الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة Patricia Michael

الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael

الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael

من أبرز مزايا التعمّق في دراسة تاريخ المسيحية المبكرة، إدراك أن التحديات التي تواجه الإيمان المسيحي في الزمن المعاصر ليست طارئة أو غير مسبوقة. فعلى الرغم من أن بعض الهجمات الحديثة قد تبدو جديدة في صياغتها أو شكلها—مما يدفع البعض أحيانًا إلى ردود فعل تتّسم بالقلق أو الارتباك—إلا أن الكنيسة الأولى قد واجهت صعوبات مماثلة، بل في كثير من الأحيان كانت أشد وطأة وأكثر جذرية.

ويُعدّ القرن الثاني الميلادي نموذجًا بارزًا لذلك السياق. فقد كانت الكنيسة آنذاك في طور التأسيس، ما تزال فتية وهشّة، شبيهة بمخلوق حديث الولادة على أراضي السافانا، يخطو خطواته الأولى المرتجفة وسط بيئة معادية لا ترحم. إذ لم تكن الظروف السياسية أو الاجتماعية أو الدينية تميل لصالحها، بل كانت الهجمات على المسيحيين تتوالى من كل جانب، بعنف وسرعة.

ومع ذلك، لم تقف الكنيسة موقف الدفاع السلبي أو الانكماش. بل استجابت بمبادرة فكرية ولاهوتية جريئة، حيث صاغ القادة المسيحيون حججًا متماسكة، وبلوروا أفكارهم العقائدية، ودخلوا في حوار نقدي مع خصومهم. ومن ثمّ، أُطلق على تلك المرحلة عن جدارة لقب “العصر الذهبي للدفاعيات المسيحية” (The “golden age” of apologetics)

ترتليان القرطاجي

من بين العديد من المدافعين عن الإيمان المسيحي في العصور الأولى—وكان عددهم كبيرًا—يبرز ترتليان كأحد ألمع الشخصيات وأكثرهم تأثيرًا. هذا الأب الكنسي من شمال إفريقيا كتب مؤلَّفه الدفاعي الشهير (Apologeticum) نحو عام 197م، وقد تميّزت حججه بمستوى رفيع من العمق المنطقي والوضوح الخطابي، حتى إن قارئها اليوم قد يظن أنها كُتبت في زمننا المعاصر.

وقد أشار المؤرخ ديفيد رايت (David Wright) إلى أن جاذبية هذا العمل الدفاعي تكمن في “روعة الحُجّة التي لا تزال، حتى يومنا، قادرة على أن تُلهِم القارئ وتثير إعجابه”.

أما إيفريت فيرغسون (Everett Ferguson)، فقد وصفه بأنه “التحفة الأدبية لترتليان” بلا منازع.

فما الذي جعل استراتيجية ترتليان الدفاعية بهذه الفاعلية؟

يمكن تمييز عدد من الخصائص الجوهرية التي ساهمت في نجاح خطابه الدفاعي، وسنستعرض أبرزها فيما يلي:

المناداة بالمعاملة العادلة

في السياق الاجتماعي والسياسي لعصر ترتليان، كانت المسيحية هدفًا دائمًا لسلسلة من الاتهامات العامة التي ألقت على أتباعها اللوم في كل واقعة مأساوية. فبسبب امتناع المسيحيين عن تقديم العبادة للآلهة الرومانية، اعتُبروا سببًا مباشراً لغضب الآلهة، وهو ما فسّره المجتمع الروماني على أنه السبب الكامن وراء الكوارث العامة، من أوبئة ومجاعات وهزائم عسكرية.

وقد أدّى هذا الربط المتعسّف بين المسيحية والكوارث العامة إلى انتشار واسع لأشكال العدالة الغوغائية، حيث كان المسيحيون يتعرضون للاتهام والإدانة دون أي سند قانوني أو محاكمة عادلة. فالاتهام باسم الانتماء الديني وحده كان كافيًا لإصدار الحكم.

أمام هذا الواقع الجائر، سعى ترتليان في دفاعه إلى تفنيد الأسس الظالمة التي بُني عليها الاضطهاد، مطالبًا السلطات الرومانية بتطبيق مبدأ العدالة الإجرائية. فقد شدّد على أن مجرّد الانتماء إلى “المسيحية” لا يُشكّل تهمة بحد ذاته، بل ينبغي أن يستند أي حكم إلى دليل على ارتكاب فعل جُرمي فعلي. وعندما تُخضع التهم الموجّهة إلى المسيحيين للفحص العقلاني، يتّضح – في نظر ترتليان – أنها تفتقر تمامًا إلى أي أساس واقعي أو قانوني.

وفي إحدى صوره البلاغية الرفيعة، يلخّص ترتليان المفارقة بقوله:

“وإنما دليل جهلهم، الذي يُدينهم ويعذرهم في آنٍ معًا على ظلمهم، هو أن الذين كانوا يكرهون المسيحية من قبل، لكونهم يجهلون حقيقتها، ما إن يكتشفوها حتى يُسقطوا فورًا عداوتهم، ومن أعداء يصيرون تلاميذ.”(Apol. 1.6)

بهذا، ينطلق ترتليان في مناشدته للسلطات العامة والجمهور على السواء، داعيًا إلى الإنصاف العقلي والأخلاقي: “لا تدينونا قبل أن تعرفونا”—وهي عبارة تختزل جوهر دعوته إلى معاملة قائمة على الفهم لا التحامُل، وعلى المعرفة لا الجهل.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

ادعُ حتى أكثر النقّاد عداءً إلى التعرُّف عليك وعلى مجتمعك المسيحي. فكثيرًا ما ندين ما نجهله. ان تقديم وعرض المسيحية من الداخل، لا من خلال مجرد التصورات الخارجية المسبقة عنها، قد يكون استراتيجية مؤثرة وناجحة.

الحرية الدينية

كثيرًا ما يُنظر إلى مفهوم “الحرية الدينية” بوصفه ثمرة تطورات فكرية حديثة، ارتبطت بمرحلة ما بعد التنوير وبالتحولات الفلسفية في الغرب الحديث. غير أن هذا التصور يتعرض للطعن من خلال كتابات آباء الكنيسة الأوائل، وعلى رأسهم ترتليان، الذي قدّم دفاعًا لافتًا عن هذا المبدأ في كتابه (Apologeticum).

فمن اللافت أن استراتيجية ترتليان لم تكن دعوة لإقصاء الأديان الأخرى أو المطالبة بفرض المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية، بل تمحورت حول مبدأ جوهري: وجوب السماح لكل جماعة دينية بأن تعبّر عن إيمانها بحرية، دون خوف من القمع أو الانتقام. لقد نادى بأن تكون العبادة فعلًا حرًّا يصدر عن القناعة الداخلية، لا نتيجة للإكراه أو الضغط.

وتبرز المفارقة حين نعلم أن هذا النوع من الحرية كان مكفولًا فعليًا لسائر الديانات ضمن النظام الديني المتسامح نسبيًا في روما، لكنّه كان يُسلب على نحو خاص من أتباع المسيح. فبينما سُمح لعبدة الأوثان بممارسة شعائرهم، حُرم المسيحيون من أبسط حقوقهم في التعبّد الحر، وكأن عبادة يسوع المسيح وحدها تُمثّل تهديدًا.

وقد عبّر ترتليان عن هذا المبدأ بوضوح حين كتب:

“فليكرّس أحدهم حياته لإلهه، وليقدّم آخر تيسًا ذبيحة. ولكن احذر أن تُضيف سببًا آخر لتهمة عدم التديّن، بأن تُنْتزع الحرية الدينية، وتُمنع حرية اختيار الإله، حتى لا أعود أعبد بحسب ميولي، بل أُجبر على عبادة ما يخالفها.”(Apol. 24.5-6)

العبارة التي قالها ترتليان تعبر عن دفاعه القوي عن الحرية الدينية وحرية المعتقد، وهي تحوي رسالتين أساسيتين:

  • حرية العبادة الشخصية:

يقول ترتليان إن لكل إنسان الحق في أن يكرّس حياته لعبادته الخاصة، مهما كان هذا الإله—سواء كان إلهه هو الله الحقيقي الذي يعبده المسيحيون، أو حتى إلهًا من نوع آخر مثل “تيس” (وهو رمز لحيوان يُقدّم في بعض الطقوس الوثنية).

الرسالة هنا أن الحرية في العبادة يجب أن تُحترم بغض النظر عن طبيعة الإله الذي يختاره الفرد.

  • التحذير من الإكراه الديني:

يحذر ترتليان من أن تُنتزع هذه الحرية، أي أن يُجبر الإنسان على عبادة إله معين ضد رغبته، لأن هذا يُعتبر سببًا إضافيًا لتهمة “عدم التدين” أو الافتقار إلى التقوى من وجهة نظر المجتمع. بمعنى آخر، عندما تُمنع حرية الاختيار الديني، يتحول ذلك إلى ظلم يعزز الاتهامات ضد المسيحيين ويجعل الوضع أسوأ، لأن الإكراه على العبادة يُعد انتهاكًا لحرية الضمير والعبادة.

باختصار: ترتليان يدعو إلى احترام حرية المعتقد والعبادة لكل فرد، وينتقد بشدة أي محاولات لفرض العبادة قسرًا، لأن ذلك يزيد من الظلم والاتهامات ضد المسيحيين.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

ينبغي أن تعي الكنيسة اليوم أن مهمة الدفاعيات المسيحية لا تكمن في السعي لفرض العقيدة بالإكراه السياسي أو الاجتماعي، بل في المطالبة المبدئية بحق مزدوج: أولًا، الحق في عبادة السيد المسيح بحرية وكرامة دون اضطهاد، وثانيًا، الحق في تقديم المسيح للآخرين بأسلوب مقنع لا يُقابل بالعقوبات أو المنع. هكذا يكون الدفاع عن الإيمان شهادة للحرية، لا وسيلة للهيمنة.

التمسك بالأساسيات في الدفاعيات المسيحية

في عالم الدفاعيات المسيحية، تتعدد القضايا والمواضيع التي يمكن تناولها للنقاش والجدال حولها، ولسوء الحظ، قد نسمح للموضوعات الساخنة في آخر الأخبار أن تتحكم في كل حوار نقوم به.

غير أن ترتليان يُذكّرنا بأهمية التمسك بالأسئلة الأساسية والجوهرية التي تقوم عليها الرسالة المسيحية، لأنه حين يُحقق النجاح في معالجة هذه القضايا المحورية، فإن الكثير من المسائل الأخرى ذات الطابع الفرعي أو الثانوية يمكن أن تُحلّ وتتضح في ضوئها لاحقًا.

أما هذه القضايا المحورية بالنسبة لترتليان، فتكمن في نقطتين رئيسيتين:

  • صدق وأصالة الكتاب المقدس
  • هوية المسيح وطبيعته الإلهية

فيما يخص الكتاب المقدس، قدّم ترتليان دفاعًا متقنًا عن أصالة النصوص، مؤكّدًا أن الكتب المقدسة ذاتها تحمل في طياتها الأدلة الكافية والشهادة على مصدرها الإلهي، إذ يقول:

“فالكتب المقدسة ذاتها تقدم برهانًا على أنها إلهية.” (Apol. 20.1)

أما فيما يتعلق بالمسيح، فقد أولى ترتليان اهتمامًا خاصًا لإثبات ألوهيته، مستعينًا بلغة “اللوغوس” (logos) التي استُخدمت من قبل كتّاب سابقين مثل يوستينوس الشهيد، وخصوصًا كما وردت في مقدمة إنجيل يوحنا.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

في خضم الحوارات الدفاعية المعاصرة، يجب على المؤمنين أن يحافظوا على تركيزهم الحاسم على حقيقة كلمة الله وهويّة السيد المسيح. إن استقرت هذه الركائز الجوهرية في الفكر، فإن سائر القضايا والموضوعات الدفاعية يمكن بناؤها عليها بثقة وثبات.

التحوّل من الدفاع إلى الهجوم في منهج ترتليان:”قلب الطاولة

على الرغم من أن ترتليان كرس معظم جهوده للدفاع عن المسيحية ضد الانتقادات الموجهة إليها، إلا أنه لم يقتصر على موقف المدافع السلبي. بل على العكس، كان يتخذ أحيانًا موقفًا هجوميًا يظهر من خلاله نقاط الضعف والتناقض في الأنظمة الفكرية والدينية غير المسيحية.

لقد أدرك ترتليان أن المسؤولية في تقديم مبررات للمعتقدات والسلوكيات لا تقع على عاتق المسيحيين فقط، بل ينبغي أيضًا أن تتحملها الأديان الوثنية. فعندما وُجهت إلى المسيحيين تهم باطلة مثل أكل الأطفال والانحلال الأخلاقي في اجتماعاتهم السرية، لم يكتفِ فقط بالنفي، بل كشف أن هذه الانحرافات كانت شائعة في الطقوس الوثنية التي لم يبدِ الرومان أيّة اعتراضات عليها.

وبالنسبة لرفض المسيحيين لعبادة الآلهة الرومانية، لم يكتفِ ترتليان بالمطالبة بالحرية الدينية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك ليجادل بأن آلهة الرومان لم تكن آلهة حقيقية بالأساس، وبالتالي فلا يمكن لوم المسيحيين على امتناعهم عن عبادتها.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

لا ينبغي أن تقتصر الدفاعيات المسيحية على الموقف الدفاعي فحسب، بل يجب أن تتضمن أيضًا استراتيجيات وتدابير مدروسة متنوعة. فمن المهم الرد على الاعتراضات، ولكن من الضروري أيضًا اغتنام الفرص لكشف التناقضات أو ضعف التماسك المنطقي في النظم الفكرية والدينية المنافسة.

الخاتمة

إذا اقتصر تركيزنا على الهجمات المعاصرة الموجهة إلى الإيمان المسيحي، فقد نقع في وهم الاعتقاد بأننا نواجه تحديات غير مسبوقة في تاريخ الكنيسة. غير أن نظرة متأنية وسريعة إلى مسيرة الكنيسة وتاريخها ، لا سيما خلال القرن الثاني الميلادي، تكشف لنا أن واقع الأمر مختلف تمامًا.

لقد مثّل القرن الثاني بحق العصر الذهبي للدفاعيات المسيحية، وكان عمل ترتليان بمثابة ذروة هذا العصر وتاجه المضيء. دفاعه اتسم بالعمق والرؤية، إلى حد أنه يبدو كأنه كُتب في زمننا الراهن. فقد دافع بجرأة عن حق المسيحيين في المعاملة العادلة، وحرية المعتقد الديني، ومصداقية الكتاب المقدس، وألوهية المسيح، كما اتسم بشجاعة المبادرة في توجيه النقد الحاد إلى منتقديه من غير المسيحيين، مما مكّنه من قلب الطاولة وموازين النقاش وتحويل الهجوم إلى دفاع حاسم عن المسيحية.

وبينما كانت استراتيجية ترتليان حاسمة وضرورية في زمنه، فإن قيمتها تزداد إلحاحًا في عصرنا الحديث، وربما أكثر من أي وقت مضى.

ليكون للبركة

Patricia Michael

The Brilliant Apologetic Strategy of the Ancient Church And Why We Need It Now More Than Ever – Michael J. Kruger

الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

 

 المقدمة:

إنَّ المنطق، بوصفه طريقة منهجية ومتماسكة للتفكير، يُعدُّ ركيزة أساسية في ميدان الدفاع عن الإيمان المسيحي، لا سيّما عند المسيحيين الإنجيليين المحافظين. فالمنطق يُمثّل الأساس الذي يُتيح للباحثين تقديم حجج عقلية رصينة تُعزِّز إيمانهم، ومن خلاله، يتمكَّن المسيحيون من إظهار أن الإيمان بالله وكلمته الموحى بها لا يرتكز على الايمان وحده فحسْب، بل هو مُستندٌ أيضًا على أدلة عقلية دامغة.

المنطق ليس بعيدًا عن جوهر الكتاب المقدس فالكتاب ذاته يحثُّ الباحثين على التفكير ولا سيّما التفكير النقدي المنطقي.

ففي قول الرب لإسرائيل في إشعياء (1: 18): “هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ الرَّبُّ “. هنا نلاحظ دعوة صريحة لاستخدام العقل والتفكير النقدي، وعليه، فإن المنطق ليس غريبًا عن الفكر المسيحي، بل هو بمثابة أداة قوية لإيضاح وشرح الحقائق اللاهوتية، وإثباتها، والدفاع عنها.

 

ما هو المنطق؟

المنطق هو طريقة التفكير التي تمكّن الانسان من استخلاص الاستنتاجات الصحيحة من مجموعة من المقدّمات.

المقدّمات هي الجُمل أو العبارات التي تُستخدم كأساس لبناء الحجّة المنطقية، وهي الافتراضات أو الادعاءات التي نبدأ بها ونستدل منها للوصول إلى النتيجة.

 

– خصائص المقدمات:

  • أساس الحجّة: تمثّل المقدّمات نقطة البداية التي يتم بناء الحجّة عليها، حيث تُستخدم للوصول الى النتيجة المتوقعة.
  • علاقتها بالنتيجة: يجب أن تكون المقدمات مرتبطة ارتباطاً منطقيًا بالنتيجة كي تكون الحجة صحيحة وموثوقة من الناحية المنطقية.

 

– الصدق والصلاحية في المنطق:

المنطق كعلم يهدف الى تقييم الحجج والاستدلالات من زاويتين رئيسيتين:

 

١- صدق المقدّمات أو الأفكار او العبارات:

يشير هذا المعيار إلى أنه يجب أن تتوافق المقدّمات او الأفكار أو العبارات التي تُستخدم كأساس لأي حجة أو نقاش مع الواقع، أي أن تكون صادقة وتعكس الحقيقة بشكل دقيق.

 

٢- صلاحية البنية المنطقية للحجة:

تشير الصلاحية إلى التماسك الداخلي للحجة وتسلسل أفكارها بشكل منطقي، بحيث تكون النتيجة مستخلصة بطريقة صحيحة من المقدّمات وفقًا للقواعد المنطقية. تعتمد الصلاحية على انسجام الأفكار وترابطها، مع خلو الحجة من أي شائبة تناقض داخلي.

 

الصدق والصلاحية مفهومان مترابطان في المنطق، ولكل منهما دور خاص في تقييم الحجج. الصلاحية تضمن الاتساق المنطقي، بينما الصدق يضمن مطابقة المقدمات للواقع. عندما يجتمعان، تتكون حجة قوية تُعرف ب’الحجة الصحيحة’ (Sound Argument)، التي تتيح الوصول إلى استنتاجات دقيقة تستند إلى أسس سليمة ومترابطة. في هذا السياق، يعمل المنطق كأداة أساسية لتحليل الاستدلالات وتقييمها بفعالية.

 

مثال على حجة سليمة حول مسألة لاهوت السيد المسيح، حيث تُستخدم الصلاحية والصدق لإثبات نقطة منطقية:

 

المقدمة الاولى:

كل من يغفر الخطايا يملك سلطانًا إلهيًا

(مقدمة مقبولة في الفكر اللاهوتي المسيحي واليهودي، بناءً على أن غفران الخطايا من اختصاص الله وحده).

 

المقدمة الثانية:

يسوع غفر الخطايا (كما هو مذكور في العهد الجديد في قصة شفاء المفلوج “فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ».” (مر 2: 5).

 

النتيجة:

إذن، يسوع يملك سلطانًا إلهيًا.

 

التحليل:

 

الصلاحية (Validity):

البنية المنطقية للحجة سليمة، حيث إن النتيجة تتبع منطقيًا من المقدّمات وفقًا للقواعد المنطقية. إذا كانت المقدمات صحيحة، فإن النتيجة ستكون صحيحة أيضًا.

إذا كان غفران الخطايا يختص بالله فقط (المقدمة 1)، وإذا غفر يسوع الخطايا (المقدمة 2)، فمن المنطقي أن يسوع يملك سلطانًا إلهيًا.

 

الصدق (Truth):

  • المقدمة الأولى: صحيحة في سياق الفكر اللاهوتي، حيث غفران الخطايا مرتبط بسلطان إلهي.
  • المقدمة الثانية: صحيحة بناءً على النصوص الكتابية التي تُظهر أن السيد المسيح غفر خطايا الناس.
  • النتيجة: صحيحة بناءً على صحة المقدمات وصلاحية البنية.

 

الخلاصة:

هذه الحجة تُظهر أحد الأدلة اللاهوتية المستخدمة لإثبات طبيعة المسيح الإلهية.

 

الحجة سليمة لأنها:

  • تحتوي على مقدمات صحيحة ضمن السياق اللاهوتي المسيحي.
  • بنيتها المنطقية صحيحة (النتيجة تتبع بالضرورة من المقدّمات).

 

في مجال الدفاعيات، يُعتبر الصدق والصلاحية ذا أهمية قصوى لأنهما يضمنان أن تكون الحجج التي نقدمها قائمة على معلومات صحيحة ومرتبة ومتّسقة بطريقة منطقية ومقنعة، هذا النهج يساعد على تقديم الإيمان المسيحي كأمر منطقي وعقلاني، وليس مجرد اعتقاد إيماني بعيدا عن العقل. وبالتالي فانّ المنطق يساعدنا على التفكير بوضوح واتخاذ قرارات مبنية على أسس قوية.

 

استنادًا إلى قول السيد المسيح: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي.” (يوحنا 14: 6). يُظهر ذلك ارتباط الإيمان المسيحي بالحقيقة وبما أن السيد المسيح هو تجسيد للحقيقة، فإنه من المنطقي ان تُعتَبر العقائد التي علّمها صادقة ومتّسقة منطقياً. يساعد المنطق في الدفاع عن حقيقة ان يسوع هو ابن الله، وان الكتاب المقدس هو كلمة الله، وان الايمان بهذه الحقائق منطقي ومعقول يعتمد على أسس عقلانية متينة.

 

أساس المنطق: الجذور الكتابية واللاهوتية

إن قوانين المنطق متأصلة في طبيعة الله ذاتها. فالله هو إله النظام، وليس إله الفوضى. ويؤكد بولس الرسول ذلك في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس بقوله: “لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلهُ سَلاَمٍ، كَمَا فِي جَمِيعِ كَنَائِسِ الْقِدِّيسِينَ.” (1 كو 14: 33).

 

إن الثبات والنظام اللذان يتّسم بهما الله ينعكسان على خليقته مما يساهم في تأسيس الهيكل المنطقي ذاته. تماما كما تحكم القوانين الفيزيائية الكون، فانّ قوانين المنطق تحكم التفكير البشري. هذه القوانين تنبع من طبيعة الله الثابتة وغير المتغيرة، مما يجعلها صالحة وقابلة للتطبيق في جميع الاماكن والازمنة.

 

القوانين الاساسية للمنطق:

تشمل هذه القوانين قانون عدم التناقض، قانون الهويّة، وقانون الوسط المُستبعَد. وكل واحد من هذه القوانين يتوافق مع طبيعة الله وكيفية تفاعله مع خليقته:

 

1- قانون عدم التناقض:

ينص هذا القانون على أن العبارتين المتناقضتين لا يمكن أن تكونا صحيحتين في الوقت نفسه وفي المعنى ذاته. على سبيل المثال، لا يمكن القول بأنّ: “يسوع هو ابن الله” و”يسوع ليس ابن الله” في آن واحد.

هذا القانون (قانون عدم التناقض) يعكس صدق الله، كما ورد في سفر العدد “لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلاَ يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلاَ يَفِي؟” (عد 23: 19).

 

2- قانون الهويّة

هذا القانون يقرر أن الشيء هو ما هو عليه؛ بمعنى أن لكل شيء هويته المحددة. في الكتاب المقدس، يعلن الله عن هويته بوضوح «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ»: “فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ».” (خر 3: 14). إذا ليس هناك أي التباس حول هويّة الله.

 

3- قانون الوسط المُستبعَد

ينص هذا القانون على أن أي مقولة إما أن تكون صحيحة أو خاطئة، ولا يوجد خيار ثالث،ولا يمكن ان تكون هناك حالة محايدة. يؤكد يسوع هذا المفهوم في انجيل متى “مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ.” (مت 12: 30). فلا وجود لموقف محايد فيما يتعلق بالإيمان بالمسيح.

 

تظهر هذه القوانين كيف ان المنطق يعكس النظام والدقة في طبيعة الله، لذا، يُعتبر المنطق أداة لاهوتية قوية تساعد في الدفاع عن الايمان وفهم الحقائق الإلهية، كما يوفّر هذا الاطار المنطقي للمسيحيين الوسيلة لتقديم الحقائق الكتابية بأسلوب عقلاني ومنهجي.

