الوسم: اللاهوت
أهم الأسباب التي دعت لظهور “لاهوت التحرير”
أهم الأسباب التي دعت لظهور “لاهوت التحرير”
136- ما هي أهم الأسباب التي دعت لظهور “لاهوت التحرير”؟
ج: لقد وصل وضع الفقراء والمظلومين والمقهورين إلى وضع مؤسف للغاية، وعندما أصدر القسان بوف (ليوناردو وكلودفيس) كتابهما ” تقديم لاهوت التحرير ” ذكرا في صدارته القصتين التاليتين:
القصة الأولى: “كانت سيدة في الأربعين من عمرها ولكنها تبدو في السبعين، توجهت يومًا إلى الكاهن بعد القداس وقالت بأسى: أبي لقد حضرت القداس وتقدمت للتناول دون أن أعترف أولًا.
فأجاب الكاهن: كيف تفعلين ذلك؟
أجابته السيدة: أبي لقد وصلت متأخرة بعد أن بدأت صلاة التقدمة، فأنا ولمدة ثلاثة أيام لم أتناول أي طعام، لأني لم أجد ما آكله، فأنا أتضور جوعًا، وعندما رأيتك تمسك بالتقدمة وبالخبز تقدمت للتناول من منطلق الجوع. بكى الكاهن، وتذكر كلمات الرب ” من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية. فمن يأكلني فهو يحيا بي” (يو 6: 54 – 57).
القصة الثانية: في يوم من الأيام، وفي إحدى المناطق القاحلة في شمال شرق البرازيل والأكثر إصابة بالمجاعات في العالم قابل ” كلودفيس بوف ” أحد الأساقفة عائدًا إلى منزله في حالة انهيار، فسأله: ماذا بك؟ فأجابه: لقد رأيت على التو مشهدًا مروعًا، فأمام الكاتدرائية كانت توجد امرأة مع ثلاثة أولاد وطفل رضيع ملتصق برقبتها، ووجدتهم في حالة إعياء وأقرب إلى الإغماء من الجوع والطفل الوليد يكاد يكون ميتًا.
فقلتُ للمرأة: أرضعيه لبنًا.
فأجابته: لا أستطيع يا سيدي.
فألحَّ عليها الأسقف.
فأجابته بالإجابة نفسها، وبسبب إلحاحه كشفت المرأة عن صدرها، وكان ينزف دمًا، وقد رضع الطفل دمًا”(1).
تعكس القصتان السابقتان الواقع الأليم الذي تعيشه أمريكا اللاتينية، ويأتي السؤال: كيف نكون مسيحيين ونسكت على هذا الوضع الفاضح من القهر والظلم والعوز والجوع..؟!! ويقول سمير مرقس ” لقد جاء لاهوت التحرير احتجاجًا على هذا الواقع فهو محاولة لتحقيق الالتزام النبوي والأخوي للمعاناة المشتركة مع الفقراء وذلك بتحقيق التحرُّر لهم.. إن حركة لاهوت التحرير قامت لأجل الفقراء، وما لاهوت التحرير إلاَّ تفسيرًا للإيمان المسيحي من خلال واقع الفقراء ولزومية تحررهم..
بمجرد فهم الواقع الخاص بالمقهورين والفقراء فإن لاهوتيي التحرير يتساءلون:
ماذا يقول الرب عن هذا الوضع؟
وتبدأ الإجابة من خلال الكتاب المقدَّس بإعادة تفسير نصوصه والكلمات الإلهية وتأويلها من وجهة نظر الفقراء بما يتناسب مع الواقع المعاصر”(2).
وتقول د. ماجي عبد المسيح ” هل يوافق الله على الظلم الذي نراه يوميًا في أمريكا اللاتينية؟ هل يوافق على فقدان الحياة والطاقة بدون سبب؟ من وماذا هو الله؟ هل الله إله حياة أم إله موت؟
الإجابات الكلاسيكية للأسئلة السابقة أصبحت بلا معنى إن لم تكن ميتة أيضًا، فمنها من يقول: الله دائمًا يسمح بالشر ولكن لا يصنعه، أو إن هناك سبب أو فلسفة عليا لما يحدث لنا، أو إن الله يختبر إيماننا، أو أننا سوف نأخذ أجرنا في السماء منزلنا الحقيقي والأصلي، أو إننا يجب أن نقبل المعاناة والألم على مثال يسوع المسيح.
بالنسبة لأمريكا اللاتينية هذه الإجابات لم تعد مرضية، بمعنى آخر هي الآن إجابات في غير محلها وغير مجدية، ومع ذلك هذا ليس كل شيء، فقد اُستخدمت لتبرير الشر وليس لعلاجه أو تصحيحه. الله أصبح إذًا إله موت.
باختصار فإن لاهوت التحرير هو نفس التساؤل القديم جدًا، كيف يمكننا أن نتحدث عن حب الله، رحمته وعدله ونحن مازلنا نختبر هذا المقدار الكبير من الشر في العالم؟ إن هذا السؤال القديم يستلزم إجابات جديدة على إن هذه الإجابات لا تأتي من فراغ وإنما من إعادة قراءة ودراسة قراءتنا الروحية.. إن اللاهوت يبدأ من خلال تجربة البشر”(3).
فأمام الظلم والقهر الذي ساد أمريكا اللاتينية جاء السؤال: كيف نكون مسيحيين ونصمت على هذا الظلم والقهر، فلابد للكنيسة أن تقوم بدور اجتماعي يتمشى مع جوهر رسالتها الإنجيلية، فلا يكفي أن تعطي الكنيسة المحتاجين، ولكنها لا بُد أن تتدخل لإصلاح الواقع وقهر الظلم.
تعليق:
تُرى لو سار المجتمع على مبادئ الإنجيل هل كان يؤول حاله إلى هذه الدرجة من البؤس والشقاء؟! وهل وصايا الكتاب المقدَّس بشأن الفقراء تحتاج إلى تفسير وتأويل؟!
ألم يقل الكتاب ” من يرحم الفقير يقرض الرب وعن معروفه يجازيه” (أم 19: 17).. ” طوبى للذي ينظر إلى المسكين في يوم الشر ينجيه الرب. الرب يحفظه ويحييه. يغتبط في الأرض ولا يسلمه إلى مرام أعدائه” (مز 41: 1 – 3)؟!
ألم يصرح السيد المسيح بأنه في اليوم الأخير سيدعو الرحماء بالمساكين، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. قائلًا لهم: “تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فآويتموني. عريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إليَّ.. الحق أقول لكم بما إنكم فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم” (مت 25: 34 – 40)؟!
ألم يكثر أباء الكنيسة الحديث عن عطاء الفقراء؟!
قال القديس يوحنا فم الذهب ” الفقير يمد يده متسولًا، ولكن الله هو الذي يقبل صدقتك”.
وإن قلنا أننا لا نريد أن يعيش الفقراء على صدقة المحسنين.. تُرى أليس من المحتمل أن يكون هؤلاء الفقراء هم أنفسهم متقاعسون عن العمل والجد والاجتهاد، وبالتالي فإنهم مسئولون عن فقرهم؟!
وإن لم يكن لا يد لهم في فقرهم، والظلم يرجع إلى المجتمع.. تُرى لو سار أصحاب القرار في المجتمع على مبادئ الإنجيل ألاَّ ينجحوا في انتشال هؤلاء الفقراء من فقرهم؟!
إذًا الاكتفاء كل الاكتفاء في كلمة الله الحيَّة، فما الداعي لاختراع لاهوت جديد باسم لاهوت التحرير، ويجنح بعض مؤيديه للعنف والثورات الدموية..؟! لماذا لا ننادي بالعودة إلى المنابع الإنجيلية الصافية فيرتوي الغني والفقير يجد قوته؟!!
_____
(1) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 120.
(2) المرجع السابق ص 120 – 123.
(3) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 31، 32.
أهم الأسباب التي دعت لظهور “لاهوت التحرير”
مفهوم لاهوت التحرير ولماذا دعوا تحرير الإنسان لاهوتا؟
مفهوم لاهوت التحرير ولماذا دعوا تحرير الإنسان لاهوتا؟
134- ما هو مفهوم “لاهوت التحرير” ولماذا دعوا تحرير الإنسان لاهوتًا؟ وهل هو لاهوت أم أنه نظرية؟
ج: يهتم لاهوت التحرير بالوضع الاجتماعي للإنسان، فهو يسعى نحو تحرير الفقراء والمقهورين اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، ويعمل على تحرير الكنيسة مما لحق بها من شوائب وأساليب تسلطية، فلاهوت التحرير يجعل الإنسان هو المحور بدلًا من الله، وبتحويل المركزية من الله للإنسان يصبح كل شيء قابل للتفاوض والحوار، حتى نصوص الكتاب المقدَّس تؤوَّل لصالح الفقراء والمظلومين.
ويرى الدكتور القس صموئيل حبيب أن ” لاهوت التحرير ” لاهوت نبوي أي يقوم بعمل الأنبياء الذين بكتوا الظلم، وأنه يحمل في داخله الإعلان الإلهي فيقول ” لاهوت التحرير لاهوت نبوي، فالنبوءة هي أن يرى النبي الواقع، ثم يعلن رأي الله فيه، ويتخذ القرارات العملية لمواجهته(20) فلاهوت التحرير -من هذا المنطلق- يحمل المسئولية النبوية للتاريخ، وبالتالي للمجتمع ككل.. ولما كان لاهوت التحرير يدعو إلى تحرير المظلوم والفقير، ليسترد الإنسان إنسانيته، فإن تحرير المظلوم يتضمن في داخله على إعلان إلهي(21)“(1)(2).
كما يرى الدكتور القس صموئيل حبيب أيضًا أن ” لاهوت التحرير ” يعبر عن الفعل الاجتماعي Social Action وليس الخدمة الاجتماعية Social Service فالفعل الاجتماعي هو التأثير في الواقع لإصلاح حال الفقراء، وهو وقوف الكنيسة بجوار المطحونين وتوعيتهم لتحقيق حريتهم، والاعتماد على ذواتهم، واسترداد إنسانيتهم السليبة، فهو يبحث عن علاج أسباب المشكلة. أما الخدمة الاجتماعية فهي مد يد المساعدة لهؤلاء المحتاجين للتخفيف من جوانب المشكلة التي يعانون منها، فإعطاء السمكة (المال) هو خدمة اجتماعية، بينما إعطاء السنارة (تعليم حرفة) هو فعل اجتماعي يجعل الإنسان يعيش حياة كريمة مستقلة(3).
ولاهوت التحرير كما عرَّفه الدكتور ميلاد حنا هو نتاج التلقيح الفكري بين الكثلكة والماركسية، كما يقول د. حيدر إبراهيم أن لاهوت التحرير تفاعل بين الماركسية والكاثوليكية لإقامة الفردوس على الأرض ” هكذا كان بروز لاهوت التحرير سباقًا في أمريكا اللاتينية بسبب التفاعل الحقيقي بين الحركات الاجتماعية الماركسية والإشتراكية وبين الكنيسة الكاثوليكية، وهذا مفقود في بعض مناطق العالم رغم وجود مشكلة الفقر.. وكان من نجاحات لاهوت التحرير هذا التقارب الذي أدخل القضية الاجتماعية إلى قلب الاهتمام الديني. ويمكن تعميم القول الآن أن فكرة لاهوت التحرير هي باختصار جعل الدين أكثر اهتمامًا بالإنسان وبالمجتمع، وهو يحاول القيام بمهمة مزدوجة تبشر بالفردوس في الأرض وفي السماء ولا يؤجل سعادة الإنسان”(4).
وأول من استخدم تعبير ” لاهوت التحرير ” هو اللاهوتي ” جوستافو جوتييريز ” سنة 1967م في محاضرته التي ألقاها في مونتريال، ثم محاضرته التي ألقاها في بيرو سنة 1968م، خلال مؤتمر ميدللين، وبرَّر ” جوتييريز ” موقفه من صبغ تحرير الإنسان بصفة اللاهوت بأن اللاهوت ليس مجرد معرفة نظرية، بل هو موقف عملي وإن اللاهوت يتجه إلى واقع الإنسان، ولذلك عندما نبحث في علم المسيح يجب أن ننطلق من الأرض، أي من صفة السيد المسيح الإنسانية، ووضعه البشري، وتضامنه مع الفقراء. ولا ننطلق من السماء، أي من صفة السيد المسيح الإلهية، ولذلك على الكاهن أن يتضامن مع الفقراء، ولا ينحاز للسلطات، وإن الهدف من البشارة بالإنجيل ليست العقيدة، بل تغيير الوضع الاجتماعي للإنسان، وإن الحياة المسيحية تنبع من الأرض وليست من السماء(5).
كما يجيب د. ميلاد حنا عن التساؤل: لماذا دعوا تحرير الإنسان لاهوتًا؟ فيقول ” على إن ما كان يحيّرني -قبل قراءة الكتاب- هو عبارة {لاهوت}، فقد قبلت لفظ {التحرير} لارتباطه سياسيًا بتحرير الإنسان من العبودية والقهر والتخلف. غير إنني أدركت وفهمت لماذا أصرَّ مفكرو هذا التوجه على لفظ {اللاهوت} وقد كان مرتبطًا في ذهني بالإلاهيات، فجاءتني الواردة في بداية الفصل الثاني من هذا الكتاب لتفسر لي هذا التناقض الظاهر، فالمقولة تقول {فاللاهوتي يدرس مسيرة الله المتحققة في الزمان والمكان، كما يدرس سلوك البشر في إطار الزمان والمكان نفسهما، ليعرف مدى تطابقهما مع قصد الله الخلاصي} وتعرَّفت أيضًا من خلال الفصل الثاني أن المجتمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 11965م) {كان ملتقى التيارات اللاهوتية في أوربا، إذ وجد اللاهوت نفسه أمام تساؤلات إيمانية من نوع جديد فرضتها الاكتشافات العلمية الحديثة والمجتمعات الصناعية}”(6).
ويعبر د. ق صموئيل حبيب عن نظرة دعاة لاهوت التحرير الذي يدَّعون أن اللاهوت يبدأ من واقع الإنسان ويبحث عن تحريره من الظلم الاجتماعي، وأيضًا تحريره من الظلم الروحي أي من سلطان الإكليروس، فيقول ” علم اللاهوت يبدأ عادة من الوحي إلى الواقع. أما لاهوت التحرير فهو يبدأ من الواقع إلى الوحي(7) ويرى جبليني أن مصداقية اللاهوت تتحقق في مطابقتها للواقع(8) ولما كان علم اللاهوت يرتبط بالواقع، فهو لاهوت يمكن أن يكون محليًا. فالواقع في أمريكا اللاتينية هو الذي نبع منه لاهوت التحرير، هذا الواقع قد يتفق مع واقع آخر في موقع آخر.. ولذا فإن الأفارقة يمكنهم أن يكتبوا لاهوت التحرير من واقع أفريقيا.. بل يجوز أن يشكل علم اللاهوت نظرية أو يتبنى ويناقش قضية معينة.. فالسود -في أمريكا- في سبيل دفاعهم عن حريتهم، ربطوا علم لاهوت التحرير بقضيتهم، والمرأة في دفاعها عن حريتها في المجتمعات العربية أنشأت لاهوت تحرير المرأة.. علم اللاهوت التحريري لم يبدأ من الوحي، لكنه بدأ من الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع والبيئة.. وحيث أن لاهوت التحرير، واقعي، فهو يرتبط بالإنسان وبالإنسانية. إنه لاهوت الإنسانية(9).. إن لاهوت التحرير ليس لاهوتًا ينتظر المستقبل، لكنه يحدد العمل المباشر والحاضر.. فلاهوت التحرير، من هذا المنطلق، لاهوت عمل في مواجهة الواقع الأليم للبشرية.
ولاهوت التحرير من هذا المنطلق، ليس لاهوتًا إضافيًا، يضاف إلى ما قبله من أعمال، ولكنه لاهوت جديد، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فهو اللاهوت الأول من نوعه في تاريخ الفكر اللاهوتي الذي يعتمد على الواقع التاريخي(10).. لاهوت التحرير دعوة للعمل لأجل المطحونين والهامشيين من المجتمع البشري، والدعوة تحمل قيام المجتمع الكنسي بكل ما يمكن عمله لتحرير المطحونين، ليكونوا مستقلين، لهم سيادة على ذواتهم، دون اعتماد على الغير.. لاهوت التحرير ليس مجرد دعوة للتحليل العقلاني فحسب، بل دعوة للعمل الرعوي والخدمة، نابعة من سماع أصوات الفقراء في كل عصر(11) من هنا نرى أن لاهوت التحرير، لاهوت عملي فهو يرتبط بالمجتمع وظروفه، ويدعو الكنيسة للقيام بدورها الفعَّال لتطوير المجتمع للأفضل.
وتمتد المسئولية، من داخل علم لاهوت التحرير، إلى ما يحدث داخل الكنيسة فالنظرة التحرُّرية للمطحونين داخل الكنيسة، تدعو للتحرر من سلطان الإكليروس، وسيادته، فالكنائس التي اتخذت لها أساليب دكتاتورية سلطوية، والتي تمارس نفس العنف، والسيادة القهرية في ممارستها لسلطاتها.. ولاهوت التحرير يدعو لتحرير المظلومين من أي نوع.
ولما كان لاهوت التحرير يرتبط بالواقع، وبقضايا الإنسان الفقير والمظلوم، فإن الإنسان هو المركز الرئيسي لهذا اللاهوت(12) وهذا هو الواقع أن لاهوت التحرير يعتمد على العلوم الإنسانية(13) وحيث أن لاهوت التحرير لاهوت عملي يرتبط بالإنسان وبالواقع، لذا فهو لاهوت متجدد يطالب باستمرار الدراسة والتأمل واكتشاف أساليب تحرير المظلومين والفقراء(14)(15).
ثم ينتقد الدكتور القس صموئيل حبيب أقوال دعاة لاهوت التحرير السابقة، فيقول ” إلاَّ أن فكرة اللاهوت إنه يبدأ بالواقع، ثم يعود إلى الوحي، فكرة خاطئة من أساسها، فاللاهوت يبدأ بالوحي أولًا، ثم يتجه إلى الواقع. ولا يجوز لنا أن نظن أن الوحي يهمل الواقع، فمطابقة الوحي بالواقع، عمل من صميم اللاهوت، فعلم اللاهوت لا يعيش بمعزل عن الواقع”(16).
والحقيقة إن معنى كلمة ” اللاهوت ” أي طبيعة الله، إذًا فاللاهوت يبدأ من الله، ولا يبدأ من الإنسان ويقول د.ق. صموئيل حبيب ” فالله بداية اللاهوت، وكلمة الله المتجسد هو المركز، وكلمة الله الموحى بها هي الطريق، وكلها تتعاون معًا على بناء لاهوت مسيحي يُحرّر الإنسان، ويحقق له إنسانيته”(17). ولذلك كان من الأجدر إطلاق تعبير ” نظرية التحرير ” على تحرير الإنسان بدلًا من “لاهوت التحرير” وبينما يتميز اللاهوت بالثبات لأن الله ثابت في طبيعته وأفعاله وأقواله فإن “لاهوت التحرير” متغير، ويقول د. حسن حنفي ” إن لاهوت التحرير ليس لاهوتًا أبديًا كما هو الحال في اللاهوت العقائدي، بل هو متغير بتغير الأزمات في كل عصر، ربما هو جزء من ” لاهوت الأزمة ” Predivament.. وأصبحت الدراسات اللاهوتية الآن تتعرض لموضوعات العصر باسم لاهوت التقدم، لاهوت العدالة، لاهوت المساواة، لاهوت الوحدة، لاهوت التنمية، لاهوت الألم، ولاهوت حقوق الإنسان.. إلخ”(18).
والأمر العجيب أن البعض يعيب على ” لاهوت التحرير ” تمسكه بالعقائد المسيحية مثل التجسد والفداء، وكان يود لو أن لاهوت التحرير تنكر لهذه العقائد وتحرر منها، فيقول د. حسن حنفي إن البعض يقولون أن ” لاهوت التحرير لاهوتًا أكثر منه تحريرًا، ودين أكثر منه دنيا، وهو نوع من التبشير الاجتماعي الجديد يستعمل المجتمع كوسيلة والدين غاية. ويبدأ من مآسي الناس كي يعيدهم إلى الإيمان. السياسة وسيلة والدين غاية. مازالت مقولاته في التجسد والخلاص والصلب والخطيئة والإيمان والكنيسة هي مقولات اللاهوت التقليدي حتى ولو أخذت دلالات جديدة”(19).
_____
(1) بوف ص 116.
(2) لاهوت التحرير ص 25.
(3) راجع د. ق صموئيل حبيب – لاهوت التحرير ص 33.
(4) الأب وليم سيدهم اليسوعي – لاهوت التحرير. رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 12، 13.
(5) راجع د. ميلاد حنا في تقديم كتاب لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية ص 13.
(6) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية – نشأته. تطوُّره. مضمونه ص 11.
(7) جبليني – جدل التحرُّر ص 11.
(8) جبليني – جدل الحوار ص 13.
(9) جبليني – جدل الحوار ص 4.
(10) جبليني – جدل التحرُّر ص 100.
(11) جوتيري ص 8، 9.
(12) جوتيري ص 7.
(13) جبليني ص 8.
(14) جبليني ص 11.
(15) لاهوت التحرُّر ص 19 – 23.
(16) المرجع السابق ص 34.
(17) لاهوت التحرُّر ص 38.
(18) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 71، 72.
(19) المرجع السابق ص 74.
(20) جوتيري ص 13.
(21) بوف ص 116.
مفهوم لاهوت التحرير ولماذا دعوا تحرير الإنسان لاهوتا؟
مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟
مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟
مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟
خرج علينا أستاذهم محمود داود، الملقب بـ ميمو ، بكلام قديم قد عفى عليه الزمن، لكن أضاف إليه محمود عنصر التعامي والتغابي، ومفاد كلامه كله أن المسيحي يؤمن أن الله مات. حسنا، سنرد بالطريقة التي لربما يكون محمود يفهم بها، فقد يحار العاقل في كيفية فهم هذا الإنسان، فهو يقرأ الكلام المناقض له صراحة ثم يفهمه كأنه يقول ما يقول. فعندما سُئل المسيح من تلاميذه عن سبب كلامه مع الناس بالأمثال، فرد عليهم المسيح وقال:
١١ … لِأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لِأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ. ١٢ فَإِنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى وَيُزَادُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فَٱلَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ. ١٣ مِنْ أَجْلِ هَذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ، لِأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لَا يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَفْهَمُونَ. ١٤ فَقَدْ تَمَّتْ فِيهِمْ نُبُوَّةُ إِشَعْيَاءَ ٱلْقَائِلَةُ: تَسْمَعُونَ سَمْعًا وَلَا تَفْهَمُونَ، وَمُبْصِرِينَ تُبْصِرُونَ وَلَا تَنْظُرُونَ. ١٥ لِأَنَّ قَلْبَ هَذَا ٱلشَّعْبِ قَدْ غَلُظَ، وَآذَانَهُمْ قَدْ ثَقُلَ سَمَاعُهَا. وَغَمَّضُوا عُيُونَهُمْ، لِئَلَّا يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ.
فعلاج من هم في مثل ذلك المستوى أن نتكلم معهم بأمثال، أما من هم دون هذا المستوى؟ فبماذا نكلمهم؟ وكيف نشرح لهم وهم قد وصلوا لدرجة أنهم يقرأون الكلام الذي يدينهم ولا يفهمونه! يقرأون كلامًا مناقضًا لما يريدون، ثم يفهمونه كأنه يعاضد فكرتهم السخيفة؟! سنحاول أن نشرح بطرق أقرب إلى أفهامهم في هذا الموضوع.
وقبل أن نشرع في عرض الرد المختصر ثم الرد المطول، نشرح فكرة محمود باختصار كما يفهمها هو. هدف محمود من هذا الفيديو كله أنه يدعي على المسيحيين أنهم يؤمنون بأن الله مات. حسنا، لدينا هنا أربع احتمالات، يمكن بأي منهم أن نفهم كلمة “الله” الموجودة في عبارة “الله مات” فمن هو “الله” المقصود هنا والذي يحاول محمود أن يقول إننا نؤمن بأنه مات؟ لدينا أربع احتمالات، مع ملاحظة أن هذه الإحتمالات تنزلا لأقل درجة ممكنة في أفهام البشر، لأن النزول لما هو دونها، سيجعلنا نعتقد أن محمود لا ينتمي للبشر في فهمه.
الأول: أن الله = اللاهوت فقط.
الثاني: أن الله = الناسوت فقط.
الثالث: أن الله = اللاهوت والناسوت معًا.
الرابع: أن الله = الناسوت متحدا باللاهوت.
الرد المختصر
يتفق المسيحيون أن الله كلاهوت فقط، لا يموت، ويعرف محمود هذا عن المسيحيين. ويتفق أيضا المسيحيون العارفون أن الناسوت فقط لم يكن وحده بل كان في إتحاد من لحظة الحمل المقدس في أحشاء السيدة العذراء مريم، فلا يوجد مفهوم “الناسوت فقط” بعد الإتحاد. ويتفق المسيحيون أيضًا أن اللاهوت والناسوت معًا لا يموتا، بمعنى أن اللاهوت لا يموت مع موت الناسوت المتحد به. أي أنه بموت الناسوت لم يمت اللاهوت معه. وأما الخيار الرابع، فهو ما يقوله المسيحيون العارفون لإيمانهم، إذ أن وقوع الموت كان على الناسوت، لكن هذا الناسوت لم يكن منفصلا عن الناسوت بل كان متحدا باللاهوت، لكن فعل الموت نفسه لا يؤثر في اللاهوت وليس من خواص اللاهوت أصلا التأثر بالموت كما أنه ليس من خواصه التعب والأكل والشرب ..إلخ.
إذن، أين المشكلة لدى محمود؟ مشكلة محمود أنه يظن أنه بالفهلوة، وبالقراءة المتحيزة البغيضة سيفهم ما يقوله المسيحيون! ومشكلة من يقرأ اللاهوت المسيحي بهذه السطحية المعتادة لدى محمود، أن اللاهوت المسيحي ألفاظه دقيقة جدًا ومدلولاته حاسمة وصريحة. وبلغة أهل الإسلام، فأن لهذا الفن ألفاظ، لابد أن تعرفها ثم تدرك معانيها عند المتكلمين بها لتفهم ما يقصدونه بها، فأقل خطأ في فهمها، ولا سيما لو كنت مغرضًا، سيجعلك تهرطق إن كنت مسيحيًا، أو يجعل منك أضحوكة ومصدر سخرية أمام المسيحيين الفاهمين لعقيدتهم، كما بدا محمود داود في ذلك الفيديو.
مشكلة محمود داود التي تمتلك عقله منذ أكثر من عشر سنوات نعرفه فيها، أنه -رغم طول هذه السنوات والتي كان يمكن أن يستغلها في فهم عقيدة المسيحيين- لا يفرق بين “إتحاد الطبيعتين” وبين “تأثير الفعل الواحد على الطبيعتين”، فيظن أن كل من يقول أن الطبيعتين غير منفصلتين، أنه يقول أن الموت أثر على اللاهوت وعلى الناسوت معًا، بينما يكون قائل العبارة يقصد أن الموت عندما وقع على المسيح تأثر به الناسوت وهو متحدا باللاهوت. أي أنه في وقت الأكل والشرب والنوم والحزن والتعب …. إلخ، كانت هذه الأفعال تقع كلها على الناسوت، لكن أي ناسوت؟ انه الناسوت المتحد دائمًا باللاهوت. فبمجرد ان يسمع محمود كلمة “متحد” يظن أنها تعني “وقوع الفعل على الطبيعتين المتحدتين”، فهذه هي مشكلته الكبيرة.
كيف كان أمام هذا الشاب أن يدرك الخطأ الجسيم الذي وقع فيه؟ ببساطة، بأنن يقرأ كلام من أتى بكلامهم هم أنفسهم عن وقوع الموت على الناسوت وليس اللاهوت. فلن يجد محمود داود أي شخص من هؤلاء يقول إنه وفقًا لأن الطبيعة الناسوتية متحدة بالطبيعة اللاهوتية، فاللاهوت قد مات مع موت الناسوت. لماذا لن يجدهم يقولون هذا؟ لأنهم وببساطة يعرفون معنى “متحد” التي يقولوها إنها من ناحية تؤكد على الوحدة بين الطبيعتين، ومن ناحية أخرى لا تعني وقوع تأثير الفعل على الطبيعتين! لذلك سيجد هؤلاء الآباء أنفسهم يقولون إن المسيح هنا كان يتكلم بحسب طبيعته البشرية وكان يأكل بحسب طبيعته البشرية وكان لا يعلم بحسب طبيعته البشرية …إلخ. لكن، لقد زيَّن الشيطان لمحمود فهمه لأنه شخص متكبر ولا يريد الحق ولا يقرأ حتى ليفهم عقيدة المسيحيين بدلا من إطلاق الاتهامات عليهم.
كانت هذه مشكلة محمود داود كاملة هنا، وايضاحها والرد عليها باختصار. ولنبدأ الرد المطول..
الرد المطول
في هذا الرد المطول، سيتم سرد الفكرة الرئيسية لمحمود داود، وهي فكرة واحدة ركيكة، ثم الطرق التي حاول تدعيمها بها. لكن سنضع الأساس من البداية هنا، والأساس هنا نظرًا لضعف فهم محمود داود سنلخصه من البداية في سؤالين فقط: هل يقول هذا الذي استشهدت به بأن اللاهوت مات؟ سواء متحدًا بالناسوت أو حتى منفصلًا عنه! أما السؤال الثاني وهو بذات المعنى لكن من زاوية مختلفة (لأننا لا نعرف كيف تتم عملية الفهم لدى محمود داود): هل يقول هذا الذي استشهد به أن اللاهوت نظرًا لاتحاده مع الناسوت، قد مات معه؟ أي: هل مات اللاهوت مع الناسوت المتحد به؟
هذان السؤالان هما ما حاول محمود داود التهرب منهما، لأنه يعرف أن جوابهما المباشر: لا! لا يقول المسيحيون بهذا أبدًا. وقبل أن نبدأ، في الرد السابق عليه والذي كان بعنوان [هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء] والذي كان يتكلم فيه محمود داود عن الفكرة المعاكسة لهذه الفكرة الموجودة في الفيديو الآن، وهي أن المسيحيون يقدمون العبادة للجسد. ففي الفيديو السابق، أصاب عينه الحَوَل، حيث اعتقد ان العبادة المقدمة للمسيح إنما هي مقدمة للناسوت، بينما العبادة للاهوت المتحد بالناسوت، وفي هذا الفيديو اعتقد ان الموت منسوب للاهوت بينما الموت منسوب للناسوت المتحد باللاهوت. فمشكلة محمود وعدد كبير من المعترضين انهم يصيبهم الحول عندما يقرأون في كتبنا او يسمعون عن عقيدتنا، فينسبون ما هو أصلا للاهوت إلى الناسوت، ثم يقولون: حاشا وكلا! أيعقل؟ يا للهول!، بينما هو للاهوت (مثل العبادة) وعلى النقيض، ينسبون ما هو أصلا للناسوت إلى اللاهوت، ثم يقولون: حاشا وكلا! أيعقل؟ يا للهول! بينهما هو للناسوت (مثل الموت). مما يؤكد أنهم إما لا يفهمون أي شيء، أو أنهم يفهمون ومع ذلك يتعمدون الخلط على من يسمعونهم لكي يضلونهم. وسنبدأ بشرح الأفكار الفرعية التي عرضها الشاب ميمو.
