لم تقدم العقلانية الإجابات التي توقعها أنصارها بشأن معنى وهدف الحياة، فقد تجاهلت نواحي الحياة التي تمتد إلى ما هو أبعد من المنطق. أما الوجودية، التي تركز على مكان الإرادة والمشاعر، فقد ظهرت في بداية القرن العشرين كرد فعل للعقلانية. وقد قدمت الوجودية افتراضاتها بداية من حقيقة الوجود الإنساني، لكي تفسر الحياة بأكثر حماسة وشمولية.
من ناحية، تعتبر الوجودية بالفعل مضادة للفلسفة، إذ ان أنصارها يرفضون فرض صيغ أو أنظمة خارجية تقوم بتقيد التعبير الحر عن الوجود الإنساني. لذلك، فبخلاف المناهج الطبيعية وفوق الطبيعية التي قد تتميز بأنها “ذاتية نظرية” كثيراً ما تكون غير واعية لمنهجها الذاتي في التفسير، فإن الوجودية تكون “ذاتية متعمدة وظاهرة بوضوح” كمبدأ عمل أساسي لها.
يوجد للوجودية تعبيراتها العلمانية والمسيحية. فالوجوديون العلمانيون، من أمثال جان بول سارتر (1905-1980)، وألبرت كاموس (1913-1960)، كانوا يعتقدون أن الحياة ليس لها معنى موضوعي بعيداً عن الخبرة الحالية. وبدون نقطة موضوعية مرجعية، قادت الوجودية العلمانية إلى العدمية، واليأس من وجود أي معنى للحياة.
الوجودية المسيحية أيضاً تستقي المعنى والحق من الخبرة الشخصية، لكنها تزعم أن أكثر التجارب الأساسية في الحياة هي اللقاء مع الله. فهم يزعمون أن إعلان الله للبشر هو إعلان شخصي، وداخلي، واختباري. الليبرالية اللاهوتية، التي طغى عليها المنهج العقلاني، تم تحديها واستبدالها شرعياً بالوجودية في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى.
وقد كان المنهج السائد في الخط الرئيسي من اللاهوتيين البروتستانت خلال النصف الثاني من القرن العشرين في فهم الكتاب المقدس، هو المنهج “الوجودي”.
اللاهوتيون الوجوديون
كارل بارث
يُعتبر سورن كيركجارد (1813-1855)، الفيلسوف الدنماركي، هو أب الوجودية المسيحية. لكن كارل بارث (1886-1968) ربما كان هو أكثر الأشخاص المؤثرين في هذه الحركة. كان بارث بوضوح من أنصار المنهج فوق الطبيعي، من حيث أنه كان يؤكد بشدة على العناصر المعجزية، مثل قيامة المسيح (رغم أنه لم يعتبر القيامة حدثاً يمكن التحقق منه تجريبياً في المكان والزمان، كما فعلت العقيدة الكلاسيكية). لقد اعترف بارث في منهجه بما هو فوق طبيعي؛ ومع ذلك، فقد كان أيضاً من الأنصار المدققين للمنهج الطبيعي.
وبدمج الطبيعي مع ما هو فوق الطبيعي، تم تسمية الحركة “التقليدية الجديدة”. فهي “تقليدية” في تأكيدها على ما هو فوق طبيعي، و”جديدة” في تمسكها بالافتراضات الطبيعية فهي تفسير الكتاب المقدس. استطاع بارث أن يدمج هذين المنهجين غير المتفقين بواسطة فصل الحق الكتابي عن المنطق والتاريخ.
فقد علم بارث أن العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس لا يمكن أن تكون حقيقية بالفعل إلا عندما يتم قبولها بواسطة المفسر، بالإيمان، على أنها كلمة من الله. وعندها تصبح “القفزة غير العقلانية للإيمان” ضرورية لكي يختبر الإنسان شخصياً كلام الله.
وهكذا فإن الوجودية المسيحية هي محاولة لأن يكون الإنسان في منتصف الطريق بين العقيدة التقليدية والليبرالية، وبين المنهج فوق الطبيعي والمنهج الطبيعي. تعتقد النظرة الوجودية للكتاب المقدس أن الكتاب المقدس هو بالحقيقة أداة إعلان الله للبشر. فالله يوصّل رسالته بواسطة الكتاب المقدس.
لكن الكتاب المقدس، في حد ذاته، لا يمكن أن نسميه إعلان الله. لأنه لكي يصبح الكتاب المقدس كلمة الله بالكامل، يجب أن يتم قبوله بواسطة شخص ما؛ تماماً مثل الصمغ الذي يصنع من الإيبوكسي والمقوي، فهو يصبح صمغاً فقط عندما يختلط العنصران معاً بطريقة سليمة. بنفس الطريقة، يصبح الكتاب المقدس إعلاناً، فقط عندما يتم مزجه بصورة سلمية مع إيمان القارئ أو السامع، فالكلمة في حد ذاتها لن تلصق.
وإلى أن يستجيب عقل بشري لكلمات الكتاب المقدس، لا تكون إلا كلمة الله “المحتملة”. وهكذا فإن “المزج” هو حقاً الذي يقرر حق وسلطة النص. لهذا السبب، فإن الوجودي الذي يقوم بالتفسير لا يجب أن يتحدث عن الكتاب المقدس على أنه “كلمة الله”، بل على أنه “يصبح” كلمة الله.
رغم أن المنهج الوجودي للكتاب المقدس يزعم أنه فوق طبيعي أولاً وقبل كل شيء، إلا أن توجهه الأساسي طبيعي من زاويتين. الأولى، أن المفسرين الوجوديين يستخدمون عامة الوسيلة النقدية – التاريخية، التي كما رأينا، تكون مبنية على افتراضات طبيعية مسبقة.
ثانياً، أن المفسر بادعائه السلطة الناجمة عن أهمية وضعه، يقوم في النهاية بالتحكم في المعنى، إذ ان الكتاب المقدس وحده ليس إعلاناً، فهو يصبح إعلاناً في عملية التقاء المفسر معه. وبذلك، فبافتراضاتهم الطبيعية، يعتنق الوجوديون نظرة للكتاب المقدس لا تماثل النظرة التي يعتقدها الكتاب المقدس نفسه عن نفسه.
لأنه بالنسبة لهم، يعتبر الكتاب المقدس سلطة غير مستقلة، لكنها خاضعة لحكم المفسر الذي يحدد أي من عناصر الكتاب المقدس هو الحق، وبالتالي هو كلمة الله الجديرة بالثقة.
رودلف بلتمان
إن المفسرين الذين يتعاملون مع الكتاب المقدس بحسب المنهج الوجودي يحاولون عادة أن يطهروا الكتاب المقدس من جميع العناصر التي لا تتفق مع نتائج نقدهم التاريخي الطبيعي. فإذا كان هناك أي شك بشأن الأساس الطبيعي للتفسير الوجودي، فإن مثل هذا الشك تم استعباده تماماً بواسطة تصاعد حركة رودلف بلتمان (1884-1976) وتلاميذه.
ذهب منهج بلتمان “بتخليص اللاهوت من الأسطورة” إلى ما هو أبعد من الوجوديين الأوائل، في إنكار المصداقية التاريخية لجميع العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس، بما فيها قيامة المسيح. فقد جادل بلتمان أنه على الرغم من السمة الطبيعية الكلية لكتب المقدسة، إلا أن تلك العناصر الطبيعية تشير إلى واقع أسمى، كان مخفياً في أسطورة.
فإن بعض العناصر في الكتاب المقدس لا يمكن أن يتم التعامل معها على أنها تاريخ رصين. فعملية فصل الأسطورة عنه وتقرير الأمور المهمة الباقية كان مهمة المفسر، كما يزعم بلتمان، وهكذا أصبحت عملية تخليص اللاهوت من الأسطورة هي الموضوع السائد للوجوديين بعد الحرب العالمية الثانية.
لا يكون واضحاً دائماً عملية استخدام أحد مفسري الكتاب المقدس أو الوعاظ لمنهج وجودي. فإحدى سمات هذا المنهج هي استخدام كلمات تقليدية بمعان غير تقليدية. فمثل هذا الشخص قد يعلم عن الميلاد الجديد، لكن يكون في ذهنه مفاهيم روحية تتكرر مرات ومرات. وقد يحدث عن أمور شيطانية لكنه لا يشير إلى أي كائن فوق طبيعي لكن يشير إلى قوى شريرة في المجتمع.
النظرة العالمية للمفسر
انتقل القادة في المنهج الوجودي مؤخراً إلى تحليل كيفية عمل التواصل البشري. وهذا يتبع الاتجاه العام للمحدثين، بأن يصرفوا الانتباه عن النص القديم وعن مؤلفه، وأن يزيدوا من التركيز على المفسر؛ أي أن يقوموا بالتركيز على دور المتلقي للمعلومات أكثر من تركيزهم على دور المرسل.
إن الله يرغب بالتأكيد أن تتغلغل كلمته بعمق وبطرق مغيرة للحياة في مفسري القرن العشرين، لكن تطبيق الكتاب المقدس يجب أن يتبع تفسيراً أميناً لمعنى النص، وليس أن يقرره. يخطئ المنهج الوجودي في إعطاء المفسر سلطة مساوية لسلطة النص، إن لم تكن أكثر. بهذه النظرة، يكون إسهام المفسر جزءًا سلطوياً في المزيج الذي يشكل الكلمة التي من الله.
إن الذين يدرسون ظاهرة فهم فكر شخص آخر يدركون أن المتلقي لأية معلومات يسمع بمجموعة من الافتراضات المسبقة التي تشكل نظرة عالمية. هذه النظرة العالمية هي عدسة يرى الشخص من خلالها كل الواقع. فهي تمثل قنوات للفكر، تفسر الخبرات، وتوجه السلوك. تعمل هذه العدسة باستمرار، لكن نادراً ما يتم ملاحظتها.
الأكثر من ذلك، إن اللغة التي يستخدمها المرء يكون لها معنى، فقط بالنسبة للشخص الذي يفهم النظرة العالمية للمتحدث أو الكاتب. لذلك فإن التواصل الفعال لا يحدث إلا عندما تكون اللغة المستخدمة بواسطة المرسل (مؤلفي الكتاب المقدس في هذه الحالة) متصلة مباشرة بالنظرة العالمية للمتلقي (مفسر الكتاب المقدس). فاللغة تصبح مفهومة فقط عندما يستطيع المتلقي أن يفهم النظرة العالمية للمرسل، وبذلك يسمع الكلمات في سياق النظرة العالمية للمرسل.
وحيث أن تأثير النظرة العالمية للشخص يكون شديد العمق والتغلغل، فقد يئس البعض من إمكانية وجود تواصل مفهوم بين البشر من حقب وثقافات مختلفة. بل الحقيقة أن أصحاب النظريات الأكثر تطرفاً قد يئسوا من إمكانية وجود تواصل دقيق بين الذكور والإناث من نفس الثقافة أو حتى بين أي شخصين.
لكن الوجودي المتدين يؤمن أن المشكلة تحل عندما يأتي الدارس للنص الكتابي القديم بحياته الشخصية إلى تلك العملية من الفهم، بحيث ينتج “المزج” بين النص القديم والاستجابة الشخصية المعاصرة، كلمة صحيحة من الله.
يزعم المنهج الوجودي أن الحياة الشخصية للمفسر تلعب دوراً تشكيلياً في معنى أي عملية توصيل للمعلومات. فالمفسر يصل دائماً إلى تفسير يتكون إلى درجة ما من مزيج من أفكاره الخاصة وأفكار المؤلف الأصلي. فحيث أن المفسر قد تفاعل مع النص، فإن النص يعيد تشكيل فكر المفسر، لكن بسبب تفاعل النص مع المفسر، يعيد المفسر تشكيل رسالة النص.
بحسب هذا الاتجاه الوجودي، لا تعد الفجوة بين النص والمفسر أمراً مؤسفاً، بل أنها تمثل الديناميكية التي تنشط كل تفسير. السبب في ذلك هو أن المنظور الجديد، المفترض أنه أوسع، الذي يحدث نتيجة التفاعل بين النص والمفسر، يصبح هو الأساس الذي عليه يحدث اللقاء التالي مع النص.
التفسير الجديد والدائرة التفسيرية
تم إعطاء اسم “التفسير الجديد” لعملية تطبيق المنهج الوجودي على ظاهرة الفهم البشري. ويطلق عليه “جديد” لأنه يأتي بالمفسر إلى دور تشكيلي في عملية التفسير. ويطلق عليه “تفسير” في صيغة المفرد، لأنه لا يعنى بالإرشادات أو الوسائل التي بها يعين المرء معنى النص – وهي المهمة التقليدية للتفسيرات (بصيغة الجمع) – ولكنه يعنى فقط بهذا المنهج أو النظرية المنفردة في فهم الفكر البشري.
يوضح التفسير الجديد مشكلة “الدائرة التفسيرية”. تتضح الناحية الدائرية للتفسير عندما يسأل المرء “أيهما جاء أولاً، النص أم سياق المفسر؛ أفكار المؤلف القديم أم أفكار المفسر؟” وهذا سؤال مشروع ويمكن أن ينبه المفسر لخطأ افتراض أن الكتاب المقدس يمكن قراءته بطريقة شديدة الموضوعية مما يجعل التفسير حراً من التحيز أو البقع المظلمة.
لكن هناك اختلاف جوهري بين منظور التفسير الجديد والمنهج التاريخي لفهم الكتب المقدسة، كما هو معروض في هذا الكتاب. يقول التفسير الجديد أنه لا يوجد طريق للخروج من هذه الدائرة، فلا توجد موضوعية في التفسير، ولا معنى ثابت في النص بمعزل عن مدخلات المفسر. لكن الكتاب المقدس هو توصيل لمعلومات من الله، واللغة البشرية الموحى بها في النص مؤيدة ومدعّمة بحقه ومصداقيته وعدم تغيّره.
فالنص صادق بطريقة موضوعية، ومستقل عن تفسير أي شخص له. وهكذا فإنه بالنسبة للذين يقبلون السلطة المستقلة للكتاب المقدس، لا يحاول المفسر أن يختلق معنى جديداً، رغم أنه يحاول أن يفهم ويطبق المعنى الموضوعي لمقطع كتابي بطريقة أكثر أصالة مما كان يحدث في الماضي. ربما يكون هناك بهذه الطريقة تفسير جديد سليم. للكن لا يكون هناك إعلان سلطوي جديد لحق الله.
لكن قبول الحق المستقل الموضوعي للكتاب المقدس لا يحل بالكامل المشكلة التي تثيرها “الدائرة التفسيرية”. فكيف يمكن لأي مفسر يعنق حشداً من الافتراضات المسبقة الواعية واللاواعية، أن يعرف أنه ينظر للنص من منظور الله، غير متأثر بتحيزاته الشخصية؟ يصدق التفسير الجديد عندما يزعم أن النص ليس سلبياً. بمعنى أن النص ليس مجرد موضوعاً للفهم، لكن الكتاب المقدس كتاب حي، يفحص ويفسر المفسر.
كما يصدق التفسير الحديث أيضاً عندما يرضى بأن يشترك النص مع المفسر في العملية. فكما أن المسيحي الحديث لا يولد في العائلة كامل النمو، ولكنه ينمو في التقوى طوال حياته، كذلك أيضاً النمو في الفهم وتطبيق الكتاب المقدس، يستمر طوال رحلة المسيحي. لكن التفسير الجديد معيب بصورة خطرة، لأنه ينكر موضوعية الحق ويرفض السلطة المستقلة للكتاب المقدس.
رغم أن الجزء القديم من عملية التفسير (النص الموحى به) والعنصر الحديث (دور المفسر) لا يمكن الفصل بينهما، إلا أنه يمكن ويجب التمييز بينهما. فسلطة الله تقف خلف الكلمة التي تم التحدث بها في السياق القديم؛ ولكنها لا تقف خلف ما يأتي به المفسر إلى النص. الكتاب المقدس حق وسلطوي؛ لكن التفسير قد يكون كذلك أو لا يكون.
بحسب التفسير الجديد، يقفز المفسر إلى عملية دائرية دائمة في التفسير، ويتحرك فيها بواسطة عدم يقينية وتعقيدات السياق الحالي، متأثراً بالنص القديم. لكن بحسب الوسيلة التي ينادي بها هذا الكتاب، يعترف المفسر بحق ومصداقية وسلطوية الكتاب المقدس الذي أعطي في السياق القديم، ويستخدم ويوظف الإرشادات لأجل التفسير المناسب الذي يجعل النص يتحدث عن نفسه.
رغم أن المفسر لا يكون حراً على الإطلاق من تأثير السياق الحالي، إلا أن معنى النص السلطوي يكون موجوداً ويكون عليه اكتشافه. يمكن للمسيحي أن يكون واثقاً من تقدمه نحو الفهم والتطبيق السليم للكتاب المقدس، لأن المسيحي يتحرك نحو هدف ونقطة ثابتة، وليس نحو هدف متحرك بالتفسير الوجودي.
الأكثر من ذلك، يمكن للمفسر المسيحي أن يكون على يقين تام من معنى التعاليم الأساسية العظيمة للكتاب المقدس – مثل وضوح إعلان الله. إن اليقين لا يتطلب معرفة مرهقة بكل حق الله. بكلمات أخرى، يمكن للمسيحي أن يفهم حق الله ويعيش في ضوئه بدون أن يزعم أنه فهم واستوعب بالكامل كل حق الله. هذا التمييز يساعد المسيحي على تجنب الشك القوي من ناحية، على عدم التهاون في العقيدة في التفسيرات موضع الخلاف، من ناحية أخرى.
تنشأ العديد من المفاهيم والتحذيرات عند تقييم التفسير الحديث. أولاً، يجب على المفسر أن يحمي الاستقامة والسلطة المستقلة للنص الكتابي بأي ثمن. ثانياً، إن تفسير الكتاب المقدس لا يمكن أن يتم بموضوعية كاملة. ثالثاً، يجب على المفسر أن يقترب إلى النص ويتعامل معه باتضاع.
رابعاً، حيث أن المفسر ليس هو الشخص الوحيد الذي يقوم بتفسير الكتاب المقدس، فإنه يجب أن يدرك قيمة وأهمية الكنيسة في التفسير. خامساً، تفسير الكتاب المقدس هو عمل يستمر طوال الحياة، حيث ينتقل بنا الله من درجة من المعرفة إلى أخرى. سادساً، يمكن للكنيسة أن تنال اليقين بدون الحاجة لأن تفهم تفسير الكتاب المقدس كله. وسابعاً، يجب تجنب الجزم بالرأي في الأمور التي لم تتضح بواسطة الكتب المقدسة.
