عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

 

يوجد اعتراض حول ترتيب أحداث تجربة المسيح أريد التعليق عليها في عُجالة شديدة وبصورة مُوجزة، مُشكلة الاعتراض هو إنه ليس مُترابطاً، فمثلاً يقول بما ان متى ولوقا اختلفوا في الترتيب إذن يوجد تناقض، وحينما يتعامل مع الأطروحة التي تقول ان متى كتب هذه الحادثة بتسلسل زمني لكن لوقا كتب هذه الحادثة بترتيب موضوعي، يعترض قائلاً ان انجيل لوقا كتاب دقيق تاريخياً ولا يُمكن أن يكون غير مُرتب زمنياً!، وهذه مُغالطة منطقية، لكن في النهاية، سأترك جانباً أي جدل جانبي وسأقدم نظرتي لهذه الحادثة، ويكون محور كتابتي هل تناقض متى ولوقا وليس هل فلان جاهل ام لا؟

 

تعريف بالمُشكلة

قد وردت قصة تجربة المسيح في كلً من إنجيل متى وإنجيل لوقا، وكلا من الإنجيلين مُتفقين في كل التفاصيل تقريباً، لكننا نجد ان بحسب الرواية الإنجيلية للقديس متى إنه يروي ثلاث تجارب يبتدأ أولا بتجربة تحويل الحجارة إلى خبز لأن المسيح بعد صيام أربعين نهار وليل قد جاع “فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً جَاعَ أَخِيراً. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزاً». فَأَجَابَ: «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّهِ».” (متى 4: 2 – 4) وبعد هذه المُحاولة الفاشلة قد أخذ ابليس يسوع وأوقفه على جناح الهيكل وجربه ثانيةً إن كان هو ابن الله فيُلقي نفسه إلى أسفل ” ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ» (متى 5-7: 4). ثم المُحاولة الثالثة ” ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هَذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي». حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ». ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ. ” (متى 4: 8 – 11)، إذن الرواية بحسب متى تقول، (1) تجربة تحويل الخبز، (2) تجربة جناح الهيكل، (3) تجربة الجبل.

 

أما رواية لوقا تقول ان أول تجربة كانت تحويل الخبز “أَرْبَعِينَ يَوْماً يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ. وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئاً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيراً. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ لِهَذَا الْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزاً». فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «مَكْتُوبٌ أَنْ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ».” (لوقا 4: 2 – 4) وهنا تبدأ المُشكلة بحسب فهم ” الباحث ” حيث ان التجربة الثانية ليست تجربة جناح الهيكل ولكن التجربة الثانية هي تجربة الجبل التي وردت في إنجيل متى انها التجربة الأخيرة وليست الثانية ” ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «لَكَ أُعْطِي هَذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ». فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ». (لوقا4: 5 – 8))، والتجربة الثالثة بالطبع هي تجربة جناح الهيكل بحسب رواية لوقا “ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَأَقَامَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ مِنْ هُنَا إِلَى أَسْفَلَ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ وَأَنَّهُمْ عَلَى أَيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». فَأَجَابَ يَسُوعُ: «إِنَّهُ قِيلَ: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ». وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ.” (لوقا 4: 9 – 13)، إذن بحسب رواية لوقا (1) تجربة تحويل الخبز، (2) تجربة الجبل، (3) تجربة جناح الهيكل.

 

لكن المُشكلة حقاً التي أراها إن السائل [1] لم يتعرض إلى مُقارنة حقيقية بين الروايتين! صحيح إنه عرض الروايتين، الرواية بحسب متى والرواية بحسب لوقا، ثم وضع العقدة بالمُنشار وقال تناقض صارخ!، هذا حقاً عبث وأمر مُضحك ومُبكي في نفس الوقت، مُضحك لأن هذه ليست طريقة عقلية أبداً في دراسة أي شيء ومُحزن إن هذا السائل له من يُجله ويعتبره صاحب علم.

 

لا إشكال انت صاحب علم فقدم علم، لكن ما هو العلم في عدم البحث؟ هل ينزل عليك وحياً فتعرف ان هذا خطأ وذاك تناقض؟، هل قدم السائل تحليل لما ورد في كل من رواية متى ولوقا من الناحية اللغوية على الأقل؟ فإن كان على الادعاءات فلدي الكثير لكن هل من إثبات!؟، فبما ان السائل أفترض ان الروايتان مُتناقضتان فكان عليه دراستهما وتحليلها هما الإثنين، ومن الملحوظ ان السائل لم يقترب من قريب او بعيد إلى التعبيرات اليونانية المُستخدمة في رواية التجربة في إنجيل متى! رغم إنه بنفسه استخدم كتاب “تحليل لغة إنجيل متى” للدكتور موريس تواضروس! فهل أنت تأخذ ما يعجبك وما يُخالف قضيتك تتركه!، هل هذا هو البحث؟ هل هذا هو الحياد!؟

 

هل كتب متى القصة بتسلسل زمني؟

حينما نُريد ان نعرف هل كتب متى هذه القصة بتسلسل زمني أم لا، فعلينا ان نفحص التعبيرات التي استخدمها، هل هي تعبيرات يونانية مُبسطة مُمكن ان تُعني التسلسل الزمني او ربما الموضوعي، ام متى قد كتب بتسلسل زمني، فما يجب ان نقوم به هو تحليل المُصطلحات التي إستخدمها متى في روايته لحادثة التجربة، فمتى في روايته استخدم تعبيرين في العدد الخامس والثامن فيقول

“ثُمَّ [Τότε]أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ ” (متى 4:5)، ثُمَّ  [πάλιν]أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا (متى 4:8). والتعبيران يُستخدمان للظرف الزماني، فبالتالي نحن نقول ان متى كتب هذه القصة بترتيب زمني، اي حادثة تحويل الخبز أولا، وتجربة جناح الهيكل ثانياً وتجربة الجبل ثالثاً وأخيراً.

