مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

لطالما اعترف العلماء الأرثوذكسيون بأهميّة مسألة التأويل في أبعادها المختلفة: التفسيرية، اللاهوتيّة والمسكونيّة[1]. فيما سعى المفكّرون الأرثوذكس نحو شرح التأويل الأرثوذكسي، تعاطى نتاجهم الأدبي بصورة أولية مع مظاهر عامة المسالة. لقد كتبوا جميعاً، بصورة افتراضية، من ضمن الأمانة للتقليد. بالنسبة إليهم، ليس لمسألة التأويل الإلحاحيّة ذاتها كما عند الغربيّين، لأن الأرثوذكس لا يفترضون مسبقاً إشكاليات الإصلاح ولا إشكاليّات التنوير.

بالطبع، تأثّر المسيحيّون في كل مكان، بمن فيهم الأرثوذكس، بميزات التنوير عبر العلم والتربية والتكنولوجيا والعلمانية. لكن المفكرين الأرثوذكس يحسّون أنّ لديهم أدوات نظرية وتطبيقيّة للسيطرة على الحضارة المعاصرة طالما أنّهم لا يذعنون للافتراضات المسبقة والثنائيات المسبقة والثنائيات الخاطئة التي في الإشكاليات الغربيّة.

هم يدركون أن المسألة الملحّة في التأويل بالنسبة إليهم هي على مستوى الحياة وليست على مستوى المبادئ النظريّة التي تحتاج، مع ذلك، إلى إيضاح. شعارهم هو الممارسة القويمة التي تتضمّن رؤية واسعة من التجدد بحسب الأصول الكنسية واللاهوتية الأرثوذكسيّة، بما فيها إعطاء الصوت الكامل لشهادة الكتاب المقدّس عبر العلم السليم.

مع ذلك، لا تتمّ الشهادة الأرثوذكسية الحيّة بمعزل عن الجهود لصياغة علم تفسير واضح في العبارات العامّة والخاصة. بالنسبة إلى الأرثوذكس، أسس جورج فلوروفسكي الإطار الواسع للمناقشة بتحديد خُلُق ethos الكنيسة الأرثوذكسيّة مستعملاً تركيبة آبائية جديدة neopatristic… هي اليوم مهمّة اللاهوت الأرثوذكسي وهدفه[2]. بحسب فلوروفسكي، تضمّ التركيبة الآبائية الجديدة بعدين لا يمكن فصلهما: لاهوتيّ وروحيّ.

أحد البعدين هو عقائدي مؤسّس على الأسرار الخريستولوجيّة الثالوثية المفهومة والمحتَفَل بها على أنها حقيقة خلاصيّة. أما البعد الآخر فهو روحيّ مثبّت على استعادة “فكر الآباء”، الذي هو رؤية بصيرة خلاقة متأصّلة في الإيمان والخليقة الجديدة ضمن حياة الكنيسة جسد المسيح. هذان البعدان لا ينفصلان لأن الحقيقة المطلّقة ليست مبدأ مجراً بل هي شخص، أي المسيح. ممارسة اللاهوت يجب أن تتمّ، بحسب القديس غريغوريوس اللاهوتيّ، على طريقة الرسل، وليس على طريقة أرسطو[3].

كتب فلوروفسكي: “بمعزل عن الحياة في المسيح، لا يحمل اللاهوت أيّ قناعة، وإذا فُصل عن حياة الإيمان، ينحط اللاهوت بسهولة إلى جدليات فارغة، إلى حشو فارغ[4]. لقد جسد فلوروفسكي هذه الرؤية الآبائية الجديدة في إخلاصة للتقليد كما في اتباعه العلمي للحقيقة.

حول المواضيع الكتابية، قدم فلوروفسكي رؤى ديناميكية للكتاب والإعلان والوحي والتقليد والكنيسة بمفتاح آبائي[5]. على مستوى اللاهوت الكبير، مساهماته كلاسيكية. لقد شدد على سلطة الكتاب كإعلان فيما يشير إلى سلطة التقليد على أنه “أساس التأويل” بالنسبة إليه، لا “يضيف” التقليد شيئاً إلى الكتاب إنما يكشف معناه الحقيقي ويفعله. التقليد، كتقليد حي، يعمل كمبدأ في التأويل لا فقط عبر القانون المعياري للإيمان، أي حمل العقائد المتوارثة، بل أيضاً عبر تفعيل رسالة الكتاب الخلاصية في التعليم والوعظ ومجمل حياة الكنيسة العبادية، “حياة مستمرة من الحقيقة والحق”. إنه يستعير Ellen Flessman-van-Leen مؤكداّ:

“الكتاب بدون تفسير ليس كتاباً بالمطلق. إنه يصبح حياً لحظة استعماله وتفسيره. التفسير الحقيقي للكتاب هو الوعظ في الكنيسة، إنه التقليد”[6].

ومع ذلك، لا يتورط فلوروفسكي في المناقشة العصرية لمسألة التأويل ولا يظهر بنفسه كيف أن ممارسة اللاهوت بحسب فكر الآباء تقدر على معالجة المسائل الجديدة بشكل خلاق والوصول إلى أجوبة متجددة. لا يناقش نقدياً مسائل من نوع تأثير التنوير على اللاهوت المعاصر أو طبيعة الدراسات التاريخية[7]. كما أنه قليلاً ما يأخذ مسائل محدّدة مثل مقارنة أدوار ومقاربات الكتاب الأدبية – اللغوية، الرمزية والمجازية وصحّتها.

ما هو بالتحديد دور الكتاب وسلطته على التقليد وبأي وسائل تُطبّق؟ ما هي العلاقة بين التفسير الوعظيّ والتفسير النقدي للإنجيل؟ ماذا عن سوء التفسير وسوء التطبيق في التقليد الوعظيّ الشعبيّ؟ وكيف نستطيع أن نتعامل مع الأمور المعاصرة، مثل الجنس والجنسانيّة، بطريقة أرثوذكسيّة أصيلة؟ لقد ترك فلوروفسكي هذه التحديات للآخرين المتأصلين في المبدأ الآبائي القائل بالعلاقة الإيجابية بين التقليد والكتاب، والذين حاولوا أن يدفعوا إلى الأمام مناقشة التأويل مع مزيد من التفاصيل.

من المناسب أن نراجع على ضوء هذه الاعتبارات جهود عدد من علماء الأرثوذكس المعاصرين في اليونان والولايات المتحدة. هدفنا إيجابيّ وهو تطوير موقف منظّم للتأويل الأرثوذكسي عبر نقد بنّاء ومناقشة متفاعلة، كلاهما دليل على البحث العلميّ الناضج[8].

قبل حوالي عشرين عاماً، بانايوتيس أندريابولوس Panagiotis Andreapoulos، أستاذ في جامعة أثينا، قام بقفزة جريئة إلى فكر التأويل الحديث عبر عمله الضخم والمميّز مسألة “يسوع التاريخيّ ” في فكر علم تفسير العهد الجديد المعاصر على ضوء لاهوت كيرلّس الإسكندري[9]. مع الأخذ في اعتبار السمة التقليدية للدراسات اللاهوتيّة اليونانيّة، هذا كان غزواً نادراً للإشكاليات البولتمانيّة.

بعد مراجعة الفكر التأويليّ عند شلايرماخر، ديلثي، هايدجر وغادامر، تابع أندريابولوس التأويل عند بولتمان وتلاميذه المتعلق بمناقشتهم للبحث الجديد عن يسوع الناريخيّ. بموازاة ذلك، قدّم فكر كيرلّس الإسكندري الخريستولوجيّ. رغم وضوح المعالم في وصفه الاثنين، إلا أن عمله المقارن لم يكن وافياً لأنه لم يطلع بشكل كاف في مسألة أطرهما المتباينة وافتراضاتهما الإبيستيمولوجيّة المختلفة. لقد انتهى متحيّراً في كيفيّة توصّل البولتمانيّين إلى هذه الاستنتاجات المسيحانيّة غير المقبولة، مع الأخذ في الاعتبار مبدأ البروتستانت “الكتاب وحده”[10].

لا يبدو أنه استوعب أن الإشكاليات البولتمانيّة كانت محددة بشكل حاسم بالتراث التنويريّ والأزمنة الناتجة من سلطة الكتاب في البروتستانتية. بافتراضه أنّ الإنسان المعاصر بحاجة إلى شيء على شكل التأويل البولتماني لمجابهة مسائل العصرية الحقيقية، لم يميّز أندريابولوس أرضية الفكر البولتمانيّ الفلسفية ولا قيمته العابرة، كما فعل المفكرون الغربيّون.

رغم جهوده اللافتة للنظر والمستحقة الثناء والتي بذلها في مصارعة المفكرين التأويليين المعاصرين، فهو مثال عن الصعوبات التي تواجه محاولات الأرثوذكس للاطلاع على قضايا مهمّة في لاهوت الغرب التعددي بدون الانتباه المناسب للأمور الإبيستيمولوجيّة الأوسع.

سابا أغوريدس، أستاذ دراسات كتابية في تسالونيكي وفي أثينا لسنوات عديدة، ومفكر متحفز بين المفكرين اليونان المعاصرين، عالج مسألة التأويل من زوايا مختلفة في أعماله العديدة[11]. ما يحتل المرتبة الوسطى في فكره التفسيري هو عمل مطوّل عنوانه “تفسير النصوص المقدسة”[12] إنجازه كان طرح مسألة التأويل على ضوء الحياة المعاصرة.

ويقدم اكتشافات فيها تحد وبلاغة في مواضيع الكنيسة والمجتمع، الكتاب والتقليد، الإعلان والتاريخ، الدراسات الكتابية الآبائية والمعاصرة، اللاهوت والروحانية، الليتورجيا والبحث الكتابي، وكلها بأسلوب عميق ونبويّ.

ومع هذا، فإن إنجاز البروفسور أغوريدس التفسيري مبهم. رغم ملاحظاته العميقة، يحتاج عمله إلى وضوح أكثر تكامليّة وشمولاً في الفكر. هو يوافق على أنّ المشكلة التفسيرية “المعذِّبة سببها” المسافة بين الفكرين الكتابي والمعاصر، لكن يبدو أنّه لا يعرف مدى فاعلية أوجه التنوير السلبيّة على مفهوميّة هذه المشكلة مع أنه يرفض التنوير بشكل عابر في مكان آخر[13]. لكونه التزام البحث التاريخيّ، هو يميّز عن حق التفسير والشروحات، ويقدّر كثيراً حرية البحث.

علاوة على ذلك، يجد أن عالم العبادة يعبّر عن جوهر الكتاب المقدس من دون أن يظهر العلاقة الإبيستيمولوجيّة بين الليتورجيا والدراسات النقدية[14]. هو يؤكد أن التقليد يحمل الحقيقة المعلنة ويضمنها، لكنّه يهمل مناقشة علاقة التوافق التي بين التقليد والكتاب نظراً لسلطة الكتاب في التقليد والمؤيدة له[15].

هو يتمسك بأن الحقيقة اللاهوتية الأساسية تُكشف على المستويين الاختباري والجماعي أكثر منها على المستوى الفكري، لكنه لا يقيم وزناً لوظيفة قانون الإيمان وحسّ الكنيسة العقائدية ولا يبدو أنه استوعب أن مفهومه الخاص لمسألة التأويل يتغذى جزئياً بمنظار عقلاني[16].

بالجوهر، هو يقول، على عكس رأي الآخرين، إن الجواب الأرثوذكسي الحاسم على مسالة التأويل هو في تركيبة ملتبِسة من الرؤية الأخروية في الليتورجيا ومفهوم التاريخ العالميّ الذي حكى عنه Pannenverg، لكن من دون محاول ردم الهوة الإبيستيمولوجيّة بين شلكيّات فكرهما التسبيحيّ والفلسفي[17].

ما يبدو أنّه يميز جهود الأستاذ أغوريدس هو تركيبة متلازمة من العظمة والإحباط. فيما هو يضطلع بمواضيع واسعة وملائمة، لا يحدّد الأوجه المهمّة والنقاط الحاسمة في مسألة التأويل يجب السعي نحو صياغة أوضح للتأويل الأرثوذكسي عبر مناقشة أكثر دقّة في تمييز مستويات التأويل المختلفة وعناصر هذا العلم: الإيمان والعقل، الكتاب والتقليد، الكنيسة والحضارة المعاصرة، بتعابير محددة.

الأب جون براك (Breck)، باحث كتابيّ أميركي أرثوذكسي، كرس عددا من أعماله لمناقشة التأويل. نشر مقالتين في 1976 و1983 وكتابه The Power of the Word in the Worship ظهر في 1986[18]. وقد لخص فكره لاحقاً في محاضرة ألقاها أمام حضور مسيحيّ مختلط[19]. هدف الأب براك الأساس هو إيجاد طريقة أرثوذكسية بين المقاربتين الأصوليّة والتاريخيّة. هو أيضاً يميّز بشكل صحيح بين المستويّين التفسيري والشرحي ويستوعب أن مشكلة التأويل الأولى تقع على المستوى التفسيريّ.

بالنسبة إليه، المنهجي التاريخية – النقدية هي بحد ذاتها حيادية، وهكذا هو يمنح كل الوزن للدراسة العلمية الدقيقة بهدف اكتشاف رسالة الكتاب وجعلها معاصرة “الأرض الحقيقية للإيمان والحياة الأرثوذكسيين”[20]. مع هذا، لا الدارسات التاريخية النقدية ولا مقاربات التأويل الغربية أثبتت ملاءمتها مهمّة حمل قوة كلمة الله. جواب التأويل الحاسم، بحسب البروفسور براك، موجود في تعليم الآباء حول الثايوريا، أي فعل تقبّل، أو الرؤية الروحية، لوجود الله المخلص والعمل الذي تشهد له كلمة الكتاب ويتفعّل بأسمى شكل في عبادة الكنيسة[21].

كما في حالة الأستاذ أغوريدس، يمكن طرح الأسئلة المشابهة حول فكر الأب براك التفسيري. فهو أيضاً يأخذ على عاتقه فكرة غير كافية عن الهوة التي بين الفكرين الكتابيّ والمعاصر، وهكذا هو يتكلم على الحاجة إلى ترجمة رسالة الكتاب بشكل ذي معنى إلى “الفكر المعاصر وإلى عالم من الشك الفطري”[22]. لكنه ليس واضحاً بالكلية كيف أن الدراسة العلمية تستطيع بهذا الشكل أن تتخذ مهمة العصرنة، أي حمل معنى الكتاب وقوته بشكل قادر إلى القراء المعاصرين.

على أساس أي مقومات وبأي أشكال سوف نسعى إلى الملاءمة مع العصريّة. لا يأخذ الأب براك في الحسبان فشل المسيحية الليبرالية بسبب تكيّفها مع الحضارة المعاصرة ولا المشاكل الإبيستيمولوجية التي طرحها التنوير كما ناقشها على نحو واسع الباحثون الإنجيليون (Evangelical)، على سبيل المثال[23].

نموذجه المقارن لجسر التأويل بين الكتاب والإنسان المعاصر: العظة عند البروتستانت، وسلطة البابا عند الكاثوليك والروح القدس عند الأرثوذكس، هو نموذج عمومي جداً[24]. لا يتغاضى فقط عن التعددية التأويلية عند الكاثوليك والبروتستانت، بل أيضاً عن أن كل المسيحيين يقدرون الروح القدس والعظة وأشكال التفسير الصادرة عن سلطة[25].

يركز الأب براك بشكل رئيس على الثايوريا بحسب الآباء، التي هي بالفعل مرساة قيمة في التأويل لكنها أحادية الطرف. في فهمه الثايوريا، فيما يرفض المجاز، يبرر البروفسور براك دارسة الرموز بدون أي إشارة مهمة إلى تفاسير رمزية سطحية في التقليد. كما أنه يربط عن حق الثايوريا بالبعد الليتورجي الذي يناقشه مطولاً في كتابه. الصعوبة هي أن الثايوريا هي بشك أساس رؤية روحية، كما ينتهي هو نفسه مؤكداً، وليست طريقة تفسيرية.

وكفعل تلق وحي، تؤثر الثايوريا نوعياً على مقاربة كل شيء بما فيه الكتاب، لكنها لا تستطيع أن تبتلع المهمة الاستطرادية في التعاطي مع ما عبر عنها فلوروفسكي “المحيطات الفكرية” للحقيقة المسيحية. في قراءة آباء الكنيسة، لا يقدم براك فرقاً مهماُ بشكل كاف بين الثايوريا كطريقة تفسيرية والثايوريا كمفهوم موحى به، وهي تمييز مقارن في اللاهوت الاستطرادي والمستيكي أو بين التفكير اللاهوتي والتعبير التمجيدي.

بالطبع، أثناسيوس وياسيليوس وأخوه غريغوريوسن مع أنهم عملوا في رؤية روحية غامرة، فقد فسروا الكتاب بتعابير عقلانية قرينية ونحوية، بخاصة في مجادلاتهم المتجولة مع الهراطقة. رغم أن البعدين لا ينفصلان، فهما يتضمنان عمليات تفسيرية متمايزة لا يستطيع أحدهما أن يختزل الآخر.

كنتيجة، ينبغي ألا تعتم العبارة التقنية على حقيقة أن الثايوريا كرؤية روحية ليست سوى أفق الإيمان الحي، أي الالتزام والانفتاح الروحي، الذي يقبض على قوة الكلمة الكتابية التي تغيّر وتخلص والتي أطلقها الروح القدس، سواء عبر عظات أو قراءات شخصيّة أو الاحتفال الجماعي في العبادة[26].

كل المسيحيين، أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، يؤكدون هذه الحقيقة. رغم فقدان الغنى الليتورجي عند الكثير من البروتستانت، ليس صحيحاً أن التشديد على العظة، أي الإنجيل وعرضه، يحول الكلمة إلى “ظاهرة محض كلامية”[27]. كل المسيحيين التقليديين يتمسكون بالتعليم حول الاستنارة الداخلية بالروح. الكل يغذي البعدين الكلامي والتأملي ويسعى إلى توازن صحيح بينهما. من الجانب الأرثوذكسيّ، الملء الإفخارستي بدون شرح الحقيقة الكتابية ممكن أن يتمزق بممارسات طقسية.

الإيمان، الصلاة، الانتباه لكلمة الإنجيل، سواء مقروءة أو مسموعة أو موعوظة، كما العبادة الجماعية والعيش المسيحي الملتزم، هذه كلها تشكل روحياً العالم المتقبل الذي فيه يحول الروح القدس الكلمة الكتابية إلى كلمة حية لكل المسيحيين.

فلنسلم كلياً أن آباء الكنيسة، على مثال نظرية الإنجيليين، طوروا تفاسير رمزية ومجازية مختلفة من منظار رؤية موحى بها. ولكن من المنظار عينه، هم أيضً قدّموا كمّاً من التفاسير المباشرة مطبّقة على الإيمان والممارسة. أغلب هذه، كما في تعليقات الذهبي الفم الوعظيّة، أُعطيت بدون إشارة إلى الثايوريا أو الرؤيا الإفخارستية، التي قد تكون افترضت مسبقاً، لكنها لم تُستحضر علناً ولم تكن ضروريّة لفهم تعليم الكتاب وتطبيقه.

علاوة على هذا، في محيط التربية اليونانية العالية اللغوية والفلسفية، مال الآباء الكبادوكيون نحو التفسير النصي واللغوي المتأني، بخاصة فيما يتعلق بالمناظرات العقائدية التي تضع مسألة الدقة القياسية (syllogistic) والترابط المنطقي في الواجهة[28]. إذاً، منظار الثايوريا، سواء علناً أو ضمنياً، أدى إلى فيض من التفاسير الأدبية – اللغوية، الرمزية، والمجازية بين آباء الكنيسة.