إن التفكير الوجودي، السائد بواسطة بارث، ثم بلتمان، وأخيراً بواسطة التفسير الحديث، لم يعد له اتجاه سائد. بل بدلاً من ذلك، ينقسم مجال النقد التاريخي بين الكثير من المناهج والاتجاهات، ليس جميعها وجودي.
ففي البحث عن نماذج جديدة لعبور الفجوة من الوثائق القديمة إلى الفكر الطبيعي المعاصر، يسعى العلماء نحو النقد الأدبي، واللغوي، وفلسفة اللغة، والعلوم الاجتماعية. لكن لم يأت منهج ما إلى وضع السيادة والهيمنة بعد. من ناحية أخرى، يتجه العديد من العلماء الإنجيليين السابقين نحو منهج بارث القديم.
رغم أن الوجوديين في القرن العشرين قد شرعوا في استعادة كلمة الله من حطام العقلانيين، فإنه بنهاية القرن أصبحوا في مثل ذلك التدمير لأية كلمة موضوعية صادقة وسلطوية من الله. ربما يكون هذا نتيجة حتمية لمحاولة بشر محدودين ساقطين أن يبحثوا في أنفسهم عن إجابات، الأمر الذي يعتبر عيب قاتل للمنهج الوجودي. ففي النهاية لا يمكن أن نهرب من الذاتية، وخاصة ذاتية المنهج الطبيعي.
مراجع مختارة للمزيد من الدراسة
أكتيميير، بول جي. An Introduction to the New Hermeneutic. Philadelphia: Westminster. 1974.
بارث، كارل. Church Dogmatics المجلد الأول، The Doctrine of the Word of God ترجمة جي تي طومسون. New York: Scribners, 1936.
برونو، إميل. Truth as Encounter. ترجمة إيه دبليو لوس ودي كارنز Philadephia: Westminster, 1964.
بولتمان، رودلف. The Problem of Hermeneutics في Essays Philosophical and Theological ترجمة جي سي جي جريج، الصفحات 234-61. London: SCM.1955.
جرونلر، وريس جوردون. Meaning and Understanding: The Philosophical Framework for Biblical Interpretation. Grand Rapids: Zondervan. 1990.
سيلفا، مويزس. Has the Church Misread the Bible? The History of Interpretation. In the Light of Contemporary Issues. Grand Rapids: Zondervan, 1987.
روبينسو، أنتوني. The Two Horizons: New Testament Hermeneutics and Philosophical Description. Grand Rapids: Eerdmans, 1980.
حيث أن الكتاب المقدس من تأليف بشري، يجب التعامل معه بنفس الطريقة التي نتعامل بها مع أية معلومات أخرى. والهدف من ذلك هو تحديد المعنى الذي كان يقصده المؤلف. لكن هناك عوائق معينة – مثل اختلافات اللغة والثقافة – تفصل بين المؤلف والقارئ.
فلكي نفهم المعنى الذي قصده المؤلف، يجب على القارئ أن يفهم السياق والبيئة التي يكتب منها المؤلف. بهذه الطريقة فقط يمكن التغلب على تأثير الاختلافات بين المؤلف والمتلقي، ويصبح في الإمكان الوصول إلى الفهم الحقيقي.
في فصول تالية سنقوم بدراسة الوسائل وتطوير المهارات اللازمة للتغلغل في سياق النصوص الكتابية، وسوف نستخدم فهم هذه الدراسة في تفسير الكتاب المقدس، وأخيراً، في تطبيقه على حياتنا. عند هذه النقطة سنقوم ببساطة بتشكيل المبدأ نفسه، وهو أن أختار الله أن يكشف عن نفسه وعن مشيئته، وليس في قائمة من الحقائق الافتراضية المدونة بلغة سماوية، بل أن يكشف عن ذلك للبشر في التاريخ باستخدام لغة بشرية.
لذلك فمن مسؤوليتنا أن ندرس الكتاب المقدس كما نفعل مع أية معلومات بشرية أخرى لكي نحدد بأكثر دقة ممكنة ما كان يقصد المؤلفون أن نفهمه ونؤمن به ونطيعه.
لكن نقوم بذلك، سوف نفكر في سياقين: السياق التاريخي والسياق الأدبي. يشمل السياق التاريخ السياق المادي والجغرافي والثقافي والأيديولوجي للمؤلفين وللناس الذي كتب إليهم. والأحداث التاريخية كذلك. ويشمل السياق الأدبي، اللغة نفسها، وأسلوب الصياغة الأدبية، والسياق المباشر للمقطع موضوع الدراسة.
صدق الكتاب المقدس
حيث أن الله هو المؤلف خلف مؤلفي الكتاب المقدس – وهو المصدر النهائي للإعلان – يجب تفسير الكتاب المقدس على أنه حق وصادق في كل أجزائه، ويجب السعي نحو وحدة كل أجزائه.
صادق في كل أجزائه
حيث أن الكتاب المقدس هو صادق في كل أجزائه، فلا يصلح تشويه تفسيره، أو رفض جزء منه لأنه يبدو أنه يتناقض مع نظرية علمية، أو مصدر تاريخي، أو نظرية معاصرة سواء في علم النفس أو علم الاجتماع أو علم الأجناس البشرية. فعلى سبيل المثال، الله هو الذي خلق العالم، فالعالم لم ينشأ بصورة تلقائية. لذلك فإن أي تفسير للأصحاحات الأولى من سفر التكوين يجب أن يتم التعامل معها على أنها صادقة، وإلا يكون المفسر قد استخدم افتراضات طبيعية مسبقة.
هل حقاً أمر الله إسرائيل أن يهلكوا شعوباً معينة، أم أن هذه فكرة موسى؟ من الذي كتب سفر إشعياء؟ هناك العديد من المقاطع التي يعتمد تفسيرها على إجابات على مثل هذه الأسئلة، لكن المفسر الذي يقبل تقييم يسوع المسيح للكتاب المقدس، يجب أن يقوم بكل تفسير على أساس الافتراض بأن الكتاب المقدس هو حق وصادق.
وحدة أجزائه
إن الكتاب المقدس هو حق بالفعل في كل أجزائه، يجب السعي إلى الوحدة الحقيقية لها بواسطة الشخص الذي سيفسر الكتاب المقدس. فيجب مقارنة الكتب المقدسة ببعضها البعض، كما يجب فحص سياق الكاتب والمتلقي الأول للكتابات. قد تثار أسئلة مثل: كيف يرتبط العهد القديم بالعهد الجديد؟ ماذا يفعل المرء بالسجلات التاريخية التي يبدو أنها لا تتفق معاً، مثل بعض الأنساب في العهد القديم أو في الروايات الخاصة بحياة يسوع في العهد الجديد؟
تتطلب عملية تنسيق ومجانسة الكتاب المقدس مهارات معينة سوف ندرسها بنوع من التفصيل في الفصل 15. لكننا يجب أن نبدأ بالمبدأ الأساسي وهو أنه حيث أن كل أجزاء الكتاب المقدس حق وصادقة. فالتناسق موجود بالفعل، ومهمتنا هي البحث عنه والعثور عليه.
إن الباحث عن الحق مسؤول عن تجميع كل ما يقوله الكتاب المقدس في موضوع معين. بل أكثر من ذلك، تعتبر مهمة جديرة بالعناء أن يسعى الباحث لربط كل التعاليم الكتابية في تفسير شامل للهيكل الكلي للحق الكتابي. سيكون جزءًا من دراستنا في الفصل 16 هو أن ندرس الإرشادات والوسائل الخاصة بتفسير الكتب المقدسة بمقارنتها ببعضها البعض، وإنشاء ترتيب شامل لعقيدة الكتاب المقدس كله (لاهوت نظامي).
في الوقت الحالي، يمكننا أن نخلص إلى أن الكتاب المقدس بأكمله هو جدير بالثقة، ببساطة لأن الله هو مؤلفه. لذلك، فليس فقط أمراً مشروعاً بل أنه من الضروري أن نسعى لإيجاد الوحدة بين جميع تعاليمه لكي نفهم مشيئة الله أكثر.
سلطة الكتاب المقدس
إن الكتاب المقدس، والكتاب المقدس وحده، هو السلطة النهائية المطلقة للإيمان والحياة. لذلك، جميع المبادئ والتقنيات المستخدمة لاستخراج معنى مقطع كتابي يجب أن تتفق مع المبدأ القائل بأن الكتاب المقدس نفسه هو السلطة النهائية. فكر معي في أربعة معان رئيسية لذلك المبدأ:
غرض الإعلان الإلهي
لقد أعلن الله عن نفسه في الكتاب المقدس لأجل غرض خلاص البشرية. وذلك “الخلاص” هو كامل – فهو يمتد منذ بداية المصالحة مع الله، وعبر تغيير المؤمن إلى الشبه الأخلاقي لله، وحتى اتحاد المحبة النهائية مع الله في الأبدية. فغرض الله هو خلاص الإنسان.
“وإنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع. كل الكتاب موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح”. (2تيموثاوس 3: 15-17).
إن قولنا أن الخلاص هو غرض الكتاب المقدس يعني أن الإعلان محدد. فالكتاب المقدس لم يعط لنا لكي يعلمنا كل شيء عن الله غير المحدود أو كل شيء عن الكون الذي خلقه. فالله لم يوحي لمن كتبوا الكتاب المقدس لكي يقدموا سجلاً محدداً للتاريخ القديم، أو حتى لكي يعلمونا كل شيء عن طبيعة الإنسان.
لذلك فإن استخدام الكتاب المقدس ككتاب دراسي في علم الأحياء أو علم النفس أو علم الاجتماع معناه إساءة استخدامه وتقويض سلطته. إلا أن الأمر الأكيد هو أنه عندما يلمس الكتاب المقدس تلك المناطق، فإنه يكون جدير بالثقة تماماً، فهو لا يعلم خطأ، لكن ليس هذا هو غرض الإعلان، بل غرضه هو مصالحة الناس مع الله، ومن خلال تلك المصالحة، يردهم لكل ما قصد الله لهم أن يكونوا.
الهدف من دراسة الكتاب المقدس
حيث أن الكتاب المقدس هو الإعلان السلطوي للحق الروحي، فإن الهدف الأول لدراسة الكتاب المقدس يجب أن يكون فهم المعنى الذي قصده المؤلف. فلكي تكون للكتاب المقدس سلطة مستقلة، يجب أن نقرر المعنى الذي قصده المؤلف.
فإن كان غرض الكتاب المقدس هو خلاصنا، فإن هذا الغرض لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تم فهم رسالة الله، وتلك هي مهمة المفسر. ومع ذلك، فإن فهم الكتاب المقدس لا يأتي بالخلاص، إذ أن الرسالة يجب أن يتم الإيمان بها وطاعتها، وتلك هي مهمة التطبيق.
لكي يكون التفسير مطابقاً لقصد الكاتب، يجب أن يشتمل على تطبيق.[1]
يمكن أن تصح معرفة وتعلم كلمة الله فقط بواسطة تغيير الحياة…. إن التعليم الوحيد الذي يمكن عن حق أن نطلق عليه “تعليم كتابي” هو الذي يركز ليس على تشغيل المعلومات، لكن على سماع صوت الله المحب والاستجابة له.[2]
باختصار، غرض الإعلان الإلهي هو خلاص الأفراد. لذلك، فكي يكون الكتاب المقدس فعالاً في خلاص الإنسان، فإن أول خطوة هي فهم المعنى الذي قصده المؤلف. أما الخطوة التالية فهي تطبيق ذلك المعنى على الخلفية المعاصرة بالإيمان والطاعة. عندها فقط سيتحقق غرض الإعلان الإلهي، ويكون الكتاب المقدس سلطوياً بالكامل في حياة الناس.
مدى السلطة
لقد رأينا حتى الآن أن سلطان الله لا يؤسس على تفسيرنا غير المعصوم للكتاب المقدس، لكن فقط على الكتاب المقدس نفسه. لكن هل هذه السلطة تستقر فقط على تعاليم الكتاب المقدس، أم أنها تمتد أيضاً إلى كلمات الكتاب المقدس؟ وإن كانت كذلك، هل تمتد إلى كل جزء من الكتاب المقدس بالتساوي؟ أولاً، افتراضنا هو أن كل الكتاب المقدس هو موحى به من الله ومعصوم من الخطأ، فليس هذا هو مكان الدفاع عن وضع الوحي اللفظي أو عصمة الكتاب.
لكن من الملائم أن نتذكر أن نماذجنا في التفسير هم يسوع المسيح والأشخاص الذين كتبوا العهد الجديد. فقد تعاملوا مع العهد القديم ليس فقط على أنه ذو سلطان، بل على أنه بالكامل جدير بالثقة كذلك –حتى بالنسبة لكل كلمة فيه. ونحن باتباعنا لذلك النموذج، فإننا نؤكد أن سلطة الكتاب المقدس تغطي الكلمات كما تغطي المفاهيم. بعض المفسرين يؤكدون على صدق مفاهيم الكتاب المقدس، بينما يعتقدون أن بعض الكلمات بها خطأ.
لكن لا يوجد معنى بدون كلمات تصدق في المعنى وتتفق معه. الأكثر من ذلك، فإن لاهوت “المفهوم الموحى به” يتعدى على السلطة المستقلة للكتاب المقدس. فمعايير التمييز بين المعاني أو المفاهيم الحقيقية، وبين الكلمات غير الصادقة التي من خلالها يتم تقديم المعنى، تنقل السلطة إلى تلك المعايير أو للشخص الذي يستخدمها.
يستخدم جون وورويل مونتجمري تشبيها بالوثيقة القانونية لكي يوضح هذه النقطة، فيقول:
بخصوص تفسير الوثائق القانونية عامة، قدم اللورد بيكن هذه الحكم الصادقة:
“إن التفسير الذي يبتعد عن حرف النص لا يعتبر تفسيراً بل تكهناً”.
“عندما يبتعد القاضي عن الحرف فإنه يتحول إلى مشرع.”
يشرح السير رولاند بوروز هذه النقطة بوضوح يثير الإعجاب:
“يجب على المحكمة أن تعنى بألا يستخدم الدليل لإتمام وثيقة تركها أحد الأطراف غير كاملة، أو بأن تناقض ما قاله هذه الطرف، أو بأن تثير الشكوك، التي بدون ذلك لا تكن موجودة؛ أما بالنسبة للتفسير، فإنه يكون مقصوراً دائماً على تلك الأمور، مما يساعد المحكمة على الوصول إلى معنى الكلمات المستخدمة، وبالتالي أن تعطي سلطة للمعنى المقصود كما يتم التعبير عنه.”
كما هو الحال بالنسبة للرغبات والأفعال والقوانين، المفسر الأمير للكتاب المقدس يقوم بتفسير النص بطريقة تعطيه “شرعية وليس عدم شرعية”؛ ويعمل” بافتراضات ضد السخف ومنافاة العقل”؛ وبمجرد أن يتم تقرير المعنى الواضح للنص، فإنه يقبل تطبيقه وتفعيله في حياته “رغم أن النتائج قد تبدو قاسية أو غير عادلة أو غير مناسبة.” (سي إي أودجرز، The Construction of Deeds and statutes الطبعة الرابعة، 1956، الصفحات 186، 188).
إن المفسر المسيحي المؤمن لوصايا الكتب المقدسة سيفترض أنه بالإشارة إليها أيضاً “كل جزء من وصية يعني شيئاً، ويجب أن يعطى السلطة وأن يتناغم، إن أمكن، بربطه ببقية الأجزاء الأخرى كلها.” (إف إتش تشيلدز)؛ ويقوم بتفسير العهد القديم دائماً في ضوء العهد الجديد على أساس أن “التعبير الأخير عن الوصية هو الذي يغلب”.[3]
لكن على الرغم من أن الكتاب المقدس كله هو من الله، وبالتالي فهو أهل للثقة، إلا أن ليس كل الكتب المقدسة لها سلطة متساوية بالنسبة لطاعة المسيحيين في عهد الكنيسة. سوف نقوم بمناقشة هذا المبدأ بنوع من التفصيل عند دراسة مبادئ تطبيق الكتاب المقدس في الفصل 19.
الكتاب المقدس نفسه، كالسلطة النهائية، يجب أن يحدد أي جزء منه هو الذي له الدوام والعمومية في التطبيق، وأي جزء هو المحدود. فإذا تم التمييز بين التطبيق العام والمحدود بواسطة أي مبدأ أو شخص آخر. فإن ذلك المبدأ أو الشخص يصبح هو السلطة، مستبدلاً بذلك الكلمة الأخيرة للكتاب المقدس عن نفسه.
الحدود المتضمنة في مبدأ السلطة.
تضع سلطة الكتاب المقدس حدوداً معينة على مبادئ سياق المؤلف ووحدة الكتب المقدسة. لو لم يكن هذا صحيحاً، لما كان الكتاب المقدس نفسه هو السلطة النهائية. فدعونا نلقي نظرة على تلك الحدود.
حدود السياق البشري.
كما أشرنا من قبل، حيث أن الكتاب المقدس قد جاء إلينا من خلال مؤلفين من البشر، فإن المفسر يتعامل حتمياً مع سياقين: (1) إنه يسعى لفهم سياق الذين كتبوا الكتاب المقدس بأفضل طريقة ممكنة، و(2) يسعى أيضاً لتفسير وتطبيق الحق الكتابي في ضوء السياق المعاصر.
غالباً ما يتم دمج هذين الأمرين ومن المعتاد أن يحدث تداخل بينهما. السؤال المفتاحي هو: كيف يمكن استخدام هذه الأدوات المفيدة والمشروعة لفهم الكتاب المقدس بدون التعدي على سلطة الكتاب المقدس؟ وعلى أي أساس يقوم المرء بالتمييز بين الرسالة السلطوية والدائمة للمؤلف، وبين السياق التاريخي المؤقت؟
هناك عدة مناهج تم اقتراحها للقيام بذلك. البعض يعتقد أن التعليم يجب أن يتم الإيمان به وطاعته إن كان في نظام الخليقة أو من طبيعة الله (مثلاً، المحبة). فإن لم يكن التعليم الكتابي في نظام الخليقة أو من طبيعة الله، فيمكن افتراض أنه تعليم مؤقت مقصور على الشكل الثقافي الانتقالي أو على سياق تاريخ محدد. وهنا يجب على المفسر في العصر الحاضر أن يحرر الحق الباقي لكي يتم تطبيقه او رفضه اليوم.
