كيف بدأت الحياة؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

كيف بدأت الحياة؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

كيف بدأت الحياة؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

كيف بدأت الحياة؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

How did Life Go Live?

عندما عرضت وسائل الأعلام لأول مرة خبر تحولي إلى التوحيد تم الاستشهاد بكلامي على أن أبحاث علماء الأحياء في الحمض النووي DNA أظهرت أن تركيبة الحمض النووي معقدة بطريقة يصعب معها تصديق الترتيبات اللازمة لحصول الحياة، وأنه لابد أن يكون هناك ذكاء وراء هذه العملية. كتبت في السابق أن هناك مساحة متاحة لحجة التصميم لتفسير نشأة الحياة من المادة غير الحية، وخصوصا إذا كانت هذه المادة تمتلك القدرة على إعادة إنتاج نفسها جينية. وقلت إنه لا يوجد تفسير طبيعي شافي لهذه الظاهرة.

هذه التصريحات أثارت غضبا من النقاد الذين أدعوا أنني لم أكن على دراية بأحدث الاكتشافات في مجال التولد التلقائي[1] Abiogenesis. أدعى ريتشارد دوكنز أني لجأت إلى «إله الفجوات»[2] God of the gaps. في مقدمتي الجديدة الطبعة عام ۲۰۰۵ من كتاب «الإله والفلسفة» قلت «إنني شخصيا مسرور لأن أصدقائي من علماء الأحياء أكدوا لي أن علماء الأحياء البكتيرية قادرون في الوقت الحالي على تقديم نظريات في التطور بخصوص المادة الأولى، وأن مجموعة من هذه النظريات تتوافق مع الدلائل العلمية المؤكدة»[3]. ولكن يجب أن أنبه إلى أن الأعمال الحديثة التي رأيتها والتي تعكس وجهة نظر علماء الفيزياء في عمر الكون، تعطي وقتاً محدوداً لنظريات الأحياء البكيترية لوقوع ما يدعون.

هناك اعتبار أكثر أهمية يتمثل في التحدي الفلسفي الذي يواجه دراسات أصل الكون، إذ أن معظم دراسات أصل الحياة التي يقوم بها علماء الفيزياء لا تأخذ في الاعتبار إلا نادرا البعد الفلسفي في النتائج.

في المقابل، فإن الفلاسفة لم يقولوا سوى القليل عن الطبيعة وأصل الحياة. السؤال الفلسفي الذي لم يتم الإجابة عليه في دراسات أصل الحياة هو هذا: كيف يمكن لكون ذو مادة لا عقل لها أن تنتج كائنات لها نهايات جوهرية Intrinsic ends، ولها قدرات على التكاثر، و«مشفرة كيمائياً» coded chemistry؟ هنا نحن لا نتعاطى مع علم الأحياء Biology، وإنما نتحدث عن مشكلة مختلفة تماما.

 

الكائن العضوي الهادف The Purpose-Driven Organism

دعونا ننظر أولا في طبيعة الحياة من وجهة نظر فلسفية. تمتلك المادة الحية هدفا موروثاً أو نظام محدداً الغاية ليس موجوداً على الإطلاق في المادة التي جاءت منها. في واحدة من الأعمال الفلسفية القليلة التي كتبت حول الحياة، قدم ريتشارد كاميرون Richard Cameron تحليلا مفيدا عن وجهة directedness الكائنات الحية. الكائن الحي كما يقول كاميرون غائي teleological، بمعنى أنه يملك نهايات أو أهداف أو غايات.

علماء الأحياء المعاصرون وفلاسفة علم الأحياء، والعاملين في مجال «الحياة الاصطناعية»، كما يقول كاميرون «لم يأتوا حتى الآن ببيان مقنع لما ينبغي أن يكون حيا، وقد دافعت عن فكرة أن أرسطو يمكن أن يساعدنا في ملأ هذا الفراغ …. فأرسطو لم يدع أن الحياة والغائية متلازمان ببساطة بالصدفة، وإنما عرف الحياة باصطلاحات غائية، وأعتبر أن الغائية هي أمر أساسي لحياة الكائنات الحية»[4].

أصل التكاثر الذاتي هو المشكلة الرئيسية الثانية. ويلاحظ الفيلسوف المتميز جون هالدين John Haldane أن نظريات أصل الحياة «لا تقدم تفسيراً كافياً، لأنها تفترض مسبقا وجود التكاثر الذاتي في مرحلة مبكرة، ولم يتبين أن هذا التكاثر يمكن أن يتم من خلال الوسائل الطبيعية من أصل مادي»[5].

يلخص ديفيد كونواي هذين المأزقين الفلسفيين في رده على ادعاء هيوم بأن نظام الحفاظ على الحياة في الكون لم يصمم من قبل أي شكل من أشكال الذكاء. التحدي الأول هو في تقديم تفسير مادي «للانبثاق الأول للمادة الحية من مادة غير حية». كون المادة حية يعني أن لها نظاماً غائياً، وهو غير متحقق فيما هو قبلها. أما التحدي الثاني فهو تقديم تفسير مادي «لانبثاق الحياة من الأشكال الأولية المتقدمة، التي كانت غير قادرة على التكاثر ذاتياً، وإنتاج كائنات حية قادرة على التكاثر. من دون وجود مثل هذه القدرة، فإنه لم يكن ممكناً لهذه الأنواع المختلفة أن تنبثق من خلال طفرة عشوائية وانتقاء طبيعي.

وفقا لذلك، فإن هذه الآلية لا يمكن الاحتجاج بها في أي تفسير لكيفية انبثاق صور حياة تتوفر فيها هذه القدرة من أشياء تفتقر لذلك. ويخلص كونواي إلى أن الظواهر البيولوجية هذه «تزودنا بالسبب الذي يجعلنا نشك في أي تبرير ممكن لانبثاق صور الحياة من أساس مادي، وهو ما يجعلنا نلجأ مرة أخرى إلى الحجة الغائية»[6].

 

تحدث تصوري عميق A Deep Conceptual Challenge

يتعلق البعد الفلسفي الثالث لأصل الحياة بأصل تشفير coding ومعالجة المعلومات الذي هو أمر أساسي لجميع أشكال الحياة. أفضل وصف لذلك، قدم من قبل عالم الرياضيات ديفيد بيرلينسكي David Berlinski، الذي يشير إلى أن هناك دراما غنية تحيط بفهمنا الحالي للخلية.

تتكرر الرسالة الوراثية في الحمض النووي في النسخ المتماثلة، ثم يتم نسخها من الحمض النووي إلى الحمض النووي الريبوزي[7] RNA. وبعد هذا تتم ترجمة الرسالة ونقلها من الحمض النووي الريبوزي RNA إلى الأحماض الأمينية، وأخيرا يتم تجميع الأحماض الأمينية إلى بروتينات. يتم التنسيق بين الهيكلين الأساسيين المعالجة المعلومات والنشاط الكيميائي في الخلية عن طريق شفرة وراثية عالمية.

الطبيعة الرائعة لهذه الظاهرة تصبح واضحة عندما نسلط الضوء على كلمة «شفرة». يقول بيرلنسكي: «الشفرة في حد ذاتها مألوفة بحد كاف، فهي عبارة عن مخطط اعتباطي arbitrary أو نظام للربط بين اثنين من الموضوعات المنفصلة. لنأخذ مثالا مألوفا، فشيفرة مورس Morse code على سبيل المثال تنسق النقاط والشرطات مع الأحرف الأبجدية. وعندما نستخدم كلمة «اعتباطي»، فإننا نريد بذلك التفريق بين الشفرة والريط الفيزيائي الصرف بين موضوعين.

لنأخذ مثالا ملموسا، فشيفرة مورس Morse code على سبيل المثال تنسق النقاط والشرطات مع الأحرف الأبجدية[8]، وعندما نستخدم كلمة اعتباطي فإننا نريد بذلك التفريق بين الشفرة وبين الريط الفيزيائي بين جسمين، وعندما نقول أن الشفرة تتضمن مخططاً أو رسماً فإننا نريد أن نؤكد على مفهوم الشيفرة باللغة الرياضية، وعندما نشير إلى أن الرموز تعكس الارتباط على نحو ما فإننا نعيد تصور الشفرة إلى استخداماتها البشرية.

هذا بدوره يقودنا إلى السؤال الكبير: «هل يمكن أن نفسر أصول نظام التشفير الكيمائي بطريقة لا تجعلنا بحاجة إلى اللجوء إلى تفسير هذه الشفرات واللغات وأنظمة التواصل، على أساس الكلمات الرائجة في عالم المادة؟[9] کارل وويس Carl Woese وهو أحد رواد دراسات أصل الحياة، يلفت النظر إلى الطبيعة الفلسفية الغامضة لهذه الظاهرة، فقد كتب في مجلة RNA قائلاً «الحقائق التشفيرية والميكانيكية والتطورية لهذه المسألة تصبح مسائل منفصلة.

فكرة تعبير الجين gene expression، على غرار فكرة تكرار الجين gene replication القائمة على مبدأ فيزيائي لم تعد صحيحة. ليس فقط لأنه لا وجود لمبدأ فيزيائي، ولكن وجود الشفرة هو مجرد لغز. قواعد التشفير معروفة. ولكنها لا توفر أية إشارة لماذا توجد الشفرة ولماذا توجد ألية التشفير على النحو التي هي عليه، يعترف وویس بأننا لا نعرف أي شيء عن هذا النظام. «أصل الترجمة، قبل أن تصبح ألية صحيحة لفك الشفرة، صارت الآن جزءا من الماضي، ولا أريد أن أدخل في تخمينات عن عملية صعود نجمها، كما لا أريد أن أدخل في تخمينات حول أصل نظام الشحن tRNA أو الشفرة الجينية Q.[10]

يسلط بول ديفيز الضوء على المشكلة نفسها. ويلاحظ ديفيز أن معظم نظريات النشوء الحيوي ركزت على كيمياء الحياة Chemistry of life، ولكن «الحياة هي أكبر من مجرد مجمع للتفاعلات الكيميائية، فالخلية هي أيضا مكان النظام تخزين ومعالجة وتكرار المعلومات. نحن بحاجة لشرح أصل هذه المعلومات، والطريقة التي تتم بها معالجة المعلومات، وهو ما يؤكد على أن «الجين ليس سوى مجموعة من الأوامر الترميزية بالإضافة إلى أنه وصفة لتصنيع البروتينات».

الأهم من ذلك، أن هذه التعليمات الوراثية ليست من نوع المعلومات التي تجدها في الديناميكا الحرارية والميكانيكا الإحصائية، وإنما تشكل معلومات دلالية semantic، information، وبعبارة أخرى، لديها معنى محدد، وهذه التعليمات يمكن أن تكون فعالة فقط في بيئة قادرة على تأويل المعني بالشفرة الوراثية». وعندها يبرز السؤال الأصلي إلى الواجهة وهو «كيف يمكن للمعلومات ذات المعنى أو الدلالة أن تنبثق بصورة فورية من مجموعة من الجزئيات غير العاقلة الخاضعة لقوى عمياء وفاقدة الهدف، وهذا ما يمثل تحديا فكريا عميقا»[11].

 

الرؤيا من خلال زجاج معتم Through A Glass Darkly

في الحقيقة، لدى علماء الأحياء البكتيرية نظريات تطور تفسر كيف نشأت المادة الأولى، ولكنهم يتعاملون مع جوانب مختلفة من المشكلة. إنهم يتعاملون مع تفاعل المواد الكيميائية فيما بينها، في حين أن سؤالنا هو حول الكيفية التي يكون بها شيء ما متحرك بشكل جوهري نحو غاية محددة، وكيف دار أمر المادة بآلية التشفير؟ لكن حتى على المستوى الخاص بهم، فإن علماء الأحياء البكتيرية لازالوا بعيدين جدا عن جواب محدد لهذه الأسئلة. لقد تم تسليط الضوء على هذا الموضوع بواسطة اثنين من أعلام الباحثين في أصل الحياة.

أندي نول Andy Knoll وهو أستاذ علم الأحياء في جامعة هارفارد ومؤلف كتاب «الحياة على كوكب ناشئ: أول ثلاثة مليارات سنة من الحياة، Life on a Young Planets The First Three Billion Years of Life يقول: «إذا حاولنا تلخيص ما نعرفه عن التاريخ العميق للحياة على الأرض، عن أصل الحياة، عن مراحلها المتعددة التي أعطت فرصة لنشأة الأحياء، فإن علينا أن نعترف بأننا ننظر هنا من خلال زجاج معتم. نحن لا نعرف كيف بدأت الحياة على هذا الكوكب، ولا نعرف متى بدأت الحياة على وجه الدقة، ولا نعرف ما هي الظروف التي بدأت فيها[12].

 كتب رئيس الجمعية الدولية لدراسة أصل الحياة أنتونیو لازانو Antonio Laucano في أحد التقارير قائلا «هناك خاصية للحياة تبدو مؤكدة: ما كان للحياة أن توجد لولا وجود آلية جينية -آلية تستطيع تخزين ونقل معلوماتها الذرية التي يمكن أن تتغير بمرور الوقت … ليس واضحا بشكل دقيق كيف نشأت الآلية الأولى للوراثة، ويكمل قائلا في الحقيقة قد لا تكون قادرين على معرفة مسيرة الحياة على الأطلاق[13].

أما بالنسبة لأصل التكاثر، فإن جون مادوكس John Maddox، وهو المحرر الفخري لمجلة الطبيعة، Nature كتب قائلا «السؤال الرئيسي هو متى (ثم كيف) تطور التكاثر الجنسي على الرغم من مرور عقود من التخمين لا زلنا لا نعرف»[14]. وأخيرا، يشير العالم جيرالد شرویدر Gerald schroeder إلى أن وجود الظروف التي ساعدت على وجود الحياة لا تفسر كيف خرجت الحياة إلى الوجود. لقد استمرت الحياة على الكوكب فقط بسبب توفر الظروف المناسبة التي وجهت المادة الإنتاج كائنات هادفة end-directed وقابلة للتكاثر».

كيف نفسر أصل الحياة؟ جورج والد George Wald الحائز على جائزة نوبل في علم الوظائف قال في إحدى المرات لقد أخترنا أن نصدق المستحيل: أن الحياة نشأت فجاءة عن طريق الصدفة، وفي السنوات اللاحقة، خلص جورج والد إلى أن العقل الأزلي الذي سماه مصفوفة الواقعية الفيزيائية matrix of physical reality التي يتكون منها الكون هي التي وهبت الحياة «كيف ذلك، وهناك احتمالات أخرى في حين أننا في كون يمتلك خصائص مميزة وغريبة هي التي وهبت الحياة؟

لابد أن أعترف أنه بدا لي في الآونة الأخيرة أن كلا السؤالين متطابقين. هذا على فرض أن العقل، وبدلا من أن يكون قد تطور من خلال الحياة، فإنه كان موجودة على الدوام على شكل مصفوفة matrix تمثل مصدر الواقعية الفيزيائية بحيث أن مكونات الواقعية الفيزيائية هي مكونات عقلية. العقل هو الذي يحتوي الكون الفيزيائي، وهو الذي وهب الحياة، وفي النهاية من خلاله وجدت المخلوقات التي تعرف وتصنع: العلم والفن والتكنولوجيا[15].

هذه هي الخلاصة. إن التفسير المرضي الوحيد لأصل الحياة الهادفة القابلة للتكاثر كما رأينا هو العقل الذكي اللامتناهي.

 

 

[1] عملية طبيعية من الحياة الناشئة عن مواد غير حية مثل مركب عضوي بسيط.

[2] نوع من النقاش في علوم الإلهيات والذي يتم خلاله جعل الفراغات (النقص) في المعرفة العلمية دلية على وجود الإله. كما يمكن أن يرمز إلى نظرة إلى الإله مشتقة من الإيمان الديني الذي يقول أن كل ما يمكن تفسيره بعلم الإنسان ليس من اختصاص الإله، هذا يعني أن دور الإله يتحدد في الفجوات في التفسيرات العلمية للطبيعة. الفكرة تتضمن دمج بين التفسيرات الدينية مع التفسيرات العلمية. يمكن القول أنه كلما تمكن العلم من إعطاء شرح أدق للعالم قل دور الإله في هذا العالم.

[3] Freeman J, Dyson, Disturbing the Universe (New York: Harper & Row, 1979), 250. Also cited in John Barrow and Frank Tipler, The Anthropic Cosmological Principle (Oxford: Clarendon, 1988), 318.

[4] Richard Cameron, “Aristotle on the Animate: Problems and Prospects,” Bios: Epistemological and Philosophical Foundation of Life Sciences, Rome, February 23–24, 2006.

[5]  John Haldane, “Preface to the Second Edition,” in Atheism and Theism (Great Debates in Philosophy), J. J. C. Smart and John Haldane (Oxford: Blackwell, 2003), 224.

[6] David Conway, The Rediscovery of Wisdom (London: Macmillan, 2000), 125.220.

[7] عبارة عن بوليمر حمضي نووي مؤلف من ارتباط تكافي لمجموعة من النيكليوتيدات. تم تكوين الحمض النووي الريبوزي عن طريق عملية النسخ الوراثة اعتمادا على بنية المورثات في الدنا بوساطة أنزيمات تدعى أنزيمات بلمرة RNA ثم تجرى عليها تعديلات أخرى بوساطة انزيمات أخرى. تعمل الرنا كقالب الترجمة الجينات إلى بروتينات، وأيضا كناقل للحموض الأمينية إلى الريبوسومات لتشكيل البروتينات، وأيضا هو مكون أساسي في بنية الريبوسوم.

