الشعور بالنقص لعيوب جسمية

الشعور بالنقص لعيوب جسمية

ألا من كلمات معزية ومشجعة لشبان وشابات يشعرون بالنقص، واحد لأنه أقصر من أقرانه، وآخر لأنه يتلعثم في الكلام، وآخر لعيب جسدي فيه، وآخر لبدانته، وآخر لنحافته الشديدة، وأخرى لدماثة شكلها مما يُعرضهم لسخرية الآخرين بالكلام الصريح أو التلميحات؟

الشعور بالنقص لعيوب جسمية

أجاب د عصام عزت

لكل إنسان سواء مؤمن أو غير مؤمن، ضعفاته ونقائصه، وكذلك مزاياه وحسناته، والله لم يعطِ لأي شخص مهما كان كل شيء، أو يحرم شخص من كل شيء. وقد تكون هذه النقائص ظاهرة مثلما ذكرت في الشكل أو الطول أو الوزن، أو طريقة الكلام، وقد تكون خفية لا يراها الآخرون، مثل الخوف، أو الطمع أو خلافه.

  • الله إله التعويضات عندما يسمح بنقص في حياة شخص فهو يعوض بشيء آخر مثل أن يكون متقدمًا دراسيًا، أو محبوبًا من الآخرين، أو حكيم في أفكاره… إلخ.
  • الشعور بالنقص لا يأتي بالضرورة نتيجة نقص فعلي، فكثيرون من الذين عندهم عيوب فعلية لا يشعرون بالنقص، وكثيرون ممن يشعرون بالنقص ليس لديهم عيوب ظاهرة، لكن هذا الشعور يأتي من مشغولية الشخص الكثيرة بنفسه، ولا سيما مشغوليته بنقاط ضعفه، ومقارنة نفسه بالآخرين في هذه الناحية.
  • الله دائمًا يرى المؤمن كاملاً وبلا عيوب مطلقًا؛ لأن المؤمن أصبح في المسيح، فالله يراه كاملاً مثلما يرى المسيح، والمؤمن إذا نظر لنفسه نفس نظرة الله له سيفرح لأن الله هو الذي يُقيّمه تقييمًا صحيحًا.
  • عندما يأتى الرب ستختفي فعليًا كل نقائص الجسد؛ لأنه سيُغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده.
  • انشغل بكل ما يُخرجك خارج نطاق التفكير في نفسك، ولا سيما في نقائصك، اطلب من الرب أن يشغل ذهنك خارج هذه الدائرة.
  • اشكر الله على ما منحك من مزايا وهى كثيرة إن تذكرتها، وكل يوم فيها جديد. وتأكد أن الله يحبك ويُقدّرك كما أنت.

أضاف د عادل حليم

من جهة طول القامة أو قصرها: إن الفرد لا يُقيّمه الناس بطوله أو قصره بل بمدى ما يحدثه من تأثير في الآخرين، وما ينقله إليهم من مشاعر دافئة.. فالشخصية الاجتماعية المرحة المنفتحة على الآخرين قادرة أن تحقق ذاتها مهما كان طول الشخص، فالعبرة بالروح والحيوية. لا تستسلم لشعور النقص أو صغر النفس.. حقق ذاتك بشكل أفضل، وسوف يقتنع بك الآخرون من خلال بريق شخصيتك الذي سوف يطغي على كل صفات جسدية مجردة.

فما تحتاجه الآن هو أن تثق أن قيمة الإنسان ليست في مقاييس جسمه بل في شخصيته، وأهمية دوره في المجتمع، ومحبته للآخرين؛ لذلك حاول أن تتصرف في تعاملك مع الآخرين بصورة طبيعية عادية دون أن تضع في اعتبارك أي نقص في الصفات الجسدية، بل حاول أن تتجاهله وتنمي عوضًا عنها مقاييس أعلى. وتأكد أن الناس سوف يحكمون عليك من كلامك وتصرفاتك ومواقفك الإنسانية، فتلك هي الأهم والأثبت والأبقى.

الشعور بالنقص لعيوب جسمية

من جهة عدم قبول الشكل:أنتِ تجدين صعوبة في قبول الذات بسبب عدم الرضا عن ملامح الوجه، ولن أقول لكِ ألا تهتمي بالجمال الخارجي بل أقول إنه بمقدورك أن تصبحي أكثر جمالاً، إذ يمكنكِ أن تطوري إحساس الآخرين بجمالك، وأظن أن المعلومة التالية سوف تكون ذات فائدة خاصة:

  • غالبًا ما يتولد إحساس الناس بجمال شخص ما نتيجة إدراكهم لحضوره الشخصي ككل، وبالتالي يتأثر تقييمهم لمدى جماله من خلال التفاعل معه ككيان عقلي وجداني أخلاقي روحي جسدي ككيان واحد، وليس لمجرد الإعجاب بجمال جزء ما من كيانه.
  • جمال الجسد إذًا جزء من الجمال الكلي للشخص، والذين يهتمون بتنمية قدراتهم العقلية (بالقراءة والحوار…) واكتساب خبرات التعامل الراقي مع الآخرين، والتدريب على الاهتمام الشخصي بالآخرين، وإبداء مشاعر المحبة المعطاءة، تتولد لديهم جاذبية خاصة للآخرين تفوق مَنْ هم أجمل جسمانيًا.
  • في العلاقات الشخصية نلاحظ أن الجاذبية أهم من الجمال الجسدي، وكذلك في اختيار شريك الحياة، فكم من شباب يُعجبون بفتيات لأنهم انجذبوا إلى شخصياتهن التي تشع حضورًا متميزًا بغض النظر عن شكل الوجه أو الجسم بالمقاييس المجردة للجمال.

الخلاصة: عندما يسعى الشخص لتطوير شخصيته، وتنمية علاقاته بالآخرين ولا يعتزل الناس، بل يتفاعل معهم، ويهتم بحياته الروحية، عندئذ سوف يشع منه حضورًا متميزًا أجمل من الجمال.

 

الشعور بالنقص لعيوب جسمية

الصحة والمرض في التقليد الكنسي – دكتور جورج عوض

الصحة والمرض في التقليد الكنسي – الباحث جورج عوض إبراهيم

الصحة والمرض في التقليد الكنسي – دكتور جورج عوض

الصحة والمرض في التقليد الكنسي – دكتور جورج عوض

مقدمة :

يربط العهد القديم كل مرض بسبب معين، لذلك فان العهد القديم أعطى انطباعًا بأن المرض ليس هو نتيجة طبيعية لانتهاج أسلوب حياة ما لكن عقاب على الخطية فُرض من قبل الله على الإنسان. إن المبادئ الأولى للفكر الشفائي والذي يبحث في إيجاد سبب لكل مرض يرجع إلى التأثيرات المصرية واليونانية. لكن نجد عند الأنبياء العظام أطباء وأدوية تشفى الجراح (إش7:3، إر22:8)، وفى حكمة سيراخ أعطى قوانين للصحة.

كما أعطت في تعاليم الربانيين اليهودية أهمية عظمى للأعشاب كوسيلة للشفاء، مثل الزيت والخمر (لو34:10). كما أن الأمور الجراحية والتشريحية قد نظروا إليها (اليهود) بكل تقوى. لكن ظل الطبيب الحقيقى والفريد هو الله. إن تحديد العلاقة بين القوة الإلهية الخلاقة والمهارات الإنسانية هى صعبة لكن ظل الاتجاه لاستخدام الاثنين مع التشديد على القوة الإلهية. وهكذا فإن الصلاة هى الطريقة الأساسية للشفاء ، والشرط الضرورى للشفاء هو غفران الخطايا والذى يستلزم توبة ورجوع إلى الله[1].

وهكذا فإن الشفاء وغفران الخطايا مرتبطان ارتباطًا مباشرًا (إش10:6، مز2:6، 2:29، 5:40)، ” الذى يغفر جميع ذنوبك الذى يشفى كل أمراضك ” (مز2:103). وهنا يشفى تشير إلى مدى إحسان الله من أجل خلاص الإنسان. فالشفاء الجوهرى هو إعادة وتصحيح العلاقة بين الإنسان والله، لذا يصلي الكاهن مترجيًا:

[ أطلع أيها المتحنن من سمائك  المقدسة، وحلّ في عبدك المعترف بزلاته، المقبل إليك بأمانة ورجاء. وأغفر له غلطاته، إن كان بالفعل أو بالفكر. طهره من كل خطية، وأحفظه بقية زمان حياته سالكًا في وصاياك، لكي لا يفرح به العدو دفعة أخرى. وبهذا يتمجد اسمك القدوس][2].

هذا والشفاء (النفسى والجسدى) أيضًا يؤسس على مقدرة الإنسان فى أن يغفر (حكمة سيراخ3:28)، وهذا هو هدف قراءة البولس من كولوسي (12:3ـ17) في الصلاة السادسة في سر مسحه المرضى، إذ ينصحنا قائلاً: ” فالبسوا مثل أصفياء الله المطهرين الأحباء مراحم، رأفات، صلاح، وتواضع قلب، دعه، وطول روح. تحتملون بعضكم بعضًا. وإذا كان لوم بين واحد وآخر منكم فكما غفر المسيح لكم كذلك أنتم أيضاْ..” (كو12:3ـ17).

وكذلك قراءة الإنجيل لنفس الصلاة من (لوقا36:7ـ50)، والذي يبين موقف المرأة الخاطئة التي سكبت الطيب على قدمي المسيح، إذ أحبت كثيرًا، فغفر لها كثيرًا، لذا وبخ المسيح سمعان الفريسي ممتدحًا عمل المرأة قائلاً: ” إن خطاياها الكثيرة مغفورة لها لأنها أحبت كثيرًا “. فبينما الرؤساء غير الأتقياء يهملون العمل الذى وضعه الله للاهتمام بالضعفاء والمنسحقين (أر14:6).

نجد الخدام الحقيقيين يعرفون جيدًا أن الله قد وضع لهمذا العمل “روح الرب على لأن الرب مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى لأعصب منكسرى القلب لأنادى للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق ” (إش1:61)، ولذلك يصلي الكاهن في أوشية المرضى قائلاً:

[ تعهدهم بالمراحم والرأفات، أشفهم. أنزع عنهم كل مرض وكل سقم، وروح الأمراض أطرده. والذين أبطئوا مطروحين في الأمراض أقمهم وعزّهم، والمعذبون من الأرواح النجسة أعتقهم جميعًا. الذين في السجون أو المطابق. أو الذين في النفي أو السبي، أو المقبوض عليهم في عبودية مرة، يا رب أعتقهم جميعًا وأرحمهم. لأنك أنت الذي تحل المربوطين وتقيم الساقطين][3]. إن فيلون اليهودي قد آمن بهذه الأفكار “ عندما يأتى على الذهن التفكر في الله، مباشرة يتبارك ويشفى من كل الأمراض” [4].