بينما يعتقد آخرون أن أي أمر يرتبط بمبدأ عام، أو مطلب أخلاقي يُطلب من كل الثقافات في أي وقت (مثلاً، عدم السرقة)، يمكن تطبيقه بصورة عامة بسلطة مشيئة الله الأكيدة، لكن التعليم الخاص الذي يكون محدوداً بثقافة معينة، قد لا يتم تطبيقه بهذه الصورة. فالأوامر الخاصة بالدور في علاقات الزواج هي أمور خاصة محدودة بالثقافة، يمكن ألا يتم تطبيقها بسلطان على أنها مشيئة الله الأكيدة في كل الثقافات وفي كل الأزمان.[4]
كما أن هناك آخرون يقولون إن التعليم الذي يكون أخلاقياً بالفطرة ولاهوتياً هو التعليم السلطوي، لكن التعليم غير الأخلاقي وغير اللاهوتي لا يكون له بالضرورة نفس السلطة.[5]
المشكلة في كل من هذه المناهج هي، كيف يمكن للمرء أن يقرر؟ حيث أن الكتاب المقدس لم يعطنا مثل هذا الأساس لتفسيره، ربما يغتصب المفسر لنفسه، عن غير عمد، سلطة الكتاب المقدس، عن طريق فرض معاييره الخارجية الخاصة بما هو تعليم مقبول وسلطوي، وما هو تعليم يمكن الاستغناء عنه. هذه مشكلة حقيقية، وحلها ليس سهلاً. لكن المبدأ الثابت الذي يضع حدوداً صارمة على الفهم الثقافي هو سلطة الكتاب المقدس نفسه.
عند هذه النقطة دعونا نميز بين التفسير والتطبيق. المهمة الأولى هي أن نفسر، أي أن نحدد بثقة المعنى الذي قصده المؤلف. لأجل ذلك، يكون الفهم الثقافي مهماً في تفسير النص وإلقاء الضوء عليه. أما عند القيام بتطبيق النص على خلفية معاصرة، فمن الضروري أن نفحص المبدأ العام الذي يكمن خلف أي تعليم محدد. بهذه الطريقة يمكن للباحث أن يقرر ويطيع مشيئة الله كما هي معلنة في كلمة الله السلطوية.
فكر في مثال تم التلميح إليه من قبل “أيتها النساء أخضعن لرجالكن”. (أفسس 5: 22) إنها وصية واضحة بما يكفي. لا يصلح أن نقول إن هذه عبارة مشروطة ثقافياً، لذلك فهي لم تعد تطبق. فقولنا هذا يعني أن الوصية التالية كذلك “أيها الأولاد اطيعوا والديكم” (أفسس 6: 1)، يجب التعامل معها أيضاً بصورة نسبية، والوصية الأولى بطاعة الله، يمكن أن تعاني من نفس هذا المصير.
إن المعنى الذي يقصده بولس لأي ملاحظ موضوعي هو شديد الوضوح. وهذا المعنى لا يمكن تغييره من خلال التفسير إذا كان المفسر يدرك السلطة المستقلة لكلمة الله. لكن عندما يأتي الأمر إلى التطبيق، فإن الطريقة التي يعلم بها الكتاب المقدس عن دور الزوج كرأس للبيت تختلف بالتأكيد من ثقافة لأخرى. فعلى سبيل المثال، سيسود بالتأكيد في البيت الأمريكي جو أكثر ديموقراطية مما في البيت الياباني، بينما يكون كل منها طائعاً للتعليم الكتابي الواضح.[6]
إن عملية تمييز المبدأ من وراء التعليم الكتابي المشروط ثقافياً هو أمر مشروع وضروري للغاية في تطبيق الكتاب المقدس على الإيمان والطاعة في الوقت الحاضر. هذا الأمر لا يتعدى على سلطة الكتاب المقدس، لكنه يحققها. من ناحية أخرى، فإن استخدام هذا المنهج في التفسير بحيث يتم استبعاد المعنى الواضح، يقوم باستبدال النص السلطوي بالفهم الثقافي المعاصر.
وهذا الأمر لا يتعدى فقط على سلطة الكتاب المقدس، ولكنه يصبح أداة يمكن بها إساءة استغلال تعاليم الكتاب المقدس بتحويلها إلى أي صيغة تقريباً يرغب فيها المفسر.
حدود السعي لوحدة الكتاب المقدس كله.
يضع مبدأ سلطة الكتاب المقدس حدوداً معينة على تنفيذ مبدأ معاملة الكتاب المقدس باعتباره معلومات بشرية مفهومة. كما يضع حدوداً أيضاً على المبدأ القائل بأن المفسر يجب أن يسعى لتناغم واتساق تعاليم الكتاب المقدس. وسوف نقوم فيما بعد بدراسة الإرشادات والوسائل التي تعمل على تناسق وتوافق الكتاب المقدس (الفصلان 15-16).
أود أن أقول باختصار أن سلطة الكتاب المقدس يتم التعدي عليها بوسيلتين أساسيتين بواسطة أولئك الذين يعملون على التوفيق بين مقاطع تبدو أنها غير متفقة في التعليم:
1 – يتم تفسير المقاطع بصورة منافية للمنطق، وبتفسيرات غير أكيدة، أو يتم جعل التركيز الكتابي الثانوي يسود على المقاطع الواضحة المعنى أو على التعليم الأكثر شمولية. فعلى السطح، يبدو أن الوسيلة تسمح ببساطة للكتاب المقدس بأن يقارن نفسه بنفسه، لكن عندما يتم جعل تعليم غير أكيد يسود على الإعلان الأكثر وضوحاً، يكون عندها المفسر أو تفسيره هو السلطة النهائية.
2 – يقوم المفسر بالتعدي على سلطة الكتاب المقدس من خلال الاستنتاج المنطقي من التعليم الكتابي الواضح. هذا النوع من الاستنتاج يتعدى على سلطة الكتاب المقدس عندما: (1) يتم التعامل معه باعتباره حق معصوم من الخطأ؛ أو الأسواء، (2) عندما يتم تحويله ضد تعليم كتابي آخر واضح للكتاب المقدس. عندئذ يصبح وضعاً فلسفياً خارج الكتاب المقدس، والذي يتم استخدامه لتشويه القصد الواضح لمؤلفي الكتاب المقدس.
لكن لكي يتم فهم كلمة الله والإيمان بها وطاعتها، يجب أن تسود سلطة الكتاب المقدس وتتفوق هي وحدها.
[1] ويليام لاركن Faculty Handbook (Columbia, S. C.: Columbia Bible college and Seminary, 1990) صفحة 3.
[2] لاري ريتشاردز، Church Teaching: Content Without Context Christianity Today 15 أبريل 1977، صفحة 16.
[3] جون ورويك مونتجومري، Testamentary Help in Interpreting the Old and New Testaments Christianity Today، 5 مايو 1978، صفحة 55.
[4] تشارلز إتس كرافت، Interpreting in Cultural Context Journal of the Evangelical Society، ديسمبر 1978، صفحة 257.
[5] جوردن في، The Genre of thw New Testament Literature and Biblical Hermeneutics, in Interpreting the Word of God، تحرير صمويل جي شولتز وموريس إيه إنش (Chicago: Moody, 1976) صفحة 133.
[6] انظر جي روبرتسون ماكويلكن، The Limits of Cultural Interpretation, Journal of the Evangelical Theological Society, June 1980، صفحة 113.
لا يمكن لله أن يكذب، لذلك لا توجد تناقضات في فكر الله. وحيث أن كل الكتاب المقدس هو موحى به من الله، فإنه جدير بالثقة. في ضوء هذا الافتراض الأساسي، تصبح كل المحاولات التي تبذل لتوفيق جميع تعاليم الكتاب المقدس بشأن موضوع ما أو إعداد نظام منهجي شامل لكل تعاليمه، هي محاولات سليمة وفي موضعها الصحيح.
ليس فقط الدراسة النظامية للكتاب المقدس سليمة، لكنها ضرورية. فعلى سبيل المثال، إنه أمر ضروري بالنسبة للاهوتي أن يدرس كل أجزاء الكتاب المقدس التي تصف طريق الخلاص. فإذا قام بأخذ مقطع معين، وفصله عن بقية المقاطع الأخرى التي تتعامل مع كيفية خلاص الشخص، وبنى عليه مبدأ للخلاص، ستكون النتيجة تشويه حق الله الخاص بالخلاص. لذلك فإن الدراسة المنظمة للاهوتي ليست فقط أمر سليم وضروري، لكن لها أهمية عظمى لفهم معنى الكتاب المقدس. فالجهود التي تبذل لتنسيق وتجانس ووحدة الحق في المقاطع المختلفة التي تتحدث عن موضوع معين هي سليمة ومطلوبة للمعلم والواعظ كما هي بالنسبة للاهوتي.
إن تركيب التعليم الكتابي ليس فقط صحيح، وضروري، ومهم؛ ولكنه حتمي كذلك. وحيث أن كل شخص يتعامل مع أية وثيقة مكتوبة بمجموعة من الافتراضات المسبقة، بالمثل، يتعامل المسيحي مع الكتاب المقدس من خلال هذه النظارات الفكرية. بل الحقيقة أنه لا يستطيع أن يقبل إلا الأفكار التي تتفق بصورة ما مع نظام تفكيره الممنهج الموجود في عقله بالفعل. لذلك ليس فقط جميع المسيحيين لاهوتيين، بل أن كل الناس لاهوتيين. الاختلاف الوحيد هو أن البعض يكونون لاهوتيين أفضل من غيرهم.
يصف إيرنست بيست هذا الاتجاه اللاهوتي العام لدى جميع الناس قائلاً:
كل تفسيرات الكتاب المقدس يتم التحكم فيها بواسطة لاهوت الشخص الذي يفسر. قد لا يكون صحيحاً أن هناك مفسر معين له وضع لاهوتي مستقيم ثابت؛ إذ أن لاهوته ونظرته العالمية تتحكم دائماً في تفسيره.[1]
إن كان صحيح أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، وأن الفكر البشري يسعى باستمرار إلى علاقة متسقة بين الأفكار المقبولة بشأن معتقد معين، فما هو المنهج الذي يجب استخدامه لتجنب الخطأ في اكتشاف المعنى الحقيقي للكتاب المقدس؟ كيف يمكن للشخص أن يعمل من خلال متاهة مفاهيمه المسبقة ومفاهيم المفسرين الآخرين للكتاب المقدس، لكي يتوصل إلى الرسالة التي يعلنها الله في الكتاب المقدس؟ الإجابة على هذين السؤالين ستكون هي الجزء الرئيسي من هذه الدراسة في الفصلين 15 و16.
إن عملية تركيب التعليم الكتابي معاً تشبه استخدام العالم للاستقراء والاستنتاج. يبدأ المفسر بمقطع معين، فيثبت المعنى الذي يقصده المؤلف. ثم يقوم بهذه العملية مع جميع المقاطع الأخرى التي تتعالم مع نفس الموضوع والموضوعات المرتبطة به، سعياً للربط بينها في وحدة شاملة. يقوم المفسر بعد ذلك بصياغة نموذج معقول، أو فرضية ما، واثقاً من الوحدة النهائية للكتاب المقدس. ويصبح هذا النموذج بالتالي أساساً لدراسة مقاطع أخرى. النموذج الذي يتم فحصه بدقة، واعتناقه باقتناع، يصبح نظاماً لاهوتياً يفهم به المفسر الكتاب المقدس.
لكن الوصول إلى نظام ليس خطوة نهائية في التفسير، لأن تفسير الكتاب المقدس هو عملية تستمر طوال الحياة. كما أن الكتاب المقدس يجب دائماً أن يتحكم في النظام؛ فيجب ألا يسمح للنظام أن يتحكم مطلقاً في الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، يكون المفسر مسؤولاً إما أن يدمج كل التعليم الكتابي داخل نظامه، أو أن يتخلى عن النظام. بالإضافة لذلك فإن عناصر النظام التي لا يمكن التحقق منها بواسطة البرهان الكتابي المباشر يجب التعامل معها باتضاع باعتبارها غير نهائية.
لذلك فإن هناك استخدام مشروع لنظام ما للمبادئ في دراسة الكتاب المقدس. لكن تنشأ المشكلة عندما يصبح النظام نفسه هو السلطة، فيجلس للحكم على السلطة المستقلة لأي مقطع من مقاطع الكتاب المقدس. يساء تفسير الكتاب المقدس عندما يستخدم المفسر الافتراضات العقائدية للنظام، لإجبار المقطع على الاتفاق مع العقيدة، بدلاً من أن يعدل العقيدة لكي تتفق مع الكتاب المقدس.
بسبب الحماسة المعطاة من الله لكل من العلماء والعلمانيين على السواء عبر العصور، لفهم كل حق الله، قام الناس في البداية بإنشاء ما يبدو بالنسبة لهم أنظمة متسقة متجانسة، وبعد ذلك قاموا بتفسير كل مقاطع الكتاب المقدس على أساس أنظمتهم. يسمى ذلك المنهج العقائدي، والافتراضات المسبقة للتفسير العقائدي هي هذه: كل تعاليم الكتاب المقدس هي من الله، ويجب أن ينظر إليها كوحدة متناسقة. بعد أن يتم اكتشاف هذه الوحدة المنظمة، يجب أن يتفق معها تفسير معين.
يتكون إطار العمل العقائدية من مواد موجودة في الكتاب المقدس ومن استنتاج منطقي مبني على بيانات الكتاب المقدس. عندها يتم جعل كل مقطع كتابي يتفق مع ذلك النظام. لهذا السبب، توقف كثيرون من العلماء في السنوات الأخيرة عن الحديث عن تفسيرات، أو عن مجموعة من الإرشادات التي يمكن بها للشخص أن يفسر الكتاب المقدس. بل أصبحوا يتحدثون عن تفسير في صيغة المفرد. هذا يعني أن الشخص يعترف بصراحة ليس فقط بافتراضاته المسبقة بل بنظامه الكامل، ثم على أساس ذلك النظام يسعى لفهم الكتاب المقدس. يوجد لدينا اليوم التفسير الجديد، والتفسير الكالفيني، والتفسير الإعفائي، والكثيرون غيرهم.
لكن، رغم أني قلت في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا كان أساس التفسير في العصور الوسطى كذلك:
خلال العصور الوسطى، كان الكثيرون، حتى رجال الدين، يعيشون في جهل عميق بالكتاب المقدس… وقد أصبح مبدأ قائماً، أن تفسير الكتاب المقدس يجب أن يكيف نفسه على التقليد وعلى عقيدة الكنيسة. وقد تم اعتبار أن ذروة الحكمة هو أن يعاد استخراج تعاليم الآباء، وأن يتم العثور على تعاليم الكنيسة في الكتاب المقدس… بل أن حتى هوجو من سانت فيكتور قال: “أعرف أولاً ما يجب أن تؤمن به، ثم اذهب بعد ذلك إلى الكتاب المقدس لكي تعثر عليه هناك”.[2]
في منتصف القرن السادس عشر أنشأ مجمع ترنت المنهج العقائدي باعتباره أنه الافتراض التفسيري الرسمي للكنيسة الرومانية الكاثوليكية. وقد أقر المجمع بأن كلاً من الكتاب المقدس والكنيسة معصومان من الخطأ، مما جعل بدوره عقيدة الكنيسة هي العامل المتحكم في التفسير.
لكن ماذا عن المصلحين؟ يوجد تفسير واحد فقط لنظرة لوثر المتدنية لسفر يعقوب. كان نظام لوثر الأساسي موجود في رومية 1: 17، وحيث أن سفر يعقوب ابتعد عن ذلك المعيار، كما فهمه لوثر، فقط كان السفر بالنسبة له “رسالة ضالة”.
هل يمكن بواسطة أي مبدأ كتابي في التفسير، أن تعني الآية الموجودة في يوحنا 3: 16: “لأنه هكذا أحب الله المختارين”؟ يبدو أنه لا يمكن أن يكون هناك مثل هذا التفسير، إلا على أساس افتراضات عقائدية، أي بواسطة نظام تم إنشاؤه بحيث يصبح معنى ذلك المقطع مختلفاً عن معناه الواضح والعادي. وبالمثل، يمكن لنظام ما أن يُستخدم لاستبعاد التوبة كمطلب يسبق قبول الله للإنسان، أو استبعاد الصلاة الربانية عن أن تكون ملائمة لشفاه المسيحيين.
وهكذا فغن النظام يحدد المعنى. يتحدث ميلتون تيري عن قضية التفسير على أساس افتراضات عقائدية مسبقة، فيقول:
عندما يفترض أحد اللاهوتيين وجهة نظر لعقيدة كنسية، ومن ثم يستكمل بمهاترة للبحث عن نص وحيد في الكتاب المقدس مفضل لديه أو غير مفضل لدى خصمه، يكون الأرجح كثيراً أن يبالغ في الأمر. فقد تكون عقيدته في مثل صدق الكتاب المقدس نفسه؛ لكن وسيلته مرفوضة. شاهد مثلاً النزاع بين لوثر وزوينجلي حول مسألة اتحاد جسد المسيح ودمه بالخبز والخمر عند ممارسة العشاء الرباني، والأدب الجدلي للمبادئ المتناقضة، ومشاحنات الكالفينيين، والخلافات الخاصة بالأسرار المقدسة.
تجد أن الكتاب المقدس كله قد تم نهبه ومعاملته كما لو كان مجموعة نصوص شديدة الصغر من الأدلة العقائدية…. لكننا يجب أن نتذكر أنه لا يوجد دفاع سليم، ولا مبدأ أكيد، يرتكز على وسائل غير نقدية، أو يتقدم على أساس افتراضات عقائدية. فمثل هذه الإجراءات ليست عرضاً للحقائق بل فرضاً لها.[3]
وهكذا يتجه المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس إلى التطرف، تكون له نتائج غير مرغوب فيها على الإطلاق، إذ لا يصبح الكتاب المقدس هو مصدر سلطته الخاص. فعلى الرغم من أنه قدم المادة الخام التي تم بناؤها داخل النظام، إلا أن قدراً كبيراً كذلك من الاستنتاج المنطقي تم بناؤه أيضاً في النظام. هذا الهيكل النظامي إذاً يتم فرضه على أي مقطع في الكتاب المقدس، وبذلك يصبح هو السلطة التي بها يُستبعد المعنى الطبيعي للمقطع.
إن المنهج العقائدي كما يتم تعريفه هنا، رغم أنه يقبل كلاً من السمات الطبيعية وفوق الطبيعية في الكتاب المقدس، إلا أنه يعوق الدراسة الموضوعية الساعية نحو تحديد المعنى الذي يقصده المؤلف. وفي النهاية، يمكنه أن يثبط أي تفسير جيد. بل أنه يمكن أن يستبدل السلطة المستقلة للكتاب المقدس بسلطة نظام من صنع إنسان.