[8] شفرة موريس هي شفرة حرفية من اجل إرسال المعلومات التلغرافية، باستخدام تتابعات قياسية من عناصر طويلة وقصيرة تعبر عن الحروف والأرقام والعلامات والحروف الخاصة الموجودة في الرسالة العناصر الطويلة والقصيرة من الممكن ان يتم تكوينها عن طريق صوت، علامات أو فتح وغلق المفاتح وهما مشهورين على انهم نقاط وعلامات مائلة.

[9]  David Berlinski, “On the Origins of Life, Commentary February 2006): 25, 30

[10] Carl Woese, “Translation: In Retrospect and Prospect,” RNA (2001): 1061, 1056, 1064.

[11] Paul Davies, “The Origin of Life Il: How Did It Begin?” http://aca.mq.edu.au/PaulDavies/publications/papers/OriginsOfLife_ll.pdf.

[12] Andy Knoll, PBS Nova interview, May 3, 2004

[13] Antonio Lazxano, “The Origins of Life, “Natural History (February 2006).

[14]  John Maddox, What Remains to Be Discovered (New York: Touchstone, 1998), 252.

[15] Gorge Wald, “Life and Mind in the Universe, “In cosmos, Bios, Theos, ed. Henry Margenau and Roy Abraham Varghese (La Salle, Il: Open Court, 1992), 218.

 

 

كيف بدأت الحياة؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

هل عرف الكون أننا قادمون؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

هل عرف الكون أننا قادمون؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

هل عرف الكون أننا قادمون؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

هل عرف الكون أننا قادمون؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

تخيل أنك دخلت إلى غرفة في الفندق الذي تسكن فيه في رحلتك المقبلة، ووجدت أن جهاز التسجيل الموجود بجانب السرير يعزف المعزوفة الموسيقية التي تحبها، ووجدت أن اللوحة المعلقة أعلى السرير تشبه تماماً اللوحة الموجودة أعلى المدفأة في بيتك، والغرفة ينبعث منها العطر الذي تفضله، فقمت بهز رأسك متعجباً وألقيت حقائبك على الأرض. بعد ذلك اتجهت إلى الثلاجة الصغيرة الموجودة في الغرفة وفتحت بابها وحدقت في محتوياتها فوجدت مشروبك المفضل وقطعة الحلوى والكعكة التي تحبها، بل وجدت قنينة من نوع المياه الذي تفضله. بعدها، أدرت ظهرك للثلاجة ونظرت إلى المنضدة الموجودة في الغرفة فوجت عليها الكتاب الجديد لمؤلفك المفضل، وعندما ألقيت نظرة في الحمام حيث تصطف على الرف مواد الاعتناء بالبشرة وجدت أن جميعها من النوع الذي تستخدمه في العادة، وعندما قمت بتشغيل التلفزيون وجدت القناة التلفزيونية التي تفضلها.

مع كل شيء تشاهده في الغرفة تجد أنك أقل ميلاً إلى التفكير بأن كل حدث كان من باب الصدفة. أليس الأمر كذلك؟ وقد تتساءل كيف استطاع مدير الفندق أن يعرف كل هذه الأمور التفصيلية عنك. وقد تتعجب من هذا الإعداد الدقيق، حتى أنك تفكر مجدداً كم سيكلفك كل ذلك من مبالغ مالية، ولكنك بالتأكيد سوف تميل إلى الاعتقاد بأن شخصاً ما كان يعرف بقدومك.

كوننا الدقيق Our Finely Tuned Universe

سيناريو هذه العطلة خارق، وهو يوازي حجة التوافق Fine-tuning Argument. الشهرة المعاصرة لهذه الحجة سلطت الضوء على بعد جديد لقوانين الطبيعة. كتب عالم الفيزياء فريمن دايسون Ferrman Dayson قائلاً “كلما قمت بفحص هذا الكون ودرست تفاصيل تكوينه، وجدت دليلاً إضافياً على أن الكون يعرف أننا قادمون”[1].

وبعبارة أخرى، يبدو أن قوانين الطبيعة صنعت بطريقة تحرك العالم نحو نشأة الحياة. هذا هو المبدأ الأنثروبولوجي، الذي أصبح مشهوراً بفضل مفكرين من أمثال مارتن ريز Martin Rees، جون بارو John Barrow، وجون ليسلي John Leslise. لنأخذ أبسط قوانين الفيزياء كمثال على ذلك. لقد تم حساب أنه لو تغير جزء بسيط من الثوابت الأساسية في القوانين – على سبيل المثال سرعة الضوء أو كتلة الإلكترون – فإنه لن يكون هناك كوكب قادر على توفير البيئة المناسبة لحياة الإنسان.

لقد تم تفسير هذه الدقة بطريقتين. بعض العلماء اعتبر أن هذه الدقة تدل على الصنع الإلهي، والبعض الآخر خمن بأن كوننا هو كون من ضمن أكوان أخرى متعددة. والفرق هو أن كوننا هيئ ليك يوفر الشروط اللازمة لحياة الإنسان، عملياً لم يدع أي عالم معروف أن دقة الصنع كانت بنحو صرف نتيجة لعوامل الصدفة في هذا الكون.

في كتابه “العقول اللانهائية”، يجادل جون ليسلي – وهو من أعلام منظري المبدأ الأنثروبي – بأن دقة الصنع فسرت بشكل أفضل بواسطة القول بوجود تصميم إلهي. يقول ليسلي إنه ليس متعجباً من وجود حجج محددة لصالح حالات التوافق، بل في حقيقة أن هذه الحجج موجودة على نحو وافر (يزيد على القدر المطلوب لنشأة الحياة). “إذا كانت هناك أمور في الطبيعة تحدث بطريقة تثير الإعجاب، فإن هذه الأمور سترى بنحو أفضل كأدلة لصالح الاعتقاد بإله”. وقدم ليسلي أمثلة على هذه الأمور:

1 – مبدأ النسبية الخاصة الذي يجعل للقوى مثل القوة الإلكترومغناطيسية تأثير غير متغير بغض النظر عن الزاوية الصحيحة لتأثيرها على حركة الأجسام. هذا يجعل من شفرة الجينات تعمل، وكذلك الكواكب، وفي نفس الوقت تترابط فيما بينها عند الدوران.

2 – قوانين الكم تمنع الإلكترونات من التصاعد إلى الحالة الذرية.

3 – الطاقة الإلكترومغناطيسية لها قوة واحد تجعل أكثر من عملية تحدث في وقت واحد، وهو ما يجعل النجوم تضيء لمليارات السنين، وهو ما يجعل تكون الكربون في النجوم ممكناً، كما يضمن عدم تبادل اللبتونات[2] بالجسيمات الذرية quarks، ويترتب عليه استحالة تشكل الذرات. وهذا ما يحتم على البروتونات أن لا تتحلل سريعاً ولا تصطدم مع بعضها البعض بقوة، وهو ما قد يؤدي إلى أن تصبح الكيمياء مستحيلة. كيف يمكن لقوة واحدة أن تلبي احتياجات كثيرة ومختلفة، في حين يبدو أننا بحاجة لقوى عديدة لكل واحدة من هذه العمليات؟[3]

العبور إلى الكون المتعدد Across The Multiverse

نظرية الأكوان المتعددة هي ف مقابل نظرية الصنع الإلهي (ومع ذلك سوف أحاول التدليل على أن وجود الأكوان المتعددة لي يلغي السؤال عن المصدر الإلهي).

عالم الكونيات مارتن ريس Martin Rees هو أحد أكبر مؤيدي فكرة الأكوان المتعددة. لاحظ ريس أن “أي كون مهيئ للحياة – وهو ما يمكن أن نسميه الكون الحيوي Biophilic Universe – يجب أن يتم تعديله على نحو معين لكي تتوفر الشروط الأساسية لحياة أي نوع نعرفه. تتأثر النجوم الموجودة منذ القدم، والذرات المستقرة مثل الكربون والسليكون يمكن أن تجتمع في مركب معقد من الجزيئات…. الخ – كل هذه الكائنات تتأثر بشكل دقيق بالقوانين الفيزيائية، وحجم ومعدل توسع الكون ومحتوياته”[4].

يقول ريس أنه يمكن تفسير ذلك من خلال فرضية وجود “أكوان” كثيرة، مع قوانين وثوابت فيزيائية مختلفة، وكوننا كجزء من مجموعة أكوان، حدث نتيجة لظهور تعقيد Complexity ووعي Consciousness. وإذا كان هذا هو الحال، فإن الدقة في الصنع لن تكون مصدر تعجب.

عرض ريس لأكثر صيغ فرضية الأكوان المتعددة تأثيراً، وهي فكرة “التمدد الأبدي”، وهي فكرة قدمها علماء الكون أندرية لنده Andrei Linde وأليكس فينكن Alex Vilenkin، ووفقاً لهذه الفكرة فإن الأكوان المتعددة نشأت عن انفجارات عظيمة لكل من هذه الأكوان مع اختلاف في البعد الزماني والمكاني من الكون الذي نعيش فيه.

تعتبر أطروحة الثقب الأسود لك من آلان غوث Alan Guth، وديفيد هاريسون David Harrison، ولي سمولين Lee Smolin أن الأكوان نتجت عن ثقوب سوداء Black Holes على صورة مجالات زمكانية غير متواصلة Mutually Inaccessible. وأخيراً، افترضت كل من ليزا راندل Lisa Randall ورامان ساندرم Raman Sundrum أن هناك أكواناً في أبعاد مكانية مختلفة قد تتفاعل أو لا تتفاعل مع بعضها البعض بفعل الجاذبية. أشار ريس إلى أن هذه الأفكار للأكوان المتعددة “تخمينية بشكل كبير”، وهي تتطلب وجود نظرية تصف باتساق فيزياء الكثافات العالية Ultrahigh Densities وتكوين الهياكل Configuration of Structures وفق أبعاد إضافية وهكذا دواليك. وواحدة من هذه الأفكار فقط يمكن أن تكون صحيحة. ويضيف ريس “وفي الحقيقة يمكن ألا يكون أي منها كذلك: فهناك نظريات بديلة تقود إلى أن هناك كوناً واحداً”[5].

نظرية البندقية متعددة الاتجاهات A Blunderbuss Theory

رفض كل من بول ديفيز Paul Davies وريتشارد سويتبيرن Richard Swinburne فكرة الكون المتعدد، ديفيز، وهو عالم فيزيائي وعالم کونیات، کتب «من الصحيح أن كل شيء في كون لامتناهي يمكن أن يحدث سوف يحدث»، ولكن هذا لا يعد تفسيرا على الإطلاق. إذا أردنا أن نفهم لماذا يعتبر الكون صديقا لصالح نشأة وبقاء الحياة، فإن ذلك لا يفيدنا عندما يقال أن كل الأكوان الممكنة موجودة. نظرية الأكوان المتعددة مثل البندقية المتعددة الجوانب، فهي تفسر كل شيء ولا تفسر شيئا»، ويعني ديفيز بذلك أنها ادعاء لا معنى له. إذا قلنا أن العالم وكل ما فيه جاء إلى حيز الوجود قبل خمس دقائق -بما في ذلك ذكرياتنا حول سنوات عديدة عشناها والأدلة على أحداث وقعت منذ آلاف السنين- فإن إدعاءنا هذا غير قابل للدحض، لأنه يفسر كل شيء ولا يفسر شيئا في وقت واحد.

التفسير العلمي الصحيح كما يقول ديفيز، عبارة عن رصاصة محددة الاتجاه. فكرة الأكوان المتعددة تستبدل كون واقعية منتظمة عقلاني بمجمع لا متناهي من أكوان وتجعل عملية التفسير، لا معنى لها. سوينبيرن كان قويًا في ازدرائه التفسير الأكوان المتعددة: “إنه من الجنون افتراض وجود مليارات الأكوان (المرتبطة سببية) كمصادرة لتفسير معالم کون واحد، ولكن عندما نفترض وجود إله واحد كمصادرة، فإن هذه المصادرة سوف تؤدي المهمة”.[6]

ثلاثة أمور يمكن أن تقال عن حجة الكون الدقيق، الأول: ثمة حقيقة صلبة تؤكد بأننا نعيش في كون فيه قوانین محددة وثوابت، وأن الحياة فيه لم تكن ممكنة لو كانت بعض هذه القوانين والثوابت مختلفة. الثاني: حقيقة أن وجود القوانين الحالية والثوابت هي التي تسمح ببقاء الحياة لا تجيب على السؤال عن أصل الحياة، هذا سؤال مختلف تماما، كما سوف أحاول أن أبين، فهذه الشروط ضرورية لنشأة الحياة ولكنها ليست كافية. الثالث: حقيقة أن من الممكن منطقية أن تكون هناك أكوان متعددة مع قوانين الطبيعة الخاصة بها، لا تعني أن هذه الأكوان موجودة حاليا لا يوجد دليل يؤيد فكرة الأكوان المتعددة، وستظل هذه الفكرة مجرد فكرة جدلية.

وما هو مهم جدا هنا هو حقيقة أن فرضية وجود الأكوان المتعددة لا تفسر أصل وجود قوانين الطبيعة، يعتبر مارتن ريس Martin Rees أن فكرة الأكوان المتعددة التي لها قوانينها الخاصة بها تطرح سؤالا حول القوانين الكلية التي تحكم كل الأكوان، النظرية الشاملة التي تشبه قائد فرقة العزف الموسيقية. “القوانين الكلية التي تحكم الأكوان المتعددة ربما تسمح بوجود تفاوت بين الأكوان، فبعض ما نعتبره “قوانین طبيعية”، قد تكون وفقا لوجهة النظر هذه قوانین محلية متناغمة مع القوانين الكلية، ولكن القوانين المحلية وفقا لهذه النظرية ليست ثابتة”[7].

سؤالنا عن كيفية تحكم القوانين بالأكوان المتعددة يماثل سؤالنا عن أصل قوانين الطبيعة بشكل عام، كتب بول ديفيز يقول إن «أنصار نظرية الأكوان المتعددة عادة ما يكونون غامضين حول كيفية إختيار قيم المتغيرات parameter values في هذا المجمع الكوني. إذا كان هناك «قانون القوانين، يحدد قيم المتغيرات، فإن ذلك يعني أننا نحيل كل كون إلى الكون الأخر، وعندها نكون قد نقلنا المشكلة مرتبة إلى الأعلى، لماذا؟ أو لأننا بحاجة لتفسير من أين جاءت هذه القوانين[8].

يقول البعض أن القوانين حدثت عرضا كنتيجة للطريقة التي برد فيها الكون بعد الانفجار العظيم، ولكن كما أشارديفز، فإن هذه الحوادث يمكن اعتبارها ظهور ثانوي لقوانين عميقة تحكم مجمع الأكوان». مرة أخرى، حتى تطور قوانین الطبيعة والتغيرات على الثوابت تتبع قوانين معينة. ونعود مرة أخرى إلى السؤال عن كيفية حدوث هذه القوانين العميقة. مهما أرجعنا إلى الوراء خصائص نشأة الكون بكيفية معينة، فإن هذه النشأة لا بد أن تتبع قوانين قبلية محددة».

سواء أكان هناك أكوان متعددة أو لا، فإننا لابد أن نعود إلى السؤال: من أين جاءت هذه القوانين والتفسير الوحيد المقنع هنا هو العقل الإلهي.

[1] Freeman J. Dyson, Disturbing the Universe (New York: Harper & Row, 1979), Also cited in John Barrow and Frank Tipler, The Anthropic Cosmological Principle (Oxford: Clarendon, 1988), 318.

[2] اللبتون هو جسيم أولي ومكون أساسي للمادة. أشهر اللبتونات المعروفة هو الإلكترون والذي يحكم عمليات الكيمياء كلها لأنه موجود في أغلفة الذرات وترتبط به الخصائص الكيميائية كلها. وتوجد فئتين أساسيتين للبتونات: المشحونة منها (وتعرف أيضاً بلبتونات شبيه –الإلكترون)، ومحايدة (المشهورة باسم نيترينو).

[3] Lesile, Infinite Minds, 203-5.

[4] Martin J. Rees, “Numerical Coincidences and “Tuning” in Cosmology, “Astrophysics and Space Science 285 (2003): 376.

[5] Rees, “Numerical Coincidences and ‘Tuning’ in Cosmology,” 385.

[6]  Paul Davies, Universes Galore: Where Will It All End? http://acal.mq.edu.au/PaulDavies/publications/chapters/Universesgalore.pdf.

[7] Ress, “Numerical Coincidences and ‘Tuning’ in Cosmology,” 386.

[8] Davies, “Universes Galore: Where Will it All End?”

