صلب المسيح حقيقة مؤكدة تاريخياً ومسيحياً ووثائقياً – القمص عبد المسيح بسيط

صلب المسيح حقيقة مؤكدة تاريخياً ومسيحياً ووثائقياً – القمص عبد المسيح بسيط

صلب المسيح حقيقة مؤكدة تاريخياً ومسيحياً ووثائقياً – القمص عبد المسيح

إن حقيقة صلب المسيح كحادثة تاريخية بمغزاها التاريخي والعقيدي واللاهوتي تشكل ثلث الإنجيل بأوجهه الأربعة وبقية أسفار العهد الجديد، بل وتكررت كلمة صليب عن المسيح ومرادفاتها ؛ الصليب وصلب ويصلب وصلبوا وصلبوه ومصلوب والمصلوب أكثر من ثمانين مرة، وكانت عقيدة صلب المسيح وفدائه للبشرية هي محور وجوهر وقلب الإنجيل المبشر به للعالم كله.

كما شهد لها، إلى جانب التاريخ المسيحي، التاريخ اليهودي والروماني واليوناني والسوري، ولدينا الوثائق التاريخية التي سجلت ذلك.

يتكلم أصحاب نظرية الشبه ونقاد الكتاب المقدس بصفة عامة عن الكتاب المقدس وعقائده وكأنها خرجت من زاوية مغمورة في مكان مغمور وفي زمن شبه مجهول !!!!! ويتجاهلون حقيقة أن أحداث الإنجيل تمت وسط عشرات الآلاف بل وملايين البشر، وأن الجماهير الغفيرة كانت تحيط بالمسيح دائماً “ حتى كان بعضهم يدوس بعضا ” (لو1:12)، كما يقول القديس لوقا، كما أن أحداث صلب المسيح لم تتم سرا ولا في زاوية، بل تمت في أورشليم وفي عيد الفصح اليهودي الذي كان يحضره، بحسب تقدير المؤرخ والكاهن اليهودي يوسيفوس، حوالي 2 مليون ونصف يهودي من جميع بلاد الإمبراطورية الرومانية.

ومن ثم كان الناس، سواء في فلسطين أو سوريا، منذ الأيام الأولى لكرازة الرسل يعرفون هذه الأحداث جيداً. لذا فعندما وقف القديس بولس الرسول يحاكم أمام الملك هيرودس أغريباس قال له ” لأنه من جهة هذه الأمور عالم الملك الذي أكلمه جهارا إذ أنا لست اصدق أن يخفى عليه شيء من ذلك. لأن هذا لم يفعل في زاوية ” (أع26:26) .

 

1 – صلب المسيح وقيامته هما قلب الإيمان المسيحي وجوهر رسالة المسيحية:

يقول الكتاب المقدس في أول قانون إيمان مكتوب في الكنيسة صدر يوم الخمسين لقيامة السيد المسيح ودونه القديس بولس الرسول بالروح القدس في رسالته الأولى إلى كورنثوس والتي يُجمع العلماء والنقاد على أنها كُتب حوالي سنة 55م أي بعد خمسة وعشرين سنة من القيامة والتي تشهد على إيمان الكنيسة في فجرها الباكر حيث تسلم القديس بولس نفسه هذا الإيمان في السنة الثالثة للقيامة ” وأعرفكم أيها الأخوة بالإنجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وفيه تقُومون وبه أيضا تخلصُون أن كنتم تذكرون أي كلام بشرتكم به إلا إذا كنتم قد آمنتم عبثاً.

فأنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكُتب (أي أسفار العهد القديم). وأنه دُفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب. وأنه ظهر لصفا (بطرس) ثم للأثنى عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخ أكثرهم باق إلى الآن (سنة 55م) ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين. وآخر الكل كأنه للسّقِط ظهر لي أنا ” (1كو1:15-8).

فالصلب والقيامة هما أساس الإيمان المسيحي وجوهر رسالة المسيحية ودعوتها لأنها قامت على هذا الأساس. وقد سجل لنا العهد الجديد في كل أسفاره وكذلك التقليد وكتابات أباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى وقوانين الأباء الرسل أحداث وتفاصيل الصلب والقيامة ومغزاها بالنسبة للإيمان المسيحي، بل وكانت أول عظة بعد حلول الروح القدس هي عن الصلب والقيامة، بل وكان أول ما كتب في الإنجيل بأوجهه الأربعة، بإجماع العلماء، هي أحداث الصلب والقيامة.

ويتلخص هذا الإيمان فيما جاء في قانون مجمع نيقية المُنعقد سنة 325م ” وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي، وتألم وقبر، وقام من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السموات “.

 

2 – موقف التلاميذ والرسل قبل القيامة وبعدها:

قدم معظم التلاميذ والرسل حياتهم ثمناً لدعوتهم في المسكونة كلها بأن المسيح صلب ومات وقام من الموت وصعد إلى السماء، وذهبوا إلى السماء شهوداً وشهداء، ولكن هؤلاء التلاميذ والرسل لم يكونوا قبل القيامة بهذا الحماس وهذه القوة، كما لم يكونوا على حافة الإيمان وينتظرون من يحركهم حتى يقوموا بدعوتهم وإنما العكس تماماً، فقد كانوا متشككين ويائسين وخائفين وفاقدي الأمل وضعفاء وقد تركوا السيد عند القبض عليه ” كلهم هربوا ” (مت56:26)، ولم يدخل معه المحكمة إلا يوحنا لأنه ” كان معروفاً عند رئيس الكهنة ” (مت58:26)، أما بطرس فقد تبعه عن بُعد وأنكره عندما أنكشف أمره.

وعند صلبه وموته ودفنه لم يظهر أحد منهم علانية سوى يوحنا والنساء (يو25:18)، وكانوا في حزن شديد وغم واكتئاب وقد فقدوا الرجاء في قيامته برغم أنه كرر أمامهم، ولهم خاصة، مرات عديدة أنه سيقوم من الموت في اليوم الثالث وأغلقوا على أنفسهم الأبواب خوفاً من اليهود لئلا يفعلوا بهم نفس ما فعلوه بسيدهم وتشتت البعض وعاد البعض إلى قراهم وتحقق فيهم ما سبق وأنبأهم به السيد ” الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح.

أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح. المرأة وهي تلد تحزن لأن ساعتها قد جاءت. ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لأنه قد ولد إنسان في العالم. فأنتم كذلك عندكم الآن حزن. ولكن سأراكم أيضا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم ” (يو20:16)، كما وعدهم.

وكان السيد أيضا قد سبق ووعدهم انه بعد قيامته سيظهر لهم وحدهم ” بعد قليل لا يراني العالم… أما أنتم فترونني. إني أنا حي فأنتم ستحيون ” (يو9:14).

وبعد أن قام السيد وظهر لهم وحدهم حسب وعده الصادق لهم وتوالى ظهوره لهم مرات عديدة تحولوا إلى النقيض تماماً، فتحول حزنهم إلى فرح، ونسوا بعد القيامة الشدة التي عاشوها قبلها وامتلئوا بالفرح الذي لم ينزع منهم إلى الأبد.

وبعد حلول الروح القدس عليهم، حسب وعد معلمهم لهم (1)، يوم الخمسين عندما حل الروح القدس عليهم وتحولوا إلى شجعان أقوياء ووقفوا أمام العالم كله وليس في أيديهم سوى الإنجيل وانتصروا على هذا العالم بقواته الروحية الشريرة والمادية، فقد حول مجد القيامة وقوتها هؤلاء الحزانى الضعفاء إلى أعظم منتصرين وقادهم السيد ” في موكب نصرته ” (2كو 14:2)، وشحنهم الروح القدس بطاقة روحية وكان معهم في كل مكان وزمان كما زودهم السيد بالآيات والمعجزات التي برهنت على صحة إيمانهم.

 

3 – مواجهة الرسل للعالم بحقيقة الصلب والقيامة:

وقف القديس بطرس الرسول مع التلاميذ والرسل جميعاً، بعد أن حل عليهم الروح القدس في يوم الخمسين ونادوا في قلب أورشليم، التي صلب فيها المسيح منذ سبعة أسابيع فقط، أمام الآلاف الغفيرة من اليهود وقال: ” أيها الرجال اليهود والساكنون في أورشليم أجمعون… أسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضا تعلمون.

هذا أخذتموه مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي آثمة صلبتمُوه وقتلتمُوه. الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منهُ. لأن داود يقول فيه… لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فساداً… فإذا كان نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنهُ لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فساداً. فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهوداً لذلك ” (أع 14:2، 22-25).

وفي نفس الأسبوع صعد القديسان بطرس ويوحنا إلى الهيكل عند صلاة الساعة التاسعة (الثالثة ظهراً) وشفيا الأعرج من بطن أمه فأندهش الناس لذلك فقال لهم القديس بطرس ” إله آبائنا مجد فتاه يسوع الذي أسلمتوه أنتم وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس وهو حاكم بإطلاقه، ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يُوهب لكم رجل قاتل. ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات ونحن شهوداً لذلك ” (أع 13:3-15).

ولما قُبض عليهما وحوكما أمام رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ ” امتلأ بطرس من الروح القدس وقال لهم يا رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل… فليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه من الأموات. بذلك وقف هذا صحيحاً أمامكم ” (أع 10:4).

وبعد سجن بطرس الرسول وإخراج الملاك له من السحن وقف الرسل ثانيه أمام رؤساء الكهنة وقالوا لهم ” قد ملأتم أورشليم بتعليمكم وتريدون أن تجلبوا علينا دم هذا الإنسان ” فقال لهم الرسل ” إله آبائنا أقام يسوع الذي أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبه. هذا رفعه الله بيمينه… ونحن شهود له بهذه الأمور والروح القدس أيضاً ” (أع 30:5-32).

وكذلك وقف القديس أستفانوس وهو يحاكم أمام السنهدرين وقال لهم ” أي الأنبياء لم يضطهده آباؤكم وقد قتلوا الذين سبقوا فانبأوا بمجيء البار الذي أنتم الآن صرتم مسلميه وقاتليه ” (أع 52:7).

 وكانت نتيجة هذه العظات وغيرها هي انضمام آلاف اليهود بما فيهم كهنه ورؤساء كهنة وغيرهم من رجال الدين إلى المسيحية، ثم حدوث اضطهاد عظيم على الكنيسة في أورشليم وتشتت المؤمنون، عدا الرسل، إلى خارجها. وفي كل الحالات لم يجرؤ اليهود على مواجهه الرسل بأي شئ يمكن أن يناقض إيمانهم سوى القتل والاضطهاد، الذي صار بركة للكنيسة. كما أن إيمان الآلاف منهم بالمسيح بحقيقة قيامته نتيجة لكرازة الرسل والآيات التي أجراها الله على أيديهم (أع 12:5)، لهو أكبر دليل على صحة كل حرف تكلموا به.

وعندما بشر القديس بطرس الرسول أول جماعه من الأمم في قيصرية بفلسطين وعلى رأسهم القائد الروماني كرنيليوس، قال لهم ” أنتم تعلمون الأمر الذي صار في كل اليهودية مبتدأً من الجليل بعد المعمودية التي كرز بها يوحنا. يسوع الذي من الناصرة… الذي أيضاً قتلوه معلقين إياه على خشبه. هذا أقامه الله في اليوم الثالث وأعطى أن يصير ظاهراً ليس لجميع الشعب بل لشهود سبق الله فأنتخبهم. لنا نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات” (أع37:10-41).

فقد بشر الرسل أناس من اليهود والأمم يعرفون كل ما جرى وحدث للرب يسوع المسيح من صلب وموت ودفن، أما القيامة وظهوراتها فقد خص الله بها الشهود الذين سبق فأختارهم والذين سبق فوعدهم ” بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما أنتم فترونني ” (يو19:14)، وكان على هؤلاء الشهود أن يشهدوا بما سمعوا ورأوا للعالم أجمع ” وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض ” (أع8:1). وفي مواقفهم لم يجرؤ أحد أن يناقض أو يكذب حرف مما قالوه لأنه كان معلوماً عند الجميع.

وبعد تحول القديس بولس إلى المسيحية وقف في مجمع اليهود في إنطاكية بيسيدية وقال لهم ” أيها الرجال الأخوة من جنس بنى إبراهيم والذين بينكم يتقون الله إليكم أرسلت كلمه الخلاص. لأن الساكنين في أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوا هذا.

وأقوال الأنبياء التي تقرأ كل سبت تمموها إذا حكموا عليه. ومع أنهم لم يجدوا عله واحدة للموت طلبوا من بيلاطس أن يقُتل. ولما تمموا كل ما كُتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبر. ولكن الله أقامه من الأموات. وظهر أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم شهود عند الشعب ” (أع 26:13-31). وقال للملك هيرودس أغريباس ومجمع الحاضرين معه ” أنا لا أقول شيئاً غير ما تكلم الأنبياء وموسى أنه عتيد أن يكون إن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامه الأموات ” (أع22:26و23).

وهكذا واجه تلاميذ المسيح ورسله اليهود بحقيقة قيامه المسيح الذي صلبوه، كما واجهوهم باللوم لصلبهم له برغم أن ذلك تم بإرادة الله ومشورته الأزلية وعلمه السابق، كما واجهوا العالم الوثني وقدموا له المسيح المصلوب برغم عثره الصليب بالنسبة له ” نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثره ولليونانيين جهالة ” (1كو23:1)

وواجهوا الجميع بالقيامة، قيامة الرب من الأموات، ولم يكن للعالم دليل ضدهم فاليهود يعترفون بأنهم صلبوا المسيح واليونانيون والرومان ينظرون إليه باعتباره الذي صلبه اليهود، أما القيامة فلم يستطع العالم إنكار حقيقتها خاصة وأن الذين نادوا بها أيدهم الله بالبراهين والآيات والعجائب والمعجزات التي أثبتت صحة دعواهم وكرازاتهم ولم يكن أمام العالم سوى قبول هذه الحقائق والإيمان بالمسيحية أو اضطهاد رسل المسيح حتى الدم.

 

4 – التلاميذ شهود إثبات الصلب وخلفاؤهم والسند المتصل لهم:

تسلم التلاميذ ورسله الرسالة من الرب يسوع المسيح، وكان لهؤلاء التلاميذ والرسل خلفاء وتلاميذ، أسمتهم الكنيسة بالآباء الرسوليين، ومن هؤلاء من كان تلميذاً للقديس بطرس مثل أغناطيوس أسقف إنطاكية، وبوليكاربوس أسقف سميرنا بآسيا الصغرى والذي كان تلميذا للقديس يوحنا الرسول تلميذ المسيح، واكليمندس الروماني تلميذ القديس بولس وغيرهم. هؤلاء استلموا منهم الإنجيل الشفوي قبل أن يكتب، مع بقية المؤمنين، ثم الإنجيل المكتوب، ثم سلموه بدورهم لخلفائهم هم أيضا، مع بقية الجماعة والكنيسة المسيحية.

كانت هناك دائما سلسلة متواصلة من الشهود. فمثلا كان القديس يوحنا تلميذا للمسيح وكان من ضمن تلاميذ يوحنا القديس بوليكاربوس ومن تلاميذ القديس بوليكاربوس القديس أريناؤس أسقف ليون بفرنسا، وبالتالي ما يقوله الواحد هو ما نقله عن الآخر، فقد نقل بوليكاربوس عن يوحنا ونقل أريناؤس عن بوليكاربوس وبالتي ما كتبه أريناؤس هو شهادة القديس يوحنا المنقولة عبر بوليكاربوس، وهكذا.

وهؤلاء سلموه بدورهم لمن بعدهم حتى جاءت المجامع الكنسية سواء المحلية والتالي بدأت في نهاية القرن الثاني الميلادي، أو المسكونية التي بدأت بمجمع نيقية سنة 325م. وقد واجه هؤلاء العالم كله بحقيقة الصلب والقيامة، وكان العالم جميعه ينظر إليهم كأتباع المصلوب الذي صلبه اليهود ولكنهم واجهوه بحقيقة قيامته وانتصاره على الموت وصعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين العظمة في السماء. وهذه بعض فقرات مما كتبوه:

 

(1) اكليمندس الروماني (30 100م):

تلميذ الرسل وأسقف روما: يقول في رسالته: ” لنركز أنظارنا على دم المسيح متحققين كم هو ثمين لدى أبيه، إذ سفكه لأجل خلاصنا، وقدم نعمه التوبة للعالم كله “. ” لنكرم الرب يسوع المسيح الذي قدم دمه لأجلنا “. ” وقد صار الرب يسوع المسيح باكورة القائمين من الموت “. ” وبعدما تسلم الرسل أوامرهم واقتنعوا بقيامه ربنا يسوع المسيح تماماً، وتأكدوا من كلمه الله، ذهبوا في ثقة الروح القدس للكرازة “.

 

(2) أغناطيوس الأنطاكي ( 30 107م) تلميذ بطرس الرسول وأسقف كنيسة إنطاكية:

يقول في رسالته إلى أفسس ” أن روحي هي ضحية الصليب، والصليب هو عثره لغير المؤمنين، أما لنا نحن فهو خلاص وحياه أبديه ” (أف 1:18).

ويقول في رسالته إلى ترالس ” يسوع المسيح… تألم حقاً على عهد بيلاطس البنطى، وصلب حقاً ومات حقاً أمام السمائيين والأرضيين ومن تحت الأرض قام حقاً من الأموات ” (1:9،2).

وقال في رسالته إلى سميرنا ” أنا أؤمن أنه بعد القيامة كان ما يزال له جسد، وأؤمن أنه هكذا الآن، ومثال ذلك، عندما جاء للذين كانوا مع بطرس قال لهم ” جسونى وانظروا أنى لست روحاً بدون جسد ” وفي الحال لمسوه وأمنوا أنه كان روحاً وجسداً… وبعد قيامته أكل وشرب معهم… ” (ف2).

 

(3) بوليكاربوس (65-155م) تلميذ القديس يوحنا الرسول:

يقول في رسالته إلى فيلبى: ” يسوع المسيح سيدنا الذي تحمل الموت من أجلنا وأقامه الله حالاً رباطات الجحيم ” (2:1). ” أمنوا بمن أقام سيدنا يسوع المسيح من بين الأموات وأعطاه مجداً ” (1:2). ” فلنلتصق دائماً برجائنا وعريس عدالتنا يسوع المسيح الذي حمل خطايانا في جسده على الخشبة (الصليب) ” (1:7).

 

(4) رسالة برنابا المكتوبة سنة 100م وقد جاء فيها:

” أن السيد قد أحتمل تسليم جسده إلى الفساد. كان المقصود هو تنقيتنا وغفران خطايانا الذي تم بنضح دمه ” (1:5). ” يا أخوتي إذا كان السيد قد أحتمل أن يتألم من أجل نفوسنا وهو رب المسكونة… فكيف قبل أن يتألم على أيدي الناس؟ ولكي يعطل الموت ويبرهن على القيامة من الأموات ظهر بالجسد وأحتمل الآلام ” (5:5). ” أنه هو الذي أراد أن يتألم هكذا، وكان عليه أن يتألم على الصليب ” (12:5).

وأيضا ” قد تألم ليحيينا بجراحه، فلنؤمن أن أبن الله لم يتألم إلا لأجلنا وقد سقى الخل والمر أره عندما صلب ” (2:7،3). ” لذلك نعيد اليوم الثامن بفرح. اليوم الذي قام فيه المسيح من الأموات وظهر وصعد إلى السماء ” (9:15).

 

(5) يوستينوس الشهيد (100-165م):

يقول في حواره مع تريفو اليهودي ” لأنه حقاً بقى المسيح على الشجرة (الصليب) حتى المساء تقريباً ودفنوه في المساء وفي اليوم الثالث قام ثانيه “(2).

وقال في كتابه على القيامة ” لماذا قام (المسيح) في الجسد الذي تألم به إلا لكي يبين قيامه الجسد؟ وتأكيداً لهذا، فعندما لم يعرف تلاميذه أن كان قد قام بالجسد حقاً وكانوا ينظرون إليه بشك قال لهم: ” أليس لكم إيمان حتى الآن، انظروا أنى أنا، وسمح لهم أن يجسوه ويروا آثار المسامير في يديه، وعندما اقتنعوا تماماً أنه هو نفسه وفي الجسد سألوه أن يأكل معهم كي ما يكونوا أكثر يقيناً، أنه قام في جسده الحقيقي؟ فأكل شهد عسل وسمكاً “(3).

 

(6) ايريناؤس (120 220) أسقف ليون بفرنسا:

هذا القديس كتب فصولاً طويلة شرح فيها آلام السيد المسيح وصلبه وموته ودفنه وقيامته نكتفي منها بهذه الفقرة: ” وكما قام المسيح بجوهر الجسد وكشف لتلاميذه أثار المسامير والفتحة في جنبه… فقد قام بقوته هو”(4).

 

4 – التقليد المسيحي وحقيقة الصلب والقيامة:

التقليد المسيحي هو تعليم رسل السيد المسيح الذي تسلموه من السيد نفسه وسلموه لخلفائهم وتلاميذهم، وقد مارسوه عملياً من خلال شعائرهم وصلواتهم وأصومهم واحتفالاتهم ” وتحفظون التعاليم التي سلمتها إليكم ” (1كو 11:2)، ” فأثبتوا إذاً أيها الأخوة وتمسكوا بالتعاليم التي تعلمتموها سواء بالكلام أم برسالتنا” (2 تس 15:2)، ” فكيف ننجو نحن أن أهملنا خلاصاً هذا مقداره قد أبتدأ الرب بالتكلم به ثم تثبت لنا من الذين سمعوا شاهداً الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس حسب إرادته ” (عب 2:2-4).

 

(1) القداس الإلهي:

والذي يتركز جوهره حول موت المسيح مصلوباً ودفنه وقيامته من الأموات وصعوده. وقد مُورست صلوات القداس منذ فجر الكنيسة على أيدي الرسل، حيث بدأ بعد حلول الروح القدس مباشرة ” كانوا يواظبن على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات ” (أع42:2).

يقول القديس بولس الرسول لأهل كورنثوس ” كأس البركة التي نباركها أليست هي شركه دم المسيح. الخبز الذي نكسره أليس هو شركه جسد المسيح ” (1كو16:10)، ” لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا أن الرب يسوع في الليلة التي أسلم فيها أخذ خبزاً شكر فكسر وقال (خذوا كلوا) هذا هو جسدي المكسور لأجلكم. اصنعوا هذا لذكرى. كذلك الكأس أيضاً بعدما تعشوا قائلاً هذه الكأس هي العهد الجديد بدمى. اصنعوا هذا كل ما شربتم لذكرى. فأنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجئ ” (1كو23:11،26).

ومن أقدم القداسات التي استخدمتها الكنيسة، قداس القديس يعقوب، قداس كنيسة أورشليم، وقداس القديس مرقس، قداس كنيسة الإسكندري واللذان استخدمهما الرسولان قبل استشهادهما في القرن الأول الميلادي.

 

أ – قداس القديس يعقوب، وتوجد منه أجزاء من مخطوطة ترجع للقرن الثالث جاء فيه ” وعند تقديم حياته بإرادته للموت على الصليب… أخذ خبزاً على يديه… وقال خذوا كلوا، هذا هو جسدي المكسور لأجلكم يعطى لمغفرة الخطايا… وهكذا أيضاً بعد العشاء أخذ الكأس… وقال لنا أشربوا منها كلكم، هذا هو دمى الذي للعهد الجديد، المسفوك لأجلكم ولأجل كثيرين يعطى لمغفرة الخطايا… هذا اصنعوه لذكرى، لأن كل مره تأكلون هذا الخبز وتشربون هذه الكأس تبشرون بموت الرب وتعترفون بقيامته إلى أن يجئ… تذكروا، إذاً، آلام تقديم حياته وصليبه المنقذ وموته ودفنه وقيامته من الموت في اليوم الثالث وصعوده إلى السموات “(5).

ب – قداس القديس مرقس، والذي تفرع منه قداسات القديس باسيليوس والقديس كيرلس والقديس أغريغوريوس، وقداس كل الرسل أو القداس الأثيوبي، وهذا القداس، قداس القديس مرقس تطور عنه قداس القديس كيرلس، وجاء في هذه القداس ” لأن كل مره تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تبشرون بموتى وتعترفون بقيامتي وصعودي إلى أن أجيء… أيها السيد والرب القدير ملك السماء، عندما نبشر بموت أبنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح ونعترف بقيامته المباركة من الموت في اليوم الثالث “(6).

 

(2) يوم الأحد:

قدست الكنيسة منذ فجرها يوم الأحد تذكاراً لقيامه السيد المسيح فيه من الموت، وكانت تدعوه اليوم الأول من الأسبوع ” وفي أول الأسبوع (الأحد) إذ كان التلاميذ مجتمعين ليكسروا خبزاً ” (أع 7:20)، ويوم الرب ” كنت في الروح في يوم الرب ” (رؤ4:1)، وجاء في رسالة برنابا (9:15) ” لذلك نُعيد اليوم الثامن بفرح. اليوم الذي قام فيه المسيح من الأموات “، ويقول القديس يوستينوس الشهيد في بداية القرن الثاني ”

وفي اليوم المسمى يوم الشمس (الأحد) يجتمع معاً كل الذين يعيشون في المدن والريف وتقرأ مذكرات الرسل (الأناجيل) أو كتابات الأنبياء… الأحد هو اليوم الذي نجتمع فيه جميعاً لأنه اليوم الأول الذي غير الله فيه الظلمة والمادة وعمل العالم وفي نفس اليوم قام يسوع المسيح مخلصنا من الموت لأنه صُلب في اليوم الذي قبل السبت وفي اليوم الذي بعد السبت، الذي هو يوم الأحد ظهر لرسله وتلاميذه وعلمهم هذه الأمور التي سملناها لكم أيضاً لفائدتكم “(7).

 

(3) عيد القيامة:

كانت القيامة هي محور التعليم المسيحي وجوهره وقد احتفلت الكنيسة بعيد القيامة مُنذ بدايتها ويذكر العلامة أوريجانس في نهاية القرن الثاني في رده على كلسس كيف أن الكنيسة تحتفل بأيام معينه وهى الأحد من كل أسبوع ويسميه ” يوم الرب ” والاستعداد والفصح الذي هو عيد القيامة ويقول أن المسيحي الكامل ” لا يتوقف أبداً عن حفظ عيد البصخه (الفصح) لأن The Pascha الفصح، تعنى العبور، وهذا العبور هو قيامتنا مع المسيح، قمنا مع المسيح ” و ” ورفعنا وأجلسنا معه في السمائيات “(8).

 

(4) صوم الأربعاء والجمعة:

صامت الكنيسة منذ أيامها الأولى الأربعاء والجمعة لأن الأربعاء تمت في المؤامرة علي السيد المسيح عندما وعد يهوذا رؤساء الكهنة أن يسلمه لهم مقابل ثلاثين من الفضة (مت14:26،15)، ويوم الجمعة لأنه اليوم الذي صلب فيه السيد المسيح ومات ودفن. وقد جاء في الدسقولية المكتوبة قبل سنة 100م: ” أما أنتم فصوموا الأربعاء والجمعة ” (الدسقولية ف8).

وجاء في كتاب قوانين الرسل القديسين والذي يرجع لعصر الرسل وكتب قبل القرن الثالث ؛ ” أمرنا (الرب) أن نصوم في اليوم الرابع (الأربعاء) والسادس (الجمعة) من الأسبوع، الرابع بسبب خيانته فيه والأخير بسبب آلامه “(9)، ” صوموا… في اليوم الرابع من الأسبوع ويوم الاستعداد (الجمعة) لأنه في اليوم الرابع انقضى الحكم ضد الرب، فقد وعد يهوذا بخيانته الرب لأجل المال، وفي يوم الاستعداد لأنه في ذلك اليوم عانى الرب موت الصليب في عهد بيلاطس البنطي “(10).

 

(5) علامة الصليب:

كان الصليب قبل صلب المسيح عليه علامة خزي وعار، وبعد قيامته صارت علامة مجد وفخر ” نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة. أما المدعوين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله ” (كو23:1،24)، ” أما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح “، ومن ثم صارت علامة الصليب مصدر فخر لجميع المؤمنين، وكانوا يرسمونه على منازلهم ومقابرهم وكنائسهم، ويرى البعض في قوله: ” أنتم الذين أمام عيونكم قد رسُم يسوع المسيح بينكم مصلوباً ” (غل 14:6)، رسم للصليب.

وكان المؤمنون يطردون الأرواح النجسة برسم علامة الصليب، وقد جاء في مخطوطة ترجع للقرن الأول أكتشفها علماء الآثار وتوجد الآن في المكتبة الأهلية بقاعة الرسامات بباريس، ما نصه ” يا صليب طهرني. أطردك أيها الشيطان. بحيث لا تبرح مقرك أبداً. أفعل ذلك باسم سيدي الحي (أي المسيح) “(11).

 

5 – المجامع المسكونية:

كان المسيحيون منذ البدء عندما يختلفون في أمر عقيدة ما يجتمعون في مجامع مكانية، أي في دولة واحدة، عندما يكون هذا الأمر موجود في هذه الدولة فقط، ويجتمعون في مجامع مسكونية، أي عالمية، تضم ممثلين عن المسيحيين من رجال الدين في كل بلاد العالم المسيحي، لكي يناقشوا هذه العقيدة، وكان على رأس هذه المجامع المسكونية مجمع نيقية سنة 325م، ومجمع القسطنطينية سنة 381م، ومجمع أفسس سنة 431م، ومجمع خلقيدونية سنة 451م، والتي ناقشت مواضيع خاصة بشخص المسيح من جهة لاهوته وتجسده.

ولكن موضوع صلب المسيح فلم يختلف عليه أحد ولم يناقش في أي مجمع، سواء كان مكانياً أو مسكونياً، وكان أمراً متفقاً عليه ولا خلاف حوله، بل وقد وضع مجمع نيقية خلاصة الإيمان المسيحي في هذا الأمر وهو قوله ” تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس، وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي، تألم وقبر وقام من بين الأموات في اليوم الثالث وصعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه “. وهذه الصيغة كانت مقبولة في كل المجامع المكانية والمسكونية، بل ويرددها المسيحيون في كل مكان في العالم مهما كانت طوائفهم.

ولم تكن هذه الصيغة هي الأولى في تاريخ الكنيسة فقد سبقها عدة صيغ، تسمي بصيغ المعمودية، كان يقولها الشخص الذي ينضم إلى المسيحية عند عماده، وفيما يلي بعض نماذج لها:

  • جاء في قانون إيمان الرسل (القرن الأول): ” تألم في عهد بيلاطس البنطي، وصُلب (ومات) ودُفن ؛ (ونزل إلى الجحيم)، وفي اليوم الثالث قام من الأموات “
  • وجاء في قانون إيمان القديس إيريناؤس بلاد الغال، فرنسا حاليا، (عام 170م): ” الذي صار جسداً (من العذراء) لأجل خلاصنا ؛ وآلامه (في عهد بيلاطس البنطي)، وقيامته من الأموات “.
  • وجاء في قانون إيمان العلامة ترتليان، من شمال أفريقيا (200م): ” ثُبّت على الصليب (في عهد بيلاطس البنطي)، مات ودُفن ؛ قام في اليوم الثالث “.
  • وجاء في قانون العلامة أوريجانوس، من الإسكندرية (230م): ” تألم حقا، ومات، قام من الأموات “.
  • وجاء في قانون إيمان لوقيانوس، أو لوسيان (مُعلم أريوس)، إنطاكية (300م): ” الذي تألم من أجلنا، وقام من أجلنا في اليوم الثالث “.
  • وجاء في قانون إيمان يوسابيوس، أسقف قيصرية (325م): ” الذي من أجل خلاصنا صار جسدا بين البشر ؛ وتألم، وقام في اليوم الثالث “.
  • بل وجاء في إقرار الإيمان الذي قدمه أريوس في مجمع نيقية: ” نؤمن بإله واحد، الآب القدير ؛ وبالرب يسوع المسيح ابنه، المولود منه قبل كل الدهور، الله الكلمة الذي به صنع كل شيء، ما في السموات وما على الأرض. الذي من نزل وصار متجسدا ؛ وتألم، وقام ثانية “(12).

وهكذا كان المؤمنون بالمسيحية في كل أنحاء العالم مؤمنون بصلب المسيح ولم يشذ عن ذلك سوى مجموعة من الأفراد الذين خلطوا بين فكرهم الغنوسي الدوسيتي الوثني السابق وبين المسيحية وقد انتهت بدعتهم وهرطقتهم مع نهاية القرن الثاني ولم يبق منهم سوى مجرد أفراد يظهرون بين الحين والآخر ويردون نفس القول لنفس السبب !!!!

وحتى هؤلاء فقد آمنوا بصلب المسيح ودونوا في كتبهم التي أسموها أناجيل نفس تفصيلات أحداث الصلب كما وردت في الأناجيل القانونية، كما بينا، مع إضافة عبارات تشير لفكرهم القائل بأن المسيح لاهوت فقط وأنه ظهر كشبح وخيال لذا فقد كان صلبه بالنسبة لهم مجرد شبح وخيال !!!!

 

6 – التاريخ العام لا يعرف إلا المسيح المصلوب:

(1) التلمود اليهودي:

ويقر اليهود في تلمودهم بأنهم قتلوا المسيح وصلبوه فقد جاء في نسخته التي نشرت في أمستردام عام 1943، ص 42 قوله ” لقد صُلب يسوع قبل الفصح بيوم واحد. وقبل تنفيذ الحكم فيه، ولمدة أربعين يوماً خرج مناد ينادي: إن (يسوع) سيُقتل لأنه مارس السحر وأغرى إسرائيل على الارتداد، فعلى من يشاء الدفاع عنه لمصلحته والاستعطاف من أجله أن يتقدم. وإذ لم يتقدم (أحد) للدفاع من أجله في مساء (ليلة) الفصح.

وهل يجرؤ أحد عن الدفاع عنه؟ ألم يكن مفسداً؟ وقد قيل في الأنبياء إن شخصاً مثل هذا: ” لا تَسْمَعْ لَهُ وَلا تُشْفِقْ عَيْنُكَ عَلَيْهِ وَلا تَرِقَّ لَهُ وَلا تَسْتُرْهُ، بَلْ قَتْلاً تَقْتُلُهُ ” (تث8:13و9)(13).

