بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء الرابع – تابع ثانياً: كلمة الله قوة فعالة.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
تابع المقدمة، تابع 1- العهد القديم: تابع [ثانياًاعتبارات مختلفة للكلمة
الاعتبار الثاني : (2) كلمة الله قوة فعالة وفاعلة
للرجوع للجزء الثالث أضغط هنا.

كما رأينا وقلنا سابقاً، أننا عادةً حينما نقترب من كلمة الله بإخلاص خاضعين لها، نرى أن لها اعتبارين غير منفصلين عن بعضهما ولكنهما متميزين : تكشف ؛ تعمل [ أي تكشف كنور، وتعمل كقوة فعالة ]، وقد رأينا الاعتبار الأول وشرحناه في الجزء السابق وهو [ كلمة الله نور كاشف ]، والآن نتكلم عن الاعتبار الثاني للكلمة:
  • الاعتبار الثاني (2) كلمة الله قوة فعالة وفاعلة
كلمة الله لا تتساوى إطلاقاً مع كلمة البشر، فكلمة الإنسان والبشر عموماً لا تكون فاعله في لحظة نُطقها، ولا حتى تكون فعاله في المستقبل إلا إذا حاول الإنسان جاهداً أن يُتممها بالجهد والتعب والأفعال التي تجعلها على مستوى التطبيق وتكون في النهاية لها حدود وحيز تعمل فيه وتنتهي بإتمام الغاية التي من أجلها نُطقت، أما كلمة الله فهي ليست مجرد كلمات نظرية فكرية يُدركها العقل أو توجَّه للبشر فحسب، لأن كلمة الله ليست مقال سياسي ولا كتاب مطروح للفكر والرأي، إنما هي في أصلها وجوهرها، قوة ديناميكية متحركة فاعله، تُحقق دائماً إرادة الله ومشيئته، أي تظهر في صورة إنجازات إلهيه تتم في التاريخ على مستوى الواقع المُعاش، أي أنها لا تسقط قط بل تكون قائمة كفعل وعمل:
  • [ لم تسقُط كلمة من جميع الكلام الصالح الذي كلم به الرب بيت إسرائيل بل الكل صار ] (يشوع 21: 45)
  • [ وها أنا اليوم ذاهب في طريق الأرض كلها. وتعلمون بكل قلوبكم وكل أنفسكم أنهُ لم تسقُط كلمة واحدة ] (يشوع 23: 14)
  • [ مبارك الرب الذي أعطى راحة لشعبه إسرائيل حسب كل ما تكلم به ولم تسقُط كلمة واحدة من كلامه الصالح الذي تكلم به عن يد موسى عبده ] (1مكاببين 8: 56)
  • وهذه الكلمة التي لا تسقط بل تعمل وتنجح وتُتمم كل مقاصد الله يرسلها الله كرسول حي فاعل وعامل: [ أرسل الرب قولاً… ] (أشعياء 9: 8)؛ [ أرسل كلمته فشفاهم ونجاهم من تهلكاتهم ] (مزمور 107: 20)
  • وهي أيضاً تُدين وتُشفي: [ ولكن كلامي وفرائضي التي أوصيت بها عبيدي الأنبياء، أفلم تُدْرِكْ آبائكم. فرجعوا وقالوا كما قصد رب الجنود أن يصنع بنا كطرقنا وكأعمالنا كذلك فعل بنا ] ( زكريا 1: 6)
  • والله يسهر عليها ليُجريها ويتممها بكل دقة: [ فقال الرب لي: أحسنت الرؤية لأني أنا ساهر على كلمتي لأُجريها ] (إرميا 1: 12)
فكلمة الله تُحقق دائماً ما تُبشر به، لأنها نُطق الله الفاعل أو الفعال، لأنها تتحقق واقعياً سواء كان الأمر يتعلق بأحداث تاريخية أو حقائق كونية، أو بالهدف النهائي لقصد الخلاص:
  • [ ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم. هل يقول ولا يفعل، أو يتكلم ولا يفي ] (عدد 23: 19)
  • [ لأنه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان إلى هُناك بل يرويان الأرض ويجعلانها تلد وتنبُت وتُعطي زرعاً للزارع وخُبزاً للآكل، هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل ما سُررت به وتنجح في ما أرسلتها لهُ ] (إشعياء 55: 10 – 11).
(أ) عموماً لم يكن هذا المفهوم الديناميكي للكلمة مجهولاً في الشرق القديم الذي كان يُعطيها قوة شبه سحرية، وهذا يخص العبادات الوثنية الغريبة عن الحق الإلهي المُعلن، وهذا المفهوم كان يختلف بالطبع عن العهد القديم الذي وضح ما معنى كلمة الله في حقيقة إعلانها، فكلمة الله كفعل ديناميكي (وليس سحري) أي عامل وفعال ينطبق في أول الأمر على الكلمة النبوية، فعندما يكشف الله مُقدماً عن تخطيط أو عن تدبير يخص الخلاص، فمن المؤكد وبلا أدنى شك أنه سوف يُحققه كما نطقه وقاله بنفس النمط ونفس الإعلان كما هو دون زيادة أو نقصان…
فتاريخ إسرائيل يشهد لقوة فعل عمل كلمة الله، أي هو تاريخ إنجاز وعد الله حسب قصده الصالح، وطبعاً سنلاحظ أن الله لا يُتمم عمله لأجل استحقاق الإنسان، بل لأنها كلمته الصادقة:
  • [ ليس لأجل برك وعدالة قلبك تدخل لتمتلك أرضهم بل لأجل إثم أولئك الشعوب يطردهم الرب إلهك من أمامك ولكي يفي بالكلام الذي أقسم الرب عليه لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب. فاعلم أنه ليس لأجل برك يُعطيك الرب إلهك هذه الأرض الجيدة لتمتلكها لأنك شعب صلب الرقبة ] (تثنية 9: 5 – 6)
  • [ (داود يوصي سُليمان) أحفظ شعائر الرب إلهك إذ تسير في طرقه وتحفظ فرائضه وصاياه وأحكامه وشهاداته كما هو مكتوب في شريعة موسى لكي تفلح في كل ما تفعل وحيثما توجهت. لكي يُقيم الرب كلامه الذي تكلم به عني قائلاً إذا حفظ بنوك طريقهم وسلكوا أمامي بالأمانة من كل قلوبهم وكل أنفسهم، قال: لا يعدم لك رجل عن كرسي إسرائيل ] (1ملوك 2: 3 – 4)
ونجد أيضاً أن كل الحوادث تجري تلبية لندائه: كما نرى من هذه الفقرات لو دققنا فيها:
  • [ هكذا يقول الرب ملك اسرائيل وفاديه رب الجنود: أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري. ومن مثلي يُنادي فليخبر به ويعرضه لي منذ وضعت الشعب القديم والمستقبلات وما سيأتي ليخبروهم بها. لا ترتعبوا ولا ترتاعوا أما أعلمتك منذ القديم وأخبرتك فأنتم شهودي، هل يوجد إله غيري ولا صخرة لا أعلم بها ] (أشعياء 44: 6 – 8)
  • [ أمر فجاء الذُبَّانُ والبعوض في كل تخومهم… أمر فجاء الجراد والغوغاء (الجندب – حشرة تُشبه الجراد) بلا عدد ] (مزمور 105: 31و 34)
  • وفي آخر الأسر البابلي يقول على أورشليم : [ ستُعمَّرين ] ويقول عن كورش: [ أنت راعي ] (أنظر أشعياء 44: 26و 28)
(ب) ولكن ان كان هذا شأن التاريخ من جهة إظهار قوة فعل وعمل كلمة الله، فلا شك أن الخليقة باسرها تُطيع أيضاً كلمة الله إذ أنه ينبغي أن نتصور العمل الأصلي للخالق صادراً بقوة كلمته : [ قال = فكان ] [ قال = فخلق ]… (أنظر تكوين 1)
  • [ بكلمة الرب صنعت السماوات وبنسمة فيه كل جنودها… لتخش الرب كل الأرض ومنه ليخف كل سكان المسكونة. لأنه قال فكان هو أمر فصار ] (مزمور 33: 6 و 8 – 9)
  • [ من ذا الذي يقول فيكون والرب لم يأمر ] (مراثي 3: 37)
  • [ أيها الرب أدوناي إنك عظيم، شهير بجبروتك ولا يقوى عليك أحد. إياك فلتعبد خليقتك بأسرها لأنك أنت قلت فكانوا أرسلت روحك فخلقوا وليس من يقاوم كلمتك. ] (يهوديت 16: 16 – 17)
  • [ يا إله الآباء يا رب الرحمة يا صانع الجميع بكلمتك ] (حكمة 9: 1)
  • [ إني أذكر أعمال الرب وأُخبر بما رأيت: أن في أقوال الرب أعماله. ] (سيراخ 42: 15)
ونجد أن عمل الله لا يتوقف بمجرد أنه خلق، لأن في أقواله أفعاله كما رأينا، لأن كلمته الذي نطق بها تظل فاعله في الكون، تضبطه وتُسيره، ويستحيل أن تُشبه كلمته التي فيها أفعاله بالإنسان قط، ويستحيل مقارنته بإنسان أو ابن إنسان:
  • [ ألا تعلمون، ألا تسمعون، ألم تخبروا من البداءة، ألم تفهموا من أساسات الأرض. الجالس على كرة الارض وسكانها كالجندب، الذي ينشر السماوات كسرادق ويُبسطها كخيمة للسكن. الذي يجعل العظماء لا شيء ويصير قضاة الأرض كالباطل. لم يغرسوا بل لم يزرعوا ولم يتأصل في الأرض ساقهم، فنفخ أيضاً عليهم فجفوا والعاصف كالعصف يحملهم. فبمن تشبهونني فأساويه يقول القدوس. أرفعوا إلى العلاء عيونكم وانظروا من خلق هذه من الذي يخرج بعدد جندها يدعو كلها بأسماء لكثرة القوة وكونه شديد القدرة لا يفقد أحد. ] (أشعياء 40: 21 – 26)
  • [ هكذا يقول الرب فاديك وجابلك من البطن أنا الرب صانع كل شيء ناشر السماوات وحدي باسط الأرض من معي. مُبطل آيات المخادعين ومحمق العرافين، مرجع الحكماء إلى الوراء ومجهل معرفتهم. مُقيم كلمة عبده ومتتم رأي رسله القائل عن أورشليم ستعمر ولمُدن يهوذا ستبنين وخربها أُقيم. القائل للجة انشفي وأنهارك أُجفف. القائل عن كورش راعي فكل مسرتي يتمم ويقول عن أورشليم ستبنى وللهيكل ستؤسس ] (أشعياء 44: 24 – 28)
  • [ النازلون إلى البحر في السفن العاملون عملاً في المياه الكثيرة. هم رأوا أعمال الرب وعجائبه في العمق. أمر فأهاج ريحاً عاصفة فرفعت أمواجه ] (مزمور 107: 23 – 25)
  • [ يُرسل كلمته في الأرض سريعاً جداً يُجري قوله. الذي يُعطي الثلج كالصوف ويُذري الصقيع كالرماد. يُلقي جمده كفتات، قدام برده من يقف. يُرسل كلمته فيذيبها، يهب بريحه فتسيل المياه. يُخبر يعقوب بكلمته وإسرائيل بفرائضه وأحكامه. لم يصنع هكذا بإحدى الأمم وأحكامه لم يعرفوها هللويا ] (مزمور 147: 15 – 20)