 

تحليل كلمة Τότε

τότε an adverb of subsequent time, correlated to ὅτε (when, while, as long as); (1) used correlatively withὅτε when … then (MT 13.26); (2) as a time marker at that time, then (MT 2.17); (3) in narration to introduce what follows in time then, thereupon (MT 2.7) [2]

 

τότε adv. then, at that time (ἀπό τότε from that time on, after that; ὁ τ. κόσμος the then-existing world 2 Pe 3:6); thereupon, next, after that[3] 

 

5538 τότε (tote): adv.; ≡ Str 5119—LN 67.47 then, when, at that time (Mt 24:23; Heb 9:17 v.r.)[4]

 

τότε tote at that time; then, thereupon

This correlative adv. of time occurs 160 times in the NT and is esp. preferred by Matthew (90 occurrences; 21 in Acts, 15 in Luke, 10 in John, 6 in Mark). Two kinds of usage can be distinguished.

  1. Τότε refers to far off, more distant time. a) The past (at that time): Matt 2:17; 4:17; 16:21; 26:16; 27:9, 16; Luke 16:16; Gal 4:8, 29; Heb 12:26; 2 Pet 3:6. b) The future (then): Matt 13:43; 1 Cor 13:12 (bis). c) Time defined by a condition (then): 2 Cor 12:10.
  2. Τότε in the sense of thereafter introduces that which (immediately) follows temporally (BDF §459: nonclassical): Matt 2:7, 16; 3:13, 15; 4:1, 5, 10, 11; 8:26; 12:22, and elsewhere; Luke 11:26; 14:21; 21:10; 24:45; Acts 1:12; 4:8. Καὶ τότε occurs in Matt 7:23; 16:27; 24:10, 14, 30 (bis); Mark 13:21, 26, 27; Luke 21:27; 1 Cor 4:5; Gal 6:4; 2 Thess 2:8. Τότε οὖν (“so then”) occurs in John 11:14; 19:1, 16; 20:8. Often ὅταν(with aor. subjunc.) is used in conjunction with τότε (“when … then”): Matt 24:16; 25:31; Mark 13:14; Luke 5:35; 21:20; John 8:28; 1 Cor 15:28, 54; 16:2; Col 3:4.[5]

 

τότε tote; from the neut. of 3588 and 3753; then, at that time:— then(146), time(10).[6]

 

TOTE (τότε , (5119)), a demonstrative adverb of time, denoting at that time, is used (a) of concurrent events, e.g., Matt. 2:17; Gal. 4:8, “at that time;” ver. 29, “then;” 2 Pet. 3:6, “(the world) that then was,” lit., ‘(the) then (world);’ (b) of consequent events, then, thereupon, e.g., Matt. 2:7; Luke 11:26; 16:16, “[from (A.V., since)] that time;” John 11:14; Acts 17:14; (c) of things future, e.g., Matt. 7:23; 24:30 (twice), 40; eight times in ch. 25; 1 Cor. 4:5; Gal. 6:4; 1 Thess. 5:3; 2 Thess. 2:8. It occurs 90 times in Matthew, more than in all the rest of the N.T. together.[7]

 

τότε, demonstr. adv. of time, (fr. the neut. art. τό, and the enclit. τέ [q. v.]; answering to the relative οτε[Kühner § 506, 2 c.]), fr. Hom. down, then; at that time;

then i. e. at the time when the things under consideration were taking place, (of a concomitant event): Mt. 2:17 (τότε ἐπληρώθη); 3:5, 13; 12:22, 38; 15:1; 19:13; 20:20; 27:9, 16; Ro. 6:21; foll. by a more precise specification of the time by means of an added participle, Mt. 2:16; Gal. 4:8; opp. to νῦν, Gal. 4:29; Heb. 12:26; ὁ τότε κόσμος, the world that then was, 2 Pet. 3:6.

then i. e. when the thing under consideration had been said or done, thereupon; so in the historical writers (esp. Matthew), by way of transition from one thing mentioned to another which could not take place before it [W. 540 (503); B. § 151, 31 fin.]: Mt. 4:1, 5; 26:14; 27:38; Acts 1:12; 10:48; 21:33; not infreq. of things which took place immediately afterwards, so that it is equiv. to which having been done or heard: Mt. 2:7; 3:15; 4:10 sq.; 8:26; 12:45; 15:28; 17:19; 26:36, 45; 27:26 sq.; Lk. 11:26; τότε οὖν, Jn. 11:14 [Lchm. br.οὖν]; 11:1, 16; 20:8; εὐθέως τότε, Acts 17:14; τότε preceded by a more definite specification of time, asμετά τὸ ψωμίον, Jn. 13:27; or by an aor. ptcp. Acts 28:1. ὅτε … τότε, etc., when … then: Mt. 13:26; 21:1; Jn. 12:16; ὡς … τότε, etc., Jn. 7:10; 11:6; preceded by a gen. absol. which specifies time, Acts 27:21. ἀπό τότε from that time on, see ἀπό, I. 4 b. p. 58b.

