كتاب من صنع الله؟ وإجابات عن أكثر من مئة من الأسئلة الصعبة عن الإيمان – دكتور رافي زكارايوس PDF

كتاب من صنع الله؟ وإجابات عن أكثر من مئة من الأسئلة الصعبة عن الإيمان – دكتور رافي زكارايوس PDF

كتاب من صنع الله؟ وإجابات عن أكثر من مئة من الأسئلة الصعبة عن الإيمان – دكتور رافي زكارايوس PDF

كتاب من صنع الله؟ وإجابات عن أكثر من مئة من الأسئلة الصعبة عن الإيمان – دكتور رافي زكارايوس PDF

تحميل الكتاب PDF

  • اسئلة عن الايمان المسيحي
  • اسئلة صعبة عن الله
  • لماذا لا يمكن للكون ان يكون ازلي الوجود؟
  • كيف يمكن لله ان يصنع شيئا من العدم؟
  • الله ماذا كان يصنع قبل خلقة العالم؟
  • كيف يمكن لثلاثة ان يكونوا ثلاثة اقانيم ضمن الله الواحد؟
  • كيف يمكن اله صالح ان يرسل اناسا الي جهنم؟
  • كيف يمكن لله ان سكون عادل ومحبا في ان واحد؟
  • اسئلة صعبة عن الشر
  • ما هو اصل الشر؟
  • ما هو قصد الله النهائي من السماح بوجود الشر؟
  • أليس من المستحسن ان يقضي الله على الشر حالا؟
  • هل وجود الشر هو برهان على ان الله محدود؟
  • هل الشر مجرد وهم؟
  • هل تستطيع حركة العصر الجديد التي تؤمن بعقيدة الكل هو الله ان تقدم تفسيرا للشر؟
  • هل نحن من صنع واقعنا؟
  • هل يقدم التقمص تفسيرا لوجود الشر؟
  • اسئلة صعبة عن العلم؟
  • هل العلم والمسيحية ( الدين ) حليفان ام خصمان؟
  • كيف ينبغي ان تكون علاقة اللاهوت بالعلوم؟
  • كيف تصف العلوم الحديثة الكون؟
  • من اين اتى الكون؟
  • ماذا نقصد بقولنا ان الكون مضبط بشكل دقيق جدا؟
  • ماذا تعني فرضية وجود عوالم متعدده؟
  • كيف نفسر ما هو الاصل الفعلي للحياة؟
  • كم استغرقت ايام الخلق بحسب سفر التكوين؟
  • هل النظرية الداروينية الحديثة صحيحة؟
  • اسئلة صعبة عن المسيح
  • هل يمكن الوثوق بالمصادر المتعلقة بحياة يسوع؟
  • هل ادعى يسوع المسيح يوما ما انه الله ؟
  • هل حقا اجترح يسوع المعجزات؟
  • هل اتم يسوع النبوات المسيانية؟
  • هل قام يسوع من بين الاموات؟
  • اسئلة صعبة عن الكتاب المقدس
  • من اين اتى الكتاب المقدس؟
  • هل كان كتاب الكتاب المقدس مجرد موظفي سكرتاريا يعملون لحساب الروح القدس؟
  • هل كان بامكان الانبياء ان يضيفوا اراءهم الخاصة الي رسالة الله؟
  • كيف كان الانبياء يتقلون رساءلهم من الله؟
  • هل كان مسموحا للانبياء ان يغيروا الكلام الذي اعطاه الله؟
  • ماذا تعني بقولك ان الكتاب المقدس هو كلمة الله؟
  • كيف يدعي الكتاب المقدس انه كلمة الله؟
  • هل يدعي الكتاب المقدس انه ذو سلطة الهية ؟
  • الي اي حد يمتد سلطانه الالهي هذا؟
  • ماذا تعني بقولك ان الكتاب المقدس موحى به؟
  • هل الفاظ الكتاب المقدس بالذات موحى بها من الله ام الافكار فقط؟
  • هل يدعي الكتاب المقدس الوحي في جميع مواضيعه، ام يقتصر على المواضيع الروحية فقط؟
  • كيف يسئ بعض الاشخاص فهم ما هو المقصود بالوحي الالهي للكتاب المقدس؟
  • كيف لنا ان نتاكد من ان هذه المسائل التي يساء فهمها لا تشكل جزءا مما يشمله الوحي؟
  • أليس الكتاب المقدس كتابا بشريا ايضا؟
  • هل في الكتاب المقدس اخطاء؟
  • هل تحتوي مخطوطات الكتاب المقدس على اخطاء؟
  • كيف يمكن للكتاب المقدس ان يكون كلام الله وكلام الانسان في ان واحد؟
  • هل كان بالامكان الوثوق بشهود الكتاب المقدس؟
  • لماذا يرفض جماعة سمينار يسوع الوثوق بشهود الهعد الجديد؟
  • هل كان من الممكن لشهود العهد الجديد ان يصمدوا في شهاداتهم امام محكمة للقانون؟
  • هل يمكن الوثوق بنسخ الكتاب المقدس؟
  • اسئلة صعبة عن الكتاب المقدس، الانبياء الكذبه والكتب المقدسة لدى الديانات الاخرى
  • ما هي الادلة المتوافرة والتي تثبت ما يدعيه الكتاب المقدس بانه موحي به من الله؟
  • هل من ادله اخرى تثبت ان الكتاب المقدس هو كلمه الله؟
  • الم تتحقق العديد من نبوات الوسطاء الروحيين مثل انبياء الكتاب المقدس؟
  • الم يتنبا نوستراداموسفي اجتياز اختبار النبي الحقيقي؟
  • ما هي الامتحانات لكشف النبي الحقيقي؟
  • هل نجح كتاب الكتاب المقدس في اجتياز هذه المعاير؟
  • لماذا لا يمكن لكتب الديانات الاخرى ان تكون هي ايضا من الله؟
  • اليس من التعصب الادعاءبان ديانة واحدة فقط هي التي تملك الحق؟
  • هل العهد القديم مكتمل؟
  • ما هي شهادة الديانة اليهودية على اكتمال العهد القديم؟
  • ماذا قال يسوع المسيح عن اكتمال العهد القديم؟
  • ماذا قال المسيحيون الاوائل عن اكتمال العهد القديم؟
  • كيف نعرف ان العهد الجديد قد اكتمل؟
  • ما هو الوعد الذي قطعه يسوع المسيح بخصوص جميع اسفار العهد الجديد؟
  • ماذا قال تلاميذ يسوع بخصوص العهد الجديد؟
  • ما هي الادلة التي اظهرها الرسل لاثبات سلطانهم؟
  • هل حفظت جميع الكتابات الرسولية والنبوية في العهد الجديد؟
  • كيف يمكن لشخص الله ان يضمن ويؤكد حقيقة اكتمال العهد الجديد؟
  • هل حافظت الكنيسة بكل حرص على العهد الجديد باكمله؟
  • هل الكتاب المقدس باكمله مكتمل؟
  • هل يؤمن المورمون بان الكتاب المقدس موحى به من الله؟
  • اسئلة صعبة عن الهندوسية والتأمل التجاوزي
  • ما هي العقائد الاساسية للهندوسية؟
  • ماذا تعني اليوجا (اليوغا) والتامل وراءها؟
  • ما هي عقائد البوذيه؟

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

 

ما هي الأناجيل

في البابين الأولين من هذا الكتاب، ذكرنا الكثير عن حياة المسيح وتعليمه، ولكننا لم نتحدث إلا القليل جداً عن الكيفية التي عرفنا بها يسوع المسيح. ومن الطبيعي أن الصورة التي تخيلناها عنه قامت على أجزاء العهد الجديد التي تحدثت عن حياته وعمله، وهي الأسفار الأربعة التي نطلق عليها “الأناجيل” والتي ترتبط عادة بأسماء: “متى ومرقص، ولوقا، ويوحنا.

إلا أنه يتعين أن يكون واضحاً الآن أنه في فهمنا للأناجيل قمنا بعمل عدة افتراضات، وبشكل أو بآخر، تخيلنا صورة يسوع المسيح التي قدمت هنا. وعلى سبيل المثال، افترضنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية للمسيح، بقدر ما هي عرض لمختارات من نواحي حياته وتعليمه التي بدت ذات أهمية بالغة لأولئك الذين كتبوها لأول مرة. وعلاوة على ذلك، افترضنا أن هناك الكثير من التداخل والتكرار في الروايات العديدة لحياة يسوع، ولذلك ربما يستخدم إنجيل لتوضيح أو تفسير التعليم الذي ورد في إنجيل آخر.

ثم لمحنا أيضاً إلى أنه من الممكن في الواقع معرفة شيء عن يسوع المسيح من دراسة الأناجيل، وأنه على الرغم من أنها فعلاً من نتاج الكنيسة الأولى، إلا أنها لا تحدثنا عن كاتبيها فقط، بل عن يسوع المسيح نفسه.

وقد حان الوقت الآن لدراسة بعض هذه الافتراضات، بشيء أكثر تفصيلاً لشرح الأسباب التي دفعتنا على افتراضها، ولاستكشاف تداعياتها.

ما هو الإنجيل؟

لماذا ندرس الانجيل

القارئ الحديث الذي يرى أحد الأناجيل لأول مرة قد يعتقد أنه يشبه إلى حد كبير سيرة ذاتية للمسيح. إلا أن لمحة خاطفة لأي منها، ستبين أن الأمر ليس كذلك. فالسيرة الذاتية الجيدة تبدأ عادة برواية عن سنوات طفولة الشخصية التي تتناولها، ثم تعرض بالتوالي إلى مرحلة المراهقة ثم البلوغ، كي تبين كيف نما الشخص الناضج استجابة للتأثيرات المختلفة في بداية حياته والبيئة التي نشأ فيها.

وعلى النقيض من ذلك، نرى أن التأكيد الرئيسي في الأناجيل لا ينصب على مجرى حياة يسوع المسيح، بل على أحداث الأسبوع الأخير منها على وجه التقريب. وهذه سبقتها تقارير عن تعليم يسوع، ورواية عن بعض الأحداث القليلة ترجع إلى فترة الثلاث سنوات السابقة لوفاته، مع عدم أي ذكر في الواقع لطفولته وفترة مراهقته. ولو كانت هذه سيرة ذاته، فإنها لا ريب سيرة ذاتية غير عادية.

وبمقدورنا وبمنتهى السهولة أن نعرف حقيقة الأمر بالرجوع إلى الأناجيل ذاتها. وعوض أن نحاول تصنيفها كما يفعل أي أمين مكتبة الآن، علينا أن نسأل، ماذا اعتقد كاتبوها بخصوص ما يفعلون وهم يكتبونها؟ لنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص، وهو الإنجيل الذي يعتقد بوجه عام أنه أقدم الأناجيل الأربعة. والكتاب يصف عمله في العبارة الافتتاحية على أنه “بدء إنجيل يسوع المسيح”[1].

وهذا القول يأتي كعنوان أو مقدمة لما سيتبعه، ونجد هنا كلمتين هامتين لفهم الغرض من هذا الإنجيل، والكلمتان هما: “بدء” و”إنجيل”. وكلمة “إنجيل” هي ببساطة ترجمة لكلمة مرقص اليونانية “Evangilion” وقد اختيرت أساساً لأن للكلمتين معنى واحد هو: “أخبار سارة”. إذاً، فقد كان مرقص يكتب عن “بدء الأخبار السارة”.

وماذا يعني هذا؟ لقد سمع مرقص وكتبة الأناجيل الأخرى “الأخبار السارة” عن يسوع المسيح [2]. ولقد تقبلوا مصداقيتها واعترفوا بالمسيح كسيد لحياتهم[3]. ومرقص نفسه أصبح بناء على ذلك منخرطاً بشكل عميق في عمل الكنيسة، وتضمن جزءًا هاماً من عمله كلاً من الكرازة وتعليم الرسالة مما غير مجرى حياته هو شخصياً[4].

والكرازة والتعليم المشار إليهما سجلا في العهد الجديد، وفي صيغته الأساسية الخالصة يتكون من أقوال لخصها “دود” في تعريفه في كتابه “الكرازة الأولى”.

وبالنسبة لمرقص ومعاصريه لم تكن هذه الرسالة مجرد ذكر للحقائق المتعلقة بالإيمان المسيحي، بل كانت بمعنى أهم “الأخبار السارة” لإيمانهم، لأنهم فيما قبلوا دعوتها للتوبة وجودها اختبار تغيير حياة.

ولذلك حين وصف مرقص إنجيله بأنه “بدء الأخبار السارة” فهو بهذا كان يقول إن هدفه هو أن يصف المرحلة الأولى من تطور الرسالة التي استجاب لها هو وآخرون. والقصة التي يرويها تشكل جزءًا هاماً لا يتجزأ من قصتهم واختبارهم كمسيحيين، وكان للوقا غرض مماثل: فهو يكتب ليعرف قراءه المضامين الكاملة للرسالة المسيحية التي كثيراً ما سمعوا عنها[5]. والواقع أن لوقا شعر أنه من الواجب عليه أن يؤكد استمرارية حياة الكنيسة بحياة المسيح، وذلك بكتابة سفر آخر (سفر أعمال الرسل) ليجعل القصة كاملة تماماً.

وحين نطلق على كتبة الأناجيل لقب “إنجيليين” فإننا بذلك نصف قصدهم الحقيقي. لأنهم كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بأن يوصلوا رسالتهم عن يسوع المسيح إلى معاصريهم، ثم بعد ذلك – بصفة ثانوية – يتناولون الاهتمامات العادية لكاتب السيرة، ولو أنهم لم يهتموا بهذه النقطة الأخيرة. وهذه الحقيقة لها على الأقل ثلاث نتائج هامة لفهمنا للأناجيل التي كتبوها:

يجب النظر إلى الأناجيل على اعتبار أنها تتضمن أقوالاً أو أحداثاً انتقائية تتعلق بحياة يسوع المسيح وتعليمه. وفي كرازتهم للرسالة لا ريب أن الرسل وآخرين تحدثوا عن أحداث من حياة المسيح بنفس الطريقة التي قد يستخدم بها الكارز الحديث توضيحات ملائمة لتفسير نفس النقاط اللاهوتية التي يعرض لها.

ولا ريب أن مرقص والإنجيليين الآخرين كانوا قد سمعوا عن هذه الأحداث التي استعملت لتوضيح كثير من المواعظ، وضمنوها أناجيلهم لأغراض مماثلة وبشكل أوسع. والواقع أن “بابياس Papias” وهو أباء الكنيسة الأولى زعم أن إنجيل مرقص يتكون من مادة استخلصت من كرازة بطرس نفسه.

وحقيقة أن المعلومات التي تتضمنتها الأناجيل التي استعملت أولاً لتوضيح رسالة الكنيسة تفسر لنا أيضاً بعض الصعاب التي كثيراً ما نستشعرها عما يبدو لنا من عدم اكتمال بعض روايات الإنجيل. وإذا جمعنا بين الأناجيل الأربعة معاً فبالكاد تحوي المعلومات الكافية لتسجيل ثلاث سنوات من حياة أي شخص، فما بال أن يكون هذه الشخص نشيطاً كالمسيح، إلا أنه إذا ما عرفنا أن المعلومات المتوافرة لنا قد حفظت بسبب ارتباطها بحياة أولى الكنائس، سنفهم بسهولة السبب في أن الكثير مما كنا نود معرفته قد ترك دون تدوين.

وهذا يفسر لنا السبب في أننا لا نجد أي ذكر في العهد الجديد لطفولة يسوع المسيح المبكرة، بل ولا أية أوصاف بالنسبة لشبهه أو من أية نوعية من الأشخاص كان. ولو كان الإنجيليون يكتبون لمجرد إشباع فضول الناس ورغبتهم في معرفة كل شيء عن يسوع المسيح، لضمنوا أناجيلهم هذه النوعية من المعلومات. ولكن هذا لم يكن قصدهم، لأنهم كانوا مهتمين بصفة أساسية بربح الناس للإيمان بربهم وسيدهم، ولهذا السبب لم تكن مثل هذه التفاصيل تهمهم من هذه الناحية.

إذا كانت الأناجيل توضيحات للكرازة الرسولية، فهذا معناه أن ليس بوسعنا النظر إلى محتوياتها على اعتبار أنها قصص بسيطة عن يسوع المسيح. فلا بد وأن يكون لها صلة وثيقة بالفكر اللاهوتي لكتاب الإنجيل. وقد جاء وقت انتشرت فيه فكرة افتراض أنه من الممكن أن نستخلص من الإنجيل صورة لمعلم جليلي بسيط، غيرها بولس وآخرون في وقت لاحق إلى رسالة لاهوتية عن ابن الله.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن، وعلى نطاق واسع أن الأناجيل نفسها هي بذاتها من بين أكثر الوثائق اللاهوتية الهامة للكنيسة الأولى، وأن الحقيقة هي أنها ليس بوسعنا إطلاقاً اكتشاف صورة للمسيح كمعلم بسيط من الجليل. وبقدر ما استطعنا الرجوع إلى المصادر القديمة، فإن يسوع المسيح الذي وجدناه على صفحات العهد الجديد هو دائماً شخص يزعم لنفسه أموراً عظيمة، ويدلي بأقوال محددة عن علاقة الإنسان بالله. وكل تعاليمه، وكل حدث سجلته الأناجيل يتضمن بصفة خاصة شيئاً لاهوتياً يريد قوله لنا.

ç وكما سبق لنا القول، فإنه إذا كان كتبة الأناجيل قد اختاروا مادة للكتابة ليخدموا أهدافهم الشخصية، فمعنى هذا أنه قد يكون بوسعنا اكتشاف شيء عنهم وعن قرائهم بمقارنة اختيار كل منهم للمعلومات المتعقلة بالمسيح واستخدامه لها. وبالنسبة للأناجيل الثلاثة الأولى بمقدرونا عمل ذلك بكل يسر، لأنها على وجه التقريب تروي لنا نفس القصة وبنفس الترتيب، وكل منها يكرر أجزاء كبيرة من المادة التي نجدها في الأناجيل الأخرى.

وبمقارنة الطرق المختلفة التي استخدم بها كل من متى ومرقص ولوقا أعمال يسوع المسيح وتعليمه في رواياتهم، يمكننا بسهولة أن نعرف شيئاً عنهم والوضع الذي عاشوا وعملوا فيه.

وعلى هذا، فإنه لكي نفهم الأناجيل فهماً تاماً فإن ذلك يشكل عملية معقدة. فنحن نحتاج إلى معرفة السبب في أن الإنجيليين كتبوا بالطريقة التي كتبوا بها، ومتى كان ذلك. فإننا سنحتاج إلى محاولة فهم الطريقة التي جمعوا بها مادتهم، ولماذا استخدموها بطريقة معينة دون أخرى. كما أننا علينا أن نتذكر وبصفة دائمة أن أناجيلهم لم تكتب إلا بقصد المهمة الكرازية للكنيسة: وهي لم تكتب كسيرة ذاتية أو تاريخ، أو حتى كمادة لاهوتية بالمعنى المألوف.

الكرازة والكتابة

هناك سؤال واضح يمكن طرحه فيما يختص بالأناجيل وهو: من أين استقى كُتاب الأناجيل معلوماتهم، وما الذي عملوه بها؟ وللوهلة الأولى قد يبدو هذا سؤالاً خارجاً إلى حد ما عن الموضوع، أو نوعاً من تسلق قمة جبل إفرست بالنسبة للاهوتي، يجب عليه قهرها لا لشيء سوى أنها موجودة. لكنه سؤال مفيد يؤدي إلى فهم مقنع لطبيعة الأناجيل. فتتبع مصادر كاتب ما وفحص أسلوبه في استخدامها يمكن أن يشكل جزءًا هاماً لفهم ما يقوله.

فإذا كنا نعرف ما يعلمه، فبإمكاننا أن نفهم وبوضوح أكثر، ما الذي يهدف إليه. وإذا أسأنا فهم طريقته، فمن المحتمل تماماً أننا سنفشل في فهم رسالته الأساسية.

وبالنظر إلى أنه من المؤكد أن الأناجيل قد كتبت في سياق كرازة الكنيسة الأولى، فلنا أن نتوقع وجود بعض إلماحات إلى أصلها، وذلك بفحص رسالة الكنيسة. وهذا ما يتضمن بالضرورة ثلاثة موضوعات رئيسية، أولاً: الإنجيل المسيحي مرتبط بالمواعيد المذكورة في العهد القديم. ثانياً: سلسلة من الأقوال عن يسوع المسيح وأهميته. وأخيراً: كانت هناك دعوة للناس أن يتوبوا أو يقبلوا الرسالة.

نصوص العهد القديم

بدأت الرسالة بالقول إن المواعيد التي تضمنها العهد القديم قد تحققت في حياة يسوع المسيح. وفي ملخصات العهد الجديد لهذه الكرازة، كثيراً ما يقدم هذا القول بطريقة عامة إلى حد ما. إلا أنه في مواقف الحياة الواقعية لا بد وأنه كان إعلاناً جاء أكثر وضوحاً. فأي شخص ملم بالعهد القديم لن يقتنع إلا بعد أن يعرف تماماً ما هي النبوات التي كان من المفترض أن تتم بالمسيح. ونعرف من دليل آخر من بين الأعمال المفضلة لدى اليهود هي جمع قوائم لفقرات العهد القديم التي سيتممها المسيا حين يأتي.

وعلى سبيل المثال نجد أن أهل قمران كانوا يحتفظون بمثل هذه القوائم، وهكذا فعلت جماعات يهودية أخرى. وهذه القوائم يشير إليها العلماء عادة بكلمة “شهادات”.

وهناك عدد من الإشارات في العهد الجديد بأن قوائم النصوص هذه كان المسيحيون يستعملونها بشكل منتظم منذ البداية. فنجد في إنجيلي متى ويوحنا كثيراً من نصوص العهد القديم قد ذكرت للاستشهاد بها، مع إشارة إلى أنها تحققت في حدث معين في حياة يسوع المسيح. ومع ذلك ومما هو لافت للنظر أنهما بالكاد يستعملان نفس الفقرات. ولعل ذلك يرجع إلى أنهما كانا يستعملان مجموعات مختلفة من الشهادات.

كذلك في بعض رسائل بولس، نجد أيضاً نصوصاً من العهد القديم جمعت معاً في فقرات متصلة فيما يبدو أنها جاءت عشوائية، ومن المعقول أن نعتقد أن بولس وجدها أساساً وهي مجمعة معاً تحت نفس العنوان في مجموعة نصوص العهد القديم الخاص به. ولعل جمع هذه النصوص من العهد القديم كان من أوائل النشاط الأدبي للكنيسة المسيحية. فقد كانت من أجل تسهيل عمل الكارزين المسيحين، حتى يكون بمقدورهم أن يستشهدوا بنماذج معينة منها لدعم أقوالهم بأن يسوع المسيح أكمل مواعيد العهد القديم الخاصة بالمسيا.

 

كلمات يسوع

إن العنصر الرئيسي في الكرازة Kyrgma هو سلسلة الأقوال التي ذكرت عن يسوع المسيح نفسه. ومن المؤكد أنه في الأيام الأولى من وجود الكنيسة لم يكن من المستطاع إعلان الرسالة إلا بإشارة عابرة إلى حياة المسيح وتعليمه. ذلك أن معظم المسيحيين كانوا أصلاً من اليهود، وكانت الكنيسة لا تزال شيعة محلية فلسطينية، ولا بد أن كثيرين في فلسطين قد عرفوا شيئاً عن المسيح، مهما كان قليلاً.

إلا أنه لم يمر وقت طويل إلا وكان المرسلون المسيحيون ينتشرون في أماكن خارج فلسطين، حاملين تعليمهم إلى أجزاء الإمبراطورية الرومانية حيث لم يكن أحد يعرف شيئاً عن يسوع. ولا بد أنه كان من الضروري في هذه المرحلة، بالنسبة للكارزين بالأخبار السارة أن يضمنوا رسالتهم بعض المعلومات الحقيقية عن يسوع المسيح نفسه، حتى وإن اقتصرت على أحداث موته وقيامته.

وما أن يصبح الناس مسيحيين إلى ويحتاجون إلى تعليم بخصوص إيمانهم الجديد. وهذا التعليم يتضمن معلومات عن المعتقدات المسيحية، وكذلك نصيحة عن السلوك المسيحي من النوعية التي كثيراً ما نجدها في رسائل العهد الجديد. ومن مصادر هذا التعليم الواضحة والهامة لا بد وأن تكون الأقوال التي يذكرون أن يسوع المسيح نفسه قالها. وليس من الضروري أن تقدم هذه كمعلومات عن يسوع، وهذا ما نستطيع معرفته من نصيحة بولس إلى أهل رومية (12-13). فالكثير مما يقوله قريب جداً من تعليم يسوع المسيح في العظة على الجبل حتى أنه من الصعب الاعتقاد أن الاثنين لم يستندا إلى نفس المصدر.

ومع ذلك لم يقل بولس مطلقاً إن نصيحته مستمدة من تعليم المسيح نفسه. وهناك أجزاء أخرى من كتابات بولس تبين أيضاً أن تقاليد تعاليم يسوع المسيح كانت معروفة لدى كنائس الأمميين الأولى[6]. لذلك فمن المحتمل جداً أنه قبل كتابة الأناجيل بصورتها الحالية بوقت طويل كانت أقوال يسوع المسيح قد جمعت معاً كدليل لإرشاد المعلمين في الكنيسة الأولى. ولا شك أنه كان هناك عدد من مجموعات تعليم يسوع المسيح هذه، عملت لأغراض ومناسبات مختلفة في حياة الكنيسة، والدارسون كثيراً من يطلقون على هذه المجموعات كلمة “Logia” أي أقوال السيد المسيح.

وعلاوة على الاعتبارات العامة السابق ذكرها، هناك العديد من المبررات الأساسية الهامة للاعتقاد بأن هذه كانت من أول أنماط الكتابة المسيحية عن يسوع المسيح.

ç ونعرف أنه كانت توجد مجموعات لاحقة من هذه النوعية، حتى بعد كتابة أناجيل العهد الجديد بفترة طويلة. وهناك عدد من قصاصات البرديات التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي، والتي وجدت في البهنسا في مصر، تحتوي على أقوال للمسيح، بعضها مختلف عن تلك الموجودة في الأناجيل.

وقد وجد كتاب كامل لمثل هذه الأقوال مكتوب باللغة القبطية تم العثور عليه في مصر. وقد عرف باسم “إنجيل توما”. وهو يحتوي على أقوال للمسيح ليست موجودة في العهد الجديد، ومع ذلك قد تكون حقيقية. ومع هذا وسواء كانت حقيقية أم لا، فإن هذه الوثائق لا تظهر بوضوح تام أنه كان من عادة الكنيسة الأولى أن تعمل هذه المجموعات الخاصة بأقوال السيد المسيح.

ç وفي الفترة 130-140م، كتب بابياس أسقف هيرابوليس، Papias the bishop of Hierapolis كتاب “شرح أقوال الرب” من خمسة أجزاء. ومع أن معظم هذا الكتاب مفقود الآن، إلا أنه لدينا بالفعل قصاصات قليلة منه على شكل مقتبسات وردت في كتابات أناس آخرين. وإذا كتب بابياس عن “متى قال إنه جمع أقوال المسيح “Logia” باللغة العبرية، وكل واحد فسرها بحسب ما استطاع. والمقصود بهذا القول على وجه الدقة أمر غير مؤكد، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن اللوجيا “أقوال يسوع المسيح ” التي يشير إليها هي مجموعة من أقوال المسيح وليست السفر الذي نعرفه باسم “إنجيل متى”.

ç تنظيم المادة في الأناجيل كثيراً ما تشير إلى أن أقوال يسوع المسيح جمعت معاً قبل أن توضع في سياقها الحالي. وهناك مجموعات كثيرة من الأقوال بينها الصلة ضعيفة، ولا تشكل أي حجة مترابطة منطقياً. على سبيل المثال الأقوال عن الملح في إنجيل مرقص، تبدو في الواقع مختلفة تماماً بعضها عن بعض، ولعلها جمعت معاً لمجرد أنها كلها تذكر الملح[7].

ç ثم أمامنا العظة على الجبل بكاملها[8]. ولو حاول أي شخص في أي عصر أن يكتشف حجة الموعظة سيدرك استحالة المهمة، لأنها لا تتضمن حجة مترابطة منطقية. وما لدينا هو مجموعة تعاليم للمسيح جمعت معاً لأنها كلها تتناول مجموعات أخلاقية. ولكنها لا تتواصل بنفس الطريقة التي يتوقع أن تكون عليها العظة الحديثة. وطبقاً لما يقوله بروفسور جيرمياس Jeremias، أن السبب في ذلك يرجع إلى أن العظة في الأصل كانت تشكل مجموعة من أقوال يسوع المسيح، نظمت على هذا النحو لكي تكون سهلة التناول بالنسبة للمنضمين حديثاً في الإيمان المسيحي.

ç وهناك سبب قوي لافتراض وجود مجموعات من أقوال يسوع المسيح في وقت مبكر من تاريخ الكنيسة، يتمثل في حقيقة أنه كان لدى متى ولوقا كمية كبيرة من المادة المشتركة بين إنجيل كل منهما، ولكنها لا توجد إطلاقاً في إنجيل مرقص[9]. وتكاد هذه المادة تتكون في جملتها من تعاليم يسوع، ولكنها تتضمن أيضاً قصة عماده[10]. كما تتضمن التجربة وقصة معجزة واحدة هي شفاء عبد قائد المئة[11]. والتفسير العام المقبول لهذه المادة المشتركة هو أن متى ولوقا، استعمل كلاهما نفس مجموعة أقوال يسوع وأدمجها كل منهما في إنجيله[12].

والمفسرون يطلقون على هذه الأقوال المصدر (َQ). وربما كانت وثيقة مكتوبة، أو ربما تكون مجموعة من التقاليد الشفهية. ومن المؤكد أن وجودها في شكل ما أمر حقيقي، ولا سيما أن محتوياته تشابه إلى حد كبير مجموعات الأقوال النبوية التي نجدها في العهد القديم. وإلى جانب كلمات النبي التي تجمع معاً ويقوم تلاميذه بتحريرها، فإن الأسفار النبوية كثيراً ما تتضمن أيضاً رواية عن دعوة النبي، وحدثاً أو اثنين من الأحداث البارزة في حياته.

وهذا هو بالضبط ما نجده في التقليد المسمى (Q). فنجد قصة معمودية المسيح وتجربته في البرية (اللتان يمكن القول إنهما بمثابة دعوته)، كما نجد توضيحاً لأكثر أنشطته النمطية: معجزة وشفاء. إلا أن التأكيد الرئيسي إنما يكون على تعليمه.

وبناء على الدليل الذي تم جمعه حتى الآن، بوسعنا الاستنتاج انه من بداية وجود الكنيسة كان اهتمامها الرئيسي منصباً على نوعيتين من الكتابة هما: الشهادة Testimonia وأقوال يسوع المسيح Logia. ولعلهم أيضاً كان لديهم مخطط مشترك متفق عليه بالنسبة لمجرة حياة المسيح وتعليمه. إلا أنه قبل وقت طويل بدأت تبرز الحاجة إلى ضرورة جمع كل هذه المادة معاً في صورة تقبل الاستمراربة بشكل أكثر. وهذه العملية لم تتم بالطبع بين عشية وضحاها.

والواقع أنها ربما لم تكن في الحقيقة منفصلة على الإطلاق، بل كانت مجرد توسع وإكمال للعمل الذي سبق أن بدأ بعمل مجموعات من “الشهادة” و”أقوال يسوع”. غير أن المحصلة النهائية تمثلت في الوثائق الأربع التي نعرفها الآن بأسماء: إنجيل متى وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا.

وضع الأناجيل معاً

الأناجيل الثلاثة الأولى تسمى “المتشابهة Synoptics” لأنها تتشابه إلى حد كبير، والطريقة ذاتها التي حول الكتبة بها “أقوال يسوع” إلى أناجيل هي أساس مشكلة التشابه Synoptic Problem”.

وهذه الأناجيل في الواقع ما هي إلا ثلاث طبعات مختلفة لنفس المادة الأساسية تقريباً. وكثير من هذه التشابهات يمكن بالطبع تفسيره بافتراض أن هؤلاء الإنجيلين كانوا يستعملون نفس مجموعة الأقوال التي كانت متداولة بين مجموعة مختلفة من المسيحيين. ولكن التشابهات أكثر من ذلك تعقيداً، لأنه توجد أمثلة كثيرة جداً، حيث استعملت الأناجيل الثلاثة نفس اللغة بعينها من حيث المفردات اللغوية والتركيبات النحوية، الأمر الذي حمل معظم الباحثين على الاعتقاد بأنه لا بد وأنهم كانوا يستعملون نفس المصادر المكتوبة.