 

إن يسوع المسيح يقرّ بعلاقة المرض والخطية (مر5:2)، (يو14:5) وفى نفس الوقت قد حررّ هذا الارتباط من أي مفهوم للانتقام، من الفكر أو الاعتقاد بأن المرض هو نتيجة خطايا أناس أشرار، مشددًا على أن الإنسان الأكثر تقوى هو خاطئ يكفى أن به أعراض مرض جسدي ونفسي (يو4:11)، (لو1:13 وفيما بعد) وهكذا وضع المسيح المرض تحت نور جديد تمامًا.

على الجانب الآخر فإنه من الواضح، في العهد الجديد، أن الأمراض المستعصية هي بمثابة شرور تتعارض مع خطة الله في الخلق، لذلك في طلبة الصلاة الأولى لسر مسحة المرضى يصلي الكاهن قائلاً: [ أيها السيد الرب يسوع المسيح ملك الدهور، مخرج كل الموجودات من العدم إلى الوجود (الخلق) ما يرى وما لا يرى، الذي جاء بإرادته وبكثرة رحمته قد تنازل بالتدبير (التجسد)، ليخلصنا من موت الخطية وغلبة المضاد. السريع الإحسان، والمتأني في العقاب، المخيف مراراْ كثيراْ من أجل الخيرات العتيدة. أذكر يارب مراحمك… وامنح الشفاء لعبدك هذا الذي التجأ تحت ظلال كنفك لأنك أنت محب البشر ][5].

وبناء على ذلك فإن العهد الجديد يستنكر أى فكر يضاد محاولات الإنسان لكى يتحرر من هذه المتاعب، إن فعل الشفاء الذي قام به السامري الصالح في (لو34:10) كان معروفًا آنذاك فى اليهودية والسامرة. ويؤكد ذلك ذكر عدد 14 من رسالة كولوسى 4 ” يسلم عليكم لوقا الطبيب الحبيب وديماس ” وأيضًا نصائح بولس لتيموثاؤس ” لاتكن في ما بعد شّراب ماء بل استعمل خمرا قليلا من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة ” (1تيمو23:5).

كذلك كانت صورة المسيح كطبيب منتشرة ومعروفة في التقليد الكنسي، وكل الأناجيل تستخدم فعل “شفى” والذى تخص عمل المسيح خاصة في (لوقا17:5، 19:6)، (أع38:10،…).

إن مصطلح “شفى” أستُخدم أساسًا في (لوقا32:13) بينما استخدامه ضمنياً صار في مقاطع من نصوص أخرى. إن المسيح نفسه يعلن عن ذاته كطبيب في حالات كثيرة، وهذا في معناه العميق يجب أن يفهم على أن هذا يخص حدث الخلاص [ يا طبيب المرضى وغافر الخطايا، المنقذ من الشدائد كل الآتين إليك. يا ميناء الخلاص من حركات الأمواج وهياجها . أصنع رحمة مع المتضايقين بالأمراض، ونجهم من الموت الرديء ] [6].

 

المرض كتأديب إلهي

إن الصحة في العهد القديم هي جزء من الحياة التي هي عطية من الله، فعندما صلى حزقيا الملك إلي الله لكي تُرد صحته، قد أشار هذا الحدث على أنه لا توجد فجوة بين الحياة الطبيعية والتي إليها تنتمي الصحة والحياة أمام الله، والاثنين هما مرتبطان ارتباطًا لا ينفصل.

أن الصحة التى يقدمها المسيح هى صحة الإنسان كله (يو7: 23)، لكن فى العهد القديم، المرض يقدم من أول وجه كعقاب بسبب خطايا الإنسان.

يعلق يوسابيوس القيصرى على كلام إشعياء قائلاً : [ بالرغم من أن بعض الخطايا التى حدثت هى بسبب الضعف الإنسانى إلاّ أن الله أحزن أولئك الذين أخطئوا وعاقبهم مثل الأب الذى يؤدب أولاده ” لأن ذاك الذى يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله ” لكن بسبب أنكم أحسستم بتربيتى وحزنتم حزناً شديدًا بحسب الله ومشيتم وتجهمتم نادمين، لذلك وأنتم ترون رجوعكم وتوبتكم وأعمالكم وطريقة حياتكم بعد هذا، أشفيكم وأريحكم معطيًا إياكم الراحة الحقيقية] [7].

 

يتضح من هذا النص أن التوبة تعنى تغيير طريقة الحياة، والتى بها يتحقق الشفاء. يقول أبوليدس إن الله [ يستميل الذين لا يؤمنون، بأمراض وبمتاعب ][8]. أيضًا ديداخوس فوتيكوس[9] يقول: [ كما أن الشمع إن لم يلين لا يمكن أن يقبل الختم الذى يوضع فوقه، هكذا الإنسان إن لم يجرب بالآلام والأمراض لا يمكن أن يتسع لختم فضيلة الله. لذلك من جهة يقول الله لبولس العظيم ” تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف تكمل “. ومن جهة أخرى يصرخ الرسول قائلاً: ” فبكل سرور أفتخر بالحرى في ضعفاتي لكى تحل علىّ قوة المسيح ” (2كو12: 9)][10].

وعلينا أن نتذكر أن نص سر مسحة المرضى يصف المسيح قائلاً: [ السريع الإحسان، المتأني في العقاب، المخيف مراراْ كثيراْ من أجل الخيرات العتيدة][11]. لكن هل هناك تناقض بين ما قيل سابقًا وما يقوله الرسول يعقوب ” لا يقل أحد إذا جُرِّب إني أُجرَّب من قِبَل الله لأن الله غير مجرب بالشرور وهو لا يجرب أحدًا. ولكن كل واحد يُجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته. ثم الشهوة إذا حبُلَت تلد خطية والخطية إذا كمُلَت تنتج موتًا ” (يع1: 13ـ15)؟

ويعلق القديس كيرلس الأورشليمى على نص يعقوب الرسول هذا مؤكدًا بأن المسيح هو الطبيب الذي يشفى أولاً النفس ثم بعد ذلك الجسد وليس العكس بتاتًا لأنه يقول: ” لا تعود  تخطئ لئلا يكون لك أشر“، إنه يوجه كلامه لنا جميعًا، فإذا سقطنا في أوجاع وآلام كثيرة لا ننسب كل هذا إلى الله لأن الله غير مجرب بالشرور وهو لا يجرب أحد [12].

إن العلامة أوريجينوس يشرح التناقض الذي يبدو ظاهرًا فى أقوال العهد القديم قائلاً:

[إن كلام الله يحقق بالضرورة “القلع والنقض والهلاك” وبعد ذلك “البناء والغرس” (إرميا1: 9 10)، ودائمًا يؤكد الكتاب المقدس على الأمور التي تبدو عابسة، ويذكرها أولا وبعد ذلك يذكر الأمور التي تبدو مفرحة ” أنا أُميت لكي أُحي ” لم يقل ” أنا سوف أعمل لكي أُحي” وبعد ذلك “سأميت”، لكن ” أنا أميت وسأعمل لكي تحيا “. من سأقتله؟ ” شاول الخائن، شاول المضطهد ” وسأعمل لكي يحيا ” لكي يصير بولس رسول يسوع المسيح “. لو فهموا هذا الذى أقوله هؤلاء المُتعبين الذين يأتون من الهرطقات، فلن يقولوا لنا دائمًا أرأيتم إله الناموس كم هو متوحش وغير إنساني ويقول ” أنا أُميت وسوف أعمل لكي تحيا ” .

هكذا يبدأ بالكلام الأكثر حزنا والذي هو ضروري،  مثل “سأميت” وبعد ذلك طالما أمات “سوف أعمل لكى تحيا، سوف أضرب وسوف أشفى ” (تث32: 39)، لأن ” الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله ” (عب6:12). أولاً يضرب وبعد ذلك يشفى ” لأنه هو يجرح ويعصب يسحق ويداه تشفيان ” (أيوب5 :18). يجب أن يقتلع الشر من الأساس، يجب أن يحرق بناء الشر من نفوسنا، حتى تبنى كلمات الله و تتجذر،   لأنة لا يمكن بغير ذلك أن أفهم هذا الذي قد كتب ” أعطى كلامي في فمك ” ماذا تفعل هذه الكلمات ؟ ” لتقلع وتنقض وتهدم ” الكلمات تقلع ” الأمم “، والكلمات تنقض “الممالك” لكن ليست الممالك العالمية والجسدية ] [13].

 

يستخدم العهد القديم لغة مناسبة لإنسان عصره، يصف المرض على أنه عقاب من الله، لأنه بذلك فقط يستطيع أن يحمى إنسان ذلك العصر من نتائج أفعاله المدمرة. وأيضًا في العهد القديم يشدد على أن الإنسان يمرض بسبب أنه يخالف نواميس الله, التي تطلب من الإنسان أن يحيا بطريقة تتفق مع طبيعته. وهكذا فإن العهد القديم يلمح على أن الإنسان يمرض لأنة يخالف وصايا الله إذ يختار العيش بطريقة معاكسة لطبيعته: “ لكن إن لم تسمعوا لى ولم تعملوا كل هذه الوصايا. وإن رفضتم فرائضي وكرهت نفوسكم أحكامى … فإنى أعمل هذه بكم أُسلط عليكم رعبًا وسلاً وحمى تفنى العينين وتتلف النفس ” (لا26 :14-16)، أنظر أيضًا (تث28: 15، 21، 22، 27، 28، 35).

 

إن الإنسان، وهو مخالفًا وصايا الله، قد أخلّ بنظام الخلق وبالتالى كابد نتائج اضطراب النظام الكونى، وهذا ما يؤكده القديس غريغوريوس النزينزى: [ الكل قد زُين بنظام والمنظم هو اللوغوس … إذن بنظام قد تكوّن الكون… ومن جهة عندما يحفظ الإنسان النظام، فالكون يمثل تحفة وجماله لا يتغير، ومن جهة أخرى فإن الفوضى واللا نظام يُحدث صواعق فى الهواء، زلازل فى الأرض، فيضانات فى البحار، الحروب فى المدن وبين الأهالى، والأمراض فى الأجساد… كل هذا… اضطراب وفوضى… لأن النظام يربط أما الفوضى تحل ][14].

وهذا هو الهدف الذي من أجله تصر الكنيسة على الصلاة من أجل: المرضى والمسافرين ومن أجل الأثمار والرئيس والراقدين والموعظين وذلك أثناء ممارسة سر مسحة المرضى، وكأنها صلاة من أجل كل الكون الحامل للمرض وذلك بسبب السقوط. وهكذا عندما يخالف الإنسان وصية الله يؤذى طبيعته، والمرض هو نتيجة هذا السلوك المضاد لطبيعته. خلق الله العالم لكى يستخدمه الإنسان بطريقة معينة، وعندما لا يستخدمه هكذا كما تتطلب طبيعته، فالعالم بدلاً من أن يقوت الإنسان، يؤدى إلى موته [15].