وقال يوحنا بن زكا تلميذ هليل المعلم الشهير في كتابه سيرة يسوع الناصري ” إن الملك وحاخامات اليهود قد حكموا على يسوع بالموت لأنه جدف حين ادعى أنه ابن الله… وأنه الله “. ثم قال بعد ذلك: ” ولما كان المسيح في طريقه إلى الموت كان اليهود يصرخون أمامه: فلتهلك كل أعدائك يا رب ” (عوض سمعان ” قضية الغفران ” ص 108 ونقولا يعقوب غبريال ” مباحث المجتهدين ” ط 6 ص 76.).

وقال الحاخام اليهودي جوزيف كلاونز الذي عاش في القرن التاسع عشر في كتابه يسوع الناصري بعد فحص الإشارات إلى يسوع في التلمود معترفا دون محاباة قائلا ” لم ينكر شيئاً في الأناجيل !! فقد جري تحريفها (في التلمود) فقط إلى مصدر لوم واستهزاء “(14).

 

(2) تقرير بيلاطس البنطي:

وهذا التقرير ذكره القديس يوستينوس الشهيد عام 150م في أثناء دفاعه الأول حيث أكد أن صلب المسيح يثبته تقرير بيلاطس، كما يلمح في نفس الدفاع إلى طائفة من العجائب وأعمال الشفاء، ثم يقول: ” إنه حقاً قد. صنع هذه ويمكنك التأكد منها من تقرير بيلاطس ” وأشار ترتليان أيضاً إلى نفس هذا التقرير(15).

(3) التاريخ الروماني:

ويشهد التاريخ الروماني لصحة الحادثة بحسب ما يذكر كورنيليوس تاسيتوس (55-125م)، وهو مؤلف روماني عاصر ستة أباطرة ولُقب بمؤرخ روما العظيم. وقال عنه ف. ف بروس F.F.Bruce أنه، تاسيتوس، كان، بحكم علاقته بالحكومة الرومانية، مطلعاً على تقارير حكام أقاليم الإمبراطورية وسجلات الدولة الرسمية. وقد أشار إلى المسيح في كتابيه ” الحوليات والتواريخ ” ثلاث مرات أهمها قوله في الحوليات الجزء الثالث ” لكي يتخلص نيرون من التهمة (أي حرق روما) ألصق هذه الجريمة بطبقة مكروهة معروفة باسم المسيحيّين، ونكَّل بها أشد تنكيل.

فالمسيح الذي اشتق المسيحيون منه اسمهم، كان قد تعرض لأقصى عقاب في عهد طيباريوس على يد أحد ولاتنا المدعو بيلاطس البنطي. وقد راجت خرافة من أشد الخرافات إيذاء، وإن كانت قد شُكمت لفترة قصيرة، ولكنها عادت فشاعت ليس فقط في اليهودية المصدر الأول لكل شر، بل انتشرت أيضاً في روما التي أصبحت بؤرة لكل الأشياء الخبيثة والمخزية التي شرعت ترد إليها من جميع أقطار العالم “(16).

واضح أن الخرافة أو الإشاعة التي ألمح إليها هي قيامة المسيح من الأموات.

 

(4) التاريخ اليوناني:

وكذلك أيضا شهادة التاريخ اليوناني حيث يقول لوسيان اليوناني: والذي كان أحد مؤرخو اليونان البارزين في مطلع القرن الثاني الميلادي. وقد علق في مقال نقدي ساخر على المسيحيين والمسيح. وإذ كان ينتمي إلى المذهب الأبيقوري فقد عجز عن استيعاب طبيعة الإيمان المسيحي واستعداد المسيحيين للاستشهاد في سبيل عقيدتهم، وحسبهم شعباً مخدوعاً يتعلق بأوهام عالم ما بعد الموت بدلاً من التمتع بمباهج العالم الحاضر وملذاته وأبرز ما قاله ” إن المسيحيين، كما تعلم، ما زالوا إلى هذا اليوم يعبدون رجلاً – وهو شخصية متميزة، استنّ لهم طقوسهم الجديدة وصُلب من أجلها… ومنذ اللحظة التي اهتدوا فيها (إلى المسيحية) وأنكروا آلهة اليونان وعبدوا الحكيم المصلوب، استقرّ في عرفهم أنهم أخوة “(17).

 

(5) الرواقي مارا السوري (73 – 160):

كتب في رسالة له لابنه سيرابيون، كتبها من السجن، عن يسوع باعتباره ملك حكيم كسقراط وفيثاغورس قائلاً ” أية فائدة جناها اليهود من قتل ملكهم الحكيم لم يمت هذا الملك الحكيم إلى الأبد لأنه عاش من خلال تعاليمه التي علم بها “، ولكن الله أنتقم له ” بتدميرهم وتشتيتهم في كل مكان “(18).

مع ملاحظة أن هؤلاء، باستثناء اليهود وبيلاطس، قد كتبوا من منطلق معرفتهم عقيدة المسيحيين في صلب المسيح عن طريق المسيحيين أنفسهم، أي أنه كان هناك إجماع عند المسيحيين، سواء في سوريا وما حولها واليونان وبقية الإمبراطورية الرومانية، على صلب المسيح وهذا ما عرفه هؤلاء المؤرخون منهم. أما تقرير بيلاطس فهو يكتب كشاهد عيان وكذلك اليهود.

(1) (يو16:14، 17، 26، 15، 16، 7؛ لو 49:24؛ أع 4:1، 1:2-4).

(2) Dialogue. Ch. 97.

(3) On Resurrection. Ch. 9.

(4) Against Her. B. 5:7.

(5) Ante Nicene Fathers Vol, 1.

(6) Ante Nicene Fathers Vol, 1.

(7) First Apology Ch. 67.

(8) Origen Against C.

(9) Constitution of the H. Ap. B 5:3.

(10) Ibid 7:2.

(11) مجلة الهلال العدد العاشر السنة العاشرة.

(12) Socrates Church History 1:26.

(13) Josh McDowell & Bill Wilson. He Walked Among Us p. 64.

(14) W.T. Bib. Is The Bible The Word of God? p. 65.

(15) The Verdict of History, p. 100 & He Walked Among Us p. 53,54.

(16) Tacitus, Annals, 15, 44 & The Verdict of History, p. 100 & He Walked Among Us p. 53,54.

(17) Ibid,

(18) He Walked Among Us p. 54.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

صلب المسيح حقيقة مؤكدة تاريخياً ومسيحياً ووثائقياً – القمص عبد المسيح بسيط

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

 

تنبأ أنبياء العهد القديم ابتداء من إبراهيم إلى ملاخي بكل تفصيلات حياه المسيح وكانت قمة نبوّاتهم عن صلب المسيح وقيامته. وهذه النبوّات التي سجلوها بالروح القدس في أسفارهم كان علماء اليهودية يعرفون بعضاً منها ولكن عندما جاء الرب يسوع المسيح كشف عن كل هذه النبوات وشرحها وفسر مغزاها لتلاميذه ورسله، كما فسر بعضها أمام الجموع وبصفة خاصة أمام رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيون. وقال لهم في أكثر من مناسبة:

  • ” فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياه أبدية، وهى التي تشهد لي ” (يو39:5).
  • ” أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح ” (يو56:8).
  • ” لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوني لأنه كتب عنى” (يو46:5).
  •  وفي (متى42:22،45) اتفق المسيح ورؤساء اليهود على أن داود تنبأ عن المسيح ودعاه ” ربه ” ” قال الرب لربى “.

وأكد هذه الحقيقة أمام تلاميذه مرات كثيرة مثل قوله ” لأني أقول لكم انه ينبغي أن يتم فيّ أيضا هذا المكتوب وأحصي مع أثمة. لان ما هو من جهتي له انقضاء ” (لو37:22). وفي العشاء قال لهم مشيرا إلى يهوذا ” أنا اعلم الذين اخترتهم. لكن ليتم الكتاب. الذي يأكل معي الخبز رفع عليّ عقبه ” (يو18:13). وقال ليهوذا محذراً ” أن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان.

كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد ” (مت24:26ومر21:14). وفي الطريق إلى البستان صلى للآب قائلا ” حين كنت معهم في العالم كنت احفظهم في اسمك الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد الا ابن الهلاك ليتم الكتاب ” (يو12:17). ثم قال للتلاميذ ” حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكّون فيّ في هذه الليلة لأنه مكتوب أني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية ” (مت31:26).

ولما حاول القديس بطرس الدفاع عنه بالسيف قال له ” أتظن أني لا أستطيع الآن أن اطلب إلى أبي فيقدم لي اكثر من اثني عشر جيشا من الملائكة. فكيف تكمل الكتب انه هكذا ينبغي أن يكون ” (مت52:26-54).

وعندما قبضوا عليه قال لهم ” كل يوم كنت معكم في الهيكل اعلّم ولم تمسكوني. ولكن لكي تكمل الكتب ” (مر49:14). وأخيرا وعلى الصليب يقول الكتاب ” بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان ” (يو28:19).

وبعد قيامته من الموت وظهوره لتلاميذه ورسله، خاصته، فسر لهم كل ما سبق أن تنبأ به عنه أنبياء العهد القديم خاصة ما يتعلق بصلبه وموته وقيامته تفصيلياً، فقال لتلميذى عمواس ” أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء. أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده. ثم أبتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب ” (25:24-27).

وقال للأحد عشر ” هم والذين معهم ” (لو33:24): “هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم أنهُ لابُد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى في ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب. وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث ” (لو44:24-46).

وعندما حل الروح القدس على التلاميذ والرسل يوم الخمسين واجهوا اليهود في الهيكل والمجامع بهذه النبوات مؤكدين أن كل ما حدث للمسيح من محاكمه وصلب وموت وقيامه سبق وتنبأ به أنبياء العهد القديم:

  • ” وكان يحاجهم ” (أع2:17و3) … من الكتب موضحاً ومبيناً أنه كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات ” (أع18:3).
  • ” لأن الساكنين في أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوا هذا وأقوال الأنبياء التي تقرأ كل سبت تمموها إذ حكموا عليه. ومع أنهم لم يجدوا عله واحدة للموت طلبوا من بيلاطس أن يُقتل ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبر ” (أع27:13-29).
  • ” تكلم الأنبياء وموسى أنه عتيد أن يكون أن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامه الأموات ” (أع22:26و23).
  • ” الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم. باحثين إي وقت أو ما الوقت الذي يدل عليه روح المسيح الذي فيهم إذ سبق فشهد للآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها ” (1بط10:1-11).
  • المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب ” (1كو3:15،4).

وهذه أهم النبوات التي جاءت في أسفار العهد القديم عن الصلب والقيامة وطبقها تلاميذ المسيح ورسله على أحداث القبض عليه ومحاكمته وصلبه وموته ودفنه وقيامته من الأموات في اليوم الثالث. ونحن هنا لا نختار مجرد آيات من العهد القديم تتشابه مع أحداث العهد الجديد ولكن نعتمد على ما طبقه كُتاب العهد الجديد الموحى إليهم والمسوقين من الروح القدس بحسب ما سبق الرب يسوع وفسره لهم وبحسب ما قادهم وأرشدهم إليه الروح القدس:

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

1 – خيانة أحد تلاميذه له:

النبوّة: ” رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي رفع على عقبه ” (مز9:41).

الإتمام: ” أنا أعلم الذين اخترتهم. لكن ليتم الكتاب. الذي يأكل معي الخبز رفع على عقبه … وشهد (المسيح) وقال الحق الحق أقول لكم أن واحداً منكم سيسلمني… الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه. فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الأسخريوطي ” (يو18:13-26).

” وفيما هو يتكلم إذا يهوذا واحد من الأثنى عشر قد جاء معه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً الذي أقبله هو هو. امسكوه. فللوقت تقدم إلى يسوع وقال السلام يا سيدي. وقبله ” (متى47:26-49).

وعند اختيار الرسل لبديل عن يهوذا قال القديس بطرس بالروح: ” أيها الرجال الاخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا الذي صار دليلا للذين قبضوا على يسوع ” (أع16:1).

2 – بيعه بثلاثين قطعة من الفضة:

النبوّة: ” فقلت لهم أن حسن في أعينكم فأعطوني أجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب ألقها في حقل الفخاري ” (زك12:11،13).

الإتمام: ” حينئذ ذهب واحد من الاثنى عشر الذي يدعى يهوذا الأسخريوطى إلى رؤساء الكهنة وقال ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم. فجعلوا له ثلاثين من الفضة ” (مت14:26و15).

” حينئذ لما رأى يهوذا الذي سلمه أنه (المسيح) قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة … فطرح الفضة في الهيكل وأنصرف. ثم مضى وخنق نفسه. فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاورا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء … فتم ما قيل … وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بنى إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب ” (مت3:27-10).

3 – تركه من تلاميذه وأتباعه:

النبوّة: ” أستيقظ يا سيف على راعى ورجل رفقتي يقول رب الجنود. أضرب الراعي فتتشتت الغنم … ” (زك7:13).

الإتمام: ” وقال لهم يسوع كلكم تشكون في هذه الليلة. لأنه مكتوب إني أضرب الراعي فتتبدد الخراف ” (مر27:14)، ” أما هذا كله فقد كان لكي تكمل كتب الأنبياء. حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا ” (مت56:26).

4 – يقوم عليه شهود زور:

النبوّة: ” شهود زور يقومون على وعما لم أعلم يسألونني. يجازونني عن الخير شرا …” (مز11:35-12). 

الإتمام: ” وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه. فلم يجدوا. ومع أنه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا. ولكن أخيراً تقدم شاهداً زور، (مت 59:26و60).

5 – يُسخر منه ويُضرب:

النبوّة: ” يضربون قاضى إسرائيل بقضيب على خده ” (ميخا1:5). ” بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين. ووجهي لم أستر عن العار والبصق ” (أش6:5،7). ” محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به ” (إش3:53)، ” كان منظره كذا مفسداً ” (إش14:52).

الإتمام: ” حينئذ بصقوا في وجهه ولكموه. وآخرون لطموه. قائلين تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك ” (مت67:26و68)، “وكانوا يجثون أمامه ويستهزئون به، وبصقوا عليه وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه ” (مت29:27و30).

6 – يصلب بتسمير يديه ورجليه:

النبوّة:

لأنه أحاطت بي كلاب. جماعه من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا يدي ورجلي، (مز16:22)، والأمر المدهش حقاً في هذه النبوّة التي تنبأ بها داود النبي حوالي سنة سنه 1… ق م هو أن حكم الإعدام في إسرائيل كان يتم بالرجم، وثقب اليدين والرجلين لا يتم إلا بالصلب الذي لم يكن يعرف في ذلك الوقت ولم يعرفه بنو إسرائيل إلا بعد السبي البابلي سنه 4.. ق م والغريب حقاً والمدهش أن يتنبأ داود عن الصلب دون أن يراه أو يعرف عنه شيئاً.

الإتمام:

” ولما مضوا به إلى الموضع الذي يدعى جلجثة صلبوه هناك ” (لو33:23)، وبعد القيامة ” أراهم يديه ورجليه ” أي أثر المسامير في يديه ورجليه (لو 40:24). وفي يوحنا يقول ” ولما قال هذا أراهم يديه وجنبه. ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب ” (يو20:20). ولكن توما لم يكن حاضراً ولم يرى هذا الظهور ولما أبلغه التلاميذ بذلك قال لهم ” أن لم أبصر في يديه اثر المسامير واضع إصبعي في اثر المسامير واضع يدي في جنبه لا أؤمن وبعد ثمانية أيام كان تلاميذه أيضا داخلا وتوما معهم.

فجاء يسوع والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال سلام لكم. ثم قال لتوما هات إصبعك إلى هنا وابصر يديّ وهات يدك وضعها في جنبي (ليرى أثر الحربة) ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا ” (يو25:20-27).

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

7 – يصلب بين لصين:

النبوّة:

” … وأحصى مع أثمه ” (إش12:53).

الإتمام:

” لأني أقول لكم أنه ينبغي أن يتم في أيضاً هذا المكتوب وأحصى مع أثمه، (لو37:22)، ” حينئذ صُلب معه لصان واحد عن اليمين وواحد عن اليسار ” (مت38:27).

8 – يصلى لأجل صالبيه:

النبوّة: ” وشفع في المذنبين ” (إش12:53).

الإتمام: ” فقال يسوع يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون ” (لو34:23).

9 – السخرية منه وهو على الصليب:

النبوّة: ” وأنا صرت عاراً عندهم. ينظرون إلى وينغضون رؤوسهم ” (مز1:9،25)، ” كل الذين يرونني يستهزئون بي. يفغرون الشفاه وينغضون الرأس ” (مز 7:22).

الإتمام: ” وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم ” (مت39:27).

10 – اقتسام ثيابه وإلقاء قرعه على لباسه:

النبوّة: ” يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون ” (مز18:22).

الإتمام: ” ثم أن العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع أخذوا ثيابه وجعلوها أربعه أقسام لكل عسكري قسماً. وأخذوا القميص أيضاً. وكان القميص بغير خياطة منسوجاً كله من فوق. فقالوا بعضهم لبعض لا نشقه بل نقترع عليه لمن يكون. ليتم الكتاب القائل اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي القوا قرعة ” (يو23:19و24). 

11 – يترك من الآب:

النبوّة: ” إلهي إلهي لماذا تركتني … ” (مز1:22).

الإتمام: ” ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً … إلهي إلهي لماذا تركتني ” (مت46:27).

12- يعطش على الصليب ويشرب الخل:

النبوّة: ” يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي ” (مز15:22)، ويجعلون في طعامي علقماً وفي عطشى يسقونني خلاً ” (مز21:69).

الإتمام:بعد هذا رأى يسوع أن كل شئ قد كمل فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان … فملأوا أسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا وقدموها إلى فمه. فلما أخذ يسوع الخل. قال قد أكمل ” (يو28:19-30).

13 – طعن جنبه بحربه وعدم كسر عظم من عظامه:

النبوّة: جاء عن خروف الفصح ” وعظماً لا تكسروا منه ” (خر46:22)، وخروف الفصح كان رمزاً للمسيح ” لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا ” (1كو7:5)، وجاء في مزمور (20:34) ” يحفظ جميع عظامه. واحد منها لا ينكسر” (مز20:34)، وعن طعنه بحربه جاء في زكريا (10:12) ” فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون عليه “.

الإتمام: ” فأتى العسكر وكسروا سأقي الأول والآخر المصلوب معه. وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات. لكن واحداً من العكسر طعن جنبه بحربه وللوقت خرج دم وماء … هذا كان ليتم الكتاب القائل عظم لا يكسر منه. وأيضاً يقول كتاب آخر سينظرون إلى الذي طعنوه ” (يو33:19-37).

14 – دفنه في قبر غنى:

النبوّة: ” وجعل مع الأشرار قبره ومع غنى عند موته ” (أش9:53).

الإتمام: ” ولما كان المساء جاء رجل غنى من الرامة أسمه يوسف … فأخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقى. ووضعه في قبره الجديد ” (مت57:27 -60).

15- موته على الصليب بإرادته:

النبوّة: ” أنه سكب للموت نفسه ” (إش12:53). ” بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق ” (إش6:50).

الإتمام: ” أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف … لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتي ” (يو11:10و18).

16 – موته نيابة عن البشرية:

النبوّة: ” وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحُبره (بجروحه) شفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه أثم جميعنا … وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها ” (إش5:53و6و11)، ” يُقطع المسيح وليس له ” (دا26:9).

الإتمام: ” الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بجلدته شفيتم ” (1بط24:2).

17 – قيامته من الموت:

النبوّة: ” لأنك لم تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فساداً ” (مز10:16).

الإتمام: ” لأن داود يقول فيه كنت أرى الرب أمامي في كل حين أنه عن يميني لكي لا أتزعزع. لذلك سر قلبي وتهلل لساني حتى جسدي أيضاً سيسكن على رجاء. لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فساداً.

عرفتني سبل الحياة وستملأني سروراً مع وجهك. أيها الرجال الأخوة يسوغ أن يقال لكم جهاراً عن رئيس الأباء داود أنه مات ودفن وقبره عندنا حتى هذا اليوم، فإذا كان نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمره صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم عن قيامه المسيح أنه لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فساداً.فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك” (أع 25:2-32 ).

مما سبق يتضح لنا أن أنبياء العهد القديم وبصفة خاصة داود النبي (سنه 1… ق. م) وإشعياء النبي (سنه 7..ق.م) وزكريا النبي (سنه 536ق.م) إلى جانب موسى النبي (سنه 15..ق.م) وميخا النبي (سنه 7..ق.م) وغيرهم تنبأوا عن أدق تفاصيل القبض على المسيح ومحاكمته وموته وصلبه وقيامته. وهذا بدوره يؤدى إلى استحالة إنكار صلب المسيح وقيامته. وهذا ما جعل اليهود ينضمون إلى المسيحية أفواجاً خاصة في عصورها الأولى.

18 – أناشيد المصلوب في المزامير وإشعياء:

ذكرنا أعلاه نبوّات الأنبياء بما فيها نبوّات داود النبي وإشعياء النبي بحسب العناوين الجانبية أعلاه ولكي تتضح الصورة كاملة وتظهر قيمه نبوّات هذين النبيين العظيمين نذكر هنا أيضاً، إجمالاً، نبوّات مزمور 22 كاملة ونبوّات إشعياء عن الصلب كاملة:

(أ) مزمور (22) مزمور المصلوب وتطابقه مع أحداث صلب المسيح:

1 – ” إلهي إلهي لماذا تركتني ” (1)، ” ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني ” (مت46:27).

2 – ” بعيداً عن خلاصي عن كلام زفيري. الهي في النهار أدعو فلا تستجيب في الليل أدعو فلا هدوء لي” (1و2). ” وإذ كان في جهاد كان يصلّي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض ” (لو44:22).

3 – ” أما أنا فدوده لا إنسان. كل الذين يرونني يستهزئون بي: يفغرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين. أتكل على الربّ فلينجه. لينقذه لأنه سر به ” (7و8)، ” وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلّص نفسك. أن كنت ابن الله فانزل عن الصليب. وكذلك رؤساء الكهنة أيضا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا خلّص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلّصها. أن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به ” (مت39:27-43).

4 – ” أحاطت بي ثيران كثيرة. أقوياء باشان اكتنفتني. فغروا على أفواههم كأسد كاسرٍ مفترس مزمجر. كالماء أنسكبتُ. انفصلت كل عظامي. صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي. يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي وإلى تراب الموت تضعني. لأنه أحاطت بي كلاب. جماعه من الأشرار اكتنفتني ” (12-16). ” والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه. وغطوه وكانوا يضربون وجهه ويسألونه قائلين تنبأ.

من هو الذي ضربك. وأشياء أخر كثيرة كانوا يقولون عليه مجدفين “، (لو63:22-65)، ” فمضى به العسكر إلى داخل الدار التي هي دار الولاية وجمعوا كل الكتيبة. وألبسوه ارجوانا وضفروا إكليلا من شوك ووضعوه عليه. وابتدأوا يسلمون عليه قائلين السلام يا ملك اليهود. وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم. وبعدما استهزأوا به نزعوا عنه الأرجوان والبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه ” (مر16:15-20).

5 – ” ثقبوا يديّ ورجليّ (بتسميرهم). أحصى كل عظامي. وهم ينظرون ويتفرسون في. أحصى كل عظامي. وهم ينظرون ويتفرسون في. يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون ” (16-18)، ” فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة حيث صلبوه (سمروا يديه وقدميه) وصلبوا اثنين آخرين معه من هنا ومن هنا ويسوع في الوسط … ثم أن العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع اخذوا ثيابه وجعلوها أربعة أقسام لكل عسكري قسما.

واخذوا القميص أيضا. وكان القميص بغير خياطة منسوجا كله من فوق. فقال بعضهم لبعض لا نشقه بل نقترع عليه لمن يكون. ليتّم الكتاب القائل اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقوا قرعة. هذا فعله العسكر ” (17و18و28و29).

(ب) العبد المتألم عن خطايا البشرية:

V جاء في نبوّة إشعياء النبي عنه قوله: ” هوذا عبدي يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جدا. كما اندهش منك كثيرون. كان منظره كذا مفسدا اكثر من الرجل وصورته اكثر من بني آدم. هكذا ينضح أمما كثيرين. من اجله يسد ملوك أفواههم لأنهم قد ابصروا ما لم يخبروا به وما لم يسمعوه فهموه ” (إش13:52-15).

V ” من صدق خبرنا ولمن استلعنت ذراع الرب. نبت قدامه كفرخ (كنبتة) وكعرق من ارض يابسة (قاحلة) لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول (منبوذ) من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر (محتجبة) عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به لكن أحزاننا (عاهاتنا) حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره (بجراحه) شفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه أثم جميعنا.

ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه. من الضغطة ومن الدينونة أخذ. وفي جيله من كان يظن انه قطع من ارض الأحياء انه ضرب من اجل ذنب شعبي. وجعل مع الأشرار قبره ومع غني عند موته. على انه لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش أما الرب فسرّ بان يسحقه بالحزن (بالأوجاع). أن جعل نفسه ذبيحة أثم يرى نسلا تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح. من تعب نفسه يرى ويشبع. وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها. لذلك اقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من اجل انه سكب للموت نفسه وأحصي مع أثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين ” (إش53).

والعبد المتألم هنا كما أجمع كل من علماء اليهود والمسيحيين هو شخص المسيح، المسيا الموعود والمنتظر الذي سيأتي من إسرائيل لخلاص البشرية. وقد دعي بالعبد لأنه بتجسده أتخذ شكل العبد وصورته ” الذي إذ كان في صوره الله لم يحسب خلسة أن يكون مساوياً لله لكنه أخلى نفسه أخذاً صوره عبد صائرا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ” (في5:2-8).

فهي تقدم لنا صورة واضحة لا لبس فيها ولا غموض عن شخص آت بلقب ” عبد الرب “، هذا الشخص يرتفع ويتسامى جداً فوق البشر، فهو عبد بار لم يعمل خطية ولم يوجد في فمه غش ومع ذلك يقدم نفسه ويقدمه الله ذبيحة أثم، كحمل الله الذي يرفع خطية العالم. كما أنه سيتحمل آلام البشرية وأوجاعها وأحزانها، سواء الجسمانية أو العقلية، ويجرح لأجل معاصينا ويسحق بالأوجاع والآلام لأجل آثامنا ويشفينا بجروحه.

أنه المعين من الله ليضع عليه كل آثام البشرية الضالة ويضرب من أجل ذنب شعبه ويبذل نفسه للموت من أجل الخطايا، كما أنه سيتحمل الآلام في صمت ودون أن يفتح فاه، فهو العبد البار الذي بمعرفته يبرر كثيرين وخطاياهم هو يحملها على أساس تقديم نفسه ذبيحة أثم نيابة عن الخطاة، وهو سيشفع في المذنبين ويحمل خطية كثيرين بموته عن معاصي البشرية. ومع ذلك يحسب مع الأشرار عند موته ولكنه يفرح في النهاية مع المؤمنين به. وهذه الأمور لم تتم ولا يمكن أن تطبق على أي أحد غير الرب يسوع المسيح:

(1) فهو البار الذي أخلى ذاته أخذا صورة عبد وجاء في ملء الزمان مولودا من امرأة (غل4:4)، وقدم نفسه فدية عن خطايا العالم، يقول الكتاب ” يا أولادي اكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وان اخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا.ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا ” (1يو1:2و2).

(2) ويؤكد العهد الجديد، أن هذه النبوّة بحذافيرها تمت حرفياً في الرب يسوع المسيح، ” حمل الله الذي يرفع خطية العالم ” (يو29:1)، فقد طبق الرب يسوع نص النبوّة كاملاً على نفسه قائلاً ” لأني أقول لكم انه ينبغي أن يتم فيّ أيضا هذا المكتوب وأحصي مع أثمة. لان ما هو من جهتي له انقضاء ” (لو37:22). وقول الكتاب ” لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي القائل هو اخذ أسقامنا وحمل أمراضنا ” (مت17:8)، وأيضاً ” فتم الكتاب القائل وأحصي مع أثمة ” (مر28:15).

وقال القديس يوحنا بالروح ” ليتم قول إشعياء النبي الذي قاله يا رب من صدق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب. لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا. لان إشعياء قال أيضا. قد أعمى عيونهم واغلظ قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم ويشعروا بقلوبهم ويرجعوا فاشفيهم. قال إشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه ” أي المسيح (يو38:12-41).

كما طبقها عليه تلاميذه في كرازتهم ” وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأه (الخصي الحبشي) فكان هذا. مثل شاة سيق إلى الذبح ومثل خروف صامت أمام الذي يجزه هكذا لم يفتح فاه. في تواضعه انتزع قضاؤه وجيله من يخبر به لان حياته تنتزع من الأرض. فأجاب الخصي فيلبس وقال اطلب إليك. عن من يقول النبي هذا. عن نفسه أم عن واحد آخر. ففتح فيلبس فاه وابتدأ من هذا الكتاب فبشره بيسوع ” (أع32:8و33).

وكذلك القديس بولس بالروح ” لكن ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل لان إشعياء يقول يا رب من صدق خبرنا ” (رو16:10). وقال أيضا ” هكذا المسيح أيضا بعدما قدّم مرة لكي يحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه” (عب28:9)، وأيضاً ” الذي أسلم من اجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا ” (رو25:4)، ” فأنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا أن المسيح مات من اجل خطايانا حسب الكتب ” (1كو3:15)، ” لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه ” (2كو21:5). وقال القديس بطرس بالروح ” فان المسيح أيضا تألم مرة واحدة من اجل الخطايا البار من اجل الأثمة لكي يقربنا إلى الله ” (1بط18:3).

(3) أن قوله ” على انه لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش أما الرب فسرّ بان يسحقه بالحزن (بالأوجاع). أن جعل نفسه ذبيحة أثم يرى نسلا تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح “، كما يؤكد القديس بطرس بالروح هو الرب يسوع المسيح ” الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضا وإذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل. الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بجلدته شفيتم. لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها ” (1بط22:2-25).

(4) ويؤكد بقوله ” بذلتُ ظهري للضاربين وخدي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق ” (إش6:50). أما كون منظره ” مفسداً “، فهذا بسبب ما وقع عليه من جلد وضرب وبصق على وجهه وإكليل الشوك الذي وضع على رأسه، ومن ثم أصبح ” لا صوره له ولا جمال ” برغم أنه ” أبرع جمالاً من بنى البشر ” (مز2:45).

أما قوله ” كنعجة صامته أما جازيها فلم يفتح فاه ” فليس معناه أنه لم يتكلم نهائياً أثناء المحاكمة بل يعنى أنه لم يدافع عن نفسه أبداً ضد كل ما أُتهم به حتى تعجب الوالي الروماني بيلاطس ” وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يجب بشيء فقال له بيلاطس أما تسمع كم يشهدون عليك. فلم يجبه ولا عن كلمه واحدة حتى تعجب الوالي جداً ” (مت12:27-14). ” وجعل مع الأشرار قبره ” صلب المسيح بين لصين ودفنه في قبر أناس لم يكونوا قد أعلنوا إيمانهم به (مت38:27؛57-60).

(5) كما أجمع علماء اليهود عبر تاريخهم السابق للمسيح واللاحق له أن هذا الإصحاح نبوة عن المسيا المنتظر، وقد لخص القمص روفائيل البرموسى في كتابه ” أما إسرائيل فلا يعرف ” (ص 119 – 128) خلاصة رأي علماء اليهود كالآتي ” كل الرابيين ما عدا راشي (الذي رأى أن العبد المتألم هو شعب إسرائيل ) – يرون أن هذه المقاطع من سفر إشعياء تصف آلام المسيا كشخص فردي “.

ويضيف أنه جاء في ترجوم يوناثان الذي يعود للقرن الأول ” هوذا عبدي المسيا يعقل ..”، كما أن الرابي دون أتسحاق (حوالي 15..م) يقر و ” يقول بدون تحفظ، أن غالبية الرابيين في ميدراشيهم يقرون أن النبوّة تشير إلى المسيا “. وقال الرابي سيمون ابن يوخّيا من القرن الثاني الميلادي [ في جنة عدن يوجد مكان يسمى ” مكان أبناء الأوجاع والآلام “. في هذا المكان سيدخل المسيا ويجمع كل الآلام والأوجاع والتأديبات التي لشعب إسرائيل، وكلها ستوضع عليه، وبالتالي يأخذها لنفسه عوضا عن شعب إسرائيل. لا يستطيع أحد أن يخلص إسرائيل من تأديباته لعصيانهم الناموس. إلا هو، المسيا.

وهذا هو الذي كتب عنه ” لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ” ]. وينقل عن تلمود بابل، أن المتألم ” هو [ ” المسيا ” ما هو اسمه ؟ … أنه عبد يهوه المتألم “. كما قيل عنه ” لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها “] … أما مدراش كوهين حينما يشرح إشعياء 5:53، يضع الكلمات التالية على فم إيليا النبي، حيث يقول إيليا للمسيا [ أنت أبر من أن تتألم وتجرح. كيف كلي القدرة يعاقب هكذا من أجل خطايا إسرائيل، ويكتب عنك ” مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل أثامنا “.