إذا كانت الرمزيّة والمجازيّة تنطلقان من منظار نظري، لماذا نَبذُ الأولى واتخاذ العناء لتبرير الأخيرة؟ هل هما، كطريقتين، مختلقتان فعلاً إلى درجة تثبيت واحدة ورفض الأخرى؟ أيضاً، لماذا إعمال التفاسير المتعدّدة المباشرة والتعليمية التي هي لا مجازيّة ولا رمزيّة؟

لماذا، بهدف الوضوح، لا نميّز بين الأدبي، المجازي والرمزي من التفاسير ونسميها بأسمائها الحقيقية كممثلة لمقاربات منهجية مختلفة، ونترك الثايوريا في مهمتّها الروحيّة والمستيكيّة الخاصّة في ملاءمة قوة الله المتعالية، التي لها وزنها بحدّ ذاتها؟ إن حقيقة كون الثايوريا الأنطاكية قد مالت نحو أخذ النص الكتابيّ والتاريخ بشكل أكثر جديّة من الثايوريا الإسكندرية، هي حقيقة لا تحول وحدها التفسير الرمزي على تفسير تاريخي – نقدي، كما أنها لا تجعل التفاسير الرمزيّة بلا معنى.

كلا المجازيّة والرمزية تتخطيّان مستوى التفسير النصيّ – اللغوي ويجب تقديرهما على مستوى التأويل بسبب أهدافهما وعملهما. فيما الاثنتان قد تقودان إلى المبالغات، إلا أن لكل منهما جدارتها لكن ليس كتفسير تاريخيّ – نقديّ.

قد يمكن توضيح أحجية التأويل في أطروحة الأب براك بتمييز بُعدين إبيستيمولوجيين على المستوى التفسيريّ: الأول منطقيّ بالدرجة الأولى وحاسم، والثاني تأمليّ وحدسيّ. في دعمه للثايوريا كفهم للحقيقة الإلهية الموحى بها من الروح القدس، وفي تأييده التفسير النظري على أنه المثاليّ للمفسّرين اليوم، ينظر الأب براك إلى هدف الليتورجيا وعملها فيكتب: “كما يشترك اليهود بالخروج من كل فصح، كذلك يشترك المسيحيّون باللحظات الحاسمة من حياة المسيح وبشارته”[29]، أي في عبادة الكنيسة.

مع هذا، فالعبادة هي عالم خصوصي وليست تقويماً عقلياً للحقيقة التي في تقاليد الجماعة المقدسة. فالعبادة بطبيعتها الخاصّة هي مستوى من التأمل التفسيريّ تقوم عليه كل جماعة دينية بالاحتفال بنصوصها المقدّسة وبتخليدها مع ما تدّخر فيها من خبرة مع الله. وقد تنتج منها تفاسير “نظرية أرثوذكسية أو كاثوليكية أو بروتستانتية أو يهودية.

وهما كانت العبادة مهمّة بهدفها وعملها، إلا أنه لا تستطيع أن تحل محل اللاهوت النقدي، أي محل المقاربة المنطقة للحقيقة كفيض تمّ إثباته في المناظرات العقائدية التي كانت بالدرجة الأولى استئنافات قياسيّة أكثر منها نظرية في تفسير النصوص الكتابيّة من قِبَل الآباء والهراطقة. كما أن أحداً لا يستطيع أن يشير إلى احتكام الآباء إلى سلطة التقليد الليتورجي لشرح العقيدة لأنّ هذا الشرح تمّ على مستوى اللاهوت المنطقيّ.

إذاً، في اتّباع آباء الكنيسة، يجد المرء صعوبة في المصادقة على دراسة الكتاب النقديّة وفي إرساء تفسيره على إدراك روحي أحادي الجانب باستطاعة كل إنسان أن يدعيه. بالطبع، يجب عدم التقليل من أهميّة الإدراك الروحيّ كصيغة حاسمة من الخصوصيّة الشخصية والجماعيّة للحقيقة الخلاصيّة وقوة كلمة الله. لكنّ هذه الخصوصيّة، إن لم تكن زلّة إلى الذاتانيّة المرفوضة، يجب أن ترتبط بشدة وتؤسَّس على “الأطر الفكرية” للشهادة الكتابية لبعض المنهجيات التب تتضمن عملية قياسيّة مركزة استناداً إلى التوافق الآبائي بين الإيمان والعقل.

لا يمكن اعتبار أيّا من الطرائق، سواء أكانت الأدبية أم المجازيّة أم الرمزيّة أم غيرها من الطرائق المعاصرة، مطلقة، كما لا يمكن رفض أياّ منها، كونها جميعاً، من حيث المبدأ، تسعى إلى توصّل عمليّ إلى المعنى المفاهيميّ للنصوص الكتابية. ينبغي بالأحرى تقويم كلّ منها على أساس هدفها وجدارتها. السؤال الحاسم ليس التلقي الروحي فقط بل أيضاً الحقيقة اللاهوتية.

من هذا المنظار، العوامل الحاسمة في التأويل هي ما أدركه آباء الكنيسة منذ زمن طويل: ادّعاءات الكتاب الحقيقيّة التي، عند تفنيدها، يجب تفسيرها بشكل موثوق بحسب التوافق العقائدي في الكنيسة. الغريب هو أنّ لا الأستاذ أغوريدس ولا الأب الأستاذ برك اختار أن يناقش بشكل تقديّ ارتباط العقائد بالتأويل[30]. علاوة على ذلك، الإشارة الأرخميديّة في التأويل هي بالتحديد البحث عن الحقيقة، الحقيقة اللاهوتية المعيارية، التي تعمل في آن واحد كإطار توحيديّ ومعيار مطلق للطرائق كافّة ومختلف التفسيرات المتنوعة.

هذا السعي إلى الحقيقة المعيارية هو اضطلاع بأكثر أسئلة التأويل حدّة. وفيه نجد التأمّلي والمنطقي، النسكيّ والعقلي، الإيمان والعقل متلازمة نقدياً. على أي أساس يستطيع التقليد الحي والخلاق أن يواجه بشكل أصيل ظروفاً جديدة ومعرفة جديدة؟ هذا للقول بأيّ ميازين نستطيع كشف ما هو معياريّ في الإيمان والممارسة وتحديده، ليس فقط في الماضي البعيد، إنما أيضاً في الحاضر المليء بالتحديات والمفتوح على أمور جديدة تطرأ؟

موقف الأب يوحنا رومانيدس في التأويل، وهو الأخير في هذه المراجعة، يجيب جزئياً عن الأسئلة الأخيرة التي يمكن طرحها إذا استطاع المرء الإشارة إلى سلطة حيّة تجمع ذاتها النسكيّ والمنطقيّ، النظريّ والعمليّ، وبهذا تعمل كمقياس معياريّ وكشف لا يخطئ للحقيقة المسيحيّة في الحاضر الدائم التغير والمستقبل المجهول. هذا هو تماماً موفق الأب رومانيدس التفسيريّ وهو يبني علماً كاملاً لاهوتياً وكتابياً على أساس نموذج القديس المواهبيّ (charismatic)[31]. في المقاطع التالية تلخيص لموقفه هذا.

بالنسبة إلى البروفسور رومانيدس، القديسون بامتيازهم الأنبياء والرسل أي أولئك الذين كانت لهم خبرات مباشرة مع الله بحلة مستمرّة وديناميكيّة من التمجيد الذي يسميّه آباء الكنيسة ثايوريا أو تمجيداً بالنعمة. فخبرات الأنبياء والرسل الإلهية السامية كانت فوق المفاهيم التأملية والصور، وكانت تمنح أصحابها معرفة مباشرة عن الله وتؤهلهم لقيادة الآخرين نحو الله بشكل لا يخطئ عبر كلمات وصور تحمل المفاهيم التي تناسب مستوى فهم المستمعين.

هذا التقليد حول رؤية الله والمشاركة في المجد الإلهي هو تقليد حيّ في المسيحيّة الشرقية، ويُفترض أنه مستمر في عدد محدود من القديسين المعروفين أو المجهولين، أيّ أنه عنصره مستمرّة تشكل أعلى إعلان عن الله ومعرفة له. إحدى النقاط التي تأسر الاهتمام عند الأب رومانيدس هي أن المعنى الحقيقي لمبدأ “الكتاب وحده (sola scriptura)” هي لا شيء غير التمجيد بالنعمة جامعاً وحدة الخبرة المباشرة وهويتها ومعرفة الله عند الأنبياء والرسل والقديسين.

هذه الخبرة الموحدة هي “المفتاح لفكّ أسرار الكتاب… التي بدونها يبقى الكتاب سراً مخبئاً حتى لعلماء الكتاب[32]، من الأرثوذكسيين وغيرهم. بالنسبة إلى رومانيدس، وحده القديّس الحقيقي، أي ذاك الذي تخطى مرحلة التطهّر وبلغ مرحلتي الاستنارة والكمال، يستطيع تفسير الإعلان الكتابيّ بشكل لا يخطئ على مستوى الكلمات والمفاهيم بفعل تمتّعه “بالنوع ذاته من المعرفة” التي كانت للأنبياء والرسل أنفسهم.

اقتراح البروفسور رومانيدس يدعى بقوّة مفاهيم نظريّة وتطبيقات عمليّة تتكل على بعضها البعض[33]، أي أنه يدعو إلى وحدة بين النسكي والعمليّ. فعلى المستوى العملي، ممكن أن نجد قديسين غير معلنين بلغوا الثايوريا، وهم متحرّرون كليّاً من عبوديّة الخطيئة والشيطان ومحبّة الذات، وهم في مجد الله والمحبّة غير الأنانيّة شهود معصومون يعلّمون الطرائق التي تؤدي إلى الله.

إنهم لاهوتيّون بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، أي عارفون موثوقون لله ومتحدثون باسمه، لا بالعقل التأمليّ بل بالخبرة المباشرة معه على طريقة الأنبياء والرسل. هؤلاء الأشخاص، هم وحدهم، الذين تطهّروا من أهوائهم الفاسدة وبلغوا على الأقل الاستنارة وكشف الأرواح، أن لم يكن التمجيد الفعليّ، هم المرشدون الحقيقيون في التفسير الكتابيّ. كل الآخرين هم مجرد “لاهوتيين بالاسم”، ومحتَمَل أنهم دجالون ومنحرفون عن الحقيقة بدرجات مختلفة. بحسب هذا اللاهوت المؤسّس على الثايوريا، يترافق التعلّم مع التطبيق.

على الطالب أن يلازم معلماً قد اختبر الاستنارة. أمّا المعلّم، كأب روحيّ، يستطيع أن يقود الطالب لكنّه لا يستطيع أن يفعّل فيه الثايوريا، التي هي عطية من الروح القدس وحده. ورغم ذلك، كل هذا يعني أنّ:

اللاهوتيّ الأرثوذكسي والأب الروحي هما واحد. لا يستطيع الرجل أن يكون لاهوتياً بدون أن يكون أباّ روحياً ولا يستطيع أن يكون أباً روحياً إن لم يكن لاهوتياً[34].

من الجانب النظريّ، يقدم الأب رومانيدس ملاحظات على القدر ذاته من الأهمية. إنّه يطرح مسألة الافتراضات المسبقة التي في ممارسة اللاهوت. بحسب الأب يوحنا، المقاربة الأوغسطينية للكتاب المقدّس واللاهوت انحرفت عن النموذج الكتابيّ والآبائي القائم على الخبرة وفقدت الرؤية حتى في التمييز الحاسم بين الخالق والمخلوق.

لقد افترضت بطريقة أفلاطونية وجود نماذج أولى أو عوالم غير مخلوقة، وبهذا افترضت مسبقاً وجود تشابه حقيقي وتناظر وظيفي بين مراتب الكائنات المخلوقة وغير المخلوقة، وكأن الاثنين ينتميان إلى نظام واحد من الحقيقة، يمكن اختراقه بالعقل البشريّ. يذكر الأب رومانيدس أنه، بحسب تعليم أوغسطين، يبلغ الله ما يريد إلى الإنجيليين في لحظات محدّدة من الوحي وبشكل لا يخطئ وفي كلمات تحمل مفاهيم وصوراً لم يفهمها الكتّاب بالضرورة.

في هذا المنظار الأوغسطينيّ، تماهي الكتاب المقدس مع أشكال مخلوقة مع الإعلان الإلهي إذا اعتُبر، خطأ، أن كلمات الكتاب المقدس بحد ذاتها هي الاعلان. تالياً، الفكر البشري الذي طالما امتحن عالم الحقائق الإلهية الثابتة، يستطيع أن يكتسب تدريجياً معرفة أعلى للنماذج الأولى الأبدية، بما فيها سر الثالوث القدوس، وهي معرفة قد تكون أعلى من تلك التي بلغها الأنبياء والرسل أنفسهم.

هذه الإبيستيمولوجيا الأوغسطينية هي البنية الأساسية التي تهلك كل الفكر التأمليّ الغربي، الذي تصدع بالضرورة في العصور الحديثة، حيث الإسمانية الفلسفية والدارسة العلمية لتدفق كل الأمور “أضعفت فكرة الحقائق الثابتة غير المتغيرة العزيزة على الأنظمة الفلسفية واللاهوتية في الغرب. بتعابير أخرى، يستطيع المرء أن يشرح لماذا انهار الإيمان بالحقيقة المطلقة والقانون والقيم الأخلاقية كمعايير للفكر والتصرف في الحضارة الغربية بشكل شامل[35].

هنا تلخيص البروفسور رومانيدس لموقفه في التأويل:

لا يستطيع التأمل الجدلي مطلقاً أن يكون مصدراً للتعليم الموثوق كما لو أن الكنيسة، عبر بابا أو مجامع أو علماء كتاب بروتستانت، تستطيع أن تحول البحث إلى عقيدة.

سلطة الحقيقة المسيحية ليست كلمات الكتاب المقدس المكتوبة بحد ذاتها، التي لا تستطيع من ذاتها أن تعبر عن الله أو أن تنقل مفهوماً ملائماً عنه، بل بالأحرى هذه السلطة هي الرسول والنبي والقديس الذي تمجد بالمسيح واتحد في خبرة المجد هذه بكل أصدقاء الله من كل العصور.

إذاً، الكتاب المقدّس وكتابات الآباء وقرارات المجامع ليست وحياً بل حول الوحي. فالوحي ذاته هو فرق الكلمات والمفاهيم، مع أنه يلهم هؤلاء المشاركين في المجد الإلهي للتعبير بدقة وبدون خطأ عن ما لا يمكن وصفه بالكلمات والمفاهيم.

بالنسبة إلى الآباء، الموثوقية ليست الكتاب وحده، بل الكتاب يضاف إليه المتمجّدون. فالكتاب ككتاب ليس بحدّ ذاته ملهَماً ولا معصوماً. إنّه ملهّم ومعصوم ضمن شركة القديسين الذين اختبروا المجد الإلهي الموصوف ولكن غير المنقول فيه. بالنسبة إلى الذين خارج تقليد الثايوريا الحي، الكتاب المقدس هو كتاب لا تُحل أسراره[36].

فكر البروفسور رومانيدس التفسيري واضح المعالم في تركيزه الكتابي على خبرة الله المباشرة التي هي قلب الإعلان الكتابيّ، كما في حنكته الفلسفيّة التي هي تحرّرٌ في الفكر من الإبيستيمولوجيا الأفلاطونية. ما يخص الأخيرة، التأكيد على وجوب السعي إلى الحقيقة في عبارات شخصية وعلائقية أكثر منها في نماذج أولى مجردة وأزلية، هي في الوقت ذاته إراحة من القلق على طريق فلسفي مسدود وفتح آفاق جديدة في السعي إلى الحقيقة المُعاشة.

ما يتعلّق بالأول، إعلاء شأن خبرة الله المباشرة هو تضمين جوهر شهادة الكتاب المقدس كما هو جوهر التجوال البشري المشترك. لا يوجد شيء أكثر عمقاً وإلحاحاً بالنسبة إلى كل كائن بشري من اكتساب خصوصيات مع الله الحي.

بالواقع، يتداخل المنظاران، الشخصي – الاختباري والإسمانيّ – الفلسفي، بطريق تأسر الاهتمام عند الأب رومانيدس، طريقة تدويّ صحيحة وتعطي فكرة وحدة قويّة جذابة. إنها بالتأكيد شهادة قيّمة لآباء الكنيسة العظماء، الذين كانوا أصحاب حنكة فلسفية في عصورهم، وتدريجياً أداروا ظهرهم لأفلاطون وبتأن تبعوا طريقة الكتاب في معرفة الله. ليس أقل فضائل الأب رومانيدس تذكير العلماء المعاصرين باستمرارية اللاهوت الكتابي والآبائي الأساسية وبوحدته.

في جهوده لطرد الشبح الأفلاطوني الذي يوجّه دائماً الأشخاص إلى الاتكال على الحقائق المجردة أكثر من الاتكال على الله الحي نفسه، لقد بيّن ما هو لبّ الفكر الآبائي أي المحتوى والرؤية الروحيين. طريقة الآباء هي طريقة الكتاب المقدس. بإمكاننا أن نضيف أن الإخلاص للكتاب كان تماماً القوة التي تحركت ودفعت آفاق الأفلاطونية إلى الخلف في فكر المفكرين المسيحيين القدامى، وهي طريقة تفكير مثيرة للاهتمام حول كيف أن “موسى تخطى أفلاطون”، أي كيف فتح علم الوجود (ontology) الأفلاطوني الطريق للشخصانية الكتابية[37].

في أي حال، طرح رومانيدس في التأويل مثقل بالأحادية من جهة طريقته الخاصة، بسبب بعض الادعاءات الصارمة أكثر من اللازم والتي تؤثر على قيمة فكره وقدرته على الإقناع. على المستوى الفلسفي، مع ترك مسألة التفسير الأوغسطيني للخبراء في هذا المجال، إن نوعاً من الاسمانية يجب تلطيفه باعتبار أن “الكلمات والصور الحاملة المفاهيم” تحمل نوعاً من استقرار المعنى.

في رفض فكرة النماذج الأولى والكونيات الخالدة، يجب الأخذ في الاعتبار النظرة الكتابية والآبائية بأن في الكتاب المقدس تعاليم واضحة وملزمة حول الله وطرائقه المتاحة للجميع. ليس بالضرورة أن يتبنى المرء ما ورائيات أفلاطون حول الحقيقة الثابتة ليؤكد أن الكتاب، على مستوى تبادل الكلمات والصور، يحتوي على نظرات ثابته وأسس وحقائق تتعلق بأمور كالله والأوثان، النعمة والإرادية الحرة، المحبة والكراهية، الصدق والكذب، الغفران والثأر، العدالة والاستغلال، العطاء والأنانية، والرجاء واليأس.

ليس ضرورياً أن يمضي المرء بعيداً في قراءته كتابات آباء الكنيسة اللاهوتية والعملية، كباسيليوس والذهبي الفم، حتى يرى الموثوقية الكبيرة الي يعزونها إلى الحرف والمعنى الجلي للكتاب المقدس كمصدر للتعليم عن الله وإرادته، مؤمن للجميع. لقد اتكل هؤلاء الآباء بشدة على وضوح المعنى وثباته في النص الكتابي واستخرجوه بالتفسير الحرفي واعتبروا أن أي قارئ قادر على المتابعة بدون أي تقنيات باطنية.

إن الادعاء بأن “الكتاب غير ملهم” هو وقوف في وجه كل التقليد الآبائي واقتطاع من قاعدة شهادة الكتاب لتعاطي الله مع كل الشعوب. الظهور بمظهر الادعاء بأن المعنى الثابت والأكيد على مستوى الكلمات والصور لا يمكن بلوغه بالفهم البشري العادي هو اجتثاث للتواصل البشري والبحث العلمي كما والرجاء بحوار ذي معنى ومصالحة ممكنة بين المتنازعين، الأرثوذكسيين والهراطقة على السواء. نحن لا نقول إن معنى الكلمات والصور الكامل المتاح للجميع هو كل شيء، لكنه جزء أساس من الحقيقة التي عن الله ومنه، والتي جميعنا مدعون للسعي إليها.

الصعوبة المركزيّة في طرح رومانيدس هي التركيز المفرط على القديس المواهبي الذي يبدو فوق الكتاب والمجامع وحتى فوق الكنيسة. نحن لا نتساءل حول تقليد الآباء الروحيين الغني والقيم في المسيحيّة الشرقيّة[38].