 

السقوط والمرض

بناء على القراءة المتأنية للعهد القديم فإن المرض هو نتيجة خطية الإنسان، بمعنى أن الإنسان يمرض لأنه ينتهك طبيعته، وأيضًا يُفسد طبيعة مخلوقات الله الأخرى. أما بحسب العهد الجديد، فإن المرض يتعارض مع قصد الله الخالق، ويرجع إلى تأثير القوات الشيطانية، عمومًا توجد علاقة بين الخطية والمرض والتى تعلن فى حالات معينة (متى22:12 وفيما بعده، لوقا16:13، يوحنا14:5، رومية20:8، 1كو30:11) لكن المسيح يتخطى الاعتقاد السائد للعقاب “لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه” (يو3:9)، وقدَّم شفاء وغفران.

 

فالمسيح عندما يشفى، فإنه يشفى كل الإنسان: [ وحسنًا قال النبى “حملها” (إش4:53، مت17:8) ولم يقل إنه ” شفى ضعفاتنا ” لئلا إذ تكون هذه الضعفات خارج جسده هو، وهو يشفيها فقط ـ كما كان يفعل دائمًا فإنه يترك البشر خاضعين للموت، ولكنه حمل صعفاتنا، احتمل هو نفسه خطايانا، لكى يتضح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذى حمل الضعفات، هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه لم يصبه ضرر أبدًا ، “ بحمله خطايانا فى جسده على الخشبة “، كما قال بطرس (1بط24:2) فإننا نحن البشر قد افتُدينا من أوجاعنا وامتلأنا من بر الكلمة][16]. إ

ن الوجود الإنساني الواحد (جسدًا ونفسًا) الذى لا يتجزأ يمثل الاعتقاد السائد والتعليم الواضح للكنيسة، وهذا ما تؤكده صلوات سر مسحة المرضى. [ تباركت أيها الرب إلهنا الصالح طبيب أنفسنا، بجراحاتك شُفينا أيها الراعي الصالح، الذي طلب الخروف الضال. يا معزي صغيري القلوب. الذي أبرأ حماة سمعان من حمتها الصعبة، والنازفة الدم من مرضها القديم . الذي عتق ابنة الكنعانية من الروح النجس. الذي ترك للغريم الدين الذي علية. الذي غفر للزانية خطاياها. الذي برر العشار. الذي قبل إليه اعتراف اللص في آخر حياته، وأنعم علية بالفردوس ] [17].

 

إن القديس باسيليوس الكبير يميز بين الوسائل الشفائية والطريقة الشفائية، فالوسائل هى الدواء وأى وسيلة شفائية لكن الطريقة الشفائية هى المواجهة الكلية للمرض[18].

إن الربط بين المرض والسقوط هو وارد أيضًا فى صلوات الكنيسة لسر مسحة المرضى, ويقول ذهبى الفم: [ ماذا يحدث إذن؟ يسألون، أليس كل الأمراض تأتى من الخطايا؟ بالتأكيد ليست كلها لكن كثير منها، بعضها من الخمول. كما أن النهم والسكر والبطالة تجلب الأمراض.. أما إن الأمراض توجد بسبب الخطية فهذا يأتى من كتاب الملوك حيث نرى شخص أصيب بالنقرس لأجل هذا السبب صارت هذه الأمور هكذا لكى نصير نحن أفضل، كما قال الله لأيوب ” لا تظن أفعل لك بهذه الطريقة لسبب آخر إلاّ لكى تظهر فضيلتك “] .

 

يذكر القديس باسيليوس الكبير سببين آخرين لوجود المرض فى حياة الإنسان:

أولاً: تأتى الأمراض بسبب أن الشيطان يطلب هذا كما هو واضح من حالة أيوب .

ثانيًا: القديس يمرض كما في حالة بولس الرسول [حتى لا يبدو أنه لديه شئ أكثر من طبيعته][19].

أيضًا يعلم القديس باسيليوس أن الله ليس مسبب للمرض، لأن الله ليس مسبب للشرور، لكن الخطية التى إن لم تكن سبب مباشر للمرض يمكن أن تكون سبب غير مباشر. فيمكن أن يكون سبب مرض شخص ليس خطيئته الشخصية ولكن خطية شخص آخر (مثل الحوادث بسبب إهمال الآخرين). على الجانب الآخر، إننا نمرض أيضًا بسبب الظروف الطبيعية، والتى هى أيضًا نتيجة الخطية البشرية، لأن الطبيعة ” تئن وتتمخض “.

الله لم يلغِ نتائج الخطية البشرية كالأمراض والضعف والكوارث .. لأنه لو فعل ذلك سيلغي الحرية البشرية التى هي العطية الثمينة من الله إلى الإنسان، بمعنى أن يصادر كل محاولات الإنسان فى إيجاد حلول لمشاكله وممارسة إمكانياته كمخلوق على صورة الله ومثاله.

 

 

أما في حالات معينة يحدث فيها المرض كنتيجة لظروف خارجية، لا يكون على الأقل نتيجة اختيار بشرى، وعندئذ فإنه ممكن أن يتدخل الله بدون إلغاء الحرية البشرية (كما يحدث فى المعجزات). ربما أن حالة المولود أعمى توضح ذلك، يقول القديس أثناسيوس [ تفوه الرب قائلاً ” لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه ” (يو9: 3).

بمعنى أن عماه الآن ليس هو بسبب خطايا لكن خطأ الطبيعة، مثل نبات قبل أن ينبت من الأرض، تعرضت جذوره مرات كثيرة لضرر وظرف ما خارجى، هكذا الأعمى منذ ولادته، تعرض للإعاقة فى بطن أمه، سواء أن الحضن الأموى لم يكن بحالة جيدة أو لأن البذرة الأبوية أُعطيت مشوهة. هذا الذى سيستطيع أن يصلح الطبيعة المعيبة سيبرهن على أنه ليس شئ آخر إلا خالق الطبائع ][20].

 

بداية المرض

يتساءل القديس باسيليوس الكبير من أين الأمراض، من أين الإعاقات الجسدية؟ لأن المرض ليس خليقة الله، فالله خلق الكائنات الحية كما يجب ومنح لها الحياة الكاملة لكن تعرضت للمرض بسبب تغيرهم من حالتهم الطبيعية ويؤكد قائلاً [ لأنهم فقدوا صحتهم إما بسبب طريقة معيشية سيئة أو بسبب أى أمر آخر يجلب المرض . حسنًا خلق الله جسد وليس مرض ][21].

أيضًا يتحدث القديس باسيليوس عن الموت قائلاً :

[.. أخطأ ” آدم ” بسبب اختياره السيئ ومات بسبب الخطية ” لأن أجرة الخطية هي موت ” (رو23:6)، أى بقدر ما يبتعد عن الحياة، بقدر ما يقترب من الموت. لأن الله هو الحياة، بينما الموت هو غياب الحياة. حتى أن آدم جلب موته بابتعاده عن الله بحسب قول الكتاب “لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون ” (مز72: 27). هكذا الله ليس هو الذى خلق الموت، لكن نحن قد جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة] [22].

 

طرق ووسائل تتميم الشفاء

          يقول القديس غريغوريوس اللاهوتى فى رثائه لأخته غورغونيا، إنها حفظت صحتها الجسدية: ” نفسها قوية محمولة بالجسد”، وينصحنا: [ هكذا أنتم أيضًا جميعكم، المرضى والأصحاء، الذين تؤمنون بهذا يجب أن  تحفظوا صحتكم لكى تستمتعوا بها ][23].

وهكذا لكى يكتسب الإنسان عمليًا صحته المفقودة، وليس فقط التخلص من الأعراض، من الضرورى أن يهدف لأن تكون نفسه قوية متحررة من الخطية، مغيّرًا طريقة حياته. بمعنى أنه من الضرورى والهام أن يغير موقفة فى الحياة ورؤيته عن هذه الحياة. بكلام آخر لابد أن يتوب [ لأنه كما أن الزارع يغير نوعية النباتات، على الأكثر فإن اهتمام النفس التى تتفق مع الفضيلة يمكن أن تنتصر على أى نوع من المرض][24].     

 

          إن موقف حزقيا يُذكّرنا بقول إشعياء: ” بالرجوع والسكون تخلصون. بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم ” (إش30 :15)، فقد وجَه وجهه إلى الحائط وصلى إلى إله السموات قائلاً:     ” يارب أذكرنى ” (إش38: 3)، ويؤكد يوسابيوس فى تفسيره لإشعياء إصحاح 7 على إنه     [ سوف تشفوا فورًا من كل أمراضكم، لو رجعتم من الضلال السابق وتعلمتم أن تعيشوا حقيقةً بتقوى] [25].

إن الله يَعد بواسطة إشعياء كما يؤكد كليمنضس الرومانى لمعاصريه: [.. لو أوقفتم هذا وأتيتم إلى الله بواسطة ربنا يسوع المسيح ستكونون فى حالة جيدة وستنالون بجانب شفاء الجسد نفوسًا صحيحةً.. وهكذا أنتم أنفسكم سوف تفهمون وستعملون هذا الذى هو صحيح وستصيرون محبوبين عند الله وستشفوا ] [26].

 

          والقديس يوحنا ذهبي الفم، فى حديثة عن المفلوج، يقول : [ لكى تُستعاد الصحة لابد من التوبة وغفران الخطايا لذلك فإن المسيح لم يبدأ من شفاء العَرض، لكن يقول ” ثق يا ابني مغفورة لك خطاياك”، وهذا قد فعله بحكمة عظيمة. لأن الأطباء يعتادون على أن لا يشفوا الأمراض أولاً، لكن يزيلوا أسبابها. مثلما يحدث مرات كثيرة عندما تتعب عيوننا من إفراز سيئ ورشح ضار، يترك الطبيب شفاء إنسان العين المريض ويعتنى بالرأس، حيث يوجد جذر ومنبع المرض، هكذا فعل المسيح يجرد أولاً مصدر الشرور.

لأن منبع الشرور وجذر وأصل كل مرض هى الخطية. إنها تشّل أجسادنا، إنها تجلب الأمراض. لذلك هنا يقول ” ثق يا بني مغفورة لك خطاياك” (مت9: 2)، وهناك يقول ” ها أنت قد برئت. فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشر ” (يو5: 14). معلنًا فى الاثنين أن هذه الأمراض وُلدت من الخطايا. وفى بداية الخلق أهان المرض جسد قايين بسبب الخطية. لأن ذاك بعد أن قتل أخاه، بعد هذا العصيان، عانى شلل فى الجسد. لأنه لكى يرتجف أحد، فهذا معناه أن لديه شلل.