 

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

تطبيق المنطق على الدفاعيات المسيحية

تسعى الدفاعيات المسيحية إلى إثبات أن تعاليم الكتاب المقدس منطقية ومتماسكة، وأن الإيمان بالله هو عقلاني وقابل للتبرير. وللقيام بذلك يتم استخدام المنطق لتحليل وتقييم الحجج المعارضة للكتاب المقدس، ودحض المنطق الخاطئ، وتأكيد صحة العقيدة المسيحية.

على مر العصور، قام اللاهوتيون والفلاسفة بتطوير العديد من الحجج المنطقية لدعم وجود الله. من أبرز هذه الحجج:

 

1- الحجة الكونية (Cosmological Argument):

تعتمد هذه الحجة على المبدأ القائل بأن كل شيء يبدأ في الوجود لا بدّ له من سبب، وتشير إلى أن خَلْق الكون هو دليل على وجود الله.

الكون لا يمكن أن يكون قد أتى إلى الوجود من تلقاء نفسه أو عن طريق الصدفة. لابد أن يكون هناك سبب أولي أو مُسبب (وهو الله) بدأ هذا الوجود.

 

صياغة الحجة منطقياً:

  • الفرضية الأولى: كل شيء بدأ في الوجود، لابد أن يكون له سبب.
  • الفرضية الثانية: الكون بدأ في الوجود.
  • الاستنتاج: إذا كان الكون قد بدأ في الوجود، فلا بد أن يكون له سبب. وهذا السبب هو الله.

هذا المنطق يتماشى تمامًا مع الكتاب المقدس في سفر التكوين: ” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.”(تكوين 1: 1). تقدّم الحجة الكونية أساسًا منطقيًا عقلانيا للإيمان بالخالق.

 

2- الحجة الغائية (Teleological Argument):

وبالمثل، تؤكد الحجة الغائية أن النظام والدقة في الكون يشيران إلى وجود مُصمّم. كما ورد في المزمور: “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ.” (مز 19: 1).

التصميم المعقد والدقيق في الطبيعة دليل واضح على وجود الله، حيث تُظهر هذه الحجة أن هذا التعقيد والدقة لا يمكن أن يكون نتيجة صدفة، بل نتيجة خالق ذكي.

هنا يستخدم الدفاع المسيحي المنطق لربط العقل بالإيمان، مما يُثبت أن الإيمان بالله وتعاليم الكتاب المقدس ليس مجرد شعور أو تقليد، بل هو مبني على أسس عقلية ومنطقية متينة.

 

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

 

الدفاع عن ألوهية السيد المسيح باستخدام المنطق

يلعب المنطق دورًا أساسيًا في الدفاع عن ألوهية السيد المسيح. أحد المجالات الأساسية التي يكون فيها المنطق حاسماً هو الدفاع عن ألوهية المسيح. قدّم السيد المسيح عدة تصريحات حول هويته، والمنطق يساعد المسيحيين على إظهار التناسق والتماسك في هذه التصريحات.

على سبيل المثال في انجيل يوحنا، يعلن السيد المسيح صراحة “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ».” (يو 10: 30). هذا التصريح يشير إلى طبيعته الإلهية.

قد يعترض المشككون بأن يسوع لم يكن أكثر من معلم أخلاقي عظيم أو نبي، لكنه ليس إلهاً. ورغم ادّعاءاتهم تلك،فإن المنطق يدحض هذا الاعتراض من خلال استخدام ما يُعرف بحجة “الكاذب، المختل عقليا، أو الرب”.

حجة “الكاذب، المختل عقليا، أو الرب” هي واحدة من أبرز الحجج التي طرحها الكاتب والفيلسوف المسيحي سي. إس. لويس(C.S. Lewis) في كتابه (Mere Christianity) المسيحية المجردة.

تهدف هذه الحجة إلى تحليل ما إذا كان يسوع المسيح هو ابن الله حقاً أو مجرد شخص عادي من خلال ثلاث احتمالات منطقية:

 

  • إذا كان يسوع يدّعي أنه ابن الله وهو في الواقع ليس كذلك، يكون شخصًا غير صادق أو مخادع.
  • إذا كان يسوع يعتقد حقًا أنه ابن الله بينما هو ليس كذلك، يكون شخصًا مختلاً غير متزن عقليًا.
  • إذا كان يسوع حقاً كما كان يدّعي انه ابن الله وكانت تصريحاته صحيحة، فهذا يعني أنه الرب، أي أن السيد المسيح هو فعلاً الإله المتجسد.

 

فكرة الحجة:

سي. إس. لويس (C.S. Lewis) يريد ان يقول إنه لا يمكن أن يكون السيد المسيح مجرد “معلّم اخلاقي جيّد” أو “نبي حكيم” فقط، كما يعتقد البعض، لأن ادعاءاته عن نفسه كانت خارجة عن المألوف. إما أنه كان كاذبًا أو ومختلاً عقليا، أو أنه فعلاً الرب الذي جاء إلى الأرض. وبالتالي، لا توجد خيارات وسط بين هذه الاحتمالات. يسوع لم يكن شخصية يمكن التعامل معها بتردد او اتخاذ موقف وسط، إما أن نقبله كاله أو نرفضه تمامًا.

 

صياغة الحجة منطقيا:

  • الفرضية الأولى: يسوع ادّعى أنه الله: “قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ».” (يو 8: 58).
  • “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ».” (يو 10: 30).
  • الفرضية الثانية: يسوع إما كان صادقًا في ادعائه، أو كان يكذب، أو كان مخطئًا.
  • التحليل

 

إذا كان يسوع صادقًا ويقول الحق، فهو الرب.

إذا كان يكذب، فهو شرير.

إذا كان مخطئًا، فهو مجنون او مختل عقليا.

 

  • النتيجة

بالنظر إلى الادلة وشخصية يسوع المسيح وسلوكه وتعاليمه واعماله التي اتّسمت بالكمال الأخلاقي والحكمة، يظهر بوضوح انه لا يمكن أن يكون كاذبًا أو مجنونًا وبالتالي، فإن الخيار المنطقي الوحيد هو أن يسوع كان صادقًا وهو الرب ويجب أن نتبعه ونسلّم له حياتنا.

ان الاتساق المنطقي لهذه الحجة يعزز حقيقة الوهية السيد المسيح.

هذه الحجة تُظهر التماسك المنطقي لإعلان يسوع عن ألوهيته، مما يُعزز الإيمان بأن المسيح هو الله المتجسد. يساعد هذا الأسلوب العقلي المؤمنين في الرد على الشكوك وتقديم حجة عقلانية رصينة تدعم العقيدة المسيحية.

 

 

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

كيف يدحض المنطق التفكير الخاطئ؟

المنطق ليس أداة تُستخدم للدفاع عن الحق فحسب، بل هو كذلك وسيلة فعّالة لكشف الأخطاء في التفكير ودحض الاعتراضات المبنية على أسس واهية. إنّ العديد من الانتقادات الموجهة إلى العقيدة المسيحية تنبثق من استنتاجات مغلوطة او من سوء فهم لطبيعة الله وأهدافه.

على سبيل المثال: إشكالية الشر

تُعد “إشكالية الشر” من أكثر الاعتراضات شيوعًا التي يثيرها المشككون، حيث يدّعون أن وجود الشر يتنافى مع وجود إله كلي القدرة وكلي المحبة.

نلاحظ في هذا الاعتراض انه مبني على سوء فهم لطبيعة الله وطبيعة الشر.

 

يطرح المشككون الحجة التالية:

  • إذا كان الله كلي القدرة، فهو يستطيع منع الشر.
  • إذا كان الله كلي المحبة، فهو يريد منع الشر.
  • الشر موجود.
  • الخلاصة بحسب منطق المشككين: إما أن الله لا يستطيع منع الشر أو لا يريد منع الشر، وبالتالي لا يمكن أن يكون هذا الاله موجودًا.

 

الرد من منظور منطقي:

هذه الحجّة مبنية على سوء فهم لطبيعة الله ومقاصده وحكمته.

على سبيل المثال، الله يسمح بوجود الشر لفترة محدودة ليُظهر عواقب تمرُّد الإنسان على سيادة الله وسلطانه، بمعنى آخر اظهار الخلل المتأصّل في رغبة الانسان في استقلاله عن الله وعن بعضنا البعض كمؤمنين.

“وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».” (تك 3: 17-19).

“هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ.” (رو 12: 5).

وبالتالي بدلاً من ان يكون الشر دليلا على عدم وجود الله، فهو في الحقيقة يؤكد ويعزز الرواية الكتابية عن العالم الساقط. بالإضافة إلى ذلك، تظهر قوة الله ومحبته من خلال تدبيره للفداء من خلال السيد المسيح (يوحنا 3: 16). من الناحية المنطقية، تسقط حجّة المشككين لأنها لا تأخذ في الاعتبار خطة الله النهائية للعدالة والمحبة.

إن وجود الشر لا يتناقض مع صفات الله، بل يعزز السرد الكتابي لعالم سقط في الخطيئة. الله في محبته وقدرته، قدّم الحل النهائي للشر وللبشرية من خلال الفداء بالمسيح، كما جاء في الكتاب: لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. (يوحنا 3: 16).

وليس ذلك فقط بل سيعيد الله في النهاية العدالة ويزيل كل أثر للشر كقول الكتاب:

“وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ».” (رؤ 21: 4).

هنا نلاحظ ضعف حجة المشكك، فالافتراض القائل إن الله ملزم بمنع الشر فورًا يتجاهل حكمته الإلهية وأهدافه السامية، كإظهار سيادته وتعليم الإنسان الدروس الأخلاقية الكبرى وغيرها من الاهداف. هذا التفكير الذي يعرضه المشكك هو اختزال غير منطقي لطبيعة الله وأفعاله.

منطقيا اذاً نستطيع القول بأنّ وجود الشر لا ينفي وجود إله كلي القدرة وكلي المحبة، بل يكشف عن الحاجة البشرية الملحّة إلى وجود الله ويؤكد سَرْد الكتاب المقدس عن سقوط الإنسان وفداء الله له. بذلك، يصبح المنطق أداةَ حاسمة لتفنيد الاعتراضات وإثبات انسجام العقيدة المسيحية مع العقل والحقائق.

 

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

دور المنطق في الرد على التناقضات المزعومة في الكتاب المقدس

من الاعتراضات الشائعة أيضًا وجود تناقضات مزعومة في الكتاب المقدس. يدّعي المشككون أن التناقضات بين بعض النصوص الكتابية تدحض مصداقية الكتاب وتؤكد عدم موثوقيته.

عند التمحيص والتدقيق والفحص في هذه الاعتراضات، يتبين أن العديد من التناقضات المزعومة تنبع من سوء فهم للسياق أو للمعنى المقصود من النصوص. إن المنطق يساعد على توضيح هذه القضايا الاشكالية من خلال التحليل الدقيق للغة والسياق والهدف من هذه النصوص بعناية.

على سبيل المثال، قد يُشير المشككون إلى الاختلافات في تفاصيل روايات القيامة بين الأناجيل كدليل على التناقض.

يكشف التحليل المنطقي أن هذه الروايات متكاملة تماما لا يشوبها أي تناقضات، بل هي متّسقة تماما عندما تُفهم في سياقها الصحيح. كل كاتب إنجيلي يسرد الحدث وفقًا للجانب الذي يراه مهمًا في توصيل الرسالة الإلهية، ولا يُقصد منها تقديم صورة متماثلة تمامًا من كل زاوية بل توصيل صورة متكاملة. تمامًا كما قد يركز شهود عيان مختلفون على تفاصيل متنوعة لحادث واحد.

إن الفروق بين النصوص لا تدحض موثوقية الكتاب المقدس، بل على العكس، تُظهر تنوعًا في الأسلوب والرؤية التي تكمّل بعضها البعض. يمكن للمنطق أن يوضح هذه الفروق ويُبين أن الكتاب المقدس يظل وثيقة متّسقة وموثوقة عندما يُفهم في سياقه الصحيح.

 

الأساس الكتابي للتفكير العقلاني؟

يشجع الكتاب المقدس على التفكير العقلاني والمنطقي، حيث يستخدم العديد من الأساليب والمفاهيم والحجج المنطقية داخل نصوصه.

على سبيل المثال قول بولس الرسول في رسالته الى رومية: “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رو 1: 20).

هنا، يستخدم بولس الرسول المنطق ليبين أن الدليل على وجود الله واضح في الخليقة، بحيث لا يمكن لأحد أن يدّعي الجهل بوجوده.

لأن صفاته غير المنظورة، أي قدرته الأبدية وطبيعته الإلهية، تظهر بوضوح، منذ خلق العالم في الأشياء المصنوعة. فهكذا هم بلا عذر.”

بولس الرسول في هذا النص يقدم حُجّة منطقية مفادها أن من الواضح أن هناك خالقًا، وأن كل ما في الكون يشهد على وجوده وقدرته، وبالتالي لا يوجد عذر لمن ينكر وجود الله.

وبالمثل في رسالة كورنثوس الاولى، يستخدم بولس منطقًا مشابهًا للدفاع عن حقيقة القيامة. فيقول: “”وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ!” (1 كو 15: 17).

حُجَّة بولس هنا واضحة ومباشرة: إذا لم تكن القيامة قد حدثت، فإن الإيمان المسيحي كله يتهاوى. ولكن بما أن القيامة قد حدثت بالفعل، فهي تُشكل أساس الإيمان والرجاء في الحياة الأبدية.

كثيرا ما كان السيد المسيح ذاته يستخدم المنطق في تعاليمه. على سبيل المثال، في انجيل متى طرح يسوع معضلة منطقية على الفريسيين بشأن هويته. “وَفِيمَا كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ مُجْتَمِعِينَ سَأَلَهُمْ يَسُوعُ قَائلًا: «مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلًا: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً.” (مت 22: 41-46).

سألهم كيف يمكن أن يكون المسيح ابن داود وفي نفس الوقت رب داود. هذا السؤال كان تحديًا لفهمهم وأظهر قصور تفسيرهم للكتاب المقدس. من خلال هذا السؤال، أظهر يسوع براعته في استخدام التفكير المنطقي وحكمته الإلهية.

من خلال الكتاب المقدس، نرى أن العقلانية والتفكير المنطقي ليست أشياء غريبة على التعليم المسيحي، بل هما جزءًا لا يتجزأ من طريقة الكتاب المقدس في تقديم الحقائق الإيمانية.

 

أهمية المنطق في الخطاب اللاهوتي

يشكّل المنطق ركيزة أساسية في الخطاب اللاهوتي وفي الدفاع عن العقائد الكتابية. يقوم اللاهوت المسيحي على اساس ان الحقيقة متماسكة ومتّسقة وقابلة للفهم. بما أن السيد المسيح هو تجسيد للحقيقة عندما عرّف عن نفسه بقوله: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ.” (يو 14: 6). فإنه من الطبيعي والمنطقي أن تكون العقائد التي علّمها صادقة، منسجمة ومتّسقة منطقياً.

بالإضافة الى ذلك، يُعد المنطق اداةَ ضرورية للتمييز بين الحق والباطل.

في رسالة يوحنا الاولى يحذر يوحنا الرسول المؤمنين قائلاً: أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ. (1يو 4: 1).

هذا التحذير يدعو المسيحيين إلى دراسة التعاليم بتمعُّن للتأكد من مطابقتها للكتاب المقدس، وهنا يظهر دور المنطق في الكشف عن المغالطات والتناقضات في التعاليم الزائفة.

ليس المنطق اداةَ لفهم العقائد اللاهوتية فقط، بل ايضا يُعَدُّ وسيلة أساسية لفحص ودحض الأفكار المغلوطة. باستخدام المنطق، يُمكن للمدافعين عن الإيمان اثبات اتّساق الحقائق الكتابية وموثوقيتها، مما يعزز إيمان المؤمنين ويمنحهم ثقة اكبر في مواجهة التعاليم المخالفة والافكار المغلوطة.

 

المنطق والإيمان: تكامُل لا تعارُض

غالبًا ما يُساء تصوير العلاقة بين المسيحية والعقل، فيُظَنُّ انهما نقيضان لا يجتمعان. لكن الحقيقة، كما يظهر من تعاليم الكتاب المقدس فإن الإيمان والمنطق غير متناقضين ولا يستبعد أحدهما الآخر، بل على العكس من ذلك، هما مكمّلان لبعضهما البعض.

يدعو السيد المسيح أتباعه إلى محبة الله بكل قلوبهم وأرواحهم وعقولهم “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ.” (مت 22: 37). وهذا يشمل استخدام العقل للتفكير من خلال حقائق الكتاب المقدس، والدفاع عن العقيدة، والسيْر وفقًا لحكمة الله.

يوفر المنطق الإطار الهام الذي يساعد المسيحيين على فهم وشرح معتقداتهم والدفاع عنها بفعالية. فهو يساعد على توضيح التماسك الداخلي للعقائد المسيحية واتّساقها، مُبرزاً أن الإيمان بالله ليس إيمانًا أعمى، بل قائم على اساس عقلاني ومنطقي. إن دعوة الكتاب المقدس الى التفكير والبحث، مع بنية حججه المنطقية واهتمامه بالحقيقة تؤكد على اهمية العقل في حياة المسيحي.

من خلال المنطق، يستطيع المسيحيين والمهتمين بمجال الدفاعيات من تحقيق الوصيّة التي أوصى بها بطرس الرسول: “بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ،” (1 بط 3: 15).

 

الخاتمة:

المنطق ليس مجرد أداةَ لفهم الايمان المسيحي فقط، بل هو أداة فعّالة في الدفاع عن العقيدة المسيحية واظهار الاتّساق بين الإيمان والعقل. يتمكن المسيحيون من تقديم حجج عقلانية متماسكة، تدعم صحة الكتاب المقدس وألوهية المسيح، وهكذا يجمع الإيمان المسيحي بين عمق الاحساس القلبي واتساق التفكير العقلي، مما يجعله تجربة شاملة متكاملة.

 

ليكون للبركة

ترجمة: Patricia Michael

 

What Role Does Logic Play in the Defense of Christian Doctrine?

 

دور المنطق في علم الدفاعيات المسيحية (الدفاع عن العقيدة المسيحية) – ترجمة: Patricia Michael

ما هو اللاهوت الدفاعي؟

ما هو اللاهوت الدفاعي؟

 

ما هو اللاهوت الدفاعي؟

 

كلمة لاهوت “theology ” مأخوذة عن الكلمة اليونانية “ϑεολογια” وهي كلمة مكونة من مقطعين “ϑεος” ومعناها “الله”، و”λογια” وتعني “علم”. والمُصطلح ككل يعني العلم المُختص بالله، أو هو الحديث ومعرفة كل ما يختص بالله. يعرفه توما الإكويني على النحو التالي:

“هو علم جامع بمعنى أنه يتكلم عن كل الأمور من وجهة نظر الله، فالله ذاته هو الموضوع، وهذه الأمور تشير إليه”.[1] ويوضحه الأب إريثيئوس فلاخوس قائلاً: “اللاهوت بحسب ما ييفترض المصدر اليوناني للكلمة، معنيٌ بالله، ما هو الله، وكيق يصل الإنسان إلى الشركة معه”.[2]

أما كلمة دفاع فهي مأخوذة عن الكلمة اليونانية πολογία– Apologya وتعني: دفاع باسلوب قانوني، أو الحديث بشكل دفاعي للرد على بعض الاتهامات، وخاصة الدفاع الشفوي كما جاءت في (2تي4: 16) “في احتجاجي الاول لم يحضر احد معي “.

وتستخدم في المنهج الديني بمعنى الدفاع عن رسالة الإنجيل والإيمان، كما جاءت في (في1: 7) “كما يحق لي ان افتكر هذا من جهة جميعكم لاني حافظكم في قلبي في وثقي وفي المحاماة عن الانجيل وتثبيته انتم الذين جميعكم شركائي في النعمة“.[3]

نجد أن كلمة دفاع أو πολογία جائت في كتاب العهد الجديد ثماني مرات، ترجمة في سبع منهم إلى كلمة دفاع، مُحاماة، احتجاج، إجابة كما في النصوص التالية:

 ايها الرجال الاخوة والآباء اسمعوا احتجاجي الآن لديكم. (أع22: 1).

” فاجبتهم ان ليس للرومانيين عادة ان يسلموا احدا للموت قبل ان‏ يكون المشكو عليه مواجهة مع المشتكين فيحصل على فرصة للاحتجاج عن الشكوى‎” (أع25: 16).

” هذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني” (1كو9: 3).

” حافظكم في قلبي في وثقي وفي المحاماة عن الانجيل” (في1: 7).

” اني موضوع لحماية الانجيل” (في1: 17).

 ” في احتجاجي الاول لم يحضر احد” (2تي4: 16).

” مستعدين دائما لمجاوبة كل من يسألكم- always being prepared to make a defense to anyone” (1بط3: 15).

وترجمة إلى مرة واحدة إظهار أو إيضاح الأمر to make clear  كما في:

” في كل شيء اظهرتم انفسكم انكم ابرياء في هذا الامر- but also what eagerness to clear yourselves ” (2كو7: 11).

فعلم اللاهوت الدفاعي هو العلم المُختص بالحديث عن الله بشكل دفاعي أو بطريقة منطقية بهدف إزاحة العوائق التي تقف أمام العقل البشري حتى يستطيع أن يتّقبل الإيمان. هي صراع من أجل كسب عقول الرجال والنساء، الذين لم يسمع أحد منهم تقديم عقلاني للمسيحية أبدًا طوال حياتهم.[4]

[1] الخلاصة اللاهوتية 7: 1.

[2] الفكر الكنسي الأرثوذكسي، ص 218.

[3] Timothy Friberg, Barbara Friberg and Neva F. Miller, vol. 4, Analytical Lexicon of the Greek New Testament, Baker’s Greek New Testament library (Grand Rapids, Mich.: Baker Books, 2000), 69.

[4] ديانة القوة، إعداد. مايكل سكوت هورتون، ترجمة إدوارد وديع (القاهرة: دار الثقافة، 2008)، ص 54.

 

ما هو اللاهوت الدفاعي؟

ما الغرض من الدفاعيات؟

ما الغرض من الدفاعيات؟

 

ما الغرض من الدفاعيات؟

 

 

هدف الدفاعيات هو التفاعل مع ثقافاتنا المُعاصرة، بدلاً من الهروب منها، أنها تهدف إلى تحويل المؤمنين إلى مُفكرين، والمُفكرين إلى مؤمنين. الدفاعيات تحترم ما تتميز به الكرازة المسيحية من فكر صلب وخيال ثري وعمق روحي، وتعلنه بطرق قادرة على الإندماج في ثقافتنا.[1]

لا يجب النظر إلى الدفاعيات باعتبارها رد فعل دفاعيًا عدائيًا تجاه العالم. فعلى العكس تمامًا، الدفاعيات هي محاولة جعل الإيمان المسيحي مقرؤًا ومفهومًا أمام العالم، هي حركة إزالة الحواجز التي تعوق العقل من تقّبل الإيمان المسيحي.

عادة ما يُساء فهم المؤمنين على أنهم مجموعة من الجهلة البسطاء الذي يعتقدون في الخرافة والمجهول، يأتي هُنا دور الدفاعيات في إزالة تلك المفاهيم الخاطئة عن المؤمنين، فالمسيحي مُطالب أن يتفهم إيمانه ويتعقله ويستخدم ذهنه ويطّلع على الكتابات عامة لا الدينية منها فقط، المسيحي على اعتناق ما يتنافى مع العقل والمنطق –وإن كان يُمكنه أن يؤمن بما يفوق العقل وليس ما يخالفه- فالإيمان المسيحي قابل للشرح والتوصيف بأدلة من المنطق والفلسفة وليس بعيدًا عنها.

وعليه، فالمؤمن يتحرك بدافع قلبي، أو لنقل بدافع حب تجاه الآخر وتجاه العالم، ليس معارضًا للآخر، بل موجهًا مُرشدًا محاولاً توضيح الأمور كما هي عليه، أو إزالة الأفكار الخاطئة عن ما يعتقده الآخر في الإيمان، وهو ليس منه.