أما التفسير الذي قيل بوجه عام فيما يتعلق بهذه التشابهات فيتمثل في “نظرية المصدرين” والتي تفترض أن متى ولوقا استخدما نفس وثائق المصدرين في كتابة قصتيهما عن حياة يسوع المسيح وتعليمه. وكانت هذه هي المصادر التي نعرفها الآن بإنجيل مرقص والمصدر المفترض (Q). ومن المؤكد بالطبع، أن لوقا على الأٌقل استخدم مصادر متنوعة في كتابة إنجيله، ذلك لأنه يقول صراحة إنه فحص عمل أناس آخرين، واختار منها تلك الأجزاء التي كانت تناسب هدفه من الكتابة. وعلى ضوء العلاقات الأدبية الوثيقة بإنجيلي مرقص ولوقا، يبدو أن متى استخدم نفس الأسلوب في كتابة إنجيله.

وإذ توصل الباحثون إلى استنتاج أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص كمصدر لهما، فقد حللوا نص الأناجيل الثلاثة المتشابهة مستخدمين على الأقل خمس معايير مختلفة:

ç الصياغة: مقارنة الكلمات المستخدمة في نصوص مختلفة تعد طريقة بسيطة جداً لتحديد العلاقة الأدبية بينها. وأكثر من نصف المفردات اللغوية المستخدمة فعلاً في إنجيل مرقص، نجدها متضمنة في إنجيلي متى ولوقا، وكلاهما يحتويان على أجزاء متطابقة لا نجدها في إنجيل مرقص. ولذا فإنه من الواضح أنه كان هناك مصدر واحد معروف لهم جميعاً، كما أن هناك مصدر واحد استخدمه متى ولوقا فقط.

ç الترتيب: إذا اتفقت ترتيب أحداث في قصة موجودة في أكثر من إنجيل واتفقت الأجزاء التي بها نفس الصياغة، نستطيع أن نخطو خطوة إلى الأمام ونفترض وجود مصدر مشترك اتبع ترتيبه واستخدمت كلماته بواسطة الإنجيليين الثلاثة جميعاً. وهنا أيضاً يوجد دليل كاف على هذا. فإن متى ومرقص ولوقا اتبعوا كلهم نفس الترتيب العام للأحداث. فهم يبدأون بخدمة يوحنا المعمدان، ثم ينتقلون إلى الحديث عن معمودية المسيح وتجربته في البرية.

بعد هذا تأتي خدمة عمل المعجزات والتعليم في الجليل، والتي بدأت تثير مقاومة من الرؤساء اليهود. ثم يقوم المسيح برحلات صوب الشمال ليعطي تعليماً لتلاميذه على انفراد. وأخيراً يتوجهون إلى أورشليم، ونجد قصة أيامه الأخيرة هناك، محاكمته، صلبه، ثم قيامته.

وفي هذا الإطار العام، هناك أحداث معينة سجلت أيضاً في كثير من الأحيان بنفس الترتيب.

وسمة الأناجيل المتشابهة هذه، تتضح على أفضل نحو إذا افترضنا أن إنجيلي متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص، كمصدر لهما وليس العكس. لأنه مما يلفت النظر أنه حين يخرج متى عن نهج نظام مرقص، نجد أن لوقا يحتفظ بنفس ترتيب مرقص، وحين يخرج لوقا عن نظام مرقص، نجد أن متى يتبع نهج مرقص. وهناك حدث واحد يضعه كل منهما بنظام يختلف عن ترتيب مرقص وهو: تعيين الاثني عشر[13].

فأحياناً يتخلى متى أو لوقا عن نمط قصة مرقص كي يضيف شيئاً جديداً[14]، غير أنهما بعد هذه الإضافة يعودان إلى النقطة التي في إنجيل مرقص، والتي كانا قد توقفا عندها[15]. وهذه من أقوى الدعامات التي تدعم الاعتقاد أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص وليس العكس.

ç المحتويات: تحليل محتويات القصص كشف أيضاً عن استخدام مصادر مختلفة. فإذا سجل أحد الكتبة نفس القصة بنفس الكلمات والترتيب الذي استخدمهما كاتب آخر، فإنه يكون بوسعنا افتراض إما أن أحدهما استخدم عمل الآخر، وهذا ما حدث بالنسبة للأناجيل المتشابهة، فمن بين 661 آية الموجودة في إنجيل مرقص، نجد في متى منها 606 آيات بنفس صيغتها، ونصفها أيضاً نجده في إنجيل لوقا.

ç الأسلوب: هذا معيار صعب جداً من ناحية استعماله بطريقة مرئية، فأسلوب الكاتب يمكن أن يعتمد على أمور كثيرة، ومنها الوضع الذي يكتب أثناءه، والقراء الذين يقصدهم، وما إذا كان يستخدم سكرتيراً أم لا، وهكذا.

ومن المؤكد أن هناك اختلافات بارزة في الأسلوب بين مرقص والإنجيلين المتشابهين الآخرين. وإنجيل مرقص، على وجه العموم، كتب بلغة يونانية أقل مستوى من اللغة التي كتب بها الإنجيلان الآخران. على سبيل المثال، تراه كثيراً ما يصف الأحداث بالفعل المضارع التاريخي (يستخدم الفعل الحاضر للحديث عن شيء وقع في الماضي). ومع ذلك نجد أن متى ولوقا يستخدمان دائماً الفعل الماضي، وهذه بالطبع هي الصيغة الأدبية الصحيحة.

وكثيراً ما ثار الجدل بأن هذا الاختلاف يبين أن متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص – وليس العكس – وهي حقيقة مؤكدة أنه إذا كان مرقص قد اطلع على إنجيلي متى ولوقا لكان يعد أمراً شاذاً للغاية أن يقوم بتغير قواعد النحو الجيدة بأخرى رديئة.

ولكن هذه الحجة تعتمد على افتراض أن الإنجيليين استخدموا مصادرهم بطريقة خرقاء، حيث كانوا ببساطة ينقلون النص كلمة كلمة. غير أنه ليس هناك باحثون كثيرون ممن يتبعون مصدراً بحذافيره بحيث يسمحوا لأسلوبه بأن يعتم على أسلوبهم. وإذا كان مرقص ضعيف الكتابة باليونانية، فإن قواعد لغته المستعملة ستكون رديئة سواء كان ينقل عن مصدر آخر أم لا.

ولسوف نكون على صواب حقاً حين نلاحظ أنه في ثمان حالات سجل فيها مرقص أقوالاً للمسيح باللغة الآرامية، لا نجد لها مثيلاً في لوقا. ولا نجد سوى مثالاً واحداً لها في متى. والاحتمال الأكيد هو أن متى ولوقا حذفا الأقوال الآرامية، إلا أن مرقص تعمد ذكرها.

ç الأفكار واللاهوت: إذا أمكن بيان أن قصة أحد الأناجيل تتضمن فكراً لاهوتياً أكثر تطوراً من قصة أخرى، هنا يبدو من المعقول النظر إليها على أنها أحدث الاثنين. ويبدو هذا اختباراً بسيطاً، غير أنه من السهل تطبيقه من الناحية العملية، فكثيراً ما يكون من الصعب التأكد من أن ما يبدو أنه اختلاف في الوضع يكون بالفعل اختلافاً حقيقياً. وعلى أي حال، من الذي يحدد ما هو “فكر لاهوتي متطور”، وكيف لنا أن نكون واثقين أن هذا لا بد وأن ينتمي إلى وقت لاحق ولا يرجع إلى نظرة “أولية”؟

وحين نتذكر أن فكر بولس المتطور بدرجة عالية، كان موجوداً بالتأكيد في الوقت الذي كانت تتشكل فيه الأناجيل، وهنا يكون بوسعنا أن ندرك أن تحديد مثل هذه الاختلافات، وعلاقة ترتيبها الزمني بعضها ببعض، لا بد وأن يكون أمراً موضوعياً للغاية.

وهناك بالطبع عدد من التأكيدات المختلفة في الأناجيل. إلا أنه من الصعوبة أن نعرف على وجه اليقين ما هي أهميتها من ناحية كتابة الأناجيل. فعلى سبيل المثال، يبدو أن متى ولوقا عدلاً أو حذفاً أقوالاً معينة جاءت في إنجيل مرقص يمكن الاعتقاد أنها تشين يسوع. فقول مرقص الفظ إن المسيح في الناصرة: “لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة”[16]، جاء في متى على هذا النحو: “ولم يصنع هناك قوات كثيرة”[17]، أما لوقا فقد حذف هذا القول بجملته.

ونفس الشيء يقال عن سؤال المسيح في إنجيل مرقص: “لماذا تدعوني صالحاً”[18]، جاء في متى على النحو التالي: “لماذا تسألني عن الصالح”[19]، بحسب إحدى الترجمات.

وهذه النقاط الخمس ليست جميعها على نفس القدر من الأهمية. فهناك صعبات في تقدير قيمة الاثنتين منها على الأقل. ولكنها إذا أُخذت معاً فإن محصلة الدليل الذي تشكله يمكن تفسيره بسهولة إذا افترضنا أن متى ولوقا استخدما قصة مرقص، إلا أن متى كان الإنجيل الأساسي الذي لخصه مرقص والذي اختار منه لوقا بعض المقتطفات.

مصدران أم أربعة

وما ذكر حتى الآن عن الطريقة التي يمكن أن تكون الأناجيل قد كتبت بها يمكن أخذه على أنه تقريباً الرأي الذي اتفق عليه باحثو العهد الجديد بشكل عام. وعلى الرغم من أنه قد توجد نقاط اختلاف بالنسبة للتفاصيل، إلا أن أغلبية من الخبراء اتفقوا على الخطوط العريضة للحقائق.

وبالإضافة إلى فكرة أن الأناجيل المتشابهة تعتمد بصفة أساسية على مصدرين: إنجيل مرقص والمصدر (Q) فقد قيل إن هذين لم يكونا المصدرين الوحيدين اللذين اعتمدت عليهما أناجيلنا. وكان “ستريتر B. H. Streeter” هو أول دارس بريطاني يقدم الحجج، على أن متى ولوقا استخدم كلاهما إنجيل مرقص، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال إنه لكي نفهم كل تفاصيل الأناجيل (المتشابهة) فنحن في حاجة إلى نظرية أكثر دقة، لا تتناول مصدرين فحسب بل أربعة مصادر أساسية.

فإلى جانب إنجيل مرقص والمصدر (Q) حدد مصدرين أطلق عليها الحرفين (M) و(L). والواقع أن هذه المادة هي ببساطة ما تبقى من قصص متى ولوقا بعد استبعاد المادة من مرقص ومادة المصدر (Q). غير أن “ستريتر” قال إن مجموعتي المواد هذه كانت هي نفسها تشكل مصدرين منفصلين ولكن مترابطين منطقياً، ومن أصل مستقل.

مسودة لوقا

يبدأ “ستريتر” ملاحظاته من حقيقة أنه يبدو أن متى ولوقا استعملا إنجيل مرقص بطرق مختلفة، فمتى اتبع بشكل دقيق ترتيب إنجيل مرقص وإطاره العام، مع أنه في ذات الوقت كثيراً ما كان يعيد كتابة المادة الفعلية، وغالباً ما كان يوجز المادة المأخوذة من إنجيل مرقص لإفساح المجال لمزيد من المعلومات الإضافية. كان من شأن ذلك أن إنجيل متى بدا بالأحرى مثل طبعة جديدة ومبكرة من إنجيل مرقص. أما بالنسبة للوقا فكان الأمر مختلفاً. ففي حين أن متى انتفع تقريباً بك المادة الموجودة في إنجيل مرقص، نجد أن إنجيل لوقا لا يحتوي إلا على نص مادة إنجيل مرقص.

والأكثر من هذا أن “ستريتر” اكتشف أنه إذا ما نحينا جانباً كل المادة المأخوذة من مرقص من إنجيل متى نجد أن المادة المتبقية غير مترابطة، وينهار السفر إلى قطع متناثرة. ولكننا إذا فعلنا الشيء نفسه بإنجيل لوقا، فلسوف تبقى لنا قصة معقولة متماسكة ومتواصلة. وهذا ينطبق بصفة خاصة على القصص المتعلقة بموت يسوع وقيامته في إنجيل لوقا، والتي يبدو أنها دعمت بمعلومات من إنجيل مرقص، ولم تتخذ قصة مرقص أساساً لها.

ولذلك يرى “ستريتر” أنه قبل أن يكتب إنجيل مرقص كان لوقا قد كتب مسودة أولى لإنجيله، تقوم على أساس مجموعة الأقوال التي تضمنها المصدر (Q)، والمادة التي أطلق عليها الحرف (L) والتي تعلمها من الكنيسة في قيصرية حيث أقام بها حينما كان بولس في السجن (أع 23: 23 – 27: 2).

وأطلق “ستريتر” على هذه المسودة الأولى للإنجيل “مسودة لوقا Porto-Luke”، وقال إنه حين كان لوقا مقيماً في روما في تاريخ لاحق بعد ذلك بقليل، تعرف على إنجيل مرقص الذي كان قد كتب في السنوات التي تخللت ذلك، وقد ضمن مقتطفات منه في مسودة إنجيله التي كانت موجودة معه بالفعل، والتي أطلقنا عليها “مسودة لوقا”. وفي الوقت ذاته، ربما كان قد أضاف أيضاً المقدمة (لوقا 1: 1-4) وقصص ميلاد المسيح في الأصحاحين الأول والثاني.

وهناك عدد من الحقائق تتناسب تماماً وهذه النظرية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يذكر لوقا قصة مختلفة تماماً عن نص القصة الموجودة في إنجيل مرقص. فقصة رفض يسوع في الناصرة تعد مثالاً طيباً لذلك (مرقص 6: 1-6؛ لوقا 4: 16-30). ومن الواضح أن الإنجيلين كليهما يذكران نفس الحدث، غير أن قصة لوقا أكمل بكثير ومن ثم فمن الواضح أنه لا بد وأن يكون قد استخدم مصدراً مختلفاً للمعلومات التي ذكرها.

ثم إن هناك الطريقة التي وضعت بها أقسام صغيرة من قصة مرقص وبنفس ألفاظها تقريباً في وسط مادة أخرى في إنجيل لوقا، وتظهر كما لو أنها وضعت في وقت لاحق تقريباً، ومما يلفت الانتباه أيضاً أن كماً كبيراً من المعلومات التي تضمنها إنجيل مرقص محذوفة بكل بساطة في لوقا.

وينادي “ستريتر” بأنه إذا كان لوقا قد عرف بأمر عمل مرقص حين قام بعمل أول مسودة لإنجيله، لكان قد أضاف إليها المزيد من مادة مرقص. كذلك كثيراً ما لوحظ أن إنجيل لوقا يبدو وكأن له بدايتين. هناك بدايته الحالية (1: 1-4)، ولكن بعد قصص ميلاد يسوع، يبدو أنه يبدأ من جديد في (3: 1) مع تأريخ لوقا بحرص لخدمة يسوع، التي اتبعها بقائمة أسلافه في (3: 23-38). ويوضح “ستريتر” هذه السمة غير الطبيعية بافتراضه أن (3: 1) كان يشكل البداية الأصلية “لمسودة لوقا”، التي استهلها لوقا بعد ذلك بما يعرف الآن بالأصحاحين 1، 2 من إنجيله.

وأهمية نظرية “ستريتر” فيما يتعلق بالطريقة التي كتب بها لوقا إنجيله تكمن في حقيقة أنه إذا كان هناك بالفعل ما يسمى بمسودة لوقا فإنها ستشكل مصدراً مبكراً مستقلاً آخر لمعرفتنا لحياة يسوع وتعليمه. ومع ذلك فإن هذا لم يلق ما يشبه الموافقة الشاملة على الرغم من أن الكتاب المعاصرين قبلوا وجهة النظر هذه بشكل آو بآخر.

ولعل من أضعف النقاط في هذا الاقتراح هو ما افترضه عن طبيعة تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى. ذلك أن “ستريتر” افترض أننا نتعامل مع عملية أدبية محددة على وجه حسن. وهو يميل إلى النظر إلى الإنجيلين كمحرري صحف، وقد جلسوا وأمامهم عدداً من المصادر المكتوبة يستخرجون منها أجزاء عديدة من الوثائق المختلفة.

وكان هذا يشكل مفهوماً شعبياً في الوقت الذي كتب فيه “ستريتر” اقتراحه (1924)، وكان يطبق على نطاق واسع على دراسة العهدين القديم والجديد، غير أن البحث اللاحق أثبت أن هذا تبسيط مفرط للموضوع، وربما كان لوقا على معرفة بالمادة المأخوذة من مرقص، ولكن ليس من خلال إنجيل مرقص بشكله الحالي.

وهذا أيضاً يشكل نقطة ضعف في اقتراحات أخرى قدمها “ستريتر”، فقد جادل ليس فقط في أنه يمكن تعريف أربعة مصادر تشكل خلفية للأناجيل المتشابهة، بل قال أيضاً إن كل منها قامت بتقديم تقاليد حياة يسوع وتعاليمه، كما حفظت في الأماكن الأربعة الأكثر أهمية في المسيحية الأولى: مرقص كُتب في روما، المصدر (Q) كُتب في أنطاكية، المصدر (M) في أورشليم، والمصدر (L) في قيصرية. ومع ذلك، هناك عدد من الصعاب التي تكتنف هذا الرأي.

افترض “ستريتر” أن المصدرين L وM مصدرين مترابطين منطقياً. ولكن هذا الأمر يصعب التمسك به. فحين أبعدت المادة المرقصة، ومادة المصدر (Q) من إنجيل متى، فما تبقى لم يشكل مجموعة مترابطة بأي شكل كان. ونفس الشيء يقال وبدرجة أقل عن المصدر (L)، والذي هو عبارة عن إنجيل لوقا بعد استبعاد مادة المصدر (Q) والمادة المأخوذة من مرقص.

يبدو أن هذه النظرية تفترض نوعاً من التعاقب الخطي في تطور الأناجيل، والذي بواسطته تقدم التقاليد من أشكال بدائية تقريباً إلى جمع أناجيلنا الأربعة الحالية بتطور أدبي خالص.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن وعلى نطاق واسع، أنه ليس بوسعنا أن نتحدث بعد بثقة كبيرة عن هذه النوعية من التطور من قصص بدائية إلى قصص أكثر حنكة.

أضواء جديدة على مشاكل قديمة

ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn

كثير من تركيز الدارسين للعهد الجديد الآن ينصب على هجر فكرة التحليل الآلي للأناجيل. ومع أن نظرية المصدرين الخاصة بأصل الإنجيل لا تزال مقبولة على نطاق واسع، إلا أن عدداً من الأسئلة الجديدة بدأ يطرح الآن على الساحة، بعضها قد يكون له تأثير حاسم على فهمنا للطريقة التي تم كتابة العهد الجديد بها.

وبين آونة وأخرى يتواصل طرح الأسئلة حول نظرية المصدرين نفسها، هل كان إنجيل مرقص فعلاً أول ما كتب من الأناجيل؟ وهل من الضروري حقاً افتراض أن المصدر (Q) يمثل مجموعة محددة من أقوال يسوع، أم أنها مجرد مجموعة غير مترابطة من التقاليد التي كانت معروفة لكل من متى ولوقا؟ وبالنظر إلى قوة الدليل لكل من أسبقية المادة المأخوذة من مرقص، والشكل الثابت لمصدر (Q)، فالأمر يتطلب حججاً قوية جداً لدحض وجهة النظر العامة.

والتشابهات اللفظية واللغوية الوثيقة بين الأناجيل المتشابهة الثلاث يبدو أنها تتطلب أن يكون إنجيل مرقص هو الأول، وأن المصدر (Q) له شكل ثابت تقريباً. وإذا تقبلنا الاقتراح القائل أن المصدر (Q) له شكل مماثل لشكل الكتابة النبوية في العهد القديم، إذاً لا بد وأن شكله كان له مادة مكتوبة أيضاً.

والفكرة الأقدم الخاصة بتطور خطى من الشهادة Testimonia وأقوال يسوع Logia والكرازة Kerygma إلى إنجيل تام، أصبحت الآن مصدر تساؤل. وما نعرفه عن الكنائس الأولى يوحي أنها كانت في الغالب مستقلة عن بعضها البعض. ولذلك فإن الكنائس في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كانت تتطور بحسب قدرتها، ومن المحتمل تماماً أن المسيحيين في المواقع الجغرافية المختلفة لن يكونوا في نفس مرحلة التطور في ذات الوقت.

وهذا معناه أنه ليس واقعياً افتراض أنه في مختلف التقاليد عن يسوع كانت هناك فترة كان كل الاهتمام فيها مركزاً على جمع أقوال يسوع، وأن هذه الفترة اتبعت بعد ذلك بفترة نشاط أدبي مكثف تم كتابة الأناجيل أثناءها. ومن المحتمل أن نمط المعلومات المعروفة عن يسوع الآن في أية كنيسة، كان يختلف بحسب احتياجات كل كنيسة على حدة.

وكان لذلك تأثير هام على موضوع تحديد تاريخ الأناجيل. وإذا كانت هناك ضرورة لافتراض تاريخ طويل للتطور من اللوجيا (أقوال يسوع) إلى الإنجيل، هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار وقتاً لهذا عند تحديدنا تواريخ الأناجيل. ولكن إذا كانت أقوال يسوع والإنجيل كلاهما تكون في نفس الوقت، لمواجهة متطلبات الكنائس المختلفة، هنا لا يكون هناك سبب يحول دون نسبة تاريخ الأناجيل سابق إلى حد ما عن التواريخ المعتادة.

وثمة نقطة أخرى أثيرت فيما يتعلق “بالتطور اللاهوتي”، الذي يقول البعض إنه يمكن تتبعه في الأناجيل. ولقد أشار د. جون روبنسون Dr. John Robinson في كتابه “إعادة تحديد تواريخ العهد الجديد” أن الفكر اللاهوتي المصقول لا يشير بالضرورة إلى تاريخ أقدم بأكثر مما يشير إلى ذلك الفكر اللاهوتي البدائي.

وعلى سبيل المثال، فإن إنجيل مرقص بلا شك أقل تعقيداً من إنجيل يوحنا، وكان هذا من بين الأسباب (وليس بالطبع السبب الوحيد) التي تم الاستناد إليها في نسبة تاريخ قديم بصفة عامة إلى إنجيل مرقص، واعتبار يوحنا آخر الأناجيل. ولكن هذا يتطلب بالطبع تقدماً متطوراً مباشراً بالنسبة لكل الأناجيل.

ومع ذلك، فإنه إذا ما كانت الأناجيل المختلفة قد كتبت لخدمة احتياجات كنائس مستقلة وفي أماكن مختلفة، فليس من العسير أن الكنائس ذات الفكر اللاهوتي البدائي لابد وأنها كانت موجودة في ذات الوقت إلى جانب كنائس ذات عقيدة راسخة، وعلى هذا فإن تطور الفكر اللاهوتي، لا يشكل بالضرورة مفهوماً نافعاً للغاية في دراسة الأناجيل المتوافرة لنا الآن.

ولذلك يوجد عدد من الأسئلة الجديدة التي طرحت عن الأناجيل في أيامنا هذه، وهو من نوعية أصعب إلى حد ما عن تلك التي طرحتها الأجيال الأولى. فقد صار من المعترف به على نطاق واسع الآن، بغض النظر عن الجهة التي استقيت منها المعلومات، فإن كل إنجيلي كتب ما هو بالضرورة عمل أصلي، مميز من نواح هامة عن عمل أي من الآخرين، وكثير من اهتمامنا مركز الآن على “ما” كان الإنجيليون يعملون، وليس على معرفة كيف كانوا يعملونه. وهذا سؤال يتطلب إجابة لاهوتية لدعم الاكتشافات الأولى لنقاد الأدب.

نقاد الصيغ

ما أن قبلت نظرية المصدرين على نطاق واسع باعتبارها أكثر التفسيرات احتمالاً بالنسبة “للصناع” المختصين بكتابة الإنجيل، إلا وانهالت سلسلة عريضة من الأسئلة الجديدة، لأن عزل المصادر المختلفة التي كان يستخدمها الإنجيليون في كتابة قصصهم عن حياة يسوع وتعليمه، لم يجب إلا على السؤال: من أين جاءت الأناجيل؟ إلا أنه هناك سؤال آخر: من أين جاءت مصادرهم؟ وماذا كان يحدث للتقاليد التي كانت تتحدث عن يسوع خلال الفترة بين موته وقيامته، وحفظها كتابة في الأناجيل؟

لقد خطرت هذه الأسئلة على فكر بعض الباحثين في ألمانيا حتى قبل أن ينشر “ستريتر” كتابه العظيم عن مصادر الإنجيل.

وفي محاولتهم الإجابة عليها، استخدموا طريقة جديدة لتحليل أسفار الكتاب المقدس وأطلقوا عليها عبارة “تاريخ الصيغ” إلا أنه يشار إليها عادة في اللغة الإنجليزية بعبارة “نقاد الصيغ”. تم تطبيق هذا الأسلوب أولاً على العهد القديم بواسطة هيرمان جونكل Herman Gunked وهو مفكر ألماني، وعلى الرغم من أن بعض باحثي العهد الجديد البارزين كانوا الأسرع في معرفة مناسبته لدراسة الأناجيل. وكان أشهر هؤلاء ك. ل. شميدت K. L. Schmidt، م. ديبليوس M. Dibelus، ر. بولتمان R. Bultmann.

ولقد بدأ هؤلاء من ملاحظة أن الأدب القديم بصفة عامة يتطلب صيغة أدبية معينة، تعتمد على نوعية الكتابة. ولقد تم اختبار هذا المبدأ بطريقة متقنة للغاية في دراسة الكتابات الشعبية التقليدية لشمال أوروبا، التي يمكن تصنيفها إلى قصص خرافية، تاريخ، سير ذاتية، حكم وما إلى ذلك، وذلك بكل بساطة بملاحظة الطريقة التي كتبت بها. وقد افترض نقاد الصيغ أن نفس الشيء ينطبق على العهد الجديد.

فوحدات التقليد التي كون الإنجيليون منها أناجيلهم، كما يقولون، تطلبت صيغاً أدبية معينة للموقت الحياتي التي استخدمت فيها في الكنيسة الأولى. وعلى ذلك فبفحص الصيغة الأدبية لقصة ما، ادعوا أنهم قادرون على اكتشاف الاستخدام الأساسي لها من خدمة تعليم الكنائس الأولى.

وإذا أمكن عمل ذلك بنجاح، فلسوف يشكل ذلك عوناً قيماً لفهمنا للأناجيل. لأنه إذا كان بمقدورنا معرفة شيء عن استخدامات تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى، نكون في وضع جيد لفهم علاقتها بحياة الكنيسة، من ثم نكتشف معناها الأساسي.

ومع ذلك، فإنه مما يؤسف له أن الذين درسوا الأناجيل بهذه الطريقة أخفقوا في الاتفاق عند نقطة واحدة حاسمة. فلا يوجد اتفاق مقبول على نطاق واسع عن أي الأنماط الأساسية يمكن أن توجد بالفعل في الأناجيل. ولقد ادعى مارتن ديبليوس أنه قادر على تمييز خمسة أشكال مختلفة، كل منها يتناغم مع موقف معين في حياة الكنيسة الأولى. غير أن اثنين فقط من بين هذه الأشكال الخمسة لم يعترف بهما إطلاقاً على نطاق واسع من قبل مفكرين آخرين وهما: الأمثلة والحكايات.

الأمثلة: وقد أطلق عليها فنسنت تايلر Vincent Taylor – وهو أحد نقاد الصيغ الإنجليز – “قصص إعلان”. وهذا التعبير يشير بشكل أدق إلى محتوياتها، لأنها على وجه العموم قصص صغيرة تصل في ذروتها إلى قول رائع قاله المسيح، أو قيل عنه، وطبقاً لما يقوله ديبليوس يرجع أصل هذا الشكل إلى الكنيسة الأولى التي استخدمت فيها مثل هذه القصص كأمثلة وتوضيحات.

وثمة قصة إعلان نمطية نجدها في الحدث الذي قطف فيه يسوع المسيح بعض سنابل القمح يوم السبت، وفسر عمله لليهود بقوله: “السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. وابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (مرقص 2: 23-28؛ متى 12: 1-8؛ لوقا 6: 1-5). وقصص من هذا القبيل كثيراً ما كانت تقال في الوعظ قبل أن تكتب في الأناجيل بوقت طويل. ونقاد الصيغ يميزون بشكل عام بين سمتين رئيسيتين في مثل هذه القصص:

ç دائماً تختتم بقول رائع للمسيح، وطبقاً لما يقوله البعض، كان هذا يعد وسيلة مفضلة لدى وعاظ الكنيسة الأولى. وفي حين أن الواعظ الحديث يبدأ عادة بالنص الذي اختاره، وربما احتفظ الرسل بنصهم إلى النهاية كي يستخدموه كذروة طبيعية لما حدث قبلاً.

ç وهذه قصص تحتوي على معلومات وصفية قليلة جداً، مجرد حقيقة بسيطة إلى أقل قدر ممكن لتهيئة الوضع للعنصر البالغ الأهمية وهو قول يسوع المسيح. وحين تقال أية قصة شفاهة فهناك أمران يمكن أن يحدثا لها. إما أنها تبلى من كثرة التكرار حتى إنه لا يتبقى منها إلا أكثر الحقائق ضرورة، ويعبر عنها بطريقة موجزة ورائعة. وإما أن يتم توضيحها أثناء سردها، وذلك حيث يضاف إليها المزيد من التفاصيل حتى تكتسب المزيد من الواقعية والإثارة. وطبقاً لما يقوله معظم نقاد الصيغ، فقد بقيت القصص المتضمنة إعلانات ولم يتبق منها إلا الضروريات عوض أن توضع أثناء تسلمها.

الحكايات: أطلق عليها تايلور Taylor قصص المعجزات، على الرغم من أنها لم تكن جميعاً مهتمة بالمعجزات. وكما يقول ديبليوس فإن الملح المميز لهذه القصص أنها توضحت ولم تبل أثناء تداولها. والواقع إنه يقول إن هذه القصص ربما وضعت في صياغتها الحالية بواسطة شخص من نوعية معينة في الكنيسة الأولى “راوي القصة” والذي كانت وظيفته صياغة قصص عن يسوع المسيح على نفس نمط قصص آلهة اليونان. وكانت قصصاً قصد بها أن تربح متجددين في الإيمان المسيحي بتوضيحها أن المسيح أسمى من الآلهة الأخرى.

ولا يوجد بالطبع أي شيء في العهد الجديد يشير إلى أمثال هذا الشخص. ومما يلفت النظر بوجه خاص أن بولس الذي ذكر أكثر من قائمة بأسماء أناس لهم وظائف خاصة في الكنيسة، لم يذكر إطلاقاً رواة قصص (1كو 12: 1-11؛ 28-30؛ رو 12: 6-8؛ أف 4: 11).

وربما تكون التفصيلات الرائعة في هذه القصص مأخوذة من مصدر مختلف تماماً. ولعلها كانت رواية شهود عيان، كانوا يتذكرون في الواقع تفاصيل كل الأحداث التي كانوا يصفونها، وبالنظر إلى حقيقة أن الأناجيل نفسها لم تكتب إلى بعد مرور ما لا يقل عن جيل على الأحداث التي تصفها، فمن الصعوبة تصديق أي رواة قصص محترفين أمكنهم بكل سهولة أن يخترعوا تفاصيل خيالية في الوقت الذي كان فيه كثيرون من شهود العيان الذين عاصروا يسوع المسيح ما زالوا على قيد الحياة.

ولقد عين ديبليوس ثلاث صيغ أخرى للقصة في الأناجيل، غير أن باحثين كثيرين لم يقبلوا رأيه بشأن هذه النقطة. وهذه الصيغ هي:

الخرافات: يشبهها ديبليوس بالقصص التي كثيراً ما ترتبط بقديسي العصور الوسطى. وعرفها بأنها “قصص دينية عن قديس تم الاهتمام بأعماله ومصيره”… والغرض منها تقديم أساس لتكريم القديس. ولا يحتاج الأمر اختلاق هذه القصص، على الرغم من أن ديبليوس يقول إنها تختلق في معظم الأحيان، ووظيفتها تمجيد الشخص الذي بصفة لا أن تقدم أية معلومات حقيقية عنه.