كما أننا لا نتساءل حول الدور الأساس للصور الكتابية الرئيسة وللقديسين العظماء في مجمل حياة شعب الله. نحن نتساءل حول اقتصاريّة النموذج المواهبي الذي يبدو أنه يرفع القديس إلى رمز لاهوتي مُغالى فيه. قد يُجرب المرء بمقارنة التباس القديس المثالي المطالب بالكثير بغموض تشديد البروتستانت على كلمة الله التي ينسبون إليها رفعة مماثلة.

ولكن من هم هؤلاء القديسون المتمتعون بالخبرة الإلهية ذاتها والقادرون على الاتصال بدون خطأ بينهم ومع الآخرين، وغير المباركين بالثايوريا؟ بعد خبرة تجلي يسوع، يوحنا ويعقوب لم يترفعا عن التطلع إلى كرامات خاصة في المجيء الثاني الذي كانا ينتظرانه ولكن بشك أرضي (مرقص 10: 35). بغض النظر عن مكانتهما غير القابلة للمناقشة، كان بين الرسولين بطرس وبولس اختلاف لافت للنظر حول أمر مهم في حياة الكنيسة، ما أدى ببولس إلى مواجهة بطرس علناً (غلاطية 2: 11-14)[39].

كما أن كتاب الأعمال يشير إلى مشاجرة بين بولس وبرنابا حول عدم استقرار يوحنا مرقص ما سبب افتراقهما في العمل البشاري (أعمال 15: 36-41). إذا كانت هذه النزاعات جرت بين الرسل، فلن يحس المرء بالحرج إذا سرد عدداً من الأمثلة بين آباء الكنيسة. بالواقع، أغلب الهراطقة ممكن وصفهم بالرموز المواهبية.

ما هو الدليل الذي يقدمه رومانيدس لهذا النموذج المشار إليه أعلاه في التأويل؟ يتمثّل في ثلاثة اسنادات من القديس غريغوريوس اللاهوتيّ حول استحالة فهم الله وضرورة التطهر الروحي في السعي إلى معرفة سر الله[40]. إنه يشير إلى الفعل (يلاحظ، يفهم، أو يمتلك…) المستَعمل في إنجيل يوحنا للكلام على رؤية المسيح أو معرفته. أخذ الأب رومانيدس حرية ترجمة هذا الفعل كاسم: “لينظروا مجدي” (يوحنا 17: 24). تالياً هو يبث فيه المعنى الآبائي التقني.

لكن استعمال الاسم ليس محصوراً في انجيل يوحنا بل في مرة أخرى في العهد الجديد وبفارق دقيق مختلف (لوقا 23: 49)، بشكل يصعب اعتباره دليلاً على فهم تقني عميق للثايوريا. بالواقع، يقدم الإنجيل الرابع فيضاً من العبارات المعرفية وكلها مطبقة بدون تمييز على علاقات المسيح بالجميع، مؤمنين وغير مؤمنين على السواء.

فيما يتعلق بخطبتي غريغوريوس، فالهدف منهما هو: إذا تطهرنا كما ينبغي، “فلنتفلسف ضمن حدودنا”[41] لأن “الطبيعة الإليه لا تُفهم بالعقل البشري”[42]. يتكلم غريغوريوس على الاستعمال الحسن للعقل مكملاً بالإيمان[43]. إن احتكامه إلى المعرفة المستيكية هو ضد المذهب العقلي الأريوسي والأقنومي. وليس ضد الاستعمال العادي للعقل في اكتساب معرفة كتابية عن الله مُتاحة للجميع.

غريغوريوس نفسه يستعمل كثيراً العقل والبلاغة المكتسبين من تربيته الإغريقية الكلاسيكية، على الأقل في استعماله الإغريقي للتمجيد الذي يملؤه بشكل أكيد من المعنى الكتاب. كل هذا ليس بأي طريقة للقول إن البعد الاختباري والمستيكي غير مهم في الإنجيل الرابع أو في غريغوريوس. على العكس، نحن نؤكد الأهمية في كليهما.

في أي حال، إنه للإشارة إلى أنه لا الإنجيل الرابع ولا غريغوريوس، في مجمل شهادتهما، يرفعان المؤمن المواهبي أو القديس كمعيار معصوم لمعرفة الله والمعرفة عن الله فوق الكتاب وفوق الكنيسة. إن كامل شهادة الكتاب والآباء لا تدعم هذا النموذج المطلق كمعيار في التأويل.

في التأويل الكتابي واللاهوتي، لا يمكننا الاكتفاء بطرح يفترض ظاهرياً أن الشخص المواهبي الموثوق هو فوق النقد، ما يشكل موقفاً معرضاً للاتهام بالاعتباطية والذاتانية. الشخص المواهبي مهم في التقليد اليهودي – المسيحي لكن لا يمكن فصله عن شعب الله أي عالم الجماعة المؤمنة التي تشكل شخصيتها المشتركة نقطة السلطة المسيطرة. التوجيه الرسولي هو: “لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم” (1يوحنا 4: 1).

من بين آباء الكنيسة، القديس سمعان اللاهوتي الحديث يدعو، كما لم يفعل أي قديس أرثوذكسي آخر، الحكمة المعصومة وحتى الطهارة من الخطيئة، عند الذي يحمل مجد الله، وهو اعتبر نفسه واحداً منهم. مع هذا، رغم حدة عباراته عن عمى الآخرين جميعاً، يدعو مستمعيه الذين لم يمسكون بعد بمجد المسيح القائم، ليحكموا بأنفسهم على صحة كلماته. أحد الأمثلة على ما يكتب: “هذه هي برأيي حقيقة الأمر، وهذا هو تدبير الله لنا… أنتم، من جهتكم، يجب أن تمتحنوا ما نقول”[44].

تقليد الجماعة وحياة الكنيسة هما المعيار النهائي لامتحان الادعاءات المواهبية. خبرة الله ملك الكنيسة جمعاء وليست فقط لمجموعة نخبوية، ما قد يذكرنا بالغنوصية. للمعرفة المستيكية الشخصية قيمتها لكنها لا تستطيع وحدها أن تطغى على معرفة الله المتاحة للجميع أو تمتصها.

وإلا لا يتجرد المؤمنون فقط من دورهم كحُماة للإيمان، بل الكنيسة أيضاً سوف تُقطع من التواصل مع العالم الذي هي مسؤولة عن تعليمه الإنجيل بشكل هادف. في الواقع، في التأويل، الحاجة هي إلى نموذج يأخذ باعتباره توازناً أكبر بين الإيمان والعقل، المعرفة المستيكية والبحث العلمي، إيمان الفرد وإيمان الجماعة، الكنيسة والثقافة، وهذا كله بحسب شهادة آباء الكنيسة.

 

[1] See the diverse bibliography in Chapter Two, notes 51 through 54. From an Ecumenical perspective, largely centered on the work of the World Council of Churches, sample contributions include Metropolitan Chrysostomos Konstantinidis, “The Significanse of the Eastern and Western Traditions within Christendom,” Orthodoxy: A Faith ans Order Dialogue, (Geneva: WCC, 1960), pp. 62-72; Nikos A. Missions, “The Unity of Scripture and Tradition:

An Eastern Orthodox Contribution to the prolegomena of Hermeneutlcs,’ GOTR 11 (2, 1965-1966), pp. 183-208; and Ion Bria, The Sense of Ecumenical Tiwition (Geneva: WCC Publications, 1991). A Standard for the ecumenical discussion is The Bible: Its Authority and Interpretation in the Ecumenical Movement, ed. Ellen Flesseman-van Leer (Geneva: World Council of Churches, 1980).

[2] G. Florovsky, “The Ethos of the Orthodox Church, “in Orthodoxy: A Faith and Order Dialogue, pp. 45ff.

[3] Cited by Florovsky, ibid, p.41.

[4] Ibid.

[5] The relevant articles on these subjects have been conveniently collected in his book Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox view.

[6] G. Florovsky, “The Function of Tradition in the Ancient Church, “GOTK9 (Winter, 1963-1964), pp. 187-188, and reprinted in Bible, Church, Tradition.

[7] Even Florovky’s articles “The Predicament of the Church Historian,” in Religion and Culture, ed. W. Leibrecht (New York: Harper & Row, 1959), pp. 140-166, and “The Patterns of Historical Interpretation, “ATR 50 (2, 1968), pp. 144-145, are written in a grand theological perspective rather than a truly critical one, as for example by Van A Harvey, The Historian & the Believer (New York: MacMillan, 1966).

[8] Orthodox theological scholars have tacitly shown ectreme sensitivity about constructive mutual criticism. Although they quote one another in oblique or supportive ways, each usually presents his or her own ideas of other Orthodox authors. But advancement in Orthodox scholarship cannot occur without honest, interactive discussion on the basis of mutual respect and the putting aside of personal attacks and recriminations.

[9] (Athens: Maurogeorges, 1975). A fervent believer and inspiring teacher, Andriopoulos died at a young age, a great loss to Orthodox biblical studies.

[10] Ibid., pp. 405-408.

[11] FornBibliographical entry into his works, see Chapter Two, notes 52 through 54.

[12] ## (Athens, 1979). See also his forthright and stimulating article on biblical studies in modern Greece mentioned and commented on in Chapter Two, note 53.

[13] Ibid., pp. 8-9, 16, 57-58,328.

[14] Ibid., pp. 45,61ff., 71-72,339,342,349,360.

[15] Ibid., pp. 318ff. and 326ff.

[16] Ibid., pp. 8-9, 57-58, 67, 323-327. In his passionate concern for the hermeneutical question and pastoral care, he expects that scholars, students, and Lay people alike must bear the same hermeneutical burden without qualification, pp. 14-15, 315-316, as if all must experience the gap or distance between Bible and modern thought before they can derive any value from Scripture.

[17] Ibid., pp. 16,71-72, 302,310-315.

[18] The two articles are “Theoria and Orthodox Henneneurics,” SVTQ^IO (4, 1976), pp. 95-219 and “Exegesis and Interpretation: Orthodox Reflections on the ‘Hermeneutic Problem,'” SVTQ 27(2, 1983), pp. 75-92. These are essentially reproduced in his book, published bu St. Vladimir’s Seminary Press in Crestwood, New York, which includes Substantive additions on patristic exegesis and rich sections on Scripture as “Living Word” in liturgical Celebration, creedal confessions, and iconography.

[19] John Breck, “Orthodoxy and the Bible Today,” in The Legacy of St. Vladimir, ed. John Breck and others, pp. 141-157.

[20] John Breck, “Theoria and Orthodox Hermeneutics,” pp. 195-196; “Exegesis and Interpretation, “pp. 75-76; The Power of the Word, pp. 25-28.

[21] John Breck, “Theoria and Orthodox Hermeneutics,” pp. 196, 211, 217-219″ Exegesis and interpretation,”pp. 78-84; 90-92; The Power of the Word, pp. 9-10, 28-36,44-47, 109-113.

[22] John Breck, “Ecegesis and Interpretation,” p. 76; The power of the Word, p.28.

[23] For example C. H. Pinnock, The Scripture principle; D. G. Blocsch, Holy Scripture: Revelation; Inspiration & Interpretation; M. A. Noll, Between Faith and Criticism; and many others in Scripture and Truth, ed. D. A. Carson and J. D. Woodbridge.

[24] John Breck, “Exegesis and Interpretation,” pp. 80-84; The Power of the Word, pp. 31-36.

[25] For Example, M. A. Noll, Between Faith and Criticism, pp. 151 and 205, finds forms of a Protestant magisterium among Evangelicals based on the priesthood of all believers and in the pronouncements of exalted Evangelical leaders.

[26] In a differenc chapter of his book, pp. 117-122, Father Breck himself includes an inspiring section on faith but apparently does not see its affinity to the patristic ##

[27] John Breck, The Power of the Word, pp. 32 and 35. Fathe Breck himself, p. 31, defines the classic Protestant position as “charismatic,” that is, anchored on the principle of the personal illumination by the Holy Spirit, Which is to be applied o he ongregation s well as the preacher during the sermon.

[28] For Example, Gregory of Nyssa, prior to the controversy with Eunomios and his followers, practiced mostly allegorical exegesis. But the controversy led him to a much more precise and contextual approach to the biblical text on the basis of a more sophisticated understanding of epistemology and the philosophy of language.

So Mariette Canevet, Gregore de Nysse et l’hermeneutique biblique: Etude des rapports entre le langage et la conaissance de Dieu (Paris: Etudes Augustiniennes, 1983). I owe this reference to my colleague Nicholas Constas.

[29] The emphasis is Father Breck’s in The Power of the Word, p. 104. CF. pp. 110-113.

[30] In Part II of his Power of the Word, Father Breck includes lengthy chapters on creedal formulations on the New Testament and the liturgical tradition but oddly does not raise the question of the hermeneutical role of doctrine, that is, the quest for normative truth. Thus, Part I on “Interpreting the Word” and Part II “Living the Word” seem essentially unconnected> Father Breck’s connection of course is ## as the only hermeneutical key.

The erroneous impression remains that the “living word” occurs only in worship and not other areas of ministry, for example, biblical teaching, which is part of theology’s burden for the world. In his later article “Orthodoxy and the Bible Today,” pp. 149-150, Father Breck does include and incipient discussion of how doctrinal formulations should “determine hermeneutic presuppositions,” an issue that needs far greater attention.

[31] A Comprehensive statement of his position may be found in his lengthy article Critical Examination of the Applications of Theology,” in Proces Verbaux du deuxieme congress de Theologie Orthodoxe, ed.  Savas Ahouridis (Athens, 1978), pp. 413-441. Father Romanides many years ago was my first theology professor at Holy Gross Greek Orthodox School of Theology, and he opened my eyes to exciting heological nsights and to the necessity of paying close attention to “presuppositions.

To him I owe my foundational theological thinking, albeit qualified by critical historical scholarship of the Bible and the Church fathers. Father Romanides is now retired but still active in Greece and abroad.

[32] Ibid., p. 423 and more broadly pp. 421-426.

[33] Father Romanides time and again confidently parallels his theological and hermeneutical approach to the ecpermental method of the hard and soft sciences, involving both interdependent theorizing and actual testing by observable and measurable standards, pp. 413, 423, 432, and 436-437.

[34] Ibid., p. 433. See also pp. 432-433.

[35] Ibid., p. 413, 416, 418-421.

[36] Ibid., p. 427 and 432.

[37] J. Pelikan, The Christian Tradition 2: The Spirit of Eastern Christendom (600-1700) (Chicago: University of Chicago Press, 1974), p. 33, Writes that, according to the Eastern fathers, “Theology was ont a Science of divine ontology but of divine revelation.

“The patristic emphasis on faith and Scripture, rather than on reason and philosophical speculation – while viewing the two perspectives as complementary and mutually supportive, not antithetical – is more fully laid out by Pelican in his Christianity and Classical Culture.

In contemporary Orthodox theology, biblical and partristic personalism as contrasted to Greek philosophica; ontology is the touchstone of the work of John D. Zizioulas, Being as Communion (Crestwood: St. Vladimir’s Seminary Press, 1985) and Christos Yannarars, The Freedom of Morality, trans. Elizabeth Briere (Crestwood: St. Vladimir’s Seminary Press, 1984).

[38] See Kallistos Ware, “The Spiritual Father in Orthodox Christianity, “CC Summer/Fall, 1974), pp. 296-312, and Irenee Hausherr, S. J., Spirtual Direction in the Early Christian East (Kalamazoo: Cistercian Publication, 1990), with a foreword by Kallistos Ware.

Douglas Burton-Chrisrie, The Word in the Desert, ends his study on the ancient monastic use of Scripture by underscoring the significance of persons who lived Scripture and were “Christ-bearers” and “mediators of God to Humanity.” His ending sentence reads: “The ultimate expression of the desert hermeneutic was a person [his emphasis], one who embodied the sacred texts and who drew others out of themselves into a world of infinite possibilities,” p.300.

[39] One can understand but not accept the interpretation of some Church fathers, going back to Origen, that peter and paul simulated the conflict in order to teach a lesson to Jewish and Gentiles Christians. But, on the premise of the dignity and unfailing agreement between apostles, would not thes Christians also be offended even by a simulated conflict, just as later Christians were apparently offended who took the disagreement as real?

[40] Theological Orations, 1.2; 2.3, and 2.14.

[41] Theological Oration, 1.5.

[42] 7W., 211.

[43] See Fullness to reasoning: The Five Theological Orations of Gregor of Nazianzen by Frederick W. Norris who lifts up the following Gregorian citation, p.v: “When we abandon faith to take the power of reason as our shield when we use philosophical enquiry to destroy the credibility of the Spirit, the reason gives way in the face of the vastness of realities… Give way it must… [being] the frail organ of human understanding.

What happens then? The frailty of our reasoning looks like a frailty in our creed. Thus it is that as Paul too Judges smartness of argument is revealed as a nullifying if die Cross. Faith, in fact, is what gives fullness to our reasoning” (Oration 29.21).

[44] C. J. deCatanzaro, trans., Symeon the New Theologian: Discourses, p. 354.

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

أزمة التأويل في المسيحية الغربية 

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

في القرون الأخيرة، انكسرت رؤية التأويل الآبائية بعاملين: الإصلاح والتنوير. الإصلاح، كحركة احتجاج على الانتهاكات والتمزقات المُلاحظة في تقليد المسيحيّة الغربيّة، وضع المبدأ الأساس للـ “الكتاب وحده (sola scriptura)، وتالياً رفض بشكل مبدئي التوافق (interdependence) بين الكتاب المقدس والتقليد. نحن الآن نعرف، بالطبع، أنّ المبدأ الكتابيّ البروتستانتيّ هو دفاعي وتصحيح للمغالاة في التقليد ولا موقع له بذاته.

فلا الكتاب ولا الإيمان ولا النعمة ولا المسيح له موقع كل بذاته. الأولية نعم أم التفرد فلا. السبب بسيط وهو ضرورة وجود الإنسان المتلقّي وضرورة التفسير اللتين تقودان المفسّر بشكل حتميّ إلى اكتساب تقليده في التفسير بجهد متواصل، عن وعي أو من دونه.

المصلحون برفضهم سلطة الكنيسة من جهة، وبتشديدهم بشكل مزدوج من جهة أخرى على sola scriptura وحق الأفراد بالتفسير، خلقوا تقليداً جديداً بالواقع تقاليد تفسيرية كثيرة كما تطورت التجزئة في التيار البروتستانتيّ.

بالطبع، الكنيسة الغربية في العصور الوسطى كانت أصلاً قد خرقت التوافق بين الكتاب المقدس والتقليد في ترجيحها كفة التقليد ما خنق صوت الكتاب. يصبح هذا التوافق غير مقنع وبلا معنى في الممارسات عندما تنأى معتقدات الكنيسة، سواء الشرقيّة أو الغربية، وممارساتها عن شهادة الكتاب وتفقد التوافق معه.

لقد تفكّر اللاهوتيون الأرثوذكس فيما إذا كان ممكناً لحركة الإصلاح أن تتمّ في المسيحية الشرقية. من منظار أرثوذكسي، موقف الإصلاح في التأويل جذّاب ولكنه غير متوازن. من جهة أخرى، واضح أن لوثر وكالفن سجلا عودة إلى التأويل الآبائي الكلاسيكي[1].

واستعادا سلطة الكتاب ومركزيته في حياة الكنيسة وثبّتا الهدف المركزي ككتاب ووحدته التي حدّداها في المسيح. لقد شدّدا على أوليّة قراءة الكتاب في إطاره على ضوء الكتاب نفسه. وكشفا عن تفاعل بي الروح والحرف، بين النظرية المجردة والحكمة الروحية، على أساس ضرورة مقاربة سر الله بإيمان وصلاة من دون إمكانية تحويله إلى نظام فكريّ. لقد اعترفا بمبدأ التكيّف وطوراه، أيّ أن الكتاب، إلى جانب وجهه الموحى به، يعكس أيضاً المحدوديات البشريّة.