الدفاعيات هي دفاع عن الحق بلطف واحترام، الدفاعيات لا تهدف إلى استعداء من هم خارج الكنيسة ولا إهانتهم، بل إلى فتح عيونهم على واقعية الإيمان المسيحي، وصدقه، وملاءمته لحياتهم واحتياجاتهم. لا يجب أن يحدث تعارض أو تناقض بين الرسالة المُعلنة ونبرة اللاهوتي الذي يعلنها، فلابد أن نكون جذّابين، لطفاء، كريمي الخُلق. [2]

فغالبًا ما تتعرض المعتقدات المسيحية إما لسوء فهم أو سوء تفسير. وهذا ما جعل الدفاعيات المسيحية أمرًا ذو ضرورة مُلحة منذ فجر المسيحية وحتى اليوم.[3]

يجب أن نفهم الدفاعيات على أنها ترس في آلة الإيمان الكبيرة، لا يمكن اعتبار هذا الترس وحده هو ما نستطيع من خلاله أن نخلص، ومن الصعب أيضًا أن نعتقد أنه غير ذي أهمية. فللدفاعيات مُهمة مُحددة وهي نشر الوعي برسوخ وعظمة الإيمان المسيحي، عملها هو إزالة العوائق التي تحجب نور الله عن البشرية. فالخلاص لا يتم بالدفاعيات، بل بالحقيقة العظمى المُختصة بالله والمسيح، تلك التي إحدى طرق الوصول إليها هي الدفاعيات.

يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو برفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.

والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المُضللة، فيدركون فجأة سرّ ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي.[4]

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل”Alan of Lille  مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة.

ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء. إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزًا من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية.

إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.[5]

فأفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان. ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[6] 

كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة[7] من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نُقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا.

ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروسيوس Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا. فنجده يكتب:

“اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه”.[8]

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروسيوس (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روّجتها المانوية عن المسيحية.

وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروسيوس بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.[9]

فالدفاعيات المسيحية تعني بتوصيل فرح الإيمان المسيحي واتساقه وملاءمته للحياة من ناحية، وبالتعامل مع ما يواجهه الناس من شكوك ومخاوف وتساؤلات حول الإيمان من ناحية أخرى. وهذا ما نراه منذ زمن العهد الجديد حتى الآن.[10] والدفاعيات تؤكد وجود إجابات أمينة ومقنعة للأسئلة المخلصة التي يسألها الناس عن الإيمان. وهذه الأسئلة لابد أن تُحترم وتؤخذ على محمل الجد. والأهم من هذا، أنه يجب الإجابة عليها. والأهم من هذا وذاك أن الإجابات موجودة.

وتختلف الأسئلة التي تثار حول الإيمان من ثقافة إلى أخرى. فالكُتّاب المسيحيون الأوائل، على سبيل المثال، انشغلوا بكيفية مواجهة نقد الفلسفة الأفلاطونية لمعتقداتهم من ناحية، وبكيفية تصميم أسّاليب فعّالة لتوصيل إيمانهم وإبراز جماله للأفلاطونيين من ناحية أخرى. في حين أنه في بداية العصور الوسطى ركز الكثير من اللاهوتيين في أوروبا الغربية، ومن بينهم الفيلسوف العظيم توما الأكويني، على الأسئلة الدفاعية التي أثارها الكُتَّاب المسلمون.[11]

فالنقطة المهمة هُنا أن تفهم مستمعيك وتتعرف على شكوكهم وأسئلتهم. ولا يجب أن تنظر إلى هذه الأسئلة باعتبارها تهديدات مكروهة، بل رحِّب بها على اعتبار أنها يمكن أن تمثل مداخل للإيمان. فالسؤال يعني أن صاحبه مهتم وراغب في الاستماع.

وقد يكون هدف السائل أن يسدد لك الضربة القاضية بسؤاله، ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فالسؤال يتيح لك فرصة ذهبية لتوصيل الإنجيل عليك أن تُقّدرها وتنتهزها، لأن هذا النوع من الأسئلة يمنحك الفرصة لتزيل الغموض عن بعض ألغاز الحياة العويصة، ومن هذه النقطة يمكنك أن تشرح الرؤية المسيحية للواقع وتبرز حُسنها. ففي دفاعك عن المسيحية، لا داعي لتكوين توجه دفاعي، وكأنك تدافع عن عقيدتك ضد هجوم يُشن ضدها.

\ولكن عليك أن تنظر لكل سؤال على أنه فرصة لإزالة سوء الفهم، وإظهار مصداقية الإيمان وجاذبيته، والحديث عن تأثيره على الحياة. ومن ثم، لابد من الترحيب بالأسئلة ولابد من تكوين إجابات جيدة وتقديمها للسائل. والإجابات متوفرة بالفعل، وليس علينا سوى أن نكتشفها ونطّوعها بما يتناسب مع مهاراتنا في الحديث ومع الجمهور الذي نتفاعل معه.

فالدفاعيات ليست مُشاجرة ولا عراكًا ثنائيًا، بين من هم في ضلال مُطلق ومن يمتلكون الحق المُطلق. فالدفاعيات ليست حرب بل هي مُحاججة، نُقدم من خلالها البراهين المنطقية والأخلاقية والتاريخية على حقيقة ما نؤمن به. وبينما نقوم بأداء هذه المُحاججة، فإننا نضع في أعمق أعماق أذهننا أننا لسنا “مُلاَّك الحقيقة المُطلقة”، فلا يُمكن تخيل مدى الفساد الذي ينحدر بمن يظنون أن لديهم تفويضًا إلهيًا.

نحن نثق في إيماننا، لكن هذا لا يعني أن أفكارنا البشرية، وتفسيراتنا لهذا الإيمان، دائمًا صحيحة ودائمًا على صواب، فربما هُناك تفسيرات أُخرى لذات الإيمان، ولكنها تعالجه بشكل أفضل كثيرًا من قناعتنا الحالية.

[1] أليستر ماجراث، الدفاعيات المُجردة، ص 13.

[2] الدفاعيات المُجردة، 18.

[3] كما سنرى في الفصول القادمة المختصة بتاريخ علم اللاهوت الدفاعي.

[4] الدفاعيات المجردة، 127.

[5] المرجع السابق، 127، 128.

[6] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).

[7] الخطابة: هي فن الإقناع وقد ظهرت في بدايات القرن الخامس قبل الميلاد في الكتاب الثاني من الإلياذة، والذي يتحدث عن الحملة الإغريقية المُتجهة نحو طروادة، فمصيرها كان يعتمد على قدرة الخطباء على إقناع الجنود بالبقاء في صفوف الحرب وحضهم على القتال بشجاعة.

وقد استحدثت الحياة الديموقراطية في أثينا نوعين من الخطابة، وهما: 1- ويقوم بها رجل فصيح يُمثل الدولة بإقناع أعضاء المجلس على التصويتا لأجل مقترحاته. 2- الخطابة القضائية، وقد أسسها شخص يُدعى كوراكوس، وهي أشبه بما يفعله المحامون اليوم من دفاع أمام المحاكم العامة، وكانت تتكون من (مقدمة- موضوع- برهان- خاتمة). أحمد عتمان، الأدب الإغريقي تراثًا إنسانيًا وعالميًا، ص 497: 500.

[8] Augustine, Confessions V.xiii.23-xiv.25.

[9] الدفاعيات المجردة، 130 ، 131.

[10] For apologetic motifs in the New Testament, see Avery Dulles, A History of Apologetics (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 1-25.

[11] الدفاعيات المجردة، 157.

 

ما الغرض من الدفاعيات؟

كتاب مستعدون للمجاوبة – وليم لين كريج PDF

كتاب مستعدون للمجاوبة – وليم لين كريج PDF

كتاب مستعدون للمجاوبة – وليم لين كريج PDF

كتاب مستعدون للمجاوبة – وليم لين كريج PDF

تحميل الكتاب PDF

الفصل الاول: ما الدفاعيات؟

الفصل الثاني: ما اهمية ان يكون الله موجود؟

الفصل الثالث: ما السبب وراء الوجود؟

فاصل شخصي: رحلة فيلسوف على طريق الايمان 

الفصل الرابع: لماذا بدأ الكون؟

الفصل الخامس: لماذا يتسم الكون بالضبط الدقيق الي يجعله صالحا للحياة؟

الفصل السادس: هل يمكننا ان نكون صالحين دون الله؟

الفصل السابع: ماذا عن الالم؟

فاصل شخصي: رحلة ايمان فيلسوف 

الفصل الثامن :من كان يسوع؟

الفصل التاسع: هل قام يسوع من الاموات؟

االفصل العاشر: هل يسوع هو الطريق الوحيد الي الله؟

كتب دفاعيات للمدافعين الجدد PDF✅ – أكثر من 140 كتاب (متجدد)

كتب دفاعيات للمدافعين الجدد [PDF] – كيف تصبح مدافعًا مسيحيًا؟ (متجدد)

كتب دفاعيات للمدافعين الجدد PDF✅ – أكثر من 140 كتاب (متجدد)

كتب دفاعيات للمدافعين الجدد [PDF] – كيف تصبح مدافعًا مسيحيًا؟ (متجدد)

كتب دفاعيات للمدافعين الجدد [PDF] – كيف تصبح مدافعًا مسيحيًا؟ (متجدد)

ملحوظة: الكتب غير مرتبة بالأهمية، كل الكتب لها نفس الأهمية، ويجب على المسيحي المدافع أن يقرأها جميعًا وأكثر.

  1. كتاب الحق الراسخ ج1 – جوش ماكدويل – شون ماكدويل

  2. كتاب الحق الراسخ ج٢ – جوش ماكدويل – شون ماكدويل

  3. كتاب الحق الراسخ ج3 – جوش ماكدويل – شون ماكدويل

  4. كتاب لماذا أنا لست ملحدا ؟ – ديفيد ج. راندال

  5. كتاب المغالطات المنطقية – عادل مصطفى PDF

  6. كتاب تكتيكات لمناقشة معتقداتك الإيمانية – غريغوري كوكل

  7. الاعظم – مميزات المسيح فى جميع الكتب – القمص عبد المسيح بسيط PDF

  8. الدفاع عن المسيحية في إنجيل متى – يوسف درة الحداد

  9. الدفاع عن المسيحية في إنجيل مرقس- يوسف درة الحداد

  10. الكتاب المقدس ونظريات العلم الحديث – هنرى م. موريس (ت. نظير عريان) – تحميل PDF

  11. الكتاب المقدس يتحدى نقاده والقائلين بتحريفه – القمص عبد المسيح البسيط PDF

  12. الكتاب المقدس يتحدى نقاده والقائلين بتحريفه – القمص عبد المسيح البسيط PDF

  13. المرأة في تعاليم الكتاب المقدس واباء الكنيسة – الانبا ابرام اسقف الفيوم

  14. المسيح القدوس في موضع الاتهام – د. فريز صموئيل

  15. أدهشني الإيمان، شكوكيٌ يكتشف بشأن الحياة أكثر مما يمكننا أن نراه ونلمسه ونقيسه، الدكتور دُن بيرل

  16. أرني أين قال المسيح أنا هو الله فاعبدوني؟

  17. أنا هو فمن أنت: عبارات “أنا هو” في إنجيل يوحنا – الدكتور القس: حنا كتناشو

  18. يسوع المسيح خارج العهد الجديد، مدخل إلى الأدلة القديمة – روبين فان فورست

  19. تاريخ العقيدة المسيحية ج1 من البدء حتى نهاية مجمع نيقية سنة 325م – القمص عبد المسيح بسيط PDF

  20. تاريخ العقيدة المسيحية ج2 من نهاية مجمع نيقية إلى مجمع القسطنطينية وحتى نهاية مجمع أفسس 1 – القمص عبد المسيح بسيط PDF

  21. تحميل كتاب مائة سؤال وجواب في العقيدة المسيحية الأرثوذكسية PDF للأنبا بيشوي

  22. دواعي الإيمان في عصرنا – ج1 و ج2 – للأب: جيوفاني مارتني PDF

  23. شهود الصليب – الأخ وحيد – تحميل PDF

  24. شهود يهوه فى الميزان – الأب جبرائيل فرح البولسي – تحميل PDF

  25. صلب المسيح حقيقة لا افتراء – رد جون جلكرايست على كتاب أحمد ديدات ” صَلْب المسيح بين الحقيقة والافتراء”

  26. هل قال المسيح إني أنا ربكم فاعبدوني؟ القمص عبد المسيح بسيط PDF

  27. كتاب 100 سؤال يبحث عن جواب – عماد حنا PDF

  28. كتاب ولا غلطة في المسيح دراسة من وجهة نظر كتابية وتاريخية لأخطاء المسيح المزعومة – إيهاب صادق PDF

  29. كتاب الاختلافات المزعومة في الكتاب المقدس – ج1 – عماد حنا PDF

  30. كتاب الاله الذي لا أفهمه عندما ننتظر أن يتكلم الله – كريستوفر ج هـ رايت PDF

  31. كتاب الانجيل كيف كتب وكيف وصل الينا؟ – القمص عبد المسيح بسيط PDF

  32. كتاب الايمان في عصر التشكيك PDF – تيموثي كلر

  33. كتاب الإيمان وتحدي الإلحاد – الأب هنري بولاد اليسوعي PDF

  34. كتاب الإيمان وموجباته المنطقية – روبرت ل رايموند PDF

  35. كتاب الحرب في سفر يشوع -د القس رضا ثابت

  36. كتاب الحياة اليهودية في عصر المسيح PDF – الراهب أولوجيوس البرموسي

  37. كتاب الدفاعيات المجردة – اليستر ماجراث PDF

  38. كتاب العلم ووجود الله – هل قتل العلم الإيمان بوجود الله؟ – جون لينوكس PDF

  39. كتاب القضية الإيمان – لي ستروبل PDF

  40. كتاب القضية الخالق – لي ستروبل PDF

  41. كتاب القضية المسيح لي ستروبل تحقيق صحفي شخصي للشهادة عن يسوع PDF

  42. كتاب الكتاب المقدس هل هو كلمه الله – القمص عبد المسيح البسيط PDF

  43. كتاب الكفارة – مبادئ في فلسفة الدين  – وليم لين كريج

  44. كتاب الله الإنسان الألم PDF – سي إس لويس

  45. كتاب الله والإلحاد الدليل المختصر للأسئلة حول وجود الله – القس أمير ثروت PDF

  46. كتاب الله والشر والمصير PDF – كوستي بندلي

  47. كتاب الله يتصرف بشكل سيئ وهل إله العهد القديم عنصري غاضب قاسي – تأليف ديفيد لامب PDF

  48. كتاب المدخل إلى علم النقد النصي للعهد الجديد – فادي اليكساندر PDF

  49. كتاب المرأة في نظر الكنيسة PDF – اسبيرو جبور

  50. كتاب المسيح اللوغوس كلمة الله – الأخ وحيد PDF

  51. كتاب المسيح في رؤى ونبوات زكريا – القمص روفائيل البرموسي

  52. كتاب المسيحية المجردة – سي أس لويس PDF
  53. كتاب المنطق والايمان – م. هـ. فنلي
  54. كتاب الهيبوستاس أو الأقانيم الإلهية في الله الواحد الأحد – شرابي اسكندروس PDF
  55. كتاب الهيكل – الفريد ايدرزهايم PDF (طقوس الأعياد والاحتفالات كما كانت تتم في أيام السيد المسيح)
  56. كتاب الوجه الحقيقي للإلحاد – رافي زكارياس PDF
  57. كتاب الوحي الإلهي وإستحالة تحريف الكتاب المقدس – القمص عبد المسيح بسيط PDF
  58. كتاب الوهية الروح القدس للقديس كيرلس السكندري
  59. كتاب انجيل برنابا هل هو الانجيل الصحيح – القمص عبد المسيح بسيط PDF
  60. كتاب إثبات عقيدة لاهوت المسيح للربان أنطونيوس حنا لحدو PDF
  61. كتاب إذا كان المسيح إلها فكيف تألم ومات – القس عبد المسيح بسيط PDF
  62. كتاب إذا كان المسيح إلها، فكيف حبل به وولد؟ – القس عبد المسيح بسيط ابو الخير PDF
  63. كتاب إله العهد القديم إله الدماء؟ القس عزت شاكر
  64. كتاب إله العهد القديم إله دماء – القس عزت شاكر PDF
  65. لقب ابن الانسان هل يدل على ان المسيح انسان فقط؟ القمص عبد المسيح بسيط PDF
  66. كتاب أبوكريفا العهد الجديد ج1 وج2 – القس عبد المسيح بسيط PDF
  67. كتاب أخلاقيات العهد القديم لشعب الله – طرق الله بين الماضي والحاضر -كريستوفر ج هـ رايت PDF
  68. كتاب أدهشني الألم دور الألم والموت في الحياة المسيحية – ار سي سبرول PDF
  69. كتاب أسئلة حول ألوهية المسيح – حلمي القمص – سلسلة أقرأ وأفهم دراسات إيمانية PDF
  70. كتاب أسئلة في العهد القديم – تأملات وتساؤلات في أسفار التوراة – اوسم وصفي PDF
  71. كتاب أصالة الكتاب المقدس – تأليف دكتور إدوارد ج يونج – تعريب القس الياس مقار PDF
  72. كتاب أصعب 77 سؤالا عن الله والكتاب المقدس وإجاباتها – جوش ماكدويل وشون ماكدويل PDF
  73. كتاب أصعب الآيات في سفر التكوين – القس عزت شاكر – إجابة أكثر من 100 سؤال PDF
  74. كتاب أصل الكلام  – الدكتور القس عزت شاكر 
  75. كتاب أقوال صعبة في الكتاب المقدس (ج1 وج2) PDF – (ف. ف. بروس وآخرون)
  76. كتاب أكذوبة قبر يسوع الضائع – القمص عبد المسيح بسيط PDF
  77. كتاب أما إسرائيل فلا يعرف – القمص روفائيل البرموسي
  78. كتاب أيعيدون اختراع شخصية يسوع؟ – فهم شخصية يسوع الحقيقية – دانيال بي ولاس PDF
  79. كتاب أين الله في وقت الألم؟ – الكاتب فيليب يانسي – ترجمة سليم اسكندر PDF
  80. كتاب برهان جديد يتطلب قرار – جوش ماكدويل PDF
  81. كتاب برهان يتطلب قرار – جوش ماكدويل PDF
  82. كتاب تاريخ يسوع: القضية التاريخية لوجوده وصلبه وقيامته – دراسة وترجمة: مينا مكرم
  83. كتاب تجسد الكلمة PDF – للقديس البابا اثناسيوس الرسولي
  84. كتاب تساؤلات حول الله في العهد القديم – بقلم نبيلة توما PDF
  85. كتاب تساؤلات حول صفات الله التي تبدو متناقضة في الكتاب المقدس – عماد حنا PDF
  86. كتاب حروب يهوه – حيرة الماضي وعثرة الحاضر  – ديفيد ويصا
  87. كتاب حقيقة المسيح – إنسان أم أسطورة أم المسيح المنتظر؟ – رايس بروكس– تحميل PDF
  88. كتاب حقيقة المسيح – إنسان أم أسطورة أم المسيح المنتظر؟ – رايس بروكس – تحميل PDF
  89. كتاب حقيقة لاهوت يسوع المسيح – جوش ماكدويل وبارت لارسون PDF
  90. كتاب دافع عن إيمانك – سلسلة مكونة من اثنتي عشرة درسا في الدفاعيات PDF
  91. كتاب دفاعيات عن سفر صموئيل الأول – بقلم إيهاب صادق PDF
  92. كتاب دليل البراهين الكتابية – جون انكربرغ – جون ويلدن
  93. كتاب رواية عزازيل هل هي جهل بالتاريخ أم تزوير للتاريخ؟ ردا على رواية عزازيل للدكتور يوسف زيدان – القمص عبد المسيح بسيط PDF
  94. كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF
  95. كتاب سوء اقتباس الحقيقة – الرد على كتاب بارت إيرمان سوء اقتباس يسوع – تيموثي بول جونز – PDF
  96. كتاب شبهات وهمية حول الكتاب المقدس – منيس عبد النور PDF
  97. كتاب شهود الصليب – الأخ وحيد PDF
  98. كتاب شهود يهوه وهرطقاتهم – البابا شنودة الثالث PDF
  99. كتاب طلبت الله فوجدت يسوع – نبيل قريشي – ترجمة: مريم عزرا Seeking Allah, Finding Jesus
  100. كتاب ظهورات الابن الوحيد في العهد القديم PDF – الأنبا بيشوي مطران دمياط
  101. كتاب عقائدنا المسيحية الارثوذكسية – القس بيشوي حلمي
  102. كتاب على هذه الصخرة – إيمان كنيستنا القبطية الأرثوذكسية PDF
  103. كتاب قانونية اسفار العهد الجديد – عبد المسيح بسيط PDF
  104. كتاب قبر المسيح فى كشمير – د. فريز صموئيل
  105. كتاب كيرلس السكندري والجدل الكريستولوجي – تاريخه لاهوته ونصوصه – جون ماكجوين – الراهب اغاثون الانطوني
  106. كتاب كيف نؤمن باله المحبة في عالم الألم نظرة كتابية لمشكلة الألم – ميلفين تيينكر PDF
  107. كتاب لا إله إلا واحد – الله أم المسيح؟ – نبيل قريشي – ترجمة: مريم عزرا No God but One: Allah or Jesus
  108. كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF
  109. كتاب لاهوت المسيح ضد الاريوسيين – القمص موسى واصف PDF
  110. كتاب لغة الإله – عالم يقدم دليل على الإيمان – فرانسيس كولنز PDF
  111. كتاب لماذا الله؟ مسعى البشريى الأزلي – كارين ارمسترونج PDF
  112. كتاب لماذا أؤمن؟ إجابات منطقية عن الإيمان – بول ليتل PDF
  113. كتاب لماذا نؤمن بإله واحد الآب والابن والروح القدس منهج متكامل لشرح الإيمان المسيحي من الكتاب المقدس – د. اسكندر القمص لوقا
  114. كتاب لماذا يتجاهلني الله؟ حكمة وتشجيع للأوقات الشائكة عندما يبدو الله غائبا – جاري ر هابرماس PDF
  115. كتاب ليتني أستطيع أن أؤمن – ويم ريتكريك – ترجمة سليم إسكندر PDF
  116. كتاب ما الفرق بين المسيح والانبياء ومن هو الاعظم؟ – القمص عبد المسيح بسيط PDF
  117. كتاب ماذا قال المسيح عن شخصه؟ PDF – القس بيشوي حلمي
  118. هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم ؟ – القمص عبد المسيح بسيط
  119. من هو مؤسس المسيحية ؟ المسيح أم بولس الرسول؟
  120. كتاب مخطوطات العهد الجديد والنص الأصلي لكلمة الله الموحى بها – القمص عبد المسيح بسيط
  121. كتاب مستعدون للمجاوبة – وليم لين كريج PDF
  122. كتاب مستعدين للمجاوبة PDF – سمير مرقس
  123. كتاب مصداقية العهد القديم – ك. أ. كيتشن PDF
  124. كتاب مقدمات العهد القديم مع مناقشة الاعتراضات – وهيب جورجي كامل – خدمة الشباب PDF
  125. كتاب من خلق الله؟ البحث في نظرية كل شيء – ادكار اندروز PDF
  126. كتاب من صنع الله؟ وإجابات عن أكثر من مئة من الأسئلة الصعبة عن الإيمان – دكتور رافي زكارايوس PDF
  127. كتاب من هو المصلوب؟ د. فريز صموئيل
  128. كتاب منطقية الإيمان بالله – دعوة مفتوحة الي كل متشكك – تيموثي كلر PDF
  129. كتاب موت يسوع ودفنه وقيامته – ماذا حدث في الأيام الأخيرة ليسوع؟ كريغ أ ايفانز – ان تي رايت PDF
  130. كتاب موسوعة مدارس النقد التشكيك والرد عليها. مهندس حلمي القمص PDF
  131. كتاب موسوعة مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (1-13) – حلمي القمص PDF
  132. كتاب هل اقتبست المسيحية عقائدها من الأساطير الوثنية؟ القمص عبد المسيح بسيط أبوالخير PDF
  133. كتاب هل المسيح هو الله؟ ام ابن الله؟ ام هو بشر؟ – القمص عبد المسيح بسيط PDF
  134. كتاب هل المسيح هو الله؟ ام ابن الله؟ ام هو بشر؟ – القمص عبد المسيح بسيط PDF
  135. كتاب هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان PDF
  136. هل صُلب المسيح حقاً؟ – بقلم فارس القيرواني
  137. كتاب هل صلب المسيح حقيقة ام شبه لهم؟ – القمص عبد المسيح البسيط PDF
  138. كتاب هل يشهد الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟ القس عبد المسيح بسيط PDF
  139. كتاب هناك إله PDF – توني فلو – للتحميل
  140. كتاب وثائق عدم التحريف – دكتور رأفت عماري
  141. كتاب وقرار – بحث دراسي منطقي في صحة الكتاب المقدس – جوش ماكدويل PDF
  142. كتاب وقرار – بحث دراسي منطقي في صحة الكتاب المقدس – جوش ماكدويل PDF

كتب دفاعية مسيحية Apologetics للمدافعين الجدد [PDF] – كيف تصبح مدافعًا مسيحيًا؟ (متجدد)

كتب لاهوت دفاعي للمدافعين الجدد [PDF] – كيف تصبح مدافعًا مسيحيًا؟ (متجدد)

علم الدفاع المسيحي – ما هو وما مكانته – بحث شامل

علم الدفاع المسيحي – ما هو وما مكانته – بحث شامل

علم الدفاع المسيحي – ما هو وما مكانته – بحث شامل

علم الدفاع المسيحي – ما هو وما مكانته – بحث شامل

في أفضل لحظاتها. شقت المسيحية طريقها في العالم من خلال إعلانها وتعليمها الإيمان العقلاني الوحيد في العالم. إن المسيحية التي تعد بشكل بارز ومن دون منازع “ديانة المنطق”. هي أيضاً دفاعية، حيث تشعر في العمق وبشغف بثقف نقل إلى البشرية ما يجب أن يؤمنوا به، من جهة، لكي يخلصوا من مذنوبية الخطيئة ومن سلطانها، وبمدهم، من جهة أخرى، بالأسباب والموجبات لإيمانهم هذا، إذ تجيب الباحثين عن السؤال، لماذا يجب أن يؤمنوا.