إلى أن يحين الوقت حيث تأتي نهاية الأمم ]. ويقول رابي يافيث ابن عالي ” بالنسبة لرأي فأنا أنحاز إلى رأبي بنيامين النهاوندي في تفسيره لهذا الإصحاح كونه يشير إلى المسيا. فالنبي إشعياء يريد أن يفهمنا شيئين: في المرحلة الأولى إن المسيا هو الوحيد الذي سيصل إلى أعلى درجة من الكرامة والمجد، لكن بعد محن طويلة ومريرة،

ثانياً: هذه المحن ستوضع عليه كعلامة، لدرجة لو وجد نفسه تحت نير هذه المحن وظل مطيعا وتقيا في تصرفاته وأفعاله، يُعرف أنه هو المختار … والتعبير ” عبدي ” يعود إلى المسيا “. وفي كتاب ” Bereshith Rabbah ” يقول مؤلفه رابي موشى هادرشان، أن القدوس أعطى فرصة للمسيا أن يخلص النفوس، ولكن بضربات وتأديبات عديدة، يقول [… على الفور قبل المسيا تأديبات وضربات المحبة، كما هو مكتوب ” ظُلم أم هو فتذلل ولم يفتح فاه ” … عندما أخطأ شعب إسرائيل، طلب المسيا لهم الرحمة والمغفرة، كما هو مكتوب ” وبحبره شفينا ” وقوله ” وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين ” ].

وهكذا يؤكد لنا الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، من خلال نبوات أنبياء العهد القديم وتطبيق المسيح لها على نفسه وتأكيد تلاميذه ورسله بعد ذلك على أن اليهود عندما صلبوا المسيح فقد تمموا كل ما سبق وتنبأ به عنه جميع الأنبياء أنه لابد ” أن ابن الإنسان يتألم كثيرا ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم ” (لو22:9).

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح يخبر عن صلبه وموته وقيامته قبل صلبه – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح يخبر عن صلبه وموته وقيامته قبل صلبه – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح يخبر تلاميذه قبل صلبه أنه سيصلب ويموت ويقوم – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح يخبر عن صلبه وموته وقيامته قبل صلبه – القمص عبد المسيح بسيط

كان موضوع صلب المسيح وقيامته بالنسبة للرب يسوع المسيح نفسه ليس مجرد نهاية حياة على الأرض أو حتى مجرد استشهاد مثل بقية الشهداء، كما انه لم يكن ابن ساعته أو يومه، أو مجرد حكم بالإعدام تم باستخدام وسيلة إعدام هي الصلب، وإنما كما أعلن الرب يسوع نفسه وكما أعلن الوحي الإلهي في العهد الجديد، كان أمراً محتوماً منذ الأزل، ومعروفاً سابقاً قبل العالم، كقول القديس بطرس بالروح القدس:

دم المسيح. معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم ولكن اظهر في الأيام الأخيرة لأجلكم ” (ابط19:1و20)، أو كما قال، لليهود بالروح القدس: ” هذا (يسوع المسيح) أخذتموه مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمه صلبتموه وقتلتموه ” (أع32:2).

ويؤكد الرب يسوع المسيح انه ما جاء، بالدرجة الأولى، إلا لهذا السبب ” هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم ” (يو16:3و17).

وكان يسمي وقت صلبه بالساعة، أي الساعة المعينة التي سيتم فيها صلبه، وأنه ما جاء إلا لأجل هذه الساعة: قال لتلاميذه قبل العشاء الرباني:

قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان. الحق الحق أقول لكم أن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن أن ماتت تأتي بثمر كثير… الآن نفسي قد اضطربت. وماذا أقول. أيها الآب نجني من هذه الساعة. ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة... وأنا أن ارتفعت عن الأرض اجذب إليّ الجميع. قال هذا مشيرا إلى أية ميتة كان مزمعا أن يموت ” (يو23:12-30).

وبعد خطابه الوداعي لتلاميذه بعد العشاء قال لهم ” لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلته لكم. ولم اقل لكم من البداءة لأني كنت معكم ” (يو4:16). وبعد انتهاء خطابه الوداعي وقبل القبض عليه بلحظات يقول الكتاب ” تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال أيها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضا ” (يو1:17).

 

 

1 نبواته وإعلاناته عن آلامه وصلبه منذ بداية خدمته:

وفيما يلي أهم نبوّات وإعلانات الرب يسوع المسيح عن القبض عليه ومحاكمته وآلامه وصلبه وموته وقيامته:

(1) برغم أن الرب يسوع المسيح صنع أمام جموع اليهود معجزات عديدة لا حصر لها إلا انهم طلبوا منه آية، معجزة كبرى تبرهن على صحة رسالته !! وقالوا له ” يا معلم نريد أن نرى منك آية، فأجاب وقال (لهم) جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان.

وهوذا أعظم من يونان ههنا ” (مت38:12-41). وفي إجابته عليهم يقدم لهم اكبر واعظم آية وهي موته ودفنه ثلاثة أيام ثم قيامته من الموت التي هي لكل الأجيال وليس فقط لذلك الجيل، كما كانت آية يونان لأهل نينوى، فهو الأعظم ” هوذا أعظم من يونان ههنا “. فمعجزة قيامة المسيح من الموت هي الوحيدة الباقية إلى الأبد.

(2) وفى حادثة تطهير الهيكل المذكورة في الإنجيل الذي دونه القديس يوحنا بالروح القدس طلبوا منه أيضا أن يقدم لهم آية تبرهن على سلطانه الذي يعمل به ويتكلم به، وكانت آيته لهم ” انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه “، ولم يكن يقصد هيكل سليمان الذي أعاد بناءه هيرودس الكبير، وكان الهيكل قد أعيد بناؤه حتى وقت المسيح في ” ست واربعين سنة ” وإنما كان يشير إلى هيكل جسده:

أما هو فكان يقول عن هيكل جسده. فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه انه قال هذا فأمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع ” (يو18:-22). وكأنه كان يقول لهم: اقتلوا هذا الجسد، جسد المسيح، وسوف يقوم في اليوم الثالث، إذ أن اعظم آياته هي موته وقيامته من الموت في اليوم الثالث.

(3) ولما جاء إليه أحد معلمي الناموس وعضو السنهدرين الأعظم ويدعى نيقوديموس , ليلاً، وعلمه الرب يسوع معنى الولادة الجديدة، أعلن له عن سر الفداء الذي لابد أن يتم بآلامه وموته مصلوباً وقيامته من الأموات مصوراً له عملية الصلب بمثال الحية النحاسية التي رفعها موسى النبي في البرية، بناء على أمر الله، وكل من نظر إليها ممن لدغته الحيات يشفى:

وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل له الحياة الأبدية، لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ” (يو15:3و16).

(4) وبعد معجزة إشباع خمسة آلاف رجل غير الذين كانوا معهم من نساء وأطفال بخمسة أرغفة وسمكتين نادى أمام كل هذه الجموع قائلاً ” أنا هو خبز الحياة… أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، إن أكل أحد هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي ابذله من اجل حياة العالم… الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه ” (يو48:6-58). والإشارة هنا واضحة إلى آلامه وسفك دمه وتقديم جسده على الصليب.

(5) وفي نواحي قيصرية فيلبس كشف الوحي الإلهي للقديس بطرس الرسول عن حقيقة وشخص الرب يسوع المسيح وهو ” المسيح ابن الله الحي ” (مت16:16)، وبعد مدح الرب يسوع المسيح لبطرس على هذا الإعلان وتأكيده هذه الحقيقة لبقية التلاميذ، يقول الكتاب:

من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يُظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم ” (مت21:16-22).

وهذا الإعلان لا يحتاج إلى إيضاح. إذ أن حقيقة كونه ابن الله الحي مرتبطة بحتمية آلامه وصلبه وموته وقيامته. ولكن الفكر البشري لم يستطع أن يفهم إرادة الله وتمثل ذلك في قول بطرس له ” حاشاك يا رب لا يكن لك هذا ” ولكن الرب يسوع المسيح كان يرى أن الاعتراض على هذه الحقيقة هو من الشيطان، ” فالتفت وقال لبطرس اذهب عني يا شيطان. أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس ” (مت23:16).

(6) وبعد ستة أيام من ذلك أخذ الرب يسوع ” بطرس ويعقوب ويوحنا ” وأعلن أمامهم شئ من مجده على جبل عال منفردين. ” وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور.

وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه “، وكان كلام موسى وإيليا معه، كما يقول القديس لوقا بالروح القدس ” عن خروجه الذي كان عتيداً أن يكمله في أورشليم ” (لو31:9) أي عن صلبه وموته وقيامته، يقول الكتاب أن الرب يسوع المسيح أوصى تلاميذه وهم نازلون من على الجبل ” لا تكلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات “. لأن ” ابن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم ” (مت12:17).

(7) وأثناء تردده في الجليل كان يعلم تلاميذه ويقول لهم ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس فيقتلوه وفي اليوم الثالث يقوم ” (مت22:17و23).

(8) وأثناء تعليمه للشعب ” تقدم بعض الفريسيين قائلين له أخرج وأذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك. فقال لهم امضوا وقولوا لهذا الثعلب ها أنا أخرج شياطين وأشفي اليوم وغداً وفي اليوم الثالث أُكمل. بل ينبغي أن أسير اليوم وغداً وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجاً عن أورشليم ” (لو31:13-33). وهو هنا يؤكد حتمية موته مقتولاً في أورشليم بسفك دمه.

(9) وبعد أن فتح عيني المولود أعمى الذي صنع له عينين من الطين نادى قائلاً:”أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف… وأنا أضع ذاتي عن الخراف ” (يو15:10). وهو هنا يشير إلي بذل ذاته، تقديم ذاته، نيابة، فديه، على الصليب.

ثم يؤكد حتمية ذلك وحقيقة انه يقدم ذاته بإرادته، دون أن يكون هناك أي مجال للإجبار أو العرض والصدفة بقوله ” لأني أضع نفسي لأخذها أيضا. ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضا ” (يو17:10و18).

(10) وعندما تناقش تلاميذه في أحقية الجلوس عن يمينه أو يساره في ملكوته قال لهم ” أن ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين ” (مت28:20ومر45:10).

(11) وفي الطريق إلى أورشليم للمرة الأخيرة كشف لتلاميذه ما سيحدث له بكل وضوح ” وفيما كان يسوع صاعداً إلى أورشليم احذ الأثنى عشر تلميذاً على انفراد في الطريق وقال لهم: ها نحن صاعدون إلي أورشليم وابن الإنسان يُسلم إلي رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت. ويسلمونه للأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه ” (مت18:20و19). وهذا إعلان تفصيلي في إيجاز عن كل ما سيحدث من محاكمة يهودية إلي تسليمه للرومان واستهزاء وجلد وصلب وموت وقيامة.

(12) ” وفيما كان يسوع في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص تقدمت إليه امرأة معها قارورة طيب كثيرة الثمن فسكبته على رأسه وهو متكئ “، فتصور تلاميذه أن هذا ” إتلاف “، ” لأنه كان يمكن أن يباع هذا (الطيب) بكثير ويعطى للفقراء “، فقال لهم يسوع مشيراً إلي موته ” إنها إذ سكبت هذا الطيب على جسدي إنما فعلت ذلك لأجل تكفيني ” (مت12:26).

(13) وبعد دخوله الانتصاري الأخير لأورشليم واحتدام الصراع بينه وبين رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ أعطاهم مثل الكرم والكرامين وكشف لهم من خلاله كيف أن الله سلمهم الكرم ولكنهم لم يعطوه من ” ثمر الكرم ” فأرسل إليهم خدامه ورسله وأنبياءه فقتلوهم ورجموهم ” فقال صاحب الكرم ماذا أفعل ؟ أرسل ابني الحبيب. لعلهم إذا رأوه يهابون. فلما رآه الكرامون تأمروا فيما بينهم هذا هو الوارث. هلموا نقتله لكي يصير لنا الميراث. فأخرجوه خارج الكرم وقتلوه ” (لو9:20-16). وهو هنا يشير إلي نفسه بالابن الحبيب الذي قتلوه.

(14) وفي أورشليم طلب ” أناس يونانيون من الذين حضروا ليسجدوا في العيد ” من فيلبس أن يروا يسوع وكانت إجابة الرب يسوع على هذا الطلب قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن أن ماتت تأتي بثمر كثير “، ثم أضاف ” وأنا إن ارتفعت عن الأرض اجذب إلى الجميع. قال هذا مشيراً إلى أية ميته كان مزمعاً أن يموت ” (يو20:12-33). والجملة الأخيرة هي تعليق إيضاحي لمعنى كلام المسيح مؤكداً أن قصده هو الموت معلقاً على الصليب.

(15) وقبل عيد الفصح بيومين قال لتلاميذه ” تعلمون انه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب ” (مت1:26و2). هل يوجد إيضاح اكثر من هذا ؟ بالطبع لا، فالرب يسوع المسيح كان يتطلع دائماً لهذه الساعة، ساعة الصلب.

2 – نبوّاته وإعلاناته عن آلامه وصلبه أثناء العشاء الرباني:

وفي يوم الخميس قام الرب يسوع المسيح مع تلاميذه بعمل الفصح تمهيداً لتقديم ذاته في اليوم التالي، الجمعة، في نفس الوقت الذي كان يذبح فيه اليهود خروف الفصح، أي يقدم ذاته كالفصح الحقيقي، الحمل الحقيقي، في نفس الوقت الذي يذبح فيه خروف الفصح الرمزي.

فقد ذهب في إلى أورشليم في العيد لأجل هذا السبب، يقول الكتاب ” وحين تمت الأيام لارتفاعه ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم ” (لو51:9). وأثناء تناول الفصح قال لتلاميذه ” الحق الحق أقول لكم أن واحداً منكم سيسلمني ” (يو21:13). وبعد دهشة التلاميذ واستفسارهم أشار إلي يهوذا الاسخريوطي (يو26:13) وقال ” أن ابن الإنسان ماض كما هو. مكتوب عنه.

ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد ” (مت24:26ومر21:14)، ثم قال ليهوذا ” ما أنت تعمله فأعمله بأكثر سرعة ” (يو27:13). وغمس لقمة وأعطاها له ” فذاك لما اخذ اللقمة خرج للوقت. وكان ليلاً ” (يو30:13)، خرج يهوذا إلى رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ لكي يسلم لهم يسوع في تلك الليلة لأنه يعرف المكان الذي سيجتمع فيه الرب يسوع مع تلاميذه.

وبعد خروج يهوذا بدأ الرب يعد للعهد الجديد الذي كان على وشك أن يعلنه بدمه، وبدأ بمراسم هذا العهد الجديد، وقدم العشاء الرباني، الخبز والخمر، أو الجسد والدم الذي كان على وشك أن يقدمهما على الصليب ” وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وأعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي. وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً اشربوا منها كلكم.

لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من اجل كثيرين لمغفرة الخطايا ” (مت26و26-28)، وهذا الخبز هو الذي سبق أن قال عنه ” والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي ابذله من اجل حياة العالم ” (يو51:6)، وهذا الدم هو الذي سبق أن قال عنه ” ودمي مشرب حق ” (يو55:6)، ” من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه ” (يو56:6).

 

 

3 – نبواته وإعلاناته عن آلامه وصلبه في خطابه الوداعي:

وبعد عشاء الفصح والعشاء الرباني خرج الرب يسوع مع تلاميذه متوجهين إلى جبل الزيتون حيث بستان جيسماني وفي الطريق بدأ يكشف لهم ما سيحدث له في تلك الليلة ” كلكم تشكون في هذه الليلة لأنه مكتوب أني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل ” (مت32:26ومر28:14).

والشك هنا راجع لاعتقاد اليهود أن المسيح لن يموت بل يبقى إلى الأبد (يو34:12 مع مز 36:89،أش 7:9؛8:53،دا 14:7،في7:4)، فقالوا له ” سمعنا في الناموس أن المسيح يبقى إلي الأبد ” (يو43:12). وهو في تلك الليلة سيقبض عليه وفي اليوم التالي سيموت. ولكنه يؤكد انه سيقوم من الموت ويقابلهم حياً في الجليل.

ثم اكمل ” هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلي خاصته وتتركوني وحدي. وأنا لست وحدي لأن الآب معي ” (يو32:16). فقال له بطرس ” وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبداً. قال له يسوع الحق أقول لك انك في هذه الليلة قبل أن يصيح ديك تنكرني ثلاث مرات.

قال له بطرس ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك، هكذا قال أيضا جميع التلاميذ ” (مت31:26-35ومر27:14-31). ثم عاد فأكد بأكثر إيضاح ما سيحدث الليلة وغداً وأنه مقضي به ومحتوم ” لأني أقول لكم انه ينبغي أن يتم في أيضاً هذا المكتوب أحصى مع أثمه. لأن ما هو من جهتي له انقضاء “(لو37:22 مع إش12:53).

وبعد هذه الإعلانات الرهيبة خيم على التلاميذ جو الحزن وساد عليهم وجوم فبدأ يسوع يعزيهم ويؤكد لهم أن حزنهم لن يطول لأنه سيقوم من الموت وسيروه ثانية ” بعد قليل لا تبصرونني. ثم بعد قليل أيضاً ترونني لأني ذاهب إلى الآب. فقال قوم من تلاميذه بعضهم لبعض ما هو هذا الذي يقوله لنا بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضا ترونني ولاني ذاهب إلى الآب ” (يو16:16و17).

وقد صور حزنهم الحالي وفرحهم المُقبل بآلام المرأة التي تلد وحزنها لذلك وفرحها بعد ميلاد الطفل ” فعلم يسوع انهم كانوا يريدون أن يسألوه فقال لهم أعن هذا تتساءلون فيما بينكم لأني قلت بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضا ترونني. الحق الحق أقول لكم إنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. انتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح. المرأة وهي تلد تحزن لأن ساعتها قد جاءت.

ولكن متى ولد الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لأنه قد ولد إنسان في العالم. فأنتم كذلك عندكم الآن حزن ولكني سأراكم فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم ” (يو19:16-22).

هذه أهم نبوّات وإعلانات الرب يسوع المسيح عن حتمية آلامه وصلبه وموته وقيامته من الموت في اليوم الثالث والتي كان يرددها دائماً منذ بداية خدمته الجهارية وحتى القبض عليه، وان كان تكرارها قد أزداد كثيراً في أيامه الأخيرة، خاصة في رحلته الأخيرة إلى أورشليم وقبل القبض عليه مباشرة، حتى يكون التلاميذ على بينة لكل ما سيحدث له.

فهل يمكن لأحد بعد ذلك أن يدعي غير ذلك ؟! أو أن ينكر ما قاله الرب يسوع المسيح عن حتمية آلامه وصلبه وقيامته ؟!

قال الأستاذ خالد محمد خالد ” لقد كان الصليب الكبير الذي أعده المجرمون للمسيح يتراءى له دوماً ” (معاً على الطريق ص 34،131).

وقال الأستاذ منصور حسين في كتابه دعوة الحق ” أن المسيح عليه السلام كان عالماً بأنه سيصلب وبهذا أخبر تلاميذه “. ثم يفاجئنا بعد ذلك انه غير رأيه وتراجع عن قراره وصُلب يهوذا بدلاً منه !!!!!!

فهل يحتاج مثل هذا الكلام إلى تعليق ؟! قال الرب يسوع المسيح ” السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ” (مر31:13).

المسيح يخبر عن صلبه وموته وقيامته قبل صلبه – القمص عبد المسيح بسيط

إيمان الفرق الدوسيتية بصلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط

إيمان الفرق الدوسيتية بصلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط

إيمان الفرق الدوسيتية بصلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط

إيمان الفرق الدوسيتية بصلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط

أستغل البعض قول الهراطقة الدوسيتيين الغنوسيين بأن المسيح اتخذ جسدا خياليا، نجميا، روحيا، ولاهوتيا ولم يتخذ جسدا فيزيائيا ماديا طبيعيا، بل كان شبحاً وخيالاً، ولذا فقد كانت عملية صلبه أيضا عمليه خيالية مظهرية، بمعنى أنه صلب ظاهريا، بدا للناظرين مصلوبا على الصليب ولكنه كان نورا ومعلقا أيضا على صليب من نور في آن واحد، وأن بعضهم قال بصلب المسيح الإنسان وعدم صلب المسيح الإنسان، أي صلب الناسوت وصعد اللاهوت.

وقالوا أنه وجدت فرق مسيحية قالت بعدم صلب المسيح، هكذا بعدم فهم، أو كمجرد حجة سوفسطائية (جدلية) يتخذونها على المسيحيين !!!!!

ونقول لهم أن هذه الفرق الهرطوقية التي برهنا في الفصل السابق من أقولهم إيمانهم بتعدد الآلهة، وبالتالي فهي وثنية وليست مسيحية، ولكن قولكم أنها لم تكن تؤمن بأن المسيح قد صلب، هو قول باطل وغير صحيح، لأن غالبيتهم العظمى، مع قلتهم الشديدة، قالوا بأن المسيح علق على الصليب فعلاً ولكن لأنه إله وليس له جسد فيزيائي طبيعي من لحم ودم وعظام، لذا بدا لهم يصلب وبدا ينزف الدم وبدا لهم أنه مات ثم قام من الموت

ومنهم من قال أن المسيح الإله نزل من السماء وحل على يسوع (عيسى) في العماد وفارقه عند الصلب وبالتالي فالذي صلب هو يسوع (عيسى)، أو المسيح الإنسان وليس المسيح الإله. ولم يقل أحد غير شخص واحد هو باسيليدس فقط ومن أتبعوه بصلب بديل للمسيح وذلك بسبب إيمانه بأن المسيح أحد الآلهة العديدين المتصارعين.

وبالرغم من أن كتبهم تركز على ما تسميه بالأقوال السرية الصوفية، ومعظمها عبارة عن مجموعات من الأقوال المنسوبة للمسيح والرسل، كما أن الكثير منها يتكلم عما بعد قيامة المسيح من الموت وظهوره لتلاميذه وأحاديثه معهم، وعنصر الأحداث فيها قليل، إلا أنها كثير منها ذكر أحداث الصلب والقيامة بصورة شبه متطابقة مع ما جاء في الإنجيل بأوجهه الأربعة.

وفيما يلي فقرات من بعض كتب هؤلاء الهراطقة التي أسموها أناجيل ونسبوها للرسل لتلقى رواجا عند العامة، تثبت إيمانهم بصلب المسيح:

(1) إنجيل بطرس(1): ويرجع إلى القرن الثاني وقد وجدت نسخته في أخميم في شتاء 1886-1887م، وهو الآن في متحف القاهرة. ويبدأ الجزء الموجود منه بغسل أيدي بيلاطس وهو يبرئ نفسه من دم المسيح ويشتمل على محاكمة المسيح وصلبه وموته وقيامته وينتهي بعد القيامة بحديث يدل على إن له بقية مفقودة والعبارة الأخيرة منه مبتورة. وهذا نصه كاملاً:

“1:1 ولكن لم يغسل أحد من اليهود يديه، لا هيرودوس ولا أياً من قضائه، وعندما رفضوا أن يغسلوا أيديهم قام بيلاطس 2 ثم أمر هيردوس الملك أن يأُخذ الرب وقال لهم: ما أمرتكم أن تفعلوه افعلوه.

3:2 وكان يقف هناك يوسف صديق بيلاطس وصديق الرب، ولمعرفته أنهم كانوا على وشك أن يصلبوه، جاء إلى بيلاطس وألتمس جسد الرب ليدفنه، 4 فأرسل بيلاطس إلى هيردوس وألتمس جسده 5 فقال هيردوس: أخي بيلاطس حتى إذا لم يلتمس الجسد أحد سوف ندفنه، خاصة وأن السبت بدأ يحل لأنه مكتوب في الناموس لا تغرب الشمس على جثه إنسان ميت. وأسلمه للشعب في اليوم الذي قبل الخبز غير المختمر (الفطير)، عيدهم.

6:3 وأخذوا الرب ودفعوه بسرعة وقالوا: لنسوق ابن الله الآن إذ صار لنا الآن سلطان عليه. 7 وألبسوه ثوب أرجوان وأجلسوه على كرسي للقضاء وقالوا لحكم بعدل يا ملك إسرائيل وأحضر واحداً منهم إكليلا من الشوك ووضعه على رأس الرب. 9 وآخرين من الواقفين بصقوا على وجهه، وآخرين لطموه على خديه وآخرين ضربوه بقصبة والبعض سخروا منه قائلين: ” فنكرم ابن الله بمثل هذه الكرامة “.

10:4 وجاءوا بلصين وصلبوا الرب في الوسط بينهما، أما هو فعقد سلامه كما لو أنه لم يشعر بألم 11 وعندما نصبوا (رفعوا) الصليب كتبوا عليه العنوان: هذا هو ملك إسرائيل 12 ونزعوا عنه ملابسه أمامه واقتسموها بينهم واقترعوا عليها. 13 ولكن أحد اللصين وبخهم قائلاً: أننا نتعذب بسبب الأعمال الشريرة التي صنعناها، ولكن هذا الرجل، الذي صار مخلصاً للبشر، ماذا صنع من شر؟ 14 وكانوا حانقين عليه وأمروا أن لا تكسر رجليه حتى يموت بعذابات كثيرة.

15:5 ولما صار منتصف النهار غطت الظلمة كل اليهودية وكانوا قلقين ومضطربين لئلا تغرب الشمس وهو ما يزال حياً، لأنه مكتوب لهم: لا تغرب الشمس على أحد تحت حكم الموت، 16 وقال واحد منهم: أعطوه ليشرب خل مع مر، فمزجوهما وأعطوهما له ليشرب. 17 وأتموا كل شئ وأكملوا مكيال خطاياهم على رؤوسهم، 18 وذهب إلى هناك كثيرون بالمشاعل فقد ظنوا أنه كان ليلاً، فذهبوا للنوم أو تعثروا. 19 ونادى الرب وصرخ: قوتي يا قوتي، أنت تركتني، ولما قال هذا كف. وفي تلك الساعة أنشق حجاب الهيكل في أورشليم إلى أثنين.

21:6 ثم سحبوا المسامير من يدي الرب وأنزلوه على الأرض فتزلزلت كل الأرض وحدث خوف عظيم، ثم أشرقت الشمس ووجدوا أنها الساعة التاسعة. 23 فأبتهج اليهود وأعطوا جسده ليوسف ليدفنه حيث أنه رأى كل ما صنع (يسوع) من خير. 24 وأخذ الرب وغسّله ولفه بكتان ووضعه في قبره الذي كان يُدعى بستان يوسف.

25:7 ثم أدرك اليهود والشيوخ والكهنة مدى الشر العظيم الذي فعلوه لأنفسهم وبدءوا ينوحون ويقولون: الويل على خطايانا، فقد اقتربت الدينونة ونهاية أورشليم. 26 وحزنت أنا ورفقائي ولأننا جرحنا في قلوبنا أخفينا أنفسنا إذ كانوا يبحثون عنا كفاعلي شر وكراغبي إشعال النار في الهيكل. 27 وبسبب كل هذه الأشياء كنا صائمين وجلسنا ننوح ونبكى ليلاً ونهاراً حتى السبت.

28:8 ولكن الكتبة والفريسيين والشيوخ اجتمعوا معاً الواحد مع الآخر عندما سمعوا أن كل الشعب كان ينوح ويقرع صدوره ويقول: إذا كان بموته قد حدثت كل هذه العلامات العظيمة، انظروا كم كان هو باراً. 29 وكان الشيوخ خائفين وذهبوا إلى بيلاطس وتوسلوا إليه وقالوا: 30 أعطنا جنود لنحرس قبره لمده ثلاثة أيام لئلا يأتي تلاميذه ويسرقونه ويظن الشعب أنه قام من الأموات ويفعلوا بنا شراً. 31

فأعطاهم بيلاطس بيتروتيوس قائد المئة مع جنود لحراسه القبر. وجاء معهم إلى القبر شيوخ وكتبه. 30 ودحرج كل الذين كانوا هناك معاً حجراً عظيماً ووضعوه على مدخل القبر مع قائد المئة والجنود. 33 وختموه بسبعه أختام ونصبوا خيمه وحرسوه.

34:9 وباكراً في الصباح عندما كان السب ينسحب جاء جمهور من أورشليم وتخومها ليروا القبر الذي خُتم. 35 ثم في الليلة التي كان ينسحب فيها يوم الرب عندما كان الجنود يقومون بحراستهم اثنان اثنان في كل ساعة رن صوت عظيم في السماء. 36 ورأوا السموات مفتوحة ونزل رجلان من هناك بنور عظيم واقتربوا من القبر. 37 وبدأ الحجر الذي وضع على باب القبر يتدحرج من ذاته وجاء على جانب وفُتح القبر ودخل الشابان.

38:10 وعندما رأى أولئك الجنود ذلك أيقظوا قائد المئة والشيوخ. لأنهم كانوا هناك للمساعدة في الحراسة. 39 وبينما كانوا يعلنون الأمور التي رأوها رأوا ثانيه ثلاثة رجال خارجين من القبر واثنين منهم يساندان واحداً وتبعهم صليب. 40 ووصلت رؤوس الاثنين السماء ولكن رأس ذلك المُنقاد منهم باليد تجتاز السموات. 41 وسمعوا صوت من السماء يقول: لقد بشرت الراقدين. 42 وسُمعت إجابة من الصليب: نعم.

43:11 لذلك أستشار هؤلاء الرجال أحدهما الآخر عما إذا كانوا يذهبون ليخبروا بيلاطس بهذه الأمور. 44 وبينما كانوا يفكرون في ذلك شوهدت السماء تُفتح ثانيه ونزل رجل ودخل القبر. 45 وعندما رأى قائد المئة والذين كانوا معه ذلك أسرعوا ليلاً إلى بيلاطس تاركين القبر الذي كانوا يحرسونه وأخبروا بيلاطس بكل شئ رأوه، وكانوا مضطربين بدرجة عظيمة وقالوا: حقاً كان ابن الله. فأجاب بيلاطس وقال: أنا برئ من دم ابن الله، أنتم الذين قررتم هذا. 47 فاقتربوا منه متوسلين إليه وطالبوه أن يأمر قائد المئة والجنود أن لا يخبروا أحد بما رأوه. 48 لأنهم قالوا: أنه من الأفضل لنا أن نكون مذنبين بالإثم العظيم أمام الله ولا نقع في أيدي شعب اليهود فنرجم. 49 فأمر بيلاطس قائد المئة والجنود أن لا يقولوا شيئاً.

50:12 وباكر في صباح يوم الرب ذهبت مريم المجدلية وهى تلميذه للرب. خوفاً من اليهود لأنهم كانوا متقدين بالغضب، ولأنها لم تفعل عند قبر الرب ما كانت النساء تريد أن يعملنه للموتى الذين يحبونهم أه وأخذت معها صديقاتها وجئن إلى القبر حيث وضع، 52 وخفن أن يراهن اليهود وقالوا: على الرغم من أننا لم نستطع أن نبكى وننوح في اليوم الذي صلب فيه، فلنفعل ذلك الآن على قبره. 53 ولكن من سيدحرج لنا الحجر الذي وُضع على باب القبر، إذ يجب أن ندخل ونجلس بجانبه ونفعل ما يجب؟ 54 لأن الحجر كان عظيماً. ونخشى أن يرانا أحد. وإذا لم نستطع أن نفعل ذلك، دعونا على الأقل، نضع على بابه ما أحضرناه لذكراه ولنبك وننوح حتى نعود إلى البيت ثانيه.

55:13 فذهبن ووجدن القبر مفتوحاً واقتربن ووقفن ورأين هناك شاباً جالساً في وسط القبر جميلاً ولابساً رداء أبيض لامعاً فقال لهن 56 من أين أتيتن؟ من تطلبن؟ أتطلبن الذي صلب” لقد قام وذهب. وإذا لم تصدقن قفن في ذلك المكان وانظرن الموضع الذي كان يرقد فيه، لأنه ليس هو هنا. لأنه قام وذهب هناك حيث أُرسل. 57 ثم هربت النسوة خائفات.

58:14 وكان اليوم الأخير للفطير وذهب الكثيرون عائدين إلى منازلهم حيث أن العيد انتهى. 59 ولكن نحن، الأثنا عشر تلميذاً للرب نحنا وبكينا وكل واحد حزن لما حدث وعاد لمنزله. 60 ولكن أنا سمعان بطرس وأخي أندراوس أخذنا شباكنا وذهبنا إلى البحر وكان معنا لاوي ابن حلفي الذي الرب… ” دعاه من دار الجباية (؟)… “.

وينتهي هنا الكتاب بصوره مبتورة تدل على أن جزأ قد ضاع منه.

وهذا الكتاب، المدعو ” إنجيل بطرس “، كما نرى، يتفق مع روايات الأناجيل القانونية، الحقيقة، في معظم تفاصيل المحاكمة والصلب ويثبت بدون شك أن كل ما كُتب في القرنين الأول والثاني سواء في داخل الكنيسة وعلى رأسها تلاميذ المسيح ورسله أو حتى في دوائر الهراطقة يؤكد صحة وحقيقة وتاريخية أحداث الصلب والقيامة.

(2) إنجيل الحقيقة(2): ويرجع للقرن الثاني، وقد اكتشف في نجع حمادي سنة 1945، جاء فيه عن صلب المسيح: ” لهذا السبب كان يسوع الرحيم الأمين صبورا في قبوله الآلام حتى أخذ ذلك الكتاب، لأنه يعرف أن موته هو حياة للكثيرين “.

” لهذا السبب ظهر يسوع… وسمر علي الشجرة وأعلن أمر الآب علي الصليب، يا له من تعليم عظيم، فقد وضع نفسه للموت برغم أن الحياة الأبدية ترتديه “.

(3) إنجيل ماركيون الهرطوقي، ويسمى أيضا بإنجيل الرب(3): وقد تكلم عن محاكمة السيد المسيح بكل تفصيلاتها كما جاء في الإنجيل للقديس لوقا ثم صلبه وقيامته وصعوده، وفيما يلي نص ما قاله عن صلبه:

” وفيما هم ذاهبون به امسكوا سمعان القيرواني الذي كان راجعا من الحقل فوضعوا عليه الصليب ليحمله خلف يسوع.وتبعه جمهور كبير من الشعب ومن نساء كن يلطمن صدورهن وينحن عليه فألتفت يسوع إليهن وقال: لا تبكين علي يا بنات أورشليم، بل أبكين على أنفسكن وعلى أولادكن. ستجيء أيام يقال فيها: هنيئا للواتي ما حبلن ولا ولدن ولا أرضعن، ويقال للجبال أسقطي علينا وللتلال غطينا. فإذا كانوا هكذا يفعلون بالغصن الأخضر، فكيف تكون حال الغصن اليابس. وكان هناك مذنبان آخران ساقوهما للموت، وعندما وصلوا إلى المكان الذي يدعى الجُمجُمة، صلبوه هناك مع المذنبين واحدا عن اليمين والآخر عن اليسار.