  • [ الله يرعد بصوته عجباً، يصنع عظائم لا نُدركها. لأنه يقول للثلج أسقط على الأرض كذا لوابل المطر، وابل أمطار عزه. يختم على يد كل إنسان ليعلم كل الناس خالقهم. فتدخل الحيوانات المأوي وتستقر في أوجرتها. من الجنوب تأتي الإعصار ومن الشمال البرد. من نسمة الله يجعل الجمد وتتضيق سعة المياه. أيضاً بري يُطرح الغيم، يبدد سحاب نوره. فهي مدورة متقلبة بإدارته لتفعل كل ما يأمر به على وجه الأرض المسكونة. سواء كان للتأديب أو لأرضه أو للرحمة يُرسلها ] (أيوب 37: 5 – 13)
وكلمة الله على هذا المستوى الفاعل، تعتبر غذاء حي له فعله في أعماق قلب الإنسان، وهي أفضل من أي غذاء أرضي يخص الجسد، فهي تعتبر المن السماوي، تحفظ حياة المؤمنين بالله الحي: [ لكي يعلم بنوك الذين أحببتهم أيها الرب، أن ليس ما تخرج الأرض من الثمار هو يغذو الإنسان، لكن كلمتك هي التي تحفظ المؤمنين بك ] (حكمة 16: 26)
  • [ جميع الوصايا التي أنا أوصيكم بها اليوم تحفظون لتعملوها لكي تحيوا وتكثروا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم. وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة في القفر لكي يذلك ويجربك ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا. فأذلك (أدبك) وأجاعك وأطعمك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه آبائك لكي يُعلمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان ] (تثنية 8: 1 – 3)
(جـ) عموماً يا إخوتي أن هذه الفاعلية لكلمة الله، والتي ندركها في أعمال الخلق وفي حوادث التاريخ ستتحقق بلا شك بالنسبة إلى الأقوال النبوية الخاصة بالخلاص المرتبط بالأزمنة الأخيرة. وطبعاً كما عرفنا ورأينا سابقاً أن كلمة الله أمامه في فعلها وعملها لا زمنية، لأنها فوق الزمن والتوقيت والأحداث نفسها، ولكنها تدخل في الحدث التاريخي وتجعل الغير منظور منظوراً للإنسان، لترفعه بالنظور الحادث أمامه إلى اللامنظور للأبدية، وتجعله في زمن آخر وهو زمن إلهي يفوق حدود الزمان المنحصر في الأوقات… فكلمة الله تبقى إلى الأبد لأنها فوق الزمن وحدوده، تمتد من الأزل إلى الأبدية: [ يبُس العُشب، ذَبُلَ الزهر، وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد ] (أشعياء 40: 8)
من أجل ذلك، من جيل إلى جيل، يجمع شعب الله بتقوى وورع كل هذه الكلمات، كلمات الله التي نطق بها لشعبه الأخص، يُقدسها جداً ويحفظها، لأنها حياته التي فيها خبرات عظيمة تبنيه كشعب إلهي أخص، وهي أيضاً ماضيه وحاضره ومستقبله، لأنها في واقعها المُعاش ترسم مستقبل غني بالمجد الإلهي ليسير فيه الشعب نحو غايه وضعها الله أمام عينيه، وهي خلاصه المنتظر، لذلك كله بُناءً على وعد الله الذي أتى إليه بيقين أنه سيتم، ينتظر الأزمنة الأخيرة أي أزمنة الخلاص التي وعده بها الله منذ فجر التاريخ بعد سقوط آدم والبشرية في أعقابه لأن الجميع زاغوا وفسدوا بإرادتهم وحريتهم …
  • [ وبينما أنا أتكلم وأُصلي واعترف بخطيتي وخطية شعبي إسرائيل وأطرح تضرعي أمام الرب إلهي عن جبل قدس إلهي. وأنا متكلم بعد بالصلاة، إذا بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا في الابتداء مطاراً واغفاً لمسني عند وقت تقدمة المساء. وفهمني وتكلم معي وقال يا دانيال إني خرجت الآن لأُعلمك الفهم. في ابتداء تضرعاتك خرج الأمر وأنا جئت لأُخبرك لأنك انت محبوب فتأمل الكلام وافهم الرؤيا:
سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم و ليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين. فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع وأثنان وستون أسبوعاً يعود ويبنى سوق وخليج في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين أسبوعاً يُقطع المسيح وليس له وشعب رئيس آتٍ يُخرب المدينة والقدس وانتهاؤه بغمارة وإلى النهاية حرب وخرب قضي بها. ويُثِّبت عهداً مع كثيرين في أسبوع واحد وفي وسط الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة وعلى جناح الأرجاس مخرب حتى يتم ويصب المقضي على المخرب ] (دانيال 9: 20 – 27 – رجاء أنظر دانيال 9 بكامله)