الأساطير: وهو الاسم الذي خلعه ديبليوس على أية قصص تتضمن شخصيات أو أحداث خرافية. وقصص العماد والتجربة والتجلي تنخرط تحت هذه النوعية.

النصائح التحذيرية: كانت بالضرورة التعليم الذي تضمنته الأناجيل، وكانت تستخدم لتعليم المتجددين في الكنيسة الأولى، وتابع آخرون دراسة قصص الأناجيل بعد العمل الرائد الذي قام ديبليوس، وليس من شك في أن هذا ألقى بعض الضوء على أصل الأناجيل. فهناك عدد من الأفكار الرائعة التي نسلم بها الآن جاءت كنتيجة مباشرة لعمل نقاد الصيغ.

ç وبمقدورنا أن ندرك الآن أنه لم يقصد بالأناجيل أن تكون سيراً ذاتية للمسيح. بل هي رواية منتقاة من أجزاء معينة من حياته وتعليمه حفظت لنفعها لخدمة الكنائس الأولى.

ç وبسبب هذا، أصبح من المعروف الآن أن تفاسير الأناجيل مرتبطة بشكل وثيق بالمفهوم الكلي للكنيسة الأولى. ولكن لنفهم علاقة الأناجيل ومعناها، ترانا في حاجة إلى فهم الأشخاص الذين كتبوها.

ç وهذه العملية أدت بدورها إلى فهم إيجابي مؤقت لما كان يدور في الفترة السابقة على كتابة أي من وثائق العهد الجديد، حيث كان تعليم يسوع المسيح يفسر ويطبق على مواقف جديدة في حياة أتباعه.

ولا شك أن هذه الأفكار لها قيمتها، ولا يجب التقليل من أهميتها – ولا سيما الرأي الأول، والذي أثر بشكل جذري في أسلوب تناولنا للأناجيل من جميع نواحيه. ومع ذلك يوجد عدد من النقاط كان عمل نقاد الصيغ بالنسبة لها أقل فائدة. وهناك ثلاثة انتقادات رئيسية يمكن توجيهها لعملهم. ولا سيما في الفترة المبكرة.

الصيغة والمحتوى: الكثير من تصنيفات ديبليوس كانت تعتمد في الواقع، ليس على الصيغة الأدبية، بل على المحتوى. فعلى سبيل المثال، لا يوجد سبب أساسي لوصع القصص التي تتضمن شخصيات خارقة في نوعية مختلفة عن القصص الأخرى. وإذ كانوا يضعون مثل هذه النوعية من التفريق كان نقاد الصيغ متأثرين بافتراضاتهم المسبقة القائمة على مذهبهم العقلاني.

وكما سبق أن ذكرنا، فإن اثنتين فقط من صيغ ديبليوس تم الاعتراف بهما، بل وأن بعض الباحثين شككوا فيما إذا كانت هاتين الصيغتين واضحتين على هذا النحو. هناك أمثلة عديدة لا نجد فيها فرقاً واضحاً بين الأمثال والحكايات وكثير من مادة الإنجيل يصعب تصنيفها. وحين يكون الاتفاق ضئيلاً بالنسبة لماهية الصيغ بالفعل، لا يمكن أن تتوافر لدينا ثقة كبيرة في التراكيب التي قامت عليها.

التقليد والإنجيل:

هناك مشكلة أساسية أخرى، وهي أن نقد الصياغة أقيم على افتراض أن تطور كتابة العهد الجديد يماثل تطور الفولكلور في شمالي أوربا. غير أنه توجد اختلافات هامة بين الاثنين. ولقد رأت الكنيسة الأولى أن مهمتها الرئيسية هي الكرازة بالأخبار السارة عن يسوع المسيح، وليس تسليم قصص تقليدية. فقد كانوا مهتمين بالحاضر بأكثر من اهتمامهم بالماضي.

وفيما يتعلق بموضوع اهتمامهم بالماضي، فقد كان ذلك ينصب على الماضي القريب، وليس – كما في حالة التقاليد الأوروبية – بالماضي السحيق الذي تم نسيانه منذ أمد طويل. ومعرفة الكنيسة بيسوع لم تأت من قصص تقليدية كانت تسلم من جيل إلى جيل، بل من التجربة المباشرة لبعض أعضائها، وهذا معناه أن المجال الفعلي لتطور التقاليد إلى صيغ معيارية لا بد وأنه كان في الحقيقة محدوداً للغاية.

الصيغ والحقائق:

كثيرون من نقاد الصيغ لم يكتفوا بإبداء ملاحظاتهم على الصيغة الأدبية للأناجيل، بل نزعوا إلى إصدار أحكام تاريخية على محتوياتها، على أساس نقد الصيغ. إذ يشير أرنست كيزمان Ernst Kasemann إلى نقاد الصيغ الأولي فقد كتب يقول إن عملهم الأساسي “كان يستهدف بيان أن رسالة يسوع المسيح كما قدمتها الأناجيل المتشابهة، ليست أصلية في معظم أجزائها بل غلب عليها إيمان المجتمع المسيحي البدائي في مراحله المختلفة.

وهذا الهدف واضح حتى من الأسماء التي أطلقها ديبليوس على بعض الصيغ التي اكتشفها كانت عبارتي “أسطورة” و”خرافة” من الكلمات التي تحمل معان كثيرة – بل أنه حتى في مناقشته ما أسماه “بالحكايات”، تكاد تكون بديهة أساسية عنده أنه بالنظر إلى وجود تشابهات أدبية بالقصص التي قيلت عن آلهة الوثنيين، هي الأصل الأساسي للقصص التي ذكرت على يسوع المسيح.

ولكن نقدين هامين يمكن توجيههما لهذا الإجراء:

ç الدليل المستمد من “صيغة أدبية ليس له قيمة على الإطلاق في صياغة الأحكام التاريخية. وهذا يصبح واضحاً تماماً إذا ما أخذنا مثالاً ما. فنحن في أيامنا هذه لا نفرق بوجه عام بين أنماط مختلفة للقصة بإعطائها صيغاً أدبية خاصة.

وقد عرض بروس F. F. Bruce مثالاً نافعاً بالمكان الوحيد الذي ما يزال القصة صيغة معينة. وهذا يكون في ساحة القضاء. فحين يدلي شرطي بشهادته في المحكمة، فهو لا يدلي بقصة أدبية بليغة عما رآه، بل نراه يلتزم وبشكل وثيق بقدر الإمكان بصيغة محددة – حتى إنه، بغض النظر عن التغيرات الخاصة بتفاصيل مختلفة – فإن وصف حادثة وقعت في الطريق سيبدو على وجه التقريب – كوصف أي حادثة أخرى – والأمل هو أنه باستخدام صيغة قالب Stereotyped، فإن أهم الحقائق يمكن إنجازها على نحو دقيق وبقدر الإمكان.

وما من عاقل يعتقد بأنه نظراً لأن الشرطي يصف حادثين بلغة متطابقة، فإنه كان يدلي بقصة مختلفة لحدث واحد فقط، ناهيك عن القول بأن أي منهما لم يحدث في الواقع، وأن الأقوال مختلفة من صيغة قانونية مألوفة. وسواء كان الحدث قد وقع أم لا، فإن هذا يعتمد على محك من نوعية مختلفة تماماً. ونفس الشيء ينطبق على الأناجيل. فليس بوسعنا أن نصدر ببساطة حكماً عن مصداقيتها التاريخية على أساس صياغتها الأدبية.

هناك أيضاً عدد من الأسباب القوية تدعو للشك في أن الكنيسة الأولى اختلقت قصصاً عن يسوع، كما زعم بعض نقاد الصيغ:

أولاً: هناك موضوع شهود العيان. وكثيرون منهم لا بد وأنهم كانوا على قيد الحياة في الوقت الذي كتبت فيه الأناجيل، والذين كانوا قد عارضوا كل الأحداث المختلفة والتي نسبت إلى حياة يسوع، ثانياً: ثمة افتراض أساسي لديبليوس وبولتمان هو أن الكنيسة الأولى لم تبذل أي جهد للتمييز بين تعليمها وتعليم يسوع المسيح. وعلى أي حال، هم يجادلون، بأن روح يسوع كان عاملاً في الكنيسة، وما قاله الرسل باسمه كان يعد شيء قاله يسوع المسيح أثناء خدمته.

ولكن هذا الاستدلال لا يدعمه العهد الجديد نفسه. لأن هناك أمثلة كثيرة أظهر كتابها أنهم ميزوا بالفعل بين تعليمهم وتعليم يسوع المسيح. وأبرز مثال على هذا نجده في (1كو 7)، حيث خرج بولس عن طريقه ليميز بين آرائه وكلمات يسوع. لكنه حتى في الأناجيل نفسها نجد أمثلة حيث التعليقات التحريرية للإنجيلين قد توضحت تماماً عن تعليم يسوع المسيح (مر 7: 19).

ثانياً: ثمة حقيقة أخرى تشير إلى نفس الاتجاه وهو الفرق بين الأناجيل وبقية العهد الجديد. فعلى سبيل المثال، دعي يسوع المسيح “ابن الإنسان” في الأناجيل، مع استثناء واحد وهو أن هذا اللقب وجد في موضوع آخر في العهد الجديد. وفضلاً عن ذلك فالموضوعات التي تناولتها الأناجيل ليست هي نفس الموضوعات التي أزعجت كتبة الرسائل. لنأخذ على سبيل المثال موضوع العلاقة بين اليهود وغير اليهود.

كانت هذه مسألة ملحة في الكنيسة الأولى، ولكن الأناجيل لم تتعرض لها في أي موضوع منها. وهذه الحقائق تشير إلى أن الكنيسة لم تشعر أنه لها الحرية إطلاقاً أن تضع أفكارها وتنسبها إلى يسوع المسيح، بل كانت إلى حد كبير تهتم بحفظ التقاليد التي تسلمتها من فترة سابقة.

هناك نقاد صيغ أكثر حداثة تعرفوا على هذه المشاكل في عمل أسلافهم وأصبحوا الآن لا يهتمون بالموضوعات الأدبية الشكلية. وموضوع مصداقية الأناجيل يفصل الآن فصلاً تاماً وبشكل تدريجي عن نقاد الصيغ. وبعد ذلك جاء تطور آخر هو من بعض النواحي يعد وريثاً لنقد الصيغ السابق. وهذا هو النظام الذي عرف باسم “نقاد التنقيح”.

ومع معرفتنا أن تاريخ الأناجيل لا يشبه تماماً تاريخ الفولكلور الأوروبي، أصبح من الواضح، أن أفضل سؤال نافع يمكن طرحه عن الأناجيل يجب أن يركز على كيفية استعمال الإنجيليين للمواد التي في مصادرهم. ما الذي كان يفعله هؤلاء الناس فيما كانوا يكتبون أناجيلهم؟

ولماذا احتاجوا أن يكتبوا أربعة أناجيل بدلاً من أن يكتبوا إنجيلاً واحداً متفقاً عليه؟ وما هي الظروف الخاصة التي سادت كنائسهم والتي حملتهم على الكتابة بهذه الطرق المعينة التي اتبعوها؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول نقاد التنقيح الإجابة عليها. وهذا تطور حديث نسبياً في دراسة الأناجيل، ولا توجد على أية حال أية نتائج متفق عليها بعد. إلا أن كثيراً من توجهاته سيكون لها قيمة في الفصل التالي، وهو اكتشاف معنى وجود أناجيل مختلفة وأهمية ذلك.

 

 

[1] مرقص 1: 1.

[2] أعمال 12: 25 – 13: 13؛ 15: 36-40.

[3] كولوسي 4: 10.

[4] 2تيموثاوس 4: 11.

[5] لوقا 1: 4.

[6] 1كورنثوس 7: 10-11.

[7] مرقص 9: 49-50.

[8] متى 5-7.

[9] متى 3: 13 – 4: 11.

[10] لوقا 3: 21-22، 4: 1-13.

[11] متى 8: 5-13.

[12] لوقا 7: 1-10.

[13] مرقص 3: 13-19.

[14] متى 10: 1-4.

[15] لوقا 6: 12-16.

[16] مرقص 6: 5.

[17] متى 11: 58.

[18] مرقص 10: 18.

[19] متى 19: 17.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

خلفيات حياة يسوع في مجتمع القرن الاول – ترجمة جان كرياكوس

خلفيات حياة يسوع في مجتمع القرن الاول – ترجمة جان كرياكوس

خلفيات حياة يسوع في مجتمع القرن الاول – ترجمة جان كرياكوس

خلفيات حياة يسوع في مجتمع القرن الاول – ترجمة جان كرياكوس

  • الخلفية السياسية

علي مدي الاف السنين ظل اليهود خاضعين بشكل اساسي للحكم الاجنبي (المصري، السوري، البابليوني، الفارسي، اليوناني، الروماني، الخ)، فيما اقتصر الاستقلال علي فترات قصيرة. فبالقرن الاول، حكم الرومان منطقة البحر المتوسط المعروفة بفلسطين (التي تعرف بأسرائيل الان)، حيث ولد يسوع و عاش حياته. و بحسب تسلسل السلطة، فقد خضعت الحكومة اليهودية للسلطة المحلية للحكومة الرومانية (الملك هيرودس)، التي تخضع لروما (الامبراطور قيصر).

  • لقد مارست الحكومة الرومانية الدمج، متقبلة جميع المعتقدات الدينية، التعاليم الفلسفية، و بناء عليه كانت الانظمة الحكومية متوافقة، او كانت تعكس نظام اكبر- النظام الروماني. فقد مارسوا احدي السياسات الاولي “بلد واحد، نظامين” – مدعين ان جميع الناس لديهم الحرية الدينية، الحرية السياسية، و الحرية الفكرية، و لكن مع الحفاظ علي فرض السيطرة الحازمة.
  • لقد تفهم اليهود ان العالم ينقسم لنوعين من الناس: اليهود و الوثنيين (غير اليهود). فعمل اليهود بجهد علي فصل انفسهم عن الوثنيين.
  • لقد تقبل اليهود حرية الوثنيين في كلا نظامهم الحكومي، و في التمسك بعاداتهم، الا ان الحكومة الرومانية تطلبت ان يخضع كل شيء بشكل كامل الي السلطة الرومانية. فعلي سبيل المثال، كان المواطنون اليهود يخضعون لسلطة القضاء اليهودي (السنهدرين)، الا ان جميع المحكوم عليهم بعقوبة الاعدام، كانوا يرسلون للحكومة الرومانية.
  • كان النظام اليهودي و الحكومي ينقسم الي حزبان: الفارسيين- “حزب الشعب”، الذي يعلم قانون وعادات انبياء اسرائيل، و كان يتطابق بدقة مع الناموس اليهودي، و الصدوقيين- القادة الاثرياء و المحافظين الذين رفضواالعادات منحازين للتعاون السياسي و الديني مع الرومان.

الخلفية الاقتصادية

ان اقتصاد اسرائيل في القرن الاول كانت تدعمه ثلاث نقاط اساسية: زراعة الزيتون، التين،

 الحبوب، التمر، و مزارع العنب؛ و قد ازدهرت التجاره نتيجة موقع اسرائيل علي البحر المتوسط؛ و وجود حكومة كبيرة تشيد المشاريع تحت رعاية الملك هيرود.

  • قد استخدم الملك هيرودس الكثير من العمال لتنفيذ العديد من الاعمال العامة (مثل بناء هيكل اورشليم، القصور،، المواني، الحصون، الساحات، نحت و تزيين الحجارة، الخ.)
  • كان هناك تفاوت كبير بين الاثرياء و الفقراء.
  • قد تكونت الطبقة العليا من كهنة الهيكل و اخيار الكهنوت (متضمنة الصدوقيين و طائفة اليهود)
  • كانت تتشكل الطبقة الوسطي من التجار و البائعين، الفنيين (قاطعي الحجار، البنائين، النحاتين) و الحرفيين (المعادن، الاخشاب، صباغة النسيج). الفارسيين (طائفة اخري من اليهود)، الحكماء، الكتبة، و المعلمين كانوا ايضا جزء من الطبقي الوسطي.
  • كانت تتكون الطبقة الدنيا من العمال (النساجون، حاملي الاحجار، العبيد (غير اليهود الذين استعبدوا بسبب مديونتهم)، و غير العاملين (المجذومين، المكفوفين، المجانين، العاجزين، الخ.)
  • كانت تطالب الحكومة الرومانية شعبها بضرائب ثقيلة. و كان جامعي الضرائب من الموظفين المحليين و كانوا يعتبروا منبوذين و خائنين.
  • كان اليهود مطالبين ايضا بتقديم الاضحية للهيكل- في بعض الاحيان في صورة نقود، و عادة عن طريق شراء حيوانات لتقديمها للكهنة.
  • و كان المعلمين المسافرين يجنوا قوتهم عن طريق السفر من بلدة لاخري و قبول الهدايا من الذين يأتون للاستماع لهم.
  • في خلال القرن الاول، كانت ساحة الهيكل في العادة تصبح سوقا حيث يبيع التجار المحليين حيوانات الاضحية بأسعار عالية ليجنوا ربحا من السائحين او المتدينين الذين يأتون الي الهيكل.

الخلفية الثقافية/ الحياة اليومية

لقد أمضي يسوع معظم حياته بداخل و حول منطقة المزارع و القري بالناصرة. و مثلها مثل الكثير من القري الزراعية حول العالم، كانت الحياة تخضع للعادات والتقاليد و الطقوس المتوارثة من عدة اجيال سابقة.

  • السكان: كان اغلب سكان قري الناصرة من اليهود، مع وجود بعض من السوريون، اليونانيون و الرومانيون. و كانت المدينة الرئيسية لفلسطين هي اورشليم، التي كانت معروفة عالميا و تضم العديد من الاختلافات العرقية.
  • اللغة:كانت اليونانية هي اللغة السائدة بالامبراطورية الرومانية. و لكن كانت ايضا اللغات العبرية، الارامية و اللاتينية متداولة لدي اليهود. و كان يسوع يستخدم اللغة الارامية.
  • حياة القري: كان السوق و المتاجر هما مركز القرية. و بالنسبة لقرية يهودية كان الكنيس هو مركز التجمع و مقر الحكومة اليهودية المحلية.
  • الاسكان: كانت تتكون البيوت من غرفة او غرفتين بأرضية ترابية، اسطح مستوية، ممرات منخفضة و ضيقة، و ابواب امامية خشبية.و غالبا ما كان الناس ينامون علي الاسطح خلال الليالي الحارة. كانت تقسم البيوت حول فناء مشترك حيث يقضي الجيران مهام الحياة اليومية (الطهي، الغسيل، الخ.) مجتمعين. و كان الناس يحملون المياه من بئر عام و يخزنوه بوعاء بالفناء. و كانت الاضاءه عن طريق مصابيح زيتية داخل اواني فخارية. كان الناس ينامون علي حصائر و يمتلكون ادوات شخصية محدودة.
  • الغذاء:كانت المهام اليومية للمرأة تشمل اعداد الطعام لاسرتها- فكانت مثلا تطحن الحبوب، تخبز الخبز، تحلب الحيوانات، و تصنع الجبن. كانت الاسرة تتناول وجبتين يوميا: الفطار- و هو القليل من الطعام يأخذونه معهم للعمل، و العشاء- و هو وجبة كبيرة من الجبن، النبيذ، الخضروات و الفاكهة، و البيض. و بالنسبة للحوم، فالاسماك كانت الاكثر تناولا، يليها الدجاج او الطيور. اللحوم الحمراء (اللحم البقري و الضان) كانوا يتناولونها في المناسبات، اما لحم الخنزير و القشريات فكانا محرمان. كان اغلب الطعام يتم سلقه او طهيه علي البخار بداخل اناء كبير مع اضافة الملح، البصل، الثوم، الكمون، الكزبرة، النعناع، الشبت و الخردل. و كان الطعام يحلي باضافة عسل النحل البري او عصير التمر او العنب. كان يقدم الطعام في اناء مشترك حيث يأكل كل شخص بيديه.
  • الملبس:كان يطلق علي الملابس الداخلية “الثوب”. اما الملابس الخارجية فكانت تسمي “الرداء”- كانت عبارة عن قطعة قماش فضفاضة بأهداب، مثبتة بشريط ازرق. كان الرجال يرتدون احزمة- عرضها اربعة بوصات مصنوعة من الجلد او من القماش “مشد”. لو ارتدي احد الناس الثوب الداخلي فقط، كان يقال انه “عاريا”. و لو كان يرتدي احد الاشخاص الثوب الداخلي و الحزام، كان يقال انه يرتدي “مئزرا”. ان عبارة “مئتزرا” تعني شد الثوب لأعلي بين الساقين و طيه داخل الحزام. كان الناس يرتدون ايضا النعال بأقدامهم، و قطعة قماش بيضاء علي الرأس، متدلية لآكتافهم. و ذلك لحمايتهم من اشعة الشمس.
  • البنية العامة للجسم: كان معظم اليهود ذو اجسام قصيرة القامة، ببشرة فاتحة اللون لوحتها اشعة الشمس. و كان لاغلبهم شعر اسود او بني طويل، و كان لاغلب الرجال لحيه.
  • بناء العائلة: كان الزوج هو رأس البيت روحيا و قانونيا. كان مسؤولا عن توفير المأكل، المسكن و حماية العائلة. كان يعلم الاطفال مبكرا اكرام والديهم. كان تعيش العائلة اليهودية بأخلاق حازمة و قواعد اجتماعية و دينية. و كان غالبا يعيش الأبوين، الابناء الغير متزوجين، و المتزوجين و ازواجهم او زوجاتهم تحت سقف واحد.
  • دور المرأه: في القرن الآول بأسرائيل، كانت تعتبر المرأه مواطن درجة ثانية، مشابهين للعبيد. حقيقة انهم ذكروا كتابعين متحمسين ليسوع كان من غير المعتاد- من ناحية السماح لهم لاتباعه مع تلاميذه، و من ناحية ذكر كتاب السيرة الذاتية ليسوع لهن.
  • حياة عائلة يسوع: كان يوسف (والد يسوع) نجارا، منما يجعل عائلته من الطبقة المتوسطة.

الخلفية الدينية:

لقد جاهد القادة اليهود لاجل نقاء ايمانهم بالاله الواحد ضد الاختلاط مع الاديان الاجنبية. و لكنهم في نفس الوقت، قد تفتتوا الي طوائف مقسمة تبعا لاختلافات القانون اليهودي.

  • لقد أمن اليهود بالاله الواحد (الوحدانية) الغير منظور و الذي لا يمكن تصوره. علي عكس الثقافات المحيطة التي أمنت بتعدد الالهه (الشرك) التي يمكن تصورها باللوحات و الاوثان.
  • لقد ركز التقليد اليهودي علي يوم السبت- حيث يبدأ عند غروب شمس يوم الجمعة و ينتهي غروب شمس السبت. كان يبتدءون السبت بالصلاة، اضاءة زوجة رب الاسرة للشموع، ثم يعقب ذلك عشاء سعيدا ليوم الجمعة. كان يعتبر السبت يوما للراحة و العبادة، حيث كل ما يفعل المرء يكون اكراما لله.
  • كان ينتظر اليهود ماجيء “المسيا” او المخلص- و هو القائد الذي وعدهم الله به، بحسب فهمهم، الذي سوف يجددهم روحيا و يمنحهم الحرية السياسية بعد قرون من الطغيان الاجنبي، الذي كان متمثلا في ذلك الوقت في الامبراطورية الرومانية.
  • كانت الثقافة الاسرائيلية بالقرن الاول تهتم بما هو خارق للطبيعة- فكان من المعتاد الاعتقاد باللعنات و الايمان بالخرافات.
  • كان يوم العطلة الدينية الاساسي خلال العام اليهودي هو عيد الفصح، الذي فيه يحتفل اليهود بعتقهم من العبودية بمصر. في عيد الفصح كان يسافر العديد من اليهود الي اورشليم من اجل الاحتفال في المدينة المقدسة. لذلك قد سافر يسوع و تلاميذه الي اورشليم من اجل تناول العشاء الاخير- لانهم كانوا يحتفلون بالفصح. و هذه العادة كانت سببا لوجود الكثير من اليهود بأورشليم في وقت القبض علي يسوع و محاكمته و صلبه.

الخلفية التعليمية:

في القرن الاول لليهود، كان الدين، القانون، التاريخ، الاخلاق و التعليم لا ينفصلوا. فخلال شريعة كلا (التوراه) المكتوبه و (المشنا) الشفهيه، كان التعليم ينتقل من جيل الي جيل. و كان الحاخامات (المعلمين) و الكنيس موقرين في المجتمع.

  • لقد ازدهرت الامبراطورية الرومانية علي الدمج- ساعية لحفاظ كل من (اليونانيين، السوريين، المصريين، اليهود، الخ.) علي تقاليدهم و فلسفاتهم، و لكن مع ابقاءهم تحت الحكم الروماني العام.
  • لقد رسخ التعليم الروماني القانون، الاخلاق، و التاريخ لاجل الحق و الاخلاق الحياتية. علي عكس نظام التعليم اليوناني الذي يطلق عليه “الجمنزيوم” الذي يقوم علي العلوم، الاداب، اللغويات و التربية البدنية.
  • فمعظم المواطنين الرومان قد تأثروا بأنظمة التعاليم الفلسفية المختلفة، و كانت اكثر فلسفات ذلك الوقت هي الرواقية و الفضيلة.
  • بالنسبة لليهود، فقد كان “التوراه” و “القانون” المترجم هما مصدر جميع التعاليم- الدينية، التاريخية و الاخلاقية. يشمل التوراه الخمس اسفار الاولي للعهد القديم (التكوين، الخروج، اللاويين، العدد و التثنية).
  • ان “الكنيس” او “بيت التجمع” كما يترجم، كان هو مكان كلا من العبادة و الدراسة اليهودي.
  • كان يبدأ الاولاد اليهود الصغار دراستهم رسميا عند سن الخامسة، ليتعلموا القراءه و الكتابة. و عند سن العاشرة يبدأون في تعلم الناموس اليهودي. و ينتهي التعليم رسميا عند سن الثامنة عشر.اما البنات فكن يتعلمن في البيوت من امهاتهن و من نساء اخريات. كان يتلقي الشبان تعليمهم من حاخام (معلم) من الكنيس المحلي.
  • بالنسبة للشبان الراغبين في دراسة متقدمة مثل “الكتبة” او دكاترة القانون، فكانوا يدرسون الموضوعات بتعمق مع حافز ديني بأذهانهم.
  • عند بلوغ الحد الاقصي من التعليم، كان يذهب الباحث الي معلم عظيم او شهير ليصبح تلميذا له، و هو في الغالب يتلقي التعليم عن طريق المناقشات اليومية و الانشطة. فكان يطلق علي هؤلاء الرجال تبعا لاسم معلمهم- “من مدرسة…..”
  • لقد درس يسوع بالكنيس- فمثلا عند بلوغ يسوع سن 12 سنة كما هو مدون بالسيرة الذاتية ليسوع تبعا لانجيل لوقا، يقول الكاتب “انهم (أبوي يسوع) وجداه (يسوع) في رواق الهيكل، جالسا وسط المعلمين، يسمعهم و يسألهم. و كل الذين سمعوه بهتوا من فهمه و أجوبته.” (لوقا 2: 46- 47)

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

 

Bibliography

Johnson, Luke T.The Writings of the New Testament: An Interpretation.Fortress Press, Philadelphia. 1986.

Josephus, Flavius.The Jewish Antiquities, 20.200.

Kingsbury, Jack Dean. Proclamation Commentaries: Matthew. Fortress Press, Philadelphia. 1986.

The Student Bible: New International Version. Notes by Philip Yancy and Tim Staffod.Zondervan Bible Publishing, Grand Rapids, Michigan. 1986.

Ward, Kaari. Jesus and His Times.The Reader’s Digest Association, Inc., Pleasantville, New York. 1987.

خلفيات حياة يسوع في مجتمع القرن الاول – ترجمة جان كرياكوس

أدلة شهود العيان – هل بالإمكان الوثوق بسير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

أدلة شهود العيان – هل بالإمكان الوثوق بسير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

أدلة شهود العيان – هل بالإمكان الوثوق بسير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

أدلة شهود العيان – هل بالإمكان الوثوق بسير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

عندما قابلت ليو كارتر الخجول واللطيف الكلام لأول مرة، كان ذلك المحارب القديم بعمر سبعة عشر سنة والأكثر حزما في منطقة شيكاغو. وقد أدت شهادته إلى وضع ثلاثة من القتلة في السجن. ومازال يحمل في جمجمته آثار طلقة مسدس عيار 38 كرسالة تذكير مروعة لقصة بطولة رهيبة بدأت عندما شاهد إليشع بابتست يطلق النار على بقال محلي.

وكان ليو وصديقته، لزلي سكوت، يلعبان كرة السلة عندما شاهدا إليشع الذي كان وقتها شخصاً منحرفاً، عمره ستة عشر عاماً، وصحيفة سوابقه بها 30 سابقة تم فيها القبض عليه، شاهداه وهو يقتل سام بلو خارج محل بقالته.

وكان ليو يعرف البقال منذ الطفولة. وقد شرح ليو ذلك بصوت هادئ “عندما لم يكن لدينا أي شيء نأكله كان يعطينا بعض الطعام لذا، عندما ذهبت إلى المستشفى وقالوا إنه قد مات، عرفت بأنني لابد أن أشهد بما رأيته”.

لقد كانت شهادة شاهد عيان قوية. إنها إحدى أكثر اللحظات المثيرة في المحاكمة عندما يصف الشاهد بالتفصيل الجريمة التي رآها أو (رأتها) وعندما يشير بثقة نحو المتهم بأنه مرتكب الجريمة. وكان يعلم إليشع بأن الطريقة الوحيدة التي تُجنبه دخول السجن هي أن يمنع ليو كارتر ولزلي سكوت من الإدلاء بشهادتهما بأي طريقة.

لذا ذهب إليشع مع إثنين من أصدقائه ليصطادوا. وسرعان ما تعقبوا ليو وليزلي، اثناء سيرهما في الشارع مع هنري أخّ ليو، وجروا الثلاثة معاً تحت تهديد السلاح إلى رصيف مُظلم مخصص لتحميل البضائع.

عندئذ قال ابن عم إليشع “ليو، إنني أحبك لكني مضطر أن أفعل هذا” ثم ضغط بقوة على أنف ليو ثم جذب الزناد. وانطلق المسدس هادراً، فاخترقت الرصاصة من زاوية ضيقة فأصابت ليو بالعمى في عينيه اليمنى واستقرت في رأسه. فلما ارتمى على الأرض، أطلقت رصاصة أخرى، فاستقرت على بُعد بوصتين من عموده الفقري.

وفيما كان ليو يراقب الموقف من مكانه حيث كان منبطحاً على الأرض، متظاهراً بالموت، إذ رأى أخاه وصديقته ينتحبان وقد عُمَلا على مقربة منه، بلا رحمة. وعندما هرب إليشع وعصابته زحف ليو إلى مكان آمن.

وعلى نحو غير متوقع، ورغم كل ما تمَّ، فقد عاش ليو كارتر. أما الرصاصة التي كانت إزالتها في منتهى الخطورة، فقد بقيت مستقرة في جمجمته. وبالرغم من الصداع الفظيع الذي لم عجزت الأدوية القوية عن تخفيفه، فقد أصبح ليو شاهد العيان الوحيد ضد إليشع بابتست عند محاكمته لقتل البقال سام بلو. لذا صدَّق المحلفون شهادة ليو، وحُكَم على إليشع بالسجن ثمانون عاماً.

مرة أخرى كان ليو هو الشاهد العيان الوحيد الذي شهد ضد إليشع وزميليه في قتل صديقته وأخيه. ومرة أخرى كانت شهادته كافية لبقاء الثلاثة في السجن لبقية حياتهم.

إني أعتبر ليو أحد أبطالي. فقد خدم العدالة، وعمل على تأكيدها، بالرغم من أنه دفع في ذلك ثمناً مازال أثره باقياً. وعندما أفكر في شهادة شاهد العيان، حتى يومنا هذا وبعد مرور أكثر من عشرون سنة – فمازال وجهه يظهر في خاطري.