of things future; then (at length) when the thing under discussion takes place (or shall have taken place):τότε simply, Mt. 24:23, 40; 25:1, 34, 37, 41, 44 sq.; opp. to ἄρτι, 1 Co. 13:12; καὶ τότε, Mt. 7:23; 16:27; 24:10, 14, 30; Mk. 13:21, 26 sq.; Lk. 21:27; 1 Co. 4:5; Gal. 6:4; 2 Th. 2:8; καὶ τότε preceded by πρῶτον, Mt. 5:24; 7:5; Lk. 6:42. ὅταν (with a subjunc. pres.) … τότε, etc. when … then, etc. [W. § 60, 5], 2 Co. 12:10; 1 Th. 5:3; ὅταν (with an aor. subj. i. q. Lat. fut. pf.) … τότε, etc., Mt. 9:15; 24:16; 25:31; Mk. 2:20; 13:14; Lk. 5:35; 21:20 sq.; Jn. 2:10 [T WH om. L Tr br. τότε]; 8:28; 1 Co. 15:28, 54; 16:2; Col. 3:4. of the N. T. writ. Matthew uses τότε most frequently, ninety-one times [(so Holtzmann, Syn. Evang. p. 293); rather, eighty-nine times acc. to R T, ninety times acc. to G L Tr WH]; it is not found in [Eph., Phil., Philem., the Past. Epp., the Epp. of Jn., Jas., Jude], the Rev.[8]

 

[5538] τότε tote 160x Mt 2:17; 3:5; 11:20; then, Mt 12:29; 13:26; 25:31; ἀπὸ τότε, from that time, Mt 4:17; 16:21; ὁ τότε, which then was, 2 Pet. 3:6 [5119][9]

 

تحليل كلمة παλιν

πάλιν adverb; (1) with verbs of going, sending, turning, etc., denoting backward direction back (JN 11.7); (2) denoting a return to a previous state or activity again (JN 4.13); (3) denoting repetition again, once more, anew (MT 26.43, 44); (4) denoting continuation furthermore, again, often used in series of quotations or sayings introduced by a formula (MT 13.45; HE 1.5); (5) denoting a turn of thought on the other hand, in turn, again (1J 2.8)[10]

 

πάλιν adv. again, once more (εἰς τὸ πάλιν͂πάλιν 2 Cor 13:2); back; furthermore; on the other hand, yet [11]

4099 πάλιν (palin): adv.; ≡ Str 3825—1. LN 89.97 also, furthermore, again; a marker of adding to an idea, involving repetition (Ro 15:10–12; Jn 8:2, 8 v.r.); 2. LN 89.129 on the other hand; a marker of contrast (Mt 4:7; 2Co 10:7); 3. LN 67.55 εἰς τὸ πάλιν (eis to palin), again (2Co 13:2+)[12]

πάλιν palin; a prim. word; back (of place), again (of time), further:— again(127), again*(1), another(1), back(4), once more(4), other hand(3).[13]

πάλιν, adv., fr. Hom. down;

  1. anew, again, [but the primary meaning seems to be back; cf. (among others) Ellendt, Lex. Soph. s. v. ii. p. 485];
  2. joined to verbs of all sorts, it denotes renewal or repetition of the action: Mt. 4:8; 20:5; 21:36; 22:1, 4; Mk. 2:13; 3:20; Lk. 23:20; Jn. 1:35; 4:13; 8:2, 8, 12, 21; 9:15, 17; 10:19; Acts 17:32; 27:28; Ro. 11:23; 1 Co. 7:5; 2 Co. 11:16; Gal. 1:9; 2:18; 4:19; 2 Pet. 2:20; Phil. 2:28; 4:4; Heb. 1:6 (where πάλιν is tacitly opposed to the time when God first brought his Son into the world, i. e. to the time of Jesus’ former life on earth); Heb. 5:12; 6:1, 6; Jas. 5:18; Rev. 10:8, 11; πάλιν μικρόν sc. ἔσται, Jn. 16:16 sq. 19; εἰς τὸ πάλιν, again (cf. Germ. zum wiederholten Male; [see εἰς, A. II. 2 fin.]), 2 Co. 13:2; with verbs of going, coming, departing, returning, where again combines with the notion of back; thus with ἄγωμεν, Jn. 11:7; ἀναχωρεῖν, Jn. 6:15 [where Tdf. φεύγει and Grsb. om. πάλιν], (cf. ib. 3); ἀπέρχεσθαι, Jn. 4:3; 10:40; 20:10; εἰσέρχεσθαι, Mk. 2:1; 3:1; Jn. 18:33; 19:9; ἐξέρχεσθαι, Mk. 7:31; ἔρχεσθαι, Jn. 4:46; 14:3; 2 Co. 1:16; 12:21 [cf. W. 554 (515) n.; B. § 145, 2 a.]; ὑπάγειν, Jn. 11:8; ἀνακάμπτειν, Acts 18:21; διαπερᾶν, Mk. 5:21; ὑποστρέφειν, Gal. 1:17;ἡ ἐμὴ παρουσία πάλιν πρὸς ὑμᾶς, my presence with you again, i. e. my return to you, Phil. 1:26 [cf. B. § 125, 2]; also with verbs of taking, Jn. 10:17 sq.; Acts 10:16 Rec.; 11:10.
  3. with other parts of the sentence: πάλιν εἰς φόβον, Ro. 8:15; πάλιν ἐν λύπῃ, 2 Co. 2:1.
  4. πάλιν is explained by the addition of more precise specifications of time [cf. W. 604 (562)]: πάλιν ἐκ τρίτου, Mt. 26:44 [L Tr mrg. br. ἐκ τρ.]; ἐκ δευτέρου, Mt. 26:42; Acts 10:15; πάλιν δεύτερον, Jn. 4:54; 21:16;πάλιν ἄνωθεν, again, anew, [R. V. back again (yet cf. Mey. ad loc.)], Gal. 4:9 (Sap. 19:6; πάλιν ἐξ ἀρχῆς, Arstph. Plut. 866; Plat. Eut. p. 11 b. and 15 c.; Isoc. areiop. 6 p. 338 [p. 220 ed. Lange]; cf. W. u. s.).
  5. again, i. e. further, moreover, (where the subject remains the same and a repetition of the action or condition is indicated): Mt. 5:33 (πάλιν ἠκούσατε); 13:44 (where T Tr WH om. L br. πάλιν), 45, 47; 19:24; Lk. 13:20; Jn. 10:7 [not Tdf.]; esp. where to O. T. passages already quoted others are added: Mt. 4:7; Jn. 12:39; 19:37; Ro. 15:10–12; 1 Co. 3:20; Heb. 1:5; 2:13; 4:5; 10:30; Clem. Rom. 1 Cor. 15, 3 sq. and often in Philo; cf. Bleek, Br. a. d. Hebr. 2:1 p. 108.
  6. in turn, on the other hand: Lk. 6:43 T WH L br. Tr br.; 1 Co. 12:21; 2 Co. 10:7; 1 Jn. 2:8, (Sap. 13:8; 16:23; 2 Macc. 15:39; see exx. fr. prof. auth. in Pape s. v. 2; Passow s. v. 3; [Ellendt u. s. (ad init.); L. and S. s. v. III.; but many (e. g. Fritzsche and Meyer on Mt. 4:7) refuse to recognize this sense in the N. T.]). John uses πάλιν in his Gospel far more freq. than the other N. T. writ., in his Epp. but once; Luke two or three times; the author of the Rev. twice.[14]