من كتب قوانين الطبيعة؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

من كتب قوانين الطبيعة؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

من كتب قوانين الطبيعة؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

Who Wrote Laws of Nature

لعل أكثر الحجج الداعمة لوجود الإله شهرة وقبولاً من الناحية الحدسية ما تسمى بحجة التصميم Argument form design. وفقاً لهذه الحجة فإن التصميم الواضح في الطبيعة يدل على وجود مصمم للكون. كثيراً ما أكدت على أن الحجة الغائية تنبثق في الواقع من حجة النظام، لأن هذه الحجة مستمدة من النظام المشاهد في هذا العالم، ومن خلال التصميم نتعرف على المصمم، على الرغم من أنني كنت منتقداً للحجة الغائية فإنني منذ ذلك الوقت بدأت أقتنع بأنه إذا ما تم صياغة هذه الحجة بطريقة صحيحة فإنها تمثل حجة مقنعة لإثبات وجود إله. التطورات التي حدثت في مجالين بالخصوص جعلتني أغير وجهة نظري. الأول هو السؤال عن أصل قوانين الطبيعة والأفكار ذات الصلة بالعلماء البارزين، أما المجال الثاني فهو السؤال عن أصل الحياة والتكاثر.

ماذا أعني بقوانين الطبيعة؟ ببساطة أنا أعني بالقانون الاطراد والتماثل في الطبيعة. بعض أمثلة الكتب الدراسية قد توضح ما أقصد:

ينص قانون بويل على أن حجم عينة غازية عند درجة حرارة ثابتة يتناسب عكسياً مع الضغط الواقع عليها.

ووفقاً لقانون نيوتن الأول للحركة:

يظل الجسم في حالته الساكنة (إما السكون التام أو التحرك في خط مستقيم بسرعة ثابتة) ما لم تؤثر عليه قوة خارجية تغير من هذه الحالة.

طبقاً لقانون الحفاظ على الطاقة:

في أي نظام معزول، الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم ولكن يمكن تحويلها من صورة لأخرى.

النقطة المهمة ليست في أن هناك اطرادات في الطبيعة، ولكن المهم أن هذه الاطرادات كلها دقيقة من الناحية الرياضية، وهي كونية وشاملة ومترابطة فيما بينها، اعتبر أينشتين بأن هذه القوانين تمثل “السبب المتجسد”.

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو كيف جاءت هذه القوانين كحزمة واحدة، هذا هو السؤال الذي بالتأكيد طرحه العلماء من نيوتن إلى أينشتين إلى هيزنبرغ وأجابوا عليه، وجوابهم كان عقل الإله. لم يقتصر هذا النوع من التفكير على العلماء القدماء أمثال إسحاق نيوتن Newton وجيمس ماكسويل James Maxwell، بل امتد ليشمل العددي من العلماء البارزين في العصر الحديث الذين اعتبروا أيضاً أن قوانين الطبيعة عبارة عن أفكار لعقل الإله.

ختم ستيفن هوكنج Stephen Hawking كتابه “التاريخ المختصر للزمن” A Brief History of Time وهو من أكثر الكتب مبيعاً بالفقرة التالية:

“إذا اكتشفنا نظرية كاملة فإنه ينبغي أن تكون مفهومة من قبل الجميع، وليس من قبل بعض العلماء، ولذا علينا جميعاً كفلاسفة وعلماء وأناس عاديين أن نشارك في نقاش السؤال التالي: لماذا نحن والكون موجودون؟ وإذا استطعنا الوصول إلى إجابة لهذا السؤال فإن ذلك يعد بمثابة نصر كامل للعقل البشري، وعندها سوف نتعرف على عقل الإله”. وفي الصفحة التي تسبق الفقرة السابقة تساءل هوكنج “حتى لو كانت هناك فقط نظرية موحدة واحدة ممكنة فإنها سوف تكون عبارة عن قوانين ومعادلات، ولكن ما الذي يمكّن هذه القوانين من أن تصف العالم؟”[1].

كان لدى هوكنج المزيد ليقوله في المقابلة التي تلتها[2]:

“الانطباع الطاغي هو أن هناك نظام، وكلما ازداد اكتشافنا لهذا الكون كلما ازددنا قناعة بأن الكون محكوم بقوانين الطبيعة، ولكن يظل السؤال قائماً لماذا وجد العالم؟ وإن أحببت، فبمقدورك أن ترى الله هو الجواب على هذا السؤال”[3].

من الذي كتب كل تلك الكتب؟

Who Wrote All Those Book?

قبل زمن طويل من هوكنج، استخدم أينشتين اللغة ذاتها، حيث كتب “أريد أن أعرف كيف خلق الإله العالم…. أريد أن أعرف أفكاره أما الباقي فمجرد تفاصيل”[4]. في كتابي “الإله والفلسفة”، كتبت بأننا لا نستفيد كثيراً من هذه الفقرات، فقد قال أينشتين أنه يؤمن بإله سبينوزا Spinoza’s God[5].

يعتبر باروخ سبينوزا Baruch Spinoza أن الإله والطبيعة مترادفان، ويمكن القول دون تردد بأن أينشتين بالنسبة لليهود والمسيحيين والمسلمين كان ملحداً، بل أنه كان “الأب الروحي لجميع الملحدين”. ولكن صدر حديثاً كتاب بعنوان “أينشتين والدين” Einstein and Religion لماكس جامر Max Jammer وهو أحد أصدقاء أينشتين، يقدم صورة مختلفة تماماً عن تأثير سبينوزا على قناعات أينشتين الشخصية.

في الكتاب، بين جامر أن أينشتين كان يعرف القليل عن سبينوزا، وأن أينشتين لم يقرأ لسبينوزا سوى كتاب الأخلاق Ethics، وقد رفض مرات عدة طلبات للكتابة عن فلسفة سبينوزا[6]. وفي رده على إحدى الطلبات، قال أينشتين (إنه لا يملك معرفة مخصصة ليكتب مقالة علمية عن سبينوزا”. رغم أن أينشتين يشترك مع سبينوزا في الإيمان بالحتمية Determinism، إلا أن جامر يعتبر أن لا مسوغ للقول إن أفكار سبينوزا أثرت على فكر أينشتين. لاحظ جامر أيضاً أن أينشتين شعر بأنه قريب من سبينوزا لأنهما يشتركان في حاجتهما إلى الانعزال، وقدرهما بأن يعاد قراءتهما في الإرث اليهودي وأن يتم تجاهلهما في الإرث الديني، ورغم أن أينشتين أشار إلى إيمان سبينوزا بوحدة الوجود فإنه عبر عن نفيه أن يكون مؤمناً بوحدة الوجود أو بالإلحاد[7].

“أنا لست ملحداً، ولا يمكن أن أعتبر نفس مؤمناً بوحدة الوجود. نحن في موقف طفل صغير يدخل مكتبة كبيرة مملؤة بكتب بلغات مختلفة، والطفل يعرف أن هناك من كتب هذه الكتب، ولكنه لا يعرف كيف. هو لا يفهم اللغة التي كُتبت بها هذه الكتب. الطفل يظن بأن هذه الكتب مرتبة بطريقة معينة ولكنه لا يعرف هذه الطريقة، وهذا ما يبدو لي موقف أذكى شخص فيما يخص الإله. نحن نرى العالم منظماً بطريقة رائعة، ويتبع قوانين معينة ولكننا لا نعرف هذه القوانين، وعقولنا المحدودة لا تستطيع استيعاب القوة الغامضة التي تحرك هذه الكويكبات”[8].

في كتاب “وهم الإله” The God Delution، شاطرني دوكنز في موقفي القديم بأن أينشتين كان ملحداً، وبذلك فهو يتجاهل كلام أينشتين المشار إليه أعلاه بأنه ليس ملحداً ولا مؤمناً بوحدة الوجود، وهذا محير لأن دوكنز استشهد في إحدى المرات بجامر، ولكنه ترك عدداً كبيراً من عبارات جامر المهمة عن أينشتين في هذا الشأن.

لاحظ جامر على سبيل المثال رفض أينشتين المستمر اعتباره ملحداً، وقد أعلن في محادثة مع الأمير هيبرتس أمير لونشتين Hubertus of Lowinstein “ما يجعلني أشعر بالغضب أن الناس الذين يقولون بأن الإله غير موجود يستشهدون بكلامي لتأييد آرائهم”. نفى أينشتين اعتناقه الإلحاد لأنه لم يجد أن إنكاره للإله الشخصي[9] Personal God يعني أبداً إنكاره لوجود إله. من المؤكد أن أينشتين لم يؤمن بالإله الشخصي[10] ولكنه قال: “إنه سؤال مختلف إذا ما كان الاعتقاد بالإله الشخصي محل نقاش. دعم فرويد هذا الرأي في آخر مؤلفاته، ولن أدخل أبداً في تفاصيل هذا الموضوع، لأن هذا الاعتقاد بالنسبة لي يفتقر لأية نظرة متعالية للحياة، وأشك أن ينجح أحد في تقديم وسائل عظيمة للبشرية تلبي حاجاتهم الميتافيزيقية”[11].

كملخص ينتهي جامر إلى أن أينشتين كما هو الحال مع ميموندس Maimonides وسبينوزا يرفض بشكل قاطع أي نوع من التجسيد في الفكر الديني. ولكن على خلاف سبينوزا الذي رأي أن النتيجة المنطقية لنفي الإله الشخصي جعل الإله في هوية مشتركة مع الطبيعة، في حين أصر أينشتين على “أن الإله يظهر نفسه في قوانين الكون كروح أعظم من تلك التي للإنسان، وأن على المرء بما يملك من قوى هزيلة أن يشعر بالتواضع”. اتفق أينشتين مع سبينوزا على أن من يعرف الطبيعة يعرف الإله، ولكن ليس لأن الطبيعة هي الإله، ولكن لأن استخدام العلم في دراسة الطبيعة يقود إلى الدين[12].

عقل أينشتين المتفوق

Einstein’s “Superior Mind”

من الواضح أن أينشتين يعتقد بمصدر متعالي لعقلانية العالم، وهو ما يسميه “العقل الفائق”، “الروح الفائقة”، “القوى المنطقية الفائقة” و”القوة الغامضة التي تحرك الكويكبات”، وهذا كان واضحاً في عدد من عباراته: “لم أجد على الإطلاق تعبيراً أفضل من تعبير “إيماني” Religious للوثوق بالطبيعة العقلانية للحقيقة والقدرة الخاصة في الوصول للعقل البشري، في حين أن العلم يفتقر لهذه الثقة، إذا كان المبشرون يريدون أن يستفيدوا من ذلك فهذا شأنهم، فليس هناك علاج لذلك”[13].

بالتأكيد هي القناعة القريبة من الشعور الديني لعقلانية وذكاء هذا العالم التي تتجاوز العلم العلمي نوعياً، هو الاعتقاد الراسخ المرتبط بشعور عميق بأن هناك عقل متفوق يتجلى في عالم التجربة وهو ما يمثل تصوري عن الإله. أي شخص مر بتجربة مكثفة وناجحة في الحقل العلمي سوف يشعر باندفاع من التقديس العظيم للعلانية التي تتبدى في الوجود…. عظمة السبب المتجسد في الوجود[14].

“تديني يتضمن تقديراً متواضعاً للروح المتفوقة اللانهائية التي تظهر نفسها في أدق التفاصيل التي تستطيع إدراكها بعقول واهية وضعيفة. هذه القناعة العاطفية العميقة بوجود القوة المنطقية المتفوقة التي تتبدى في الكون الذي لا يمكن الإحاطة به هو الذي شكل فكرتي عن الإله”[15].

قفزات كوانتمية (جبارة) تقود نحو الإله

Quantum Leaps Toward God

أينشتين، وهو مكتشف النظرية النسبية ليس هو العالم الوحيد الذي ربط بين قوانين الطبيعة وعقل الإله.

رواد فيزياء الكوانتم وهم عظماء المكتشفين في الزمن الحديث من أمثال ماكس بلانك Max Planck، ورنر هيزنبيرغ Werner Heisenberg، أرون شرودنجر Erwin Schrodinger وبول ديراك[16] Paul Dirac، كل هؤلاء صدرت عنهم عبارات بخصوص الربط بين قوانين الطبيعة وعقل الإله سأورد بعضاً مما قالوه لاحقاً.

ورنر هيزنبيرغ Werner Heisenberg وهو مشهور بمبدأ عدم اليقين وميكانيكا المصفوفات Uncertainty Principle and Matrix Mechanics قال: “خلال مسيرة حياتي اضطررت بشك متكرر إلى التأمل في العلاقة بين حقلين من الحقول الفكرية: الحقل العلمي والحقل الديني، ولم أكن قادراً على الإطلاق على الشك بذلك الواقع التي يشيرون إليه”[17]. وفي موضع آخر يقول “لقد سألني أحدهم على نحو مفاجئ: هل تؤمن بالإله الشخصي؟ …. فقلت له هل لي أن أعيد صياغة سؤالك، شخصياً أفضل صياغة السؤال على النحو التالي: هل يمكنك أو أي شخص آخر أن تصل إلى النظام المركزي للأشياء والأحداث التي لا يبدو أن وجودها محل شك بنفس القدر الذي يمكنك الوصول إلى روح soul إنسان آخر؟ وأنا أستخدم لفظة روح soul بشك متعمد حتى لا يساء فهمي. إذا وضعت سؤالك على هذا النحو فإن جوابي سيكون نعم…. إذا كانت القوة المغناطيسية هي التي وجهت البوصلة فمن سيكون مصدر ذلك سوى النظام المركزي؟! إذا كان مقرراً لنا أن ننقرض فإن أموراً فظيعة يمكن أن تحدث للجنس البشري أكثر من مخيمات الغاز أو القنبلة الذرية”[18].

إرون شرودنجر، وهو رائد آخر من رواد الكوانتم وهو الذي اكتشف الموجات الميكانيكية. يقول “إن الصورة العلمية للعالم من حولي ناقصة جداً. إنها تعطيني الكثير من المعلومات الواقعية وتضع كل خبراتنا في نظام رائع الاتساق، ولكن الصمت الرهيب الذي يحيط بقلوبنا هو ما يهم حقاً. إنها لا تستطيع أن تقول كلمة واحدة عن الإحساس باللون الأحمر والأزرق، عن المر والحلو، عن مشاعر البهجة والحزن، إنها لا تعرف شيئاً عن الجمال والقبح، عن الخير والشر، عن الإله والخلود”. تتظاهر العلوم بقدرتها على الإجابة على الأسئلة في هذه الأبعاد، ولكن الإجابات غالباً ما تكون سخيفة جداً بحيث أنها تجعلنا نميل إلى عدم أخذها على محمل الجد. العلم متحفظ أيضاً عندما يكون السؤال عن الوحدة العظيمة التي تنتمي إلى جزء منها، والاسم المشهور في زماننا لهذه الوحدة هو “الإله”. يوصف العلم في العادة على أنه إلحادي، وبعدما قلناه فإن هذا لن يكون مفاجئاً. إذا كانت صورة العالم لا تحتوي حتى على الجمال والبهجة والحزن، فإذا اتفقنا على أن نقتطع منها الشخصية Personality فكيف يمكن لهذه الصورة أن تحتوي على أعظم فكرة عندما تعرض نفسها لعقل الإنسان”[19].

ماكس بلانك، كان أول من عرض لفرضية الكوانتم، وهو يعتقد بطريقة لا لبس فيها بأن العلم يكمل الدين، وهو يؤكد على أنه “ليس هناك أي تعارض بين العلم والدين، لأن كل واحد منها مكمل للآخر”، ويقول بأن “العلم والدين يقاتلان في المعركة ذاتها في حرب صليبية متواصلة ضد مذهب الشك[20] Skepticism وضد الدغمائية[21] Dogmatism وضد الكفر والخرافات… وكنتيجة يقاتلان من أجل الإله[22].

بول ديراك، والذي أكمل عمل هايزنبيرغ وشرودنجر بصياغة ثالثة لنظرية الكوانتم، لاحظ أن “الله هو رياضي بمرتبة عالية جداً، وهو يستخدم الرياضيات المقدمة في بناء الكون”[23]. وقبل أجيال من هؤلاء العلماء، أكد تشارلز داروين Darwin Charles على الفكرة ذاتها بقوله “العقل يقول لي أنه من الصعب بدرجة كبيرة بل من المستحيل أن ندرك هذا الكون الهائل والرائع، بما في ذلك الإنسان مع قابلياته على النظر إلى الماضي البعيد والذهاب بذهنه إلى المستقبل البعيد، ليقول بعد ذلك بأن هذا الكون حدث بالصدفة العمياء أو الضرورة.

عندما أتأمل بذلك أجد نفسي مضطراً للميل إلى السبب الأول الذي يمتلك عقلاً ذكياً يشابه بدرجة ما الإنسان: عندها أستحق أن أوصف بالموحد”[24].

استمر هذا القطار من الأفكار في المسير من خلال كتابات مجموعة من كبار الباحثين العلميين في وقتنا الحاضر، وهؤلاء يتراوحون ما بين علماء من أمثال بول ديفيز Paul Davies، وجون بارو John Barrow، وجون بولكنغهور John Polkinghorne، وفريمان دايسون Freeman Dayson، وفرانسيس كولينز Francis Collins، وأوين جنجريتش Owen Gingerich، وروجر بنروز Roger Penrose، إلى فلاسفة العلوم من أمثال ريتشارد سوينبرن وجون ليزلي John Leslise.

ديفيز وبارو، على وجه الخصوص قاما بتطوير أفكار أينشتين وهايزنبرغ. وغيرهم من العلماء بخصوص العلاقة بين عقلانية العالم وعقل الإله. كلاهما حصل على جائزة تمبلتون على هذا الاكتشاف، وقد صححت أعمالهم الكثير من التصورات الخاطئة الشائعة، كما سلطت الضوء على المواضيع التي نناقشها هنا.

قوانين من؟

Whose Laws?