فقال يسوع، أغفر لهم يا أبي لأنهم لا يعرفون ما يفعلون. ووقف الشعب هناك ينظرون، ورؤساؤهم يقولون متهكمين، خلص غيره أما نفسه فما خلصها، فليخلص نفسه، أن كان هو المسيح مختار الله. واستهزأ به الجنود أيضا وهم يقتربون ويناولونه خلا ويقولون، خلص نفسك أن كنت أنت ملك اليهود. وكان فوق رأسه لوحة مكتوب فيها بحروف يونانية ولاتينية وعبرية ” هذا هو ملك اليهود “.

وأخذ أحد المذنبين المعلقين معه يشتمه ويقول له: أن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا. فأنتهره الآخر قائلاً: أما تخاف الله وأنت تتحمل العقاب نفسه؟ نحن عقابنا عدل، نلنا جزاء أعمالنا، أما هو فما عمل سوء، وقال ليسوع: اذكرني متى جئت في ملكوتك. فقال له يسوع الحق أقول لك، اليوم تكون معي.

وكانت حوالي الساعة السادسة وكانت ظلمة على الأرض كلها حتى الساعة التاسعة واحتجبت الشمس وانشق حجاب الهيكل من الوسط. وعندما صرخ يسوع بصوت عال، قال يا أبي في يديك استودع روحي، قال هذا واسلم الروح. فلما رأى قائد المئة ما جرى مجد الله وقال بالحقيقة كان هذا الرجل بارا.

والجموع التي حضرت ذلك المشهد، فرأت ما جرى رجعت وهي ترجم الصدور. وكان كل معارفه والنساء اللواتي تبعنه من الجليل يشاهدون هذه الأحداث عن بعد. وجاء رجلا، من الرامة، مدينة لليهود، وكان هو أيضا ينتظر ملكوت الله، اسمه يوسف وكان رجلا مشيرا وشريفا وبارا لم يوافق على رأيهم ومشورتهم.

هذا الرجل ذهب إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع، وأنزله ولفه بكتان ووضعه في قبر محفور في الصخر، لم يدفن فيه أحد من قبل. وكان يوم الاستعداد والسبت كاد يبدأ. واتت النسوة اللواتي جئن معه من الجليل، تبعنه (أي يوسف) فرأين القبر وكيف وُضع جسده (يسوع) فيه. ثم رجعن وهيّأن طيبا وحنوطا واسترحن في السبت حسب الشريعة “.

ثم يشرح قصة القيامة بالتفصيل كما جاءت في الإنجيل للقديس لوقا. 

صورة لنص ما جاء في إنجيل ماركيون كما نقله القديس أبيفانيوس أسقف قبرص

 (4) إنجيل الأثنا عشر(4): والذي يرى البعض أنه من أقدم الأناجيل الأبوكريفية، وهو قريب جدا من الأناجيل الأربعة معا وقد جاءت فيه أحداث القبض على المسيح ومحاكمته وصلبه وقيامته بالتفصيل، وفيما يلي فقرات من أحداث الصلب والقيامة: ” وبعد أن أطلق لهم باراباس وعندما سخر بيسوع أسلمه إليهم ليصلب…وألبسوه تاج شوك… وكانت الساعة الثالثة عندما صلبوه وأعطوه خلا ممزوج بمرا وعندما ذاقه لم يرد أن يشرب، وقال يسوع آبا آما أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ما يفعلون.

ولما صلب العسكر يسوع اقتسموا ثيابه أربعة أجزاء لكل جندي قسم وأخذوا قميصه أيضا وكان قطعة واحدة لا خياطة فيها منسوجة كلها من أعلى إلى أسفل، فقالوا بعضهم لبعض لا نشقه بل نقترع عليه، فنرى لمن يكون، فتم الكتاب القائل أقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون.

هذا فعله الجنود وجلسوا يرقبونه. وكانت هناك لوحة مكتوبة فوقه بالحروف اللاتينية واليونانية والعبرية، هذا هو ملك اليهود. وقرأ هذا العنوان الكثيرون من اليهود لأن المكان الذي صلب فيه يسوع كان قريبا من المدينة… وقال أحد المذنبين المعلقين معه أن كنت أنت المسيح خلص نفسك وإيانا، فأجابه المذنب الآخر موبخا أما تخاف الله وأنت تحت الحكم نفسه؟ نحن عقابنا عدل، نلنا جزاء أعمالنا، أما هو فما عمل سوء، وقال ليسوع: اذكرني متى جئت في ملكوتك.

فقال له يسوع الحق أقول لك، اليوم تكون معي في الفردوس… ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة… وفي حوالي الساعة السادسة صرخ يسوع بصوت عظيم إيلي إيلي لما شبقتني، أي إلهي إلهي لماذا تركتني… وعندما رأى يسوع أمه تقف مع التلميذ الذي كان يحبه قال لأمه: يا امرأة هوذا ابنك، وقال للتلميذ: هوذا أمك… بعد ذلك كان يسوع يعرف أن كل شيء قد أكمل الآن، وأن الكتاب يجب أن يتم قال أنا عطشان… ثم صرخ يسوع بصوت عظيم آبا آما في يديك أستودع روحي… وقال قد أكمل وأحنى رأسه وأسلم الروح “. ويرد بعد ذلك الأحداث التي حدثت بعد موته ودفنه ثم قيامته بالتفصيل كما هي مذكورة في الأناجيل الأربعة. 

(5) حكمة يسوع المسيح(5): وترجع أقدم مخطوطاته إلى القرن الثالث أو بداية الرابع ويبدأ هكذا: ” بعد أن قام (يسوع) من الأموات تبعه تلاميذه الاثنا عشر وسبعة نساء اللواتي تبعنه كتلميذات، عندما جاءوا إلى الجليل… وهناك ظهر لهم المخلص، ليس في شكله الأصلي ولكن في الروح غير المرئي، كان ظهور ملاك عظيم من نور. أما شكله فلا أستطيع وصفه… وقال سلام لكم، سلامي أنا أعطيكم “.

(6) إنجيل فيلبس(6): ويرجع إلى القرن الثاني وقد وجدت له مخطوطة ترجع إلى

 القرن الثالث ضمن مجموعة نجع حمادي مترجمة إلى القبطية الصعيدية. وجاء فيه قول منسوب للرب يسوع المسيح علي الصليب: ” الهي الهي لماذا يا رب تركتني؟ قال هذه الكلمات علي الصليب، لأنه انقسم هناك… قام الرب من الموت “.

(7) إنجيل برثلماوس(7): ويرجع للقرون الأولي، وتبدأ مقدمته بالقول ” بعد قيامة ربنا يسوع المسيح من الموت، جاء برثلماوس إلى الرب وسأله قائلا: يا رب أكشف لنا أسرا السموات ” ويدور الحوار بعد ذلك عن السموات.

(8) أبوكريفا يعقوب(8): وجد هذا العمل الابوكريفي في نجع حمادي 1945 وقد جاء به: ” فأجاب الرب (يسوع) وقال الحق أقول لكم لن يخلص أحد إلا إذا آمن بصليبي. والذين آمنوا بصليبي لهم ملكوت الله… سأحضر إلى المكان الذي منه جئت… استمعوا إلى التسابيح التي تنتظرني في السموات لأني اليوم سآخذ مكاني علي يمين الآب… مباركين أولئك الذين ينادون بالابن قبل نزوله “.

(9) حديث بعد القيامة(9): Epistula Apostolorum ويرجع هذا العمل إلى القرن الثاني. جاء فيه ما يسمي بتعليم التلاميذ الاثنى عشر فيما يختص بربنا يسوع المسيح والذي علمهم إياه بعد قيامته من الأموات: ” نحن نعرف هذا، أن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح اله. ابن الله الذي أرسل من الله، حاكم العالم كله… رب الأرباب وملك الملوك وحاكم الحكام. السماوي الذي هو فوق الشاروبيم والسرافيم ويجلس عن يمين عرش الأب “.

(9) كتاب الحكمة(10): The Pistis Sophiaويرجع للقرن الثالث. يبدأ الكتاب الأول منه بالحديث عن قيامة السيد المسيح من الموت ” بعد أن قام يسوع من الموت “. ويتحدث في الثاني عن صعود السيد المسيح إلى السموات ويروي أفراح السماء بصعوده إليها واضطراب كل قوات السماء. ثم يتحدث عن ظهوره لتلاميذه ” ثم انفتحت السموات… ورأوا يسوع وقد نزل وبهاؤه (أشرافه) ساطع جدا وكان نوره لا يقاس… ولم يستطع البشر في العالم أن يصفوا النور الذي كان عليه “، ثم يروي خوف التلاميذ واضطرابهم لرهبة هذا المنظر ” ولما رأي يسوع، الرحيم والحنان أن التلاميذ في غاية الاضطراب.قال لهم: تهللوا أنا هو لا تخافوا… ثم سحب بهاء نوره، عندئذ تشجع التلاميذ ووقفوا أمام يسوع وخروا معا وسجدوا له بفرح وابتهاج عظيم “.

(10) إنجيل نيقوديموس: ويرجع للقرن الثاني ويقسم إلى جزأين:

(أ) أعمال بيلاطس(11): ويروي محاكمة السيد المسيح وصلبه وموته وقيامته من بين الأموات ‍‍‍! وهذه بعض الفقرات منه: ” قال يسوع: موسى والأنبياء تنبئوا عن موتي وقيامتي (لو44:24-46) ” (ف4:3).

قال السيد المسيح للص اليمين: ” اليوم تكون معي في الفردوس (لو43:23) ” (ف10:2). وقال الرب يسوع المسيح لتلاميذه بعد القيامة وقبل الصعود مباشرة ” اذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالأناجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن، وهذه الآيات تتبع المؤمنين: يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات وإن شربوا شيئا مميتا لن يضرهم ويضعون أيديهم علي المرضي فيبرأون (مر15:16-18). وبينما كان يسوع يتكلم مع تلاميذه رأيناه يصعد إلى السماء.

(ب) نزول المسيح إلى الجحيم(12): يروي نزول المسيح إلى الجحيم أثناء خروج روحه من جسده وإخراجه للأرواح المنتظرة علي الرجاء: ” صاح صوت عظيم مثل الرعد قائلا: افتحوا أيها الحكام أبوابكم وارتفعي أيتها الأبواب الداهريات فيدخل ملك المجد ” (ف1:5).

” ومد الملك يده اليمني وأمسك أبينا آدم وأقامه، أتحه إلى الباقين وقال: تعالوا معي يأكل الذين ذقتم الموت بالشجرة التي لمسها الإنسان لأني أقمتكم ثانية بشجرة الصليب… قال الأنبياء والقديسون نقدم لك الشكر أيها المسيح مخلص العالم لأنك خلصت حياتنا من الفساد ” (ف1:8).

(11) إنجيل ماني ” الإنجيل المتوافق “(13): استخدم ماني الهرطوقي ” المبتدع الأناجيل الأربعة الصحيحة إلى جانب دياتسرون تاتيان والأناجيل الأبوكريفية مثل إنجيل فيلبس وكتاب طفولة الرب وجمعها في مجلد واحد، متوافق، شبيه بدياتسرون تاتيان، وهذه فقرة منه عن محاكمة السيد المسيح: ” بالحقيقة هو ابن الله. وأجاب بيلاطس هكذا، أنا بريء من دم ابن الله… “. وفي فجر الأحد ذهبت النسوة إلى القبر حاملات الطيب ” واقتربن من القبر… ولما كلمهن الملاكان قائلين: لا تبحثن عن الحي بين الأموات ! تذكرن كلام يسوع كيف علمكم في الجليل: سوف يسلمونى ويصلبونى وفي اليوم الثالث أقوم من الموت “.

(12) كرازة بطرس kyrygma petru(14): ويرجع هذا العمل للنصف الأول من القرن الثاني وقد اقتبس منه اكليمندس الإسكندري ونسبه للقديس بطرس تلميذ المسيح. وننقل هنا حيدث بطرس في ” الكرازة ” عن الرسل كالآتي: ” لقد فتحنا كتب الأنبياء التي لدينا ووجدنا اسم يسوع المسيح ومجيئه وموته وصلبه وبقية العذابات الأخرى التي أنزلها به اليهود وقيامته وصعوده إلى السماء، البعض بأمثال والبعض بألغاز والبعض بكلمات واضحة ومؤكدة “.

(13) أعمال يوحنا(15): شهد لها اكليمندس الإسكندري في القرن الثاني وتوجد لها مخطوطات عديدة بلغات متعددة أخرها برديات البهنسا، يقول فيها الكاتب عن صلب المسيح: ” وعندما كان معلقا (علي الصليب) يوم الجمعة في الساعة السادسة حدثت ظلمة علي الأرض .

(14) أعمال بطرس(16): وترجع إلى ما قبل سنة 190م، اقتبس منها اكليمندس الإسكندري وأوريجانوس ويوسابيوس القيصري. جاء فيها هذا القول منسوبا للقديس بطرس: ” أيها الواحد الوحيد القدوس، أنت ظهرت لنا، أنت الإله يسوع المسيح، باسمك اعتمد هذا الرجل وتعلم بالعلامة (علامة الصليب) المقدسة “.

(15) أعمال اندرواس(17): وترجع إلى ما قبل القرن الرابع، من عمل الهراطقة أشار اليها يوسابيوس القيصري. وقد جاء فيها هذه الصلاة التي يقال، حسب هذا العمل، أنها لأندراوس قبل استشهاده مباشرة ” لا تسمح يا رب أن اندراوس الذي التصق بصليبك يطلق حر، لا تطلقني أنا الذي تعلقت بسرك (صليبك)… أنا المتعلق بنعمتك… يا يسوع المسيح الذي أنا رأيته والذي أنا ملكه والذي أحبه والذي فيه أنا كائن وأكون. اقبلني بسلام في مساكنك الأبدية “.

(16) أعمال بطرس وبولس(18): وترجع أقدم مخطوطات هذا العمل إلى القرن التاسع وأن كان الكتاب نفسه يرجع لتاريخ أقدم من ذلك فقد أشار أوريجانوس (185 –245 م) إلى إحدى قصصه، السيدة كوفاديس Domine quovadis. وقد جاء في نهايته انه لما أمر نيرون بقطع رأس بولس وصلب بطرس ” ولما جاء بطرس إلى الصليب قال: لأن ربي يسوع المسيح الذي نزل من السماء إلى الأرض رفع علي الصليب ورأسه لأعلي، وتلطف ودعاني إلى السماء أنا الذي من الاراض، لذا يثبت صليبي ورأسي أتسفل لاوجه قدمي للسماء، لأني لست أهلا أن أصلب مثل ربي، فقلبوا الصليب وسمروا رجليه لأعلي “.

(17) أعمال اندراوس(19): أشار إليها أبيفانيوس (403م) وترجع إلى ما قبل ذلك، جاء فيها قول أندراوس لغريمه ” أن أمنت بالمسيح ابن الله الذي صلب سأشرح لك كيف أن الحمل الذي ذبح سيحيا بعد أن صلب “.

(18) رؤيا بطرس(20): وترجع إلى ما قبل 180م. جاء فيها إعلان المجيء الثاني هكذا: ” أجاب ربنا (يسوع ) وقال:… لأن مجيء ابن الله لن يكون مبينا ولكن مثل البرق الذي يظهر من الشرق إلى الغرب، هكذا سيأتي على سحاب السماء مع جمهور عظيم في مجدي، وصليبي ذاهبا أمام وجهي. سآتي في مجدي مع كل قديسى وملائكتي، عندما يضع أبى إكليلا على رأسي لأدين الأحياء والأموات وأجازى كل واحد بحسب أعماله “.

وجاء في مخطوطة أخرى ولكن بصورة أكثر غموضاً وصوفية “ والذي صلبوه هو البكر، وموطن الأرواح والإناء الحجري الذين يسكنون فيه، لإلوهيم، للصليب، الذي تحت الناموس. ولكن الذي يقف قريبا منه هو المخلص الحي، الأول فيه الذي امسكوه وأطلقوه، الذي يقف مبتهجا ينظر إلى أولئك يعاملونه بعنف، حتى انقسموا بين أنفسهم. لذا فقد ضحك على نقص إدراكهم، عالما أنهم ولدوا عميان، لذا فالقابل للألم سيأتي، لأن الجسد هو البديل، ولكن الذي أطلقوه كان جسدي الروحي. ولكني أنا الروح العقلي المملوء بالنور المشع. الذي تراه آتياً إليّ هو ملء اللاهوت العقلي الذي يوحد النور التام مع روحي القدوس “(21)!!

وفي هذا النص يتكلم الكاتب عن المسيح كروح عقلي من نور، وأن الذي صلب لا الروح العقلي النوراني المشع، بل الجزء الجسدي، الذي هو البكر، والبكر هو لقب المسيح في الفكر المسيحي عموماً !! أي أنه يقول أنهم صلبوا الجزء الجسدي منه لكنهم لم يصلبوا الروح العلوي النوراني المشع !!

(19) رؤيا بولس(22): ذكرت في قانون البابا جلاسيوس (496م) وأشار إليها القديس أغسطينوس (430م). جاء فيها ” ثم رأيت ابن الله نازلا من السماء وإكليلا على رأسه وعندما رآه الذين وضعوا في العذاب، صرخوا جميعهم معا: ارحمنا يا ابن الله العلي، فأنت الذي منحت الراحة للكل في السماء وعلى الأرض. ارحمنا نحن أيضا، فقد حصلنا على راحه منذ رأيناك. وجاء صوت الله في كل مكان في العذابات قائلا: ما الذي فعلتموه لتسألوني عن الراحة؟

لقد سال دمى لأجلكم ولم تتوبوا. لبست تاجا من الشوك على رأسي لأجلكم. لأجلكم لطمت على خدي، ومع ذلك لم تتوبوا. علقت على الصليب وطلبت الماء فأعطوني خلا ممزوجا بمر، فتحوا جنبي الأيمن بحربة. لأجل أسمى قتلوا خدامي، الأنبياء والأبرار، أعطيتكم الفرصة في كل هذا للتوبة ولم تريدوا “.

 إقرأ أيضاً:

(1) ) New Testament Apocrypha Vol. 1. p. 184.

(2) The Nag Hammadi Library In English p. 39.

(3) TERTULLIAN: AGAINST MARCION BK. IVCHAP. XLIII &

 http://www.geocities.com/Athens/Ithaca/3827/Gospel6.html

(4) http://www.reluctant-messenger.com/essene/gospel_9.htm

(5) The Nag Hammadi Library In English p. 234.

(6) Ibid. 141.

(7)

(8) New Testament Apocrypha Vol. 1. p. 333-337.

(9) Ibid. 431.

(10)Ibid. p.261-263.

(11) ) Anti Nicene Fathers Vol. 8. pp. 435-450.

(12) Ibid.. pp. 450- 458.

(13) New Testament Apocrypha Vol. 1. p. 352

(14) Clement , Strom. 6:6,48.

(15) New Testament Apocrypha Vol. 2. p. 232.

(16) Ibid. 258.

(17) Ibid. 422

(18) Ante Nicene Fathers Vol.8 p. 484.

(19) Ibid.512.

(20) New Testament Apocrypha Vol. 2. p. 668.

(21)

(22) New Testament Apocrypha Vol. 2. p.788.

إيمان الفرق الدوسيتية بصلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط

أصل فكرة الشبه في صلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط

أصل فكرة الشبه في صلب المسيح في الفكر الغنوصية

أصل فكرة الشبه في صلب المسيح في الفكر الغنوصية

1 – هل كان هناك مسيحيون عبر التاريخ القديم القريب من عهد المسيح من أنكر صلب المسيح أم لا ؟

والإجابة هي لا، ولكن كان هناك جماعة وثنية تسمى بالخيالية وبالغنوصية ويسمى أتباعها بالخياليين والغنوصيين ويسمى فكرها بالخيالية أو الشبحية، قالت أن المسيح كان إلها فقط ولم يكن له جسد وطبيعة الإنسان، بل كأن شبحاً وخيالاً، ظهر في هيئة وشبه ومنظر الإنسان ولم يكن له جسد فيزيائي من لحم ودم وعظام !! ولذا فقد كانت عملية صلبه مجرد مظهر وشبه، شُبّه للناظرين أنه يصلب، صلب مظهرياً، بدا وكأنه يصلب، علق على الصليب وبدا للناظرين أنه يصلب !! ودفن في القبر ولكنه خرج ككائن من نور لأنه هو نور وروح محض !!! وعندما خرج من القبر ككائن من نور كانت قدماه على الأرض ورأسه تخترق السماء !!!!

فما هي الغنوصية، أو الخيالية ؟ ومن هم هؤلاء الغنوصيون ؟

(1) الغنوصية هي حركة وثنية مسيحية ترجع جذورها إلى ما قبل المسيحية بعدة قرون. وكان أتباعها يخلطون بين الفكر الإغريقي – الهيلينتسي – والمصري القديم مع التقاليد الكلدانية والبابلية والفارسية (خاصة الزردشتية التي أسسها الحكيم الفارسي ذردشت (630-553 ق م) وكذلك اليهودية، خاصة فكر جماعة الأثينيين (الأتقياء) وما جاء في كتابهم ” الحرب بين أبناء النور وأبناء الظلام “، والفلسفات والأسرار والديانات الثيوصوفية(1). وذلك إلى جانب ما سمي بالأفلاطونية الحديثة، التي كانت منتشرة في دول حوض البحر المتوسط في القرن الأول. بل ويرى بعض العلماء أن كل أصول الغنوصية موجودة عند أفلاطون(2) لذا يقول العلامة ترتليان (نهاية القرن الثاني الميلادي) ” أنا أسف من كل قلبي لأن أفلاطون صار منطلق كل الهراطقة “(3)

وكانوا ينظرون للمادة على أنها شر ! وآمنوا بمجموعة كبيرة من الآلهة، فقالوا أنه في البدء كان الإله السامي غير المعروف وغير المدرك الذي هو روح مطلق، ولم تكن هناك المادة، هذا الإله الصالح أخرج، أنبثق منه، أخرج من ذاته، عدد من القوات الروحية ذات الأنظمة المختلفة التي أسموها بالأيونات (Aeons)، هذه القوات المنبثقة من الإله السامي كان لها أنظمة مختلفة وأسماء مختلفة وتصنيفات وأوصاف مختلفة(4). وتكوّن هذه الأيونات مع الإله السامي البليروما (Pleroma)، أو الملء الكامل، دائرة الملء الإلهي. وأن هذا الإله السامي الذي أخرج العالم الروحي من ذاته لم يخلق شيء.

ومن هذه الأيونات قام أحدهم ويدعى صوفيا (Sophia)، أي الحكمة الذي بثق، أخرج، من ذاته كائناً واعياً هو الذي خلق المادة والعوالم الفيزيقية، وخلق كل شيء على صورته، هذا الكائن لم يعرف شيء عن أصوله فتصور أنه الإله الوحيد والمطلق، ثم أتخذ الجوهر الإلهي الموجود وشكله في أشكال عديدة، لذا يدعى أيضا بالديمورجس (Demiurgos)، أي نصف الخالق. فالخليقة مكونة من نصف روحي لا يعرفه هذا الديمورجس، نصف الخالق ولا حكامه(5).

ومن هنا فقد آمنوا أن الإنسان مكون من عنصرين عنصر إلهي هو المنبثق من الجوهر الإلهي للإله السامي يشيرون إليه رمزيا بالشرارة الإلهية، وعنصر مادي طبيعي فاني. ويقولون أن البشرية بصفة عامة تجهل الشرارة الإلهية التي بداخلها بسبب الإله الخالق الشرير وارخوناته (حكامه). وعند الموت تتحرر الشرارة الإلهية بالمعرفة، ولكن أن لم يكن هناك عمل جوهري من المعرفة تندفع الروح، أو هذه الشرارة الإلهية، عائدة في أجساد أخرى داخل الآلام وعبودية العالم(6).

وأعتقد بعضهم بالثنائية (Dualism) الإلهية أي بوجود إلهين متساويين في القوة في الكون ؛ إله الخير، الذي خلق كل الكائنات الروحية السمائية، وإله الشر الذي خلق العالم وكل الأشياء المادية !! وربطوا بين إله الشر وإله العهد القديم !! وقالوا أن المعركة بين الخير والشر هي معركة بين مملكة النور ضد مملكة الظلمة !!

وأعتقد بعضهم أن إله الخير خلق الروح وقد وضعها إله الشر في مستوى أدني في سجن الجسد المادي الشرير. وهكذا فأن هدف البشرية هو الهروب من سجن الجسد المادي الشرير والعودة إلى اللاهوت أو التوحد مع إله الخير !!

ولذا فقد نادوا بوجود مجموعة من التعاليم السرية الخاصة جداً والتي زعموا أن المسيح قد كشفها وعلمها لتلاميذه ربما لسوء فهمهم لآيات مثل ” وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يكلمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا. وبدون مثل لم يكن يكلمهم.

وأما على انفراد فكان يفسر لتلاميذه كل شيء ” (مر33:4-5) و” لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون. بل نتكلم بحكمة الله في سرّ. الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا ” (1كو6:6-8)(7).

هذه التعاليم السرية المزعومة كتبوها في كتب ونسبوها لرسل المسيح وتلاميذه وبعضهم نسب لقادتهم وذلك اعتمادا على ما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا ” وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب. أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه ” (يو30:20و31) و ” وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع أن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة ” (يو25:21)(8).

يقول القديس اريناؤس أسقف ليون بالغال (فرنسا حاليا) ” أولئك الذين يتبعون فالتنتينوس (ق2م) يستخدمون الإنجيل للقديس يوحنا بوفرة لشرح أفكارهم التي سنبرهن أنها خاطئة كلية بواسطة نفس الإنجيل “(9).

(2) كما سميت هذه الهرطقة أيضا بالدوسيتية (Docetism)، والتي تعني في اليونانية ” Doketai “، من التعبير ” dokesis ” و ” dokeo ” والذي يعني ” يبدو “، ” يظهر “، ” يُرى “، وتعني الخيالية phantomism. فقد آمنوا أن المسيح كان مجرد خيال وشبح (phantom)، وأنه أحد الآلهة العلوية وقد نزل على الأرض في جسد خيالي وليس فيزيائي، مادي، حقيقي، أنه روح إلهي ليس له لحم ولا دم ولا عظام، لأنه لم يكن من الممكن، من وجهة نظرهم، أن يتخذ جسدا من المادة التي هي شر في نظرهم ! لذا قالوا أنه نزل في صورة وشبه إنسان وهيئة بشر دون أن يكون كذلك، جاء في شكل إنسان دون أن يكون له مكونات الإنسان من لحم ودم وعظام، جاء في ” شبه جسد ” و ” هيئة الإنسان “، وقالوا أنه لم يكن يجوع أو يعطش أو ينام، ولم يكن في حاجة للأكل أو الشرب .. الخ وأنه كان يأكل ويشرب وينام متظاهرا بذلك تحت هيئة بشرية غير حقيقية. وشبهوا جسده بالنور أو شعاع الشمس، فأن النور وشعاع الشمس يمكن لهما أن يخترقا لوحا من الزجاج دون أن يكسرا هذا اللوح “. كان مجرد خيال(10).

جاء في أحد كتبهم والذي يسمى بـ ” أعمال يوحنا “(11)، أن المسيح عندما كان يسير على الأرض لم يكن يترك أثرا لأقدامه وعندما كان يوحنا يحاول الإمساك به كانت يده تخترق جسده بلا أي مقاومة حيث لم يكن له جسد حقيقي. وكانت طبيعة جسده متغيرة عند اللمس، فتارة يكون ليناً وأخرى جامداً ومرة يكون خالياً تماماً. كان بالنسبة لهم مجرد شبح وحياته على الأرض خيال. وكان يظهر بأشكال متعددة ويغير شكله كما يشاء وقتما يشاء !! أي كان روحاً إلهياً وليس إنساناً فيزيقياً (12).

+ وقال بعضهم أنه اتخذ جسدا نفسيا Psychic، عقليا، وليس ماديا.

+ وقال بعض آخر أنه اتخذ جسد نجمي Sidereal.

+ وقال آخرون أنه اتخذ جسدا ولكنه لم يولد حقيقة من امرأة(13).

وجميعهم لم يقبلوا فكرة أنه تألم ومات حقيقة، بل قالوا أنه بدا وكأنه يتألم وظهر في الجلجثة كمجرد رؤيا. وقد أشار إليهم القديس أغناطيوس الإنطاكي (35 – 107) تلميذ القديس بطرس الرسول وحذر المؤمنين من أفكارهم الوثنية قائلا : ” إذا كان يسوع المسيح – كما زعم الملحدون الذين بلا إله – لم يتألم إلا في الظاهر، وهم أنفسهم ليسو سوى خيالات (بلا وجود حقيقي) فلماذا أنا مكبل بالحديد “(14)، ” وهو إنما أحتمل الآلام لأجلنا لكي ننال الخلاص، تألم حقا وقام حقا، وآلامه لم تكن خيالا، كما أدعى بعض غير المؤمنيين، الذين ليسوا سوى خيالات “(15)، ” لو أن ربنا صنع ما صنعه في الخيال لا غير لكانت قيودي أيضا خيالا “(16).

(4) كما كان لهذه الجماعات، أيضا، اعتقادات أخرى في المسيح، فقالوا أن المسيح الإله نزل على يسوع الإنسان وقت العماد وفارقه على الصليب، وقالوا أيضا أن المسيح الإله والحكمة الإله نزلا على يسوع واتحدا به وفارقاه أيضا عند الصليب !! أي أن الذي صلب، من وجهة نظرهم هو المسيح الإنسان وليس المسيح الإله !!! وفيما يلي أفكار قادتهم :

1 – فالنتينوس (حوالي 137م) : وقوله أن المسيح لم يولد من العذراء ولكن جسده الهوائي مر من خلال جسدها العذراوي : وقد ظهر في النصف الأول من القرن الثاني ونادى بوجود ثلاثين إلها، وقال أن الإله فيتوس (أي العمق) ولد ثمانية أيونات، ومنهم وُلد عشرة، ومن العشرة وُلد أثنا عشر ذكرا وأنثى، وولد سيغا (أي الصمت)، من هذا الإله فيتوس، ومن سيغا ولد الكلمة، كما قال أن كمال الآلهة هو كائن ” أنثى – ذكر ” يُدعى الحكمة، وهو المسيح(18)!!

وقال أن المسيح لم يتخذ جسداً إنسانياً حقيقياً بل أتخذ هيئة الجسد، مظهر الجسد وهيئة الإنسان لأنه لا يمكن أن يأخذ جسد من المادة التي هي شر بحسب اعتقاده ! أتخذ جسدا سمائيا وأثيريا، وهو، حسب قوله لم يولد من العذراء ولكن جسده الهوائي مر من خلال جسدها العذراوي(19)!!

2 – كيرنثوس وقوله بصلب يسوع الإنسان دون المسيح الإله : وقال كيرنثوس الذي كان معاصرا للقديس يوحنا الإنجيلي، والذي يقول عنه القديس إريناؤس أنه كان متعلما بحكمة المصريين ” أن العالم لم يخلقه الإله السامي، ولكن خلقته قوة معينة منفصلة بعيدا عنه وعلى مسافة من هذا المبدأ الذي هو سامي على الكون ومجهول من الذي فوق الكل. وقال أن يسوع لم يولد من عذراء، وإنما ولد كابن طبيعي ليوسف ومريم بحسب ناموس الميلاد البشري وقال أنه كان أبر وأحكم وأسمى من البشر الآخرين، وعند معموديته نزل عليه المسيح (الإله) من فوق من الحاكم السامي ونادى بالآب غير المعروف وصنع معجزات. ثم رحل المسيح (الإله) أخيرا من يسوع وتألم وقام ثانية، بينما ظل المسيح (الإله) غير قابل للألم لأنه كان كائنا روحيا “(20).

أي من، وجهة نظره أن الذي تألم على الصليب هو يسوع المسيح، عيسى، أما المسيح الإله فلم يتألم لأنه غير قابل للألم كإله.

3- سترنيوس (Saturnius) وقوله أن المسيح كان بلا ميلاد وبلا جسد وبدون شكل وكان مرئيا افتراضا : وقال سترنيوس أن ” الآب غير المعروف من الكل ” خلق الملائكة ورؤساء الملائكة، الذين كانوا من سلالات شريرة وخيرة، وخلق الرياسات والقوات، ثم قام سبعة من رؤساء الملائكة بخلق الكون والبشرية أيضا. وقال أن إله اليهود هو أحد رؤساء الملائكة السبعة، هؤلاء الذين خلقوا الكون، وكان معاديا للآب، وقد جاء المسيح المخلص ليدمر إله اليهود هذا ويحارب الأرواح التي تؤيده مستشهدا بقول القديس يوحنا الرسول بالروح ” لأجل هذا اظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس “ (1يو8:3)، لأنه اعتقد أن الشيطان هو إله اليهود، وأن المسيح كان كائنا روحيا وقد بدا وكأنه إنسان(21).

وقال أن ” المخلص كان بلا ميلاد وبلا جسد وبدون شكل وكان مرئيا افتراضا، وأنه جاء ليدمر إله اليهود، الذي كان واحدا من الملائكة، ويخلص الذين يؤمنون

به “(22).