شهادة من زمن بعيد

 نعم، إن شهادة الشاهد العيان يمكنها أن تكون ملزمة ومقنعة. فعندما تتاح للشاهد الفرصة الكافية لرؤية جريمة، وعندما لا يوجد لديه دوافع متحيزة أو خفية، وعندما يكون الشاهد صادقاً وعادلاً، فإن عملية إشارته إلى المدعى عليه في قاعة المحكمة تصبح كافية لإدانة ذلك الشخص بالسجن أو بما هو أسوأ.

وشهادة شاهد العيان تعتبر حاسمة بنفس الدرجة في التحقيق في الأمور التاريخية حتى مسألة ما إذا كان يسوع المسيح هو ابن الله الفريد.

لكن ماذا لدينا من روايات شهود العيان؟ هل لدينا شهادة أي شخص تعامل شخصياً مع يسوع، واستمع إلى تعاليمه، ورأى معجزاته، وشهد موته، والذي قد يكون قابله بعد قيامته المزعومة؟ وهل لدينا أي سجلات من “صحفيي” القرن الأول والذين قابلوا شهود العيان، وسألوهم الأسئلة الصعبة، ثم سجلوا بأمانة ما قرروا بدقة أنه صدق؟ وبنفس الأهمية، إلى أي حد تستطيع هذه الروايات أن تصمد وتقاوم تدقيق المشككين؟

لقد علمت أنه مثلما استطاعت شهادة ليو كارتر أن تثبت إدانة ثلاثة قتلة متوحشين، كذلك فإن روايات شهود عيان من سُحب الماضي البعيد يمكنها أن تحسم القضية الروحية الأكثر أهمية للكل وللحصول على أجوبة حاسمة، رتبت لمقابلة العالم الشهير قومياً الذي ألَّفَ كتاب تحديداً حول هذا الموضوع: الدكتور كريج بلومبيرج، مؤلف كتاب “الموثوقية التاريخية للأناجيل”.

ولقد عرفت بلومبيرج أنيقاً؛ بل وحتى مظهره، في الواقع، كان مُلائماً كمانيكان. فقد كان طويلاً (ست أقدام وبوصتين) ونحيفاً، وشعره قصير وبني متموج وممشط للأمام دون تكلف، ولحية مجعدة، ونظارات سميكة بدون إطار. فهو يبدو مثل ذلك النوع الذي يمكن أن يكون طالب متفوق، والذي يلقي خطبة الوداع في حفل تخرجه من المدرسة العليا (وقد كان كذلك)، وعالم موهوب وطني (وقد كان كذلك). وخريج بدرجة امتياز من معهد لاهوتي جدير بالاحترام (هو فعلاً تخرج من كلية الثالوث اللاهوتية الإنجيلية).

بيد أنني كنت أرغب في شخص أكثر من كونه ذكي ومتعلم. فقد كنت أبحث عن خبير لا يُبرر الفروق التافهة أو يرفض التحديات الموجهة للسجلات المسيحية بتعالي ولامبالاة. كنت أريد شخصاً ما نزيهاً، وقد تصارع بأكثر فاعلية مع من انتقدوا الإيمان، والذي يتكلم بحزم ولكن لا يستخدم العبارات الطنّانة التي تخفى بدلاً من التعامل مع المسائل الخطيرة الحاسمة.

لقد أخبروني أن بلومبيرج هو بالضبط الشخص الذي كنت أبحث عنه، فسافرت بالطائرة إلى دينفير متمنياً أن يكون على المستوى المطلوب. في الواقع، لقد كانت لدى بُضعة شكوك، خصوصاً عندما أسفرت أبحاثي عن حقيقة مُقلقة بشكل كبير، إحداها هي أنه لربما يفضّل أن يبقى محتجباً: بلومبيرج مازال مُتمسكاً بأمل أن يفوز أبطال طفولته المحبوبين، أشبال شيكاغو، ببطولة وورلد سيريز للبيسبول في حياته.

بصراحة، لقد كان هذا سبباً كافياً لجعلي مرتاب قليلاً من فطنته.

المُقابلة الأولى: كريج بلومبيرج، دكتوراه في الفلسفة:

يعتبر كريج بلومبيرج من أهم المراجع لدراسة سيرة يسوع الذاتية، التي تُدعى الأناجيل الأربعة. وقد حصل على الدكتوراه في العهد الجديد من جامعة أبيردين في أسكتلندا، وبعد ذلك عمل كباحث أول في تيندال هاوس بجامعة كامبردج في إنجلترا، كان أحد أفراد المجموعة المختارة من العلماء العالميين الذين أصدروا سلسلة من الأعمال المتميزة المحترمة عن يسوع. وفي الاثنتى عشر سنة الأخيرة كان يعمل كأستاذ في العهد الجديد في معهد دينفير اللاهوتي المحترم جداً.

ومن الكتب التي ألفها بلومبيرج “يسوع والأناجيل Jesus and the Gospels” و “تفسير الأمثال Interpreting the Parables” و “إلى أي مدى هذا الانقسام؟ ? How wide the Divide”، وتعليقات على إنجيل متى ورسالة كورنثوس الأولى. كما ساعد في تحرير المجلد السادس من كتاب: “وجهات نظر الإنجيل Gospel Perspectives” الذي يبحث بالتفصيل في معجزات يسوع. كما شارك في وضع كتاب “مدخل للتفسير الكتابي Introduction to Biblical Interpretation”.

كما ساهم ببعض الفصول عن تاريخية (عدم أسطورية) الأناجيل في كتاب “الإيمان المعقول Reasonable Faith” والكتاب الحائز على جوائز “يسوع تحت النارJesus under Fire ” وهو عضو في “جمعية دراسة العهد الجديد”، و”جمعية الأدب الكتابي”، و”معهد أبحاث الكتاب المقدس”.

وكما توقعت كان مكتبه به أكثر من نصيبه من المجلدات الجديرة بالعلماء مصفوفة على الرفوف (بل وحتى رابط عنقه كانت مزينة برسومات الكتب).

على أية حال، لاحظت بسرعة بأن حوائط مكتبه لم تكن تُهيمن عليها المجلدات المتربة لمؤرخين قدماء بل بأعمال فنية من بناته الصغيرات. وكانت رسوماتهن الغريبة والملونة لحيوانات اللاما، والبيوت، والزهور، لم تكن قد ثبتت وعلقت مصادفة كفكرة غير منظمة تخطر على البال فيما بعد، بل من الواضح أنها كانت تعامل كجوائز، وضعت لها براويز بعناية، وموقعة بأسماء إليزابيث وراشيل بأنفسهن. ففكرت في نفسي، من الواضح أن هذا الرجل لديه قلب مثلما له عقل.

يتكلم بلومبيرج بدقة علام رياضيات (نعم، فقد كان معلماً للرياضيات أيضاً، في أول حياته العملية)، فكان يزن كل كلمة بعناية بسبب اعتراضه الواضح على إغفال أي تفصيل قد يبدو تافهاً في المعنى قد يخفي ورائه الدليل. وهذا ما كنت أبحث عنه بالضبط.

وعندما استقر على كرسي عالي الظهر، وفي يده فنجان القهوة، شربت أنا أيضاً بعض القهوة لأتفادى برودة كولورادو.

ولأني شعرت أن بلومبيرج رجل من النوع الذي يحب الدخول في الموضوع مباشرة، قررت بدء مقابلتي بالدخول في صميم الموضوع مباشرة.

شهود عيان للتاريخ                                

قلت له بنبرة تحدي في صوته “قل لي، هل من الممكن فعلاً أن تكون شخصاً ذكياً يفكر بعقلية نقدية ومع ذلك تُصدّق أن الأناجيل الأربعة دونها الذين نُسبت أسماؤهم إليها؟”

وضع بلومبيرج فنجان القهوة على حافة مكتبه ونظر إلىَ بإهتمام شديد، وقال بيقين “الجواب نعم”.

ثم اعتدل في جلسته، “من المهم أن نُسلّم بذلك على وجه التحديد، أن كُتاب الأناجيل غير معروفين. لكن الشهادة الموحدة للكنيسة الأولى تثبت أن متى، وهو معروف كذلك بـ لاوي، جابي ضرائب وأحد التلاميذ الإثنا عشر، بأنه كتب الإنجيل الأول في العهد الجديد؛ وأن يوحنا مرق، الذي كان مرافقاً لبطرس، هو من كتب الإنجيل الذي ندعوه مرقس؛ ولوقا المعروف بطبيب بولس المحبوب، هو من كتب كلّ من إنجيل لوقا وأعمال الرسل”.

فسألته “إلى أي حد يُمكن الإعتقاد بأن هؤلاء هم الكُتَّاب؟”

قال “ليس هناك منافسون معروفون لهؤلاء الإنجيلين الثلاثة، وهذا واضح بيَّن، وليس ذلك وحده بل أن ذلك ليس لم يكن محل نزاع”.

ورغم ذلك، أردت فحص هذه المسألة أكثر فقلت له “معذرة لتشككي، ولكن كان هناك شخص تم تحريضه بالكذب بادعاء أن هؤلاء الأشخاص دونوا هذه الأناجيل، في حين أنهم لم يكتبوها فعلاً؟”

فهز بلومبيرج رأسه قائلاً “هذا غير محتمل حدوثه. تذكّر، أن هؤلاء الأشخاص بعيدي الاحتمال” ثم قال وابتسامة عريضة تبزغ على وجهه “حتى أن مرقس ولوقا لم يكونا من بين الإثنا عشر تلميذاً. ومتى الذي كان سابقاً جابي ضرائب مكروه، وكان بالإمكان أن يصبح الأكثر سوء سمعة بجانب يهوذا الإسخريوطي، الذي خان يسوع!

“قارن هذا بما حدث مع الأناجيل الخيالية المزورة (الأبوكريفا) التي كُتبت بعد ذلك بمدة طويلة. فقد اختاروا لها أسماء مشهورة وأشخاص نموذجيين لينسبوا هذه الكتابات لكُتَّاب وهميين مثل: فيليبس، وبطرس، ومريم، ويعقوب. فهذه الأسماء لها ثقل أكبر بكثير من أسماء مثل: متى، ومرقس، ولوقا. لذا ولإجابة سؤالك: ليس هناك أي مبرر لنسب تدوين الأناجيل لهؤلاء الثلاثة الأقل إحتراماً ما لم يكن هذا هو الصحيح”.

لقد بدا هذا الكلام منطقياً، لكن من الواضح أنه بسهولة أغفل واحداً ممن كتبوا الأناجيل فسألته “وماذا عن يوحنا؟ فقد كان شخصية بارزة جداً، وفي الواقع، أنه لم يكن مجرد واحداً من بين الإثنى عشر تلميذاً، بل كان أحد الثلاثة المُقرَّبين من يسوع، مع بطرس ويعقوب”.

فسلم بلومبيرج موافقاً “نعم هو الإستثناء الوحيد، وبشكل مثير للانتباه، فيوحنا هو الإنجيل الوحيد الذي تثور حول مدونه بعض التساؤلات”

“ما هو بالضبط محل النزاع؟”

أجاب بلومبيرج “ليس هناك شك حول اسم الكاتب، فهو بالتأكيد يوحنا، لكن السؤال هل هو يوحنا الرسول أم يوحنا آخر”.

“إذا نظرت إلى شهادة كاتب مسيحي يدعى بانياس مؤرخة بحوالي 125م. فهي تشير إلى يوحنا الرسول ويوحنا الشيخ، فليس واضحاً من السياق ما إذا كان يتحدث ان شخص واحد من منظورين أو عن شخصين مختلفين. لكن بخلاف هذا الإستثناء، فإن بقية الشهادات المُبكرة أجمعت على أن يوحنا الرسول الذي هو ابن زبدي —- هو من كتب الانجيل”.

فقل في محاولة لإمساكه بشدة أكثر “هل أنت مقتنع بأنه من قام بتدوينه؟”

فأجاب “نعم، أعتقد أن أغلبية المادة الأساسية تعود للرسول. ومع ذلك، فلو قرأت الإنجيل بعناية، فسترى أن هناك إشارة إلى أن السطور الختامية لربما تكون قد دونت من قبل محرر. وأنا شخصياً، لا أجد مشكلة في أن أعتقد وأؤمن أن شخصاً مرتبط جداً بيوحنا ربما قد قام بهذا الدور، فوضع صيغة الآيات الأخيرة وتمكن من تحقيق تماثل الأسلوب للسفر كله.

ثم قال مؤكداً “لكن على أي حال، فمن الواضح أن الإنجيل مبني على مواد جمعها شاهد عيان مثلما حدث للثلاث أناجيل الأخرى”.

التنقيب عن التفاصيل.                            

مع تقديري لتعليقات بلومبيرج حتى الآن، لكني لم أكن مستعداً للانتقال إلى موضوع آخر. فإن مسألة تدوين الأناجيل مسألة ذات أهمية كبرى، فأنا أريد تفاصيل معينة، أسماء، وتواريخ، واقتباسات أنهيت قهوتي ووضعت الفنجان على مكتبه، ثم أمسكت بقلمي، استعداداً للحفر والتنقيب أعمق من ذي قبل.

قلت “دعنا نعود ثانياً إلى مرقس، ومتى، ولوقا، ما هو دليلك المحدود الذي يثبت أنهم مؤلفو الأناجيل”.

مال بلومبيرج للأمام وقال “مرة أخرى، تأتي الشهادة الأقدم والأهم على الأرجح من بانياس حوالي 125م. الذي أكد بدقة أن مرقس قد سجّل بدقة وبعناية ملاحظات بطرس، شاهد العيان. وفعلاً قال إن مرقس “لم يرتكب أي غلطة” ولم يتضمن ما كتبه “أي عبارة مزيفة” وقال بانياس أن متى حفظ تعاليم يسوع.

“ثم كتب إريناس سنة 180م. تقريباً وأكد الأصلي التقليدي لمؤلفي الأناجيل. ثم مد يده وسحب كتاباً وفتحه ثم قرأ كلمات إيرناوس”.

نشر متى إنجيله بين العبرانيين بلسانهم، عندما كان بطرس وبولس يبشران بالإنجيل في روما ويؤسسان الكنيسة هناك. وبعد رحيلهما قام مرقس، تلميذ ومترجم بطرس، نقل إلينا بنفسه كتابة مادة وعظ بطرس. ولوقا، تلميذ بولس، سجّل الإنجيل الذي بشر به معلمه. ثم يوحنا، تلميذ المسيح، الذي اتكأ أيضاً على صدره، دوّن بنفسه إنجيله، فيما كان يعيش في أفسس بآسيا(2).

وهنا تركت المذكرات التي كنت أكتبها قائلاً “حسناً، دعني أوضح هذه النقطة، إذا سلمنا بأن الذين كتبوا الأناجيل هم: متى، ويوحنا تلاميذ المسيح، ومرقس، المرافق والتلميذ لبطرس، ولوقا المؤرخ، والمرافق لبولس، والذي يعتبر بمثابة صحفي في القرن الأول، فيمكنا أن نتأكد بأن الأحداث الاي سجلوها مبنية إما على شهادة شاهد عيان مباشرة أو غير مباشرة”.

وفيما كنت أتكلم، كان بلومبيرج يمحص كلماتي عقلياً. وعندما انتهيت، أومأ برأسه موافقاً وقال بوضوح “بالضبط”.

 

السيرة الذاتية القديمة مقابل الحديثة

لقد كانت هناك بعض النواحي المقلقة في الأناجيل أحتاج إلى توضيحها. وبصفة خاصة، أردت فهم بطريقة أفضل نوع الأسلوب الأدبي الذي تمثله.

فقلت له: “عندما أذهب إلى المكتبة وأبحث في قسم السير الذاتية، فإني لا أرى نفس أسلوب الكتابة الذي أراه في الأناجيل. ففي هذه الأيام عندما تُكتب سيرة ذاتية لشخص ما، فإنهم ينقبون بدقة في حياته. لكن انظر إلى مرقس، فهو لا يتحدث عن ميلاد يسوع أو أي شيء عن سنوات يسوع الأولى حتى بلوغه. وبدلاً من ذلك يُركز على فترة الثلاث سنوات الأخيرة من حياة يسوع. فكيف تفسر هذا؟”

عندئذ رفع بلومبيرج أصبعين وأجاب “هناك سببان، أحدهما أدبي والآخر لاهوتي.

“السبب الأدبي، هو أن الناس في العالم القديم كانوا يكتبون السير الذاتية بهذه الطريقة .. فلم يكن لديهم الحسُّ، الذي لدينا اليوم، بأنه من المهم إعطاء نسب متساوية لكل مراحل حياة الشخص، أو بأنه من الضروري لسرد القصة بترتيب زمني دقيق أو حتى ذكر كلمات الأشخاص حرفياً، طالما أنه حافظ على جوهر ما قالوه. كما أن اللغة اليونانية القديمة واللغة العبرية لم يكن لديهما حتى رمز لعلامات الاقتباس.

“فالهدف الوحيد الذي فكّروا في تأريخه هو ما كان يستحق التسجيل، وإن كان هناك بعض الدروس التي يمكن تعلمها من الشخصيات التي يتم وصفها. لذا، فكاتب السير يسكت عن التفاصيل العادية فيما يركّز على تفاصيل متناثرة من حياة الشخص التي كانت مثالية ونموذجية، فتلك ما كان يقف عندها بالتوضيح، والتي يُمكن أن تساعد الناس الآخرين، والتي تعطي المعنى لفترة التاريخ”.

فسألته: “وما هو السبب اللاهوتي؟”

“السبب اللاهوتي يتبع من النقطة التي ذكرتها الآن. فالمسيحيون يؤمنون بأنه مثلما كانت حياة يسوع وتعاليمه ومعجزاته رائعة، لكنها كانت تعتبر بلا مغزى ما لم يثبت تاريخياً حقيقة أن المسيح مات، وقام من الموت، وبأن ذلك منح كفارة، أو غفراناً، لخطايا البشر.

“من ثمَّ فمرقس بالذات، الذي ربما كان كاتب أقدم إنجيل، يكرس نصف روايته تقريباً للأحداث التي تشمل فترة الأسبوع الواجد والتي توّجت بموت وقيامة المسيح”.

ثم قال مستنتجاً “مُعطياً أهمية للصلب، وهذا يجعل المعنى مثالي في الأدب القديم”.

سر Q

بالإضافة للأناجيل الأربعة غالباً ما يشير العلماء لما يسمونه Q من الكلمة الألمانية QUELLE، أو “مصدر” (3). وبسبب التشابهات في اللغة والمحتوى، جرى العُرف بإفتراض أن متى ولوقا نقلا عن مرقس الأقدم عند كتابتهم لإنجيليهما. وبالإضافة إلى ذلك، يقول العلماء بأن متى ولوقا دمجا أيضاً بعض النصوص أو المواد من هذا المصدر الغامض Q، وهي المواد التي تغيب عن إنجيل مرقس.

فسألت بلومبيرج “ما هو بالضبط المصدر Q؟”

أجاب وهو يميل ظهره بارتياح في كرسيه “إنه لا شيء أكثر من كونه فرضية، فيما عدا بعض الحالات، فهي مجرد أقوال وتعاليم يسوع، التي ربما كانت قد تشكّلت من وثيقة منفصلة مستقلة.

“فكما ترى، لقد كان أسلوباً أدبياً مشتركاً لجمع أقوال المعلمين المحترمين، مثلما تجمع أحسن موسيقى لمطرب ونسجلها في ألبوم “الأفضل”. ف Q ربما كان شيئاً مثل ذلك، على الأقل تلك هي النظرية”.

لكن إذا كان Q موجوداً قبل متى ولوقا، لكان قد شكل معلومات عن يسوع في وقت مبكر. وأظن أنه ربما أستطاع أن يلغي ضوءاً جديداً على حقيقة شخص يسوع.

فقلت له “وعني أسألك هذا السؤال: لو أنك عزلت المادة من Q وحدها، فأي نوع من الصور يمكن أن تكونه صورة يسوع؟”

مسَّد بلومبيرج لحيته وحدّق في السقف للحظة فيما يتأمّل السؤال ثم قال “حسناً، يجب أن تتذكر بأن Q ما هو إلا مجموعة الأقوال، ولذلك فهو يخلو من المادة القصصية التي كانت ستعطينا صورة أكثر تكاملاً عن يسوع”. واسترسل في إجابته متكلماً ببطيء فيما كان يختار كل كلمة بعناية.

“ومع ذلك، تجد يسوع يدعي بعض الادعاءات القوية جداً، فمثلاً أنه الحكمة المتجسدة، وأنه من ليخوّل من قبل الله لدينونة كل البشر، سواء من اعترفوا به أو من أنكروه. مؤخراً ناقش كتاب علمي مهم مسألة إذا تم عزل جميع أقوال Q فهل سنحصل فعلاً على نفس نوع الصورة ليسوع، الشخص الذي ادعى ادعاءات جريئة حول نفسه، كتلك التي نلاقيها في الأناجيل بصفة عامة”.

أردت دفعة أكثر إلى هذه النقطة فسألته “هل كان الناس سيرونه كصانع معجزات؟”

فأجابني قائلاً “مرة أخرى، يجب أن تتذكر أنك لن تحصل على العديد من قصص معجزات بحد ذاتها، لأنها موجودة بشكل طبيعي في القصة، أما المصدر Q فهو أساساً قائمة أقوال”.

وهنا توقف ليس إلى مكتبه، وتناول نسخة من الكتاب المقدّس مجلّدة، وتصفح صفحاته المهترئة.

“لكن، على سبيل المثال، (لوقا 7: 18-23) و (متى 11: 2-6) تقول هذه الآيات بأن يوحنا المعمدان أرسل تلاميذه ليسألوا يسوع إن كان هو حقاً المسيح -المسيا الذي كانوا ينتظرونه فأجاب يسوع إجابة جوهرية «اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ».

ثم استرسل مُقرراً “هكذا حتى المصدر Q هناك وعي واضح بإرسالية يسوع التي ترافقها المعجزات”.

جلبت إشارة بلومبيرج لمتى اهتمامي بسؤال آخر يتعلّق بكيف جمعت هذه الأناجيل فسألته “لماذا متى الذي كان هو شاهد عيان ليسوع ينقل في إنجيله أجزاء من إنجيل مرقس، الذي يتفق الجميع على أنه لم يكن شاهد عيان؟ فلو كان إنجيل متى قد كُتب فعلاً بواسطة شاهد عيان لكان اعتمد على ملاحظاته الشخصية”.

ابتسم بلومبيرج قائلاً “يبدو هذا معقولاً فقط إذا كان مرقس قد بنى روايته فعلاً على ما ذكره شاهد العيان بطرس”. وكما قلت أنت نفسك، كان بطرس من الدائرة المقربة ليسوع، وكان شخصياً يمكنه رؤية وسماع أشياء لم يسمعها باقي التلاميذ. من ثمَّ يبدو معقولاً جداً لمتى، بالرغم من أنه كان شاهد عيان، أن يعتمد على رواية بطرس للأحداث كما دونت عبر مرقس”.

ففكرت في نفسي، نعم، فهذا معقولاً فعلاً. وفي الحقيقة، بدأ يتكون في ذهني تناظر لما حدث معي منذ سنوات خلال عملي كمراسل صحفي. تذكرت أنني كنت ضمن مجموعة حاشدة من الصحفيين الذين حاصروا ذات مرة أبَّ شيكاغو السياسي المشهور، رئيس البلدية مايور ريتشارد جي. دالي، وامطروه بوابل من الأسئلة عن فضيحة كانت قد حدثت في قسم الشرطة. فأدلى ببعض التعليقات قبل هروبه إلى سيارته الليموزين.

وبالرغم من أني كنت شاهد عيان على ما قد حدث، فقد ذهبت في الحال إلى مراسل إذاعي كان الأقرب لدالي، وطلبت منه إعادة تشعيل الشريط الذي يحتوي على ما قاله دالي تواً. وبهذه الطريقة، استطعت أن أتأكد من أن ما لدىَّ من كلماته قد كتبته بشكل صحيح.

لذا، فقد فكرت، بأن هذا على ما يبدو ما قد فعله متى مع مرقس، مع أن متى كانت له ذكرياته الخاصة كتلميذ للمسيح، فإن مسعاه نحو الدقة دفعه للاعتماد على بعض المعلومات التي جاءت إليه مباشرة من بطرس الذي هو من الدائرة الأقرب ليسوع.

 

المنظور الفريد ليوحنا.

 

لقد اعتراني شعور بالرضا والاقتناع بإجابات بلومبيرج الأولية المتعلقة بالثلاثة أناجيل الأولى، والمسماة بالإزائية أو المتشابهة، والتي تعني “رؤية الأشياء في نفس الوقت”، بسبب تشابه الخطوط الرئيسية للأحداث والعلاقة المتبادلة بينهم(4). ثم حوّلت انتباهي إلى إنجيل يوحنا.

إن أي شخص يقرأ الأناجيل الأربعة سيدرك في الحال وجود اختلافات واضحة بين الأناجيل الازائية وإنجيل يوحنا، وأردت أن أعرف ما إذا كان هذا يعني وجود تناقضات لا يمكن التوفيق بينها.

فسألت بلومبيرج “هل يمكنك أن توضح لي الفروق بين الأناجيل الازائية وإنجيل يوحنا؟”.

ارتفع حاجباه بحدة، وقال “هذا سؤال ضخم! أتمنى تأليف كتاب كامل عن هذا الموضوع”.

وبعدما طمأنته بأنني أريد فقط معرفة أساسيات المسألة، وليس مناقشة شاملة، رجع إلى كرسيه مستريحاً.

“حسناً، صحيح أن يوحنا أكثر اختلافاً عن الأناجيل الازائية، وهناك حفنة قليلة فقط من القصص الكبرى التي تظهر في الثلاثة أناجيل الأخرى تظهر ثانيةً في إنجيل يوحنا، مع أنها تختلف بشكل ملحوظ عندما نصل إلى الأسبوع الأخير من حياة يسوع. من ذلك فهو يُشير إلى تقوية أقرب بكثير من المتوازيات.”

“ويبدو أن هناك أيضاً اختلاف كبير في الأسلوب اللغوي. ففي إنجيل يوحنا يستخدم يسوع اصطلاحات مختلفة، ويتحدث في خطب طويلة، كما يبدو أن هناك درجة عالية من الكرستولوجي (التعليل اللاهوتي لشخص المسيح)، وادعاءات أكثر صراحة ومباشرة أكثر والتي تجعب من يسوع واحداً مع الآب، الله نفسه، فهو الطريق، والحق، والحياة، والقيامة.”

فسألته “ما هو تفسير هذه الاختلافات؟”

فقال “على مدي سنين عديدة، كانت الفرضية بأن يوحنا يعرف كل شيء عما كتبه متى، ومرقس، ولوقا، وأنه رأى عدم وجود حاجة لتكرارها، لذلك اختار أن يكملها. لكن منذ عهد أقرب، أصبح الافتراض بأن يوحنا مستقل تماماً عن الأناجيل الثلاثة الأخرى، وهذا الأمر أمكن أن يعلل الاختيارات المختلفة للمعلومات وكذلك وجهات النظر المختلفة عن يسوع”.

 

ادّعاءُ يسوع الأكثر جرأة

 

وقلت مُعلقاً “هناك بعض السمات اللاهوتية ليوحنا”

فقال لي “لا جدال في ذلك، ولكن هل تستحق أن تدعي هذه تناقضات؟ أظن أن الجواب لا، وإليك السبب: تقريباً لكن موضوع مهم أو مميز في إنجيل يوحنا، يمكنك أن تجد ما يوازيه في أناجيل متى، ومرقس، ولوقا، حتى وإن لم تكن بنفس الغزارة”.

لقد كان هذا زعم جريء فقررت على الفور أن أضعه موضع الإختبار بإثارة أهم القضايا المتعلقة بالإختلافات بين الأناجيل الازائية وإنجيل يوحنا.

فقلت “يقدم يوحنا إدعاءات صريحة وواضحة جداً بأن يسوع هو الله، والبعض يرجعون إلى حقيقة أن يوحنا كتب إنجيله متأخراً عن الآخرين وبدأ بتزيين الأمور. فهل تستطيع أن تجد موضوع الألوهية في الازائية؟

قال “نعم، أستطيع ذلك، وأن كان بطريقة أكثر ضمنية لكنه موجود.

تأمل في قصة يسوع مشي على الماء، وهي مذكورة في (متى 14: 22-33)؛ و (مرقس 6: 45-52). وفي معظم الترجمات الإنجليزية تتخفي الكلمات اليونانية، فحين إقتبس يسوع قائلاً “أّنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا” لكن الترجمة اليونانية[1] تقول حرفياً (لاَ تَخَافُوا أنا هو الكائن)، فالكلمتين الأخيرتين مطابقتان لما قاله يسوع في إنجيل (يوحنا 8: 58)، عندما نسب لنفسه الاسم الإلهي “قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إَبْرَاهَيمُ أَنَا كَائَنٌ” الذي هو إله البرية الذي أعلن نفسه لموسى في الشجيرة أو العليقة المشتعلة في سفر (الخروج 3: 14).

لذا فإن يسوع يُظهر نفسه بأنه الواحد الذي له نفس القدرة الإلهية على مثال طبيعة يهوه إله العهد القديم”

أومأت برأسي ثم قلت “هذا مثال واحد، فهل لديك أمثلة أخرى؟”

قال بلومبيرج “نعم، يمكنني الاستمرار على طول هذا الخط.

فمثلاً، اللقب الأكثر شيوعاً الذي أطلقه يسوع على نفسه في الإنجيل الثلاثة الأولى “ابن الإنسان، و …”

وهنا رفعت يدي لأوقفه وقلت “توقف قليلاً،” ثم أمسكت بحقيبتي، وسحبت كتاباً وتصفحته حتى وجدت مكان الاقتباس الذي كنت قد حددته مسبقاً، وكنت أبحث عنه “كارين أرمسترونج، التي كانت راهبة سابقاً والتي كتبت كتاباً من أكثر الكتب رواجاً وهو “تاريخ الله” قالت إنه يبدو أن التعبير “ابن الإنسان” يؤكد ببساطة ضعف حالة الإنسان وفناؤه”، لذا باستخدام يسوع لهذا التعبير، كان يؤكد فقط “بأنه مجرد إنسان ضعيف سيقاسي الآلام يوماً ما ويموت”(5)

ثم قلت: “لو كان ذلك صحيحاً، فلا يبدو أن هذا التعبير بمثابة إدعاء كبير بالألوهية”.

وهنا أصبحت تعبيرات وجه بلومبيرج تنم عن الغضب فقال بحزم “على نقيض الاعتقاد السائد فإن تعبير “ابن الإنسان” لا يُشير، في المقام الأول، إلى إنسانية يسوع. فبدلاً من ذلك تلميح مباشرة إلى (دانيال 7: 13-14). وعندئذ فتح العهد القديم وقرأ تلك الكلمات من سفر دانيال النبي

“كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ”.

ثم أغلق بلومبيرج الكتاب المقدس، ثم إسترسل قائلاً “من ثمَّ، أنظر لما أن يسوع يفعله بتطبيق هذا التعبير “ابن الإنسان”[2] على نفسه. فهذا الواحد يقترب من الله نفسه في عرشه السماوي ويُعطى سلطة وسيادة عالمية. وهذا يجعل من “ابن الإنسان” لقباً ذا منزلة سامية وعظيمة، وليس مجرد إنسانية”.

فيما بعد صادفني تعليق لعالم آخر، سأجري معه قريباً مقابلة لهذا الكتاب، وليم لين كريج، الذي أبدى ملاحظة مشابهة

“ابن الإنسان” كثيراً ما يُظن بأنه يُشير إلى إنسانية يسوع، كما أن التعبير المُعاكس له “ابن الله” ليُشير إلى لاهوته.

لكن في الحقيقة، العكس هو الصحيح. ابن الإنسان كان شخصية إلهية في سفر دانيال بالعهد القديم والذي سيأتي في نهاية العالم ليدين البشرية ويدوم مُلكه إلى الأبد. من ثمَّ، فإن تعبير “ابن الإنسان” هو في الواقع إدعاء للألوهية”(6).

استمر بلومبيرج قائلاً “وبالإضافة إلى ذلك، فإن يسوع في الأناجيل الازائية يدعى أنه يغفر الخطايا، وهذا شيء يستطيع الله وحده أن يفعله. كما أن يسوع يقبل الصلاة والعبادة إذ يقول: “كل من يعترف بي سأعترف به أمام أبي الذي في السماء” فالدينونة النهائي تعتمد على موقف الإنسان تجاهه — من؟ هل هو مجرد إنسان؟ كلا، وإلا سيكون ذلك إدعاء متغطرس جداً. فالدينونة النهائية تستند رد فعل الإنسان تجاه يسوع بصفته الله.