الفكرة الأولى
في البداية نسأل:
- هل يؤمن المسيحيون أن المسيح هو الله؟ الإجابة: نعم، وسبب هذه الإجابة هي أن المسيح هو لاهوت متحد بناسوت، وكونه “لاهوت” فهو الله بسبب هذا “اللاهوت”.
- هل المسيح مات؟ الإجابة نعم، وسبب هذه الإجابة هي أن المسيح هو لاهوت متحد بناسوت، وكون ان “تأثير الموت” قد أثر على الناسوت الذي هو متحد باللاهوت، فيمكن أن نقول أن المسيح مات.
- بما أن المسيح هو الله، فهل الله مات؟ هنا يبدأ عقل محمود داود يضرب أخماسًا في أسداس لأن مستوى تفكيره ومعرفته لم تتجاوز مستوى طفل صغير في مدارس الأحاد. وقبل الإجابة على هذا السؤال لابد أن نستوضح معنى كلمة “الله” الموجودة في هذا السؤال لأنه بناءً عليها ستتغير الإجابة رأسًا على عقب، فنقول:
- إن كنت تقصد بكلمة “الله” هنا، أي “اللاهوت”، أي أن فعل “تأثير” الموت قد أثر على اللاهوت المتحد بالناسوت، فالإجابة: لا، الله لم ولن ولا يموت.
- إن كنت تقصد بكلمة “الله” هنا، أي “الناسوت”، فالإجابة: نعم، الله مات بناسوته وهو متحدًا بلاهوته.
فكما رأينا أنه بفهم بسيط لعقيدة المسيحية نستطيع أن نجيب بنعم وبلا على ذات السؤال بناء على مفهوم السائل لسؤاله. ولأوضح لمحمود داود الفكرة البسيطة التي لم يفهمها، سأوضحها له بمثال يفهمه جيدًا، ونقول: هل الله في الإسلام له يد وقدم وينزل ويصعد؟ سيرد محمود ويقول: نعم، لقد أخبرنا القرآن بهذا. وهذا جيد، لكن ماذا إن قال له أحد الأشخاص، إذن فهو له يد كيدنا وقدم كقدمنا؟ فهنا سيقول له محمود: لا، ليس لله يد كيدنا وقدم كقدمنا. وهنا تظهر أهمية سؤال الشخص عن مفهوم سؤاله الأول الذي قال فيه [هل الله في الإسلام له يد وقدم وينزل ويصعد؟] فكان السائل يقصد باليد والقدم والنزول والصعود، هو اليد كيد البشر والقدم كقدم البشر والنزول والصعود كنزول وصعود البشر، فلما أجابه محمود وقال: نعم له كل هذا، اعتقد السائل أن لله يد وقدم وينزل ويصعد مثل البشر لأن هذا كان مفهومه عن اليد والقدم والنزول والصعود أثناء سؤاله.
وبنفس المنطق البسيط، فإن كان السائل يفهم كلمات سؤاله بمعنى يخالف معنى كلمات السؤال الذي يفهمه الشخص الموجه إليه السؤال، فيجب أولا توحيد المفاهيم ثم الإجابة بنعم أو بلا. فالإجابة هنا تعتمد على ما يسأل عنه السائل. وهذه فكرة بسيطة لا تحتاج عناء التفكير الذي لا يريد محمد بذله، ورغم ذلك ربما لا يفهمها. فإجابة سؤال: من الذي مات على الصليب؟ هي: الناسوت المتحد باللاهوت.
الفكرة الثانية
يقول الشاب ميمو أن الله في المسيحية لا يموت، ولكي يموت الله ويقدم كفارة غير محدودة، كان يجب أن يقدم الفداء للإنسان، لكن الله لا يموت، فاتخذ الله جسدًا، لكي يضيف له إمكانية الموت، ومات الله به. وهذا الكلام كسابقه، يمكن فهمه بشكل صحيح فيكون الكلام صحيحًا، ويمكن فهمه بشكل خاطئ -كما فهمه محمود- ويكون هو نفسه ذات الكلام خاطئ. فما هو الفهم الصحيح والفهم الخاطئ لهذا الكلام؟
الفهم الصحيح لهذا الكلام أن الله اتخذ جسدًا، لكي يموت هذا الجسد وهو متحدا باللاهوت، فيعطي اللاهوت غير المحدود الفداء والغفران غير المحدود لكل البشر الذين يقبلون المسيح. فدور الناسوت هنا هو القيام بخصائصه، ومن ضمنها الموت. ودور اللاهوت هنا أنه باتحاده بهذا الناسوت، إعطاء هذا الفداء صفة اللامحدودية في التأثير الخلاصي لجنس البشر لمن يقبله خلاص الرب.
الفهم الخاطئ لهذا الكلام أن الله اتخذ جسدًا، لكي يموت اللاهوت ويموت الناسوت معًا، وإلا لن يكون للفداء قيمة لأن قيمة الفداء غير المحدود في موت اللاهوت غير المحدود. وهذه الفهم هو فهم سقيم عقيم لا يقل به من المجاذيب أحد فضلا عن العقلاء، لأنك ستجد كل مسيحي فاهمًا لعقيدة يقول إن اللاهوت لم ولن ولا يموت، وستجد ذات الأشخاص الذين استشهد بهم محمود لا ينسبون الموت وحده للاهوت، بل لا ينسبون إليه أيضًا كل أعمال الناسوت الأخرى، مثل النوم والصحو والأكل والشرب والتعب والجوع …إلخ، فإن كان كل هؤلاء لا ينسبون للاهوت -الذي يعرفون انه متحد بالناسوت- الأكل والشرب وهما أفعال أقل من الموت للناسوت، فكم بالأحرى الموت!! وإمعانًا في إحراج محمود داود أمام نفسه، يستطيع أن يسأل نفسه أو يسأله متابعوه بعد كل اقتباس من الكتب المسيحية سؤالاً: هل يقول هذا الذي اقتبست منه: أن اللاهوت مات مع الناسوت؟ فإن أجاب ميمو “نعم” فقد أثبت جهله بمباديء المباديء التي يعرفها كل مسيحي، ويكون مطالبًا بإستخراج عبارة واحدة لأي شخص معتبر يقول إن اللاهوت مات! وإن قال “لا” فيكون قد رد على كل كلامه بهذين الحرفين “لا” فطالما ان اللاهوت لم يمت! فما الذي ظللت تهذي به في الفيديو الخاص بك طوال هذا الوقت؟ أليس هو في النهاية أن “اللاهوت” مات؟
فيقول ميمو [أي حد مسيحي يقول أن الإله مامتش فهو كدا خرب وبوظ كل الخطة وكل الكلام اللي أنا قلته ده، لأن لو اللي مات على الصليب مجرد إنسان واحد فقط يبقى مش هايتم التكفير عن الخطية اللي احنا قلنا عليها “غير محدودة” اللي توارثها أولاد آدم من آدم]
وهنا، من الذي قال أن عدم موت الله يعني أن “مجرد إنسان واحد فقط هو الذي مات على الصليب”؟ ما علاقة هذه بتلك؟ محمود داود يربط دائما الذي لا يرتبط بعضه ببعض! ويحاول أن يحصرك في خيارين في فهمه هو وليس لهما دليل! فعدم موت الإله ليس معناه موت الناسوت منفصلا عن اللاهوت. بل معناه ان تأثير الموت قد كان على الناسوت وحده، لأنه من صفات الناسوت وليس اللاهوت، لكن في نفس الوقت، هذا الناسوت الذي مات كان متحدًا باللاهوت الذي لا يموت، وتأثير اللاهوت هنا هو إعطاء موت الناسوت وفداؤه للعالم صفة اللامحدودية في الخلاص. لذلك فلا يلزم موت اللاهوت (الذي لا يموت أصلا) لكي يكون هناك فداء غير محدود، بل يلزم فقط أن يكون اللاهوت متحدا بالناسوت وقتما مات الناسوت.
يقول محمود ما معناه أن [المسيحي سيعترض ويقول أن الله لا يموت لأنه روح] فيرد عليه محمود ويقول له، أن كلامك صحيح، ولهذا أخذ الإله جسدا لكي يموت الإله.
وهذا الكلام صحيح إن كان محمود يفهم كلمة “الإله” هنا بمعنى “الناسوت المتحد باللاهوت” أي أن تأثير الموت قد كان على الناسوت وهو متحد باللاهوت. أما إن كان يفهمها بمعنى أن اللاهوت قد مات والناسوت قد مات، فهو فهم طفولي ساذج. ثم عرض محمود داود كلام لأخ يوسف رياض يناقض كلامه، ويرد في جملة واحدة على كل ما سيقوله محمود في هذا الفيديو، حيث يسأل الأخ يوسف رياض ويقول [لو كان الله ممكن يموت، يبقى إية لزوم التجسد؟] فهذا السؤال الاستنكاري لم يفهمه ميمو على الإطلاق. فمقصد الأخ يوسف هو أن اللاهوت لو كان ممكنا أن يموت فما كان تجسد، فكان قد مات هو (أي اللاهوت) ولهذا، فقد أخذ اللاهوت ناسوتًا لكي يموت هذا الناسوت وهو متحدا به.
إلا أن محمود قد فهم هذا الكلام بفهم كوميدي، فقد فهم كلامه هذا بمعنى أن اللاهوت قد إتخذ ناسوتًا لكي يموت اللاهوت مع موت الناسوت!! فهل قال أحد هذا الكلام؟ فهذا الفهم ظاهر السقم، إذ يتهم اللاهوت بأنه عاجز عن الموت إلا بمساعدة الناسوت! فلا أعرف، ما فائدة السنوات التي أفناها محمود في فهم عقيدة المسيحيين وهو بهذا المستوى العلمي الضحل والذي يجعل كلامه أقرب إلى السخرية عنه إلى العقيدة!؟
وبسبب تكرار سوء فهمه لكل الاقتباسات التي جاء بها، سنقوم بإدراج مقاطع صوتية من كلامه كاقتباسات ثم يعقبها الرد عليها، وبداية من أول مقطع صوتي سيتضح مستوى فهمه لما يقرأه وسنقوم بالرد عليه، أما بقية الاقتباسات والردود فستكون مكررة بناء على ما سيقوله في نفس الفكرة، فيستطيع القارئ أن يكتفي بالاقتباس والتعليق القادمين فقط منعا للتكرار.
يقول ميمو:
والرد:
أولاً: أثبتنا جهل محمود داود بالعقيدة المسيحية في مسألة “عبادة الجسد” في هذا الموضوع تفصيلًا: https://www.difa3iat.com/48079.html
ثانيًا: عندما يقول المسيحي أن المسيح مات على الصليب بالجسد، فهو لا يكون يقول أن هذا الجسد منفصل عن اللاهوت أثناء الصلب والموت، بل أن اللاهوت متحد بالناسوت منذ اللحظة الأولى للحبل المقدس وحتى الآن بلا افتراق مطلقًا. فهناك فارق كبير في اللاهوت المسيحي بين تأثير وقوع فعل ما على الناسوت فقط مثلاً، وبين أن نقول أن هذا الناسوت منفصلًا عن اللاهوت. فكلمة “فقط” هنا لا تعني الانفصال، بل تعني ان هذا الفعل هو من أفعال هذه الطبيعة.
ثالثًا: مشكلة محمود في هذا الفيديو كله أنه لا يعتقد أن الإتحاد بين الطبيعتين يؤدي إلى تأثير الفعل على الطبيعتين، بمعنى، أنه طالما أن الناسوت متحد باللاهوت، فيكون الموت قد أثر في الناسوت فأماته، وأثَّرَ في اللاهوت أيضًا وأماته. وإلا سيفهم أن هناك إنفصال!!!، فمحمود واقع بين خطأين كلاهما مرفوض في العقيدة المسيحية، الأول هو تأثير الفعل الواحد في الطبيعتين، والثاني هو التأثير في الطبيعة الواحدة يعني الانفصال، فهو يتأرجح بين هذا الفهم وذاك، وكلاهما خطأ كما بينّا وسنبين. ولهذا ستجد كل الاقتباسات التي أتى بها تتكلم عن الوحدانية ومع ذلك يقول كاتبوها بأن الموت يقع على الناسوت وليس اللاهوت! فكل هؤلاء الذين اقتبس منهم ميمو يقولون بعكس ما يفهم من أنصاف أقوالهم، فهم يقولون بالإتحاد وأيضًا يقولون بعدم موت اللاهوت وهو متحد بالناسوت الذي مات.
رابعًا: الإقتباس الذي أتى به محمود هنا يقول حرفيًا فيه البابا شنودة “نحن لا نفصل” فالاقتباس كله يتكلم عن الاتحاد والانفصال وليس عن عبادة الجسد التي لم يقولها البابا شنودة. فنجد أن اقتباس البابا شنودة من القديس أثناسيوس (لم يعط البابا شنودة مصدر الاقتباس بشكل دقيق) يقول فيه البابا أثناسيوس “نسجد له مع جسده” وليس “نسجد لجسده”، لأن غرض القديس أثناسيوس هنا أن يقول أننا عندما نسجد للمسيح فنحن لا نكون نفصل في وقت السجود بين طبيعتيه. ولم يقل البابا أثناسيوس أن شعائر العبادة “تقدم للناسوت” بل قال أن “شعائر العبادة لا تقدم للاهوت وحده دون الناسوت” فكلامه هنا يعني أن شعائر العبادة تقدم للاهوت وهو متحدا بالناسوت، ولذلك أتبع مباشرة وقال “إذ لا يوجد فصل” ولم يقل أبدا “تقدم شعائر العبادة للناسوت”.
خامسًا: يقول محمود داود “الإله المتجسد اللي كان على الصليب، مات”، وتظهر هنا مشاكل محمود مع هذا الفهم، فهو يفهم أنه طالما أن الإله المتجسد كان على الصليب، فقد أثر الصليب والموت في اللاهوت، وأثر أيضًا في الناسوت! تلك الكلمة التي لا تجد شخص محدود الذكاء والمعرفة فضلا عن غيره يقولها! لكن يفهمها محمود داود بهذا الشكل! فنعم كان المسيح بطبيعته الواحدة من طبيعتين على الصليب، لكن تأثير الصليب كما تأثير كل الأفعال البشرية الأخرى في طوال حياته الأرضية، كان تأثيرها على الجسد فقط وهو متحدا باللاهوت. فليس معنى الإتحاد أن اللاهوت يموت، بل معنى الإتحاد أن اللاهوت كان متحدا بالناسوت الذي مات. فهل يعقل ميمو؟!!
سادسًا: يقول محمود داود، موجها كلامه لنا “معبودك مات”، وكما قلنا في بداية الرد، فهذه الجملة يمكن ان يكون المقصود بها شيء صحيح، وبالتالي فهي صحيحة ويمكن أن يكون مقصود منها شيء خاطيء وبالتالي تصير هي نفسها بنفس حروفها خطأ! إذ أن غرض محمود داود منها أن يقول أن “اللاهوت المتحد بالناسوت” قد مات! وهو مما يعرف الأطفال المسيحيون بل وميمو نفسه أنه خطأ وأنَّا لا نؤمن بهذا! لكنه يلفق!
سابعًا: نعم الله لا يموت، وقد إتخذ جسداً لكي يموت هذا الجسد الذي هو جسده، ولم يمت اللاهوت مع موت الناسوت. لكن هذا الفطحل يعتقد أن اللاهوت الذي لا يموت قد إتخذ ناسوتا لكي يموت الناسوت ويموت اللاهوت! ? فالمسيحيون يعبدون الإله الحقيقي الذي لا يموت، ألا وهو اللاهوت، أما الناسوت فقد مات وهو متحدا به اللاهوت.
يقول ميمو:
والرد:
لا أعرف، لماذا يقحم محمود داود نفسه في أمور لا يعرف كيف يقرأ فيها فضلا عن فهمها. ففكرة محمود داود هنا أنه يعترض على الرد الشهير من المسيحيين والذي يقولون فيه “أن المسيح كان يأكل وينام ويتعب وووو بجسده وليس بلاهوته” فيقول محمود داود أن هذا الرد لم يقدم جديد، فكأننا نقول أن محمود داود يأكل بيده وبيمشي بقدمه ويرى بعينه!
ولا أعرف صراحة، هل كان محمود في كامل قواه العقلية في هذا الفيديو أم أنه أصابه شيء. فمحمود داود يطابق هنا بين “جسده وأعضاءه” من جانب، ومن جانب آخر بين “لاهوت وناسوت المسيح”! فما علاقة هذا بذاك؟ إن هذا المثال يختلف تمامًا عن تلك، بل لا علاقة له بطبيعة المسيح:
أولاً: أعضاء الجسد هي جزء من الجسد، فهي أيضًا جسد، لكن الناسوت ليس جزء من اللاهوت ولا الناسوت لاهوت، فلهذا تجسد الله في الأساس. فالله قد اتخذ ووحد لنفسه ناسوتًا كاملًا عاقلًا، وهذا الجسد هو ما يفعل أفعال الجسد.
ثانيًا: اليد والعين والقدم، هي أجزاء مخلوقة من الجسد المخلوق أيضًا. لكن اللاهوت ليس مخلوقًا بل أن الطبيعة الناسوتية مختلفة تمامًا عن الطبيعة اللاهوتية. بل أن الطبيعة اللاهوتية لا يماثلها ولا يقترب منها أي كائن آخر مخلوق مثل الملائكة حتى.
ثالثًا: الجسد يمكن تجزيئه وفصله وستبقى بعض الأعضاء تعمل بشكل صحيح، فالذي يفقد ذراعه يستطيع أن يسمع ويرى ويمشي، والذي يفقد رجله يستطيع أن يرى ويسمع ويمسك بالأشياء، وهكذا يمكن فصله، وهكذا إن أصاب بعض أعضاء الجسد بعض المشكلات الصحية. لكن، ناسوت المسيح لا يُفصل عن لاهوت المسيح بعد اتحاده ولا تجزئة الجسد عن اللاهوت حتى بالقطع المباشر.
رابعًا: الجسد نفسه يتكون من أعضاء متصلة بعضها ببعض، لكنها ليست متحدة جميعًا، فاليد غير متحدة مع القدم أو العين أو الأذنين مثلا. نعم الأعضاء متصلة بعضها ببعض لكنها ليست متحدة. بينما لاهوت وناسوت المسيح بينهما إتحاد، وهذا لأن اللاهوت غير محدود والناسوت محدود.
خامسًا: مقصد المسيحي دائمًا بقوله “إلهي لا يموت” أي “اللاهوت لا يموت”، فموت الناسوت وهو متحد باللاهوت لا يعني موت اللاهوت. هذا من جانب، أما من آخر، فالمسيحي بقوله هذا لا يكون قد أفشل ما فعله الله، بل أكد على نجاح خطة الله، كيف؟ لأن دور الناسوت هو الموت ودور اللاهوت هو إعطاء عدم محدودية في تأثير الفداء لكل البشر. لكن الشاب ميمو، أذكى إخوته، يعتقد أنه يجب على اللاهوت أن يموت لكي يكون هناك فداء! وهذا أمر مثير للسخرية والشفقة، فبئس الفكر!
وهناك أسباب أخرى لن يفهمها محمود فسكتُ عن تقديمها. فالفكرة العامة له هنا أن المسيحي عندما يقول هذا يكون قد حدد العضو الذي فعل هذا! وفكر محمود هذا باطل تمامًا. فالمسيحي عندما يقول هذا يقصد أن يقول لك، أن المسيح بجسده هذا هو الذي يفعل هذه الأشياء وليس اللاهوت، على الرغم من اتحاد اللاهوت به، لكن لأن هذه الأفعال ليست من أفعال اللاهوت بل من أفعال الناسوت فالناسوت معني بها دون انفصال الناسوت نفسه عن اللاهوت. ولهذا -يا ميمو– لن تجد مسيحي يقول لك أن اللاهوت قد مات، مع معرفتهم التامة أن هذا اللاهوت متحدا تماما مع الناسوت على الصليب. فالمعلومات الأولية التي يعرفها كل طفل مسيحي تقريبًا، يجهل أساسها محمود داود، ورغم ذلك يكابر بها ويطرح الأسئلة فيها. بئس الفكر!
وهنا سؤال: ألم تسأل نفسك لماذا لم تسمع أو تقرأ لمسيحي واحد يقول أن اللاهوت أكل أو شرب أو مات؟! فهنا لا نخصص أفعال الجسد لنفصله عن اللاهوت، بل ننسب أفعال الجسد له وافعال اللاهوت للاهوت، وهذا ما قاله تقريبا كل آباء الكنيسة. فليس الجسد “عضوًا” في المسيح كما أن قدمك عضو في جسدك.
يقول ميمو:
والرد:
أولا: هل لاحظتم قول البابا شنودة عن المسيح أنه “ليجعل بلاهوته الكفارة غير محدودة”؟ هل قال بموت اللاهوت المتحد بالناسوت رغم أنه يؤكد على الإتحاد ونحن معه نؤكد؟ فمشكلة ميمو الرئيسية أنه يعتبر أن طالما أن وجود اللاهوت هو أمر لازم للفداء، فيكون المقصد بوجود اللاهوت هنا، هو أن يموت اللاهوت وهو متحدا مع الناسوت! ولا يقل بهذا مجنون فضلا عن عاقل! لكن ميمو يفهم بهذا الأسلوب!
ثانيًا: هل قرأتم قول البابا شنودة “فلو تكلمنا عن طبيعتين منفصلتين وقامت الطبيعة البشرية بعملية الفداء وحدها لما كان ممكنا على الإطلاق أن تقدم كفارة غير محدودة”؟ فالبابا شنودة يتكلم هنا عن “الإتحاد” بدليل أنه نص على كلمة “طبيعتين منفصلتين” ونص على كلمة “وحدها” فهو يقصد بكلمة “وحدها” هنا، أي “الإنفصال” لكن محمود يفهم من هذا الكلام أن البابا شنودة يقول بموت اللاهوت طالما أنه متحدا بالناسوت! وعلى الرغم من أن هذا الكلام سيعرف خطأه المسلم والمسيحي، وعلى الرغم من تصريح البابا شنودة نفسه بعدم موت اللاهوت رغم تصريحه بالإتحاد بينهما، إلا أن ميمو لا يفهم هذا الكلام إلا بأن اللاهوت قد مات! فبئس التفكير وبئس الفهم!
ثالثا: هناك فارق كبير بين الإعتقاد بأن الذي كان على الصليب هو الناسوت المتحد باللاهوت، وبين ان نظن أنه مادام الذي كان على الصليب هو الناسوت المتحد باللاهوت، فقد مات اللاهوت مع الناسوت! فالأولى عقيدة صحيحة، والثانية خبل صريح! فالبابا شنودة ذكر أكثر من مرة تعبير الإنفصال، وذكر أكثر من مرة تعبير “وحدها” مشيرا إلى الإنفصال، لكنه لم يقل ولا مرة واحدة أن معنى كلامه هذا أن اللاهوت قد مات! بل أنه يؤكد حرفيا على دور اللاهوت المتحد بالناسوت الذي مات، بأن اللاهوت أعطى موت الناسوت قيمة خلاصية غير محدودة. لكن ميمو يظن أنه لكي يحدث فداء فلابد أن يموت الإله أي اللاهوت المتحد بالناسوت.
يقول ميمو:
والرد:
أولا: من قال أن الناسوت كان منفصلا عن اللاهوت عند الصليب؟ الذي يقول أن الناسوت هو الذي مات على الصليب لا يكون ينفي وحدة الناسوت مع اللاهوت في هذا الوقت، بل كل ما يقصده أن اللاهوت لم يمت رغم اتحاده بالناسوت الذي مات.
ثانيًا: نعم، الذي كان على الصليب هو المسيح رب المجد، لكن لا يعني هذا أن التعليق والتسمير والآلام والجلد كانت تؤثر على “اللاهوت” بل هذا يعني أن الذي كان على الصليب لم يكن الناسوت منفصلا عن اللاهوت. وهذا ما كان دائما في حياة المسيح وليس في صلبه فقط، فعندما أكل المسيح فهو كان رب المجد، لكن تأثير الأكل لم يكن على اللاهوت الذي لرب المجد، بل كان للناسوت الذي لرب المجد، فتعبير “رب المجد” هو توصيف لكينونة المسيح، وليس للإدعاء بأن لاهوت رب المجد – المسيح – قد مات!
ثالثا: يعترض ميمو على مقولة أن المسيح مات أو أكل أو شرب أو نام ..إلخ بالجسد، فهل لا يعرف ان الذي قال هذا هو الكتاب المقدس ذاته حرفيًا؟
1Pe 3:18 فإن المسيح أيضا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة، لكي يقربنا إلى الله، مماتا في الجسد ولكن محيى في الروح،
1Pe 4:1 فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد، تسلحوا أنتم أيضا بهذه النية. فإن من تألم في الجسد كف عن الخطية،
فإن كان الكتاب المقدس نفسه يقول هذا حرفيًا، فكيف يظن هذا الشاب ميمو أن البابا شنودة يعارض هذا؟
يقول ميمو:
والرد:
أولا: ها هو البابا بنفسه يقول “صلب بالجسد” التي كان ميمو قبلها بثوان معدودة كان يستنكر أن يقولها المسيحي! فوجد الكتاب الذي يقرأ منه يقولها بنفسه! ورغم هذا لم يلحظ خطأ فكره كله، بل كابر لكي لا يرى الحق.
ثانيًا: ها هو البابا يقولها لميمو حرفيا، فيقول “ولكن الجسد كان متحدا باللاهوت في طبيعة واحدة”، فهذا الذي قلناه حرفيا، أن الإتحاد بين الطبيعتين لا يعني أن اللاهوت قد مات، ولا أن الناسوت أصبح إله مثلا!
يقول ميمو:
والرد:
أولا: نعم بالطبع كان هو رئيس الحياة دائما، كما كان هو رب المجد دائما، لكن ما علاقة هذا أن اللاهوت قد مات؟ نحن كمسيحيين نقول دوما أن المسيح هو الله، ونقول دوما أن المسيح مات، فهل يعني هذا أن اللاهوت المتحد بالناسوت مات؟ لا يقول بهذا إلا الميمو!
ثانيًا: ميمو لا يفرق بين إطلاق اللقب على الملقب به، وبين وقوع التأثير على الطبيعة التي من خواصها التأثر بالتأثير. ولكي نحاول ان نقيم عقل ميمو من موته بعد ان مات وأنتن، سنضرب مثال قد أعطاه الآباء، وهو الحديد المحمى بالنار، فالحديد المحمى بالنار به هنا (مجازا) طبيعتين متحدتين (مجازا)، والطبيعتان هما الحديد والنار، فعندما نطرق على الحديد فالذي يتأثر هو الحديد فقط وليس النار، لأن من خواص الحديد التأثر بالطرق، أما النار فليس من خواصها التأثر بالترك، فعلى الرغم من اتحاد الحديد بالنار (مجازا) إلا أن هذا لا يمنع أن تتأثر طبيعة واحدة (وهي متحدة بالأخرى) بتأثير الفعل، ألا وهو الطرق. هكذا في المسيح (مع الفارق) فإن الطبيعتان متحدتان، ولكن يقوم الناسوت بالتأثر بالأفعال التي من شأنه التأثر بها، مثل النمو والنوم والأكل والشرب والتعب …إلخ، ولا يتأثر اللاهوت بكل هذا، رغم اتحاده به.
ثالثا: تعبير “وليس الجسد فقط” لا يعني “بل اللاهوت مات معه” بل يعني بكل وضوح “أن اللاهوت كان متحدا به وهو (أي الناسوت) يموت”. فلا نعرف كيف يفهم ميمو، إن كان يفعل!
يقول ميمو:
والرد:
أولاً: لم يكن الناسوت وحده (أي منفصلا عن اللاهوت) هو الذي على الصليب، لكن كان الناسوت وحده هو المتأثر بفعل الموت. ووجود اللاهوت متحدا بالناسوت أعطى لموت الناسوت عدم محدودية في التأثير.
ثانيًا: لم يكن الإنسان وحده هو الملقى للآلام، بل كان متحدا بهذا الإنسان -الذي تأثر وحده بالآلام- اللاهوت الذي لا يتألم.
يقول ميمو:
والرد:
أولاً: فيديو محمود داود كله قائم على فكرة واحدة، وهي أن اللاهوت، وهو الإله والمعبود، قد تألم، وها هو البابا شنودة يرد على كل كلام محمود داود الذي حاول التدليس عليه، فرد عليه بكلمات صريحة وقال: حقًا إن اللاهوت غير قابل للآلام! وهنا نسأل محمود داود ونقول له: إن كان اللاهوت قبل التجسد أو بعد التجسد غير قابل للآلام، فما المشكلة في تألم الناسوت وهو متحد باللاهوت؟!! فالفيديو الخاص به كله يلف ويدور حول هذه النقطة أن المسيحيين يعبدون الإله الذي مات! وقد أوضحنا في بداية الرد كيفية الرد على هذه الكلام.
ثانيًا: اقتبس محمود داود تقريبا كل الأجزاء التي تكلم فيها البابا شنودة في كتيب “طبيعة المسيح” عن مسألة الإتحاد، وهذا الجزء الذي سمعتموه أعلاه، جاء بعده كلام هام، وقد إقتبس محمود الكلام السابق له، واقتبس أيضا الكلام التالي له، لكن لم يقتب الكلام الموجود بينهما، ترى لماذا؟ الأمر بسيط! لأن الكلام الموجود بين هذا الكلام وذاك الذي اقتبسهما محمود، ينقض كل ما قاله محمود، ويقول البابا شنودة فيه بكل ما رفضه ميمو مشنعًا على المسيحيين قولهم! فصفعه البابا شنودة بشكل حرفي وصريح وواضح! وللتوضيح سأعرض كلام البابا شنودة في هيئة صورة:
فهل رأيتم كيف أوضح البابا شنودة، الذي يقول بالإتحاد تمامًا مثلما نقول نحن، كيف أنه رغما عن ذلك، ينفي تألم اللاهوت مع تألم اللاهوت؟ فلأن الكلام يدينه ويهدم كل ما حاول ان يكذب به علينا، فقد اقتبس ما سبق وما تلى هذا الموجود في منتصف الصفحة! فيا للكذب والتدليس!
ثالثًا: نعم، يمكن نسب الفعل للمسيح، وهذا ما يفعله فعلا يوميًا، فنقول إن المسيح مات، ونحن نعرف ان المسيح هو طبيعة واحدة من طبيعتين هما اللاهوت والناسوت، ومع ذلك فهذا النسب لا يعني ان اللاهوت مات! بل يعني أن الإتحاد يجعلنا ننسب كل الأفعال للمسيح بلا فصل في طبيعتيه.
رابعًا: وهي الطامة الكبرة والتي توضح أن محمود يهرف بما لا يعرف، فقد قال نصًا بالحرف الواحد [هو أه، اللاهوت ده أصلا مابيتألمش بس أخذ جسد عشان يدي لنفسه إمكانية أنه يتألم” والهاء، هنا في كلمة “نفسه” هي ضمير يعود على كلمة “اللاهوت” التي ذكرها ميمو في كلامه، فمحمود داود يعتقد أن اللاهوت قد أخذ جسد لكي يعطي الجسد للاهوت إمكانية أن يتألم اللاهوت! هل تصورتم مدى الجهل والقبح الذي يعشش في عقول هؤلاء! هكذا يفهم واحد من قدامى المهاجمين للمسيحية عقيدتها! لا يفهم شيء ولا يعرف شيء عنها! فبدلا من ان يعرف أن اللاهوت قد أخذ ووحد له الناسوت لكي بإتحاده بالناسوت الذي سيموت يعطيه عدم المحدودية في الفداء، لا، هو تخيل أن الجسد أعطى للاهوت إمكانية الموت! فهو يعتقد ان اللاهوت لم يكن له إمكانية الموت لكن بالاتحاد أصبح اللاهوت يموت وقد مات! يا لجهل هؤلاء!