من جهة أخرى، أدّى رفض سلطة الكنيسة في أمور الإيمان إلى أزمة في التأويل، هذه السلطة لا يُعبر عنها بحكم بابويّ بل بالمجامع التمثيلية التي تعلن التمييز العقائدي لكلّ الكنيسة. مبدأ “الكتاب وحده” وحق التفسير الشخصي الملازم له، يدقّان إسفيناً بين سلطة الكتاب والتقليد اللاهوتيّ الموحد للكنيسة، وبهذا يخلقان مأزقاً في التأويل. مشكلة التأويل، التي يُعبر عنها بتعابير بروتستانتية بشكل مميّز، نشأت كمشكلة لاهوتية وكنسيّة عسير المعالجة.

يُظهر تاريخ البروتستانتية بشكل واضح أن التقاليد البروتستانتية المخلفة أسّست رؤاها التي عبرها قرأت الكتاب من دون أن تجد طريقة للحفاظ على الوحدة في التنوع. إعادة اكتشاف الإصلاح للكتاب مرحب بها، لكن الموقف العقائدي على أساس “الكتاب وحده” يثير كثيراً من المشكلات. المبدأ الكتابيّ بدون توازن مع مبدأ كنسي ينقلب على نفسه ويصبح غالباً للكنيسة. إنه يدمر كل إمكانيّات وجود علم تفسير شامل، إذ في غياب سلطة تفسيريّة عليا يصبح التفسير الشخصي الحاكم الأعلى.

يظهر التنوع التفسيري والتشوش في البروتستانتية عبر التطورات التاريخية فيها، بما فيها التقليدية، الطهريّون، الروحيّون، الألفيّون، التقويّون كما الفرق المعاصرة والجماعات المتعصبة.

لقد انكسرت الرؤية التفسيريّة الآبائية بطريقة أخرى وأكثر جذريّة مع التنوير، عبر تأثيره على الدراسات اللاهوتية والكتابيّة البروتستانتية[2]. يستند كل من العقلانيّة التنويرية الناشئة والنقد الكتابي إلى مبدأ التناظر العلميّ. وبوجه خاصّ، أثار تلاقيهما مسألة التأويل بشكل مختلف وأكثر جذريّة. بالسابق، تركّزت هذه المسألة على موضوع الكشف الكنسي أو الفردي كحكم نهائي. الآن، تحولت مسألة التأويل إلى موضوع الوحي أو العقل كمقياس نهائي في هذا العلم.

في تراث التنوير، وبخاصة المنطق غير الملجوم الذي حذّر منه لوثر بشكل لافت للنظر، أدت عملياً إلى رفض سلطة الكتاب المقدس الموحى بها بالكامل. “فضح” لاسنغ (Lessing) الزيف الذي في الحقائق الرئيسية في الكتاب لأنه كان “رجلاً متنوراً من القرن الثامن عشر” وقد رأى صورة بشعة وخندقاً بين ادعاءات الوحي في الكتاب والتفكير الجديد عند أمثاله.

مع تقدم العلوم ونشوء النقد التاريخي مقلداً الطريقة العلمية وعلمنة الحضارة الغربيّة، أدى التكيف التدريجي مع فكر التنوير إلى تقويض سلطة الكتاب المقدس بشكل تدريجي وافتتح “أزمة مبدأ الكتاب بين البروتستانت”[3].

لتأثير التنوير التفسيري على البروتستانتية نتائج محطمّة. فقد ظهرت تشقّقات عميقة بين البروتستانت المحافظين والليبراليّين، وتالياً برزت الفروقات تبعاً لدرجة قبول التفكير الجديد أو رفضه. من جهة، التقليد الديني الغربي، عبر نظراته الصلبة وتحكمه السلطوي في المجتمع، غذّى التساؤل الجديد حول السلطة والرغبة في التحرير. من جهة أخرى، تشكّلت المجادلة الكتابية بين المحافظين والليبراليين، بحسب[4] Walter Brueggnam، في فئات الدقّة العلميّة أو التاريخية التنويريّة، التي كانت غريبة عن الكتاب وعن التقليد الآبائي الكلاسيكيّ.

فيما يشترك الطرفان ضمنياّ بالافتراضات ذاتها، استفاض أحدهما بالاستنساب في سلطة الكتاب بينما استفاض الطرف الآخر بجعلها مطلقة. لقد برز التنوع الضمنيّ أو الظاهريّ فيما تحوّلت البروتستانتيّة بشكل مخيف إلى مجموعات أصولية، محافظة أو إنجيلية، وليبراليّة مع فروقات بينها[5]. يصعب جداً تقويم النتائج بدقّة، منها الاتهامات التي وجّهها كارل بارث وغيره إلى الليبراليين بالهرطقة[6]. كما أن منها أسئلة حول قدرة البروتستانتية على الحياة ومستقبلها في العالم الحديث وما بعد الحديث[7].

قد يظن البعض أنه كان بإمكان البروتستانت الليبراليّين أن يقدموا علم تفسير متكامل على أساس الفكر النقديّ، لكن هذا لم يتم. على العكس، هناك تحلّل افتراضيّ في التأويل عند تقليد البروتستانت الليبراليّين حيث تحوّلت فردية الإصلاح إلى شكل أكثر وحشيّة من الفردية التي في تشديد التنوير على العقل المستقلّ (العقل وحده)[8]. في السابق مزّقت كنيسة القرون الوسطة التكافل المتبادل بين الكتاب والكنيسة، إلا أنّ الإصلاح قام بالأمر ذاته بطريقة معاكسة. لاحقاً، توصّل طغيان الكنيسة إلى طغيان الأكاديميا على صوت الإنجيل[9].

من الواضح أنه إذا تم وضع خندق ليسنغ البشع بين الفكرين الكتابي والمعاصر بتعابير واقعيّة، فلن تكون هناك أي طريقة منطقيّة لردم الهوة بسبب وجود رفض مسبق لما قد يتم برهانه. لقد جعل الإصلاح مسألة التأويل عسيرة المعالجة برفضه الأساس الكنسيّ لمصلحة الأساس الكتابيّ. وجعل التنوير هذه المسألة أكثر عسراً في المعالجة برفض الأساس الكتابيّ ذاته، أي الوحي والإيمان كطريقتين أمينتين للمعرفة، لمصلحة العقل المستقل على أنه المقياس لكي حقيقة.

يجب أن نشير إلى أن التنوير في تأثيره على التأويل، يوجه ليس فقط العلماء البروتستانت بل أيضاً الكاثوليك بقدر ما يقعون تحت تأثير افتراضاته المسبقة عن وعي أو عن غيره.

عمل بعض كبار علماء التفسير في التقليد الليبراليّ أمثال F. Schleiermacher، R. Bultmann، على ردم الهوّة المفتَرَضة بين الكتاب والفكر الحديث، غير راضين بأن يقوم المتطرفون من العقلانيّين برمي الإنجيل بين ركام الميثولوجيا القديمة. هذه الجهود الاستثنائيّة، المثيرة للإعجاب فكرياً والمشجعة بحد ذاتها، لم تؤدِّ إلى نتائج ملزمة ولا دائمة لأن هؤلاء وهبوا الكثير من الأرضية الفلسفّية للتنوير.

فبعد أن تنازلوا عن النظرة المسيحيّة الكلاسيكيّة التي تقول أنّ الإنجيل يقدّم معرفة كافية وحقيقيّة عن الله وأهدافه، عجزوا عن إظهار الفرق بنظريات لاحقة في التأويل. انقاد هذه النظريات والاقتراحات الجديدة على يد H. Gadamer، P. Ricoau، D. Tracy يعوض التعادل من طريق التأكيد على أهميّة حوار بين التأويل وموضوع الكتاب اللاهوتيّ[10].

على أيّ حال، في التقليد الليبراليّ عينه، تبدو هذه الاقتراحات الإصلاحية وكأنها تمنح وزناً زائداً لما سمّي “المسافة”، لا الثقافيّة فقط إنّما اللاهوتية أيضاً، بين الكتاب المقدّس والفكر الحديث، وهذا ما يفترض أنّه المسألة الأولى في التأويل. وما يزال هناك إبهام غير مقبول حول حقيقة الكتاب ومقاربة التأويل المعياريّة له. هذه الاقتراحات المحسّنة مقنعة كنظريّات ابيستيمولوجيّة، لأنها تشرّع ديناميكيّات تحوّل المعنى بعبارات بشريّة عقلانيّة.

مع ذلك، لا تعطي انتباهاً كافياً لسلطة الكتاب الإعلانية في علاقته مع الكنيسة، كما لدور الإيمان والروح القدس كعنصرين أساسيّين في تلقّي رسالة الكتاب المقدس الخلاصيّة وتفعيلها.

لقد تابع الليبراليّون أنفسهم التساؤل حول مجمل مشروع النقد الكتابيّ والتأويل الظاهر والمخبّأ فيه[11].

في السنوات الأخيرة، تتابعت دراسة نظرات مختلفة في هذا العلم، بعضها مترابط والبعض الآخر لا. تتمثّل إحدى مجموعات الجهود المختلفة في “النقد الأدبيّ الحديث”، كالبنيويّة والقصصيّة وتلك الموجّهة نحو القارئ، على مثال السابقين في دراسة الأدب[12]. هدفهم هو منح نوع من استقلال النص عن الكتاب واستعادة معنى الكتاب كأدب دينيّ في محيد القرّاء المعاصرين. مجموعة أخرى من الجهود يمثّلها الفكر الأنثويّ والفكر التحرريّ تدعى “التأويل التأييدي” بسبب تأصّله الإيديولوجيّ في الصراعات المعاصرة السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية[13].

تسعى كلّ هذه المقاربات بطرائقها الخاصّة إلى تقريب المسافة المفترضة بين الكتاب والقارئ المعاصر، ولكن بمعزل عن اهتمام التنوير بالتحقيق العلميّ للحقيقة. مع هذا، ما زالوا يعملون على، إما أوليّة العقل وإما اهتمامات أيدولوجيّة معاصرة، بهدف تحصيل أيّ معنى مناسب قد يجدونه في الإنجيل، معتبرين أنّ سلطته الثقافية ثابتة كأحد الروائع الكلاسيكية أو كمصدر تاريخيّ لقيم متعددة.

لقد أُضيفت الآن هذه الاتجاهات الجديدة إلى التعدديّة في التأويل. قيمتها هي في أنّها تصحيحيّة أكثر منها تصويريّة. فيما يبقى تأثيرها الدائم متوقّعاً، لم تقدّم أي نظرة متكاملة في التأويل. كالجهود الليبراليّة السيزيفوسيّة السابقة، تبدو هذه الاتجاهات وكأنها تدفع إلى أعلى الجبل بنسخة معدّلة من إبيستيمولوجيا التنوير، إلى أن تعود صخرة التأويل لتتدحرج مجدّداً إلى أسفل.

 

[1] D. H. Kelsey, “Protestant Attitudes Regarding Methods of Biblical Interprctation, “in Scripture, ed, by F. E. Greenspahn, pp. 134-141: D. G. Bloesh, Holy Scripture, pp. 192-195, and Donald K. Mckim, “Biblical Authority and the Protestant eformation, “ABD, Vol. 5, PP. 1032-1035.

[2] See the relevant remarks and bibliography on the academic use of Scripture and biblical scholarship in Chapters Two and Five.

[3] The expression is W Pannenbcrg’s, a chapter title in his Basic Questions in Theology, Vol. 1, trans. G. H. Kehm (Philadelphia: Westminster, 1970), p. 1. For a sketch of the complex story of how Scripture’s authority was both overemphasized and then undermined by developments chiefly among Protestants, see H. G. Revendow, “Biblical Authority in the Wake of the Enlightenment,” ABD, Vol 5 pp. 1035-1049.

[4] Walter Brueggemann, “Biblical Authority in the Post- Critical Periok, “ABD, Vol. 5, p. 1050.

[5] For a typology of current Protestant approaches to Scripture, see D. H. Kelsey, “Protestant Attitudes Regarding Methods of Biblical Interpretation, “in Scripture, ed. F. E. Greenspahn, pp. 151-161. For the commonalities, diversity, and dynamics among Evangelicals, see Mark A. Noll, Between Faith and Criticism, pp 142-185

[6] Cited with approval by Carl E. Braatcn, a mainline Lutheran, in his “Response to Manfred K. Bahmann, “LF2S (3, 1994), p. 11. Of course. Fundamentalists and Evangelicals consistently view liberal Protestantism as heresy. Gordon D. Fee, Gospel and Spirit, takes into view heresies by conservatives as well and writes the following: “To put it baldly, where there is no appreciation for tradition… [that is, “historic orthodoxy,” p.25], Protestantism has spawned a mass of individual heresies, all vying for center stage as the single truth of God, ” p.80.

[7] For a recent discussion from an Evangelical perspective, see Alister McGrath’s, Evangelicalism dr the future of Christianity (Downers Grove: InterVarsiry Press, 1995), who perceives that the future belongs to Evangelicalism by its stand on enduring scriptural values, whereas liberal Protestantism has enfeebled itself by its very accommodation to rapidly changing culture.

[8] As Reflected in the accounts afHans W. Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1974) and David H. Kelsey, The Uses of Scripture in Recent The Ology (Philadephia: Fortress, 1975).

Dennis Nineham, The Use and Abuse of the Bible (New York: Harper & Row, 1977) seems to debunk all hermeneudcal attempts by conservative and liberal Protestants alike as futile and useless in demonstrating any authoritative relevance of the Bible for the present. He Opts for a view of the Bible as a document of the ancient past whose world view canot be genuinely recovered in modern society.

[9] W. Brueggemann, “Scriptural Authority in the Post-Critical Period, “ABD, Vol. 5, p. 1053.

[10] For a concise presentation of these new proposals, see David Tracy’s contribution in part 2 of the revised and enlarged edition of A Short History of the Interpretation of the Bible by R. M Grant and D. Tracy, pp. 153-187.

[11] For Example, P. Stuhlmacher in his Historical Criticism and Theological Interpretation of Scripture, M. Hengel in his reflection on the same topic in Acts and the History of Early Christianity, pp. 127-136, and B. S. Childs in his several books.

See also the manifesto by P. C. Mcglasson, Another Gospel with a supportive foreword by B. S. Childs. Of course, the critiques from conservative Protestants continue unabated as reflected in the works of C. H. Pinnock, D. G. Blocsch, D. A- Carson, J. D. Woodbridge, J. I. Pacher, and others.

From the Roman Catholic Side, Raymond Brown in his many works has strongly supported historical biblical criticism as the primary took for biblical study; however, he has also on the one hand rejected its Enlightenment rationalistic freight and on the other hand supported, while qualifying, the interpretive authority of the magisterium.

See especially R. Brown, Biblical Exegesis and Church Doctrine, where he both answers traditionalists and critiques radicals, as he carves out a “centrist position” in line with and officially supported by the Church.

[12] See T. J. Keegan, Interpreting the Bible and E. V. McKnight, Post-Modern Use of the Bible.

[13] A strong challenge is presented by Elisabeth Schiissler Fiorenza, “Toward a Feminist Biblical Hermeneutics: Biblical Interpretation and Liberation Theology, “in A Guide to Contemporary Hermeneutics, ed. D. K. Mckim (Grand Rapids: Eerdmans, 1986), pp. 358-381. See also her books bread Not Stone and Searching the Scriptures: A Feminist Introduction.

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

لقد أحاط الإنجيليّون (أي: الذين كتبوا في العهد الجديد) بشكل لا مفرّ منه بالقوى المحركة للتأويل، لكنّهم نادراً ما أثاروا مشكلة هذا العلم بشكل واعٍ، وتالياً فقد أثاروها بشكل غير مباشر عند تعاطيهم مع الاختلافات فقط. على سبيل المثال، تمييز الرسول بولس بين الحرف والروح (2كورنثوس 3: 6)، في قراءة العهد القديم هو تأمّل تفسيريّ بدائي. مع أنّه يرث هذا التمييز من خلفيّته اليهوديّة، إلا أنّه يطبّقه على طريقته. لكنّه لا يُدخل أي اعتبار نظريّ حول الأسس اللاهوتيّة والطرائق التفسيريّة.

أنه يعلن ببساطة أن غشاءً حاجباً للنظر يعيق اليهود غير المؤمنين عن الفهم الصحيح للتوراة، عائق ممكن إزاحته فقط بالإيمان بيسوع وبقوة الروح القدس (2كورنثوس 3: 14-18).  في الدعوة إلى إنهاء الناموس الموسويّ وبأنه لم يعد هناك لا يهوديّ ولا يونانيّ (غلاطية 3: 23-28)، يعرف بولس أيضاً أنّ عدداً من اليهود والمسيحيّين المعاصرين هم على اختلاف شديد (غلاطية 2: 4-5، 11-14، وأعمال 15: 1-2). يسعى بولس إلى إظهار ما يدعو إليه عبر التحليل والتفسير الكتابيّ (غلاطية 3: 6-29).

ولكن مفتاح تفسيره العشوائيّ يقوم إلى حدّ بعيد على خبرته الإيمانيّة مع المسيح (غلاطية 1: 11-17) كما أنّ أرضيّة تفسير دعوته تقوم على حقيقة جماعات الأمميّة. المعنى الرئيس في التفسير للحقيقة الكنسيّة أكثر ما يظهر بوضوح في مجمع الرسل (أعمال 15: 1-29). للحفاظ على الوحدة بين المسيحيّين من اليهود والأمم، أخذ الاجتماع في أورشليم ما يمكن مساواته بموقف تفسيريّ آنيّ من الناموس الموسويّ، مزيلاً حمل الالتزام عن المسيحيّين الذين من الأمم، وبّرر قراره بالقول “لقد ظهر حسناً للروح القدس ولنا” (أعمال 15: 28)[1].

تدريجيّاً، اكتسبت مسألة التأويل مستوى التأمّل الواعي في التقليد الآبائيّ. بسبب المجادلات العقائدية المستمرّة، التي تضمّن أغلبها تفسيراً كتابيّاً، طوّر آباء الكنيسة تمييزات معقدة في التأويل تتعلق بطبيعة الكتاب ودوره وتفسيره في الكنيسة، كما طوّروا طرائق ومبادئ تفسيريّة مناسبة[2].

في المجادلات مع اليهود والماركيونيّين حول العهد القديم كشاهد للمسيح، صاغ القدّيس يوستينوس الشهيد أوّل تقويم منهجيّ لوحدة الكتاب المقدّس، أي تصنيفه الثلاثيّ للعهد القديم كنبوءة وكناموس أخلاقيّ وكنظام تاريخي مؤقت لليهود[3]. يمثّل الأخير من هذه العناصر الثلاثة أوّل نسبة معلنة لسلطة الكتاب الموروثة من اليهود[4].

القديس إيريناوس، بعد قرن من يوستينوس، الذي يحمل شهادة واضحة لكنيسة مسيحيّة عالميّة وإنجيل مسيحيّ مؤلّف من العهدين القديم والجديد، وضع مبادئ لاهوتيّة مهمّة حول وحدة الكتاب المقدّس وتفسيره[5]. بالنسبة إلى إيريناوس، المسيح هو مبدأ التأويل المركزيّ في كلّ الكتاب. هذا المبدأ يثّبت وحدة الكتاب كما قابليّة الحياة لتفسير العهد القديم رمزيّاً. على المستوى عينه من الأهميّة، هو اللجوء إلى قانون الإيمان كمنظار تفسيريّ.

وهو أساساً لجوء إلى معنى الكنيسة العقائدي كأساس في التأويل جوهريّ جداً في التاريخ المسيحيّ. إنّ إنجازه الثابت هو الربط الواقعي بين الكتاب والكنيسة التي تشكل الإطار الموافق لتفسير الكتاب ككتاب مقدّس.