“وكما ترى يوجد كل أنواع المواد في الأناجيل الازائية حول ألوهية المسيح، والتي أصبحت أكثر وضوحاً في إنجيل يوحنا”.

المخطط اللاهوتي للأناجيل

في تدوين الإنجيل الأخير، كان لدى يوحنا ميزة متمثلة في الفترة الزمنية الأطول والتي مكنته من التفكير في القضايا اللاهوتية. لذا سألت بلومبيرج “لقد كان يوحنا يكتب بنزعة لاهوتية أكثر، أليست هذه الحقيقة تعني بأن مادته التاريخية قد أُفسدت ومن ثمَّ فهي أقل صلاحية للاعتماد عليها؟”.

فقال بلومبيرج مؤكداً “لا أعتقد أن يوحنا أكثر لاهوتية من باقي الإنجيليين. بل لديه فقط سلسلة مختلفة من التأكيدات اللاهوتية. وقد كان لدى كل من متى، ومرقس، ولوقا، زوايا لاهوتية متميزة جداً التي عملوا على إبرازها: فلوقا، يُبرز النواحي اللاهوتية للفقراء والنواحي الإجتماعية؛ فيما عمل متى، على محاولة إدراك العلاقة اللاهوتية بين المسيحية واليهودية؛ ومرقس، يظهر يسوع كالخادم المتألم. ويمكنك أن تعمل قائمة طويلة للنواحي اللاهوتية المميزة لكلً من متى، ومرقس، ولوقا”.

وهنا قاطعت بلومبيرج إذ كنت أخشى أن يفوته غايتي الأوسع والأعم فسألته: “حسناً، ولكن ألا تُلقي هذه الدوافع اللاهوتية ظلاً من الشك على قدرتهم ورغبتهم في نقل ما حدث بدقة؟ أليس من المحتمل أن مخططهم اللاهوتي قد دفعهم لتلوين وتحريف التاريخ الذي سجلوه؟”.

فاعترف قائلاً “بالتأكيد قد يحدث ذلك كما يحدث في أي وثيقة فكري، وعلينا أن ندرس ذلك كإمكانية. فهناك أناس ذوي أغراض شخصية يُحرفون التاريخ لخدمة غاياتهم الفكرية، ولكن لسوء الحظ فأن الناس قد استنتجوا بأن ذلك يحدث دائماً، وهو ما يُعتبر خطأ.

“في العالم القديم، كانت الفكرة من كتابة التاريخ الموضوعي المحايدة فقط لتدوين الأحداث، بدون أي هدف أيديولوجي، وهذا أمر لم يُسمع به من قبل. فليس هناك من أحد يكتب التاريخ ما لم يكن هناك سبب للتعلم منه”.

فابتسمت واقترحت قائلاً “أفترض بأنه يمكنك القول بأن هذا يجعل كل شيء موضع شك”.

فأجاب قائلاً “نعم هذا يحدث في مستوى معين. ولكن إذا استطعنا أن نعيد بناء تاريخ دقيق ومعقول من كل أنواع المصادر القديمة الأخرى، وهو ما يجب أن نكون قادرون على فعل ذلك من الأناجيل، بالرغم من أنها أيضاً ذات نظريات أيديولوجية”.

ثم ظل بلومبيرج يفكر لحظة، باحثاً عن تشبيه ملائم ليثبت صحة فكرته. وأخيراً قال “إليك مثال حديث، من تجربة المجتمع اليهودي، وهذا المثال قد يوضح المعنى الذي أقصده.

“بعض الناس لأهداف معادية للسامية ينكرون أو يقللون من قيمة أهوال المحرقة (الهولوكوست). لكن العلماء اليهود أقاموا متاحف، وألفوا كتب، واحتفظوا بمصنوعات يدوية، وسجلوا شهادات شهود عيان المتعلقة بالمحرقة (التي أحرق هتلر فيها اليهود).

فهؤلاء لديهم هدف أيديولوجي واضح، ألا وهو، ضمان عدم تكرار مثل هذا العمل الوحشي أبداً مرة أخرى، لكنهم كانوا أيضاً أشد إخلاصاً وموضوعية في نقل الحقائق التاريخية”.

“وبالمثل إستندت المسيحية على بعض الإدعاءات التاريخية وذلك بأن الله دخل بشكل فريد إلى عالمنا وزماننا في شخص يسوع الناصري، لذا عمل المسيحيين على ترويج عمل تاريخي بأكثر دقية ممكنة”.

وهكذا جعل التشابه يتحقق. ثم نظر إلى وجهي مباشرة وسأل “هل فهمت فكرتي؟”

أومأت برأسي إشارة على أنني قد فهمتها.

أخبار مثيرة من التاريخ.                 

شيء واحد يمكنه دعم القول بأن الأناجيل متجذّرة على شهادة شهود عيان مباشرة أو غير مباشرة؛ ولكن شيء آخر أن ندعى أن هذه المعلومات حُفظت بشكل موثوق حتى دونت أخيراً وبعد سنوات. وإنني أعرف أن هذه النقطة كانت نقطة نزاع وخلافات كبرى، وأردت تحدى بلومبيرج بهذه المسألة بكل صراحة ممكنة.

إلتقطت، ثانيةً، كتاب آرمسرونج الشهير “تاريخ الله” وقلت له “أنصت لشيء آخر كتبته”

إن ما نعرفه عن يسوع قليل جداً. فأول رواية كاملة عن حياته كانت إنجيل مرقس، الذي يُكتب حتى حوالي سنة 70، أي بعد موته بأربعين سنة. وخلال هذه الفترة، كُسيت الحقائق التاريخية بعناصر أسطورية عبرّت عن المعنى الذي أوصله يسوع لأتباعه. وهذا هو المعنى الذي ينقله القديس مرقس أولاً بدلاً من التصوير الواضح الموثوق(7).

وبعد إعادة الكتاب إلى حقيبتي، إلتفت إلى بلومبيرج قائلاً: “يقول بعض العلماء أن الأناجيل قد كُتبت بعد الأحداث بمدة طويلة لدرجة أن الأساطير طوّرت وشوهت ما قد كُتب في النهاية، فحوّلت يسوع من مجرد معلم حكيم إلى ابن الله الأسطوري. فهل هذا إفتراض معقول، أم أن هناك دليل جيد على أن الأناجيل سجلت في وقت أسبق من ذلك، وقبل أن تتمكن الأساطير من تشويه كلي لما تم تسجيله في النهاية؟”.

ضاقت عينا بلومبيرج، واتخذ صوته نبرة عنيدة وقال “لدينا هنا مسألتان منفصلتان، ومن المهم أن نبقيهما منفصلتين. أظن أن هناك أدلة قوية لإقتراح تواريخ مبكرة لكتابة الأناجيل، لكن حتى إذا لم توجد هذه التواريخ، فإن مجادلة أرمسترونج لا تفلح بأية حال من الأحوال “.

فسألته: “ولما لا؟”

فأجاب قائلاً “إن التواريخ العلمية القياسية، وحتى في الدوائر التحررية جداً، تقول بأن مرقس قد دوّن في السبعينات، ومتى ولوقا في الثمانينات، ويوحنا في التسعينات. لكن أرجو أن تنتبه إلى: بإن كل هذا تمَّ في أثناء حياة شهود العيان المختلفين والذين عاصرا حياة يسوع، بمن فيهم شهود العيان المعادين الذين كانوا سيعملون على كشف أي بُطل في التعاليم أو الأخبار حول يسوع التي كانت رائجة وقتئذ.

“وبالتالي، فإن هذه التواريخ المتأخرة للأناجيل ليست بمتأخرة حقاً. ففي الحقيقة، يمكنا عقد مقارنة مفيدة جداً لمعلوماتنا:

“أقدم سيرتان ذاتيتان للإسكندر الأكبر كتبها أريان وبلوتارك بعد أكثر من 400 سنة على موت الإسكندر في 323 ق.م، ورغم ذلك فإن المؤرخين يتدارسونهما على إعتبار أنهما جديرتين بالثقة. نعم، فالمادة الأسطورية حول الإسكندر قد تطوّرت بمرور الزمن، غير أن ذلك قد حدث بعد هذين الكاتبين بقرون.

“وبعبارة أخرى، فإن الخمسمائة سنة الأولى استمرت قصة الاسكندر تقريباً سليمة، ثم بدأت المادة الأسطورية بالظهر على مدى الخمسمائة سنة التالية. من ثمَّ فسواء كُتبت الأناجيل بعد حياة يسوع بستين أو ثلاثين سنة، فإن هذه الفترة الزمنية تعتبر تافهة بالمقارنة بحياة الإسكندر الأكبر. لذا فهي تعتبر مسألة غير ذات قيمة”.

كان يمكنني أن أرى ما قاله بلومبيرج. إلا أنه كان لدىَّ، في نفس الوقت، بعض التحفظات حولها. فبالنسبة لي، بدا واضحاً بأنه كلما قلّت الفجوة الزمنية بين وقوع الحدث وموعد تسجيله كتابةً، فإنَّ احتمالات وقوع هذه الكتابات ضحية للأساطير أو الذكريات الخاطئة.

فقلت له: “دعني أسلم بوجهة نظرك مؤقتاً، ولكن دعنا نعود إلى تواريخ كتابى الأناجيل. فقد أشرت بأنك تعتقد أنها كتبت قبل التواريخ التي ذكرتها”.

فقال لي “نعم، قبلها، ويمكننا دعم ذلك بالنظر في سفر أعمال الرسل، الذي كتبه لوقا. إذ يبدو أن سفر الأعمال بدون نهاية، وبولس فيه الشخصية الرئيسية، حيث يُختم السفر فجأة، وبولس تحت الإقامة الجبرية في روما. لكن ماذا حدث لبولس؟ لن نعرف ذلك من سفر الأعمال، ربما لأن هذا الكتاب تمت كتابته قبل الحكم على بولس بالإعدام”

وهنا أصبح بلومبيرج أكثر استعداداً عندما استمر يقول: “وهذا يعني بأن تأريخ تدوين سفر الأعمال لا يمكن أن يكون في أي تاريخ بعد سنة 62 م. وبعد أن أثبتنا ذلك، فمن الممكن أن نرجع إلى الخلف قبل هذا التاريخ. فبما أن سفر الأعمال يعتبر الجزء الثاني من عمل مكون من جزئين، ونحن نعرف بأن إنجيل لوقا هو الجزء الأول، فلابد وأن يكون قد كتب قبل ذلك الوقت. وحيث أن لوقا قد نقل أجزاء من إنجيل مرقس، فهذا يعني أن إنجيل مرقس تمت كتابته قبل ذلك أيضاً.

“فلو سمحنا بمدة سنة لكل من هذه الكتب، لانتهينا إلى أن إنجيل مرقس لم يكتب متأخراً عن سنة 60 م. ولربما حتى في أواخر الخمسينات. فإذا كان يسوع قد حكم عليه بالموت سنة 30 أو 33 م، فإن أقصى فجوة زمنية تعتبر 30 ثلاثون عاماً تقريباً.

ثم عاد إلى الخلف ليجلس مستريحاً على كرسيه مع إحساسه بالنصر وقال “هذا من الناحية التاريخية، خاصةً بالمقارنة مع الاسكندر الأكبر، فإن هذه الفجوة تشبه لحظة انتقال الخبر!

حقيقةً، لقد كان ذلك رائعاً، فأن الفجوة بين أحداث حياة يسوع وتاريخ كتابة الأناجيل ضيقة إلى هذا الحد الذي أصبحت لا تُذكر بحسب المعايير التاريخية. ومع ذلك فمازلت أريد أن أواصل متابعة القضية. وقد كان هدفي إعادة الساعة إلى الوراء إلى أبعد حد ممكن للحصول على أقدم معلومات عن يسوع.

عودة إلى البداية

وقفت وتمشّيت إلى خزانة المكتبة، ثم التفت إلى بلومبيرج قائلاً: “دعنا نرى إن كان بالإمكان الرجوع إلى ما هو أبعد من ذلك.

إلى أي وقت مبكر يمكننا تحديد تاريخ المعتقدات الأساسية لكفّارة يسوع، وموته، وقيامته، وعلاقته الفريد مع الله؟”.

فبدأ يقول: “من المهم أن نتذكر بأن كتب العهد الجديد ليست مرتبة ترتيباً زمنياً. فالأناجيل قد كتبت بعد كل رسائل بولس تقريباً، وكتابات بولس كرسول ربما تكون قد بدأت في أواخر الأربعينات. وأغلب رسائله الكبرى ظهرت في الخمسينات. ولكي نتوصل إلى أقدم المعلومات نذهب إلى رسائل بولس ثم نسأل “هل هناك إشارات حتى إلى مصادر أقدم من ذلك قد استخدمت في كتابتها؟”.

فعدت أحثه قائلاً: “وماذا نجد؟”

فأجاب قائلاً: “نجد أن بولس أدخل بعض العقائد، واعترافات الإيمان، أو تراتيل من أقدم كنيسة مسيحية. وهذه تعود إلى فجر الكنيسة الأولى بعد القيامة مباشرة.

وأشهر هذه المعتقدات متضمنة في (فيلبي 2: 6-11)، التي تتحدث عن كون يسوع “الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ.” وكذلك في (كلوسي 1: 15-20)، التي تصفه بأنه ” الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ”، الذي خلق كل الاشياء والذي “يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ”.

“فهذه مهمة بالتأكيد في توضيح ما الذي كان المسيحيون الأوائل مقتنعين به عن يسوع. لكن ربما كان أهم الاعتقاد الأكثر أهمية من جهة يسوع التاريخي هي التي في (كورنثوس الأولى 15)، حيث يستخدم بولس لغة فنية مميزة للإشارة إلى التقليد الشفهي المُسلّم بشكل ثابت نسبياً عبر الرسل”.

ثم حدد بلومبيرج مكان الفقرة في الكتاب المقدس وقرأها لي: “فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ. وَآخِرَ الْكُلِّ ­ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ­ ظَهَرَ لِي أَنَا”(8).

ثم قال بلومبيرج “ها هي النقطة الهامة. إذا كان الصلب قد تم سنة 30 م، فإن اهتداء بولس للمسيحية كان حوالي سنة 32 م. وفي الحال أخذ بولس إلى دمشق حيث التقى رجلاً مسيحياً يدعى حنانيا وبعض الأتباع الآخرين. وأول لقاء له مع الرسل في أورشليم كان حوالي سنة 35 م. وفي نقطة من الزمن في هذه الفترة، أعطيت لبولس هذه المعتقدات، التي كانت قد صيغت وتداول استخدامها في الكنيسة الأولى.

“والآن، أصبح لديك الحقائق الرئيسية حول موت يسوع عن خطايانا، بالإضافة إلى قائمة مُفصّلة لأولئك الذين ظهر لهم في جسد قيامته، حيث يعود تاريخ هذه الحقائق خلال سنتين أو خمس سنوات من تاريخ الأحداث نفسها!

“فهذه ليست أساطير ظهرت بعد ذلك بأربعين سنة أو يزيد، كما اقترحت آرمسترونج. ومن الممكن إثبات هذه الحالة بقولنا إن الإيمان المسيحي بالقيامة، حتى وإن لم يُكتب، يمكن أن يؤرخ في غضون سنتين من حادثة القيامة نفسها.

ثم رفع صوته قليلاً مؤكداً ثم قال “هذه المسألة هامة جداً، فالآن لا تقارن ثلاثون أو ستون سنة بسنوات الخمسمائة المقبولة عادة للمعلومات الأخرى، فانت هنا تتحدث عن عامين!”

لم أستطع أن أنكر أهمية هذا الدليل. إذ يبدو بالتأكيد أنها قد قضت على التهمة القائلة بأن القيامة التي يستشهد بها المسيحيين كتأكيد تتويج لاهوت يسوع، على أنه فكرة أسطورية تطورت عبر فترات زمنية طويلة على شكل أساطير أفسدت روايات شهود العيان عن حياة المسيح. وبالنسبة لي، إن هذه الأدلة أقنعتني كمتشكك بطبيعتي، فقد كانت هذه أحد أكبر اعتراضاتي على المسيحية.

إتكأت على خزانة الكتب. لقد اكتسبنا معلومات كثيرة، وبدا زعم بلومبيرج الذروي بمثابة مكان مناسب للتوقف.

إستراحة قصيرة

لقد تأخر بنا الوقت إلى ما من بعد الظهر. فقد كنا نتحدث لفترة طويلة بدون استراحة. ومع ذلك لم أُرد إنهاء محادثتنا بدون وضع روايات شهود العيان تحت نفس الاختبار الذي يُخضعه المحامي أو الصحفي وأردت أن أعرف هل ستتمكن من الصمود لهذا الفحص الدقيق، أم ستنكشف كمشكوك فيها في أحسن الأحوال، أو غير موثوق بها في أسوأ الأحوال.

وبعد ما وُضَعَ الأساس الضروري، دعوت بلومبيرج للوقوف وفرد ساقيه قبل أن نجلس مرة أخرى لاستئناف مناقشاتنا.

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة    

  • كيف تأثرت برواية شهود العيان عن حادث معين؟ وما هي بعض العوامل التي تستخدمها عادة للتقييم سواء كان قصة شخص ما إذا كانت صادقة ودقيقة؟ ما الذي تعتقده حول الأناجيل وهل يمكنها أن تصمد أمام هذا النوع من التدقيق والفحص؟
  • هل تعتقد أن الأناجيل يمكن أن يكون لها مخطط لاهوتي فيما نُعتبر جديرة بالثقة في نفس الوقت في كل ما تنقله؟ لماذا ولم لا؟ هل تجد تناظر بلومبيرج بمحرقة الهولوكوست معيناً في التفكير في هذه القضية؟
  • كيف ولماذا يؤثر وصف بلومبيرج للمعلومات المُبكّرة عن يسوع على رأيك حول موثوقية الأناجيل؟

 

لمزيد من الأدلة – مصادر أخرى حول هذا الموضوع

  • Barnett, Paul. Is the New Testament History? Ann Arbor, Mich.: Vine, 1986.
  • Jesus and the Logic of History. Grand Rapids: Eerdmans, 1997.
  • Blomberg, Craig. The Historical Reliability of the Gospels. Downers Grove, 111: InterVarsity Press, 1987.
  • Bruce, F. F. The New Testament Documents: Are They Reliable? Grand RAPIDS: Eerdmans 1960.
  • France, R. T. The Evidence for Jesus. Downers Grove, 111.: InterVarsity Press, 1986.

[1]   لمزيد من التفاصيل راجع مادة رقم (1639) بالقاموس الموسوعي عن العهد الجديد مكتبة دار الكلمة، مصر، القاهرة، 2007.

[2]   لمزيد من الدراسة للجذر اللغوي وتاريخ تطوره في كل من العهد القديم والجديد، راجع مادة (5626) بالقاموس الموسوعي للعهد الجديد، مرجع سابق.

  • 1- lee Strobel, “Youth’s Testimony Convicts Killers, but Death St Near” Chicago Tribune (October 25, 1976)

2- Irenaeus, Adversus hearses 3.3.4

3-Arthur G. Patzia, The Making of the New Testament (Downers Grove, lll: Intervarsity press, 1995), 164

4- Ibid., 49.

5- Karen Armstrong, A History of God (New York: Bal-lantine/Epiphany, 1993), 82

6-William lane Craig, The Son Rises: Historical Evidence for the Resurrection of Jesus (Chicago: Moody press 1981), 140

7- Armstrong, a History of God, 79.

8- 1 Corinthians 15:3-7.

أدلة شهود العيان – هل بالإمكان الوثوق بسير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

الادلة العلمية – هل يؤكّد علم الأثار أم يناقض سير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

الادلة العلمية – هل يؤكّد علم الأثار أم يناقض سير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

الادلة العلمية – هل يؤكّد علم الأثار أم يناقض سير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

الأدلة العلمية، هل يؤكد علم الأثار أم يناقض سيرة حياة يسوع – لي سرويل 

كان هناك شئ سيريالي عن غدائي مع الدكتور جيفري ماكدونالد وكان هناك يمضغ ساندويتش تونا بطريقة غير منظمة وكذلك يمضغ البطاطس بنفس الطريقة في غرفة المؤتمرات في دار القضاء بولاية كارولينا الشمالية، ويعلق تعليقات مضحكة ويمتع نفسه بصفة عامة. وفي غرفة قريبة كان هناك 12 من المحلفين يستريحون بعد الاستماع إلى شهادة رهيبة بأن ماكدونالد قد قتل بوحشية زوجته وابنتيه الصغيرتين.

  فلما كنا قد انتهينا من وجبة طعامنا، فلم أستطع أن أمنع نفسي من أن أسأل ماكدونالد، الاسئلة الواضحة: ” كيف تتصرف وكأن شيئا خاطئاً لم يحدث؟ ” وكان صوتي وأنا أسأله ممتزجاً بالدهشة والإستياء ” أليس لديك أقل درجة من القلق بأن هؤلاء المحلفين سيحكمون عليك بأنك مذنب؟ “

  لوح ماكدونالد بسندويتشه نصف المأكول في اتجاه غرفة المحلفين وهو يضحك ” هم؟، إنهم لن يدينوني أبداُ!” .

 ثم، يبدو أنه أدرك أن هذه الكلمات كانت بدت ساخرة، فأضاف بسرعة ” إنني برئ، كما تعلم”.

  وكانت هذه أخر مرة اسمعه يضحك. ففي خلال أيام كان طبيب حجرة الطوارئ السابق ذو القبعة الخضراء قد وجد مذنباً بأنه طعن زوجته، كوليت، وإبنتيه كيمبيرلي ذات الخمسة سنوات، وكريستين، ذات السنتين. وحكم عليه فوراًبالسجن مدي الحياة ونقل بالأصفاد.

 ولقد أعيدة رواية ماكدونالد ببراعة بواسطة جو ماكجينيس في كتاب من الكتب الأكثر مبيعا وكذا رؤية التلفزيون السينمائية “المشهد المميت “، وكان هذا القاتل مغرورا لدرجة أنه ظن أن محاولة عدم وجوده في مكان الجريمة وقت ارتكابها ستساعده على الإفلات بدون عقاب.

 أخبر المحققين بأنه كان نائماً على الأريكة عندما أيقظته أصوات بعض الخنافس (الهيبيز) المجانين من تعاطي المخدرات، أيقظوه في منتصف الليل. ثم قال إنه قاومهم، حتى فقد وعيه وعندما أفاق وجد نفسه مطعوناً ومضروباً في هذه العملية. وعندما أفاق وجد عائلته قد ذبحت.

  لقد شكك المحققون في روايته منذ البداية. فقد أظهرت حجرة المعيشة بعض أثار لصراع موت وحياة. أما جروح ماكدونالد فكانت سطحية. مع أن نظره ضعيف، فقد كان قادرا على إعطاء أوصاف مفُصّلة لمن هاجموه مع أنه لم يكن يلبس نظارته.

  ومع ذلك، فالشك وحده لا يكفي للإدانة، التي تتطلب أدلة دامغة ففي قضية ماكدونالد إعتمد المخبرون على دليل علمي يحل نسيج أكاذيبه ويدينه بعمليات القتل.

وهناك أنواع مختلفة من الأدلة العلمية التي يكثر إستعمالها في المعامل، تترواح ما بين تحليل الحمض النووي DNA   لمعرفة الاصل الشرعي إلى علم السموم. وفي قضية ماكدونالد كان على المُصول (دليل الدم) وتتبع الدليل الذي أرسله إلى المحكمة الذي بعثته إلى سجن التأديب.

ومن الصدف الغير عادية، ولحسن حظ المدّعين، كان لدي كل فرد من عائلة ماكدونالد فصيلة دم مختلفة.

وبتحليل بقع الدم التي وجدت، استطاع المحققين أن يعيدوا ترتيب تسلسل الأحداث في تلك الامسية المميتة، والتي تناقضت مباشرة مع رواية ماكدونالد للأحداث.

  والدراسات العلمية لخيوط زرقاء دقيقة من البيجامة، التي وجدت مبعثرة في أماكن مختلفة، هذه أيضا فندت محاولة ماكدونالد لإثبات عدم وجوده في مكان الجريمة وقت إرتكابها. كما أن التحليل المجهري (الميكروسكوبي) أظهر وجود ثقوب في بيجامته من الممكن إحداثها، كما إدّعي، بمعول ثلج استخدمها من هاجموا المنزل. وباختصار، فإن خبراء مكتب التحقيقات الفيدرالي هم السب فعلا في إدانة ماكدونالد(1).

  يستطيع الدليل العلمي كذلك تقديم مساهمات مهمة في مسألة ما إذا كانت روايات العهد الجديد عن يسوع دقيقة. فبينما علم المصول وعلم السموم ليسا بقادرين على تسليط أي ضوء على القضية، فهنا نوع أخر من الأدلة العلمية، نظام وقواعد علم الأثار، لها علاقة كبيرة بكون الأناجيل يمكن الوثوق بها.

  وعلم الاثار، الذي يُدعي أحياناًعلم دراسة النفاية التي تتحمل البقاء مدة طويلة، يشمل الكشف عن المصنوعات اليدوية، والهندسة المعمارية، والفن، والعملات المعدنية، والأنصاب أو التماثيل، والوثائق،

وبقايا أخري من الزراعات القديمة …. يدرس الخبراء هذه الأثار لمعرفة ما كانت عليه الحياة حين كان يسوع يمشي في الطرق المتربة لفلسطين القديمة.

  مئات من الإكتشافات الأثرية من القرن الأول كُشف عنها، وكنت مشتاق لمعرفة: ما إاذا كانت ستضعف أو تدعم رويات شهود العيان عن يسوع؟ وفي نفس الوقت، فإن فضولي وحب استطلاعي زادت شدته بسبب الشكوك. لقد سمعت الكثير من المسيحيين يقدمون إداعاءات مفرطة بأن علم الأثار يمكنه أن يثبت حقائق أكثر بكثير من التي يثبتها فعلاً. لكن لم أكن مهتما بمزيد منها. 

  لذلك إستمررت للبحث عن مصدر معترف به قد حفر شخصياً بين خرائب الشرق الأوسط والذي لديه معرفة موسوعية بالإكتشافات القديمة، والذي كان لديه تحفظ علمي كافي للإقرار بمحدودية علم الأثار وفي نفس الوقت يستطيع ان يشرح كيف يستطع علم الأثار أن يلقي ضوء على الحياة في القرن الأول الميلادي.

 

المقابلة الرابعة: دون ما كراي، دكتوراه في الفلسفة

 

  عندما يقوم العلماء والطلاب بدراسة علم الأثار، يلجأ الكثيرون إلى كتاب جون ما كراي الشامل الهادئ (صفحة 432) المسمى ” علم الأثار والعهد الجديد Testament Archaeology and the New “

وعندما أرادت شبكة الفنون والتسلية التلفزيونية أن تضمن دقة برنامج ” أسرار الإنجيل “، إستدعت “ماكراي” أيضاً. وعندما احتاجت الجمعية الجغرافية الوطنية إلى عالم يستطيع أن يوضّح النقاط المعقدة في عالم الكتاب المقدس، إتصلت به تليفونيا مرة أخري، بمكتب ماكراي في كلية هويتون المحترمة جداً في ضواحي مدينة شيكاغو.

    فبعد أن درس في الجامعة العبرية، والكلية الفرنسية لدراسات الكتاب المقدس والآثار في أورشليم (القدس)، وكلية اللاهوت بجامعة فاندربلت، وجامعة شيكاغو (حيث حصل على الدكتوراه سنة 1967)،

ظل يعمل أستاذاً للعهد الجديد وعلم الآثار في هويتون لأكثر من خمس عشرة سنة. وقد ظهرت مقالاته في 17 موسوعة وقاموس، كما نُشرت أبحاثه في مجلة جمعية علم الآثار الشرق الأدني والمجلات الأكاديمية الأخري، وقد قدّم تسع وعشرون ورقة علمية في جمعيات متخصصة ومحترفة.

   وقد كان ماكراي مساعد ووصي على أبحاث الآثار في معهد دبليو. إف. أولبرايت في القدس، ومشرف على المدارس الأمريكية للأبحاث الشرقية (سابقاً)، وعضو مجالس رؤساء تحرير “علم الآثار في عالم الكتاب المقدس” و “مجلة أبحاث الكتاب المقدس” التي ينشرها معهد أبحاث الكتاب المقدس.

    وبقدر ما يتمتع ماكراي بالكتابة والتدريس عن العالم القديم، فإنه يستمتع فالفرص التي تمكنه من إستكشاف المنجم الآثاري بنفسه. وقد أشرف على فرق التنقيب عن الآثار في قيصيرية، وسيفوريس، وهيروديا، وكلها في إسرائيل، على مدار ثمانية سنوات. كما قام بتحليل مواقع آثارية رومانية في إنجلترا وويلز، وحلل منجماً في اليونان، وأعاد تتبع معظم رحلات بولس الرسول.

  وعندما بلغ عمره 66 عاماً، تحول شعر ماكراي إلى اللون الفضي وأصبحت نظارته أكثر سمكاً، ولكنه ما زال محتفظا بروح المغامرة.

   وكان على المكتب في مكتبه، وفي الحقيقة على سريره بمنزله، صورة أفقية تفصيلية لمدينة القدس (أورشليم). وقد علق على ذلك قائلا:” إني أعيش في ظلها “، قالها بصوت ينم ويدل على الاشتياق عندما لفت الأنظار إلى مواقع معينة لعمليات الحفر والتنقيب والاكتشافات الهامة.

   ويظهر في مكتبه نوع من الأريكة المريحة التي تجدها في المدخل الأمامي لبيت ريفي. فجلست عليها مستقرا ومستريحا بينما كان ماكراي يترتي قميص مفتوح الرقبة وسترة رياضية تبدو مريحة، ثم إتكأ عائدا إلى كرسي مكتبه.

  ولرغبتي في إختبار ما إذا كان يبالغ في تأثير علم الآثار، فقد قررت فتح مقابلتنا بسؤاله ما الذي لايستطيع علم الآثار أن يخبرنا به عن موثوقية العهد الجديد. ومهما يكن، فكما يذكر ماكراي في كتابه، أنه حتى لو استطاع علم الآثار أن يثبت مدينتي المدينة ومكة الكائنتين بغرب الممكلة العربية السعودية في القرن السادس والسابع، فإن هذا لا يُثبت ان محمداً عاش هناك.

   فبدأ يتكلم ويتشدق في الكلام بالطريقة التي تعلمها وهو طفل في جنوب شرق أوكلاهوما، فقال:” إن علم الآثار قد ساهم بالتأكيد بعض المساهمات الهامة ولكنه لا يستطيع إثبات أن العهد الجديد هو كلام الله. فلو حفرنا في إسرائيل ووجدنا مواقع قديمة تتفق مع الاماكن التي يذكر الكتاب المقدس، فإن هذا يرينا أن تاريخته وجغرافيته دقيقة. ومع ذلك فإنها لا تؤكد أن ما قاله يسوع المسيح صحيح. فالحقائق الروحية لا يمكن إثبات صحتها او بطلانها بالإكتشافات الآثارية”.

      وكمثال مشابه، قدم لي قصة هنريك شليمان، الذي بحث عن دروادة في محاولة لإثبات الديقة التاريخية لإلياذة هوميروس. ثم لاحظ ماكراي بابتسامة رقيقة “ولقد وجد طروادة فعلاً، فقد كانت حقيقة، فقط كمرجع جغرافي معين، إلا أن هذا لم يُثبت إلياذة هوميروس”.

  وبعدما وضعنا بعض الحدود لما لا يستطيع علم الآثار أن يثبته، كنت متلهفا للبدء بإستكشاف ما الذي يمكنه أن يُخبرنا به عن العهد الجديد. فقررت أن أستهل هذا الموضوع بأبداء ملاحظة نتجت عن خبرتي كصحفي استقصائي بخلفية قانونية.

التنقيب عن الحقيقة

  في محاولة تحديد ما إذا كان الشاهد صادق، فإن الصحفيون والمحامون سيختبرون جميع عناصر شهادته أو شهادتها التي يمكن اختبارها. فإذا كشف هذا التحقيق أن الشخص خاطئ في هذه التفاصيل، فإن هذا يلقي ظلالاً كثيفة من الشك على كامل مصداقيته أو كامل روايته. على أية حال، فلو أن التفاصيل خرجت سليمة من هذه التحقيقات فإن هذا النوع من الإشارة، لا يعتبر إثبات حاسم لكنه مجرد دليل، ان الشاهد ربما يمكن الوثوق بروايته أو روايتها بشكل عام.