 

[4099] πάλιν palin 141x pr. back; again, back again, Jn 10:17; Acts 10:16; 11:10; again by repetition, Mt 26:43; again in continuation, further, Mt 5:33; 13:44, 45, 47, 18:19; again, on the other hand, 1 Jn. 2:8 [15]

 

πάλιν palin, pal´-in; prob. from the same as 3823 (through the idea of oscillatory repetition); (adv.)anew, i.e. (of place) back, (of time) once more, or (conj.) furthermore or on the other hand:—again.

παμπληθεί pamplēthĕi, pam-play-thi´; dat. (adv.) of a comp. of 3956 and 4128; in full multitude, i.e.concertedly or simultaneously:—all at once.[16]

 

هل كتب لوقا القصة بتسلسل زمني؟

بما أن لوقا يختلف في السرد من ناحية الترتيب مع إنجيل متى فمن الطبيعي ان يكون هناك سبباً لهذا الإختلاف، ما أقصده ان هناك منهج مُختلف تم إتباعه من متى ومن لوقا، فإننا أستفضنا في التعبيرات التي استخدمها إنجيل متى، فهي تعبيرات زمنية فبالتالي متى يَكتب القصة بترتيب زمني، وهنا يأتي السؤال الهام هل لوقا إتبع نفس الطريقة في كتابته نفس القصة؟ في الواقع الإجابة، لا، فكما قلنا ان متى إستخدم تعبير Τότε وتعبير πάλιν، لكننا نجد هنا في رواية لوقا يستخدم مُصطلحات بسيطة في سرد القصة مثل και، والتي تعني ببساطة “و” أي أنها أداة عطف الأحداث وليست أداة لترتيبها.

وهنا لنا أضحوكة، فقد أورد السائل إعتراض ان لوقا لم يستخدم مُصطلح και لكن بحسب أقدم المخطوطات والنسخ اليونانية النقدية استخدم لوقا في العدد التاسع كلمة أخرى وهيδε، فهل كلمة δε تنفي القول بأن لوقا لم يكتب هذه الحادثة بترتيب زمني!؟، بالطبع لا، فـ και، أو δε هما حروف عطف!، فكنت أنتظر ان يثبت من خلال الدليل الداخلي لرواية لوقا إنه كتبها بترتيب زمني، ولكن هذا ما لم ولن يثبته.

ونُقدم بعض القواميس حول كلمة δέ، رغم إنه من المُسلم به إن لا تغيير في أي شيء فلوقا لم يستخدم أي مُصطلحات زمنية.

 

تحليل كلمة δέ

δέ conjunctive particle; (1) most commonly to denote continuation and further thought development, taking its specific sense from the context and; contrast but; transition then, now (with no temporal sense); (2) to emphasize contrast; as a correlative with μέν (on the one hand) … but (on the other hand) (MT 3.11); after a negative but rather, instead (HE 4.13); (3) to introduce background material into a narrative now (with no temporal sense) or left untranslated (JN 11.18; this use is especially characteristic of John’s Gospel); (4) to resume an interrupted discourse and, then, or left untranslated (LU 4.1); (5) used with other particles: δὲ καί but also, but even (MT 10.30); καὶ … δέ and indeed, and also, but also (1J 1.3) [17]

 

δέ but, to the contrary, rather; and; now, then, so; δὲ καί but also, but even; μὲν… δέ on the one hand …on the other hand [18]

 

1254 δέ (de): pt. and cj.; ≡ Str 1161—1. LN 89.94 and, a marker of an addition, sometimes implying a contrast (Tit 1:1); 2. LN 89.87 and then, a marker of closely related events (Mt 1:2); 3. LN 89.124 but, a marker of contrast (Mt 22:14; Jn 7:10); 4. LN 91.4 νυνὶ δέ (nyni de), and so, but now; a marker of a summary statement (1Co 13:13), see BAGD and grammars for more in-depth analysis[19]

 

δέ (Hom.+; inscr., pap., LXX) one of the most commonly used Gk. particles, used to connect one clause w. another when it is felt that there is some contrast betw. them, though the contrast is oft. scarcely discernible. Most common translations: but, when a contrast is clearly implied; and, when a simple connective is desired, without contrast; freq. it cannot be translated at all.