حقيقةً أن المرض يُضعف قوة المرء التى تغذى العضو، فلا تستطيع أن تتحكم فى كل الأعضاء، وتتركها خارج عنايتها، عندئذ فإن تلك الأعضاء بسبب الرخاوة ترتجف ولا تكون ثابتة. هذا ما أظهره بولس، لأنه بينما يشتكى الكورنثيين لأجل خطية ما، يقول ” لأجل ذلك بينكم كثيرون ضعفاء ومرضى ” (1كو11: 30)، لذلك فإن المسيح أولاً أزال سبب الشرور، وطالما قال ” ثق يا بنى مغفورة لك خطاياك ” أنهض عزيمته وأقام نفسه العليلة، لأن الكلمة صارت عمل ودخلت فى الوعى ولمست النفس وطردت كل قلق.

حقيقةً لا شئ يجلب سعادة كبيرة ولا يمنح ثقة قدر أن لا يدين أحد ذاته ” ثق يا بنى مغفورة لك خطاياك ” لأنه حيث يوجد غفران الخطايا، هناك توجد البنوة ] [27].

 

            إن المواجهة الحقيقية للمرض، عند ذهبي الفم، هى تلك التي ترمى أو تهدف إلى كل الإنسان، إذ يحلل بكل دقة وبطريقة علمية كيف أن الإحساس بالتخلص من الخطية يساهم مساهمة فعّالة فى استعادة الصحة. إنها نفس الطريقة التي يفضلها يعقوب الرسول ” أمريض أحد بينكم فليدع شيوخ الكنيسة فيصلوا علية ويدهنوه بزيت باسم الرب وإن كان قد فعل خطية تغفر له ” (يع5: 14ـ15).

إن صلوات الكنيسة وأسرارها تستطيع أن تحمينا وتشفينا من الأمراض لكن على شرط الإيمان والتوبة. إن التقليد الأصيل الكنسى يشدد دائمًا على أن قوة سر تقديس الزيت فى مسحة المرضى لا تقدم شفاء لو أن المريض لا يغير طريقة حياته. إن الطبيب الحقيقي هو الله والشفاء الحقيقي يتحقق فقط، عندما يحيا الإنسان وفق الطريقة التي يعلنها المسيح، لأنها تكون وفق طبيعة الإنسان.

لذلك يكتب القديس أثناسيوس عن القديس أنطونيوس، أنه كان يترجى [ أولئك الذين يعانون، لكى يصبروا، وليعرفوا أن الشفاء لا يأتى منهم ولا من الآخرين، لكن فقط من الله، الذي يفعل ما يريد ولمن يريد ] [28].

          ويصف إشعياء عمل المسيا كعمل شفائي: ” روح الرب علىّ لأنه مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى لأشفى المنكسرى القلوب لأنادى المأسورين بالإطلاق وللعمى بالبصر وأرسل المنسحقين فى الحرية ” (لو4: 18ـ19). والقديس أغناطيوس الإنطاكى يعظ قائلاً:  [ يوجد طبيب واحد جسدى ونفسي يسوع المسيح ربنا] [29].

لذلك وضعت الكنيسة بحكمتها قراءة الإنجيل من (لوقا10: 1ـ9)، وذلك في الصلاة الرابعة لسر مسحة المرضى، التي تتكلم عن تعيين الرب للسبعين رسولا لكي تشدد على رسالة الكنيسة الشفائية والخلاصية ، إذ تصلي على لسان الكاهن قائلة:

[ أيها الرب المؤدب الشافي، الذي يقيم المسكين من الأرض ويرفع الفقير من المزبلة، أب الأيتام وقاضي الأرامل، ميناء الذين في العاصف، طبيب السقماء، الذي حمل أمراضنا ورفع آثامنا، القريب في المعونة المتأني في العقاب ،الذي نفخ في وجه تلاميذه وقال لهم : أقبلوا الروح القدس من غفرتم لهم خطاياهم غفرت لهم. أنت الذي تقبل توبة الخطاة أيها الشافي من الأمراض ][30].

والعلامة أوريجينوس يشدد على  البعد الكنسي (السلطان الكنسي) الممثل فى التلاميذ عندما يؤكد على أن المسيح الطبيب يشفى ليس فقط الجرح الجسدي ولكن النفسي لأنه بعصيان آدم [ سقط الإنسان في أنواع أمراض نفسية وجسدية، وأعطى (المسيح) للتلاميذ سلطان على الأرواح النجسة التى تزرع مثل هذه الأمراض، وذلك لكى يخرجوها ][31].

لذا يطلب الكاهن قائلاً:

[ أرسل له الشفاء سريعًا. وأغفر له آثامه. وأمنح الصحة لسائر جسده وجميع أعضائه. أرحه من كل سقم وحل كل آلامه الجسدية. وأزل ضيقاته وأحزانه، يا من لا نرجو آخر سواك ][32]. أيضًا يصلي الكاهن طلبة أخرى في الصلاة السابعة قائلاً: [ الله الآب الصالح طبيب أجسادنا وأرواحنا الذي أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح ليشفي كل الأمراض وينقذ من الموت. أشف عبدك من أمراضه الجسدية. وامنحه حياة مستقيمة، ليمجد عظمتك ويشكر إحسانك وتكمل مشيئتك من أجل نعمة مسيحك ] [33].

          ويؤكد أيضًا أوريجينوس، في تفسيره لسفر أيوب: [ إن المسيح أتى من السموات ليشفينا من الأمراض المستعصية، والتى ما كان لنفوسنا أن تُشفى منها بدونه ][34].

 

العمل الشفائي لكلمة الله

يؤكد العلامة أوريجينوس على أن [ هدف الناموس والأنبياء هو شفاء البشرية ] [35].

إن كلمة الله تحمي الإنسان من المرض وتشفيه عندما يمرض، يقول السيد المسيح ” الحق الحق أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد” (يو8: 51)، ويكمل صاحب المزمور قائلا : ” أرسل كلمته فشفاهم ونجاهم من تهلكاتهم ” (مز107: 20).

          ويعلق أوريجينوس: [ ” أرسل” (يو6 :28، 29) الله ” كلمته فشفاهم ” كما مكتوب في المزامير، أى هؤلاء الذين كانوا مرضى، هؤلاء الذين يؤمنون بكلمته يتممون ” أعمال الله ” التي هي ” الطعام الباقي للحياة الأبدية “، و” أبي” يقول ” أعطيكم الخبز الحقيقي من السماء. لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة إلى العالم “. “الخبز” الحقيقي هو ” ذاك ” “الذي يطعم الإنسان الحقيقي” الذي خُلق “بحسب صورة الله” (تك1: 26)، وذاك الذي يُطعَم يصير ” شبيه بذاك الذي خلقه “.

ما هو الأكثر شفاء للنفس أفضل من كلمه الله؟ أو ما هو الأغنى للذهن الذي يحتوي على حكمه الله؟ ما هو الأكثر مناسبة للطبيعة العاقلة أفضل من الحقيقة؟ ][36]. وهكذا فإن معرفة الحقيقة تحفظ الإنسان في صحة جيدة وتشفيه عندما يمرض، لذا يشدد يوسابيوس القيصري قائلاً: [ الكلمة تعتبر قادرة على الشفاء والخلاص][37]. عندما لا يسمع الإنسان كلمه الله، والتي تكشف له كيف يجب أن يعيش، عندئذ يمرض، وعندما يمرض لا يستطيع أن يُشفى.

يقول الرب إلى إشعياء: ” أذهب وقل لهذا الشعب اسمعوا سمعًا ولا تفهموا وأبصروا إبصارًا ولا تعرفوا. غلظ قلب هذا الشعب وثقل أذنيه وأطمس عينيه لئلا يبصر بعينيه ويسمع بأذنيه ويفهم بقلبه ويرجع فيُشفي ” (أش6: 10). حقيقةً إن كلمات الله تشفي ، وفيها نجد الدواء المناسب لكل مرض ، هذا ما يؤكده القديس ذهبي الفم : [ أ رأيتم أحبائي، أنه كل ما هو مكتوب في الكتاب لم يعطى لذاكرتنا إلا فقط لفائدتنا ولخلاص الجنس البشري؟ إذن فكروا في كل هذا، وليحتفظ كل واحد منا بالأدوية المناسبة لذاته.

لذلك فإنها في خدمه الكل ويمكن لكل واحد أن يستخدم الدواء المناسب للمرض الذي يقلقه ويستمتع سريعًا  بصحته، طالما لم يرفض الشفاء، لكن يُظهر اعترافًا بالمعروف لأنه لا يوجد لا وجع جسدي ولا نفسي من تلك الأمور التي تعذب النفس البشرية لا تُشفى من هنا. ماذا يعني، أخبرني؟ إذا أتى إلى هنا شخص  مقهور من الضيق ومن ظروف الحياة إذ هو غارق في الكآبة. عندما أتى وسمع مباشرة النبي يقول ” لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيّ.

ترجي الله لأني بعد أحمده، خلاص وجهي وإلهي ” (مز43: 5)، وطالما أخذ عزاءً كافيًا، وطرد كل تلك الضيقة سيذهب. آخر أيضًا وُجد في حالة صعبة مقهور من الفقر المدقع مشاهدًا الآخرين، وهو متضايق، يَسبَحون في الغنى ويفتخرون ويعتدون بذواتهم، وهذا أيضًا يسمع نفس النبي يقول ” ألق على الرب همك فهو يعولك ” (مز55: 22)، وأيضًا ” لا تخشى إذا استغنى إنسان إذا زاد مجد بيته.

لأنه عند موته كله لا يأخذ ” (مز49: 17ـ18). آخر أيضًا يتعثر من النميمة والوشاية ويعتبر أن حياته لا تُطاق، طالما لا يمكن أن يجد بتاتًا مساعدة بشرية. لكن هذا يعلِّمه النبي الطوباوي أنه فى مثل هذه الظروف لا يجب أن يلجأ إلى حماية بشرية ، إذ يسمعه يقول ” بدل محبتي يخاصمونني أما أنا فصلاة ” (مز109: 4) . أ رأيت من أين يسأل الحماية؟.. ][38]. إن القديس ذهبي الفم، في هذا النص، يبرهن لنا كيف أن كلمة الله تعمل كدواء خلاصي لشفاء الأسباب العميقة التي تجلب الأمراض الجسدية.

 

 

خاتمة :

          مما سبق نجد أن الله ليس هو مسبب للمرض، ولكن الإنسان فى سقوطه جلب على نفسه قضية الموت والمرض اللذين أصابا طبيعته. دخل الموت وبالطبع المرض إلى العالم، كما يعلمنا القداس الإلهى ” بحسد إبليس “. لذلك الموت هو غياب النعمة الإلهية عن الطبيعة البشرية، لأن الله لم يخلق الموت. أصبحت طبيعة الإنسان حاملة للمرض والضعف وذلك بعد السقوط ، وهنا عندما نربط بين الخطية والمرض، نقصد الربط بين السقوط والمرض، أى بين ضعف الطبيعة البشرية الذى قاد إلى المرض والموت .