4 – جماعة السزيان أو فايتس وقولهم بصلب يسوع دون المسيح والحكمة : نادت هذه الجماعة في القرن الثاني الميلادي ” أن يسوع ولد من العذراء بعمل الإله يادابوس وكان احكم واطهر وابر من كل البشر الآخرين. ثم اتحد المسيح (الإله) مع الحكمة ونزلا عليه (على يسوع)، وهكذا تكون يسوع المسيح. ويؤكدون أن كثيرين من تلاميذه لم يعرفوا بنزول المسيح عليه. ولكن عندما نزل المسيح علي يسوع بدأ يعمل معجزات ويشفي ويعلن الآب غير المعروف ويعلن نفسه صراحة انه ابن الإنسان الأول (الإله)(23). فغضبت القوات و(الإله يادابوس) والد يسوع لهذه الأعمال وعملوا على تحطيمه، وعندما اقتيد لهذا الغرض (الصلب) يقولون أن المسيح نفسه مع الحكمة رحلا منه إلى حيث الأيون غير الفاسد بينما صلب يسوع. ولكن المسيح لم ينسى يسوعه فانزل عليه قوة من فوق فأقامته ثانية في الجسد الذي يدعونه حيواني أو روحاني ثم أرسل العناصر الدنيوية ثانية إلى العالم. وعندما رأي تلاميذه انه قام، لم يدركوا، ولا حتى يسوع نفسه، من الذي أقامه ثانية من الموت. والخطأ الذي وقع فيه التلاميذ انهم تصوروا انه قام في جسد مادي غير عالمين أن ” لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله ” (اكو5:15)(24).

5 – ماركيون وقوله أن المسيح لم يولد من العذراء ولم يعرف ميلادا ولا نموا ولا حتى مظهر هذه الأحداث إنما ظهر بطريقة فجائية وفي هيئة بشرية احتفظ بها بحسب الظاهر إلى موته على الصليب : وعلم ماركيون، المولود حوالي سنة 120م، بوجود إلهين، الإله العظيم السامي أو الإله المحب، وهذا الإله كان غير معروف من العالم ومخفيا عن عينيه لأنه لا صلة له بالعالم وليس هو الخالق له. أما الإله الثاني فأقل من الأول درجة وهو إله عادل ولكن سريع الغضب ومنتقم يحارب ويسفك دم أعدائه بلا رحمة ولا شفقة، وهو الذي خلق العالم واختار منه شعبا هو شعب إسرائيل ليكون شاهدا له وأعطى له الناموس. وعاقب بشدة وصرامة الذين تعدوا على هذا الناموس، وترك بقية الشعوب الأخرى فريسة للمادة والوثنية. وكان هذا الإله، إله اليهود يجهل تماما وجود الإله السامي المحب الذي ظل غير معروف حتى ظهر المسيح في بلاد اليهودية في هيئة بشرية، وبدأ يعلن للبشر السر العظيم عن الإله السامي المحب الذي يجهله البشر وإله اليهود(24)!!

وقال أن المسيح لم يولد من العذراء ولم يعرف ميلادا ولا نموا ولا حتى مظهر هذه الأحداث إنما ظهر بطريقة فجائية وفي هيئة بشرية احتفظ بها بحسب الظاهر إلى موته على الصليب(25)‍!!

ونتيجة لاعتقاد هؤلاء الهراطقة بأن المسيح كان مجرد شبح وخيال وأنه ظهر على الأرض في شكل وهيئة ومظهر الإنسان ولكنه في حقيقته هو روح وخيال، ظهر في مظهر الإنسان دون أن يكون إنسانا ! جاء في شبه جسد ولكنه لم يتخذ الجسد بل كان شبح وروح وخيال في شكل جسد !! فلما وُضع على الصليب ليصلب بدا لهم وكأنه يصلب ولكن لأنه شبح وروح وخيال فقد ظهر في مظهر وهيئة وشكل الذي يصلب ولكن في الحقيقة لم يصلب بل شبُّه لهم أنه يصلب !! بدا لهم معلقاً على الصليب ولكنه في الحقيقة غير ذلك !! بدا لهم يسفك الدم وينزف أمامهم ولكن لأنه شبح وروح وخيال وليس له لحم ولا دم ولا عظام، فقد كان يبدو هكذا لهم مظهريا فقط، شبُّه لهم !! ظهر وكأنه مات على الصليب وهو الإله الذي لا يموت !!

6- باسيليدس وقوله بإلقاء شبه يسوع على غيره لأنه قوة غير مادية وعقل الآب غير المولود فقد غير هيئته كما أراد وهكذا صعد إلى الذي أرسله :

وكان أول من قال بإلقاء شبه يسوع على غيره هو باسيليدس الذي تصور وجود صراع بين الإلهة العديدة والذين كان أحدهم يسوع المسيح. وقد نقل عنه القديس أريناؤس قوله : ” وصنع الملائكة الذين يحتلون السماء السفلى المرئية لنا كل شئ في العالم، وجعلوا لأنفسهم اختصاصات للأرض والأمم التي عليها، ولما أراد رئيس هؤلاء، إله اليهود كما يعتقدون، أن يخضع الأمم الأخرى لشعبه اليهود، واعترضه وقاومه كل الرؤساء الآخرين بسبب العدواة التي كانت بين أمته وكل الأمم، ولما أدرك الآب غير المولود والذي لا اسم له انهم سيدمرون أرسل بكره العقل (وهو الذي يدعى المسيح) ليخلص من يُؤمن به، من قوة هؤلاء الذين صنعوا العالم. فظهر على الأرض كإنسان لأمم هذه القوات وصنع معجزات. وهو لم يمت بل اجبر سمعان القيرواني على حمل صليبه والقي شبهه عليه واعتقدوا انه يسوع فصلب بخطأ وجهل. واتخذ هو شكل سمعان القيرواني ووقف جانباً يضحك عليهم. ولأنه قوة غير مادي وعقل الآب غير المولود فقد غير هيئته كما أراد وهكذا صعد إلى الذي أرسله“(26).

7 ـ سر الصليب في أعمال يوحنا : قالوا في الكتاب الذي أسموه ” أعمال يوحنا “(27) والذي يرجع إلى القرن الثاني الميلادي، في عبارات صوفية غامضة جداً أن المسيح تألم دون أن يتألم وصلب دون أن يصلب وطعن بالحربة دون أن يسيل منه دماً وماء، علق على صليب من خشب وصليب من نور في آن واحد، كان على الصليب بين الجموع المحتشدة وفي نفس الوقت مع يوحنا على الجبل : ” بعد أن رقص الرب معنا هكذا يا أحبائي خرج ونحن كمذهولين أو مستغرقين في النوم وهربنا هذه الطريق أو تلك ولم أتأخر بآلامه، بل هربت إلى جبل الزيتون بكيت لما حدث، وعندما علق (على الصليب) يوم الجمعة في الساعة السادسة من النهار حلت الظلمة على كل الأرض(مر23:15). ثم وقف ربي وسط الكهف وأناره وقال : يا يوحنا إني مصلوب ومطعُون بالحربة والقصبة (مر 19:15) ومُعطى الخل والمر لأشرب (متى 34:27) بالنسبة للناس اسفل في أورشليم، ولكني أتحدث إليك فأستمع لما أقوله : لقد وضعت في عقلك أن تصعد إلى هذا الجبل لكي تستمع إلى ما يجب أن يتعلمه تلميذ من معلمه وإنسان من إله. وعندما قال ذلك أراني صليب من نور مثبت جيداً، وحول الصليب جمع عظيم، ليس له شكل واحد … ورأيت السيد نفسه فوق الصليب، ليس له شكل بل نوع من الصوت هذا الصليب من نور يدعى أحياناً اللوجوس وأحياناً العقل وأحياناً يسوع وأحياناً المسيح … ” !! هذه الأقوال الصوفية الغامضة جداً يدعونها أقوالاً سرية لمن أعطي له أن يفهم فقط !! 

هذا الفكر الخيالي الوثني الغامض كان أصحابه أفراداً خارج حظيرة المسيحية وقد رفضتهم الكنيسة وحاربت أفكارهم حتى اندثروا وان كانت كتبهم أثارهم ما يزال الكثير منها بين أيدينا.

والعجيب بل والغريب أنه عند ترجمة قوله ” وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ” نجده في الترجمة يحمل نفس هذا الفكر الدوسيتي، فقد جاء في ترجمة معاني القرآن الكريم للدكتور أحمد زيدان والسيدة دينا زيدان والمعتمدة من مجمع البحوث الإسلامية :

And for their saying ” we killed the Massiah jesus the son of Mary. The Messenger of God ” Yet they did not kill him nor crucify him but it was only made to appear to them so

ولكن هكذا بدا لهم فقط “، ” ولكن هكذا ظهر لهم ” !!

ويقول السيد يوسف علي في تفسيره لهذه الآية القرآنية :

The Docetae held that Christ never had a real physical or natural body، but only an apparent or phantom body، and that his Crucifixion was only apparent، not real. The Marcionite Gospel (about A. D.138) denied that Jesus was born، and merely said that he appeared in human form

The Quranic teaching is that Christ was not crucified nor killed by the Jews، notwithstanding certain apparent circumstances which produced that illusion in the’ minds of some of his enemies: that disputations، doubts، and conjectures on such matters are vain; and that he was taken up to Allah.

وترجمته هكذا ” قال الدوسيتيون أن المسيح لم يكن له أبداً جسد فيزيائي حقيقي أو طبيعي، ولكن فقط جسد مظهري أو شبح، وأن صلبه كان مجرد صلب ظاهري، وليس حقيقي، وأنكر الإنجيل الماركيوني (حوالي 138م) أن يسوع ولد وقد قال أنه ظهر في مجرد شكل بشري. ويقول التعليم القرآني أن اليهود لم يصلبوا المسيح ولم يقتلوه ومع ذلك فقد أنتج ذلك الوهم في عقول بعض أعدائه ظروف ظاهرية معينة … ” !!!

أي أن الترجمة الإنجليزية وتفسير السيد يوسف علي يؤكدان على أن نص آية الشبه يعني نفس ما قاله الفكر الدوسيتي الغنوصي القائل بأن المسيح صلب ولم يصلب بدا لهم أنه يصلب ولكن لأنه روح وشبح وخيال، إله فقط وليس له جسد إنسان لذا بدا لهم (Appeared to them) أنه يصلب ” it was only made to appear to them so !!!

(†) وتعنى الغنوصية – Gnosticism” حب المعرفة ” ومنها ” Gnostic – غنوصي – محب المعرفة ” من كلمة ” gnosis ” اليونانية والتي تعني ” معرفة “. وهي عبارة عن مدارس وشيع عديدة تؤمن بمجموعات عديدة من الآلهة. وكانت أفكارهم ثيوصوفية سرية. ولما ظهرت المسيحية خلط قادة هذه الجماعات بين أفكارهم، وبين بعض الأفكار المسيحية التي تتفق معهم !!

 إقرأ أيضاً:

إيمان الفرق الدوسيتية بصلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

(1) See Pre-Christian Gnosticism Edwin M. Yamac chi pp. 21-27 & The Secret Books of the Egy. Gmo. Jeam Doresse.

(2) A Comprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2… Years History (From 33-2..AD.

(3) Tertullian A Treatise On The Soul.

(4) A Comprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2… Years History (From 33-2..AD.

(5) The Gnostic World View، A Brief Summary of Gnosticism.

(6) The Gnostic World View، A Brief Summary of Gnosticism.

(7) Robert Jonse Heresies & Schisms In Early Church.

(8) Ibid.

(9) Irenaeus Against Heresies b 3 ch. 11

(10) Irenaseus Ag. Her. 1:24،2. وتاريخ الفكر المسيحي د القس حنا الخضري جـ 1 : 206

(11) See NT Apocrypha Vol. 2

(12) Robert Jonse Heresies & Schisms In Early Church.

(13) Catholic Enc. Docetism.

(14) رسالته إلى ترالس 10 : 1.

(15) رسالته إلى أزمير (سميرنا) 2.

(16) السابق 4 : 2.

(18) القديس كيرلس الأورشليمي ” العظات 6 : 17و18.

(19) تاريخ الفكر المسيحي د القس حنا الخضري جـ 1 : 207.

(20) Iren. Ag. Her. 1 : 26.

(21) ) Jesus After the Gospels Robert M. grant P. 45،46.

(22) Ibid.30.

(23) الإنسان الأول في عقيدتهم هو النور الأول في الأعماق، أبو الكل = إله.

(24) Iren. B.1 30:12،13 Robert M. Grant Gnosticism.

(24) Gnosticism a Sourcebook of Heretical writings from the early Christian Period p. 44،45.

(25) See Iren. Ag. Her.b. 1 وتاريخ الفكر 1 : 481 و482

(26) Ibid. b.1 24:3،4.

(27) Acts of John 97،98.

أصل فكرة الشبه في صلب المسيح في الفكر الغنوصية

علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

العلماء المسلمون الذين قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك

1 – عدم وضوح معنى الآية:

  كما سبق أن بينّا من عدم وضوح معنى قوله ” وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ” فقد وُجد هناك أربعة أراء لأربع مجموعات من العلماء المسلمين:

1 – الرأي الأول والذي يقول بإلقاء شبه المسيح على آخر، ولكن كيف ومتى ومن هو الشبيه فهذا غير معلوم، وهذا ما يتلخص في قول الإمام محمد أبو زهرة ( أن القرآن الكريم لم يبين لنا ماذا كان من عيسى بين صلب الشبيه ووفاة عيسى أو رفعه على الخلاف في ذلك، ولا إلى أين ذهب، وليس عندنا مصدر صحيح يعتمد عليه )، وهذا هو الرأي التقليدي ورأي الأغلبية.

  ومن ضمن أصحاب هذا الرأي الذين نقلوا روايات عن جهلاء أهل الكتاب العرب، كما يقول أبن خلدون، أو الذين راحوا يؤلفون روايات من وحي خيالهم هم !!

2 – الرأي الثاني والذي يرى أن المسيح صلب فعلا وإنما قول القرآن جاء من باب مجادلة اليهود والمقصود بها التنقيص من شأنهم، كقول د. عبد المجيد الشرفي ” هذا فليس من المستبعد أن يكون إنكار قتل اليهود عيسى وصلبه من باب المجادلة المقصود بها التنقيص من شأن المجادلين “.

3 – الرأي الثالث والذي يقول بصلب المسيح فعلا ولكن بعدم موته على الصليب، ومن هؤلاء الأستاذ الجوهري فضلا عما يناور ويقول به السيد أحمد ديدات !!

4 – الرأي الرابع والذي يقول بصلب المسيح كما جاء في الأناجيل، سواء عن طريق النقل من الإنجيل بأوجهه الأربعة دون تعليق، مثل المؤرخ الإسلامي اليعقوبي، والأستاذ خالد محمد خالد. وغيرهم. هذا فضلا عن البيضاوي الذي نقل قول النسطورية  ” وقيل صلب الناسوت ولم يصلب اللاهوت “.

  ولو كان نص الآية واضحاً تماما لما أختلف المسلمون عبر التاريخ في جزئية واحدة حول معنى الآية، ولكن اختلاف المفسرين، بهذه الصورة دليل على عدم وضوحها، وخاصة أنها الآية القرآنية الوحيدة التي تكلمت عن هذا الموضوع، باستثناء آيات الموت الوفاة، وهذا موضوع آخر.

2 – العلماء والمؤرخون المسلمون الذين قالوا بصلب المسيح:

  ظهر بعض الكتاب والعلماء والمؤرخين المسلمين الذين حاولوا التوفيق بين حقيقة وتاريخية صلب المسيح وتفسيرهم لقوله ” وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ” (النساء:157). ولذا فقد قالوا بصلب المسيح، وفيما يلي أهم من قالوا بذلك:  

(1) وقال الشيخ احمد بن أبي يعقوب، اليعقوبي، الذي يُعد من أقدم مؤرخي الإسلام والذي قال ” ولما طلب اليهود من بيلاطس أن يصلب المسيح. قال لهم خذوه أنتم واصلبوه أما أنا فلا أجد عليه علة. قالوا قد وجب عليه القتل من أجل أنه قال أنه ابن الله. ثم أخرجه وقال لهم خذوه أنتم واصلبوه فأخذوا المسيح وحملوه الخشبة التي صلب عليها “(1).

(2) وقال أخوان الصفا من القرن الخامس الهجري (457 – 459): ” فلما أراد الله تعالى أن يتوفاه (أي المسيح) ويرفعه إليه اجتمع معه حواريوه في بيت المقدس في غرفة واحدة، وقال أني ذاهب إلي أبي وأبيكم وأوصيكم بوصية 00 وأخذ عهدا وميثاقا فمن قبل وصيتي وأوفى بعهدي كان معي غدا 000 فقالوا له ما تصديق ما تأمرنا به. قال أنا أول من يفعل ذلك. وخرج في الغد وظهر للناس وجعل يدعوهم ويعظهم حتى اُخذ وحُمل إلى ملك إسرائيل فأمر بصلبه. فصلب ناسوته (جسده) وسمرت يداه على خشبتي الصليب وبقي مصلوبا من صحوة النهار إلى العصر. وطلب الماء فسقي الخل وطعن بالحربة ثم دفن في مكان الخشبة ووكل بالقبر أربعون نفرا. وهذا كله بحضرة أصحابه وحوارييه فلما رأوا ذلك منه أيقنوا وعلموا أنه لم يأمرهم بشيء يخالفهم فيه. ثم اجتمعوا بعد ذلك بثلاثة أيام في الموضع الذي وعدهم أن يتراءى لهم فيه. فرأوا تلك العلامة التي كانت بينه وبينهم وفشا الخبر في بني إسرائيل أن المسيح لم يقتل. فنبش القبر فلم يوجد فيه الناسوت “(2).

(3) ويقول د. عبد المجيد الشرفي (عميد كلية الآداب بتونس، وله كثير من المقالات التي تتعلق بالعلاقات المسيحية – الإسلامية ): ” وكما نفي القرآن ألوهية عيسى وعقيدة الثالوث، فإنه نفى في الآية 157 من سورة النساء أن يكون اليهود قتلوا عيسى أو صلبوه (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم 00 وما قتلوه يقيناً)، فهل تعني هذه الآية أنه قُتل وُصلب، لكن على غير أيدي اليهود أم أنه لم يُقتل ولم يُصلب البتة؟ لا شئ مبدئياً يمكّننا من ترجيح أحد الاحتمالين إن اقتصرنا على النص القرآني وحده، ولم نعتمد السنة التفسيرية التي بتت في اتجاه نفي الصليب جملة في أغلب الأحيان. على أن هذه الآيات لا يجوز أن تفصل عن الآية 33 من سورة مريم: (والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً)، وكذلك عن الآية 35 من آل عمران: (يا عيسى إني متوفيك)، وعن الآية 117 من المائدة: (وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم)، وهي صريحة في أن عيسى يموت ويتوفى.

  فليس من المستبعد أن يكون إنكار قتل اليهود عيسى وصلبه من باب المجادلة المقصود بها التنقيص من شأن المجادلين، لا سيما أن كل الأحداث المتعلقة بحياة المسيح لم تزل منذ القديم محل أخذ ورد واختلاف، ولا أحد يستطيع ادعاء اليقين فيها. يضاف إلى هذا أن إقرار القرآن برفع عيسى في الآية الموالية يتفق والعقيدة المسيحية في هذا الرفع، بل ويتماشى والعقلية الشائعة في الحضارات القديمة والمؤمنة بهذه الظاهرة. والأمثلة على ذلك كثيرة. فهل نحن في حاجة إلى التنقيب عن مصدر العقيدة القرآنية المتعلقة بنهاية حياة المسيح في آراء الفرق الظاهرانية (Docetiste )؟¨، ” أليس في منطق الدعوة ذاته ما يفسر هذا الموقف الواضح في سائر الأنبياء من جهة، والذي يترك الباب مفتوحاً للتأويل واعتماد المعطيات التاريخية في أمر من جهة أخرى “. ويقول المؤلف أيضاً تحت عنوان: الصلب:

  ” من اليسير أولاً أن نسجل أن هذا الفرض لم يكن محل عناية كبيرة من قبل المفكرين المسلمين، رغم أنه غرض محوري في المنظومة اللاهوتية المسيحية ويحق لنا أن نتساءل عن علة هذا الإعراض النسبي، وهل ينم عن نوع من الحرج في مواجهة الرواية ذات الصبغة التاريخية المتعلقة بالصليب والسائدة في أوساط النصارى 00 بمجرد آية قرآنية؟ أم هل اعتبر المسلمون أن نظرية الفداء تسقط بطبيعتها إن لم ترتكز على أساس متين بعد النقد الصارم الذي وجه إلى عقيدتي التثليث والتجسد؟ “(3).

(4) وقال عبد الرحمن سليم البغدادي الذي كان عراقياً ولد وعاش ومات في بغداد (1832 – 1911)، وكان رئيساً لمحكمتها التجارية وانتخب نائباً في المجلس العثماني ” (وما قتلوه وما صلبوه) لا يفهم منها أن المسيح لم يمت قط، بل هو نص صريح في أن القتل والصلب لم يقعا على ذاته من اليهود فقط “. ربما يقصد إنما صلب على أيدي الرومان(4).

(5) وقال الأستاذ نبيل الفضل ” إن عملية الصلب لا يهم أن تكون على عمود رأسي وآخر أفقي كما في الصليب، بل قد تكون على عمود رأسي فقط. وصلب المسيح ربما كان على صليب ذي عمودين رأسي وأفقي، أو ربما على عمود رأسي فقط، فإن كان المسيح قد ُصلب على عمود رأسي فقط، فإن تعبير(صلب المسيح) يكون تعبيراً غير كامل. فتعبير صلب يجوز في حالة وجود عمود رأسي وأفقي، فإن كان عمود واحد فالأدق أن يكون التعبير هو (تعليق المسيح) لا (صلب المسيح). ورغم أن الحالتين تؤديان إلى الوفاة بالاختناق، إلا أن هذا يذكرنا بقول القرآن (وما صلبوه) “(4).

(6) وقال المفكر والفيلسوف الدكتور فؤاد حسنين على أستاذ الفلسفة ” قتلوه وما قتلوه، صلبوه وما صلبوه ولكن شبه لهم. قتلوا الجسد وما قتلوا الكلمة، صلبوا الجسد وصعدت الروح إلى خالقها  00″. ثم تحدث عن محاكمات المسيح وكلماته على الصليب واستهزاء اليهود به ثم قال ” أسلم يسوع روحه فصعدت إلى ربها راضية مرضية ” وتحدث عن صلب المسيح وموته باستفاضة وكذلك عن دفنه حتى وصل إلى قيامته من الموت فقال ” وموت المسيح على الصليب ليس هو معجزة المسيحية. والعكس هو الصحيح أعني قيامة المسيح من بين الموتى ” إلى أن ختم مقاله بقوله ” إذ قال الله يا عيسى أني متوفيك ورافعك إلي 000ألخ “(5).

(7) وكذلك تبني السيد أحمد ديدات وناشر كتبه السيد على الجوهري لقول الفرقة القاديانية التي تعتقد أن المسيح صلب على الصليب ولكنه لم يمت عليه بل أغمى عليه وأنزل من على الصليب حّياً(6)!!

 (8) بل وقال الأمير شكيب أرسلان في كتابه ” حاضر العالم “: ” قال درنغم (أحد المستشرقين): فقول القرآن (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) يذكرنا بأقوال العهد الجديد 000 إننا لو فرضنا وجوب أخذ هذه الآية على ظاهرها فلا مانع من ذلك حسب عقيدة الكنيسة نفسها، لأن آباء الكنيسة ما زالوا يقولون، إنه ليس ابن الله هو الذي صلبه اليهود، وأماتوه على الصليب، وإنما الطبيعة البشرية في المسيح. وهكذا لا يكون اليهود قتلوا كلمة الله الأبدية، ولكن يكونون قتلوا الرجل الذي يشبهها، واللحم والدم المتجسدين في بطن مريم “.

  ” وقال (المستشرق): فلا يكون القرآن فيما قاله بشأن الصلب إلا مؤيداً عقيدة الكنيسة الكبرى، وهي أن في المسيح طبيعتين: إلهية وبشرية، وأن القتل وقع على الطبيعة البشرية فقط 00″. وقال الأمير أرسلان معلقاً ” ولا نريد أن نفرغ من هذه المسألة بدون أن نعلق على بعض الملاحظات على ما قاله درنغم فيها. فأما ذهابه أن مراد القرآن بالآية الكريمة: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) إنما هو وقوع القتل على الجسد فقط، وأن الله بعد ذلك رفعه إليه، (فأن له وجها وجيهاً) لا سيما وأن آية أخرى: ” إذ قال الله يا عيسى أني متوفيك ورافعك إليّّ، ومطهرك من الذي كفروا) تعزز هذا الرأي “(7).   

(9) وقال الإمام محسن فاني في كتابه الدابستاني في القرن التاسع للهجرة ” أنه عندما قبض اليهود على عيسى، بصقوا عل وجهه المبارك ولطموه ثم أن بيلاطس حاكم اليهود جلده حتى أن جسمه من رأسه إلى قدمه صار واحدا 000 ولما رأى بيلاطس من إصرار اليهود على صلب عيسى وقتله قال ” أني بريء من دم هذا الرجل وأغسل يدي من دمه “، ” فوضعوا الصليب على كتف عيسى وساقوه للصلب “(8).

(10) وقال الكاتب الإسلامي المعروف خالد محمد خالد، بعد أن تكلم في فصل كامل عن محاكمات المسيح: ” لقد كان الصليب الكبير الذي أعده المجرمون للمسيح يتراءى له دوما “. ” المسيح قد حمل الصليب من أجل السلام “.” الصليب الذي حمله المسيح سيف أراد اليهود أن يقضوا على ابن الإنسان ورائد الحق “.

ثم قال ” وأريد للمسيح أن تنتهي حياته الطاهرة على صورة تشبه الأحقاد الملتوية، الملتاثة. لخراف إسرائيل الضالة “(9).

(11) ونقل الكاتب محمود أبو ريه فقرات كاملة من الإنجيل بأوجهه الأربعة خاصة بكلام المسيح قبل صلبه مباشرة وكلام المسيح وهو معلق على الصليب وعند قيامته. وذلك كحقيقة تاريخية(10).

(12) ويرى د. محمد أحمد خلف الله (في كتابه الفن القصصي في القرآن الكريم) أن القصة القرآنية لم يُقصد بها التاريخ، ولكن العظة والاعتبار ولذلك يُهمل الزمان والمكان، وهي تمثل الصور الذهنية للعقلية العربية في ذلك الوقت ولا يلزم أن يكون هذا هو الحق والواقع ومن حقنا أن نبحث وندقق. وهذا هو ما كتبه بالنص:

+ ” يدلنا الاستقراء على أن ظواهر كثيرة من ظاهرات الحرية الفنية توجد في القرآن الكريم، ونستطيع أن نعرض عليك منها في هذا الموقف ما يلي:

1 – إهمال القرآن حين يقص لمقومات التاريخ من زمان ومكان 000 “.

2 – اختياره لبعض الأحداث دون البعض، فلم يعن القرآن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخص أو الحاصلة في أمة تصويراً تاماً كاملاً، وإنما كان يكتفي باختيار ما يساعده على الوصول إلى أغراضه.

3 – كما لا يهتم بالترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراد الأحداث وتصويرها وإنما كان يخالف هذا الترتيب ويتجاوزه. 

4 – إسناده بعض الأحداث لأناس بأعينهم في موطن ثم إسناده نفس الأحداث لغير الأشخاص في موطن آخر.

5 – إنطاقه الشخص الواحد في الموقف الواحد عبارات مختلفة حين يكرر القصة.

6 – وجود مواقف جديدة لم تحدث في سياق القصة التي تصور أحداثاً وقعت انتهت. ” القرآن يجري في فنه البياني على أساس ما كانت تعتقد العرب وتتخيل، لا على ما هو الحقيقة العقلية ولا على ما هو الواقع العملي “.

” إن المعاني التاريخية ليست مما بلغ على أنه دين يتبع، وليست من مقاصد القرآن في شئ، ومن هنا أهمل القرآن مقومات التاريخ من زمان ومكان وترتيب للأحداث 00 إن قصد القرآن من هذه المعاني إنما هو العظة والعبرة أي في الخروج بها من الدائرة التاريخية إلى الدائرة الدينية. ومعنى ذلك أن المعاني التاريخية من حيث هي معان تاريخية لا تعتبر جزءاً من الدين أو عنصراً من عناصره المكونة له. ومعنى هذا أيضاً أن قيمتها التاريخية ليست مما حماه القرآن الكريم ما دام لم يقصده.

” إن ما بالقصص القرآني من مسائل تاريخية ليست إلا الصور الذهبية لما يعرفه المعاصرون للنبي من التاريخ، وما يعرفه هؤلاء لا يلزم أن يكون الحق والواقع، كما لا يلزم القرآن أن يصحح هذه المسائل أو يردها إلى الحق والواقع، لأن القرآن الكريم، كان يجئ في بيانه المعجز على ما يعتقد العرب، وتعتقد البيئة ويعتقد المخاطبون. ويضيف الكاتب أيضاً:

  ” إن القرآن الكريم لا يطلب الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخية. ومن هنا يصبح من حقنا أو من حق القرآن علينا أن نفسح المجال أمام العقل البشري ليبحث ويدقق، وليس عليه بأس في أن ينتهي من هذه البحوث إلى ما يخالف هذه المسائل، ولن تكون مخالفة لما أراده الله أو لما قصد إليه القرآن لأن الله لم يرد تعليمنا التاريخ، ولأن القصص القرآني لم يقصد إلا الموعظة والعبرة وما شابههما من مقاصد وأغراض. ونوجز ما سبق فيما يلي:

1 – القصة القرآنية، قصة لا تتوافر فيها مقومات التاريخ، ولم يكن هدفها التاريخ بل العظة والاعتبار. وهي ما يعرفه المعاصرون للنبي من تاريخ، ولا يلزم أن يكون هذا هو الحق والواقع.

2 – هناك أقوال جاءت على لسان بعض الأشخاص، لم ينطقوا بها بل القرآن أنطقها على لسانهم.

3 – القرآن لا يطلب منا الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخية ومن حقنا أو من حق القرآن علينا أن نبحث ونفتش لمعرفة الحدث التاريخي كما وقع ومخالفتنا للقصة القرآنية لا يمس القرآن.

   وإذا طبقنا هذه المبادئ على حادثة صلب المسيح نرى:

+ إن اليهود لم يقولوا أن المسيح هو رسول الله، وإن القول ” ما قتلوه وما صلبوه ” هو ما يعرفه بعض المعاصرين.

+ إن القرآن لا يطلب منا الإيمان بعدم قتل وصلب المسيح. إذا رأينا من الكتب المقدسة أو من التاريخ ما يؤكد حقيقة صلب وموت المسيح، فالواجب علينا أو من حق القرآن علينا أن نؤمن بذلك، ولهذا فالمسيح قد صلب ومات على الصليب.

  ” إن القرآن لم يقصد إلى التاريخ من حيث هو تاريخ إلا في النادر الذي لا حكم له، وأنه على العكس من ذلك عمد إلى إبهام مقومات التاريخ من زمان ومكان “.

  ” إن وصف عيسى بأنه رسول الله في قول اليهود الذي حكاه عنهم القرآن في قوله تعالى: (وقولهم إن قتلنا المسيح عيس بن مريم رسول الله)، لا يمكن أن يفهم على أنه قد صدر حقاً من اليهود فهم لم ينطقوا بهذا الوصف وإنما القرآن هو الذي أنطقهم به، ذلك لأن وصفه بالرسالة ليس إلا التسليم بأنه رسول الله وهم لم يسلموا بهذا، ولو سلموا بهذا لأصبحوا مسيحيين، ولما كان بينهم وبينه أي لون من ألوان العداء، ولما كان قُتل وصُلب. إن اليهود إنما يتهمون عيسى بالكذب، وينكرون عليه أنه رسول الله، ويذكرونه بالشر، ويقولون إنه ابن زنا وأن أمه زانية. يقول اليهود كل هذا وأكثر منه، ومن هنا لم يستطع العقل الإسلامي أن يسلم بأن وصف عيسى بأنه رسول الله قد صدر حقاً من اليهود “.

  ” مصادر القصص القرآني في الغالب هي العقلية العربية، فالقرآن لم يبعد عنها إلا القليل النادر، ومن هنا جاءت فكرة الأقدمين القائلة: إن القرآن ليس إلا أساطير الأولين، وذلك لأنهم نظروا فوجدوا الشخصيات القصصية والأحداث القصصية مما يعرفون “(11).

(13) الأستاذ على الجوهري: والذي ترجم عددا من كتب السيد أحمد ديدات والتعليق عليها، وكان رأيه في قضية موت المسيح، كما بينّا في الفصل السابق، هو كالآتي: ” إذا لم يكن معنى قوله سبحانه وتعالى: ولكن شبه لهم هو إلقاء شبه المسيح على شخص آخر غيره، فما هو معناها؟ هل لها معنى آخر، وما هو هذا المعنى الأخير؟ ثم يركز بعد ذلك على القول بعدم موت المسيح على الصليب وإنزاله من على الصليب حيا، مغمى عليه(12)!!!

  وقد تصور بذلك أنه حل مشكلتين الأولى عدم تاريخية ومعقولية ومنطقية إلقاء شبه المسيح على آخر، والثانية هي إبطال عقيدة الفداء بدم المسيح.

 إقرأ أيضاً:

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم؟ – القمص عبد المسيح بسيط

(1) تاريخ اليعقوبي حـ1:64.

(2) رسائل أخوان الصفا  جـ 4: 96و97.

(3) ” قبر المسيح في كشمير ” د. فريز صموءيل ص 139 و 140.

(4) المرجع السابق ص 141.

(4)  ” هل بشر المسيح بمحمد ” نبيل الفضل. رياض الريس للكتب والنشر. لندن. ص 72-73. مع قبر المسيح في كشمير ص 142.

(5) جريدة أخبار اليوم في 22/4/1970.

(6) أنظر كتاب ” صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء ” أحمد ديدات ترجمة على الجوهري.

(7) كتاب ” مقدمة في نشأة الكتابات الدفاعية بين الإسلام والمسيحية ” حسني يوسف الأطير، ص 25 – 28.

(8) عن كتاب ” إنجيل برنابا في ضوء العقل والدين ” لعوض سمعان ص 110.

(9) كتاب ” معا على الطريق محمد والمسيح ” ص 34و181.

(10) كتابه “محمد والمسيح أخوان ص 46.

(11) ” الفن القصصي للقرآن الكريم ”  محمد احمد خلف الله مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم، وكتاب ” قبر المسيح في كشمير  ” د. صمويل فريز 151 – 155.

(12) أنظر تعليقه على كتاب ” أخطر مناظرات العصر، هل مات المسيح على الصليب؟ ” .

