعاج أو إساءة إلى المؤمن بل يسمى عملاً مدمراً لأنه يستميل إلى محاكاة عمل شخص آخر. ولهذا يجب تطبيق هذا المبدأ فقط عند وجود مشابهة حقيقية بين الحالات.
ثانياُ: مَنعَ بولس الرسول في النهاية منعاً كلياً المشاركة في الولائم المقامة في الهياكل الوثنية، لأن الاشتراك في هذه الولائم معناه المشاركة بما هو شيطاني. وعلى هذا الأساس يُعد هذا المنع معياراً للمشاركة في كل أشكال الروحانية الشيطانية كالسحر والشعوذة والتنجيم… إلخ. أما المبدأ القائل أن: “الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون” (1كو 9: 14) فهو يظل بالتأكيد قابلاً للتطبيق على الخدام الراهنين كونه مذكوراً في آيات كتابية أخرى (انظر 1تي 5: 17-18).
المشكلة بالنسبة لنا هنا هي في مدى قدرة الدارس على التمييز بين المسائل الهامة والأخرى التي لا تُحدث فرقاً. وهي مشكلة عويصة لأن المتعارف عليه عادة في حضارة أو بيئة ما يختلف عن بيئة أخرى ويتغير من مجتمع مسيحي إلى آخر، تماماً كما في القرن الميلادي الأول.
ففي بعض مجتمعات القرن الحالي تشمل قائمة مثل تلك الأمور الثياب من حيث: الألوان، ارتداء النساء للبنطلون، طول ثياب النساء، أدوات التجميل، الحلي، المجوهرات، وسائل الترفيه والتسلية، الأفلام السينمائية، والتليفزيون والرقص ولعب الورق، والطعام والشراب.
فكما كان الأمر مع الذين أدانوا حرية بولس الرسول بشأن مسألة ما ذُبح للأوثان، كذلك الأمر مع الذين يظنون بأن الامتناع عن أي من هذه الأمور المذكورة أعلاه هو عنوان القداسة أمام الله، والسبب هو أن هذه الأمور في نظرهم هي مسائل ذات قيمة لدى الله.
لكن ما الذي يجعل أمراً ما غير ذي قيمة، ذا قيمة؟
نقترح التالي كمجرد إرشادات:
على الناس الذين يختلفون تماماً بشأن هذه المسائل أن لا يحكموا على بعضهم البعض أو يدينوا الآخرين.
يمكن الإبقاء على عدم أهمية المسائل التي قللت الرسائل بالفعل من أهميتها مثل: الطعام، الشراب، حفظ الأيام (كو 2: 16-32).
هذه المسائل ذات الشأن القليل ليست أدبية في صلبها، بل حضارية – حتى إن نشأت عن حضارة دينية، لذا فالمسائل التي تميل إلى التغيير بين حضارة وأخرى حتى بين المؤمنين الحقيقيين يمكن أن تُعد مسائل ثانوية (كالرّقص في بعض البيئات، ومنعه في غيرها، على سبيل المثال).
إن قائمة الخطايا المذكورة في الرسائل (انظر رو 1: 29-30؛ 1كو 5: 22؛ 6: 9-10؛ 2تي 3: 2-4) لا تشمل أبداً أموراً تختلف من بيئة أو ثقافة إلى بيئة أو ثقافة أخرى. علاوة على ذلك فإن ما يُقابل هذه المسائل قوائم متنوعة للوصايا المسيحية (أنظر رو 12؛ اف 5؛ كو3… إلخ) والتي لا تختلف من بيئة إلى أخرى.
ومع إدراكنا التام بعدم موافقة الجميع على تقييمنا للأمور ومع ذلك وبحسب رومية 14، فإن على الناس الذين يختلفون تماماً بشأن هذه المسائل أن لا يحكموا على بعضهم البعض أو يدينوا الآخرين، وعلى الشخص الحر أيضاً ألا يتباهى بحريته، وعلى مَنْ يتبنى قناعة راسخة بهذه الأمور ألا يدين غيره.
المسألة الثالثة:
النسبية البيئية أو الحضارية
هذا هو المجال الذي تقع فيه معظم صعوبات واختلافات أيامنا الحاضرة. هذه المشكلة تظهر بوضوح لأن كلمة الله السرمدية قد أُعطيت لنا ضمن إطار تاريخي مُحدد المعالم.
وتتلخص المشكلة في الخطوات التالية:
الرسائل كتبت في القرن الأول؛ ولذلك فهي مرهونة بلغة وثقافة هذا القرن الذي عالج حالات خاصة بكنيسة القرن الأول.
كثير من الحالات الخاصة في الرسائل مرهون بمحيط القرن الأول بحيث يدرك الجميع مدى قلة أو عدم وجود تطبيق شخصي ككلمة من الله موجهة إلى القراء اليوم، ماعدا ما يمكن استخلاصه منها من مبادئ يمكن أن تطبق في القرن الحالي.
هناك نصوص أخرى مرهونة جداً بظروف وموافق القرن الأول، لكن يمكن ترجمتها وتطبيقها في وقتنا الحالي إذا ما تشابهت الظروف والمواقف.
هناك نصوص أخرى تبدو وكأن لها أموراً مشابهة، وهنا نسأل ألا يمكن أن تكون هي الأخرى مرهونة بمحيط القرن الأول وتحتاج إلى أن تترجم في ضوء الأوضاع الجديدة أم ينبغي تركها ببساطة ضمن خلفية أو بيئة القرن الأول؟
والجوار هو أن المسيحيين يقومون إلى حد معين على الأقل بترجمة نصوص الكتاب المقدس إلى خلفيات جديدة دون أن يصرحوا بذلك.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل الإنجيليين في القرن الحالي يبقون على ما ورد في تيموثاوس الأولى 5: 23 “استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة” في إطار القرن الأول، ولا يصرون على تغطية الرأس أو الشعر الطويل عند النساء، ولا يمارسون القبلة المقدسة. غير أن كثيرين من أولئك الإنجيليين أنفسهم يستاؤون لو دافع أحدهم عن قيام المرأة بالتعليم في الكنيسة (بحضور الرجال) بناءً على تلك الأسس.
كثيراً ما حاول بعضهم رفض فكرة النسبية البيئية بمجملها مما أدى بهم إلى تبني بيئة القرن الأول كمعيار إلهي؛ لكن رفضاً كهذا عادة ما يكون محدوداً في نجاحه.
قد نراهم يُبقون بناتهم في البيت وينكرون عليهن التعليم العالي ويقوم الأب بترتيب زواجهن، لكنهم عادة ما يسمحون لهن بتعلُّم القراءة والخروج بين الناس بدون غطاء رأس. والمراد قوله هنا هو أن أمر الثبات على المبدأ هو غاية في الصعوبة؛ إذ لا يوجد هناك ما يسمى بالبيئة التي رسمها الله. فالبيئات في الحقيقة متغيرة والتغيير قائم ليس فقط بين بيئة القرن الأول وبيئة القرن الحالي، لكن حتى بين مختلف البيئات في هذا القرن ذاته لأنها مختلفة عن بعضها البعض بلا حدود.
فبدلاً من رفض هذا المبدأ نقترح الاعتراف بوجود درجة من النسبية البيئية والحضارية. ولإتمام إجراء تفسير حياتي مقبول. فالنسبية البيئية والحضارة نتيجة طبيعية لا مفر منها ناشئة عن وجود أسباب لكتابة الرسائل، ولكي يكون التفسير الحياتي للشخص مقبولاً فلا بد له من أن يكون في إطار خطوط توجيهية محددة.
وهنا نرغب في اقتراح التوجيهات التالية للمساعدة على التمييز بين الأمور التي تتصل بالبيئة من جهة وتلك التي تتجاوز بيئتها أو محيطها الأصلي من جهة أخرى ليكون لدينا معيار يفيد كل المؤمنين في كل العصور.
على الشخص أن يفرق بين مركز رسالة الكتاب المقدس وبين ما يتبعه وما هو ملحق به. لا نقصد بهذا أن ننادي بلائحة قانونية أصغر ضمن اللائحة القانونية العامة لأسفار الكتاب المقدس (بمعنى أن نرفع شأن أجزاء من العهد الجديد لتكون معياراً لأجزاء أخرى) بل ما نعنيه هو حماية الإنجيل من التحول إلى شريعة من خلال عادات حضارية أو دينية من جهة، والسعي لحفظ الإنجيل نفسه من التغيير حتى يتماشى مع كل تعبير بيئي يمكن تصوره من جهة أخرى.
وعلى هذا الأساس يكون سقوط الجنس البشري، والفداء من هذا السقوط كعمل نعمة الله بواسطة موت المسيح وقيامته، واكتمال عمل الفداء هذا بمجيء السيد المسيح مرة أخرى… إلخ، كل هذه الوقائع تكوِّن جزءاُ واضحاً من مركز رسالة الكتاب المقدس، أما القبلة المقدسة وغطاء رأس المرأة وخدمات ومواهب الروح القدس فهي تكوِّن الجزء التابع أو الملحق لهذا المركز.