في كلمته في حفل جائزة تمبلتون، أشار بول ديفيز إلى نقطة وهي “أن العلم يمكن أن يتقدم فقط عندما يملك العلماء نظرة كونية لاهوتية”. لا أحد يسأل من أين جاءت قوانين الفيزياء، ولكن حتى أكثر العلماء إلحاداً يقر كحقيقة إيمانية بوجود نظام في الطبيعة قائم على القوانين، وهذا النظام من جانب منه على الأقل قابل للإدراك من قبلنا”. وقد رفض ديفيز اثنتين من نقاط سوء الفهم الشائعة. يقول ديفيز بأن “الفكرة القائلة بأن نظرية كل شيء ستظهر أن هذا العالم هو العالم المتسق الوحيد منطقياً “هي فكرة خاطئة برهانياً”، لأنه لا يوجد أي دليل على أن العالم ضروري من الناحية المنطقية، وفي الحقيقة من الممكن تخيل وجود عالم بديل متسق منطقياً”. ثانياً، يقول: “من الهراء بكل ما للكلمة من معنى” افتراض أن قواني الفيزياء هي قوانيننا وليست قوانين الطبيعة. سوف لن يصدق علماء الفيزياء أن قانون نيوتن للجاذبية هو صناعة ثقافية. وهو يصر على أن قوانين الطبيعة هي “موجودة واقعياً”، وعملنا هو اكتشافها وليس صنعها.

يلفت ديفيز الانتباه إلى حقيقة أن قوانين الطبيعة التي تحكم الظواهر لم يتم استخلاصها من خلال الملاحظة المباشرة، وإنما تم استخلاصها من التجارب والحسابات الرياضية. القوانين كتبت بشفرة الكون بحيث أن على العلماء التنقيب لفك “رسالة الطبيعة”، رسالة الله وليست رسالتنا”. السؤال الملح كما يقول ديفيز ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

– من أين جاءت الحياة؟

– لماذا لدينا هذه القوانين وليس حزمة أخرى من القوانين؟

– كيف لنا أن نمتلك مجموعة من القوانين التي تحول غازات ساكنة إلى حياة ووعي، وذكاء؟

هذه القوانين “تبدو مبدعة ومحكمة كما يقول بعض المعلقين، ومنها نشأت الحياة والوعي”. ويخلص ديفيز إلى أن هذه “الطبيعة المفتعلة للوجود الفيزيائي بالنسبة لي مجرد معطى، وهي تشير إلى معنى أعمق للوجود”. هذه الكلمات من قبيل الغاية والتصميم – كما يقول ديفيز – تبين بنحو غير كامل ما عليه الكون، “ولكن لا بد أنها تحكي عن شيء ما، ولا شك في ذلك مطلقاً”[25].

في كلمته في حفل تمبلتون لاحظ جون بارو، بأن التعقيد غير المتناهي والبنية الرائعة للكون محكومة بقوانين قليلة بسيطة متماثلة وواضحة. في الحقيقة، “هناك معادلات رياضية، تتمايل على الورق، تخبرنا كيف يسلك هذا الكون بأسره”. على غرار ديفيز، رفض بارو فكرة أن نظام الكون تم رفضه من عقولنا. وعلاوة على ذلك، فإن “الانتخاب الطبيعي لا يتطلب فهم الجسيمات الأولية quarks والثقوب السوداء التي تحمل من أجل بقاءنا على قيد الحياة وتكاثرنا”.

يلاحظ بارو أن هناك في تاريخ العلم نظريات جديدة توسع أو تعيد صياغة نظريات قديمة، على الرغم من أن نظرية نيوتن للميكانيكا والجاذبية قد تم استبدالها بنظرية أينشتين وسيعقبها نظرية أخرى في المستقبل، لكن بعد ألف سنة ما زال المهندسون حالياً يعتمدون على نظريات نيوتن. وبالمثل – كما يقول بارو – فإن التصورات الدينية عن الكون تستخدم التشبيهات والتقريب إلى الأذهان للمساعدة في فهم الأمور النهائية، “إنها ليس الحقيقة الكاملة، ولكن ذلك لا يمنع من كونها جزءًا من الحقيقة”[26].

صانع القوانين الإلهي

The Divine Lawmaker

قلة من الفلاسفة كتبوا عن المصدر الإلهي لقوانين الطبيعة. في كتابه “الصانع اللاهوتي: محاضرات في الاستقراء، قوانين الطبيعة، وجود الإله” ادعى الفيلسوف الأكسفوردي جون فوستر John Foster وجود اطرادات regularities في الطبيعة، ورغم قدرتنا على وصفها، إلا أن أفضل من يفسرها هو العقل الإلهي. إذا كنت تقبل فكرة وجود قوانين، فلا بد أن يكون هناك اطراد في الكون. من هو الفاعل (أو الفاعلين) الذي قام بذلك؟ يرى فوستر أن الخيار التوحيدي هو الخيار الوحيد الجدي كمصدر، ولذلك “فإن هناك ما يبرر الاستنتاج بنحو عقلاني بأن الإله – إله الوحدانية – هو الذي خلق القوانين من خلال فرضه الاطرادات على العالم بوصفها اطرادات”. وحتى لو كنت تنكر وجود قوانين، فإن هناك ما يؤيد تفسير الاطرادات استناداً إلى الله”[27].

في رده على نقد دوكنز لحجته في الغائية، قدم سوبنبيرن رؤية مشابهة: “ما هو قانون الطبيعة؟ (وهذه مسألة لم تواجه أي من نقادي). أن تقول بأن هناك قانوناً طبيعياً هو أن تقول أن كل الأجسام تسلك بنحو معين (مثال: تنجذب إلى بعضها البعض وفقاً لمعادلة معينة)، وهذا بالنسبة لي كأنك تقول أن كل جسم في الطبيعة الضرورية يتصرف بهذه الطريقة (مثال: أن ينجذب كل جسم ما في طريقه)، ولعله أكثر بساطة أن نقل أن هذا التناغم مصدره كيان واحد جعل هذه الأجسام تسلك بهذه الطريقة بدلاً من افتراض أن كل الأجسام تتصرف بطريقة معينة بحكم حقيقة نهائية عمياء”[28].

الحجة المركزية لسوينبرن هو أن الإله الشخصي مع صفاته التقليدية التي له يقدم لنا شرحاً أفضل لعمل قوانين الطبيعة. رفض ريتشارد دوكنز هذه الحجة على أساس أن الإله كحل هو معقد جداً لشرح الكون وقوانينه. هذا الكلام صدمني باعتباره شيئاً غريباً أن تقول ذلك عن تصور كائن روحي على كل شيء قدير. ما هو المعقد في فكرة الإله كامل القدرة وكامل المعرفة، وهي الفكرة التي لبساطتها تم استيعابها من قبل أتباع الأديان الثلاثة العظيمة: اليهودية والمسيحية والإسلام؟ وقد علق بلانتينغا مؤخراً على كلام دوكنز، بالإشارة إلى أنه وفقاً لتعريف دوكنز الخاص، الإله بسيط – ليس معقد – لأنه روح، وليس جسماً مادياً، وبالتالي ليس له أجزاء.

بالعودة إلى مثال التلفون الفضائي الذي طرحته في الفصل السابق، نجد أن قوانين الطبيعة تمثل مشكلة للملحدين لأن صوت العقلانية يسمح من خلا آليات المادة Mechanisms of matter. كتب بول ديفيز “العلم يقوم على فرضية أن الكون عقلاني ومنطقي على كافة المستويات”. وديفيز هو أكثر مفسري العلم الحديث تأثيراً في العصر الراهن، كتب قائلاً: “يزعم الملحدون أن قوانين الطبيعة توجد دون منطق، وأن الكون مناف للعقل. وأنا كعالم، أجد صعوبة في قبول ذلك، يجب أن يكون هناك أساس عقلاني غير متغير يقوم عليه هذا الكون المنظم والمنطقي”[29].

هؤلاء العلماء الذين يشيرون إلى عقل الإله لا يقدمون مجرد سلسلة من الحجج أو عمليه استدلال منطقية. ولكنهم يقدمون رؤية للواقع تنبثق من جوهر تصورات العلم الحديث وتفرض نفسها على الذهن العقلاني. وهي الرؤية التي أجد شخصياً أنها مقنعة ولا يمكن دحضها.

[1] Stephen Hawking. A Brief of Time (New York: Bantam, 1988), 175, 174.

[2] Gregory Benford, “Leaping the Abyss: Stephen Hawking on Black Holes, Unified Field Theory and Marilyn Monroe, “Reason 4.02 (April 2002): 29.

[3] كان هذا هو موقف الفيزيائي هوكنج السابق، ولكن بعدما نشر كتابه الأخير “التصميم العظيم” The Grand Desing الذي حاول فيه تفسير نشأة الكون دون الحاجة لافتراض وجود إله تغير موقفه بنحو واضح، ترجم كتابه الجديد أيمن أحمد عياد، دار التنوير، بيروت، 2013.

[4] Albert Einstein, quoted in Timothy Ferris, Coming of Age in the Milky Way (New York: Morrow, 1988), 177.

[5] Antony Flew, God and Philosophy (New York: Dell, 1966), 15.

[6] Max Jammer, Einstein and Religion (Princeton, NJ: Princeton University Press 1999), 44.

[7] Jammer, Einstein and Religion, 45.

[8] Jammer, Einstein and Religion, 45-46.

[9] الإله الشخصي هو شخص كالإنسان، لكن من دون جسم، ويتفوق عليه في صفاته الكيفية والكمية.

[10] Jammer, Einstein and Religion, 48.

[11] Jammer, Einstein and Religion, 150-218.

[12] Jammer, Einstein and Religion, 148.

[13] Albert Einstein, Letters a Maurice Sclovine reproduits en tacsimile et traduits en trancais (Paris: Gauthier-Vilars, 1956), 102-3.

[14] Jammer, Einstein and Religion, 93.

[15] Albert Einstein, The Quotable Einstein, ed, Alice Calaprice (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2005), 195-6.

[16] For the most part, these quotations are taken form Roy Abraham Varghese, The Wonder of the World (Fountain Hills, AZ: Tyr, 2003).

[17] Werner Heisenberg, Across the Frontiers, trans. Peter Heath (San Francisco: Harper & Row, 1974), 213.

[18] Werner Heisenberg, Physics and Beyond (San Francisco: Harper & Row, 1971), excerpted in Timothy Ferris, ed, The World Treasury of Physics, Astronomy and Mathematics (New York: Little, Brown, 1991), 826.

[19] Erwin Schrodinger, My View of the World (Cambridge: Cambridge University Press 1964). 93.

[20] الشكوكية أو مذهب الشك هو اتجاه فلسفي يقول بأن المعرفة الحقيقية في حقل معين هي معرفة غير محققة أو مؤكدة.

[21] الدوغماتية (أو الدوغمائية) هي التعصب لفكرة معينة من قبل مجموعة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل ينقضها لمناقشته أو كما هي لدى الإغريق الجمود الفكري. وهي التشدد في الاعتقاد الديني أو المبدأ الأيديولوجي، أو موضوع غير مفتوح للنقاش أو للشك. يعود أصل الكلمة إلى اليونانية ## والتي تعني “الرأي” أو “المعتقد الأوحد”.

[22] Max Planck, Where is Science Going? Trans. James Murphy (New York: Norton 1977), 168.

[23] Paul A. M. Dirac, “The Evolution of the Physicist’s Picture of Nature” Scientific American 208, no 5 (May 1963). 53.

[24] Charles Darwin. The Autobiography of Charles Darwin 1809-1882. Ed. Nora Bartow (London: Collins, 1958). 92-3.

[25] Paul Davies, Templeton Prize Address, May 1995, http://aca.mq.edu.au/paulDavies/prize_address.htm. See also Davies’s “Where Do the Laws of Physics Come From?” (2006). .

[26] John Barrow, Templeton Prize Address, March 15, 2006. .

[27] John Foster, The Divine Lawmaker: Lectures on Induction, Laws of Nature and the Existence of God (Oxford: Clarendon. 2004). 160.

[28] Richard Swinburne, “Design Defended,” Think (Spring 2004): 14.

[29] Paul Davies, “What Happened Before the Big Bang?” in God for the 21st Century, ed. Russed Stannard (Philadelphia: Templeton Foundation Press, 2000).

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

يبقى أن سارتر لم يستطع أو لم يشأ أن يميز الإله الحي عن التصورات الصنمية التي يكونها الإنسان عنه، فرفض الله لكي يوجد الإنسان، أو بعبارة أخرى ليكون الإنسان حراً، إذ أن الحرية والوجود هما في نظر سارتر أمر واحد. رفض الله، بالنسبة لسارتر، يطلق حرية الإنسان، لأنه عند ذاك مرغم أن يخلق ذاته وأن يخلق القيم إذ ليس له ما يستند إليه خارج اختياره. بهذا المعنى قال سارتر: “لقد كتب دوستويفسكي: لو كان الله غير موجود، فكي شيء يكون مسموحاً. هذا هو نقطة انطلاق الوجودية. بالفعل كل شيء مسموح إذا كان الله غير موجود، وإذاً فالإنسان متروك لأنه لا يجد لا في ذاته، ولا خارج ذاته إمكانية التعلق بشيء”.

هكذا فحرية الإنسان هي، بنظر سارتر، المرجع الوحيد لكل شيء لم يعد للإنسان نموذج إلهي يعود إليه في تقييم أموره وفي تحقيق ذاته، إنما صار عليه أن “يخترع” ذاته والقيم، وهكذا بقبوله تلك العزلة يبلغ إلى ملء قامته كإنسان ويحافظ على أثمن ما لديه، على تلك الحرية التي هي مرادفة لوجوده.

ولكن ما هي تلك الحرية التي يجعل فيها سارتر كل كرامة الإنسان؟ إنها فراغ ظهر في ملء الكون. إنها “عدم”، يقول سارتر، ويعني بذلك أنها غير موجودة ولكنها مجرد قوة نفي ورفض، بها ينفصل الإنسان عن أوضاعه ليتجاوزها. ولكن يتجاوزها إلى أين وبالرجوع إلى أية مقاييس؟ ليس للحرية مقاييس بنظر سارتر وليس لها ما يستقطبها. إنها لذاتها المقياس والمرجع والهدف الوحيد. لا مبرر لها ولا غاية. تظهر يوماً إلى حيز الوجود ثم تتلاشى كلياً بالموت دون أن يكون لوجودها أو تلاشيها من معنى: “كل حي يولد دون مبرر ويستمر عن ضعف ويموت صدفة”. وهكذا يكون الإنسان “شهوة لا جدوى لها”. إن حريته تعطي للأشياء معاني ولكنها هو ووجوده لا معنى لهما. لذا فالحرية عبء على الإنسان لأنها فراغ دائم عبثاً يفتش الإنسان فيه عن كيانه ليستريح إليه، الإنسان “محكوم عليه بالحرية”.

تلك هي الحرية التي يعطيها سارتر قيمة مطلقة. ولكن فلنتساءل إذا كان مفهومه هذا للحرية يشكل جواباً مرضياً على مشكلة الإنسان. أمران يبدوان لنا عند ذاك، أولهما أن هذا المفهوم للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية، والثاني أنه تشويه وبتر للحرية الحقة.

1 – المفهوم السارتري للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية

 يقول سارتر إن الكون والوجود الإنساني لا معنى لهما ولا مبرر، ولكنه من جهة أخرى يقرر بأن الإنسان في سعي مستمر إلى المعنى وأنه تحديداً كائن يعكي للأشياء ولأعماله معاني. ولكن السؤال الذي يبقى دون جواب في هذا المنظار السارتري هو الآتي: إذا كان الوجود كله، بما فيه الوجود الإنساني، لا معنى له، فمن أين للإنسان ذلك التوق إلى المعنى؟ من أين له تلك الحرية التي همها أن توجد معاني؟ كيف يُعقل وجود تلك الحرية التائقة إلى المعنى وسط عالم لا معنى له بتاتاً؟ من أين أتت تلك الحرية؟ كيف برزت في كون غريب عنها بالكلية؟ هذا ما عبر عنه جان لاكروا بقوله: “إذا كان العالم مجرداً من كل معنى، وإذا كان للإنسان تطلباً للمعنى، فمن أين يأتي هذا التطلب الإنساني، من أين يأتي الإنسان؟”

أضف إلى ذلك أن تقرير اللامعنى في الكون وفي الوضع الإنساني يفترض وجود معنى نحتكم إليه في تقريرنا هذا. فاللامعنى لا يحدد إلا بالنسبة لمعنى يتطلع الإنسان إليه ويصبو. وإلا لقبلنا الوجود على أنه واقع ليس إلا. لكن طالما ان الحرية تنتصب أمام الكون لتحكم عليه بأنه لا معنى، فهذا يفترض أن هناك معنى يستقطبها وإليه تعود في حكمها هذا، وإنها بالتالي لا يمكن أن تكون مجرد فراغ لا مبرر له ولا غاية. هذا ما عبر عنه مثلاً رينه حبشي في مؤلفاته، وقد لخص الدكتور جميل صليبا موقف هذا المفكر فيما يلي: “…. إذا كان الإنسان يدرك ما في وجوده الواقعي من نقص، فمرد ذلك إلى شعوره بالكمال. وإذا كان يدرك المحال المتجلي في حطام الوجود، فمرد ذلك إلى شعوره بإمكان الخروج منه”.