__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد القديم: [ثالثاً] موقف الإنسان أمام كلمة الله

 

 

 

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء الثالث – ثانياً: اعتبارات مختلفة للكلمة.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
تابع المقدمة، تابع 1- العهد القديم: [ثانياًاعتبارات مختلفة للكلمة
الاعتبار الأول: (1) كلمة الله نور كاشف
للعودة للجزء الثانى أضغط هنا.

عادة حينما نقترب من كلمة الله بإخلاص خاضعين لها، نرى أن لها اعتبارين غير منفصلين عن بعضهما ولكنهما متميزين : تكشف ؛ تعمل [ أي تكشف كنور، وتعمل كقوة فعالة ]
  • الاعتبار الأول (1) كلمة الله نور كاشف:
لكي يجعل الله القدوس فكر الإنسان متصلاً بفكره فهو يلقي إليه كلمته بأشكال متنوعة كثيرة لكي تكون نوراً لسبيله [ سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي ] (مزمور 119: 105)، لذلك نجد كلمه الله تتخذ عادة ثلاثة اشكال مختلفة : فهي (أ) شريعة وقاعدة للسلوك؛ (بتكشف معنى الأحداث وغايتها وتعلن القصد الإلهي منها؛ (جـوعد ونبوة.

(أ) كلمة الله كشريعة وقاعدة للسلوك: يرجع إظهار الكلمة الإلهية كشريعة وقاعدة للسلوك إلى نشأة إسرائيل ذاتها. ففي أثناء إبرام العهد في طور سيناء، سلَّمَ موسى للشعب من قِبَّل الله ميثاقاً دينياً وأخلاقياً يتلخَّص في عشرة كلمات [ أنظر خروج 20: 1 – 17؛ تثنية 5: 6 – 22 ].
  • [ وكان هُناك عند الرب (موسى) أربعين نهاراً وأربعين ليلة لم يأكل فيها خبزاً ولم يشرب ماءً وكتب على اللوحين كلمات العهد، الكلمات العشر ] (خروج 34: 28)
  • [ وأخبركم (الرب) بعهده الذي أمركم أن تعملوا به، الكلمات العشر وكتبهُ على لوحي حجر ] (تثنيه 4: 13)
ونلاحظ أن التصريح بوحدانية الله في الكلمات العشر، المقترن بإعلان مطالبه الأساسية، كان إحدى العناصر الأولى التي أتاحت لإسرائيل أن يُدرك أن [ الله يتكلم ] بشخصه وبنفسه، بذاته هو شخصياً، وفد أبرزت بعض أحداث الكتاب المقدس هذه الحقيقة بالتركيز على أحداث طور سيناء على وجهٍ خاص، مُظهره أن الله يُكلم مباشرة إسرائيل شعبه الأخص بكامله من وسط النار والغمام: [ فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوت ] (تثنية 4: 12).

وفي الواقع، توضح نصوص أخرى في الكتاب المقدس، دور موسى الأساسي كوسيط، وهو يحفظ وصية الله ويضعها أمام أعين الشعب ويذكرهم دائماً بصوت الرب ويلزمهم بكلماته لينبههم أن يحترزوا من أن يهملوا في كلمات الله أو لا يحفظوها عاملين بها، بل ويشفع فيهم أمام الله لكي يغفر لهم ويصفح عنهم ويردهم إليه مرة أخرى، وهذا ما نراه على مدى حياة موسى النبي كلها وسط إسرائيل.

عموماً وعلى كل حال، لقد فُرِضَت الشريعة بصفتها كلمة إلهية ذات سلطان تقود الإنسان لخيره ولحياة أفضل، وبهذه الصفة رأى فيها كاتبوا الحكمة وأصحاب المزامير المصدر الحقيقي للسعادة الحقيقية:
  • [ أنت اوصيت بوصاياك أن تُحفظ تماماً. ليت طُرقي تثبت في حفظ فرائضك. حينئذٍ لا أخزى إذا نظرت إلى كل وصاياك. أحمدك باستقامة قلب عند تعلمي أحكام عدلك. وصاياك أحفظ لا تتركني إلى الغاية. بم يُزكي الشاب طريقه: بحفظه إياه حسب كلامك. بكل قلبي طلبتك لا تضلني عن وصاياك. خبأت كلامك في قلبي لكيلا أُخطئ إليك. مبارك أنت يا رب علمني فرائضك. بشفتي حسبت كل أحكام فمك. بطريق شهاداتك فرحت كما على كل الغنى. بوصاياك ألهج وأُلاحظ سُبلك. بفرائضك أتلذذ لا أنسى كلامك. أحسن إلى عبدك فأحيا وأحفظ أمرك. أكشف عن عيني فأرى عجائب من شريعتك. غريب أنا في الأرض لا تخف عني وصاياك. انسحقت نفسي شوقاً إلى أحكامك في كل حين… أيضاً شهاداتك هي لذتي أهل مشورتي… لتأتني مراحمك فأحيا لأن شريعتك هي لذتي… لو لم تكن شريعتك لذتي لهلكت حينئذ في مذلتي… لكل كمال رأيت حداً، أما وصيتك فواسعة جداً. كم أحببت شريعتك اليوم كله هي لهجي، وصيتك جعلتني احكم من اعدائي لأنها إلى الدهر هي لي. ] (مزمور 119: 4 – 20، 24، 77، 92، 96 – 98) (رجاء مراجعة المزمور 119 بكامله).
(ب) كلمة الله تكشف معنى الأحداث وغايتها وتعلن القصد الإلهي منها: لقد اقترنت الشريعة الإلهية، منذ البداية، بإعلان عن الله وعن عمله الخاص الذي عمل مع إسرائيل في واقع ملموس في حياته اليومية المُعاشة، في تاريخه الذي عاشه: [ أنا الرب (يهوه) إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية ] (خروج 20: 2). وهذه هي الحقيقة الأساسية التي تُدعم سلطة الشريعة ذاتها، لأن لها ناحية واقعية تمس الشعب كله من جهة الفعل والعمل، لأنها لم تأتي كمجرد كلام أو فكر أو فلسفة نظرية أو كلام في فراغ، إنما أتت من واقع حاضر ملموس ومحسوس كخبرة وحياة مُعاشه، وهذه هي دائماً كلمة الله وعلامتها ودلالتها دائماً [ أنها تمس حاضر وواقع ملموس ].

ومثلاً لو أتينا بالنسبة لإيمان شعب إسرائيل بوحدانية الله، هذا لم يكن نتاج أو بفضل حكمة إنسانية بشرية، أو عن مجرد قناعة عقل، لكن هذا بسبب أن يهوه الرب كلَّم آباء الشعب قديماً، ثم كلَّمَ موسى لكي يُعرِّف نفسه بصفته [ الرب الواحد ]:
  • [ فقال موسى لله ها أنا آتي إلى بني إسرائيل وأقول لهم إله آبائكم أرسلني إليكم فإذا قالوا لي ما اسمه فماذا أقول لهم !!. فقال الله لموسى أهيه الذي أهيه وقال هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم. وقال الله أيضاً لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه إله آبائكم إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب أرسلني إليكم هذا اسمي إلى الأبد وهذا ذكري إلى دورٍ فدور. ] (خروج 3: 13 – 15)؛ [ اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا ربٌ واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك ] (تثنية 6: 4).
ونجد عموماً أن كلمة الله تُلقي الضوء على حوادث التاريخ التي تتلاحق وتكشف عن معناها الكامن فيها. وهي في كل واحدة من الاختبارات الوطنية الكُبرى تكشف للشعب عن مقاصد الله التي يستتر فيها سرّ فائق: [ وأعطيتكم أرضاً لم تتعبوا فيها وَمُدُناً لم تبنوها وتسكنون بها، ومن كروم وزيتون لم تغرسوها تأكلون. فالآن أخشوا الرب واعبدوه بكمال وأمانة وانزعوا الآلهة الذين عبدهم آبائكم… ] (يشوع 24: 13و 14)، [ وعلى كل واحد أن يدقق في كلام الله لأنه لنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور – ومن له أُذنان للسمع فليسمع ما يقوله الروح ]