وبالتالي على الشخص أيضاً ملاحظة الفرق بين ما يعده العهد الجديد نفسه أمراً أخلاقياً بطبيعته وبين ذلك الذي لا يحسبه كذلك، فالأمور ذات الطبيعة الأخلاقية المتأصلة تكون مطلقة وسارية على كل حضارة أو بيئة، أما الأمور التي ليست أخلاقية في طبيعتها فتظل تعبيرات ثقافية خاضعة للتغير من بيئة إلى أخرى.
فقوائم الخطايا التي يسردها بولس الرسول على سبيل المثال، لا تحتوي أبداً على أمور ذات طبيعة بيئية. بالطبع، قد تكون بعض هذه الخطايا سائدة في مجتمع ما أكثر من شيوعها في مجتمع آخر لكن لا يوجد مطلقاً ما يمكن أن نعتبره تصرفات مسيحية. وعليه فالزنى والأوثان والسكر والشذوذ الجنسي والسرقة والطمع… إلخ (1كو 6: 9، 10) كأفعال تبقى دائماً خطية. والمسيحيون لم يضعوا أفضلية لأي من هذه الخطايا لأنها ليست خيارات أخلاقية.
فالرسول بولس يقول بوحي من الروح القدس: “وهكذا كان أناس منكم. لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع المسيح وبروح إلهنا” (1كو 6: 11).
كذلك إن نظرنا إلى الجهة الأخرى فسنرى أن عملية عسل الأرجل أو تبادر القبلة المقدسة أو الأكل مما ذبح للأوثان أو غطاء رأس المرأة عند الصلاة أو التنبؤ أو تفضيل بولس الرسول الشخصي للبتولية على الزواج أو تعليم المرأة في الكنيسة ليس كلها مسائل أخلاقية في الأساس لكنها أمور تتحدد فقط باستخدامها السليم أو سوء استخدامها في قرائن معينة كأن يكون الأمر متعلقاً بعدم الطاعة أو نقص المحبة.
وهنا على الشخص أن يراعي وبعناية بالغة الأمور التي يتحدث عنها العهد الجديد باستمرار وأن يلاحظ الأمور التي يختلف فيها حكم العهد الجديد. ومن المسائل التي يؤكد عليها العهد الجديد بشكل ثابت ومستمر: المحبة كرد الفعل الأخلاقي الأساسي للمسيحي، وعدم الانتقام. أيضاً العهد يبيِّن مدى خطأ الحقد والقتل والسرقة والشذوذ الجنسي والسُكر وكل أنواع المفاسد الجنسية.
وبالتالي قد يختلف حكم العهد الجديد على مواقف وأمور أخرى بسبب اختلاف البيئات مثل: خدمة المرأة في الكنيسة (انظر رو 16: 1، 2) حيث كانت فيبي خادمة في كنيسة كنخريا. وفي رومية 16: 7 حيث يرد اسم يونياس وهو اسم مؤنث وليس مذكراً – ضمن الرسل وفي رومية 16: 3 حيث كانت بريسكلا معاونة لبولس الرسول في الخدمة – وهي نفس الكلمة اليونانية التي أطلقها بولس الرسول في وصف أبلوس في: كورنثوس الأولى 3:9؛ فيلبي 4: 2-3؛ كورنثوس الأولى 11: 5.
ومن جهة أخرى ينادي بولس الرسول بصمت النساء في الكنيسة (1كو 14: 34-35). وفي تيموثاوس الأولى 2: 12 ينادي بأن لا تُعلِّم المرأة في الكنيسة في وجود الرجال.
كذلك الحال مع موضوع التقييم السياسي لروما (انظر رو 13: 1-5؛ 1بط 2: 13-14 وقابلها مع الأصحاحات 13-18 من سفر الرؤيا)، وموضوع احتفاظ الشخص بثروته (لو 12: 33؛ 18: 22 قابل هذه الأعداد مع تيموثاوس الأولى 6: 17-19)، أو أكل الطعام المقدم للأوثان (1كو 10: 22-29 بالمقابل مع أع 15: 29؛ رؤ 2: 14، 20).
لأن هذه المسائل بالذات تبدو بيئية أكثر منها أخلاقية؛ إذاً لا ينبغي على الشخص الانزعاج لعدم وجود حكم موحد فيها. وهنا وخاصة في العهد الجديد لا ينبغي على الشخص ممارسة التفسير الاستنتاجي كوسيلة لإثبات اتحاد المواقف.
من المهم في العهد الجديد أن تكون لدينا القدرة على التمييز بين ما هو مبدأ وما هو تطبيق خاص.
من المهم في العهد الجديد أن تكون لدينا القدرة على التمييز بين ما هو مبدأ وما هو تطبيق خاص. فبإمكان كاتب الرسائل مثلاً دعم تطبيق نسبي بمبدأ مطلق، غير أن عمله هذا لا يجعل من التطبيق أمراً مطلقاً. فمثلاً في كورنثوس الأولى 11: 2-16 يدعم بولس الرسول المبدأ القائل بأن على الإنسان ألا يفعل أي شيء يصرف الانتباه عن مجد الله (هو يشير بشكل خاص لموضوع الخروج عن العرف السائد) عندما تجتمع الكنيسة للعبادة (العددان 7، 10). ثم يضع هنا بولس الرسول تطبيقاً نسبياً (كغطاء الرأس) على المبدأ المطلق الذي هو عدم صرف الانتباه عن مجد الله، وهو يعيد ويكرر احتكامه إلى العرف والطبيعة (الأعداد 6، 13-14، 16).
فإن كان على المرأة في المجتمعات الغربية أن تُطيع النص حرفياً (غطاء الرأي الذي هو بمثابة تطبيق نسبي) فسيكون في معظم الكنائس الأمريكية هذا التطبيق وبتأكيد شبه كامل مسيء إلى روح النص، لأن تغطية الراس هذه ستؤدي إلى لفت الانتباه (عكس المبدأ تماماً) الذي هو مطلق حيث أن غطاء الرأس أمر غير معروف إطلاقاً في المجتمعات الأمريكية. مما قد يؤدي إلى تشكيل عثرة لبعض الناس أثناء العبادة.
على الشخص أن يبقى منتبهاً لماهية الاختلافات البيئية المحتمل وجودها بين القرنين الأول والحالي والتي لا يمكن لها أن تظهر بوضوح مباشرة. فعلى سبيل المثال: لتحديد دور المرأة في كنيسة القرن الحالي، على الشخص أن يأخذ في الحسبان قلة الفرص التعليمية التي كانت متاحة للنساء في القرن الأول بينما يعد تعليم النساء في مجتمعاتنا المعاصرة أمراً طبيعياً تماماً. وقد تؤثر معرفتنا للفروق والاختلافات بين القرنين الأول والحالي على فهمنا لنصوص مثل تيموثاوس الأولى 2: 9-15.
مثال آخر تختلف الديمقراطية الحالية كثيراً عن نوع الحكومة التي تحدَّث عنها بولس الرسول في رومية 13: 1-7. فمن مسلمات الديمقراطية أن يتم فيها تغيير القوانين الرديئة وإقصاء المسؤولين الأردياء. إذاً من الضروري أن تؤثر معرفتنا للديمقراطية اليوم في كيفية فهمنا لرومية 13 في عالمنا اليوم.
المسألة الرابعة:
اللاهوت المقدم لمهمة محددة
تحدثنا في نصنا السابق بأن الرسائل هي رسائل مناسبات أو كتبت كرد على مناسبات، وبالتالي فإن اللاهوت المقدَّم في هذه الرسائل هو لاهوت مقدَّم لمهمة محددة.
وما نريد ذكره هنا هو بعض التحذيرات الواجب مراعاتها أثناء الخوض في هذا اللاهوت:
بما أن الرسائل هي رسائل مناسبات إذاً علينا الاعتراف ببعض القصور الذي ينتابنا أثناء فهمنا اللاهوتي. فعلى سبيل المثل ومن أجل جعل مؤمني كورنثوس يرون مدى سخافة أن يحتكم أخَّان مؤمنان إلى محكمة وثنية يقول بولس الرسول بأن القديسين سيدينون العالم والملائكة في أحد الأيام (1كو 6: 2-3)، لكن النصوص لا تذكر شيئاً أكثر من ذلك.
وهكذا فإننا نؤكد وكجزء من الأمور الإسخاتولوجية المسيحية، (والتي تعني مفهومنا للأمور التي ستحدث عند انقضاء الدهر) بأن القديسين سيشاركون بالمحاكمة التي ستحدث في اليوم الأخير، لكننا وبكل بساطة لا نعلم ما الذي يعنيه هذا أو كيف سيتم تنفيذه فيما عدا التوكيد نفسه، كل شيء آخر يبقى من قبيل الحدس أو التخمين ليس إلا.
قد تنشأ بعض مشاكلنا اللاهوتية مع الرسائل أحياناً لأننا نقوم بطرح أسئلتنا على النصوص التي تقدم لنا أجوبة على أسئلتهم هم فقط باعتبار أن أسئلتهم هي سبب ومناسبة كتابة هذه الرسائل. فمثلاً لو طالبنا هذه النصوص بأن تُجيب مباشرة على قضية الإجهاض، الاستنساخ… إلخ. إذاً فنحن نسعى لجعل هذه الرائل تجيب على أسئلة تخص العصر الحالي. وهي قد تجيب أحياناً على تلك الأسئلة، لكنها غالباً ما لا تجيب وذلك لأن هذه الأسئلة لم تطرح في ذلك الزمان.