توجد ثلاثة مصادر مثالية للعقيدة التي تتحكم في التفسير. إذ يتم تحقيق الترابط المنطقي – سواء بين تعاليم الكتاب المقدس أو في موقف الفرد الشخصي – بواسطة الخضوع غير النقدي للعقيدة النابعة من واحد من المصادر الثلاثة التالي: التقليد، مسيحي آخر، أو الاختبار الشخصي.
التقليد
يمكن أن ننظر للتقليد إما بصورة إيجابية أو سلبية. فكعقيدة أو نظام عقائدي تم تبنيه بواسطة كيان مسيحي وتم نقله لأجيال متعاقبة، يساعد التقليد في إظهار الحقائق التي صمدت في اختبار الزمن. كما أنه يقدم لكنيسة اليوم فهماً للكنيسة التاريخية. فكم يكون صعباً بالنسبة للمسيحيين لو أنه كان على كل جيل جديد أن يفكر ويقرر بشأن أمور مثل تعريف الثالوث، والعلاقة بين البشرية والإلهية في المسيح، أو التبرير بالنعمة من خلال الإيمان. تاريخياً، قاد الروح القدس الكنيسة في تأسيسها للتفسيرات التي صمدت في اختبار الكتب المقدسة في ذلك الوقت، ثم صمدت الآن في اختبار الزمن.
إلا أن التقليد يمكن أيضاً أن يعوق التفسير الأمين للكتاب المقدس إذا كانت التفسيرات التقليدية قد تم تبنيها دون مبرر كتابي سليم. فالافتراضات الموروثة غير الممحصة تعمل غالباً كمجموعة من الغمامات التي توضع على الأعين والتي تمنع المسيحيين من رؤية ما يقع خارج مجال رؤيتهم من الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، فإن الرؤية المحدودة تشوه ما يتم رؤيته.
إن نظام العقيدة الموروث يحتاج أن يتم تعديله وإصلاحه بإخضاعه تحت السلطة القوية الصارمة للكتاب المقدس – فنسمح للكتاب المقدس أن يتحكم في إيمان الشخص وسلوكه حتى عندما يبدو أن مقطع معين لا يتفق مع النظام. رغم أنه يكون هناك توكيد ويقين أكثر عندما يشترك كثيرون من المؤمنين الآخرين في اعتناق نظام ما، إلا أن هذا لا يعني أن كل مسيحي يجب أن يتفق تماماً مع نظام تقليدي معين، مثل نظام العهد، أو النظام الإعفائي، أو الكالفيني، أو الأرميني، أو اللوثري، أو التجديدي. فكل إنسان له نظام، سواء يعمل بصورة ظاهرة أو ضمنياً فقط. لكن أياً كان النظام، سواء كان تقليد موروث أو بنية شخصية، يجب القيام بالتفسير بصرامة تحت إشراف سلطة الكتاب المقدس المستقلة.
مسيحي آخر
المنهج العقائدي في التفسير الأقل تبريراً يحدث عندما يقبل المرء تعليم شخص آخر بصورة غير نقدية، مثل تعليم معلم أو راع مهاب. فالسماح لشخص ما بأن يقيم عقيدة أو تفسير كتابي دون افتراض المسؤولية الشخصية في الفهم والثقة والطاعة لتعاليم الكتاب المقدس، قد يأتي نتيجة لواحد من دوافع متعددة. فمحبة القائد الذي يوكل إليه مسؤولية تفسير الكتاب المقدس أو الإعجاب به قد يقود إلى الاستبعاد غير النقدي للمسؤولية الشخصية. يكون هذا الأمر سهلاً عندما تكون معرفة القائد الموثوق به أكثر كثيراً من معرفة التابع، وخاصة عندما يشجع مثل هذا القائد على مثل هذه النوعية من العلاقة، أو يتوقعها كمطلب من متطلبات “التلمذة” أو “الولاء”. إذ أنه يوجد شعور بالأمان في قبول القائد للتابع أو لجماعة التابعين.
بالطبع، يمكن للمرء أن يتنازل عن مسؤوليته نتيجة الكسل – غير راغب في أن يبذل جهداً لكي يفهم ويطبق الكتاب المقدس هو شخصياً. فالخيط الدقيق بين التعلم باتضاع من الشخص الذي لديه معرفة، والسماح لذلك الشخص بأن يبني عقيدة، قد لا يكون من السهل دائماً تمييزه. لكن كل مؤمن مسؤول أن يبذل أقصى جهده لكي يأتي بأفكاره وحياته تحت السلطة المباشرة للكتاب المقدس.
قد لا تكون المشكلة فيما يتم الإيمان به، بل في كيفية التوصل إلى هذا الإيمان. فإذا كان أي مسيحي يتمسك عقائدياً بتفسير للكتاب المقدس، لمجرد أن شخصاً آخر قدمه – بغض النظر عن مدى احترام ومهابة هذا الشخص – فإن الكتاب المقدس عندئذ لم يعد يعمل باعتبار أنه السلطة الوحيدة في هذه الحياة. فسلطة كل القادة المسيحيين هي سلطة مأخوذة ومستمدة؛ لكن سلطة المسيح وحده من خلال كلمته هي السلطة المطلقة.
الاختبار الشخصي
أما الاتجاه الثالث الخاطئ للمنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس فهو السماح للاختبار الشخصي بأن يبني عقيدة. فعندما ننظر بطريقة إيجابية إلى اختبار المسيحي مع الله، نجد أنه يدفعه للرغبة في معرفة المزيد عن الله. وكلما وثقنا في الله وأطعناه أكثر، كلما أظهر أمانته نحونا أكثر. لكن اختبار المسيحي يمكن أن يصبح عائقاً في طريق التفسير الكتابي السليم. ففي النهاية يكون الكتاب المقدس وحده هو السلطوي وليس التقييم الذاتي لاختبار الشخص مع الله.
فعلى سبيل المثال، يصحب اختبار التجديد دائماً أفكار معنية عن الخطية، وعن شخص يسوع المسيح، وعن عمل الروح القدس، وعن أهداف الكنيسة. لكن لو في وقت لاحق رفض المسيحي أن يغير من آرائه في ضوء الشهادة الكتابية، قائلاً، “إني أعرف أن ما كنت أؤمن به دائماً هو الصواب لأني اختبرته”، أو “كان الله يعمل في حياتي عندئذ، لذلك فأنا أعلم أنه لا بد وأن يكون صحيحاً”، عندها يكون الاختبار الشخصي قد أصبح سلطة. لكن لا بد أن نفسر اختبارنا بواسطة الكتاب المقدس وليس أن نفسر الكتاب المقدس بواسطة اختبارنا.
في تطوير تفسير خاص لمقطع كتابي أو لنظام شخصي للعقيدة، لا بد أن نقوم بذلك باتضاع عظيم. فإن أقل ما يقال عن ابتعادنا عن الحكمة العامة للكنيسة، هو أنه أمر خطير. فعلى الرغم من المفاهيم المعاصرة للحكم الذاتي للفرد، إلا أن الروح القدس يقود كنيسته بطريقة لا يمكن للفرد المستقل أن يدعيها بثقة. وإذ قد أشرنا إلى ذلك، نقول إنه يجب على كل منا أن يعطي حساباً عن كيفية تعامله مع الكتاب المقدس: “اجتهد أن تقيم نفسك لله مذكى عاملاً لا يخزى مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة” (2تيموثاوس 2: 15).
لقد قمنا بفحص أربعة مناهج لتفسير الكتاب المقدس، يمكن أن تقود دارس الكتاب المقدس إلى الضلال، وهي: المنهج فوق الطبيعي، بتفسيراته الرمزية أو السرية؛ والمنهج الطبيعي، بتفسيراته العقلانية؛ والمنهج الوجودي، بمزيجه غير النافع بين الطبيعي وفوق الطبيعي؛ والمنهج العقائدي، الذي يفسر كل مقطع كتابي على أساس افتراضات عقائدية مسبقة. لاحظ أن كلاً من هذه المناهج مبني على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس: أي أنه فوق طبيعي، وإنه طبيعي، وإنه يجب تطبيقه، وإنه متسق ومترابط – أي أن كل تعاليمه تتفق معاً في وحدة متكاملة. المشكلة هي أن كلاً من المناهج قد ركزت على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس، ولكنها تجاهلت كون بقية الافتراضات الأخرى صحيحة كذلك. لذلك فالحل هو أن نتعامل مع الكتاب المقدس بجميع الافتراضات التي يعتقدها عن نفسه.
هذه الافتراضات الكتابية تتضمن مبادئ معينة سنقوم بالتعرف عليها الآن. بعد ذلك، سوف نناقش الإرشادات التي تنشأ عن تلك المبادئ.
مراجع مختارة للمزيد من الدراسة
بيركوف، لويز. Principles of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1950.
براجا، جيمس. How to Study the Bible. Portland, Oreg.: Multnonah, 1982.
كارسون، دونالد إيه. Exegetical Fallacies. Grand Rapids: Baker, 1984.
إفيرد، جيمس إم. How to Interpret the Bible. Atlanta: John Konx, 1984.
فيك، جوردون دي، ودوجلاس ستيوارت. How to Read the Bible for All Its Worth. Grand Rapids: Zondervan, 1981.
فيرجاسون، دانكان إس. Biblical Hermeneutics: An Introduction. Atlanta: John Knox, 1986.
إنش، موريس إيه، وسي هازل بولوك، محرران. The Literature and Meaning of Scripture. Grand Rapids: Baker, 1981.
لونجنيكر، ريتشارد. Biblical Exegesis in the Apostolic Period. Grand Rapids: Erdmans, 1975.
كيرلي، إف فورمان، وإدوارد بي ميرز، وتيموثي دي هادلي، محررون.Biblical Interpretation: Principle and Practice. Grand Rapids: Baker, 1986.
ميكسلن ،إيه باركلي. Interpreting the Bible, Grand Rapids: Eerdmans, 1963.
رام، بيرنارد. Protestant Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1970.
شولتز، صامويل، وموريس إيه إنش. Interpreting the Word of God Today. Chicago: Moody, 1976.
سبرول، أر سي. Knowing Scripture. Downers Grove, Intervarsity, 1977.
تيري، ميلتون. Bible Hermeneutics طباعة. Grand Rapids: Zondervan, 1974.
ستوت، جون آر. Understanding the Bible طبعة ثانية. Grand Rapids: Zondervan, 1985.
فيركلر، هنري إيه. Hermeneutics: Principles and Processes of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1981.
[1] انظر إيرنست بست، From Text to Sermon: Responsible Use of the New Testament in Preaching (Atlanta: John Knox, 1978)، الصفحات 97-99.
[2] لويز بيكوف، Principles of Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1950)، صفحة 23.
[3] ميلتون إس تيري، Biblical Hermeneutics (Grand Rapids: Zondervan, 1974)، صفحة 172.
الكتاب المقدس في فكر آباءنا القديسين أنطونيوس وأثناسيوس [1]
الكتاب المقدس في فكر آباءنا القديسين أنطونيوس وأثناسيوس
الكتاب المقدس في فكر آباءنا القديسين أنطونيوس وأثناسيوس
د. وهيب قزمان
هل كان الكتاب المقدس أداة في يد القديس أثناسيوس، كأي أداة يستلهمها الأديب أو الفنان في عمله؟ أم أنه يا ترى كان يتغلغل في كل نسيج كتاباته وآليات فكره؟ فيمكن أن نلاحظ أن الكتاب كان يتأصل في فكره وقلبه، قبل أن يتحول إلى وسيلة دفاعية في كتاباته. كان القديس أثناسيوس الرسولي يعيش الكتاب فكرًا وقلبًا حقًا، وحين أقتضت الضرورة أن يصيغ فكره اللاهوتي والكتابي، كان الكتاب سباقًا في تشكيل وتحديد معالم فكره، وصبغ التعليم اللاهوتي والأخلاقي لديه[2].
كيف استخدم أثناسيوس الكتاب المقدس؟
لا يمثل القديس أثناسيوس النخبة الفكرية فقط، بل و”الأغلبية الصامتة” لمسيحيي الأسكندرية، الذين وضعوا رجاءهم في خلاص المسيح، دون أن يشغلوا بالهم بأي شيء آخر. أي أن القديس أثناسيوس كرّس اهتمامه كلاهوتي في الشأن الكنسي والرعوي، أكثر منه في الجانب الجدلي والنظري.
رغم أن القرن الرابع إشتهر بصراعاته الفكرية واللاهوتية الحادة أحيانًا، والسياسية أحيانًا أخرى. لكن القارئ المدقق لنصوص القديس أثناسيوس أو غيره من كُتاَّب تلك الفترة يجد تركيزًا من جانبهم على “إلتماس وجه الله”، وإن تباينت الأسباب. ورغم تبوأهم لمراكز السلطة الكنسية، سواء كانوا أساقفة أم من المقربين للقصر إلا أنهم وفي مجال الدولة والسياسة كان شغلهم الشاغل أيضًا، هو التماس وجه الله. وذلك ما توضحه أحدث الدراسات في تفكيرهم الكتابي[3].
كان الجدل حول الله، وبصفة خاصة حول علاقة يسوع المسيح، الكلمة المتجسد بالله الآب. هذا الجدل كان جزءًا لا يتجزأ من سعي الآباء إلى القداسة. والذي شمل العبادة الروحية والأخلاقيات المسيحية، والتعليم الصحيح. بل إن المساهمة المتميزة للقديس أثناسيوس في هذا المجال، كانت في تحديده لما يُسمى “بغاية الكتاب المقدس” وهدفه، بشكل ساعد على توضيح تلك العلاقة بين الكلمة المتجسد والله الآب.
وتكشف الدراسة أن هذه الغاية قد عبر عنها القديس أثناسيوس بأشكال مختلفة، ليس فقط في كتاباته الرعائية، بل وفي باقي كتاباته الدفاعية والعقيدية والتاريخية أيضًا. وجميعها توضح إهتمامه الأساسي بتجسد الله الكلمة لأجل خلاص البشرية. إن نقطة البدء التي تفيدنا في مناقشة التراث الآبائي الحديث، إنما تتمثل في مقالة نشرها عام 1959 T.E. Pollar[4] ، وفي ذلك الوقت جرت العادة على تصنيف الكُتّاب المسيحيين الأوائل “الرمزيين”، ويقصد بهم الآباء الإسكندريين، و “الحَرفيين” ويقصد بهم الآباء الإنطاكيين. وينصف “بولار” كلاً من القديس أثناسيوس ومعارضيه الآريوسيين على أنهم حَرفْيون، في مقارنة مع المنهج الرمزي في تفسير الكتاب المقدس.
وقد كان الآريوسيون “حرفيين متطرفين”، بينما يُقال عن القديس أثناسيوس، إنه أظهر في تفسيره تأثره بمدرسة الإسكندرية ذات التقليد الرمزي.
مباديء التفسير الكتابي:
لقد إتبع القديس أثناسيوس، وبشكل محدد وواضح، المبادئ التفسيرية التالية:
أساسية الكتاب المقدس.
الغاية من الكتاب. 3ـ عادة (έθος ) الكتاب.
مفهوم (διανοια) الكتاب.
أسلوب الكتاب.
المضمون Context، أو سياق المعنى في الكتاب.
ويوجز “بولار” قائلاً إنه “بطرح هذه المبادئ في التفسير، وباستخدامها بعناية في نقده للتفسير “الإنتقائي عند الآريوسيين”، كان القديس أثناسيوس قادرًا على توضيح أن الفكر اللاهوتي عند هؤلاء الآريوسيين لم يكن كتابيًا. ويدعو “بولار” هذه المجموعة من المبادئ، طريقة القديس أثناسيوس في التفسير، ويرى في “غاية” الكتاب المقدس مبدءًا مهمًا في علم التأويل عند القديس اثناسيوس، وإن لم تكن عنصرًا حاكمًا في منهجه التفسيري.
وبالنسبة لمبدأ أساسية الكتاب المقدس، فإن القديس أثناسيوس يرى أسبقية التعليم الكتابي على المنطق الجدلي، مؤكدًا أن الكتاب المقدس يوفر له دعمًا قويًا في طرحه لأسس العقيدة.
ويجد الباحث عند قديسنا ما يؤكد سلطان الكتاب المقدس والتقليد كمصادر للتعليم والعقيدة، ويرى فيها إستجابة من جانب القديس أثناسيوس لجدل ما، كان قد نشأ فيما بعد.
أما الكلمتان “معنى” و “عادة” الكتاب المقدس، فهما ليستا باللفظتين المترادفتين بالضرورة عنده، أما كلمة “الأسلوب” فربما كانت أقرب إلى كلمة “العادة”. وأما المبدأ التفسيري الخاص بالمضمون أو السياق، فهي طريقة مبسطة للإشارة إلى العديد من العناصر المرتبطة، والتي تمثل في الحقيقة المبدأ الصريح الوحيد عند القديس أثناسيوس، في منهجه الخاص في التفسير. لكن مقالة “بولار” وإن كانت لا تطرح علينا تلك المبادئ التفسيرية الواضحة المعالم، إلا أنها رغم ذلك تشير إلى أسئلة ونصوص مهمة، وعناصر محتملة لمنهج تفسيري محدد للقديس أثناسيوس.
ومن الأعمال المتميزة الكبيرة الأهمية رسالة الدكتوراه حول تفسير القديس أثناسيوس للكتاب المقدس، الصادرة عام 1968 للباحث سيبن H.Sieben حول إستخدام أثناسيوس للمزامير[5]، وقد يتعجب المرء لعدم الإهتمام الكافي بهذه الرسالة، والتي تضم خمسة أجزاء. الثالث منها فقط والمعنون بالألمانية “المزامير النبوية”، هو الذي يعتمد بشكل كامل على التفسير. وذلك لأن هذه الرسالة لم تنشر، فكان من الصعب الوصول إليها ويعلن الباحث أن الإشكالية الكبرى التي تواجه الدراسات القديمة التي تناقش رأى القديس أثناسيوس حول الكتاب المقدس، كانت تتمثل إما في أن الباحثين كانوا يهتمون فقط بكتاباته العقيدية أو أنهم كانوا يكتفون بوصف تفسيره بأنه رمزي أو حَرفْي، أسكندري أو أنطاكي.
ويشير الباحث إلى أن الحاجة ماسة إلى معرفة المجالات المختلفة التي كان القديس أثناسيوس يكتب عنها حول الكتاب المقدس، فيما يخص العلاقة العضوية بينها. فهل هي ببساطة: مجرد تصنيفها عقيدية أم دفاعية أو تفسيرية أو وعظية، وهو ما يراه سيبن بحسب وجهة نظره إجراءً غير شافٍ أو مقنع في الدراسة، ولأن الكتابات العقيدية قد تجعل الاستخدام النماذجي (المثالي) Typology في العهد القديم يبدو ثانويًا في كتابات أخرى.