هذا المعنى الذي تسمو به الحرية الإنسانية على الوجود لتقيم بالقياس إليه الوجود لا يمكن أن ينبع إلا من الله، قاعدة الوجود وغايته. لذا فتقرير عبثية الوجود يفترض ضمناً الرجوع إلى ذلك القياس الإلهي الذي تنفيه عبثية سارتر وغيره: تلك هي المفارقة كما بينها مثلاً بول افدوكيموف بقوله: “إن أكبر مفارقة هي أن اليأس في ذروته يعود حتماً إلى المطلق المعلنة استحالته… وفي النهاية غياب الله هو الذي يجعل العالم عبثاً ويائساً، إنه وحده يبرر المواقف القصوى التي تقفها الوجودية… إن الله، ولو سلبياً، يستخدم هنا كمقياس: كل شيء يقيم بالإضافة إلى غياب المعنى الإلهي”.

مجمل الكلام، أن الحرية السارترية بحاجة إلى الله لكي تقرر أن الكون لا معنى له وتنفي بالتالي وجود الله. لذا فالإلحاد السارتري تراوده، شاء أم أبى، فكرة الله، وما تهالكه على نفي الله، كما يتجلى مثلاً في مسرحية “الشيطان والله”، حيث يدوي اسم الله في كل صفحة، سوى محاولة للتخلص من “شبح” ذاك الذي تصور أنه “قتله”.

ثم أن سارتر ينسب للحرية قدرة على أن توجد الإنسان. فالإنسان “ليس في البدء شيئاً. لن يوجد إلا فيما بعد، وعند ذاك يكون كما صنع نفسه… الإنسان هو فقط، ليس كما يتصور نفسه وحسب، بل كما يريد نفسه… ليس الإنسان سوى ما صنع نفسه”. لا شيء إذاً، في هذا المنظار، مفروض على الإنسان. فالحرية تتخطى كل ضغط الأوضاع البيولوجية والاجتماعية والظروف المعيشية، تتخطى ذلك كله لتوجد الإنسان كما يشاء هو أن يكون. فالإنسان صنيعة نفسه، صنيعة حريته وحسب، لا وليد الأوضاع التي وُجد فيها. هذا التأكيد على الحرية الإنسانية، على ما فيه من مبالغة، هو من أنبل مظاهر الفكر السارتري. ولكن التناقض يبدو بين تلك القدرة الخلاقة التي تُنسب إلى الحرية، من جهة، وبين كون تلك الحرية، من المنظار السارتري، مجرد فراغ يبرز لحظة وبلا مبرر في ملء الوجود لكي يتلاشى بالكلية دون أن يكون لوجوده هدف أو غاية. كيف يمكن للفراغ الذي لا معنى له أن يكون خلاقاً وأن يصنع أسمى المعاني وأنبلها؟ إذا كانت الحرية مجرد ثغرة في كثافة الكون، كما يعتبرها سارتر، فأنى لها أن تبدع في الكون وتغير وجه الأرض؟ بالطبع يرفض سارتر الإجابة على هذا السؤال لأن من ورائه سعياً إلى اكتشاف منطق في الوجود، فيما أن الوجود بنظره لا منطق فيه ولا مبرر له. هذا ما يدعوه سارتر في كتابه “الكائن والعدم”، وكأنه يقول: الأمور هكذا لأنها هكذا. ولكن هذا الموقف يشكل انتحاراً للعقل الذي لا بد له أن يفتش عن علة الأشياء. لذا فإذا رأينا أن الحرية تحرر الإنسان من عبودية نواميس الكون وقيوده، وجب علينا أن نفتش عن أصلها خارج الكون وأن نعتبرها مساهمة منحت للإنسان في سيادة سيد الكون ومبدعه. يقول الفيلسوف الوجودي ياسبرز أن من اختبر حقاً حريته وعن تجذره في الله: “عندما نقرر بحرية، ويتخذ كل شيء معناه لنا و…. نمتلك حياتنا، نعي بأننا لسنا مدينين بكياننا لنا وحدنا.

“على قمم الحرية، عندما يبدو لنا عملنا ضرورياً، لا بضغط خارجي صادر عن حتمية طبيعة لا تلين، بل بموافقة كياننا الداخلية… نعي أننا لأنفسنا، في حريتنا، هدية من التعالي. كلما كان الإنسان حقيقة حراً، كلما كان متيقناً من الله. عندما أكون حقيقة حراً، أكون متيقناً بأنني لست هكذا بنفسي”.

وبالمعنى نفسه، وبالاستناد إلى ياسبرز، كتب المفكر الأرثوذكسي بول افدوكيموف: “يجب الاعتراف بعظمة الوجودية التي ركزت كل تفكيرها على الحرية. تلك الحرية، التي هي بداهة أساسية للفكر البشري، تشكل شرط النشاط الإنساني الخلاق. ولكن هذه الوظيفة لا يمكن أن تأتي، إلا، إلا إذا ناقضت نفسها، من العالم، من مجموعات التبعيات والقيود التي تكونه. من البديهي أن الحرية تتعالى على الكون، وأن مصدرها خارج الكون، وأنها تقدم كهبة ملوكية. لذا، ففي فلسفة كارل باسبرز العميقة، الحرية تشير بوضوح إلى الواهب، تشهد بقوة لوجود الله. إن فضل ياسبرز الكبير هو أنه اكتشف في الحرية الإنسانية برهان الوجود الإلهي…”.

الله وحده وطن الحرية الإنسانية. منه تستمد وجودها، ولكنها أيضاً إياه تبتغي لأنها به وبه وحده تحقق ذاتها. الحرية دون الله وهم وسراب. هذا ما بقي علينا أن نوضحه تجاه المفهوم السارتري للحرية.

2 – الحرية السارترية مشوهة، مبتورة

إن المفهوم السارتري للحرية يجعل منها المرجع الوحيد للإنسان، فلا أصل لها تستند إليه ولا غاية تتجه نحوها، إنما تخرج من لا شيء وتذهب إلى لا شيء. وبذلك تفقد تلك الحرية كل معنى، ويفقد الإنسان معها معناه، فيصبح، وهو الذي أراده سارتر موجوداً برفض الله، غير موجود بالحقيقة لأن وجوده لا طائل له ولا هدف. وبذلك تكون تلك الحرية قيداً على الإنسان لأنها أغلقت عليه في عزلة مميتة وحصرته في عدمه ولا معناه.

يجعل سارتر من الحرية قوام الوجود الإنساني، ولكن الصحيح أن أعمق ما في الإنسان هو السعي إلى المعنى، إلى اكتشاف معنى لوجوده ولحريته نفسها. لذا نرى موريس مارلو بونتي، وهو قطب آخر من أقطاب الوجودية الملحدة، يؤكد بأن الإنسان محكوم عليه بالمعنى. ويعلق بول افدوكيموف على هذا التأكيد بقوله: “يقول مارلو بونتي، راداً على سارتر: إن الإنسان ليس محكوماً عليه بالحرية، إنما هو محكوم عليه بالمعنى، وهذا يعني أن محكوم عليه بأن يكتشف معنى الوجود، وقبل كل شيء معنى الحرية نفسها”.

لا حرية حقة إذا كان الإنسان أسير اللامعنى. كيف نسمي حراً ذلك الإنسان الضائع، المبعثر، الذي يحيا دون أن يدرك للحياة معنى؟ إن إنساناً كهذا تائه في صحراء، وهل يُعقل أن نسمي التيه في الصحراء حرية؟ يقول الكاتب الفرنسي الكبير أنطوان دي سان اكسوبري: “هل تدعو حق التيه في الفراغ، حرية؟!”

تلك الحرية الجوفاء وصفها لنا الكاتب نفسه – ولم يكن مؤمناً – كمرض من أمراض الإنسانية المعاصرة. فصورها لنا مثلاً في كتابه الرمزي “الأمير الصغير” بشكل مسافرين يتنقلون في القطار من مكان إلى مكان دون هوادة ودون هدف. فعندما يسأ الأمير الصغير عامل السكة الحديدية عن ركاب قطار مر أمامه: “إنهم مسرعون كثيراً. فإلى ما يسعون؟”، يجيب العامل: “إن رجل القاطرة نفسه يجهل ذلك”. وفي إحدى رسائله كتب سان اكسوبري سنة 1943 واصفاً الإنسانية المعاصرة: “أنا مغتم من أجل جيلي، الفارغ من كل جوهر إنساني… أكره زمني من كل قواي لأن الإنسان يموت فيه عطشاً… هناك مسألة واحدة ليس إلا، مسألة واحدة في العالم، ألا وهي أعادة معنى روحي للناس… لم يعد بوسعنا أن نحيا من البرادات والسياسة والميزانيات والكلمات المتقاطعة… لم يعد بوسعنا أن نعيش دون شعر ولون وحب”. إنه في تلك الرسالة، يلاحظ “اليأس الروحي” الذي ينتاب البشر من جراء فقدان معنى وجودهم و”صحراء الإنسان” التي يتيهون فيها، ويقول: “ليس هناك سوى مسألة، مسألة واحدة: أن يكتشف الإنسان من جديد أن هناك حياة للروح أسمى من حياة الفكر نفسها، وأنها وحدها ترضي الإنسان”.

ضياع معنى الوجود عند الكثيرين في أيامنا يفسر إلى حد ما رواج فلسفة سارتر. لقد بين الطبيب النفسي الشهير رودولف الليرس التجاوب القائم بين تلك الفلسفة من جهة وعجز الكثيرين في أيامنا عن معرفة مكانهم في الوجود، من جهة أخرى، وأضاف: “لم يعد البشر يجدون مكانهم لأنهم لم يعودوا يعرفون ما هم. لا يمكن فهم المحدود إلا بالإضافة إلى اللامحدود. الصورة لا تأخذ معناها إلا كانعكاس الأصل. لكي يفهم الإنسان نفسه، يجب عليه أن يدرك من جديد، وبمجموعة كيانه، إنه مصنوع على صورة خالقه ومثاله”.

إن سارتر يرفض بالضبط أن يكون للإنسان هذا المرجع الإلهي، ولذا فالحرية التي ينادي بها محكوم عليها بأن تخبط خبط عشواء. لا يمكنها أن تستنير بقيم لأنها هي مخترعة القيم. لذا، “فسيّان، يقول سارتر، بين ان يسكر المرء وحده أو أن يقود الشعوب”. نعم لقد حاول سارتر أن يبني مناقبية على تلك الحرية المعتبرة مرجعاً لكل شيء، فقال بوجوب العمل على إقامة نظام سياسي واجتماعي يضمن الحرية للجميع، إذ أن الحرية هي أثمن ما في الإنسان. ولكن أسس تلك المناقبية ضعيفة، إذ ما الذي يمنع الحرية، وهي القيمة المطلقة التي لا مرجع لها سوى ذاتها، من أن تختار تأكيد ذاتها عن طريق التسلط واستعباد الغير. ما الذي يمنعها أن تجد نشوتها، إن شاءت، في تحطيم ومحو ذاتها؟ ما الذي يمنعها أن تعتمد سلوكاً لا إنسانياً طالما هي وحدها ترسم، بقرار منها، الحدود بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني؟

تلك الحرية الفاقدة المعنى، السائرة على غير هدى، إنما هي عبء لا يطاق على الإنسان، لا لكونها تنافي ميله إلى الراحة والطمأنينة وحسب، كما يبدو لسارتر الذي يعتبر قذراً كل من رفض الحرية التي يبشر بها، بل لكونها تناقض أعمق ما في إنسانية الإنسان، ألا وهو عطشه إلى معنى يقيّم به وجوده، معنى يكشف له من هو وما هو مكانه في الكون. فلا عجب، والحالة هذه، أن يحاول الإنسان التخلص من عبء تلك الحرية بانضوائه تحت لواء مذهب شمولي يستعبد نفسه له كلياً، وبخضوعه الأعمى لزعيم سياسي مؤله، مفضلاً طغيانه وارهابه على ممارسة حرية لا طائل لها ولا هدف. هذا بعض ما يفسر نجاح النازية والفاشية والستالينية في عصرنا. إن سارتر نفسه لم ينج من تلك التجربة كما بين بول افدوكيموف بقوله: “إن هاوية الحرية تثير، بشكل غريب جداً، الدوار والغثيان. وكأن لا بد من دفع ثمن الخداع. هذا ما توقعه دوستويفسكي عندما قال إن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحتمل نير الحرية وأن الماركسية تقدم أقصى الإمكانية للتجرد من هذه الهبة الملوكية. أن سارتر يقر بذلك: “لا أصل لشيء، لا يمكنني فكري من أن أبني شيئاً، إذاً لم يعد من حل سو الماركسية” (نقد العقل الجدلي).

إن الحرية، تلك “الهبة الملوكية”، عبء، على كل حال على الإنسان لأنه ينزع إلى الطمأنينة الرخيصة، ولكنها تصبح زوراً لا يحتمل إذا جردت من معناها كما هو الحال في المفهوم السارتري لها. (هذا ما يسميه افدوكيموف “ثمن الخداع”). إن هذا المعنى وحده ينقذ الحرية من فراغها ويجعل منها حرية أصيلة، لا قيداً يضاف إلى قيود الإنسان. لقد قال الرب يسوع: “ستعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32). يقابل بول افدوكيموف تلك الكلمة الإلهية بتأكيد مارلو بونتي على ضرورة المعنى للإنسان، ويقول: “حسب الإنجيل، ما يجعل الإنسان حراً هو الحق أي المعنى”.

هذا المعنى الذي لا بد منه كي تكون الحرية أصيلة، لا يتحقق إلا إذا كانت الحرية تعني تحرير الإنسان من كل أغلاله. أن أكون حراً، هذا يعني، في الأعماق، أن أحطم قيودي وأتخلص من محدوديتي وأحقق ذاتي على أكمل وجه. وإلا لاقتصرت الحرية على اختيار قد يسمح لي بشيء من الشعور بالاستقلال ولكنه يفقد الكثير من معناها إذا بقيت جوهرياً أسير عجزي وفراغي. يقول سان اكسوبري: “ما أسميه حرية هو تحريرك”. أما سارتر، “فالحرية التي يتحدث عنها هي مطلق فارغ، إنها محصورة بالاختيار”.

يقول سارتر إن الحرية مرادفة لجاوز الذات المستمر الذي يتميز به الإنسان. ولكن هذا التجاوز مستقطب، وإلا لما كان. الحرية ليست، كما يتصورها سارتر، مجرد رفض لما هو قائم، هذا هو وجهها السلبي فقط. ولكن الإنسان لا يرفض الوضع الراهن إلا بسبب سعيه إلى الأفضل والأكمل. لا وجود لحرية الإنسان لولا المطلق الذي يستقطبها ويعطي لحركتها المستمرة وقلقها الذي لا ينتهي غاية ومعنى. ولكن ما معنى هذا التجاوز للذات، في مفهومه السارتري، الذي هو أفقي محض وممتد من عدم إلى عدم، من العدم الذي يخرج منه الإنسان إلى العدم الذي ينتهي إليه ويتلاشى فيه؟ ما معنى هذا التجاوز للنفس الذي يبقي الإنسان نهائياً على عزلته وشقائه وشروره وفنائه؟ ما معنى هذا التجاوز طالما الإنسان يبقى أسير ذاته وهزالتها؟

ولكن الإنسان لا ينجو من هزالته إلا بالآخر. هذا ما تثبته لنا الخبرة الإنسانية اليومية. الإنسان يكتمل بالحب، عندما يسلم ذاته لآخر عند ذاك يجد نفسه. الرجل والمرأة يكملان أحدهما الآخر في الحب الزوجي الذي يجمعهما، وكما يقول ميللر “في اللحظة التي يكونان فيها منجذبين خارج ذواتهما إلى أبعد حد، باندفاع الحب، في الحياة الزوجية المشتركة، في تلك اللحظة عينها يحس الرجل والمرأة أنهما يبلغان الحرية الحقة”. كذلك يكتمل الرجل بالأبوة – روحية كان أو جسدية – والمرأة بالأمومة، إذا عاشاها في أصالتها المعطاء. لم ير سارتر في الآخر إلا ذاك الذي يسلبني وجودي، ولم يتصور العلاقة بيني وبينه سوى صراع بين عزلتين. ولكن هذه النظرة القاتمة إلى العلاقات الإنسانية لا تأخذ بعين الاعتبار سوى جزء من الواقع. يقول روبير كوفي: “نعلم أن الإنسان، بالرغم من رغبته، لا يستطيع أبداً أن يتغلب على عزلته بشكل تام، ولكننا نعلم أيضاً بالاختبار أن الشركة ولو كانت محدودة وناقصة، تبقى حقيقة واقعية. نظر الأم يوقظ الحياة والحب. نظر الخطيبة والخطيب والزوج والزوجة والصديق يخلق الآخر… إن سارتر لا يشوه الإنسان وحسب، إنما يبدو جاهلاً للوقائع”. خبرة العلاقات الإنسانية، إن لم نبترها بتحيزنا، تعلمنا أن الآخر ليس هو مجرد تهديد لوجودي، إذ إنني به أوجَد. من هذه الخبرة الإنسانية الأصيلة انطلقت الفلسفة المظهرية الحديثة، لتبين “أن الإنسان لا يكتمل كإنسان إلا في الشركة، إلا في الحياة مع الآخرين. عوض “الأنا” يوجد “النحن”، تجاه “الأنا” يوجد “الأنت” ليعطيه معناه. وهكذا يبدو كيف أن إسلام الذات للآخر هو على خط الشخصية والحرية الحقة”.