عموماً لا يرجع التعرف على قصد الله من خلال الأحداث التي تحدق في هذا العالم، لعوامل بشرية محضه، إنما مرجعه الوحيد إلى المعرفة النبوية التي تجد امتداداً لها في رؤية الحكماء بذهن مفتوح على الإعلانات الإلهية: [ ان في كل شيء روحك الذي لا فساد فيه. فبه توبخ الخطاة شيئاً فشيئاً وفيما يخطأون به تذكرهم وتنذرهم لكي يقلعوا عن الشر ويؤمنوا بك أيها الرب. ] (حكمة 12: 1و 2) [ رجاء الرجوع إلى سفر الحكمة الإصحاح 10، 11، 12 وذلك للأهمية ]، وباختصار شديد فأن التاريخ مستمد من كلمة الله ..

(جـ) وعد ونبوة: كلمة كلمة لا تُحد في الزمن بل ترتفع فوقه، لأن لا يوجد عند الله زمن، لأن الزمن يخص الخليقة وحدها، فكلمة الله، وبالتالي كل أعماله تفوق الزمن وتشمله كله لأنها تحتويه وتحصره في داخلها، لذلك كل أعمال الله التي يعملها تسري في زمن الإنسان كله، فلو تكلمنا عن خلاص الله فهو خلاص حاضر دائم الحضور ليمتد يشمل الزمان كله، لأن عمل الله عمل يبدأ من الأزل ويمتد للأبد لأنه وأن حدث في الزمن ولكنه يتفوق عليه دائماً، لأن عمل الله يرتفع فوق كل حدود الزمان والمكان …

عموماً كلمة الله تستطيع اجتياز حدود الزمن، لكي تكشف مقدماً عن المستقبل بالنسبة لزمن الإنسان وليس الله بالطبع، وهي تعمل لتتقدم بالإنسان خطوة بعد خطوة إلى المستقبل لرؤية عمل الله بالتمام، فعلى مستوى العهد القديم تعمل الكلمة لتُنير إسرائيل شعب الله المختار بشأن مرحلة قادمة في تدبير الله الذي سيُعلن لهم في حينه وهذا ما نجد ملامحه في الكتاب المقدس هذا أن كنا فعلاً ندقق ونتعمق فيه ولنلاحظ بدقة الأحداث والنبوات التي قُدمت لكل من اختارهم الله لأعمال محدده في تدبيره المُعلن في الزمن مع أنه فوق الزمن:
  • [ فقال (الرب) لإبرام: أعلم يقيناً أن نسلك سيكون غريباً في أرض ليست لهم ويُستعبدون لهم فيذلونهم أربع مئة سنة. ثم الأُمة التي يستعبدون لها أنا أُدينها وبعد ذلك يخرجون بأملاك جزيلة. وأما أنت فتمضي إلى أباءك بسلام وتُدفن بشيبة صالحة. وفي الجيل الرابع يرجعون إلى ههنا لأن ذنب الأموريين ليس إلى الآن كاملاً ] (تكوين 15: 13 – 16)
  • [ فقال الرب (لموسى) إني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم من أجل مُسخريهم، إني علمت أوجاعهم. فنزلت لأُنقذهم من أيدي المصريين وأُصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً إلى مكان الكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين. والآن هوذا صراخ بني إسرائيل قد أتى إليَّ ورأيت أيضاً الضيقة التي يضايقهم بها المصريون. فالآن هلم فأرسلك إلى فرعون وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر ] (خروج 3: 7 – 10)
  • [ وكان بعد موت موسى عبد الرب أن الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلاً. موسى عبدي قد مات فالآن قم أُعبر هذا الأردن أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا مُعطيها لهم أي لبني إسرائيل. كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أُعطيته كما كلمت موسى. من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحثيين وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم. لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك كما كنت مع موسى أكون معك لا أهملك و لا أتركك. تشدد و تشجع لأنك أنت تقسم لهذا الشعب الأرض التي حلفت لآبائهم أن أُعطيهم. إنما كن متشدداً وتشجع جداً لكي تتحفظ للعمل حسب كل الشريعة التي أمرك بها موسى عبدي، لا تمل عنها يميناً ولا شمالاً لكي تفلح حيثما تذهب. لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك بل تلهج فيه نهاراً وليلاً لكي تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه لأنك حينئذ تصلح طريقك وحينئذ تفلح. أما أمرتك تشدد وتشجع لا ترهب ولا ترتعب لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب. ] (يشوع 1: 1 – 9)
عموماً كلمة الله دائماً ما تكشف ما وراء المستقبل، سواء القريب أو البعيد بالنسبة للإنسان، لأن عند الله كل شيء حاضر أمام عينيه، ولكن الإنسان لا يوجد شيء حاضر أمام عينيه سوى ما يُعلن من الله في الزمان ليحدثه بنبوة عن ما يحدث عن قريب، أو ما هو سيتم في مستقبله لأجل حياته ومنفعته أن سمع لصوت الرب إلهه…
عموماً دائماً ما نجد صيغة [ الأزمنة الأخيرة ] في الكتاب المقدس، وهي تختلف في تحديدها حسب ما يُريد أن يعلنه الله في الزمن بالنسبة للإنسان وحاضره، لذلك كلمة الله تكشف عن ما سوف يحدث في الأزمنة الأخيرة، عندما يُحقق الله قصده في كماله وهذا هو بالذات موضوع التنبؤ الإسخاتولوجي:
  • [ وتصعد على شعبي إسرائيل كسحابة تغشي الأرض في الأيام الأخيرة يكون وآتي بك على أرضي لكي تعرفني الأمم حين أتقدس فيك أمام أعينهم يا جوج ] (حزقيال 38: 16)
  • [ لكن يوجد إله في السماوات كاشف الأسرار وقد عرف الملك نبوخذنصر ما يكون في الأيام الأخيرةحلمك ورؤيا رأسك على فراشك هو هذا ] (دانيال 2: 28)
  • [ وجئت لأفهمك ما يُصيب شعبك في الأيام الأخيرة لأن الرؤيا إلى أيام بعد ] (دانيال 10: 14)
  • [ يقول الله ويكون في الأيام الأخيرة إني أسكب من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماً ] (أعمال 2: 17)
  • [ ولكن أعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة ] (2تيموثاوس 3: 1)
  • [ كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شيء الذي به أيضاً عمل العالمين ] (عبرانيين 1: 2).
عموماً في نهاية هذا الجزء نقول، أن هذه الاعتبارات الثلاثة لكلمة الله، التي رأيناها وتحدثنا عنها: [ الشريعة الإعلان والكشف – الوعد ]، نجدها غير منفصلة عن بعضها البعض قط، بل نجد أن كل واحدة مرتبطة بالأخرى ارتباط وثيق وشديد على طول اسفار العهد القديم بل وتمتد للجديد لتعلن عن نفسها إعلان كامل تام حسب مقاصد الله في الزمن وترتفع بالزمن نفسه لتمتد به للأبدية عينها. وهي عموماً تتطلب – من جانب الإنسان – جواباً سنتعرض له فيما بعد.