  على سبيل المثال، لو أن رجلاً كان يصف رحلة قام بها من سان لويس إلى شيكاغو، وذكر أنه قد توقف في مدينة سبرينجفيلد، بولاية إللينويز، لمشاهدة فيلم ” تايتانك” في مسرح أوديون وأنه قد أكل قطعة شيكولاتة كلارك إشتراها من منضدة البيع، لاستطاع المحققون أن يقرروا إذا كان هذا المسرح موجود فعلا في مدينة سيرينجفيلد وكذلك يحددون إن كا يعُرض بها هذا الفيلم بالتحديد ويبيع هذه الماركة وهذا الحجم المحدد في الوقت الذي كان موجودا فيه هناك.

فإذا خرجت التفاصيل سليمة، فإن هذا لا يثبت أن كامل قصته صادقة، ولكنه يُعزز سلامة سمعته بأنه كان دقيق.

  وهذا، إالي حد ما، هو ما يحققه علم الآثار. والحقيقة المنطقية انه إذا كانت تفاصيل الأحداث التي ذكرها مؤ رخ قديم ثبت صدقها مرة بعد أخري، فإن هذا يعزز ثقتنا في مواد أخري كتبها المؤرخ ولكن ذلك لايمكن مراجعتها بسهولة.

     لذا سألت ماكراي عن رأيه كمتخصص ” هل علم الآثار يؤكد أو يُضعف العهد الجديد عندما تُفحص التفاصيل في تلك الروايات؟”

    أجاب مكراي بسرعة ” نعم ليس هناك شك بأن مصداقية العهد الجديد معززة، فمثلما نقول إن مصداقية أي وثيقة قديمة معزة عندما تحفر وتنقب وتجد أن الكاتب كان دقيقا في حديثه عن مكان أو حدث معين”.

   كمثال، أحضر بي نتائج حفره وتنقيبه في قيصيريا على ساحل إسرائيل، حيث نقّب هو وآخرون ميناء هيرودس الكبير.” لمدة طوية من الزمن شكّالناس في صحة عبارة ذكرها يوسيفوس، مؤرخ القرن الأول، بأن هذا الميناء كان كبيراً مثل إلى عند بيرايوس، الذي يعتبر ميناء ضخما في أثينا. اعتقد الناس أن يوسيفوس كان مخطئا، لأنك عندما تري الأحجار طافية على سطح الماء في الميناء الحالي، ستدرك بأنه ليس بميناء كبير.

   “لكن عندما بدأنا القيام بالتنقيب تحت الماء، وجدنا أن الميناء كان ممتداً إلى مسافة بعيدة في المياه تحت األأرض، وأنه قد إنهار، وبأن أبعاده الكليّة كانت فعلا كبيرة لو قورنت بميناء بيرايوس. وهذا يعتبر دليل آخر بأن يوسيفوس كان يعرف ما كان يتحدث عنه”.

إذا ماذا عن كًتٌّاب العهد الجديد؟ هل عرفوا حقا ما كانوا يتحدثون عنه؟  أردت وضع هذه المسألة تحت الإختبارفي سلسلة أسئلتي التالية.

دقة لوقا كمؤرخ

 

  كتب لوقا الطبيب والمؤرخ كلّمن الإنجيل الذي يحمل اسمه وسفر الأعمال، اللذين يٌشكلان معا تقريبا ربع العهد الجديد كله. وبالتالي، فالمسألة الحاسمة هي هل كان لوقا جدير بالثقة في ذكر المعلومات الصحيحة؟ فعندما يفحص علماء الآثار تفاصيل ما كتبه، هل سيجدونه دقيقا أم غير دقيق؟

  فقال:” الإجماع العام لكلّ من العلماء التحرّريون والمحافظون بأن لوقا كان مؤرخا دقيقا جدا.وهو واسع الإطلاع، وبليغ، ولغته اليونانية تقترب من النوعية الكلاسيكية، فهو يكتب كرجل متعلم، وترينا الإكتشافات الآثارية المرة تلو الأخرى بأن لوقا دقيق وصادق فيما يريد أن يقوله “

  ثم اضاف قائلاً” في الواقع، كانت هناك العديد من الحالات الشبيهة بقضية الميناء التي إعتقد العلماء في أول الأمرأن لوقا كان مخطئا في إشارة معينة، إلا أنهم في اكتشافات تالية أكدت بأنه كان صحسحا فيما كتبه.

على سبيل المثال، في لوقا 3:1 يذكر لوقا أن ” ليسانيوسُ رئّيس رُبع على الأبليّة ” حوالي سنة 27 م.

وظل العلماء ولمدة سنين يشيّروا إلى هذه النقطة على أنها دليل أن لوقا لم يكن يعرف ما يتحدث عنه، لأن الجميع كان يعرف أن ليسانيوس لم يكن رئيس رُبع بل على الأحرى كان حاكما على تشالسيس قبل ذلك بربع قرنّ. فإذا لم يستع لوقا أن ينظر لهذه الحقيقة الأساسية بالطريقة الصحيحة فلا شئ مما كتبه يمكن أن يكون جديراً بالثقة بحسب رأي العلماء.

     لكن عندما تقدّم علم الآثار ” وجد نقش، فيما بعد من زمن طيباريوس، من سنة 14 إلى 37 م. تذكر أن ليسانيوس كان رئيس رُبع على الأبلية بالقرب من دمشق، وهو يُطابق بالضبط ما كتبه لوقا “

ثم شرح ماكراي الموضوع فقال: ” إتضح أنه كان هناك مسؤولان حكوميان باسم ليسانيوس! ومرة أخري تبين أن لوقا كان صادقا تماما “

     وهناك مثال آخر لمرجعية لوقا في سفر أعمال الرسل 17:6 إلى ” بوليتاركس ” التي مترجمة

ب ” حكام المدينة ” في مدينة تسالونيكي ” وظل الناس مدة طويلة يظنوا أن لوقا قد أخطأ لأنه لم يوجد أي دليل على أن إصطلاح ” بوليتاركس وج في أي وثيقة من الوثائق الرومانية القديمة “.

     ثم أضاف ماكراي قائلاً:” ومع ذلك، فقد وجدت بعد ذلك كلمات منقوشة على قوس من القرن الأول تبدأ بكلمات ” في عد بوليتاركس ….” ويمكنك الذهاب إلى المتحف البريطاني لتراها بنفسك. وبعد ذلك، أنظر وتعجب، فقد وجد علماء آثار أكثر من خمسة وثلاثون نقشاً تذكر لوليتاركس، والعديد منها في تسالونيكي ويعود تاريخا لنفس الفترة التي أشار إليها لوقا.

   مرة أخري كان النقاد على خطأ واتضح أن لوقا هو الذي كان على صواب.

وهنا خطر ببالي إعتراض “لكن في إنجيله يقول لوقا أن يسوع كان يدخل إلى أريحا عندما شفي فاقد البصر بارتيماوس، بينما يقول مرقس بأنه أثناء خروجه من أريحا (2) أليس هذا تناقض واضح يثير الشك حول موثوقية العهد الجديد؟ “

لكن ماكراي لم يُفاجأ بسؤالي المباشر فكان رده ” لا، إطلاقاً، إن هذا يبدو أنه تناقض لأنك تفكر في الاصطلاحات الحديث تبني المدن وتبقي في مكانها. لكن لم يكن هذا هو الحال بالضرورة في الأزمنة القديمة. كان أريحا في أربع مواقع مختلفة على الأقل في الأزمنة القديمة، وكانت هذه المواقع تبعد عن بعضها بمسافة ربع ميل.

ثم دمرت المدينة وأعيد بناؤاها بالقرب من مصدر مائي آخر أو طريق جديد أو أقرب جبل أو ما شابه. فالمهم يمكنك أن تكون قد خرجت من موقع كانت أريحا موجودة فيه ثم تكون دخول في موقع آخر، مثل إنتقالك من جزء بضواحي شيكاغو إلى جزء آخر من ضواحي شيكاغو”.

فسألته: ” إن ما تقوله يعني أن كلّ من لوقا ومرقس على صواب؟”.

فأجاب قائلاً: هذا صحيح. من الممكن أن يكون يسوع خارجاً من منطقة في أريحا وداخلا في منطقة أخري في نفس الوقت “،

وهكذا فقد أجاب علم الآثار على تحدي آخر عن موثوقية لوقا. ولمعرفتنا أن لوقا قد كتب جزء كبير من العهد الجديد، فإن هذا يدل دلالة قوية أن لوقا أثبت أنه مؤرخ دقيق للغاية حتى في أصغر التفاصيل. وهناك عالم آثار مشهور فحص بدقة إشارات لوقا إالي 32 بلدة و54 مدينة، و9 جزر، دون أن يجد غلطة واحدة “(3)

وهنا نقطة أخيرةّ: فهناك كتاب ذكر عن ثذا الموضوع ما يلي ” إذا كان لوقا دقيقا باجتهاد كبير في بياناته التاريخية، فعلي أي أساس منطقي نفترض أنه كان سريع التصديق أو غير دقيق في ذكره لمسائل أكثر أهمية بكثير، ليس فقط بالنسبة له بل بالنسبة للآخرين أيضا” (4)

مثلا، مسائل مثل قيامة يسوع من الموت، وهي أهم الدلائل الأكثر تأثيراً للتدليل على ألوهيته، التي يقول لوقا أنها ثبتت بشكل حاسم ” ببراهين كثيرة مقنعةّ ” ( أعمال الرسل 1:3) .

موثوقية يوحنا ومرقس

  قد يدعم علم الأثار مصداقيةّ لوقا، لكنه ليس الكاتب الوحيد للعهد الجديد. فتساءلت ما الذي يجب أن يقوله العلماء عن يوحنا، الذي نظُر إليه أحياناً كمشتبه به لأنه تحدث عن المواقع التي يمكن أن تُدقق. وقد إتهمه بعض العلماء بأنه قد أخفق في ترتيب هذه التفاصيل الأساسية، فلابد أن يوحنا لم يكن على مقربة من أحداث حياة يسوع.

ذلك الاستنتاج، على أية حال، قُلب رأساً على عقب في السنوات الأخيرة. وأوضح ماكراي ذلك

قائلاً:” كان هناك العديد من الإكتشافات التي جعلتنا ننظر إلى يوحنا أنه كان دقيقا جداً”. فمثلا في إنجيل يوحنا 5 :1-15 يسجل كيف أن يسوع شفي مريضاً ببركة بيت حسدا. ويذكر يوحنا تفاصيل أن البركة كان لها خمسة أروقة ولمزن طويل إاستشهد الناس بهذا كمثال على أن يوحنا لم يكن دقيقاً، لأن هذا المكان لم يجده أحد.

   ” ولكن مؤخراً أمكن الحفر والتنقيب عن بركة بيت حسدا، ووجد وكما هو متوقع، على عمق أربعون قدم تحت الأرض، وكان هناك خمسة أروقة، الذي يعني خمسة مداخل أو ممرات على جوانبها أعمدة، وهذا بالضبط ما وصفه يوحنا. وهناك إكتشافات أخري، بركة سلوام في يوحنا 9: 7، وبئر يعقوب في يوحنا 4: 12، الموقع المحتمل للرصيف الحجري بالقرب من بوابة يافا حيث مثل يسوع أمام بيلاطس، وحتى هوية بيلاطس ذاتها، كل هذه الدلائل قد أكسبت إنجيل يوحنا مصداقية تاريخية “.

  فأجاب ما كراي: ” بالتأكيد جداً “

   وفي الواقع، كرّر ماكراي ما قاله دكتور بروس متزجير، عن أن علماء الآثار قد وجودا جزءاً من نسخة من إنجيل يوحنا الأصحاح 18 الذي كان علماء البرديات البارزين قد أرجعوا تاريخها إالي حوالي سنة 125 م. وبإثبات أن نسخاً من إنجيل يوحنا كانت موجودة في هذا الموعد المبكر وفي مكان بعيد مثل مصر، فإن علم الآثار قد أفسد صحة التخمين بأن إنجيل يوحنا قد تمت كتابته في منتصف القرن الثاني، بعد فترة طويلة جداً من حياة يسوع مما يجعله غير موثوق به.

هناك علماء آخرون هاجموا إنجيل مرقس، الذي يعتبر عموماً أول رواية كُتبت عن حياة يسوع. فالملحد مايكل مارتن يتهم مرقس بأنه كاهل بجغرافية فلسطين، ممايثبت بأن لم يكن من الممكن أن يكون قد عاش في هذه المنطقة في زمان يسوع. ويستشهد بشكل خاص بما جاء في إنجيل مرقس 7: 31 “ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ.”

قال مارتن: ” لقد تبين من مّعطيات هذه الاتجاهات بان يسوع كان مسافرا مباشرة بعيدا عن بحر الجليل “(5)

    فعندما عرضت نقد مارتن على ماكراي، قّطب حاجبيه وبدأ يتحرك بنشاط شديد، ثم سحب نسخة يونانية لإنجيل مرقس على رف كتبه، ثم أمسك بعض المراجع، وفتح خرائط كبيرة لفسلطين القديمة.

ثم قال: ” يبدو أن هؤلاء النقّاد يفترضون بأن يسوع يركب سيارته وينطلق حو مناطق بين الولايات، ولكن من الواضح أنه لم يفعل ذلك”.

      قراءة النص في اللغة الأصلية، واضعاً في الحسبان التضاريس الجبلية والطرق المحتملة من هذه المنطقة، ومراعيا الطريقة الغير ثابتة لإستخدام كلمة ” ديكابوليس ” للإشارة إاليإتحاد مكوّن من عشرة مُدن والتي تختلف من وقت لآخر، تتبع ماكراي مساراً منطقيا على الخريطة يتفق تماماً مع وصف مرقس.

    ثم استنتج ماكراي قائلا: ” عندما يوضع كل شئ في السياق المناسب، فلن يكون هناك مشكلة في رواية مرقس للأحداث”.

     ومرة اخري، نجد أن بصيرة علم الآثار ساعدت على توضيح ما ظهر في بادئ الأمر بأنه نقطة خلاف في العهد الجديد. فسألت ماكراي سؤالا واضحا حول هذه النقطة: هل سبق وصادفت إكتشافا أثريا يتعارض بشكل صارخ مع ما ذُكر في العهد الجديد؟

     فهز رأسه قائلاً: ” إن علم الآثار لم يكتشف أي شئ يعتبر بوضوح تناقضاً مع الكتاب المقدس”. وأضاف بثقة ” بل على العكس، وكما رأينا كانت هناك آراء كثيرة لعلماء متشككين صُنفت على أنها “حقيقة” على مر السنين ولكن علم الآثار أثبت أنها خاطئة”.

    ومع ذلك، ما زال هناك بعض المسائل التي تحتاج للحل…

فأخرجت مذكراتي واستعدّت لتحدي ماكري بثلاث ألغاز مزمنة التي كنت أظن أن علم الآثار قد يجد بعض الصعوبة في تفسيرها.

اللغز الأول: إحصاء السكان

       تدّعي روايات ميلاد يسوع بأن مريم ويوسف تطلّب منهما العودة لبلدة يوسف الأصلية وموطنه بيت لحم بسبب إحصاء السكان. فقلت له:” دعني أكون صرحيا معك: إن هذا يبدو منافياًللعقل بوضوح. فكيف تجبر الحكومة كل مواطنيها بالعودة إالي محل ميلادهم؟ هل هناك أي دليل أثاري أياًكان بأن هذا النوع من الإحصاء السكاني قد حدث فعلاً؟”,

    بهدوء سحب ماكراي نسخة من كتابه ” في الحقيقة، إن إكتشاف أشكال غحصاء السكان قديما قد سلّط قليلا من الضوع على هذه الممارسة “. قال هذا بينما كان يتصفح صفحات الكتاب.فلما وجد المرجع الذي كان يبحث عنه، إقتبس من أمر حكومي رسمي يرجع تاريخه إلى سنة 104 م.

    غايوس فيبيوس ماكسيموس، والي مصر(يقول): بما أن الوقت قد حان لإحصاء السكان من بيت لبيت، فمن الضروروي إجبار كل الذين لأي سبب مهما يكن –يقيمون بعيدا عن أقاليمهم الأصلية-أن ” يعودوا إلى مواطنهم” لكي ينفذوا أوامر التعداد المنظمة وكذلك يهتموا باجتهاد برعاية مصالحهم(6)

 ثم أغلق كتابه قائلاً:” كما تري، تلك الممارسة مؤكدة بهذه الوثيقة، بالرغم من أن هذا الآسلوب المحُدد لتعداد الناس قد يبدو شاذاًبالنسبة لك. وهناك بردية أخري، يرجع تاريخها لسنة 48م، تشير إلى اشتراك كامل العائلة في إحصاء السكان”.

      ومع ذلك، فإن هذا لم يحسم المسألة كلياً. إذ أن لوقا قال إن هذا التعداد الذي أحضر يوسف ومريم إلى بيت لحم قد أُجري حين كويرينيوس واليا على سوريا وأثناء حكم هيرودس الكبير.

فقلت له موضحاً ” إن هذا يطرح أمامنا مشكلة هامة، لأن هيرودس مات سنة 4 ق.م.، وكويرينيوس لم يبدأ ولايته على سوريا حتى سنة 6 م، وأجري التعداد بعد ذل بقليل. هناك فجوة كبيرة، فكيف تعالج مثل هذا التناقض الكبير في التواريخ؟”.

    عرف ماكراي بأنني آثير قضية تصارع معها علماء الآثار لسنوات. ردّ بالقول ” هناك عالم آثار بارز يدعي جيري فاردامان فد قام بجهد كبير بهذا الخصوص. عثر عملة بإسم كويرينيوس عليها كتابة صغيرة جداً، أو ما نسميه بالحروف ” المجهرية” وهذا يجعله والياً على سوريا وسيليثيا من سنة 11ق.م

وحتى بعد موت هيرودس”.

وعندئذ شعرت بالإرتباك وسألته “ما معني ذلك؟”

فأجاب ” هذا يعني بأنه، على ما يبدو، كان هناك إثنان بإسم كويرينيوس. وهذا ليس بالأمر النادر الغريب، فلدينا الكثير من الأشخاص يحملون نفس الأسماء الرومانية، لذا فيلس هناك مُبرر للشك بأنه كان هناك شخصان بأسم كويرينيوس. ويكون التعداد قد تم في عهد كويرينيوس الأسبق. فلو علمنا أن دورة إحصاء السكان كانت كل أربع عشرة سنة، فإن هذه التواريخ تصبح معقولة تماماً”.

بدا هذا لي بأنه تخميني نوعاً ما، ولكن بدلاً من تعطيل هذه المحادثة، قررت الاحتفاظ بهذه المسألة في ذهني لتحليلها مرة أخري فيما بعد.

     ولما قمت ببعض الأبحاث الإضافية، وجدت أن السير وليم رمزي، عالم الآثار والأستاذ السابق في كلّ من جامعتي أكسفورد كامبردج بإنجلترا، قد أتي بنظرية مشابهة. فقد استنتج من نقوش متنوعة أنه بينما كان هناك كويرينيوس واحد فقط، كان واليا على سوريا في مناسبتين منفصلتين، وهذا يغطي فترة ميعاد التعداد الأول(7)

     وهناك علماء آخرون أشاروا إلى أن نص لوقا يمكن يُترجم هكذا ” تم إجراء هذا التعداد قبل أن يتولي كويرينيوس ولاية سوريا “، وهو الذي يحلّ المشكلة أيضاً (8)

     ولكن المسألة لم تُحسم تماما كما كنت أتمنى. ومع ذلك، كان لابد من الإعتراف بأن ماكراي وآخرين قد قدموا بعض التفسيرات المعقولة. فاستطعت أن أستنتج بثقة أن إحصاءات السكان تلك قد أجريت أثناء الإطار الزمني لميلاد يسوع، وبأن هناك دليل أن الناس قد طُلب منهم فعلاً العودة إلى محل ميلادهم وهو الأمر الذي ما زلت أعتقد أنه شاذ.

اللغز الثاني: وجود الناصرة

    كثير من المسيحين يغفلون أن المتشككين ظلوا يؤكدون لمدة طويلة بأن الناصرة لم تكن موجودة في الوقت الذي يقول العهد الجديد ان يسوع قد قضي طفولته فيها.

   ففي مقالة بعنوان” حيث لم يسر يسوع” لاحظ الملحد فرانك زيندلر بأن الناصر لم تذكر في العهد القديم، أو من قبل بولس الرسول، أو في التلمود (ولو أنه هناك إستشهاد ب 63 بلدة جليلية أخري)، أو من قبل يوسيفوس (الذي أدرج إسم 45 قرية ومدن أخري في الجليل، من بينها يافا، التي كانت لا تبعد أكثر من ميل واحد عن الناصرة الحالية).

ولم يذكر المؤرخين أو الجغرافيين القدماء اسم الناصرة قبل بداية القرن الرابع (9). يظهر الاسم الأول مرة في الأدب اليهدي في قصيدة كُتبت في القرن السابع الميلادي تقريباً”(10)

   يرسم هذا الغياب بوجود الدليل صورة مثيرة للشككّ. لذا عرضت المسألة مباشرة على ماكراي، فقلت له: ” هل هناك أي تأكيد آثاري لوجود الناصرة أثناء القرن الأول؟”.

    لم تكن هذه المسألة بجديدة على ماكراي، فأجاب قائلاً:” إن الدكتور جيمس سترانج من جامعة فلوريا الجنوبية خبير في هذا المجال، وهو يصف الناصرة بأنها مكان صغير جداً حوالي 60 هكتار، ويبلغ الحد الأقصي لسكانها حوالي 480 في بداية القرن الأول”.

    ومع ذلك فإن هذا كان مجرد استنتاج، ولكني أردت الدليل، فسألته:” من أين له أن يعرف ذلك؟”.

فأجاب قائلاً:” حسنا، إن سترانج يلاحظ أنه أنه عند سقوط القدس(أورشليم) في 70 م. لم يكن هنا حاجة لوجود الكهنة في المعبد لأنه دُمر، لذا أرسلوا إلى مواقع أخري مختلفة، حتي إلى أعلي الجليل. وقد وجد علماء الآثار قائمة باللغة الأرمية تصف “أربع وعشرون مجموعة” أو عائلة من الكهنة الذين نقلوا، وقد سجل واحد منهم بأنه نُقل إلى الناصرة. وهذا يُرينا بأن هذه القرية الصغيرة جداً لابد وأنها كانت موجودة في ذلك الوقت”.

    بالإضافة إلى ذلك، قال إنه كانت هناك عمليات حفر آثارية كشفت عن وجود مقابر من القرن الأول على مقربة من الناصرة، الذي يؤسس لحدود القرية، لأنه بحسب الشريعة اليهودية كان يجب دفن الموتي خارج المدينة تماماً. وقد حوي قبران على أشياء مثل: مصابيح فخارية، واوعية زجاجية، وزهريات من القرن الأول أو الثالث أو الرابع.

    إلتقط ماكراي نسخة من كتاب ألفه عالم الآثار المشهور جاك فينيجان، ونشرته مطبعة جامعة برينستون. وبعد أن تصفحه قرأ تحليل فينيجان” من القبور …. يمكن استنتاج أن الناصرة كانت مستوطنة يهودية تماما في العهد الروماني”(11)

     وهنا نظر ماكراي إلى وقال:” كان هناك جدال حول موقع بعض المواقع من القرن الأل، مثل: أين يقع بالضبط قبريسوع، ولكن بين علماء الآثار لم يكن هناك أبداًشك كبير حول موقع الناصرة. وينبغي أن يكون عبء الدليل على أولئك الذين يعارضون وجوده”.

    ولقد بدا ذلك معقول. فحتي أيان ويلسون الذي كان عادة متشككاً، يذكر أن آثار فترة ما قبل المسيحية وجدت سنة 1955 م تحت كنيسة البشارة في الناصرة الحالية، وقد أمكنه الإعتراف بأن ” مثل هذه المكتتشفات توحي بأن الناصرة لربما وجدت في زمن يسوع، ولكن ليس هناك من شك بأنها لابد أنها كانت مكان صغير وتافه جداً”. (12)

لدرجة أن نثنائيل يقول في يوحنا 1: 46، وهو يفكر بعمق “أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟”.

اللغز الثالث: المذبحة في بيت لحم

  يرسم إنجيل متي مشهدأً مُريعاً: إن هيرودس الكبير، ملك اليهودية، شعر بالتهديد من مولد طفل رضيع فخاف من أن يستولي على عرشه في النهاية، فيُرسل جنوده لقتل كل أطفال بيت لحم الذين هم دون السنتين. إلا أنه، على أية حال، وبسبب تحذير ملاك، يهرب يوسف إلى مصر. وبعد موت هيرودس فقط يعودون للإستقرار في الناصرة، وهذه الحادثة المأساوية كلها حققت ثلاث نبوءات قديمة عن المسيا

(راجع إنجيل متي 2: 13 -23).

المشكلة: أنه ليس هناك أي تأكيد مستقل بأن هذا القتل الجماعي قد حدث أصلاً. فليس هناك من ذكر لأي شئ من هذا في كتابات يوسيفوس أو مؤرخين آخرين. وليس هناك أي تأييد آثاري. ليس هناك سجلات أو وثائق.

    فقلت بإصرار ” وبالتأكيد أن حدثا بهذه الضخامة لابد أنه قد لوحظ بواسطة آخرين غير متي. ومع الغياب التام لأي تعزيز تاريخي أو آثاري لهذا الحدث، أليس من المنطقي إستنتاج بأن هذه المذبحة لم تحدث أبداً”.

   فأجاب ماكراي:” إنني أدرك لماذا تقول هذا، لأن مثل هذا لو حدث اليوم سنجده منشورة في كافة انحاء العالم ب سي. إن. إن وباقي وسائل الإعلام الإخبارية”.

  فوافقت على هذا الرأي. ففيالواقع في سنة 1997 و1998 كانت هناك سيول متواصلة من الأخبار عن متطرفين مسلمين يكررون شن غارات فدائية وذبح قري بأكملها فعلا بما فيها من نساء وأطفال في الجزائر. فتلك الأخبار كانت ملحوظة ومعروفة للعالم كله.

   أضاف ماكراي قائلاً” ولكن، لابد أن تُعيد نفسك إلى القرن الأول وتضع في إعتبارك قليل من الأشياء.

اولاً: بيت لحم هلي هي أكبر من الناصرة، لا فكم كان عدد الأطفال الرضع في ذلك العمر يمكن أن يكون في قرية عدد سكانها 500 او 600 نسمة؟ فليسوا آلاف، ليسوا مئات، اي انهم عدد قليل بالتأكيد”.

ثانيا: أن هيرودس الكبير، كان ملكاً متعطشا للدماء، فقد قتل أفرادا من اسرته، وأعدم كثيرا من الناس الذين إعتقد بأنهم يتحدونه. لذا فحقيقة أنه قتل بعض الأطفال الرضع في بيت لحم، لن تستأسر إنتباه الناس في العالم الروماني.

ثالثا: لم يكن هناك تلفزيون، ولا مذياع، ولا صحف. وكان ذيوع خبر يستغرق وقتا طويلا لإنتشاره، خاصةً من مثل هذه القرية البسيطة جدا الواقعة في التلال الخلفية في أماكن غير معروفة، قد كان لدي المؤرخين قصصا أكبر بكثير يكتبون عنها”.

   وانا كصحفي، مازال من الصعب على أن أفهم ذلك فسألته وأنا غير مصدق” إن هذه لم تكن قصة كبيرة؟”.

  فقال ” أنا لا أعتقد ذلك، على الأقل في تلك الأيام. فأي شخص مجنون قاتل سيظن بان اي شئ هو تهديد محتمل له – فقد ان ذلك عمل معتاد بالنسبة لهيرودس. وفيما بعد، بالطبع، حين نمت المسيحية وتطورت، أصبحت هذه الحادثة أكثر أهمية، ولكني كنت سأدهش لو أن هذا الخبر قد أخذ مساحة كبيرة حينئذ.

لذا لربما، بيد أن ذلك كان صعب للتخيل بالنسبة لي كصحفي دُرب لي شمّ الأخبار في عصر لديه تقنيات عالية من الإتصالات السريعة والعالمية. في نفس الوقت، كان لابد أن أعترف بأنه ومما عرفته من المشهد الطبيعي الدامي لفلسطين القديمة، فإن تفسير ماكراي يبدو معقولاً.

بعد هذا بقيت مسألة أخري أردت الإستفسار عنها. وبالنسبة لي يعتبر أشد المجالات كلها سحراً.

لغز لفائف البحر الميت

   في الحقيقة، هناك إغراء لعلم الآثار. فالقبور القديمة، والنقوش الغامضة المحفورة في الأحجار أو المنقوشة على ورق البردي، او قطع الفخاريات المكسورة، أو العملات المعدنية البالية، كلها تعتبر مفاتيح سرية مغرية للمحقق المتمكن. ولكن ليس هناك من بين آثار الماضي التي ولّدت إثارة بقدر لفائف البحر الميت، مئات من المخطوطات يرجع تاريخها إلى الفترة من 250 ق.م.
إلى 68 م. وقد وجدت في كهوف تبعد عشرين ميلا شرقي أورشليم (القدس) في سنة 1947 م. ويبدو أنها كانت قد خبئت من قبل متطرفة من اليهود تدعي الأسينيين قبل أن دمّر الرومان مستوطنتهم.

    ظهرت بعض الإدعاءات الغريبة حول هذه اللفائف، بما في ذلك كتاب جون ماركو المُتسرّع والغير منطقي الذي فيه فسّر بأن المسيحية نشأت من طائفة الخصوية التي كان أتباعها يتغذون على فطريات مُسببة للهلوسة! (13). وفي زعم آخر أكثر معقولية لكنه مع ذلك مشكوك به جداً قال خبير البرديات خوزيه أوكالاغان أن قطعة من بريات البحر الميت هي جزء من أقدم المخطوطات التي وجدت لإنجيل مرقس، ويرجع تاريخها إلى سبعة عشر أو عشرون سنة بعد صلب يسوع. على أية حال، العديد من العلماء مازالوا متشككين من تفسيره(14).

   في أية حالة، لايوجد أي تحقيق في آثار القرن الأول يعتبر كاملاً بدون السؤال عن هذه اللفائف، فسألت ماكراي ” هل تخبرنا هذه اللفائف بأي شئ مباشرة عن يسوع؟”

 

    فأجابني “كلا، لم يُذكر يسوع بشكل محد في أي من هذه اللفائف. فأولاً: هه الوثائق تعطينا رؤية جيدة عن الحياة والعادات اليهودية “. ثم أخرج بعض الصُحف وأشار إلى مقالة نُشرت في أواخر سنة 1997م

واضاف. ” ولو أن هناك تطور مثير جداً يتضمن مخطوطاً يسمي 4Q521 ويمكن أن يخبرنا بشيء عما كان يدعيه يسوع”.

      لقد أثار هذا الموضوع شهيتي، فقلت ببعض العجالة في صوتي ” حدثني عنه”

وهنا كشف لي ماكراي كيف كان يوحنا المعمدان، سُجن وتصارع بتباطأ مع شكوكه حول هوية يسوع، أرسل أتباعه ليسألوا يسوع هذا السؤال التذكاري “أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟”(متي 11: 3). لقد كان يبتغي جواب مباشر عما إذا كان يسوع هو فعلا المسيا الذي طال إنتظاره.

وعبر القرون، تساءل المسيحين عن جواب يسوع المبهم جداً، فبدلاً من أن يقول مباشرة نعم أو لا، أجاب قائلاً:” اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ.(متي 11: 4-5)

ولقد ردّ يسوع تلميحا إلى أشعياء 35. ولكن لسبب ما أضاف يسوع عبارة ” وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ”، الذي يغيب عن نص العهد القديم بوضوح.

وهنا يدخل إلينا المخطوط المسمى 4Q521. فهذا المخطوط الغير مُصنف ضمن نصوص الكتاب المُقدّس من مجموعة البحر الميت، كتب باللغة العبرية، يرجع تاريخه إلى ما قبل ميلاد المسيح بثلاثين سنة. ويحتوي على نسخة للأصحاح 61 من سفر أشعياء الذي يتضمن هذه العبارة المفقودة ” وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ”.