 

علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

 

نظرية إلقاء شبه المسيح على آخر تتعارض مع عدل الله وجلاله وعظمته ومع العقل والمنطق والتاريخ

1 – إشكالات روايات عدم صلب المسيح وإلقاء شبهه على آخر :

  لا يقدر أن يقول لنا أصحاب نظرية الشبه ، كما بينّا ، أن آية الشبه ذكرت كيفية إلقاء الشبه ومتى حدثت ومن هو الشبيه ومن هو المشبه به ، وكما يقول الشيخ أبو زهرة ” أن القرآن الكريم لم يبين لنا ماذا كان من عيسى بين صلب الشبيه ووفاة عيسى أو رفعه على الخلاف في ذلك ، ولا إلى أين ذهب ، وليس عندنا مصدر صحيح يعتمد عليه “.

وكما يقول الإمام الفخر الرازي في تعليقة على ما روي من روايات خيالية عن الشبه بقوله ” اختلفت مذاهب العلماء في هذا الوضع وذكروا وجوهاً 000 وهذه الوجوه متدافعة متعارضة والله أعلم بهذه الأمور “(1).

  وقال في تفسير الآية 175 من سورة النساء ، مكررا ما قاله الزمخشري في كشافه ” الأول : قوله شبّه مسند إلى ماذا ؟ أن جعلته إلى المسيح فهو مشبّه به وليس بمشبّه ، وأن أسندته إلى المقتول ، فالمقتول لم يجر له ذكر ؟ 00″ .

والثاني : أنه أن جاز أن الله تعالى يلقي شبهه (أي المسيح) على إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة فانا إذا رأينا زيدا فلعله ليس بزيد فأنه ألقي شبه زيد عليه .

وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك موثوق به ، وأيضا يفضي إلى القدح في التواتر 000 وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع وليس مجيب أن يجيب عنه بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنا نقول لو صح ما ذكرتم فذاك إنما يعرف بالدليل والبرهان فمن لم يعلن ذلك الدليل والبرهان وجب أن يشي من المحسوسات ووجب أن لا يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة 0000 وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر والطعن فيه يوجب الطعن في نبوة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ” .

  كما أن القول بعدم صلب المسيح وإلقاء شبهه على غيرة يوقع القائلين به في جملة مشاكل دينية يلخصها الأمام الفخر الرازي في تفسيره لسورة آل عمران 55 :

  ” من مباحث هذه الآية موضع مشكل وهو أن نص القرآن دال على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره 000 والأخبار أيضا واردة بذلك إلا أن الروايات اختلفت في ذلك فتارة يروى أن الله تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء الذين دلوا اليهود على مكانه 000 وتارة يروى أن رغّب بعض خواص أصحابه في أن يلقي شبهه (عليه) حتى يقتل مكانه . وبالجملة فكيفما كان  ففي إلقاء شبهه على غيره إشكالات :

(1) الإشكال الأول : إنّا لو جوَّزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر لزم السفسطة، فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانية فحينئذ أجوّز أن يكون هذا الذي رأيته ثانياً ليس بولدي بل هو إنسان أُلقي شبَهه عليه ، وحينئذ يرتفع الأمان على المحسوسات . وأيضاً فالصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم وجب أن لا يعرفوا أنه محمد، لاحتمال أنه أُلقي شبهه على غيره ، وذلك يُفضي إلى سقوط الشرائع .

وأيضاً فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس ، فإذا جاز وقوع الغلط في المبصرات كان سقوط خبر المتواتر أولى . وبالجملة ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات بالكلية .

(2) الإشكال الثاني : وهو أن الله تعالى كان قد أمر جبريل عليه السلام بأن يكون معه (مع المسيح) في أكثر الأحوال ، هكذا قال المفسرون في تفسير قوله (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ).

ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه السلام كان يكفي العالم من البشر ، فكيف لم يكفِ في منع أولئك اليهود عنه ؟ وأيضاً أنه عليه السلام  لما كان قادراً على إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء وعلى إسقامهم وإلقاء الزمانة (العاهة) والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن التعرض له ؟

(3) الإشكال الثالث : إنه تعالى كان قادراً على تخليصه من أولئك الأعداء بأن يرفعه إلى السماء ، فما الفائدة في إلقاء شبهه على غيره ، وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه ؟

(4) الإشكال الرابع : إنه إذا ألقى شبهه على غيره ثم إنه رُفع بعد ذلك إلى السماء ، فالقوم اعتقدوا فيه أنه عيسى مع أنه ما كان عيسى ، فهذا كان إلقاءً لهم في الجهل والتلبيس . وهذا لا يليق بحكمة الله تعالى .

(5) الإشكال الخامس : إن النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة محبتهم للمسيح عليه السلام ، وغلوّهم في أمره أخبروا أنهم شاهدوه مقتولاً ومصلوباً ، فلو أنكرنا ذلك كان طعناً فيما ثبت بالتواتر ، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوة محمد، ونبوة عيسى ، بل في وجودهما ، ووجود سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وكل ذلك باطل .

(6) الإشكال السادس : أنه بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً ، فلو لم يكن ذلك عيسى بل كان غيره لأظهر الجزع، ولقال : إني لست بعيسى بل إنما أنا غيره ، ولبالغ في تعريف هذا المعنى ، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعنى ، فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أن ليس الأمر على ما ذكرتم . فهذا جملة ما في الموضع من السؤالات “(2).

  وبالرغم من أنه علق على هذه الإشكالات إلا أن تعليقة كان غير مقنع سواء له أو لغيره ، إذ يقول في رد مقتضب :

أ – ” الجواب عن الأول : إن كل من أثبت القادر المختار، سلَّم أنه تعالى قادر على

أن يخلق إنساناً آخر على صورة زيد مثلاً ، ثم إن هذا التصوير لا يوجب الشك المذكور ، فكذا القول فيما ذكرتم ” !!!

  ونقول هل حدث مثل ذلك في تاريخ البشرية والإجابة بالقطع كلا !!!

ب –  ” والجواب عن الثاني : إن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه أو أقدر الله تعالى عيسى عليه السلام على دفع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء (أي اضطرار الله إلى إجراء تلك المعجزة) ، وذلك غير جائز ” !!!

  ونقول على العكس لو كان الله قد أنقذه بواسطة ملاك لظهرت عظمته وآمن به اليهود ، ونسأل ونقول وهل إلقاء شبهه على آخر ليس فيه إلجاء واضطرار ؟؟!!

ج – ” والجواب عن الثالث : فإنه تعالى لو رفعه إلى السماء وما ألقى شبهه على الغير لبلغت تلك المعجزة إلى حد الإلجاء (أي اضطرار الله إلى إجراء تلك المعجزة) ” .

  والسؤال هنا أيهما أكرم وأليق بجلال الله وعظمته ؟ أن يرفعه أمام الجميع فتظهر قدرة الله أم يخدعهم ويلقي بشبهه على آخر ؟؟!!!

د – ” والجواب عن الرابع : إن تلامذة عيسى كانوا حاضرين ، وكانوا عالمين بكيفية الواقعة ، وهم كانوا يزيلون ذلك التلبيس ” .

  ونقول أنه ولا واحد من تلاميذ المسيح قال بغير صلب المسيح !!!!!!

ر – ” والجواب عن الخامس : إن الحاضرين في ذلك الوقت كانوا قليلين ودخول الشبهة على الجمع القليل جائز والتواتر إذا انتهى في آخر الأمر إلى الجمع القليل لم يكن مفيداً للعلم ” .

  ونقول هل تدخل الشبهة على أمه وأخت أمه وتلميذه يوحنا ومن كان معهم من التلاميذ غير المعلنين مثل يوسف الرامي ونيقوديموس ، أم على اليهود الذين كانوا حاضرين الصلب والذين جال يبشر بينهم يعلمهم ويصنع المعجزات وكانوا  يلتفون حوله بعشرات الألوف ، أم على الجنود الرومان الذين كانوا يقومون بعملية الصلب ، أم سمعان القيرواني الذي كان يشاركه في حمل الصليب ؟؟!!

س – ” والجواب عن السادس : إن بتقدير أن يكون الذي ألقي شبه عيسى عليه السلام عليه كان مسلماً وقبل ذلك عن عيسى ، جائز أن يسكت عن تعريف حقيقة الحال في تلك الواقعة ” .

  تقول كل تفاصيل المحاكمة والصلب أن المحاكم والمصلوب كان هو المسيح وهذا ما دلل عليه بأقواله وتصرفاته !!!!

  ثم يختم بقوله ” وبالجملة فالأسئلة التي ذكروها أمور تتطرق الاحتمالات إليها من بعض الوجوه . ولما ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد في كل ما أخبر عنه ، امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملة معارضة للنص القاطع ، والله وليّ الهداية ” .

  هذا هو تعليق الرازي وتعليقنا عليه .

  ولأن هذه الردود غير مقنعة ، حتى له هو نفسه كما هو واضح . لذا فسر بعض العلماء المسلمين الآية باعتبار أنها لا تنفي الصلب .

2 – تعليق على هذه الإشكالات :

  ويعلق الأستاذ على الجوهري الذي بنى مفهومة في تفسيره لآية سورة النساء على حقيقة الصلب ولكنه قال بعدم موت المسيح على الصليب معتقداً أن عدم موته على الصليب ينفي القصد من صلبه ويحقق تفسير الآية بشكل يتفق مع المنطق

وحقائق التاريخ ، فيقول(4):

  ” أهم الأسئلة فيما يتعلق بمسألة صلب المسيح أو نهاية شأن المسيح مع قومه كما أفضل أن اسميها هي : ما هو معنى الصلب ؟ هل الصلب هو مجرد وضع شخص على الصليب سواء مات من جراء الصلب أو لم يمت لأي سبب من الأسباب ؟ أم أن الصلب لا يتم إلا إذا مات الشخص المحكوم عليه بالصلب على الصليب ؟ إن تحديد معنى الصلب بالإجابة على هذه الأسئلة الهامة يجعلنا نعرف على وجه الدقة  ما إذا كانوا قد قتلوه وصلبوه ، أو أنهم (ما قتلوه وما صلبوه) .

  ” جدير بنا أن ندقق في معنى الفعل المبني للمجهول (صُلب) . يقال عن شخص إنه صُلب إذا كان مات على الصليب ويقال عن شخص إنه (أُغرق) إذا كان قد مات إغراقاً تحت الماء ، أما إذا كان بعض الناس حاولوا إغراق شخص تحت سطح الماء بهدف قتله ولم يمت هذا الشخص تحت الماء لأي سبب فإنهم لم يغرقوه.

يجوز أن يكونوا قد شرعوا في قتله بإغراقه ، ولكنهم في حقيقة الأمر (ما قتلوه وما أغرقوه) ، حيث أنه لم يمت تحت سطح الماء من جراء إغراقهم له ، في محاولتهم قتله تحت سطح الماء . وهكذا لو وُضِع شخص على الصليب ولم يمت من جراء الصلب لا يجوز أن نقول عنه أنه صُلب . ربما كان هذا شروعاً في قتله صلباً ، ولكنهم (ما صلبوه) ” .

  ولكنا نقول لسيادته نتفق معك في الجزء الأول من حديثك أن اليهود دفعوا الرومان لصلب المسيح ليتخلصوا منه ومن رسالته ، أما الجزء الثاني فقد تحقق لا بعدم موته على الصليب بل بقيامته من الأموات في اليوم الثالث ، وفي هذه الحالة يكون قوله ” ما صلبوه وما قتلوه ” يعني أن قصدهم وخطتهم في القضاء عليه لم ينجحا لأنه قام من الأموات وظهر لتلاميذه وأرسلهم للكرازة به في كل العالم .

  ثم يوضح الأستاذ على الجوهري رأيه في نظرية إلقاء شبه المسيح على شخص آخر بقوله : ” لأن إلقاء شبه المسيح على شخص غير المسيح إنما هو نظرية قال بها المفسرون ، إنها رأي المفسرين ، ومن المعروف أن المفسرين يلزم كل منهم أن ينظر في تفسير من سبقه من المفسرين . هذا بطبيعة الحال من ضرورات التصدي لمحاولة تفسير آيات القرآن الكريم . ونظرية إلقاء الشبه غير مستساغة  وغير معقولة لأسباب هامة كثيرة :

أولاً : لا دليل عليها ، ولتكون نظرية مستساغة ومقبولة ومعقولة يلزم أن تتوافر لها أدلة على صحتها . ونظرية إلقاء شبه المسيح على شخص غيره لا ينهض  دليل على صحتها ، وتنهض أدلة على عدم صحتها

لقد اضطر المفسرون المسلمون إلى القول بنظرية إلقاء الشبه إجابة وحيدة لسؤال فرض نفسه هو : إذا كان المسيح ما قتلوه وما صلبوه ، فماذا حدث له ؟ وكيف نجا من القتل والصلب؟ ويجوز أن يوضع شخص على الصليب بقصد قتله صلباً ، ولا يكون هذا الشخص قد قُتل أو صُلب إذا لم يمت على الصليب .

ثانياً : لأن إنكار وضع المسيح على الصليب يتعارض مع شهادة شهود العيان

وشهادة شهود العيان في هذه الجزئية بالذات لا تشوبها شائبة تناقض أو خلاف بين الشهود . كل شهودهم مجمعون عليها في مسألة القبض على المسيح ووضعه على الصليب يستحيل بحق إهدار شهادة شهود العيان، وكذلك وقائع محاكمة المسيح أمام السنهدرين وأمام الحاكم الروماني بيلاطس. قبضوا عليه، وحاكموه ، ووضعوه على الصليب.

وشهد بذلك عشرات بل مئات من شهود العيان، ولا تناقض في شهادة شهود العيان بهذا الصدد يمكن التعويل عليه في رفض محتوى شهادتهم“.

  ” أليس المطلوب هو إثبات صدق القرآن الكريم فيما أخبر به من أن أعداء المسيح ما قتلوه وما صلبوه ؟ يتحقق المطلوب دون حاجة إلى الاعتماد في ذلك على التسليم بنظرية إلقاء الشبه ، ودون أن نصطدم بضرورة إهدار شهادة الشهود في مسألة يستحيل فيها إهدار شهادة الشهود . ومن المعلوم أنه في بعض الحالات يمكن التدليل على فساد شهادة الشهود ، وفي حالات أخرى لا يكون هنالك سبيل إلى إهدار شهادة الشهود .

والقبض على المسيح ووضعه على الصليب من المسائل التي لا يجوز إهدار شهادة الشهود بشأنها – والحق يقال – بأي حال من الأحوال . إنهم مجمعون عليها ، ولا تناقض داخلي بشأنها ، والحق يقال أيضاً ولا ينبغي كمسلمين  أن نجادل بالباطل أبداً . إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا بذلك . أن الله يأمرنا أن جادل بالتي هي أحسن . والاعتراف بالحقائق ، وعدم الجدال بالباطل إنما هما من أهم ركائز الجدل بالتي هي أحسن . هل يجادل بالتي هي أحسن من ينكر الحقائق ولا يعترف بها ” .

 ويضيف ” لأن التمسك بالمعنى الأول من معاني انتفاء الصلب بإنكار وضع المسيح على الصليب يعرض مصداقية القرآن الكريم ذاتها للخطر 000 إن مَثَلَ مَن يعارضون أن يكون أعداء المسيح قد وضعوه فعلاً على الصليب كمثل شخص حضر حفل زفاف صديق ، وأثناء الحفل وقعت حادثة قتل أُتهم فيها هذا الشخص وعندما يتم سؤال هذا الشخص : هل حضرت حفل زفاف صديقك أم لا ؟ يقول لا ، أنا لم أحضر حفل زفاف صديقي.

وإذا شهد شاهدان على أنه كان يجلس بينهما في ذلك الحفل نجد أن إنكار ذلك الشخص حضوره الحفل يسئ إلى موقفه في التحقيق ولا يفيده ” .

ثالثاً : إن نظرية إلقاء الشبه وردت في إنجيل برنابا وهذا هو الدليل الثالث على فسادها وعدم صحتها : ” إن الاحتجاج بورود هذه النظرية في إنجيل برنابا يكشف قبل أي شئ على أن هذه النظرية ليست من بنات أفكار أي مفسر مسلم ، بل هي

فكرة مسيحية 000 وفضلا عن ذلك نجد أن النصارى لا يعترفون بصحة إنجيل برنابا كله ، ولن نجد مسيحيا واحداً يعترف بصحته . سيقول لك على الفور أنه إنجيل مزيف منتحل لا صحة ولا حجة لكل محتواه . إنه أبوكريفا .

  ولا يصح لنا كمسلمين أن نقيم عقائدنا على أساس من نصوص إنجيل برنابا الذي لا يعترف النصارى به ولا يجوز أن نثق بنص من نصوص إنجيل برنابا “.

رابعاً : ” يوجد رابعاً سبب هام وهو عدم قدرة أي مفسر من القائلين بهذه النظرية على تحديد الشخص الذي أُلقي الله عليه شبه المسيح عليه السلام . يقول بعضهم – وراجع ما شئت أي تفسير موجز أو مطول – إن الله ألقى شبه سيدنا عيسى على يهوذا . ويقول بعضهم : إن الله ألقى شبه سيدنا عيسى على شخص يدعى طيطانوس .

ويقول بعضهم : إن الله ألقى شبه سيدنا عيسى على واحد من أتباعه تطوع لتحمل هذا المصير بدلاً من المسيح بعد أن وعده المسيح أن تكون له الجنة دون تحديد لهذا الشخص بشيء سوى أنه واحد من أتباعه . ويقول بعضهم : إنه واحد من حراس المسيح .

  وأنت تعرف يا صاحبي أنه يلزم تحديد شخص واحد بعينه ألقى الله عليه شبه سيدنا عيسى . وعدم تحديد شخص واحد بعينه يفسد هذا الادعاء تماماً من الناحية الشكلية البحتة . ولو مات رجل قتيلاً إثر طعنة سكين ، ويريد أحد أن يدافع عن أحد المتهمين بأن شخصاً آخر غير المتهم هو الذي طعنه بالسكين، لوجب عليه أن يحدد من هو هذا الشخص تحديداً قاطعاً . ولو تعددت الاحتمالات لأفضى ذلك إلى عدم تحديد القاتل وكان ذلك من مصلحة المتهمين جميعاً مهما كان عددهم كبيراً .

  ولا ريب أن تضارب آراء المفسرين على هذا النحو بصدد رأيهم ونظريتهم القائلة بإلقاء شبه المسيح على شخص آخر غير المسيح يضعف من نظريتهم هذه إلى حد الانهيار ” .

خامساً : ” وخامس الأسباب الدالة على فساد نظرية إلقاء الشبه هذه هو إن أي مفسر لا يستطيع أن يقول أو يدّعي أنه شاهد شبه المسيح يلقيه الله سبحانه وتعالى على شخص آخر . ولو زعم أحدهم هذا الزعم لكان زعمه باطلاً بطبيعة الحال . ويزداد هذا الزعم ضعفاً وانهياراً لو لم يملك من يزعمه أي دليل على صحته ” .

سادساً : ” ضمائر الغائب الكثيرة الموجودة في الآية الكريمة 000 ما شأن ضمائر الغائب الكثيرة الموجودة بالآية الكريمة ؟ وكيف تدل على خطأ المفسرين في القول بنظرية إلقاء شبه المسيح على شخص آخر غير المسيح ؟

  نعرف جميعاً إن ضمائر الغائب المفرد لا بد من إرجاعها إلى شخص تعود عليه ضمائر الغائب.

والمعقولية شرط لصحة إرجاع ضمير الغائب إلى من يُفترض رجوع ضمير الغائب إليه 000 (وقد) اختلف المفسرون الإسلاميون بشأنه اختلافاً  كبيراً ولم يصب أحدهم الرأي الصواب في إرجاع هذه الضمائر إلى من تعود عليه بشكل قاطع حتى الآن، أنهم جميعاً يرجحون إرجاع ضمير الغائب إلى المسيح في قول الله سبحانه وتعالى: “وما قتلوه وما صلبوه صحيح تماماً ولكن الاستمرار في إرجاع ضمير الغائب إلى المسيح في بقية الآية الكريمة خطأ وغير مقبول ، ويربك المعنى الصحيح للآية الكريمة ” .

  ” فإذا وصلنا إلى قول الله سبحانه وتعالى: ” وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وما قتلوه يقيناً ” . أرجو منك يا صاحبي أن نحدد ضمائر الغائب المفردة في هذا الموضع من الآية الكريمة 000 إن ضمائر الغائب المفرد كثيرة في هذا الموضع من الآية الكريمة . قلت : وقد أرجعها المفسرون المسلمون كلها إلى المسيح إن ضمائر الغائب المفرد المتكررة في هذا الموضع تعود إلى اختلافهم ، أي اختلاف أهل الكتاب من اليهود والنصارى في مسألة أن المسيح قد مات على الصليب أم لم يمت على الصليب.

هذه المسألة اختلفوا فيها ، هذا الشأن ” اختلفوا فيه ” وبدءاً من ضمير الغائب المفرد الموجود بآخر حرف الجر هنا تعود الضمائر على الشأن الذي ” اختلفوا فيه ” ولا تعود إلى المسيح عليه السلام . هل اختلفوا في أن الشخص الذي حاكموه وقبضوا عليه هو المسيح أو هو شخص آخر ؟ هذا احتمال ضعيف جداً وبالغ الضعف وعديم المعقولية. ويلزم أن يكون الرأي السليم سليماً في نظر كل الناس وليس في نظر المسلمين وحدهم

إن أعداء المسيح لو كانوا قد اختلفوا بشأن شخص المسيح وهل هو الشخص الذي حاكموه وقبضوا عليه ووضعوه على الصليب لكان الأقرب إلى المعقولية أن يتحروا ويدققوا ويحققوا هذه المسألة كل التحري والتدقيق والتحقيق. وليس من المعقول طبعاً أن يكون هدف أعداء المسيح هو قتل المسيح صلباً ثم يقبلون بسهولة وبساطة وسذاجة أن يقتلوا ويصلبوا شخصاً آخر غيره.

لو اختلفوا في شخص المسيح لكان الأقرب إلى الصواب والمعقولية أن يوقفوا إجراءات تنفيذ الحكم ليتحققوا أن شخص الإنسان الذي يقومون بتنفيذ الحكم عليه  . وهذا التحقق سهل ميسور لهم . وليس هناك أسهل من أن يحاوروا ويناقشوا الشخص الموجود بين أيديهم ليكتشفوا حقيقته ، خصوصاً أن اليهود لم يعمدوا إلى قتل المسيح غيلة ، بل أنهم استصدروا حكماً بقتله صلباً من الحاكم الروماني بيلاطس ” .

  ” إن مصلحتهم تفرض عليهم ذلك ، إنهم يريدون قتل وصلب شخص معين وليس قتل وصلب أي شخص آخر غيره ” . ” يقول الله سبحانه وتعالى : (ما لهم به من علم) وضمير الغائب الملحق بحرف الجر (به) يجعل المعني – والله أعلم بمراده – هو : ” ما لهم بشأن موته أو عدم موته على الصليب من علم ” .

  ” قال المفسرون : إن ضمير المفرد الغائب هنا يعود على المسيح ، ما لهم به من علم. هل هذا معقول؟ كيف يكون شهود العيان الموجودين حول الصليب الذي ُصلب عليه المسيح ما لهم بالمسيح من علم ؟ هل يكون المفسرون المسلمون الذين لم تطأ قدم أحدهم في الغالب الأعم مكان الصليب ، أعلم بالمسيح ، وبما لو كان هو الشخص الموجود على الصليب من كانوا شهود عيان لهذا الحدث التاريخي العظيم ؟ لقد مضت قرون وقرون بين الزمان الذي ولد فيه أولئك المفسرون وبين وقت هذا الحدث العظيم .

أما عندما يعود ضمير المفرد الغائب في هذا الموضع على شأن من الشئون هو عدم معرفة أعداء المسيح ما إذا كان المسيح قد مات على الصليب أم أنه لم يمت على الصليب ، نجد أن المعنى يتضح ويستقيم ويصبح معنى معقولاً مقبولاً والله أعلم بمراده 000 ” .

  ويعلق الأستاذ الجوهري على إشكالات الرازي بقوله : ” هيا نقتبس سطورا مما كتبه الإمام الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية الكريمة بدءاً من صفحة (515) بالجزء الخامس من طبعة دار الغد العربي بالقاهرة في تفسيره مفاتيح الغيب ، يقول الإمام الفخر الرازي ما نصه : ” وفي الآية سؤالان: السؤال الأول : قوله تعالى : (شبه) ُمسند إلى ماذا ؟ إن جعلته مسنداً إلى المسيح ، فهو مشبّه به وليس بمشبّه ، وإن نسبته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر ” .

ويضيف ” إن الإمام الرازي قد  استهل تفسيره للآية الكريمة ببحث الإسناد في قوله تعالى : (شبه) وتساءل : ُمسند إلى ماذا ؟ ولتكون فكرة الإسناد واضحة يا صاحبي دعني أنشط ذاكرتك لتفهم بوضوح المقصود بالإسناد الذي يشير إليه الإمام الرازي .

لو قلت : (ضرب عمرو زيداً) فالضرب مسند وعمرو مسند إليه ، ولما كان فعل (شبه) في الآية في صيغة المبني للمجهول ، وحسب نظرية إلقاء الشبه التي سبق أن أشرنا إليها وإلى فسادها لا بد من وجود الحيرة وعدم القدرة على الفهم

والسؤال بصيغة أخرى يمكن أن يُصاغ هكذا : ” إذا كان أعداء المسيح حول الصليب ، قد شبه لهم ، فماذا شبه لهم بالضبط ؟ هل شبه لهم أنهم قتلوا شبيه المسيح على الصليب ، وبذلك يكون الأمر قد اختلط عليهم مرتين لا مرة واحدة ، اختلط عليهم الأمر في المرة الأولى إذ خُيِّل إليهم وظنوا أن الله قد ألقى شبه المسيح على غيره ، وخيل إليهم في المرة الثانية وظنوا واحتاروا ولم يستطيعوا أن يقطعوا برأي فيما كانوا قد قتلوا شبيه المسيح أم قتلوا المسيح ؟”.  

 ثم يقول ” والقول بنظرية إلقاء شبه المسيح على غيره لا يثبت لتمحيص بيننا كمسلمين ، ولا يثبت لجدل بيننا وبين خصوم الإسلام ” .

وبعد أن يفند على الجوهري نظرية إلقاء شبه المسيح على شخص آخر يذكر ما يؤمن به هو : ” إذا لم يكن معنى قوله سبحانه وتعالى : ولكن شبه لهم هو إلقاء شبه المسيح على شخص آخر غيره ، فما هو معناها ؟ هل لها معنى آخر ، وما هو هذا المعنى الأخير ؟ نعم معناها هو : ولكن اختلط الأمر عليه ، اختلط عليهم ما إذا كان المسيح قد مات على الصليب فينزلونه ويدفنونه أم أنه لم يمت على الصليب . لقد اختلفوا بهذا الشان فعلاً ” .

وهكذا يتضح لنا أن نص سورة النساء غير الواضح في مسألة صلب المسيح أوقع الجميع في حيرة مما جعل البعض يعتمد على الخرافات ، أو ما يسمى بالإسرائيليات ، والبعض الآخر يؤلف روايات من وحي خياله ، والبعض يصر على الإيمان بالنص كما هو ولكنه يفسره هو أيضا فيقول أنه ينفي الصلب عن  المسيح ، والبعض يحاول أن يوفق بين النص وبين المنطق والعقل والتواتر والحدث التاريخي لصلب المسيح والمسجل في كل كتب التاريخ والتي لا تقول شيء مطلقا بل ولا تعرف شيء مطلقا عن نظرية الشبه !!!!!

3 – إلقاء شبه المسيح على آخر يوقع البشرية في ضلالة كبرى :

أن القول بإلقاء شبه المسيح على آخر وصلبه بدلا عنه واعتقاد كل من اليهود والرومان وتلاميذ المسيح ورسله وأمه العذراء القديسة مريم بأن الذي صلب هو المسيح ثم كرزوا في العالم أجمع بأن الذي صلب هو المسيح وآمن الملايين ، بل المليارات ، عبر التاريخ أن المسيح هو الذي صلب ، في حين أن الذي صلب ، حسب نظرية الشبه ، هو آخر غير المسيح فماذا تكون النتيجة ؟؟!! والإجابة هي ضلالة كبرى لا مثيل لها في تاريخ الكون !!!!

فقد اعتقد اليهود أنهم قتلوا المسيح ، وهذا ما شهد به القرآن ” وقولهم أنا قتلنا المسيح

“وشاع ذلك بين الأمم ، وهذا ما حدث أيضا وسجله المؤرخون ، ولكن الأهم والأخطر هو أن تلاميذ المسيح ورسله الذين أعدهم للكرازة بإنجيله في العالم كله ، قد شاهدوا المصلوب وآمنوا أنه المسيح وبشروا في كل مكان أن الذي صلب هو المسيح !!! بل وجمعوا الإنجيل ، بالروح القدس ، ودونوا فيه حادثة الصلب تفصيليا لدرجة أنها تكون ثلث الإنجيل ، بل وهي محور كرازة الرسل ” نحن نكرز بالمسيح مصلوبا ” (1كو23:1) 

وبسبب كرازتهم وبشارتهم بالمسيح مصلوبا آمن الملايين ، بل والمليارات منذ القرن الأول وحتى الآن، بل وقد يصل الذين يؤمنون بذلك منذ القرن الأول وحتى نهاية العالم مليارات المليارات ، ولو افترضنا صحة نظرية إلقاء شبه المسيح على آخر تكون هذه المليارات من البشر قد آمنت بخدعة وضلالة كبرى !!!

والسؤال هنا هو من الذي أوقع هذه المليارات في هذه الخدعة وهذه الضلالة الكبرى ؟؟؟!!! وبمعنى آخر ؛ من هو الذي خدع البشرية وأوقعها في هذه الضلالة الكبرى ، المزعومة ؟؟!! ولو سرنا مع أصحاب نظرية الشبه فستكون النتيجة  مريعة وغير منطقية وغير معقولة ، فلو افترضنا ، معهم ، أن الذي ألقى شبه المسيح على آخر هو الله !! فستكون النتيجة ، بحسب هذه النظرية ، أن الله هو  الذي خدع البشرية وأوقعها في هذه الضلالة الكبرى ، فهل يقبل العقل ذلك ؟؟!!

وحاشا لله من ذلك وتعالى عنه علوا كبيراً!! فهذا يعني عدة أمور لا يقبلها عقل ولا منطق ؛ وهي أنها تنسب لله الجهل والعجز والخداع والغش وعدم تقدير الأمور ، بل والظلم 000 ألخ .

وحاشا لله من ذلك وتعالى عنه فلم يكن الله في حاجة إلى مثل هذه الوسيلة التي لا تعني إلا الغش والتضليل والخداع ، لأنه لو فرضنا صحة هذه النظرية فماذا كانت النتيجة ، نقول هي سقوط الملايين بل والمليارات عبر مئات وآلاف السنين من

الذين أمنوا بذلك في الضلال !!! ومن الذي أضل هذه الملايين بهذه الخدعة ، هل نقول أنه هو الله ، ونقول ؛ حاشا وكلا وتنزه الله عن ذلك ؟؟؟!!!!!!! وهل يجرؤ أحد أن يقول أن الله هو الذي ألقي شبه المسيح على غيره وترك الناس تسقط في هذه الضلالة الكبرى ؟؟؟ !!! ونقول حاشا لله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ً !!! فهذا لا يتفق مع العقل والمنطق ولا مع قداسة الله وعظمته وجلاله وقدرته الكلية !!!

كما أن هذه النظرية تصور لنا الله بالطريقة التي يتصور بها الذين يؤمنون بتعدد الآلهة آلهتهم التي الذين يتآمرون ويغشون ويخدعون ، فالله ، بحسب هذه النظرية يبدو وكأنه قد فوجئ باليهود وهم يقبضون على المسيح وقد عجزت حيلته وقدرته على إنقاذ مسيحه ولم يستطع أن ينقذه من أيديهم إلا بإلقاء شبهه على آخر ، لكي ينقذه من يديهم بهذه الوسيلة مهما كانت نتيجتها !!!!!!!!! ونتيجتها هي إنقاذ شخص واحد ، فرد مهما كانت مكانته على حساب المليارات من البشر ؟؟؟!! وأكرر حاشا لله من ذلك وتعالى عنه علوا كبيرا !!!!

  كما أن القرآن يقول ” وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ” ، فهل من الهدى والنور أن يقع كل من يؤمن به ، بحسب هذه النظرية في الضلالة ؟؟؟!!! هل يرسل الله المسيح لهداية البشر ثم ينقذه من اليهود بوسيلة تكون هي السبب في ضلال البشر  ؟؟؟!! وهل يتفق الهدى مع الضلال ؟؟؟!!! وهل يتفق هذا مع حب الله غير المحدود للبشرية ؟؟؟!!! ونكرر حاشا لله من ذلك وتعالى عنه علوا كبيرا !!!!

  يقول الكتاب المقدس ” معلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله ” (18:15) ، ويؤكد لنا الإنجيل بأوجهه الأربعة أن المسيح لم يكن يعمل شيئاً بالمصادفة أو حسب الظروف ، إنما كان كل ما يعمله مرتباً ترتيبا سابقا قبل خليقة العالم ، بحسب ترتيب أزلي سابق ، فعندما كان يقوم بعمل معجزة ما أو يعلم تعليم ما لم يكن بدون ترتيب سابق ، لهذا لم يناقض نفسه أبدا ولم يغير كلامه مطلقاً ، وعلى سبيل المثال فعندما حضر عرس في قانا الجليل ونفذت الخمر من العرس ، وكانت

العذراء القديسة مريم قد عرفت بالروح القدس أنه سيصنع لهم معجزة ، ” قالت له ليس لهم خمر ” ، ولأنه كان يعمل كل شيء في وقته وبحسب ترتيب إلهي دقيق قال لها ” لم تأت ساعتي بعد ” ، أي لا يزال على صنع هذه المعجزة المطلوبة وقت حتى لو كان هذا الوقت مجرد لحظات ، فقالت هي بالروح القدس للخدام ” مهما قال لكم فافعلوه ” وفي الوقت المعين ، وبعد الحديث مع العذراء ليس بكثير قال للخدم ” املأوا الأجران ماء . فملأوها إلى فوق . ثم قال لهم استقوا الآن ” (يو1:2-8) .