هذا صحيح بالأحرى بالنسبة لعلاقة الإنسان بالله، إذا كان الإنسان لا يحقق ذاته إلا الآخر الإنساني، فإنه بالأحرى لا يحقق ذاته إلا بذلك الآخر الإلهي الذي منه يستمد كيانه. رفضه الله يعنى انفصاله عن جذور كيانه وينبوع وجوده. في هذا الانفصال لا يجد إلا العدم وحرية زائفة هي حرية العدم، حرية هي بمثابة انتحار كياني. يقول روبير كوفي: “لقد قتل سارتر الله. النتيجة الطبيعة لذلك هو أنه يؤله الإنسان. إنه يأتي من لا شيء ويذهب إلى لا شيء. إنه ليس سوى ومضة في ليل الأشياء. وفي هذا اللحظة الهزيلة التي تدعى الوجود، عليه أن يمثل أمام الإنسان الذي يقاضيه دون ان يعرفه والذي لا يعرف الرحمة والحب”.

“حرية” الزهرة، لو صح التعبير، ليس بأن تستقل عن الجذع فتذبل، بل أن تتصل به صميمياً، لأنها عند ذاك تحقق ملء وجودها كزهرة. كذلك “حرية” السمكة ليست بأن تخرج من الماء الذي يكتنفها، بل أن تبقى ملازمة له. هكذا، يقول شارل ميللر، فالإنسان “يجد حريته الحقة في عودته إلى القوى التي أعطته الحياة والتي تعطيه إياها باستمرار، في العمق”، ولذا “فالعمل الذي به ينفتح الإنسان إلى النعمة هو بمثابة عمل ذاك الذي بعود فيغطس في الماء المحيي. الزهرة المقطوعة تموت إذا بقيت وحدها، أما إذا غطست من جديد في الماء، فإنها تعد زهرة، تعود إلى أصالتها. العمل الذي يقتبل به الإنسان نعمة الإيمان النوارنية ليس سوى ذلك.” من آمن به، يقول يسوع، تجري من جوفه أنهار ماء حي”.

وجود الإنسان مستمد من آخر، وبعبارة أخرى وجوده نعمة، أي عطية حب، يقول الأب دانيالو: “أنا لست موجوداً إلا لأنني محبوب. ولذا أن أوجد يعني بالنسبة لي أن أحب بدوري، أن أجيب على النعمة بالشكر… منذ البدء أدخلت في دورة الحب، دورة النعمة والشكر. لا يسعني أن أنفصل. لأنني إذا انفصلت أدخل في نطاق…. اللامحدود. إنها لمفارقة جديرة بالاهتمام، إنني بقدر ما أريد الاكتفاء بذاتي أهدم ذاتي، فيما أؤكد ذاتي إذا اعترفت بعد كفايتي”.

على الإنسان إذاً أن يعترف بأنه ليس مصدراً ومحوراً لوجوده وأن يدخل في “دورة الحب” التي ذكرنا. عند ذاك يتقبل الوجود عطية حب من ربه، فيحقق ذاته بذلك الحب المحيي ويبلغ إلى الحرية الحقة. ولكن الإنسان قد يرفض ذلك، لأن “شهوته أن يملك ذاته. إنه يكره… أن يقبل بأن ينال كلياً في كل لحظة من آخر…لهذا السبب فإنه، إذا قاده ثقب نظره الماورائي إلى الاعتراف بأن كل خير آت من الله، يرتضي خطيئته، وبأن كل سعادة آتية من الله، يرتضي شقاءه، وبأن كل كينونة آتية من الله، يرتضي عدمه. لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي لديه لرفض الله، إذا كان كل ما هو كائن آتياً من الله وإذا كان قبول الكينونة اعترافاً بعدم الاستقلال”.

إن سارتر يفضل حرية العدم والفراغ على قبول الوجود من آخر عطية حب مجانية. ولا عجب في ذلك، فمن كان كسارتر لا يرى في الحب البشري سوى العبودية والاستعباد، لا يمكنه أن يفقه شيئاً في سر النعمة، لا يمكنه أن يفهم أن اتجاه الله نحو الإنسان، ذلك الاتجاه الذي شبهه الكتاب، في الأنبياء ونشيد الأنشاد وأمثال الإنجيل ورسائل بولس ورؤيا يوحنا، بالحب الزوجي، إن ذلك الاتجاه يمنح وحده الإنسان الحرية الحقة لأنه وحده يمده بطاقة تمكنه من تحقيق ذاته كلياً.

لقد ميز أوغسطينوس المغبوط بين ما دعاه “الحرية الصغرى”، ألا وهي حرية الاختيار، وما سماه “الحرية الكبرى”، وهي الاتحاد بالله. وقد حدد أحدهم الحرية الحقة بأنها” قدرة على الاختيار في خدمة قدرة على الاكتمال”. ذلك هو المفهوم الكتابي للحرية، تلك الحرية التي أعلنها الكتاب على أنها موهبة الله ودعوته للناس: “فأنتم، أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية” (غلاطبة 5: 13)، “لقد حررنا المسيح لكي ننعم بهذه الحرية: فاثبتوا إذاً فيها ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية” (غلاطية 5: 1). ولكن الحرية، في المنظار الكتابي، لا تتحقق إذا شاءت أن تكتفي بذاتها وتنفصل، بل إذا قبلت بأن تدخل في “دورة الحب” المحيية. الحرية، بنظر الكتاب، لا تنفصل عن حياة الشركة، الشركة مع الله والشركة مع الناس التي تترجم وتحقق الأولى. ولذا فالخطيئة، حسب التعليم الكتابي، عدوة الحرية اللدود، لأنها، تحديداً، تلك الاكتفائية القتالة التي بها يفص الإنسان الشركة ينفصل عن ينبوع وجوده وكيانه، فيجف ويذبل ويصبح أسير عدمه وفراغه.

لذا قال الرب: “إن كل من يعمل الخطيئة هو بعد للخطيئة” (يوحنا 8: 34). لذا أيضاً فبعد أن قال الرسول بولس: “فأنتم أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية”، أضاف: “ولكن لا تجعلوا هذه الحرية قرصة للجسد (أي، في لغة بولس، للإنسان المكتفي بذاته، المنفصل)، بل كونوا بالمحبة خداماً بعضكم لبعض” (غلاطية 5: 13). وكأنه يقول: يجب ألا تقودكم حرية الاختيار (وهي “الحرية الصغرى”) إلى الاكتفائية التي بها تزول حريتكم بالمعنى الكامل لهذا العبارة (وهي “الحرية الكبرى”، تحرر الإنسان من هزالته بدخوله في الشركة الإلهية)، تلك الحرية التي لا تتحقق إلا بالحب. الحرية، في الكتاب، هي ثمر الروح الإلهي الذي به يوجد الإنسان بوبه يتحقق ملء وجوده: “الرب هو الروح، وحيث يكون روح الرب، فهناك الحرية” (2كورنثوس 3: 17).

لذا فرفض الأبوة الإلهية يجعل الإنسان في عزلة وفراغ، أما العلاقة البنوية المعاشة بينه وبين خالق فإنها تمده “بمجد الله” أي بزخم الحياة الإلهية التي بها يتحرر من هزالة وضعف وعزلة وشر وموت. تلك هي الحرية التي حددها الرسول بولس على أنها تحرر من “الخضوع للباطل” ومن “عبودية الفساد”، حرية أبناء الله الذين تحرروا، بتلك البنوة عينها، من المحدودية والشر والموت، فأشاعوا تلك الحرية في الكون كله: “إن الخليقة ستعتق، هي أيضاً، من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله” (رومية 8: 21).

هؤلاء الأبناء متصلون بالله دون أن يكون في ارتباطهم الصميمي به أي أثر للعبودية. ذلك لأن الله ليس كياناً غريباً مفروضاً على كيانهم، بل إنهم به، وبه وحده، يجدون ذواتهم. فالله هو الكائن المتعالي كلياً، ولكنه بآن أقرب إلى الإنسان من ذاته، حتى أن الإنسان لا يقترب من ذاته، الأصيلة، محققاً كل طاقاته، إلا بمقدار اقترابه من الله، من ذاك الذي أشار إليه الشاعر الكبير المعاصر بول كلوديل بقوله: “من هو فيّ أكثر أنا مما أنا”.

الخاتمة

فضل سارتر علينا، في نقده للدين، أنه يساعدنا على التحرر من مواقف دينية زائفة كثيراً ما نخلط بينها وبين الإيمان الأصيل. منها مثلاً ذلك الموقف السلبي في الدين الذي يعطل به الإنسان تفكيره ويتخلى عن كل مبادرة، ادعاء منه بأنه يطيع الله، فيما يكون منقاداً انقياداً أعمى للتقاليد وعوائد بشرية تجنته مشقة تحمل مسؤولياته واتخاذ موقف ملتزم، واع.

منها تلك الجبرية التي بموجبها نستسلم لما ندعي أن الله قد “كتبه” لنا، فنلقي هكذا على الله، أو بالأحرى على صنم نطلق عليه ذلك الاسم المعبود، مسؤولية جبننا وخنوعنا وتخاذلنا. ومنها أيضاً تحويلنا الأخلاق إلى مجموعة من الأوامر والنواهي ننقاد لها بشكل سلبي، أعمى، دون أن نعي ارتباطها الصميمي بمتطلبات كياننا العميقة، فنستعيض عن الضمير الحي، الواعي، الدائم اليقظة والانطلاق، بشريعة ملصقة بنا من الخارج، جامدة، مائتة، خائفة، تجنبنا حرفيتها الضيقة قلق الالتزام الحر وتحمينا من الدخول في مجازفة الحب الذي لا يقف عند حد. ومنها تجنب التفكير في أمور الحقيقة الإلهية (ألا يدعي البعض أن الغوص في شؤون الدين كفر؟)، كأن العقيدة الموحاة وجدت لتعفينا من التفكير، لا لتكون ملهمة ومغذية لفكر حيّ خلاق. ومنها أيضاً تلك الاتكالية التي هي صورة كاريكاتورية عن الثقة بالله والتي يحاول بها الإنسان أن يحمي نفسه من مجابهة الواقع ومن صعوبة وخطر النضال في سبيل تغيير أوضاع تنافي الكرامة الإنسانية.

يقول شارل ميللر بأن هناك نوعا ًمن الاتكال على الله هو طريقة للقبول بمصائب الناس وللحصور على طمأنينة رخيصة، بأن هنا عادة خبيثة تدفعنا إلى تشجيع نفوسنا بقولنا أن كل شيء سيجري على ما يرام، ويضيف: “كل شيء يدعوه سارتر سوء نية، ولكن المسيحي يدعوه خطيئة”. إنه خطيئة لأنه هروب وتخدير ونوم واستكانة أنانية جبانة، فيما تطلب المحبة منا يقظة وشجاعة ومجابهة والتزام: “يسوع في نزاع إلى منتهى الدهر، لذا لا ينبغي أن ننام في هذا الوقت.”

المسيحية، في أصالتها، بعيدة عن الاستكانة بعد السماء عن الأرض. يقول ميللر: “…. إن نعمة الله لا تطالنا (كما يتصور سارتر) بشكل دعوة للاستقالة والانقياد. إنها تدخل فينا بمثابة سيف، تمنعنا من النوم، تلزمنا على يقظة غير منقطة، المسيحي هو الساهر في “ليلة الفصح”، تلك الليلة التي لا ينبغي النوم فيها، إذ يجب ترقب “عبور الرب”.

المسيحية انطلاقاً لا نهاية لها لأنها اندماج الإنسان في الحياة الإلهية التي لا حد لها. من عرف الله حقيقة لا يمكنه أن يقف عند حد، لا يمكنه أن يرضى عن ذاته في حال من الأحوال، بل يحقق ذاته بتجاوز مستمر لذاته. كلما حالو الإنسان الاقتراب من الله، كلما ازداد شعوره ببعده عن ذلك الكائن اللامتناهي الذي يدعوه، وكلما ازداد بالتالي قلقه واشتياقه. هذا ما اختبره بنوع خاص كبار الروحيين: فقد تحدث غريغورس النيصصي مثلاً ذلك الخروج اللامتناهي من الذات نحو غور الله الذي لا يسبر عمقه.

“لقد وصف غريغوروس النيصصي وصفاً بديعاً ذلك اليأس الذي يعتري النفس الساعية إلى الله، التي ترجو في البدء أن تمسكه كله وتغتم لأنها تراه يفلت منها دوماً. ولكن “حجاب الحزن هذا ينزع عنها عندما تتعلم أن التمتع بالمحبوب هو بالضبط في هذا التقدم والارتقاء الدائمين، إذ أن الرغبة تلبى في كل لحظة فتنشئ رغبة بما لم يبلغ بعد” (تعليق على نشيد الأنشاد). هكذا فالنفس التي تنمو في حياة النعمة يملؤها الله دوماً على قدر طاقتها ولكن النعمة المعطاة لها توسع طاقتها وتجعلها قابلة لنعم جديدة. هكذا فالخبرة الصوفية قوامها امتلاك ورغبة بآن… إنها، يقول غريغوريوس، حركة وراحة، بئر مياه حية، ساكنة ومتفجرة بآن”.

يقول النيصصي: “حيث أن الجمال المطلق يكشف ذاته أكثر فأكثر، فعلى قدر التقدم يزداد اكتشاف الألوهة. وبسبب الغزارة الفائقة، غزارة الخيرات التي تكتشفها النفس باستمرار فيما يفوق الطبيعة، يبدو لها أنها لم تزل في أول ارتقائها. لذا يردد الكلمة لتلك التي سبقت فنهضت: “انهضي” ولتلك التي سبقت فأنت: “تعالي”. فإن الذي ينهض حقيقة عليه أن ينهض أبداً، والذي يركض نحو الرب لن يعوزه أبداً الفضاء الواسع ليتابع فيه جريه الإلهي. لأنه ينبغي للمرء أن ينهض دوماً وألا ينقطع أبداً عن الاقتراب ركضاً. لأن الذي يقول: انهض وتعال، يمنح فيك كل مرة نعمة ارتقاء أفضل”، وأيضاً: “والذي يرتقي لا يتوقف أبداً، بل ينطلق من يده إلى بدء، ماراً ببداءات لا تنتهي أبداً”.

الحياة الروحية خروج مستمر، السلاح دائم عن الذات تتحقق به الذات، لأنه انسلاخ عن محدوديتنا، كما أن النمو الطبيعي انفصال مستمر عن الأوضاع القديمة وحدودها لبلوغ حياة أوفر وأكمل. ليست محافظة شحيحة، خائفة، على كياننا، بل هي قبول بأن يضيع هذا الكيان لكي يوجد: “من أراد أن يخلص نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها” (متى 16: 25). إنها خروج دائم للنفس من ذاتها لتجد ذاتها في من هو أعظم من ذاتها، كما قال أوغسطينوس: “لقد أخرجت نفسي، سكبت نفسي خارج ذاتها، إن بقيت نفسي في ذاتها لا تستطيع أن تجد إلا ذاتها”.

إنها فصح دائم، والفصح يعني عبوراً واجتيازاً، يعني اقتبالاً لصليب الانسلاخ الدائم عن “الإنسان القديم” (كولوسي 3: 9 ورومية 6: 6) المكتفي بذاته، المرتاح إلى حدوده (كما كان العبرانيون مرتاحين إلى عبودية فرعون، يحنون إليها) لكي نفسح مجالاً (لجدة الحياة) (رومية 6: 4 تتفجر فينا وتحولنا. هذا ما عناه الأرشمندريت الياس مرقص بقوله: “الحياة الروحية حركة فصحية نحو الله والآخرة” ، وقد كتب أيضاً بهذا الصدد: “نحن نطلب الحياة والحياة لنا هي بالضبط تلك الحركة الاشتياقية اللانهائية حو مصدر الوجود”، وأيضاً: “الله فيّ، في الداخل، في الطبيعة نحن لا محدودون كالله، مخلوقون على صورة لا محدودية الله. ولكن الله غير محدود “فعلاً” أما نحن فبالمصير. الوهتنا أن نتحول، أن نصير الله على الدوام. إن كوننا نتغير – نصير – يعطينا أجنحة على حد قول غريغوريوس النزينزي، وهذا مصدر كياننا. إن الخلق لا يزال جارياً بالنسبة لنا وسيزال إلى الأبد. نحن ننال أنفسنا كل لحظو من الله. “أبي حتى الآن يعمل”…

“…. الخروج من الذات هو بالنتيجة رجوع إلى الذات، إلى الروح العميقة التي في الذات تدعونا إلى الآب…”.

أين هذه الحياة الروحية المتحركة دوماً في تجاوز للذات لا متناه من الاستكانة والنوم اللذين يبدوان لسارتر جوهر التدين. غريب حقاً كون سارتر لم يستطع أن يميز بين الحياة الدينية الأصيلة وانحرافاتها. و”كأنه يقول ميللر، لم يقرأ أبداً نصاً انجيلياً واحداً، كتاباً واحداً لأحد الصوفيين”.