تنتقل الكرازة المسيحية في معظم الأحيان إلى الاجتهاد “لأجل الإيمان المسلم مرة [هابكس] للقديسين” (يهوذا 3). إذاً، علم الدفاع المسيحي هو ذلك الفرع من المعرفة الذهنية الذي يبذل بموجبه مجهود ذكي بكل حرص، للتعريف بادعاءات الإيمان المسيحي بالحق والاجتهاد لأجلها أمام العالم غير المؤمن. وهذا يصح بالتحديد على ادعائه حصر به وحده المعرفة الحقة بالله الواحد الحي الحقيقي، وذلك بما ينسجم مع تعليم الأسفار المقدسة.

علم الدفاع المسيحي apologetics بالإنجليزية، لفظة مشتقة من الجذر اليوناني (-apolog) بمعنى “دفاع” أو “رد على اتهام رسمي” من صنف كتاب سقراط بعنوان Apology، يرد هذا الجذر بصيغة الفعل، أو الاسم، أو الصفة أكثر من عشري مرة في العهد الجديد اليوناني[1]. إلا أن هذه اللفظة تطورت بحكم الاستخدام حتى باتت تشير، بمعناها الضيق، إلى دفاع الفرد المسيحي عن إيمانه وسلوكه، هذا مع أنه من الأفضل ربما الإشارة عن دفاع كهذا بالإنجليزية بعبارة “apology” عوضاً عن “apologetic”.

المسألة بمعناها الأوسع، تفيد رد الشخص المسيحي على الهجمات التي يشنها العالم على ادعاءات الحق في الأسفار المقدسة. أما الأمر في أكمل معانيه، فيشير إلى عملية الدفاع عن الإيمان المسيحي ورد التهم الموجهة إليه، وذلك في وجه الهجمات التي يتعرض لها من قبل معشر المشككين وغير المؤمنين. كما يتضمن ذلك أيضاً عرضاً لمنطقية ما تدعى المسيحية بأنه حق.

مع التركيز على أن في هذا أكثر مما يكفي لسد الاحتياجات الروحية عند الجنس البشري. من هنا، فإن علم الدفاع بهذا المعنى الأخير لا يتوقف عند الحد الدفاعي، لكنه يشكل أيضاً مادة هجومية، لاعتماده ليس فقط في معرض الدفاع عن الإنجيل، بل أيضاً لنشر رسالته.

في اعتقاد بعض المسيحيين أنهم ليسوا تحت أي التزام للدفاع عن إيمانهم أمام عالم معاد، بل تقتصر مسؤوليتهم فقط على مجرد الكرازة بالإنجيل للعالم، هذه الكرازة التي تعد بحد ذاتها كافية تماماً للدفاع عن الإيمان. هذا الرأي لا يمكن إرساؤه على أسس كتابية.

فإلى جانب المثلين الواضحين المتعلقين بكل من يسوع وبولس اللذين كان قد دأبا على الدفاع، بالنسبة إلى يسوع عن ادعائه بأنه المسيا (متى 22)، وبالنسبة إلى بولس عن رسوليته (غلاطية 1-2؛ 1كورنثوس 9؛ أعمال 22-26)، عندنا مناشدة بطرس الكلاسيكية: “… قدسوا الرب الإله في قلوبكم مستعدين دائماً لمجاوبة (للدفاع) [pros apologian] كل من يسألكم عن سبب[2] الرجاء الذي فيكم، بوداعة وخوف، ولكم ضمير صالح…” (1بطرس 3: 15، 16أ). فحتى التحليل السطحي لتصريح بطرس هذا، يظهر كيف أن هذا النص:

–   يأمر بضرورة جعلنا من روبية المسيح أعلى وأسمى التزام قلبي عندنا. يجب أن يكون إيماننا به مؤكداً أكثر من إيماننا بأي شخص آخر. حيال هذا الواقع، كلمته هي المقياس، بمعنى أنها تشكل المعيار النهائي للحق والذي يثبت ويصادق على كل سلطان لها في كل ناحية من نواحي الحياة.

بكلام آخر، سلطان الرب علينا هو شامل؛ حتى إنه يلزمنا طلب رضاه في كل ما نقوم به (1كورنثوس 10: 31؛ كولوسي 3: 17، 23). بالطبع هذا يتضمن أيضاً ناحيتي تفكيرنا ومعرفتنا. “مخافة الرب رأس المعرفة” (أمثال 1: 7؛ المزمور 111: 10).

–   يفترض موقف إيمان قلبي (“الرجاء الذي فيكم”). فمن جهة التزام من قبل المسيحي مبني على الوعي الذاتي ليسوع المسيح بصفته الرب. ومن جهة أخرى الإقرار بهذا الالتزام من قبل الشخص غير المؤمن الذي يسأل المسيحي عن سبب هذا الرجاء؛

–   يشير ضمناً إلى كون الرجاء المسيحي هو أهل بالتمام للدفاع عنه بشكل منطقي، ذلك لأن الرسول لم يكن ليأمر المسيحي بأن يدافع عما لا يدافع عنه بشكل عقلاني.

–   يفترض إمكانية التواصل بين المؤمن وغير المؤمن؛ وإلا كانت المناشدة عديمة الجدوى. أما الأساس الدقيق وراء احتمال حصول هذا التواصل، فيشكل المعضلة الدفاعية المتعلقة بطيعة “القاسم المشترك” أو “نقطة الاتصال” (انكنبفانغسبونكت) ما بين المؤمن وغير المؤمن.

–   يدعو كل مؤمن إلى الاستعداد في كل مناسبة لإعطاء كل سائل السبب وراء التزامه الإيمان بيسوع المسيح كرب.

–   ويشير إلى الموقف الصحيح الذي من خلاله على المسيحي تقديم “دفاعه”: يجب ألا يحصل بعجرفة فكرية بل بالحري بوداعة، وضمير صالح، واحترام للشخص غير المؤمن الحامل أيضاً صورة الله. كذلك يجب أن يرافق دفاعه هذا إدراك كونه هو أيضاً خاطئاً مخلصاً بالنعمة، مع سلوك مقدس أمام الله. في هذه الحال فقط، يمكنه توقع أن يغدق الله بركته بالكامل على مجهوداته الدفاعية.

إلا أن وصية بطرس هذه يجب عدم تفسيرها بمعنى أن باستطاعة الشخص المسيحي اعتماد “المنطق” لإدخال الناس إلى ملكوت الله. فعمل تجديد النعمة المطلقة السلطة، وبمبادرة إلهية، والمرافق للكرازة بالإنجيل، يستطيع وحده تمكين الناس من دخول ملكوت السماوات. توضح قرينة مناشدة بطرس أن المسيحيين الذين يكابدون الاضطهاد من أجل شهادتهم التَقَوية (راجع 1بطرس 1: 3-7؛ يعقوب 1: 2، 12)، يستفهم منهم جيرانهم الوثنيون من حين إلى آخر عن “سلوكهم الغريب” في ظروف صعبة كهذه.

ومتى حصل هذا بموجب تدبير إلهي، على المسيحيين أن يكونوا قادرين على الإفصاح عن الأساس العقلاني وراء رجائهم المسيحي. على أن جوابهم هذا يجب أن يتضمن تصريحاً واضحاً عن نشاط الله الفدائي من خلال عمل يسوع المسيح الخلاصي.

إذاً من الواضح أن المسيحي لا يستطيع تجنب القيام بدفاع ذكي وفطن عن الإيمان المسيحي، إن كان مطيعاً للأسفار المقدسة. الدفاع المقنع والقوي الحجة عن الإيمان المسيحي أبعد من ألا يتلاءم مع هذا الإيمان، بل هو في الواقع مطلوب منه. هذا لا يسوغ بالطبع، إمكانية اعتماد أية وسيلة وكل أسلوب في معرض الدفاع هذا.

فمن الواضح أنه لا يمكننا الدفاع عن اقتناعاتنا الدينية بواسطة العنف. ولا يترتب علينا ابتكار أسلوب دفاعي لا ينسجم مع المضمون نفسه للإنجيل الذي نركز به. والمقصود قوله هنا هو: إن كان الإيمان المصلح هو في الواقع الإيمان الذي تعلمه الأسفار المقدسة، يتحتم في هذه الحال على المدافع المصلح تطوير واعتماد نظام دفاع مصلح، أي اسلوب مصلح للدفاع عن الإيمان المصلح. هذا من قبيل الانسجام مع أنفسنا.

مكان علم الدفاع ضمن الموسوعة اللاهوتية

الغرض الأساسي وراء علم الدفاع، هو دعم صوابية الالتزام المسيحي. إلا أن الطريقة المحددة للقيام بهذا تختلف بين مدافع وآخر وتتوقف إلى حد كبير على نظرة المدافع إلى علم الدفاع كداعم للموسوعة اللاهوتية ككل. يقسم هذا العلم عادة إلى أربعة مواضيع أو دوائر، أي التفسيري، والتاريخي، والنظامي، والعملي.

وبموجب هذا الترتيب، قام كل من “ف. شلايرماخر”، و”ج.هـ. أ. إيبراود”، و”ب.ب. وارفيلد”، و”ف. رز بياتي”، ونادوا بضرورة إنشاء دائرة لعلم الدفاع على أن تسبق الدوائر الأربع الأخرى كموضوع منفصل، يجب أن تقوم بعملها أولاً وباستقلالية تامة، لأنها ببساطة تعد المادة التعليمية الوحيدة التي “لا تفترض مسبقاً أي شيء”.

فقبل أن تتمكن أي من المواد التعليمية الأخرى من تحقيق نتائجها، يترتب على دائرة علم الدفاع أن تؤكد وجود الله، والطبيعة الدينية للإنسان، وحقيقة الإعلان، والأصل الإلهي للمسيحية، وموثوقية الكتاب المقدس. وإلا فاللاهوتي النظامي مثلاً، وبعد شرحه النظام المسيحي، قد يكتشف أنه كان يتعامل كل الوقت مع أوهام. بالمقابل وعلى نقيض ذلك، فإن كلاً من “ابراهام كوبير”، و”هرمن بافينغ”، و”فالنتاي هب”، و”لويس برخوف”، يحاججون في ضرورة أن يلي علم الدفاع علم اللاهوتي النظامي.

وإلا في حال سمح للمدافع بإرساء قواعد كل من إمكانية وجود اللاهوت المسيحي وافتراضاته المسبقة، فالمدافع المسيحي في هذه الحال قد نسب فعلياً للإنسان الساقط العامل بمفرده من دون مساعدة، القدرة على تقرير حق المسيحية بمعزل عن الإعلان. ففي هذا تنكر ضمني للعقائد الكتابية المختصة بفساد الإنسان وعجزه عن معرفة الله بمعزل عن المعونة القوية التي تأتيه أب إكسترا (“من الخارج”) أو أنوثن (“من فوق”).

إلى ذلك، يصر هؤلاء اللاهوتيون على أنه يتوجب على أحدنا أولاً تقرير أي إله الذي تنادي به المسيحية قبل أن يكون بوسعه التساؤل حقاً وبطريقة ذكية إن كان هكذا إله له أي وجود. بكلام آخر، على المدافع أن يعنى بما هي عليه المسيحية. كما أنه يهتم في الوقت عينه، على أقل تقدير، إن لم نقل قبل ذلك، بمسألة صحتها.

من الواضح أن التعريف بعلم الدفاع المسيحي، كما فعلت قبلاً، على كونه الدفاع عن الإيمان المسيحي، يجعلني أتفق مع “كويبر” وآخرين على ضرورة أن يترافق علم الدفاع أو يلي تلك المواد التعلمية التي تقرر مضمون الإيمان المسيحي. يبدو هذا المنحنى أيضاً الأكثر منطقية، بما أن على المرء معرفة ما يدافع عنه قبل الإقدام على ذلك. إن كان يبدو، أو متى بدا أن علم الدفاع المسيحي من حين إلى آخر يسبق المواد التعليمية الأخرى، أحاجج في أنها تفترض مسبقاً حقائق الإعلان الخاص في اللاهوت النظامي ونتائجه.

أوجه المهمة الدفاعية

المهمة التي تواجه المدافع المسيحي في معرض دفاعه عن الإيمان المسيحي تقع تحت أربعة عناوين:

1 – الرد على اعتراضات محددة

غالباً ما يجد المدافع المسيحي نفسه وهو يواجه اعتراضات محددة تثار ضد الإيمان المسيحي، من صنف وجود تناقضات مزعومة بين التصريحات الكتابية يترتب عليه إيجاد حل لهكذا تناقضات ونزع الاعتراض على أساس البحص العلمي والتفسير الدقيق. هذا العمل الجاد من شأنه تشديد الأمناء وتقويتهم. ورفع العوائق التي تقف في سبيل المشكك وتحول دون إكمال بحثه عن الحق.

كما أنه ينزع سلاح المعارضة التي قد تبدو لأول وهلة في محلها، وذلك من خلال اسكات اعتراضات، ومفاهيم مغلوطة، وأمور غير دقيقة يراعيها المشكك في ذهنه حول المسيحية هذه المهمة ليس حكراً فقط على علم الدفاع وحده. او إن كان أحدنا يفضل حصر هكذا مهمة ضمن نطاق علم الدفاع، فمن الضروري الإقرار بأن هنا تكمن مهمة علم الدفاع بالمعنى الأوسع. هذا لأن كل واحدة من دوائر الموسوعة اللاهوتية يجب أن تشرك نفسها في تنفيذ هذه المهمة.

سوف يطور المختصون في العهد القديم وفي العهد الجديد، ردوداً دفاعية على النقد المدمر للنص الكتابي وتعلميه. وعلى النظريات المعادية له. “ج. غريشام ماشين”، استاذ العهد الجديد في كلية اللاهوت “برينستون” مثلاً، دافع بشكل مقنع عن الإيمان المسيحي، لدى كتابته دراستيه الرائعتين The Virgin Birth (الولادة العذراوية)، وThe Origin of Paul’s Religion (أصل ديانة بولس). وكلاهوتي نظامي، سوف أدافع في النص الأول من هذا الكتاب عن حقيقة وتاريخية بعض الأحداث المركزية في المسيحية.

من صنف قيامة المسيح في الجسد في اليوم الثالث بعد صلبه. وصعوده إلى السماء، وولادته العذراوية، وعجائبه المقتدرة، وهداية بولس الخارقة وفوق الطبيعية على طريق دمشق. بالمقابل، سيحرص المؤرخ الكنسي على كشف وتصحيح أية قراءة مغلوطة للتاريخ الكنسي على حساب مصداقية الإيمان المسيحي.

غير أنه من المحتمل أكثر أن ردوداً مباشرة كهذه اعتراضات وصعوبات محددة تثار على الإيمان المسيحي، تكون ممكنة فقط في بداية أية محادثة مع غير المؤمن. فيرجح أن تنتقل المسألة سريعاً وتتحول إلى مقدمات منطقية جوهرية أكثر، بل في الواقع ذات بعد نهائي وحاسم. ثم تدعو الحاجة إلى ما هو أكثر من هذا. فالدفاع عن الإيمان سيجند نفسه على المستوى الأعمق للفرضيات المسبقة، حيث علم الدفاع كمادة تعليمية مستوحاة من الفلسفة أو المعرفة تثبت وجودها على أكمل وجه. هذا ما سأتناوله في النصف الثاني من الكتاب.

2 – للإخبار عن أساسات الإيمان المسيحي

على المستوى الأعمق للمقدمات المنطقية ذات البعد النهائي، أو المسائل الأساسية، غالباً ما يتطرق المدافع المسيحي إلى مسائل من صنف:

– هل الله موجود؟

– هل أعلن عن ذاته؟ إن كان نعم، أين وكيف؟

– لماذا أومن بهذه الأمور؟

– كيف أعرف أن ما أومن به هو صحيح؟

ما إن ترى هذه الأسئلة على أنها تقع بالتحديد في مكانها الصحيح ضمن نطاق علم الدفاع المسيحي، يصبح من الواضح أن علم الدفاع المسيحي كمادة تعليمية، غالباً ما يستلزم تمريناً في اللاهوت الفلسفي، كما أنه يأخذنا إلى نطاق فلسفة المعرفة.

في ضوء هذه المهمة المنوطة بعلم الدفاع المسيحي، يجب أن يكون من الواضح أن الحوار الدفاعي لن يقتصر دائماً على مجرد إعلان لمضمون الإنجيل. بالطبع، على المدافع افتراض طيلة فترة عمله، ما تتمتع به كل مشورة الله في الأسفار المقدسة من مصداقية بالكامل، كما أنه سيستقي من فطنتها في الطريق، من دون أي تردد.

سوف يُشير غالباً إلى الحقائق المختصة بالله، والخطيئة، وعمل المسيح، والخلاص. لذا، مما لا شك فيه، سيبدو أحياناً بالنسبة إلى غير المسيحي أن المدافع يكتفي “برمي صخور من الإنجيل على نفسه”. بالطبع، بمعنى من المعاني، سيفعل هذا. إلا أن الدفاع الكتابي عن الإيمان، مع شموله لمضمون الإنجيل، سيعنى أيضاً بأسئلة الدين الأكثر عمقاً، وسيسعى لبرهان كيف أن الإيمان المسيحي وحده يقدم إجابات عقلانية لها.

3 – لتحدي الأنظمة غير المسيحية

إن بعضاً من أوائل آباء الكنيسة بعد العصر الرسولي، عرفوا باسم “المدافعين” (يوستينوس الشهيد، تاتيانوس، إيريناوس، أثيناغوراس، وثيوفيلوس الأنطاكي). هؤلاء، حاولوا الرد على تعم موجهة ضد المسيحيين من صنف أكل لحوم البشر، وممارسة الفجور. لكن بدا تدريجياً أن أي دفاع عن الإيمان، يجب أن يبنى على التوكيد الإيجابي للإيمان المسيحي وانعكاساته على الأنظمة غير المسيحية (راجع كتاب أغسطينوس “مدينة الله”).

في الآونة الأخيرة، قام بعض المدافعين الأكثر تبصراً من سواهم ومن رؤيتهم للمهمة الدفاعية هي أكثر انتظاماً مسيحياً من سواهم، هؤلاء لم يكتفوا بالرد على اعتراضات غير المؤمنين، بل فضحوا أيضاً اللاعقلانية الكامنة داخل أنظمة التفكير غير المسيحية. كما أنهم تحدوهم أن يسوغوا من زاوية فلسفة المعرفة وجودهم نفسه ناهيك أيضاً بتصريحاتهم العقيدية التي لا أساس لها.

هذا الهجوم الإنجيلي بقيادة رجال من صنف “كرنيليوس فان تل”، وعوردو هـ كلارك”، و”كارك ف. هـ هنري”، و”فرنسس شايفر”، هو الذي تحدى العديد من اللاهوتيين الأصغر سناً للوقوف بالكامل على الانحراف الذي شهده الفكر الحديث، وكشف النقائص الكامنة داخل أي نظام يرفض أن يجعل كأساسه كلمة الله الآتية إليهم من العالم الروحي غير المنظور، وفضح عدميته من زاوية فلسفة المعرفة.

4 – لإقناع الناس بادعاءات الحق في الإيمان المسيحي

كنتيجة طبيعية للاهتمامات السابقة، يبقى القصد النهائي من علم اللاهوت المسيحي هو اقناع الناس بادعاءات الحق في الإيمان المسيحي. هذا الجانب من المهمة الدفاعية يبين ضرورة ألا يعتمد علم الدفاع المسيحي الأسلوب الصحيح في ضوء فلسفة المعرفة وحسب، بل أن يكون أيضاً في جوهره تبشيرياً وكرازياً.

المدافع المسيحي، وبالرغم من إدراكه بالكامل لسقوط الإنسان ولما للخطيئة من تأثيرات وخيمة في الذهن[3] وعجزه الشخصي عن أقناعه الناس بمعزل عن عمل الروح القدس المجدد، فإنه يبقى يسعى لتقديم، بشكل مقنع، الإيمان المسيحي من كل أوجهه وفي كامل جماله وكوحدة هامة من الحق منسجمة مع نفسها ومتماسكة، والتي تعرض وحدها أساساً عقلانياً لفهم الإنسان وكونه.

بكلام آخر، كما أن المدافع المسيحي سيعمل على دمج مضمون الإنجيل في أي أسلوب دفاعي مصمم بشكل صحيح، هكذا أيضاً سينظر بوعي ذاتي إلى مجهوداته الدفاعية ببساطة كجزء من التبشير المسؤول!

المسألة الرئيسية التي تواجه علم الدفاع المسيحي

أهم مسألة تواجه المدافع المسيحي هي التي تتعلق بالأسلوب: فهل على المدافع في سعيه للدفاع عن الإيمان وإقناع غير المؤمن بادعاءات المسيحية بالحق أن يجادل باتجاه الإعلان الخاص او منه؟[4] أو بكلام آخر، هل على المدافع المسيحي أن يبدأ دفاعه عن الإيمان واقفاً داخل دائرة الإعلان، أم هل يقف مع غير المؤمن خارج دائرة الإعلان؟ علم الدفاع البرهاني/ التاريخي يأخذ على عاتقه برهان أساسات الإيمان من دون افتراض وجود أي إعلان خاص، أي أنه يسعى لتثبيت بواسطة موجبات تحاكي المنطق البشري بمعزل عن نور الإعلان الخاص (1) وجود الله و(2) حقيقة الإعلان المسيحي.

إنه في سعيه هذا لعرض هكذا برهان، يعد بمثابة شكل منهجي من اللاهوت الطبيعي[5]. بالمقابل، علم الدفاع العقيدي أو المبني على الافتراض المسبق بأن المسيحية تشكل وحدها الأساس الوحيد للتفكير العقلاني (أنا أفضل تسميته ببساطة “علم الدفاع الكتابي”) يندرج، بلا خجل، ضمن دائرة الإعلان الخاص ويحاجج من موقعه هذا في (1) الكفاية بلا جدل من الزاوية الإيمانية ومن زاوية فلسفة المعرفة، للمفهوم المسيحي المختص بالعالم وبالإنسان، و(2) استحالة كل ما هو معاكس لهذا.

رد أحدنا على هذه المسألة الأساسية والهامة، سيظهر بوضوح في كل المسائل الأخرى المرتبطة على نحو خاص بعلم الدفاع المسيحي، والتي هي من صنف:

– ما هي طبيعة الإعلان العام وما هو عمله؟

– ما هي طبيعة الإعلان الخاص وما هو عمله؟

– للخطيئة نتائجها الوخيمة: أية أهمية تكتسبها هذه الحقيقة على مدى قدرة الإنسان على معرفة الله؟

– ما هي صفة الإيمان؟

– ما هو امتحان الحق؟

– أي صنف من التأكيد تقدمه المسيحية؟

– أية قيمة تكتسبها البراهين المبنية على الإيمان بالله؟

– أية قيمة تكتسبها الأدلة المسيحية؟

– ما هي طبيعة القاسم المشترك بين المؤمن وغير المؤمن، والتي تصلح كنقطة تواصل في معرض المحادثة الذكية بينهما؟

الأنظمة الدفاعية الرئيسة

المنهجية التي يعتمدها المدافع، أملت عليه ردوده، بشكل منتظم، على الأسئلة التسعة أعلاه. لذا، ما إن تحسم المسألة الرئيسة حتى تميل الأنظمة الدفاعية، بموجب ردودها، إلى الإندراج ضمن الفئات الأربع المميزة التالية:

1 – النظام المبني على الدلائل، غالباً ما توصف منهجيته بواسطة العبارة اللاتينية “إنتليجو إي كريدو” (“أنا أفهم وأومن”).