 

” {عالم المخطوطات كريج إيفانز} قد أوضح أن هذه العبارة 4Q521. قد أدخلت إاليه بلا شك في سياق مسياني شديد الحماسية. وهي تُشير إلى العجائب التي سيعملها المسيا المنتظر عندما يجئ، حيث السماء والأرض ستطيعانه. لذا فعندما أعطي يسوع رده على يوحنا المعمدان، كان مُدركا بأنه ليس بغامض على الإطلاق. بل كان يوحنا مسرفاً في كلماته التي بمثابة إعتراف متميز حيث يدعي بأن يسوع هو المسيا المنتظر”.

    وهنا ناولني ماكراي التي تذكر أن إيفانز قال إن 4Q521 توضح أن احتكام يسوع لأشعياء 35 في الحقيقة مسياني. ففي جوهر الأمر، أن يسوع أبلغ يوحنا عبر رسله بأن الأشياء المسيانية تحدث. وبذا فإن الجواب على سؤال يوحنا “نعم هو الآتي ” (15)

   إسترحت في كرسييّ. فبالنسبة لي، إكتشاف إيفانز كان تأكيد رائع لهوية يسوع الذاتيةّ. ومما أذهلني كيف أن علم الآثار الحديث إستطاع أخيراً أن يكشف مؤخرا عن أهمية تصريح أكد فيه يسوع بوضوح قبل ألفي سنة تقريبا أنه حقا الممسوح من الله.

كتاب مصدري دقيق جداً

  يزيد تأكيد علم الآثار المتكرر من التعزيز المهم لموثوقية دقة العهد الجديد. وهذا بالمقارنة الشديدة مع كيف أثبت علم الآثار أنه مُدمر للعقيدة المورمونية.

   ولو أن جوزيف سميث، مؤسس الكنيسة المورمونية، إدعي أن ” كتاب المورون ” هو ” الكتاب الأكثر صحة على وجه الأرض”، إلا أن علم الآثار قد خيّب هذا الآدعاء بشكل متككر حول الأحدث التي يُفترض أنها حدثت منذ فترة طويلة في الأمريكتين.

   وإني أتذكر أني كتبت رسالة إلى المعهد السمثسوني Smithsonian   لأستعلم عما إذا كان هناك أي دليل يؤيد إداعاءات الطائفة المورمونية، فاخبروني بعبارات واضحة أن علماء الآثار لديهم يرون” أنه ليست هناك صلة مباشرة بين علم الآثار في العالم الجديد ومادة بحث الكتاب”.

   وكما استنتج المؤلفان جون أنكيربيرج وجون ويلدون في كتاب على الموضوع ” بعبارة أخري، لم يوجد أي مكان لمدن ” كتاب المورمون “، ولم يوجد أي شخص، أو مكان، أو دولة، أوإسم، ينتمي إالي ” كتاب المورمون” ولا يوجد أي شيء متنوع ينتمي إلى ” كتاب المورمون” ولا يوجد أي شيء مصنوع ينتمي إلى ” كتاب المورمون” ولا يوجد كتاب مقدس يتعلق ب ” كتاب المورمون” ولا توجد نقوش عن ” كتاب المورمون”… ولا ئي يعرض ” كتاب المورمون” سوي أسطورة أو إختراع هو الذي وجد”(17)

وعلى أية حال، القصة مختلفة كلياً بالنسبة للعهد الجديد. إن إستنتاجات ماكراي هي ترديد لما قاله العديد من العلماء الآخرين، بمن فيهم عالم الآثار الأسترالي المسهور كليفورد ويلسون، الذي كتب، ” الذين يعرفون الحقائق يدركون الآن أن العهد الجديد يجب أن يقبل ككتاب مصدري دقيق جداً”(18)

   مع كريح بلومبيرج بعد أن أسس الموثوقية الضرورية لوثائق العهد الجديد، وبعد أن اكّد بروس متزجير نقلها الدقيق عبر التاريخ، وبعد أن عرض إدرين ياموكهي الأدلة الكثيرة المؤيدة من قبل المؤرخين القدماء وغيرهم، ثم الآن بعد أن أثبت جون ماكراي كيف أن علم الآثار يؤكد مصداقيتها، كان لابد أن أتفق وأوافق على رأي ويلسون. وإن قضية المسيح، بينما لا زالت بعيدة عن الكمال، لكنها بُنيت على أرض صخرية صلبة.

وفي نفس الوقت، عرفت بوجود بعض الأساتذة البارزين الذين يُعارضون منشغين عن هذا التقييم. ولقد رأيت أوالهم منشورة في جريدة “النيوز ويك “، كما أجريت معهم أحاديث في اخبار المساءن إذ يتحدثون عن إعادة جوهرية لتغييمهم ليسوع. وقد حان الوقت لمواجهة مقالاتهم النقدية مباشرة قبل أن ابعد من ذلك في تحقيقاتي. وهذا يعني رحلة إلى مينيسوتا لمُقابلة عالم مثقف جداً يدعي دكتور جويجوري بويد.

 أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  1. مالذي تراه كبعض العيوب والمنافع من إستخدام علم الآثار لتأييد العهد الجديد؟
  2. لو ثبت أن لوقا وكتاب العهد الجديد الآخرين انهم وصّلوا تفاصيل الأحداث بدقة، فهل هذا يزيد ثقتك انهم سيراعوا نفس الدقة في تسجيل الأحداث الأكثر أهمية؟ لما أو لم لا؟

  3. لماذا تجد تحليل دكتور ماكراي للألغاز المتعلقة بإحصاء السكان، ووجود الناصرة، ومذبحة بيت لحم، أنها معقولة ام غير قابلة للتصديق عموما؟

  4. بعد أن درست أدلة شهود العيان، والوثائق، والأدلة المؤيدة، والأدلة العلمية في القضية…المسيح، هلي يمكنك أن تتوقف قليلاً وتُقيم استنتاجات حتى الآن. على مقياس من صفر إلى 10 – على اساس أن الصفر يعين ” لا ثقة ” في الموثوقية الضرورية للأناجيل، و10 تعني ” ثقة كاملة”، أين تعتبر نفسك من هذه النقطة؟ وماهي بعض الأسباب لإختيارك لهذا الرقم؟

لمزيد من الأدلة – مصادر اخري حول هذا الموضوع

 

. Fineegan, jack. The Archaeology of the New Testament. Princeton: Princeton unvi. Press, 1992

. Mcray, John.  Archaeology and the New Testament. Grand Rapids: baker, 1991

. Thompson, J. A. The bible and Archaeology Grand Rapids: Eerdmans, 1975

. Yamauchi, Ewin. The Stones and scriptures. New York: J. B. Lippencott, 1972

 

1 – For the full story, see Joe McGinniss, Fatal Vision (New York: New American Library, 1989). For a description of the scientific evidence, see Colin Evans, The Casebook of Forensic Detection (New York: John Wiley & Sons, 1996), 277-80.

2 – Luke 18:35, Mark 10:46.

3 – Norman Geisler and Thomas Howe, When Critics Ask (Wheaton, 111.: Victor, 1992), 385.

4 – John Ankerberg and John Weldon, Ready with an Answer (Eugene, Ore.: Harvest House, 1997), 272.

5 – Michael Martin, the Case against Christianity (Philadelphia: Temple Univ. Press, 1991), 69, emphasis added.

6 – John McRay, Archaeology and the New Testament (Grand Rapids: Baker, 1991), 155, emphasis added.

7 – Robert Boyd, Tells, Tombs, and Treasure (Grand Rapids: Baker, 1969), 175, cited in Habermas, The Historical Jesus, 12.

8 – Geisler and Howe, When Critics Ask, 185.

9 – Frank Zindler, “Where Jesus Never Walked,” American Atheist (Winter 1996-1997), 34.

10 – Ian Wilson, Jesus: The Evidence (1984; reprint, San Francisco: Harper-SanFrancisco, 1988, 67.

11 – Jack Finegan, the Archaeology of the New Testament (Princeton: Princeton Univ. Press, 1992), 46.

12 – Wilson, Jesus: The Evidence, 67.

13 – Wilkins and Moreland, Jesus under Fire, 209.

14 – Ibid., 211.

15 – Kevin D. Miller, “The War of the Scrolls,” Christianity Today (October 6, 1997), 44, emphasis added.

16 – Joseph Smith, History of the Church, 8 vols. (Salt Lake City: Desert, 1978), 4:461, cited in Donald S. Tingle, Mormonism (Downers Grove, 111.: Inter Varsity Press, 1981), 17.

17 – John Ankerberg and John Weldon, The Facts on the Mormon Church (Eugene, Ore.: Harvest House, 1991), 30, emphasis in original.

18 – Clifford Wilson, Rocks, Relics and Biblical Reliability (Grand Rapids: Zondervan; Richardson, Tex.: Probe, 1977), 120, cited in Ankerberg and Weldon, Ready with an Answer, 272.

 

الادلة العلمية – هل يؤكّد علم الأثار أم يناقض سير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

الأدلة الوثائقية – هل حفظت حياة يسوع بشكل موثوق لنا؟ – لي ستروبل

الأدلة الوثائقية – هل حفظت حياة يسوع بشكل موثوق لنا؟ – لي ستروبل

الأدلة الوثائقية – هل حفظت حياة يسوع بشكل موثوق لنا؟ – لي ستروبل

الأدلة الوثائقية – هل حفظت حياة يسوع بشكل موثوق لنا؟ – لي سترويل 

 

عندما كنت مراسلاً بجريدة”شيكاغو تريبيون” كنت فأر وثائق” كنت أقضي ساعات لا حصر لها منقباً في ملفات المحاكم وأتشمم أنباء الأخبار. لقد كانت مهمة مرهقة ومجهدة ومستهلكة للوقت، لكن مكافأتها تستحق الجهد. إستطعت كسب المنافسة وأُحقق سبقاً صحفياً بأخبار الصفحة الأولى بشكل منتظم.

 على سبيل المثال، ذات مرة عثرت على بعض نسخ سرية للغاية الخاصة بهيئة المحلفين الكبرى والتي قد وضعت بشكل غير مقصود في ملف عام، وفي مقالاتي اللاحقة فضحت تلاعب في مناقصات كبرى كانت تدار في خلفية بعض مشاريع الأشغال العامة الكبرى بشيكاغو، بما فيها إنشاء الطرق السريعة الكبرى.

ولكن أكبر مخبأ مذهل للمستندات كشف عنه كان في قضية تعتبر نقطة تحول لي، كانت الخاصة بشركة فورد للسيارات والتي إتهمت بقتل متهور وطائش لثلاثة مراهقين ماتوا حرقاً في سيارة موديل بينتو، وتلك كانت المرة الأولى التي يدان فيها صانع أمريكي جنائياً بإدعاء تسويق منتج خطر.

وعندما فحصت ملفات محكمة مدنية ويناماك الصغيرة جداً، بولاية إنديانا، وجدت عشرات من مذكرات شركة فورد السرية تكشف عن حقيقة أن شركة صناعة السيارات كانت تعرف مقدماً بأن بينتو يمكن أن تنفجر إذا إصطدمت من الخلف وهي تسير بسرعة 20ميل/الساعة. وأشارت المستندات بأن شركة صناعة السيارات قررت عدم تحسين إجراءات سلامة السيارة لتوفر بضعة دولار ثمن كل سيارة، ولزيادة مساحة أمتعتها.

أما محامي شركة فورد، الذي تصادف أنه كان يتمشى في قاعة المحكمة، إكتشفني حين كنت أنسخ صوراً للمستندات. فأندفع بجنون إلى المحكمة ليحصل على أمر قضائي بأن يختم الملف بالشمع حظراً لرؤية الجمهور له.

بيد أن الوقت كان متأخراً جداً. فقد تصدرت قصتي بعنوان كبير “فورد تتجاهل أخطار حريق بينتو، الكشف عن مذكرات سرية” وبعرض الصفحة جريدة التريبيون وإنتشرت في كافة أنحاء البلاد[1].

تأصيل المستندات:

لقد كان الحصول على المذكرات السرية للشركة شيء، لكن التحقق من أصالتها شيء آخر.

فقبل أن يستطيع الصحفي نشر محتوياتها، أو قبل أن يستطيع المدعي العام أن يقبل هذه المستندات كدليل في محاكمة، هناك خطوات يجب أن تؤخذ للتأكد من أنها مستندات أصلية.

وفيما يتعلق بأوراق السيارة بينتو، هل الأوراق المعنونة بشعار شركة فورد هل صادرة عنهم من الممكن أن تكون مزورة؟ وهل التوقيعات عليها قد تكون مزورة؟  وكيف أتأكد من ذلك؟ وبما أن المذكرات، كما كان ذلك واضحاً، قد صورت عدة مرات، فكيف أتأكد من موثوقية محتوياتها وأنه لم يتم العبث بها؟ وبعبارة أخرى، كيف أتأكد بأن كل وثيقة منسوخة مطابقة للمذكرة الأصيلة، التي لا أملكها؟

وما هو أكثر من ذلك، كيف أتأكد من أن هذه المذكرات تحكي القصة كاملة؟ ومع ذلك فهي تمثل جزءاً صغيراً فقط من المراسلات الداخلية لشركة فورد. فماذا يحدث لو كانت هناك مذكرات أخرى، مازالت مخبأة عن جمهور؟ وإذا كشفوا فهل ستلقي ضوءً شاملاً مختلفاً على القضية؟

إن فحص العهد الجديد أيضاً، وعلى حد سواء، بمثل هذه الأسئلة الهامة. فعندما أمسك بيدي كتاباً مقدساً، فإنني أساساً أحمل نسخاً من سجلات تاريخية قديمة. فالمخطوطات الأصلية لسير حياة يسوع ـــ متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، وكل الأسفار الأخرى للعهدين القديم والجديد، والتي دونت من زمن بعيد قد تحولت إلى غبار. لذا فكيف لي التأكد من أن هذه النسخ الحديثة، والتي هي الناتج النهائي عن عمليات نسخ غير قابلة للعد في كافة أرجاء العصور والأجيال، لها أي شبه بما كتبه الكتاب أصلاً؟

بالإضافة إلى ذلك، كيف يمكنني معرفة إذا ما كانت هذه السير الذاتية الأربع تحكي لنا القصة كاملة؟ وماذا لو كانت هناك سير ذاتية أخرى لحياة يسوع لكنها خضعت لرقابة الكنيسة الأولى ولم تعجبها صورة يسوع التي صورها كتابها؟ وكيف أثق أن سياسات الكنيسة لم تقضي على سيرة حياة يسوع التي كانت دقيقة كتلك الأربعة التي تضمنها العهد الجديد، والتي كان يمكنها تسليط ضوء جديد هام على أقوال وأعمال ذلك النجار المثير للجدل من الناصرة؟

فهاتين المسألتين سواء كانت سير حياة يسوع قد حفظت بشكل موثوق لنا، وإذا كانت هناك سير حياة أخرى عن يسوع ولكنها قد منعت الكنيسة إنتشارها بداعي الحذر. عرفت بأن هناك عالم واحد مشهود له عالمياً بأنه كمصدر موثوق لهذه الأمور. فسافرت بالطائرة إلى نيويورك، وقدت سيارة قد إستأجرتها إلى مدينة يريستون، لكي أزوره دون سابق إخطار لكي لا يستعد.

 

المقابلة الثانية: بروس م. ميتزجر، دكتوراه فلسفة.

 

وجدت بروس متزجر، 84عاماً، بعد ظهر يوم السبت في مكانه المفضل والمعتاد، مكتبة كلية اللاهوت برينستون، حيث قابلني بإبتسامة “أنا أحب أن أنفض الغبار على الكتب”.

في الواقع، لقد كتب بعض أفضل هذه الكتب، خصوصاً إذا كان الموضوع عن نصوص العهد الجديد. إجمالاً، لقد ألف أو حرر خمسون كتاب من بينها: العهد الجديد: خلفيته، ونموه، ومحتواه

The New Testament: Its Background, Grouth, and Content؛

نصوص العهد الجديد، The Text Of The New Testament

قانون العهد الجديد، The Canon Of The New Testament

مخطوطات الكتاب المقدس اليونانية Manuscripts Of The Greek Bible؛

التعليق على نصوص العهد الجديد اليوناني Textual Commentary On The Greek New Testament؛

المقدمة للأبوكريفا Introduction To The Apocrypha

دليل أكسفورد للإنجيل The Oxford Companion To The Bible. والعديد منها ترجم إلى لغات أخرى: الملاجاشية والكورية واليابانية والصينية والألمانية. كما إشترك أيضاً في تحرير “إنجيل أكسفورد الجديد ذو الحواشي مع أسفار الأبوكريفا The New Oxford Annotated Bible

والمحرر العام لأكثر من 25 مجلد في سلسلة “أدوات ودراسات العهد الجديدNew Testament Tools and Studies”.

يتضمن تعليم ميتزجر درجة الماجستير من كلية بريستون اللاهوتية، ودرجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة بريستون. كما منح درجات دكتوراه فخرية من خمس كليات وجامعات، من بينها جامعة سانت أندرو في سكتلندا، وجامعة مونستر في ألمانيا، وجامعة بوتشيفتستروم في جنوب أفريقيا.

وفي سنة 1969 م عمل كأستاذ مقيم في تندال هاوس، بجامعة كامبردج، بإنجلترا. وعمل كزميل زائر في كليرهول، بجامعة كامبردج، في سنة 1974 م، وفي كلية ولفسون، بأكسفورد، في سنة 1979 م . وهو حالياً أستاذ فخري في كلية بريستون اللاهوتية بعدما أمضى 46عاماً في تدريس العهد الجديد.

وميتزجرهو رئيس لجنة الكتاب المقدس، النسخة القياسية، المراجعة الجديدة، وزميل مراسلة للأكاديمية البريطانية، ويعمل في كيوراتوريام في معهد فيتوس لاتينا في دير بيرون بألمانيا.

وهو رئيس سابق لجمعية الآداب الكتابي، والجمعية الدولية لدراسات العهد الجديد، وجمعية بآتريستيك الأمريكية الشمالية.

إذا تفحصت هوامش أي كتاب موثوق به على نصوص العهد الجديد، فهناك إحتمالات أن ترى بأنه قد إستشهد بميتزجر مراراً وتكراراً. وكتبه واجبة القراءة في الجامعات والمعاهد اللاهوتية حول العالم، ويأخذ بأعلى إعتبار لدى مجموعة واسعة من علماء العديد من المذاهب اللاهوتية.

من عدة نواحي فإن ميتزجر ولد سنة 1914م، يعتبر من نسل جيل أقدم. وعندما ينزل من سيارته البويك الرمادية التي يسميها (عربة تسوقي البنزينية) وهو يرتدي بدلة رمادي داكنة ورباط عنق أزرق من نسيج صوفي مزركش بالرسوم، التي تعتبر غير رسمية كتلك التي يرتديها عند زياراته للمكتبة، حتى في العطلة الأسبوعية. وشعره الأبيض ممشط بعناية، وعيناه لامعتان ويقظتان، مؤطرتان بنظارة بلا إطار. ويمشي أبطأ مما تعود عليه، لكن ليس بصعوبة فهو يتسلق السلم بشكل منهجي إلى الطابق الثاني.

حيث يجري أبحاثه في مكتب غامض قاتم وصارم.

إلا أنه لم يفقد روح المرح. فقد أراني علبة صغيرة الصفيح ورثها كرئيس للجنة الترجمة الموحدة والمراجعة للكتاب المقدس. وفتح الغطاء ليكشف عن رماد كتاب مقدس أحرق في سنة 1952 م أثناء إحتجاج من قبل وآعظ أصولي من مذهب العصمة الحرفية (الفندمنتالت).

يبدو أنه لم تعجبه تغيير اللجنة لكلمة “زملاء” في نسخة الملك جيمس بكلمة “رفاق” الواردة في رسالة العبرانيين 9:1″، ووضح ميتزجر بضحكة مكتومة بأن الواعظ الأصولي “اتهمهم بالشيوعيون!”.

ومع أن حديث ميتزجر متردد أحيانا فإنه يميل إلى الإجابة بعبارات جذابة مثل “تماماً”، ويستمر في البقاء عند حافة منحة لدراسة العهد الجديد. وعندما طلبت بعض الإحصائيات، لم يعتمد على الأرقام التي في كتابه سنة 1992 م عن العهد الجديد، بل أجرى بحثاً جديداً ليحصل على أحدث الأرقام.

وسرعة بديهته لا تجد مشكلة في تذكر تفاصيل عن الناس والأماكن، وهو ملم بكل المحادثات والمناظرات الحالية بين خبراء العهد الجديد. في الحقيقة، فإنهم يواصلون اللجوء إليه لبصيرته وحكمته.

ومكتبه بحجم زنزانة السجن، بلا نوافذ ومطلي بلون رمادي مؤسساتي، به كرسيان خشبيان، وقد أصر على أن آخذ الكرسي الأكثر راحة. وكان هذا جزء من سحر شخصيته. وقد كان طيباً جداً، معتدل ومتواضع للغاية، وله روح لطيفة جعلتني أود عندما أكبر في السن أن أتحلى بنفس هذا النوع الناضج من النعمة.

نسخ من نسخ من نسخ

فقلت لميتزجر” سأكون أميناً معك. عندما، اكتشفت لأول مرة عدم وجود أصول باقية على قيد الحياة للعهد الجديد، تشككت جداً. وفكرت، إذا كان كل ما لدينا هو نسخ من نسخ من نسخ، فكيف يكون لدي أي ثقة بالعهد الجديد الذي بين أيدينا اليوم بأنه يحمل أي تشابه مع الكتب الأصلية؟ فما ردك على ذلك؟

فأجاب: “هذه ليست قضية قاصرة على الكتاب المقدس، بل إنها سؤال يمكنا أن نسأله عن الوثائق الأخرى

التي وصلت إلينا من عصور قديمة. بيد أن الإجابة على هذا السؤال تسير في صالح العهد الجديد، خاصةً إذا ما قورن بالكتابات القديمة الأخرى، حيث عدد النسخ التي بقيت حتى الآن لم يسبق له مثيل”.

فسألته: “لماذا ذلك مهم؟”.

فأجاب: “حسناً، كلما كان لديك نسخ كثيرة تتفق مع بعضها البعض، خاصةً إذا ظهرت من مناطق جغرافية مختلفة، والأكثر من ذلك بأنها تمكنك التحقق وإدراك كيف كان شكل الوثيقة الأصلية. والطريق الوحيدة التي تتوافق فيها هي إنحدارها التسلسلي في شجرة العائلة التي تمثل سلالة المخطوطات”.

فقلت له: ” حسناً، أستطيع أن أفهم أن وجود عدد كبير من النسخ من أماكن مختلفة يمكن أن يساعد. ولكن ماذا عن عمر الوثائق؟ بالتأكيد أن ذلك مهم أيضاً، أليس كذلك؟”.

فأجاب “تماماً لذا، وهذا شيء آخر يميز العهد الجديد. فلدينا نسخ تبدأ خلال جيلين من كتابة النسخ الأصلية، بينما في حالة النصوص القديمة الأخرى، نجد أنه ربما قد إنقضت خمسة، أو ثمانية، أو عشر قرون بين النسخ الأصلية وأقدم نسخة بقيت سليمة”.

“وفضلاً عن المخطوطات اليونانية، فلدينا أيضاً ترجمات للإنجيل في لغات أخرى كالقبطية والسريانية واللاتينية، والتي ترجع إلى زمن أقدم نسبياً. علاوة على ذلك، لدينا ما يمكن تسميته بالترجمات الثانوية التي تلتها بقليل، مثل الأرمنية والقوطية. والكثير غيرها، كالجورجية والأثيوبية وهي تشكيلة هائلة”.

فسألته “كيف تساعدنا هذه الترجمات؟”.

فأجابني “لأنه حتى لو لم يكن لدينا مخطوطات يونانية، فإننا بتجميع المعلومات من هذه الترجمات من تواريخ قديمة نسبياً، يمكننا أن نعيد إنتاج محتويات العهد الجديد حقاً. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه حتى لو فقدنا كل المخطوطات اليونانية والترجمات المبكرة، فما زال بإستطاعتنا أن نعيد إنتاج محتويات العهد الجديد من الأعداد الهائلة من الإقتباسات في التعليقات، والعظات، والرسائل، وغيرها من آباء الكنيسة الأوائل”.

فيما بدا ذلك رائعاً، إلا أنه كان من الصعب الحكم على هذه الأدلة منفصلة. فقد إحتجت إلى لبعض

السياق لتقدير العهد الجديد ككتاب فذ ّ فريد من نوعه بشكل أفضل. وتساءلت، كيف يقارن بالأعمال

المشهورة الأخرى من العصور القديمة؟

 

جيل المخطوطات:

فقلت له عندما تتحدث عن عدد هائل من المخطوطات، كيف يتعارض ذلك مع كتب قديمة أخرى والتي قبلها العلماء بطريقة روتينية عادية على أنها موثوق بها؟ فمثلاً حدثني عن كتابات لمؤلفين من نفس عصر يسوع تقريباً”.

ولما كان ميتزجر قد توقع هذا السؤال فقد أشار إلى بعض المذكرات المكتوبة بخط اليد والتي أحضرها.

وبدأ حديثه قائلاً “تأمل تاسيتوس، المؤرخ الروماني الذي كتب حوليات روما الإمبراطورية في غضون116م تقريباً، فكتبه الستة الأولى موجودة الآن في مخطوط واحد فقط، وقد نسخ سنة850م. تقريباً.

والكتب من 11-16 في مخطوط آخر بتاريخ يعود إلى القرن الحادي عشر. أما الكتب من7-10فهي مفقودة. وهكذا فهناك فجوة كبيرة بين الزمن الذي بحث فيه تاسيتوس معلوماته كتبها والنسخ الحالية الوحيدة.

“أما فيما يتعلق بمؤرخ القرن الأوليوسيفوس، لدينا تسع مخطوطات يونانية من كتابه “الحرب اليهودية”، وهذه النسخ تمت كتابتها في القرون العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر. وهناك ترجمة لاتينية من القرن الرابع ومواد روسية من العصور الوسطى من القرن الحادي عشر والثاني عشر”.

لقد كانت تلك الأرقام مفاجئة لي. فلا يوجد إلا أقل عدد من المخطوطات التي تربط هذه الأعداد القديمة بالعالم الحديث. فسألته “بالمقارنة بتلك الأعداد، كم عدد المخطوطات اليونانية للعهد الجديد الموجودة حالياً؟”.

اتسعت عينا ميتزجر وقال “أكثر من خمسة آلاف مخطوط، عمل لها بيان وفهرس “قال ذلك بحماس رافعاً صوته 10درجات”.

لقد كان ذلك بمثابة جيل من المخطوطات مقارنة بكثبان الرمل من أعمال تاسيتوس ويوسيفوس!

فسألته “أليس ذلك غير معتاد في العالم القديم؟ من هو المنافس” ؟.

فقال: “كمية مادة العهد الجديد ُتحرج أي مقارنة بالكتب الأخرى من العصور القديمة، فبجانب العهد الجديد، الكمية الأكبر لشهادة المخطوطات هو إلياذة هوميروس، التي كانت بمثابة إنجيل اليونانيين القدماء. ويوجد منها اليوم أقل من650 مخطوط يوناني.

وبعضها متجزأ إلى أجزاء. وقد وصلت إلينا منها القرن الثاني والثالث الميلادي، وما بعده. وعندما نتأمل أن هوميروس قد أعد ملحمته حوالي سنة800ق.م. يمكنك أن ترى فجوة كبيرة جداً.

كلمة “كبيرة جداً” تعتبر أقل من الحقيقة فالفجوة كانت 1000(ألف سنة) ففي الواقع لم توجد أي وجه

للمقارنة فإن أدلة المخطوطات للعهد الجديد أدلة ساحقة عندما توجد توضع أمام المؤلفات المحترمة التي من العصور القديمة وهي أعمال لا يجد العلماء المحدثين أي إعتراض على إعتبارها أصلية.

وبما أن فضولي وحب إستطلاعي عن مخطوطات العهد الجديد قد تمت إثارته فقد سألت ميتزجر أن يصف لي بعض هذه المخطوطات.

فقال لي: “أقدم المخطوطات كانت أجزاء من البردي، الذي كان من لوازم الكتابة وقتئذ مصنوع من نبات البردي الذي كان ينمو في أراضي دلتا النيل في مصر. ويوجد الآن 99 قطعة متجزأة من ورق البردي تحتوي على فقرة أو أكثر أو كتب من العهد الجديد.

وأهم هذه البرديات التي ظهرت للنور هي برديات تشيستر بيتي والتي إكتشفت سنة 1930م. ومن هذه البرديات نجد أن الأولى تحتوي على أجزاء من الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل، ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث. والبردية الثانية تحتوي على أجزاء كبيرة لثمانية من رسائل بولس، بالإضافة إلى أجزاء من الرسالة إلى العبرانيين، ويعود تاريخها إلى سنة 200م. والبردية الثالثة تحتوي على جزء كبير من سفر الرؤيا ويرجع  تاريخها إلى القرن الثالث.

“وهناك مجموعة أخرى من مخطوطات البردي الهامة إشتراها سويسري مولع بجمع الكتب وهو م.مارتنبودمير. وأقدم هذه البرديات يرجع تاريخه إلى سنة200م.

يحتوي على ثلثي إنجيل يوحنا. وبردية أخرى، تحتوي على أجزاء من أناجيل لوقا ويوحنا، ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث”.

وعند هذه النقطة، كانت الفجوة بين كتابة سير حياة يسوع وبين أقدم برديات، كانت ضئيلة جداً. ولكن ما هو أقدم مخطوط نمتلكه؟ إلى أي قرب مدة يمكنا التوصل إلى المخطوطات الأصلية التي يسميها الخبراء” أوتوجراف” أي كتبت بخط يد المؤلف نفسه؟

 

قصاصة الورق التي غيرت مجرى التاريخ:

فقلت له “ما هو أقدم جزء من العهد الجديد كله نمتلكه اليوم؟”.

ميتزجر لم يكن مضطراً لأن يفكر في الإجابة فقال” أقدم جزء هو عبارة عن جزء من إنجيل يوحنا، يحتوي على نصوص من الأصحاح الثامن عشر وهي خمسة آيات ثلاثة على أحد الوجهين، وإثنان على الوجه الآخر، وتبلغ مساحته 2.5بوصة * 3.5 بوصة”.

فقلت له: “كيف تم اكتشافه؟ “.

فقال تم شراؤه في مصر حوالي سنة 1920م، لكنه ظل بعيداً عن الأنظار عدة سنوات مع أجزاء اخرى مشابهة من البردي. ثم في سنة1934م فيما كان سي. إتش. روبرتس من كلية القديس يوحنا، بجامعة أكسفورد، يُدقق في البرديات بمكتبة جون ريلاندز في مانشستر، بإنجلترا. تعرف في الحال على هذه البردية بأنها تحتفظ بجزء من إنجيل يوحنا. وإستطاع أن يحدد تاريخها من أسلوب كتابتها”.

فسألته: “وماذا كان إستنتاجه؟ وإلى أي زمن يعود تاريخها؟

فأجاب “أستنتج بأن أصلها يرجع إلى 100-150م.وكثير من علماء البليوغرافيا المهمين مثل السيرفردريك كينيون، والسير هارولدبيل، وأدولف ديسمان، ودبليو.إتش. بي. هاتش، وأولريك ويلكين وآخرون، إتفقوا على تقييمه. وكان ديسمان مقتنعاً بأنها تعود على الأقل إلى عهد الإمبراطور هارديان، الذي كان من سنة 117-138م. أو حتى الإمبراطور تراجان، وكان عهده من سنة 98-117م.”

لقد كان هذا إكتشاف مذهل. والسبب أن علماء اللاهوت الألمان المتشككين في القرن الماضي جادلوا بشدة بأن الإنجيل الرابع لم يكن قد دون حتى سنة 160م. على الأقل، وهو تاريخ بعيد جداً عن أحداث حياة يسوع مما يضع هذا التقدير-بحسبهم-القيمة التاريخية. وقد إستطاعوا التأثير على أجيال من العلماء الذين سخروا من موثوقية هذا الإنجيل”.

فقلت معلقاً “هذا بالتأكيد يقضي تماماً على صدق هذا الرأي”.

فقال” نعم، بالتأكيد، فلدينا هنا في تاريخ قديم جداً، جزء من نسخة من إنجيل يوحنا من مسافة بعيدة في جماعة عاشت على نهر النيل في مصر بعيداً عن أفسس في آسيا الصغرى، حيث من المُرجح أن يكون قد كُتب الأصل هناك.