  1. to emphasize a contrast—a. gener. Mt 6:1, 6, 15, 17; 8:20; 9:17; 23:25; Mk 2:21f; Lk 5:36f; 10:6; 12:9f; 13:9; 1 Cor 2:15 and oft.
  2. for the correlative use μέν—δέ see μέν.
  3. in lists of similar things, to bring about a clearer separation betw. the things listed Mt 1:2-16; 2 Pt 1:5-8; relating one teaching to another Mt 5:31; 6:16; Ro 14:1; 1 Cor 7:1; 8:1; 12:1; 15:1; 16:1.
  4. after a negative rather (Wsd 2:11; 4:9; 7:6 al.; 2 Macc 4:5; 5:6 al.; 3 Macc 2:24; 3:15) Mt 6:33; Lk 10:20; Ac 12:9, 14; Ro 3:4; Eph 4:15; Hb 4:13, 15; 6:12; 9:12; strengthened δὲ μᾶλλον 12:13; Mt 10:6, 28.
  5. introducing an apodosis after a hypothetical or temporal protasis, and contrasting it with the protasis (Kühner-G. II 275f; Epict. 1, 4, 32; 1 Macc 14:29; 2 Macc 1:34; Act. Thom. 98) Ac 11:17 t.r.; 2 Pt 1:5 (for the protasis vs. 3f); Col 1:22 (where the participial constr. vs. 21 represents the protasis; Ep. Arist. 175; 315).
  6. very freq. as a transitional particle pure and simple, without any contrast intended now, then Mt 1:18, 24; 2:19; 3:1; 8:30; Mk 5:11; 7:24; 16:9; Lk 3:21; 12:2, 11, 13, 15f, 50; 13:1, 6, 10; 15:1, 11 al.; Ac 4:5; 6:1, 8; 9:10; 12:10, 17, 20; 23:10; 24:17; Ro 8:28; 1 Cor 16:12, 17; 2 Cor 4:7; 8:1; Gal 3:23. Esp. to insert an explanation that is (Aeschyl., Choeph. 190) Ro 3:22; 9:30; 1 Cor 10:11; 15:56; Eph 5:32; Phil 2:8. So in parentheses (Thu. 1, 26, 5 ἔστι δὲ ἰσθμὸς τὸ χωρίον) ἦσαν δὲ ἡμέραι τῶν άζύμων Ac 12:3.
  7. resuming a discourse that has been interrupted Mt 3:4; Lk 4:1; Ro 5:8; 2 Cor 10:2
  8. used w. other particles—a. δὲ καί but also, but even (2 Macc 12:13; 15:19; Ep. Arist. 40 al.) Mt 3:10 t.r.; 10:30; 18:17; Mk 14:31; Lk 11:18; 16:22; J 2:2; 3:23; 18:2, 5; Ac 22:28; 1 Cor 15:15.—ἔτι δὲ καί and (even) (EpJer 40; 2 Macc 10:7; Ep. Arist. 35; 151) Lk 14:26 v.l.; Ac 2:26 (Ps 15:9).
  9. καὶ… δέ and also, but also (Kühner-G. II 253; Wsd 7:3; 11:20; 1 Esdr 1:47; 1 Macc 12:23; 2 Macc 11:12; 4 Macc 2:9; Ep. Arist. index) Mt 10:18; 16:18; J 6:51; 8:16f; 15:27; Ac 3:24; 22:29; 1 Ti 3:10; 2 Ti 3:12; 1J 1:3. Cf. Hatch 141f.—Usually δέ comes second in its clause, somet. third (Lucian, Tim. 48, Dial. Mar. 4, 2; Alex. Aphr., Fat. 36, II 2 p. 208, 20; 209, 6) Mt 10:11; 18:25; Mk 4:34; Lk 10:31; Ac 17:6; 28:6 al., occasionally fourth (Menand., Epitr. 64; 309; Archimed. II 150, 10 Heib.; Lucian, Adv. Ind. 19 p. 114; PHib. 54, 20 [245 bc]; Wsd 16:8; 1 Macc 8:27) Mt l0:18; J 6:51; 8:16; 1 Cor 4:18; 1J 1:3, or even fifth (Lucian, Apol. 12 p. 722; Alex. Aphr., An. II 1 p. 34, 8; 57, 15; 1 Esdr 1:22; 4 Macc 2:9) J 8:17; 1J 2:2; IEph 4:2.—Epict. index p. 542 Sch.; HGMeecham, The Letter of Aristeas ’35, 136; 154f.[20]

 

δέ+   X 1554-155-259-1620-1298=4887

Gn 1,2; 2,6.10.12.14

connecting part., often it cannot be translated Gn 2,12; and Gn 1,2; but Gn 2,6; rather (after neg.) Wis 2,11; introducing an apodosis after hypothetical or temporal protasis 2 Mc 1,34