بلغ التفكير في التأويل إحدى ذراه في القرن الثالث مع أوريجنس العظيم الذي كان عالم لغة ومفسّراً وواعظاً ولاهوتياّ وفيلسوفاً[6]. كرجل كتاب وكنيسة، تأثر أوريجنس كثيراً بغنى المسيحيّة الكتابيّ ونجاحها التبشيريّ. وقد أنشأ رؤية منهجيّة للتربية المسيحيّة المتمحورة حول المسيح في استعماله أدوات زمانه الفكريّة وتوجهه إلى كلّ المفكرين. وقد رأى أوريجنس في المسيح مركز الكتاب المقدّس ومفتاح تفسيره.

ومع أنّه قد غالى في المجازيّة وبعض التأملات الوهميّة مما سمح لمفسّرين، قدامى وجدد، بالحطّ من قدره، وغالباً بطرائق غير عادلة وتنطوي على مفارقات تاريخيّة، إلا أن الكلّ مدينون له بشيء ما. لم ينجز أحد ما يوازي ما أنجزه في الدراسات النصيّة وتحقيق الشهادة الكتابيّة التفسيريّة.

قيمته في التأويل لا تكمن في مجرّد صياغته نظريّة مميّزة قائمة على الجسد والنفس والروح، كما يعتقد الكثير من المفكرّين، وهو لم يتبع هذه النظرية بشكل ثابت، إنّما بالتحديد في تجانس رؤيته التفسيريّة واللاهوتيّة التي دمجت طرائق الدراسة في ذلك العصر بسلطة الكتاب والكنيسة وتحدّيات زمانه. في إطار هذه الرؤية، أثبتت رؤية الأساس التاريخيّ للإعلان أنّه أداة فعّالة في تقديم الشهادة الكتابيّة بين المؤمنين والوثنيّين.

يرى يوحنّا باناغوبولوس أن أوريجنس هو مفكّر مخلص ولامع في تعاطيه مع تيارات التأويل المتفاعلة في اليهوديّة والمسيحيّة والهلينيّة. وهو يكتب هذه الكلمات المميّزة عن هذا الإسكندري العظيم: “كان أوريجنس ويبقى مؤسس التأويل الكتابيّ ورائده، النبع الذي لا ينضب للتفسير الكتابيّ الصحيح[7].

بعد أوريجنس، استمرّ تعقيد التأويل، شرقاً وغرباً، بالتطور وقد أربك آباء الكنيسة والهراطقة معاً حول صحّة التفسير الكتابيّ المناسب لفحواه. الآباء والمفسّرون أمثال ذيوذوروس الطرسوسيّ وثيوذودوس المبسويستيّ في التقليد الشرقيّ، وأوغسطين وإيرونيموس في التقليد الغربيّ، انشغلوا في شؤون محدّدة من المنهجية التفسيريّة والعبارات التقنيّة والترجمة وقوانين التفسير[8]. إحدى ثمار التأويل كانت صياغة معنى الكتاب الرباعيّ: الأدبيّ والمجازيّ والأخلاقيّ والأخرويّ، التي ظهرت أولاً عند يوحنا كاسيانوس [9]الذي كان شرقياً وغربياً.

نجد عند الآباء الكبادوكيّين سعياً فلسفياً واعياً في التأويل للحفاظ على توازن نقديّ بين الإيمان والعقل، وبين البعدين الاختباريّ والمنطقيّ للاهوت، بما فيها “الجهد للتسوية بين المعلومات اللاهوتيّة والفكر العلميّ في عصرهم[10]. من سمات التراث الآبائي التنوع الغنيّ في المنهجية والتفسير، لكنه تنوّع في إطار الوحدة الواسعة للعقيدة والحياة في الكنيسة.

من ناحية التأويل، الموضوع كان، ولم يزل، لا المنهجيّة أو تعدد التفاسير، إنّما العلاقة بين سلطة الكتاب وسلطة الكنيسة أي حسّ الكنيسة العقائدي فيما يتعلق بأمور التفسير المثيرة للانقسامات. كما أشرنا سابقاً، في الفترة المسيحيّة الكلاسيكيّة، كان الكتاب المقدّس والتقليد متوقفين أحدهما على الآخر ومؤيّدين أحدهما الآخر[11]. بحسب R. Geer، كان للكتاب المقدس المسيحي السلطة فقط حين قُرئ على ضوء قانون أيمان الكنيسة[12].

لكن النظرة إلى قانون الإيمان ورسالة الكتاب المركزيّة كانت على أنهما مترابطان صميمياً ومتماهيان. في العصور المسيحيّة الأولى، لم تكن هناك خطوط عريضة محدّدة للكتاب أو لقانون الإيمان. يلوح التقليد الرسوليّ، الشفويّ والمكتوب، حقلاً واسعاً. وكما يشير Geer، بمعنى ما كان لقانون الإيمان السلطة لأنه كان متجانساً مع رسالة الكتاب المركزيّة، وبمعنى آخر، قانون الإيمان الذي كان في مرحلة التطور هو من حدّد بشكل أساس مقبوليّة الكتابات المقدّسة، وهكذا خلق الإنجيل المسيحيّ.

ينبغي أن نشير بشكل أكثر وضوحاً من Geer على أن، عملياً، العامل الأساس في التأويل، في كلا الحالتين، كان تقليد الكنيسة الكبرى الحيّ والمستمر والقابل للامتداد وتمييزها العقائدي. هذا التقليد كان حتميّة تاريخيّة ولاهوتيّة بقدر ما كان تقليداً رسولياً، مع منحه أهميّته الأساسية، لم يكن ممكناً للتقليد من ذاته أن يُنقل ويحدّد بمعزل عن هويّة الجماعة المؤمنة الذاتية وقراراتها التفسيرية. على هذا الضوء، يمكننا أن نوافق مع نقطتي Geer العامتين والثابتتين في مناقشة التأويل الناشئة من تراث الآباء التفسيريّ. بكلمات Geer:

أولاً، لم تفتكر الكنيسة لغاية القرن الخامس بسلطة الكتاب المقدّس بمعزل عن علاقته بالتقليد اللاهوتي المعبّر عنه في دستور الإيمان أو بمعزل عن استعماله في العبادة المسيحيّة. لقد كان سلطة الكتاب المقدس مرتبطة بحياة الكنيسة. لم يكن التعامل مع الكتاب المقدّس والتقليد والعبادة يتم وكأنها اختياريّة للانطلاق إلى صياغة معنى الإيمان، ولا كان يُنظر إليها كسلطات اختيارية ممكن وضعها الواحدة إزاء الأخرى. ثانياً، معنى هذه المقاييس المتعلٌّقة بالسلطة في الإيمان والممارسة، كان يُنوى منه تثبيت وحدة الكنيسة وحدة لا تماثل فيها[13].

 

[1] According to the sketchy account in Acts, which no doubt omits a full exchange of views for and against the obligation of Law observance by Gentile Christians. The hermeneutical question is indirectly raised again and again in the Fourth Gospel Where the correct understanding of Christ and his ministry is frequently at the forefront, (e.g., Jn 6: 44-45; 7: 16-17; 12: 37-40; 16: 12-15).

Interestingly, the declarative mod of divine revelation in the Fourth Gospel is accompanied by references to the role of the Holy Spirit as hermeneutical stance of the Johannine community.

[2] انظر الفصل الرابع لنظرة الآباء للكتاب ومنهجيتهم التفسيرية والمراجع

[3] Dial, 44.2.

[4] Justin’s concern was to maintain the authority of the Old Testament as a Christian book, while allowing for partial relativization of its authority through acknowledgment that the ritual Law was temporary and no longer binding on Christians. What was implicit in St. Paul’s thought (Gal 3) becomes explicit in Justin’s.

See further Hans von Campenhausen, The Formation of the Christian Bible, Crans, bu J. A. Baker (Philadelphia. Fortress, 1972). Pp. 88-102, and Theodore Stylianopoulos, Justion Martyr and the Mosaic Law, (Missoula: Society of Biblical Literature, 1975), pp. 51-68 and 153-163.

[5] See J. L. Kugel and R. A. Greer, Early Biblical Interpretation, pp. 109-113; F. Sadowski, The Church Fathers on the Bible, pp. 27-44, and B. de Margerie, The Greek Fathers, pp. 51-77.

[6] A Recent Brief evaluation of this great but controversial figure is provided bu B.de Margerie, The Greek Fathers, pp. 95-116. For Origen’s texts in English translation see K. Frochlich, Biblical Interpretation in the Early Church, pp. 48-78; J. W. Trigg, Biblical Interpretation, pp. 71-115; and F. Sadowdki, The Church Fathers on the Bible, pp. 89-125.

[7] John Panagopoulos, ‘H ‘## Vol. 1, p. 280.

[8] K. Frochlich, Biblical Interpretation in the Early Church, pp. 82-132; J. W. Trigg, Biblical Interpretation. Pp. 163-295; and F. Sadowski, The Church Fathers on the Bible, 143-243.

[9] K. Froehlich, Biblical Interpretation in the Early Church, p. 28. The standard example was Jerusalem which literally is the Jewish city, allegorically die Church tropologically die soul, and anagogically the heavenly Jerusalem of die Kingdom, according to Cassian’s Conferences 14.8. SE&John Gwian: Confirmees, trans. Colm Luihheid (Mahwah: Paulics, 1985), p. 160.

[10] The Quoted statement is by J. Danielou, cited by B. de Margerie, The Greek Fathers, p.219. See further the extensive discussion by J. Pelikan, Christianity and Classical Culture, pp. 215-230. Entitled “Faith as the Fulfillment of Reason, “and more Recently J. A. McGuckin, “Perceiving Light from Light in Light” (Oration 31: 3): The Trinitarian Theology of Saint Gregory the Theologian,” (7077? 39 (1-2, 1994), pp. 32.

Philip Rousseau Basil of Caesarea, pp. 106-111 and 322-323, undersores Basil’s sensitivity toward clever dialectics against which the Cappadocian guarded by relying on a literal interpretation of authoritative Scripture and then accommodating all other Knowledge.

[11] See the discussion under “Scripture and Tradition” in Chapter two.

[12] Rowan A. Greer, “Biblical Authority in the Early Church,” ABD, Vol. 5.p. 1027.

[13] Ibid., pp. 1026-1027. Historical scholarship has gradually compelled many Protestants conservatives as well as liberals, to acknowledge the role of tradition in the canonization of Scripture, a rather significant issue in hermeneutics and ecclesiology.

For example. Gordon D. Fee, Gospel and Spirit, p. 17, writes: “What most evangelicals tend conveniently to ignore is that it was tradition in this sense that was responsible, under the guidance of the Spirit, for the canonization of the [scriptural] tradition”.

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

 

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

تحمل مسألة التأويل بشكل عامّ تناقضاً ظاهرياً في وقت هي مشكلة قائمة. من جهة أخرى، يتعلق التأويل الكتابي بالإبيستيمولوجيا أي بطبيعة دراسة الكتاب المقدس وتفسيره. فيما يوصَف التأويل بفنّ الفهم[1]، يسعى هذا العلم إلى إيضاح كيف ولماذا نفعل ما نفعل بالكتاب المقدس.

فهو يسعى إلى خلق نظرية متماسكة من التواصل (كيفيّة استخراج المعنى والقيمة من الكتاب وتطبيقها في الحياة)[2] عبر التفكير المنظّم حول طرائق الدارسة الكتابيّة وأسسها ومحركاتها. إلى هذا، فإنّ التأويل مكتَنَف ظاهرياً بأسئلة غير محلولة واقتراحات متضاربة. تكشف عن قراءة أدب هذا العلم تنوّعاً من العروضات والمقاربات التي تجعل حتى من تحددي مشكلة التأويل مهمّة محيّرة. النظريات المثيرة للاهتمام التي قدمّها مفكّرون لامعون من سلايرماخر إلى غادامر أتت ومضت.

في عصرنا، قدّمت اقتراحات بول ريكور Ricoeur، دايفيد ترايسي، وغيرهما من منظّري النقد الأدبيّ الجديد، ولكن من دون إجماع منظور عليها. يستنتج W. Randolph Tate أنّ مهمّة التأويل [3]… غير مكتملة… ولكنها متغيّرة بشكل دائم وغير منتهية، ويرافقها ذعر دائم لا يمكن تلافيه. وفي مطالعة الوضع الحاليّ، يشبّه رايموند براون السعي إلى طريقة لتفسير الكتاب بالسعي إلى الكأس المقدّس، أي أنّه سعي لا يموت لكنّه يبدو وكأنه بلا جدوى[4]. إنها بالواقع لمفارقة أن ينشأ كل هذا التشويش عن حقل يهدف أصلاً إلى الإيضاح.

إلى هذا، ينبغي شرح هذا الإرباك المسيطر في التأويل عبر العوامل المعقّدة والمتحركة الي تتعلّق بالكتاب وقرّائه والإطار الحياتي الذي يُقرأ فيه ويطبّق. وفيما يتعلّق بالكتاب المقدّس، هناك استفهامات عديدة حول أصوله التاريخيّة والأدبيّة، تنوّع تعاليمه ومؤسساته، وجهيه البشريّ والإلهيّ، دوره وسلطته في الكنيسة وفي الحضارة عبر الأجيال.

كيف يتمّ الوصول إلى إرادة الله في إطار تنوّع الشهادات الكتابيّة وتعدّد طرائق التفسير في التاريخ؟ فيما يتعلّق بالقرّاء، هناك العدد ذاته من الاستفهامات حول اهتماماتهم الشخصيّة وانحيازاتهم، خلفيّاتهم الكنسيّة والحضاريّة، رؤاهم للوحي والإعلان، كما لمبادئهم الضمنّية أو المُعلّنَة من التفسير. على أساس أيّة محرّكات وأسس يسعى القارئ إلى فهم الكتاب وتفسيره وتطبيقه؟ أمّا بخصوص الإطار الحياتيّ، فمن المسلّم به أنّ عدداً من القضايا الملحّة ينشأ في أوقات مختلفة.

بالنسبة إلى الرسول بولس والكنيسة في القرون الأولى، ودور الناموس الموسويّ والعلاقة بين اليهود واليهود المسيحيّين والمسيحيّين من الأمم. في القرن الرابع، انشغل الجميع بالمناظرات حول الثالوث. في نهاية القرن العشرين، نوقشت المسائل السياسيّة – الاجتماعية حول الدولة والدين والجنس والعلاقات الجنسيّة والأخلاق الطبيّة وحقوق الإنسان. كيف تؤثّر قراءة الكتاب المقدس على أمور حساسة يوميّة وكيف تؤثّر هذه الأمور بدورها على نوعية تفسير الكتاب ودوره؟

تشير هذه الاعتبارات إلى أنّ مشكلة التأويل ليست واحدة بل مشكلات عدّة في آن واحد. كما تؤدي عوامل معقّدة وقوى مختلفة دوراً في تحديد طبيعة السعي المحيّرة في التأويل. ما يمكن أن يشكّل مشكلة كبيرة لدى قارئ ما أو جماعة دينيّة أو جيل، قد لا يشكل أيّة مشكلة لغيره. قد يتمتّع أحد القراء في ادّعاء الكتاب أنّ الله أظهر نفسه شخصياً لأشخاص محدّدين مثل إبراهيم والرسول بولس، فيما يشكّك غيره بالأمر.

قد يبني أحد المفسّرين نموذجاً للتأويل على سلطة الكتاب والكنيسة، فيما يبني آخر نموذجاً يقوم على رفض السلطتين. تستند استعمالات مختلفة للكتاب، كنسيّة وأكاديميّة، إلى علوم تفسير مختلفة سواء ضمنياً أو علنياً، فيما تنشأ أمور ملموسة وتنمو المجادلات في عصر ما، تصبح العمليّة التفسيريّة أكثر تحديداً وصقلاً. قد يصنّف المنظّرون عناصر توافق أو اختلاف، لكن مناقشة التأويل مؤهلة لأن تكون ضيّقة أيضاً وتقنية ومجرّدة إلى درجة تصبح فيها معزولة عن النصّ الكتابيّ كما عن اهتمام أغلب القرّاء.

إذاً، التحدي هو في تحديد المسعى التفسيريّ أي تحددي الأبعاد الأساسيّة والنقاط الرئيسة للتلاقي والتباعد بهدف تأسيس بعض التجانس والوضوح في البحث التفسيريّ.[5]

 

 

[1] Bernard C. Lacegan, “Hermeneutics,” ABD, Vol, 3, p. 149.

[2] Gordon D. Fee, Gospel and Spirit, correctly stresses and provides numerous illustrations of the connection between hermeneutics and the actual use of Scripture, Which is very often selective on all sides.

According to Fee, hermeneutics significantly involves both “the meaning and application of Scripture,” a matter of daily challenge, Since all Christian life and ministry necessarily presuppose  hermeneutics, or as Fee puts it, “thinking about and reflecting on Scripture in such a way that one brings it to bear on all aspects of human life,” p. 24, Hermeneutics, Whether implicit or explicit, is inescapable and must be articulated with utmost care, responsibility, and consistency.

Unfortunately, many hermeneutics thinkers seem to deal with the subject in terms of abstractions, as if building casdes in the sky, with no tangible connections to the biblical texts and the reality of everyday life.

[3] W. Randolph Tare, Biblical Interpretation, p. 212.

[4] R. Brown, “Hermeneutics,” NJBC, p. 1158.

[5] See also the preliminary discussion of hermeneutics in Chapter Three.

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

التأويل Hermeneutics: الإيمان والعقل والكنيسة

التأويل Hermeneutics: الإيمان والعقل والكنيسة

التأويل Hermeneutics: الإيمان والعقل والكنيسة

تحديد العبارات:

كيف يُقرأ الكتاب المقدّس ويُفسَّر؟ كيف يتأكّد القارئ أنّه يستوعب المعنى الصحيح مع اعتبار الوجهين الإلهيّ والبشريّ والطرائق المختلفة التي بها تمّ تلقّي الكتاب واستعماله؟

عندما يتكلّم واعظ ما او معلّم او كاهن على نصّ او موضوع كتابيّ، كيف لنا أن نعرف أنّ التعليم أو العظة يستندان إلى تفسير مقبول؟ ما هو الدور الذي لعلماء الكتاب أن يقوموا به في استعمال الكتاب المقدّس كنسيّاً؟ كيف تتمّ مواجهة تعدّدية آرائهم؟ ألا يستطيع المسيحيّ العاديّ أن يقرأ الإنجيل ببساطة ويطبقّه في حياته كما يفعل الكثير من المسيحيّين؟ أليس ممكناً إضافةً إلى هذا يكون للإنجيل أكثر من معنى عند أشخاص مختلفين؟

عندما تُطرَح أسئلة مثل هذه، يدخل المرء في حقل التأويل Hermeneutics وهو فرع له مستلزماته من العوامل المعقّدة. مهمّة التأويل هي بالتفسير الكتابيّ وضرورته وطريقته. هذه المهمة ممكن أن تصبح بسرعة مجرّدة كونها تتضمّن أبعاداً كثيرة، بما فيها النظريّات الفلسفيّة في المعرفة والألسنيّة[1]. التعبير التقنيّ مشتقّ من الكلمة اليونانيّة α’ɩεѵημρέ التي يمكن ترجمتها بالتفسير أو الشرح أو الترجمة.

من وجهة نظر إيتيمولوجيّةـ تشتقّ هذه الكلمة من اسم ςήμρΕ (هرماس) رسول الآلهة والمتحدّث باسمهم في الميثولوجيا اليونانيّة القديمة. وكما كان هرماس، هكذا α’ɩεѵημρέ هي عمليّة استيعاب المعنى ونقله. مفهوم الكاتب التفسيريّ، وعلى درجات مختلفة من الوضوح والكمال، مُدَّخَر في ما يكتبه.

بعد هذا يأتي القرّاء إلى النصّ، وأيضاً على درجات مختلفة من الوضوح والكمال، يسعون إلى استيعاب معنى النصّ وتفصيله لأنفسهم وللآخرين، وليس بالضرورة بالمعنى الذي أراده الكاتب. يستطيع المرء أن يتخيّل التعقيدات التي تنشأ من مجمل العمليّة لجهة اللغة والتاريخ وعلم النفس والفلسفة واللاهوت والروحانيّة! يتحدّث الباحثون عن “المسألة التفسيريّة” أو “المشكلة التفسيريّة” وغالباً ما يشيرون إلى الموضوع بالجمع “hermeneutics” أو بالمفرد “hermeneutic”.