وفي قصة إقامة لعازر من الموت ، يقول الكتاب ” وكان إنسان مريضا وهو لعارز 000 فأرسلت الأختان إليه قائلتين يا سيد هوذا الذي تحبه مريض فلما سمع يسوع قال هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به 000 فلما سمع انه مريض مكث حينئذ في الموضع الذي كان فيه يومين 000 وبعد ذلك قال لهم .

لعازر حبيبنا قد نام . لكني اذهب لأوقظه . وكان يسوع يقول عن موته . وهم ظنوا انه يقول عن رقاد النوم ” (يو1:11-13) . وقد ترك المسيح لعازر حتى مات وظل في القبر أربعة أيام لكي يقيمه من الموت بعد أن تعفن جسده ويصبح رميما ، فيتمجد من خلال عمله هذا المسيح كابن الله ويتمجد الله في ذاته .

وهكذا لا يتم عمل الله بالمصادفة أو بحسب الظروف إنما بترتيب إلهي سابق . ولا يمكن بل ومن المستحيل أن يكون الله قد رتب لخديعة البشر وغشهم وإيقاع مليارات الناس في هذه الضلالة الكبرى !!! ونكرر حاشا لله من ذلك !!!

إقرأ أيضاً:

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

(1) التفسير الكبير للرازي جـ 3 : 35 .

(2) التفسير الكبير جـ 2 : 466 .

(4) أخطر المناظرات ، هل مات المسيح على الصليب ؟ مناظرة بين داعية العصر أحمد ديدات والبروفيسور فلويد كلارك ، ص 82 – 110 .

 

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبُّه لهم؟ – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

 

آمن المسيحيون عبر كل تاريخهم وعصورهم، بناء على ما سبق أن تنبأ به آباء وأنبياء العهد القديم، من إبراهيم إلى موسى وجميع الأنبياء وكتاب المزامير الموحى إليهم بالروح القدس، وما دونه العهد الجديد تفصيليا عن المحاكمة والصلب والقيامة وكرازة تلاميذ المسيح ورسله للعالم أجمع بالمسيح المصلوب، وما سجله خلفاء التلاميذ والرسل، تلاميذهم الذين تعلموا على أيديهم وتسلموا منهم الإنجيل، سواء المكتوب، العهد الجديد، أو الشفوي ” فما لفم ” (2يو12؛14:3).

وذلك إلى جانب ما سجله المؤرخون والفلاسفة الرومانيون واليونانيون والربيون اليهود المعاصرون للحدث. ولم يشك أحد من المسيحيين أو غيرهم في حقيقة صلب المسيح ولا في إمكانية وحقيقة قتل الأنبياء والعظماء عبر تاريخ العالم وفي سجلات الكتاب المقدس وبقية كتب اليهود وغيرهم وذلك بطرق الإعدام والقتل المختلفة حسب أسلوب وعقيدة كل زمن وكل عصر وكل دولة.

ولم يقل أحد بأن المسيح لم يصلب أو يقتل قبل مجيء الإسلام كما لم يقل أحد بذلك غير الأخوة المسلمين وذلك بناء على تفسيرهم لما جاء في القرآن في معرض توبيخه لليهود وحديثه عن كفرهم في قوله ” وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ” (النساء:158).

 

1 – آية وحيدة ونص غير واضح :

آمن المسيحيون، كما قلنا، منذ البدء بصلب المسيح، وشرح كتاب الإنجيل بأوجهه الأربعة وبقية أسفار العهد الجديد حادثة الصلب تفصيليا، بل كانت قصة الصلب هي أول من كرز به تلاميذ المسيح ورسله وقدموه للعالم أجمع وأول ما كتب في الإنجيل، كما سبق أن تنبأ عنه أنبياء العهد القديم تفصيليا، وعرف ذلك العالم عنهم ولم يقل أحد بعدم صلب المسيح حتى جاء نص الآية القرآنية المذكور. وبعد انتشار المسيحية بأكثر من 600 سنة. وهذه الآية غير واضحة ولنا عليها عدة تساؤلات :

(1) فهي تقول ” وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ” !! ولو افترضنا أن اليهود آمنوا فعلا بأن المسيح هو رسول الله لما فكروا في قتله وصلبه بل لكانوا قد آمنوا به مثل بقية من آمن به منهم وصاروا مسيحيين(1)!!

(2) كما تقول ” وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ” !! ولم يشك أحد لا من اليهود ولا من المسيحيين ولا من الرومان أو غيرهم في حقيقة أن الذي كان مصلوبا ومعلقا على الصليب هو المسيح، ولا في حقيقة موته على الصليب أو دفنه في القبر، ولم يقل أحد بشيء مثل ذلك في أي كتاب من كتب المسيحيين أو اليهود أو الرومان أو عيرهم !!!!

(3) وعبارة “ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ” لا تقول صراحة أن كان المقصود هو لإلقاء شبه المسيح على آخر كما يقول أصحاب نظرية الشبه أم أنها تقصد شيء آخر. يقول كل من الإمام الفخر الرازي في تفسيره، وابن كثير في كشافه : ” شبّه ” مسند إلى ماذا ؟ أن جعلته إلى المسيح فهو مشبّه به وليس بمشبّه، وأن أسندته إلى المقتول، فالمقتول لم يجر له ذكر ؟ “(2).

(4) أن كل الضمائر الموجودة بالآية والخاصة بالمصلوب تعود جميعها على المسيح وليس على آخر يمكن أن يفترض أنه المقصود !!

(5) ولم تقل من هو المصلوب صراحة ؟ سواء كان المسيح أو غيره ؟

(6) ولا من هو الذي القي عليه الشبه، أن كان هناك من ألقي الشبه عليه ؟

(7) ولا من هو المشبه ؟

(8) ولا من هو المشبه به ؟

(9) ولا كيف نجا أن لم يصلب ؟

(10) ولا كيف تم ذلك ؟ 

(11) ولا متى تم ذلك ؟

(12) ولا تقول لنا أي تفاصيل توضح المعنى المقصود في الآية ؟

(13) ولا يوجد في القرآن آية غيرها توضح ما جاء بها ؟ بل على العكس توجد ست آيات قرآنية تتكلم عن موت المسيح ووفاته قبل رفعه وتلمح لقتله، هي :

1 – فقد قيل عن لسان المسيح ” وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ” (مريم:33). وهذا نفس ما قيل عن يوحنا المعمدان، يحي ابن زكريا ” وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ” (مريم:15). والمعروف في المسيحية والإسلام أن يوحنا المعمدان أو يحي ابن زكريا مات قتيلاً على يد هيرودس الملك(3).

2 – ” وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُون ” (البقرة:87). والآية هنا تؤكد على تكذيب اليهود لفريق من الرسل وحقيقة قتلهم لفريق آخر، وفي نفس الوقت لا تذكر من الفريقين سوى موسى وعيسى، ومن ثم فأحدهم من الفريق الذين كذبوه والآخر من الفريق الذي قتلوه !! 

3 – ” الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ” (آل عمران:183). والمسيح هو أكثر من أتي بالمعجزات وبالبينات بحسب ما ذكر القرآن وهو الذي أنزل الله عليه مائدة من السماء بناء على طلب الحواريين.

5 – ” إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ” (آل عمران:55). وهنا تتحدث الآية عن الوفاة قبل الرفع إلى السماء مباشرة.

6 – “وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ.
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ” (المائدة:116و117). وهذه الآية تتحدث عن الوفاة قبل الرفع أيضاً !! ولكن للأخوة المسلمين تفسيرات عديدة لقوله ” متوفيك ” و ” لما توفيتني “، وأيضا في زمن الموت المقصود في قوله ” ويوم أموت “.

وباختصار فنص آية الشبه لا يوضح للمفسر أي شيء يخص نهاية المسيح على الأرض، ومن الصعب جداً أن نقول أنه ينفي صلب المسيح لأنه لو كان يقصد أن المسيح لم يصلب حقيقة، وقد ملأت عملية صلبه أكثر من ثلث العهد الجديد، كما ملأت آلاف الكتب التي كتبها آباء الكنيسة في نهاية القرن الأول وما بعد ذلك، لكان القرآن قد شرح عملية عدم صلبه وإلقاء شبهه على آخر بالتفصيل، كما فعل بعد ذلك بحوالي ألف سنة الذين زوروا كتاب إنجيل برنابا الخرافي المزيف !!!!!

فقد كان مبيتا في نية من كتبوا هذا الكتاب المزيف أن يؤكدوا النظرية لقائلة بعدم صلب المسيح فألفوا قصة إلقاء شبهه على يهوذا !! وأقول أنه لو كان في نية القرآن القول بعدم صلب المسيح لكان قد فعل ما فعلة من كتبوا هذا الكتاب المزيف !!! ولكنه لم يفعل، فماذا نفهم من ذلك ؟؟؟!!!

والعجيب بل والغريب أنه عند ترجمة قوله “ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ” إلى الإنجليزية، كما جاء في ترجمة القرآن المعتمدة من مجمع البحوث الإسلامية، لا يعطينا أي معنى واضح سوى قوله : so it was made to appear to them “، أي ظهر لهم هكذا، أو بدا لهم هكذا !!! وهذا الكلام في حد ذاته لا ينفي وقوع الصلب على المسيح مطلقاً، وسنوضح ذلك في الفصول التالية.

والخلاصة فنص الآية لا يقول أي شيء يمكن أن ينفي حقيقة قصة وحادثة صلب المسيح بل على العكس جعلت المفسرين يتخبطون ويروون روايات تتنافى مع المنطق والعدل وتمتلئ بالخرافة !!

مناظرة ( هل صلب المسيح ؟ ) جوش مكدويل و أحمد ديدات -مفرغة و مترجمة للعربية

2 ـ روايات الشبه التي رواها المفسرون :

جمع المفسرون عشرات الروايات الخرافية التي نقلوها عن جهلاء أهل الكتاب ممن امتلأت أفكارهم بالفكر الخيالي الخرافي الذي كان عالقاً في فكر بعض العامة والبسطاء خاصة الذين كانوا يعيشون في المناطق النائية والمتطرفة والبوادي والصحاري لبعدهم عن المراكز الرئيسية للكنيسة الأم، وذلك دون أن يشيروا أبدا إلى ثقتهم فيها واعتمادهم عليها، وقد ذكر عن بعضهم ابن خلدون بقوله : ” وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود‏.‏ والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية‏.‏

فإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى ‏.‏ وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ‏ !‏

بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين اخذوا بدين اليهودية‏.‏ فلما اسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك‏.‏ وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم ‏.‏

فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض أخبارا موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل ‏.‏ وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملؤوا كتب التفسير بهذه المنقولات.‏ واصلها كما قلناه عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا انهم بعد صيتهم وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتلقيت بالقبول من يومئذ‏ ‏”(4).

هؤلاء الناس رووا العديد من الروايات الخرافية التي امتلأت بها الكتب وخاصة كتب التفسير، كما يقول ابن خلدون، وان كان ناقلوها لم يعتمدوا عليها أو يوحوا بصحتها ولكنهم نقلوها كما هي بل وكان لهم تفسيرات مختلفة عنها تماماً !! وكثيراً من هذه الروايات الخرافية يقول بصلب أخر بدلاً من المسيح بصورة خرافية وثنية. وهذا ملخص لبعض الروايات.

1 – قال القرطبي في كتابه ” الجامع لأحكام القرآن ” في تفسيره لآية سورة النساء 157 ” قوله تعالى: ” وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ” كسرت ” إن ” لأنها مبتدأه بعد القول وفتحها لغة. وقد تقدم في ” آل عمران” اشتقاق لفظ المسيح. ” رسول الله ” بدل، وإن شئت على معنى أعني. ” وما قتلوه وما صلبوه ” رد لقولهم. ” ولكن شبه لهم ” أي ألقي شبهه على غيره كما تقدم في ” آل عمران “.

وقيل : لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه ؛ كما قال تعالى: ” وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ” والإخبار قيل : إنه عن جميعهم. وقيل : إنه لم يختلف فيه إلا عوامهم ؛ ومعنى اختلافهم قول بعضهم إنه إله، وبعضهم هو ابن الله. قاله الحسن : وقيل اختلافهم أن عوامهم قالوا قتلنا عيسى.

وقال من عاين رفعه إلى السماء : ما قتلناه. وقيل : اختلافهم أن النسطورية من النصارى قالوا : صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته. وقالت الملكانية : وقع الصلب والقتل على المسيح بكماله ناسوته ولا هوته.

وقيل : اختلافهم هو أنهم قالوا : إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ ! وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ ! وقيل: اختلافهم هو أن اليهود قالوا : نحن قتلناه ؛ لأن يهوذا رأس اليهود هو الذي سعى في قتله. وقالت طائفة من النصارى : بل قتلناه نحن. وقالت طائفة منهم : بل رفعه الله إلى السماء ونحن ننظر إليه. ” ما لهم به من علم ” من زائدة ؛ وتم الكلام “.

ونلاحظ هنا أن كل ما نقله لا يتفق مع بعضه وهو لا يقدر أن يؤكد على أي شيء بالمرة سواء صلب المسيح أو عدمه، بل يعتمد دائما على كلمة ” قيل “، أنه ينقل مجرد أقاويل وليس حقائق !!!!

2 – وروى الطبري عدة روايات مختلفة بعضها عن بعض ولا توجد أية صلة بينها :

(1) ” ثم إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلا من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه : من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة، فأخذها رجل منهم، وصعد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله: ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) فلما خرج الحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أن عيسى قد صعد به إلى السماء، فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلا من العدة، ويرون صورة عيسى فيهم فشكوا فيه، وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى، وصلبوه ” !!

(2) ” لما أحاطت اليهود به وبأصحابه، أحاطوا بهم، وهم لا يثبتون معرفة عيسى بعينه، وذلك أنهم جميعا حولوا في صورة عيسى، فأشكل على الذين كانوا يريدون قتل عيسى… وخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبونه عيسى “!!

(3) ” أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم. فلما دخلوا صورهم الله كلهم على صورة عيسى. فقالوا لهم حيرتمونا. ليبرزن لنا عيسى أو نقتلكم جميعاً. فقال عيسى لأصحابه من يشتري نفسه منكم بالجنة فقال رجل أنا، فخرج إليهم. فقال أنا عيسى فأخذوه. فقتلوه وصلبوه ومن ثم شبه لهم. وظنوا انهم قتلوا عيسى. ورفع الله عيسى من ذلك اليوم “(5)!!

(4) ” أن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلا من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة ؟ فأخذها رجل منهم. وصعد بعيسى إلى السماء، فلما خرج الحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أن عيسى عليه السلام قد صعد به إلى السماء، فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلا من العدة، ويرون صورة عيسى فيهم، فشلوا فيه. وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى وصلبوه “!!

(5) ” كان اسم ملك بني إسرائيل الذي أرسل إلى عيسى ليقتله رجلاً منهم يقال له داود. فلما اجمعوا لذلك لم يفظع عبد من عباده للموت فظعه ولم يجزع جزعه !! وانه ليقول عما يزعمون : اللهم أن كنت صارفاً هذه الكأس عن أحد من خلقك، فأصرفها عني وحتى أن جلده من كرب ذلك يتصفد دماً. فدخل المدخل الذي اجمعوا عليه فيه، ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى فلما أيقن انهم داخلون عليه… ألقى شبه على أحدهم فامسكوه وصلبوه “!!

(6) ” أو يكون الأمر في ذلك كان على نحو ما روى عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، أن القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت تفرقوا عنه قبل أن يدخل عليه اليهود، وبقي عيسى، وألقي شبهه على بعض أصحابه الذين كانوا معه في البيت بعد ما تفرق القوم غير عيسى وغير الذي ألقي عليه شبهه، ورفع عيسى، فقتل الذي تحول في صورة عيسى أصحابه، وظن أصحابه واليهود أن الذي قتل وصلب هو عيسى لما رأوا من شبهه به وخفاء أمر عيسى عليهم؛

لأن رفعه وتحول المقتول في صورته كان يعد تفرق أصحابه عنه، وقد كانوا سمعوا عيسى من الليل ينعى نفسه ويحزن لما قد ظن أنه نازل به من الموت، فحكوا ما كان عندهم حقا، والأمر عند الله في الحقيقة بخلاف ما حكوا، فلم يستحق الذين حكوا ذلك من حوارييه أن يكونوا كذبة، أو حكوا ما كان حقا عندهم في الظاهر وإن كان الأمر عند الله في الحقيقة بخلاف الذي حكوا “(6).

3 – وذكر البيضاوي أربعة روايات تبدأ بإلقاء شبه المسيح على غيره وتنتهي بصلبه :

(1) ” روى أن رهط من اليهود سبوه وأمه فدعى عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله. فأخبره الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء. فقال لأصحابه ايكما يرضى أن يلقى شبهي عليه فيقتل ويصلب ويدخل الجنة. فقام رجل منهم فألقى الله عليه شيه عيسى فقتل وصلب ” !!

(2) ” وقيل كان رجل ينافق عيسى فلما أرادوا قتله قال أنا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى فرفع عيسى وألقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون انه عيسى”!!

(3) ” وقيل دخل طيطانوس اليهودي بيتاً كان هو فيه فلم يجده، وألقى الله عليه شبهه فلما خرج ظن أنه عيس فأخذ وصلب ” !!

(4) ” وقال قوم صلب اللاهوت وصعد الناسوت “(7)!!

4 – وروى الأمام النسفي نفس الرواية الأولى والثالثة اللاتي رواهن البيضاوي.

5 – كما روى ابن كثير في الجزء الأول من كتابه الكشاف نفس هذه الروايات وكذلك أيضا ابن مسعود والخازن والبغدادي وغيرهم نفس الروايات تقريباً ولا تختلف عنها سوى في تغيير مكان القبض على المصلوب واسم المصلوب الذي دعته بيهوذا ونطيانوس اليهودي وسرجس والحارس الذي أقامه اليهود لحراسة المسيح وأحد أصحاب المسيح الذي صلب راضياً ليدخل الجنة وأحد أصحاب المسيح الذي صلب جزاء لخيانته.. الخ، بل وقيل لم يصلب أحد ولكن أرجف بقتله فشاع بين الناس !! بل وقال قوم، كما نقل البيضاوي ” صلب الناسوت وصعد اللاهوت !!

3 ـ تعليق على هذه الروايات :

هذه الروايات الخيالية الخرافية غير المنطقية تشترك في صفات كثيرة نلخصها فيما يلي :

1 ـ لم تأخذ هذه الروايات لا عن القرآن ولا عن السنة الصحيحة ولا كتب السير النبوية ولا عن أي وثيقة معتمدة من أي دين !! إلى جانب أنه لا يوجد هناك كتاب صحيح يعتمد عليه في هذا الأمر ليفسر لنا الآية تفسيرا يقنع جميع المفسرين !!

2 – لم يعتمد معظم الكتّاب والمفسرين الذين نقلوا هذه الروايات الخيالية، على واحدة منها، وذلك برغم ذكرهم للعديد منها، لأنه لا يوجد أي سند أو دليل لأي واحدة منها على الإطلاق سوى القول ” روي أن ” أو ” قيل ” أو ” عن وهب ” أو ” عن فلان “… الخ وهؤلاء الذين نقلت عنهم هذه الروايات، سواء كانوا من اليهود أو النصارى الذين اعتنقوا الإسلام، كما يقول ابن خلدون في تاريخه كانوا ” بادية جهلاء ” !! ويسمي العلماء ما نقل عنه بالإسرائيليات.

3 – اعتمدت هذه الروايات بالدرجة الأولى على الفكر الغنوسي، الذي سنشرحه لاحقاً، والذي تأثر به بعض البسطاء من عامة البادية وذلك إلى جانب الفكر النسطوري، الذي انتشر بواسطة الرهبان النسطوريين الذين عاشوا في الصحاري وكان بعضهم يعيش بالقرب من طرق الرحلات التجارية، والذين كانوا يعتقدون أن المسيح مكون من شخصين متصاحبين هما الإله الذي كان يقوم بالمعجزات والإنسان الذي كان يتحمل الآلام، وبالتالي فقد صلب الإنسان لا الإله، أي صلب الناسوت ولم يصلب اللاهوت كما ذكر بعض ناقلي هذه الروايات ” وقيل صلب الناسوت ولم يصلب اللاهوت “.

4 – امتلأت هذه الروايات بالخرافة والخيال الساذج والتناقض الشديد، فقد ذكر بعضها أن سبب صلب المسيح هو “سبه اليهود ومسخه لهم قردة وخنازير”!! والكثير منها لم يذكر سبباً لذلك !! كما تناقضت بشدة من جهة الشخص الذي قيل أنه صلب بدلاً من المسيح والمكان الذي تم فيه ذلك والزمان الذي تم فيه الصلب !! فيقال أن الذي صلب هو أحد أصحابه حباً في معلمه أو جزاءً لخيانته !! أو أنه أحد أعدائه أو الذي ارشد عنه أو حارس المنزل… الخ !! وانه قبض عليه في بيته أو في بيت أحد أصحابه أو في مكان آخر واغلب الروايات لا تذكر المكان على الإطلاق !! أما الزمان فغير واضح تماماً !!

5 – نسبت هذه الروايات للمسيح صفات لا تليق به تماماً وتختلف مع صفاته الحقيقية السامية مثل الإدعاء بأنه ” سب اليهود ومسخهم قردة وخنازير “!! وهذه صفات وأعمال لا تليق بالرب يسوع المسيح الذي جاء ” نوراً للعالم ” (يو 46:12) والذي كانت دعوته هي الحب والتسامح بلا حدود ” احبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم احسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ” (مت44:5).

والغريب أن بعض هذه الروايات، الخرافية الساذجة، تزعُم أن المسيح خاف وجبن أمام الموت وارتعب لدرجة انه لم يرتعب أحد مثله أمام الموت !! وأن أحد تلاميذه كان أشجع منه وقبل أن يموت نيابة عنه!! فهل يقبل هذا إنسان عرف من هو المسيح ؟!! وهل يتفق ذلك مع قول المسيح نفسه ” وأنا أضع نفسي عن الخراف ” (يو15:10) و” ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه ” (يو13:15). هل يخاف المسيح من الموت وهو القائل ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ” (مت28:10) ؟!!

الواقع أن هذه الروايات ألغت العقل تماماً وجهلت الواقع والدين والتقليد والتاريخ وغرقت في الخرافة والجهل والحماقة لذلك لم يعتمد عليها أحد برغم امتلاء الكتب بها!!

4 ـ الكتاب المعاصرين ونظرياتهم الخاصة :

بعد أن تبين لنا أن الروايات السابقة غير منطقية خرج علينا بعض الكتاب المعاصرين بنظريات وأراء خاصة بهم وحدهم، بل كل واحدة منها تخص كاتبها فقط، فقد أنتجها بوحي خياله بدون أي سند من كتاب موحى به أو واقع أو تاريخ أو منطق سوى محاولة إثبات عدم صلب المسيح وعدم قيامته!! والعجيب انهم جميعاً لم يتفقوا معاً على رواية واحدة !! بل والأعجب انه لم يتفق اثنان منهم على رواية واحدة !! وهذه أم رواياتهم :

1 – تقول الرواية الأولى ومؤلفها، من وحي خياله، الأستاذ عبد الحميد جودة السحار، والتي مزج فيها بين ما جاء في الأناجيل الأربعة وأفكاره الخاصة التي أنتجها خياله الخصب كمؤلف وكاتب سيناريو وحوار شهير!! أن يهوذا شك في المسيح فاتفق مع أعدائه أن يسلمه لهم، وحجة ذلك، لكي يزكي في المسيح روح المقاومة ويخرجه من عزلته حتى ينتصر عليهم في العيد فتؤمن به الوفود القادمة من بلاد كثيرة فيمهد بذلك الطريق لملك المسيح الدائم !!

أي أن يهوذا أراد أن يخدم المسيح فباعه ؟!! وبعد العشاء ذهب يهوذا إلى الهيكل ليخبر عن مكانه وقاد مجموعة من الجنود الرومان وخدام رئيس الكهنة إلي حيث كان المسيح لأنهم كما يزعُم هذا الكاتب ” لم يكونوا يعرفونه ” وقد أُرسلوا ليقبضوا على رجل لم يروه من قبل ليلتهم ” !!

فقال لهم المسيح ” أنا هو ” فرجعوا للوراء وسقطوا على الأرض، فأمر تلاميذه بالهرب، فهربوا وظل يهوذا وحده مذهولاً، فتقدم المسيح خطوات ” فرجع الجنود للخلف وانطلق المسيح من بينهم دون أن يروه وذهب ليختفي” فقبضوا على يهوذا الذي وجدوه واقفاً في الظلام وحده وهم يظنون انه المسيح فحاول مقاومتهم وان يصرخ بهم انهم أخطئوا ولكن دون جدوى، فلزم الصمت وهو يظن أن الله انزل به هذا البلاء جزاء شكه !!

واجتاز المحاكمات في صمت ولم يجب عن معظم ما وجه إليه من أسئلة !! ولما سأله رئيس الكهنة ” هل أنت المسيح ؟ لم يشأ أن يكذب وقال ” أنت تقول… من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة واتياً في سحاب السماء ” !! وقال لبيلاطس ” إذا أمرت بقتلي ترتكب ظلماً كبيراً لأنك تقتل برئ ” !!

ثم أخذ يهوذا وصلب على الصليب قال ” أنا عطشان ” فأعطوه خلاً، فصدق قول المسيح، انه لن يشرب من نتاج الكرمة إلا في ملكوت السموات، فالمسيح لم يشرب الخل الذي هو نتاج الكرمة بل يهوذا هو الذي شرب !! ثم صرخ ” إلهي إلهي لماذا تركتني ؟ ” ولم يقل ” أبي.. أبي لماذا تركتني ؟ ” لأنه لم يكن قد تعود أن يدعوا الله “أبي ” !!

أما تلاميذه فقد هربوا وظنوا أن الذي صلب هو المسيح لا يهوذا كقول المسيح ” كلكم تشكون في هذه الليلة “. ثم ذهب المسيح عند قبر يهوذا وظهر للمجدلية وتلميذي عمواس ثم لبقية التلاميذ دون أن يخبرهم بحقيقة المصلوب، ثم تركهم هكذا – في ضلال مبين – حتى يأتي الباراقليط، والذي يتصور الكاتب أنه نبي المسلمين، فيذكرهم بكل شئ !! أي تركهم لمدة 600 سنة على الأقل في ضلال مبين !! هل يقبل العقل والمنطق هذا الكلام ؟؟!!

والكاتب يزعُم أن التلاميذ خُدعوا من الله أولاً ثم أن المسيح اكمل هذه الضلالة وذهب إلي قبر يهوذا فتظاهر بأنه هو الذي مات وقام ليُمعن بذلك في تضليل التلاميذ ثم تركهم في ضلال مبين ؟!! ليبشروا الناس بأوهام وضلال(8)!!!

2 ـ وتقول رواية ثانية : أن الذين ذهبوا للقبض على المسيح لم يكونوا على بينة من هيئته أو هيئة يهوذا الذي أخذوه معهم ؟!! ليدلهم عليه ! لأنهم التقوا بيهوذا في المعبد الذي عاده ما يكون ضؤه خافتاً وساروا إلى المسيح في الليل في ضوء المشاعل الذي لا تتبين فيه الأمور على حقيقتها، وبالتالي لم يكن في وسعهم التفرقة بين المسيح ويهوذا ؟!

ولما جاءوا إلى حيث المسيح هرب كل التلاميذ وظل يهوذا وحده، فضاعت كل الوسائط التي يمكن بها الكشف عن المسيح !! وفي هذا الجو الملبد بالغموض ظهرت ذراع الله القوية ورفعت المسيح إلى السماء، فسقط الجميع على الأرض، على وجوههم، ولما قاموا لم يجدوا أمامهم سوى يهوذا. فقبضوا عليه ظانين انه المسيح ؟!! ولما رأى يهوذا ذراع الله التي أنقذت المسيح ندم أراد أن يكفر عن أثمه، فسلم لهم نفسه، فأخذوه وصلبوه وشاع أن الذي صلب هو المسيح !!

ونقول لهذا الكاتب : كيف رفعت ذراع الله المسيح أمامهم وأمام يهوذا ومع ذلك ظنوا أن يهوذا هو المسيح !!

3 – وتقول رواية ثالثة : ” أن الله لم يلق صورة المسيح على أحد بل أن اليهود لم يكونوا على بينة من هيئة يهوذا أو هيئة المسيح !! ونظراً لأنهم كانوا يريدون القبض على المسيح وصلبه في الليل وقعت أيديهم على يهوذا فصلبوه وهم يظنون انه المسيح ” !!

هكذا بشكل اعتباطي وبدون بحث أو تحري أو دليل ؟!! هكذا، في نظر هذا الكاتب، يقبضون على شخص وقف أمام أمه بأسرها ؟!!

4 – وتقول رواية رابعة : ” في لحظة إتيان اليهود للقبض على المسيح عيسى، فالأناجيل تقرر انه عندما تحدث إليهم وعرفهم بنفسه، رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض… ” ثم يترك هذا الكاتب بقية ما جاء في الأناجيل ويؤلف رواية من عنده هو ويقول “وفي هذه اللحظة رفع الله نبيه إليه وألقى شبهه تلميذه الخائن، فلما أفاق اليهود من سقطتهم لم يجدوا أمامهم سوى يهوذا فساقوه للمذبح ” !! هكذا دون تحقيق أو بحث وكأننا في عالم سحري خيالي يمت لكوكب أخر، يعيش في ما يشبه أساطير ألف ليلة وليلة، ولا صلة له بالأرض !!

5 – ويقول البعض، وهم غير مقتنعين بالروايات السابقة، أن المسيح قبض عليه بالفعل وحُكم بالفعل ولكن الله أنقذه بعد ذلك، أنقذه بعد القبض عليه ومحاكمته ورفعه إليه ولا يذكرون كيف حدث ذلك بل أن أحدهم ينهي كتابه والمسيح مقبوض عليه وبين أعدائه ولا يقول لنا إن كان قد صلب أم لا ؟! ويترك المسألة بجملتها لإيمان القارئ سواء كان يؤمن بالصلب أم لا !!

6 – وتقول رواية أخرى مختلفة تماماُ عن كل ما سبق !! ” أن المسيح هرب قبل حادثة الصلب. فقد ذكر يوحنا، أن المسيح لما علم أن اليهود سيقتلونه لم يكن يمشي علانية، بل انطلق إلى ناحية بالقرب من البرية مع تلاميذه. ومن ثم فإن تلاميذه هم الذين ألفوا قصة صلبه من عندياتهم، ليكرم الناس ذكراه، ويعتنقوا المبادئ التي نادى بها في حياته لأن الناس يجلون الشهداء ويشيدون بأعمالهم كما يحفظون ذكراهم من عام إلى عام ” !!

هل هذا منطق أو عقل ؟!! وهل هذه أخلاق التلاميذ الحواريين التي تجلهم كتب الأديان وتضعهم في مصاف الأنبياء والرسل ؟!!

7 – وتقول روايات أخرى : ” أن تلاميذ المسيح جمعوا النبوات التي قيلت في التوراة عن موت شخص كفارة من العالم، وصاغوا منها قصة صلب المسيح، حتى يثبتوا انه الشخص الذي تنبأت عنه من قبل ” ؟!! هكذا وكأن ما حدث للمسيح حدث في زاوية ولم يره عشرات الآلاف بل ملايين الناس ؟؟!!

ونقول لهؤلاء ؛ إذا كانت هناك نبوات عن شخص يموت كفارة عن العالم في التوراة، فلماذا لا يأتي هذا الشخص ؟ ولماذا لا يكون هذا الشخص هو المسيح ؟!! ولماذا لم تتم فيه ؟؟!! ولماذا كان التلاميذ في حاجة إلى التأليف ؟!!

8 – ويقول آخرون : ” أن تلاميذ المسيح نقلوا موضوع صلبه أو موته لأجل خلاص العالم، من الأساطير الوثنية. لأن الوثنيين كانوا يعتقدون أن ألهتهم مثل كريشنا وبوذا وتاموز وايزيس وبروميتسييه تألموا بآلام متنوعة، من بينها الصلب، لكي يخلصوا الناس من خطاياهم ويمنحوهم حياة أبدية ” !! ومرة أخرى نقول هل المتحدث عنهم هنا هم تلاميذ المسيح ؟! وهل هذا ما قاله التاريخ ؟! وهل هذا يتفق مع العقل والواقع ؟! ولو كان صلب المسيح وموته مجرد أسطورة من الأساطير فهل كان يستشهد جميع تلاميذ المسيح ويضحون بحياتهم من أجل أسطورة ؟؟!!

9- وقال آخر ” أخذ جند الرومان يبحثون عن عيسى لتنفيذ الحكم عليه، وأخيرا عرفوا مكانه فأحاطوا به ليقبضوا عليه، وكان من أصحابه رجل منافق يشي به، فألقى الله عليه شبه عيسى وصورته فقبض عليه الجنود وأرتج عليه وأسكته الله فنفذ فيه حكم الصلب، أما المسيح فقد كتب الله له النجاة من هذه المؤامرة، وأنسل بين المجتمعين، فلم يحس به أحد وترك بني إسرائيل بعد أن يأس من دعوتهم وبعد أن حكموا بإعدامه… ولم تجد المراجع الإسلامية الدقيقة شخص هذا الواشي وربما تأثرت بالمراجع المسيحية فذكرت أن الخائن هو يهوذا الأسخريوطي “(9).

وقال في طبعة الكتاب الثامنة (ص54و55) متأثرا بما جاء في إحدى روايات البيضاوي وما جاء في الكتاب المزيف المدعو زورا بإنجيل برنابا:

أخذ جند الرومان يبحثون عن عيسى لتنفيذ الحكم عليه، كما أوردنا من قبل ” وكمل بقصة خيانة يهوذا ومجيئه مع الجند الرومان للقبض على المسيح إلى أن قال ” وتم كل شيء على هذا النمط، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فأنه عند تقبيل الخائن للمسيح ألقى الله على الخائن شبه عيسى وملامحه تماماً، فأصبح الدليل هو المدلول عليه، واصبح الذي قبّل يحمل جميع ملامح الذي قبُُّل، وتقدم الجند الرومان فقبضوا على الخائن وأرتج عليه، أو أسكتَه الله حتى تم فيه تنفيذ حكم الصلب ” !!!!!