… μὲν… δὲ… on the one hand… on the other hand… Gn 38,23; δὲ καί but also, but even 2 Mc 12,13; ἔτιδὲ καί and (even) LtJ 40; καὶ… δέ and also, but also Wis 7,3

Cf. Aejmelaeus 1982 34-47.139.151-152[21]

 

  • الترتيب في سرد إنجيل لوقا وعلاقته بحادثة التجربة

قد حاول السائل ان يؤكد ان إنجيل لوقا كتابا مُرتباً في سرده للغاية[22]، مما يُعني ان كتابته لحادثة التجربة كانت مرتبة زمنياً مُستخدماً افتتاحية انجيل لوقا في العدد الثالث ” رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيقٍ أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ “(لوقا 1:3) وبالتالي يكون متى ولوقا كتبوا بترتيب زمني فبالتالي يكون هناك تناقض.

 

ولا اعلم هل اعتبر هذا بمثابة رفع الراية البيضاء من السائل ان يُقدم أي شيء في رواية لوقا للتجربة تؤكد ترتيبه الزمني في كتابة حادثة التجربة أم انها مُحاولات للخروج من هذا المأزق الذي وضع نفسه فيه بنفسه؟ واستشهد السائل ببعض الترجمات العربية وغيرة التي تُفيد ان لوقا كتب بشكل مُنظم ومُرتب ومتسلسل. لكن ما هي المُشكلة في ذلك!؟ فليس معنى ان لوقا قد قام بسرد مُرتب من ناحية الأحداث ذاتها ان يكون كل حدث مُرتب زمنياً بشكل صارم، فبما انه لا يوجد ما يجعلنا نقول ان لوقا لم يكتب حادثة التجربة بشكل مُرتب زمنياً بصرامة فلماذا نفترض إنه كتبها بشكل مُرتب زمنياً إذن!؟

فهل إذا قُلنا ان عمارة المُستشار (س) عمارة مساحتها ضخمة، هل هذا يُعني ان كل شقة في هذه العمارة تكون مساحتها ضخمة!؟ بالطبع هذا هو السخف المنطقي الذي وقع فيه هذا السائل فهو يُعمم الخاص! وعجبي على العقول، فكلام السائل خير دليل ان للصمت قيمة عُظمى.

 

والعجيب أنه بنفسه إستشهد بالترجمة اليسوعية لنص لوقا ١ : ٣ للتدليل على أن لوقا كتب بترتيب زمني ، ولكنه في نفس الوقت تجاهل عن عمد أو عن جهل ما تقوله الترجمة اليسوعية في هامش التعليق على نفس هذا النص !!

حيث تقول : ” سنرى في كتاب لوقا أن المقصود [أي المقصود من قول لوقا] ليس ترتيباً زمنياً في الدرجة الأولى، بل ترتيباً أدبياً وتعليمياً “. [23] فما عذر هذا الباحث إذن؟؟!

إستشهد السائل أيضاً بقول الدكتور القس إبراهيم سعيد في مقدمة تفسيره لإنجيل لوقا، مُقتطعاً القول من سياقه.

 حيث يقول الدكتور إبراهيم : ” بشارة لوقا هي بشارة الدقة والنظام في تسجيل الحوادث ، بالترتيب التاريخي، مصداقاً لقوله ” تتبعت من الأول كل شئ بتدقيق” . فهو يؤرخ الحوادث الدينية بمناسبات مدنية سياسية . كأن يقول مثلاً : ” كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا “ ( ١ : ٥ ) ، ” وهذا الاكتتاب الأول جرى إذ كان كيرينيوس والي سورية “ ( ٢ : ٢ )، ” وفي السنة الخامسة عشرة من سلطنة طيباريوس قيصر، إذ كان بيلاطس البنطي واليا على اليهودية … في أيام رئيس الكهنة حنان وقيافا، كانت كلمة الله على يوحنا “ ( ٣ : ١-٢ ) .” [24]

 

مُعلقاً عليه هذا السائل : ” دقة ونظام في تسجيل الحوادث بحسب الترتيب التاريخي، وليس كما زعم القس منيس عبد النور… “.

بالطبع هذا فهْم ضحل وعقيم جداً لكلام القس إبراهيم . فما أراد القس تأكيده مختلف تماماً عما فهمه هذا السائل.

الدكتور كان يبرهن على أن لوقا كتب هيكلة إنجيله بطريقة تاريخية أي بربط أحداث حياة يسوع مع الأحداث التاريخية السياسية. مُدللاً على ذلك ببعض الأعداد والتي تعرض ذلك . على سبيل المثال ، قول لوقا البشير : ” في أيام هيرودس الملك… إذ كان كيرينيوس والي سورية… في السنة الخامسة عشرة من سلطنة طيباريوس…إلخ”.

فهنا نجد محاولة الرسول لوقا لربط الأحداث “الدينية” بأحداث “مدنية وسياسية” . فلم يقل القس نهائياً أن لوقا كتب كل الأحداث بتسلسل زمني بالمعنى الذي فهمه هذا السائل والذي يقتضي بموجبه وجود تناقض مع إنجيل متى!

بالطبع الآن إتضح لماذا إقتطع السائل كلام القس إبراهيم دون قراءة الأمثلة التي أوردها الدكتور بنفسه لتثبيت كلامه !! ولمزيد من التوضيح ، نقرأ تعليق الدكتور القس إبراهيم سعيد في نفس الكتاب الذي إستشهد منه الباحث .