هناك مثل واضح على ذلك نجده في العهد الجديد نفسه. ويدور حول مسألة الطلاق. فبولس الرسول في هذا المثال يقول: “لا أنا بل الرب” (1كو 7: 10) قاصداً بذلك أن الرب يسوع نفسه قد أجاب على هذه المسألة مسبقاً، أما بالنسبة للسؤال المطروح في البيئة اليونانية حول ما إذا كان على المسيحي أن يطلق امرأته الوثنية فواضح بأنه لم تتح ليسوع مناسبة للتحدث عن هذا الأمر. لذا فالقضية بكل بساطة كانت خارج نطاق المجتمع اليهودي للمسيح.
أما بولس الرسول فكان عليه أن يجيب على تلك المسألة بنفسه لذلك نراه يقول “أنا لا الرب” (ع12). إن إحدى المشكلات التي تواجهنا هي أننا نحن أنفسنا لا نملك سلطة بولس الرسولية ولا الوحي الذي حظي به.
فالطريقة الوحيدة التي يمكننا بها معالجة مثل هذه القضايا قائمة على أساس لاهوت كتابي كامل، وهذا بدوره – أي اللاهوت الكتابي الكامل – يشمل فهمنا لعملية الخلق، السقوط، الفداء، وانتهاء الدهر. مما يعني بأنه علينا النظر إلى لاهوت الكتاب المقدس نظرة شاملة ككل. ولن نجد أي إثبات نصي طالما أنه ليس هناك أية نصوص مباشرة مختصة بالمسألة.
إذاً مما سبق وقدمناه، كان بعض اقتراحاتنا حول تقديم تفسير حياتي جيد عند قراءة وتفسير “الرسائل”، هادفين مباشرة إلى بلوغ مستوى أفضل من الدقة والترابط قاصدين دعوتنا جميعاً إلى مزيد من الطاعة لما نسمعه من كلمة الله ولما نفهمه.
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 3 – الرسائل تعلم التفكير بنا على القرينة
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 3 – الرسائل تعلم التفكير بنا على القرينة
طبيعة الرسائل.
القرينة التاريخية.
القرينة الأدبية.
الفصول الكتابية صعبة الفهم.
نبدأ بحثنا هذا في دراسة أنواع النصوص الكتابية المختلفة في الكتاب المقدس بدراسة رسائل العهد الجديد. ولعل إحدى الأسباب التي تدعونا للبدء بدراسة الرسائل هو ما يظهر فيها من سهولة في التفسير. فمَنْ الذي يحتاج مثلاً إلى مساعدة خاصة لفهم جملة “إذ الجميع أخطأوا” (رو 3: 23)، أو “أجرة الخطية هي موت” (رو 6: 23)، أو “لأنكم بالنعمة مُخلَّصون” (أف 2: 8)، ومَنْ ذا الذي يجد صعوبة لفهم الآيات الواردة في صيغة الأمر مثل: “اسلكوا بالروح” (غل 5: 16) و”اسلكوا في المحبة” (أف 5: 2)؟
لكن من جهة ثانية، يمكن لفكرة (سهولة) تفسير الرسائل أن تكون خادعة جداً. والأمر بالفعل كذلك، بالأخص في مستوى مبادئ التفسير الحياتي. ولو حاول أحدهم قيادة مجموعة في دراسة لرسالة كورنثوس الأولى على سبيل المثال، سيرى مدى وكثرة الصعوبات. فقد يسأل بعضهم مثلاً السؤال التالي: “كيف يمكننا اعتبار رأي الرسول بولس في (7: 25) ككلمة الله؟” خاصة إذا كان أولئك الناس –في زمن بولس- لا يتفقون شخصياً مع مضامين ذلك الرأي.
وقد تستمر الأسئلة: كيف يمكن تطبيق عزل الأخ من الكنيسة (الأصحاح الخامس) على الكنيسة المعاصرة، إذ كان في إمكانية هذا (الأخ) عبور الشارع والذهاب إلى كنيسة أخرى؟ ما الغاية من الإصحاحات 12-14 من كورنثوس الأولى، إذا كان الدارس في كنيسة لا تؤمن بأن المواهب الروحية مازال معمولاً بها في القرن الحادي والعشرين؟ كيف يمكننا تجنب التلميح الواضح في 11: 2-16 بوجوب تغطية المرأة رأسها عندما تصلي أو تتنبأ أو الإشارة الضمنية الواضحة بأن على المرأة أن تصلي أو تتنبأ في الجماعة المجتمعة للعبادة.
من هذا الكم الكبير من الأسئلة يتضح جلياً بأن تفسير الرسائل ليس بالسهولة المحسوبة. لكن، وبسبب أهمية الرسائل للإيمان المسيحي، ولأن الكثير من قضايا علم التفسير الهامة تثار فيها، سنقوم باستخدامها كنماذج للقضايا الاستنتاجية والحياتية التي نود أن نثيرها في هذا الكتاب.
طبيعة الرسائل
قبل أن نأخذ الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس كنموذج محدد لعملية التفسير الاستنتاجي للرسائل، يجدر بنا التحدث بشكل عام عن كل رسائل (العهد الجديد كله ماعدا الأناجيل الأربعة، وسفر أعمال الرسل، وسفر الرؤيا).
أولاً، علينا الإشارة إلى أن الرسائل نفسها ليست مجموعة متجانسة واحدة. فقد قام (أدولف ديسمن) قبل سنوات عديدة وعلى أساس الاكتشافات الواسعة لمخطوطات ورق البردي، بالتمييز بين (الخطابات) و(الرسائل) الأولى وهي (الخطابات الفعلية) كما سماها ديسمن. فهي لم تكن كتابات أدبية، بمعنى أنها لم تكن موجهة إلى الجمهور أو إلى الأجيال القادمة، بل إلى شخص أو أشخاص تم إرسال هذه الخطابات إليهم.
وعلى عكس هذا النوع من الخطابات، فإن (الرسائل) كانت عبارة عن كتابات أدبية فنية أو نوعاً من أنواع النصوص المختلفة المقصود توجيهها إلى الجمهور أو العامة. ولقد صنف ديسمن كل رسائل بولس الرسول ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة باعتبارها (خطابات) أو خطابات فعليه. إلا أن بعض العلماء والدارسين الآخرين حذّروا من محاولة إحالة كل رسائل العهد الجديد إلى إحدى الفئتين المذكورتين، لكن هذا التحذير لم ينفِ وجود تمايز في الرسائل وقد صار واضحاً حقاً في بعضها.
إن رسالتي رومية وفليمون لا تختلفان فيما بينهما من حيث المضمون فقط، بل أيضاً من حيث كون الثانية شخصية بدرجة تفوق الأولى بكثير. وبالمقارنة مع رسائل بولس الرسول الأخرى، فإن رسالة بطرس الثانية ورسالة يوحنا الأولى هما رسالتان.
وللتأكد من صحة هذا التميز علينا دراسة (صيغة) أو (قالب) الخطابات القديمة. فكما أن لخطاباتنا اليوم قالباً متعارفاً عليه (التاريخ، التحية، الموضوع الأساسي، الفقرة الختامية، التوقيع)، كذلك كان للخطابات القديمة قالبها. وقد تم العثور على آلا من الخطابات القديمة، ولمعظمها نمط يمتاز بدقة الشبه ورسائل العهد الجديد (راجع رسالة المجمع المذكور في أعمال 15: 23- 29). يتألف هذا القالب من أجزاء ستة:
اسم الكاتب (بولس الرسول، على سبيل المثال).
اسم المرسل إليهم (كنيسة الله التي في كورنثوس، مثلاً).
التحية (نعمة لكم وسلام من الله أبينا…).
صلاة الطلبة أو الشكر (أشكر إلهي في كل حين من جهتكم…).
الموضوع الأساسي.
التحية الختامية والوداع (نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم).
ولعل العنصر الوحيد المتغير في هذا القالب هو العنصر الرابع، الذي يأخذ في معظم الرسائل القديمة طابع دعاء أو أمنية (وهو تقريباً يتماثل مع 3يوحنا2) أو يُسقط كلياً من الخطاب (كما في غلاطية، تيموثاوس الأولى، تيطس)، أو قد تجد صلاة شكر وصلاة طلبة (هذا يتكرر كثيراً في رسائل بولس الرسول). وقد تحولت صلاة الشكر هذه في ثلاث من رسائل العهد الجديد إلى تسبيحة شكر لله (كورنثوس الأولى، أفسس، وبطرس الأولى، انظر أيضاً رؤيا 1: 5، 6).
أما (رسائل) العهد الجديد والتي ينقصها أي من عناصر القالب 1-3 أو 6 فهي تلك التي لا تصل بالفعل إلى كونها خطابات، وذلك مع أنها تعتبر جزئياً رسائل في منوالها.