وهكذا تتغير الأفكار والأقوال تبعا للمصلحة، وتؤلف القصص والروايات لتأكيد العقيدة، والغريب أنهم يتهموننا بالتحريف ؟؟؟؟!!!!!

10 – وقال آخر ” تجلت قدرة الله سبحانه في رفع السيد المسيح إلى السماء معززا مكرما وإيقاعها بالمجرم الخائن يهوذا لينال عقاب خيانته “(10).

11 – ونقل محمود شلبي عن عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء ” أما خاتمة أمر المسيح… بحسب قصص القرآن فهي عجيبة وبسيطة… لا تعقيد فيها… ذلك أن المسيح قد أحرج الكهنة والفريسيين بتعليمه وتجريحه إياهم في طريقتهم وخبثهم… فأخرجهم ذلك إلى الكيد له والتدبير لقتله.

” فلما اختمر هذا الأمر في أنفسهم… شكوا أمره للوالي طبعاً وزينوا له شكواهم بما يستدعي اهتمام الوالي… بأن ادعوا عليه أنه يقول أنه ملك اليهود… وأنهم لا يقرون بملك إلا قيصر رومية، ” فأرسل الوالي جندا للقبض على المسيح عيسى ابن مريم… فلما أتوا ولم يبق إلاّ القبض عليه، ” والمسيح قد أهتم لهذا الأمر.. وخشى أن ينالوه بالأذى… أنقذه الله من أيديهم… وطهره منهم… وألقى شبهه على شخص آخر… عُلم فيما بعد أنه تلميذه الخائن… وعرفته الأناجيل بأنه يهوذا – كما هو مشهور – وصار بحيث كل من رآه لا يشك أنه يسوع… فأخذ وصُلب وقُتل… ونجا المسيح من شرهم “(11).

 وهنا نسأل الناقل والمنقول عنه ونقول لهما ؛ هل حقا ما تقولانه هو ما جاء في القرآن ؟؟!! وأين ورد ؟؟!! وإذا كنتما قد خلطتما بين ما جاء في الإنجيل ونسبتماه للقرآن فأين يوجد هذا الكلام في كلا الكتابين ؟؟!! وهل يمكن أن نصدق أقوالكما بعد ذلك ؟؟؟!!!

12 – وهناك نظرية قال بها الشيخ محمد رشيد رضا أسماها بـ ” نظريتي في قصة صلب المسيح وقيامته من الأموات ” !! قال فيها بالقبض على المسيح ثم قال ” ولما كان الصباح ساقوه إلى بيلاطس الذي كان يود إنقاذه منهم ولكن الظاهر من الأناجيل أنه لم يفلح فحكم بصلبه فأخذه العسكر إلى السجن حتى يستعدوا للصلب ففر من السجن هاربا أما بمعجزة أو بغير معجزة كما فر بعض اتباعه من السجون أيضا.

وربما ذهب إلى جبل الزيتون ليختفي… وهناك توفاه الله أو رفعه إليه بجسمه، أو بروحه فقط فخرج الحراس للبحث عنه. وكان يهوذا مسلمه مصمما على الانتحار ومضى خارجا ليشنق نفسه في بعض الجبال (مت 3:27-20) ندما وأسفا على ما فعل فلقيه الحراس، ونظرا لما بينه وبين المسيح من الشبه التام فرحوا وظنوه هو وساقوه إلى السجن متكتمين خبر هروبه من العقاب، ولما وجد يهوذا أن المقاومة لا تجدي نفعا ولما طرأ عليه من التهيج النفساني الشديد واليأس الذين يصيب عادة المنتحرين قبل الشروع في الانتحار ”

ثم يكمل عل أن يهوذا هو الذي صلب وقال أنه لم يكن حاضرا وقت الصلب إلا بعض النسوة اللواتي لا يمكنهن من الإمعان والتحديق إلى المصلوب في مثل هذا الموقف وكذلك بعد موقفهن عنه فلذا اعتقدن أنه هو المسيح !!! ولما وجد في وجود العذراء ويوحنا عند الصليب ما يبطل نظريته وادعاءاته من الأساس قال ” وأما دعوى الإنجيل الرابع (19 : 26) أن مريم أم عيسى ويوحنا كانا واقفين عند الصليب فالظاهر أنها مخترعه “(12)!!!

ولا نعرف من أين أتى هؤلاء الكتاب بالزعم القائل أنه كان هناك شبه تام بين يهوذا والمسيح، إلا إذا كان من خيالهم لعدم اقتناعهم بنظرية إلقاء شبه المسيح على غيره !!

وهكذا يخترعون القصص ويؤلفون الروايات ويضعون النظريات، ويقولون ؛ يبدو والظاهر وربما… إلخ في محاولة يائسة لإثبات عدم صلب المسيح. لا لشيء إلا لأنهم لا يملكون سوى نص واحد غير واضح يتكلم بطريقة غير واضحة المفترض أنه يناقش حقيقة يؤمن بها ملايين بل ومليارات البشر عبر تاريخ المسيحية !!! أنهم يؤلفون الراويات ويؤمنون بصحتها !!!!

وهذا يذكرنا بأسطورة بجمليون، فما هي أسطورة بجمليون ؟ تقول الأساطير اليونانية أنه كان هناك صانع تماثيل يدعى بجمليون صنع تمثالا جميلا لامرأة جميلة فأعجب بالتمثال إعجابا شديدأ، ومن شدة إعجابه به تمنى أن يصير التمثال امرأة حقيقية، فاستجابت له الإلهة وتحول التمثال إلى امرأة حقيقية !!!

وهذا ما يفعله كتاب روايات الشبه فهم ينسجون روايات من وحي خيالهم تقول بإلقاء شبه المسيح على آخر ويصدقونها، برغم أنهم هم مؤلفيها، ولكن نقول لهم أننا نعيش الواقع وليس الأسطورة لذا لن تتحول رواياتهم التي ألفوها من وحي خيالهم إلى حقيقة، فلا هم بجمليون وليس هناك آلهة تستجيب لهم فتحولها إلى حقيقة كما يتوهمون !!!

5 – التعليق على هذه النظريات والأقوال :

1 – عند النظر إلى هذه الروايات والأقوال يتضح لنا للوهلة الأولى إنها متناقضة ومتعارضة ومتضاربة وانه لا أساس لها ولا سند ولا دليل على صحتها وإنها مجرد أفكار خيالية من تأليف رواتها ووحي خيالهم، وهم لم ينكروا ذلك !! بل أن كل منهم حاول أن يروي رواية، معتمداً على خياله بالدرجة الأولى مع محاولة بتر بعض آيات الكتاب المقدس وتأليفهما مع رواياتهم المزعومة !! ولا نعرف كيف يستبيحون لأنفسهم ذلك ؟!! إذ لا هم لهم إلا مجرد الإيهام بأن المسيح لم

يصلب وإنما الذي صلب هو غيره !! بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة !! فالغاية هي محاولة الإيهام بأن المسيح لم يصلب والوسيلة هي تلفيق روايات خيالية وغير واقعية للإيحاء والإيهام بذلك !! مع تغيير وتبديل الحقائق الإنجيلية !!

2 – كما أن هذه الروايات قيلت أساساً لتفسير عبارة ” شُبِّهَ لَهُمْ ” بمفهوم واحد فقط هو نظرية إلقاء شبه المسيح على آخر دون أي اعتبار لحقائق التاريخ العام والتقليد المسيحي، وبالرغم من صمت الآية عن ذكر أي تفصيلات !!!

3 – هذا الصمت وضع هؤلاء الكتاب في حيرة فراحوا يؤلفون ويتخيل كل واحد منهم حسب هواه وحسب ما يتراءى له، ونتيجة لذلك خرج كل واحد منهم بفكره أو برواية مختلفة تماماً عن الآخر سواء في مكانها أو زمانها أو أشخاصها، فقد اختلفت هذه الروايات من جهة الشبيه الذي قيل انه صلب بدلاً من المسيح، فقد قال البعض أن هذا الشخص لا يعرفه إلا الله ” فلنترك المسألة عند هذا الحد ” !!

وقال البعض الأخر انه أحد الذين يحبون المسيح وقال غيرهم انه يهوذا جزاء خيانته أو جزاء شكه في معلمه أو حباً في معلمه !! كما اختلفت في كيفية القبض على المصلوب فقالوا أن المسيح ألقى شبهه على يهوذا أو هرب أو صعد إلى السماء ! آو أن يهوذا كان شبيهاً بالمسيح لدرجة عدم التفريق بينهما ! أو أن اليهود لم يكونوا على بينة من هيئة المسيح أو يهوذا ! أو أن ذلك حدث بسبب الظلام..الخ

كما أضافت روايات أخرى أن المسيح حُكم ولكنه لم يصلب، بل هرب من السجن !!! أو أن قصة الصلب من الأساس ملفقة!! “فالمسألة كلها من تأليف تلاميذه ” !! كما اختلفت هذه الروايات أيضاً من جهة الزمان والمكان ودوافع الصلب.

أخيراً يقول لنا الشيخ محمد أبو زهرة ” أن القرآن الكريم لم يبين لنا ماذا كان

من عيسى بين صلب الشبيه ووفاة عيسى أو رفعه على الخلاف في ذلك، ولا إلى أين ذهب، وليس عندنا مصدر صحيح يعتمد عليه، فلنترك المسألة : ونكتفي باعتقادنا اعتقادا جازماً أن المسيح لم يصلب ولكن شبه لهم “(13).

انه لا يوافق على كل ما روي من روايات ويعتبرها جميعاً من مصادر غير صحيحة، ويعتمد فقط على اعتقاده بأن المسيح لم يصلب دون الاعتماد على أي رواية لم تذكر في أي مصدر صحيح !!

وهذا الرأي هو ما يتفق عليه الغالبية العظمى من المحاورين المسلمين الذين يتحاورون في موضوع صلب المسيح على شبكة الإنترنت وأغلبهم يرفضون جميع هذه الروايات سواء القديمة أو الحديثة لعدم صحتها وإلغائها للعقل والمنطق، ولأنها جميعا تسقط دائما مع الحوار المنطقي الجاد، ويتمسكون فقط بحرفية آية سورة النساء 157 !!!

(1) ويرى البعض أن الآية تتكلم بأسلوب العبرة وليس بأسلوب التاريخ والتأريخ، فيقول أ. محمد أحمد خلف الله ” وبان للعقل الإسلامي أن وصف عيسى عليه السلام بأنه رسول الله في قول اليهود الذي حكاه عنهم القرآن في قوله تعالى (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيس بن مريم رسول الله)، لا يمكن أن يفهم على أنه قد صدر حقاً من اليهود فهم لم ينطقوا بهذا الوصف وإنما القرآن هو الذي أنطقهم به، ذلك لأن وصفه بالرسالة ليس إلا التسليم بأنه رسول الله وهم لم يسلموا بهذا، ولو سلموا بهذا لأصبحوا مسيحيين، ولما كان بينهم وبينه أي لون من ألوان العداء، ولما كان قُتل وصُلب.

إن اليهود إنما يتهمون عيسى بالكذب، وينكرون عليه أنه رسول الله، ويذكرونه بالشر، ويقولون إنه ابن زنا وأن أمه زانية. يقول اليهود كل هذا وأكثر منه، ومن هنا لم يستطع العقل الإسلامي أن يسلم بأن وصف عيسى بأنه رسول الله قد صدر حقاً من اليهود “. القصص القرآني مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم (ص66و67).

 

(2) التفسير الكبير جـ 3 : 35 ؛ والكشاف جـ 1 : 580.

(3) فقد أورد الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية جـ 2 : 53و54 ” بيان قتل يحي عليه السلام. وذكروا في قتله أسبابا أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها فنهاه يحي عليه السلام عن ذلك فبقى في نفسها منه. فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها استوهبت منه دم يحي فوهبه لها فبعثت إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طشت إلى عندها “.

(4) تاريخ ابن خلدون جـ 1 فـ 5، و قراءات في الفلسفة د. علي النشار ص 26.

(5) وروى الأمام جلال الدين السيوطي نفس الرواية تقريباً في كتابه ” الدر المنثور في التفسير بالمأثور ” فقال ” فأتى عيسى ومعه سبعة وعشرون من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم، فدخلوا عليهم وقد صورهم الله على صورة عيسى، فقالوا: قد سحرتمونا؟ لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلكم جميعا، فقال عيسى لأصحابه: من يشتري منكم نفسه بالجنة؟ فقال رجل من القوم: أنا. فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وصلبوه فظنت النصارى مثل ذلك، ورفع الله عيسى من يومه ذلك “.

(6) جامع البيان جـ 6 : 12-14.

(7) البيضاوي جـ 1 : 247.

(8) عبد الحميد جودة السحار ” المسيح عيسى ابن مريم ” ص 214 – 256.

(9) (د. أحمد شلبي المسيحية ط 6 ص 42-43).

(10) د. عبد الغني عبود ” المسيح والمسيحية ” ص 189.

(11) ” حياة المسيح ” ص 402 و403.

(12) ” الصلب والفداء ” ص 67و68.

(13) ” محاضرات في النصرانية ” ص 25.

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

مجلس العموم البريطاني : “داعش” أرتكب جريمة “إبادة جماعية” بحق المسيحيين والأيزديين في سوريا والعراق

مجلس العموم البريطاني : “داعش” أرتكب جريمة “إبادة جماعية” بحق المسيحيين والأيزديين في سوريا والعراق

مجلس العموم البريطاني : “داعش” أرتكب جريمة “إبادة جماعية” بحق المسيحيين والأيزديين في سوريا والعراق

أقر مجلس العموم البريطاني، الأربعاء، مذكرة غير ملزمة تدعو الحكومة للاعتراف بارتكاب تنظيم «داعش» «إبادة» بحق الأقليات الدينية والعرقية في سوريا والعراق.

والمذكرة التي أقرت بإجماع النواب الحاضرين «278 من أصل 650 نائبا يتالف منهم المجلس» تدعو الحكومة إلى اعتبار ما قام به التنظيم بحق المسيحيين والإيزيديين وأقليات دينية أو عرقية أخرى جريمة «إبادة».

ولكن نائب وزير الخارجية المكلف شؤون الشرق الاوسط، توبياس ايلوود، اعتبر أن توصيف ما اقدم عليه التنظيم هو من اختصاص القضاء أكثر مما هو من اختصاص الحكومة.

وقال: «اعتقد بان ابادة قد حصلت، ولكن كما قال رئيس الوزراء فان الابادة مسألة قضائية اكثر منها سياسية».

ودعا النواب الذين ينتمون إلى جميع الاحزاب الحكومة إلى العمل في مجلس الامن الدولي، حيث تتمتع بريطانيا بمقعد دائم، من أجل أن تحال جرائم التنظيم الجهادي إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ولكن الوزير «ايلوود» لفت إلى ان إحالة أي قضية إلى المحكمة الجنائية الدولية «لا يمكن ان تتم إلا في ظل مجلس (أمن دولي) موحد، والافضل بالتعاون مع الدول التي ارتكبت فيها الجرائم المفترضة»، في اشارة إلى العراق وسوريا التي تعتبر روسيا والصين، العضوان الدائمان في المجلس، داعمين أساسيين لرئيسها بشار الأسد.

وأضاف: «اود ان الفت نظر مجلس (العموم) إلى انه حين كانت هناك جهود من اجل احالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية في 2014 استخدمت روسيا والصين حق الفيتو لمنع حصول ذلك. ونحن نتوقع لاي قرار في مجلس الامن الدولي، ان تتم عرقلته مجددا».

كان وزير الخارجية الامريكي، جون كيري، مارس، إن جرائم القتل التي ارتكبها التنظيم بحق الاقليات المسيحية والايزيدية والشيعية ترقى إلى جرائم ابادة، وهو اتهام رمزي لا يلزم واشنطن باتخاذ إجراء ضد الجهاديين أمام القضاء الدولي.

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

أزمة التأويل في المسيحية الغربية 

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

في القرون الأخيرة، انكسرت رؤية التأويل الآبائية بعاملين: الإصلاح والتنوير. الإصلاح، كحركة احتجاج على الانتهاكات والتمزقات المُلاحظة في تقليد المسيحيّة الغربيّة، وضع المبدأ الأساس للـ “الكتاب وحده (sola scriptura)، وتالياً رفض بشكل مبدئي التوافق (interdependence) بين الكتاب المقدس والتقليد. نحن الآن نعرف، بالطبع، أنّ المبدأ الكتابيّ البروتستانتيّ هو دفاعي وتصحيح للمغالاة في التقليد ولا موقع له بذاته.

فلا الكتاب ولا الإيمان ولا النعمة ولا المسيح له موقع كل بذاته. الأولية نعم أم التفرد فلا. السبب بسيط وهو ضرورة وجود الإنسان المتلقّي وضرورة التفسير اللتين تقودان المفسّر بشكل حتميّ إلى اكتساب تقليده في التفسير بجهد متواصل، عن وعي أو من دونه.

المصلحون برفضهم سلطة الكنيسة من جهة، وبتشديدهم بشكل مزدوج من جهة أخرى على sola scriptura وحق الأفراد بالتفسير، خلقوا تقليداً جديداً بالواقع تقاليد تفسيرية كثيرة كما تطورت التجزئة في التيار البروتستانتيّ.

بالطبع، الكنيسة الغربية في العصور الوسطى كانت أصلاً قد خرقت التوافق بين الكتاب المقدس والتقليد في ترجيحها كفة التقليد ما خنق صوت الكتاب. يصبح هذا التوافق غير مقنع وبلا معنى في الممارسات عندما تنأى معتقدات الكنيسة، سواء الشرقيّة أو الغربية، وممارساتها عن شهادة الكتاب وتفقد التوافق معه.

لقد تفكّر اللاهوتيون الأرثوذكس فيما إذا كان ممكناً لحركة الإصلاح أن تتمّ في المسيحية الشرقية. من منظار أرثوذكسي، موقف الإصلاح في التأويل جذّاب ولكنه غير متوازن. من جهة أخرى، واضح أن لوثر وكالفن سجلا عودة إلى التأويل الآبائي الكلاسيكي[1].

واستعادا سلطة الكتاب ومركزيته في حياة الكنيسة وثبّتا الهدف المركزي ككتاب ووحدته التي حدّداها في المسيح. لقد شدّدا على أوليّة قراءة الكتاب في إطاره على ضوء الكتاب نفسه. وكشفا عن تفاعل بي الروح والحرف، بين النظرية المجردة والحكمة الروحية، على أساس ضرورة مقاربة سر الله بإيمان وصلاة من دون إمكانية تحويله إلى نظام فكريّ. لقد اعترفا بمبدأ التكيّف وطوراه، أيّ أن الكتاب، إلى جانب وجهه الموحى به، يعكس أيضاً المحدوديات البشريّة.

من جهة أخرى، أدّى رفض سلطة الكنيسة في أمور الإيمان إلى أزمة في التأويل، هذه السلطة لا يُعبر عنها بحكم بابويّ بل بالمجامع التمثيلية التي تعلن التمييز العقائدي لكلّ الكنيسة. مبدأ “الكتاب وحده” وحق التفسير الشخصي الملازم له، يدقّان إسفيناً بين سلطة الكتاب والتقليد اللاهوتيّ الموحد للكنيسة، وبهذا يخلقان مأزقاً في التأويل. مشكلة التأويل، التي يُعبر عنها بتعابير بروتستانتية بشكل مميّز، نشأت كمشكلة لاهوتية وكنسيّة عسير المعالجة.

يُظهر تاريخ البروتستانتية بشكل واضح أن التقاليد البروتستانتية المخلفة أسّست رؤاها التي عبرها قرأت الكتاب من دون أن تجد طريقة للحفاظ على الوحدة في التنوع. إعادة اكتشاف الإصلاح للكتاب مرحب بها، لكن الموقف العقائدي على أساس “الكتاب وحده” يثير كثيراً من المشكلات. المبدأ الكتابيّ بدون توازن مع مبدأ كنسي ينقلب على نفسه ويصبح غالباً للكنيسة. إنه يدمر كل إمكانيّات وجود علم تفسير شامل، إذ في غياب سلطة تفسيريّة عليا يصبح التفسير الشخصي الحاكم الأعلى.

يظهر التنوع التفسيري والتشوش في البروتستانتية عبر التطورات التاريخية فيها، بما فيها التقليدية، الطهريّون، الروحيّون، الألفيّون، التقويّون كما الفرق المعاصرة والجماعات المتعصبة.

لقد انكسرت الرؤية التفسيريّة الآبائية بطريقة أخرى وأكثر جذريّة مع التنوير، عبر تأثيره على الدراسات اللاهوتية والكتابيّة البروتستانتية[2]. يستند كل من العقلانيّة التنويرية الناشئة والنقد الكتابي إلى مبدأ التناظر العلميّ. وبوجه خاصّ، أثار تلاقيهما مسألة التأويل بشكل مختلف وأكثر جذريّة. بالسابق، تركّزت هذه المسألة على موضوع الكشف الكنسي أو الفردي كحكم نهائي. الآن، تحولت مسألة التأويل إلى موضوع الوحي أو العقل كمقياس نهائي في هذا العلم.

في تراث التنوير، وبخاصة المنطق غير الملجوم الذي حذّر منه لوثر بشكل لافت للنظر، أدت عملياً إلى رفض سلطة الكتاب المقدس الموحى بها بالكامل. “فضح” لاسنغ (Lessing) الزيف الذي في الحقائق الرئيسية في الكتاب لأنه كان “رجلاً متنوراً من القرن الثامن عشر” وقد رأى صورة بشعة وخندقاً بين ادعاءات الوحي في الكتاب والتفكير الجديد عند أمثاله.

مع تقدم العلوم ونشوء النقد التاريخي مقلداً الطريقة العلمية وعلمنة الحضارة الغربيّة، أدى التكيف التدريجي مع فكر التنوير إلى تقويض سلطة الكتاب المقدس بشكل تدريجي وافتتح “أزمة مبدأ الكتاب بين البروتستانت”[3].

لتأثير التنوير التفسيري على البروتستانتية نتائج محطمّة. فقد ظهرت تشقّقات عميقة بين البروتستانت المحافظين والليبراليّين، وتالياً برزت الفروقات تبعاً لدرجة قبول التفكير الجديد أو رفضه. من جهة، التقليد الديني الغربي، عبر نظراته الصلبة وتحكمه السلطوي في المجتمع، غذّى التساؤل الجديد حول السلطة والرغبة في التحرير. من جهة أخرى، تشكّلت المجادلة الكتابية بين المحافظين والليبراليين، بحسب[4] Walter Brueggnam، في فئات الدقّة العلميّة أو التاريخية التنويريّة، التي كانت غريبة عن الكتاب وعن التقليد الآبائي الكلاسيكيّ.

فيما يشترك الطرفان ضمنياّ بالافتراضات ذاتها، استفاض أحدهما بالاستنساب في سلطة الكتاب بينما استفاض الطرف الآخر بجعلها مطلقة. لقد برز التنوع الضمنيّ أو الظاهريّ فيما تحوّلت البروتستانتيّة بشكل مخيف إلى مجموعات أصولية، محافظة أو إنجيلية، وليبراليّة مع فروقات بينها[5]. يصعب جداً تقويم النتائج بدقّة، منها الاتهامات التي وجّهها كارل بارث وغيره إلى الليبراليين بالهرطقة[6]. كما أن منها أسئلة حول قدرة البروتستانتية على الحياة ومستقبلها في العالم الحديث وما بعد الحديث[7].

قد يظن البعض أنه كان بإمكان البروتستانت الليبراليّين أن يقدموا علم تفسير متكامل على أساس الفكر النقديّ، لكن هذا لم يتم. على العكس، هناك تحلّل افتراضيّ في التأويل عند تقليد البروتستانت الليبراليّين حيث تحوّلت فردية الإصلاح إلى شكل أكثر وحشيّة من الفردية التي في تشديد التنوير على العقل المستقلّ (العقل وحده)[8]. في السابق مزّقت كنيسة القرون الوسطة التكافل المتبادل بين الكتاب والكنيسة، إلا أنّ الإصلاح قام بالأمر ذاته بطريقة معاكسة. لاحقاً، توصّل طغيان الكنيسة إلى طغيان الأكاديميا على صوت الإنجيل[9].

من الواضح أنه إذا تم وضع خندق ليسنغ البشع بين الفكرين الكتابي والمعاصر بتعابير واقعيّة، فلن تكون هناك أي طريقة منطقيّة لردم الهوة بسبب وجود رفض مسبق لما قد يتم برهانه. لقد جعل الإصلاح مسألة التأويل عسيرة المعالجة برفضه الأساس الكنسيّ لمصلحة الأساس الكتابيّ. وجعل التنوير هذه المسألة أكثر عسراً في المعالجة برفض الأساس الكتابيّ ذاته، أي الوحي والإيمان كطريقتين أمينتين للمعرفة، لمصلحة العقل المستقل على أنه المقياس لكي حقيقة.

يجب أن نشير إلى أن التنوير في تأثيره على التأويل، يوجه ليس فقط العلماء البروتستانت بل أيضاً الكاثوليك بقدر ما يقعون تحت تأثير افتراضاته المسبقة عن وعي أو عن غيره.

عمل بعض كبار علماء التفسير في التقليد الليبراليّ أمثال F. Schleiermacher، R. Bultmann، على ردم الهوّة المفتَرَضة بين الكتاب والفكر الحديث، غير راضين بأن يقوم المتطرفون من العقلانيّين برمي الإنجيل بين ركام الميثولوجيا القديمة. هذه الجهود الاستثنائيّة، المثيرة للإعجاب فكرياً والمشجعة بحد ذاتها، لم تؤدِّ إلى نتائج ملزمة ولا دائمة لأن هؤلاء وهبوا الكثير من الأرضية الفلسفّية للتنوير.

فبعد أن تنازلوا عن النظرة المسيحيّة الكلاسيكيّة التي تقول أنّ الإنجيل يقدّم معرفة كافية وحقيقيّة عن الله وأهدافه، عجزوا عن إظهار الفرق بنظريات لاحقة في التأويل. انقاد هذه النظريات والاقتراحات الجديدة على يد H. Gadamer، P. Ricoau، D. Tracy يعوض التعادل من طريق التأكيد على أهميّة حوار بين التأويل وموضوع الكتاب اللاهوتيّ[10].

على أيّ حال، في التقليد الليبراليّ عينه، تبدو هذه الاقتراحات الإصلاحية وكأنها تمنح وزناً زائداً لما سمّي “المسافة”، لا الثقافيّة فقط إنّما اللاهوتية أيضاً، بين الكتاب المقدّس والفكر الحديث، وهذا ما يفترض أنّه المسألة الأولى في التأويل. وما يزال هناك إبهام غير مقبول حول حقيقة الكتاب ومقاربة التأويل المعياريّة له. هذه الاقتراحات المحسّنة مقنعة كنظريّات ابيستيمولوجيّة، لأنها تشرّع ديناميكيّات تحوّل المعنى بعبارات بشريّة عقلانيّة.

مع ذلك، لا تعطي انتباهاً كافياً لسلطة الكتاب الإعلانية في علاقته مع الكنيسة، كما لدور الإيمان والروح القدس كعنصرين أساسيّين في تلقّي رسالة الكتاب المقدس الخلاصيّة وتفعيلها.

لقد تابع الليبراليّون أنفسهم التساؤل حول مجمل مشروع النقد الكتابيّ والتأويل الظاهر والمخبّأ فيه[11].

في السنوات الأخيرة، تتابعت دراسة نظرات مختلفة في هذا العلم، بعضها مترابط والبعض الآخر لا. تتمثّل إحدى مجموعات الجهود المختلفة في “النقد الأدبيّ الحديث”، كالبنيويّة والقصصيّة وتلك الموجّهة نحو القارئ، على مثال السابقين في دراسة الأدب[12]. هدفهم هو منح نوع من استقلال النص عن الكتاب واستعادة معنى الكتاب كأدب دينيّ في محيد القرّاء المعاصرين. مجموعة أخرى من الجهود يمثّلها الفكر الأنثويّ والفكر التحرريّ تدعى “التأويل التأييدي” بسبب تأصّله الإيديولوجيّ في الصراعات المعاصرة السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية[13].

تسعى كلّ هذه المقاربات بطرائقها الخاصّة إلى تقريب المسافة المفترضة بين الكتاب والقارئ المعاصر، ولكن بمعزل عن اهتمام التنوير بالتحقيق العلميّ للحقيقة. مع هذا، ما زالوا يعملون على، إما أوليّة العقل وإما اهتمامات أيدولوجيّة معاصرة، بهدف تحصيل أيّ معنى مناسب قد يجدونه في الإنجيل، معتبرين أنّ سلطته الثقافية ثابتة كأحد الروائع الكلاسيكية أو كمصدر تاريخيّ لقيم متعددة.

لقد أُضيفت الآن هذه الاتجاهات الجديدة إلى التعدديّة في التأويل. قيمتها هي في أنّها تصحيحيّة أكثر منها تصويريّة. فيما يبقى تأثيرها الدائم متوقّعاً، لم تقدّم أي نظرة متكاملة في التأويل. كالجهود الليبراليّة السيزيفوسيّة السابقة، تبدو هذه الاتجاهات وكأنها تدفع إلى أعلى الجبل بنسخة معدّلة من إبيستيمولوجيا التنوير، إلى أن تعود صخرة التأويل لتتدحرج مجدّداً إلى أسفل.

 

[1] D. H. Kelsey, “Protestant Attitudes Regarding Methods of Biblical Interprctation, “in Scripture, ed, by F. E. Greenspahn, pp. 134-141: D. G. Bloesh, Holy Scripture, pp. 192-195, and Donald K. Mckim, “Biblical Authority and the Protestant eformation, “ABD, Vol. 5, PP. 1032-1035.

[2] See the relevant remarks and bibliography on the academic use of Scripture and biblical scholarship in Chapters Two and Five.

[3] The expression is W Pannenbcrg’s, a chapter title in his Basic Questions in Theology, Vol. 1, trans. G. H. Kehm (Philadelphia: Westminster, 1970), p. 1. For a sketch of the complex story of how Scripture’s authority was both overemphasized and then undermined by developments chiefly among Protestants, see H. G. Revendow, “Biblical Authority in the Wake of the Enlightenment,” ABD, Vol 5 pp. 1035-1049.

[4] Walter Brueggemann, “Biblical Authority in the Post- Critical Periok, “ABD, Vol. 5, p. 1050.

[5] For a typology of current Protestant approaches to Scripture, see D. H. Kelsey, “Protestant Attitudes Regarding Methods of Biblical Interpretation, “in Scripture, ed. F. E. Greenspahn, pp. 151-161. For the commonalities, diversity, and dynamics among Evangelicals, see Mark A. Noll, Between Faith and Criticism, pp 142-185

[6] Cited with approval by Carl E. Braatcn, a mainline Lutheran, in his “Response to Manfred K. Bahmann, “LF2S (3, 1994), p. 11. Of course. Fundamentalists and Evangelicals consistently view liberal Protestantism as heresy. Gordon D. Fee, Gospel and Spirit, takes into view heresies by conservatives as well and writes the following: “To put it baldly, where there is no appreciation for tradition… [that is, “historic orthodoxy,” p.25], Protestantism has spawned a mass of individual heresies, all vying for center stage as the single truth of God, ” p.80.

[7] For a recent discussion from an Evangelical perspective, see Alister McGrath’s, Evangelicalism dr the future of Christianity (Downers Grove: InterVarsiry Press, 1995), who perceives that the future belongs to Evangelicalism by its stand on enduring scriptural values, whereas liberal Protestantism has enfeebled itself by its very accommodation to rapidly changing culture.

[8] As Reflected in the accounts afHans W. Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1974) and David H. Kelsey, The Uses of Scripture in Recent The Ology (Philadephia: Fortress, 1975).

Dennis Nineham, The Use and Abuse of the Bible (New York: Harper & Row, 1977) seems to debunk all hermeneudcal attempts by conservative and liberal Protestants alike as futile and useless in demonstrating any authoritative relevance of the Bible for the present. He Opts for a view of the Bible as a document of the ancient past whose world view canot be genuinely recovered in modern society.

[9] W. Brueggemann, “Scriptural Authority in the Post-Critical Period, “ABD, Vol. 5, p. 1053.

[10] For a concise presentation of these new proposals, see David Tracy’s contribution in part 2 of the revised and enlarged edition of A Short History of the Interpretation of the Bible by R. M Grant and D. Tracy, pp. 153-187.

[11] For Example, P. Stuhlmacher in his Historical Criticism and Theological Interpretation of Scripture, M. Hengel in his reflection on the same topic in Acts and the History of Early Christianity, pp. 127-136, and B. S. Childs in his several books.

See also the manifesto by P. C. Mcglasson, Another Gospel with a supportive foreword by B. S. Childs. Of course, the critiques from conservative Protestants continue unabated as reflected in the works of C. H. Pinnock, D. G. Blocsch, D. A- Carson, J. D. Woodbridge, J. I. Pacher, and others.

From the Roman Catholic Side, Raymond Brown in his many works has strongly supported historical biblical criticism as the primary took for biblical study; however, he has also on the one hand rejected its Enlightenment rationalistic freight and on the other hand supported, while qualifying, the interpretive authority of the magisterium.

See especially R. Brown, Biblical Exegesis and Church Doctrine, where he both answers traditionalists and critiques radicals, as he carves out a “centrist position” in line with and officially supported by the Church.

[12] See T. J. Keegan, Interpreting the Bible and E. V. McKnight, Post-Modern Use of the Bible.

[13] A strong challenge is presented by Elisabeth Schiissler Fiorenza, “Toward a Feminist Biblical Hermeneutics: Biblical Interpretation and Liberation Theology, “in A Guide to Contemporary Hermeneutics, ed. D. K. Mckim (Grand Rapids: Eerdmans, 1986), pp. 358-381. See also her books bread Not Stone and Searching the Scriptures: A Feminist Introduction.

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

Exit mobile version