يعتقد سارتر أن نظر الله يسمر الإنسان، يجمده، يحول بينه وبين هذا التجاوز المستمر لذاته الذي هو مرادف لوجوده الإنساني الأصيل. هذا ما يبدو مثلاً في رواية “سبل الحرية” حيث نرى دانيال، وهو منحرف جنسياً، يحاول أن يتخلص من مسؤوليته، فيتجه إلى الله ويتصوره “نظراً محدقاً إليه”، فيقنع نفسه بأنه، كما أن الإنسان بنظره إلى الطاولة يحددها على أنها طاولة، ولا يسعها هي إلا أن تتقبل هذه التحديد، هكذا فالله بنظره إليه يحدده على أنه منحرف، على أن هذه طبيعته، ولم يبق له إذاً سوى تقبل هذا التحديد والعمل بموجبه دون أية مسؤولية. “ولكن المؤمن الأكثر فتورة، يقول ميللر، يعلم جيداً أن “نظر الله” هو نظر حب؛ وأنه، عوض أن يجمدنا، دعوة لنا، ضربة سيف تنفذ إلى مفصل النفس والروح لتعيد إلينا شعورنا بالمسؤولية، لتوقظ فينا حرية ماتت بالخطيئة”. هذا النظر الإلهي تجلت لنا نوعيته في يسوع المسيح.

يروي لنا الإنجيلي مرقص أن إنساناً أتى إلى يسوع سائلاً عما يجب أن يعمله ليرث الحياة الأبدية، “فحدق إليه يسوع، وأحبه؛ وقال له: “أمر واحد ينقصل: امض وبع كل ما لك، وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء؛ ثم تعال اتبعني” (مرقص 10: 20). هكذا كانت نظرة يسوع إلى هذا الشاب؛ نظرة الحب الذي يوقظ المحبوب إلى حياة أوفر وأغنى، ويفتح أمامه آفاقاً لا حد لها، آفاق تحقيق ملء الوجود بتجاوز كل امتلاك، لأن الإنسان مملوك مما يملكه، اسير ممتلكاته وخيراته التي تشده إليها وتحصره فيها وتحول دون تفجر طاقة الحب التي بها، وبها وحدها، يحيا ويحقق ذاته.

قضيتنا مع الله ليست أنه يريد تقييدنا وتجميدنا فيما نحن نثور لندافع عن حريتنا المهددة. الواقع هو العكس تماماً. فهمّ الله أن يوقظنا إلى أبعد حد؛ دعوته الدائمة إلينا أن نتجاوز ذواتنا لانهائياً بتلك الحياة الإلهية، حياته، التي يبثها فينا إن شئنا أن نتقبلها. همه أن يعطينا ذاته لكي نتجاوز كل الحدود ونصبح آلهة، وبذلك نصبح حقيقة أحراراً.

الله طموح بالنسبة إلينا فوق ما نستطيع أن نتصور: “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه” (1كورنثوس 2: 9). ولكننا نحن نرهب هذا الطموح. ذلك أن الحرية الحقة هي تحرر من محدوديتنا، أما نحن فنطمئن إلى حدودنا، لا نريد أن نتغير جذرياً، لا نريد أن نتجاوز حدود هذا الأنا الضيق المألوف الذي نرتاح إليه، لا نريد أن نتسع إلى اللانهاية.

نرهب الحرية لأنها مقلقة، خطرة، كمن يبقى على الشاطئ لأنه لا يجرؤ على خوض عرض البحر واكتشاف عوالم جديدة. نحن في النهاية نرفض الله أو نستعيض عنه بصنم ندعو باسمه (وهذا أيضاً مظهر من مظاهر الرفض)، لأننا نرفض الحرية التي يدعونا إليها، تلك الحرية التي هي بآن انسلاخ جذري عن الذات. وتحقيق للذات بما يفوق الوصف. نرفض الله لأننا نخاف أن نتحول إلى آلهة. هذا ما عبر عنه الأب جان كاردونيل بقوله:

“الله لا يسلمنا هدية. إنه لا يعطينا شيئاً ما، لأن في ذلك ترفعاً، الله يعطينا شخصاً، وهذا الشخص هو شخصه. الله يعطي ذاته. في الصداقة، لا يعطي المرء شيئاً ما، ولكن شخصاً هو شخصه. كثيراً ما يكون إعطاء شيء تعبيراً عن عجز جذري عن إعطاء الذات. لذا فالله يسعى إلى الحوار معنا. الله يريد آلهة.”

“ولكن كوننا مخلوقات تود أن تبقى هكذا لتكون في اطمئنان، يجعلنا نرهب مصيرنا كآلهة. فنشك في كلية عطاء الله. ننسب لله نية مبينة، فنصور أنه لا يهبنا إلا جزءاً من مجاله ويحتفظ بالقس المفضل من ملكه.”

“الله يريد نفسه صديقاً لنا. يسعى إلى حوار الصداقة، اما نحن، فننتظر بكسل أوامر ننفذها. الله يكلمنا كصديق ونحن نجيبه كرعايا….”

“كثيراً ما يتصور المرء الله كأنه الصانع الأسمى. ولكن الله لا يصنعنا، إنه خالقنا. إنه يخلقنا بعدوى كيانية. ينظر إلينا نظرة صداقة، نظرة طموح. إنه يدعونا لنكون، ولتزداد دوماً كينونتنا.”

“الله لا يسيطر علينا، الله يوقظنا….”

“…. الله هو الرب بمعنى أن الموقظ الأسمى. إن مجده يشع ويسطع بقدر ما يكون الناس أكثر بلوغاً ورشداً. الله هو الله بقدر ما يكون البشر بشراً….”

خلاصة القول إن سارتر كان مصيباً في مطالبته بحرية الإنسان، في دعوته إلى نبذ كل خنوع وتخاذل واستكانة وإلى تحرير الوجود الإنساني من التبعية الطفيلية ليصبح جديراً ببالغ يتعهد مصيره تعهداً مسؤولاً. لقد كان مصيباً في تشهيره لكل مظاهر التدين الزائف التي تتخذ الله ذريعة للتهرب من المسؤولية والاقدام والالتزام.

لكن الالتباس المريع القائم في فكره حول نوعية علاقة الله بالإنسان، والذي غذته بلا شك تلك المظاهر الزائفة للدين التي ذكرناها، قاده إلى رفض الله وبالتالي إلى بتر الحرية نفسها وتشويهها. قد ردها إلى مظهرها السلبي، جعل منها قدرة على الرفض وحسب، وأفرغها من مضمونها، شأنه في ذلك شأن المراهق الذي يعجز عن تجاوز العناصر السلبية في ثورته ليجعل من تلك العناصر مرحلة في بناء نفسه والكون.

إن الحرية السارترية ترفض، تعارض، تنقد، تهدم، ولكنها لا تستطيع أن تبني شيئاً. إنها أسيرة فراغها. الله وحده يحرر الحرية، شرط أن نعرفه على حقيقته، لا كما تتصوره أهواءنا بل كما كشف ذاته لنا في يسوع المسيح، لا طاغية ومستبداً كجوبيتر “الذباب” بل عطاء كلياً وانعطافاً غير متناه، لا ملغياً وجودنا بل مؤكداّ له بإمداده من وجوده، لا مبطلاً حريتنا بل داعياً إيانا إلى الاشتراك في حريته بالتأله.

عند ذاك، إذا عرفنا أبوة الله، لا تبعية خانقة بل علاقة محيية، موقظة، محررة، استطعنا أن نجمع إلى شدة البالغين (“لا تكونوا اطفالاً مضطربين….”، “كونوا رجالاً، تشددوا….” يقول الرسول) تلك الطفولة الروحية التي يدعو إليها الإنجيل (“إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات”) والتي هي موقف تقبل كياني وانفتاح بي وإسلام حر لذاك الذي به وحده نحقق ذواتنا لأنه أقرب إلينا من ذواتنا.

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

إله الإلحاد المعاصر – توطئة – كوستي بندلي

إله الإلحاد المعاصر – توطئة – كوستي بندلي

إله الإلحاد المعاصر – توطئة – كوستي بندلي

إله الإلحاد المعاصر – توطئة – كوستي بندلي

“الله لم يمت. الله لا يموت، ولكننا نحن نقتله في نفوس الكثيرين من البشر”.

(رويز غيمنين، أستاذ الاقتصاد في جامعة مدريد، في المؤتمر العالمي الثالث لرسالة العلمانيين – روما 1967)

“الله لم يمت. إنه حي الأحياء، ولكن ينبغي أن يموت العديد من الآلهة الكذبة، كي تنقى الطريق إلى قدس الأقداس”.

(إتيان بورن: الله لم يمت، ص15)

“يدعوننا ملحدين، وبالفعل نحن ملحدون بالنسبة لتلك الآلهة المزعومة، ولكننا نؤمن بالإله الحقيقي”.

(القديس يوستينوس الفيلسوف المستشهد نحو 165: الدفاع الأول)

“ألا ينبغي أن نقبل استجواب الالحاد هذا وأن نتبناه إلى حد اكتشاف وجه الصواب في الالحاد، إلى حد اكتشاف أنفسنا ملحدين على نوع ما؟

ملحدين، لأننا نرفض نحن أيضاً، الإله الدركي الإله ملجأ الجهل، إله الفوضى القائمة. وبذلك بالضبط نكتشف أن إلهنا هو الإله الحي، الإله الذي ليس اقتداره سوى… التخلي الكامل عن كل ما يشبه إرادة التسلط، إله تختلف تعاليمه جذرياً عن كل ما يمكن أن نختبره في المستوى الطبيعي. إذ هو تعالي الحب الذي يعطي ذاته كلياً دون رجعة، إله لا يطلب منا أن نرضخ للشر بل تعبر شهادته عن ذاتها على أنها احتجاج ضد الشر وإرادة ملحة بأن تتغير الأوضاع وعطاء ذات كلي حتى التضحية المطلقة في النضال ضد كل ما يسحق الإنسان”.

(ج. تتالسون، في أسبوع المفكرين الكاثوليك 1965)

“لا نبالغ إذا قلنا إن في الأوضاع التاريخية الحالية… الإيمان هو عند ملايين من المسيحيين أساس لإرادتهم في النضال ضد المظالم والاستغلالات. إن الاحتجاج التلقائي ضد عالم ظالم جزء لا يتجزأ من إيمانهم”.

(المفكر الشيوعي روجيه غارودي من الفرز إلى الحوار، ص 116 – 117).

توطئة

من مميزات الإلحاد المعاصر أنه لا يتعرض لوجود الله بحد ذاته بقدر ما يتعرض لعلاقة الله بالإنسان. فوجود الله بحد ذاته أمر لا يهمه كثيراً، لذا نرى الشاعر الألماني هنري هين يتلفظ بتلك العبارات التي رددها فرويد من بعده: “فلنترك السماء للملائكة والعصافير”، والشاعر الفرنسي بريفير يقول: “أبانا الذي في السماوات، ابق فيها”. ما يؤكد الالحاد المعاصر على نفيه هو إذاً علاقة الله بالإنسان، تلك العلاقة التي تجعل للإنسان مرجعاً وغاية غير ذاته. ما يرفضه الالحاد المعاصر بنوع خاص هو أن يستقطب الله وجود الإنسان.

ذلك أنه يعتقد أن الوجود الإنساني يتلاشى ويزول إذا استقطبه وجود آخر، إن الإنسان يضيع في الله. علاقة الله بالإنسان لا يمكن أن تكون، والحالة هذه، سوى علاقة استعباد لا ينجو الإنسان منه إلا بنضال عنيف ضد فكرة الله إلى أن يتسنى له استئصالها من نفسه ومن نفوس الآخرين. لذا فالإلحاد المعاصر هو رفض لله أكثر مما هو نفي لوجوده، إنه موقف إرادي أكثر مما هو عملية عقلية صرفة، ولذا يتخذ شعاراً له تمرد بروميتيوس على جوبيتر كما ترويه الأساطير القديمة.

ويرى الإلحاد المعاصر أن الإنسان، برفضه الله مرجعاً وقطباُ لوجوده، يجد نفسه، لأنه يتحرر من تلك الأوهام التي كانت تحول بينه وبين تحقيق ذاته على أكمل وجه، تلك الأوهام تنبع، يقول الإلحاد المعاصر، عن أهواء الإنسان ومخاوفه، فتتخذ وجهاً إلهياً وتنقلب على الإنسان لتستعبده. لذا فرفض الله يصبح في هذا المنظار انتقالاً من الوهم إلى الحقيقة، من الخوف إلى الاقدام، من الجمود والاستكانة إلى الحركة الخلاقة، من العبودية إلى الحرية، من الأنانية إلى العطاء. كثيراً ما كان الإلحاد القديم يتخذ وسيلة للانفلات الخلقي، أما الالحاد المعاصر فإنه يتخذ طابعاً مناقبياً وينصب نفسه مدافعاً عن القيم الخلقية مدعياً أن الإيمان بالله إنما هو دوس لها.

هاتان الميزتان اللتان يتصف بهما الإلحاد المعاصر، أي طابعه الإرادي وطابعه المناقبي، سوف نجدهما في موقفين يمثلان وجهين هامين من وجوه الإلحاد الحديث، ألا وهما الإلحاد الماركسي والإلحاد الوجودي (وهو الوجه الملحد للوجودية). هذان الموقفان هما موضوع هذه الكتاب الذي ليس هو إذاً بحثاً شاملاً في الماركسية والوجودية، إنما هو تحليل للإلحاد الماركسي من جهة ولإلحاد أحد أقطاب الوجودية (التي لها أيضاً أقطاب مؤمنون) ألا وهو سارتر، من جهة أخرى.

سنحاول بعد عرض موقف كل من هذين الإلحاديين أن نجيب على سؤال وجيه، ألا وهو: هل استطاعا أن يستغنيا عن الألوهة وأن يوجدا الإنسان بمعزل عنها؟

ولسوف نرى أن الماركسية لم ترفض الله إلا لتضفي صبغة الألوهة على المادة والتاريخ، فتجعل منهما صنمين ينقلبان على الإنسان ليحطا من كرامته ويسحقاه؛ فالإنسان الذي يسود المادة بعمله البروميتي ليس هو، ويا للغرابة، في هذا المنظار، سوى وليد مادة مؤلهة، والتاريخ الذي هو من صنع الإنسان وفي خدمته يصبح ساحقاً للإنسان الراهن مستخدماً إياه “كفحم في قاطرته”.

أما الإلحاد السارتري فقط كان أكثر منطقية مع منطلقه إذ ذهب في انكار الله إلى أقصى نتائجه، فأكد بأن الإنسان “شهوة لا جدوى لها” وأن لا مبرر لوجوده، وأن كنزه الوحيد، ألا وهو الحرية، فراغ ولا معنى. ولكنه هو أيضاً، بإضفائه صفة الإطلاق على تلك الحرية الجوفاء، أوجد صنماً يتعبد به الإنسان لفراغه، فيصبح أسير هذا الفراغ. هكذا لم يرفض هذان الإلحادان الله باسم الإنسان إلا ليستعيضا عنه بأصنام تسحق الإنسان، فضلاً عن أنها عاجزة عن الجواب عن السؤال الجذري الذي يطرحه الإنسان على نفسه، وهو سؤال الأسئلة، السؤال عن معنى حياته وموته.

الإلحاد المعاصر “بيت منقسم على نفسه” كما يقول إتيان بورن. ويستلهم المفكر النهج الذي سلكه باسكال في معالجة فلسفتين كانتا تتجاذبان الأفكار في عصره، فيقابل الشطط الكامن في كل من الإلحادين المعاصرين اللذين نحن بددهما بالصواب الكامن في الآخر.

بهذه الروح عينها يمكن القول بأن الماركسية مصيبة في رفضها اللامعنى الذي تنادي به السارترية وبتأكيدها بأن الوجود والتاريخ لهما معنى ويستقطبهما تحقيق مطلق لإنسانية الإنسان: فاللامعنى نفسه لا يحدد إلا بالنسبة لمعنى يستقطبنا ونقيس به الأشياء. ولكن السارترية بدورها مصيبة في تبيانها أننا، إذا شئنا أن نذهب إلى أعماق الأمور، فالوجود الإنساني بدون الله لا معنى له؛ وبالفعل فإن انتصار الإنسانية الذي تتغنى الماركسية به ملحمياً جاعله منه قمة التأريخ وهدفه يفقد معناه طالما أن التاريخ وحده لا يسعه أن يحرر الإنسان من العزلة والشر والموت. هكذا فالإنسان كائن ذو معنى، يسير نحو المطلق (تلك هي حقيقة الماركسية) ولكنه عاجز أن يحقق هذا المعنى بنفسه (تلك هي حقيقة السارترية). وإذا ترجمنا ذلك بلغتنا المسيحية نقول: إن الإنسان مخلوق على صورة الله ومدعو للتأله، ولكنه ليس الله ولا يحقق ذاته إلا الله.

الله وحده قادر إذاً أن يزيل متناقضات الإلحاد المعاصر وأن يجمع ويؤلف ما فيه من حقائق مبعثرة. ذلك أن حقيقة كل من الإلحادين ترد إلى الألوهة التي رأت الماركسية أثرها ولاحظت السارترية غيابها الظاهري في الكون. ولكن شططهما ناتج من كون الماركسية رأت الأثر فوقفت عنده، وبأن السارترية لم تفقه بأن غياب الله الظاهري إنما هو عائد إلى تعاليه وإلى احترامه لاستقلال الكائنات ولحرية الإنسان. حقيقة كل من الالحادين ترد إذاً إلى الله الذي يستقطبهما من حيث لا يدريان وشططهما كامن في رفضهما لله.