تركز هذه الفئة على شكل ما من منهجية اللاهوت الطبيعي يصلح كنقطة البداية لعلم الدفاع. أما خصائص هذه الفئة فهي: (1) الإيمان الصادق بقدرة المنطق البشري وموثوقيته في معرض بحثه عن المعرفة الدينية؛ (2) بذلك جهد لتأسيس الإيمان على حجج تستند إلى الاحتمالات ومبنية على حقائق اختبارية و/أو تاريخية للتحقق منها؛ و(3) الإصرار على اخضاع الحقائق الدينية المطلقة لأسلوب التحقق نفسه المعمول به مع التأكيدات العلمية، أي للبرهان العملي.

التقليد الأكويني ضمن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والتقليد غير المنتظم والمبني على الدلائل ضمن الكنيسة المصلحة، يشكلان مع التقليد الأرميني ممثلين عن هذا النظام.

2 – النظام المبني على الفرضية المسبقة بأن المسيحية تشكل وحده الأساس الوحيد للتفكير العقلاني (أو النظام المؤسس على الكتاب المقدس أو الكتابي)، غالباً ما توصف منهجيته بواسطة العبارة اللاتينية “كريدو أُت إنتليجام” (“أنا أومن لكي أفهم”).

هذه الفئة تفترض مسبقاً إعطاء أولوية للإعلان الخاص كأساس للعملية اللاهوتية. خصائص هذه الفئة هي: (1) الاقتناع بأن مخافة الرب تسبق فهي أي شيء آخر (أمثال 1: 7)؛ (2) الاقتناع بأن هذا النظام يقوم على التزام الإيمان الذي يتحكم بهذا النظام؛ (3) الاقتناع بضرورة تأسيس الاختبار الديني على كلمة الله الموضوعية وعلى عمل المسيح الموضوعي.

(4) الاقتناع بأن حالة الفساد التي يتخبط فيها الجنس البشري قد جعلت المنطق المستقل بحد ذاته، عاجزاً عن إرساء ادعاءاته بالحق بشكل مرض على أي شيء أكيد بتجرد وموضوعية؛ و(5) الاقتناع بأن فعل تجديد من نوع خاص بالروح القدس لا غنى عنه للإيمان المسيحي وللتنوير. التقليد المنتظم ضمن الكنيسة المصلحة، يمثل هذه الفئة.[6]

3 النظام التجريبي، غالباً ما توصف منهجيته بواسطة العبارة اللاتينية “كريدو كيا أبسردم إست” (“أنا أومن لأن الأمر عبثي”).

هذه الفئة، التي لا تبنى على الدلائل ولا على الفرضيات المسبقة، تشدد على الاختبار الديني الداخلي كالأساس للبنية اللاهوتية. أما خصائص هذه الفئة فهي: (1) الإصرار على الإعلان “كمقابلة” خالية من الحقائق المطلقة؛ (2) التشديد الكبير على الاختبار الديني الشخصي وغير الموضوعي كأساس للحق والمعنى، مع العلم أنه يصار إلى التعريف بالحق والمعنى من الزاويتين الداخلية والشخصية؛ (3) الإصرار على الطابع التناقضي للتعليم المسيحي، بمعنى أن الحق المسيحي غير قابل للتحليل العقلاني؛ و(4) التركيز الشديد على “غيرية” الله وتساميه واختفائه في الاختبار الديني.

من جمله الممثلين عن هذه الفئة، ثمة التقليد الأرثوذكسي المستحدث وجماعة من لسان حالهم: “كنت هناك لدى حصول ذلك، وأعرف بالتالي، مع ألا أحد آخر قد يعرف ذلك”.

4 – الحركة الإنسانية المستقلة، غالباً ما توصف منهجيتها بواسطة العبارة اللاتينية “إنتليغو أت كريدم” (“أنا أفهم لكي أتمكن من الإيمان”).

الفئات الثلاث الأولى، إلى جانب مساعيهم لإقناع بعضهم بعضاً، يعملون على إقناع هذه الفئة الرابعة من المفكرين، الذين لا يتظاهرون أبداً بأنهم حتى متدينون، بادعاءات كل فئة منهم. أما خصائص هذه الفئة فهي: (1) إنكار كامل وتام لأية حاجة إلى الله أو إلى الإعلان الإلهي كأمرين ضروريين لفهم كل من العالم وطبيعة الإنسان؛ (2) الثقة الكاملة بالعملية العقلانية البشرية وبعلومها لاكتشاف كل معرفة؛ (3) الاقتناع بأن ما يلزم الإيمان به لكونه حقاً، هو الذي يقتصر فقط على ما يشبع مستلزمات المنطق المستقل؛ و(4) رفض المسيحية الكتابية او الفوق الطبيعية.

هذا كله، ليس أقل أو أكثر من الحركة الإنسانية المناهضة لكل ما هو خارق أو فوق الطبيعة. والممثلون عن هذه الفئة هم الموقعون على “المانيفستو I” أو البيان الرسمي الأول للحركة الإنسانية و”المانيفستو II” أو البيان الرسمي الثاني للحركة الإنسانية. لكن وللأسف، بعض المدافعين المسيحيين، وفي محاولتهم البلوغ إلى هذه الفئة، يسلمون عن غير قصد منهم بالشيء الكثير من الأمور التي تميز دعاة الحركة الإنسانية، وتدعمهم في تمردهم على الله.

هذه الملاحظات تكفي كمقدمة لموضوعنا. من جهتي، أعرف بعلم الدفاع المسيحي على أنه الدفاع عن الإيمان المسيحي؛ لكنه دفاع غالباً ما يفترض اتخاذ مبادرة لتحدي أنظمة التفكير المناهضة لضرورة تسويغ حتى وجودها بحد ذاته في ضوء فلسفة المعرفة. يفترض هذا التعريف أن تكون الدوائر التفسيرية، والتاريخية، والنظامية من اللاهوت، قد أنجزت عملها وأن نظام الحق المسيحي قد جرى استخراجه بشكل كاف من الأسفار المقدسة ومن ثم التعبير عنه. أيضاً، علم الدفاع مدعو إلى الدفاع عن ذلك النظام.

هذا يعني أن المدافع المصلح لن يكتفي بمجرد الدفاع عن قطع الصورة على “علبة الأحجية” الخاصة بالإيمان المسيحي كقيامة المسيح في الجسد أو اهتداء الرسول بولس على طريق دمشق، بل سوف يقدم على دفاعات كهذه، وهذا ما سنفعله نحن بدورنا. لكن المدافع المصلح، وبموجب اقتناعه بأن الكتاب المقدس يعلم بنظام يقر “بالوجود الإلهي بالكامل”، أي بنظام من الحق شامل لكل الحياة من زاوية النظرة إلى العالم وإلى الحياة، الـ ولتانشونغ، يؤمن بأن الإيمان المسيحي بأكمله، من الضروري الدفاع عنه أخيراً.

لأن علينا ألا ننسى أن أحداث الـ كريغما، أي الكرازة المسيحية، لم تحصل بمعزل عن الرواية الأوسع[7] للأسفار المقدسة، حتى انها ستفسر خطأ بكل تأكيد ما لم نحرص على ابقائها ضمن تلك الرواية الأوسع.

أعتقد مع “كرنيليوس فان تك” أنه يترتب علينا “جعل رسالة الصليب ضمن إطار [الأسفار المقدسة ككل]، لأننا إن كنا لا نفعل ذلك. فلا نكون عندئذ كارزين حقاً وبالكامل بيسوع وبالقيامة. ذلك لأن الحقائق المختصة بيسوع وبالقيامة هي ما هي عليه فقط ضمن إطار عقائد الخلق، والعناية الإلهية، ونهاية التاريخ في الدينونة الأخيرة”[8].

لكن هذا يعني أننا “إن كنا ندافع عن المسيحية كدياننة تاريخية، فعلينا في الوقت عينه الدفاع عن الإيمان بوجود الله. هذا الأمر الذي يشكل أساساً لها”[9].

لا يزال هناك أمر واحد من الضروري ذكره قبل أن أختم هذا الفصل التمهيدي. فبصفتي لاهوتياً مصلحاً، أنا مقتنع بأن الإيمان المصلح يقد أفضل تعبير متماسك عن المسيحية الكتابية. اعتبر الدفاع عن الإيمان المصلح واجباً جليلاً بشكل ينسجم مع ذلك الإيمان. بكلام آخر، على اللاهوتي المصلح أن يكون مدافعاً مصلحاً.

عليه ألا يصبح أرمينياً في دفاعه عن الإيمان. يحتاج أيضاً أن يكون دائماً خلال تقديمه لدفاعه. صاحب وعي ذاتي من زاوية فلسفة المعرفة. بكلام آخر، عليه ألا ينسى هويته بالإيمان. وما يؤمن به. أقصد بذلك القول إن المدافع المصلح من خلال تقريره لكل من مضمون الإيمان المصلح وللأسلوب الصحيح للدفاع عن ذلك الإيمان، يترتب عليه أن يكون كتابياً راديكالياً. عليه التحفظ من اعتماد أي أسلوب للدفاع عن الإيمان من شأنه إضعاف حتى أدنى جزء من مضمون ذلك الإيمان.

سنوضح ما نقصد في سياق الفصول التالية إذ نتناول أولاً التسويغ للإيمان المسيحي ككل (الفصل الثاني)، ثم للكتاب المقدس ككلمة الله (الفصل الثالث). من ثم سنتطرق إلى الدليل[10] على حقائق وتاريخية أربعة من الأحداث المركزية للإيمان المسيحي: قيامة يسوع المسيح في الجسد (الفصل الرابع)، ولادته العذراوية (الفصل الخامس)، معجزاته العظيمة (الفصل السادس)، واهتداء بولس على طريق دمشق (الفصل السابع).

في الفصلين التاليين (الثامن والتاسع على التوالي) سنتطرق إلى المنهج الدفاعي لـ “بنيامين ب ورفيلد” (المعروف أحياناً باسم “أسلوب الدفاع برنستون القديم”) والمنهج الدفاعي الذي يعتمد الفرضية المسبقة بأن المسيحية تشكل الأساس الأوحد للتفكير العقلاني (والذي أفضل أن أسميه “الكتابي”).

ثم سنتناول بعضاً من انعكاسات هذه النظام الأخير على الإيمان والحياة لدى اعتبار الكتاب المقدس الأساس الكافي والوافي وحده للمعرفة وللأهمية الشخصية (الفصل العاشر)، طبيعة الحق الكتابي (الفصل الحادي عشر) والقيمة الدفاعية للآداب المسيحية المبنية على الإيمان بوجود الله (الفصل 12). وسنختم من خلال المحاججة في ضرورة اعتمادنا المنهج الدفاعي لبولس، في معرض سعينا لتبشير الناس بالمسيح في جيل ما بعد الحداثة هذا (الفصل الثالث عشر)، قبل أن ننهي بخاتمة.

 

[1] لوقا 12: 11؛ 21: 14؛ أعمال 19: 44؛ 1: 22؛ 24: 10؛ 25: 8، 16؛ 26: 1، 2، 24؛ رومية 2: 15؛ 1كورنثوس 9: 3؛ 2كورنثوس 7: 11؛ 12: 19؛ فيليبي 1: 7، 16؛ 2تيموثاوس 4: 16؛ 1بطرس 3: 15؛ راجع أيضاً رومية 1: 20؛ 2: 1.

[2] اللفظة اليونانية المترجمة “سبب” هي logon المشتقة من logos، حيث جذرها يتضمن فكرتي العقلانية والمنطق، وذلك بمعزل عن ترجمتها إلى “كلمة”، أو “شرح”، أو “خطاب”، أو “جملة”….

[3] إن سقوط الإنسان بحسب تكوين 3 من حالة الاستقامة (Status Integritaitis) التي كان قد خلق فيها، إلى حالة الراهنة من الفساد الأدبي (Status Corruptionis) لم يجعل البشرية تتخبط في حالة من السقوط والعجز عن تغيير هذا السقوط وحسب (رومية 1: 18-32؛ 3: 10-18؛ 5: 12-19؛ 8: 7، 8؛ 1كورنثوس 2: 14؛ أفسس 4: 17-19) بل أيضاً في حالة من المذنوبية الحقيقية أمام الله من جراء خطيئتها. إن سبباً رئيسياً وراء عجزه عن تغيير وضعه هو ما خلفته الخطيئة من نتائج وخيمة على تفكيره.

وعلى إثر ذلك، بات الناس يسلكون “ببطل ذهنهم، إذ هم مظلمو الفكر، ومتجنبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم” (أفسس 4: 17، 18). إن بحثاً في العمق لنتائج الخطيئة الوخيمة، يمكن العثور عليه في المرجع التالي بقلم “ابراهام كويبر”:

Principles of Sacred Theology (Grand Rapids, Eerdmans, n. d.), 106-14.

هناك، يظهر أن الناس وهم يبنون علومهم، وبسبب نتائج الخطيئة على الذهن الساقط، عليهم التسليم باحتمالات أن يشوب كل ذلك، الكذب والباطل، والأخطاء غير المقصودة، وخداع الذات، اقتحام الأوهام للمخيلة، وتأثيرات سلبية مقصودة مصدرها أذهان أخرى، مثلاً في حقل التربية على ذهن العالم، والضعف الجسدي الذي يؤثر في الذهن البشري ككل، وعلاقات الحياة غير المنظمة، والمعلومات المغلوطة وغير الدقيقة والتي جرى تعلمها في مجال ما من الحياة وتأثيرها في أفكار من مجالات أخرى، والمصلحة الذاتية البشرية، والوهن الذي يفتك بالطاقات الفكرية، وظلام الوعي، والفوضى الداخلية التي تضرب التجانس في الحياة، وفقدان المعرفة المعلنة لله المتعالي، والتي على أساسها يكون بإمكان أحدنا إدراك الكون وإدراك نفسه.

والآن يجب أن يواجه الناس، في نظر “كويبر”، إمكانية أن تقودهم أي من تأثيرات الخطيئة هذه. أو جميعها إلى الجهل وذلك في معرض بحثهم عن المعرفة. لعل مثلاً كلاسيكياً على هذا هو “برتراند راسل”، الفيلسوف وعالم الرياضيات والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1950، والذي كتب قبل مماته: “كل مجهودات العصور وكل إشراقة العبقرية البشرية في أبهى لمعانها، مصيرها الفناء والانقراض في موت النظام الشمسي الشاسع.

كما أن هيكل إنجازات الإنسان بأكمله يجب، بشكل لا مفر منه، أن يدفن تحت أنقاض كون في حالة دمار”. كم هو مأساوي هذا الكلام! كل عظمة “راسل” الخالية من الإيمان. إلى أين قادته؟ هل إلى الله، وإلى تعزياته الأبدية؟ كلا، لقد كان ملحداً صراحة، وكملحد ما أقل ما نفعه كل علمه في نهاية المطاف!

[4] من خلال العبارة “الإعلان الخاص” أشير إلى الكتاب المقدس على أنه ما يفترض بأنه إعلان الله عن ذاته. فكل من المدافع الذي يبني على البراهين، والذي يفترض مسبقاً كون الإيمان المسيحي هو الأساس الأوحد للتفكير العقلاني، سيعتمدان كليهما الكتاب المقدس في تعاملهما مع غير المؤمن، لكن الأول ينظر إلى الكتاب المقدس في البداية كوثائق من القرن الأول جديرة بالثقة على وجه العموم. فيما الأخير يستخدم الكتاب المقدس منذ بداية حججه بصفته كلمة الله الموحى بها.

[5] أقصد بـ “اللاهوت الطبيعي المنهجي” ذلك الأسلوب اللاهوتي حيث المقدمة الفلسفية “لقصة أولى” تبنى أولاً بالمنطق الطبيعي العامل بشكل مستقل مع ما يوصف بـ “المعلومات المحايدة”. بعد هذا توضح على هذا “قصة ثانية” مجموعة من المعتقدات المشتقة من الإعلان الخاص. في هذا الصنف من “اللاهوت الطبيعي”، الإعلان المسيحي الذي لا يُقصد منه إزاحة المقدمة الفلسفية أو العمل كأساس لها، يفترض مسبقاً وجود المقدمة الفلسفية، وعلى ما يبدو تثبتها وتكملها.

[6] عنوان هذا الكتاب “الإيمان وموجباته المنطقية” وعنوان الكتاب المصلح التابع للنظام المبني على الدلائل “جون هـ غرستنر” Reasons for Faith (“موجبات الإيمان”) يسلطان الضوء على الفرق بين المنهجيات الدفاعية المصلحة المنتظمة وغير المنتظمة على التوالي من خلال عكس اللفظتين.

[7] إن كانت علوم ما وراء الطبيعة (metaphysics) تعد أحد أشكال “الفيزياء الكبرى” والتي تفسر جميع الشعب الأخرى للفيزياء. هكذا أمر الرواية الأوسع التي هي بمثابة “القصة الكبرى” التي تشكل القرينة لكل “القصص الصغرى”

[8] Cornelius Van Til, Paul at Athens ( a Pamphlet Published by Lewis J. Grotenhuis; Phillipsburg, New Jersey, n. d.)13.

[9] Cornelius Van Til, The Defense of the Faith (Philadephia: Prebyterian and Reformed, 1955), 24.

[10] آمل من خلال هذه الفصول الأربعة، دحض المفهوم المغلوط عند الذين يرتكزون إلى الدلائل في دفاعهم، ومفاده أن دعاة الفرضية المسبقة بأن المسيحية تشكل الأساس الأوحد للتفكير العقلاني (أو “الكتابيين”) غير معنيين بالدلائل على الإيمان المسيحي، بما أن هذا ببساطة غير صحيح. فمناصرو هذه الفرضية المسبقة، يستخدمون بانتظام الدلائل على الإيمان المسيحي في معرض مساعيهم الدفاعية.

إلا أنهم لا يستخدمونها تحت شكل احتمالات، الأمر الذي يسمح لغير المؤمن باستخلاص كون الدليل، في أفضل حالاته، يبرهن أن المسيحية يرجح فقط أن تكون صحيحة. شكل هذا خطأ فادحاً ورئيسياً لأسلوب الدفاع “برنستون القديم” ولا يزال يعد خطأ فادحاً ورئيساً لأسلوب الدفاع المبني على الدلائل اليوم. الغلطة الرئيسة في هكذا نظام دفاعي، هو افتراض أن لدى غير المؤمن بما يكفي من الصدق لتفحص الدليل بشكل عادل.

علم الدفاع المسيحي – ما هو وما مكانته – بحث شامل

اسلوبك الخاص في الدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

اسلوبك الخاص في الدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

اسلوبك الخاص في الدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

 ما الخطوة التي يجب ان تتخذها الان؟ لقد حاول هذا الكتاب ان يساعدك في تكوين منهجك الخاص في الدفاعيات. وبدلاً من أن أزودك بصيغ جاهزة للإجابة عن كل الأسئلة الجوهرية التي تتعلق بالإيمان، حاولت أن أساعدك على تكوين أسلوبك الخاص. لأن ما تستخدمه من أساليب وتقدمه من اجابات لابد أن يكون مقنعا لك شخصيا.

والا كيف تقنع الآخرين وترشدهم؟ وقد كان همي عبر هذا الكتاب أن أساعدك وأشجعك على تكوين منهج دفاعي، دون ان أقدم لك قائمة بالإجابات الدفاعية لذلك من المناسب أن أختتم هذا العمل ببعض الاقتراحات التي تقدم لك مزيدا من العون في تكوين أسلوبك الخاص المميز.

اعرف نفسك:

لقد خلق الله كلا منا على النحو الذي هو عليه، ولابد أن نتعلم أن نتقبل هذا، أي أننا لابد أن نقدر ما فينا من نقاط ضعف ونقاط قوة، ونجتهد للاستفادة من الاثنين بأقصى قدر ممكن. والعمل بالدفاعيات يتم بأفضل ما يكون في أربعة أشكال:

  1. الأحاديث الجماهيرية.
  2. الكتب.
  3. الحوارات الشخصية.
  4. نموذج حياتنا وتوجهاتنا في الحياة.

ويتجه معظم المدافعين للأحاديث الجماهيرية التي يتم توزيعها في تسجيلات صوتية او مرئية. فحاول أن تكتشف المجال الذي تجد نفسك أكثر تفوقا فيه، وقم بتصميم أسلوب ولون مميز خاص بك. وأهم شيء أن تكون مجموعه من ” الأصدقاء الناقدين” ليساعدوك على تحديد نقاط القوة..

يجب أن تنتبه أيضا أن العمل في الدفاعيات يستنزف المدافع فكريا وروحيا، ﻻ لضعف في القضية التي تؤيد المسيحية، بل بسبب ما ننفقه من طاقة نفسيه في الدفاع عنها وابراز جمالها، ووعينا بأهمية هذه المسئولية. وقد كان “سي. اس. لويس” واعيا تماما بهذه المشكلة، وعلق عليها قائلا:           

لقد اكتشفت أن أخطر تهديد يواجه ايمان الشخص هو العمل بالدفاعيات. فأكثر الحقائق الايمانية التي عانيت معها صراعا نفسيا عنيفا وصل الى حد الشك في صحتها، هي تلك التي حققت نجاحا باهرا في الدفاع عنها في المناظرات العامة، وكان الشعور ينتابني عقب المناظرة مباشرة.

ان المدافع يحتاج لدعم حتى يؤدي عمله بكفاءة. فأنت بحاجة لشركة اخرين وصحبتهم. أما المدافع المنفرد يصاب بالإنهاك والاعياء، لعدة أسباب منها ضخامة المسئولية هو أن تشاركها مع أصدقاء من هذا النوع، وهو ما سننتقل اليه الان.                      

            تعلم من الأخرين:

لا غنى عن التعلم من مدافعين اخرين. والانترنت يوفر لك تسجيلات صوتية لأساتذة فن الدفاعيات، مثل بعض رواد الدفاعيات الأمريكيين المعاصرين، ومنهم “وليم لين كريج” “تيموثي كلر”،”بيتر كريفت” “رافي زكراياس” يمكنك أن تستمع لتسجيلات محاضراتهم، أو أن تقرأ كتبهم، وحلل ما يستخدمونه من منهجيات. وبعض المدافعين مثل

“لويس” وكذلك “تولكين” يقدمون الدفاعيات في شكل روايات. فرواية “جلعاد” ٢٠٠٤مثلا للكتابة “مارلين روبنسون” الحائزة على “جائزة بلتيزر” للأعمال الروائية تتناول بعض الموضوعات اللاهوتية على نحو مبهر.

 حاول أن تكتشف كيف يجدب هؤلاء المدافعون انتباه الجمهور. ما القصص التي يروونها؟ ما الامثلة التوضيحية التي يستخدمونها؟ كيف يبنون حججهم؟ وكيف يمكنك أن تطور أساليبهم وتكيفها؟ ففهمك لأفكارهم شيء، والقدرة على تكييفها وتطبيقها بما يخدم أغراضك شيء مختلف تماما.

وهنا يأتي دور “التصميم العكسي”، وهو ما يعني فحص منتج مثل محرك سيارة أو شريحة الكترونية بهدف اكتشاف تصميمها، والإجابة عن بعض الأسئلة مثل: لماذا اختار مصمموها هذا الأسلوب بالذات دون غيره؟ وهل يمكن تطوير التصميم؟ حاول أن تمارس عملية التصميم العكسي على محاضرة دفاعيه لأحد الخبراء المعتبرين في المجال، وحاول أن تكتشف الأسباب التي دفعته لاتخاذ ما اتخذه من قرارات في كتابة هذه المحاضرة.