والمسيح حمل أوجاعنا وآلامنا  ” إذ بجلدته شُفينا “، لكن لم يمحِ المرض تمامًا ولا الموت من الإنسان كما ذكرنا. لأننا نرى فى المرض تأديب من الله الآب لأبنائه. وأيضًا سمح الله بالموت، حتى لا يصير الشر (الموت) خالدًا، ومن جهة أخرى حتى يقيم الله الإنسان بالقيامة ويعطيه فرصة للتوبة أمام مشهد الموت [39].

 

          إن الله هو الحياة بذاته ، بينما الإنسان يشارك فى حياة الله بحسب نعمة الله، وهذه الحياة تتحقق فى الإنسان بقدر ما يرتبط بعلاقة صحيحة مع الله، بقدر ما يجتهد فى طريق الكمال والفضيلة. إذن الانفصال عن الله هو المرض الذى يؤدى إلى الموت. إن رسالة المسيح كما جسدها إشعياء النبى: ” روح الرب علىَّ لأن الرب مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى لأعصب منكسرى القلب لأنادى المسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق ” (إش1:61).

هذه الرسالة تحملها الكنيسة اليوم، إذ تمثل حضور المسيح فى التاريخ. ولا نجد أى تعارض بين محاولات الإنسان الدائمة للسيطرة على الأمراض والانتصار عليها عن طريق الطب والوسائل التكنولوجية الحديثة، وبين رسالة الكنيسة. إنما ما نريد التركيز عليه هو أن الكنيسة تضع أصبعها على أصل الداء كما تعلمت من المسيح، فالسقوط والخطية يجلبان المرض والموت. والعلاج لابد وأن يبدأ من العمق لينال الإنسان الشفاء الكامل (نفسيًا وجسديًا).

لذلك عندما تركز صلوات سر مسحة المرضى على غفران الخطايا وشفاء النفس وتصحيح العلاقة بين الله والإنسان، هى تتكلم فى نفس الوقت عن صحة الجسد أيضًا. إن طلبة الصلاة الثالثة لسر مسحة المرضى تعلن هذه الحقيقة، إذ يقول الكاهن : [ تباركت أيها الرب إلهنا الصالح طبيب أنفسنا، بجراحاتك شُفينا أيها الراعى الصالح الذى طلب الخروف الضال. يا معزى صغيرى القلوب. الذى أبرأ حماة سمعان من حمتها الصعبة، والنازفة الدم من مرضها القديم.

الذى عتق ابنة الكنعانية من الروح النجس. الذى ترك للغريم الدين الذى عليه. الذى غفر للزانية خطاياها. الذى برّر العشار. الذى قَبِلَ إليع اعتراف اللص فى آخر حياته، وأنعم عليه بالفردوس. الذى حمل خطايا العالم. الذى سُمِرَّ بإرادته وحده.

نسأل ونطلب إليك، ونتضرع ونصرخ نحوك، لكى تغفر لعبدك ولنا نحن عبيدك جميع آثامنا، الذاتية وغير الذاتية، إن كان بمعرفة وبغير معرفة، الليلية والنهارية، التى أتت منا والتى وردت علينا من آخرين، التى من الحواس الظاهرة أو الضمائر المخفية، التى من حركات الروح أو الجسد، لأنك إله صالح محب للبشر . طهرّنا من كل ذلاتنا، وأهدنا وساعدنا لكى نسلك فى طريق الحياة الأبدية، لا طريق الموت الدهرى.

نعم يارب سامح عبدك بجميع ذلاته. وأملأ فاه من تسبحتك. وأبسط يديه إلى فعل وصاياك. وهيئ أقدامه إلى طريق الخلاص. وحصن أعضائه وأفكاره بقوتك. أنت يارب قلت لنا على أيدي رسلك الأطهار (الكنيسة):

إن كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا فى السموات ، وما تحلونه على الأرض يكون محلولاً فى السموات. وأيضًا قلت : إن من غفرتم له خطاياه غُفرت له ، وكما سمعت لحزقيا عند ضيقة نفسه فى ساعة موته ولم تُعرِض عن طلبته، كذلك أيضًا اسمعنى … ونرسل الشكر لمراحمك ولعظمتك ولك المجد مع أبيك الصالح غير المبتدئ، وروحك القدوس المحيى الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور . آمين . ] [40].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 لذا نجد الكنيسة وهى تمارس سر مسحة المرضى قد استقت تعاليمها من الكتاب المقدس، ولذلك يقول الكاهن في الطلبة الأخيرة للصلاة الأولى لسر مسحة المرضى: (وأمنح يارب الشفاء لعبدك الذي التجأ تحت ظلال كنفك لأنك أنت محب البشر. أغفر له ما عليه، وما صنعة في سائر عمرة وأترك له جميع زلاته التي صنعها بإرادته وبغير أرادته) صلوات الخدمات فى الكنيسة القبطية، الناشر مكتبه المحبة، ص 136 .

2  المرجع السابق، ص 140.

3  المرجع السابق، ص130 – 131.

[4] Legum Allegoriae 111,215

5  صلوات الخدمات ، ص136.

6  صلوات الخدمات ، ص132.

[7] BEPES 23,227.

[8] BEPES 6,170

9  هو أحد الكُتّاب الكنسيين اليونانيين فى القرن الثامن عشر .

[10] PG65,1167 .

11 صلوات الخدمات ، ص136.

12  أنظر39,268-269 BEPES.

[13] BEPES 11,21.

[14]  EPE2,38.

15 أنظر باسيليوس الكبير  EPE4,182-184.

16  أنظر أثناسيوس الرسولى وهو يعلق على إشعياء 53 : 4 فى الرسالة ضد الآريوسيين مقالة 3 : 31 .

17  صلوات الخدمات، ص 143.

18  أنظر باسيليوس الكبير, تفسير إشعياء ، BEPES 56,82.

[19] EPE8 ,404 .

20  أثناسيوس الرسولى، حديث عن المولود أعمى،  BEPES,36,249.

[21] EPE 7,106.

[22] EPE 7,10.

[23] EPE 6,372.

24  باسيليوس الكبير، عن الفضائل، BEPES 57,205.

[25] BEPES 23,32-34.

[26] BEPES 1,251.

[27] EPE 26,178.

28 أثناسيوس، عن حياة أنطونيوس ، BEPES,33,40.

[29] BEPES2,265.

30  صلوات الخدمات، ص 146 – 147.

[31] BEPES 14,290-291.

32 صلوات الخدمات، ص 147.

33  صلوات الخدمات، ص 159.

34  BEPES 15, 287 أنظر متى4: 23، 10: 1، 5، 7، 8.

35 أوريجينوس، في تفسير متى، BEPES 14,302:25.

36  أوريجينوس، BEPES 10,279-280.

[37] BEPES 21,25.

38  ذهبي الفم، عظة29 عن التكوين، EPE 3,219-223.

[39] Erhna…ou, /Elegcoj, E/ II, 3, III, 1.

40  صلوات الخدمات ، ص 144.

الصحة والمرض في التقليد الكنسي – الباحث جورج عوض إبراهيم

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

 

معايير الأصالة والصحة

كيف يقوم العلماء النقاد بتحديد ما إذا كان يسوع قد قال شيئاً مما كُتب في الاناجيل ؟

إنهم يستخدمون ما يُطلق عليه “معايير الصحة والأصالة” .ورغم أنه توجد العديد من تلك المعايير ,إلا أننا سوف نناقش بالتحديد أربعة من أهمها .

 

معيار الاختلاف (التباين)

أول هذه المعايير هو معيار الاختلاف والتباين .يقول هذا المعيار أساساً أنه إذا وجد قول يُنسب إلى يسوع ولكنه يختلف عن تعاليم اليهودية في أيامه ,وعمّا علمته الكنيسة الأولى فيما بعد ,فلا بد أن يكون هذا القول صحيحاً .والسبب في هذا يسهل فهمه:فإن كان مثل هذا القول لا يمكن ان يكون قد وجد في اليهودية قبل يسوع,فهناك إذاً سبب وجيه للتفكير في أنه يرجع له وليس لشخص قبله . وإن كانت الكنيسة الاولى لم تتبنى هذا القول ,فعندئذٍ يكون من الواضح أنهم لم يخترعوا هذا القول ويضعوه على لسان يسوع. تذكر “مدرسة يسوع” [هي مدرسة تشكيكية ناقدة] ما يلي على أنه حقيقة ,فتقول “إننا نعرف أن البشيرين كثيراً ما نسبوا كلمات مسيحية ليسوع –فجعلوه يتحدث كمسيحي.” ما إذا كان هذا الجزم غير الممحص له ما يبرره أم لا ,فهذا هو ما لن نتناوله هنا ,إذ أننا نود أن نشير ببساطة إلى أن قول يسوع أشياء تفرد بها هو معيار مهم .

لكن عادة ما يقتصر تطبيق هذا المعيار على اختلاف يسوع عن اليهودية أكثر منه عن المسيحية .فمثلاً تشير “مدرسة يسوع” إلى أن ما جاء في (مرقس 15:7),”ليس شيء خارج الانسان إذا دخل فيه يقدر أن ينجسه .لكن الاشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الانسان.” لا بد بالتأكيد أن يكون صحيحاً وأصيلاً لأنه يعتبر “ضد تقاليد وتعاليم ديانته تماماُ ” ,ولكن هذا المبدأ قد علمه المسيحيون الاوائل مثلاً في (1تيمو 4:4) “لأن كل خليقة الله جيدة ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر لأنه يقدس بكلمة الله والصلاة “ وهكذا فإنه يقتصر على يسوع فقط.

على أن هناك مشكلة رئيسية تختص بمعيار الاختلاف ,وهي أنه إذا تم مراعاته بصرامة وجمود ,فإن يسوع الذي يتبقى لدينا سيكون يسوع غريباً –شخصاً ليس لديه أي شيء مشترك مع اليهودية في عصره ,وليس لديه أي تأثير على أتباعه ! وكما يعلق داريل بوك :”إذا تأكد كلا جانبي التباين ,بحيث يختلف يسوع عن كل من اليهودية والكنيسة الأولى ,فسيصبح يسوع عندها شخصاً غريباً وشاذاً ,ومنفصلاً تماماً عن تراثه الثقافي ومنعزلاً فكرياً عن الحركة التي كان مسئولا عن تأسيسها .بل إن المرء ليتعجب كيف استطعنا أن نتعامل معه كشخصية حقيقية”

 

المشكلة الثانية المتعلقة بهذا المعيار هي أن علماء كثيراً ما يستخدمونه لكي يقدموا تقييماً سلبياً لمسألة ما إذا كان يسوع قد قال شيئاً على الإطلاق .ولكن في ضوء ضعفه الأصلي الأول ,فإن هذا المعيار في الحقيقة يمكن شرعياً استخدامه فقط لتقديم تقييم ايجابي ,أي أنه يجب إلا يستخدم لإنكار أن يسوع قد قال شيئاً ما (حيث أن ما قاله يمكن حقاً أن يشبه اليهودية في عصره ,أو الكنيسة الأولى),هذا الامر حقيقي بالنسبة لجميع معايير الاصالة تقريباً: فلا يجب أن تُستخدم هذه المعايير لإنكار ما يُمكن أن يكون يسوع قد قاله ,ولكن فقط لتأكيده .ولكن للأسف فإن علم النقد يطبق هذه المعايير بطرق لم تصمم لأجلها .فإذا حاولنا أن نطبق هذا المعيار على عمل “مدرسة يسوع” ,فالمرء يتساءل عما يمكن أن يتبقى من عملهم- إذ إن ما يقولونه هم قد قاله كثيرون غيرهم ,قبلهم وبعدهم.