حيث يقول الدكتور مُعلِقاً على أحداث التجربة : ” يذكر متى التجارب حسب وضعها التاريخي ويذكرها لوقا حسب ترتيبها المنطقي والاختباري… ولا يبعد أن لوقا باعتبار كونه “الطبيب” قد ذكر هذه التجارب بترتيبها النفسي ”السيوكولوجي“ .” [25]

فالأن إتضح كلام القس إبراهيم، يقول صراحةً أن لوقا كتب بترتيب منطقي وليس زمني كما ادعى السائل وتَقَوَّل على الدكتور بما لم يقله! فهل أفلس هذا “الباحث” إلى هذه الدرجة؟؟!!

 

يقول ماير: ان التسلسل يُعني السرد المُنظم وليس المُرتب زمنياً ” [26]

 

ويقول إلفريد بلامر: لوقا لا يُعطي مُجرد قصص وأقوال مُنفصلة عن بعضها البعض، ولكنه يُقدم رواية مُنظمة ومُرتبة، تعبير على التوالي (καθεξῆς) لا يُعني بالضرورة الترتيب الزمني، بل مُجرد نوع ما من الترتيب وعلى الرغم من ذلك ربما يوجد سرد مُرتب زمنياً بشكل مركزي [27]

 

كما يرى داريل بوك ان لوقا كتب بترتيب زمني بشكل عام، لكن هناك حالات مُنفردة مُستبعد منها هذا الترتيب الزمني بصورته الصارمة، فهناك ترتيب زمني عام[28]

 

وييقول هنري ألفورد: لا يجب ان نفهم من خلال كلمة على التوالي καθεξῆςان لوقا يدعي أي دقة زمنية خاصة في الكتابة والتي لم يتم العثور عليها في إنجيله [29]

 

ويقول ويليام هندريكسن وسيمون كيستميكر: كما ذكر لوقا ان الأحداث مُرتبة زمنياً فإلى حد كبير يوجد تسلسل للأحداث ومن ناحية أخرى بما يتعلق بالتفاصيل الفردية، لا يكون هذا هو الحال بشكل دائم [30]

 

تعليق ESV يقول: يُشير التنظيم إلى الترتيب المنطقي (راجع أعمال الرسل 4:11)” [31] فلوقا رتب السرد بمعنى حبل مريم ثم ميلاد يسوع ثم صباه ثم معموديته ثم مُعجزاته ثم كرازته ثم موته ثم قيامته ثم صعودة ثم فترة الرسل، لكن هذا لا يمنعه إنه في بعض الأحيان يسرد بعض الأحداث المُنفصلة عن بعضها البعض في وقت كل منها [32]

 

ويقول تعليق NLT: بعض النُسخ تُترجم هذه العبارة إلى in consecutive order، ولكنها تُشير إلى سرد مُنظم أو مكتوب بعناية وليس إلى التسلسل الزمني. [33]

 

ويقول تعليق NET: هذا التعبير لا يُعني ان السرد لجميع الأحداث يكون بالضرورة مُسجل في تسلسل زمني دقيق للذي حدثت فيه، ولكن سرد وُضع بشكل مُنظم وهذا ممكن ان يشمل السرد الموضوعي بدلاً من الترتيب الزمني الصارم. [34]

 

ويقول لينسكي: لوقا يقول إنه كتب بطريقة مُرتبة καθεξῆς هذا القول لا يُعني ان لوقا يُقدم سرد مرتب ترتيب صارم، لإنه في بداية إنجيله يذكر حادثة الناصرة التي بدأ بها خدمة يسوع (16-32: 4) ومع ذلك لم تكن خدمة يسوع بدأت.[35]

 

يقول كيلنتون أرلوند: هذا التعبير لا يُشير بالضرورة إلى ترتيب زمني صارم (بعض الأحداث في إنجيل لوقا ليست كرونولوجية)، بل هو عبارة عن سرد مُنظم أو سرد منطقي للأحداث ” [36]

 

ويقول هلال أمين: لوقا يقول لثاوفيلس أنه يكتب على التوالي أي كل شيء بترتيب ونظام، وإذ يستعرض البشير أمامنا المناظر المُختلفة فإنه لا يستعرضها كيفما أتفق أو بحسب ترتيبها التاريخي بل كل صورة في مكانها المُناسب. [37]

 

 

هل تناقض متى ولوقا؟

في نظري يبدو هذا السؤال قمة في السخافة لأن لا يوجد استدلال واحد صحيح استدل به هذا السائل، فقال ان المخطوطات تختلف في قراءة نص لوقا 4: 9 فقلنا ربما يثبت بذلك ان لوقا كتب الحادثة بترتيب زمني، ثم يقول ان المخطوطات لا تقول KAI لكنها تقول DE ! فهل أثبت بذلك دعوتك؟ لا، ثم قال كاتب الإنجيل نفسه يقول إنه يكتب بترتيب زمني، فرددنا على ذلك أعلاه، ففي الواقع هذا يُنتج أفكار وأطروحات ركيكة بل وشديدة الركاكة، فأي شخص يفحص تعبيرات ومُصطلحات إنجيل متى في سرد الحادثة وسرد لوقا للحادثة يجد ان لوقا يتحدث بشكل ضمنى ومتى يتحدث بشكل زمني.