كرسالة العبرانيين، على سبيل المثال، والتي وُصفت كمذكرة في ثلاثة أجزاء منها وخطاب في جزء واحد، هذه الرسالة قد أُرسلت فعلاً إلى جماعة معينة من الناس، كما هو واضح من (10: 32- 34؛ 13: 1- 25) –لاحظ قالب الخطاب في 13: 22- 25 على وجه الخصوص- ومع ذلك ، فإن الإصحاحات من 1- 10 قليلاً ما تشبه الخطاب وهي في الواقع بمثابة عظة فصيحة تقدم الجدل المبرهن على تفوق المسيح التام وتتخللها كلمات وعظية محذرة تدعو بضرورة تمسك القراء بإيمانهم بالمسيح (2: 1- 4؛ 3: 7- 19؛ 5: 11- 6: 20؛ 10: 19- 25).
وقد سماها الكاتب نفسه (كلمة الوعظ) (13: 22).
أما رسالة يوحنا الأولى فهي تشبه الرسالة إلى العبرانيين لكنها لا تحتوي على أي من عناصر قالب (الخطابات). برغم ذلك، فمن الواضح أنها قد كُتبت إلى جماعة معينة من الناس (انظر 2: 7، 12- 14، 19، 26) وهي تشبه من حيث موضوعها الأساسي أي خطاب باستثناء اختصار كل عناصر القالب. وما يراد قوله هنا الآن هو أن الرسالة ليست مجرد بحث لاهوتي للكنيسة بشكل عام.
إن هذين العاملين بالتحديد (أي المناسبة التي دعت للرسائل، وتاريخها الراجع إلى القرن الأول) هما اللذان يجعلان أمر تفسيرها صعباً أحياناً.
أما رسالتا يعقوب وبطرس الثانية فيمكن اعتبارهما (خطابين) لكن تنقصهما التحية الختامية والوداع. ولا يظهر في كلتاهما أيضاً لمن أُرسلتا بالتحديد، ولا وجود لأية ملامح شخصية من قِبل الكاتبين. وهما أقرب إلى أن تكونا بمثابة (رسائل) أي أنها أُرسلت إلى الكنيسة ككل، مع أن رسالة بطرس الثانية تبدو وكأنها صدرت كرد على بعض مَنْ كانوا ينكرون مجيء المسيح الثاني (3: 1- 7). من جهة أخرى تفتقر رسالة يعقوب إلى جدل متواصل، بحيث تبدو وكأنها مجموعة عظات عن مواضيع أدبية متنوعة أكثر من كونها خطاباً.
لكن وعلى الرغم من كل هذا التنوع في أنواع الرسائل، إلا أن هناك شيئاً مشتركاً بينهم جميعاً، وهذا أمر جدير بالدراسة عند قراءة وتفسير الرسائل وهو في كونها تعد بمثابة وثائق مناسبات، (بمعنى أنها صدرت وقصد بها كصدى لمناسبات معينة) وأنها جميعا تعود إلى (القرن الأول).
وهي على الرغم من كونها جميعها موحى بها من الروح القدس وبالتالي صالحة لكل زمان، فقد كُتبت في الأصل ضمن إطار بيئة الكاتب لتصل إلى بيئة وظروف المرسل إليهم الأصليين. إن هذين العاملين بالتحديد (أي المناسبة التي دعت للرسائل، وتاريخها الراجع إلى القرن الأول) هما اللذان يجعلان أمر تفسيرها صعباً أحياناً.
وهنا يجب أن نأخذ طبيعة (خطابات) المناسبات مأخذ الجد، أكثر من أي أمر آخر. بمعنى أنها (خطابات) دعت إلى كتابتها أحوال أو ظروف خاصة تتعلق إما بالكاتب أو القارئ المستلم. وهنا نرى أن كل رسائل العهد الجديد تكاد تكون قد دعت لكتابتها أمور من قِبل القراء (ماعدا فليمون، يعقوب، وربما رومية). ففي العادة تصحيح، أو خطأ عقائدي كان بحاجة إلى تصويب أو سوء فهم كان يحتاج إلى توضيح أكثر.
وتعود أسباب معظم مشاكلنا في تفسير الرسائل إلى كونها في الواقع رسائل لها مناسبات، فالأجوبة لدينا لكننا لا نعلم دائماً ما هي الأسئلة أو المشاكل أو حتى ما إذا كان هناك مشكلة. فالأمر يشبه تماماً شخصاً يستمع إلى طرف واحد من مكالمة هاتفية. ثم يحاول استنتاج هوية المتكلم في الطرف الآخر وما الذي يقوله. نحن نحتاج في حالات كثيرة لسماع الطرف الآخر لكي نعرف ما الذي يجيب عليه الفصل الكتابي الذي نحن بصدده.
هناك أمر اخر وهو أن طبيعة رسائل المناسبات تعني أيضاً بأنها ليست بحوثاً لاهوتية في أصلها. فهي لا تحوي خلاصة وافية عن الفكر اللاهوتي لبولس الرسول أو لبطرس الرسول. نعم يوجد فيها مضامين لاهوتية، لكنها دائماً بمثابة (لاهوت لمهمة معينة) أي فكر لاهوتي كُتب لمعالجة مهمة مطروحة على ساحة الواقع. وهذا صحيح حتى في ما يتعلق برسالة رومية التي تُعد من أوفى كتابات بولس اللاهوتية. ولكنها مجرد جزء من فكر الرسول بولس اللاهوتي، وهي قد جاءت وليدة مهمة بولس الخاصة كرسول للأمم.
إنها بمثابة صراع خاص يخوضه الرسول لتثبيت حق الأمم في نعمة الله، ومدى تعلق هذا الحق بمسألة الناموس الأمر الذي أعطى الطابع الخاص لرسالة رومية (8 مرات)، وإلى استخدام كلمة (التبرير) كاستعارة مجازية أساسية لمفهوم الخلاص على رسالة رومية (15 مرة) ورسالة غلاطية (8 مرات)، في حين تتكرر مرتين فقط في سائر رسائل بولس الرسول الأخرى (1 كو 6: 11؛ تي 3: 7).
وهكذا يعود الدارس مرة بعد مرة للرسائل لأجل معرفة الفكر اللاهوتي المسيحي وهي تزخر به. لكن عليه أن لا ينسى بأن الرسائل لم تُكتب لغاية استعراض اللاهوت المسيحي كهدف أول. فاللاهوت المسيحي يأتي دائماً لخدمة الحاجة الخاصة. وسوف ندرس هذا الأمر وما يتضمنه عندما نصل إلى التفسير الحياتي في الفصل التالي.
وهنا وبناء على كل هذه التمهيدات قد يتساءل الدارس كيف يمكننا البدء بالتفسير الاستنتاجي للنص أو القراءة الاستنتاجية المستنيرة للرسائل؟ وردنا هو بأننا سنباشر في دراسة لرسالة كورنثوس الأولى، دراسة تصلح كنموذج لباقي الرسائل. ونحن لا نعني بأن هذه الرسالة تشبه كل الرسائل، لكن ما يُطرح لباقي من أسئلة والتي يمكن طرحها حول أي رسالة أخرى يكاد يكون كله موجوداً في كورنثوس الأولى.
القرينة التاريخية
أول أمر يتوجب على الدارس البدء فيه أثناء دراسة أي من الرسائل هو القيام باسترجاع أو إعادة تخيل الموقف الذي كان كاتب الرسالة يتحدث عنه. ومع أن هذه العملية تعتمد على التجربة إلا أنها تعتمد على ما لدينا من معلومات أيضاً.
فعلى سبيل المثال نسأل السؤال التالي: ما الذي كان دائراً في كورنثوس الأمر الذي جعل بولس الرسول يكتب رسالته الأولى إليها؟ وكيف وصلت إليه أخبار الوضع هناك؟ وما العلاقة التي كانت تربطه بهم؟ وما نوع الاتصال السابق الذي كان له معهم؟ أيضاً ما المواقف التي يعكسها كل من بولس الرسول وأهل كورنثوس في ذلك الخطاب؟ ويمكننا أن نرى بأن هذه هي نوعية الأسئلة التي تحتاج للإجابة عنها، فماذا تفعل؟
أولاً: عليك العودة إلى موسوعة للكتاب المقدس أو إلى مقدمة لأحد كتب التفسير لمعرفة ما يمكنك معرفته عن مدينة كورنثوس وشعبها. عليك أن تعرف مثلاً هذا الأمرالهام وهو أن مدينة كورنثوس كانت حديثة العهد نسبياً، إذ كان لها من العمر أربعة وتسعون عاماً فقط عندما زارها بولس الرسول للمرة الأولى.
ومع ذلك وبسبب موقعها التجاري الاستراتيجي فقد شهدت نمواً تجارياً سريعاً لا يُصدق. وحسب المقاييس القديمة، كانت كورنثوس مدينة عالمية تتميز بثرائها وفنونها وأديانها (كان فيها ما لا يقل عن ستة وعشرين معبداً وهيكلاً) وكانت ذائعة الصيت من حيث الفسق والفجور شأنها في ذلك شأن الكثير من المدن الكبيرة في عالمنا المعاصر. لذا فهذا الخطاب يختلف جداً عن الخطابات الموجهة مثلاً لكنيسة في الريف. كل هذه الأمور عليك أن تبقيها في ذهنك وأنت تقوم بالدراسة، لترى مدى تأثير ذلك على كيفية فهمك لكل جزء من الخطاب.