فمثلا، لماذا قرر أن يفتتح الحديث بهذه الطريقة؟ ما الذي يمكن أن أستنتجه عن نوعية الجمهور بناء على هذه الافتتاحية؟ ما العوامل التي شكلت اختياره للموضوعات؟ لماذا ختم الحديث بهذه الطريقة؟ ثم أهم سؤال: كيف تفعل أنت ذلك؟

المهم أن تكون أسلوبك الخاص في الدفاعيات بما يناسب مواهبك من ناحية، وما يناسب جمهورك من ناحية أخرى. ومن أهم ما يساعدك في ذلك قراءة كتابات مدافعين اخرين. ولكن في النهاية عليك أن تخلق اجاباتك الخاصة عن الأسئلة التي تتعلق بالإيمان، فلن يمكنك أبدا ان تعيش على الاجابات المستعارة، ولكن لابد أن تبنى اجاباتك بنفسك، اجابات ترضيك أنت شخصيا. وبالرغم من أنه يمكنك أن تستخدم اجابات الاخرين، فأفضل الاجابات هي اجاباتك.

لماذا؟ لأنك تمعن التفكير فيها وتضبطها ضبطا دقيقا حتى تصبح راضيا عنها. فأنا لا أشعر بأي ارتياح عندما أستخدم أسلوبا دفاعيا أو أقدم اجابه دفاعيه لست مقتنعا بها، حتى وان كان كبار المدافعين يستخدمونها في كتاباتهم.

مارس:

واخيرا، تدكر أن الدفاعيات علم وفن. فهي تتطلب تكوين فهم جيد للإيمان المسيحي والتوصل الى أفضل الطرق لتوصيل فهمك هذ للجمهور الذي تخاطبه. فكيف تقيم مدى نجاحك في التواصل؟ أنت تحتاج ان تسمع ردود أفعال الاخرين التي تزودك بتقييم صادق ومشجع يساعدك على التقدم.

وفي “أكسفورد للدفاعيات المسيحية” يتعلم الطلاب النظرية والتطبيق. فمعرفة النظرية بداية عظيمه، ولكنها غير كافية، فلابد أن تفكر في كيفية استخدام الأفكار التي درستها، وهو ما يعنى كتابة أحاديث قصيره، والتفاعل مع أسئلة الناس، ومعرفة تقييم المحيطين بك لأدائك. فطلابنا يقدمون الأساليب التي يصممونها لزملائهم لتقييمها ومساعدتهم على تحسينها.

وهذه العملية تتم في جو من الاحترام والدعم المتبادلين، مما يمكن الطلاب من الوقوف على نقاط ضعفهم دون حرج والعمل على الحد منها. والاهم من ذلك أن هذه الطريقة تساعدهم في تنميه نقاط قوتهم والبناء عليها.

ما نقاط قوتك؟ سأقدم بعض الأمثلة الواضحة. أنا مثلا عندي اثنان من جوانب القوة المتميز، أولهما أنى ملحد سابق، فأنا لا احتاج لمن يخبرني عن طبيعة الالحاد، فقد اختبرته بنفسي. ويمكنني بسهولة أن أتعامل مع الالحاد العنيف الذي يميز بعض الكتاب أمثال “ريتشارد دوكينز”. وانا اعلم كذلك ما دفعني لرفض هذه النظرة، ويمكنني أن أشرح ذلك للآخرين. وثانيهما أنى بدأت حياتي الأكاديمية بالعلوم الطبيعية، وتحديدا الفيزياء والأحياء، ومازالت أواصل قراءاتي فيهما، وأقرأ كذلك في تاريخ العلم وفلسفته.

وهو ما يعنى أنى قادر على اجراء حوارات ايجابية، ثريه بالمعلومات السليمة مع العلماء المتخصصين في العلوم الطبيعة ممن يهتمون ببحث مسائل الحياة الجوهرية التي تكمن وراء المنهج العلمي.

وهكذا ينبغي على كل منا أن يتعرف على نقاط قوته ويحاول الاستفادة منها بأقصى قدر ممكن. فقد كان “لي ستروبل” المولود سنة (١٩٥٢).

مثلا، صحافيا في جريدة “شيكاغو تريبون”. وبعد أن امن بالمسيحية حول مهاراته في الكتابة والتحليل الى دفاعات قوية تؤيد الايمان المسيحي، ومنها كتاب “القضية المسيح”١٩٩٨ ” وكتاب “القضية الايمان ٢٠٠٠ ومن ثم، علينا أن نكتشف مهاراتنا ونجد طريقة للاستفادة بها. ولا تنس أن الرب يسوع دعا صيادين على شاطئ بحر الجليل

(مر١:١٦-٢٠) واعطاهم ارسالية جديده أن “يصطادوا الناس”. وهكذا أكدوا يستخدمون مهاراتهم القديمة استخداما جديدا يتفق مع أغراض الله.

وفى النهاية أقول ان النجاح في الدفاعيات يتوقف على الممارسة، بمعنى فعل الشيء عمليا (مقابل الاكتفاء بالتفكير فيه)، وكذلك فعله بانتظام (حتى تتطور فيه). فلا يمكنك أن تتعلم الدفاعيات بقراءة الكتب أو بالالتحاق بدراسات متخصصة. ولكنها مهاره، وليست مجرد اكتساب معلومات. والسبيل الوحيد لتعلم تصميم الأحاديث الدفاعية وتقديمها هو أن تقوم بتصميم أحاديث دفاعيه وتقدمها، ثم تستمع لآراء زملائك. وان لم تكن ملتحقا ببرنامج دراسي معين يدرج هذ الاسلوب في المنهج، فلابد تكون مجموعه من الاصدقاء لتساعدوا بعضكم بعضا على تطوير اساليبكم.

 هل تدكر “الاينكلينجز”؟ لقد كانت مجموعة من الكتاب، ضمت من بين أعضائها “سي. اي. لويس” وكذلك “ج. ر. ر. تولكين”، وكان أفرادها يلتقون بانتظام في جامعة أكسفورد ابان الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين ليستمعوا لكتابات بعضهم البعض وهي في طور الاعداد ويقدموا نقدا بناءً. حاول أن تجد او تكون دائرة صغيره ترغب في تطوير مجال الدفاعيات. وسوف تجد الكثيرين ممن يريدون أن يبلغوا هذه الغاية، ولاسيما في كليات اللاهوت والجامعات الأمريكية.

وأخيرا. . ..

 لا يمكن لهذا الكتاب القصير أن يأمل في أن يعلمك كل شيء عن علم الدفاعيات. الا أنه يضعك على بداية الطريق فحسب. ولكنى ارجو أن يكون قد نجح في اثارة اهتمامك بهذا المجال، وساعدك على تقدير أهمية الدفاعيات وقدرتها على استثارة الناس. فلا تحبط ان كانت الافكار صعبة التطبيق أو الاتقان. لان كل ما يفعله الكتاب أنه يرسم خريطة للأرض. والان يأتي دورك في استكشافها بمزيد من العمق والتفصيل، وهو نشاط ممتع وقيم ويستحق الجهد. والامور القيمة دائما نادرة، فكم شيئا في الحياة له هذه القيمة؟

اسلوبك الخاص في الدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

أسئلة عن الإيمان – تصميم منهجيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

أسئلة عن الإيمان – تصميم منهجيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

أسئلة عن الإيمان – تصميم منهجيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

تُعني الدفاعيات بتوصيل فرح الإيمان المسيحي واتساقه وملاءمته للحياة من ناحية، وبالتعامل مع ما يواجهه الناس من شكوك ومخاوف وتساؤلات حول الإيمان من ناحية أخرى. وهذا ما نراه منذ زمن العهد الجديد حتى الآن.[1] والدفاعيات تؤكد وجود إجابات أمينة ومقنعة للأسئلة المخلصة التي يسألها الناس عن الإيمان. وهذه الأسئلة لابد أن تُحترم وتؤخذ على محمل الجد. والأهم من هذا، أنه يجب الإجابة عليها. والأهم من هذا وذاك أن الإجابات موجودة.

وتختلف الأسئلة التي تثار حول الإيمان من ثقافة إلى أخرى. فالكُتاب المسيحيون الأوائل، على سبيل المثال، انشغلوا بكيفية مواجهة نقد الفلسفة الأفلاطونية لمعتقداتهم من ناحية، وبكيفية تصميم أسّاليب فعالة لتوصيل إيمانهم وإبراز جماله للأفلاطونيين من ناحية أخرى.

في حين أنه في بداية العصور الوسطى ركز الكثير من اللاهوتيين في أوروبا الغربية، ومن بينهم الفيلسوف العظيم توما الأكويني، على الأسئلة الدفاعية التي أثارها الكُتاب المسلمون. (كان للإسلام تواجد قوي في أسبانيا وشمال فرنسا آنذاك). وفي هذا الصدد أيضًا، علينا أن نُقدر أهمية المستمتعين. لأنه كما تشكل طبيعة المستمتع أسلوبنا في تقديم الإيمان المسيحي، تشكل كذلك الأسئلة التي يطرحها عن المسيحية.

فالأسئلة التي تُطرح في الإطار الإسلامي مثلاً غالبًا ما تتعلق بتاريخ الكنيسة (ولاسيما فترة الحروب الصليبية)، وتتعلق أيضًا بتعليم الثالوث، وبألوهية المسيح، وهما العقيدتان اللتان ينظر إليهما المسلم باعتبارهما متعارضتين تمامًا مع جوهر عقيدة التوحيد في الإسلام.

أما الإطار العقلاني، غالبًا ما يطرح أسئلة تتعلق بالعقائد “غير العقلانية” (مثل عقيدة الثالوث أو الإيمان بأن يسوع هو الله وإنسان في آن)، أو الأسئلة التي تشكك في صلاح الطبيعة البشرية أو استقلاليتها (مثل عقيدة الخطية الأصلية). في حين أنه في إطار ما بعد الحداثة غالبًا ما تتعلق الأسئلة بفكر العهد الجديد الذي يؤكد أن يسوع المسيح هو الطريق الوحيد للخلاص (وهو ما يُعتبر منافيًا لفكر ما بعد الحداثة الذي يمجد التعددية).

فالنقطة المهمة هنا أن تفهم مستمعيك وتتعرف على شكوكهم وأسئلتهم. ولا يجب أن تنظر إلى هذه الأسئلة باعتبارها تهديدات مكروهة، بل رحِّب بها على اعتبار أنها يمكن أن تمثل مداخل للإيمان. فالسؤال يعني أن صاحبه مهتم وراغب في الاستماع.

وقد يكون هدف السائل أن يسدد لك الضربة القاضية بسؤاله، ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فالسؤال يتيح لك فرصة ذهبية لتوصيل الإنجيل عليك أن تقدرها وتنتهزها، لأن هذا النوع من الأسئلة يمنحك الفرصة لتزيل الغموض عن بعض ألغاز الحياة العويصة، ومن هذه النقطة يمكنك أن تشرح الرؤية المسيحية للواقع وتبرز حُسنها. ففي دفاعك عن المسيحية، لا داعي لتكوين توجه دفاعي، وكأنك تدافع عن عقيدتك ضد هجوم يُشن ضدها.

ولكن عليك أن تنظر لكل سؤال على أنه فرصة لإزالة سوء الفهم، وإظهار مصداقية الإيمان وجاذبيته، والحديث عن تأثيره على الحياة. ومن ثم، لابد من الترحيب بالأسئلة ولابد من تكوين إجابات جيدة وتقديمها للسائل. والإجابات متوفرة بالفعل، وليس علينا سوى أن نكتشفها ونطوعها بما يتناسب مع مهاراتنا في الحديث ومع الجمهور الذي نتفاعل معه.

فكيف نتعامل مع هذه الأسئلة؟ تقدم بعض الكتب الدراسية في الدفاعيات إجابات ثابتة لأسئلة ثابتة، وتشجع القارئ على إتقان هذه الردود الروتينية حتى يدافع عن الإيمان المسيحي بإخلاص وفاعلية.[2] ولكن بحكم مهنتي في التدريس، أقول إني أفضل منهجًا مختلفًا.

فأفضل الإجابات التي نقدمها للأسئلة التي يطرحها الناس عن الإيمان ليست تلك التي نأخذها من الكتب الدراسية أو المصبوبة في قوالب جاهزة، ولكن أفضل الإجابات هي التي يُكونها المدافعون فرادي في معالجتهم للأسئلة التي تُطرح عليهم، بناءً على حالة السائل، والموارد المتاحة للإجابة. ومن ثم، على المدافع ألا يَقنع بالإجابات المستعارة، بل عليه أن يكْون إجاباته بنفسه. أي باختصار عليه أن يمتلك إجاباته. فلا تُقدم إجابة إلا إذا كانت مُرضية لك شخصيًا.

وهذا الفصل لا يعرض قائمة تفصيلية بالعثرات التي تواجه الناس في الإيمان والإجابات التي يمكنك تقديمها ردًا عليها. ولكنه يهدف إلى تشجيعك على تكوين إجاباتك الخاصة، بمعنى أنه يُعلمك منهجًا، دون أن يقدم لك عبوة جاهزة من الإجابات تقصها وتلصقها في عقلك. وسوف نتناول أولاً بعض المبادئ العامة للتعامل مع الأسئلة والمخاوف والشكوك.

ولكن قبل أن نستعرض هذه الأسئلة، لابد أن نحدد إطارًا يساعدنا على فهم دور المدافع. وسوف أسوق صورة بصرية تُقرب الفكرة. يُلاحَظ أن الكثير من المدافعين يصابون بالإحباط عندما تُطرح عليهم أسئلة صادقة ويقدمون لها إجابات يرونها جيدة، ولكنها لا تؤثر على مستمعيهم تأثيرًا واضحًا. وذلك لأنهم يعتقدون أنهم إذا قدموا إجابة جيدة فليس هناك ما يمنع الشخص من قبول الإيمان على الفور. ولكن للأسف، من الواضح أن الحياة أعقد من هذا النموذج البسيط.

والصورة التي طالما رأيتها مفيدة في هذا الصدد أن نتخيل أن كل شخص هو غالبًا على الطريق المؤدي من الشك أو عدم الإيمان إلى الإيمان. وذلك الطريق عند البعض سهل وممهد، ولا تكثر فيه العوائق الصعبة. ولكنه عند البعض الآخر طويل وصعب ومليء بالحفر وغيرها من العوائق التي تقف أمام الإيمان على طول الطريق.

ولكن المشكلة أن المدافع الذي يراقب الموقف من الخارج لا يعرف طبيعة الطريق الذي يسير فيه الشخص، فهو لا يعرف ماإذا كانت المشكلة التي يثيرها مَن يتحدث إله هي العائق الوحيد الذي مازال يقف أما الإيمان، أم أن هناك كمية ضخمة من المشكلات التي لم يتم التعامل معها بعد. إن كل ما يمكن المدافع أن يفعله هو أن يقدم إجابة جيدة ويثق أن البذرة قد ألقيت، وأن العوائق نقَص منها واحد، وهو ما يعني أن وظيفتنا أن ننقل الناس خطوة واحدة على الطريق.

وهذه الخطوة ستكون الأخيرة عند البعض، ولكنها عند البعض الآخر ستكوان مجرد خطوة ضمن خطوات عديدة على الطريق. ولكنهم الآن أقرب مما كانوا. فوظيفة المدافع إذَن أن يسير مع الشخص على الطريق إلى الإيمان ويتركه في نقطة أقرب إلى الهدف مما بدأ.

وسنستعرض في جزء لاحق من هذا الفصل دراستّي حالة تقدمان صورة للاعتراضات والشكوك التي غالبًا ما تثار حول المسيحية في المناقشات. وقد تم اختيارهما بوصفهما نموذجًا للشكوك الحقيقية، وسنتعلم منهما أيضًا كيفية تكوين الإجابات الجيدة. 

الأسئلة والشكوك: بعض النقاط الأساسية:

من المفيد ونحن نتعامل مع الأسئلة أن نضعها في نصابها الصحيح ونحاول إيجاد أفضل طريقة للتعامل معها. ومعظم المدافعين يكتشفون أن الخبرة تساعدهم كثيرًا في تطوير قدراتهم على التعرف على الأسئلة والإجابة عنها.

1- كن رقيقًا:

يُذكرنا بولس أننا «سفراء عن المسيح» (2 كو 5: 20). لذلك، علينا أن نتذكر أننا لابد أن نجسد قيم الإنجيل في إجاباتنا على الناس. ولابد في هذه المواقف أن نُظهر رقة قلب الله لا غرورنا البشري أو عصيبتنا. حاول أن تقدم إجابات مهذبة، تراعي مشاعر الآخرين، وتساعدهم، وخصوصًا إن كان السؤال يوحي بأن السائل لا يفهم الإيمان المسيحي جيدًا، أو أن لديه نظرة مضخمة لقدراته العقلية.

2- ما السؤال الحقيقي؟

غالبًا ما يُنصح المدافعون أن يحاولوا اكتشاف السؤال المختفي وراء السؤال. ما معنى هذا؟ تخيل أنك سئلت هذا السؤال: كيف يسمح إله صالح بالمعاناة في العالم؟ قد ينظر السائل إلى هذا السؤال باعتباره مشكلة فكرية بحتة يبحث لها عن إجابة فلسفية شافية. فاحرص على أن تكون قادرًا على تقديم هذه الإجابة.

ولكن ربما أن حقيقة الأمر تختلف عن ذلك تمامًا. فمحتمل أن السائل فتاة كانت تجلس بجوار أمها وهي تراها تعاني آلامًا مبرحة ليلة وراء الأخرى في المراحل الأخيرة من سرطان العظام، إلى أن فارقت الحياة منذ أسبوع. وفي هذه الحالة فهي لا تتعامل مع المسألة انطلاقًا من فضول فكري، ولكن انطلاقًا من ألم نفسي عميق. وهي لا تنتظر منك أن تلقى عليها محاضرة فلسفية. ولكنها تحتاج لتعاطفك وتفهمك. ولذلك، الإجابة التي تنتظرها قد تكون وجودية أكثر منها فكرية، أي أنها تحتاج لمن يطمئنها أن الله يسير معها في وديان الحياة المظلمة.

ومن الطرق التي وجدتها مفيدة في التعامل مع هذه القضية أن أرحب بالسؤال ثم أسأل صاحبه عما إذا كان لا يمانع في أن يطلعني على سر اهتمامه بهذا السؤال، مما يساعدني على اكتشاف السؤال الحقيقي فأتعامل معه بالأسلوب الصحيح.

3- لا تقدم إجابات سابقة التجهيز للأسئلة الصادقة:

من السهل أن نسقط في إغراء حفظ مجموعة من الإجابات لعدد من الأسئلة وترديدها بشكل آلي لمن يسألنا عن الإيمان. إلا أن هذا الأسلوب عديم الفاعلية لسببين وجيهين. أولهما أن الأمر سينتهي بك إلى ما يشبه الماكينة المبرمجة التي تضخ إجابات محفوظة لا تلائم السامع.

وثانيهما أنك قد لا تجد في مخزون إجاباتك الرد المناسب للسؤال المطروح، فتقدم إجابة لسؤال آخر مختلف. والمستمعون يلاحظون ذلك ويرون أن هذه الردود غير شافية وغير مقنعة. ولذلك، على المدافع أن يصغي ويجيب عن السؤال المطروح فعليًا لا عن سؤال مختلف، وهو ما قد يجبرنا على تكييف ما لدينا من إجابات “ثابتة” وتطويرها.

4 – تعَلم من مدافعين آخرين:

من أفيد الأشياء التي أفعلها مع طلابي في “مركز أكسفورد للدفاعيات المسيحية” أن أجمع منهم فريقًا ما بين ستة طلاب واثني عشر طالبًا لنناقش الردود التي يمكن أن نقدمها للأسئلة التي يطرحها الناس علينا. فأبدأ بطرح سؤال وأترك للطلاب يضع دقائق لتحضير إجاباتهم. ثم نراجع كل الإجابات معًا من حيث أسلوبها ومضمونها. وما نتيجة ذلك؟ إكساب الطلاب خبرة في إجابة الأسئلة، والأهم من ذلك تزويدهم بحوالي اثنتي عشرة طريقة مختلفة للتعامل مع السؤال. والجميع يغادرون المجموعة بفهم أفضل لكيفية تقديم إجابة مفيدة للسؤال.

ومن أفضل الطرق لتْكون ردودًا على الشكوك والاعتراضات التي تثار ضد الإيمان أن تتعلم من الآخرين الذين صنعوا فن الدفاعيات، من أمثال “وليم لين كريج”، أو “پيتر كريفت” Peter Kreeft، أو “راڤي زكراياس” Ravi Zacharias. ويمكنك أن تجد على الإنترنت مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية لمحاضراتهم التي تنتهي عادةً بأسئلة وأجوبة. استمع لإجاباتهم عن أسئلة الجمهور. ولاحظ كلاً من أسلوب الإجابة ومحتواها. فليس المهم ما تقول فحسب، بل كيف تقوله.

وحتى تكُون منهجاً خاصًا بك، سنتناول بعض الأسئلة التي تُطرح عادةً في المحاضرات والحوارات الدفاعية، وبعض الأساليب المقترحة للتعامل معها. ولكن لا يجب النظر إلى هذا التحليل باعتباره تحليلاً شاملاً ولا متعمقًا.

ولكنه يزودك بفكرة عن بعض الأساليب التي يمكن استخدامها للتعامل مع كل سؤال، ثم يتركك لتقرر ما ستقوله أنت ردًا على هذا السؤال. وفي كل حالة سنحدد بعض الأركان الأساسية التي يمكن تدمجها في إجاباتك. وهي تمثل الخيوط، أما طريقة نسجها معًا تتمثل في منهجك الخاص في الدفاعيات والأسئلة التي تحتاج أن تتعامل معها. وسنبدأ بمشكلة الألم.

دراسة حالة (1): لماذا يسمح الله بالألم؟

أول دراسة حالة سنتعرض لها تتعلق بقضية دائمًا ما تثار سواء في المناظرات العامة أو الأحاديث الخاصة. وهي تقول إن كان الله صالحًا، فما سر المعاناة التي نراها في العالم؟ لماذا تحدث أشياء سيئة في كونٍ خلقه إله يُفترض أنه محب؟ إنه سؤال مهم في حد ذاته. ولكنه يساعدنا أيضًا لتكتشف كيفية تكويننا للأجابات عن كل الأسئلة التي تطرح علينا.

وفيما يلي، سندرس مجموعة من النقاط التي يمكن تقديمها ردًا على سؤال الألم. وكل منها خيط يمكن استخدامه بمفرده أو نسجه مع خيوط أخرى فتصبح جزءًا من النسق في لوحة أكثر ثراء.

ولنطرح على أنفسنا أولاً هذا السؤال: لماذا يرى الكثيرون أن وجود الألم في العالم مشكلة؟ من الوهلة الأولى، تبدو إجابة السؤال مباشرة، ألا وهو أن القضية تنطوي على تناقض منطقي، فإن كان الله صالحًا، لماذا نرى الشر في العالم؟ عند البعض، هذه هي القضية الحقيقية التي يجب التعامل معها، ومحتمل أنها تهدد إيمان الشخص. لذلك، يحتاج هذا السؤال لإجابة منطقية عقلانية.

ولكن كما أشرنا آنفًا، الألم يثير شكوكًا أعمق عند البعض، فمن المحتمل أنهم يعانون من مشاعر الحيرة والحزن العميق بسبب آلام أحد أحبائهم أو بسبب موته. وفي هذه الحالة لن يعنيهم المنطقُ كثيرًا، لأن مشكلتهم ليست في أن يفهموا الألم بل أن يتعاملوا معه.

وهم ليسوا قلقين لئلا يتضح أن الإيمان المسيحي غير منطقي، ولكنهم قلقون لئلا يتضح أن الكون بلا معنى، كما أشار الكاتب والممثل الكوميدي “وودي ألن” Woody Allen في ملاحظة ساخرة ذات مرة: «إن الجنس البشري يقف اليوم في مفترق طرق لم يشهده مطلقًا على مر التاريخ. وأحد الطريقين يؤدي إلى اليأس وفقدان الأمل التام، والطريق الآخر يؤدي إلى الانقراض النهائي. فلنُصلِ أن يمنحنا الله حكمة الاختيار.»

ومن ثم على المدافع أن يعي أن هذا السؤال يجب التعامل معه على مستويات مختلفة. فبعض الناس لا يحتاجون إلا لتشريح كلينيكي جاف للقضايا الفكرية المتضمنة في الموضوع، في حين أن مثل هذا التحليل سيصيب البعض الآخر بالارتباك والتشوش، خاصةً لأن ما يشغلهم هو قلق وجودي وليس قلقًا فكريًا.