يقول ميمو:
والرد:
يمكن ان ينسب للاهوت فقط بإعتبار أن الناسوت كان متحدا باللاهوت، ولا يعني هنا موت اللاهوت! فكما أننا نقول أن المسيح مات، ولا نقصد موت لاهوته، هكذا ننسب الموت للمسيح وهذا هو مقصد البابا شنودة بالطبع. فالبابا شنودة قد قال هذه العبارة مباشرة بعد النص الذي لم يجرؤ محمود أن يقتبسه، فهو يكمل كلامه بعدما قال بأن اللاهوت لا يموت ولا يتألم ..إلخ، بأن هذا الفعل يمكن فقط أن “يُنسب” بسبب الاتحاد.
يقول ميمو:
والرد
إن هذا المثال لهو دليل على عدم فهم محمود لما يقرأه! لأن هذا المثال هو دليل ضد ما يريده محمود، فأقصى ما يمكن فهمه من هذا المثال هو أن الروح لا تموت ولكن فقط الجسد، ولكن لأن الروح والجسد متحدتان في إنسان واحد، فقد اعتاد البشر ان يقولوا ان هذا الانسان مات. فإن كان هؤلاء الناس يعرفون ان الروح لا تموت، وأن اللاهوت لا يموت، فما المشكلة في موت الناسوت فقط، وهو متحدا باللاهوت؟! أغريبٌ هو موت الجسد؟ أغريبٌ هو موت الناسوت؟!
يقول ميمو:
والرد:
أولاً: نعم، لا يصلح إنسان فقط أن يتمم الفداء، وإلا لكان قام به أي إنسان آخر أو نبي. لكن لابد أن يتحد الله بهذا الإنسان لكي يعطي لموت الإنسان خاصية التأثير غير المحدود للفداء. فمن الذي يقول أن الإنسان فقط هو الذي تمم الفداء؟ بل نقول أن الناسوت واللاهوت معا تمما الفداء، فالناسوت مات واللاهوت اعطى لموت الناسوت تأثير غير محدود في الفداء والغفران والخلاص. وهكذا، وهكذا فقط تمم كل من اللاهوت والناسوت المتحدان عملية الفداء، وليس معنى هذا الكلام بالطبع أن اللاهوت مات، بل دور الناسوت معروف ودور اللاهوت معروف أيضًا.
ثانيًا: لماذا لا يحاول محمود ان يأتي بقول لأحد الآباء يقول فيه ان اللاهوت قد مات على الصليب؟ أو أن اللاهوت المتحد بالناسوت قد مات؟ أو أن بموت الناسوت قد مات اللاهوت؟ إلخ، ببساطة، لأن المسيحية لا تقول بما يريده محمود داود! فما كان له طريق سوى القص واللصق وتحريف الكلم عن مواضعه لأغراضه الخبيثة!
يقول كائن الميمو:
والرد:
أولاً: ها هو البابا شنودة يقول حرفيًا “مع أنه مات على الصليب بالجسد” وهذه العبارة هي بحروفها التي يرفضها محمود داود ويطلب من المسيحيين عدم قولها وهو بنفسه يقرأها بنفسه من الكتيب الذي يقرأ منه!
ثانيًا: هذا الشاب ميمو لا يفرق بين كون المسيح مات على الصليب بالجسد، وبين أن الناسوت متحد باللاهوت وقت الصلب والموت! فإن كان لا يفهم الفارق بين العبارتين وهو كبعد المشرق عن المغرب، فكيف يخوض في أمر كهذا؟
ثالثًا: حسنا، مللنا من كثرة التكرار، فنريد أن نسأل محمود، فإن كان الابن المقصود هنا هو اللاهوت، فلماذا لم يقل البابا شنودة او أي أب من آباء الكنيسة أن اللاهوت مات؟! ميمو لا يفرق بين اللون الأبيض والأسود! فكيف نشرح له؟!
يقول ميمو:
والرد:
ولعدم التكرار، نقول: نعم، من خلق الإنسان بلاهوته مات بناسوته المتحد بلاهوته عندما تجسد، فما المشكلة؟ ألم نشرح لك أن الإتحاد لا يعني أن الجسد يخلق ولا أن اللاهوت يموت؟! متى يتعلم هؤلاء مبادئ الفهم فضلا عن الفكر فضلا عن مبادئ المسيحيية؟! فعندما حدث الإتحاد لم تنتقل خواص اللاهوت للناسوت ولا خواص الناسوت للاهوت، فلم يصبح اللاهوت يموت لانه متحد بالناسوت الذي يموت، بل ظل اللاهوت لا يموت، ولم يصبح الجسد غير محدود أو خالقًا لأنه متحد باللاهوت غير المحدود والخالق، بل صار للمسيح له المجد صفات الطبيعتين معًا مع عدم انتقال صفات طبيعة لأخرى.
يقول ميمو:
والرد:
نفس الخطأ السابق، الخالق باللاهوت مات بالناسوت المتحد به، فلأن المسيحي له اللاهوت الكامل الخالق، فهو “الخالق” ولأنه بعدما تجسد مات، لم يفقد لاهوته صفة “الخالق” بل ظل هو الخالق. لكن بجسده الذي مات أصبح لجسده صفة الموت. فما الصعوبة في أن يتخيل المرء منا أن للمسيح طبيعتين، لكل واحدة منهما صفات، وبالتالي فالمسيح يحمل صفات الطبيعتين معا، فنستطيع أن نفهم أنه يغفر الخطايا وأنه يموت أيضًا، فالذي يغفر الخطايا بلاهوته يموت ناسوته وهو متحدا بلاهوته. الغريب أن محمود داود الذي لم يفهم كلام البابا شنودة أو كلام المسيحيين، ذهب لمن؟ للبابا أثناسيوس لكي يجد ضالته عنده! وهذا وحده يعد من الخبل، ولسوف نقتبس من القديس أثناسيوس في نفس ذات الكتاب الذي استشهد منه محمود لنريكم كيف أنه لا يفهم عندما يقرأ:
يقول البابا أثناسيوس:
وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفَذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد، الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تُبيد النار القش. (تجسد الكلمة 8: 4 – الطبعة الخامسة)
وإذا لم يكن ممكنًا أن يوقف الفساد إلاّ بالموت، أخذ الكلمة جسدًا قابلاً للموت. وإذ اتحد الكلمة بالجسد أصبح نائبًا عن الكل، وباشتراك الجسد في عدم موت الكلمة أُوقف فساد الجنس البشرى. ولكونه فوق الجميع فقد جعل جسده ذبيحة لأجل الجميع ولكونه واحدًا معنا ألبسنا عدم الموت. تشبيه لإيضاح هذا. (تجسد الكلمة 9: 0– الطبعة الخامسة)
فلقد أدرك الكلمة جيدًا أنه لم يكن ممكنًا أن يُقضى على فساد البشرية بأى طريقة أخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير الممكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يصبح جديرًا ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به. ومن ذلك الحين فصاعدًا يُمنع الفساد من أن يسرى في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات. لذلك قَدّم للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدّسة وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر. (تجسد الكلمة 9: 1– الطبعة الخامسة)
وفى الحقيقة، إن هذا العمل العظيم هو لائق بدرجة فائقة بصلاح الله. لأنه إذا أسس مَلِك منزلاً أو مدينة ثم بسبب إهمال سكانها حاربها اللصوص، فإنه لا يهملها قط، بل ينتقم من اللصوص ويخلّصها لأنها صنعة يديه وهو غير ناظر إلى إهمال سكانها، بل إلى ما يليق به هو ذاته. هكذا وبالأكثر جدًا فإن كلمة الآب كلّي الصلاح، لم يَتَخَل عن الجنس البشري الذي خُلق بواسطته، ولم يتركه ينحدر إلى الفناء. بل أبطل الموت الذي حدث نتيجة التعدي، بتقديم جسده الخاص. ثم قوّم إهمالهم بتعاليمه، وبقوته الخاصة أصلح كل أحوال البشر. (تجسد الكلمة 10: 1– الطبعة الخامسة)
فها هو القديس أثناسيوس بنفسه، والذي يقتبس منه محمود دون أن يفهم ما يقوله القديس أثناسيوس، فهو يقول أن الكلمة “قدم جسده” للموت، وأن الجسد الذي مات كان متحدا باللاهوت (الكلمة) الذي لا يموت، وبقيّ الجسد الذي مات في عدم فساد بسبب اتحاده بالكلمة (اللاهوت). فإن كان القديس أثناسيوس يقول أن الجسد الذي مات فعلا لم يتعرض للفساد بسبب اتحاده بالموت، فكيف يعتقد أشخاص مضطربين العقل، أن اللاهوت نفسه بسبب إتحاده بالناسوت قد مات اللاهوت معه؟ ألا يُعد هذا دليلاً على جهل هؤلاء وعدم فهمهم للكلام؟!
يقول ميمو:
والرد:
نفس الخطأ، نعم يمكننا نحن المسيحيين أن نقول أن الله مات لأننا، نحن، متأصل فينا المفهوم الصحيح لهذا التعبير، أن الله بلاهوته عن طريق إتحاده بناسوت بشري إنساني، قد مات هذا الناسوت وهو متحدا باللاهوت، دون أن يمس هذا اللاهوت وهو متحدا بالناسوت أي تأثير من موت الناسوت، فلم يمت اللاهوت مع موت الناسوت المتحد به. لكن أنت بهذا التفكير الساذج، تعتقد أن قولنا “الله مات” يعني، أن اللاهوت بفعل اتحاده بالناسوت، فقد مات معه. وهذا ما نفاه المطران يوسف ريا نفسه الذي تنقل منه حيث قال:
لقد أعلن آباء المجمع أمرين هاميّن: الأمر الأوّل هو أنّ اتّحاد الله بالجسد البشريّ هو اتّحاد حقيقيّ في صُلب الطبيعة، به اتّحدت طبيعة الله بطبيعتنا البشريّة؛ والأمر الثاني هو أنّ هذا الاتحاد بين الألوهيّة هو اتّحاد من نوع خاصّ، بحيث لا تسيطر طبيعة على أخرى ولا تغيّرها. فالطبيعة الإلهيّة تبقى إلهيّة، والطبيعة البشريّة تظلّ بشريّة، ومع ذلك فالاتّحاد هو في تمام الكمال. فالمسيح هو معاً إله تامّ وإنسان تامّ. وهذا الاتّحاد الخاص بين الألوهيّة والبشريّة يجعل ما هو بشريّ يصير، بنعمة من الله، ما اللهٌ عليه بالطبيعة.
الأمر الأوّل يؤكّده القدّيس بولس بقوله: “في المسيح يحلّ كلّ ملءِ اللاهوت جسديّاً” (كو 2: 9).
لا تتغير في طبيعة المسيح الإلهيّة ولا صيرورة. لا انتقال للطّبيعة من نوع إلى آخر. فإنّ شخصَ “كلمة” الله، الأقنومَ الثّاني من الثّالوث الأقدس، باتّخاذه الطبيعة البشريّة، بقي إلهاّ كما كان منذ الأزل وكما سيبقى إلى الأبد. ولكن في الوقت نفسه كان في جسد حقيقي، وصار شريكاً لنا في اختباراتنا البشريّة. لذلك يمكننا القول حقّاً إنّ الله تجسّد، وإنّ الله وُلد وعطش وجاع، وإنّ الله تألّم ومات وقام، وإنّ الله صعد إلى السماوات.
فبفعل التجسد والاتحاد بين الطبيعتين صار الفعل كله منسوبًا لله، لكن ليس معنى هذا أن الفعل يؤثر في طبيعتي الله المتحدتان في طبيعة واحدة. فاللاهوت الذي كان لا يموت ولا يتعب ولا يأكل ولا يشرب ولا يحزن ولا يفرح. بقيّ كما هو بنفس هذا الصفات عندما تجسد، فلم يمت لأنه متحدا مع ناسوت يمكنه الموت، بل بقيّ كما هو لا يموت حتى في اتحاده مع الناسوت الذي يمكنه الموت.
ففارق كبير جدًا بين أن تقول “الله مات” معتقدا أن اللاهوت مات مع موت الناسوت، وبين أن تقول ذات العبارة بمعنى أن الجسد الذي اتخذه اللاهوت وجعله جسده الخاص قد مات وهو متحدا بهذا اللاهوت. فالمسيحي عندما يرفض عبارة “الله مات” يكون، في الحقيقة، رافضًا للمفهوم الأول وقابلًا للمفهوم الثاني. فيمكن للمسيحي القبول ورفض ذات العبارة حسب ما يفهم منها، أو بحسب ما يعرف أن السائل يفهم تلك العبارة بمفهوم معين.
يقول ميمو:
والرد:
هذا الكلام صحيح فعلا، فالكتاب يقول “كأنه” ويقول أيضًا “نستطيع أن ننسب”. فهذه الألفاظ تدل دلالة واضحة، حتى للأعمى، أن هذه الأمور هي على سبيل الإنساب وليس على سبيل التأثير، فبسبب الإتحاد نقول اليوم أن المسيح (الذي نقول أنه الله) نقول أنه مات، ولا يعني أيً منا أن اللاهوت الذي في المسيح مات. بل لأننا نعرف أن الإتحاد هو اتحاد حقيقي، فيمكن ان نقول أن المسيح (الله) مات، ونحن نعرف أن المقصود أنه مات بجسده وهو متحدًا باللاهوت. فلا مشكلة في هذا الكلام إن فُهِمَ بشكل صحيح، أي ليس كما يحاول أن يفهم ميمو بالطبع.
يقول ميمو:
والرد:
لا تعليق سوى تكرار الكلام السابق بنقاطه وحروفه وكلماته. فالله يصح أن نقول إنه مات إن كان المقصود هو الموت بحسب الجسد كما قال الآباء. تمامًا مثلما يقول اليوم المسلمون أن الله استوى على العرش وهم لا يقولون ان الله يستوي (يجلس) كما يجلس الإنسان على كرسي. ويقولون ان لله ساق ويد وقدم ووجه، وهم يقولون إن ليست هذه الأوصاف كما يفهمها البشر عن البشر أو عن أي مخلوقات أخرى. فمع قولهم بألفاظها إلا أن ما يقصدونه منها ليس هو ما يطرأ على العقل في البداية من أن هذا الاستواء يفعله كل انسان يوميًا تقريبًا. وأن يد الله كيدنا، وأن قدمه كقدمنا، او ساقه كساقنا، وأن وجهه كوجهنا.
فلا مشاحة في الاصطلاح إن كانت المعاني واحدة، لكن عندما يكون الفهم لهذا المصطلح مختلف بين واحدٍا والآخر، فهنا يجب أولا تحرير المصطلحات في الحوار ثم البناء عليها. ويكون المصطلح خاطئ بهذا المفهوم الذي يفهمه الآخر بشكل خاطئ ويظل صحيحة عند من يفهمه بشكل صحيح.
يقول ميمو:
والرد:
أولاً: نعم نستطيع الرد، وهذا الرد يعرفه القديس مار إسحق السرياني تلقائيًا، فإن الكون قد إظلم وحجاب الهيكل قد إنشق لأجل موت جسد المسيح وهو متحدا بلاهوت المسيح، وليس لأجل موت اللاهوت. الغريب ظان محمود أكمل كلام مار إسحق الذي يقول فيه “ولو أنه إنسان، فمن الذي احتمل السياط وبمن غرست المسامير”، فعندما يفرق القديس مار إسحق بين الإتحاد وبين تأثير الفعل على طبيعة دون الأخرى، فعندما تكلم عن الإتحاد قال “فلماذا إظلمت الشمس؟” وهذا لأن الذي مات كان جسد الله الخاص المتحد به اللاهوت، وعندما تكلم عن تأثير الفعل على الطبيعة، تكلم عن “الإنسان” وقال “ولو أنه إنسان” أي “وإن لم يكن إنسانًا” فهنا يتكلم عن الناسوت، فعندما تكلم عن تأثير المسامير والسياط، تكلم عن الناسوت لأنه المتأثر وحده بالمسامير والصلب والجلد والموت إلخ. فمحمود داود يقرأ ولا يفهم ما يقرأه عندما يقرأ!
ثانيًا: نعم، لم يكن الجسد وحده على الصليب! ومن قال هذا؟! هل أزدك من الشعر بيتا؟ ولا كان الجسد وحده في رحم العذراء مريم ولا كان في أي لحظة الناسوت وحده من بعد لحظة الإتحاد! فلم يكن الناسوت وحده حين كان يأكل أو يشرب او يجوع او يعطش أو يبكي …إلخ، فالناسوت متحد تمامًا مع اللاهوت. ألم تقرأ أنت بنفسك أن ناسوته لم يفارق لاهوته لحظة واحدة ولا طرفة عين؟ ألا تفهم ما تقرأه وما تقوله أيضًا؟ فمسألة عدم إنفصال الجسد عن اللاهوت محسومة، إذ لم يفارق اللاهوت الناسوت أبدا، لا عند الصليب ولا بعده، ولا من بداية الاتحاد. لكن هذا لا يعني أن اللاهوت يتم تعليقه، ففعل التعليق، كما فعل الموت، والاكل والشرب والعطش والتعب والنوم، لهي أفعال بشرية خاصة بالناسوت فقط وكانت تؤثر في الناسوت ققط مع اتحاد هذا الناسوت مع اللاهوت.
ثالثًا: هناك فارق كبير، بين الذي تم تعليقه على الصليب، وبين اتحاد أو إنفصال ذلك الجسد الذي عُلق على الصليب باللاهوت الذي يملأ الزمان والمكان وغير الزمان وغير المكان. فعدم وحدانية الناسوت وهو على الصليب لا تعني ان اللاهوت تألم مع آلام الناسوت على الصليب. الغريب أن الشاب ميمو قرأ عبارة “فلم يكن الله يتألم بدون الجسد” وفهمها أن اللاهوت يتألم مع الجسد، وهذا فهم نكون قد كرمناه لو دعيناه بالفكر الساذج، إذ هو ليس فكرًا بل قيئ فكري! فكلام الكتاب هنا عن يرتكز على كلمة “بدون” أي “منفصلا” عن هذا الجسد، فالله لا يمكن أن يتألم، أما وقد صار له جسدًا خاصًا، فقد صار نسب آلام الجسد له بفعل ان هذا الجسد له. كما أننا نقول اليوم أم فلانا قد مات ونحن نعرف أن روحه لم تمت في حقيقة الأمر، لكن نُسب الأمر كله للإنسان لأن ما نراه هو جسده الذي مات وكان متحدا بروحه التي لم تمت.
يقول ميمو:
والرد:
إن العجب العجاب، وسود السواد، لهو في عقل ميمو! هذا الشاب صار بمقدوره أن يفهم، بشكل كامل ما ينفيه الكلام الذي يقرأه بحذافيره! “فالنص أمامه يقول “فإذا شاء أن يموت تجسد” ثم يفهم هذه العبارة أن اللاهوت قد مات على الصليب مع موت الناسوت!
ويقرأ عبارة “لولا أن رآه الموت متجسدا لخاف أن يقترب منه”، فالعبارة توضح ما هو أبعد وأسمى وأرقى من موت الناسوت، بل تقول أن الموت نفسه لولا أنه رأى الله متجسدا، أي رأى جسده، لخاف أن يقترب منه لأنه لولا التجسد لكان هو فقط لاهوت، فالموت كان سيخاف أن يقترب من رئيس الحياة والذي لا يموت، لكن لأنه اتخذ جسدا ورأى الموت هذا الجسد فإقترب منه.
فكيف يظن محمود أن الموت الذي كان سيخشى الإقتراب من اللاهوت، قد تمكن من اللاهوت فعلًا وقتله مع موت الناسوت؟ المشكلة ان محمود يظن أن اللاهوت لم تكن له إمكانية الموت، ثم أصبح لهذا اللاهوت إمكانية الموت عندما أخذ جسدًا واتحد به، فلا يفهم من هذا محمود أن الناسوت هو الذي يموت مع اتحاد اللاهوت به، بل يفهم ان خواص اللاهوت قد تغيرت وأصبح يموت لأنه متحد بالناسوت الذي يموت.
والأغرب أن هذا الشخص يقرأ بنفسه [فمحرومٌ من يفصل اللاهوت عن الجسد” ثم بدلا من أن يفهم من هذا أن الموت أثر على الجسد وهو متحدا باللاهوت، يفهم أن بهذا الإتحاد مات اللاهوت مع الناسوت!
يقول ميمو:
والرد:
لا أحد من العارفين يتشكك، إذ نعرف أن الإله قد مات بجسده وليس بلاهوت بينما بقي لاهوته غير مائت. الغريب والعجيب أن محمود يقرأ بنفسه المثال “لما يموت شخص فلا يقال إن جسده مات، ومع أن نصفه لم يذق الموت، يقول عارفوه أن فلانا لم يمت” فالمثال نفسه يقول حرفيا أن “نصفه لم يذق الموت”، أي – مع الفارق- اللاهوت لم يذق الموت! فهذه هي الفكرة التي يدور حولها محمود طوال الفيديو، ان اللاهوت قد تعرض للموت بشكل ما!
لأنه لو لم يكن يقصد هذا فلا مشكلة في موت الناسوت، أو في تسمية أن الله مات بناسوته، أو أن الله مات والمقصود أن جسده الشخصي قد مات وهو متحد باللاهوت. فلا يناقش محمود في الاصطلاح بل في فحواه ومعناه، والمعنى ترفضه كل الكتب المسيحية بل وكل المسيحيين، العارفين وغير العارفين! ومع ذلك يظن أننا نؤمن به ولا يفهم ما يقرأه.
يكرر محمود فكرته المغلوطة بأن الإله قد إتخذ جسدا لكي يعطي نفسه إمكانية الموت، ويقصد هنا بكلمة “الله” أي “اللاهوت” فهو يظن أن اللاهوت لم يكن له إمكانية الموت ثم بتجسده صار اللاهوت يموت عن طريق اتحاده بالجسد! وهذا سخف صافي، إذ أن اللاهوت قبل وبعد التجسد ليس له خاصية الموت، فالموت هو فعل لا يؤثر في الموت، تمامًا كما لا يمكن إبتلال الماء، ولا إحراق النار. فهذا الإله الواحد المتجسد قد ضُرب على جسده لأن اللاهوت لا يُضرب بل لا يُدنى منه، فكيف يُضرب؟ فكل هذه التعبيرات عندما ينسبها العاقلون لله، فإنما يقصدون تأثيرها على جسده فقط دون لاهوته.
يقول ميمو:
والرد:
كل هذه الأوصاف يقصد بها ناسوت الإله المتجسد وليس لاهوته، فالديان قد دانوه في الجسد، وغير المائت قد مات في الجسد، وغير المتألم قد تألم في الجسد ..إلخ، فهنا يتم نسب هذه الأفعال لله بإعتبار أن هذا الجسد هو جسد الله، وليس إلى اللاهوت. فمحمود لا يجيد التفريق بين الإتحاد والإختلاط.
يقول ميمو:
والرد:
إن الغباء صفة، أما الاستغباء فهي موهبة، نحيي محمود عليها وعلى تفانيه في اثباتها لنا. الحاضرون أجابوا بـ”لا” بسبب المفهوم الذي يرفضونه، ألا وهو موت اللاهوت، ولم يقصد الأنبا رافائيل أن “الله كلاهوت مات” بدليل أنه نفسه قال جزء من الليتورجيا المكملة لهذه الليتورجيا الأولى، فالليتورجيا الأولى تقول “آمين آمين آمين بموتك يا رب نبشر”، والليتورجيا الثانية تقول “يا من ذات الموت بالجسد” وبعدها قال التقديسات:
قدوس الله قدوس القوي قدوس الحي الذي لا يموت، الذي صلب عنا، إرحمنا. فبلاهوته هو لا يموت، وبناسوته قد صلب عنا. فها هما التعبيران يأتيان في نفس السطر لكن محمود يشدد على كونه لا يفهم. والأنبا رافائيل بنفسه يقول “تشرحها له وتقول له [يا من ذاق الموت بالجسد]” فالذي لا يموت بلاهوته قد مات بناسوته. فالمسيحيون يعدون الإله الحقيقي الذي لا يموت ولا قبل التجسد ولا بعد التجسد. ولا يعبدون آلهه وثنية كان العرب يعبدونها.
ولبيان كيف أن محمود لا يفهم كلام من يسمعه، نجعل الأنبا رافائيل نفسه يخبره بأنه لا يفهم:
في هذا الفيديو سنجد الأنبا رافائيل يؤكد على عدم موت اللاهوت وعدم تأثره بالموت مطلقًا على الرغم من إتحاده بالناسوت الذي مات.
يقول ميمو:
والرد:
وهنا، ولوهلة، أفاق ميمو من غفلته بعد كل هذا القيء الذي تقيأهُ، وبدأ يشعر أنه بالفعل، الأباء المسيحيين لا يقولون أن اللاهوت مات، أو ان الله مات بلاهوته، أو أن الله مات بلاهوته مع ناسوت، أو ان الله مات بلاهوته المتحد بلاهوته، فأراد أن ينفي أن قولنا “الله مات” هو مجرد قول لا يدل على “موت اللاهوت”، فبدلا من أن يعطي دليل يدل على هذا، فقال: طب إزاي؟ مستنكرًا! هذا الميمو يقول لنا نحن المسيحيين: طب إزاي! فقد نسى فجأة أن الآباء مجمعون ان اللاهوت لا يموت وأنه منذ بداية الفيديو قد سلك الطريق الخطأ بإستغفال متابعيه بأن يوهمهم أن الإتحاد يعني موت اللاهوت والناسوت معًا!
ثم أعطى ميمو مثال، وقال: محمود مابيطيرش، لكن اخذ الطيارة عشان تدي له إمكانية الطيران. وهذا المثال خاطيء من وجوه:
أولًا: محمود يتغير، أما اللاهوت فلا يتغير، فإن كان اللاهوت لا يموت، فهو لا يموت أزلًا وأبدًا، وليس أنه كان لا يموت ثم أصبح بالاتحاد يموت! فهذا خرف صريح!
ثانيًا: في هذا المثال، محمود فعلا لم يطر، فمحمود نفسه لم يطر، بل طارت الطائرة وهو على متنها، فهل محمود نفسه طار؟ الحقيقة لا، لكن يمكننا ان نقول ان محمود طار إلى دولة أمريكا، لأنه ركب الطائرة التي تطير، وليس معنى ان محمود ركب الطائرة التي تطير، أن محمود نفسه أصبح يطير كما الطير بأجنحة! وهذا المثال نطبقه (ولو من بعيد) على اللاهوت، فاللاهوت لا يموت، لكن أخذ الجسد لكي يموت الجسد المتحد به اللاهوت فيكون الجسد الذي مات قد قدم فداء غير محدود بفعل اللاهوت غير المحدود المتحد به. لكن اللاهوت نفسه لم يمت.
ثالثًا: أن الجديد في أن محمود سافر أمريكا بالطائرة، هو أن محمود نفسه لم يطر، ولم يتحول إلى طائرة، ولا أخذ صفات الطيران من الطائرة الت ركبها وطارت به. هكذا اللاهوت (نسبيا) فإنه وحد لنفسه جسدا، جعله جسده الخاص، وعن طريق هذا الجسد الذي مات، فدى اللاهوت البشرية. ولم يتحول اللاهوت إلى ناسوت أو أخذ صفة الموت التي هي للناسوت الذي مات. فكما ان محمود لم يتحول إلى طائرة ولم يكتسب منها صفاتها، هكذا اللاهوت لم يتحول إلى ناسوت ولم يتخذ منه صفاته.
يقول ميمو:
والرد:
أولًا: يا للضحك! محمود داود يحذر المسيحيين من الوقوع في هرطقة! ذلك غير المسيحي يخشى على المسيحيين الوقوع في الهرطقة وهو منغمس برأسه فيها.
ثانيًا: يمكن فهم عبارة “الله لم يمت، والذي مات هو مجرد جسد دون الله، جسد فقط بدون الله” بمعنيين وليس بمعنى واحد. فالمعنى الأول هو أن اللاهوت لا يموت، وأن الذي أثر عليه تأثير الموت ومات هو فقط الناسوت وهو متحدا باللاهوت. وها المعنى صحيح، إذ أن اللاهوت لا يموت والذي يموت هو كل مخلوق، وهنا المخلوق هو الجسد. فاللاهوت لا يموت لكن الجسد هو الذي مات وهو متحدا به. أما المعنى الثاني، فهو الفصل بين الطبيعتين عند موت الناسوت، فمن قصد أن اللاهوت كان منفصلا عن الناسوت عند موت الناسوت، فهذه هي الهرطقة، وأكبر من هذه الهرطقة هي القول بأن اللاهوت قد مات عندما كان متحدا بالناسوت! فهذه هرطقة الهرطقات، وهو ما يفهمه ميمو!
ثالثًا: وفهم ميمو هذا لا علاقة له بهرطقة نسطور من قريب أو من بعيد. فهرطقة نسطور كانت تفصل بين الطبيعتين، كما فهم ميمو نفسه وقال هذا نصًا، فهل نحن عندما نقول إن اللاهوت لم يمت فنكون نفصل اللاهوت عن الناسوت؟ إذن فانت بقولك إن الله مات في المسيحية تعتقد أننا نقول أن اللاهوت قد مات مع الناسوت! وهي مزحة جيدة! ولهذا كان تأكيد الكنيسة الجامعة أن الوحدة بين الطبيعتين هي وحدة حقيقية ودائمة ولا ينتج عنها الاستحالة أو التغيير أو الامتزاج. لكن ما يفهمه ميمو هذا لهو من الخبل المحض.
يقول ميمو:
والرد:
أولاً: محمود بنفسه قال أن هرطقة نسطور تتلخص في أنه فصل بين الطبيعتين، وهذا لا يقل به أي مسيحي. إذن فقد عرفنا من هنا أن لا أحد منا يقول بفصل الطبيعتين، وأن محمود يتخذ من الهرتلة سبيلا للكلام والفهم. فلا من يقولون أن الله مات يقصدون الفصل بين الطبيعتين، ولا من يقولون انه لم يمت يقصدون الفصل بين الطبيعتين.
ثانيًا: هل معنى حرم الكنيسة لنسطور أن الكنيسة تقول أن اللاهوت قد مات؟ فنسطور يقول أن اللاهوت لا يموت ولم يمت، وهكذا تقول الكنيسة ان اللاهوت لا ولم ولن يمت، فهل هذا يعني أن إيمان الكنيسة هو نفسه إيمان نسطور؟! بئس الغثاء الفكري!