تمت كتابة آراء مشهورة في التاريخ إذ أرجع كتابة إنجيل يوحنا إلى زمن أقرب إلى أيام كان المسيح يمشي على الأرض. فكتبت مذكرة لتذكيري بمراجعة عالم آثار عما إذا كانت هناك إكتشافات أخرى دعمت الثقة بالإنجيل الرابع.

 

ثروة كبيرة من الأدلة

فيما تمثل مخطوطات البردي أقدم نسخ العهد الجديد، هناك أيضاً نسخ قديمة مكتوبة على ورق البرشمان، الذي كان يصنع من جلود الماشية، والخراف، والماعز، والظبي.

ثم أوضح ميتزجر قائلاً: “عندنا ما يسمى بالمخطوطات الأنشية وهي مكتوبة بالحروف اليونانية الكبيرة. فعندنا اليوم306 من هذه المخطوطات، والعديد منها يرجع تاريخه إلى القرن الثالث.

وأهمها المخطوطات السينائية، وهي النسخة الكاملة الوحيدة للعهد الجديد بحروف الأنشيال،

والمخطوطة الفاتيكانية، التي ليست كاملة تماماً، وكلاهما يرجع تاريخهما إلى سنة 350م.

“وهناك أسلوب جديد في الكتابة، حروفها متصلة، ظهرت سنة ظهرت سنة800م. تقريباً.

وتسمى minuscle أي مكتوبة بحروف صغيرة، ولدينا 2856 من هذه المخطوطات. وهناك أيضاً

كتب الفصول التي تحتوي على العهد الجديد من الكتاب المقدس مرتبة بترتيب معين لكي تقرأ في

الكنائس الأولى في أوقات متناسبة من السنة. وهناك2403من هذه الكتب قد تم إعداد قائمة بها وفهرستها. وبهذا يبلغ مجموع المخطوطات اليونانية 5664 مخطوط.

ثم قال: “بالإضافة إلى الوثائق اليونانية، هناك آلاف من المخطوطات القديمة للعهد الجديد بلغات أخرى.

فهناك من 8000 إلى10000مخطوط لاتيني ]فولجاتا (معترف به)[، بالإضافة إلى8000  باللغة الأثيوبية، والسلافية، والأرمينية. إجمالي هذه المخطوطات يبلغ حوالي24000 مخطوط موجودة حالياً فسألته، وأنا أريد تأكيد واضح لما إعتقدت بأنني سمعته يقوله “إذن، ما هو رأيك؟ بالنسبة لتعدد المخطوطات والفجوة الزمنية بين أصولها ونسخها الأولى، كيف يصمد العهد الجديد أمام الأعمال الأخرى المشهورة من الأزمنة القديمة؟”.

فأجاب “بطريقة جيدة جداً، ويمكنا أن نثق ثقة عظيمة في الإخلاص الذي وصلت به هذه النصوص إلينا، خاصة لو قورنت بأي أعمال أدبية قديمة أخرى”.

يشارك في هذا الإستنتاج علماء بارزين من كل أنحاء العالم. وقد قال المرحوم ف. ف. بروس، الأستاذ البارز الفذ في جامعة مانشستر، إنجلترا، ومؤلف كتاب “وثائق العهد الجديد”: هل يمكن الوثوق بها؟

The New Testament Documents: Are They Reliable?”” ليس هناك أي نص من آداب العالم القديم يتمتع بمثل هذه الثروة الهائلة من أدلة الشهادات النصية الجيدة كالعهد الجديد”[2].

ذكر ميتزجر إسم السير فردريك كينيون، المدير السابق للمتحف البريطاني ومؤلف كتاب “الكتابات القديمة في البرديات اليونانية”The Paleography Of Greek Papyri. وقد قال كينيون أنه” لم يحدث في أي حالة أخرى أن الفترة الزمنية بين تأليف الكتاب وبين تاريخ أقدم مخطوطاته كانت قصيرة كما في العهد الجديد”[3].

وكان إستنتاجه: “آخر أساس لأي شك أن الكتاب المقدس قد وصل إلينا جوهرياً كما كُتب، هذا الشك

قد زال الآن”[4]

ومع ذلك، ماذا نقول عن التناقضات بين المخطوطات المختلفة؟ في الأيام التي مضت قبل

ماكينات التصوير السريعة بسرعة البرق، كانت المخطوطات تُنسخ يدوياً بشكل مرهق من قبل نُسّاخ، حرفاً حرفاً، وكلمة كلمة، وسطر سطر، بطريقة ملائمة لتسبب حدوث أخطاء. والآن أريد أن أحدد بالضبط ما إذا كانت هذه الأخطاء عند النسخ كتابة قد جعلت أناجيلنا الحديثة مشوهة بلا أمل في عدم الدقة.

 

فحص الأخطاء:

فقلت له: “مع التشابه في طريقة كتابة الحروف اليونانية وبالظروف البدائية التي كان يشتغل بها النُساخ، يبدو أنه من الحتمي تسلل أخطاء النسخ إلى النص”.

فقال ميتزجر مُسلماً “هذا صحيح تماماً”

فقلت له: “وفي الحقيقة أليس هناك حرفياً عشرات الآلاف من الإختلافات بين المخطوطات القديمة التي عندنا؟”.

فقال لي: “هذا صحيح تماماً”.

فسألته: “ألا يعني هذا إذن أننا لا نستطيع الوثوق بها؟”.

وكان سؤالي هذا يبدو سؤالاً إتهامياً أكثر منه إستفزازياً.

فأجاب ميتزجر بحزم” كلا يا سيدي، لايعني ذلك. دعني أولاً أقول التالي: لم تُخترع النظارات حتى سنة 1373م في فينيسيا، وأنا متأكد بأن انحراف البصر كان موجوداً بين النُسّاخ القدماء. وقد تضاعف هذا الأمر بحقيقة أنه كان من الصعب تحت أية ظروف قراءة مخطوطات باهتة قد تقشّرت وزال عنها بعض الحبر الذي كُتبت به. كما كانت هناك مخاطر أخرى، سواء كان ذلك بسبب السهو، مع أنهم كانوا حذرين بشكل شكاك، إلا أن ذلك لم يمنع من تسلل بعض الأخطاء”.

ثم أضاف مسرعاً “لكن هناك عوامل تُبطل هذه الحجة، فعلى سبيل المثال، أحياناً ذاكرة الكاتب تخدعه. فبين الحين والآخر فهو يعيد في النظر إلى النص ثم يكتب الكلمات، فإن ترتيب الكلمات قد يتبدل. فقد يكتب الكلمات الصحيحة لكن بالتسلسل الخاطىء. ولكن هذا الأمر لا يدعو للقلق لأن اللغة اليونانية تتميز بالتعريفات على خلاف اللغة الإنجليزية.

فسألته فوراً “بمعنى….”.

فقال لي “لأن هناك فرق كبير في اللغة الإنجليزية إذا قلت “الكلب يعض الإنسان “أو” الإنسان يعض

الكلب”، فتسلسل الكلمات مهم في اللغة الإنجليزية.

لكن في اليونانية ليس الأمر مهماً. فالكلمة تؤدي وظيفتها كموضوع للجملة بغض النظر عن موقعها في السلسلة، بالتالي، فإن معنى الجملة لا يتحرّف إذا كانت الكلمات لم تكتب بالترتيب الذي نعتبره الترتيب الصحيح. لذلك نعم هناك بعض الإختلافات بين المخطوطات، لكنها عموماً ليست بإختلافات هامة. ومثال آخر لذلك، الإختلاف في تهجىء الكلمات “.

ومع ذلك فمازال العدد كبير “للمغايرات” أو الاختلافات بين المخطوطات، وهو مزعج. فقد رأيت تقديرات وصلت إلى200ألفحالة[5]. ومع ذلك فقد قلل ميتزجر من قيمة هذا الرقم.

فقال “الرقم يبدو كبيراً، لكنه مُضلل نوعاً ما بسبب الطريقة التي تُحسب بها هذه الإختلافات. وشرح ذلك بأنه لو أن هناك خطأ هجائي في كلمة واحدة في ألفين مخطوط، فإن هذا يحسب كأنه ألفين من الأخطاء.

ثم أثرت أهم مسألة: “كم عدد تعاليم وعقائد الكنيسة المعرضة للخطر بسبب هذه الإختلافات؟”.

فأجاب بثقة “أنا لا أعرف أي عقيدة معرضة للخطر”.

فقلت له “ولا واحدة؟”.

فكرر قائلاً “ولا واحدة. إن شهود يهوه يأتون إلينا قائلين “إن إنجيلكم به خطأ في ترجمة الملك جيمس في رسالة يوحنا الأولى5 :7- 8،حيث تتحدث عن “الآبُ، وَالكلمَةُ، وَالرّوحُ القُدسُ. وَهؤُلاءَ الثلاثَةُ هُم وَاحدٌ”. ثم يقولوا “هذا الكلام غير موجود في المخطوطات الأولى”.

“وهذا فعلا ً صحيح. وأظن بأن هذه الكلمات موجودة في سبع أو ثمان نسخ فقط وكلها من القرن الخامس عشر أو السادس عشر. وإني أعترف أن هذا ليس جزءاً مما أوحي إلى يوحنا الأول بكتابته.

“لكن هذا لا يلغي الدليل الذي شوهد بحزم في الإنجيل بالنسبة لعقيدة الثالوث الأقدس. فعند معمودية يسوع يتحدث الآب، وإبنه المحبوب يُعمّد، والروح القدس يحل عليه. وفي نهاية رسالة كورنثوس الثانية يقول بولس “نعمَة رَبّنَا يسُوعَ المَسيحَ، ومَحبّةُ الله، وشَركةُ الرٌوحَ القُدُسَ مَعَ جَميعكُم. آمينَ”. وهناك العديد من المواضع حيث يُذكر فيها الثالوث الأقدس”.

“وبذا فإن الإختلافات، التي يتحدثون عنها، تعتبر أقل من أن تكون جوهرية؟”.

“نعم، نعم، هذا صحيح، والعلماء يعملون بعناية شديدة لمحاولة تبديدها بالرجوع إلى المعنى الأصلي. فأهم هذه التغييرات لا تُسقط أي عقيدة من عقائد الكنيسة. وأي نسخة جيدة للكتاب المقدس بها مذكرات

في الحاشية لتنبيه القارىء إلى القراءات المختلفة لأي نتيجة. ولكن مرة أخرى، هذه الحالات نادرة”.

وهي نادرة لدرجة أن العلماء نورمان جسلر، وويليم نكس يستنتجان، “إن العهد الجديد ، قد ظل موجوداً

في مخطوطات أكثر من أي كتاب من العصور القديمة، وليس هذا فقط بل إنه ظل باقياً وسليماً في صورة أكثر نقاء من أي كتاب آخر عظيم، وفي صورة نقية بدرجة 99.5%”[6]

ومع ذلك، فحتى لو كان صحيحاً أن نقل العهد الجديد عبر التاريخ لم يسبق له مثيل في أي كتاب آخر في موثوقيته، فكيف نعرف أن ما لدينا هو الصورة الكاملة؟

وماذا عن الإدعاءات أن مجالس الكنيسة قد ألغت وأبادت وثائق أخرى شرعية، لأن صورة يسوع

بها لم تعجبها؟ كيف نعرف أن ال 27 سفراً التي هي أسفار العهد الجديد تمثل لنا أفضل والأكثر معلومات يعتمد عليها؟ ولماذا تحتوي أناجيلنا على أناجيل متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، ولكن هناك عدة أناجيل أخرى قديمة وكثيرة إنجيل فيلبس، وإنجيل المصريين، وإنجيل الحق، وإنجيل ميلاد مريم، لماذا إستبعدت هذه الأناجيل؟

لقد حان الوقت أن نرجع إلى مسألة “قانونية” أي القانون الكنسي، وهي إصطلاح مأخوذ من كلمة يونانية معناها “القاعدة” أو “المبدأ” أو “المعيار”، وهو الذي يصف الكُتب التي أصبحت مقبولة رسمياً في الكنيسة ومتضمنة في العهد الجديد[7]. ويعتبر ميتزجر مرجعاً أساسياً في هذا المجال.

“درجة عالية من الإجماع”

فسألته: ” كيف قرر قادة الكنيسة الأوائل، أي الكتب تعتبر موثوق بها، وأخرى تُنبذ؟ ما المعايير التي إستخدموها ليقرروا أي الوثائق سيتضمنها العهد الجديد؟

فقال “بصفة أساسية، كان لدى الكنيسة الأولى ثلاثة معايير:

“أولاً، يجب أن يكون لدى الكتب سلطة رسولية، بمعنى أن يكون قد كتبها إما الرسل أنفسهم، أو من كانوا شهود عيان لما كتبوا عنه، أو من قبل أتباع الرسل. لذا ففي حالة مرقس ولوقا، مع أنهما لم يكونا من بين التلاميذ الإثني عشر، فبحسب التقليد أن مرقس كان مساعداً لبطرس، وكان لوقا مرافقاً لبولس.

“ثانياً، كان هناك معيار الإلتزام الذي دُعي قانون الإيمان. بمعنى هل كانت الوثيقة مطابقة للمعتقدات المسيحية الأساسية التي تعترف بها الكنيسة كمعيارية؟

وثالثاً: كان هناك معيار قبول الوثيقة، وهل إستخدمتها الكنيسة بشكل مستمر وعام.

فسألته “هل طبقوا تلك المعايير فقط وتركوا الأجزاء التافهة تسقط وتتلاشى حيثما كانت؟”.

فأجاب: “حسناً، لن يكون من الدقة القول بأن هذه المعايير طبّقت ببساطة بأسلوب ميكانيكي، لقد كانت هناك آراء مختلفة جداً حول أي من المعاير يجب أن تعطى أهمية أكبر”.

“لكن من الجدير بالملاحظة أنه مع أن حواشي المعيار ظلت غير مقررة لفترة، إلا أنه كانت هناك درجة عالية من الإجماع فيما يتعلق بالجزء الأعظم من العهد الجديد خلال القرنين الأولين.

وكان هذا صحيحاً بين الكنائس المختلفة والمتناثرة في أماكن كثيرة على نطاق واسع”.

فقلت له: “إذن، فإن الأربعة أناجيل التي عندنا في العهد الجديد اليوم قيست بهذه المعايير، بينما الأناجيل الأخرى لم تطيق عليها هذه المعايير؟”.

فقال لي: “نعم لقد كانت، لو جاز لي أن أعبر عنها بهذه الطريقة، إنها كانت مسألة “البقاء للأصلح” وعند الحديث عن قانونية الأسفار، إعتاد آرثر داربي نوك أن يقول لطلابه في هارفارد “إن الطرق الأكثر إستخداماً للسفر في أوربا هي أحسن الطرق، ولهذا السبب تستخدم للسفر بكثرة” وهذا تشبيه جيد. فالمُفسّر البريطاني وليم باركلي قالها بهذه الطريقة: “إن الحقيقة المجردة للقول إن أسفار العهد الجديد

أصبحت قانونية لأن أحداً لم يستطع أن يمنع ذلك”.

“يمكنا أن نثق أنه لا توجد أي كتب قديمة أخرى يمكن مقارنتها بالعهد الجديد من ناحية الأهمية التاريخية أو العقيدة المسيحية. وعندما يدرس أحد التاريخ القديم لقانونية الأسفار، فسيخرج مقتنعاً بأن العهد الجديد يحتوي على أفضل المصادر لتاريخ حياة يسوع.

وأولئك الذين أدركوا حدود القانون لديهم وجهة نظر واضحة ومتوازنة عن إنجيل المسيح”.

“فقط اقرأ هذه الوثائق الأخرى بنفسك. فلقد كتبت في وقت متأخر عن الأناجيل الأربعة، في القرن الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، وحتى السادس، بعد يسوع بفترة طويلة، وتعتبر عامية وتافهة جداً. وتحمل أسماء مثل: إنجيل بطرس، وإنجيل مريم، إلا أنها غير ذات علاقة بمؤلفيها الحقيقيين. ومن ناحية أخرى، فالأربع أناجيل في العهد الجديد قد حازت القبول بسهولة وبإجماع ملحوظ لكونها موثوق بها في القصة التي أخبروا”.

ومع ذلك عرفت بأن بعض العلماء التحرريين، وبشكل خاص أعضاء حلقة يسوع الدراسية

المنتشرة بشكل جيد، يعتقدون بأن إنجيل توما يجب أن يُرفع إلى منزلة رفيعة مساوية للأناجيل الأربعة التقليدية. فهل يقع هذا الإنجيل الغامض ضحية للحروب السياسية داخل الكنيسة، وفي النهاية يُستثنى بسبب تعاليمه الغير مقبولة شعبياً؟ فقررت بأنني من الأفضل أن أتقصّى مع ميتزجر حول هذه النقطة.

 

كلمات يسوع السرية:

فسألته: “دكتور ميتزجر، إنجيل توما، الذي كان بين وثائق نجع حمادي التي وجدت في مصر سنة 1945م، يدعي بأنها تحتوي على “الكلمات السرية التي قالها يسوع وهو حي وكتبها يهوذا ديديموس يهوذا توما. لماذا إستبعدتها الكنيسة؟”.

وإذ كان ميتزجر له معرفة تامة بالكتاب، فقال: “إنجيل توما ظهر إلى النور في نسخة باللغة القبطية في القرن الخامس الميلادي، وقد ترجم إلى اللغة الانجليزية. وهو يحتوي على114مثلاً منسوبة إلى يسوع ولكن لا يشتمل على أي قصة لما عمله يسوع، ويبدو أنه قد كتب في سوريا باللغة اليونانية سنة140م وفي بعض الحالات أظن أن هذا الإنجيل يذكر بطريقة صحيحة ما قاله يسوع مع تعديلات طفيفة”.

كان هذا تصريح مثير بالتأكيد، فقلت له: “من فضلك توسع في الشرح”

“على سبيل المثال، في إنجيل توما يقول يسوع مدينة مبنية على تل عالي لا يمكن أن تُخفى”. فهنا أضيفت الصفة “عالي” ولكن باقي العبارة تقرأ كما ذكرت في إنجيل متى. أو يقول يسوع “إعطوا لقيصر الأشياء التي لقيصر، وإعطوا الله الأشياء التي لله، وأعطوني الأشياء التي لي “في هذه الحالة أضيفت العبارة الأخيرة.

“ومع ذلك، في إنجيل توما هناك بعض الأشياء المخالفة كلياً للأناجيل القانونية. فيقول يسوع “شقوا الخشب، سأكون هناك. ارفعوا حجراً، ستجدونني هناك “تلك هي عقيدة وحدة الوجود، الفكرة بأن يسوع متحد بمادة هذا العالم-وذلك على نقيض أي شيء في الأناجيل القانونية.

“يختتم إنجيل توما بقول ملاحظة: “دعوا مريم تبتعد عنا، لأن النساء لسن مستحقات الحياة”.

ويحكي عن يسوع أنه قال “انظروا، سأقودها لكي أحولها إلى ذكر، لكي تصبح هي أيضاً روحاً حية، تشبهكم أيها الذكور. لأن كل امرأة تصبح رجلاً ستدخل ملكوت السموات “.

إرتفعت حواجب ميتزجر بحدّة كأنه مندهش لما قاله توما. ثم قال مؤكداً “هذا ليس بيسوع الذي نعرفه

من الأناجيل القانونية الأربعة!”.

فسألته: “ماذا عن التهمة بأن توما إستبعد عمداً بواسطة مجالس الكنيسة بناء على نوع المؤامرة لإسكاته؟”.

فأجاب ميتزجر قائلاً: “هذا كلام غير دقيق من الناحية التاريخية، إذ أن المجامع والمجالس الكنسية عقدت في القرن الخامس وما بعده وكانت تصدق على ما سبق وقبله المسيحيون كبيرهم وصغيرهم على حد سواء. وليس من الحق أن نقول إن إنجيل توما إستبعد نفسه! إذ إنه لم يتوافق مع الشهادات الأخرى عن يسوع التي قبلها المسيحيون الأوائل وإعتبروها جديرة بالثقة”.

فسألته: “لذلك أنت تختلف مع أي شخص يحاول رفع إنجيل توما إلى نفس تلك المنزلة للأناجيل الأربعة؟”.

فأجاب: “نعم، أختلف كثيراً جداً. وأعتقد أن الكنيسة الأولى قد مارست فعل متعقل بنبذه. ويبدو لي أننا باهتمامنا به الآن نكون قد قبلنا شيئاً أقل صحة من الأناجيل الأخرى. والآن لا تفهمني بشكل خاطئ. فأنا أعتقد بأن إنجيل توما وثيقة مثيرة، لكنه ممتزج بمذهب وحدة الوجود وبيانات معادية للإيمان

بالمساواة بين الجنسين وهو ما يستحق بالتأكيد أن نقدم القدم اليسرى لشراكته، إذاً ماكنت تعرف ما أعني.

“يجب أن تفهم بأن القانون الكنسي لم يكن نتيجة سلسلة من المجادلات المتعلقة بسياسات الكنيسة. فالقانون الكنسي هو بالأحرى الإفتراق الذي حدث بسبب البصيرة الحدسية للمؤمنين المسيحيين.

فقد إستطاعوا أن يسمعوا صوت الراعي الصالح في إنجيل يوحنا، ويمكنهم أن يسمعوه بالكاد بطريقة مكتومة ومشوهة في إنجيل توما، مختلطاً بأشياء أخرى كثيرة.

عندما صدر القرار بالقانون الكنسي، فإنه صدّق فقط على الإحساس العام الذي سبق أن قررته الكنيسة. فعليك أن تدرك أن القانون الكنسية وعبارة عن قائمة بالكتب الرسمية الموثوق بها أكثر من كونه قائمة رسمية بالكتب. فهذه الوثائق لم تستمد سلطتها من أنها قد اختيرت، فكل منها له سلطة رسمية قبل تجميعها مع بعضها. فالكنيسة الأولى استمعت فقط وأحست بأنها جديرة بالثقة.

“فالآن، لو قال شخص بأن القانون الكنسي ظهر فقط بعدما أصدرت مجالس ومجامع الكنيسة هذه البيانات، فإن ذلك سيكون كالقول،” هيا لنأت بالعديد من أكاديميات موسيقية لتصدر تصريحاً بأن موسيقى باخ وبيتهوفن رائعة”. سأقول “شكراً لكم على لاشيء! فقد عرفنا ذلك قبل تصريحكم. ونحن نعرفها بسبب الحساسية التي لدينا لما هو موسيقى جيدة وما هو غير ذلك. وهو نفس الشيء مع

بالقانون الكنسي”.

رغم ذلك، فقد أشرت بأن بعض أسفار العهد الجديد، خاصة يعقوب، والعبرانيين، والرؤيا، قُبلت ببطء أكثر في القانون الكنسي من الأسفار الأخرى. فسألته: “من ثمّ، هل يجب أن نشك فيها لهذا السبب؟”.

فأجاب: ” في رأيي، أن هذا يرينا إلى أي حد كانت الكنيسة الأولى حذرة. فلم يكونوا متسرعين بإدخال كل وثيقة تصادف أن بها أي شيء عن يسوع. وهذا يرينا التروي والتأمل والتحليل الدقيق.

” بالطبع حتى يومنا هذا هناك من الكنيسة السورية ترفض قبول سفر الرؤيا ومع ذلك فالناس الذين ينتمون إلى هذه الكنيسة مسيحيين مؤمنين. ومن وجه نظري، إنني أقبل سفر الرؤيا كجزء رابع من الكتاب المقدس”.

ثم هز رأسه قائلاً: ” أظن أنهم يفقرون أنفسهم بعدم قبوله”.

 

العهد الجديد “اللا نظير له”

لقد كان ميتزجر مقنع. فلم تبق عندي أي شكوك تتعلق بسواء نص العهد الجديد إن كان قد حفظ بشكل موثوق حتى وصل إلينا عبر القرون. أحد أسلاف ميتزجر البارزين في معهد برينستون اللاهوتي، بنيامين  وارفيلد، الحائز على أربعة دكتوراه وقام بتدريس علم اللاهوت النظامي حتى وفاته سنة 1921م عبّر عن فكرة العهد الجديد الذي لا نظير له بقوله:

لو قارنا الحالة الحالية لنص العهد الجديد بتلك التي لأي كتب قديمة أخرى، فلا بد أن…نعلن بأنه صحيح بشكل رائع. فالعناية التي نُسخ بها العهد الجديد كانت عناية فائقة، والتي بلا شك ناتجة عن الوقار الحقيقي لكلماته المقدسة…….فالعهد الجديد لا نظير له بين الكتب القديمة في نقاوة نصوصه كما نقلت فعلاً وظلت مستخدمة[8].

من ناحية الوثائق التي قُبلت في العهد الجديد، فعلى العموم لم يكن هناك أي خلاف جدي حول الطبيعة الموثوقة لعشرون من السبع وعشرون سفراً للعهد الجديد من متى إلى فليمون بالإضافة إلى رسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى. وهذا طبعاً يشمل الأناجيل الأربعة التي تمثل سير حياة يسوع[9].

والسبعة أسفار الباقية، ولو أنها كانت موضع شك من قبل بعض قادة الكنيسة الأوائل، “تم إعتراف الكنيسة بها أخيراً بصورتها الكاملة على العموم” بحسب قول جيسلر وتكس[10].

أما من ناحية “الأسفار المزيفة pseudepigraphia “، وتكاثر الأناجيل، والرسائل، وأسفار الرؤى في القرون القليلة الأولى بعد يسوع، وتشمل أناجيل نيقوديموس، وبرنابا، وبارثلماوس، واندراوس ورسالة بولس إلى اللاوديكيين، ورسالة إسطفانوس وغيرها، ــــ فكلها “خيالية وضلالية… غير أصلية وغير ذات قيمة ككل” وفي الواقع “لايوجد أب أرثوذكسي أو قانون كنسي أو مجلس” إعتبرها رسمية وجديرة بالقبول أو تستحق الإدراج في العهد الجديد[11].

في الحقيقة، لقد قبلت تحدي ميتزجر بقراءة العديد منها بنفسي. فبمقارنتها بتلك التي نالت عناية التدقيق، والإعتدال، وشهود العيان التي نجدها في أناجيل متى، ومرقس ، ولوقا، ويوحنا، فإن هذه الأسفار تستحق فعلاً الوصف الذي وصفها بهيوسابيوس، مؤرخ الكنيسة الأول: ” بأنها سخيفة كلياً، وعديمة التقوى”[12].

فهي بعيدة جداً عن رسالة يسوع ولا تساهم بأي شيء ذو معنى في عملية البحث والتحقيق التي أقوم بها، لكونها كُتبت في وقت متأخر في القرن الخامس، والسادس، وخصائصها غالباً أسطورية مما يؤهلها لتكون غير موثوقة من الناحية التاريخية.

وبعد أن تم إثبات هذه الحقائق، فقد حان الوقت الحقيقي بالتقدم إلى مرحلته التالية. وقد كنت فضولياً: لمعرفة كم من الأدلة الموجودة لهذا النجار من القرن الأول الصانع المعجزات، كم من الأدلة موجودة خارج الأناجيل؟ هل المؤرخين القدماء يؤكدون أو يعارضون إدعاءات العهد الجديد عن حياته،

وتعاليمه، ومعجزاته؟ لقد عرفت أن هذا يتطلب رحلة إلى أوهايو لزيارة واحد من أبرز علماء البلاد في هذا المجال.

فلما توقفنا، شكرت الدكتور ميتزجر لوقته وخبرته وسعة إطلاعه. إبتسم بدفء وعرض عليّ توصيلي إلى الطابق السفلي. لم أرد أن أستهلك مزيد من وقته بعد ظهر يوم السبت، لكن فضولي لم يدعني أغادر برينستون بدون إرضاء نفسي حول مسألة واحدة باقية.

“كل عقود السنين هذه من الثقافة، والدراسة، وتأليف الكتب الدراسية، والتنقيب في التفاصيل الدقيقة لنصوص العهد الجديدـــ ماذا كان تأثير كل هذا على إيمانك الشخصي؟”.

فقال وقد بدا سعيدا ًبمناقشة هذا الموضوع “آه، لقد زاد أساس إيماني الشخصي أن أرى الحزم الذي أوصل هذه الكتب إلينا، بأعداد وفيرة من النسخ، التي بعضها تعتبر قديمة جداً، جداً”.

فبدأت أقول له “وهكذا فإن العلم لم يُضعف إيمانك…”.

فهب واقفا ً قبل أن أتمكن من إكمال جملتي وقال مؤكدا ً” بالعكس، لقد بناه. فقد كن طول حياتي أسأل أسئلة، وقمت بالحفر والتنقيب في نصوص الإنجيل، ودرستها بدقة وعناية، والآن أعرف بثقة أن إيماني بيسوع قد وضعفي المكان الصحيح”.

وهنا توقف عن الكلام فيما كانت عيناه تتفحص وجهي، ثم أضاف للتأكيد” وضع جيداً في المكان الصحيح”.

“مشاورات”

“أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة”

  1. بعد ان قرأت المقابلة مع الدكتور ميتزجر، كيف تُقدّر موثوقية العملية التي نقل بها إلينا العهد الجديد؟ أذكر بعض الأسباب الي تجعلك تعتبر هذه العملية موثوقة أم لا؟
  2. تفحص بدقة نسخة من العهد الجديد ثم تفحّص بعض الملاحظات التي في الهوامش والتي تتحدث عن القراءات المختلفة. هل يمكنك ذكر بعض الأمثلة التي تجد؟ وكيف يؤثر وجود هذه الملاحظات على فهمك لهذه الفقرات؟
  3. هل المقاييس التي تقرر إذا كانت أي وثيقة يجب أن يشمله العهد الجديدـ أتبدو معقولة؟ لماذا ولم لا؟ ـ هل تعتقد بوجوب إضافة معايير أخرى؟ ـ وماهي الأضرار التي يلحقها العلماء المحدثين عند إعادة التصحيح في قرارات الكنيسة الأولى المتعلقة بما إذا كانت الوثيقة يمكن تضمينها بالكتاب المقدس.

 

  1. See Lee Patrick Strobel, Reckless Homicide: Ford’s Pinto Trial (South Bend, Ind.: And Books, 1980), 75-92 and Lee Strobel, God’s Outrageous Claims (Grand Rapids: Zondervan, 1997), 43-58. Ford was ultimately acquitted of criminal charges after the judge withheld key documents from the jury, though the automaker was successfully sued in civil cases. Allegations about the Pinto were first reported in Mother Jones magazine.

  2. F. F. Bruce, The Books and the Parchments (Old Tappan, N.J.: Revell, 1963), 178, cited in Josh McDowell, Evidence That Demands a Verdict (1972; reprint, San Bernardino, Calif.: Here>s Life, 1986), 42.

  3. Frederic Kenyon, Handbook to the Textual Criticism of the New Testament (New York: Macmillan, 1912), 5, cited in Ross Clifford, The Case for the Empty Tomb (Claremont, Calif.: Albatross, 1991), 33.

  4. Frederic Kenyon, the Bible and Archaeology (New York: Harper, 1940), 288.
  5. Nonnan L. Geisler and William E. Nix, A General Introduction to the Bible (1968; reprint, Chicago: Moody Press, 1980), 361.
  6. Ibid., 367, emphasis added.

  7. Patzia, the Making of the New Testament, 158.
  8. Benjamin B. Warfield, Introduction to Textual Criticism of the New Testament (London: Hodder & Stoughton, 1907), 12-13.
  9. Geisler and Nix, a General Introduction to the Bible, 195. They note that some include Philemon, 1 Peter, and 1 John among the disputed books, but «it is probably better to refer to these as omitted rather than disputed books. »

  10. Ibid., 207.
  11. Ibid., 199. This does not include the Apocrypha, which were accepted by particular churches for a particular period of time and today are considered valuable though not canonical. Examples: Shepherd of Hernias, Epistle to the Corinthians, Epistle of Pseudo-Barnabas, Did ache, Apocalypse of Peter, the Acts of Paul and Thecla, and Ancient Homily or the Second Epistle of Clement.
  12. Ibid. 

 

الأدلة الوثائقية – هل حفظت حياة يسوع بشكل موثوق لنا؟ لي سترويل

حياة يسوع في سياق القرن الاول الميلادي – جون إدوارد – إجتماع النور (الزيتون)

حياة يسوع في سياق القرن الاول الميلادي – جون إدوارد – إجتماع النور (الزيتون)

حياة يسوع في سياق القرن الاول الميلادي – جون إدوارد 

حياة يسوع في سياق القرن الاول الميلادي – جون إدوارد – إجتماع النور (الزيتون)
Exit mobile version