فخبرة الألم عند الكثيرين تمثل مشكلة قلب أكثر منها مشكلة عقل. والسؤال الذي يشغلهم ليس «كيف أفهم هذا الألم على المستوى الفكري؟» بل «كيف أتعامل معه على المستوى الوجودي؟»[3] وفي هذه الحالة يحتاج الشخص إلى مشاركة وجدانية بقدر ما يحتاج إلى حكمة فكرية.

وأول نقطة يجب التركيز عليها أننا لابد أن نتعلم التعايش مع الأسئلة، فما من أحد لديه إجابة قاطعة لمشكلة الألم. فالألم عند الملحد العنيف “ريتشارد دوكينز” عديم المعنى ولا غرض له، وهو الشيء المتوقع في هذا الكون الذي لا غرض له. وكل ما علينا أن نعتاد هذا الوضع. إجابة منظمة ولكنها محبطة جداً للكثيرين، وتطالبهم بأن يرتفعوا فوق ما يرونه في هذا العالم من ألم وانعدام للمعنى.

أما الكثير من الكُتاب الرواقيين القدامى فقد رأوا أن البشر لابد أن يخترعوا عوالم خاصة بهم لها معنى وسط عالم عبثي بلا معنى. وهذا أفضل ما يمكننا أن نصبوا إليه، أن نفرض معنى على عالم هو في الأساس عشوائي وبلا غرض.

ويقول بعض الملحدين إن الألم شر، وهو في حد ذاته كافٍ لدحض فكرة وجود الله. وهي حجة غريبة لأن الفحص الدقيق يبين أنها تفند نفسها بنفسها. فالحجة المبنية على وجود الشر التي تستخدم لإثبات عدم وجود الله تعتمد على الاعتراف بأن الألم شر. ولكن هذا التصريح ليس ملاحظة تقوم على التجريب، ولكنها حكم أخلاقي. فالألم طبيعي، ولكنا عندما نقول إنه شر، فهذا يعني أننا افترضنا إطارًا أخلاقيًا مسبقًا يضع مقاييس واضحة لما هو خير وما هو شر.

ولكن من أين يأتي هذا الإطار؟ فنجاح هذه الحجة يتطلب وجود إطار أخلاقي مطلق، يشير في حد ذاته إلى وجود الله. وهكذا يبدو في نهاية الأمر أن عدم وجود الله يعتمد على وجود الله. إذن فالحجة ليست موفقة. وإن كانت رؤيتي الشخصية تقول بأن الطبيعة شر، فهذه الرؤية لا علاقة لها بمسألة وجود الله، ولكنها قد تكشف شيئًا من نظرتي الساذجة العاطفية، لا عن البنية العميقة للكون.

ولابد هنا أن ننظر للموضوع بشكل أعمق. فالمسيحية تعلن أن الله تألم في المسيح. أي أن الله يعرف معنى الألم. والرسالة إلى العبرانيين تتحدث عن يسوع باعتباره شخصًا يتألم معنا )عب 4: 15). وإن كان ذلك لا يفسر الألم، ولكنه بلا شك يجعلنا أكثر قدرة على تحمله. ويعكس فكرة عميقة، ألا وهي أن الله ذاق المعاناة بنفسه كما نذوقها نحن.

ففي التجسد، الله الخالق يدخل إلى عالم الألم والمعاناة الذي نعيش فيه، لا سائحًا متفرجًا، بل مخلِّصًا ملتزمًا بخليقته، وهكذا يدرك المسيحي ـن التزام الله المحب من نحو عالم متألم دفعه ليدخل فيه شخصيًا، دون أن يرسل مندوبًا عنه، ولكنه اختار أن يشارك في ألمه ومعاناته. والروائية المشهورة “دورورثي ل. سيّرز” Dorothy L. Sayers، وهي أيضًا لاهوتية ولكنها لم تعمل باللاهوت، طرحت هذه النقطة بكل وضوح حين قالت:

أيًا كان السبب الذي من أجله اختار الله أن يخلق

الإنسان على  هذا النحو، محدودًا، وعرضة للألم،

والحزن، والموت، فقد كان الله من الأمانة والشجاعة

أن يتناول دواءه بنفسه. وأيًا كانت اللعبة التي يلعبها

مع خليقته، فقد التزم بقواعدها ولُعِب لُعبًا نظيفًا، إذ أنه

لا يمكن أن يتوقع من الإنسان شيئًا لم يفعله هو بنفسه.

ولكنه اجتاز بنفسه في كل الخبرة البشرية، بدءًا من

المضايقات الأسرية البسيطة، وضغوط العمل الشاق،

وضيق ذات اليد، إلى أفظع أنواع الألم والمهانة والهزيمة

والجزع والموت.[4]

لقد اختار الله أن يعاني. ومعاناة يسوع المسيح تطمئننا أننا نحظى بامتياز التعامل مع إله يعرف ما ينطوي عليه العيش في عالم ساقط من ألم وحزن. وقصة آلام المسيح التي ترويها الأناجيل تخبرنا عن مخَلص يفهم المعاناة حق الفهم، بل إنه اجتاز فيها بنفسه. وتتحدث المزامير عن إله يسير معنا دائمًا في رحلة الحياة حتى في أحلك لحظاتها (مز23).

من الأقوال الشائعة عن العمل الطبي عبارة تقول: «الطبيب المجروح هو فقط من يستطيع أن يعالج.» وسواء أكانت المقولة على صواب أم كانت خاطئة، هذا أمر قابل للنقاش. ولكنها تؤكد أننا نستطيع أن نتعامل بشكل أفضل مع من مَر بمشكلتنا نفسها، واجتاز ما نجتاز فيه، وانتصر عليه. والكثير منا يعرف من الخبرة أنه يصعب التعامل مع شخص لم يشاركنا مشكلاتنا.

إلا أنه من الطرق التي يمكن التعامل بها مع هذه المسألة دفاعيًا هي طريقة المواجدة أي الدخول في وجدان الآخر، فتشاركه وجدانيًا empathize في مشكلاته ومخاوفه. وحتى لو لم تكن قد اجتزت فيها فعليًا، وحتى لو لم تكن قادرًا على فهمها، تحاول أن تدخل بذهنك في الموقف حتى يمكنك أن تخبر الشخص بصدق أنك تفهم تمامًا ما يشعر به.

إلا أن جوهر فكر التجسد في المسيحية يتحدث عن الله المتعاطف sympathizing مع آلامنا، فهو لا يشاركنا فيها وجدانيًا كما لو كان لم يختبرها بنفسه، لكنه يتعاطف معنا، والمعنى الدقيق لهذه الكلمة أنه “يعاني معنا.” ورجوعنا لله يعني الرجوع لمَن يعرفنا ويفهمنا.

هناك قصة رائعة عن “إيست أنجليا” East Anglia التي كانت يومًا ما مركز تجارة الصوف في انجلترا. تقول القصة إنه في أواخر العصور الوسطى كان راعي الأغنام في هذه المنطقة يوضح عند موته في صندوق محشو بصوف خرافه. لماذا؟ حتى يعرف المسيح في يوم الدينونة أنه كان راعيًا، لأنه مادام المسيح نفسه كان راعيًا، فهو يعرف الضغوط التي واجهها هذا الرجل، والوقت الذي كان يصرفه للعناية بالخراف العنيدة، وسيتفهم الظروف التي منعته من المواظبة على الكنيسة.

وبالرغم من أنها قصة مضحكة، فهي تشير إلى نقطة مهمة لابد أن نقدرها باعتبارها واحدة من أثمن الأفكار التي تزودنا بفهم أعمق لله، ألا وهي أننا لا نتعامل مع إله بعيد لا يعرف شيئًا عما تعنيه الإنسانية وما يرتبط بها من ضعف وفناء. ولكن الله يعرف ويفهم «فَلنَتَقَدَّم بِثِقَةٍ إِلَى عَرشِ النِّعمَةِ» (عب4: 16).

علاوة على ذلك، يقدم الإنجيل إعلانًا قويًا يشع بلهيب من المحبة، إذ يُعرفنا أن المعاناة والألم في هذا العالم سيفسحان الطريق لمكان أفضل، مكان فيه «سيمسح الله كل دمعة» من عيوننا. «وَالمَوتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعد» (رؤ21: 4). فنحن نحيا على رجاء.

تساعدنا هذه الأفكار على وضع الألم في سياق. وتمكننا كذلك من تناول جوانب الألم بشكل مقنع. فمن المهم مثلاً أن نوضح أننا نعيش في عالم ساقط حيث لم يعد البشر يعيشون في الحالة التي أرادها الله لهم. وقد أدت أنانيتهم وطمعهم إلى الحروب والمجاعات والإفراط في استغلال الأرض، وحدوث تغييرات جوهرية في موارد العالم، قد تؤدي إلى نتائج تدميرية. إلا أن الله لم يكن يتمنى حدوث أي من هذه الأمور، ولكن كلها أشياء من فعل البشر. حتى إنه دائمًا ما يقال إننا صنعنا تكنولوجيا قد تؤدي بنا إلى الانقراض. وهذا هو اختيارنا الذي لم يكن الله يريده.

من المهم أيضًا أن ندرك أن الألم ينشأ من طبيعة العالم نفسها. ومن ثم، ليس هناك ما يدعو إلى أن نظن أنه كان من الممكن أن يكون العالم “أفضل”. فالعلماء يؤمنون مثلاً بأنه من شروط تواجد الحياة على الأرض أن يكون هناك “صفائح تكتونية” “tectonic plates”، أي أن سطح الأرض لابد أن يكون قادرًا على الحركة حتى يتجاوب مع الضغوط الجيولوجية. والنتيجة؟ زلازل وأمواج تسونامي. هل هذه شرور؟ لا، إنها أمور طبيعية فحسب.

لا شك أنها تتسبب في معناة البشر، إلا أنها لم تصمَّم لذلك، ولكنه جزء من الثمن الذي ندفعه مقابل أننا نعيش في عالم به حياة. ولكن بعض من ينتقدون الله يشكون مر الشكوى من فشل الله في خلق عالم مطابق لمواصفتهم. فلو كان الأمر بيدهم، لنجحوا في تصميم عالم أفضل كثيرًا. إلا أن هؤلاء الأشخاص المخلصين لا يرون حقيقة مؤلمة، ألا وهي أنه ليس هناك ما يدعو إطلاقًا لافتراض إمكانية خلق عالم أفضل، أو أنه يوجد عالم أفضل في مكان آخر.

ولكن لابد أن ننتبه لنقطة أعمق بكثير في هذا الموضوع، ألا وهي: لماذا ننزعج من معاناة الآخرين؟ لماذا تستشعر خطأ كبيرًا في موضوع الألم؟ إنها مسألة تتعلق بالقلب أكثر مما تتعلق بالعقل. فمن أين تأتي هذه المعرفة الحدسية العميقة بأن المعاناة والألم خطأ؟ إن هذا الحدس العميق له دلالة كبيرة لا يعترف بها الكثيرون، وقد رأينا دلالته في تناولنا للحجة المبنية على الرغبة والحجة المبنية على الأخلاق. فإن كانت هذه المعرفة الحدسية عشوائية وبلا معنى، يصبح إدراكنا للعالم مجردًا من أي قيمة أصيلة فيه.

ولكن ماذا لو كانت هذه المعرفة الحدسية تشير إلى شيء أعمق، شيء أصيل فينا يعكس طبيعتنا الحقيقية وهويتنا؟ ماذا لو كانت تمثل أحد جوانب «الفطرة الداخلية التي تسعى لله” التي تناولناها آنفًا؟ ماذا لو كان هذا النفور من المعاناة والألم هو تذكِرة بالفردوس من ناحية، وتوقع لأورشليم جديدة من ناحية أخرى؟ ماذا لو كانت أفكارنا عن الحالة الحاضرة للأشياء تتشكل بإدراكنا الحدسي لمصدرنا الحقيقي ومآلنا؟

وهكذا تثير قضية الألم بعض الأسئلة الدفاعية المهمة جدًا، وتتيح كذلك بعض الفرص القيِّمة. إلا أنه في النهاية، يبقى هذا السؤال من الأسئلة التي يستحيل على أي شخص، علمانيًا كان أم دينيًا، أن يجيب عنه إجابة كاملة. ولكن المهم هنا هو من الذي يمكنه تقديم الإجابة الأكثر إرضاءً من الناحية الوجودية، إجابة تصمد أمام النقد حتى وإن تركت بعض الأسئلة دون إجابة، ربما لأنها غير قابلة للإجابة بشكل نهائي بسبب محدوديتنا البشرية. والقدرة على أن نعيش مع أسئلة بلا إجابات تُعتبر من علامات النضج الفكري، وليست عبثًا منطقيًا كما يراها البعض من غير الحكماء.

وسوف نتناول في جزء لاحق من هذا الفصل كيفية الاستفادة من هذا السؤال، وكيفية استخدام ما يشتمل عليه من أفكار في الدفاعيات. ولكننا سننتقل أولاً لتوضيح القضايا المتعلقة بأحد الأسئلة التقليدية الأخرى في الدفاعيات، ألا وهو: هل الإيمان بالله مجرد عكاز يساعد العاجزين على السير في الحياة؟

دراسة حالة (2): الله عكاز:

من أشهر الانتقادات التي توجَّه للمسيحية أنها عزاء للفاشلين في الحياة، فالسبيل الوحيد الذي يُمَكن هؤلاء البائسين من مواجهة الحياة هو أن يخترعوا إلهًا يمنحهم شعورًا بالراحة. أما الناس الحقيقيون فلا يحتاجون لهذه الطمأنينة الوهمية، ولكنهم يشقُّون طريقهم في الحياة بأنفسهم. إنما الدين فهو ملجأ العاجزين نفسيًا، عكاز لمن لا يقوون على التعامل مع واقع الحياة ويفضلون اختراع عالم خيالي خاص بهم.

ولابد هنا أن ننتبه لجانب مهم ألا وهو أن هذا النقد لا يمثل حجة تقوم على أدلة ومنطق قوي، ولكنه في الواقع مجرد زعم، ليس له أي سند علمي يؤيده. ومع ذلك، فهو مقبول ثقافيًا من الكثيرين، وغالبًا ما يُطرح في المناظرات والمجادلات. فكيف نرد عليه؟

أولاً، لابد أن نفهم أصوله التاريخية، فمن أين أتى هذا النقد؟ كما متوقع، يمكننا العثور على تصريحاته الحديثة في كتابات المحلل النفسي الملحد “سيجموند فرويد” Sigmund Freud (1856 – 1939) الذي اعتبر الإيمان بالله وَهمًا. وهو يقول إن الله لا وجود له إلا في العقل البشري، وفكرة الله هي نوع من “التفكير الرغبوي” الناتج عن رغبتنا في المعنى والحب.

إننا نقول لأنفسنا إنه أمر لطيف جدًا لو كان هناك

إله خلق العالم وأغدق علينا بالعناية والخير، ولو

كان هناك نظام أخلاقي في الكون، ولو كانت هناك

حياة بعد الموت، ولكن الحقيقة الصادمة أن كل

هذا هو بالضبط ما نحن مضطرون أن نتمناه.[5]

أي أننا نخترع عالمًا وهميًا يتوافق مع رغباتنا بدلاً من أن نصالح أنفسنا على قسوة العالم الحقيقي المحيط بنا.

وهذه الفكرة يُعبَّر عنها غالبًا في الكتابات الشائعة ببعض المصطلحات، مثل أن الله وهم (كما في كتابات “ريتشارد دوكينز”) أو أنه عكاز. وينطوي المصطلح الثاني على بلاغة عميقة لأنه يعني ضمنًا أن من يؤمنون بالله أناس عاجزون، مجروحون يحتاجون للمساعدة حتى يواكبوا واقع الحياة، وهم يخترعون الله باعتباره وسيلة نفسية تمدهم بسند وهمي. ويعلن “فرويد” (دون أي دليل تجريبي واضح) أن مفهومنا عن الله وموقفنا منه عبارة عن أوهام طفولية شكلتها خبراتُنا مع آبائنا. والأفراد غير الناضجين لا يتجاوزون أبدًا هذه الثقة الصبيانية في آبائهم والاعتماد عليهم وينقلون هذا الاعتماد بشكل طبيعي إلى «أب معَظَّم جدًا» “enormously exalted father” وهمي. وهو يصرح أنه يعتبر أن هذا النوع من الإيمان بالله سذاجة فكرية:

المسألة كلها طفولية بحتة، ولا تمت بصلة للواقع،

ولكن المؤلم لأي شخص محب للإنسانية أنه يرى

أن الغالبية الساحقة من البشر الفانين لن يتمكنوا أبدًا

من السمو فوق هذه النظرة للحياة.[6]

وتبرز ذات النظرة التي تحقر الإيمان في الإلحاد الجديد أيضًا، ولاسيما في كتاب “ريتشارد دوكينز” “وهم الإله” (2006). ولكن مع كل هذا، يظل ذلك الكلام كله مجرد زعم يستقي مصداقيته الثقافية لا من الديل التجريبي، بل من كثرة تكراره من ناحية، ونبرة الثقة التي يقال بها من ناحية أخرى.

الحقيقة أنه لا يوجد عمليًا دليل واحد يؤيد هذا الزعم الجريء بأن الله مجرد إسقاط لرغبة طفولية في الحماية الأبوية. وفي السنوات الأخيرة تعرضت أسانيد “فرويد” العلمية لموجة من النقد اللاذع، إذ بات واضحًا أن “بحثه العلمي” هو غالبًا مجرد محاولة استبطانية لإثبات ما يؤمن به أصلاً من أحكام مسبقة ومتحيزة، ولاسيما فيمايختص بعدائه تجاه الإيمان بالله.

فهو ينطلق من افتراض عدم وجود إله، ثم يحاول أن يثبت أنه يمكن العثور على تفسير عقلاني يبين سبب إيمان الناس بهذا الإله غير الموجود. فنحن نرى هنا خلطًا واضحًا، لأنه لا يمكن تحديد ما إذا كان الإلحاد هو افتراض مسبق أم خلاصة لهذا المنطق الذي يفتقر تمامًا لأي قدرة على الإقناع.

ولكننا إن وضعنا جانبًا هذا الغياب الواضح المخزي للأدلة، فما مدى هذه الحجج؟ وما مدى ترابط نظرة “فرويد”؟ نتطوي نظرية “فرويد” على مشكلة واضحة، وهي تحديدًا فكرته الغريبة التي تقول بوجود رغبة أوديبية في قتل الأب والزواج من الأم، وهي تكمن في اللاوعي عند كل الذكور.

وبناءً على هذا التفكير، يجب أن يكون الأساس النفسي لرغبة الذكور في التخلص من أي “أب في السماء” معادلاً لرغبتهم في الإيمان به. وذلك لأن “فرويد” يقول بأن الناس يحملون مشاعر إيجابية وسلبية تجاه هذا “الأب المعظم”. إذن هذه المشاعر السلبية قد تجعل قوة الرغبة في عدم وجود الله مساوية للرغبة في وجوده.

وبينما رأى «فرويد» الاعتقاد الديني وهمًا، رأى «سي. إس. لويس» أن مادية «فرويد» الإلحادية تفند نفسها بنفسها، لأن هذه الحجة التي تتحدث عن “الإسقاط” أو “الاختراع” سيف ذو حدين. فإن كان “فرويد” يقول بأن الله هو تفكير رغبوي فيه يهتم الأب السماوي بكل احتياجاتنا، فيمكننا أن ندلل منطقيًا أيضًا على أن «فرويد» وغيره من الملحدين ينكرون وجود الله انطلاقًا من حاجاتهم للهروب من شخصية أبوية لا يحبونها.

وعلى أي حال، فَقَد شابَ علاقة “فرويد” بأبيه نوع من التوتر، مما يجعلنا نستنتج أناعتقاده بعدم وجود إله ينبع من رغبته العميقة في عدم وجود شخصية أبوية، أو إن وُجدَت ربما يجب قتلها.

بالإضافة إلى ذلك، يتضح أن “فرويد” لا يعطي المشاعر المتناقضة تجاه الله حقها في البحث. فالحقيقة أن الحق المتعلق بأن الله محب هو كشف وإعلان وليس فكرة إنسانية طبيعية. حتى إن «مارتن لوثر» وكذلك “چون كالڤن” يؤكدان أن الغريزة الإنسانية الطبيعية هي الخوف من الله.

ويقول «لويس» إن “فرويد” يعجز عن إدراك أنه كما توجد ديناميكية نفسية من التفكير الرغبوي تقابلها كذلك ديناميكية أخرى من التفكير التخوفي fear fulfillment.[7] فإن كان الإيمان بالله له دوافع وأسباب نفسية، فالإيمان بعدم وجود الله له أيضًا دوافع نفسية تجعل الشخص يتمنى عدم وجود إله. لذلك، يصرح «لويس» بأنه عندما كان ملحدًا رأى الله شخصًا لا يريد أن يلتقي به: «اللاأدريون اللطفاء يتحدثون بابتسامة عريضة عن «بحث الأنسان عن الله.» ولكني آنذاك كنت أعتبرهم يتحدثون عن بحث الفأر عن القط.»[8]

والأخطر من ذلك أن “حجة” “فرويد” لا تزيد عن كونها زعمًا بأن إيمان البشر بوجود الله يتساوى مع الإلحاد. إلا أنه يتسق أيضًا مع نظم فكرية أخرى، أبرزها الاعتقاد المسيحي بأن الله خلقنا برغبة داخلية تسعى نحو السماء، كما قال القديس أغسطينوس في صلاته التي اقتبسناها فيما سبق «لقد صنعتنا لذاتك، وستظل قلوبنا قلقة حتى تجد راحتها فيك.»

ويرجع “فرويد” أن الإلحاد يمكن أن يفسر الإيمان بالله، أو الشوق البشري لله. ربما، إلا أن هذا الزعم يبدو في بعض النقاط مرتجلاً ومفروضًا عنوةً. ولكن المسيحية تفسر هذا الإيمان وذلك الشوق على نحو أكثر اتساقًا ومعقولية بما لا يقاس.

ولكننا سنختم بصورة العكاز، وهي صورة بلاغية والرسالة التي تحاول توصيلها رسالة بسيطة تقول: إن الله للعجزة نفسيًا وفكريًا. ولكن الأقوياء والأصحاء لا يحتاجون هذا النوع من الدعم الزائف أو الراحة التي لا تقوم على أي أساس منطقي، لأنهم قادرون على الاعتناء بأنفسهم. أما الله فهو للضعفاء والأغبياء. وتكاد هذه الرسالة تماثل رسالة الإلحاد الجديد الذي يفتخر بالتفوق الفكري الذي يميز معلميه البارزين، مثل “ريتشارد دوكينز” وكذلك “كريستوفر هيتشنز”.

وتجدر الإشارة هنا إلى نقطتين مهمتين. أولاً، المهم في القضية برمتها هو الحق، وليس الاحتياج، حتى إن المدافعين المسيحيين طالما أكدوا أن ما تقوله المسيحية مؤسس على صخرة الحق. فالإيمان المسيحي يُعبر عن الأشياء على حقيقتها من النواحي التاريخية، والعلاقاتية، والوجودية، والفكرية.

وهذه النظرة الشاملة للواقع تتضمن فكرة مهمة هي أن البشر مخلوقون على «صورة الله»، ومن ثم، فهم يتميزون بميل فطري للعثور على طريق العودة إلى الله، سواءً أردنا أم لم نُرد.

وثانياً، إن كانت ساقك مكسورة، أنت تحتاج عكازًا، وإن كنت مريضًا، أنت تحتاج لدواء. فهذه هي طبيعة الأمور. والنظرة المسيحية للطبيعة البشرية تقول بأننا مصابون بخلل، وجرح، وإعاقة بسبب الخطية. وهذه هي طبيعة الحال. وقد شبه القديس أغسطينوس الكنيسة بمستشفى مليء بالجرحى والمرضى الذين يتماثلون للشفاء. ولكن يبدو أن «فرويد» يقول إنه هو وغيره من الملحدين ينتمون لنوعية من البشر أفضل من الآخرين، مما يجعلهم لا يحتاجون لأي مساعدة أو معونة.

ولكن هذا الكلام ليس سوى هراء منظم أبعد ما يكون عن الواقع. فهو ينكر الجانب المظلم في النفس البشرية الذي تشهد عنه الثقافة المعاصرة على نحو يثير الإزعاج. فالناس أصبحوا يدمنون الجنس، والسلطة، والمخدرات، وهي ليست إلا ثلاثة أمثلة فقط على الأشياء التي تجعلنا نضحي باستقلاليتنا ونصبح عبيدًا لها.