ويقول إنه من الأفضل أن نركز ليس على الكتابات التي تصادف أنها كانت متواترة، بل على شخص القديس أثناسيوس التاريخي، لأن الكتابات العقيدية كانت إستجابات أو ردود أفعال، أثناء الجدل الآريوسي. فهي حتى إن شغلت مكانًا متميزًا في الأدب الآبائي المعروف لقديسنا، إلا إنها لم تستغرق إلا وقتًا قليلاً من حياته كأسقف.
الكتاب المقدس في حياة القديس انطونيوس:
وحينما أراد الباحث “سيبن” أن يختار تفسير المزامير للقديس أثناسيوس كنموذج من أسفار الكتاب المقدس، لكي يتبع خطى كتاباته، وكانت غايته في دراسته أن يبرز هذا الدور الذي يلعبه الكتاب المقدس، ليس كثيرًا في فكر أثناسيوس اللاهوتي، مثلما هو الحال في حياته وعالمه الروحي والرعوي، ولكنه فضَّل أن يبدأ باستخدام الكتاب المقدس في كتاب “حياة القديس أنطونيوس” (الجزء الأول من رسالة الدكتوراه)، ثم ينتقل إلى “الرسالة إلى مارسلينوس” حول تفسير المزامير (الجزء الثاني)، وتفسير المزامير (الجزء الثالث)، والكتابات العقائدية (الجزء الرابع)، وأخيرًا {الرسائل الفصحية} (الجزء الخامس).
يقول “سيبن” إن القديس أثناسيوس قد اشتهر بأنه بطل العقيدة، وكان إستخدامه للكتاب المقدس، والذي أنتقل إلينا في أعماله، ذا طبيعة عقيدية بالأساس. ولكن علينا أن نميز بين استخدامه للكتاب المقدس في المجادلات العقائدية، والذي فُرض على القديس أثناسيوس لظروف تاريخية معينة، وذلك الإنخراط التلقائي لفهم ودراسة الكتاب المقدس، الذي نما بدافع من تقواه الشخصية، وآرائه في العالم المحيط به.
أما اختيار الباحث لكتاب “حياة أنطونيوس”، كنقطة البدء في دراسته، فقد تأسس على إفتراض أن هذا العمل، الذي يرسم ملامح حياة القديس أنطونيوس بوجه عام، وعلاقته بالكتاب المقدس بوجه خاص، يعكس وبمنتهى الدقة المواقف والمبادئ الشخصية للقديس أثناسيوس نفسه، بالنسبة للكتاب المقدس.
صحيح أن حياة القديس أنطونيوس، وإن كانت لا تحتوي على إشارات صريحة لطبيعة وتفسير الكتاب المقدس، لكن يمكن لنا أن نلمح في هذه الحياة منهج القديس أثناسيوس في الاقتراب من الكتاب، والنابع من الأنثروبولوجيا اللاهوتية عنده، أي سيرة حياة إنسان بصورتها الإلهية، متمثلة بشكل نموذجي في حياة أشهر الرهبان في العالم[6]. وفي حياة القديس أنطونيوس نرى القديس أثناسيوس راعيًا بالأساس، أكثر منه لاهوتيًا.
ويبدأ الباحث تورانس في مناقشة ملاحظة هرناك: أن القديس أثناسيوس يهتم بالتعليم الإسكندري عن اللوغوس، خاصة ذلك التعليم الفلسفي التقليدي، فبدلاً من أن يفسر علاقة الإبن من خلال مفهوم اللوغوس، كان يرى المسيح الكلمة وبشكل أساسي في ضوء مفاهيم لغة الكتاب المقدس، التي تركز على علاقة الآب بالابن، فالابن هو الابن الوحيد للآب، وواحد معه في الجوهر (Homo ousios).
إن علاقة الآب بالابن بحسب المفهوم الكتابي، وقد أصبحت بدورها المبدأ الذي يجب أن نفسر على ضوئه الكتاب المقدس. ويرفض ق. أثناسيوس أيضًا ذلك التمييز الأفلاطوني بين عالم الإدراك الحسي، وعالم المعرفة، والذي أتخذه العلامة أوريجينوس أساسًا لتفسيره الرمزي. أما القديس أثناسيوس فقد أبقى على التفسير النماذجي، ولكن هذا وبحسب رأي تورانس كان التفسير المقابل للتفسير “الرمزي”. لأن كلاً من المِثال وضده إنما هي أعمال الله في التاريخ[7].
التفسير الصحيح للكتاب المقدس:
إن التفسير الصحيح للكتاب المقدس ممكن فقط حين يُميز المفسر تلك العلاقة بين كلمات الكتاب المقدس، والكلمة اللوغوس الناطق فيها. هكذا نرى في تجسد الله الكلمة، والذي ندركه كعمل الله الخلاصي، المفتاح لكل هذه المعضلات، من ثم فإن التفسير يكون صحيحًا ودقيقًا حين يتبع ما يلي:
يحافظ على غاية الإعلان الإلهي في الكتاب المقدس.
يحترم الطبيعة التدبيرية (economical) لأعمال الله وكلماته.
يحافظ على العلاقة بين معاني كلمات الكتاب المقدس وعباراته، حتى تفي بالغرض من تفسيرها.
فحص العبارات والتدليل عليها، وفقًا لقاعدة الإيمان، التي تنشأ عن فهم الكنيسة للكرازة (The Kerygma)، كما إنتقلت إلينا، بواسطة الكتابات الرسولية[8].
وهنا الاستنتاج، يأخذ في الإعتبار غاية الكتاب المقدس، ثم الطبيعة التدبيرية (إيكونوميا) للعبارات الكتابية، وأخيرًا طريقة تفسير الكتاب المقدس. إن مناقشة غاية الكتاب تعتمد بشكل أساسي على النصوص وثيقة الصلة في “المقالة الثالثة ضد الآريوسيين”، لكنها تتوفر أيضًا عبر كل كتابات ق. أثناسيوس وعند الإنتقال من غاية الكتاب إلى “غاية الإيمان” أو العقيدة، فإن الباحث يؤكد أن الغاية الموضوعية من الكتاب المقدس هي المسيح نفسه.
الأمثلة الكتابية:
ويكمل تورانس تعليقه هذا بقوله: “إن الكرازة الرسولية لا يمكن اختزالها في كلمات، بل يجب النظر إليها على أنها قبول شخص المسيح نفسه بالإيمان، من ثم فإن تفسير الكتب المقدسة، بحسب التسليم يعني فهمها في سياق حياة الإيمان الذي تعيشه جماعة المؤمنين[9].
ولأن الكتاب يتحدث عن الله، الذي لا يمكن فهمه على نفس مستوى فهمنا للبشر، فإن لغته هي بالضرورة لغة رمزية، ومن ثم يستخدم الكتاب ما يعرف بالأمثلة Παραδείγματα، ويقول الباحث إن القديس أثناسيوس يستخدم الكلمة ببساطة، ولا يتبع في إستخدامها لا تقنية البناء اللفظي، ولا الميتافزيقا الأفلاطونية.
إن الإشارة إلى ملمح ما من ملامح العالم المادي المنظور، وإتخاذه كوسيلة. أي أن الكتاب المقدس لا يُفسر بالأسلوب البياني ولا بالفلسفة، بل بأعمال الله التدبيرية، التي يوضحها بالنماذج والأمثلة في تاريخ الخلاص البشري للإشارة إلى شيء سماوي، لا يمكن اختزاله في كلمات، أو إلى واقع إلهي غير مدرك، إذًا ما أردنا أن نعكس مجد الله الذي نعجز تمامًا عن معاينته.
هكذا فإن العلاقة بين الشمس والشعاع، والنبع والنهر والجوهر والتعبير هي مجرد مؤشرات، ولكنها ذات قيمة لأنها ليست إختراعات بشرية، بل إنها معطاة لنا بالإستعلان، ومتأصلة في أعمال الله الحقيقية. ومع ذلك فهي لا تزال مجرد أمثلة، لا ينبغي أن نركز عليها كثيرًا. فهي “مجرد أمثلة أو نماذج، يمكن بواسطتها أن نصور بعض الملامح”.
وفي الحقيقة وعند نقطة معينة لابد أن نتجاوزها إلى الإدراك غير التخيلي للمفاهيم الأصلية التي تمثلها، ولكنها تُشكل فعلاً الأساس للمحاكاة البشرية لله (الغير المرئي والغير الموصوف). لكن التوازي بين الله والبشر، حيث تقوم الأمثلة الكتابية بتوضيح معالم الطريق للبشر، ليتبعوها، إنما هو وبالكامل نتاج التدبير الإلهي للنعمة (الإيكونوميا). أي تدبير الخلاص كله بوجه عام، والتجسد بوجه خاص[10].
إن حقيقة التجسد الإلهي، وخاصة ذلك الإتحاد الذي لا ينفصم بين الطبيعة البشرية للإبن (الناسوت)، واللاهوت، إنما هي ضمان لكي ندرك أن التصوير الكتابي ليس خياليًا، بل هو مؤشر أمين وصادق لواقع إلهي. ويعتقد “تورانس” أن “التفسير المنهجي Tpottological للإنجيل” في فترة ما قبل ق. أثناسيوس في التقليد الأسكندري قد أخفق في التقدير الكافي لحقيقة هذا الإتحاد الذي لا ينفصل.
أما التفسير عند ق. أثناسيوس ـ من جهة أخرى ـ فكان يتأرجح بين طرفي النقيض: إما أن يطرح الأمثلة الكتابية Παραδείγματα كمجرد لغة متعارف عليها، أو يتخذها بشكل يستنبط منها مناهج تصبح متوافقة مع الحقائق الإلهية التي تشير إليها. من ثم فإن مفردات اللغة التي نجدها باستمرار عند القديس أثناسيوس حين نتناول الحديث عن تفسير الكتاب المقدس هي من نوع “صحيح، ملائم، متناسق”. هكذا فإن الباحث يقدم لنا شرحًا لاهوتيًا عند إستخدام الكتاب المقدس. يراه المؤرخون بمثابة إنعكاس للمفردات اللغوية السائدة آنذاك، في البلاغة اللاهوتية الهللينية.
الدقة الحرفية والسياق:
إن آخر كلمتين جديرتين بالإهتمام في بحث تورانس هما: الدقة الحرفية بحسب النص “άκρίβεια”، والسياق “άκολουθεία”[11]. إن ضرورة العمل على توضيح المعنى الدقيق لكلمات الكتاب المقدس، إنما تنبع من ذلك المبدأ الذي يُلح عليه الباحث على الدوام، وهو أن الهدف هو أن نصل إلى المعنى الكامن تحت سطح الكلمات، حتى نبلغ إدراك الواقع الإلهي.
إن معنى كلمة ما، في نص كتابي بعينه، لابد أن يكون مناسبًا وملائمًا لمفاهيم الحق الذي يقصده الكتاب المقدس ككل، حيث الترابط المنطقي هو الإهتمام العام في الكتاب. ويجد “تورانس” عند القديس أثناسيوس مجالاً واسعًا لاستخدامات كلمة” άκολουθεία” .
فهناك مفاهيم متعددة للسياق المادي، أو المضمون المنطقي، أو ببساطة “للترابط والإتساق في المعنى”، وهذا الإتساق في المعنى لا يشمل فقط معاني كلمات الكتاب المقدس، بل الأحداث الخاصة بالتدبير الإلهي “إيكونوميا”. التي تشير إليها هذه الكلمات. هكذا فإن تسلسل المعنى وإتساقه نجده يسري من فعل إلهي خلال شهادة الكتاب، ليتجاوز هذا الفعل إلى حياة التلميذ الذي يؤمن بالمسيح وهو يدرس الكتاب، ليتبع نموذج الأفعال الإلهية[12].
1 ترجم بتصرف عن كتاب:
J.Ernest, The Bible in Athanasius of Alexandria, Boston, 2004.
[2] The Preface, P.1X.
[3] R.Wilken, The Spirit Christian thought, Yale university Press, 2003.
[4] The Exegesis of scripture and the Arian controuay, BJRL. 41 (1959), 414 – 420.
[5] Sieben’s dissertation on Athanasius biblical interpretation, Paris, 1968.
[6] Sieben’s dissertation,12, translation of J.Ernest. Jbid,18.
7 تورانس في علم التأويل، الجزء الأول ص448، حيث رفض القديس أثناسيوس تمييز العلامة أوريجينوس بين الروح والحرف عند بولس الرسول، وذلك بسبب أخذها من سياقها.
كيف يُقرأ الكتاب المقدّس ويُفسَّر؟ كيف يتأكّد القارئ أنّه يستوعب المعنى الصحيح مع اعتبار الوجهين الإلهيّ والبشريّ والطرائق المختلفة التي بها تمّ تلقّي الكتاب واستعماله؟
عندما يتكلّم واعظ ما او معلّم او كاهن على نصّ او موضوع كتابيّ، كيف لنا أن نعرف أنّ التعليم أو العظة يستندان إلى تفسير مقبول؟ ما هو الدور الذي لعلماء الكتاب أن يقوموا به في استعمال الكتاب المقدّس كنسيّاً؟ كيف تتمّ مواجهة تعدّدية آرائهم؟ ألا يستطيع المسيحيّ العاديّ أن يقرأ الإنجيل ببساطة ويطبقّه في حياته كما يفعل الكثير من المسيحيّين؟ أليس ممكناً إضافةً إلى هذا يكون للإنجيل أكثر من معنى عند أشخاص مختلفين؟
عندما تُطرَح أسئلة مثل هذه، يدخل المرء في حقل التأويل Hermeneutics وهو فرع له مستلزماته من العوامل المعقّدة. مهمّة التأويل هي بالتفسير الكتابيّ وضرورته وطريقته. هذه المهمة ممكن أن تصبح بسرعة مجرّدة كونها تتضمّن أبعاداً كثيرة، بما فيها النظريّات الفلسفيّة في المعرفة والألسنيّة[1]. التعبير التقنيّ مشتقّ من الكلمة اليونانيّة α’ɩεѵημρέ التي يمكن ترجمتها بالتفسير أو الشرح أو الترجمة.
من وجهة نظر إيتيمولوجيّةـ تشتقّ هذه الكلمة من اسم ςήμρΕ (هرماس) رسول الآلهة والمتحدّث باسمهم في الميثولوجيا اليونانيّة القديمة. وكما كان هرماس، هكذا α’ɩεѵημρέ هي عمليّة استيعاب المعنى ونقله. مفهوم الكاتب التفسيريّ، وعلى درجات مختلفة من الوضوح والكمال، مُدَّخَر في ما يكتبه.
بعد هذا يأتي القرّاء إلى النصّ، وأيضاً على درجات مختلفة من الوضوح والكمال، يسعون إلى استيعاب معنى النصّ وتفصيله لأنفسهم وللآخرين، وليس بالضرورة بالمعنى الذي أراده الكاتب. يستطيع المرء أن يتخيّل التعقيدات التي تنشأ من مجمل العمليّة لجهة اللغة والتاريخ وعلم النفس والفلسفة واللاهوت والروحانيّة! يتحدّث الباحثون عن “المسألة التفسيريّة” أو “المشكلة التفسيريّة” وغالباً ما يشيرون إلى الموضوع بالجمع “hermeneutics” أو بالمفرد “hermeneutic”.
ما يلي هو تقديم مبسَّط للتفسير الكتابيّ استناداً إلى المنظار الأرثوذكسيّ الآبائيّ (أنظر الفصل الرابع) ومتضمّناً الأبعاد الرئيسة للإيمان والمنطق والكنيسة[2]. كلّ موقفنا التفسيريّ يمكن وصفه بالمحافظة الديناميكيّة المرتكزة على الافتراضات المسبقة:
أ) احترم سلطة الكتاب المقدّس والكنيسة والعقيدة المسيحيّة التقليديّة احتراماً بالغاً،
ب) أهميّة الصلاة والعبادة والحياة الروحيّة في دراسة الكتاب المقدّس،
ج) السعي الصادق والمسؤول نحو الحقيقة استناداً إلى مبدأ أنّ المعنى الأساس في نصّ الكتاب هو الذي يُبَلَّغ بالتفسير النقديّ والنحويّ والتاريخيّ،
د) الهدف النهائيّ للتفسير الكتابيّ هو إنارة الحقائق اللاهوتيّة والمعاني الأخلاقيّة في الكتاب المقدّس. في البدء تساعدنا بعض التمييزات. رغم أنّ الصفات تفسيريّ (interpretive) وشرحيّ (exegetical) أو تأويليّ (hermeneutical) تُستَعمَل غالباً من غير تمييز أو بطرائق متداخلة، فإنّ نقاشاً أكثر دقّة يتطلّب تحديدات أكثر وضوحاً. الشرح Exegesis (من الفعل ωέϫηξέ في اليونانيّة الذي يعني حرفيّاً “يستخرج من” أو “يقود خارجاً”) يتعلّق أوَلاً بالمعنى الأصيل للنصّ، أي، ما يبثّه الكاتب في اللغة الأصليّة بأسلوب محدّد وبنية نحويّة محدّدة وإطار تاريخيّ محدّد.
الموضوعيّة المطلقة في التفسير exegesis وهي وهم، بينما الموضوعيّة النسبيّة ممكنة كما هو مبرهَن في عدد من مجالات الإجماع بين الباحثين على المستوى الشرحيّ الوصفيّ. تقدّم الأطرالنحويّة والتاريخيّة بعض المعطيات الموضوعيّة لفهم بعض المقاطع الكتابيّة بشكل دقيق إلى حدّ ما[3]. إنّ الروايات الوصفيّة لمجمل فكر الأسفار المقدّسة والكتّاب، رغم تضمنّه متغيّرات أكثر وتالياً أقل أماناً، هي أيضاً ممكنة.
فيما يستطيع أيّ قارئ متأنٍ أن يخرج برؤى تفسيريّة، إلا أنّ الباحثين المتدربين هم الأكثر تجهيزاً ليعطوا تفسيراً نظاميّاً على مستوى واعٍ وبأدوات مناسبة. مثاليّاً، التفسير هو مهمة وصفيّة، والتركيز فيها هو على النصّ طالما أنّ المفسّر يتعقّب المعنى الرئيس، فكلّ الطرائق الأدبيّة والتاريخيّة المستعملة مُرَحَّب بها على أنّها بالمبدأ مشجعّة للكشف وحياديّة.