ثالثًا: إن مشكلة نسطور تكمن في انه فصل بين الطبيعتين، حتى أنه كان يظن أنه عندما كان الناسوت على الصليب لم يكن اللاهوت متحدا به وقت موت الناسوت. وليس أن اللاهوت لم يمت مع الناسوت، فيكون أن رد الكنيسة عليه هو إعتراف منها بموت الناسوت واللاهوت معًا! فهذا خبل! فبسبب الفصل بين الطبيعتين، ظن نسطور أن اللاهوت قد فارق الناسوت ولم يعد متحدا به عند آلامه (أي آلام الناسوت)، وبهذا لا يمكن أن نقول -نتيجة الفصل- أن الله مات. بل أن الجسد وهو منفصلا عن اللاهوت قد مات. وهكذا كان يظن في ميلاد المسيح، فقد ظن أن العذراء لم تلد إلا ناسوتًا مجردًا، وليس ناسوتًا متحد باللاهوت. وعلى هذا فلم يدعوها بوالدة الإله لأن الذي ولدته ليس هو الناسوت المتحد باللاهوت، بل الناسوت فقط.
يقول ميمو:
والرد:
أولًا: ماذا يقصد هذا الشاب بكلمة “الإله المتجسد بأكمله”؟ فالإله لا يتجزأ لكي يكون له “أكمله”! ألم يجف لساننا ونحن نقول أن الناسوت متحد مع اللاهوت؟ فإن كان هذا ما يقصده ميمو بتعبيره الصبياني “الإله المتجسد بأكمله” فليس معنى إتحاد الطبيعتين أن كلا الطبيعتان قد ماتتا. بل يعني هذا أن الطبيعتين كانا في حالة اتحاد حقيقي أثناء موت الطبيعة الواقع عليها فعل الموت، ألا وهو الناسوت.
ثانيًا: المسيحي يقول “الله مات بالجسد” ولا يقول “جسد الله كان منفصلا عن اللاهوت عند الموت” فميمو يمارس مغالطة رجل القش، يخترع عبارات لا يقولها المسيحي، ويخترع عقائد لا يؤمن بها المسيحي، ثم يرد عليها! فنحن نعبد الإله المتجسد لأن هذا الإله المتجسد طبيعته الواحدة هي طبيعة من طبيعتين، أحدهما اللاهوت الذي نعبده، لكن ونحن نعبد اللاهوت لا نفصل عنه الناسوت المخلوق. ولا يعني هذا عبادتنا للجسد أو للناسوت، بل نحن نعبد خالق هذا الناسوت.
يقول ميمو:
والرد:
خطأ، فمن يقول إن الناسوت فقط هو الذي مات يقصد أن فعل الموت قد أثر فقط في الناسوت. وليس أن الناسوت كان وحده أي منفصلا عن اللاهوت عند الصلب والموت. فهذا الذي يقوله نسطور، وليس أن الموت قد أثر على اللاهوت فمات اللاهوت. فلا نسطور يقول هذا ولا الكنيسة تقول بهذا. ونحن نشكر الله أن نسطور واريوس وهؤلاء المهرطقين العظام قد ماتوا ليتركوا لنا هؤلاء الكائنات البرفهمية التي لا تقرأ، وإن قرأت لا تفهم، وإن فهمت فتنسى ما قرأته وما فهمته وتعود لجهلها الأول.
أما عن تكفير الخطيئة، فقد تم بإعطاء اللاهوت غير المحدود، الفداء غير المحدود من موت الناسوت المحدود. ولا يستلزم موت اللاهوت غير المحدود.
يقول ميمو:
والرد:
الإله، أي اللاهوت، لم يتخذ جسدا لكي يموت اللاهوت به، بل لكي يموت هذا الجسد وهو، أي اللاهوت، متحدا به. وبذلك تتحقق الكفارة غير المحدودة. فمشكلة فهمك – إن جاز لنا أن ننعت هذا الخبل الذي تفهمه فهمًا- أنك تفهم أن اللاهوت جلس يفكر، ويقول في نفسه أنا لا يمكنني الموت، ثم بعد تفكير مضنٍ، قال لنفسه: وجدتها! سآخذ جسد لأتمكن من الموت (أي موت اللاهوت) وهذا لا يقل به مجنون فضلا عن عاقل. ولهذا تقله أنت.
يقول ميمو:
والرد:
خطأ، فلم يكن الناسوت مجرد أداة أو وسيلة، بل كان ناسوته الخاص الذي وحده مع طبيعته اللاهوتية. هذا أولاً، أما ثانيًا: فاللاهوت لم يمت عن طريق الناسوت، بل اللاهوت كان متحدا بالناسوت الذي مات. وبهذا يحدث الفداء. وبهذا لا يكون معبودنا، اللاهوت، مات وصلب. اللهم إلا لو تقول أن المسيح هو معبودنا عاملاً بمبدأ الإتحاد الذي جف لساننا من القول به في هذا ا لملف وغيره. فمعبودنا لم يمت، إلا بناسوته، أما لاهوته فلا يموت.
يقول ميمو:
والرد:
هنا وصل ميمو إلى الذروة في الكلام الفارغ! فكيف أن جملة “الله لا يموت” تديننا؟ فالإله قد إتخذ جسدا لكي بموت هذا الجسد وهو متحدا به يكون قد فدانا، فظل الإله كلاهوت لا يموت بينما كان متحدا بالناسوت الذي له الموت. فهذا هو الإله الذي لا يموت وهذا هو الذي نعبده.
فجملة “الله لا يموت” تدينك أنت، فنحن نعبد إله إتخذ جسد لكي يموت هذا الجسد وهو متحدا به، وليس أنه أخذ جسدا لكي يموت اللاهوت بهذا الجسد. بل أن نسب الموت لله هو بفعل موت جسده فقط وهو متحدا بلاهوته وليس بفعل موت الله كلاهوت، فحاشاه الذي يعطينا الحياة أن يموت. فهذا هو الإله الذي لا يموت الذي نبعده، كما قال الأنبا رافائيل بنفسه الذي استشهد به، أننا نقول في صلاتنا “قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت”، فانت تستشهد بمن يناقض فكرتك ثم تفهم كلامه بشكل معكوس.
فبالطبع سيظهر هذا الفهم أنه غير عقلاني وغير منطقي، لأنه فهمك أنت وحدك وليس فهمنا نحن. فأنت قد حكمت في الحقيقة على فهمك لما قرأته وليس على ما قرأته، وهي شهادة في محلها إذ أنك لو تملك العقل لفهمت ما قالوه وقرأته وسمعته ورأيته. لكن ماذا نقول؟ إنها تعمى القلوب!
يقول ميمو:
والرد:
وهذا الكلام خاطيء، إذ أن الآب أو الإبن أو الروح القدس ليس لهم صفة الموت، سواء إن تجسدوا أم لا، فالذي تجسد ليس هو “جزء من اللاهوت” فاللاهوت لا يتجزأ، فكلامك هذا يدل أنك تحتاج أن تتعلم مبادئ العقيدة المسيحية التي يعرفها الأطفال، لا أن تكابر فيما لا تحسن فهمه. فاللاهوت هو الذي تجسد، وليس جزء منه أسمه الإبن مثلاً. ونحن نعبد هذا اللاهوت الذي هو الآب والإبن والروح القدس. فمشكلة محمود أنه يظن أننا نعبد ثلاثة آلهه، أحدهم تجسد، والآخران لم يتجسدا، ونحن نعبد هؤلاء الثلاثة وهذا الجسد! بئس الفهم!
مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟
هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء
هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء
هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – الرد على محمود داود
بين يدينا اليوم فيديو لمحمود داود، يتكلم فيه عن أمور دقيقة جدا في اللاهوت، واللافت أن محمود داود وسط الأداء التمثيلي الهابط الذي يقدمه لا يدقق فيما يقرأ فلا يفهمه. فاليوم يتكلم محمود داود عن تغير الإله في المسيحية، كيف؟ تتلخص فكرة محمود ببساطة (حسبما يقول هو) أن الإله كان آب وابن وروح قدس في العهد القديم، ثم أصبح آب وابن وجسد الابن، وروح قدس.
ومن هنا فالإله قد طرأ عليه تغييرًا، فالجسد الذي اتخذه يسوع المسيح كجسده الخاص يعتبره محمود داود إضافة في ذات الله، وعليه، فالمسيحية تؤمن بتغير الإله. وبعيدًا عن السخرية المستحقة من كلامه، سنقوم بإيجاز الرد في البداية، ثم سنرد بتفصيل بعدها.
عرض محمود داود فكرته تصاعديًا، فبدأ بإثبات عقائد مسيحية معروفة مثل أن جسد المسيح مخلوق وأن قانون الإيمان في عبارته “مولود غير مخلوق” تخص اللاهوت وليس جسد المسيح. لذا فسنتجاوز على الأمور التي لم يخطئ فيها خطًأ كبيرًا لنركز فقط على فكرته الأساسية متغاضين عن صغائر الأخطاء التي ارتكبها.
الرد الموجز
نتفق معه أن جسد المسيح مخلوق، ونتفق معه أن اللاهوت غير مخلوق، وأننا نحن المسيحيون لا نعبد الجسد. لكن يعود ميمو (هكذا هو لقبه) ليؤكد على وحدة الناسوت واللاهوت ليؤكد أننا نعبد “اللاهوت” + “الناسوت”، وهذا أول خطأ بسيط يقع فيه، إذ أنه بعد التجسد لا يوجد “جسد” منفصل عن اللاهوت لكي يكون أو لا يكون هناك عبادة للجسد. فنحن نقول إن المسيح هو الله، وليس هذا بمعنى أن “الناسوت” هو الله باعتباره من طبيعة المسيح الواحدة بعد الإتحاد.
فهذا فهم لا فهم فيه. فعبارة “نسجد له مع جسده” مثلا، لا تعني أننا نسجد للاهوته ونسجد لناسوته، إذ أنه بعد التجسد أصبحت الطبيعتان طبيعة واحدة.
فخطأ محمود داود هنا هو أنه ربط بين الإتحاد والامتزاج والاختلاط بين الطبيعتين. فبعد التجسد اتحدت الطبيعة اللاهوتية بالطبيعة البشرية لكن لم تختلط أو تمتزج أي منهما مع الأخرى. بل ظل الجسد يقوم بأفعاله كجسد، حيث كان يأكل ويجوع ويعطش ويتعب وينام، وظل اللاهوت يقوم بأعماله كلاهوت، فعبارة “نسجد له مع جسده” تشير إلى أننا بسجودنا لا نفصل جسد المسيح عن لاهوته لأنهما في اتحاد دائم إلى الآن، ولكن أيضًا لا يعني هذا أننا نعبد الجسد كما قال الآباء الذي اقتبس محمود منهم ولم يفهم كلامهم.
الجزء الثاني في الفيديو الخاص به، يتعلق بتغير الله، حيث أنه يفترض أن طالما الله قد تجسد فقد تغير. فقد أضيف لله جسد، وبالتالي فقد تغير من حالة “عدم وجود جسد” إلى “وجود جسد” مع لاهوته. هذا العبث الفكري الذي يقدمه ذلك الشخص لا يمكن توصيفه إلا أنه عبث محض. فالتغير يكون إما بالتحول الجزئي أو التحول الكلي.
فالتحول الجزئي والكلي يكونا بأن طبيعة الله، أي اللاهوت، تغيرت بدرجة ما أو تحول تمامًا من حالة اللاهوت إلى حالة أخرى. وهذا لم يحدث، فلم تتغير طبيعة الله لا جزئيًا ولا كليًا. فاللاهوت لم يتحول إلى ناسوت، ولا اختلط اللاهوت بأي عنصر خارجي، مثل الناسوت أو خلافه.
فظل اللاهوت (الله) كما هو بالضبط كما كان قبل التجسد. فالتجسد هو اتخاذ جسد انساني بشري لكي يظهر به الله للبشر محدودي القدرات. فلكي نقول إن الله تغير بالتجسد، فعلينا أن نحدد ما الذي كان قبل التجسد ثم نبحث فيه هو نفسه هل اختلف عن سابقه أم لا. وبالطبع المسيحية لا تقل أن الناسوت قد غير في صفات او طباع اللاهوت ولا قد اختلط به ولا امتزج معه ولا حده فأصبح محدودا بالجسد ..إلخ. فما هو التحديث الذي طرأ على اللاهوت (الله)؟
يقول ميمو أن اللاهوت قد اتحد مع جسد، وهذا صحيح، لكنه يتناسى أن اللاهوت عندما اتحد مع الناسوت لم يتغير اللاهوت ولا اختلط ولا امتزج ولا تحول إلى ناسوت! فقط ظل نفس اللاهوت لاهوتا. وللعجب، فهذا قرأه نصًا ميمو ولم يفهمه، أو حاول أن يظهر أنه لم يفهمه كما يظهر من الفيديو.
الرد
عبادة الناسوت – هل يعبد المسيحيون الناسوت؟
اتفقنا مع محمود في أن ناسوت المسيح مخلوق، وأن لاهوته غير مخلوق بل مولود من الآب قبل كل الدهور. واتفقنا معه أن للمسيح طبيعة واحدة من طبيعتين هما الناسوت واللاهوت. لكن يبدأ الاختلاف عندما يساوي محمود بين عبارتي “المسيحيون يعبدون طبيعة الله الواحدة” وبين عبارة “المسيحيون يعبدون اللاهوت والناسوت”. فالعبارة الأولى صحيحة والعبارة الثانية خاطئة، أو لنقل أنها غير واضحة المعنى لقصد قائلها فيجب سؤاله عما يقصده بها أولا لكي نقر بصحتها من عدم صحتها.
لكن الفهم الذي يقدمه محمود في هذه العبارة هو الفهم الخاطئ لها. فمحمود يظن أننا نعبد اللاهوت، ونعبد الناسوت. وهذا خطأ لسببين: الأول: أن بعد الإتحاد لا نعود نتكلم عن الناسوت منفصلا. الثاني: أن المسيحيون لا يعبدون الناسوت (المخلوق).
فمثلاً، إن موت المسيح على الصليب كان بجسده المتحد بلاهوته، فعلى الرغم من اتحاد الطبيعتان إلا أننا لا نقول أبدا أن اللاهوت (الذي هو من الطبيعتين) قد مات، على الرغم من أنه متحدا مع الناسوت. فالفارق شاسع بين القول إن المسيح يعبدون المسيح لأن المسيح لاهوت متحد بناسوت، وأن نقول إن المسيحيون يعبدون الناسوت لأنه من طبيعتي المسيح المتحدتين.
فهناك فارق بين أن نقول باتحاد الطبيعتين، وأن نقول بتناقل صفات الطبيعتين بينهما، أو نقول بتغير إحدى هاتين الطبيعتين إلى الطبيعة الأخرى بحيث تقوم مقامها وتفعل أفعالها. فالمسيح عندما يخلق، يخلق بلاهوته وليس بناسوته، على الرغم من ان ناسوته متحدًا به، لكن فعل “الخلق” هو من أفعال اللاهوت. وهكذا كل أفعال الناسوت، فهي تنسب للناسوت المتحد للاهوت دون أن تؤثر أي من هذه الأفعال على اللاهوت.
فخطأ محمود داود هنا أنه لا يفرق بين لفظة الإتحاد، وألفاظ الاختلاط والامتزاج والاستحالة، فيعتبر أن طالما حدث اتحاد، فإن صفات كل طبيعة قد اختلطت مع صفات الطبيعة الأخرى وتبادلاً. وها خطأ. فعبارة “إننا نعبد اللاهوت مع الناسوت” يجب فهمها كالتالي: “إننا نعبد اللاهوت الذي هو متحد مع الناسوت” وليس “إننا نعبد اللاهوت والناسوت”.
المسيحيون مشركون لأنهم يعبدون أقنوم تجسد وأقنومين لم يتجسدا
مشكلة محمود داود أنه يظن في نفسه أنه يفهم عقيدة المسيحية بهذه الطريقة الصبيانية في القراءة! ولهذا يقع في مشاكل عقلية قبل أن تكون لاهوتية. هنا، نجد فكرة ميمو أن المسيحي هو شخص مشرك، لماذا؟ لأنه يعبد إثنين غير متجسدين وهما الآب والروح القدس، ويعبد الابن الذي هو متجسد! فهؤلاء ثلاثة وليس واحدًا!
المسيحيون لا يعبدون ثلاثة آلهة، بل إله واحد فقط، وهذا الإله الواحد هو ثلاثة أقانيم. وبما ان المسيحيون لا يعبدون الناسوت، فلا علاقة لكون المسيح متجسدًا أم لا، فقبل التجسد كان اللاهوت الواحد (الذي هو نفسه للآب والابن والروح القدس) وبعد التجسد أيضًا لم يتغير شيء، فقد بقيَّ اللاهوت الواحد (الذي هو نفسه للآب والإبن والروح القدس)، فالذي تغير هو الزمن وظهور الله لنا، فالله بعدما كان لاهوتًا لا يرى، أصبح لنا لاهوتيا مرئي بواسطة شخص المسيح.
لكن بقي الله (اللاهوت) كما هو تمامًا. وهنا يكمن خطأ محمود داود اللاهوتي أنه اعتقد ان الآب له لاهوت وحده منفصل، والروح القدس له لاهوت وحده منفصل، والابن له لاهوت وحده منفصل عن الآب والروح القدس، بل ومتجسدًا.
أي أن لاهوت الابن قد انفصل عن لاهوت الآب والروح القدس أو هو “جزء” من اللاهوت “الكلي”، وهذا الجزء من اللاهوت (المسمى “الابن”) قد اتحد بالناسوت. وهذا فهم مغلوط، لو عرضته على محمود نفسه سيرفض أن يقع هو نفسه في هذا الفهم الطفولي الساذج جدًا. فمحمود يعرف ان عقيدة المسيحيين لا تؤمن بأن هناك “جزء” في اللاهوت، وأن الآب له كل اللاهوت، والابن له كل اللاهوت والروح القدس له كل اللاهوت، وليس لأي منهم جزء من اللاهوت.
فعندما تجسد الابن، كلاهوت كامل كان معبودًا، بهذا اللاهوت الكامل الذي هو متحدا في كل وقت وغير وقت مع الآب والابن. وهذا كله منبني على خطأه الأول، أنه افترض أن هناك تغييرًا قد حدث للاهوت عندما تجسد، وقد رددنا على هذا الخطأ.
كيف نعبد المسيح وهو يدخل الحمام؟!
لا أعرف، هل أفاق محمود داود من نومه فوجد في رأسه هذه الأفكار البلهاء؟ ففكرة محمود داود هنا، أن المسيحي كيف يعبد إنسانًا كاملاً، وكأن محمود لم يكن يعرف هذا منذ سنوات طويلة! فدخول الحمام أو الأكل والشرب والنوم والتعب والبكاء.. إلخ، لهي من أفعال الجسد! وهذه الأفعال لا مشكلة فيها كلها إذا ما نُسبت لإنسان طبيعي حقيقي كامل مثل المسيح، فمشكلة محمود داود وكثير من المعترضين أمثاله، أن لديهم حول في عقولهم!
تجدهم ينسبون الأفعال البشرية التي لناسوت المسيح، للاهوت، ثم يقول لك: كيف “تعبد” (وهو الفعل الخاص باللاهوت) من كان يأكل ويشرب ويتعب وينام ويدخل الحمام؟ وفي نفس الوقت تجدهم ينسبون الأفعال اللاهوتية التي للاهوت المسيح، للناسوت، ثم يقول لك: كيف للجسد أن يغفر الخطايا؟ كيف لهذا الجسد أن يحد اللاهوت؟ كيف لهذا الجسد أن يكون هو الله! فلعن الله التغابي!
فالمسيح له طبيعة واحدة من طبيعتين، هما اللاهوت والناسوت، ولكل طبيعة منهما صفاتها، فمن صفات الناسوت الأكل والشرب ودخول الحمام والتعب والنوم والحزن والفرح .. إلخ، وليس في هذا عيب طالما أنهما من صفات الناسوت التي لكل شخص فينا. لكن العيب كل العيب في أن نختلق مشكلة من لا شيء ونقول إن هذه الأفعال منسوبة للاهوت الذي يعبده المسيحيون! فمن قال هذا!؟ نحن نعبد اللاهوت، وهذا اللاهوت متحدًا بالناسوت الذي له كل هذه الصفات من أكل وشرب ونوم وجوع وتعب وبكاء وفرح ..إلخ.
يزيد مقدار التغابي هنا، عندما يقول محمود أننا لدينا الآب والروح القدس وهما لا يأكلان ولا يدخلان الحمام! فنقول له: صدقني ولا الإبن كلاهوت يأكل ويشرب ويدخل الحمام! فما الجديد! فكل أقنوم كلاهوت لا يفعل هذه الأفعال ليست لأنها مشينة، بل لأنها ليست من صفات طبيعته اللاهوتية.
رد محمود داود على عبارة “المسيح يأكل بجسده”
لا أعرف، لماذا يقحم محمود داود نفسه في أمور لا يعرف كيف يقرأ فيها فضلا عن فهمها. ففكرة محمود داود هنا أنه يعترض على الرد الشهير من المسيحيين والذي يقولون فيه “أن المسيح كان يأكل وينام ويتعب وووو بجسده وليس بلاهوته” فيقول محمود داود أن هذا الرد لم يقدم جديد، فكأننا نقول أن محمود داود يأكل بيده وبيمشي بقدمه ويرى بعينه!
ولا أعرف صراحة، هل كان محمود في كامل قواه العقلية في هذا الفيديو أم أنه أصابه شيء. فمحمود داود يطابق هنا بين “جسده وأعضاءه” من جانب، ومن جانب آخر بين “لاهوت وناسوت المسيح”! فما علاقة هذا بذاك؟ إن هذا المثال يختلف تمامًا عن ذلك، بل لا علاقة له بطبيعة المسيح:
أولاً: أعضاء الجسد هي جزء من الجسد، فهي أيضًا جسد، لكن الناسوت ليس جزء من اللاهوت ولا الناسوت لاهوت، فلهذا تجسد الله في الأساس. فالله قد اتخذ ووحد لنفسه ناسوتًا كاملًا عاقلًا، وهذا الجسد هو ما يفعل أفعال الجسد.
ثانيًا: اليد والعين والقدم، هي أجزاء مخلوقة من الجسد المخلوق أيضًا. لكن اللاهوت ليس مخلوقًا بل أن الطبيعة الناسوتية مختلفة تمامًا عن الطبيعة اللاهوتية. بل أن الطبيعة اللاهوتية لا يماثلها ولا يقترب منها أي كائن آخر مخلوق مثل الملائكة حتى.
ثالثًا: الجسد يمكن تجزيئه وفصله وستبقى بعض الأعضاء تعمل بشكل صحيح، فالذي يفقد ذراعه يستطيع أن يسمع ويرى ويمشي، والذي يفقد رجله يستطيع أن يرى ويسمع ويمسك بالأشياء، وهكذا يمكن فصله، وهكذا إن أصاب بعض أعضاء الجسد بعض المشكلات الصحية. لكن، ناسوت المسيح لا يُفصل عن لاهوت المسيح بعد اتحاده ولا تجزئة الجسد عن اللاهوت حتى بالقطع المباشر.
رابعًا: الجسد نفسه يتكون من أعضاء متصلة بعضها ببعض، لكنها ليست متحدة جميعًا، فاليد غير متحدة مع القدم أو العين أو الأذنين مثلا. نعم الأعضاء متصلة بعضها ببعض لكنها ليست متحدة. بينما لاهوت وناسوت المسيح بينهما إتحاد، وهذا لأن اللاهوت غير محدود والناسوت محدود.
وهناك أسباب أخرى لن يفهمها محمود فسكتُ عن تقديمها. فالفكرة العامة له هنا أن المسيحي عندما يقول هذا يكون قد حدد العضو الذي فعل هذا! وفكر محمود هذا باطل تمامًا. فالمسيحي عندما يقول هذا يقصد أن يقول لك، أن المسيح بجسده هذا هو الذي يفعل هذه الأشياء وليس اللاهوت، على الرغم من اتحاد اللاهوت به، لكن لأن هذه الأفعال ليست من أفعال اللاهوت بل من أفعال الناسوت فالناسوت معني بها دون انفصال الناسوت نفسه عن اللاهوت.
ولهذا -يا ميمو- لن تجد مسيحي يقول لك أن اللاهوت قد مات، مع معرفتهم التامة أن هذا اللاهوت متحدا تماما مع الناسوت على الصليب. فالمعلومات الأولية التي يعرفها كل طفل مسيحي تقريبًا، يجهل أساسها محمود داود، ورغم ذلك يكابر بها ويطرح الأسئلة فيها. بئس الفكر! وهنا سؤال: ألم تسأل نفسك لماذا لم تسمع أو تقرأ لمسيحي واحد يقول أن اللاهوت أكل أو شرب أو مات؟! فهنا لا نخصص أفعال الجسد، بل ننسب أفعال الجسد له وافعال اللاهوت للاهوت. فليس الجسد “عضوًا” في المسيح كما أن قدمك عضو في جسدك.
المسيح كان طفلاً صغيرا فهل تعبدون هذا الطفل الصغير
بالطبع كل هذه الأسئلة ما هي إلا سؤال واحد بكلمات مختلفة، وكلها ناتجة عن خطأ واحد. فالمسيحيون لا يعبدون ناسوت الطفل الصغير ولا الرجل الكبير، لأنهم لا يعبدون هذا الناسوت الذي يطرأ عليه التغيير، بل اللاهوت الذي لا يتغير والذي هو متحدًا بهذا الناسوت، فاللاهوت لا يصغر ولا يكبر في تغير المراحل الزمنية لجسد المسيح.
فإن كانت حتى الروح البشرية المخلوقة للإنسان لا تكبر ولا تصغر مع نمو الإنسان، بل تظل هي نفسها روحه، فكم بالأكثر اللاهوت الذي له صفة عدم المحدودية وعدم التغير؟ حاول أن تتعلم أبجديات العقيدة المسيحية يا ميمو!
كيف تسجد لمن كان يسجد؟ الأفضل أن تسجد لمن كان يسجد له السيح!
فكرة محمود داود هنا هي أن المسيح كان يسجد للآب، فلماذا نحن نسجد للمسيح؟ الأفضل أننا نسجد للآب الذي كان يسجد له المسيح! والإجابة المباشرة لهذا السؤال الساذج: هذا فعلا ما نفعله! فنحن نسجد للآب فعلاً! فالسجود للاهوت الذي هو الآب والإبن والروح القدس. فسجودنا للمسيح ليس بإعتباره جسدًا، بل لأنه له ذلك اللاهوت الكامل الذي للآب وللروح القدس أيضًا. فالسجود للاهوت.
الإله قبل وبعد الميلاد
يقول ميمو أن الإله كان قبل الميلاد آب وإبن والروح القدس، بيما بعد الميلاد أصبح آب وإبن وجسد وروح قدس! الآن تأكد أن ميمو لم يكن في وعيه عندما سجل هذا الفيديو! فالإله في العهد القديم كان الآب والإبن والروح القدس، وفي العهد الجديد ظل هو نفسه ولم يتغير، فهو الآب والإبن والروح القدس! أما الناسوت فلم يغير في طبيعة اللاهوت شيء، فظل اللاهوت كما هو وظل اقنوم الإبن كما هو تمامًا، فالتغير لا ولم ولن يطرأ على اللاهوت.
فلكي يحدث تغيرا لابد ان يكون التغيير فيه، فهل يمكن أن يخبرنا هذا الشاب ما الذي تغير في اللاهوت (الله)؟ فلكي يحدث تغير لابد ان يحدث تغيير في ذات الله نفسه، وليس في الصورة التي نراه بها. فمحمود يقول أن الإله قد طرأ عليه التغيير بالإضافة، وهذا خاطيء، إذ لكي نصف الشيء بالتغيير لابد أن يتغير هو نفسه، وليس ظهوره لنا. فلا يوجد تغير بالإضافة، لأن اللاهوت لم يضف له شيء، بل ظل كما هو، لهذا نجد التعبير اللاهوتي الصحيحة أنه “إتحد”.
أما التغيير بالإضافة فيتخيله ميمو كما لو أنك لديك كوب من الماء فوضعت فيه سكر، وخلطتهما حتى ذاب السكر في الماء، وهذا لم يحدث. فلم يذب الجسد في اللاهوت، بل بقي الجسد جسدًا وبقي اللاهوت لاهوتا ولم يتغير ولم يُغيِّر أي منها الآخر ولا للآخر. فهذا الجسد لم يضف للثالوث القدوس. والسؤال الذي يوضح هذا الأمر بجلاء: ما هو الذي طرأ عليه التغيير؟ فقبل التجسد لم يكن هناك الناسوت، فلكي يحدث تغييرا بالتجسد، فلابد أن يحدث التغيير لما كان قبل التجسد، وهو اللاهوت، فهل يقول ميمو ان اللاهوت تغير؟
الجسد تلاشى؟!
لأوكد لك عزيزي القاريء أن محمود لم يكن في وعيه سأقتبس نصا من كلامه بالعامية المصرية وأرد عليه بالعامية المصرية أيضًا. يقول ميمو:
لو حضرتك هاتقول أن الإله الإبن قبل الميلاد، مازدش حاجة عليه بعد الميلاد اللي هو الجسد المخلوق اللي حضرتك بتعبده، أنت كدا هاتقع في هرطقة وهاتقع في كفر، لية؟ لأن اللي بيقول أن جسد المسيح ده تلاشى وتم ابتلاعه كده في لاهوت الابن، دي هرطقة لواحد أسمه أوطاخي، قال ان المسيح ده أخد جسد والجسد ده تلاشى وتم ابتلاعه في اللاهوت زي نقطة خل تحطها في محيط، دي هرطقة أسمها هرطقة أوطاخي
ثواني، هو مين اللي قال أن الجسد تلاشى وان اللاهوت ابتلعه؟ مين يابني ما تنطق!! هو يا اما يكون الجسد غير في اللاهوت يا ما يكون تم ابتلاعه؟ ماينفعش يكون ولا غيّر في اللاهوت ولا تم ابتلاعه في اللاهوت؟ انت كدا ماعندكش تفكير تاني يعني؟ ده آخرك في الفذلكة؟ لا يا ميمو، ولا الجسد غير في اللاهوت ولا الجسد بلعه اللاهوت! ويبتلعه ازاي أصلا وانا عمال أقول لك ان الأفعال البشرية عملها المسيح بجسده؟
جسده اللي هو تم ابتلاعه يعني؟!! انت بتحاول تحصر الموضوع في حلين، والحلين غلط والمسيحيين مش بيقولوا الكلام ده أصلا. لكنهم بيأكدوا على عدم الإختلاط ولا الإمتزاج ولا التغيير ولا الاستحالة (التحول من اللاهوت للناسوت او العكس)، يبقى ازاي تقول للناس دي انهم يختاروا بين التغير في ذات الله والأوطاخية؟! يعني انت بتفترض رد ماحدش بيقوله عشان مش عارف ترد على المسيحيين اللي بيقولوا ان الجسد ماغيرش في الله حاجة ولا ذاب في اللاهوت؟
وبعدها قرأ كلام البابا شنودة اللي بيقول فيه [كان أوطاخي (يوطيخوس) أب رهبنة ورئيس دير بالقسطنطينية. وكان ضد هرطقة نسطور. فمن شدة اهتمامه بوحدة الطبيعتين في المسيح -وقد فصلهما نسطور- وقع في بدعة أخرى. فقال إن الطبيعة البشرية ابتلعت وتلاشت في الطبيعة الإلهية، وكأنها نقطة خل في المحيط. وهو بهذا قد أنكر ناسوت المسيح]
وعلق ميمو قائلاً [يعني ماينفعش تيجي تقول لي بعد الميلاد هو هو نفس الإله الإبن قبل الميلاد هو هو يعني مازدش حاجة]
يابني أية علاقة الكلام اللي قريته بالكلام اللي قلته ده؟! إهدأ كدا واشرب جردل لمون وقل لي، أية علاقة أن أوطاخي بيقول أن الناسوت ذاب في اللاهوت بناس مش بتقول الكلام ده أصلا وبتأكد ان الناسوت ظل ناسوتا ولم يبتلعه اللاهوت بعد التجسد؟!! انت عايز تلزق لنا فكرتك وخلاص؟
الغريب والعجيب والمضحك والمبكي في آن معا، أن محمود يقول هذه الجملة المتناقضة ذاتيًا، التي يهدم أولها آخرها [هو هو آه، نفس الطبيعة أه، بس هنا زاد بعد الميلاد حاجة جديدة اللي هو الجسد]، ويمكن نختصر الجملة كالآتي [هو هو آه، نفس الطبيعة أه، …. زاد ….] فمحود داود يقنع عقله أن [هوّ هوّ نفس الطبيعة] = [زاد]! فإن كان زاد، فلن يكن هو نفس الطبيعة التي كان عليها قبل الميلاد! وإن كان هو هو بنفس الطبيعة، فلن يكون زاد! لكن لأن عقل محمود داود يمكن أن يفهم كل شيء بشكل خاطئ فيقبل المتناقضات بكل سهولة!