 

المشكلة الثالثة هي أن “مدرسة يسوع” وغيرهم كثيراً ما طبقوا هذا المعيار في غير الإطار المناسب له ,إذ أنه حتى عندما يجتاز قول ما أكثر اختبارات التباين صلابة ,فإن أصالته رغم ذلك يمكن رفضها .فمثلاً يبدو أن يسوع هو الشخص الوحيد في اليهودية القديمة الذي قام بوضع كلمة “آمين” (أو الحق) في بداية عباراته هو الخاصة .ففي اليهودية ,كانت كلمة “آمين” تستخدم فقط لتأكيد مشيئة الله أو للاتفاق مع بعض العبارات التي تختص بشخص الله . لكن في الأناجيل ,استخدم يسوع كلمة “آمين” (الحق) في بداية عبارات قالها هو شخصياً كما لو أنه يقول إن ما هو مزمع أن يعلنه هو مشيئة وكلمته .وفي الخمس والعشرين مرة التي تكررت فيها كلمة (الحق) في إنجيل يوحنا ,كانت دائماً ما تُقال مزدوجة (مثل “الحق الحق أقول لكم …”) كما أن استخدام هذه الكلمة في الاناجيل المتشابهة وفي انجيل يوحنا يختلف عن أي استخدام لها في اليهودية أو في المسيحية الاولى .وبطريقة مشابهة تقريباً ,كان استخدام يسوع كلمة “الحق ” يشير إلى عبارة مقدسة عن “تاريخ ملكوت الله المرتبط بشخصه” .وهكذا فإن لدينا في كلمة “امين” أو كلمة “الحق” ,التي تسبق جملة “أقول لكم” التي قالها يسوع ,التعليل اللاهوتي لشخص المسيح وعمله كله في إيجاز تام “.وهذه العبارات يتفرد بها يسوع ,كما أن لها محتوى متماسك متسق –وهو محتوى يخاطب ما يعتقده في نفسه عن علاقته بملكوت الله.

 

 

لكن قبل أن نناقش ما تفعله “مدرسة يسوع” بتلك الاقوال المنفردة ليسوع ,يجب أن نقول كلمة ما عن “خرزاتهم الملونة”.فقد قامت مدرسة يسوع بعمل إعلانات دولية لاستخدام هذه الخرزات ,في الاغلي لأن جمهور العامة استطاع أن يستوعب الفكرة بسهولة .فيقوم كل عضو من مدرسة يسوع بالتصويت عن طريق إلقاء خرزة في صندوق .وكل خرزة سواء كانت حمراء أو وردية أو رمادية أو سوداء كان لها معنى من المعاني التالية :

 

الحمراء:لقد قال يسوع هذا بالتأكيد أو شيء مشابه له تماماً

الوردية :ربما قال يسوع شيئاً كهذا

الرمادية :لم يقل يسوع هذا ,لكن الافكار المحتواة في هذا القول هي قريبة من أفكاره .

السوداء :لم يقل يسوع هذا القول ؛فهو يمثل نظرة أو محتوى تعليم لاحق مختلف

 

فكيف تتعامل “مدرسة يسوع” مع مثل هذا القول المتفرد ؟من ضمن الخمس والسبعين “آمين” (الحق) التي قالها يسوع في بداية عباراته ,هناك أربعة مرات فقط اعتبرت أنها من المحتمل أن تنسب إلى يسوع بصورة ما (وجميعها تأخذ اللون الوردي) .بالإضافة إلى ذلك , يوجد عشرون قولاً باللون “الرمادي “,أما البقية(واحد وخمسون)فهي سوداء . فما الذي جعل “مدرسة يسوع” يرفضون معظم أقوال يسوع التي سبقتها كلمة “الحق” ؟ لا بد أن هناك معياراً اخر تفوّق على معيار الاختلاف , وسوف ننظر إلى مثال اخر لكي نرى ما هو هذا المعيار

 

بحسب الأناجيل الأربعة كان “ابن الإنسان” تعبير يسوع المفضل عن نفسه. ولكن الأمر غير المعتاد بشأن هذا التعبير هو أنه غير موجود تقريباً ولا في الأدب اليهودي القديم ولا في تقاليد المسيحية الأولى –فيما عدا أن يسوع نطق به. ومن هذا يستنتج العالم الانجليزي سي أف دي مول ما يلي:

إن أبسط تفسير للاتساق الكامل الذي يقتصر فيه المفرد المعرّف على الأقوال المسيحية هو أن نفترض أن يسوع كان يشير إلى دانيال 7 ,الذي يتحدث عن “ابن الإنسان (الذي تعرفوه من تلك الرؤية) “…فإن نسب التعبير ليسوع نفسه ليس معناه إنكار أن بعض مرات ورود عبارة ابن الإنسان في الأناجيل ربما أضيفت إلى الأقوال الأصلية ؛ولكني لا يوجد سبب يمنع من وجود أصل رباني لكل من النوعين الرئيسين للأقوال

على الأقل يجادل مول من معيار التباين على أصالة أقوال مثل “ابن الإنسان” في الأناجيل .

 

فماذا تفعل “مدرسة يسوع ” في مع مثل هذه الأقوال ؟ يشير بوك إلى أنها “تستثنى من كونها أصلية, إلا عندما تصف البشر على أنهم ابن الإنسان ,وهو استخدام يعترض عليه اليهودية من خلال استخدامه في المزامير وفي سفر حزقيال!لكن السبب في استثناء لقب “ابن الإنسان” هو حقيقة أنه يعبر عن نظرة متفوقة لاهوتية ليسوع على أنه المسيح.”

أما بخصوص التطبيق غير الملائم “مدرسة يسوع” لهذا المعيار ,فيلاحظ بوك الآتي:

إن ما يكشف عنه مثال “ابن الإنسان ” ربما يكون معياراً خفياً (مقياساً للاهوت المسيح) في تقييم الحلقة الدراسية للأقوال ,أي أنه إن كان رأي ينادي بأن يسوع هو أكثر من مجرد حكيم وراو للأمثال ,يكون غير أصيل وغير صحيح.ولكن وجهة النظر هذه تستحق الانتباه . فإنه من ناحية أخرى ,إذا كانت معايير النقد لا يتم تطبيقها بصورة ملائمة بواسطة علماء مدرسة يسوع , فإنه بالتأكيد يمكن تبرير الادعاء بالتحيز , .ومن ناحية أخرى إذا كان يسوع مجرد حكيم وراو للأمثال ,فلماذا إذاً كل هذه الجلبة بشأنه؟ من أين إذاً أتت كل هذه العداوة الشديدة التي تحيط به ؟ وكيف يمكن لهذه الأمثال أن تفسر الرفض الذي تعرض له ,وكيف يمكن إعطاء أقل قدر من الأصالة لموضوعات تختص بالحكم والأمثال فحسب؟

يثير بوك هنا العديد من النقاط المهمة.فليس فقط أن مدرسة يسوع متناقضة في تطبيق مبادئها الشخصية بسبب تحيزها الشديد ضد رؤيتها ليسوع على أنه أكثر من مجرد إنسان .ولكن هذا التحيز أيضاً يتركهم مع يسوع يعتبر موته كمجرم سراً ضخماً .فجميع المؤرخين يعرفون أن النتيجة لا بد وأن يكون لها سبب كاف .ولكن لا يكون لمدرسة يسوع التي قامت باختراع وتوليف شخصية يسوع ,سبب كاف لنتيجة الصلب .

يمكننا هنا أن نضيف شيئاً ,سنناقشه بصورة أكثر شمولية في بقية هذا الكتاب .ففي القرن الأول الميلادي ,كانت حالة اليهود المؤمنين بعقيدة التوحيد قوية للغاية .ولكن الأناجيل كانت تقدم يسوع على أنه أكثر من مجرد نبي ,وأكثر من مجرد حكيم ,وأكثر من مجرد راوِ للأمثال .فإن أفعاله وكلماته تظهره على أنه يكاد يدعي الإلوهية وبالتأكيد فإن اليهودية في عصر يسوع كانت ستعارض هذا الأمر-وقد عارضته بالفعل ! ولكن هل قبل المسيحيون الأوائل هذا الادعاء بسهولة ؟ ومن حيث أن المسيحيين الأوائل كانوا في الأصل يهوداً, فقد كان لديهم هم أيضاً نفس المشاكل المتعلقة بهذه الفكرة, مثل بقية الناس في ثقافتهم اليهودية .فإلى الحد المتعلق بأن الأناجيل قد تأصلت في التربة الفلسطينية ,يكشف معيار التباين أن يسوع هو أكثر من مجرد إنسان ,ولكن إذا كان المرء ببساطة غير منفتح لهذا الاحتمال ,عند ذلك فقط سيتم رفض هذا المعيار –وبالتالي ,رفض لاهوت المسيح.

 

 

 

معيار البراهين المتعددة

المعيار الثاني هو معيار البراهين المتعددة .يقول هذا المعيار :”عندما يبدو إن قولاً ما يأتي من مصادر متعددة(م,ل,ك, مرقس) أو في صيغ متعددة (مثلاً في إطار معجزة ,أو مثل ,أو رؤية) فإنه بذلك يكون متعدد البراهين.زلكي نتذكر ما قلناه في بداية الفصل .فإن “م,ل,ك,مرقس”تشير إلى المصادر الاربعة التي استخدمها متى ولوقا .فحرف “م” ببساطة يشير إلى المادة التي تفرد بها متى ,وحرف “ل” هو المادة التي تفرد بها لوقا,و”مرقس” هو انجيل مرقس ,أما “ك” فإنه يشير إلى المادة المشتركة بين لوقا ومتى ,التي ربما قد كتبت أو كانت مصدراً شفهياً أو مزيجاً من الاثنين معاً.