ثانياً: عليك أن تنمي فيك عادة قراءة الرسالة كاملة في جلسة واحدة. وهنا ستجتاج لتخصيص ساعة من الوقت أو نحوها لفعل ذلك فهذا تدريب لا غنى عنه. وهذا عين ما تفعله عند قراءة أي خطاب آخر. هناك بعض الأمور التي تحتاج ملاحظتها أثناء قراءتك لكن لا يمكنك في هذه المرحلة استيعاب معنى كل كلمة أو جملة فالنظرة الأشمل هي بيت القصيد في بداية الأمر.
نحن لا نستطيع أن نصف مدى أهمية القراءة وتكرارها مرات ومرات حتى بعد أن تقسم الرسالة إلى أقسامها أو إلى أجزائها المنطقية عد إلى دراسة كل قسم بالطريقة نفسها تماماً. اقرأ وأعد القراءة، وابق منتبهاً!
أثناء قراءتك لكل خطاب بدون توقف ستستفيد إن قمت بتدوين بعض الملاحظات المختصرة مع تحديد أماكنها في الرسالة خصوصاً إن كنت تميل للنسيان. والسؤال الآن هو ما النقاط التي ينبغي الانتباه إليها أثناء القراءة حتى تلم بالموضوع بشكل عام؟ تذكر أن الهدف هنا وقبل كل شيء هو استرجاع المشكلة. وها نحن نقترح أربعة أنواع من الملاحظات:
ما تلاحظه حول المرسل إليهم مِنْ هم، مثلاً يهود أم يونانيون، سادة أم عبيد، ما هي مشاكلهم، ومواقفهم… إلخ.
ما هي مواقف بولس الرسول؟
لاحظ أي أمورخاصة ذُكرت فيما يتعلق بمناسبة معينة أدت إلى كتابة الرسالة.
لاحظ أقسام الرسالة الطبيعية والمنطقية.
إن كانت ملاحظة كل هذه الأمور صعبة على أن تتم في قراءة واحدة، وإن كانت ستتسبب في خسران فائدة القراءة الشاملة للرسالة، قم بالقراءة أولاً، ثم عد بسرعة واقرأ الرسالة مرة أخرى متصفحاً إياها لالتقاط تلك النقاط. إليك بعض الأمور التي قد تلاحظها، مرتبة بحسب الملاحظات الأربع المقترحة أعلاه.
أغلب مسيحيي كورنثوس أساساً من الأمم مع وجود لبعض المسيحيين من أصل يهودي (انظر 6: 9- 11؛ 8: 10، 12: 13)، هؤلاء كانوا يحبون الحكمة والمعرفة على ما يبدو (1: 18- 2: 5؛ 4: 10؛ 8: 1- 12) متهكمين (6: 5)، متكبرين ومتعجرفين (4: 18؛ 5: 2، 6) لدرجة الحكم على بولس الرسول (4: 1- 15؛ 9: 1- 18) وأيضاً لديهم العديد من المشاكل الداخلية.
يتأرجح موقف بولس الرسول من كل هذا بين التوبيخ (4: 8- 21؛ 5: 2؛ 6: 1- 8) والمناشدة (4: 14- 17؛ 16: 10، 11) والحث (6: 18- 20؛ 16: 12- 14).
أما فيما يتعلق بمناسبة الرسالة، فربما قد لاحظت ما قاله بولس الرسول في 1: 10- 12 بأنه قد “بلغه” خبرهم على لسان أهل خلوي، أيضاً 5: 1 تشير إلى معلومات قد وصلته. وفي 7: 1 يقول “وأما من جهة الأمور التي كتبتم لي عنها”، مما يدل على أنه قد استلم رسالة من الكنيسة، هل لاحظت أيضاً تكرار قوله “وأما من جهة…” في 7: 25؛ 8: 1؛ 12: 1؛ 16: 1؛ 16: 12؟
من المحتمل أن تكون هذه الآيات ردوداً على بنود رسالتهم وقد تناولها بولس الرسول واحدة واحدة. هناك أمر اخر أيضاً، هل لاحظت “مجيء” استفاناس وفرتوناتوس وأخائيكوس في 16: 17؟ بما أنه يطلب “الخضوع” لاستفاناس (عدد 16) فمن المؤكد أن هؤلاء الرجال كانوا قادة في الكنيسة، ومن المرجح بأنهم قد حملوا رسالة الكنيسة إلى بولس الرسول بصفتهم وفداً رسمياً.
ان كنت لم تتمكن بعد من ملاحظة كل هذه الأمور، فلا تيأس. نحن درسنا هذه الرسالة مرات كثيرة لهذا صارت مألوفة بالنسبة لنا. وما يهم في الأمر هو أن تقرأ بانتباه لتستطيع التقاط مثل هذه الأنواع من الأدلة.
نأتي الآن بك إلى المسألة الهامة وهي وضع تقسيم للرسالة. وهذا أمر هام لهذه الرسالة بالتحديد، لأن دراستها أو قراءتها ستكون أسهل لو فعلنا ذلك بحسب (الموضوعات). لن تجد كل رسائل بولس الرسول مقسمة إلى مواضيع مستقلة غير أن عمل تقسيم للرسائل يكون دائماً نافعاً.
وعادة ما نبدأ بالتقسيمات الواضحة الرئيسية. وفي هذه الحالة يُشكل 7: 1 التحول الرئيسي في الرسالة. فبما أن بولس الرسول يذكر هنا رسالتهم له، وحيث أن هناك ذكراً في 1: 10- 12؛ 5: 1 لأمور وصلت إليه، نستطيع الافتراض بأن المسائل المذكورة في الإصحاحات 1- 6 هي أجوبة للأمور التي أُبلغ بها. لذا فإن العبارات الافتتاحية ومواضيع البحث هي النقاط التي تساعد على تقسيم الرسالة، وهناك أربعة أقسام للإصحاحات الستة الأولى:
مشكلة الانقسام في الكنيسة (1: 10- 4: 21)
مشكلة مرتكب زنى المحارم (5: 1- 13)
مشكلة الدعاوى القضائية (6: 1- 11)
مشكلة الزنى (6: 12- 20)
ولقد سبق وأشرنا إلى النقاط التي ساعدت في تقسيم معظم الإصحاحات ما بين 7- 16 على أساس الصيغة الافتتاحية “وأما من جهة” (أو ما شابهها في الترجمة). أما النقاط غير المبدوءة بهذه الصيغة فهي ثلاث 11: 2- 16؛ 11: 17- 34؛ 15: 1- 58 لعل الأمور الموجودة في الأصحاح 11 (على الأقل في 11: 17- 34) كان قد أُبلغ بها أيضاً، لكنها مشمولة هنا لكون كل الأمور المذكورة ما بين أصحاح 8 و14 تتحدث عن العبادة بشكل أو باخر.
أما أصحاح 15 فمن الصعب معرفة ما إذا كان رداً على الرسالة التي أرسلوها له. والعبارة التي تقول “فكيف يقول قوم بينكم” في عدد 12 لا تساعد كثيراً، ذلك لإمكانية كون بولس الرسول يقوم بالاقتباس من تقرير عنهم أو من رسالة منهم.
وعلى أية حال، يمكن تقسيم باقي رسالة كورنثوس الأولى بسهولة:
(7: 1- 24) السلوك ضمن العلاقة الزوجية.
(7: 25- 40) العذارى
(8: 1- 11: 1) الأطعمة المذبوحة للأوثان
(11: 2- 16) تغطية رأس المرأة في الكنيسة
(11: 17- 34) مشكلة الإساءة إلى مائدة الرب
(12- 14) المواهب الروحية
(15: 1- 58) قيامة أجساد المؤمنين
(16: 1- 11) موضوع جمع المال
(16: 12) عودة أبلوس
(16: 13- 24) الحث الختامي والتحيات
لاحظ أي اختلاف لهذا التقسيم المقترح للرسالة مع التقسيم الذي تستخدمه الترجمة التي بين يديك.
وقبل مضي قدماً، علينا ملاحظة هذين الأمرين بانتباه:
الأول: الموضوع الآخر الوحيد في الرسائل والذي يتناول فيه بولس الرسول سلسلة متعاقبة من الأمور المنفصلة كهذه موجود في 1تسالونيكي 4- 5 لكن وفي أغلب الأحوال، جاءت الرسائل الأخرى لتشكل في مضمونها موضوع جدل طويل وواحداً –مع أن لهذا الجدل أحياناً أجزاء متعددة وواضحة.
الثاني: هذا التقسيم هو على سبيل التجربة لا أكثر. فما نعلمه عن مناسبة الرسالة هو معرفة سطحية، فكل ما نعرفه أن ما دفعه لكتابة الرسالة تقرير وصله عنهم ورسالة وردت منهم إليه. ولكن ما نريد معرفته بالتحديد هو (الطبيعة الدقيقة لكل مشكلة في كورنثوس) وجعلت بولس الرسول يكتب الردود التي نحن بصددها. لذا وتحقيقاً لهدفنا سنركز على أمر واحد فقط وهو دراسة مشكلة الانقسام في الكنيسة في الإصحاحات 1- 4 بالإضافة إلى دراسة القرينة التاريخية للإصحاحات 1-4 في كورنثوس الأولى.