عندما يقتبس الأعمى دليلًا ينقض كلامه
اقتبس ميمو من كتاب البابا شنودة الصورة التالية، والتي يقول فيها البابا شنودة أنه لم يحدث تغيير، ووضح كلامه البابا بمثال. ورغم ذلك، قال محمود داود بعدها مباشرة أن هناك تغيير! فكل هذه الشواهد تؤكد أن محمود قد إعترى عقله سوء، فلنصلي له للشفاء لكي لا تطول حالته هذه فيتحفنا بمثل هذا المستوى من الأفكار.
مثال التيشرت
يقول محمود أن ربما يعترض شخص مسيحي ويشرح له ويقول: أنك يا محمود لم تتغير عندما تلبس تيشرت، فأنت كما أنت قبل وبعد ارتداء التيشرت! وبدلا من أن يرد محمود على هذا المثال، قال أن ليس هذا ما يتكلم فيه، فنعم محمود هو نفسه محمود قبل وبعد التيشرت، لكن محمود قبل أن يرتدي التيشرت كان عريانًا، وبعد أن إرتداه لم يصبح عريانًا، فهذا هو التغيير. ولكي لا أكرر نفس الكلام، سأعرض لمحمود قياسات على نفس هذا القياس:
- الله في الإسلام لم يكن قد خلق، ثم خلق. فهنا حدث تغيير. في ماذا؟ في عملية الخق. فقبل الخلق لم يكن قد مارس عملية الخلق، وبعد الخلق كان قد مارس عملية الخلق. فهنا يوجد تغيير.
- عندما تجلى الإله الإسلامي للجبل، حدث له تغيير، لماذا؟ لأنه قبل أن يتجلى لم يكن قد تجلى من قبل للجبل، وبعد ان تجلى فقد أصبح متجليًا للجبل لوقت ما.
- النص القرآني يقول “الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) الأنفال. ففي هذا النص نجد الظرف الزماني “الآن” ونجد أن هذا الظرف مرتبط بـ”علم” بمعنى “الآن …علم الله أن فيكم ضعف”، ولذلك خفف عليهم وأصبحت نسبة المسلمين إلى الأعداء هي 100 : 200، بعدما كانت النسبة قبل أن يعلم أن فيهم ضعف 20 : 200! فها هو نص صريح في الكلمات وصريح في النتيجة التي تغيرت بمجرد أن “علم” الإله أن فيهم ضعف فزاد العدد من 20 إلى 100 لمواجهة 200 إنسان، كنسبة.
يمكن أن نضرب أمثلة كثيرة على هذا المنوال، لأن المنطق المتبع خلف مثال ميمو خاطئ (رغم ان المثال الأخير صحيح). فإن التغير يلزمه تغيير، ويلزمه متغير من وإلى. فإن كان اللاهوت لم يتغير وبقي كما هو، فما الذي تغير فيه؟ وإن كان محمود عريانا ثم أصبح غير عريان، فهذا لا يغير في جسد ميمو شيء، فظل هو نفسه الجسد. وهكذا اللاهوت لم يتغير والفيديو الخاص بميمو كله قائم على التغيير في اللاهوت إذ أنه هو الإله. فالإنسان عندما يقود سيارته لا تتغير سيارته ولا يتغير الإنسان.
تطبيق المثال على المسيحية
يقول ميمو ما معناه [تعالوا نطبق المثال على العقيدة المسيحية، محمود لبس التي شرت وصارا واحدا، فهل كدا حصل تغيير؟ أه، لأن قبل كدا ماكنش فيه جزء من جسمه اللي هو قماش. لكن بعد كدا تم إضافة جزء جديد من جسم محمود اللي هو قماش. كذلك الإله، تم إضافة شيء جديد له، قبل الميلاد ماكنش عنده جسد مخلوق، وبعد الميلاد بقي عنده جسد مخلوق]
والتعليق هنا، هل يمثل الناسوت جزءًا من اللاهوت؟ بالطبع لا! ومحمود يعرف هذا! إذن فما الذي تغير في الإله (اللاهوت)؟ بل وهل التي شرت هو جزء من جسد محمود؟ بالطبع لا، فالتي شرت منفصل عن جسد محمود. وهكذا كل الأشياء ستجدها منفصلة عما يقصده المسيحيون بإتحاد اللاهوت بالناسوت ولا يوجد مثال يشرح هذا الإتحاد لأنه لا مثال للاهوت غير الموصوف وغير المدرك. فاللاهوت أصلا كامل الكمال المطلق، فكيف يضاف للكمال؟
فإن أضيف إليه فهو لم يكن كاملاً بدليل الإضافة! فالتي شرت ليس متحدا بمحمود، بينما الناسوت متحدا باللاهوت، وهكذا القبعة وكل الأمثلة التي يمكن وصفها ليست هي اتحادا مثل اتحاد اللاهوت بالناسوت. فكيف يقارن هذا بذاك الشاب ميمو؟
التغيير ليس التحول من حالة لحالة
هنا يقول محمود ان التغيير ليس معناه التغير من حالة لحالة، بل قد يكون التغيير بالإضافة! وهذا الكلام صحيح من جانب وخاطيء من جانب، فنعم التغيير لا يستلزم التحول كليا من حالة لحالة أخرى، لكنه على الأقل، سيكون تغير جزئي في شيء معين. وهنا نسأل، ما الذي تغير ولو جزئيًا في الإله نفسه؟ فإنه عمليا عندما تجسد لم تتغير طبيعته ولم تتغير صفات طبيعته سواء بالنقص او بالزيادة.
ثم يضرب ميمو مثالا فيقول [زي ما أقول أنا غيرت لون العربية بتاعتي، أنا غيرت اللون ماغيرتش العربية كلها، لا، مجرد الصبغة بس]، وهذا المثال يدين محمود داود من عدة زوايا:
- فإنه بتغيير لون السيارة فقد حوَّلَ اللون القديم إلى لون جديد، فما عاد اللون القديم ظاهرًا أو موجودًا بل تمت إزالته كاملًا ووُضع لون جديد تمامًا بدلا منه، فما الذي تغير في طبيعة اللاهوت وزال وما الذي حل مكانه في طبيعة اللاهوت؟
- لون السيارة ليس متحدًا بالسيارة بالكيفية التي كانت بين لاهوت المسيح وناسوته. فما علاقة المثال بطبيعة المسيح؟
- لون السيارة الجديد والقديم، يمكن محوهما كليهما، لكن ناسوت المسيح لا يمكن فصله، بل لا يمكن الحديث عنه أنه منفصلا عن اللاهوت. فما هي علاقة المثال بطبيعة المسيح؟
- السيارة قبل اللون الجديد كانت بلون قديم، بينما لاهوت المسيح لم يكن قد إتحد بناسوت قبل اتحاده، فلهذا نجد أن الناسوت ليس من أصل اللاهوت ولا جزءًا منه، بينما لون السيارة هو جزء من السيارة ولا تكون السيارة إلا بلون، حتى إن كان لون المعدن الأصلي الذي تم صناعة الجسم الخارجي منه، فعلى الأغلب كان لونه هو اللون الرمادي.
المسيحيون يقولون وزينة الشباب يرد عليهم!!
يعرض هنا الشاب اللقطة ميمو كلام المسيحيين، ثم يحاول الرد عليه، فسنعرض كلامه ثم نرد عليه.
يقول ميمو، أنه ربما يأتي مسيحي ويقول إننا يا محمود نقول إن لاهوت المسيح اتحد بناسوته بلا تغيير. فيرد ميمو عليه ويقول: أنكم يا مسيحيين إنما تقولون هذا لأنه لا اللاهوت أصبح ناسوت ولا الناسوت أصبح لاهوت! بل كل طبيعة أصبحت محتفظة بالطبيعة التي عليها، أي أن الناسوت ظل ناسوتًا، واللاهوت ظل لاهوتًا، لكن نشأ ما بينهما علاقة اتحاد، لذلك حضرتك بتقول “بلا تغيير” أي: لا توجد طبيعة تغيرت للطبيعة الأخرى. فهذا معنى “بلا تغيير”.
إن محمود داود وهو بهذا المستوى الـصفري من المعرفة والمنطق، يظن في نفسه أنه يصحح للمسيحيين بل يعرفهم إيمانهم! هزُلت! فرحماك يا أريوس! فإنه الآن فقد خرِب مجال الهرطقات اللاهوتية إلى الحد الذي دعى ميمو لتعريف المسيحي عقيدته!
للرد نقول:
أولاً: إن هذا الشاب الذي لم يأت مثله، ميمو، قد عرض بنفسه الصورة السابقة من كتاب البابا شنودة والتي يصف فيها أحد أنواع التغيير المقصود وهو ألا تتغير خواص أي طبيعة من الطبيعتين، ولم تفقد أي طبيعة أي خاصية مما كانت لها قبل الإتحاد، ويقول نصًا: أنه لم يحدث تغيير في اللاهوت ولا في الناسوت بإتحادهما. ومع ذلك يقول ميمو بحدوث تغيير! عنزة ولو طارت! فميمو يستشهد بكتاب يشرح المقصود بالتغيير ثم يتعامى عما في الكتاب ثم ينفيه، ومع ذلك يثبت ميمو التغيير ولا يذكر تعريف هذا الكتاب للتغير المقصود!
ثانيًا: التغيير الذي شرحه ميمو هو نوع واحد من التغيير الذي يقصده المسيحيون، ألا وهو التحول، وهو من ضمن الذي لم يحدث ولكن ليس كل ما لم يحدث، فالتغيير بكل صفاته واشكاله وصوره ومفاهيمه لا تحدث في حق اللاهوت. فلا الناسوت واللاهوت تحول كل منهما إلى الآخر، أو إلى طبيعة أخرى، ولا تغيرت صفات طبيعة منهما إلى صفات أخرى، ولا زاد عليها صفات أخرى في الطبيعة نفسها ولا أُزيلت صفات من الطبيعة نفسها.
ثالثًا: المسيحيون يقولون حرفيًا “بلا اختلاط ولا امتزاج ولا استحالة ولا تغيير”، فالتحول الكامل من طبيعة إلى أخرى هو مما يقول به المسيحيون وليس هو كل ما يقصدونه من هذا التغيير، ولهذا نقول “استحالة ولا تغيير” وليس “استحالة” أو “تغيير” فقط.
فإعتراض محمود داود الكلي كما لو كان يقول: إن الإله تغير لأنه قبل الخلق لم يكن عنده خليقة وأما بعد الخلق فصار لديه خليقة، فهذا تغيير في طبيعة الإله. فبئس التفكير!
إلى ههنا أعاننا الرب ويعين..
رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع
صلب المسيح – إزاي بعد 600 سنة المسلمين يقولوا “شبه لهم”؟ – الجزء الأول
الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع
المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح
المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس
هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء
اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية ذهنية
اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية ذهنية
اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية ذهنية
أود البدء بلمسة من التاريخ الشخصي؛ وأنت سرعان ما ستكتشف السبب وراء ذلك. فلدى التوقيع على كتبي للذين يلتمسون ذلك منى، دأبت لسنين طويلة أن أذيل توقيعي بالشاهد الكتابي من المزمور 71: 17، 18:
اللهم، قد علمتني منذ صباي، وإلى الآن أخبر بعجائبك وأيضاً إلى الشيخوخة والشيب يا الله لا تتركني، حتى أخبر بذراعك الجيل المقبل، وبقوتك كل آت.
افتكرت لبعض الوقت أن كلمات المرنم هذه قد تصفني إلى حد ما. إنها بكل تأكيد تعبر عن رغبة قلبي. والآن على مدى خمسة وتسعين فصلاً دراسياً، ناهيك بفترات الشتاء والصيف، وفي خمس كليات لاهوت أميركية، ونحو اثنتي عشرة كلية لاهوت دولية، علمت الإيمان المصلح وأعلنته. إلا أني لم أعلمه أو أعلنه لأن في ذلك هوايتي. كلا، فأنا لم أكن أمارس هواية، هذه السبع والأربعين سنة الأخيرة.
لكن الإيمان المصلح المدهش، والمملوء رهبة وروعة، ولئن أسلم بأنه موضوع حبي على صعيدي حياتي الروحية وحياتي المهنية كمدرس، فهو أيضاً كما أنا مقتنع، تعليم الرب الإله نفسه.
لذا بالنسبة إلي، فإن الترويج له بنعمة الله هو بمثابة شغف وإرسالية وحده، الأسفار المقدسة وحدها، لمجد الله وحده – كل هذه مسائل تتوقف عليها الحياة الأبدية أو الموت الأبدي لشعوب هذا العالم. بناء على اتفاقي مع المصلحين الوقورين، بت أفهم بنعمة الله بالطبع، في وقت باكر من أيامي في الكلية وخلال عملي كمدرس، الحقائق التالية:
– الرجل الوحيد من باستطاعة الله القدوس بشكل لامتناه أن يكون في شركة مباشرة معه، هو يسوع المسيح، الوسيط الأوحد “بين الله والإنسان” (1تيمو 2: 5). على قدر ما نحن، أنا وأنتم كأناس خطاة، نضع ثقتنا في عمل المسيح الخلاصي على الصليب، لا يعود يرانا الله “في آدم” بل “في المسيح”. وعندئذ فقط يقدر الله المثلث الأقانيم أن يكون شركة معنا (هذا هو مبدأ الخلاص المعروف باسم سولس خريستس أو “بالمسيح وحده”).
– السبيل الوحيد لصون الـ سولس خريستس والـ سولا غراسيا (“بالنعمة وحدها”) للخلاص، يكون من خلال الإصرار على سولا فيدي (“بالإيمان وحده”) كالأسلوب والأداة للتبرير. كما أن السبيل الوحيد لصون الـ سولا فيدي كالأسلوب والأداة للتبرير يكون من خلال الإصرار على الـ سولس خريستس وعلى الـ سولا غراسيا للخلاص.
– السبيل الوحيد لصون كل من الـ سولس خريستس والـ سولا غراسيا للخلاص والـ سولا فيدي للتبرير، يكون من خلال الإصرار على الـ سولا سكريبتورا (بالأسفار المقدسة وحدها) كالسلطة الوحيدة التي تملكها الكنيسة في هذه المسائل.
– التبرير بالإيمان يجب عدم جعله مقابل التبرير بالأعمال، بل بالأحرى مقابل التبرير بأعمالنا نحن. فالتبرير يجد أساسه فعلاً في اطاعة المسيح الجزائية بالنيابة عنا، من طاعته هذه نتبارك بها بالإيمان وحده.
– الإيمان المخلص يجب توجيهه فقط نحو عمل المسيح وموته. ولا يجوز أبداً توجيهه بأي شكل من الأشكال نحو أعمال المؤمن الصالحة أو اختباره الداخلي.
– بر المسيحي أمام الله اليوم هو في السماء عن يمين الله بيسوع المسيح، وليس على الأرض داخل المؤمن.
– أساس تبريرنا هو عمل المسيح البديلي لأجلنا، وليس عمل الروح القدس بالنعمة فينا.
– البر بالإيمان:
– ليس هو شخصياً بل بديلياً.
– لا يسكب فينا بل ينسب إلينا.
– ليس هو اختيارياً بل شرعياً.
– ليس هو نفسياً بل قانونياً.
– ليس منا بل هو بر المسيح، البر الذي ليس من هذه الأرض.
– لا يكتسب بل يُعطى لنا من خلال الإيمان بالمسيح، هذا الإيمان الذي هو بحد ذاته هبة بالنعمة.
– يعود الفضل في خلاص المختارين إلى نعمة الله وحدها (سولا غراسيا) والتي لها وحدها يعود كل الحمد لخلاصهم (سولي ديو غلوريا).
بما أني قبلت التحدي بشكل جدي قبل عدة سنوات لفعل هذا، أدركت أيضاً في وقت مبكر من مهنتي أن حقائق الإصلاح العظمى هذه مع فرائد الإصلاح، تتطلب أن يصار إلى الدفاع أمام عالم منتقد عن النظام المسيحي كمادة تعليمية ذهنية، هذا النظام برمته حيث تشكل هذه الحقائق جزءًا مركزياً منه. وهكذا وجدت نفسي مضطراً إلى مواجهة المسألة الأكثر أساسية عن الحاجة إلى تسويغ أي عمل لاهوتي مسيحي بحد ذاته، بما في ذلك انخراطي فيه.
لكن، كيف عساي الإقدام على ذلك؟ كنت على أهبة الاستعداد للرجوع إلى معلومات من خارج الكتاب المقدس مستخدماً حججاً من صنف (أد هومينم) أي تلك التي أتناول فيها شخص غير المؤمنين، وذلك بموجب مضمون الآية من أمثال 26: 5 “جاوب الجاهل حسب حماقته لئلا يكون حكيماً في عيني نفسه”. والقصد من ذلك إظهار لهم عجزهم عن العيش بانتظام بموجب نظرتهم إلى العالم وإلى الحياة[1].
لكن عدت وأدركت كيف أن هذا الأسلوب لا يستطيع بحد ذاته تسويغ اللاهوت المسيحي منطقياً أو ببراهين تؤكد صحته في المطلق. عرفت أن أسلوباً كهذا لن يتمكن في أفضل حالاته من تقديم سوى احتمالات فقط، بما في ذلك إمكانية أن تأتي خلاصاتي نفسها مشوبة بالخطأ، فأكابد في نهاية المطاف مصير التشكيك الكامل والذي لا يلين.
لذا بحثت عن تسويغ اللاهوت المسيحي كمادة تعلمية ذهنية، بما في ذلك انخراطي في هذه المهمة حيث لا يمكن إثارة أي تساؤل أو أدنى شك حول صحته أو يقينيته. أنا أحتاج في هذه الحال إلى نقطة مرجعية أرخميديسية، إن صح التعبير، خارج نطاق الكون. وأين كان ذلك؟ في المعلومات الموجودة داخل كلمة الله الموحى بها والمعصومة عن الخطأ، والتي بلغت إلينا من عالم آخر، وبالاستناد إلى مراجع جيدة وضرورية منها.
إذ نبدأ دراستنا لعلم الدفاع، أبغي تناول مسألة تسويغ لاهوتنا بحد ذاته، ذلك لأنه مناسب وضروري تفسير لماذا نؤمن بشرعية ما نقوم به داخل كليات اللاهوت المصلحة عندنا، ولماذا نقدم تدريباً أكاديمياً في مجال اللاهوت المسيحي. دعونا في البداية نواجه بعض الأسئلة العويصة.
فكم من تلامذة لاهوت عبر السنين تساءلوا: “ماذا أنا فاعل هنا في كلية اللاهوت؟ لماذا عليّ دراسة اللاهوت؟ ترى، هل أضيع وقتي ومالي في دراسة اللاهوت المسيحي؟ وهل اللاهوت المسيحي ينفع لشيء في العالم اليوم؟ وهل كان انتقالي مع عائلتي إلى هذا المكان عملاً متهوراً؟ ولماذا أقوم بهذه التضحية المكلفة والشاقة علي وعلى عائلتي من خلال التحاقي بكلية اللاهوت؟”
هكذا أسئلة، أنا أحاجج، ليس تناولها بمثابة إضاعة للوقت، ذلك لأنه علينا التسليم بأن اللاهوت المسيحي يمر بأزمنة صعبة في جيلنا. دعوني أوضح ما أقصد قوله، من خلال سردي لحدثين، أستعير أحدهما فيما يندرج الأخر من ضمن اختباري الشخصي.
أولاً، فيما يخص الحدث المستعار. يتحدث الدكتور “مارتن لويد جونس” في أحد كتبه عن مؤتمر ديني ضخم كان قد انعقد في مدينة “غلاسكون” في اسكوتلندا، وحضره هو شخصياً. وكما يحصل غالباً، ولسبب ما فوق العادة، لدى انعقاد هكذا مؤتمرات، يدعى إليها السيد عميد المدينة إلى حضور اللقاء الافتتاحي للترحيب بالحضور ومخاطبتهم لبضع دقائق. فيما يلي جوهر ما قاله، كما يذكر “الدكتور”:
جميعكم أنتم الحاضرين هنا اليوم من اللاهوتيين الضليعين، وأنا أعترف بأني لست كذلك، بل مجرد إنسان عادي. أنا رجل أعمال ولا أفهم لاهوتكم وكل هذه الأمور الكنسية. في الواقع، لست مهتماً بلاهوتكم، كما أني أعتقد شخصياً أنكم تضيعون الكثير من الوقت عندما تتحاججون فيما بينكم حول لاهوتكم.
ما أبغي أنا معرفته – بل في الواقع ما يود أناس كثيرون مثلي معرفته – هو ببساطة هذا: كيف بوسعي أن أحب قريبي؟ هذا ما نريد معرفته منكم. لا يهمنا لاهوتكم العظيم. نحن نريد أن نعرف فقط – فعلاً الإنسان العادي يريد ببساطة معرفة – كيف باستطاعتي أن أحب قريبي؟
الآن، إن كان أحدنا قد درس مساقاً في المسيحية الشخصية والآداب الاجتماعية في كلية لاهوت مصلحة جيدة، سيدرك فوراً جهل هذا الرجل بالكامل لشؤون العقيدة، وذلك من جراء علمه كيف أن الكتاب المقدس واللاهوت يرتبطان بشكل مباشر باهتمامه بمحبة القريب. في الواقع، هو يعرف أنه ما لم تقم سلطة إلهية متسامية ومطلقة بإلزامنا ضرورة محبة قريبنا، على أن نفعل ذلك مهما كلفنا الأمر، ما من سبب آخر بالإمكان تقديمه لإرغام أي واحد منا على القيام بأي شيء لأي كان غير أنفسنا.
لكن، ليس هذا هو السبب وراء ذكري لهذا الإيضاح عند هذا الحد. لكني أبغي بالحري توضيح نقطتي الراهنة. فبالنسبة إلى هذا الرجل، الكنيسة وكتابها المقدس ولاهوتها، جميع هذه ليست على الإطلاق ذات صلة به ما لم تتناول ما يريد هو معرفته، أي ما يشكل في نظره المسألة الدنيوية بالكامل والتي تتلخص بما يلي: “كيف عسانا العيش بسلام مع القريب”.
الآن لننتقل إلى الحدث الثاني والمتعلق بي بشكل مباشر: قبل عدة سنوات، قررت وزوجتي النزول بواسطة السيارة إلى “كي وست” لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، وأخذ قسط من الراحة والانشراح ليوم أو يومين. وعلى جزيرة منخفضة قريبة، هناك كنيسة أرثوذكسية مشيخية.
والواعظ فيها “بل ولزيان”، الفنان الذي يتكلم وهو يرسم بواسطة الطبشور، يقصد “مالوري بيير” عند الناحية الغربية من الجزيرة عشية كل اثنين، وأربعاء، وجمعة (كان قد درب أحد أعضاء الكنيسة على الذهاب إلى هناك في أيام الثلاثاء، والخميس، والسبت، لكنه غالباً ما ينضم إليه أيضاً). فهناك يتجمع مئات السائحين لمشاهدة الشمس وهي تغيب في الغرب. هو يجذب حشداً كبيراً حوله بفنه، ويكرز بالإنجيل بينما يرسم.
وإذ علمنا بهذا، قررنا التواجد هناك عشية يوم الجمعة. وهكذا وقفنا مع الحشد وصلينا لأجله فيما راح يرسم ويعلن الإنجيل للجمع. في نحو منتصف العرض، إذا برجل كان يشق طريقه عبر الحشود في محاولته لجذب انتباه الحضور حتى آخر الرصيف، راح يصيح مخاطباً الواعظ بغضب شديد: “ماذا تظن أنت فاعله هنا؟ لماذا لا تذهب بحثاً عن وظيفة حقيقية؟”.
أمل أنك ترى نقطتي: كانت تعليقات هذا الرجل تقطر بسخرية لاذعة. في نظر هذا الرجل وفي نظر الكثيرين مثله. لا جدوى مما يقوم به القس “ولزيان”. أراد أن يوحي بأنه كان بوسعه أن يقضي وقته بشكل أنفع بكثير لو أنه درس ليصبح طبيباً، أو مهندساً، أو مديراً لمدرسة أو لمؤسسة، أو طاهياً، أو مهندس بيئة، أو مربياً – أجل وحتى محامياً – وكل ذلك أفضل من انخراطه في الخدمة المسيحية.
ثم هناك “سورين كركيغارد” في عرضه الساخر للاهوتي على أنه “الأستاذ لحقيقة كون شخص آخر قد تألم، من أن يتألم هو”[2]، بينما يُذكرنا “جاروسلاف بيليكان” بأن معشر الكتبة والفريسيين هم أقرب ما يعادل اللفظة “لاهوتي” في العهد الجديد[3]. إن هكذا تذكيرات لا تجعل الكنيسة ولا العالم ككل، ينجذبان إلى عمل الشخص اللاهوتي.
حقاً، فعلى قدر ما أصبح عالم الغرب أكثر فأكثر “مدينة دنيوية”، ازداد بذلك عدد الرجال والنساء داخل الكنيسة وخارجها، الذين يحاججون في كونه من المستحيل حتى التلفظ بأي شيء له معنى عن الله. وعليه، استهل “غوردن هـ كلارك” كتابه In Defense of Theology (“في معرض الدفاع عن اللاهوت”) بعرضه التقويم التالي:
دراسة اللاهوت الذي كان في وقت من الأوقات ينظر إليه بإكبار لكونه “ملك العلوم”، بات اليوم بالجهد يرتقي إلى مصاف العلم الوضيع؛ إنه غالباً محط احتقار، وينظر إليه بريب، أو بتم تجاهله ببساطة[4].
إن كان “كلارك” على حق في حكمه هذا، فطلبة اللاهوت في هذه الحال قد يستخلصون من كل هذا أن عليهم التخلص نهائياً من اللاهوت المسيحي كمادة تعلمية تثقيفية لكي يخصصوا وقتهم لمسعى ذهني ما، يعدهم بالفوز بقدر أكبر من التقدير وبحظوة جيدة بين الناس. لكني آمل إظهار كيف أن خلاصة كهذه هي مغلوطة بشكل ملحوظ.
المسألة أمامنا يمكن صياغتها بشكل مركز هكذا: كيف بالإمكان تفسير اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية تثقيفية تستحق أن توليها الكنيسة، كما العالم، أعلى قدر من الاهتمام والاحترام؟ وكيف يمكن تسويغ عملنا طول عمرنا كوعاظ ومعلمين لذلك اللاهوت؟ والآن بأكثر تركيز: لماذا عليك أنت كمسيحي أن تشغل نفسك طيلة حياتك بالتأمل بذهنية الباحث في مضمون الرسالة المسيحية وفي إعلانها؟
ولماذا تحتاج أن تشغل نفسك بالطريقة المحددة التي كانت الكنيسة في أفضل أوقاتها، في نظري، قد اعتمدتها في إطار صياغتها للاهوتها في الماضي، أي بواسطة القوانين التاريخية/ اللغوية/ واللاهوتية لتفسير الأسفار المقدسة بعهديها القديم والجديد؟ أنا أعرض الأعمدة الخمسة التي، في نظري، يرتكز عليها بثبات تسويغ اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية وفكرية، هذه الأعمدة التي تدفعني إلى استخلاص أنه يترتب علينا جميعنا مواصلة انخراطنا في العملية اللاهوتية.
[1] راجع الملحق أ “الرد على الجاهل الكتابي”.
[2] Soren Kierkegaad, Journals, edited and translated by Alexander Dru. (Oxford: University Press, 1938), no, 1362.
[3] Jaroslav J. Pelikan, “The Function of Theology” in Theology in the Life of the Church, edited by Robert M. Bertram (Philadelphia: Fortress, 1963), 3.
[4] Gordon H. Clark, In Defense of Theology (Milford, Michigan: Mott, 1984), 3.
اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية ذهنية
الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان
الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان
الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان
د. موريس تاوضروس
تحدثنا فيما سبق عن التبرير، وربطنا بين التبرير والحياة الروحية وقلنا إن التبرير هو الحياة الجديدة، هو الميلاد الثاني الذي نناله بالمعمودية. وكما ربطنا بين التبرير والحياة الروحية ارتباطًا جوهريًا، هكذا يرتبط الإيمان بالحياة الروحية، ارتباطًا جوهريًا. فالإيمان ليس مجرد عقيدة نظرية، ولكنه حياة وسلوك ولا يمكن أن نفصل في الإيمان بين الإيمان النظري والإيمان العملي، لأن الإيمان على الدوام هو إيمان عامل بالمحبة.
الناس يخطئون عندما يربطون مفهوم الإيمان بالعقل فقط فيجعلون من الإيمان إيمان العقل فقط. الإيمان في حقيقته عمل مركب عمل يشترك فيه العقل وتشترك فيه الإرادة. عمل تشترك فيه كل قوى الإنسان. في الإيمان نعقل ونشعر ونريد ونسلك ونحيا.
عندما يقول الرسول بولس « بالإيمان نتبرر وليس بأعمال الناموس ». فإن الإيمان الذي يتكلم عنه هنا، هو هذا الإيمان الذي يشتمل على العناصر التالية:
يشتمل الإيمان على عمل العقل: العقل الذي يثق بدون تحفظ في كلمة الله، لأن الله غير قابل لأن ينخدع أو يخدع. يقول الرسول بولس: « من أجل ذلك، نحن أيضًا نشكر الله بلا انقطاع لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خَبَرٍ من الله قبلتموها لا ككلمة أناس، بل كما هى بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل أيضًا فيكم أنتم المؤمنين » (اتس13:2).
وعنصر العقل يظهر أيضًا عندما يقول الرسول بولس « ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله بل تقوى بالإيمان معطيًا مجدًا لله » على أن الرسول بولس في موضع آخر يربط بين الإيمان والقلب فيقول « لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت » (رو9:10).
ارتباط الإيمان بالقلب يوضح أن الإيمان ليس عملاً عقليًا فقط ولا يرتبط فقط بعنصر العقل في الإنسان، لأن القلب في العهد الجديد يغطي النشاط العقلي والأخلاقي بأكمله. ويُستخدم القلب مجازيًا في العهد الجديد عن المنابع الخفية للحياة الشخصية. الإيمان بالقلب يعني الإيمان المرتبط بالعزم كما قيل في سفر الأعمال « وعظ الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم القلب » (أع23:11).