وسواءً أراد “فرويد” أم لم يُرد، فالطبيعة البشرية مصابة بعطب بشع. وهي تحتاج لمن يعصب جراحها، ويغسل قروحها، ويشفي أمراضها، ويطهر ذنبها. إن صورة العكاز تلخص حاجتنا للتدخل الخارجي التي تقوم على إدراك احتياجنا للمساعدة، حتى وإن كنا أكبر من أن نطلب المساعدة. لقد سطَّر «فرويد» أكثر كتاباته سذاجة عن الطبيعة البشرية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918 وقبل بزوغ فجر النازبة في ألمانيا والنمسا في الثلاثينات من القرن العشرين.

ولذلك، يرى الكثيرون أن صعود هتلر ربما كان سيدفع «فرويد» لمراجعة بعض أفكاره المثالية عن الطبيعة البشرية. ولكن “فرويد” توفي قبل أن يسمع أحد بمعسكر أوشفتز وغيره من معتقلات الأعدام النازية بفترة طويلة.

ومع ذلك يبدو أن “فرويد” نفسه كان واعيًا بمشكلة في هذا الصدد. فمنذ عام 1913 عبر عن قلقه إزاء أن المحللين النفسيين أنفسهم لا «يتمتعون بشخصيات أفضل ولا أرقى ولا أقوى.»[9] إن هذه العبارة تكشف عن اعتراف صامت بأن علاج “فرويد” لمشكلة البشرية يبدو أنه لم ينجح حتى مع أفضل المؤهلين لتقديمه، مما يدفعنا لأن نقول له ولهؤلاء المحللين: «أيها الطبيب اشفِ نفسك.»

  • الاستخدام العملي: تطبيق دراستي الحالة:

درسنا في القسمين السابقين من هذا الفصل بعض الموضوعات المتصلة بمسألتين تقليديتين في الدفاعيات المسيحية وحددنا بعض عناصر الإجابات لاثنتين من الشكوك والتخوفات المتعلقة بالإيمان. إلا أن الدفاعيات فن كما هي علم. فالأمر لا يتوقف عند معرفة الحجج، بل يمتد إلى استخدامها. وأضرب هنا مثالاً لطبيب لديه معرفة واسعة بالنظرية الطبية وما تشتمل عليه من رصد الخلل الذي يصيب الجسم البشري وكيفية علاجه. إلا أن هذا العلم الطبي يبقى استخدامه محدودًا إلى أن يتمكن الطبيب من أن يجعل مريضه يخبره بمشكلته الحقيقية.

فالكثير من زملائي العاملين في المجال الطبي يشكون غالبًا ما يكونون مترددين في أن يخبروهم بالمشكلة الحقيقية، ربما لأنهم يشعرون بالحرج من الأعراض التي يعانون منها، أو لأنهم يخشون من معرفة المرض الذي تشير إليه هذه الأعراض.

وكل طبيب ذي خبرة يعرف أهمية إتقان فن الطب، أي الإصغاء الجيد المنتبه وكسب ثقة المرضى وتمكنهم من الكشف عن متاعبهم، فالطبيب مسئول عن اكتشاف المشكلة الحقيقية. وهو فن يجب تعلمه باتخاذ الطريق الصعب؛ طريق الخبرة.

والدفاعيات هكذا، فمعرفة الحجج والأفكار والمنهجيات الدفاعية ليست سوى جزء من مهمة المدافع الكفء. وأّفضل المدافعين هم مَن يزاوجون بين المعرفة الواسعة بعلم الدفاعيات والتقدير العميق لفن الدفاعيات. وهنا مكمن الصعوبة، لأن الأفكار يمكن تَعَلُّمها من الكتب والمحاضرات، ولكن الفن لا يمكن أن نتعلمه إلا بالممارسة، وبالمحاولة والخطأ، أي باختصار بعمل الدفاعيات.

فالدفاعيات مثل صنع الكعك، أو رصّ الطوب، أو عزف البيانو، وكلها أشياء تتعلمها بممارستها. ورغم أن كلاً منها يشتمل على عنصر نظري، فالنظرية تؤدي إلى الممارسة وتُكسبها الأساس المعرفي المطلوب.

ويستحيل على شخص مثلي، بل إنه تصرف غير مسئول أن يقدم إجابات نموذجية للأسئلة والاعتراضات. فهذا الفعل لا يختزل الدفاعيات إلى حفظ عدد من الإجابات حفظًا آليًا فحسب، بل يكشف كذلك نوعًا من العجز عن إدراك أن كل سؤال يختلف عن غيره من الأسئلة وأنه يجب أخذه مأخذ الجد والتعامل معه بلغته. ولذلك، علينا أن نصغي جيدًا قبل أن نجيب. خذ مثلاً الأسئلة والشكوك التالية التي تتصل جميعها بقضية الألم اتصالاً مباشرًا، ولكنها تصدر عن خلفيات مختلفة، مما يحتم تقديم إجابات مختلفة ومتمايزة.

  1. «لست أفهم كيف يمكن لإله صالح أن يسمح بالألم، إنها مسألة غير منطقية. هل يمكن أن تشرح أسباب ذلك؟»
  2. «توفيت والدتي الأسبوع الماضي بعد صراع طويل مع المرض. وقد صليت كثيرًا في مرضها طالبًا لها الشفاء. كيف أؤمن بإله محب في موقف كهذا؟ هل يمكن أن تساعدني؟»
  3. «عندما كنت صغير السن قرأت كتاب “سي. إس. لويس” “مشكلة الألم” The Problem of Pain، وقد استفدت منه كثيرًا. إلا أن زوجتي أصيبت بمرض خطير مؤخرًا، مما أصابني بحالة من الانهيار، وبدت لي إجابة “لويس” على براعتها تافهة سطحية، فهي إجابة منظمة جدًا ولكنها لم تساعدني عندما ألّمَّت هذه الكارثة بحياتي. كيف أخرج من هذه الحالة؟»
  4. «الكتاب المقدس يقول إن الله يحبنا. ولكني أحيانًا لاأستطيع أن أرى هذه المحبة. فلماذا كل هذا الألم؟ لماذا الزلازل؟ مؤكد أن الإله المحب كان سيحمينا من هذه الأشياء، أليس كذلك؟»

ادرس كلاً من هذه الأسئلة بدقة. لاحظ أولاً أنه من الصعب تحديد ما إذا كان السائل مسيحيًا، أم لا أدريْا أم ملحدًا، وهي من المعضلات الشائعة في الدفاعيات، فالسؤال لا يكشف بالضرورة ما إذا كان صاحبه مؤمنًا يعاني من شكوك وتساؤلات أم ملحدْا يهدف إلى منازلتك والقضاء عليك. لذلك، من أن تحدد طريقة إجابتك.

ثانيًا، لاحظ أن الإجابة الجاهزة لن تتمكن من التعامل مع القضايا المختلفة التي تثيرها هذه الأسئلة. ولكن يجب التعامل مع كلﱟ منها بلغته الخاصة. وعليك أن تكتشف ما يكمن وراء كل سؤال. ولنأخذ السؤال الثالث كمثال، وهو يطرح قضية في غاية الأهمية عن المنهج الذي يعتمده “سي. إس. لويس” في كتاب “مشكلة الألم” الذي يتحدث عن الألم باعتباره مكبر الصوت الذي يستخدمه الله لإيقاظ العالم الأصم.[10]

ورغم أن فكرة “لويس” جيدة، فالكثيرون يرون أن منهجه ساذج نوعًا ما ولا يصمد أمام واقع الألم القاسي العنيف بما فيه طبعًا “لويس” نفسه بعد وفاة زوجته بمرض السرطان. فكتابه الشهير “حزن مُعاش” A Grief Observed يمثل نقدًا قويًا لمنهجه السابق.

إلا أن “لويس” لم يفقد إيمانه، بل إن كان لهذه الخبرة أي تأثير على إيمانه، فقد أنضجته ودفعته لنمو أعظم خرج من رحم هذه المحنة. وبالتالي، يمكنك، عند الإجابة عن هذا السؤال، أن تتحدث عن موقف «لويس» من الألم وكيف تغير وأصبح أكثر واقعية وقربًا من خبرات الآخرين، وكيف أدمجه «لويس» في إيمانه.

إن فن الدفاعيات يبلغ أبعادًا لا يبلغها علم الدفاعيات. فهو يساعدنا على بناء جسور للتواصل مع الناس. لذلك، عندما نتعامل مع أي شك حول الإيمان، مثل الاثنين اللذين طرحناهما آنفًا، لابد أن نتجنب تقديم إجابة جاهزة ونحاول تفصيل إجابتنا بما يتناسب مع السؤال المحدد المطروح علينا.

  1. حاول أن تفهم لماذا يمثل هذا السؤال مشكلة لصاحبه. هل لأنه لم يفهم ما تُعلم به المسيحية في هذا الموضوع؟ هل لأن تاريخه يجعل من هذه القضية همًا كبيرًا عنده، فمثلاً قضية الألم قد تحمل أهمية خاصة لشخص توفي أعز أصدقائه منذ فترة وجيزة. ثم حاول أن تكتشف ما إذا كان السؤال المطروح هو السؤال الحقيقي أم أن هناك شيئاً آخر يختفي تحت السطح.
  2. والآن تعامل مع السؤال، وحاول أن تختار من دراستَي الحالة السابقتين ما يفيدك في الإجابة.
  3. ضع هذه النقاط في قالب يناسب المستمع. حدد الأمثلة التوضيحية التي يمكنك استخدامها، والكُتاب الذين يمكنك الاقتباس منهم، والخبرات الحياتية التي تساعدك في تشكيل إجابتك.
  4. والآن قم بصياغة ما ستقول.

الخطوة الرابعة هي أصعب الخطوات، لأننا في بداية عملنا بالدفاعيات نميل إلى تقديم إجابات طويلة. فكيف يمكن أن نضع كل ما لدينا من أفكار في إجابة واحدة؟ من الوسائل التي أفادتني كثيرًا في بداية عهدي بالدفاعيات أني كنت أكتب بالتفصيل إجابات الأسئلة المهمة من وجهة نظري.

ثم أقرأها بصوت مسموع وأحاول أن أُعَدﱢلَها حتى تبدو في شكل أفضل، مع الأخذ في الاعتبار أن اللغة المكتوبة تختلف تمامًا عن اللغة المنطوقة. وإن استغرقت الإجابة تسع دقائق مثلاً، كنت أحاول تخفيضها إلى أربع دقائق بهدف الاحتفاظ بأفضل العناصر، وتقديمها بالشكل الأكثر جاذبية وملاءمة. قم أخفضها إلى دقيقتين.

لماذا؟ لأن هذا كان يجبرني أن أركز على المهم الذي يجب أن يقال، وليس على ماأحب أن أقول. ولكن السبب الأهم أن الناس يملون الإجابات الطويلة ويفضلون الردود الموجزة الجذابة على المحاضرات المطولة. وعندما ترى عيون المستمعين تائهة تنم عن تسرب الملل إليهم، اعلم أنك في مشكلة.

إلا أن مشكلة الكثيرين لا تكمن في طول الوقت الذي تستغرقه الإجابة الجيدة، بل في كيفية تكوين إجابة جيدة أصلاً. فعندما أجيب عن أسئلة الحضور عقب المحاضرات التي ألقيها لابد أن أفكر بسرعة وأقدم إجابة سريعة، ولكن هذه المهارة نتاج خبرة عمرها خمسة وعشرون عامًا بذلت أثناءها جهدًا مضنيًا في معظم الأسئلة حتى توصلت إلى إجابات مفيدة. ولكن التحدي الحقيقي أن أقدم إجابة مفيدة للسؤال وأتناوله بشكل لطيف مهذب. وهو فن تعلمته بالممارسة.

وسوف ندرس فيما يلي سؤالين نابعين من دوافع صادقة والإجابة التي قدمتها لكلٌّ منهما. وهي إجابات قصيرة نسبيًا، حوالي دقيقتين أو ثلاث دقائق. ثم سأشرح بعدئذٍ سبب اختياري للطريقة التي أجبت بها. وأقترح أن تقرأ كل سؤال وتفكر في إجابة، ثم تقرأ إجابتي وتحاول أن تحللها.

ويمكنك أن تجيب عن بعض الأسئلة مثل: في رأيك لماذا اخترتُ تلك الأجابة؟ لماذا انتقيتُ تلك الألوان بالتحديد من جملة ألوان الدفاعيات؟ ثم انتقل بعد ذلك لقراءة تعليقاتي على السؤال والإجابة. والسؤالان كانا من الأسئلة التي طرحها الجمهور بعد كلمة ألقيتها في أكسفورد سنة 2007 ردًا على كتاب “ريتشارد دوكينز” “وهم الإله” (2006).

السؤال الأول: «إني أواجه مشكلة حقيقية في مسألة الله والألم. إنه أمر غير مفهوم. فأنا لا أظن أنه يهتم بنا حقاً. لماذا لا يُبعد عنا الألم؟»

السؤال الثاني: «ذكرتَ أن الله ليس وهماً. لكن أي شخص له معرفة بسيطة بعلم النفس سيقول لك إننا نخترع أشياء تناسب احتياجاتنا. فنحن نؤلف أفكاراً، والله ليس استثناء من هذه القاعدة. فلماذا لا نعترف بذلك ونواجه الحقيقة؟»

 

لمزيد من الاطلاع:

Beckwith, Francis, William Lane Craig, and James Porter Moreland, To Everyone an Answer: A Case for the Christian Worldview. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2004.

Craig, William Lane, and Chad V. Meister, God Is Great, God Is Good: Why Believing in God Is Reasonable and Responsible. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2009.

Guinness, Os, Unspeakable: Facing Up to Evil in an Age of Genocide and Terror. San Francisco: HarperOne, 2005.

Kreeft, Peter, and Ronald K. Tacelli. Handbook of Catholic Apologetics: Reasoned Answers to Questions of Faith. San Francisco: Ignatius Press, 2009.

Lewis, C. S. A Grief Observed. London: HarperCollins, 1994.

______. The Problem of Pain. London: Fount, 1977.

Murray, Michael J., ed. Reason for the Hope Within. Grand Rapids: Eerdmans, 1999.

Nicholi, Armand. The Question of God: C. S. Lewis and Sigmund Freud Debate God, Love, Sex, and the Meaning of Life. New York: Free Press, 2002.

Sirc, James R. Why Good Arguments Often Fail: Making a More Persuasive Case for Christ. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2006.

Strobel, Lee. The Case for Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2000.

Zacharias, Ravi, and Norman Geisler, eds. Who Made God? And Answers to Over 100 Other Tough Questions of Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2003.

Beckwith, Francis, William Lane Craig, and James Porter Moreland, To Everyone an Answer: A Case for the Christian Worldview. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2004.

Craig, William Lane, and Chad V. Meister, God Is Great, God Is Good: Why Believing in God Is Reasonable and Responsible. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2009.

Guinness, Os, Unspeakable: Facing Up to Evil in an Age of Genocide and Terror. San Francisco: HarperOne, 2005.

Kreeft, Peter, and Ronald K. Tacelli. Handbook of Catholic Apologetics: Reasoned Answers to Questions of Faith. San Francisco: Ignatius Press, 2009.

Lewis, C. S. A Grief Observed. London: HarperCollins, 1994.

______. The Problem of Pain. London: Fount, 1977.

Murray, Michael J., ed. Reason for the Hope Within. Grand Rapids: Eerdmans, 1999.

Nicholi, Armand. The Question of God: C. S. Lewis and Sigmund Freud Debate God, Love, Sex, and the Meaning of Life. New York: Free Press, 2002.

Sirc, James R. Why Good Arguments Often Fail: Making a More Persuasive Case for Christ. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2006.

Strobel, Lee. The Case for Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2000.

Zacharias, Ravi, and Norman Geisler, eds. Who Made God? And Answers to Over 100 Other Tough Questions of Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2003.

[1] For apologetic motifs in the New Testament, see Avery Dulles, A History of Apologetics (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 1-25.

[2] One of the best is the comprehensive account by Peter Kreeft and Ronald K. Tacelli, Handbook of Catholic Apologetics: Reasoned Answers to Questions of Faith (San Francisco: Ignatius Press, 2009). Every apologist can learn much from this work.

[3] My discussion of the different approaches of Martin Luther and C. S. Lewis to suffering is relevant here: Alister McGrath, “The Cross, Suffering and C. S. Lewis,” The Passionate Intellect: Christian Faith and the Discipleship of the Mind (Downers Grove, IL: InterVarsity, 2010), 57-69.

[4] Dorothy L. Sayers, Creed or Chaos? (New York, Harcourt Brace, 1949), 4.

[5] Sigmund Freud, The Future of an Illusion (New York: Norton, 1961), 42.

[6] Sigmund Freud, Civilization and its Discontents (New York: Norton, 1962), 21. The official English translation of the title of this work is not quite correct; it is better translated as “Anxiety in Culture” (Das Unbehagen in der Kultur).

[7] See Armand Nicholi, The Question of God: C. S. Lewis and Sigmund Freud Debate God, Love, Sex, and the Meaning of Life (New York: Free Press, 2002).

[8] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 265.

[9] Freud, Future of an Illusion, 35.

[10] C. S. Lewis, The Problem of Pain (London: HarperCollins, 2002), 91.

أسئلة عن الإيمان – تصميم منهجيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الله وهم أم حقيقة؟ هل إخترعنا وجود الله لإحتياجنا له؟

الله وهم أم حقيقة؟ هل إخترعنا وجود الله لإحتياجنا له؟

الله وهم أم حقيقة؟ هل إخترعنا وجود الله لإحتياجنا له؟

«ذكرتَ أن الله ليس وهماً. لكن أي شخص له معرفة بسيطة بعلم النفس سيقول لك إننا نخترع أشياء تناسب احتياجاتنا. فنحن نؤلف أفكاراً، والله ليس استثناء من هذه القاعدة. فلماذا لا نعترف بذلك ونواجه الحقيقة؟»

إجابتي:

«سؤالك مهم جداً. وهو يفتح الطريق للعديد من القضايا المهمة. ولكن اسمح لي أن أركز على بضع أفكار محاولاً الأجابة على النقطة الرئيسية التي أثرتَها في سؤالك. أظن أني لستُ متفقاً على الملخص الذي عرضتَه لعلم النفس الحديث، ولكني أتفق معك أننا غالباً ما نجد في أنفسنا الرغبة لاختراع أفكار مريحة.

فعندما كنتُ أنا نفسي ملحداً منذ سنوات كنت أرى أن الله مجرد فكرة مريحة اخترعها بعض البؤساء الذين لم يتمكنوا من مواجهة قسوة الحياة. والحقيقة أني كنت أستمتع بشرح القسوة الميتافيزيقية التي تميزالإلحاد، وكانت حجتي أن هذه القسوة تمثل نظرة جافة للحياة لن تستهوي أحداً لاختراعها.

ولكني سأقول نقطتين رداً على هذا السؤال الممتاز.

أولاً، لي زملاء ملحدون لأنهم تحديداً لا يريدون لله أن يكون موجوداً. فهم يريدون أن يبنوا عوالمهم الخاصة، ويقررون الصواب والخطأ بأنفسهم، ولكن الله سيعرقل طريقهم ويُعقد الأمور. فهم يعرفون الأشياء التي يريدونها أن تكون صحيحة. ومن ثم، يعلنون أنها صحيحة. لذلك، أعتقد أن هذه الحجة سلاح ذو حدين. فإن كانت صحيحة، وهي مسألة قابلة للنقاش بالمناسبة، فهي تفسر سبب عدم إيمان الملحدين بالله وسبب إيمان المؤمنين به.

ثانياً، علينا أن نقيس الأشياء وفقاً للأدلة المتاحة. فأنا لم أصبح مسيحياً لأني شعرت باحتياج لله. لقد كنت كمن يعتقد أن الماء الوحيد المتوافر للشرح هو ماء بركة راكدة، فاخترع الشمبانيا. وما قادني للإيمان هو التأمل في العالم، وليس عجزاً وجودياً فيَّ، لأني كنت سعيداً جداً بقبول هذه النظرة الجافة للحياة، مادامت صحيحة.

لذلك، ما جعلني أؤمن بالله أني رأيت أن هذا الإيمان صحيح. أعرف أن قبول الإيمان على هذا النحو هو فعل عقلاني جداً. ولكني اكتشفت فيما بعد أن المسيحية لها عمق تخيلي ووجداني، إضافةً إلى قدرتها على خلق منطق للأشياء. كل هذا اكتشفته فيما بعد. ولكن هذا موضوع آخر على أي حال.

«إذَن أنا متفق معك بكل تأكيد أنه علينا أن نواجه الواقع ونتحقق من صحة الأمور. فالواضح أن كلينا يفكر بشكل نقدي. ولكني أعتقد أن الفارق الكبير بيننا هو في النقطة التي يظن كلٌّمنا أن هذا التفكير النقدي سيوصله إليها.»

أريد أن أوضح أن هذه الردود ليست إجابات نموذجية قابلة للتطبيق في كل المواقف. ولكنها إجابات حقيقية تمت صياغتها في لحظتها فكانت مناسبة لتلك الأسئلة بالذات بالشكل الذي طُرِحَت به. ولكن لماذا اخترت أن أجيب عنها بتلك الطريقة؟

يتضح من مناقشتنا لهذين السؤالين أنه كان يمكن أن أشير إلى الكثير من النقاط. فلماذا اقتصرت على انتقاء تلك الألون بالتحديد؟ أحد الأسباب الواضحة أن الإجابات يجب أن تكون قصيرة نسبياً، وهو ما يحد من عدد النقاط التي يمكنك طرحها. ولذلك، لم أتمكن من ذكر كل النقاط التي أشرت إليها سابقاً في هذا الفصل.

ولننظر إلى الإجابة الأولى. شعرت وأنا أستمع للشخص الذي سأل هذا السؤال أن المشكلة وجودية وليست فكرية. فالكلمات توحي بعنصر فكري في السؤال، ولكن النبرة كانت توحي بمشكلة أعمق. فشعرت أنه لم يكن قلقاً لئلا يكون الإيمان بالله غير منطقي، ولكنه قلق لئلا يكون الكون بلا معنى، وحياته كذلك.

ولذلك، ركزت في إجابتي على تأكيد وجود الله في أوقات الظلام والشك والوحدة، قبل أنأركز على الدور المحوري الذي تلعبه عقيدة التجسد في توكيد التزام الله بنا. ثم ختمت بالتشديد على نقطة واحدة: «نحن غير متروكين.» لأن هذا ما شعرت أن الشخص يريد أن يسمعه.

لاحظ أني لمأدافع عن الله ضد الألم. ولكني شعرت أن التصرف الملائم هو أن أظهر لهذا الشخص كيفية مواجهة الإيمان المسيحي للمعاناة وأن هذا الإيمان لديه أمور مهمة يخبرنا بها. فقد اكتشفت في عملي بالدفاعيات أن شرحما تقوله المسيحية في أي موضوع يُعتبر واحداً من أكثر دفاعاتها فاعلية.

ماذا عن الإجابة الثانية؟ بدا لي وأنا أستمع للسائل أنه يعول كثيراً على قيمة العقل والأدلة، وأنه يميل للاعتقاد بأن الإيمان بالله لا يحظى بالتأييد الكافي منأي منهما. وكان سؤاله ينطوي على افتراض ضمني يقول بأن إيماني بالله وهم. فاخترت أن أبدأ بتوضيح أننا غالباً ما نتآمر مع رغباتنا ونخلق واقعاً يتفق مع ذوقنا. وكما أشرت، كان لابد للسائل أن يفكر في احتمالية أن غير المؤمنين بالله يحولون رغباتهم إلى فلسفة حياتية.

ثم رويت قصة، هي قصتي الشخصية، وإن كنت لم أقص إلا جزءاً منها وبإيجاز. وكانت النقطة الأساسية التي أردت عرضها أن قبولي للإيمان كان يمثل تحولاً إلى العقل والأدلة، وليس تحولاً عنهما، على الأقل من وجهة نظري الشخصية. وأردت أيضاً أن أزرع بذرة، بالإشارة إلى أن الإلحاد نظرة جافة للحياة، وأنه ليس من الحكمة أن نفترض أن القسوة والجفاف مؤشران على صحة منظور معين، لأانهما ليسا كذلك.

هذه هي إجابات “مباشرة علىالهواء” قدمتها في لحظتها رداً على أسئلة صادقة من الحضور. وأرجو لأن تكون قد أفادتك. ولكني متأكد أنه بإمكانك أن تطورها وتبني عليها. وهذا ما أود أن أتركه لك.

الله وهم أم حقيقة؟ هل إخترعنا وجود الله لإحتياجنا له؟

Exit mobile version