 

وكما فعلنا بالنسبة لمعيار التباين والاختلاف ,فإن التطبيق الصارم لهذا المعيار سيقدم لنا مفهوماً مشوهاً عن يسوع ,إذ يقبل فقط تلك الاقوال التي رددها يسوع في سياقات مختلفة وبطرق مختلفة ,ولكنه سيترك الكثير من الاقوال التي نطق بها يسوع في مواقف متفردة أو قالها مرة واحدة فقط .لكن ,مثل معيار التباين ,يعتبر هذا معياراً محدوداً في أنه يجب استخدامه فقط للتوكيد الايجابي لما قاله يسوع .إذ أنه لو كان أحد أقوال يسوع قد تم تسجيله مرة واحدة ,فهل هذا يعني أنه لم يقله حقاً ؟ في هذه الحالة لو أننا طبقنا مثل هذا المعيار على معظم الشخصيات التاريخية القديمة الاخرى ,سيكون علينا أن نلقي بمعظم ما نعرفه عن التاريخ القديم في سلة المهملات ! وكما يشير بوك :”هذا المعيار مفيد فيما يحويه ,إلا أنه على الانسان أن يحذر لئلا يفترض أن الفشل في البرهنة على قول يأتي من مصادر متعددة يكون سبباً كافياً لرفضه”.

 

لكن للأسف تستخدم “مدرسة يسوع” واخرون غيرهم هذا المعيار بكل من الطريقة الايجابية والسلبية .ومع ذلك ,فإن كنا سنطبق هذا المعيار على الكتابات المنسوبة لروبرت فانك- التي تعتبر أكثر كثيرا من كلمات يسوع في الانجيل- فكيف ستنجح في الاختبار ؟ فالبعض من كتبه كانت على طليعة التعليم الكتابي ,بينما وصفت كتب أخرى له بأنها استفزازية على أقل تقدير ,وماقاله في تلك الكتب لم يتردد في أعمال أخرى له .كان كثيراً ما يتعامل مع موضوع واحد في الكتاب الواحد ,ويتجاهل الموضوع تماماً في كتبه التالية ,فهل هذا يعني أنه لم يكتب بالفعل تلك الكتب او لم يقل ما قاله ؟

بالاضافة إلى ذلك ,فإنه مثل معيار التباين , يتم تطبيق معيار البراهين المتعددة بصورة متناقضة بواسطة “مدرسة يسوع ” .فكر مثلاً في التعبير “قد أتيت” ,أو “أن ابن الإنسان قد أتى”, وهو أحد التعبيرات المفضلة ليسوع التي كان يقدم بها لإرساليته .يرد هذا التعبير في العديد من المصادر,بل انه في الحقيقة موجود في الأربعة المصادر المتشابهة –م,مرقس,ك,ل(انظر متى 17:5؛19:11(م)؛مرقس 17:2؛45:10(مرقس),متى 34:10-35لوقا 49:12-51(س) ؛ولوقا 10:19(ل). فكونه يتكلم عن ارساليته (التي يتضمنها التعبير قد أتيت) فإن هذا يظهر بوضوح أنه أكثر من مجرد حكيم ,أو شاعر ,أو فيلسوف قروي . ويدخل ضمن هذا الخليط من الاقوال أيضاً (مرقس45:10) “لأن ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليُخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين “وقد لاحظ داريل بوك , وهو واحد من أفضل العلماء في إنجيل لوقا في عصرنا الحاضر ما يدعو للسخرية في قوله :

تعتبر “مدرسة يسوع ” أن الكثير من هذه الاقوال المشهورة “من صنع مرقس” .فلماذا يرفضون هذا القول ؟

إن القول الاصلي بحسب رأيهم ,كان عن الخدمة ,وليس الفداء .وهكذا فإن مفهوم الخدمة يخص يسوع , ولكن فكرة الفداء ليست من عنده .وهم يجادلون على أن نسخة انجيل لوقا المختصرة تشير إلى أن مرقس صنع تغييراً وقدم صورة أكثر لاهوتية لما كان في الاصل مجرد مثل ,رغم أن انجيل مرقس في هذه الحالة ,يرى الجميع أنه أول الاناجيل !

ثم يختم بوك في الاشارة إلى التناقض في أساليب “مدرسة يسوع” قائلاً :

مرة أخرى فإن المعيار الحقيقي الذي يطبق على القول ليس هو معيار البراهين المتعددة , ولكنه معيار مقاييس ألوهية المسيح الخفية للمدرسة, التي تطبق حتى عندما يسير برهان المصدر في اتجاه معاكس .في الحقيقة ,يمكن للمرء أن يفترض أن لاهوت المسيح هو الموضوع الحقيقي للجدل حول الكثير من الأقوال , أكثر منه حول التاريخ أو التطبيق الموضوعي لمعايير مجردة .وبنوع من الطريق الملتوي , فإن القول عندهم يتم قبوله لأنه يعكس نوعاً معيناً من لاهوت المسيح المقيد المصوغ بحسب انطباع لم يتم خلقه بواسطة التطبيق المتسق للمعايير , ولكن بواسطة لاهوت مسبق مقيد ومحدود .وقد تم تأييد هذا اللاهوت المحدود لأن يسوع كان من وجهة نظرهم مجرد حكيم وراوٍ للأمثال , على أساس الاقوال المقبولة منهم .

 

معيار الاتساق

المعيار الثالث هو معيار الاتساق والاتفاق .ويناقش هذا المعيار ان كل ما يكتشفه العلماء عن يسوع في الاناجيل ,يجب ان يكون متفقاً أومتسقاً مع بقية الصور التي رسمها العلماء ليسوع الحقيقي أو التاريخي .وبالطبع ,فإنهم بقدر ما قد رسموا صورة غير دقيقة عن يسوع الحقيقي ,فإن هذا المعيار لن يكون صحيحاً  .والان تقوم “مدرسة يسوع” بتأكيد 18% فقط من كلمات يسوع على أنها صحيحة وأصيلة وأنها تنسب ليسوع سواء شفهياً أم ناحية المفهوم .وحيث أن تلك البيانات الأساسية قليلة للغاية ,فإن يسوع في نظرهم شديد الصغر كذلك . إن تناقضهم في تطبيق المعيارين الآخرين قد أعطاهم صورة منحرفة عن يسوع .وهكذا فإن معيار الاتساق لا يصبح صحيحاً وملائماً إلا إذا تم تطبيق المعيارين الأولين بطريقة سليمة .

 

معيار الحرج

المعيار الرابع هو معيار الحرج , وهو يتعلق بالامور الموجودة في الأناجيل , التي يمكن رؤيتها على أنها كانت محرجة بالنسبة للمسيحين الأوائل , أو للتلاميذ , أو حتى ليسوع .فالسبب الوحيد الذي لأجله تم وضع مثل هذه الأمور المربكة والمحرجة في الاناجيل هو أنها قد قيلت بالفعل .فمن الصعب تصوّر أن المسيحين الاوائل قد اختلقوا أموراً محرجة لهم عندما كان لديهم بالفعل مشاكل كافية للاضطهادات ! ورغم أن هذا المعيار شديد الأهمية , إلا أنه مثل بقية المعايير , لم تستخدمه مدرسة يسوع بصورة سليمة.

فمثلاً يعلن يسوع في (مرقس32:13) “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الاب ” .فقد اعتادت الكنيسة الاولى أن تنظر إلى يسوع على أنه أكثر من مجرد انسان –بل إله في هيكل انسان.لذلك فإن هذه العبارة تسبب لهم بالتأكيد نوعاً من الحرج.فحيث أن يسوع قد عرّف نفسه على أنه “الابن” فإن هذا يتفق تماماً مع بقية ما وصف نفسه.ولكن “مدرسة يسوع” تنظر إلى هذا القول على أنه غير اصيل ,فلماذا؟ كانت “مدرسة يسوع” على اتفاق عام على أن يسوع لم يتنبأ بنبوءات مرتبة زمنياً عن نهاية العالم على الاطلاق “.وهنا نرى بوضوح معياراً ضد النظرة المتسامية ليسوع .لكن إن كانت مدرسة يسوع هي ضد رؤية يسوع على أنه أكثر من مجرد انسان كافتراض مسبق ,ألا يعتبر ذلك انحيازاً لا مبرر له في تقييمهم لشخصية يسوع الحقيقية ؟ فكيف يمكنهم أن يقوموا بأمانة واستقامة بتقييم البيانات ,إن كان من غير الممكن بالنسبة ليسوع أن يتنبأ بالمستقبل ؟

هناك أيضاً نواح أخرى لمعيار الحرج في الاناجيل ,مثال على ذلك , يوجد الكثير من العبارات السلبية في انجيل مرقس عن أبطال المسيحية الاوائل –الرسل-تصلح لهذا المعيار .فمثلاً توبيخات يسوع المتكررة للتلاميذ لعدم ايمانهم , ولعدم فهمهم الواضح لكلامه , ولصراعاتهم على مركز القيادة , تشير جميعها إلى الاصالة .فمن الصعب أن تقرأ انجيل مرقس دون أن تأخذ انطباعاً سلبياً عن الرسل , مع أن هذا يعتبر اول الاناجيل التي كتبت بحسب رأي معظم العلماء ,حيث ان شهود العيان ما زالوا على قيد الحياة في ذلك الوقت, بما فيهم بعض الرسل انفسهم .إلا أن العبارات السلبية هي اشارات قوية على أن تلك الاقوال كانت حقيقية .”إن حقيقية حقيقة حفظ وبقاء المواد المربكة والمهينة ووصولها إلى مرقس تروي الكثير عن المصداقية العامة للمصادر التي استخدمها “

 

هناك شرح اخر لمعيار الحرج وهو الشهود الاوائل على قيامة يسوع.فالاناجيل الاربعة كلها تقول إن النسوة كنّ أول من ذهبن إلى القبر , وأول من علمن أن يسوع حي (متى 1:28-10؛مر1:16-8؛لو1:24-11؛يو1:20-14).لكن لماذا يسبب هذا حرجاً ؟لأن النساء في المجتمع اليهودي لم تعتبرن شهوداً يعتد بمصداقيتهن .فلا عجب إذا إن كان رد فعل التلاميذ هو ما جاء في (انجيل لوقا 11:24) :”فتراءى كلامهن لهم كالهذيان ولم يصدقوهن

 

لكن معيار الحرج ,اتفقت عليه “مدرسة يسوع” تماماً في أمر معمودية يسوع كما جاءت في انجيل يوحنا على أنها حقيقية وأصيلة (خاصة وأن معمودية يوحنا كانت معمودية التوبة).فلماذا إذاً قد رفضوا القول المكتوب في (انجيل مرقس 32:13) أو الشهادة بأن يسوع قد قام من الاموات؟

 

كما أشار بوك أن “مدرسة يسوع” كانت متناقضة في استخدامها لمعاييرها الشخصية , وذلك بسبب خطة خفية .لكن ما يثير السخرية أن جماعة “مدرسة يسوع” قد حذرت القراء من “إغراء أن يختلقوا شخصية ليسوع تشبههم تماماً ,أو على حسب ذوقهم الشخصي لحشد الحقائق لتأكيد اقتناعات مسبقة لديهم لكنهم لخصوا جميع المعايير في قانون عام واحد وهو: “احذر من أن تجد شخصية ليسوع تتفق تماماً مع مزاجك الشخصي ” ,ونحن نتفق معهم في ذلك .