ويعني أيضًا الإيمان المرتبط بالإرادة، كما قيل في الرسالة إلى رومية « ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها » (رو17:6)، وكما قيل في رسالة أفسس « عاملين مشيئة الله من القلب » (أف6:6)، أو كما قيل في الرسالة إلى كولوسي « وكل ما فعلتم فاعملوا من القلب كما للرب ليس للناس » (كو23:3).
الإيمان بالمسيح يعني قبول المسيح وقبول وصاياه وتعاليمه والسير بموجب هذه الوصايا والتعاليم، أى يحمل الإيمان معنى التسليم للمسيح والخضوع له، وما يترتب على هذا الخضوع والتسليم معه ثمار روحية. يقول الرسول يوحنا « وأما الذي قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنين باسمه » (يو12:1).
ولذلك ارتبط الحديث عن الإيمان عند الرسول بولس بالحديث عن طاعة الإيمان حيث يقول « الذي به لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان في جميع الأمم » (رو5:1). « حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان » (رو26:16) « لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل » (رو18:15). وطاعة الإيمان تعني العمل بحسب مطالب الإيمان كما يقول الرسول « فشكرًا لله أنكم كنتم عبيدًا للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها » (رو17:16).
فالطاعة عامل جوهري في الإيمان، وبدونها لا يمكن للإيمان أن يحقق هدفه ويبلغ غايته. فالإيمان يتطلب الخضوع لإرادة الله وتنفيذ وصاياه. هذا هو الإيمان الذي يتحدث عنه الرسول بولس « الإيمان العامل بالمحبة ». هذا هو الإيمان الذي يعمل تحت دافع المحبة وإلاّ يفقد قيمته. هذا هو الإيمان الذي يبرر.
ولا ننسى أن كلمة إيمان pistis مشتقة من الفعل peithein بمعنى يُقنع أو يحاول أن يقنع. فمنهح الإيمان مبني على الإقناع لا يلزم ولا يجبر أحدًا. فإن أؤمن تعني: أن أثق بـ ، أن أأتمن، أن أستأمن، كما يقول الرسول « أؤتمنت على إنجيل الغرلة » (غلا7:2). أن أؤمن بالمسيح تعني أيضًا أن المسيح إستأمني على رسالة. ليس فقط أن أصدق رسالته بل أن أكون أمينًا عليها. ولذلك أشار الرسول يوحنا إلى الذين آمنوا بالمسيح ولكنهم لم يكونوا أمناء، فقال عنهم الرسول يوحنا « آمن كثيرون باسمه إذ رأوا الآيات التي صنع لكن يسوع لم يأتمنهم على نفسه لأنه كان يعرف الجميع » (يو24:3). هؤلاء آمنوا ولكنهم لم يكونوا أمناء. وفي الإنجيل للقديس لوقا يقول « فإن لم تكونوا أمناء في مال الظلم فمَن يأتمنكم على الحق. وإن لم تكونوا أمناء في ما هو للغير فمَن يعطيكم ما هو لكم » (لو11:16ـ12). فالإيمان يرتبط جوهريًا بالسلوك، ولذلك يقول الرسول بولس « لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان » (2تي14:3).
الإيمان والتبرير
الحديث عن التبرير بالإيمان، تناوله الرسول بولس في رسالتيه إلى رومية وإلى غلاطية: (رو28:3): « إذًا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس » (غل16:2): « الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح ».
في كلتا الرسالتين يوضح الرسول بولس أن الانتقال من حالة الخطيئة التي ورثناها عن آدم، إلى حالة التبرير، لا تتم بالالتزام بأعمال الناموس الموسوى بل بالإيمان بالمسيح يسوع. وبلا شك فإن الحديث هنا يدور حول الناموس الموسوى، غير أن بعض المفسرين الكاثوليك، سواء من القدامى أو الحديثين، اعتقدوا أن الرسول بولس يتكلم هنا فقط عن الناموس الطقسي، مثل حفظ السبت وتقديم الذبائح، وليس عن الناموس الأخلاقي. وهذا بلا شك له تأثير على مفهوم الخلاص عند الكاثوليك. ولكن من الواضح أن الرسول بولس هنا يتحدث عن الناموس الموسوى بأكمله لأنه يضعه في مقابل الإيمان. وإذا أخذنا برأي الكاثوليك بأن الرسول بولس ينحصر كلامه هنا فقط في الناموس الطقسي، فهل معنى ذلك أن الأخلاق (الناموس الأخلاقي) بدون الناموس يمكن أن يبرر؟ أليس معنى ذلك أيضًا أن طريق الخلاص لا يقتصر فقط على الإيمان بالمسيح، وأن المسيح لم يعد هو الطريق الأوحد للخلاص؟ وهل يمكن أن نربط بين هذا التفكير وبين ما يقوله بعض اللاهوتيين الكاثوليك المحدثين، من أن غير المؤمن يمكن عن طريق الالتزام بالناموس الطبيعي أن ينفتح له طريق الخلاص؟[1].
كذلك فإن التفسير البروتستانتي لهذه المقاطع يبنى على فهم غير سليم لمعنى الإيمان وصلته بالتبرير. فالبروتستانت ـ كما ذكرنا ـ يفسرون التبرير على أنه مجرد حكم قضائي يبرر الإنسان دون أن يصير المؤمن بارًا بالحقيقة، فقط ” يحسب له بر المسيح “. وهذا الفهم لا يتلاءم مع استعمال الفعل (dikaiousthai) “يتبرر” الذي ورد في النصين السابقين (رو28:3، غل16:2) وهو موضوع في صيغة المبني للمجهول.
إن الرسول بولس لم يقل إن الإنسان يتبرر بالله نظرًا إلى الإيمان (in view of) فالنص اليوناني الذي يستعمله الرسول بولس ليس هو ” dia pisten ” الذي يعني: من أجل الإيمان، أو بسبب الإيمان أو نظرًا إلى الإيمان “. ولو استعمل الرسول هذه الصياغة لكان من الممكن أن نأخذ بالفهم البروتستانتي أن التبرير هو مجرد إعلان بر المؤمن. إن الرسول بولس يقول: إن المؤمن يتبرر بالإيمان (pistei) أو (dia pistews) وهو ما يعني “حالة القابل” التي تعبّر عن الأداة (instrumental)، ولا يتفق هذا مطلقًا مع القول بأن المؤمن تعلن براءته بالإيمان، وأن الإيمان ـ كما يقول البروتستانت، ليس هو أداة التبرير، بل هو مجرد شرط للتبرير.
يقول البروتستانت في فهمهم للإيمان الذي يبرر:
الإيمان هو شرط التبرير وليس بسبب استحقاق التبرير. ولو كان الأمر كذلك فسيعتبر الإيمان عمل استحقاق للإنسان. فليس من أجل الإيمان نتبرر بل بالإيمان. والإيمان ليس ثمن التبرير ولكنه وسيلة التواؤم معه[2].
ويقولون أيضًا:
” إن الذين يدعوهم دعوة كافية هؤلاء يبررهم أيضًا مجانًا، لا يجعله برًا فيهم، بل بغفرانه خطاياهم ويّعده (=بحسبانه) إياهم أبرارًا وبقوله لهم، لا لأمر قد فعلوه، أو لما فعل فيهم، بل لأجل المسيح فقط. ولا لحسبانه الإيمان نفسه لهم ولا الفعل العقلي الذي يقوم به الإيمان … بل بحسبانه لهم طاعة المسيح وإيفاءه، وهم يقبلونه ويستندون عليه وعلى بره بالإيمان، وذلك الإيمان ليس منهم بل إنما هو عطية الله “.
” أجمع البروتستانت على أن الإيمان مجرد آلة ننال بواسطتها التبرير لأنه قبول المسيح والإتكال عليه، وليس هو سبب التبرير أو علته بهذا المعنى. ومنطوق الكتاب على الدوام هو أننا نتبرر بالإيمان أى بواسطته، وهو ينسب تبريرنا دائمًا إلى نوالنا فوائد عمل المسيح بالإيمان. لذلك ليس لإيماننا صفة الاستحقاق في حد ذاته بل هو شرط نوالنا استحقاق المسيح “.
” وإذا فرض المحال وقلنا إن الإيمان يستحق الثواب، فلا يتم بالإيمان إيفاء مطاليب الشريعة التي تحيط بالبر الكامل لتبرير الخاطئ، وإنما كان للإيمان هذه القوة باعتبار أنه واسطة للتبرير لأن به يتم إتحاد المؤمن بالمسيح وهو شرط نواله فوائد موت المسيح، كما أن قبول الهبة شرط لنوالها. فالخلاص لنا مجانًا على شرط قبولنا إياه بالإيمان. وفوائد الفداء ممنوعة عنا إلاّ بشرط قبولنا إياها كذلك، حتى لا يصح القول إن الإيمان يخلّصنا بل هو رابطة بها نلتصق بمَن يخلّص أى المسيح، وهو كحلقة تنشأ بها العلاقة الضرورية بين المؤمن والمسيح، والتبرير ينشأ حال وجود الإيمان في قلب المؤمن ويتم إلى الأبد ولا يتوقف على كون الإيمان قويًا أو ضعيفًا بل على كونه إيمانًا حقيقيًا. غير أن الإيمان القوي يولد الثقة واليقين في قلب المؤمن “.
” إن الكتاب لم يقل قط إننا متبررون بسبب إيماننا بل يقول دائمًا إننا نتبرر بواسطة الإيمان. ولم يقل قط إن الإيمان أساس لتبرير بل أننا نخلص بالإيمان بقبولنا المسيح واتكالنا عليه وحده للخلاص. والذي نقبله هو خارج عنا وهو المسيح وبره وطاعته واستحقاق دمه وموته، فإننا نراه ونهرب إليه ونتمسك به ونستتر بظله ونلبس بره “[3].
نعود فنقول: إن الرسول بولس يتحدث عن عمل الإيمان الذي ينتج التبرير. ولكن لكي يكون لهذا الإيمان فاعلية، فلابد أن الرسول بولس يضع أمامه الإنجيل، الذي منه يستمد هذا الإيمان فاعليته وقوته. ومن العبث ما يذهب إليه بعض البروتستانت من أن الإيمان ليس عملاً ويحاولون أن يجردوا الإيمان من أى معنى أخلاقي: وهنا يمكن أن نوجه التساؤل إلى البروتستانت:
إذا جردنا الإيمان عن فاعليته وعن معناه الأخلاقي، فكيف سيكون للإيمان دور في تجديد الإنسان، وكيف سيكون قادرًا على تمجيد الله؟
دعنا نعود الآن إلى صياغات الرسول نفسه. في الرسالة إلى رومية يقول « إن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس » (رو18:3). والهدف من هذه العبارة، وكذلك فإن صياغتها ونظام تكوينها يجعل التشديد واقعًا على الكلمات الأخيرة منها التي تنتهي بنا إلى افتراضين: ” الإنسان يتبرر بدون أعمال الناموس ومستقلاً عنها ” وهذا هو الاقتراح الرئيسي. ” الإنسان يتبرر بالإيمان ” وهذا هو الاقتراح العرضي.
ومن الملاحظ هنا أن الرسول لم ينشغل بأعمال الناموس بعد التبرير، ولكن على العكس، يلاحظ أن ما يُهم المتهورين هو التبرير الأول أى المرور من حالة الخطية إلى حالة النعمة. إن أعمال الناموس ليست هى العلة ولا الشرط لهذا الانتقال. وما يقال عن أعمال الناموس يقال بالأحرى عن الأعمال الطبيعية التي تمت قبل التبرير. ونلاحظ أيضًا أن الرسول بولس لم يقل إن الإيمان هو العامل الوحيد المطلوب، ذلك لأن الأمر يتطلب ـ إلى جانب الإيمان ـ التوبة بالنسبة لأعمال الماضي، وقبول إرادة الله بالنسبة إلى المستقبل.
أما بالنسبة إلى النص الثاني الذي ورد في رسالة غلاطية، فقد قال الرسول: « الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح » (غل16:2). أما إذا فسرنا هذا القول بأن الرسول يريد أن يقول إن الإنسان لا يتبرر فقط بأعمال الناموس، بل بأعمال الناموس مرتبطة بالإيمان، فإن هذا يناقض تعليمه، بل هذا هو الذي قاومه عندما حاول بعض المؤمنين الذين كانوا أصلاً من اليهود، أن يحتفظوا ببعض الأمور الخاصة باليهود كالختان وكانوا يطلبون من الأمميين أن يختتنوا. وهكذا يمكن أن نقول إن تفسير هذه العبارة هو كالآتي: ” إن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس. إنه يتبرر فقط بالإيمان “. وليس هناك اختلاف إذا فهمنا بكلمة الإيمان هنا ” الإيمان الذي أسسه الرب يسوع (باعتباره هو رئيس الإيمان) أو الإيمان الذي يكون موضوعه هو المسيح نفسه، أى إيمان بالمسيح، بشخصه وتعاليمه. وفي كلتا الحالتين، فهذا يُمثل خُلاصة أو جملة الإعلان المسيحي من حيث الحديث عن إنجيل المسيح في مواجهة مع الناموس الموسوي. إن الأمر يختص هنا بالأعمال التي تسبق التبرير، وبالتأكيد على أن ضرورة الإيمان للتبرر لا تعني عدم الحاجة إلى العوامل الأخرى المطلوبة.
البراهين على التبرير بالإيمان مستقلاً عن أعمال الناموس
هناك ثلاثة براهين:
1 ـ برهان الواقع أو الخبرة
2 ـ البرهان اللاهوتي
3 ـ البرهان الكتابي
1 ـ برهان الواقع أو الخبرة:
إن الغلاطيين باعتبارهم كانوا من أصل أممي وآمنوا بالمسيح، ليس لهم خبرة بالناموس الموسوي. وعلى ذلك، فمن المستحيل أن تكون أعمال الناموس قد أثرت في تبريرهم بأي صورة ما، سواء كسبب أو كشرط جوهري أو كتبرير سابق. ولقد نالوا التبرير الحقيقي بواسطة المعمودية وحصلوا على هبة الروح القدس الذي أظهر ذاته فيهم بعلامات عجيبة مثل المواهب واستمر يؤكد وجوده بمعجزات مرئية. فليس من حق أحد أن يعترض، كما يُحتمل أن يكون قد اعترض مؤمنوا غلاطية الذين كانوا من أصل يهودي، وقالوا بأن التبرير الذي يتم بالإيمان يحتاج إلى أن يكمل ذاته بواسطة أعمال الناموس، وذلك لأن الذي منح التبرير قادر أن يحفظه ويكمله بدون حاجة لأي مساعدة خارجية، وأنه لمن السخف أن الذي بدأ بالروح يكمل بالجسد.
فلا يمكن للغلاطيين أن يتنكروا لأهمية الفداء الذي تم بموت المسيح وقيامته. وربما يرجع خطأهم إلى أنهم تعرضوا للتضليل من بعض المبتدعين، ومن أجل هذا قال لهم الرسول « أيها الغلاطيون الأغبياء، مَن رقاكم حتى لا تذعنوا للحق، أنتم الذين أمام عيونكم قد رسم يسوع المسيح بينكم مصلوبًا. أريد أن أتعلم منكم هذا فقط، أبأعمال الناموس أخذتم الروح أم بخبر الإيمان. أهكذا أنتم أغبياء. أبعدما ابتدأتم بالروح تكملون الآن بالجسد. أهذا المقدار احتملتم عبثًا إن كان عبثًا. فالذي يمنحكم الروح ويعمل قوات فيكم أبأعمال الناموس أم بخبر الإيمان » (غلا1:3ـ5).
إن الحديث عن الحاجة إلى أعمال الناموس لاستكمال عمل الفداء هو إنكار لقيمة دم المسيح وكفايته في تحقيق خلاص البشرية.
2 ـ البرهان اللاهوتي:
يقوم البرهان اللاهوتي عند الرسول بولس على فرضين مقنعين، وقد كرر ذكرهما في رسائله تحت صور مختلفة. التبرير هبة مجانية لا يستحقها الإنسان ولا يمكن أن يستحقها، وليس للإنسان الحق في أن يفتخر أمام الله، وإذا افتخر، فليكن افتخاره بالبركات الروحية التي حصل عليها. وهذان الفرضان يذكرهما الرسول بولس معًا في عبارة قصيرة في رسالته إلى أفسس « لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله » (غلا8:2ـ9). ويكرر بولس الرسول هذا التعليم في مواضع أخرى من رسائله، فهو يقول في رسالته الأولى إلى كورنثوس « لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه. ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء. حتى كما هو مكتوب، من افتخر فليفتخر بالرب » (1كو29:1)، « فأين الافتخار قد انتفى. بأي ناموس. أبناموس الأعمال. كلا بل بناموس الإيمان » (رو27:3).
وفي الإصحاح الرابع من رسالته إلى رومية، أكد الرسول بولس نفس التعليم فقال: « إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله. لأنه ماذا يقول الكتاب فآمن إبراهيم بالله فحسب له برًا … الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر فإيمانه يحسب له برًا. كما يقول داود أيضًا في تطويب الإنسان الذي يحسب له الله برًا بدون أعمال. طوبى للذي غفرت آثامهم وسترت خطاياهم. طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطية. أفهذا التطويب هو على الختان فقط أم على الغرلة أيضًا، لأننا نقول إنه حسب لإبراهيم الإيمان برًا » (رو1:4ـ9).
إن التبرير بالإيمان هو عمل مجاني؛ لأنه إذا كان الإيمان هو هبة من الله، فإن كل الأعمال العظيمة التي يثمرها هذا الإيمان هى من الله. إن عمل الإيمان يفترض أساسًا الدعوة الإلهية التي تتم في الوقت المناسب. وحيث إن هذين الأمرين (الدعوة الإلهية، ووقتها المناسب) يعتمدان بوجه مطلق على مسرة الله، فإن أسبقية النعمة ـ من ناحية وجودها ـ لا يمكن إنكارها. والرب على الدوام يبدأ العمل الخاص بخلاص الإنسان قبل أن يبدأه الإنسان نفسه. وعلى عكس ذلك، فإن التبرير الذي ينتج عن أعمال الناموس، أو في تعميم أكثر، الأعمال التي تتم قبل الإيمان (على افتراض أن هذا يمكن أن يحدث) سوف يكون نتيجة عمل الإنسان وينسب إليه، كما ينسب الأجر إلى العامل، ويمكنه أن يفخر به كحق يملكه، وينطبق عليه ما قيل عن إبراهيم « إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله … ولا تحسب له الأجرة على سبيل نعمة بل على سبيل دين ». على أن ضرورة الإيمان وضرورة الأعمال الأخرى اللازمة للتبرير ـ كما أشرنا سابقًا ـ لا تنفي القول بمجانية التبرير، تمامًا كما في حالة المتسول، فإن مد يده لطلب المساعدة، لا تضعف من اعتبار الصدقة التي تقدم له تعبر عن عمل حر من قبل المعطى حتى وإن كان مد اليد من قبل الرجل الفقير شرطًا أساسيًا للحصول على هذه الصدقة. ولكن هناك هذا الفرق، أن اليد الممدودة من المتسول هى يده، بينما أن عمل الإيمان هو هبة من الله.
3 ـ البرهان الكتابي:
يستند البرهان الكتابي إلى تاريخ إبراهيم، كما يشير إليه الرسول بولس في (رو10:4ـ25، غلا7:3ـ14).
إن إبراهيم تبرر وأعلن عن أبوته للمؤمنين، قبل ختانه. وهذا يعني أولاً أنه ليس هناك رابطة ضرورية بين الختان والتبرير، وأنه من الممكن للمرء أن يتبرر دون أن يختتن، ويعني ثانيًا أن أبوة إبراهيم كانت مكافأة لإيمانه وغير مرتبطة بختانه، وهذا يمكن أن يمتد إلى الأمميين الذين يقلدون إيمان إبراهيم. على أن ما أخذه إبراهيم لم يأخذه من الناموس ولكن من الموعد، ليس من الجسد بل من الروح. إنه ليس امتياز الجنس. ولكنه امتياز لكل المؤمنين.
أما أن إبراهيم قد تبرر قبل الختان، فهذا ما يمكن أن نستدل عليه تاريخيًا. في الإصحاح الخامس عشر من سفر التكوين قيل عن إبراهيم أنه آمن بالله وحسب له هذا الإيمان برًا. وفي الإصحاح السابع عشر أُشير إلى ختان إبراهيم. إن التبرير جاء أولاً ثم بعد ذلك الختان كعلامة حسية لبر الإيمان.
ويسجل الرسول بولس هذه الحقيقة التاريخية، فيقول في الإصحاح الرابع من الرسالة إلى رومية: « لأننا نقول إنه حسب لإبراهيم الإيمان برًا. فكيف حسب أوهو في الختان أم في الغرلة. ليس في الختان بل في الغرلة وأخذ علامة الختان ختمًا لبر الإيمان الذي كان في الغرلة ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون وهم في الغرلة كي يحسب لهم أيضًا البر، وأبًا للختان للذين ليسوا من الختان فقط بل أيضًا يسلكون في خطوات إيمان أبينا إبراهيم الذي كان وهو في الغرلة. فإنه ليس بالناموس كان الوعد لإبراهيم أو لنسله أن يكون وارثًا للعالم بل ببر الإيمان. لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة فقد تعطّل الإيمان وبطل الوعد. لأن الناموس ينشئ غضبًا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعدِ. لهذا هو من الإيمان كي يكون على سبيل نعمة ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل ليس لمن هو من الناموس فقط بل أيضًا لمن هو من إيمان إبراهيم الذي هو أب لجميعنا » (رو9:4ـ17). وجاء أيضًا في الرسالة إلى غلاطية « فالذي يمنحكم الروح ويعمل قوات فيكم أبأعمال الناموس أم بخبر الإيمان. كما آمن إبراهيم بالله فحسب له برًا. فاعلموا إذًا أن الذين هم من الإيمان أولئك هم بنو إبراهيم. والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم. إذًا الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن، لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة، لأنه مكتوب ملعون كل مَن لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به. ولكن أن ليس أحد يتبرر بالناموس عند الله فظاهر لأن البار بالإيمان يحيا. ولكن الناموس ليس من الإيمان بل الإنسان الذي سيحيا بها … لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح … ليس أحد يبطل عهدًا قد تمكن ولو من إنسان أو يزيد عليه. وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد، وفي نسلك الذي هو المسيح. وإنما أقول هذا إن الناموس الذي صار بعد أربعمائة وثلاثين، لا ينسخ عهدًا قد سبق فتمكن من الله نحو المسيح حتى يُبطل الموعد. وأنه إن كانت الوراثة من الناموس فلم تكن أيضًا من موعد ولكن الله وهبها لإبراهيم بموعد » (غل5:3ـ19).
1 انظر كتابنا في علم اللاهوت العقيدي (الجزء الخامس)، وكذلك انظر كتبانا عن ” أغناطيوس حامل الإله ” في الأجزاء الخاصة بالخلاص.
2 هنري ثيسن، محاضرات في علم اللاهوت النظامي، ترجمة دكتور فريد فؤاد عبد الملك، دار الثقافة سنة 1987، ص470.
3 علم اللاهوت النظامي، دار الثقافة سنة 1971، الباب الرابع عشر في التبرير والتبني.
الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان
القراءة الإنجيلية للعهد القديم (2) الإنجيليون والعهد القديم
القراءة الإنجيلية للعهد القديم (2) الإنجيليون والعهد القديم [1]
القراءة الإنجيلية للعهد القديم (2) الإنجيليون والعهد القديم
د. جورج عوض إبراهيم
القراءة الإنجيلية للعهد القديم (1) الإنجيليون والعهد القديم
الرسول بولس: التربية وغاية الناموس
لقد فَهِم الرسول بولس بعمق واتساع تفسير العهد القديم على أساس أن المسيح هو مركزه. وبهذا التفسير يمكن للمؤمن أن يتعرف على القيمة الدائمة للكتاب لدى الكنيسة، وأن يقبل الأسس التفسيرية للاهوت المسيحى. إن الجهاد الأعظم لدى بولس يتمثل في المناداة بأن التفسير من خلال المسيح “الأصل”، برَّهن على أن التفسير الرابوني لا فائدة منه.
لقد كان بولس هو الأكثر من مناسب لعمله هذا، إذ كان هو نفسه، قبل رجوعه، غيورًا على الناموس: ” من جهة الناموس فريسى، من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم ” (في6:3 وانظر غلا14:1)، وكان معروفًا بأنه فريسى متعصب للتفسير الرابونى للعهد القديم (أع3:22). تعلّم القوانين التفسيرية الخاصة بالرابونيين من غمالائيل معلم الناموس الأول فى إسرائيل والتي أخذ يطبقها كمسيحى ـ كما سنرى فيما بعد.
لكن فى الحقيقة، اعتبر بولس أن هذا “المكسب” هو خسارة من أجل المسيح ” ومن أجل ” معرفة المسيح الفائقة ” (في7:3ـ8)، كان ينبغي أن يحدث له هذا الحدث العظيم عند أبواب دمشق، حيث نقله يسوع المسيح، القائم من الأموات، من الناموس (الذي كان مركزًا لحياته) وقاده إلى الفهم الجديد للناموس وإلى إعادة النظر جذريًا في تقاليد الآباء.
أ ـ إن الرسول بولس شارك الاعتقاد الرابوني بالمبدأ: أن العهد القديم في مجموعه هو إعلان لإرادة الله المطلقة والأزلية، وبهذا المفهوم يدعوه “ناموس”[2].
ولأجل هذا السبب لا يفرق بولس بين الوصايا الناموسية الخاصة بالسلوك الأخلاقي وبين الوصايا التعبدية من ناحية فاعليتها. كل الناموس هو مقدس وروحي وصالح، وهو وصية البر والصلاح (رو12:7، 14، 16)، وكل مَن يحفظه يتبرر ويحيا (غلا12:3: ” ولكن الناموس ليس من الإيمان بل الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها“)، (رو13:2: ” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون“).
ومثل أي فريسى أصيل، هكذا كان بولس يؤمن أن الناموس أُعطى “للحياة” (رو10:7). أيضًا شارك بولس الفكر الرابونى في التقدير العظيم للعهد القديم وذلك من استخدامه لصياغات رابونية معروفة مثل “مكتوب” و”يقول الكتاب”. ومن حديثه عن الامتيازات التاريخية والخلاصية لاخوته من بنى إسرائيل، مثل الاختيار، والتبنى، والعهود، والاشتراع، والعبادة والنبوات (رو3:9ـ5)، كما أنه لم يتردد في أن يدعو إسرائيل ” وإذا كانت الباكورة مقدسة فكذلك العجين.
وإن كان الأصل مقدسًا فكذلك الأغصان” (رو16:11)، بل إن إسرائيل، فى نظره، كان له الحق في الإنجيل الجديد (رو16:1). وبولس “كمسيحى” عندما كان يقف ضد التفسير الرابونى للناموس كان يصّر على أنه لا يُبطل بذلك الناموس ولكن يثبته (رو31:3). ففى اعترافه أمام الوالى فيلكس قال مؤكدًا إيمانه بالناموس والأنبياء: ” هكذا أعبد إله آبائى مؤمنًا بكل ما هو مكتوب في الناموس والأنبياء ” (أع14:24).
ويؤكد بولس بالطريقة التي يفسر بها العهد القديم على تربيته الفريسية. كما نتعرف في رسائله على أمثلة كثيرة للتفسير الرابونى، على سبيل المثال القانون الأول لـ هليل Cillšl (من الأعظم إلى الأصغر والعكس): (2كو11:3): ” لأنه إن كان الزائل في مجدِِ فبالأولى كثيرًا يكون الدائم في مجد”، (رو24:3): ” لأنه إن كنت أنت قد قُطعت من الزيتونة البرية حسب الطبيعة وطُعمت بخلاف الطبيعة في زيتونة جيدة فكم، بالحرى يُطعمهم هؤلاء الذين هم حسب الطبيعة في زيتونتهم الخاصة”.
والقانون الثانى: (التناسب بين نصين متقاربين) (رو3:4ـ8). ” لأنه ماذا يقول الكتاب: فآمن إبراهيم بالله فحسب له برًا. أما الذي يعمل فلا تحسب له الأجرة على سبيل نعمة بل على سبيل دين. وأما الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر فإيمانه يحسب له برًا. كما يقول داود أيضًا في تطويب الإنسان الذي يحسب له الله بر بدون أعمال. طوبى للذين غُفرت آثامهم وسُترت خطاياهم…”، وأيضًا نجد التفسير اليونانى (الهلليني) الحرفى في (غلا16:3): ” وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم ونسله. لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح”، والتفسير الهللينى الرمزى في (1كو9:9): ” فإنه مكتوب في ناموس موسى لا تكم ثورًا دارسًا.
ألعل الله تهمه الثيران. أم يقول مطلقًا من أجلنا..”. كما نجد التأثر بطريقة تفسير مجموعة وادي قمران Péser[3] في (رو6:10) ” وأما البر الذى بالإيمان فيقول هكذا لا تقل في قلبك مَن يصعد إلى السماء أي ليحدر المسيح..”. يُضاف إلى كل هذا إن بولس الرسول عادةً كان يستخدم الترجمة السبعينية وبدون أن يتقيد بالدقة الحرفية، وبالأخص عندما كان يستشهد بنصوص من الأنبياء، والمزامير وأسفار موسى الخمسة ومن أسفار الحكمة.
وهذه الاستشهادات الكثيرة من العهد القديم نجدها على الأخص في رسائله الأربعة الكبيرة: رومية وغلاطية والرسالة الأولى والثانية إلى أهل كورنثوس، كما نجد إشارات مباشرة وغير مباشرة من العهد القديم في بقية الرسائل. وفي حالات كثيرة كان بولس يُكيف الشكل اللغوي للاستشهادات الكتابية لخدمة الهدف من استخدامها (على سبيل المثال أنظر رو17:1، 10:3، 1كو19:1، 31، غلا16:3.. الخ).
ب ـ يوضح الرسول بولس موقفه من العهد القديم بالتفسير الجديد له.
وهنا يمكننا أن نتعرف على المساهمة “الثورية” و”الثمينة” لبولس في تشكيل التفسير الكتابى المسيحى. إن تفسير بولس للناموس وبالتالى للعهد القديم يُظهر ـ شكليًا ـ جدلية غريبة ومتناقضة، تنبع طبيعيًا من رؤيته الخريستولوجية له. فبينما التقليد الرابونى يتطابق “تقريبًا” مع تعاليم العهد القديم، أي يأتي وفقًا للوصايا الأخلاقية والتعبدية لأسفار موسى الخمسة، والتي بالتطبيق الأمين لهما يصلون ـ بحسب تعاليمه ـ إلى “التبرير” الشخصي.
نجد أن بولس على العكس يفهم الناموس من جهة الإيجابية والسلبية فقط داخل نور إنجيل المسيح، ويسعى إلى التنقية الجذرية لمفهوم الناموس من سوء الفهم الرابونى، (راجع رو21:3ـ22): ” وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودًا له من الناموس والأنبياء. بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون. لأنه لا فرق“. أي يمكن للناموس ـ بحسب بولس ـ فقط في تطلعه الأصيل “للحياة” أن يخدم الإنجيل وهذا التطلع ـ في حقيقته ـ هو بر الله الجديد بواسطة يسوع المسيح.