تنشأ التعقيدات الأساسيّة في التفسير من : أ) دلائل غير كافيّة، ب) تخمينات اعتباطيّة للمفسّرين، ج) الإفراط في تحليل الخلفيّة و د) انحرافات غير مضبوطة للمترجمين، وفي هذه الحالة يصبح الشرح (exegesis) تجسيداً لأفكار المفسّر في النصّ (eisegesis). أفضل طريقة لمعالجة هذه الصعوبات هي أن يراجع المفسّرون أحدهم الآخر ليتأكّدوا أنّهم يقومون بتفسير وصفيّ ساعين إلى المعنى الأصليّ والكامل كما يُعبَّر عنه قرينيّاً بكلمات الكاتب.
التفسير(interpretation) هو بالمبدأ مستوى آخر من معالجة الكتاب المقدّس حيث يُنظَر إلى النصّ، عن وعي أو عن غير وعي، من حيث قيمته بالنسبة إلى القارئ. إنّه تقدير أكثر حريّة وتطبيق مدَرك في نصّ، عادةً استناداً إلى أسئلة القارئ واختياره واهتماماته وقيمه، مفسَّراً كما قد يفسّر أيّ شخص أيَّ حدث أو بيان أو عمل فنّي. التفسيرات الأكثر معنى هي تلك المرتكزة بشكل أصيل على المعنى الأصليّ الشرحيّ للنصّ.
في أيّ حال، إنً المفسّرين انتقائيّون بشكل لا يمكن تفاديه وغالباً ما يتحرّكون خارج إطار الكاتب بالإشارة إلى معانٍ أخرى ممكنة وتطبيقات مغيّبة للنصّ وقد تكون متقاربة. التفسير (interpretation) هو بالدرجة الأولى مهمّة وصفيّة ولكن تقويميّة تسعى إلى استخراج الحقيقة النافعة أو الثابية من الكتاب المقدّس. بدون أن نميّز بشكل مطلق، ما هو مستحيل، الشرح الوصفيّ (descriptive exegesis) يسعى إلى ما “عنى” الكتاب، والشرح التقويميّ (evaluation exegesis) يسعى إلى ما “يعني” الكتاب[4].
بالطبع، بالنسبة إلى الكثير من المؤمنين، ما عناه الكتاب وما يعنيه هما الشيء ذاته بالكامل، بخاصّة في ما يتعلّق بأحداث الخلاص وحقائقه.
في أيّ حال، من الغموض بمكان التأكيد حرفياً على قصة الخلق في ستّة أيام أو على أن المياه مخبّأة فوق قبّة سماويّة جامدة، لأنّ الكتاب يصف الكون بهذه الطريقة. في هذه المعرفة، طرحت العلوم فهمنا بشكل عميق. قد لا يعطي الكثير معنى إعلانيّاً للنصيحة بشرب بعض الخمر (1 تيموثاوس 23:5)، ولكن قد يفعل البعض هذا بالنسبة إلى ستر رأس المرأة (1 كورنثوس 11: 5-10)[5].
ماذا عن العبوديّة ومرتبة النساء الدنيا في عالم الكتاب؟ ماذا عن تملّك الشياطين والعجائب؟ ماذا عن التعاليم كمثال أنّ طاعة الربّ تجلب الرغد الذي لا ينضب وعدم الطاعة يجلب العذاب، ما يضحده كتاب أيوب وسيرته؟ هذه الأمور تجعل مهمّة التفسير التقويميّ ضروريّة ولا مناص منها. واضح أيضاً أنّ التفسير قد يكون مثيراً للجدل ومسبّباً للانقسامات بسبب تضارب الافتراضات المسبقة والقيم وخيارات المفسّرين.
يعالج التأويل (Hermeneutics) انعكاس الطرائق والأسس وافتراضات كلّ من الشرح (Exegesis) والتفسير(Interpretation) أي مجمل نظريّة الدراسة الكتابيّة وشرحها كلّها. ما سبق قوله عن الشرح والتفسير يشكّل الاعتبارات المتعلّقة بالتأويل. هذا العلم يضمّ كلّ العمليّة من الملاحظة النحويّة الأكثر بساطة حول نصّ ما إلى التأمّل الأكثر عمقاً في خبرة الله الموصوفة في هذا النصّ. على المستوى الشرحيّ تنحو مهمة التأويل إلى أن تكون شكليّة وحياديّة بشكل مقبول لأدوات المنهجيّة الأدبيّة والتاريخيّة وعمليّاتها[6].
على المستوى التفسيريّ الكنسيّ، مهمّة التأويل (Hermeneutical)، أي مهمة شرح الفهم التقويميّ، تصبح لاهوتيّاً أكثر تطلّباً. على مستوى تخاطب النظريّات اللغويّة والفلسفيّة، تكون مهمّة تحليل كيفيّة نقل المعنى الأساس على مستوى المفهوم أكثر روعة، وقد تكون فلسفيّاً مستحيلة[7].
المسألة الأكثر سخونة في التأويل هي العلاقة بين الإيمان والعقل في تفحّص محتويات الكتاب وفي تحديد أيّ من عناصر هذه المحتويات هي ذات معنى. تصبح مهمّة التأويل أكثر وضوحاً، مع أنّها ليست أكثر سهولة، عندما يكون الشرح والتفسير متميّزين منهجيّاً، أكثر منهما متميّزين بشكل مطلق، وعندما تكون افتراضات المفسّر الخاصة معلّنة للمناقشة والتوضيح.
رؤيّة حياتيّة:
مسألة التأويل هي أبعد من قراءة الكتاب ودراسته. في الحياة، كلّ إنسان وكلّ شيء هو بلا مناص في عمليّة تفسيريّة، عن وعي وغالباً من دون وعي. إنسان يقرأ الكتاب المقدّس أو الصحيفة اليوميّة، مؤرّخ يتفحّص بياناً قديماً أو نقشاً، عالم يبحث عن جرثومة أو عن مجرّة، عاشق يتحدّث مع محبوبته: كلّ هؤلاء متورّطون في التفسير. لكلّ من الحياة الشخصيّة، التاريخ، العلم، الأدب، الفن، إلخ…مظاهره التفسيريّة الخاصّة. كيفيّة التفكير بهذه المجالات وربطها هي جزء من المسألة التفسيريّة الأوسع وذات الحدود المشتركة مع الحياة نفسها.
وبقدرما يتضمّن هذا السعي بحثاً عن الحقيقة لتركيز قرارات الحياة عليها، فهو يستلزم فرضاً أخلاقيّاً ضمنيّاً، ألا وهو القيام به تكامليّاً. الجهد لمعالجة الدلائل، أو كلّ خداع آخر في البحث، يجعل السعي تافهاً ويضرّ بالحقيقة. بما أنّ الحياة سرّعظيم والفهم البشريّ محدود، البحث عن الحقيقة يتمّ بأفضل أشكال البحث من الانفتاح المتلقّي والتواضع الإبستيمولوجيّ على أمل أنّ جمال الحقيقة الداخليّ وقوتّها، أينما وجدت، ينتصر ويشدّ القلوب البشريّة.
تتطلّب العمليّة معرفة افتراضات الادعاءات وحدودها، كما تتطلّب رغبة في حمل هذه الادّعاءات إلى مناقشتها في النّور. هذه العناصر تقدّم أسساً لمعاملة محترمة للآخرين من أجل كرامة بشريّة عالميّة وتفادي الجدليّة.
بالنسبة إلى قراءة الكتاب المناسبة والفهم الصحيح، يجب تذكّر أنّ الكتّاب الإنجيليّين عالجوا العلاقات بين الله والشعب على مقياس الحياة نفسها. فهم لم يكتبوا للمفسّر التقنيّ، اللاهوتيّ أو الواعظ، إنّما كتبوا للجميع[8]. لقد اعتبروا أنّ كلّ قارئ أو سامع سوف يفهم جوهر رسالتهم عن الله وعمله الخلاصيّ ومتطلّباته الأخلاقيّة. رسالتهم ونظرتهم تركّزتا ليس على تفسير النصوص التقنيّ ولكن على تفسير الحياة بشكل أوسع مؤسَّس في خبراتهم عن الله وقيم الجماعة المؤمنة التي عاشوا في كنفها.
مثلاً، في التعاطي مع العهد القديم، كان كتّاب العهد الجديد أقلّ اهتماماً بالشرح وبالأكثر اهتمّوا بالتفسير على أساس ما اختبروه مع المسيح وكيف فهمت الكنيسة الأولى عمله الخلاصيّ. البحث عن الشرح القرينيّ بالمعنى الحديث بين المفسّرين الأوائل اليهود أو المسيحيّين، هو مفارقة تاريخيّة فادحة. على مستوى التفسير، وبحثاً عن قيمة الكتاب ووثاقة صلته بالجماعة المؤمنة، يستطيع الإنسان تقرير ملاءمة التفسيرات المجازيّة والرمزيّة الموجودة أصلاً في العهد الجديد نفسه (متّى 13: 18-23 ، 36-43 ؛ غلاطيّة 4: 21-31 ؛ 1 كورنثوس 10: 1-11).
آباء الكنيسة أصلاً، في طرائق وعظيّة وتعليميّة مختلفة، استغلّوا نجاح هذا النوع من “الشرح التفسيريّ interpretive exegesis” للغذاء الرعائيّ لشعب الله. لقد ظهر الشرح اللغويّ والمجازيّ الأكثر بروزاً بين آباء الكنيسة، مثلاً أثناسيوس وباسيليوس، بخاصّة في المناظرات العقائديّة حيث كانت دقّة المعالجة حاسمة[9].
يستمرّ أغلب المفسّرين المعاصرين من بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس، باستعمال الكتاب المقدّس على هذا المستوى الواسع من التفسير. إنّهم أقلّ اعتماداً على شرح الباحثين التقنيّ ويعتمدون أكثر على التقاليد التفسيريّة لكنائسهم، هذه التقاليد التي تُحمَل عبر العبادة والعظات والتعليم[10].
يعمل أغلبيّة الواعظين والمعلمين على هذا المستوى من التفسير. بما أنّ رسالة الكتاب الخلاصيّة موجهّة إلى الجميع، يتمتّع الجميع بحقّ المقاربة المباشرة للكتاب أي أن تتحدّاهم كلمة الله مباشرة من دون الحاجة إلى باحث أو وسيط بين القارئ والله.
إلى هذا، مع أنّ هناك درجات ومستويات من الفهم العقليّ، يستطيع الكلّ فهم إعلانات الكتاب الأساسيّة الدينيّة والأخلاقيّة. الإيمان بإله حيّ، الخبر السارّ عن محبّته ومسامحته في المسيح، وطلباته للقداسة والبرّ بالمبدأ يفهمها الجميع بطرائق مختلفة.
بالنسبة إلى الكنيسة والمؤمن، لا يمكن لحياة الإيمان أبداً أن تقوم بشكل أساس على البحث العلميّ. تفعيل رسالة الكتاب الجوهريّة أي الإيمان بما صنع الله للبشريّة والعيش في بركاته وحضوره، هو أمر شخصيّ يتخطّى المعرفة اللاهوتيّة الاحترافيّة ونظريّات التأويل المعقّدة.
بالواقع، كما ذكرنا سابقاً، قد يحدث أنّ ما يستخرجه مؤمن على بساطة في الإيمان وتقبّل صلاتيّ في قراءته غير النقديّة للإنجيل، هو روحيّاً أكثر نفعاً مّما يستطيع استخراجه مفسّر خبير أو لاهوتيّ متدرّب بكلّ معرفته ومهاراته النقديّة. أن نفتكر عكس ذلك، هو تفكير باطل لاهوتيّاً وخاطئ تاريخيّاً وجريء مهنيّاً.
على أيّ حال ما تحتاج إليه الكنيسة والبحث العلميّ، أي المؤمن والباحث، هو أن يكونا في تعاون الواحد مع الآخر وليس مواجهة. فقد وجد الباحثون والبحث العلميّ في اليهوديّة والمسيحيّة منذ القرون الأولى وعملوا داخل الإطار بطرائق زمانهم. يعمل الباحثون المعاصرون بطرائق التفسير والتأويل العصريّة[11]. مساهماتهم لا تُقدَّر في التحليل الأدبيّ والتاريخيّ واللاهوتيّ للكتب المقدّسة ومواضيعها ومفاهيمها ومؤسساتها وبالطبع تفاصيلها التفسيريّة.
الدراسة الكتابيّة، عندما تكون إيجابيّة ومتجانسة مع موضوعها، تقدّم إيضاحات أساسيّة لأمور وصعوبات مثل التبرير بالإيمان وأدوار بطرس ومريم في العهد الجديد والكلمة والسرّ وإلخ..وأمور أخرى ذات مضامين شخصيّة وكنسيّة ومسكونيّة[12]. يجب على العمل العلميّ أن يعرف جيّداً دراسة الكتاب واستعماله وتطبيقه من الكنيسة والمؤمن حتّى ولو تخطّاها.
يمكن للنتائج العلميّة أن تكون نافعة للجميع، للعلمانيّين والمعلميّن والوعّاظ واللاهوتيّين كما للكنيسة. وهكذا سوف يتعاطى كلّ من هؤلاء الدراسة الكتابيّة إلى الدرجة النافعة والملائمة لمستواه من العمل والمسؤوليّة[13]. ينتعش الإنسان العاديّ ببساطة من شربة ماء، بينما يحلّل العالم الماء بحسب ذراتها من الهيدروجين والأوكسجين.
على الشكل ذاته، يستطيع فتى أن يشرب الماء الروحيّ في قصّة كتابيّة، بينما يحلّلها الشارح إلى تفاصيل صغيرة. الأوّل يتعلق أوّلاً بالمعرفة الروحيّة أي المعرفة الاختباريّة على أساس الإيمان بالله ونعمته. الأخير يتعلق بشكل أساس بالمعرفة المفاهيميّة المكتّسبَة بالعقل والتحليل النقديّ.
القوى التي تحرّك الإيمان والعقل والكنيسة:
في النهايّة، يكمن التحديّ التفسيريّ الأكبر في تحديد العلاقة المناسبة بين الإيمان والعقل كما تطبّق على التفسير والشرح الكتابيّين، كلّ هذه بالمطلَق غير منفصلة. إذا كان الشرح مثاليّاً يسعى إلى استخراج ما في النص، يجب التحوّل إلى جوهر النصّ، أي ادّعاءاته اللاهوتيّة بشأن عمل الله الخلاصيّ الظاهر في خبرات أشخاص محّددين[14]. لا تُقدّر قيمة الشرح في توضيح الخلفيّة التاريخيّة والفوارق الدقيقة الفعليّة لهذه الادعاءات اللاهوتيّة.
في أيّ حال، لا يستطيع الشرح بذاته، بدون معونة الإيمان، أن يرتقي إلى حقيقة النصّ اللاهوتيّة. الشرح كإنجاز بشريّ أي كنشاط فكريّ مطوَّر قليل القدرة على الوصول إلى فهم قيّم فكريّاً لحقيقة النصّ اللاهوتيّة ودخول خبرة الله الخلاصيّة الفعليّة المرموز إليها بتلك الحقيقة اللاهوتيّة. إذاً، المضمون الأساس الخلاصيّ للنصّ الكتابيّ لا يمكن الوصول إليه بالشرح الصرف بمعزل عن القوى المحرَّكة بالإيمان والنعمة.
بشكل مماثل، على مستوى التفسير التقويميّ، النماذج الفكريّة المتعلّقة بالتأويل التي يقترحها المنظّرون اللامعون، من شلايرماخر إلى أحدث النقاد الأدبيّين، قد تكون فكريّاً كافية كنظريات في المعرفة أي كنماذج لشرح الظروف التي يتمّ فيها الفهم البشريّ وحمل المعنى. لكنّ هذه النماذج النظريّة لا تستطيع من ذاتها أن تجلب المعنى الأعمق للنصّ الكتابيّ في قيمته اللاهوتيّة ولا أن تطلق قدرتَه الروحيّة في الحاضر.
الصَدَع الأكبر في النظريّات التفسيريّة المعاصرة هو في الواقع تركيزها الأحاديّ الجانب على العالَم (الجزء) الساقط من الوعي البشريّ والمعرفة إلى درجة إهمال التركيز الكلاسيكيّ الآبائيّ على دور الإيمان وتطهّر القلب والروح القدس في الدراسة الكتابيّة والتفسير.
موقفنا هو أنّ معنى النصّ الكتابيّ الكامل وتفعيله يمكن أن يتمّ فقط عبر عمل الإيمان الذي يرتفع إلى ادّعاء الحقيقة في النصّ ويختبر قدرة تلك الحقيقة التي تغيِّر بعمل الروح القدس. من هذا المنظار، الطريقة الأساسيّة لقراءة ما تقدّمه شهادة الكتاب وفهمه والعيش بحسبه، ليست عبر الجدليّات المجرّدة إنّما عبر الإيمان الُمخَتَبر. ما يسميّه آباء الكنيسة الرؤيّة الروحيّة (ثاوريا α’ɩρωεϴ)[15] هو أفق الإيمان الجيّاش وهو ما يؤمّن الوصول إلى المعرفة الروحيّة، أيّ كعطيّة من الروح.
هذا يشكّل المعرفة الحقيقيّة بالمعنى الكتابيّ المميّز، المعرفة ذات العمق الشخصيّ الوجوديّ، التي تنطوي على إلفة حميمة وحساسيّات روحيّة مناسبة للحقيقة الإلهيّة الُمختَبَرَة في النصّ. يصف القدّيس كيرلّس الإسكندريّ هذه المعرفة على أنّها “تتضمّن في داخلها كلّ قوّة السرّ والمشاركة في البركة السريّة حيث نتّحد بالكلمة الحيّة والمعطية الحياة”[16]. بحسب هذا، دراسة الكتاب المقدّس من أجل الاستيلاء على قيمته الروحيّة نشاط مواهبي محدّد نوعيّاً بحياة الإنسان[17].
مثلاً، عندما يكتب القدّيس بولس أنّ في ملء الزمان أرسَل الله ابنَه ليخلّص البشريّة وأيضاً أرسَل روح ابِنه إلى قلوب المؤمنين التي بها يعرفون اختباريّاً ويؤكّدون موقفهم البَنَويّ أمام الله (غلاطيّة 4: 4-6)، فهو يعلن حقائق لاهوتيّة عن عمل الله الخلاصيّ وحضوره.
لا توجد طريقة قاطعة لفهم هذه الحقائق وعيشها غير النعمة بالإيمان. بشكل مماثل، عندما يعلن المسيح أنّه الكرمة الحقيقيّة وتلاميذه هم الأغصان، وأنّه مع تلاميذه يجب أن يحيوا في شركة حميميّة من المحبّة الُمتَبادَلَة (يوحنا 5: 1-11)، ليس هناك من طريقة لفهم هذه الحقيقة الروحيّة بعمق واختبارِها إلاً بالنعمة بالإيمان. وهكذا أيضاً دعوة الكتاب إلى القداسة، عبرعيشٍ مخلِصٍ بشكل أكثر شمولاً من المعرفة المفاهيميّة الصحيحة لهذه العبارات المحَقَّقة بعمل اختصاصيّي التفسير المدرَّبين.