ما يلي هو تقديم مبسَّط للتفسير الكتابيّ استناداً إلى المنظار الأرثوذكسيّ الآبائيّ (أنظر الفصل الرابع) ومتضمّناً الأبعاد الرئيسة للإيمان والمنطق والكنيسة[2]. كلّ موقفنا التفسيريّ يمكن وصفه بالمحافظة الديناميكيّة المرتكزة على الافتراضات المسبقة:

أ) احترم سلطة الكتاب المقدّس والكنيسة والعقيدة المسيحيّة التقليديّة احتراماً بالغاً،

ب) أهميّة الصلاة والعبادة والحياة الروحيّة في دراسة الكتاب المقدّس،

ج) السعي الصادق والمسؤول نحو الحقيقة استناداً إلى مبدأ أنّ المعنى الأساس في نصّ الكتاب هو الذي يُبَلَّغ بالتفسير النقديّ والنحويّ والتاريخيّ،

د) الهدف النهائيّ للتفسير الكتابيّ هو إنارة الحقائق اللاهوتيّة والمعاني الأخلاقيّة في الكتاب المقدّس. في البدء تساعدنا بعض التمييزات. رغم أنّ الصفات تفسيريّ (interpretive) وشرحيّ (exegetical) أو تأويليّ (hermeneutical) تُستَعمَل غالباً من غير تمييز أو بطرائق متداخلة، فإنّ نقاشاً أكثر دقّة يتطلّب تحديدات أكثر وضوحاً. الشرح Exegesis (من الفعل ωέϫηξέ في اليونانيّة الذي يعني حرفيّاً “يستخرج من” أو “يقود خارجاً”) يتعلّق أوَلاً بالمعنى الأصيل للنصّ، أي، ما يبثّه الكاتب في اللغة الأصليّة بأسلوب محدّد وبنية نحويّة محدّدة وإطار تاريخيّ محدّد.

الموضوعيّة المطلقة في التفسير exegesis وهي وهم، بينما الموضوعيّة النسبيّة ممكنة كما هو مبرهَن في عدد من مجالات الإجماع بين الباحثين على المستوى الشرحيّ الوصفيّ. تقدّم الأطرالنحويّة والتاريخيّة بعض المعطيات الموضوعيّة لفهم بعض المقاطع الكتابيّة بشكل دقيق إلى حدّ ما[3]. إنّ الروايات الوصفيّة لمجمل فكر الأسفار المقدّسة والكتّاب، رغم تضمنّه متغيّرات أكثر وتالياً أقل أماناً، هي أيضاً ممكنة.

فيما يستطيع أيّ قارئ متأنٍ أن يخرج برؤى تفسيريّة، إلا أنّ الباحثين المتدربين هم الأكثر تجهيزاً ليعطوا تفسيراً نظاميّاً على مستوى واعٍ وبأدوات مناسبة. مثاليّاً، التفسير هو مهمة وصفيّة، والتركيز فيها هو على النصّ طالما أنّ المفسّر يتعقّب المعنى الرئيس، فكلّ الطرائق الأدبيّة والتاريخيّة المستعملة مُرَحَّب بها على أنّها بالمبدأ مشجعّة للكشف وحياديّة.

تنشأ التعقيدات الأساسيّة في التفسير من : أ) دلائل غير كافيّة، ب) تخمينات اعتباطيّة للمفسّرين، ج) الإفراط في تحليل الخلفيّة و د) انحرافات غير مضبوطة للمترجمين، وفي هذه الحالة يصبح الشرح (exegesis) تجسيداً لأفكار المفسّر في النصّ (eisegesis). أفضل طريقة لمعالجة هذه الصعوبات هي أن يراجع المفسّرون أحدهم الآخر ليتأكّدوا أنّهم يقومون بتفسير وصفيّ ساعين إلى المعنى الأصليّ والكامل كما يُعبَّر عنه قرينيّاً بكلمات الكاتب.

التفسير(interpretation) هو بالمبدأ مستوى آخر من معالجة الكتاب المقدّس حيث يُنظَر إلى النصّ، عن وعي أو عن غير وعي، من حيث قيمته بالنسبة إلى القارئ. إنّه تقدير أكثر حريّة وتطبيق مدَرك في نصّ، عادةً استناداً إلى أسئلة القارئ واختياره واهتماماته وقيمه، مفسَّراً كما قد يفسّر أيّ شخص أيَّ حدث أو بيان أو عمل فنّي. التفسيرات الأكثر معنى هي تلك المرتكزة بشكل أصيل على المعنى الأصليّ الشرحيّ للنصّ.

في أيّ حال، إنً المفسّرين انتقائيّون بشكل لا يمكن تفاديه وغالباً ما يتحرّكون خارج إطار الكاتب بالإشارة إلى معانٍ أخرى ممكنة وتطبيقات مغيّبة للنصّ وقد تكون متقاربة. التفسير (interpretation) هو بالدرجة الأولى مهمّة وصفيّة ولكن تقويميّة تسعى إلى استخراج الحقيقة النافعة أو الثابية من الكتاب المقدّس. بدون أن نميّز بشكل مطلق، ما هو مستحيل، الشرح الوصفيّ (descriptive exegesis) يسعى إلى ما “عنى” الكتاب، والشرح التقويميّ (evaluation exegesis) يسعى إلى ما “يعني” الكتاب[4].

بالطبع، بالنسبة إلى الكثير من المؤمنين، ما عناه الكتاب وما يعنيه هما الشيء ذاته بالكامل، بخاصّة في ما يتعلّق بأحداث الخلاص وحقائقه.

في أيّ حال، من الغموض بمكان التأكيد حرفياً على قصة الخلق في ستّة أيام أو على أن المياه مخبّأة فوق قبّة سماويّة جامدة، لأنّ الكتاب يصف الكون بهذه الطريقة. في هذه المعرفة، طرحت العلوم فهمنا بشكل عميق. قد لا يعطي الكثير معنى إعلانيّاً للنصيحة بشرب بعض الخمر (1 تيموثاوس 23:5)، ولكن قد يفعل البعض هذا بالنسبة إلى ستر رأس المرأة (1 كورنثوس 11: 5-10)[5].

ماذا عن العبوديّة ومرتبة النساء الدنيا في عالم الكتاب؟ ماذا عن تملّك الشياطين والعجائب؟ ماذا عن التعاليم كمثال أنّ طاعة الربّ تجلب الرغد الذي لا ينضب وعدم الطاعة يجلب العذاب، ما يضحده كتاب أيوب وسيرته؟ هذه الأمور تجعل مهمّة التفسير التقويميّ ضروريّة ولا مناص منها. واضح أيضاً أنّ التفسير قد يكون مثيراً للجدل ومسبّباً للانقسامات بسبب تضارب الافتراضات المسبقة والقيم وخيارات المفسّرين.

يعالج التأويل (Hermeneutics) انعكاس الطرائق والأسس وافتراضات كلّ من الشرح (Exegesis) والتفسير(Interpretation) أي مجمل نظريّة الدراسة الكتابيّة وشرحها كلّها. ما سبق قوله عن الشرح والتفسير يشكّل الاعتبارات المتعلّقة بالتأويل. هذا العلم يضمّ كلّ العمليّة من الملاحظة النحويّة الأكثر بساطة حول نصّ ما إلى التأمّل الأكثر عمقاً في خبرة الله الموصوفة في هذا النصّ. على المستوى الشرحيّ تنحو مهمة التأويل إلى أن تكون شكليّة وحياديّة بشكل مقبول لأدوات المنهجيّة الأدبيّة والتاريخيّة وعمليّاتها[6].

على المستوى التفسيريّ الكنسيّ، مهمّة التأويل (Hermeneutical)، أي مهمة شرح الفهم التقويميّ، تصبح لاهوتيّاً أكثر تطلّباً. على مستوى تخاطب النظريّات اللغويّة والفلسفيّة، تكون مهمّة تحليل كيفيّة نقل المعنى الأساس على مستوى المفهوم أكثر روعة، وقد تكون فلسفيّاً مستحيلة[7].

المسألة الأكثر سخونة في التأويل هي العلاقة بين الإيمان والعقل في تفحّص محتويات الكتاب وفي تحديد أيّ من عناصر هذه المحتويات هي ذات معنى. تصبح مهمّة التأويل أكثر وضوحاً، مع أنّها ليست أكثر سهولة، عندما يكون الشرح والتفسير متميّزين منهجيّاً، أكثر منهما متميّزين بشكل مطلق، وعندما تكون افتراضات المفسّر الخاصة معلّنة للمناقشة والتوضيح.

رؤيّة حياتيّة:

مسألة التأويل هي أبعد من قراءة الكتاب ودراسته. في الحياة، كلّ إنسان وكلّ شيء هو بلا مناص في عمليّة تفسيريّة، عن وعي وغالباً من دون وعي. إنسان يقرأ الكتاب المقدّس أو الصحيفة اليوميّة، مؤرّخ يتفحّص بياناً قديماً أو نقشاً، عالم يبحث عن جرثومة أو عن مجرّة، عاشق يتحدّث مع محبوبته: كلّ هؤلاء متورّطون في التفسير. لكلّ من الحياة الشخصيّة، التاريخ، العلم، الأدب، الفن، إلخ…مظاهره التفسيريّة الخاصّة. كيفيّة التفكير بهذه المجالات وربطها هي جزء من المسألة التفسيريّة الأوسع وذات الحدود المشتركة مع الحياة نفسها.

وبقدرما يتضمّن هذا السعي بحثاً عن الحقيقة لتركيز قرارات الحياة عليها، فهو يستلزم فرضاً أخلاقيّاً ضمنيّاً، ألا وهو القيام به تكامليّاً. الجهد لمعالجة الدلائل، أو كلّ خداع آخر في البحث، يجعل السعي تافهاً ويضرّ بالحقيقة. بما أنّ الحياة سرّعظيم والفهم البشريّ محدود، البحث عن الحقيقة يتمّ بأفضل أشكال البحث من الانفتاح المتلقّي والتواضع الإبستيمولوجيّ على أمل أنّ جمال الحقيقة الداخليّ وقوتّها، أينما وجدت، ينتصر ويشدّ القلوب البشريّة.

تتطلّب العمليّة معرفة افتراضات الادعاءات وحدودها، كما تتطلّب رغبة في حمل هذه الادّعاءات إلى مناقشتها في النّور. هذه العناصر تقدّم أسساً لمعاملة محترمة للآخرين من أجل كرامة بشريّة عالميّة وتفادي الجدليّة.

بالنسبة إلى قراءة الكتاب المناسبة والفهم الصحيح، يجب تذكّر أنّ الكتّاب الإنجيليّين عالجوا العلاقات بين الله والشعب على مقياس الحياة نفسها. فهم لم يكتبوا للمفسّر التقنيّ، اللاهوتيّ أو الواعظ، إنّما كتبوا للجميع[8]. لقد اعتبروا أنّ كلّ قارئ أو سامع سوف يفهم جوهر رسالتهم عن الله وعمله الخلاصيّ ومتطلّباته الأخلاقيّة. رسالتهم ونظرتهم تركّزتا ليس على تفسير النصوص التقنيّ ولكن على تفسير الحياة بشكل أوسع مؤسَّس في خبراتهم عن الله وقيم الجماعة المؤمنة التي عاشوا في كنفها.

مثلاً، في التعاطي مع العهد القديم، كان كتّاب العهد الجديد أقلّ اهتماماً بالشرح وبالأكثر اهتمّوا بالتفسير على أساس ما اختبروه مع المسيح وكيف فهمت الكنيسة الأولى عمله الخلاصيّ. البحث عن الشرح القرينيّ بالمعنى الحديث بين المفسّرين الأوائل اليهود أو المسيحيّين، هو مفارقة تاريخيّة  فادحة. على مستوى التفسير، وبحثاً عن قيمة الكتاب ووثاقة صلته بالجماعة المؤمنة، يستطيع الإنسان تقرير ملاءمة التفسيرات المجازيّة والرمزيّة الموجودة أصلاً في العهد الجديد نفسه (متّى 13: 18-23 ، 36-43 ؛ غلاطيّة 4: 21-31 ؛ 1 كورنثوس 10: 1-11).

آباء الكنيسة أصلاً، في طرائق وعظيّة وتعليميّة مختلفة، استغلّوا نجاح هذا النوع من “الشرح التفسيريّ interpretive exegesis” للغذاء الرعائيّ لشعب الله. لقد ظهر الشرح اللغويّ والمجازيّ الأكثر بروزاً بين آباء الكنيسة، مثلاً أثناسيوس وباسيليوس، بخاصّة في المناظرات العقائديّة حيث كانت دقّة المعالجة حاسمة[9].

يستمرّ أغلب المفسّرين المعاصرين من بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس، باستعمال الكتاب المقدّس على هذا المستوى الواسع من التفسير. إنّهم أقلّ اعتماداً على شرح الباحثين التقنيّ ويعتمدون أكثر على التقاليد التفسيريّة لكنائسهم، هذه التقاليد التي تُحمَل عبر العبادة والعظات والتعليم[10].

يعمل أغلبيّة الواعظين والمعلمين على هذا المستوى من التفسير. بما أنّ رسالة الكتاب الخلاصيّة موجهّة إلى الجميع، يتمتّع الجميع بحقّ المقاربة المباشرة للكتاب أي أن تتحدّاهم كلمة الله مباشرة من دون الحاجة إلى باحث أو وسيط بين القارئ والله.

إلى هذا، مع أنّ هناك درجات ومستويات من الفهم العقليّ، يستطيع الكلّ فهم إعلانات الكتاب الأساسيّة الدينيّة والأخلاقيّة. الإيمان بإله حيّ، الخبر السارّ عن محبّته ومسامحته في المسيح، وطلباته للقداسة والبرّ بالمبدأ يفهمها الجميع بطرائق مختلفة.

بالنسبة إلى الكنيسة والمؤمن، لا يمكن لحياة الإيمان أبداً أن تقوم بشكل أساس على البحث العلميّ. تفعيل رسالة الكتاب الجوهريّة أي الإيمان بما صنع الله للبشريّة والعيش في بركاته وحضوره، هو أمر شخصيّ يتخطّى المعرفة اللاهوتيّة الاحترافيّة ونظريّات التأويل المعقّدة.

بالواقع، كما ذكرنا سابقاً، قد يحدث أنّ ما يستخرجه مؤمن على بساطة في الإيمان وتقبّل صلاتيّ في قراءته غير النقديّة للإنجيل، هو روحيّاً أكثر نفعاً مّما يستطيع استخراجه مفسّر خبير أو لاهوتيّ متدرّب بكلّ معرفته ومهاراته النقديّة. أن نفتكر عكس ذلك، هو تفكير باطل لاهوتيّاً وخاطئ تاريخيّاً وجريء مهنيّاً.

على أيّ حال ما تحتاج إليه الكنيسة والبحث العلميّ، أي المؤمن والباحث، هو أن يكونا في تعاون الواحد مع الآخر وليس مواجهة. فقد وجد الباحثون والبحث العلميّ في اليهوديّة والمسيحيّة منذ القرون الأولى وعملوا داخل الإطار بطرائق زمانهم. يعمل الباحثون المعاصرون بطرائق التفسير والتأويل العصريّة[11]. مساهماتهم لا تُقدَّر في التحليل الأدبيّ والتاريخيّ واللاهوتيّ للكتب المقدّسة ومواضيعها ومفاهيمها ومؤسساتها وبالطبع تفاصيلها التفسيريّة.

الدراسة الكتابيّة، عندما تكون إيجابيّة ومتجانسة مع موضوعها، تقدّم إيضاحات أساسيّة لأمور وصعوبات مثل التبرير بالإيمان وأدوار بطرس ومريم في العهد الجديد والكلمة والسرّ وإلخ..وأمور أخرى ذات مضامين شخصيّة وكنسيّة ومسكونيّة[12]. يجب على العمل العلميّ أن يعرف جيّداً دراسة الكتاب واستعماله وتطبيقه من الكنيسة والمؤمن حتّى ولو تخطّاها.

يمكن للنتائج العلميّة أن تكون نافعة للجميع، للعلمانيّين والمعلميّن والوعّاظ واللاهوتيّين كما للكنيسة. وهكذا سوف يتعاطى كلّ من هؤلاء الدراسة الكتابيّة إلى الدرجة النافعة والملائمة لمستواه من العمل والمسؤوليّة[13]. ينتعش الإنسان العاديّ ببساطة من شربة ماء، بينما يحلّل العالم الماء بحسب ذراتها من الهيدروجين والأوكسجين.

على الشكل ذاته، يستطيع فتى أن يشرب الماء الروحيّ في قصّة كتابيّة، بينما يحلّلها الشارح إلى تفاصيل صغيرة. الأوّل يتعلق أوّلاً بالمعرفة الروحيّة أي المعرفة الاختباريّة على أساس الإيمان بالله ونعمته. الأخير يتعلق بشكل أساس بالمعرفة المفاهيميّة المكتّسبَة بالعقل والتحليل النقديّ.

القوى التي تحرّك الإيمان والعقل والكنيسة:

في النهايّة، يكمن التحديّ التفسيريّ الأكبر في تحديد العلاقة المناسبة بين الإيمان والعقل كما تطبّق على التفسير والشرح الكتابيّين، كلّ هذه بالمطلَق غير منفصلة. إذا كان الشرح مثاليّاً يسعى إلى استخراج ما في النص، يجب التحوّل إلى جوهر النصّ، أي ادّعاءاته اللاهوتيّة بشأن عمل الله الخلاصيّ الظاهر في خبرات أشخاص محّددين[14]. لا تُقدّر قيمة الشرح في توضيح الخلفيّة التاريخيّة والفوارق الدقيقة الفعليّة لهذه الادعاءات اللاهوتيّة.

في أيّ حال، لا يستطيع الشرح بذاته، بدون معونة الإيمان، أن يرتقي إلى حقيقة النصّ اللاهوتيّة. الشرح كإنجاز بشريّ أي كنشاط  فكريّ مطوَّر قليل القدرة على الوصول إلى فهم قيّم فكريّاً لحقيقة النصّ اللاهوتيّة ودخول خبرة الله الخلاصيّة الفعليّة المرموز إليها بتلك الحقيقة اللاهوتيّة. إذاً، المضمون الأساس الخلاصيّ للنصّ الكتابيّ لا يمكن الوصول إليه بالشرح الصرف بمعزل عن القوى المحرَّكة بالإيمان والنعمة.

بشكل مماثل، على مستوى التفسير التقويميّ، النماذج الفكريّة المتعلّقة بالتأويل التي يقترحها المنظّرون اللامعون، من شلايرماخر إلى أحدث النقاد الأدبيّين، قد تكون فكريّاً كافية كنظريات في المعرفة أي كنماذج لشرح الظروف التي يتمّ فيها الفهم البشريّ وحمل المعنى. لكنّ هذه النماذج النظريّة لا تستطيع من ذاتها أن تجلب المعنى الأعمق للنصّ الكتابيّ في قيمته اللاهوتيّة ولا أن تطلق قدرتَه الروحيّة في الحاضر.

الصَدَع الأكبر في النظريّات التفسيريّة المعاصرة هو في الواقع تركيزها الأحاديّ الجانب على العالَم (الجزء) الساقط من الوعي البشريّ والمعرفة إلى درجة إهمال التركيز الكلاسيكيّ الآبائيّ على دور الإيمان وتطهّر القلب والروح القدس في الدراسة الكتابيّة والتفسير.