إن القيمة الإيجابية للعهد القديم تتمثل، بلا شك، في تطلعه النبوي. إن “الكتب المقدسة” تشهد لإنجيل الله فيما يتعلق بيسوع المسيح، الذي سبق وأنبأ عن نفسه بواسطة أنبياؤه (رو1:1 وما بعده). والإنجيل المسيحي هو بمثابة إعلان ” السر الذي كان مكتومًا في الأزمنة الأزلية ” (رو25:16) والذي كان مدونًا في الكتب النبوية (رو25:16، راجع 1كو17:2، أف5:3، كو26:2). بناء على ذلك فإن العهد القديم هو كتاب وعود وتهيئة لشعب الله لكي يقبل الإنجيل، في ملء الأزمنة، أي في العهد الجديد. لقد استخدم بولس الرسول شخصيات كثيرة وحوادث عديدة من العهد القديم كنماذج وأمثلة نبوية لعصر الملء.
فآدم مثلاً هو “مثال للعتيد”، الذي هو آدم الثاني (رو22:5ـ13، 1كو22:15، 45، 49). وابرآم هو أب “لكل المؤمنين” (رو11:4، غلا7:3) والمسيحيون هم من “نسل إبراهيم” (غلا29:3). أيضًا رواية التكوين عن امرأتى ابرآم وولديه الاثنين لها مفهومًا نماذجي نبوي: (غلا28:4ـ31): ” وأما نحن أيها الأخوة نظير اسحق أولاد الموعد. ولكن لما كان حينئذِِ الذي وُلد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضًا.
لكن ماذا يقول الكتاب أطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة. إذًا أيها الأخوة لسنا أولاد جارية. بل أولاد الحرة“. أيضًا حوادث البرية والتي حدثت مع إسرائيل بعد الخروج، وعبور البحر الأحمر، وعمود السحاب، والمن، وخروج المياه من الصخر، كل هذه الحوادث ” حدثت مثالاً ” (1كو1:10ـ4، 11). وفق هذا المثال، فإن المؤمنين الذين يحيون الملء في المسيح ينتمون إلى العصر الأخروي وبناء على ذلك فلهؤلاء ” قد انتهت أواخر الدهور” (1كو11:10). ولذا لم يتردد بولس الرسول، أن يدعو المؤمنين في هذا الإطار ” إسرائيل الله” (غلا16:6). وأن يعتبر التقيد بإرث العهد القديم رابطة لا تنحل (رو1:11 وما بعده، أف12:2).
إن التقدير الإيجابى للناموس يرجع إلى أنه يحتوى في داخله على البذور الأولى للنقد الجذرى للتفسير الرابونى له. الناموس بحسب تطلعه النبوى هو “مؤدبنا إلى المسيح” (غلا24:3)، أى هو خادم الله الذي يحفظ ويحمى الشعب في فترة العمر الطفولى. ولكن أثناء الزمن الذى يكون فيه الشعب الوارث قاصرًا وتحت أوصياء ووكلاء فإنه لا يفرق شيئًا عن العبد (غلا1:4ـ2). هذا يعنى، أن الناموس لا يحتوى فى ذاته على الملء ولا هو في حد ذاته له قيمة مطلقة بدون ملء المسيح. الاختلاف الجذرى بين إسرائيل القديم وإسرائيل الجديد يتمثل في أن الأول يُوصف على أنه وعد وتطلع، بينما الثانى هو الملء والإيمان.
لأجل هذا السبب كل إرث العهد القديم ينبغى أن لا يخلق تبرير وراثى بل أن يُقدر كوعد، طالما هو يرمى إلى أو يهدف إلى الملء العتيد. ونتيجة لذلك فالأبناء الحقيقيون لابرآم هم “نسل الموعد” أي أبناء الموعد وليس أبناء الجسد (غلا28:4،31). إن العهد القديم، في هذا الإطار، هو ” كلمة الموعد” (رو6:9) التي تهدف إلى الإيمان، أي إلى التطلع الحىّ للملء العتيد. ومن هنا تتضح القيمة المزدوجة للعهد القديم، فهو من جهة هو مربيًا لإسرائيل ومهيئًا له للملء، ومن جهة أخرى هو نفسه يتكامل ويكتمل بمجىء المسيا الذي يبدأ به مرحلة جديدة تمامًا.
ج ـ إن انتقاد بولس الرسول ـ جذريًا ـ للتفسير الرابوني للناموس يُلخص في نص (رو4:10): ” لأن غاية الناموس هي المسيح للبر لكل مَن يؤمن“.
إن كلمة غاية أو هدف الناموس وردت في الأصل اليوناني بكلمة “نهاية” Tšloj وبذلك تعنى أن دور الناموس قد توقف. ويكون بولس الرسول بهذا المفهوم قد أبطل اعتقاد الرابونيين في أن التطبيق الكامل للناموس يخلق علاقة صحيحة مع الله، ذلك الاعتقاد الذي يستند على التبرير على سبيل الأجرة. والذي غيّر الناموس إلى عمل للبر وأبطل طبيعته ككلمة وعد تخص التبرير بحسب النعمة وليس بالأعمال. إن مشكلة اليهود أنهم أساءوا تفسير العهد القديم تمامًا وبدلاً من انتظار البر “بالإيمان” بدأوا ينادون “بالبر بالناموس” أي البر على سبيل الأجرة بأعمال الناموس (رو30:9ـ32).
هذا وإن التفسير الخاطئ لإرادة الله يرجع ـ في الأصل ـ إلى قساوة القلب وعدم انفتاح البصيرة، وبكلام آخر إلى التعصب الأعمى لحرف الناموس الذي يُميت. ولذلك فإن اليهودي بقدر ما يدرس الناموس ويطبقه بدقة في حياته بقدر ما يبقى في الواقع ” بعيدًا عن الله ” لأنه يضع أثناء القراءة برقعًا على وجهه وقلبه، وهذا البرقع بدوره يحجب الروح والحياة (انظر 2كو14:3ـ17). ومن الطبيعي أن الغيرة على تفسير الناموس وتطبيقه لابد أن تجلب لليهودي ضميرًا متشدّدًا منفردًا وتبريرًا للذات تجاه الله.
إن البحث في الناموس للتبرير على سبيل الأجرة يعنى ـ جوهريًا ـ الجهل بتبرير الله ومخالفة لإرادته: ” لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله” (رو3:10). ويؤكد بولس على أن ” فعل ذلك ليس بالإيمان بل بأعمال الناموس”. والنتيجة التي نصل إليها في النهاية هي أن الناموس بسبب سوء فهمه ـ من قِبل اليهود ـ تغير إلى قوة للخطية، أي صار لعنة (غلا1.:3،13)، وقد زيد بسبب التعديات (غلا19:3)، وصار يجلب غضب الله ويقود إلى الموت (1كو56:15). لقد توقف عن خدمة البر بالإيمان أي عن الحياة والحرية وخاصم هكذا إرادة الله المحررة.
هذا بالتأكيد لا يعنى، أن الناموس في حد ذاته هو خطية (رو7:7)، الإنسان بالناموس حصل فقط على “معرفة الخطية” (رو20:3)، والخطية وهى متخذة فرصة بالوصية أنشأت فيّ كل شهوة كما قال بولس الرسول (رو7:7ـ13). بهذه الطريقة الناموس ـ في ذاته ـ هو روحي وصالح، وأيضًا حاملاً للخطية ومظهرًا لشهوة الجسد. وهكذا ظهر الانقسام في الإنسان، فبينما في أعماقه يشتهى الصلاح، إلاّ أنه في الواقع يجد نفسه مُجبر على ناموس الشهوة.
وهنا تكمن أيضًا المشاركة الإيجابية للناموس في إطار العهد القديم، فبينما هو من جهة يجعل الإنسان يعي مأساته الدرامية، إلاّ أنه من الجهة الأخرى يعده لقبول الناموس الروحي الجديد والحرية الجديدة. إن المأساوية التي جلبها الناموس القديم قد تجسدت في الصرخة التي أطلقها بولس الرسول ” ويحي أنا الإنسان الشقي مَن ينقذني من جسد هذا الموت؟ ” (رو24:7).
د ـ إن الرسول بولس يُعطى من خبرته الشخصية إجابة مباشرة على السؤال الوجودي المؤثر السابق قائلاً: ” أشكر الله بيسوع المسيح ربنا“ (رو25:7).
فالمسيح بالصلب والقيامة حقق مطلب الناموس، والذي كان من المستحيل على إنسان أن يتممه، أي موت الخطية، واشترانا هكذا من لعنة الناموس إذ ” صار لعنة من أجلنا” (غلا13:3). لقد حرّر المسيح الإنسان جذريًا من ناموس الخطية والموت، ودشن ناموس روح الحياة الجديد (رو2:8). وهذا يعنى، من جهة فهم الناموس أنه أبطل قوة الحرف الميت والعبودية له ووهب للمؤمن حرية الناموس والنعمة. لقد حدَّد بولس موقفه من الناموس عمومًا بالتجديد في المسيح عندما قال: ” الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا ” (2كو17:5).
أى أنه ينبغى أن يُفهم على أساس “غايته” أو “نهايته”، أى على أساس الحرية في المسيح. إن العهد القديم لا يجب النظر إليه كناموس، لكن كإرادة الله المحررة في الحاضر، ولا يجب فصله عن العهد الجديد بل يجب ضمه إلى إنجيل المسيح الجديد. كلما قرأ اليهودى الناموس، بدون إيمان، فإن حجاب ثقيل يُغطى عقله وقلبه. لكن عندما يؤمن بالمسيح، عندئذٍ فقط سيسقط البرقع عن عينيه وينفتح عقله (2كو11:3 وفيما بعد).
لأجل هذا السبب يرفع الرسول بولس الناموس، والأوامر الأخلاقية والقانونية والتعبدية إلى مستوى روحى عظيم. ويرى أن الرموز والظلال والأمثلة تتوقف وتترك موقعها عندما تكتمل الأمور العتيدة. فالختان اليهودى الذي هو حسب الجسد قد أُبطل (غلا7:5، 15:6، 1كو19:7) وحل مكانه ” ختان القلب الذى هو حسب الروح” (رو29:2) أي ” ختان المسيح ” (كو11:2).
إن جسد المؤمن صار هيكل جديد للروح (1كو16:3) والجماعة المسيحية صارت ” هيكل الله” (2كو16:6). وبدلاً من الناموس القديم أصبح للمؤمن ” ناموس المسيح” (1كو21:9). وبدلاً من ذبيحة الفصح اليهودي، تأسست العبادة العقلية والذبيحة الحية لأعضاء الجسد (رو1:12)، وبدلاً من خدمة الحرف حلّ الحديث عن خدمة الروح (2كو6:3ـ8) …الخ. كما أن الحجاب الذي كان بين اليهود والأمم ـ والذي أقامه الناموس ـ سقط تمامًا، إذ أن المسيح أبطل ” ناموس الوصايا في فرائض” وصنع من الاثنين إنسانًا جديدًا ” صانعًا سلامًا” (أف14:2 وما يليه).
فإن ” كنوز الحكمة والمعرفة” (كو13:2) لم تعد تُوجد بعد في العهد القديم، لقد تجسدت هذه كلها في شخص المسيح. إن كل الناموس يُلخص في وصية المحبة للقريب (غلا14:5). لكن، في إطار التجديد، لا يمكن السلوك مرة أخرى في ناموس الوصايا، وفي عبودية الحرف. لذلك رفض بولس التشريع الناموسي وتعليمه الفريسي واعتبرهما نفاية (في7:3)، ولم يتوانى في كشف تردد بطرس، عندما تجنب مخالطة المسيحيين من الأمم خائفًا من الذين هم من الختان (غلا6:2 وما يليه)، كما أنه في المجمع الرسولي لم يتراجع أمام المسيحيين اليهود في رفض مطالبة المسيحيين الأمم حفظ الختان (غلا6:21 وما يليه).
ومثل المسيح سيده كرز، بنفس الحسم القاطع، بأنه ” قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم من النعمة ” (غلا4:5). إن ألقاب وامتيازات شعب إسرائيل التي تحدث عنها بفخر في (رو4:9ـ5، 16:11ـ24) تحولت ـ عنده ـ إلى شعب المسيا، الشعب الجديد، شعب الإيمان بحسب الوعد. إن نظام العهد القديم كله قد أُخذ وجُدد داخل عهد النعمة والإيمان والروح.
يتبع: القراءة الإنجيلية للعهد القديم (3) الإنجيليون والعهد القديم – د. جورج عوض إبراهيم
1 هذه سلسلة من المحاضرات أُعطيت في كورس الدراسات الآبائية الذي ينظمه المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية منذ عام 2002م في مادة الآباء والكتاب المقدس.
2 “الناموس” هو أولاً الخمس كتب للوصايا الأخلاقية والقانونية والتعبدية.. الخ. وثانيًا: الكتب النبوية وأيضًا كتاب المزامير (راجع رو19:3، 31:21، 1كو21:14، 34 ..الخ).
3 Péser : هي المجموعة التي تبنت الفهم الأخروي لأحداث وتعاليم الكتاب في محاولة لتطبيق هذه المفاهيم على حياتهم الواقعية (كما سبق أن شرحنا من قبل).
القراءة الإنجيلية للعهد القديم (2) الإنجيليون والعهد القديم [1]
التعاليم اللاهوتية واللغة – رؤية أبائية – القس اثناسيوس اسحق حنين
التعاليم اللاهوتية واللغة – رؤية أبائية – القس اثناسيوس اسحق حنين
التعاليم اللاهوتية واللغة – رؤية أبائية – القس اثناسيوس اسحق حنين
مقدمة:
اللاهوت θεολογία)) هي كلمة يونانية تتكون كمعظم الكلمات اليونانية من مقطعين الأول (Θεός ) ويعنى الله والثاني (λόγος ) أي الكلام أو الحديث، فيصير المعنى: الكلام عن الله أو الحديث في الإلهيات. ويخبرنا الآباء بأن الثيؤلوجيا هي التعليم عن الثالوث وعلاقة الله بالخليقة[1] . بينما اللغة هي أداة التواصل بين البشر ونحن نعلم أن التعليم عن الله واحد لا يتغير ولا يتطور ولا ينحصر في لغة بشرية[2]، بينما اللغة تتغير وتتطور وتنحصر في حدود جغرافية وثقافية معينة.
1 – برج بابل والعنصرة والعلاقة بين الله واللغة:
أول قصة لعلاقة الله باللغة والتاريخ يقدمها لنا الكتاب المقدس في صورة رمزية ولغوية رائعة في قصة برج بابل، حينما يقول الوحي الإلهي ” وكانت الأرض كلها لسانا واحدا ولغة واحدة” (تك 11:1).
لكن عندما قرَّر أولاد نوح ونسله، لأن حسب شهادة الكتاب المقدس ” من هؤلاء تفرقت الأمم في الأرض بعد الطوفان ” (تك 10: 32)، أن يستغلوا اللغة الواحدة لأغراض مضادة لمقاصد الله، فرأى الله بسابق علمه أن اللغة الواحدة لن تكون وسيلة لنشر ملكوته وإنهم إستخدموها لخدمة أغراض خاصة لم يفصح عنها كاتب سفر التكوين ولكنها لاشك لا ترضى الله (تك 11:6 ). فقام الله لأول مرة في التاريخ بالتدخل لتغيير مسار لغة البشر ببلبلة ألسنتهم وفى الترجمة السبعينية البلبلة تعنى إثارة الاضطراب واللخبطة والارتباك الذهني والتشويش النفسي.
كما أن الله تدخل بعد ذلك في العنصرة لتصحيح مسار البلبلة اللغوية وتحويلها إلى سيمفونية تمجيد لعظائم الله، ففي العنصرة كانت السماء تبارك التعددية الثقافية واللغوية، والسبب أن البشرية قَبِلت هذه التعددية وجاءت بقرابينها الروحية والثقافية واللغوية وألقتها تحت أقدام الروح القدس في العنصرة فأعادها إليهم في الروح وحدة وانسجام((συμφωνία وتمجيد وكرازة، ومما ساعد على تجاوز صراع الثقافات يوم الخمسين أن جميع الذين كانوا يمثلون أقطار العالم في ذاك الزمان ” كانوا معا بنفس واحدة ” (أع 2:1-13) [3]
ومن بعد حادثة برج بابل بدأنا نسمع عن لغات قومية بالمعنى المعاصر أي علم اللغة ” في ذلك اليوم يكون في ارض مصر خمس مدن تتكلم لغة كنعان وتحلف لرب الجنود” (إش 19: 18 ). [4] وبدأت اللغة تأخذ طريقها الطبيعي فنجد أنها في بعض الأحيان غامضة عن الإدراك، ويؤنب الكتاب المقدس الشعب أنهم وإن تكلموا لغة واحدة وحظوا بعناية الله، إلا أنهم ” الشعب الشَّرِسَ لاَ تَرَى. الشَّعْبَ الْغَامِضَ اللُّغَةِ عَنِ الإِدْرَاكِ، الْعَيِيَّ بِلِسَانٍ لاَ يُفْهَمُ” (إش 33:19). والرسول بولس يتكلم عن قوة اللغة (1كو14:11 ) وحينما قالت الجارية ومن معها لبطرس ” إن لغتك تظهرك ” (مت 26:73)، كانت تعنى لغته الأم الفعلية أي العبرانية.[5]
2 -اللاهوت واللغة في العهد الجديد وعند الآباء:
التيارات البروتستانتية المعاصرة إنطلقت من أرضية إن الكلمة تكشف جوهر الإعلان الإلهي وأن مركز الاهتمام هو العظة وليس الافخارستيا وانه ليس من مسافة كيانية بين الله والبشر، وهذا يعني أن الله والكون شئ واحد لا فرق بينهما. وعلى هذا الأساس فلغة الكتاب تتطابق مع الإعلان الإلهي. أي يتم تقديس اللغة، وتكون العظة والتحليلات اللفظية لمعانيها هي بمثابة الإعلان الإلهي، وهذا يؤدى إلى تهميش الأساس الكنسي والإفخارستى للكلمة، ويؤدى إلي تأليه اللغة. ويسود في العالم الغربي ومَنْ يتأثرون به في الشرق، المنهج التحليلي والتفسيري للكلمة. ولاشك أن هذا المنهج اللغوي في التحليل قد استثمره كبار الوعاظ في كافة الطوائف، ومن أهم أثاره انه يحدث انبهار نفسي عند العامة والبسطاء ويتركهم أسرى الألفاظ وتأويلاتها.
3 – الأساس الفلسفي لعلاقة اللاهوت الغربي باللغة:
نحتاج أن نقف قليلاً لنتأمل الأسباب الجوهرية وراء تركيز الغرب على التحليل اللغوي والتفسير الكتابي، فهذا الأمر يتعلق بخلفيات ثقافية وفلسفية خاصة بمسيرة الإنسان الغربي وتاريخه. فالحركة البروتستانية مع كل إحترامنا ولكننا نتكلم علميًا لم تظهر في الشرق وليس لها جذور شرقية. فالفكر الفلسفي الغربي منذ العصور الوسطى مرورًا بتوما الأكويني هو الإبن البكر للفلسفة الوضعية الأرسطوطالية. وحديثًا إهتمت الفلسفة في الغرب باللغة ومعناها ودورها في الفكر الفلسفي وهذه اللغة بالطبع هي اللغة نفسها التي يستخدمها الدارسون، ومنذ بداية القرن الماضي ظهر المفكرون أمثال برتراند راسل ووجهوا نظر الفلاسفة إلى التحليل اللغوي[6]. ومن هنا ونتيجة للمناخ الثقافي الذي كان قد إبتعد عن المناخ الشرقي الصوفي، تأثر المفسرون البروتستانت بالمنهج التحليلي اللغوي، وساَّد في الغرب التحليل اللغوي والبراهين الفلسفية على وجود الله، ووّصل في اللاهوت الكاثوليكي إلى طرح السؤال عما يحدث في الإفخارستيا، وعن ماهية التحول فيما يُسمي باللاهوت المدرسي، بينما ساد في الشرق اللاهوت النُسكي الإختباري، العابد والصامت صمت العذراء أمام البشارة، وإذا أضطر للكلام فلكي يُعَّظِم مع أُم النور الرب ويبتهج بالله مخلصه (لو1).
في الكنيسة وفي اللاهوت الأرثوذكسي الكلمة هي البشارة السارة (ευαγγέλειον) لخلاص الخطاة في شخص المسيح له المجد، والرسول بطرس يفتخر بأنه لم يأت للسامعين بمجرد لغة أو كلمات، ولكن بقوة المسيح وحضوره (2بط16:1). فكلمات الإنجيل هي وصف حقيقي لحقيقة التجسد وعمل وآلام وقيامة إبن الله في زمان تاريخي (على عهد بيلاطس البنطي) ولكن مهما كان الوصف ومهما علا شأن اللغة: “فليس شيء من النطق يستطيع أن يحد لجة محبتك للبشر”[7]. فالمسيحية ليست مجرد عظة لغوية بديعة بل إتحاد بالمسيح وتغيير للحياة، وتجلى الواقع. والدليل على ذلك، أن الرب يسوع أعطى ذاته للبشرية لتحيا به. فاللغة مهما علىَّ شأنها هي الدعوة للذهاب إلى العرس، بينما الدخول إلى العرس هو شركة تفوق الكلام فالإنسان يستلم دعوة العُرس في أي وضع، بينما إذا قرر الذهاب إلى العرس فعليه أن يلبس لباس العرس، ومثال العرس هو مثال معبر عن العلاقة بين الدعوة للعُرس أي الصوت الداخلي، والكشف الإلهي، فالدعوة يتلقاها المؤمن في أي مكان وبأي شكل، فالروح يهب حيث يشاء. فاللغة في الكنيسة الأولى كانت وسيلة للدعوة وللشركة مع المسيح، والحياة في المسيح. وبولس الرسول خير شاهد على ذلك (1كو40:7ـ غلا20:2) فاللغة ـ بشهادة فيلسوف المسيحية ـ لا تفيد شيئًا إذا غابت الشركة الحقيقية مع الإله المتجسد يسوع المسيح، وغابت ثمارها العملية (1كو1:13). والرسول بولس إستخدم تعبير (الإله المجهول)، إستخدم نفس التعبير للكلام عن إله مختلف تمامًا أي (الإله المعلوم)، ويوحنا الحبيب إستخدم نفس التعبير الفلسفي (اللوغوس) لكي يقول أن (اللوغوس صار جسدًا وحل بيننا) (يو1:14). فالكلمة لها ماضي كبير في اللغة من قبل المسيحية، ولكن ماضي الكلمة الوثني وتاريخها لا يمنع تلاميذ المسيح من إستعمالها في سياق جديد تمامًا، لأن الإعلان الإلهي وأن كان يعبر عن نفسه في الألفاظ، إلا أنه فوق الألفاظ ولا ينحبس فيها وظاهرة الهذيذ في الحياة النُسكية، أي شركة صامتة تفوق الألفاظ، فاللاهوت النُسكي والآبائي يلفت النظر إلى أن العمق اللاهوتي أكبر من قدرة الألفاظ، ولهذا خادم الكلمة في الكنيسة، من أجل حياة العالم، يجاهد دائمًا لإنتقاء الكلمات المناسبة لمستوى السامعين، وهو لا يتمسك بألفاظ صعبة من شأنها جرح الضمير الكنسي، وإحداث بلبلة وسط شعب الله. والمثال على ذلك ما حدث مع القديس كيرلس الكبير الذي سعى للصلح مع الأنطاكيين مضحيًا ومتنازلاً عن أجمل العبارات الخرستولوجية العزيزة عنده والتي لم يفهمهما الأنطاكيون.
أيضًا حينما قَبِل المصريون المسيح، أدانوا ماضيهم وأخذوا أجمل أصوات اللغة الفرعونية مع حروف يونانية، وكوَّنوا اللغة القبطية في سابقة لغوية وما أروع أن تنقذ لغة تموت بحروف لغة حية. فالوحي الإلهي أعطى النعمة، والمصريون أبدعوا اللغة، ورغم أن الله نزَّل على الأرض وسكَّن بيننا، إلا أن القبطي لم ينظر إلى لغته على أنها لغة مُنزلة. وهكذا اليونانيون الذين إستطاعوا بنعمة الله أن يروَّضوا لغتهم الجامحة والعنيدة والمتكبرة بفلسفتها لنعمة الإنجيل، نفس الشيء مع السريان والأرمن والأحباش، وفي أكبر الحوارات اللاهوتية يتكلمون الإنجليزية ولا يتكلم أحد بلغته الأم رغم أنه يدافع عن لاهوت كنيسته. فاللغة في خدمة اللاهوت، والحرف في خدمة الروح، والتاريخ مكان خدمة عمل الله.
فالله يعلن عن نفسه بالروح، وتستقبله النفوس المستعدة التي يختارها ليتحول الإعلان فيهم إلى لغة لاهوت. فاللغة ليست موضوع الإعلان الإلهي بل الحب، فالله هو خالق كل الأشياء ومعلن الحق وليس خالق للألفاظ لأن الألفاظ يصيغها الإنسان من أجل الإنسان، والله لا يحتاج لها كما يقول القديس غريغوريوس النيسي ضد إفنوميوس “نحن لا نصنع جوهر الأشياء بل نعطيها أسماء”. والقديس أنطونيوس أذهل الفلاسفة حينما سألهم أيهما أسبق العلم أم الإيمان، أجابوه: الإيمان، فقال لهم: من له الإيمان لا حاجة له للعلم. فكل اللغات تقدر أن تعبر عن إعلان الله ولكن لا واحدة منها تقدر أن تتدعي احتكارها للحقيقة.
والقديس اغناطيوس الأنطاكي يقدم لنا في رسائله أن لاهوته وفكره الكنسي الرائع الذي كتبه في رسائله: من رؤية لاهوتية ومن مواجهته لقضايا ومشاكل الكبرياء والتعالي وعدم احترام التنظيمات الكنسية، إنما قدمه حينما كرز بالروح، وقال أنه سيكتب مرة أخرى لأهل أفسس فقط إذا أراد الرب “وكشف له أمرًا جديدًا”. والأمر الجديد بالطبع ليس إعلانًا جديدًا بل استنارة جديدة، وإلقاء للنور على نقاط لم يتناولها أحد غيره ويحتاجها المؤمنين والكنيسة في جهادها ضد أباطرة وفلسفات هذا الدهر، ولا تتناقض مع المسلّم مرة للقديسين، وحينما كتب اغناطيوس، بالرغم من أنه لا يفصله وآخِر كتابات العهد الجديد سوى عشر أعوام، جاء بأشياء جديدة فهو أول من سمى نصوص العهد الجديد (بالإنجيل). وقد قام عليه الذين يعبدون الحرف، وإحتجوا بأن ما يقوله لم يَرِد في الكتاب المقدس[8]، فأجاب الشهيد اغناطيوس: بأن الإنجيل بالنسبة له ليس كلمات محدودة أو مجرد نصوص فقط، بل هو شخص المسيح “الإنجيل بالنسبة لي هو المسيح وهو الصليب وموت السيد عليه والقيامة والإيمان بالرب”[9]. فإغناطيوس نظَّر إلى لغة الإنجيل كدعوة إلى الدخول في سر المسيح والكنيسة، فكتب لنا تراثًا لاهوتيًا وكنسيًا ليس موجودًا حرفيًا في الإنجيل، إلا إنه يتفق مع جوهره وقصده. ولقد تبنت الكنيسة رؤيته اللاهوتية وضمتها لتراثها اللاهوتي والآبائي.
4ـ الخبرة اللاهوتية واللغة بين القديس أثناسيوس والمبتدع آريوس:
الخبرة الروحية والبصيرة اللاهوتية هي البركات والعطايا الآتية من دموع التوبة والصوم والمِطانيات والقراءة والسهر، وفوق ذلك كله فعل الروح القدس في داخل النفس[10]. وهناك فارق كبير بين اللغة والبصيرة اللاهوتية، وبين كلام الحكمة المقنع وسمو الكلام، وبين برهان الروح والقوة (1انظر كو1:2). والدليل على المسافة الكبيرة بين اللاهوت كإعلان لمقاصد الله وتدابيره وبين اللغة كوسيلة التعبير والتفسير لهذه المقاصد ظاهرة في علاقة الرب بتلاميذه. فقد كان السيد يكلمهم بلغتهم الأم وفي كثير من الأحيان لم يفهموا كلامه عن ملكوت الله، وعن شخصه المبارك، وبعضهم قال أن هذا الكلام (اللغة) صعب وبعضهم رجعوا إلى الوراء ولم يعودوا يمشوا معه (يو60:6ـ66). إستعملوا نفس اللغة وغاب التفاهم. فاللغة، إذن، مهما كُشِفَت ومهما شُرِحَت لا تكفي لكي يقبل الإنسان الحقيقة. فالإنسان يحتاج، في الوقت الذي يستمع فيه إلى كلمة الله، إلى نور خاص يفتح عيون ذهنه (لو13:24ـ35) لكي يقبل حقائق الإيمان التي تعبر عنها كلمات الرب، وعمل الإستنارة يقوم به الروح القدس في تآزر مشترك مع الإنسان نفسه. ولهذا فالرب لم يكتفي بالكلمات واللغة بل قدَّم جسده في الإفخارستيا. ولم تكتف الكنيسة بترديد كلمات التأسيس فقط (مت26:26، مر22:14، لو19:22، 1كو23:11). بل تستدعي الروح القدس لأن قوة الله الحقيقية لا تقتصر على الحروف بل على الحضور[11]. ورغم أن الرب يسوع أعطى بنفسه كلمات التأسيس للإفخارستيا، إلا أن الكنيسة رأت بروح الرب أن تستدعي الروح القدس لكي يقوم بتحويل كلمات الرب نفسه إلى فعل وسر وحضور وبهاء ليتورجي، هكذا هناك احتياج كبير لأن يقوم الكاهن بإستدعاء الروح القدس الأقنوم الثالث لكي يحوَّل بنفس كلمات الرب التأسيسية الخبز والخمر إلى جسد ودم المسيح، ويتم السر الآن وهنا في أعظم مدن الحضارات والثقافة، وفي أبسط القرى والنجوع. وظهرت الليتورجيات بأشكالها وأحجامها المختلفة، ومَنْ يرفض الليتورجيات ويمتنع عن التأمل فيها يَحرِم نفسه أولاً من خبز الله على حد تعبير القديس إغناطيوس، ومن ناحية أخرى لا يستمتع بالتأمل بالمعنى الآبائي لعمل الروح في لغات وموسيقى وثقافات وتراث البشرية. ولهذا فمن نافل القول أن نؤكد على أن اللاهوت الليتورجي من أهم فروع الدراسات اللاهوتية اليوم في العالم، الفرع الذي يدرس ويتمعن في (هذا السر العظيم الذي للتقوى)، وهكذا تصير الإفخارستيا سر إستعلان الثالوث. يا لها من سيمفونية سماوية وإبداعات لاهوتية وكنسية. وهكذا أيضًا يحق للمصلي في القداس القبطي أن يُسبح مع القديسين قائلاً: “نسبحك ونباركك ونمجدك ونشكرك يا رب لأجل هذه النعم العظيمة)[12]. فالتعليم اللاهوتي في كنيستنا يتحول إلى تسبيح وتمجيد وشكر ولم يكن أبدًا قضية لغوية وفكرية.