:
:

باختصار فإنه من العصب أن نتجنب النتيجة التي توصّل إليها جيمس دي جي دن بشأن التعليم الشفهي”إن ما نواجهه اليوم في الأناجيل ليس هو الطبقة العليا (الطبقة الاخيرة) لسلسة من الطبقات لا يمكن اختراقها ,ولكنه التعليم الحي للمحفل المسيحي الذي يأخذنا بسرعة مدهشة إلى قلب الذكريات الأولى عن يسوع”[1]

 

[1] James D. G. Dunn (2003). Christianity in the Making: Vol. 1, Jesus Remembered. Grand Rapids, Mich: William B. Eerdmans Publishing,p.254

المرجع: أيعيدون اختراع شخصية يسوع -جي اد كومزوسكي,ام جيمس سوير,دانيال بي والاس -ترجمة سامي رشدي مورجان(2010)-صـ38-48

 

شرب الماء مضر بالصحة في الكتاب المقدس هل هذا صحيح ؟

شرب الماء مضر بالصحة في الكتاب المقدس هل هذا صحيح ؟ 

شرب الماء مضر بالصحة في الكتاب المقدس هل هذا صحيح ؟ 

شرب الماء مضر بالصحة في الكتاب المقدس هل هذا صحيح ؟ 

“ثم كما أن شرب الخمر وحدها أو شرب الماء وحده مضر وإنما تطيب الخمر ممزوجة بالماء وتعقب لذة وطربا” ( المكابيين الثانى إصحاح 15 : 40 )

يقول المعترض :

ان شرب الماء وحده ليس مضر فما ذكر في سفر المكابين الثاني خطا

الرد : 

ورغم ان هذا العدد يتكلم كمثال الا ان الحقيقة العلمية المذكورة فية صحيحة علي عكس ما يظن المعترضون

هذا السفر كتب سنة 40 قبل الميلاد فهو يتكلم عمّا كان يفعله أهل هذا الزمان فمصادر المياه في هذة الفترة هي الابار ولانهار التي يجد الانسان صعوبة في نقلهم باستمرار فيلجا الي تخزينها .هذة المياه الغير معقمة والغير مفلترة تمتلئ بالبكتيريا والشوائب وبعض المواد الذائبة الضارة.شرب هذا الماء فعلا يضر وخاصتا اذا تم تخزينة فترة فهو ممكن يسبب العدوي البكتيرية او امراض الكلي او بعض الامراض الاخري بسبب المواد المعلقة والذائبة وهذة العملية تستغرق فترة فلا تصلح لمعالجة المياة بسرعة.

كان اهل هذا الزمان يلجؤون لعدة وسائل لتفادي هذة الاخطار عن طريق اولا وضعها في اواني فخارية التي تتميز بخاصية الامتزاز الصحي وازالة بعض المواد الضارة المعلقة وخاصية التبادل الايوني التي تزيل بعض المواد الذائبة الضارة وايضا خاصية الفلترة لازاله الشوائب . والطريقة الاخري التي تقلل من اضرار هذة المياه الغير نقية هي مزجها بالخمر حيث ان الكحليات تساعد علي قتل البكتريا ومنع نموها وايضا الكحل يساعد علي ترسيب المواد الزائبه لان معدل زوبان هذة المواد يقل بسبب الكحل.وهذا العلاج للماء اسرع بكثير وكان شائع هذة الفترة .وهذا ما تكلم عليه الوحي في هذة الاعداد ويوافق الكتاب كليا وتاريخيا وعلميا

Harmful qualities could also be removed by addition of vinegar or wine http://www.cambridge.org/us/books/kiple/water.htm

Since ancient times, in countries like Israel, Rome and (more recently) France, water was too polluted to drink untreated. By mixing 1 part red wine to 3 parts water, sufficient purification was achieved. For killing bacteria in laboratory conditions, red wine ranked 3 to 4 times more effective than pure alcohol or tequila

[1]

وكذالك توجد عدة طرق اخري منها وضع عملات من الفضة التي تساهم في تنقية الماء .او الفلترة عن طريق استخدام الفحم

 

وايضا في الزمن الحاضر الحقيقة العلمية موجودة في هذا العدد صحيحة ينصح الاطباء بشرب من اثنين الي اربعة لتر ماء في اليوم ,وهو بمعدل مئتين واربعين ملي ثمان مرات ,اكثر من ذالك وبدون املاح تعويضية التي تفقد بالعرق والبول قد تتسبب في عدة امراض مثل الاسهال والتعب العضلي وغيرها ولذالك ينصح بشرب الماء المخلوط بالاملاح وخاصتا في ايام الحر واثناء الجهد العضلي وينصح ايضا بعدم شرب المياه القليلة الاملاح مثل الماء المقطر بكثرة لانة يؤدي الي فشل وقد تحدث منه حالة وهي قلة الصوديوم في الجسم وهذا خطير علي صحة الانسان

Hyponatremia

Hyponatremia causes may include:

Consuming excessive water during exercise. Because you lose sodium through sweat, drinking too much water during endurance activities, such as marathons and triathlons, can dilute the sodium content of your blood.

http://www.mayoclinic.com/health/hyponatremia/DS00974/DSECTION=c auses

INTRODUCTION — In almost all cases, hyponatremia results from the intake (either oral or intravenous) and subsequent retention of water
[2] .

ولكن نعود للمعني الروحي بعد اثبات الكلام العلمي السليم في الكتاب المقدس

الكاتب يريد أن تكون نهاية كلامه أن أورشليم عادت وصارت في يد شعب الله محررة من الوثنيين، وهيكلها لله وليس في يد الوثنيين. ويريد الكاتب أن يقول أن الله قد كلل أعمال يهوذا بالنجاح. ونرى أيضاً إتضاع الكاتب.

الخمر= يشير للتاريخ الذي كتبه والماء = يشير لمزج هذا التاريخ بالتفسيرات والشرح الذي كان يكتبه مثل (6:9،8،10+ 6:13،8). أي أن الهدف من الكتابة أن نرى عمل الله مع شعبه فنتعزى كمن يشرب خمراً لينتشي ويفرح. ولكن الخمر وحدها مضرة إذ تكون قوية، والتاريخ وحده دون شرح (الماء) قد لا يفهم فيحدث ضرراً. والماء وحده (أي رأي الكاتب) لن يفرح أحد.

مثال لذلك:- لماذا يسمح الله لكل هذا العذاب لشعبه؟ لو ذكر التاريخ وحده لتعثر القارئ، لذلك فالكاتب يمزج التاريخ بالشرح فنفهم أن هذا كان بسبب خطايا الشعب وأن هذا كان لمحبة الله لشعبه فهو يؤدبهم (14:4-17+ 17:5،18+ 12:6) وفي الأخيرة (12:6) يقول صراحة “إني لأرجو من مطالعي هذا الكتاب أن لا يستوحشوا من هذه الضربات وأن يحسبوا هذه النقم ليست للهلاك بل لتأديب أمتنا”

الدكتور هولي بايبل

شكرا للحبيب الدكتور هولي 

ثم يبدا الاخ المسلم المعترض يقارن بين الاسلام والمسيحية ويقول ان القران قال ان الله خلق من الماء كل شيئ حي

لكن نسي ان هذة الاية ماخوذة من الاصل من الكتاب المقدس

{لان هذا يخفى عليهم بارادتهم ان السموات كانت منذ القديم والارض بكلمة الله قائمة من الماء وبالماء اللواتي بهنّ العالم الكائن حينئذ فاض عليه الماء فهلك. واما السموات والارض الكائنة الآن فهي مخزونة بتلك الكلمة عينها محفوظة للنار الى يوم الدين وهلاك الناس الفجار}

(بطرس الثانية 3 : 5 – 7)

ةمن الماء قد خلق الرب كل شيء حي ….!

وكما وضح الدكتور هولي بايبل في ردة الرائع من الجهة العلمية يوجد درسات ايضا اثبتت ان الاكثار من شرب الماء مضر بالصحة

فعندما قال القمص عبد المسيح بسيط ان الاكثار قد يضر بالصحة اعترض بعض الاحبة في مواقع المسلمين كيف للقمص ان يقول هذا الكلام وسنري انة كلام علمي

في موسوعة دامس الطبية و هي موسوعة متوفرة للتحميل على الأنترنت , قسم النصائح الطبية :أن الإكثار من شرب الماء يضر الصحة

 

كثرة شرب الماء ليست مفيدة بالضرورة [3]

 

الإفراط في شرب الماء يسبب التسمم

 

واشنطن : على عكس الدراسات السابقة التي أكدت أهمية شرب الماء، إلا أن هذه الدراسة الأمريكية تؤكد أن الإفراط في شرب الماء لفترة زمنية طويلة ربما يؤدي إلي الإصابة بما يعرف طبياً بالتسمم بالماء‏,‏ حيث تسبب اختلال العمليات الحيوية المرتبطة بالماء داخل الجسم‏.‏

وأشارت الدراسة إلى أن الإفراط في شرب الماء أثناء رياضة الجري أو غيرها يتسبب في الإصابة بنقص الصوديوم في الدم‏,‏ وهو ما يتعرض له العديد من الرياضيين الأمر الذي ربما يعد سببا للوفاة المفاجئة لبعضهم‏.

وطبقاً لما ورد “بجريدة الأهرام”، شدد الخبراء علي خطورة لجوء الرياضيين لتناول كميات كبيرة من الماء والسوائل قبل أن يدهمهم العطش‏,‏ وذلك خشية الإصابة بالجفاف الناجم عن فقدان كميات من سوائل الجسم بسبب التعرق الشديد‏. [4]

هذة توضيحات فقط

لايفهمون الفرق بين ماء الشرب و الماء العادى (الذى به طحالب او سام اواى انواع اخرى من المياه التى لاتصلح للشرب).. فالماء سواء مالح (لايصلح للشرب) او عذب هو “مـــــاء” …
ولن يخالفنى اى مسلم فى ان الماء المعالج من البكتيريا هو اغلى وافيد للجسم من الماء العادى…

ملخص الرد


كما وضح الدكتور ان المياة كانت ابار وانهار وكان النص يتكلم علي بركة مياها ملوثة ومليئة بالبكتريا فكان من المفترض تعقيمها ومعالجتها بقليل من الخمر الذي يقتل البكتريا فكانت الطريقة المستخدمة في تنقيتها هي الخمر واكثر الطرق شيوعا

ــــــــــــــــــــــ

[1]

[2]

[3] http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/sci_tech/newsid_2184000/2184971.stm

[4] http://us.moheet.com/show_news.aspx?nid=6648&pg=1

 

Exit mobile version