القرينة التاريخية لكورنثوس الأولى 1-4
نؤكد على أنك كلما اقتربت من كل جزء من الأجزاء الأصغر في الرسالة ستحتاج لأن تكرر معظم ما فعلناه سابقاً. لو تخيلنا بأننا الآن نطلب منك القيام بواجب ما لكل درس، فسنطلب الآتي:
اقرأ كورنثوس الأولى 1-4 قراءة متصلة مرتين على الأقل (يفضل أن تقرأ ترجمتين مختلفتين). تذكر أنك تقرأ لمجرد الإلمام بالصورة العامة، ولتأخذ فكرة عن المشكلة ككل بهذه الإصحاحات. بعد أن تتم القراءة للمرة الثانية (أو ربما للمرة الثالثة أو الرابعة بحسب عدد الترجمات التي عندك)، عد إلى البداية.
دوَّن في دفتر ملاحظات كل الأمور التي يمكنها أن تخبرك شيئاً عن المرسل إليهم وعن مشكلتهم. حاول أن تكون دقيقاً هنا ودوَّن كل شيء. وبعد إلقاء نظرة عن قرب ربما تحتاج للعودة ثانية من أجل شطب بعض الأمور لكونها غير مناسبة.
اكتب قائمة بالكلمات المفتاحية والعبارات المتكررة التي تشير إلى موضوع المسألة التي يَرُّد عليها بولس الرسول.
إن أحد الأسباب لاختيار هذا القسم من الرسالة كنموذج ليس بسبب مجرد أهميته الكبيرة في رسالة كورنثوس الأولى فقط، بل أيضاً وفي الحقيقة لصعوبته. فإن كنت قد قمت بقراءة القسم كاملاً بعناية، وبعين منتبهة للمشكلة، فلربما قد لاحظت، بل وشعرت بخيبة أمل لأن بولس الرسول وإن كان يبدأ رسالته بذكر المشكلة (1: 10- 12) إلا أن بداية رده (1: 18- 3: 4) لا صلة له بالمشكلة على الإطلاق.
في الواقع، قد يتبادر إلى ذهن الدارس الظن بأن 1: 18- 3: 4 ما هو إلا انحراف عن الموضوع إلا أن بولس الرسول لا يجادل فعلياً لدرجة قد نعتبره فيها وقد خرج عن موضوعه، بالإضافة إلى أن الخلاصة في 3: 18- 23 “الحكمة” و”الجهالة” (وهما الفكرتان الرئيسيتان في 1: 18- 3: 4) قد قام بولس بالجمع بينهما وبين “الافتخار بالناس” مع إشارات لبولس وأبلوس وصفا. إذاً إن المسألة الهامة تكمن في اكتشاف المشكلة، وفي إدراك كيفية تداخل كل هذه الأمور مع بعضها.
وخير مكان نبدأ منه دراستنا هو ملاحظة ما قاله بولس الرسول نفسه. ففي 1: 10- 12 نراه يقول إنهم منقسمون بحسب أسماء قادتهم (انظر أيضاً 3: 4- 9؛ 3: 21- 22؛ 4: 6). فهل لاحظت أن انقسامهم ليس ناتجاً عن مجرد اختلاف في الرأي فيما بينهم؟ فهم في الواقع يتنازعون (1: 12؛ 3: 3) وينتفخ أحد لأجل الواحد على الآخر (4: 6، وقارن 3: 21).
وكل هذا يبدو واضحاً بما فيه الكفاية. غير أن التمعن أكثر في القراءة لرؤية المشكلة يجعل أمرين آخرين يطفوان على السطح:
يظهر بأن هناك ضغينة بين الكنيسة والرسول بولس نفسه. وهذا الأمر يصبح أكثر وضوحاً في 4: 1- 5؛ 4: 18- 21 وإذا أخذنا ذلك في اعتبارنا، يكون الدارس محقاً عندما يرى بأن النزاع والانقسام ليس مجرد أن بعضهم يفضل أبلوس على بولس، بل لأن أولئك في الواقع يكرهون بولس شخصياً.
إن احدى الكلمات المفتاحية لهذا المقطع هي حكمة أو حكيم (26 مرة في الإصحاحات 1-3 و18 مرة فقط في جميع رسائل الرسول بولس). ومن الواضح أن هذا الاستخدام للكلمة هو من باب الازدراء أكثر منه من باب المدح. فالله عازم على إبادة حكمة هذا العالم (1: 18- 22، 27- 28؛ 3: 18- 20). وقد فعل الله هذا الشيء بالصليب (1: 18- 25) وباختياره لمسيحي كورنثوس (1: 26- 31)، وبضعف كرازة بولس الرسول (2: 1- 5). فالمسيح بالصليب “صار لنا حكمة من الله” (1: 30)، وهذه الحكمة معلنة بالروح لمَنْ نالوا الروح.
إن استخدام الحكمة بهذه الطريقة في جدل الرسول بولس يجعلنا نكاد نُجزم بأنها كانت جزءاً من مشكلة الانقسام، ولكن كيف؟ نستطيع –على الأقل- أن نخمن أنهم كانوا يواصلون نزاعاتهم حول القادة وحول معارضتهم لبولس الرسول باسم الحكمة.
إن أي شيء قد نضيفه علاوة على ما قيل سيكون من باب الحدس أو التخمين. فبما أن كلمة “حكمة” هي اصطلاح فلسفي، وحيث أن الفلاسفة المتجولين من كل الفئات سادوا العالم اليوناني زمن الرسول بولس، نعتقد بأن مسيحيي كورنثوس كانوا قد ابتدأوا ينظرون إلى عقيدتهم المسيحية على أنها حكمة إلهية جديدة –فلسفة– وهذا أدى بدوره لجعلهم يجرون تقييماً لقادتهم على أسس بشرية محضة كما لو كانوا يحكمون على أي من الفلاسفة المتجولين. ولكن لاحظ أنه مهما بلغ نفع هذا التخمين فإنه يخرج عن نطاق النص نفسه.
هناك أمور ثلاث يمكن قولها مستندين على رد الرسول بولس:
بناء على ما جاء في 3: 5- 23 يتضح أنهم قد أساءوا جداً فهم طبيعة وعمل القادة في الكنيسة.
أيضاً وبناء على ما جاء في 1: 18- 3: 4 يبدو أنهم قد أساءوا فهم طبيعة الإنجيل الأساسية.
وبناء على ما جاء في 4: 1- 21 كانوا مخطئين في حكمهم على الرسول بولس وبحاجة إلى أن يعيدوا تقييم علاقتهم به. ما رأيك؟ ألم نبدأ بالتحرك تجاه تحليل رد الرسول بولس عليهم.
القرينة الأدبية
الخطوة التالية في دراسة الرسائل هي تعلم تتبع جدل بولس الرسول الذي يقدمه كرد على المشكلة التي حددناها على سبيل التجربة في المقاطع السابقة. وكما تذكر من الفصل الأول، فإن هذا العمل هو الجزء الحاسم حقاً في عملية التفسير الاستنتاجي، وأنه بإمكانك القيام بهذا العمل في البداية دون الاستعانة بكتابات المفسرين والدارسين.
فلو أردنا منك القيام بواجب لهذا الجزء من الدرس فسيكون هكذا: تتبع جدل بولس في1كورنثوس 1: 10- 4: 21 فقرة بفقرة ثم اشرح في جملة أو جملتين النقطة الجوهرية لكل فقرة فيما يتعلق بالجدل العام، أو بعبارة أخرى اشرح كيف تخدم هذه الفقرة كجزء من جواب الرسول بولس على مشكلة الانقسام.
ومهما قلنا يظل كلامنا قاصراً عن إظهار مدى أهمية تعلمك القيام بالتفكير من خلال تقسيم النص إلى فقرات، ليس فقط من منطلق كون الفقرات هي الوحدات الطبيعية للفكر، بل أيضاً لأن التفكير بحسب الفقرات هو المفتاح الضروري والأكيد لفهم الجدل في مختلف الرسائل. تذكر أن السؤال الوحيد الذي تحتاج أن تتعلم تكرار طرحه مرة تلو المرة هو: ما القصد من هذا؟ أو ما النقطة الجوهرية المراد قولها هنا؟ لذا عليك أن تكون قادراً على عمل أمرين:
اذكر مضمون كل فقرة بطريقة مركزة بمعنى أن تسأل: ماذا يقول الرسول بولس في هذه الفقرة؟
في جملة أو اثنتين حاول شرح رأيك في سبب أو مناسبة قول بولس الرسول لما قاله في هذه المرحلة بالتحديد. وكيف يسهم مضمون ما قاله في سير الجدل العام؟
بما أننا لا نستطيع هنا أن نطبق هذا على كل ما جاء في كورنثوس الأولى 1-4 دعونا نخوض بالتفصيل في الفقرات الثلاث الخاصة بالجزء الثاني من رد بولس 3: 5- 16 وسترون بأنه حتى هذا الحد، قام بولس الرسول بوحي من الروح القدس بالرد على فهمهم المغلوط للإنجيل مشيراً إلى أن مضمون الإنجيل –أي المسيح المصلوب– والذي يتعارض مع حكمة هذا العالم (1: 18- 25) مثلما يتعارض أيضاً اختيار الله لأولئك الذين يكونون شعب الله الجديد (1: 26- 31)
وكأنما أراد بولس الرسول القول لهم إذاً أنتم تظنون بأن الإنجيل هو نوع جديد من الحكمة، أليس كذلك؟ لكن كيف يكون هذا؟ من ذا الذي كان سيدعوكم باسم الحكمة لتصيروا شعب الله الجديد؟ يُعَد وعظ بولس أيضاً إيضاحاً لهذا التعارض بين الحكمة الإنسانية و الحكمة الإلهية (2: 1- 5).