فاللغة ضرورية ولكنها ضعيفة، فكنز الإختبارات الروحية موضوع بالضرورة وللضرورة في أواني إنسانية ولغوية وحضارية خزفية (2كو7:4)[13]. ولقد ظهرت هذه القضية بوضوح في القرن الرابع الميلادي في العصر الذهبي للآباء الكبار، فآريوس الذي درَّس وفسَّر الكتب المقدسة كثيرًا علَّم أن الإبن الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس هو مخلوق، وليس إله حق من إله حق، بينما القديس أثناسيوس الذي يعرف نفس اللغة التي يستخدمها آريوس برَّهن بطرق عديدة أن الإبن له ذات طبيعة الآب فهو الله الحقيقي بحسب الطبيعة[14]. والشيء المذهل أن أثناسيوس قد قرأ نفس الآيات الكتابية التي قرأها أيضًا آريوس ” أنا والآب واحد” (يو30:10).
وأيضًا: “من رأني فقد رأى الآب” (يو9:14). ولكن فهمهما للآيات وُجِد على طرفي نقيض، فأثناسيوس عاش وذاق كل مسيرة التدبير الإلهي، أي كل روح وفكر الكنيسة ولديه إختبار عميق للحقائق الإلهية، ولم يستطع أثناسيوس بالرغم من إستعماله لآيات كثيرة أن يقنع آريوس[15]. والسبب أن آريوس رغم أنه يعرف لغة وكلمات وتركيبات الأسفار المقدسة اللغوية، إلا أنه كما قلنا مرارًا لم يحصل على خبرة اللاهوت الحقيقية التي تكمن في لغة وكلمات وتركيبات الأسفار المقدسة كما عرفها وذاقها وإختبرها أثناسيوس.
نقول المعيار هو الحقيقة الإلهية التي يعبر عنها اللفظ وعلى أساس (النعمة والحق) تتشكل الكلمات والنعوت والأسماء وليس العكس أبدًا. وعلى هذا الأساس فكل تعبير لاهوتي يجب أن يكون في انسجام وتوافق مع ما يعلمه تقليد الكنيسة منذ بدايتها من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يتوافق هذا التقليد مع المناخ الثقافي واللغوي المعاصر.
السؤال الآن هو: هل معنى كل ما سبق عن العلاقة الحوارية بين التعليم اللاهوتي واللغة، والإعلان والتفسير، تعني من قريب أو من بعيد أن الإعلان الإلهي يتطور وينمو؟، وهل وجود مجامع مسكونية وصياغتها للعقيدة يعني تغييرًا وتحولاً في جوهر الإعلان الإلهي، أم شأنًا تدبيريًا يخص إحتياجات، وأسئلة جديدة للناس لم تُثار من قبل، وإلا فما معنى (جددًا وعتقًا)؟، وهل الرسل والآباء والكنيسة من بعدهم قد حوَّلوا حقيقة الإنجيل كما يدعي بعض الهراطقة المعاصرين؟. لقد عكف العلماء واللاهوتيين على دراسة هذا الأمر وأجابوا بالنفي القاطع، فالكنيسة بما فيها من تراث وحق، وتسليم وتعليم هو أصيل وهو لا يخضع بأي حال لعملية التطوير أو التحسين، لأن كل هذا هو ثمرة عمل الروح القدس في الكنيسة والرسل ما دامت هي كلمات وتعاليم الرب يسوع وتلاميذه، واللاهوت الآبائي هو مستودع خبرات الكنيسة، فالحق الإلهي لا يزيد ولا ينقص (رؤ18:22ـ19)، والذي يحدث وحدث في تاريخ الكنيسة أنه كلمَّا تواضع الإنسان وتجرّد من الأهواء تزداد درجة رؤيته واختباره للحقائق اللاهوتية، ويقدم رؤية لجانب من جوانب التدبير الإلهي لم يسبقه إليها أحد. فكل مُعلم لاهوتي خادم لسر المسيح في الكنيسة والتاريخ يقدم مشاركته ومساهمته المتواضعة في شركة الحب والخضوع إنطلاقًا من مبدأ الشركة في المواهب.
فاللاهوت الآبائي كان أُحاديًا فيما يخص الله وإعلانه عن نفسه، وكان حواريًا إلى أقصى درجة الحوار فيما يخص خلاص الإنسان، والتواصل الثقافي والحضاري مع الشعوب التي قَبِلت الإعلان، والبحث عن آليات ووسائل للتواصل مع هموم وشجون الإنسان في كل عصر.
ولقد أشار إلى ذلك القديس إيرينئوس والقديس باسيليوس في المحاور التالية:
1ـ لا يضيف أحد في الكنيسة حقائق جديدة ولكن الذي يحدث هو إتساع مساحة فهمنا نتيجة نمونا في النعمة، وإذا وُجِد زيادة فهي لتكميل التعليم نتيجة أسئلة جديدة وليس تغيير في الحقائق اللاهوتية.
2ـ الإضافات اللاهوتية الجديدة تأتي موازية في نطاق المعرفة والتي يعطيها الروح القدس لآباء الكنيسة، فالزيادة حسب باسيليوس هي في فروع الشجرة بينما الجذع واحد[16].
+++++++
1 راجع المُعجم الابائى:Lampe – اكسفورد 1981، ص 627 ـ 628.
2 الخولاجى المقدس – دير البراموس العامر، ص 325.
3 الآباء يرون فى العنصرة تصحيحا لمسيرة البشرية بعد برج بابل، راجع قاموس لامبى الخاص بالآباء (البنتكوستى Pentecost ) ص 1060 .
4 راجع اشعياء 33:19 – مت 26:73 – اع 2: 6 ,
5 البروفسور ترمبلاس يرى أن لغة بطرس هى لهجته المحلية التي تميز قومه، انظر العهد الجديد مع تفسير مختصر إصدار حركة التكريس سوتير عام 1986 .
6 ستليانوس بابادوبلوس، اللاهوت واللغة بين اللاهوت الاختياري واللغة المعبرة، اثينا 1988م. ص9 (باللغة اليونانية).
7 ستليانوس بابادوبلوس، المرجع السابق، ص17
8 الرسالة إلى فيلادلفيا 2:8.
9 نفس المرجع السابق.
10 راجع عظات القديس مقاريوس عن عمل الروح القدس داخل النفس، إصدار مركز الدراسات الآبائية.
11 غريغوريوس النيسي ضد افنوميوس وانظر (مت27:26ـ29، ومر22:14ـ24، ولو19:22ـ20).
12 قسمة صوم الرسل ـ الخولاجي المقدس ـ إصدار دير البراموس العامر، ص528.
13 أن فضيلة التكلم باللغات أو الألسنة في الكنيسة الأولى في كورنثوس هي دليل ساطع على الصراع الذي قاده الرسول بولس بين المحبة والمواهب الروحية واللاهوتية وبين اللغات. ولقد أصّر بولس على أن اللغة وسيلة لبنيان المؤمنين في لاهوت الشركة والوحدة وتعدد المواهب أي في لاهوت الحب ” أشكر إلهي إني أتكلم بألسنة أكثر من جميعكم. ولكن في كنيسة أريد أن أتكلم خمس كلمات بذهني لكي أعلم آخرين أيضًا أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسان” (1كو18:14ـ19).
14 ستليانوس بابا دوبلوس، المرجع السابق، ص39.
15 نفس المرجع السابق، ص41.
16 ستليانوس بابادوبلوس، ص124.
التعاليم اللاهوتية واللغة – رؤية أبائية – القس اثناسيوس اسحق حنين
الرؤية الرعوية واللاهوتية في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (2) د. سعيد حكيم يعقوب
الرؤية الرعوية واللاهوتية في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (2) د. سعيد حكيم يعقوب
الرؤية الرعوية واللاهوتية في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (2) د. سعيد حكيم يعقوب
إقرأ أيضاً: الرؤية الرعوية واللاهوتية في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (1) د. سعيد حكيم يعقوب
تعاليمه اللاهوتية:
لقد اهتم بتقديم كتابات تتسم بالعمق والبساطة والوضوح. وفي هذا المجال قدم سلسلة عظات تحمل رؤيته اللاهوتية في بعض الموضوعات التي تمس الإيمان المسيحي. ورغم أنه قد انشغل بشكل أساسي بأعمال الرحمة في خدمة الفقراء والمعوزين، وكرّس جزءًا كبيرًا من حياته في خدمة كل من له احتياج، ورغم تأكيده على أن الحياة التعبدية لا يمكن ولا ينبغي أن تبقى في عزلة عن الحياة العملية، حيث إن التقوى عنده لم تكن بديلاً عن الخدمة والعمل من أجل المحتاجين، إلاّ أنه قد خصص وقتًا ليس بالقليل للرد على الهرطقات، وللرد على اليهود واليونانيين ثم قدم مجموعة عظات عن جوهر الله غير المدرك، مكونة من 12 عظة، وهى مقسمة إلى قسمين كما يتضح من محتواها:
1 ـ ضد الأنوميين[1] (من عظة 1ـ6).
2 ـ عن وحدة الجوهر الإلهي (من عظة 7ـ12).
وقد ألقاها في خريف سنة 386 ومطلع سنة 387 في مدينة أنطاكية، باستثناء العظتين الأخيرتين اللذين ألقاهما في مدينة القسطنطينية سنة 398[2]. ونظرًا لخطورة الأفكار التي نادى بها الأنوميين على نقاوة العقيدة وسلام الكنيسة، فقد قام ق. يوحنا ذهبي الفم بتخصيص مجموعة من العظات للرد عليهم وتفنيد آرائهم المنحرفة وكشف مدى زيف هذه الآراء وخطورتها. ولكي يخصص ق. يوحنا ذهبي الفم سلسلة طويلة من العظات للرد عليهم، فهذا يشير إلى أن المشكلة التي أثاروها، كانت مشكلة خطيرة. فبرغم مرور أكثر من نصف قرن على إدانة الآريوسيين ( من قِبل المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325) إلاّ أنها كانت موجودة بأشكال متنوعة، وتتسم بالغرابة والتناقض، ولأنه راعي أمين على رعيته، فلم يكن يرغب أن ينحصر في موقف الدفاع، بل شن هجومًا شديدًا على خصومه، وكان يهدف من وراء ذلك، ليس فقط دحض آراء خصومه المنحرفة، بل وأن يُقيم أولئك الذين سقطوا، كما عبّر هو نفسه عن ذلك، بأن هذا كان هدفه وفي ذلك كانت سعادته. هذه العظات تقدم لنا ق. ذهبي الفم كمعلّم لاهوتي مقتدر، صاحب رؤية متميزة تستند على تعاليم الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وأيضًا على تقليد الآباء. أيضًا كمعلّم قادر على كشف زيف الهراطقة وإدعائاتهم الباطلة.
ففي عظاته الخمس الأولى ينقض آراء الأنوميين الخاصة بإمكانية معرفة جوهر الله. لأنهم نادوا بأن الإنسان لديه الإمكانية لمعرفة جوهر الله، وهذا ما اعتبره ق. يوحنا ذهبي الفم تزييف وخداع. وقد استند في رؤيته على الأنبياء وعلى تعاليم القديس بولس. فيرى أن الأنبياء قد تحيروا في إدراك جوهر الحكمة الإلهية، وحكمة الله تأتي من جوهر الله، وطالما أن حكمة الله تظل غير مدركة، إذًا فالجوهر الإلهي، سيبقى على كل الأحوال أمر غير مُدرك. فإذا كنا نجهل طاقات الله (ενεργšιες του θεού) التي استُعلنت في الخليقة، والتي يدعوها ذهبي الفم (oikonom…a)، فهل يمكن أن ندرك جوهر الله؟ وقد ادعى الأنوميون أيضًا ” أن الإنسان يعرف الله معرفة جيدة، تمامًا كما يعرف الله ذاته ” يرفض ق. يوحنا ذهبي الفم هذا الإدعاء، ويستند في هذا على أن الإنسان في ذاته هو (تراب ورماد) (تك27:18). ولكنه كما يؤكد قد أخذ موهبة الحرية كتكريم له، وهذه الموهبة تُعطى له قيمة كبيرة. ومع هذا فلا ينبغي للإرادة الإنسانية أن تتباهى، بالإدعاء بأن لديها إمكانية لإدراك جوهر الله بالعقل. إن الإنسان ليس فقط لا يمكنه إدراك جوهر الله، بل ولا يمكنه إدراك جوهر ذاته، طالما أنه لا يعرف ماهية نفسه، ولا العلاقة بين النفس والجسد. ولذلك فعلى الإنسان أن يُسلّم ذاته لله بلا شروط وبلا نقاش، تمامًا مثل الإناء في يد الفخاري إذًا ما أراد أن يأتي في علاقة مع الله[3].
والدليل على ضعف الإنسان عن إدراك جوهر الله، هو جهله بالعالم الطبيعي الفوقاني. لكن جهل الإنسان، غير مرتبط بوجود الله، بل بماهية جوهر الله. ثم يشير إلى الكثير من رسائل ق. بولس، ليؤكد على أن الرسول بولس نفسه قد أكد على أن معرفته بالله، هى معرفة محدودة، فإن كان بولس يُنكر على نفسه المعرفة التامة عن الله، كما جاء في رسالته إلى أهل فيلبي (في13:3)، فكيف يستقيم إدعاء الأنوميين حول إمكانية إدراك جوهر الله؟ إن الحقيقة لا يُعلّمها كلام بشري، بل سيُعلنها الله (في15:3).
ثم يستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم قائلاً إن الله غير مدرك من الملائكة أيضًا. ومن المعروف أن الفرق بين البشر والملائكة فرق كبير، بقدر الفرق بين الأعمى والمبصر. بل أن الإنسان لا يستطيع أن يدرك جوهر الملائكة، ثم يتساءل وهل معرفة الإنسان هى معرفة كافية؟ يقول إن المعرفة الحالية تختلف عن المعرفة المستقبلية على قدر اختلاف الإنسان الناضج الذي يعرف ماهية نفسه، عن المولود الذي يرضع (1كو13). فالمعرفة الحالية هى معرفة جزئية. على سبيل المثال أنني أُدرك أن الله حاضر في كل مكان، وهو بلا بداية وبلا نهاية. وأنه غير مولود، ويلد الابن، ومنه ينبثق الروح القدس، لكنني أجهل كيف يحدث كل هذا. فالله لا يُعبر عنه، لا يمكن إدراكه، وغير مرئي ويعلو على قدرات الإنسان الذهنية، لا يمكن فحصه حتى من الملائكة، ولا يُدركه الشاروبيم، ولا تستطيع الرئاسات والسلطات والقوات أن تفحصه، وأن الابن والروح القدس هما فقط مَن يعرفان الآب[4].
في العظة السادسة والتي ألقاها سنة 386 قبل الاحتفال بعيد الميلاد بقليل، وهو العيد الذي يصفه بأنه (عيد الأعياد) لأن منه أخذت الاحتفالات الأخرى بدايتها (الظهور الإلهي ـ القيامة ـ الصعود ـ عيد الخمسين). يؤكد بأن تأنس المسيح هو سر يفوق الإدراك.
وفي القسم الثاني من العظات (من 7ـ12) والذي يحمل عنوان “وحدة الجوهر الإلهي” نجد أن الموضوع يتغير في الفقرة الثانية من العظة السابعة ويبدأ بعبارة ” إن كان الابن له نفس القوة ونفس السلطان وهو من نفس جوهر الآب ” ويعلق بأن هذا الموضوع لا ينبغي أن يكون موضوع بحث خاصةً وأن الكنيسة قد أخذت موقف رسمي في مجمع نيقية سنة 325م. لكنه حين يُناقش هذا الموضوع، فلكي يُقنع المعارضين، بأن الابن هو واحد مع الآب في الجوهر، ويستند في ذلك أولاً، على أساس الكتاب المقدس، وثانيًا، على رؤية البشر المشتركة كيف أن ” ذلك الذي يلد هو واحد في الجوهر مع مَن ولده “، ثالثًا: يستند إلى الطبيعة المشتركة للأشياء.
أما فيما يتعلق بالعظة الثامنة فهى من حيث المحتوى لا علاقة لها بهذا القسم من العظات، إذ يقول ذهبي الفم ” لقد سبق هذا جدل مع الهراطقة، الذين أشاروا إلى (مت23:20) لكي يؤكدوا على أن المسيح ليس له نفس سلطان الأب. لكنه ينصح بدراسة مُدققة ومتأنية للكتاب المقدس، لأنهم في حالات كثيرة يسيئون التفسير. ومرة أخرى ينقض إدعاء خصومه من خلال نصوص الكتاب المقدس، وفي بقية العظة يُقدم تفسيره الشخصي للجزء المشار إليه (مت21:20)، لكي يُزيل الشكوك التي ربما قد تكون طرأت على أذهان المستمعين.
وفي العظة التاسعة يُشير إلى قيامة لعازر، ويرد على الهراطقة الذين قالوا بأن المسيح قبل أن يُقيم لعازر صلّى إلى الآب، إذ قالوا ” كيف يمكن لذاك الذي صلى أن يكون واحد في الجوهر مع مَن يصلي إليه ” إذًا فالمسيح ليس واحدًا في الجوهر مع الآب. يرد ق. يوحنا ذهبي الفم ناقضًا هذا الإدعاء، بأسلوبه المعتاد متسلحًا بنصوص الكتاب المقدس. إذ يقول إن الصلاة لم تكن لأجل القيامة، بل لأجل تعليم من كانوا حاضرين في تلك الساعة. فصلاة يسوع لا تمثل برهانًا على عدم وحدته في الجوهر مع الآب. لأنه كثيرًا ما كان يصلي، لكي يعلّم تلاميذه أن يصلوا. وهل هناك طريقة للتعليم أفضل من التعليم بالمثال؟ الصلاة بالنسبة للمسيح لا تعني نقصًا في القوة، والدليل على هذا أن المعجزات التي صنعها لم تكن يسبقها صلاة[5].
وفي العظة العاشرة يقول إن تجسد الابن وليس الآب ليس دليلاً يُتخذ ضد ألوهية الابن. وحين صار أسقفًا للقسطنطينية في بدايات سنة 398، ألقى العظتين الأخيرتين هناك (عظة11ـ12)، وقد مرّت عشرة سنوات من تاريخ إلقائه للعظات (من 1ـ10) التي ألقاها في مدينة أنطاكية. إلاّ أنه قد واجه في القسطنطينية نفس المشاكل التي واجهها في مدينة أنطاكية، لأن الآريوسية كانت قد انتشرت. في عظة 11 أثناء تجليسه على الكرسي الأسقفي، تحدث عن أن العهد القديم والجديد يتفقان فيما بينهما بشكل مطلق، ويتحدثان عن ألوهية الابن. وفي العظة 12 وهى تعتبر امتدادًا للعظة 11، لأنها ألقيت في وقت قريب جدًا أى في الأحد اللاحق، يتحدث فيها عن شفاء المقعد، ويُدلل بها على ألوهية المسيح، ويدعم هذا من الطريقة التي تحدث بها مع اليهود (يو5ـ17). أما عن عظاته ضد اليهود، فإنه يُظهر فيها أبوة الراعي الذي يعتني بخلاص أبنائه ومصيرهم الأبدي. ثم يشرح موضوع الناموس وأن لا ضرورة له الآن، ولا معنى للتمسك بأحكامه مشيرًا إلى ما كتبه الرسول بولس في هذا الصدد، حيث إن البار أمام الله هو الذي يحيا بالإيمان وليس الذي يحيا بعمل الناموس. وأن ما دعاه لتقديم هذه السلسلة من العظات ضد اليهود هو ما كان يستشعره من خطر جراء تمسك بعض المسيحيين الضعفاء بأحكام الناموس.
لذلك قدم أيضًا سلسلة عظات ضد اليهود، مكونة من 8 عظات ألقيت سنة 386. إذ يذكر في عظته الثانية ضد الأنوميين أن صراعه ضدهم قد تراجع، وأن صراعًا آخرًا ضد اليهود قد بدأ، وهو مُثقل به، حتى يسند الاخوة الضعفاء الذين سقطوا في الخداع اليهودي. إذ كان هناك بعض المسيحيين الذين اعتادوا أن يصوموا وأن يختلطوا مع اليهود. ففي العظة الأولى بدأ يشرح ويوضح أن الناموس كان ضروريًا حتى مجيء المسيح، وبعد مجيئه صار أمرًا زائدًا، فلا معنى للتمسك بأحكام الناموس، مُشيرًا إلى ما كتبه الرسول بولس ” بأعمال الناموس كل ذي حسد لا يتبرر أمامه ” (رو20:3)، لا فرق في هذا بين اليهودي واليوناني ” لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني لأنه ربًا واحدًا للجميع غنيًا لجميع الذين يدعون به لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص ” (رو12:10). وأن في المسيح ” قد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودًا له من الناموس والأنبياء بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون ” (رو21:3ـ22). هذا هو كلام القديس بولس، وكلامه يكتسب أهمية خاصة، بسبب أصله اليهودي. فهو كيهودي يعرف أهمية الختان، وأهمية الناموس بشكل عام. إذًا فالناموس يكتسب قيمة عندما يقود للمسيح، وحيث إن المسيح قد أتى، فهو إذًا بلا نفع كما يقول في عظته الثانية. وفي العظة الثالثة يُشير إلى أولئك الذين يحتفلوا بالأصوام والبصخة على أساس اليوم الرابع عشر من شهر نيسان، سواء كان هذا اليوم هو يوم أحد أم لا. هذه المشكلة وجد لها المجمع المسكوني الأول سنة 325م حلاً وأن عدم قبول البعض لقرارات الكنيسة، قد أثار الضعف داخلها. وبحسب رؤية ق. يوحنا ذهبي الفم، ليست هناك أهمية لعدد هؤلاء حتى ولو كان الرافض لقبول هذه القرارات هو واحد فقط، طالما أن الضعف موجود ويثير خطرًا. ويشرح بأننا نصوم أربعين يومًا بالطبع وهذا من أجل خطايانا، دون أن يرتبط الصوم بسر الآلام والصليب، لأن هذه ليست أحداث حزن، بل هى أحداث فرح، لأن بها خَلُص الإنسان. ثم يستطرد قائلاً إن الشركة في الصوم اليهودي كان يُمثل خطوة أولى، تقود لسقوط المسيحي في شباك اليهودية. ويتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم، كيف يحتفل اليهود بالبصخة ويصوموا في أرض غريبة ووطن غريب، الأمر الذي يمنعه الناموس، وكان قاطعًا في هذه الجزئية (تث5:16ـ6). والأمر الأكثر غرابة بينما هم يخالفون الناموس، يركض المسيحيون نحوهم ويحاكونهم[6].
ويختم العظة الثالثة بدعوة المسيحيين (الإخوة الضعفاء) بأن يعودوا للمسيح، ويُصلي بأن يسود الوفاق والوئام بين الاخوة. ويُشير إلى أنه في عصور أخرى كانت خطايا اليهود كثيرة، منها قتل الأبناء، السقوط في عبادة الأوثان، الجحود، ومع هذا لم يفقدوا رضى الله وحنوه، إلاّ أنهم الآن، لا يمكنهم أن يتمتعوا بهذا العطف بعد. لأنه يقول: ” لقد قتلتم المسيح وسفكتم دمه، وصرتم غير قابلين للإصلاح “. هكذا فإن الكوارث التي حلّت بهم، جاءت نتيجة ترك الله لهم. وقد كان بين الذين يسمعون إليه، يهودًا، قد أراد أصدقاؤهم من المسيحيين أن يستمعوا إليه. ثم يوجه كلمته إلى المؤمنين أن ينتزعوا من المجمع، إخوتهم الضعفاء الذين ذهبوا مخدوعين إلى هناك. ويقول إن الناموس الذي اعتلى الشيب رأسه (أى الذي شاخ)، لا يمكنه أن يُصارع. ويعود إلى عبارة الناموس كيف أن العبادة هى في أورشليم فقط، وبالتحديد في الهيكل، وينتهي إلى نتيجة مفادها، أن هذه الأشياء غير موجودة الآن، لأنها دمرت، وبناء عليه فهذه العبادة لا يمكن أن تصير في المجمع الآن، لأنها ستكون عبادة خارجة على ما يُقره الناموس. ثم يتساءل عن مدى صحة الكهنوت اليهودي الآن، بعد مجيء المسيح، ويقول إن الكهنوت القديم قد انتهى، ونشأ كهنوت جديد على طقس ملكي صادق. لقد تراجع الكهنوت اليهودي، كما تراجع الناموس، لكي يُعطي مكانة للكهنوت المسيحي. إذًا لماذا هذا الاهتمام باليهود وبأعيادهم من قبل بعض المسيحيين؟ ويوجه لهم النصح بالابتعاد عن اليهود، أما بخصوص من سقط من الإخوة في الفخاخ اليهودية، فينصح بجذبهم مرة أخرى إلى حظيرة الإيمان. أما عن الأوصاف الثقيلة واللغة القاسية التي استخدمها ضد اليهود، فلأنه كان يرى الخطر الكبير المحدق بالمسيحيين والذي كان يُهدد سلام الكنيسة ووحدتها، ولأنه راعي حقيقي، فقد شعر بالتزام تجاه حماية رعيته من هذا الخطر اليهودي[7]. أما عن كتاباته ضد اليهود واليونانيين الذين أنكروا ألوهية المسيح، فقد أكد ق. يوحنا ذهبي الفم بحجج قاطعة على ألوهية المسيح له المجد، وهذه الحجج على عكس ما يتوقع المرء، لم تستقى من الكتاب المقدس، بل أنها تستند إلى أحداث تحمل حقائق لا يستطيع أحد أن يتشكك فيها وهى:
1 ـ ما قام به المسيح له المجد من أعمال أثناء فترة حياته على الأرض، هى أعمال متفردة في التاريخ الإنساني، وتتجاوز كل القدرات الإنسانية، وهذا يبرهن على ألوهيته.
2 ـ موت المسيح على الصليب، لم يُشكّل نهاية لعمله الخلاصي، بل هو محطة وبداية جديدة في حياة الكنيسة التي أسسها بدمه. هذا الحدث غير المعتاد في تاريخ الإنسانية يظهر قوة المسيح الفائقة.
3 ـ لقد خرجت مدينة بيت لحم من دائرة عدم الاهتمام وصارت موضع للسجود والعبادة، وهذا حدث آخر لا تخطئه العين ويشهد على قوة المسيح الإلهية.
4 ـ التحول الشامل الذي حدث في نفس ق. بطرس بعد القيامة، وأيضًا في نفوس التلاميذ الآخرين، والذي جعلهم مبشرين بالحقيقة وشهودًا لجراحات المسيح، يُشكّل أيضًا شهادة أخرى لألوهية المسيح.
5 ـ تأسيس الكنيسة في مدة زمنية قصيرة، وفي مناخ مُحاط بالصعوبات والأخطار، في عذابات وميتات، من قبل 12 تلميذ مزدرى بهم، ثم اختيار الصليب الذي كان رمزًا للعنة ليكون أجمل ما في الكنيسة، وسندًا للمؤمنين، بما يشهد كل هذا، سوى بألوهية المسيح.
6 ـ حدث آخر يفوق الفكر البشري بحسب ق. يوحنا ذهبي الفم، وهو أن التعاليم والعقيدة المسيحية، برغم الظروف الصعبة والمعقدة قد انتشرت في كل مكان، وليس هذا فقط بل وازدهرت بشكل فائق. ومن خلال التعاليم المسيحية انفتحت طرق حياة جديدة، وتغيرت العادات والتقاليد القديمة، وحلّت الفضائل محل الشهوات القديمة، وجذب الطريق الضيق والكرب الكثيرين إليه. هكذا تغير شكل العالم، وهكذا تجددت حياة الكنيسة، وهكذا شهد التاريخ أكبر وأعظم ثورة، ثورة النور ضد الظلام، ثورة الحياة ضد الموت، النعمة والبركة ضد لعنة الناموس[8].
بالإضافة إلى هذا كله، يعود ق. يوحنا ذهبي الفم، فيدلل على ألوهية المسيح من خلال النبوات أيضًا، والتي تمت جميعها بلا استثناء في شخصية المسيح. وبشكل خاص يذكر النبوات الخاصة بتأسيس الكنيسة، خراب أورشليم وهيكل سليمان والذي حدث كما هو معروف سنة 70م عندما احتل الإمبراطور الروماني تيطس المدينة. ولم يتجاهل ذكر محاولة الإمبراطور يوليانوس الجاحد، إعادة بناء الهيكل، والتدخل الإلهي لوقف هذا العمل. من ناحية أخرى فإن كتّاب الأسفار المقدسة يُشكّلون بحسب ذهبي الفم دليلاً قويًا جدًا، في مواجهة الرافضين لألوهية المسيح. فهم لا يسجلون فقط معجزات المسيح، بل أيضًا أصله المتواضع، وآلامه وصلبه، وهى أمور كان من الممكن جدًا، بسبب الامتنان والوقار الفائق لمعلّمهم، أن يعبروا عليها ولا يذكرونها.
أخيرًا فيما يتعلق بنهجه اللاهوتي في مجال التعاليم الخريستولوجية فقد كان ق. يوحنا ذهبي الفم يؤكد دومًا على حقيقة المسيح الواحد. ورغم أنه أخذ جسدًا، إلاّ أنه لازال هو الله الكلمة، بلا انفصال أو اختلاط. فما حدث في التجسد هو إتحاد وليس امتزاج، فطبيعته لم تتحول إلى طبيعة أخرى، بل اتحدت بالأخرى.
ويُميز بين تعبير جوهر (ous…a) وطبيعة (fÚsh) ويقول إنها كلمات تعبر عن الطبيعة، وبين تعبير أقنوم (upÒstash) وشخص (prÒswpo) وهى كلمات تعبر عن الشخص. ويقول إن المسيح هو من نفس جوهر الآب[9]. أما من جهة علاقة الابن بالآب، فهو يستخدم صيغة مجمع نيقية سنة 325م، في تفسيره للجزء الخاص بصلاة المسيح في بستان جثسيماني (مت39:26). وقد واجه هرطقات كثيرة ظهرت في ذلك الحين ونادت بأن الابن لم يتجسد، بل كان هذا مجرد اعتقاد وخيال (ماركيون ـ ماني ـ وهرطقات أخرى). قال ” إن هؤلاء شرعوا في هدم التعليم عن التدبير الإلهي. على الرغم من أن الآلام والموت والقبر الفارغ، أمور قد حدثت بالفعل.
[1] الأنوميين: مجموعة من الهراطقة خرجت من رحم الآريوسية، وكانت تتسم بالتطرف الشديد في أفكارها. وهى تنتسب إلى أفنوميوس وهو هرطوقي ظهر في القرن الرابع وقد نادى بأن الابن هو من جوهر مختلف أقل من جوهر الآب، وإن كان قد أخذ وجوده من جوهر الآب وبطريقة مماثلة قالوا إن جوهر الروح مختلف عن جوهر الآب وعن جوهر الابن. إلاّ أنه أتى من طاقة الابن، كأول وأعظم مخلوقاته. (κατά Ευνομίου PG. 30, 861 Δ)
[2] ιωὰννου χρυσοστόμου, Εργα Δογματικά, Αθήνα 1975, σε 13.
[3] ο.π, σελ. 14.
[4] κατα Ευνομίου, Λογος 5,1.
[5] ιωὰννου χρυσοστόμου, Εργα Δογματικά, σελ.15.
[6] ο.π, σελ. 16.
[7] Ο.π, σελ. 174-176.
[8] Χριστου. κρικώνη ” Η προσωπικότητα Ενὸς πολυπὰθους Αγὶου ” θεσσαλονίκη 1996, σελ 235-240.
9 انظر مذكرة علم الآباء للكورسات المتخصصة (القديس يوحنا ذهبي الفم) د. نصحي عبد الشهيد.