__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد القديم: تابع [ثانياً] اعتبارات مختلفة للكلمة
الاعتبار الثاني (2) كلمة الله قوة فعالة



بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء الثاني: العهد القديم أولاً: الله المتكلم.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
1 – العهد القديم: [أولاًالله المتكلم
(للعودة للجزء الأول: أضغط هنا. )

أن موضوع الكلمة الإلهية في العهد القديم، ليس موضوع نظري، كما هو الحال في التيارات الفكرية المختلفة، أو مثل الفلسفة اليونانية، أو مقولة الكُتَّاب الشهيرة [ في البدء كانت الكلمة ]، إذ يعتبرون أن أول شيء ظهر في التاريخ هو الكلمة، ومعنى [ في البدء كانت الكلمة ] هُنا بحسب راي الكتاب والمفكرين والفلاسفة تختلف اختلاف جذري عن ما قاله القديس يوحنا الرسول في الإنجيل، فلا يصح ان نخلط الأمرين معاً، أو نظن أن الكلمة عند يوحنا الرسول مثل باقي الفلاسفة اليونان أو الكُتَّاب عموماً…
ولكن الكلمة الإلهية على مستوى العهد القديم لم تكن مجرد كلمة مكتوبة أو منطوقه، إنما هي تُعبِّر قبل كل شيء عن حادث شخصي اختباري في واقع الحياة المُعاشة: أن الله يُكلم – مباشرة – أشخاصاً مُختارين، وبواسطتهم يُكلم شعبه وسائر البشر والناس، ولكن لا يتكلم جزافاً بل مع الكلام يُعطي نبوات تتحقق وبعض الآيات والمعجزات التي تُرى في الواقع الإنساني والتاريخي. [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء ] (عبرانيين 1).

1– تعتبر الحركة النبوية إحدى الركائز الأساسية في العهد القديم لإظهار كلمة الله: ففي كل عصر من العصور، يُكلم الله أشخاصاً مُختارين موكلاً لهم مهمة تبليغ كلمته، وهؤلاء البشر الذي يختارهم ويُعينهم الله هم أنبياء، بالمعنى المتسع للكلمة (أنبياء)، وقد يُخاطبهم الله بطرق متنوعة كثيرة، فيُكلم البعض عن طريق:

+ رؤى وأحلام: [ في جبعون تراءى الرب لسليمان في حلم ليلاً وقال الله أسأل ماذا أُعطيك ] (1ملوك 3: 5)
[ لكن الله يتكلم مرة وباثنتين لا يلاحظ الإنسان. في حلم في رؤيا الليل عند سقوط سبات على الناس في النعاس على المضجع. حينئذ يكشف آذان الناس ويختم على تأديبهم. ليحول الإنسان عن عمله ويكتم الكبرياء عن الرجل. ليمنع نفسه عن الحفرة وحياته من الزوال بحربة الموت ] (أيوب 33: 14 – 18)

[ النبي الذي معه حلم فليقص حلماً والذي معه كلمتي فليتكلم بكلمتي بالحق ما للتبن مع الحنطة يقول الرب ] (أرميا 23: 28)

+ ويُكلم البعض الآخر خلال إلهام داخلي يصعُب وصفه: [ (أليشع يقول) والآن فأتوني بعوادٍ. ولما ضرب العواد بالعود كانت عليه يد الرب ] (2ملوك 3: 15)

+ أو يكلم وجهاً لوجه كما كلم الرب موسى: [ فنزل الرب في عمود سحاب ووقف في باب الخيمة ودعا هرون ومريم فخرجا كلاهما. فقال اسمعا كلامي أن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا اُستعلن له في الحلم أُكلمه. وأما عبدي موسى فليس هكذا بل هو أمين في كل بيتي. فماً إلى فم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز وشبه الرب يُعاين (نركز على أن موسى لم يرى الله في كمال جوهره أو بهاء مجده بل شبه فقط، غير باقي الأنبياء) فلماذا لا تخشيان أن تتكلما على عبدي موسى ] (عدد 12: 5 – 8).