غير أن بولس الرسول يؤكد لهم في (2: 6- 16) بأن كل هذا في الحقيقة هو حكمة، لكنها حكمة كشفها الروح القدس لشعب الله الجديد – أي أولئك الذين فيهم روح الله. ثم ينتقل الرسول بولس من هذه النقطة للقول بأنه حيث أن مسيحيي كورنثوس لديهم الروح فعليهم أن يكفوا عن التصرف كمَنْ ليس فيهم روح الله (3: 1- 4). والبرهان على سلوكهم وفقاً للبشر هو نزاعهم حول بولس وأبلوس.
والآن ما هو دور الفقرات الثلاثة التالية في هذا الجدل؟ بالنسبة إلى 3: 5-9 فالمضمون يتعامل مع طبيعة وعمل القادة الذين قام النزاع بشأنهم، إذ يشدد الرسول بولس على كون هؤلاء القادة مجرد خدام، لا أسياد كما حاولت الشعارات الكورنثية أن تصورهم، وفي الأعداد 6-9.
استناداً إلى تشبيه من مجال الزراعة يشدد بولس الرسول على نقطتين كلتاهما حاسمتان من جهة سوء الفهم المتواجد في كورنثوس:
بولس وأبلوس يعملان معاً في قضية مشتركة، رغم اختلاف مهامهما ونوال كل منهما أجراً بحسب ما يستحق.
كل شيء وكل شخص هو ملك الله سواء الكنيسة، أو الخدام، أو النمو.
وهنا لاحظ مدى أهمية هاتين النقطتين بالنسبة للمشكلة. كان مسيحيو كورنثوس يقسمون الكنيسة بناء على قادتها. لكن هؤلاء القادة ليسوا أسياداً يُنتمى إليهم، إنهم مجرد خدام، وإن كانت خدماتهم تختلف، فهم يظلون متساوين من حيث القضية الواحدة التي يخدمونها. وهؤلاء الخدام هم ملك لله، تماماً كما أن مسيحيي كورنثوس أنفسهم ملك الله.
هناك نص آخر طالما أُسئ تفسيره بسبب الإخفاق في التفكير في النص الكتابي بحسب الفقرات، وهو 3: 10- 15 لاحظ أمرين:
في نهاية العدد 9 يتحول بولس من المجاز الزراعي إلى المجاز المعماري، الذي ظل هو المجاز أو الاستعارة المستخدمة حتى نهاية الفقرة.
إن عناصر كلا الاستعارتين هي ذاتها (بولس يزرع/ يضع الأساس، أبلوس يسقي/ يبني على الأساس، كنيسة كورنثوس هي الحقل/ البناء، الله هو صاحب الحقل/ البناء). غير أن قصد كل فقرة يختلف. إن القصد من 3: 10-15 معبر عنه بوضوح قي عدد 10، “ولكن فلينظر كل واحد كيف يبني عليه”. يتضح أيضاً من إسهاب بولس الرسول في شرح استعارته أنه يمكن للشخص أن يبني جيداً أو على نحو رديء، وأن النتائج النهائية تكون مختلفة.
لاحظ أن الذي يُبنى دائماً هو الكنيسة، لا يوجد هناك حتى ولا تلميح واحد بأن بولس الرسول كان يشير إلى بناء المسيحي لحياته أو المسيحية لحياتها على المسيح، فمثل هذا التلميح خارج تماماً عن موضوع الجدل هنا. فالذي يعلمه بولس الرسول هنا هو تحويل الجدل قليلاً ليحذر الذين يقودون الكنيسة بأن عليهم قيادتها بكل رعاية وعناية لأن يوماً للحساب آتٍ. إن بناء الكنيسة بالحكمة البشرية أو الكلام البليغ الذي يتحاشى الصليب هو بناء من الخشب والقش والعُشب.
إن بناء الكنيسة بالحكمة البشرية أو الكلام البليغ الذي يتحاشى الصليب هو بناء من الخشب والقش والعُشب.
والنص الذي يلي (3: 16- 17) قد أُسئ تطبيقه مراراً، بسبب معرفتنا بأن بولس الرسول يسمى جسد الكنيسة في مقطع لاحق “هيكل الروح القدس” (6: 19)، وهكذا فإن هذا النص أيضاً قد طبق على المسيحيين كأفراد للإشارة إلى إساءة استخدام الفرد لجسده أو إهمال حياته الروحية. لكن في جميع الأماكن الأخرى يستخدم بولس الرسول استعارة الهيكل بصيغة الجمع للدلالة على كون الكنيسة هي هيكل الله (2كو 6: 16؛ أف 2: 19- 22). وهذا هو قصده هنا بالتأكيد، خاصة عندما يقول “لأن هيكل الله مقدس الذي هو أنتم”.
ما هو إذاً غرض الرسول بولس في هذه القرينة؟ كان على كنيسة كورنثوس أن تكون هيكل الله في مدينة كورنثوس وذلك في مقابل كل المعاير الأخرى هناك أو بعبارتنا الخاصة نقول إن مسيحيي كورنثوس كانوا اختيار الله البديل لنمط الحياة بمدينة كورنثوس. إن روح الله الذي في وسطهم هو الذي جعل منهم هيكل الله، لكنهم كانوا يدمرون هيكل الله بانقسامهم. وأولئك المسؤولون عن هذا التدمير سيدمرهم الله، لأن كنيسة كورنثوس كانت غالية على قلب الرب ومقدسة بالنسبة له.
وهكذا يكتمل الجدل الذي قاله بولس الرسول بوحي إلهي. فلقد بدأ بإظهار قصور فهمهم للإنجيل. فالإنجيل لم يكن غير مؤسس على حكمة البشر فقط، بل كان أيضاً يقف ضد الحكمة البشرية بكل الأوجه. ثم يقوم بولس الرسول بإظهار سوء فهمهم للقيادة الكنسية وفي الوقت نفسه يحذر كل القادة والكنيسة من دينونة الله لجميع الذين يُغَذون الانقسام، وفي 3: 18- 22 يجمع بين هاتين الفكرتين في بيان ختامي، حيث أن حكمة هذا العالم جهالة، “إذاً لا يفتخرون أحد بالناس!”.
لإيجاز هذا التحليل لاحظ ما يلي:
التفسير الاستنتاجي هنا نابع من النص الكتابي ذاته، فنحن لم نلجأ ولا مرة إلى شيء خارج النص من أجل فهم ما يقول.
ليس هناك في النص ما لا يوافق الجدل الذي سقناه.
كل هذا يعطي معنى سليماً للغاية لكل شيء.
إذاً هذا هو ما يدور حوله التفسير الاستنتاجي. فقد كانت هذه هي كلمة الله لهم. أما بخصوص الأمور التي قد تحتاج إلى مزيد من الإجابات عليها من حيث المضمون، فيمكنك الاسترشاد بما عندك من كتب تفسير. لكن بإمكانك أنت بنفسك القيام بكل ما قمنا به الآن. قد يحتاج الأمر إلى تدريب وفي بعض الحالات إلى تفكير عميق لكن من المؤكد أنك قادر على ذلك وما أعظم الفوائد التي ستجنيها.
مثال آخر
قبل أن ننهي هذا الفصل، دعونا نقوم بعملية التفسير الاستنتاجي مرة أخرى للتدريب، وفي هذه المرة سنأخذ مقطعاً أسهل بعض الشيء لا ينتمي إلى كورنثوس الأولى، لكنه مقطع يعالج الانقسام في الكنيسة أيضاً.
اقرأ فيلبي 1: 27- 2: 13 عدة مرات. لاحظ ما وصل إليه جدل بولس الرسول عند هذا الحد. المناسبة هنا هي أن بولس الرسول في السجن (1: 13، 17) وقد أرسلت إليه كنيسة فيلبي تقدمة بواسطة أبفرودتس (4: 4- 18). وأن مرضاً عضالاً قد أصاب أبفرودتس الأمر الذي أحزن الكنيسة لدى سماعهم (2: 25- 30)، لكن الله رحمه، وها بولس الرسول الآن يعيده إليهم (2: 25- 30) محملاً إياه هذه الرسالة لكي:
يخبرهم عن طبيعة أحواله (1: 12- 26).
يشكرهم على تقدمتهم (4: 10، 14- 19).
يحثهم على أمرين: أن يعيشوا بوفاق (1: 27-2: 17؛ 4: 2- 3)، وأن يتجنبوا بدعة التهود (3: 1- 4: 1).