بحسب القدّيس باسيليوس، تقصِّر الكلمات والمفاهيم في الشؤون الروحيّة واللاهوتيّة. يذهب تفسير الكتاب إلى أبعد من تعقيدات المنطق إلى شؤون أساسيّة في الكنيسة والحياة الدينيّة. بما أنّ العقل مظلمٌ بعالم الشهوات الداخليّ الساقط، يجب أن يكون الاتّكال على معرفة الله الصحيحة، على أعمال البرّ، أي العيش المسيحيّ الأصيل الُموَجَّه بوقائع وحقائق التقليد المسيحيّ الأَساسيّة[18].
ومع هذا، أليس للعقل دورٌ في قراءة الكتاب ودراسته؟ العقل هبة من الله ويجب استعماله إلى أبعد مدى طالَما أنّه يعرف دوره وحدوده المناسبين. بالنسبة إلى القدّيس غريغوريوس النيصصيّ، العقل هو “أعلى قُدُرات (مواهب)” الكائن البشريّ، وعلامة صورة الله[19]. يمكن للعقل أن يبحث ويُغني معرفتَنا في أمور كثيرة كالمعنى الكامل لمفهوم القدّيس بولس “ابن الله” أو “الكرمة الحقيقيّة” كصورة للمسيح عند الإنجيليّ الرابع، أو العلاقة الداخليّة بين وصايا الكتاب الروحيّةً والأخلاقيّة.
يمكن للعقل أن يسعى إلى الهذف الرئيس (ςόποκσ) لشهادة الكتاب التي هي، كما ذكرنا، إعلان عمل الله الخلاصيّ في التاريخ والحقائق الألهيّة عن الحياة والخلاص والخبرة الإلهيّة الخلاصيّة التي يشهد لها الكتاب ويدعو إليها.
يمكن للعقل أيضاً أن يسعى إلى حلّ الفروقات في الكتاب أو شرحها. هل نحن مُخلَّصون بالإيمان وليس بالأعمال بحسب بولس في روما 28:3 وغلاطيّة 16:2، أم بالأعمال وليس بالإيمان بحسب يعقوب 24:2؟ ماذا نفعل بالتفاصيل المتضاربة في ما يُروى حول تعليمات المسيح التبشيريّة (مرقس 6: 8-9، متى 10:10)؟ وتحوّل بولس (أعمال 7:9)؟
ماذا عن المسائل الأخلاقيّة كالقبول البديهيّ الحضاريّ للعبوديّة وبأن على العبيد أن يُطيعوا الخشونة كما للرؤساء الوثنيّين (1 بطرس 18:2)؟ يمكن للعقل أن يعالج هذه الأمور والمسائل، ليس على عكس الإيمان ولكن بالتعاون معه. إلى هذا، يمكن للعقل أن يمنع من الانزلاق في الحرفيّة التبسيطيّة كاقتلاع عين المرء عندما يُخطئ بواسطتها، أو فكرة أنّ الله عنده يدان فعليّتان لأنّه خلق السماوات بيديه (عبرانيين 10:1)، أو حتّى فكرة أنّ الله هو ذكر لأنّه غالباً ما يشير إليه الكتاب كأب.
يمكن للعقل أن يقودنا إلى تذوّق الأوجه البشريّة لكلمة الله وإلى قراءة الكتاب المقدّس ككتاب إيمان ودين وليس مجرّد كتاب للتاريخ او العلم.
ثم ماذا يحدث إذا، على أساس عقلانيّ، طرِحَت أسئلة حول ما إذا كان علينا قبول صحة قول القدّيس بولس عن ابن الله، أو إعلان المسيح عن نفسه، وهو لم يكتب أيّ إنجيل، بأنّه الكرمة الحقيقية؟ الجواب يمكن أن يكون فقط أنّ على المرء أن يصدّق شهادات بولس والأنجيل الرابع الذي يحمل شهادة لحياة الجماعة المؤمنة وقيَمها، وهي الجماعة الأوسع التي تلقّت هذه الشهادات على أنّها صحيحة وأَدَجَتْتها في الكتاب المقدّس.
هنا نجد الأهميّة المقرِّرة لشهادة القدّيسين والأنبياء والرسل والقدّيسين وفوق الجميع السيّد نفسه[20]. بكلمات أخرى، يربض إيمان القارئ أو المفسّر بشكل كبير على الإيمان الرسوليّ بالعهد الجديد وحقيقة الكنيسة التي تجمع هذا العهد. بالطبع، يستطيع المرء أن يبحث عن أساس أخلاقيّ وأن يقتنع بالمحتوى اللأخلاقيّ في حياة وتعاليم يسوع وبولس والكنيسة. مثلاً، الإدّعاء بخبرة الله والتعليم عن المحبّة هما أمر، وادّعاء الشيء ذاته والتعليم عن الحرب هما أمر مختلف.
في النهاية، يستطيع القارئ، أن يعتمد على الإيمان الرسوليّ والكنيسة في ما يتعلّق بالادّعاءات المتعالية عن المسيح إلى الوقت الذي، بالنعمة عبر الإيمان، يكون للقارئ ذاته خبرة حضور المسيح المخلِّص والاقتناع الشخصيّ. ومع هذا، حتّى هذه الخبرات العميقة والحاسمة لا تمنع استعمال العقل بل بالأحرى تنيره وتقوده.
إذاً، فيما يستطيع العقل أن يحلّل الكثير من وجود الإنجيل ويشرحها، لا يستطيع بنفسه أن يلج حضور ادعاءات الإيمان وقدرتها الرفيعة في الكتاب ولا يستطيع تالياً أن يتجرّأ على تقويمها. من المدهش أنّ المنظّرين التأويليّين، في جهودهم لشرح عمليّة التأويل في الاتصال بين الكتاب والقارئ المعاصر، حلّلوا عناصر لا تُحصى لغويّة وتاريخيّة وفلسفيّة لكنّهم أهملوا قيمة الإيمان والصلاة والعيش المسيحيّ المشترك كأمور أساسيّة لفهم القيمة الدينيّة الرئيسة التي لشهادة الكتاب وتقبُّلها.
من وجهة نظر أرثوذكسيّة، بحسب القدّيس سمعان اللاهوتيّ الحديث، الحقيقة الروحيّة التي لتعاليم الكتاب، وليس مجرّد أبعادها الفكريّة، هي تماماً ما يشكّل كنوز الكتابات التي تُكشَف كمعرفة روحيّة للمؤمنين بالمسيح بالروح[21].
في النهاية، بما أنّ حقائق الله وبركاته غير مفصولة عنه كنوع من “الحقيقة الأبديّة” أو الحقائق الكائنة بذاتها بالمعنى الأفلاطونيّ[22]، المفهوم الوجوديّ لكنوز الكتاب يتضمّن، بحسب القدّيس سمعان، لا شيء أقلّ من الاشتراك في الحياة الإلهيّة أي المعرفة الشخصيّة للشركة السريّة مع المسيح بالروح القدس. في هذا السياق يستحضر م. ملهولند المجاز الأرثوذكسيّ في طبيعة الكتاب الأيقونيّة.
بالنسبة إليه، الكتاب نافذة كلاميّة على حقيقة متعالية، حقيقة حضور الله المقدّس الذي يحدث التغيير والذي يتمّ اختباره في اللقاء مع النصّ الكتابيّ[23]. لوقا ت. جونسون يشرح الموضوع بهذه الطريقة:
“تقاربنا كتابات العهد الجديد كشهادات وتفسيرات لادّعاءات دينيّة خاصّة تتعلّق بخبرة الله كما يتوسّط لنا بها المسيح. كما نلاحظ، لإنّها لا تدّعي أبداً لنفسها التوسّط مع هذه الخبرة. ما يجب ذكره هو إذاً أنّ القارئ المعاصر لا يستطيع التوصّل إلى هذه الخبرة باستعمال وسائل الأنثروبولوجيا والنقد الأدبيّ. إنّما يستطيع أن يَعي، باستعماله وسائل النقد، أنّه يتوصّل إلى الاحتكاك بالشهادة والتفسير[24].
ولكن إذا أصرّ العقل بعناد على درح أسئلة راديكاليّة مشكّكة، وإذا تجرّأ العقل على اعتبار نفسه قادراً على وضع عمل الله الخلاصيّ وحضوره موضوع تفحّص عقليّ، عندئذ يكون قد تخطّى حدوده بعمل جنونيّ من العمل الفلسفيّ. فهو يصبح أداة مدمرِّة أكثر منها بنّاءة في معالجة الكتاب. عندما يستعمل البحث العلميّ العقلَ بهذه الطريقة، يخلق، علنيّاً أو ضمنيّاً، جوّاً من الشكّ في قضايا الكتاب الأساسيّة بهذا يُضعف سلطته ككلمة الله.
النتيجة الفلسفيّة هي أنّ عدم قدرة العقلانيّة على التعاطي مع الحقيقة الُمطلَقة، وفوق كلّ شيء مع سرّ الله، تظهر كضعف في الحقائق المسيحيّة. في هذه الحالة، بحسب القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ، يُساء تفسير حدود العقل كضعف في الحقيقة المسيحيّة، وهو يعبّر عن هذا بهذه الكلمات القاطعة:
“وهكذا فعندما نقدّم سلطان التحليل العقليّ ونهمل الإيمان، عندما نبطل سلطان الروح بتحرّياتنا ويكون التحليل العقليّ من دون عظمة الموضوع – وسيكون كذلك على كلّ حال لأنّه ثمرة أداة ضعيفة هي عقلنا البشريّ – فماذا يجري والحالة هذه؟ إنّ الاستدلال يبدو كالسرّ ضعيفاً. وهكذا فإنّ دقّة التحليل العقليّ تظهر، بطلان الصليب، على حدّ ما يرى بولس”[25].
مأساة الأوجه الراديكاليّة للنقد الكتابيّ هي أنّه فيما يصبو الناقد إلى توضيح الشهادة الكتابيّة، فهو أو هي ينتهي “إلى رمي الطفل مع الوعاء”. ميل المرء نحو التشكيك والإلحاد هو على درجة التزامه منطق الإعلان الفلسفيّ، أيّ ما يدّعيه الإيمان حول إظهار الله نفسه للشخصيات الكتابيّة والمؤمنين عبر الأجيال.
بدون أفق الإيمان الأساس، يأخذ التفسير والشرح الكتابيّان كما التفكير بحسب التأويل، شكل لعبة شطرنج فكريّة ضخمة، قد تستحوذ على المتورّطين فيها، ولكنّها مربكة وبلا جدوى لأولئك المهتمّين بتحدّيات الحياة الحقيقيّة.
لكن أليست هذه أمور على علاقة بتكامل البحث والمناقشة العلميّة الحرّة التي قد تطرح، عن نيّة طيبة، أسئلة معثّرة حول الكتاب؟ أليس ممكناً أن يتبنّى أصحاب المعرفة والإيمان الصادق آراء متنوعة ويختلفون بحدّة حول عدد من الأمور المهمّة المتعلّقة بالكتاب؟ أليس هناك مؤمنون غيورون قد يدّعون، عن معرفة أو عن جهل، خبرات دينيّة فيسيئون استعمال الكتاب المقدّس بطرائق مختلفة؟ هل نحن نتخلّى عن حريتنا في الصعود نحو حاكميّة سلطويّة، كنسيّة أو علميّة، لصالح تفسير نهائيّ ومفروض من الخارج؟ هذه كلّها أسئلة صحيحة وجديّة.
ما هي الطريقة التي يمكن معها طرح هذه الأسئلة من منظار التأويل؟
أوّلاً، يجب أن يكون واضحاً أنّ للبحث التاريخيّ ملء الحريّة بحسب المعايير المهنيّة استناداً إلى أفضل المنهجيّات النقديّة المتوفّرة. النقد الكتابيّ، في كلّ منهجيّاته الأدبيّة والتاريخيّة الملحقة، هو حرّ في التعاطي بحكمة مع المادة الكتابيّة. فمن جهة، ثمّة ترحيب بهذه الدرجة من الليونة في التعاطي مع القصص الكتابيّة. سبب هذا الترحيب هو ندرة الأثبات كما طبيعة الكتاب الخاصّة ككتاب إلهيّ وبشريّ.
مثلاً، ما اختبرته كنيسة القرون الأولى من تدّفق الروح في العنصرة هو أكثر أهميّة إذا كانت عطيّة العنصرة قد تمّت بحسب تفاصيل أعمال 2: 1-13 أو يوحنّا 20: 19-23. من جهة أخرى، إذا أرادت جماعة الاختصاصيّين أن تحافظ على مصداقيّتها، فهي تتحمّل مسؤوليّة تصحيح المغالاة في الحكم التاريخيّ المشكّك والتي تصل أحياناً إلى أبعاد منافيّة للعقل بسبب الحساسيّات والنزعات الشخصيّة الأخرى[26].
بشكل اعتراضيّ، غالباً ما ظهر علماء مشهورون تردّدوا في انتقاد مغالاة زملاء معروفين لهم، تالياً سمحوا بشكل غير ضروريّ بانتشار الشكّ في حقل التفسير وبفضيحة في الكنيسة. ورغم ذلك، الإيمان والحقيقة، اللذان لا يستطيعان احتمال تدقيق التفحّص التاريخيّ الجديّ، لا يستحقّان الكتاب المقدّس، الذي يعرض بصدق سقطات أبطاله العظماء، ومع هذا يدعو إلى الإيمان غير المتزعزع بحضور الله وعمله الخلاصيّين.
ثانياً، تختلف الأمور على مستوى التقويم الجوهريّ لمحتوى الإنجيل اللاهوتيّ والأخلاقيّ. على المستوى الوصفيّ التفسيريّ (exegetical)، للعلماء حريّة أن يكتشفوا بحسن نيّة ويناقشوا، على سبيل المثال، كلّ تفاصيل أفكار الرسول بولس اللاهوتيّة والأخلاقيّة. أمّا ما يتعلّق بالحقيقة الأساسيّة في خبرة بولس وتعليمه، فالقرار ليس حكماً تاريخيّاً بل هو حكم فلسفيّ، لا علاقة له ببرهان قناعات بولس أو ضحدها وهي التي كوّنها عن الله وحياة البِرّ بالاختبار.
إنً الخلط بين الأحكام التاريخيّة والفلسفيّة لمؤذٍ ومخادع. فيما لكلّ إنسان الحق بموقف فلسفيّ وفي المضيّ على طريقته في الحياة، لا يجدر بالمفسّر الكتابيّ أن يتّخذ وضعيّة فيلسوف متخفِّ، أو فيلسوف مشكّك، في تفسيره وشرحه.
ثالثاً، إذا حُفظ الخطّ بين الأحكام التاريخيّة والفلسفيّة بشكل واضح، يكون الباحث الكتابيّ حرّاً في التفسير بنيّة صالحة وحتّى في درس التعاليم الأكثر حساسيّة عقائديّاً كمفهوم بولس ليسوع كابن لله وربّ[27] مثلاً. قد يقترح باحث ما أنّ لغة بولس الخريستولوجيّة تستلزم مسحة إخضاعيّة متميّزة لأنّ مصدر العمل الإلهيّ ومركزه عند بولس، كما هو معروف جيّداً، هو الآب.
وقد يوافق باحث آخر إنّما يضيف أنّ المعجزة الكبرى في خريستولوجيا بولس ليست المسحة الإخضاعيّة جزئيّاً بل تطورها الذي يبرز بشكل مدهش في الجيل المسيحيّ الأوّل. بالنسبة إلى الأخير، قد تكون خريستولوجيا بولس مجرّد خطوة قصيرة بعيداً عن تركيبات الكنيسة العقائديّة متجانسة كليّاً مع مفهوم بولس الخريستولوجيّ.
وقد يتابع الباحثون مناقشة هذه الأسئلة وهم على علم كامل بالفرق في الأطر التاريخيّة لمناقشتهم وتضميناتها. إحدى التضمينات هي أنّ هناك تطوراً في صياغة العقيدة، وأخرى هي أنّ الصياغات الكنسيّة الثالوثيّة والخريستولوجيّة متجانسة مع شهادة العهد الجديد. أمّا تضمين آخر فهو أن لا تكون هذه الصياغات متجانسة وفي هذه الحالة يستطيع الباحث أن يثبت للكنيسة بشكل مقنع أنّه على حقّ (ما هي البدائل المطروحة لخريستولوجيا بولس أو تفسيراتها؟) أو أن يخاطر بقراءة نفسه خارج الكنيسة بحسب ما يمليه ضميره.
ولكن رابعاً، ما لا يستطيع الباحث فعله هو تحديد الإيمان المعياريّ للكنيسة. على هذا المستوى العميق من الحياة، نصل إلى أرضيّة التأويل الشركويّة، أيّ حقيقة أنّ الجماعة المؤمنة هي تنقل المعنى وتجعله شرعياً بشكل مطلق. نحن نعيش جميعاً في جماعات إيمان، سواء دينيّة أو علمانيّة. يتبادل الناس درجات من التنوّع والوحدة في الأفكار والمعتقدات ويتمتّعون بها في إطار جماعيّ. حتّى منتدى يسوع (Jesus Seminary) يرتكز على مجموعة من الباحثين، يشكلّون جماعة إيمانيّة، مع افتراضاتهم المسبقة وقيمهم وبرامجهم المعادية للمسيحيّة التقليديّة.
كلّ المسيحيّين يعيشون في إطار كنائسهم وتقليداتهم، ولكن تتشابك بينهم بعض التشابهات والاختلافات. نحن نقرأ الكتاب المقدّس ونعمل من منظار شركويّ واسع. بغضّ النظر عن جهودنا الصادقة كي نكون موضوعيّين قدر الإمكان، فهذه الجهود يجب ألاّ تتوقّف. بالمقابل، الأشخاص الذين يتجرّأون على تغيير إطار الشركة هذا أسباب لاهوتيّة هم نادرون ويستحقّون الاحترام. فيما لا يمكن تلافي أساسنا القائم على الشركة، من الُملزِم أن نتابع حواراً علنيّاً باستقامة واحترام متبادَل على أمل أن تكون الحقيقة الجوهريّة ذاتها المقياس الأوّل للإقناع والسلوك.