+ بل وأحياناً نجد أن الكتاب المقدس لا يوضح طريقة تبليغ كلمة الله للناس: [ وقال الرب لإبرام: أذهب من أرضك وعشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك ] (تكوين 12: 1)


ولكن عموماً ليس هذا هو جوهر الأمر، أي طريقة الكلام نفسه، فجميع الأنبياء عندهم إدراك شخصي واعي واضح بيقين أن الله القدوس الحي هو الذي يُكلمهم بنفسه، وهذا نجده واضحاً أن تتبعنا الأمر منذ البداية بتدقيق، ونجد أن كلمته تغمرهم وتملك عليهم مُلكاً خاصاً على نحوٍ ما، إلى حد الشعور بقوة شديدة تملك عليهم وتقودهم ليتمموا مقاصد الله التي قصدها:

  • [ فأخذني الرب من وراء الضأن وقال لي الرب: أذهب تنبأ لشعب إسرائيل ] (عاموس 7: 15)
  • [ الأسد قد زمجر فمن لا يخاف. السيد الرب قد تكلم فمن لا يتنبأ ] (عاموس 3: 8)
  • [ قد أقنعتني يا رب فاقتنعت وألححت عليَّ فغلبت. صرت للضحك كل النهار، كل واحد استهزأ بي لأني كلما تكلمت صرخت. ناديت: ظلم واغتصاب، لأن كلمة الرب صارت لي للعار وللسُخرة كل النهار، فقلتُ لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه. فكان في قلبي كنار مُحرقة محصورة في عظامي فمللتُ من الإمساك ولم أستطع ] (أرميا 20: 7 – 9)


فبالنسبة للأنبياء تُعتبر كلمة الله الحادث الأول الذي يرسم لهم معنى حياتهم الشخصية ووسط المجتمع أيضاً، فتتدفق كلمة الله من خلالهم بطريقة عجيبة ذات سلطان، تجعلهم يعزون مصدرها إلى عمل روح الله، ولا يستطيعوا إمساكها أو عدم النطق بها أو الهروب منها مهما ما كانت المشقات والآلام التي يحتملونها، لأن عادة كلمة الله يقاومها الأشرار بشدة قد تصل للعنف وقتل الأنبياء أنفسهم لكي لا يسمعوا صوت الرب…

ويوجد بالطبع حالات أخرى لتوصيل كلمة الله للأنبياء والقديسين ورجال الله عموماً، بواسطة طرق لا تلفت النظر، أقرب في ظاهرها إلى الوسائل العادية التي يستخدمها البشر في علاقتهم المتبادلة، وهي الطريقة التي تستعين بها الحكمة الإلهية لمخاطبة قلوب البشرّ: 

  • [ ألعل الحكمة لا تُنادي والفهم ألا يُعطي صوته. عند رؤوس الشواهق عند الطريق بين المسالك تقف. بجانب الأبواب عند ثغر المدينة عند مدخل الأبواب تصرح. لكم أيها الناس أُنادي وصوتي إلى بني ادم. أيها الحمقى تعلموا ذكاء ويا جُهال تعلموا فهماً. اسمعوا فإني أتكلم بأمور شريفة وافتتاح شفتي استقامة. لأن حنكي يلهج بالصدق ومكرهة شفتي الكذب. كل كلمات فمي بالحق ليس فيها عوج ولا التواء. كلها واضحة لدى الفهيم ومستقيمة لدى الذين يجدون المعرفة…. فالآن أيها البنون اسمعوا لي فطوبى للذين يحفظون طرقي. اسمعوا التعليم وكونوا حكماء ولا ترفضوه. طوبى للإنسان الذي يسمع لي ساهراً كل يوم عند مصاريعي حافظاً قوائم أبوابي. لأنه من يجدني يجد الحياة و ينال رضى من الرب. ومن يُخطئ عني يضر نفسه، كل مبغضي يحبون الموت ] (أمثال: 8: 1 – 9؛ 31 – 36)
  • [ وقد وهبني الله أن أبدي عما في نفسي وأن أجري في خاطري ما يليق بمواهبه فأنه هو المرشد إلى الحكمة ومثقف الحكماء ] (حكمة 7: 15)


وكلمة الله هي الحكمة التي تعمل في القلوب بقصد الإرشاد في تدبير شئونهم أو في كشف الأسرار الإلهية: [ (الملكة الوثنية تتحدث إلى الملك) يوجد في مملكتك رجُل فيه روح الآلهة القدوسين وفي أيام أبيك وُجدت فيه غيرة وفطنة وحكمة كحكمة الآلهة، والملك نبوخذ نصر أبوك جعلهُ كبير المجوس والسحرة والكلدانيين والمنجمين… من حيث أن روحاً فاضلة ومعرفة فطنة وتعبير الأحلام وتبين ألغاز وحلَّ عُقد وُجِدَت في دانيال هذا الذي سماه الملك بلطشاصَّر. فليُدعَ الآن دانيال فيُبين التفسير ] (دانيال 5: 11 – 12)
[ فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجُلاً فيه روح الله. ثم قال فرعون ليوسف بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك ] (تكوين 41: 38 – 39)

عموماً وعلى كل حال لسنا هُنا أمام كلمة بشر عُرضة للتقلب أو الخطأ، فالأنبياء وكتبة الحكمة على اتصال مباشر مع الله الحي بطريقة ما يُكلمهم بها الله ويلهمهم حسب مقاصده ورأيه .

– كلمة الله، أي الكلمة الإلهية، لم تُلقى على بعض الناس المختارين من الله بصفتها تعليم سري، يتحتم عليهم أن يخفوه عن عامة الناس، بل هي رسالة يجب تبليغها في ميعادها الذي حدده الله، وتُقدم لا إلى دائرة صغيرة من الناس، وإنما إلى الشعب الإسرائيلي بأجمعه بلا استثناء، لأن الله يُريد أن تصل كلمته إلى شعبه بواسطة حاملي رسالته أي كلمته.
وعليه، فأن اختبار كلمة الله ليست وقفاً على عدد صغير من الناس أو المتصوفين، أو حتى القديسين عابدي الله بالأمانة، بل أن شعب إسرائيل كله مدعو إلى أن يعترف بأن الله يُخاطبه بواسطة من يرسلهم إليه. حتى وأن صادفت كلمة الله – في البداية – اعتراضاً أو احتقاراً من الناس [ أنظر أرميا 36 للضرورة ]، إلا أنها ستتجلى أخيراً بكل جلالها بفضل علامات لا تقبل الجدل تُظهر أنها من الله لتُحقق مقاصده وتعلن رأيه وكما هو مكتوب بإعلان إلهي كلنا تحققنا منه يقيناً: 

  • [ أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تُحطم الصخر ] (أرميا 23: 29)
  • [ هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة، بل تعمل ما سُررت به وتنجح فيما أرسلتها له ] (أشعياء 55: 11)
__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد القديم: [ثانياً] اعتبارات مختلفة للكلمة

 

 

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء الأول: الفهرس – مقدمة وتمهيد.