موقفنا هو أنّ معنى النصّ الكتابيّ الكامل وتفعيله يمكن أن يتمّ فقط عبر عمل الإيمان الذي يرتفع إلى ادّعاء الحقيقة في النصّ ويختبر قدرة تلك الحقيقة التي تغيِّر بعمل الروح القدس. من هذا المنظار، الطريقة الأساسيّة لقراءة ما تقدّمه شهادة الكتاب وفهمه والعيش بحسبه، ليست عبر الجدليّات المجرّدة إنّما عبر الإيمان الُمخَتَبر. ما يسميّه آباء الكنيسة الرؤيّة الروحيّة (ثاوريا α’ɩρωεϴ)[15] هو أفق الإيمان الجيّاش وهو ما يؤمّن الوصول إلى المعرفة الروحيّة، أيّ كعطيّة من الروح.

هذا يشكّل المعرفة الحقيقيّة بالمعنى الكتابيّ المميّز، المعرفة ذات العمق الشخصيّ الوجوديّ، التي تنطوي على إلفة حميمة وحساسيّات روحيّة مناسبة للحقيقة الإلهيّة الُمختَبَرَة في النصّ. يصف القدّيس كيرلّس الإسكندريّ هذه المعرفة على أنّها “تتضمّن في داخلها كلّ قوّة السرّ والمشاركة في البركة السريّة حيث نتّحد بالكلمة الحيّة والمعطية الحياة”[16]. بحسب هذا، دراسة الكتاب المقدّس من أجل الاستيلاء على قيمته الروحيّة نشاط مواهبي محدّد نوعيّاً بحياة الإنسان[17].

مثلاً، عندما يكتب القدّيس بولس أنّ في ملء الزمان أرسَل الله ابنَه ليخلّص البشريّة وأيضاً أرسَل روح ابِنه إلى قلوب المؤمنين التي بها يعرفون اختباريّاً ويؤكّدون موقفهم البَنَويّ أمام الله (غلاطيّة 4: 4-6)، فهو يعلن حقائق لاهوتيّة عن عمل الله الخلاصيّ وحضوره.

لا توجد طريقة قاطعة لفهم هذه الحقائق وعيشها غير النعمة بالإيمان. بشكل مماثل، عندما يعلن المسيح أنّه الكرمة الحقيقيّة وتلاميذه هم الأغصان، وأنّه مع تلاميذه يجب أن يحيوا في شركة حميميّة من المحبّة الُمتَبادَلَة (يوحنا 5: 1-11)، ليس هناك من طريقة لفهم هذه الحقيقة الروحيّة بعمق واختبارِها إلاً بالنعمة بالإيمان. وهكذا أيضاً دعوة الكتاب إلى القداسة، عبرعيشٍ مخلِصٍ بشكل أكثر شمولاً من المعرفة المفاهيميّة الصحيحة لهذه العبارات المحَقَّقة بعمل اختصاصيّي التفسير المدرَّبين.

بحسب القدّيس باسيليوس، تقصِّر الكلمات والمفاهيم في الشؤون الروحيّة واللاهوتيّة. يذهب تفسير الكتاب إلى أبعد من تعقيدات المنطق إلى شؤون أساسيّة في الكنيسة والحياة الدينيّة. بما أنّ العقل مظلمٌ بعالم الشهوات الداخليّ الساقط، يجب أن يكون الاتّكال على معرفة الله الصحيحة، على أعمال البرّ، أي العيش المسيحيّ الأصيل الُموَجَّه بوقائع وحقائق التقليد المسيحيّ الأَساسيّة[18].

ومع هذا، أليس للعقل دورٌ في قراءة الكتاب ودراسته؟ العقل هبة من الله ويجب استعماله إلى أبعد مدى طالَما أنّه يعرف دوره وحدوده المناسبين. بالنسبة إلى القدّيس غريغوريوس النيصصيّ، العقل هو “أعلى قُدُرات (مواهب)” الكائن البشريّ، وعلامة صورة الله[19]. يمكن للعقل أن يبحث ويُغني معرفتَنا في أمور كثيرة كالمعنى الكامل لمفهوم القدّيس بولس “ابن الله” أو “الكرمة الحقيقيّة” كصورة للمسيح عند الإنجيليّ الرابع، أو العلاقة الداخليّة بين وصايا الكتاب الروحيّةً والأخلاقيّة.

يمكن للعقل أن يسعى إلى الهذف الرئيس (ςόποκσ) لشهادة الكتاب التي هي، كما ذكرنا، إعلان عمل الله الخلاصيّ في التاريخ والحقائق الألهيّة عن الحياة والخلاص والخبرة الإلهيّة الخلاصيّة التي يشهد لها الكتاب ويدعو إليها.

يمكن للعقل أيضاً أن يسعى إلى حلّ الفروقات في الكتاب أو شرحها. هل نحن مُخلَّصون بالإيمان وليس بالأعمال بحسب بولس في روما 28:3 وغلاطيّة 16:2، أم بالأعمال وليس بالإيمان بحسب يعقوب 24:2؟ ماذا نفعل بالتفاصيل المتضاربة في ما يُروى حول تعليمات المسيح التبشيريّة (مرقس 6: 8-9، متى 10:10)؟ وتحوّل بولس (أعمال 7:9)؟

ماذا عن المسائل الأخلاقيّة كالقبول البديهيّ الحضاريّ للعبوديّة وبأن على العبيد أن يُطيعوا الخشونة كما للرؤساء الوثنيّين (1 بطرس 18:2)؟ يمكن للعقل أن يعالج هذه الأمور والمسائل، ليس على عكس الإيمان ولكن بالتعاون معه. إلى هذا، يمكن للعقل أن يمنع من الانزلاق في الحرفيّة التبسيطيّة كاقتلاع عين المرء عندما يُخطئ بواسطتها، أو فكرة أنّ الله عنده يدان فعليّتان لأنّه خلق السماوات بيديه (عبرانيين 10:1)، أو حتّى فكرة أنّ الله هو ذكر لأنّه غالباً ما يشير إليه الكتاب كأب.

يمكن للعقل أن يقودنا إلى تذوّق الأوجه البشريّة لكلمة الله وإلى قراءة الكتاب المقدّس ككتاب إيمان ودين وليس مجرّد كتاب للتاريخ او العلم.

ثم ماذا يحدث إذا، على أساس عقلانيّ، طرِحَت أسئلة حول ما إذا كان علينا قبول صحة قول القدّيس بولس عن ابن الله، أو إعلان المسيح عن نفسه، وهو لم يكتب أيّ إنجيل، بأنّه الكرمة الحقيقية؟ الجواب يمكن أن يكون فقط أنّ على المرء أن يصدّق شهادات بولس والأنجيل الرابع الذي يحمل شهادة لحياة الجماعة المؤمنة وقيَمها، وهي الجماعة الأوسع التي تلقّت هذه الشهادات على أنّها صحيحة وأَدَجَتْتها في الكتاب المقدّس.

هنا نجد الأهميّة المقرِّرة لشهادة القدّيسين والأنبياء والرسل والقدّيسين وفوق الجميع السيّد نفسه[20]. بكلمات أخرى، يربض إيمان القارئ أو المفسّر بشكل كبير على الإيمان الرسوليّ بالعهد الجديد وحقيقة الكنيسة التي تجمع هذا العهد. بالطبع، يستطيع المرء أن يبحث عن أساس أخلاقيّ وأن يقتنع بالمحتوى اللأخلاقيّ في حياة وتعاليم يسوع وبولس والكنيسة. مثلاً، الإدّعاء بخبرة الله والتعليم عن المحبّة هما أمر، وادّعاء الشيء ذاته والتعليم عن الحرب هما أمر مختلف.

في النهاية، يستطيع القارئ، أن يعتمد على الإيمان الرسوليّ والكنيسة في ما يتعلّق بالادّعاءات المتعالية عن المسيح إلى الوقت الذي، بالنعمة عبر الإيمان، يكون للقارئ ذاته خبرة حضور المسيح المخلِّص والاقتناع الشخصيّ. ومع هذا، حتّى هذه الخبرات العميقة والحاسمة لا تمنع استعمال العقل بل بالأحرى تنيره وتقوده.

إذاً، فيما يستطيع العقل أن يحلّل الكثير من وجود الإنجيل ويشرحها، لا يستطيع بنفسه أن يلج حضور ادعاءات الإيمان وقدرتها الرفيعة في الكتاب ولا يستطيع تالياً أن يتجرّأ على تقويمها. من المدهش أنّ المنظّرين التأويليّين، في جهودهم لشرح عمليّة التأويل في الاتصال بين الكتاب والقارئ المعاصر، حلّلوا عناصر لا تُحصى لغويّة وتاريخيّة وفلسفيّة لكنّهم أهملوا قيمة الإيمان والصلاة والعيش المسيحيّ المشترك كأمور أساسيّة لفهم القيمة الدينيّة الرئيسة التي لشهادة الكتاب وتقبُّلها.

من وجهة نظر أرثوذكسيّة، بحسب القدّيس سمعان اللاهوتيّ الحديث، الحقيقة الروحيّة التي لتعاليم الكتاب، وليس مجرّد أبعادها الفكريّة، هي تماماً ما يشكّل كنوز الكتابات التي تُكشَف كمعرفة روحيّة للمؤمنين بالمسيح بالروح[21].

في النهاية، بما أنّ حقائق الله وبركاته غير مفصولة عنه كنوع من “الحقيقة الأبديّة” أو الحقائق الكائنة بذاتها بالمعنى الأفلاطونيّ[22]، المفهوم الوجوديّ لكنوز الكتاب يتضمّن، بحسب القدّيس سمعان، لا شيء أقلّ من الاشتراك في الحياة الإلهيّة أي المعرفة الشخصيّة للشركة السريّة مع المسيح بالروح القدس. في هذا السياق يستحضر م. ملهولند المجاز الأرثوذكسيّ في طبيعة الكتاب الأيقونيّة.

بالنسبة إليه، الكتاب نافذة كلاميّة على حقيقة متعالية، حقيقة حضور الله المقدّس الذي يحدث التغيير والذي يتمّ اختباره في اللقاء مع النصّ الكتابيّ[23]. لوقا ت. جونسون يشرح الموضوع بهذه الطريقة:

“تقاربنا كتابات العهد الجديد كشهادات وتفسيرات لادّعاءات دينيّة خاصّة تتعلّق بخبرة الله كما يتوسّط لنا بها المسيح. كما نلاحظ، لإنّها لا تدّعي أبداً لنفسها التوسّط مع هذه الخبرة. ما يجب ذكره هو إذاً أنّ القارئ المعاصر لا يستطيع التوصّل إلى هذه الخبرة باستعمال وسائل الأنثروبولوجيا والنقد الأدبيّ. إنّما يستطيع أن يَعي، باستعماله وسائل النقد، أنّه يتوصّل إلى الاحتكاك بالشهادة والتفسير[24].

ولكن إذا أصرّ العقل بعناد على درح أسئلة راديكاليّة مشكّكة، وإذا تجرّأ العقل على اعتبار نفسه قادراً على وضع عمل الله الخلاصيّ وحضوره موضوع تفحّص عقليّ، عندئذ يكون قد تخطّى حدوده بعمل جنونيّ من العمل الفلسفيّ. فهو يصبح أداة مدمرِّة أكثر منها بنّاءة في معالجة الكتاب. عندما يستعمل البحث العلميّ العقلَ بهذه الطريقة، يخلق، علنيّاً أو ضمنيّاً، جوّاً من الشكّ في قضايا الكتاب الأساسيّة بهذا يُضعف سلطته ككلمة الله.

النتيجة الفلسفيّة هي أنّ عدم قدرة العقلانيّة على التعاطي مع الحقيقة الُمطلَقة، وفوق كلّ شيء مع سرّ الله، تظهر كضعف في الحقائق المسيحيّة. في هذه الحالة، بحسب القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ، يُساء تفسير حدود العقل كضعف في الحقيقة المسيحيّة، وهو يعبّر عن هذا بهذه الكلمات القاطعة:

“وهكذا فعندما نقدّم سلطان التحليل العقليّ ونهمل الإيمان، عندما نبطل سلطان الروح بتحرّياتنا ويكون التحليل العقليّ من دون عظمة الموضوع – وسيكون كذلك على كلّ حال لأنّه ثمرة أداة ضعيفة هي عقلنا البشريّ – فماذا يجري والحالة هذه؟ إنّ الاستدلال يبدو كالسرّ ضعيفاً. وهكذا فإنّ دقّة التحليل العقليّ تظهر، بطلان الصليب، على حدّ ما يرى بولس”[25].

مأساة الأوجه الراديكاليّة للنقد الكتابيّ هي أنّه فيما يصبو الناقد إلى توضيح الشهادة الكتابيّة، فهو أو هي ينتهي “إلى رمي الطفل مع الوعاء”. ميل المرء نحو التشكيك والإلحاد هو على درجة التزامه منطق الإعلان الفلسفيّ، أيّ ما يدّعيه الإيمان حول إظهار الله نفسه للشخصيات الكتابيّة والمؤمنين عبر الأجيال.

بدون أفق الإيمان الأساس، يأخذ التفسير والشرح الكتابيّان كما التفكير بحسب التأويل، شكل لعبة شطرنج فكريّة ضخمة، قد تستحوذ على المتورّطين فيها، ولكنّها مربكة وبلا جدوى لأولئك المهتمّين بتحدّيات الحياة الحقيقيّة.

لكن أليست هذه أمور على علاقة بتكامل البحث والمناقشة العلميّة الحرّة التي قد تطرح، عن نيّة طيبة، أسئلة معثّرة حول الكتاب؟ أليس ممكناً أن يتبنّى أصحاب المعرفة والإيمان الصادق آراء متنوعة ويختلفون بحدّة حول عدد من الأمور المهمّة المتعلّقة بالكتاب؟ أليس هناك مؤمنون غيورون قد يدّعون، عن معرفة أو عن جهل، خبرات دينيّة فيسيئون استعمال الكتاب المقدّس بطرائق مختلفة؟ هل نحن نتخلّى عن حريتنا في الصعود نحو حاكميّة سلطويّة، كنسيّة أو علميّة، لصالح تفسير نهائيّ ومفروض من الخارج؟ هذه كلّها أسئلة صحيحة وجديّة.

ما هي الطريقة التي يمكن معها طرح هذه الأسئلة من منظار التأويل؟

أوّلاً، يجب أن يكون واضحاً أنّ للبحث التاريخيّ ملء الحريّة بحسب المعايير المهنيّة استناداً إلى أفضل المنهجيّات النقديّة المتوفّرة. النقد الكتابيّ، في كلّ منهجيّاته الأدبيّة والتاريخيّة الملحقة، هو حرّ في التعاطي بحكمة مع المادة الكتابيّة. فمن جهة، ثمّة ترحيب بهذه الدرجة من الليونة في التعاطي مع القصص الكتابيّة. سبب هذا الترحيب هو ندرة الأثبات كما طبيعة الكتاب الخاصّة ككتاب إلهيّ وبشريّ.

مثلاً، ما اختبرته كنيسة القرون الأولى من تدّفق الروح في العنصرة هو أكثر أهميّة إذا كانت عطيّة العنصرة قد تمّت بحسب تفاصيل أعمال 2: 1-13 أو يوحنّا 20: 19-23. من جهة أخرى، إذا أرادت جماعة الاختصاصيّين أن تحافظ على مصداقيّتها، فهي تتحمّل مسؤوليّة تصحيح المغالاة في الحكم التاريخيّ المشكّك والتي تصل أحياناً إلى أبعاد منافيّة للعقل بسبب الحساسيّات والنزعات الشخصيّة الأخرى[26].

بشكل اعتراضيّ، غالباً ما ظهر علماء مشهورون تردّدوا في انتقاد مغالاة زملاء معروفين لهم، تالياً سمحوا بشكل غير ضروريّ بانتشار الشكّ في حقل التفسير وبفضيحة في الكنيسة. ورغم ذلك، الإيمان والحقيقة، اللذان لا يستطيعان احتمال تدقيق التفحّص التاريخيّ الجديّ، لا يستحقّان الكتاب المقدّس، الذي يعرض بصدق سقطات أبطاله العظماء، ومع هذا يدعو إلى الإيمان غير المتزعزع بحضور الله وعمله الخلاصيّين.

ثانياً، تختلف الأمور على مستوى التقويم الجوهريّ لمحتوى الإنجيل اللاهوتيّ والأخلاقيّ. على المستوى الوصفيّ التفسيريّ (exegetical)، للعلماء حريّة أن يكتشفوا بحسن نيّة ويناقشوا، على سبيل المثال، كلّ تفاصيل أفكار الرسول بولس اللاهوتيّة والأخلاقيّة. أمّا ما يتعلّق بالحقيقة الأساسيّة في خبرة بولس وتعليمه، فالقرار ليس حكماً تاريخيّاً بل هو حكم فلسفيّ، لا علاقة له ببرهان قناعات بولس أو ضحدها وهي التي كوّنها عن الله وحياة البِرّ بالاختبار.

إنً الخلط بين الأحكام التاريخيّة والفلسفيّة لمؤذٍ ومخادع. فيما لكلّ إنسان الحق بموقف فلسفيّ وفي المضيّ على طريقته في الحياة، لا يجدر بالمفسّر الكتابيّ أن يتّخذ وضعيّة فيلسوف متخفِّ، أو فيلسوف مشكّك، في تفسيره وشرحه.

ثالثاً، إذا حُفظ الخطّ بين الأحكام التاريخيّة والفلسفيّة بشكل واضح، يكون الباحث الكتابيّ حرّاً في التفسير بنيّة صالحة وحتّى في درس التعاليم الأكثر حساسيّة عقائديّاً كمفهوم بولس ليسوع كابن لله وربّ[27] مثلاً. قد يقترح باحث ما أنّ لغة بولس الخريستولوجيّة تستلزم مسحة إخضاعيّة متميّزة لأنّ مصدر العمل الإلهيّ ومركزه عند بولس، كما هو معروف جيّداً، هو الآب.

وقد يوافق باحث آخر إنّما يضيف أنّ المعجزة الكبرى في خريستولوجيا بولس ليست المسحة الإخضاعيّة جزئيّاً بل تطورها الذي يبرز بشكل مدهش في الجيل المسيحيّ الأوّل. بالنسبة إلى الأخير، قد تكون خريستولوجيا بولس مجرّد خطوة قصيرة بعيداً عن تركيبات الكنيسة العقائديّة متجانسة كليّاً مع مفهوم بولس الخريستولوجيّ.

وقد يتابع الباحثون مناقشة هذه الأسئلة وهم على علم كامل بالفرق في الأطر التاريخيّة لمناقشتهم وتضميناتها. إحدى التضمينات هي أنّ هناك تطوراً في صياغة العقيدة، وأخرى هي أنّ الصياغات الكنسيّة الثالوثيّة والخريستولوجيّة متجانسة مع شهادة العهد الجديد. أمّا تضمين آخر فهو أن لا تكون هذه الصياغات متجانسة وفي هذه الحالة يستطيع الباحث أن يثبت للكنيسة بشكل مقنع أنّه على حقّ (ما هي البدائل المطروحة لخريستولوجيا بولس أو تفسيراتها؟) أو أن يخاطر بقراءة نفسه خارج الكنيسة بحسب ما يمليه ضميره.

ولكن رابعاً، ما لا يستطيع الباحث فعله هو تحديد الإيمان المعياريّ للكنيسة. على هذا المستوى العميق من الحياة، نصل إلى أرضيّة التأويل الشركويّة، أيّ حقيقة أنّ الجماعة المؤمنة هي تنقل المعنى وتجعله شرعياً بشكل مطلق. نحن نعيش جميعاً في جماعات إيمان، سواء دينيّة أو علمانيّة. يتبادل الناس درجات من التنوّع والوحدة في الأفكار والمعتقدات ويتمتّعون بها في إطار جماعيّ. حتّى منتدى يسوع (Jesus Seminary) يرتكز على مجموعة من الباحثين، يشكلّون جماعة إيمانيّة، مع افتراضاتهم المسبقة وقيمهم وبرامجهم المعادية للمسيحيّة التقليديّة.