نرى الآن أن بولس الرسول قد أتم لتوه القسم الذي أخبرهم فيه عن سير أحواله في السجن. وهذا القسم الجديد هو جزء من عملية الحث. لاحظ على سبيل المثال كيف أنه لم يعد يتحدث عن نفسه كما فعل في الأعداد 12- 16، هل لاحظت هذا التحول الواضح من استخدام ضمائر المتكلم إلى استخدام ضمائر المخاطب في عدد 27؟
ما القصد أو النقطة الجوهرية إذاً من كل فقرة من فقرات هذا القسم؟
في الفقرة الأولى 1: 27- 30 تبدأ عملية الحث. وعلى ما يبدو أن بيت القصيد هو عدد 27، فقد كان عليهم أن يكونوا ثابتين في روح واحد. إنه يحثهم على الوحدة، خاصة وأنهم يواجهون مقاومة. (ملاحظة: إذا قررنا بأن العدد 27 هو حقاً قصد بولس الرسول من هذه الفقرة علينا إذاً عندها أن نسأل (ما القصد من الأعداد 28- 30 في تشديده على المقاومة والجهاد؟) لاحظ معنا الآن كيف حاولنا الإجابة على ذلك).
نسأل أولاً كيف ترتبط الفقرة 2: 1- 4 مع وحدة الموضوع؟ إذ نراه يكرر حثه وتشجيعه (العددان 1-2 اللذان يظهران لنا بأننا كنا محقين بشأن الفقرة الأولى) قاصداً التأكيد على أن التواضع هو الموقف السليم الذي يجب أن يعيشه المسيحين لينالوا الوحدة.
جرب الآن الأمر مع 2: 5-11 ما المقصود؟ لماذا نرى بولس الرسول ينوه بأنشودة اتضاع المسيح ورفعته؟ من غير المفروض أن يتطابق جوابك حرفياً مع جوابنا، لكنه بالتأكيد يجب أن يشمل التالي: لأن المسيح بتجسده وموته هو المثال الأعلى للتواضع الذي أرادهم بولس أن يتحلوا به.
(ستلاحظ أنك ومن خلال طرحك للأسئلة بهذه الطريقة، سيتحول قصد الفقرة لا في أن تعلمنا شيئاً جديداً عن المسيح فقط، بل في أن نعرف بأن بولس الرسول يستشهد بتلك الحقائق العظيمة عن المسيح ليجعل مسيحيي فيلبي يتشبهون بالمسيح، وليس مجرد أن يعرفوا عنه).
انتقل الآن إلى 2: 12-13 ما القصد هنا؟ والجواب الواضح هو أن هذا المقطع هو الخلاصة، لاحظ كلمة (إذاً) فبناء على مثال المسيح الذي سمعوه، عليهم الآن أن يطيعوا بولس الرسول. بماذا؟ بالتأكيد بالحفاظ على الوحدة التي بدورها تتطلب التواضع.
أخيراً قد تلاحظ من الطريقة التي يعالج بها بولس الرسول مشكلة عدم الوحدة أو الانقسام أن المشكلة نفسها في كورنثوس كانت بدون شك ذات طبيعة أكثر خطورة وتعقيداً. وسيساعد هذا أكثر في تأييد تخيلنا للمشكلة التي كانت في كورنثوس.
الفصول الكتابية صعبة الفهم
لقد قصدنا مشاركتك في دراسة مقطعين كتابيين مع أننا على ثقة بأنه في استطاعتك القيام بتفسير الكثير من المقاطع مستخدماً هذا النوع من التفسير الاستنتاجي بمفردك، طبعاً إن كنت قد تعلمت فعلاً كيفية التفكير بطريقة التقسيم إلى فقرات وطرح الأسئلة المناسبة عليها سواء المتعلقة بالتاريخ أو القرينة.
مع أننا ندرك أيضاً حقيقة وجود الكثير من النصوص الأخرى التي طالما تثار حولها الأسئلة باستمرار مثل معنى “من أجل الملائكة” في كورنثوس الأولى 11: 10 أو معنى “يعتمدون من أجل الأموات” في كورنثوس الأولى 15: 29، أو كرازة المسيح إلى “الأرواح التي في السجن” في بطرس الأولى 3: 19، أو “إنسان الخطية” في تسالونيكي الثانية 2: 3، وباختصار سؤالنا هو ماذا نفعل لإيجاد معنى للمقاطع الصعبة الفهم؟
إليك بعض الإرشادات:
نحتاج هنا إلى أن نتعلم أن نكون قانعين بنقص معرفتنا
في حالات كثيرة يكون سبب صعوبة النصوص بالنسبة لنا هو في كونها بصراحة لم تكتب لنا. وهذا يعني أن الكاتب وقراءه الأصليين كانوا على صلة مباشرة معاً مما أتاح للكاتب الموحى له أن يبني على أشياء كثيرة لدى قرائه. وعلى سبيل المثال، عندما يقول الرسول بولس لأهل تسالونيكي بأن عليهم أن يتذكروا ما “كنت أقول لكم هذا” وأنهم “تعلمون ما يحجز” (تسالونيكي الثانية 2: 5-6). فإننا نحتاج هنا إلى أن نتعلم بأن نكون قانعين بنقص معرفتنا.
فما قد قاله لهم شفوياً يمكنهم الآن أن يلائموه مع ما يقوله في الرسالة. وعدم معرفتنا لما قد دار في اتصالهم الشفوي يجعل هذا الاتصال المكتوب صعباً علينا. ويمكننا أن نأخذ الأمر التالي كقضية مُسلَّم بها: ما أرادنا الله أن نعرفه هو ما قد أوصله لنا. وما لم يقله لنا مازال يثير اهتمامنا، لكن عدم يقيننا في هذه الأمور يجب أن يجعلنا نتردد في أن نكون جازمين بشأن تفسيرنا.
برغم ذلك، وكما سبق وأشرنا، فإنه حتى وإن استعصى الأمر على الدارس في أن يكون كامل اليقين بشأن بعض التفاصيل، فكثيراً ما يكون بإمكانه إدراك القصد أو النقطة الجوهرية للمقطع الكتابي. فبغض النظر عما فعله مسيحيو كورنثوس بشأن “معمودية الأموات” فإننا نعلم لماذا أشار بولس الرسول إلى عملهم ذاك. كان عملهم هذا نوعاً من “البرهان من التجربة العملية” بأنهم كانوا يناقضون أنفسهم في رفضهم قيامة المؤمنين المستقبلية.
وعلى الرغم من عدم تأكدنا من بعض التفاصيل الدقيقة يحتاج الدارس إلى تعلُّم أن يكتشف ما يمكن أن يُقال بيقين بشأن نص ما، وما يمكن أن يقال من باب الترجيح غير اليقيني. انظر مرة أخرى إلى 1كورنثوس 15: 29 كمثال، ما الذي يمكنك التأكد منه؟ كان بعض مسيحيي كورنثوس “يعتمدون بدل الذين يموتون” سواء رغبنا في الاعتراف بهذا أم لا.
علاوة على ذلك فإن بولس الرسول لا يدين ممارستهم تلك، ولا هو يتغاضى عنها إنه يكتفي فقط بالإشارة إليها –لسبب مختلف كلياً عن تلك الممارسة ذاتها. لكننا لا نعرفه، وربما لن نعرفه أبداً، مَنْ الذي كان يمارسها، ولمَنْ كانت تمارس، ولماذا كانوا يفعلون ذلك؟ لذا فإن تفاصيل ومعنى تلك الممارسة قد فاتتنا وربما إلى الأبد.
يحسن بالدارس العودة إلى كتب تفسير جيدة حول هذه الأمور؛ لأن ما يميز كتب التفسير الجيدة من غيرها هو كيفية التعامل فيها مع هذا النوع من المقاطع الصعبة. فكتب التفسير الجيدة تستعرض وتناقش على الأقل الخيارات المتعددة التي تم طرحها كحلول، مع إبداء الأسباب المؤيدة والمعارضة لكل اختيار. وقد لا توافق بالضرورة دائماً على اختيارات المفسر، لكنك ستحتاج بالتأكيد إلى أن تعرف عن تنوع الاختيارات التفسيرية، وهذا ما توفره لك كتب التفسير الجيدة.
ستحتاج بالتأكيد إلى أن تعرف عن تنوع الاختيارات التفسيرية، وهذا ما توفره لك كتب التفسير الجيدة.
أخيراً نقر بأنه حتى الدارسون المتخصصون أنفسهم لا يملكون كل الأجوبة. يمكنك أن تتيقن بأن الخيارات قد تكون كبيرة وعددها من أربعة خيارات إلى أربعة عشر خياراً قابلاً للتطبيق في ما يمكن أن يكون النص قد قصده، فإنه حتى علماء الكتاب المقدس أنفسهم لا يسعهم سوى التخمين! أن نصوصاً مثل كورنثوس الأولى 15: 29 كفيلة بجعلنا نتواضع كما يليق بنا.
على أية حال، فإن ما قمنا به في هذا الفصل إنما هو (نصف) المهمة. إنه النصف الأول الضروري، لكننا نريد أن نمضي ونسأل كيف يمكننا تطبيق كل هذه النصوص المتنوعة علينا. لقد تعلمنا سماع كلمة الله لهم. فماذا عن كلمته لنا؟ هذا هو موضوع الفصل التالي.
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 3 – الرسائل تعلم التفكير بنا على القرينة