هنا يفرض علينا هذا التساؤل؛ من هو الإله الذي رفضه كل من ماركس وسارتر؟ لقد كبت جان بارو، وهو كاهن شاب أتى إلى الإيمان بعد أن ترعرع في بيئة ملحدة، كتب في مذكراته “إيمان وثني” ما يلي: “ذات يوم كنت، كما تسنح الفرصة لي مراراً، أناقش عدة مفكرين ملحدين… كانوا ينكرون الله وأنا أصغي إليهم. ولكنني كنت أحس بشعور غريب، شعوري بأنني اوافقهم كلياً في نكرانهم، ومع ذلك، لم أكن البتة منكراً لإيماني. تركت السهرة تنتهي على هذا المنوال، ولكنني كنت مشغول البال بسبب موقفي هذا: لو لم أزل في عهد المدرسة الاكليريكية، كنت ناضلت، حاججت، ناقشت الأمور نقطة نقطة. فما الذي جرى إذاً؟ لقد أدركت فيما بعد أسباب لامبالاتي: لم يكن إلهي ذلك الإله الذي كانوا يحطمونه أمامي؛ لم يكن إله يسوع المسيح؛ لم يكن سوى صورة كاريكاتورية؛ لم يكن سوى صنم: وكان هذا التقليد لا يطاق بالنسبة لي كما كان بالنسبة لهم! إيماننا كان “آخراً”.

بالفعل إذا تفحصنا صفات ذلك الإله الذي ينكره الإلحاد المعاصر وجدناه إلهاً يذل الإنسان، يقيده، يعميه، يسحقه، يحكم عليه بالسلبية والجمود والخنوع وبطفولية أبدية. إنه إله لا يستمد عظمته إلا من ضعف الإنسان وجهله وذله. ولكن أين هذا الإله من ذاك الذي كشف لنا ذاته في وجه يسوع المسيح، فظهر لنا محبة محيية، محررة، موقظة، مؤلهة؟

بعد تلك المقابلة يتبادر لا محالة إلى ذهننا هذا السؤال: كيف أمكن للإلحاد المعاصر، وقد ظهر في بيئة مسيحية، أن يرى صورة الله مشوهة بهذا المقدار؟ قد يكون لهذا السؤال جوابان.

أولهما أن نزعة الإنسان إلى الاكتفاء بذاته تحدو به إلى رفض كل مرجع وأصل له خارج ذاته، عندئذ لا بد لموقف الرفض هذه أن يصور الله بصورة الطاغية المستبد، كما أن رفضنا لإنسان ما يصور الله بصورة الطاغية المستبد، كما أن رفضنا لإنسان ما يصور لنا هذا الإنسان بأبشع الألوان. ولكن هناك سبباً آخراً قد يكون السبب الجوهري، ألا وهو ان تلك الصورة البشعة التي كونها الإلحاد المعاصر عن الله إنما وجدها في أذهان المسيحيين، فنقلها عنهم ليرفضها، وبعبارة أخرى إننا نحن معشر المسيحيين أوجدنا إلى حد بعيد هذا الصنم الذي يرفضه الملحدون مسمين إياه الله كما نسميه نحن. الحق يقال إن الإله الذي يعبده المسيحيون بعد في كثير من الأحيان وبمقادير مختلفة عن إله يسوع المسيح. هذا ما سيحاول هذا الكتاب أن يبينه.

ولكن ما هو أصل ذلك الصنم أو بالأحرى تلك الأصنام التي كثيراً ما تحتل في تديننا مكان الإله الحي؟ يبدو لي أنه يمكن ردها إلى مصدرين: تصورات الإنسان وأهوائه. فمن جهة لا بد للإنسان أن يتصور الله بالانطلاق من خبرته الإنسانية وعلى ضوئها، هذا أمر طبيعي ومشروع لأن كل ما في الكون إشارة إلى باريه، ولكن الشطط يبدأ عندما يخلط الإنسان بين الإشارة وما تشير إليه، بين الرمز والمرموز إليه، فيؤله تصوراته عوض أن يتجاوزها باستمرار، كما يدعوه الكتاب والتقليد المسيحي كله، في موقف متعبد، خاشع، في صمت الذهول والحب أمام الحضرة الإلهية التي تفوق كل وصف وتصور.

أما التعليل الثاني لأصنام الله فهو كون الإنسان معرضاً دوماً أن يكوّن عن الله صورة ترضي أهواءه وتبررها، فينحدر بالله إلى مستوى أنانيته ومطامعه ومخاوفه عوض أن يتجاوز أهواءه ويصعدها في خط الله. يلاحظ الفيلسوف المسيحي المعاصر كلود تريمونتان أن ما يكرهه الإله القدوس الذي نادى به الأنبياء، ارتكب في التاريخ باسم الله: “إن التقتيل والتعذيب، واستغلال الإنسان للإنسان، والعنصرية، والقومية الصنمية، كل ذلك، كما هو معلوم، غُطي باسم الله…. ليس الاسخريوطي فرداً وحسب. إنه جحفل. فالخيانة بقبلة هي، عبر الأجيال، النصيب الدائم “للحق الوديع المصلوب”…. هذا ما يفسر إلى حد بعيد الاشمئزاز الذي يثيره اسم الله في نفوس أفضل الملحدين وأبرهم”.

هكذا يتضح أن للإلحاد المعاصر وجهاً إيجابياً. حقيقته كامنة في الشهادة النبوية، التي يؤديها من حيث لا يدري، لوحدانية الله، تجاه كل التصورات الصنمية التي تحدره إلى مستوى تصورات الإنسان وأهوائه. أنه برفضه الأصنام يسعى ضمناً نحو المطلق الإلهي، وباحتجاجه ضد كل خيانة للحقيقة والعدالة ترتكب باسم الله يشهد ضمناً لذاك الذي هو الحق والعدل المنزهان عن كل شائبة. مجمل الكلام أن للإلحاد المعاصر دوراً في تنقية الإيمان، لا بل يمكننا القول أنه، كما أن الإيمان الزائف إنها هو إلحاد عمل لأنه يزيح الله باسم الله، هكذا فالإلحاد، بالعكس، يقترب، على قدر أصالته، من الإيمان الحق. بهذا المعنى كتب دوستويفسكي، هذا المؤمن الذي استطاع أن يسبر أعماق الإلحاد: “إن الإلحاد الكامل يقف في أعلى السلم، على الدرجة قبل الأخيرة قبل الإيمان الكامل”.

لذا يجب أن يكون موقفنا من الإلحاد المعاصر موقف اصغاء لنتعلم منه ما التصورات الصنمية التي تركناها، ولا تزال تتسرب إلى إيماننا. علينا أن ننفتح بإخلاص إلى نقده القاسي عله يردنا إلى أصالة الإيمان. ولكن الإيمان يستجوب بدوره الالحاد المعاصر معاتباً إياه على خلطه بين الإله الحق وأصنام الله، داعياً إياه، في تحطيمه للأصنام كلها، ألا يستثني منها ذلك الصنم الرهيب، صنم اكتفائية الإنسان التي تحول بينه وبين اسلام ذاته للمطلق الذي يستقطبه، تلك الاكتفائية الي هي أصل الأصنام كلها سواء جُعلت هذه في السماء أو على الأرض. الإيمان يدعو الإلحاد المعاصر إلى عدم التوقف في منتصف الطريق، إلى تجاوز سلبيته بالاعتراف بهذا الإله الحق الذي، إن رفض الملحدون أصنام الله، فبالقياس إلى صورته الكامنة في أعماقهم. هذان الموقفان المتكاملان: تنقية الإيمان بالإلحاد وتجاوز الإلحاد بالإيمان، هما قطبا هذا الكتاب.

مجمل ما يتهم به الإلحاد المعاصر الإيمان تحقير الخليقة عامة الإنسان بنوع خاص. إن في هذا الاتهام التباساً رهيباً يحمل المؤمنون قسطاً كبيراً من مسؤوليته. فالإلحاد المعاصر هو إلى حد بعيد جواب على هذا الإله القائم في أذهان الكثيرين منهم والذي قال عنه غبريال مارسيل: “هذا الإله المنتصب ضد المخلوق وكأنه محسود من أعماله، ليس في عيني سوى صنم”. لقد كتب الأب كونغار واصفاً هذا الالتباس الذي ذكرناه: “من المعلوم أن الالحاد المعاصر…. كثيراً ما لا يكون انكاراً لله إلى بصورة جانبية، أما مباشرة فهو تأكيد للإنسان، لمتطلبات حريته، لعظمة قصده. إن كل مسيحي واع لما هي المسيحية الحقة لا بد له أن يشتبه بوجود سوء تفاهم هائل ومأساوي كامن وراء هذا الموقف. لا يمكن لأحد أن يطالب بالإنسان ضد الله، أو أن يطالب بالله ضد الإنسان إلا إذا كان يجهل التوراة كلها.

فإن هذه لا تحدثنا أبداً عن الله دون أن تحدثنا عن الإنسان أيضاً: إنها اعلان “تدبير” وعهد، ويبلغ هذا الإعلان ذروته في يسوع المسيح الذي به اتحد الله نهائياً بالإنسانية وبواسطتها بالعالم. ولكنه صحيح أن المسيحيين نسوا أحياناً معن ذلك الذي كانوا يعتقدون به ويعيشونه. فقد قدموا الديانة أحياناً وكأنها تقتصر على عبادة الله دون الاهتمام بما يخص الإنسان والتاريخ والكون. الإلحاد ير على ذلك بتأكيد إنسان وتاريخ وكون دون الله”.

تجاه هذين الصنمين، صنم الإله الذي يلغي الإنسان والصنم الآخر الذي أوجده الإلحاد المعاصر ليقابل به الأول، ألا وهو صنم الإنسان الذي يلغي الله مضفياً صفة الإطلاق على اكتفائيته، تجاه هذين التجريدين الرهيبين، الله دون الإنسان أو الإنسان دون الله، اللذين يمزقان رجاء الإنسانية في الصميم، على حد تعبير الأب غان، نتمسك نحن بديانة الإله المتجسد الذي شاء أن يربط مصيره بهائياً بالإنسان. لذا فجوابنا على الإلحاد المعاصر من جهة، وعلى انحرافات الإيمان من جهة أخرى، يمكن تلخيصه بتلك العبارات الصادرة عن أحد آباء الكنيسة العظام، مكسيموس المعترف الذي عاش في القرن السابع، واحتمل قطع يده ولسانه ومات منفياً لأنه أراد أن يحافظ على عقيدة التجسد كاملة، غير منقوصة، تجاه أباطرة عصره. فقد كتب هذه الشاهد الأمين للإله المتجسد:

“…. الله والإنسان يتخذ كل منهما الآخر نموذجاً، فالله يتأنس من أجل الإنسان، بدافع حبه للإنسان، بقدر ما يتقوى الإنسان ويتحول إلى إله من أجل الله….”

“الإنسان يصبح إلهاً بقدر ما يصبح الله إنساناً، لأن الإنسان يُرفع بارتقاءات إلهية بقدر ما أفرغ الله ذاته بداعي حبه للناس فبلغ دون تحول إلى أقاصي طبيعتنا”.

 

إله الإلحاد المعاصر – توطئة – كوستي بندلي

الالحاد والعلموية scientism

الالحاد والعلموية scientism

الفيلسوف وليام كريج William Craig يُعرف مصطلح “scientism” وهو الرأي القائل اننا نؤمن فقط بكل ما يمكن ان يتم اثباته علمياً، وبعبارة اخري. ان العلم هو المصدر الوحيد للمعرفة والحكم الوحيد للحقيقة ” (1)

وهذا الامر مصدق عند الغالبية العظمي من الملحدين. (فهؤلاء لا يعرفون الانعكاسات المترتبة على مفهوم scientism بل دون بحث وتمحيص يأخذون كلام من اخرين امثال دوكينز وغيره دون علم) في المناظرة القائمة بين وليام كريج من الطرف المسيحي و Peter Atkins من الطرف الملحد قال بيتر “ان العلم قادر علي كل شيء” ومن خلال هذه المناظرة نجد ان ويليام كريج هدم ومحي هذه الفكرة في ثلاثة دقائق قصيره. (2) تخبرنا عالمة الفيزياء والمتخصصة الدكتورة Nidhal Guessoum ان scientism هو ” غالباً ما ينظر اليه الي مصطلح انتقاصي. وهذا نتيجة لوضع “العلماء على قاعدة تمثال” (3) ما قالته الدكتورة هو ما نعيشه في ثقافتنا. وقال Austin Hughes “الادعاء انه في كثير من الاحيان ان العلم الطبيعي يفعل او يقترب من تشكيل الحقيقة بالكامل. هذا الرأي أصبح منتشر بين العلماء أنفسهم ” (4) انا مندهش تماماً لهذا الامر كون الدارس لا يفهم الحقيقة الفلسفية. ومن امثال هؤلاء دوكينز واتكنز “اللذان كان من المفترض ان يتحلوا بالحكمة والنضج كعلماء “فلا يمكنني الموافقة على كلامهم. فما يثير اندهاشي ان هذه الكلمات تم تروجها على نطاق عالمي فما روج له دوكينز واتكنز للملحدين ان العلم هو مثل الاله وانه يعبد بالنسبة لهم “ومن الامور الواضحة في هذا الفكر ما قاله اتكنز في محاولة اخذ الطابع الالهي وسمة القدرة وصبغها وترويجها على المجال الأكاديمي. فهذا استعمال سئ للعلم لترويج اقوالهم الإلحادية. لذلك عندما نطلب من ملحد اصولي قبول الاعتراف بالقيود العلمية فهذا يتطلب ثمن كبير. ونحن لا نري scientism على اساس كونه علماً فهو يدحض من داخله.

الهجوم على scientism

اود ان اوضح حتى لا يعتقد أحد اننا نهاجم العلم. لا بالطبع. ولكن ما نحتاجه هو فضح من يسئ استخدام العلم من قبل اشخاص سواء ” ملحدين، مؤمنين او غيرهم” قال Jeff McInnis fleshes ما كنت اريد ان اقوله.

“العلم هو عباره عن اداة. فهو مفيد. لكنه مجرد اداة. العديد من الادوات مفيدة. ولكن لا يوجد اداة تستخدم في جميع المواقف. فنحن نحتاج لجميع الادوات. فالعديد من العلماء يعتقدون ان مجال دراستهم هو مثل سكين الجيش السويسري متعدد الاغراض وان كل مهمة مستطاعة وان كل حالة مستطاعة ويمكن تقييمها من خلال اداة واحدة. لكننا عكس هذا فنحن نعرف الافضل “

الدحض من الداخل ل ”scientism“

اولاً من الجملة الاتية ” فقط ما نستطيع معرفته هو من خلال العلم. من حيث الكمية او التجربة او الاختبار فهذا الامر عقلاني جداً” هذه الجملة هي دحض ذاتي للفكرة. فوفقاً للفيلسوف J.P. Moreland ان هذا الكلام نفسه ” ليس كلاماً علمياً. بل هو مجرد تعبيرات فلسفية حول العلم. فكيف يقول التجربة والاختبار والكمية؟ فهذا لا يحدث أي لا نستطيع معرفة كل شيء من خلال الثلاثة امور الواردة في الجملة. فلا يمكن ان تكون الجملة صحيحة او عقلانية (5)

في جوهر هذه الجملة تناقض مثل قولي “انا لا أستطيع الكتابة باللغة الانجليزية ” وايضاً قولي ” حتى الآن انا اكتب باللغة الانجليزية! ف Scientism تفند من بداية نطق وكلام الملحد. ونجد ان العالم كريج ايفانز هو ايضاً لديه وجهة نظر J.P. Moreland عندما قال ” ان Scientism يخبرنا اننا لا نصدق ولا نعتقد باي شيء لا يمكن اثباته علمياً. لكن هل يستطيع أحد اثبات هذا الكلام نفسه علمياً؟ بالطبع لا لذلك لا ينبغي ان نصدق هذا ف scientism تهزم نفسها ” (6)

القيود العلمية والافتراضات

منهجيات العلم لا يمكن التصديق عليها من قبل المنهج العلمي نفسه. التحقق الوحيد منها هو الفلسفة وليس scientism ويوجد نمازج متعددة على هذا.

قال فرانسيس كولينز Francis Collins وهو مسيحي مناصر للتطور “ان العلم هو السبيل الوحيد والمضمون لفهم العالم الطبيعي (لكن) العلم عاجز عن الاجابة عن اسئلة مثل ” ما معني الوجود الانساني …. فنحن نحتاج كل جلب وجهات النظر الروحية او العلمية لنكون على فهم ما يري وما لا يري على حداً سواء ” (7)

المراجع

  1. Craig, W. 2011. Is Scientism Self Refuting? Available.
  2. Youtube. 2009. Dr William Lane Craig vs Dr Peter Atkins highlight. Available.
  3. Guessoum, N. 2013. Why Should Scientists Care About Religion? Available.
  4. Hughes, A. 2012. The Folly of Scientism. Available.
  5. Moreland, J. 1987. Scaling the Secular City: A Defense of Christianity. Chapter 7: Science & Christianity.
  6. Craig, W. 2011. Ibid. Available.
  1. Collins, F. 2008. The Language of God. p. 6..
Exit mobile version