كلّ المسيحيّين يعيشون في إطار كنائسهم وتقليداتهم، ولكن تتشابك بينهم بعض التشابهات والاختلافات. نحن نقرأ الكتاب المقدّس ونعمل من منظار شركويّ واسع. بغضّ النظر عن جهودنا الصادقة كي نكون موضوعيّين قدر الإمكان، فهذه الجهود يجب ألاّ تتوقّف. بالمقابل، الأشخاص الذين يتجرّأون على تغيير إطار الشركة هذا أسباب لاهوتيّة هم نادرون ويستحقّون الاحترام. فيما لا يمكن تلافي أساسنا القائم على الشركة، من الُملزِم أن نتابع حواراً علنيّاً باستقامة واحترام متبادَل على أمل أن تكون الحقيقة الجوهريّة ذاتها المقياس الأوّل للإقناع والسلوك.

على هذا الأساس، هناك بعد كنسيّ حاسم التأويل. إلى جانب التأويل بالإيمان والتأويل بالعقل والبحث العلميّ، لدينا التأويل بحسب الكنيسة. مثاليّاً، هذه الأبعاد تعمل معاً، مصحّحةً باستمرار بعضها البعض. يدخل الإيمان الشخصيّ جو خبرة الله المباشرة التي يشهد لها الكتاب. تلتزم الكنيسة بالسلطة القانونيّة للكتاب، كتابها، وبالشهادة التي هي مسؤولة عنها ومطلوب منها تفسيرها في ما يخصّ التعليم اللاهوتيّ والأخلاقيّ.

ثلاثيّة التفسير بكاملها مترابطة داخليّاً وتعمل على أفضل وجه كوِحدة متكاملة حيث القدّيسون والباحثون والمسؤولون يعملون معاً ويدمجون هذه الأبعاد. الإيمان الحارّ، بدون البحث العلميّ، قد يقود المؤمنَ إلى التقوى الأنانيّة والنزعة إلى إعاقة التقدّم وحتّى التعصّب. البحث العلميّ التحليليّ، بدون الإيمان والكنيسة، يقود الباحث إلى أكاديميّات غير ملائمة ومراجعات عشوائيّة للمسيحيّة. الكنيسة كمؤسّسة، بدون الإيمان الحارّ والبحث العلميّ، قد تنحو نحو الشكليّة وإساءة استعمال السلطة.

ينطبق نموذج نظريّة التفسير المذكور أعلاه على كلّ المسيحيّين وكنائسهم. للكلّ الحقّ وعلى الكلّ مسؤوليّة تقويم موقفهم التفسيريّ من الكتاب، ليس فقط عبر العقيدة بل أيضاً عبر الحياة. إنّ الكنائس المنفصلة بحاجة إلى متابعة مناقشة اختلافتها على ضوء البحث العلميّ. الوعد الذي يحمله هذا البحث كبير، طالما أنّه يؤخّذ جدّيّاً على ضوء التقليد الرسوليّ. من المنظار الأرثوذكسيّ، لن تكون هناك وحدة كنسيّة بمعزل عن المسيحيّة التقليديّة الرسوليّة التي ترسو على الكتاب.

ليس للكنيسة الأرثوذكسيّة حاكم magisterium، لكون سلطتها العليا هي المجامع التي يجب أن يقبل قراراتها كلّ شعب الله[28]. الأساس الجوهريّ للحقيقة هي حياة الكنيسة حيث كلّ الأعضاء، من المؤمنين العاديّين إلى الأساقفة، هم شهود ويحملون مسؤوليّة. فللجميع امتيازات وهم مسؤلون عن اتّباع الأنبياء والرسل وآباء الكنيسة في مقاربتهم سر الله والكلمة الكتابيّة.

ركّز توماس ف. تورانس، في مقال مميّز، على وجهين مقرِّرين في التقليد الأرثوذكسيّ: الأمانة الحقيقيّة واحترام السرّ[29]. هذان الوجهان ممكن رؤيتهما كحالتين أو منظارَين أرثوذكسيّين متعلقيّن بنظريّة التفسير. يشير تورانس إلى أنّ صفة “أرثوذكسيّ” في الأرثوذكسيّة الكلاسيكيّة لا تعني إخضاع فكر الكنيسة لنظام موحّد تُفرَض الحقيقة عليها من الداخل، بل بالأحرى تشير إلى توجيه أوّليّ للكنيسة إلى حقيقة الكتاب المقدّس بحسب التقليد الرسوليّ[30].

“أرثوذكسيّ” تعني “مرتبط بالحقيقة بشكل صحيح” (الأمانة للحقيقة)، حقيقة إنجيل عمل الله الخلاصيّ عبر المسيح بالروح القدس، مُعاشاً ومُحتَفَلاً به في حياة الكنيسة. لكن هناك أيضاً “احترام السرّ” حيث إنّ الصياغات العقائديّة، رغم أهمّيّتها، تأتي من دون سرّ الله المتعالي[31]. يقول تورانس عن عقائد الكنيسة: “لا يمكن اعتبار أنّها تحتوي الحقيقة في نفسها لكنّها بالأحرى طرائق لتوجيهنا نحو سرّ المسيح وسرّ الثالوث”[32].

الأرثوذكسيّة بالمبدأ لا تمنع الصياغات الجديدة في إعلان الإنجيل وتعليمه كما لو أنّ حقيقة الله مختوم عليها فقط في العقائد والكتاب المقدّس. الباحثون والمعلّمون والوعّاظ أحرار في استعمال قدرتهم الإبداعيّة إلى أقصى الحدود طالما أنّ الكتاب ملئه الرسوليّ محفوظ بأمانة للحقيقة واحترام السرّ. أعمالهم وأقوالهم يجب أن تكون بشكل يعبّر عنه تورانس: “بدل أن تأتي بين المسيح وفهمنا، تسمح للمسيح في كلّ حقيقته الرائعة وسرّه بأن يكشف نفسه لنا عبر هذه الأقوال والأعمال بشكل دائم”[33].

[1]  يقدم B.C. Lategan  عرضاً للتأويل

“Hermeneutic”, ABD, Vol. 3, pp. 194-155; by R.E. Brown and S.M. Scneiders, “Hermeneutics”, NJBC, pp. 1146-1165; and by the Pontifical Biblical Commission’s “The Interpretation of the Bible in the Church” in Originus as noted above.

في الأدب ممكن تمييز ما لا يقلّ عن 5 مراكز تركيز:

أ) شرح منهجيّات النقد الكتابيّ الحاليّة المختلفة كما في:

Reading in the New Testament: Methods of Interpretation by C. Tuckett.

ب) تاريخ الطرائق التفسيريّة منذ القديم إلى اليوم كما في:

The Study and Use of the Bible by J. Togerson and others (Grand Rapids: Eerdmans, 1988).

ج) مناقشة لاهوتيّة للوحي والإلهام والمقارنة بين سلطة الكتاب والكنيسة كما في:

  1. G. Bloesch, Holy Scripture: Revelation, Inspiration & Interpretation.

د) مناقشة لغويّة-فلسفيّة لنظريّات الفهم كما في:

R.E. Palmer, Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthey, Heidegger, and Gadamar (Evanston: Northwestern University Press, 1969). وتبلغ أوجها في أعمال Paul Ricoeur و David Tracy،

هـ) معالجة لمقاربات النقد الأدبيّ الجديد كما في:

Interpreting the Bible: A popular Introduction to Hermeneutics by T.J. Keegan, O.P. (New York: Paulist, 1985).

يجد القارئ تركيبات مختلفة من هذه المقاربات.  

[2]  كَتَب باحثون أرثوذكس عدداً من الكتب حول الأوجه الشكليّة والتاريخيّة واللاهوتيّة للتأويل بدءاً بـِ ف. أنطونياديس (1921) انتهاءً بـِ س. أغوريديس (1979). بالمعنى الفلسفيّ الضيّق، هناك عمل ممتاز لـ

  1. Andripoulos, Τό πρόβλημα ԏοѵ’ < Iσԏορɩκѵ’Iησοѵ’ > έѵ ԏή σѵυϫӽρόѵω ‘Ερμѵԑѵԏɩкή (Athens, 1975).

See Also A. Ugolink, “An Orthodox Hermeneutic in the West” SVTQ 27, (2, 1983), pp. 93-118; J. Breck, “Exegesis and Interpreation: Orthodox Reflections on the “Herneutical Problem” Ibid., pp. 75-92 and his book The Power of the Word; as well as M. Ford, “Seeing, But Not Receiving: Crisis and Context in Biblical Studies” SVTQ 35 (2-3, 1991), pp. 107-125.

يعبّر يوحنّا باناغوبولوس بقوّة عن البعد الآبائيّ في أعماله بما فيها مؤخراً المدخل إلى العهد الجديد (1994). لا يمكن القول إنّ الأرثوذكس قد حدّدوا لأنفسهم بوضوح كافٍ مسألة التأويل. يجب رسم الأوجه والعوامل الكثيرة في هذا العلم بدقة ووضعها في رؤيّة شموليّة. إنّ طريقة فعّالة لهذا العمل تتضمّن: التمييز بوضوح أكثر بين التفسير (exegesis) والتفسير(interpretation) ، العلاقة بين الإيمان والعقل، دور البحث العلمي وطرائقه النقديّة، كما حياة الكنيسة العمليّة وسلطتها، ومن ثم ربط هذه الأمور ببعضها البعض.   

[3] Raymond Brown, “Hermeneutics,” in NJBC, p. 1152.

[4]  نجد أقوى حالة للتمييز بين “ما عنى” وما “يعني” النصّ، أي بين التفسير التقويميّ والتفسير التأويليّ في دراسة الكتاب في:

Krister Stendhal, “method in the Study of Biblical Theology,” The Bible in Modern Scholarship, ed. J. Philip Hyatt, pp. 196209, and “Biblical theology, Contemporary,” IDB, Vol. 1, ed. George A. Buttrick (New York: Abingdon, 1962), pp. 418-432.

لا يصح اعتبار هذا التمييز المنهجيّ تافهاً كنوع من وسائل تحايل التأويل، وهو ما يكرّر Stendhal رفضه. إنّه تمييز أساس مساعد على الكشف (وليس فصلاً مطلقاً) لتوضيح أن العمليّتين المترابطتين الواجب مواجهتهما بشكل متعادل تكمنان في عمليّة التفسير الكتابيّة التقويميّة أو المعياريّة. بحسب Stendhal، المقاربة الوصفيّة لا تكفل الموضوعيّة إنّما فقط تدعو إلى تفحص الموضوعيّة بشكل ثابت بمقابل الميل الثابت نحو إخضاع التحيّزات والميول الشخصيّة من أجل الفهم الأكثر وضوحاً للنصّ الأصليّ وطبقات التقاليد التفسيريّة في الكتاب والأدب الآبائيّ. بقدر ما تكون الفوارق بالمعنى دقيقة على المستوى الوصفيّ، يصبح تحديّ المهمة التقويميّة أكثر وضوحاً (وليس بالضرورة أكثر سهولة).

[5]  هذه الأمثلة مأخوذة من:

Gordon D. Fee, Gospel and Spirit: Issues in New Testament Hermeneutics, pp. 2-3, 5.

[6]  For example, O. Kaiser and W.G. Kϋmmel, Exegetical Method: A student’s Handbook, trans. E.V.N. Goetchius (New Yor: Seabury, 1963); J.H. Hayes, Biblical Exegesis: A beginner’s Nadbook (Atlanta: John Knox, 1983); and G.D. Fee, New Testament Exegesis: A Handbook for Students and pastors (Philadelphia: Westminster, 1983).

في أيّ حال، قد يحتوي جزئياً عرض المبادئ والطرائق افتراضات تقويميّة ثقيلة، مثلاً في ما يتعلّق بدور النقد وتطبيقه كما في:

  1. Conzelmann and A. Lindermann, Interpreting the New Testament: An Introduction to the Principles and Methods of N.T. Exegesis, trans S.S. Schartzmann (Peobody: Hendrickson, 1988).

[7]  أنظر:

R.E. Palmer, Hermeneutics: Interpertation Theory in Schleiermacher, Dilthey, Heidegger, and Gadame

لسرد أهم النظريّات التفسيريّة في العصر الحديث والتي تقدّمت وتحسّنت بأعمال:

 Paul Ricoeur.و David Tracy

[8] R. Brown, “hermeneutics,” in NJBC, p. 1151.

[9]  في حالة أثناسيوس ضدّ الأريوسيّين وحالة باسيليوس ضدّ الإفنوميّين، أنظر:

  1. Stylianopoulos, The Biblical Background of the Article on the Holy Spirit in the Constinopolitan Creed’, Études theeologiques 2: le lie Concile Oeucume’nique (Chambe’sy: Centre Orthodoxe, 1982), pp. 153-173,reprinted in T. Stylianopoulos, The Good News of Christ: Essay on the Gospel, Sacraments and spirit (Brookline: Holy Cross Orthodox Press, 1991), pp. 168-195.

[10] R. Brown, “Hermeneutics,” in NJBC, p. 1163.

[11]  أنظر الفصل الخامس.

[12] See “English Roman Catholic-Methodist Dialogue: Justification – A Consensus Statement, “OC 24(3, 1988), pp. 270-273 J. Reumann, ‘Righteousness’ in the New Testament: ‘Justification’ in the United States Lutheran-Roman Catholic Dialogue (Philadelphia: Fortress, 1982): R.E. Brown and others, eds., Peter in the New Testament; R.E. Brown and others, eds., Mary in the New testament; E.R. Carroll, “Mary in the Apostolic Church: Work in Progress,” OC 25(4, 1989), pp. 369-380: and G. Wainwright, “Word and Sacrament in the Church’s Responses to the Lima Tex, “OC 24(4, 1988), pp. 304-327.

[13]  يلاحظ R. Brown  بحكمة أنّ “الفطرة السليمة تعلّم أن تقاس كلّ تربيّة على قدرة السامعين، من دون أن يعني هذا أنّه ينبغي للتعليم الكتابيّ التمهيديّ أن يكون غير نقديّ. يعني أنّ التعليم الكتابيّ التمهيديّ يجب أن يكون نقديّاً بشكل أساس”NJBC, p. 1164. ‘Hermeneutics’   

[14]  يشير Schlier إلى هذه النقطة المهمّة على أنّ “هدف التفسير يجب أن يكون مناسباً لدعوة الله التي وجهّها عبر الكتاب وبه. إذ إنّ هذه الدعوة من دون شيء سواها هي حقيقة الكتاب المقدّس”. يتطابق هذا الموقف مع التركيز الآبائيّ على ςόποκσ أي الهدف الرئيس أو غاية الكتاب المقدّس، كجوهر للتفسير.

(F. Hahh, Historical Investigation and New Testament Faith: Two Essays, p. 22).

[15]  حول مفهوم الثاوريا أنظر الفصل الرابع تحت عنوان “منهجيّة الشرح” عند آباء الكنيسة.

[16]  اقتباس من:

Maurice F. Wiles, The Spiritual Gospel: The interpretation of the Fourth Gospel in the Early Church (Cambridge: Cambridge University Press, 1960), p. 86.

يشير Wiles  في الصفحات 84-86 إلى النظرة المشتركة بين آباء الكنيسة والكتاب المقدّس حول معرفة الله الاختباريّة عبر المشاركة في الحياة الإلهيّة.

[17]  يعبّر الأب جورج فلوروفسكي عن هذه النظرة الآبائيّة في “خُلُق الكنيسة الأرثوذكسيّة The Ethos of the orthodox Church”، ص. 41، كما يلي: بمعزَل عن الحياة في المسيح، لا يحمل اللاهوت أي قناعة، ومفصولاً عن حياة الإيمان، يستطيع اللاهوت أن ينحلّ إلى مجادلات فارغة…اللاهوت الآبائي كان متأصلاً في الالتزام القاطع بالإيمان…”اللاهوت” ليس غايّة بحدّ ذاته. إنّه دائماً طريق. لا يمثّل اللاهوت أكثر من إطار فكريّ للحقيقة المعلَنة، شهادة “نوسية” (نسبةً إلى النوس) لهذه الحقيقة.

لا يمتلئ هذا الإطار بالفحوى الحيّة إلاّ بممارسة الإيمان. (لفهم وافٍ عن النوس أنظر: “الفكر الكنسي الأرثوذكسي” للميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، ترجمة الأب أنطوان ملكي، تعلونيّة النورالأرثوذكسيّة للنشر والتوزيع، 2002، ص. 27. (المترجم))

[18] So ohilip Rousseau, Basil of Caeseres, pp. 106-112, 117f.

[19]  كان الآباء الكبادوكيّون المدافعين عن العقلانيّة بقدر ما كانوا ضدّ الاستفاضة فيها.

So Jaroslav Pelikan, Christianity and classical Culture (New Haven: Yale University press, 1993), p. 128).

[20]  بحسب فلوروفسكي في “خُلُق الكنيسة الأرثوذكسية”، ص. 40، دعوة “اتّباع الآباء القديّسين”، ليست “إشارة إلى تقليد مجرّد، إلى صياغات وعبارات. إنّها بالدرجة الأولى دعوة إلى أشخاص، إلى شهود قدّيسين”. بالنسبة إلى فلوروفسكي، هذا ينطبق أيضاً على الرسل لأن الكنيسة، كونها رسوليّة وآبائيّة، هي على الدرجة ذاتها من الالتزام بالإنجيل الرسولي كما بالعقيدة الآبائيّة.

[21]  أنطر الملحق رقم 2.

[22] John Panagopoulos, Εɩ’σαϫωϫή σԏήѵ καɩѵη Δɩαθηκη (Athens: Akritas, 1994), pp. 433-434.

 يشدّد باناغوبولس في هذا العمل على نقطة مهمّة مفادها أنّ الكتاب المقدّس ليس وديعة من صياغات نهائيّة لحقائق أزليّة إنّما هو شهادة لسرّ الله في عمله الخلاصيّ، وهو سرّ فائق الوصف.

[23] M. R. Mulholland, Jr. Shaped by the Word: The Power of Scripture in Spiritual Formation, p. 64.

[24] Luke T. Johnson, The Writings of the New testament: An Appreciation (Philadelphia: Fortress, 1986), 99. 7-8.

[25]  الترجمة العربيّة من غريغوريوس النزينزي: الخطب 27-31 اللاهوتيّة. سلسلة النصوص اللاهوتيّة. نقلها من اليونانيّة إلى العربيّة الأب يوحنّا الفاخوري. (بيروت: منشورات المكتبة البولسيّة، 1993)، ص. 104-105.

[26]  يعرض N. T. Wright  تطرف أشخاص أمثال A. N. Wilson, J, Spongو   B. Thiering  في كتابه (Grand Rapids: Eerdmans, 1992) Who Was Jesus? فيذكر أن تطرفهم هو بلا أساس. فالبعض من هؤلاء المتطرفين هو من أعداء المسيحيّة اللدودين والبعض الآخر هو من زعماء الأصوليّين الذين يسيئون استعمال البحث العلميّ ويقدّمون استنتاجات مفاجئة تشوّش غير العالم. إنّ تعهد البحث الصحيح يشكّل الطريقة الأكثر فعاليّة في ضحدهم.

[27]  هذا يتوافق مع موقف R. Brown  في كتبه العديدة وفي عمله “التأويل” في NJBC، ص. 1163-1164.

[28] K. Ware “The Ecumenical Councils and the Conscience of the Church,” in Kanon: Jahrbuch der Gesellschaft fϋr das Recht der Ȍstkirchen (Wien: Herder, 1974), pp. 217-233.

 يقدّم كاليستوس وير في هذا المقال وصفاً ممتازاً لطبيعة الكنيسة المجمعيّة في سعيها للحياة بسلطة الحقيقية المطلقة، حقيقة الله. لشرح عن التفسير السلطويّ للكتاب المقدّس في الكنيسة الكاثوليكيّة بما فيها سلطة البابا المطلقة، أنظر R. Brown  في المرجع المذكور سابقاً.

[29] Thomas F. Torrance, The Relevance of Orthodoxy (Stirling: Drummond Press, n.d.), pp. 9-19.

[30] Ibid, p. 10.

[31] Ibid, p. 10-11.

[32] Ibid, p. 11.

[33] Ibid, p. 10-12.

التأويل Hermeneutics: الإيمان والعقل والكنيسة

Exit mobile version