بحث خاص عن الإنجيل معناه
فهرس الموضوع



(أولاًمقدمـــــة وتمهيد للموضوع
1 – العهد القديم : 
أولاً: الله المتكلم
ثانياً: اعتبارات مختلفة للكلمة
ثالثاً: موقف الإنسان أمام الكلمة
رابعاً: تجسيد كلمة الله
2 – العهد الجديد: 
أولاً: كلمة الله؛ كلمة يسوع 
ثانياً: كلمة الله في الكنيسة

(ثانياًالإنجيل ومعناه
[1] معنى كلمة إنجيل:
أولاً: العهد القديم ؛ ثانياً: العهد الجديد
[2] مُسميات الإنجيل
1- إنجيل الله
2- إنجيل يسوع المسيح
3- إنجيلي، إنجيلنا
4- إنجيل جميع الناس
5- إنجيل الخلاص والبرّ
6- الإنجيل والصليب
[3] الإنجيل والرسالة:
أولاً: الكرازة
ثانياً: إنجيل السرّ وخبرة الله
[4] لماذا أربعة أناجيل
[5] تعليقات للقديس كيرلس الأورشليمي على الكتاب المقدس

 

_________________________________________________

أولاً: مقدمة وتمهيد للموضوع
رجاء خاص التركيز الشديد في الموضوع ككل وعلى الأخص هذا التمهيد
وسيتم وضع كل يوم جزء أرجو المتابعة الدقيقة للغاية مع الصلاة لانفتاح القلب والأذن ]

 

مكتوب: [ لهم فم ولا ينطقون ] [ أما تلك فأن لها ألسنة قد نحتها النجار وهي مغشاة بالذهب والفضة لكنها آلهة زور لا تستطيع نطقاً ] ( مزمور 115: 5؛ باروك 6: 7)
في هذه الآيات تهكم واضح على الأصنام الصامتة وكما قال القديس بولس الرسول: [ أنتم تعلمون أنكم كُنتم أمماً مُنقادين إلى الأوثان البُكم ] (1كورنثوس 12: 2)…
وهذا التهكم يُشير بوضوح إلى إحدى الخصائص التي تُميز الله الحي الحقيقي كما يكشفه لنا الكتاب المقدس بأنه ليس الإله البعيد الذي لا يسمعه أحد وحضوره يخص خيال الإنسان وكتابات التاريخ من بعض الناس الذين يقولون أن الله تكلم إلينا، فالله يُكلم الإنسان في كل زمان، وتكمُن أهمية كلمته – في العهد القديم – في دورها الإعدادي للحادث الأساسي والرئيسي في العهد الجديد، حيث أن كلمة الله (اللوغوس) يتخذ جسداً، فيصير الله الظاهر في الجسد، لأن كلمة الله ليست كلمة عادية تُنطق، بل الكلمة مُشخصة أي أقنوم، اي شخص الله الكلمة، فالله يكلمنا بابنه، الكائن في حضنه، كلم الآباء بالأنبياء بنفس ذات الكلمة، ولكن الكلمة كان مستتراً وغير واضح أمامهم سوى بالرمز أو بعض الرؤى والإعلانات التي تتناسب مع وضعهم الإنساني ولم يعرفوه بدقة، ولكن في ملء الزمان كلمنا بابنه، بشخصه وبذاته لكي نعرفه ونتعرف إليه في الابن الوحيد كلمته الشخصي:
  • [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة. كلمنا في هذه الأيام الأخيرة (ملء الزمان) في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شيء، الذي به أيضاً عمل العالمين. الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي ] (عبرانيين 1: 1 – 3)
  • [ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس. والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تُدركه. ] (يوحنا 1: 1 – 5)
  • [ والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً. يوحنا شهد له ونادى قائلاً هذا هو الذي قلت عنه أن الذي يأتي بعدي صار قدامي لأنه كان قبلي. ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا، ونعمة فوق نعمة. لأن الناموس بموسى أُعطي أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا. الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر. (( قال له فيلبس يا سيد أرنا الآب وكفانا، قال له يسوع أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس، الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب (يوحنا 14: 8 – 9) )) ] (يوحنا 1: 14 – 18).

والكلمة حينما أتى إلينا ظهر في الجسد، وعندما قام وصعد أرسل لنا روحه الخاص، روح الآب وروح الابن، الروح القدس، لكي يُكلمنا في قلوبنا بالسرّ لنسمع صوت الله في داخلنا فنتبعه، لأن لنا أن نسمع صوت الله عينه فتسري فينا قوة الحياة الجديدة، كنهر متدفق من ينبوع حي، يظل يُسقي ويُشبع النفس إلى أن تتشبع بالنعمة تماماً لتصير مؤهلة للحياة الأبدية الدائمة في شركة الثالوث القدوس الإله الواحد الحي.

  • [ أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا ] (يوحنا 11: 25)
  • [ الحق الحق أقول لكم أن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة، الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ] (يوحنا 5: 24 – 25)
  • [ الروح هو الذي يُحيي أما الجسد فلا يُفيد شيئاً، الكلام الذي أُكلمكم به هو روح وحياة ] (يوحنا 6: 63)
  • [ من له أُذنان للسمع فليسمع ] (متى 13: 9)
  • [ خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني ] (يوحنا 10: 27)
  • [ الذي من الله يسمع كلام الله لذلك أنتم لستم تسمعون لأنكم لستم من الله ] (يوحنا 8: 47)
  • [ لهذا قد ولدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق، كل من هو من الحق يسمع صوتي ] (يوحنا 18: 37).
__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
العهد القديم: [أولاًالله المتكلم
Exit mobile version