على هذا الأساس، هناك بعد كنسيّ حاسم التأويل. إلى جانب التأويل بالإيمان والتأويل بالعقل والبحث العلميّ، لدينا التأويل بحسب الكنيسة. مثاليّاً، هذه الأبعاد تعمل معاً، مصحّحةً باستمرار بعضها البعض. يدخل الإيمان الشخصيّ جو خبرة الله المباشرة التي يشهد لها الكتاب. تلتزم الكنيسة بالسلطة القانونيّة للكتاب، كتابها، وبالشهادة التي هي مسؤولة عنها ومطلوب منها تفسيرها في ما يخصّ التعليم اللاهوتيّ والأخلاقيّ.
ثلاثيّة التفسير بكاملها مترابطة داخليّاً وتعمل على أفضل وجه كوِحدة متكاملة حيث القدّيسون والباحثون والمسؤولون يعملون معاً ويدمجون هذه الأبعاد. الإيمان الحارّ، بدون البحث العلميّ، قد يقود المؤمنَ إلى التقوى الأنانيّة والنزعة إلى إعاقة التقدّم وحتّى التعصّب. البحث العلميّ التحليليّ، بدون الإيمان والكنيسة، يقود الباحث إلى أكاديميّات غير ملائمة ومراجعات عشوائيّة للمسيحيّة. الكنيسة كمؤسّسة، بدون الإيمان الحارّ والبحث العلميّ، قد تنحو نحو الشكليّة وإساءة استعمال السلطة.
ينطبق نموذج نظريّة التفسير المذكور أعلاه على كلّ المسيحيّين وكنائسهم. للكلّ الحقّ وعلى الكلّ مسؤوليّة تقويم موقفهم التفسيريّ من الكتاب، ليس فقط عبر العقيدة بل أيضاً عبر الحياة. إنّ الكنائس المنفصلة بحاجة إلى متابعة مناقشة اختلافتها على ضوء البحث العلميّ. الوعد الذي يحمله هذا البحث كبير، طالما أنّه يؤخّذ جدّيّاً على ضوء التقليد الرسوليّ. من المنظار الأرثوذكسيّ، لن تكون هناك وحدة كنسيّة بمعزل عن المسيحيّة التقليديّة الرسوليّة التي ترسو على الكتاب.
ليس للكنيسة الأرثوذكسيّة حاكم magisterium، لكون سلطتها العليا هي المجامع التي يجب أن يقبل قراراتها كلّ شعب الله[28]. الأساس الجوهريّ للحقيقة هي حياة الكنيسة حيث كلّ الأعضاء، من المؤمنين العاديّين إلى الأساقفة، هم شهود ويحملون مسؤوليّة. فللجميع امتيازات وهم مسؤلون عن اتّباع الأنبياء والرسل وآباء الكنيسة في مقاربتهم سر الله والكلمة الكتابيّة.
ركّز توماس ف. تورانس، في مقال مميّز، على وجهين مقرِّرين في التقليد الأرثوذكسيّ: الأمانة الحقيقيّة واحترام السرّ[29]. هذان الوجهان ممكن رؤيتهما كحالتين أو منظارَين أرثوذكسيّين متعلقيّن بنظريّة التفسير. يشير تورانس إلى أنّ صفة “أرثوذكسيّ” في الأرثوذكسيّة الكلاسيكيّة لا تعني إخضاع فكر الكنيسة لنظام موحّد تُفرَض الحقيقة عليها من الداخل، بل بالأحرى تشير إلى توجيه أوّليّ للكنيسة إلى حقيقة الكتاب المقدّس بحسب التقليد الرسوليّ[30].
“أرثوذكسيّ” تعني “مرتبط بالحقيقة بشكل صحيح” (الأمانة للحقيقة)، حقيقة إنجيل عمل الله الخلاصيّ عبر المسيح بالروح القدس، مُعاشاً ومُحتَفَلاً به في حياة الكنيسة. لكن هناك أيضاً “احترام السرّ” حيث إنّ الصياغات العقائديّة، رغم أهمّيّتها، تأتي من دون سرّ الله المتعالي[31]. يقول تورانس عن عقائد الكنيسة: “لا يمكن اعتبار أنّها تحتوي الحقيقة في نفسها لكنّها بالأحرى طرائق لتوجيهنا نحو سرّ المسيح وسرّ الثالوث”[32].
الأرثوذكسيّة بالمبدأ لا تمنع الصياغات الجديدة في إعلان الإنجيل وتعليمه كما لو أنّ حقيقة الله مختوم عليها فقط في العقائد والكتاب المقدّس. الباحثون والمعلّمون والوعّاظ أحرار في استعمال قدرتهم الإبداعيّة إلى أقصى الحدود طالما أنّ الكتاب ملئه الرسوليّ محفوظ بأمانة للحقيقة واحترام السرّ. أعمالهم وأقوالهم يجب أن تكون بشكل يعبّر عنه تورانس: “بدل أن تأتي بين المسيح وفهمنا، تسمح للمسيح في كلّ حقيقته الرائعة وسرّه بأن يكشف نفسه لنا عبر هذه الأقوال والأعمال بشكل دائم”[33].
[1] يقدم B.C. Lategan عرضاً للتأويل
“Hermeneutic”, ABD, Vol. 3, pp. 194-155; by R.E. Brown and S.M. Scneiders, “Hermeneutics”, NJBC, pp. 1146-1165; and by the Pontifical Biblical Commission’s “The Interpretation of the Bible in the Church” in Originus as noted above.
في الأدب ممكن تمييز ما لا يقلّ عن 5 مراكز تركيز:
أ) شرح منهجيّات النقد الكتابيّ الحاليّة المختلفة كما في:
Reading in the New Testament: Methods of Interpretation by C. Tuckett.
ب) تاريخ الطرائق التفسيريّة منذ القديم إلى اليوم كما في:
The Study and Use of the Bible by J. Togerson and others (Grand Rapids: Eerdmans, 1988).
ج) مناقشة لاهوتيّة للوحي والإلهام والمقارنة بين سلطة الكتاب والكنيسة كما في:
G. Bloesch, Holy Scripture: Revelation, Inspiration & Interpretation.
د) مناقشة لغويّة-فلسفيّة لنظريّات الفهم كما في:
R.E. Palmer, Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthey, Heidegger, and Gadamar (Evanston: Northwestern University Press, 1969). وتبلغ أوجها في أعمال Paul Ricoeur و David Tracy،
هـ) معالجة لمقاربات النقد الأدبيّ الجديد كما في:
Interpreting the Bible: A popular Introduction to Hermeneutics by T.J. Keegan, O.P. (New York: Paulist, 1985).
يجد القارئ تركيبات مختلفة من هذه المقاربات.
[2] كَتَب باحثون أرثوذكس عدداً من الكتب حول الأوجه الشكليّة والتاريخيّة واللاهوتيّة للتأويل بدءاً بـِ ف. أنطونياديس (1921) انتهاءً بـِ س. أغوريديس (1979). بالمعنى الفلسفيّ الضيّق، هناك عمل ممتاز لـ
See Also A. Ugolink, “An Orthodox Hermeneutic in the West” SVTQ 27, (2, 1983), pp. 93-118; J. Breck, “Exegesis and Interpreation: Orthodox Reflections on the “Herneutical Problem” Ibid., pp. 75-92 and his book The Power of the Word; as well as M. Ford, “Seeing, But Not Receiving: Crisis and Context in Biblical Studies” SVTQ 35 (2-3, 1991), pp. 107-125.
يعبّر يوحنّا باناغوبولوس بقوّة عن البعد الآبائيّ في أعماله بما فيها مؤخراً المدخل إلى العهد الجديد (1994). لا يمكن القول إنّ الأرثوذكس قد حدّدوا لأنفسهم بوضوح كافٍ مسألة التأويل. يجب رسم الأوجه والعوامل الكثيرة في هذا العلم بدقة ووضعها في رؤيّة شموليّة. إنّ طريقة فعّالة لهذا العمل تتضمّن: التمييز بوضوح أكثر بين التفسير (exegesis) والتفسير(interpretation) ، العلاقة بين الإيمان والعقل، دور البحث العلمي وطرائقه النقديّة، كما حياة الكنيسة العمليّة وسلطتها، ومن ثم ربط هذه الأمور ببعضها البعض.
[3] Raymond Brown, “Hermeneutics,” in NJBC, p. 1152.
[4] نجد أقوى حالة للتمييز بين “ما عنى” وما “يعني” النصّ، أي بين التفسير التقويميّ والتفسير التأويليّ في دراسة الكتاب في:
Krister Stendhal, “method in the Study of Biblical Theology,” The Bible in Modern Scholarship, ed. J. Philip Hyatt, pp. 196209, and “Biblical theology, Contemporary,” IDB, Vol. 1, ed. George A. Buttrick (New York: Abingdon, 1962), pp. 418-432.
لا يصح اعتبار هذا التمييز المنهجيّ تافهاً كنوع من وسائل تحايل التأويل، وهو ما يكرّر Stendhal رفضه. إنّه تمييز أساس مساعد على الكشف (وليس فصلاً مطلقاً) لتوضيح أن العمليّتين المترابطتين الواجب مواجهتهما بشكل متعادل تكمنان في عمليّة التفسير الكتابيّة التقويميّة أو المعياريّة. بحسب Stendhal، المقاربة الوصفيّة لا تكفل الموضوعيّة إنّما فقط تدعو إلى تفحص الموضوعيّة بشكل ثابت بمقابل الميل الثابت نحو إخضاع التحيّزات والميول الشخصيّة من أجل الفهم الأكثر وضوحاً للنصّ الأصليّ وطبقات التقاليد التفسيريّة في الكتاب والأدب الآبائيّ. بقدر ما تكون الفوارق بالمعنى دقيقة على المستوى الوصفيّ، يصبح تحديّ المهمة التقويميّة أكثر وضوحاً (وليس بالضرورة أكثر سهولة).
[5] هذه الأمثلة مأخوذة من:
Gordon D. Fee, Gospel and Spirit: Issues in New Testament Hermeneutics, pp. 2-3, 5.
[6] For example, O. Kaiser and W.G. Kϋmmel, Exegetical Method: A student’s Handbook, trans. E.V.N. Goetchius (New Yor: Seabury, 1963); J.H. Hayes, Biblical Exegesis: A beginner’s Nadbook (Atlanta: John Knox, 1983); and G.D. Fee, New Testament Exegesis: A Handbook for Students and pastors (Philadelphia: Westminster, 1983).
في أيّ حال، قد يحتوي جزئياً عرض المبادئ والطرائق افتراضات تقويميّة ثقيلة، مثلاً في ما يتعلّق بدور النقد وتطبيقه كما في:
Conzelmann and A. Lindermann, Interpreting the New Testament: An Introduction to the Principles and Methods of N.T. Exegesis, trans S.S. Schartzmann (Peobody: Hendrickson, 1988).
[7] أنظر:
R.E. Palmer, Hermeneutics: Interpertation Theory in Schleiermacher, Dilthey, Heidegger, and Gadame
لسرد أهم النظريّات التفسيريّة في العصر الحديث والتي تقدّمت وتحسّنت بأعمال:
Paul Ricoeur.و David Tracy
[8] R. Brown, “hermeneutics,” in NJBC, p. 1151.
[9] في حالة أثناسيوس ضدّ الأريوسيّين وحالة باسيليوس ضدّ الإفنوميّين، أنظر:
Stylianopoulos, The Biblical Background of the Article on the Holy Spirit in the Constinopolitan Creed’, Études theeologiques 2: le lie Concile Oeucume’nique (Chambe’sy: Centre Orthodoxe, 1982), pp. 153-173,reprinted in T. Stylianopoulos, The Good News of Christ: Essay on the Gospel, Sacraments and spirit (Brookline: Holy Cross Orthodox Press, 1991), pp. 168-195.
[10] R. Brown, “Hermeneutics,” in NJBC, p. 1163.
[11] أنظر الفصل الخامس.
[12] See “English Roman Catholic-Methodist Dialogue: Justification – A Consensus Statement, “OC 24(3, 1988), pp. 270-273 J. Reumann, ‘Righteousness’ in the New Testament: ‘Justification’ in the United States Lutheran-Roman Catholic Dialogue (Philadelphia: Fortress, 1982): R.E. Brown and others, eds., Peter in the New Testament; R.E. Brown and others, eds., Mary in the New testament; E.R. Carroll, “Mary in the Apostolic Church: Work in Progress,” OC 25(4, 1989), pp. 369-380: and G. Wainwright, “Word and Sacrament in the Church’s Responses to the Lima Tex, “OC 24(4, 1988), pp. 304-327.
[13] يلاحظ R. Brown بحكمة أنّ “الفطرة السليمة تعلّم أن تقاس كلّ تربيّة على قدرة السامعين، من دون أن يعني هذا أنّه ينبغي للتعليم الكتابيّ التمهيديّ أن يكون غير نقديّ. يعني أنّ التعليم الكتابيّ التمهيديّ يجب أن يكون نقديّاً بشكل أساس”NJBC, p. 1164. ‘Hermeneutics’
[14] يشير Schlier إلى هذه النقطة المهمّة على أنّ “هدف التفسير يجب أن يكون مناسباً لدعوة الله التي وجهّها عبر الكتاب وبه. إذ إنّ هذه الدعوة من دون شيء سواها هي حقيقة الكتاب المقدّس”. يتطابق هذا الموقف مع التركيز الآبائيّ على ςόποκσ أي الهدف الرئيس أو غاية الكتاب المقدّس، كجوهر للتفسير.
(F. Hahh, Historical Investigation and New Testament Faith: Two Essays, p. 22).
[15] حول مفهوم الثاوريا أنظر الفصل الرابع تحت عنوان “منهجيّة الشرح” عند آباء الكنيسة.
[16] اقتباس من:
Maurice F. Wiles, The Spiritual Gospel: The interpretation of the Fourth Gospel in the Early Church (Cambridge: Cambridge University Press, 1960), p. 86.
يشير Wiles في الصفحات 84-86 إلى النظرة المشتركة بين آباء الكنيسة والكتاب المقدّس حول معرفة الله الاختباريّة عبر المشاركة في الحياة الإلهيّة.
[17] يعبّر الأب جورج فلوروفسكي عن هذه النظرة الآبائيّة في “خُلُق الكنيسة الأرثوذكسيّة The Ethos of the orthodox Church”، ص. 41، كما يلي: بمعزَل عن الحياة في المسيح، لا يحمل اللاهوت أي قناعة، ومفصولاً عن حياة الإيمان، يستطيع اللاهوت أن ينحلّ إلى مجادلات فارغة…اللاهوت الآبائي كان متأصلاً في الالتزام القاطع بالإيمان…”اللاهوت” ليس غايّة بحدّ ذاته. إنّه دائماً طريق. لا يمثّل اللاهوت أكثر من إطار فكريّ للحقيقة المعلَنة، شهادة “نوسية” (نسبةً إلى النوس) لهذه الحقيقة.
لا يمتلئ هذا الإطار بالفحوى الحيّة إلاّ بممارسة الإيمان. (لفهم وافٍ عن النوس أنظر: “الفكر الكنسي الأرثوذكسي” للميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، ترجمة الأب أنطوان ملكي، تعلونيّة النورالأرثوذكسيّة للنشر والتوزيع، 2002، ص. 27. (المترجم))
[18] So ohilip Rousseau, Basil of Caeseres, pp. 106-112, 117f.
[19] كان الآباء الكبادوكيّون المدافعين عن العقلانيّة بقدر ما كانوا ضدّ الاستفاضة فيها.
So Jaroslav Pelikan, Christianity and classical Culture (New Haven: Yale University press, 1993), p. 128).
[20] بحسب فلوروفسكي في “خُلُق الكنيسة الأرثوذكسية”، ص. 40، دعوة “اتّباع الآباء القديّسين”، ليست “إشارة إلى تقليد مجرّد، إلى صياغات وعبارات. إنّها بالدرجة الأولى دعوة إلى أشخاص، إلى شهود قدّيسين”. بالنسبة إلى فلوروفسكي، هذا ينطبق أيضاً على الرسل لأن الكنيسة، كونها رسوليّة وآبائيّة، هي على الدرجة ذاتها من الالتزام بالإنجيل الرسولي كما بالعقيدة الآبائيّة.
[21] أنطر الملحق رقم 2.
[22] John Panagopoulos, Εɩ’σαϫωϫή σԏήѵ καɩѵη Δɩαθηκη (Athens: Akritas, 1994), pp. 433-434.
يشدّد باناغوبولس في هذا العمل على نقطة مهمّة مفادها أنّ الكتاب المقدّس ليس وديعة من صياغات نهائيّة لحقائق أزليّة إنّما هو شهادة لسرّ الله في عمله الخلاصيّ، وهو سرّ فائق الوصف.
[23] M. R. Mulholland, Jr. Shaped by the Word: The Power of Scripture in Spiritual Formation, p. 64.
[24] Luke T. Johnson, The Writings of the New testament: An Appreciation (Philadelphia: Fortress, 1986), 99. 7-8.
[25] الترجمة العربيّة من غريغوريوس النزينزي: الخطب 27-31 اللاهوتيّة. سلسلة النصوص اللاهوتيّة. نقلها من اليونانيّة إلى العربيّة الأب يوحنّا الفاخوري. (بيروت: منشورات المكتبة البولسيّة، 1993)، ص. 104-105.
[26] يعرض N. T. Wright تطرف أشخاص أمثال A. N. Wilson, J, Spongو B. Thiering في كتابه (Grand Rapids: Eerdmans, 1992) Who Was Jesus? فيذكر أن تطرفهم هو بلا أساس. فالبعض من هؤلاء المتطرفين هو من أعداء المسيحيّة اللدودين والبعض الآخر هو من زعماء الأصوليّين الذين يسيئون استعمال البحث العلميّ ويقدّمون استنتاجات مفاجئة تشوّش غير العالم. إنّ تعهد البحث الصحيح يشكّل الطريقة الأكثر فعاليّة في ضحدهم.
[27] هذا يتوافق مع موقف R. Brown في كتبه العديدة وفي عمله “التأويل” في NJBC، ص. 1163-1164.
[28] K. Ware “The Ecumenical Councils and the Conscience of the Church,” in Kanon: Jahrbuch der Gesellschaft fϋr das Recht der Ȍstkirchen (Wien: Herder, 1974), pp. 217-233.
يقدّم كاليستوس وير في هذا المقال وصفاً ممتازاً لطبيعة الكنيسة المجمعيّة في سعيها للحياة بسلطة الحقيقية المطلقة، حقيقة الله. لشرح عن التفسير السلطويّ للكتاب المقدّس في الكنيسة الكاثوليكيّة بما فيها سلطة البابا المطلقة، أنظر R. Brown في المرجع المذكور سابقاً.
[29] Thomas F. Torrance, The Relevance of Orthodoxy (Stirling: Drummond Press, n.d.), pp. 9-19.