 

إذن نُلخص النقاط السابقة في الاتي: متى قد أستخدم تعبيرات مثل TOTE، PALIN في سرده للقصة، لوقا يستخدم مُصطلحات بسيطة KAI\DE ولوقا لم يكتب إنجيله بشكل زمني صارم حتى نقول يجب ان تكون حادثة التجربة مُرتبة زمنياً.

 

يقول نورمان جيسلر: قد يكون متى يسرد هذه التجارب بترتيب زمني، لكن لوقا يسردها من الناحية الإقليمية، أي موضعياً، قد يكون هذا للتعبير عن الذروة التي يرغب في التأكيد عليها، يبدأ متى (متى 4:5) بكلمة then وفي العدد الثامن again في اللغة اليونانية تُشير هذه الكلمات إلى الترتيب الأكثر تسلسلاً للأحداث، ومع ذلك فإن السرد الذي سرده لوقا، يبدأ كل من العددين الخامس والتاسع بكلمة بسيطة and(أنظر NASB)، وفي اللغة اليونانية لا يُشير سرد لوقا بالضرورة إلى الترتيب التسلسلي للأحداث[38].

فموجز فكرة الاختلاف بين السردين هو ان متى يتحدث بترتيب زمني لكن لوقا كتبها بصورة موضوعية، وبحسب نظرية المصادر المُشتركة.

يقول جوزيف فيتزماير: ان متى احتفظ بالتقليد الأصلي [39]

 

لكن لماذا يكتبها لوقا بهذه الصورة؟ هل مثلا أراد شيئاً من هذا الترتيب الموضوعي؟ من الواضح ان لاهوت انجيل لوقا عموماً يربط ويُوضح علاقة يسوع بالهيكل فلذلك يضع إنجيل لوقا تجربة الهيكل التجربة الثالثة.

 

يقول كريج بلومبيرج: من المُحتمل ان يكون ترتيب متى مُرتب زمنياً أكثر (راجع τότε-then، متى 4/5)، والسرد موضوعي أكثر في لوقا 1-13: 4، حيث تظهر تجربة الهيكل في النهاية بإعتبارها الذروة للتأكيد على تَميز لوقا بعلاقة يسوع بالهيكل[40]

 

يقول تعليق Believer’s: يَختلف ترتيب لوقا لتجارب يسوع عن متى (متى 1-11:4) عن طريق عكس التجربة الثانية والثالثة (متى 1-3:4) يبدو ان لوقا يُقدم سرده بشكل موضوعي أو حتى جغرافي، فينتقل من مكان لمكان لإعطاء تركيز خاص، ومن الجدير بالذكر أنه يُنهي السرد في القدس والهيكل، وهذا يتماشى مع حقيقة انجيل لوقا الي يُركز بشكل أكثر من الأناجيل الأخرى [41]

 

يقول جون بيتر لانج: التجربة الثانية بحسب إنجيل متى هي التجربة الثالثة بحسب إنجيل لوقا، هذا الاختلاف ليس سببه أبداً عدم دقة تاريخية، بل سببه وجهه نظر رمزية ربطها كل من الإنجيلين في هذه التجارب. [42]

 

 

 

 

[1] لقب السائل هو لقب أنا قد وضعته لأني لا أريد ذكر اسم شخص بعينه في متن البحث كما هو مذكور في العنوان، ولم أريد ان استخدم تعبير ” معترض ” لأني ما أعرفه عن أي مُعترض هو إنه يكون له أسباب اعتراضية وحجج في الطرح وليس سوء فهم لكل شيء من البداية للنهاية، فهو ليس مُجرد شخص يسأل لكنه يظن في نفسه إنه على قدر كبير من العلم ويُقدم حقائق مُطلقة، وعجبي!

[2] Friberg, T., Friberg, B., & Miller, N. F. (2000). Vol. 4: Analytical lexicon of the Greek New Testament. Baker’s Greek New Testament library, Page. 383

[3] Newman, B. M. (1993). A Concise Greek-English dictionary of the New Testament., Page. 183

[4] Swanson, J. (1997). Dictionary of Biblical Languages with Semantic Domains: Greek (New Testament) (electronic ed.) (DBLG 5538).

[5] Balz, H. R., & Schneider, G. (1990-c1993). Exegetical dictionary of the New Testament. Translation of: Exegetisches Worterbuch zum Neuen Testament. Vol.3: Page. 367

[6] Thomas, R. L. (1998, 1981). New American Standard Hebrew-Aramaic and Greek dictionaries: Updated edition (H8674).

[7] Vine, W., & Bruce, F. Vine’s Expository dictionary of Old and New Testament words Vol.2:

[8] Thayer, J. H. (1889). A Greek-English lexicon of the New Testament: Being Grimm’s Wilke’s Clavis Novi Testamenti. Originally published: New York: Harper & Brothers, 1889.; Numerically coded to Strong’s Exhaustive concordance of the Bible., Page.629

[9] Mounce, W. D. (2006). Mounce’s Complete Expository Dictionary of Old & New Testament Words, Page. 1293

[10] Friberg, T., Friberg, B., & Miller, N. F. (2000). Vol. 4: Analytical lexicon of the Greek New Testament. Baker’s Greek New Testament library, Page.292

[11] Newman, B. M. (1993). A Concise Greek-English dictionary of the New Testament., Page.131

[12] Swanson, J. (1997). Dictionary of Biblical Languages with Semantic Domains: Greek (New Testament) (electronic ed.) (DBLG 4099, #3).

[13] Thomas, R. L. (1998, 1981). New American Standard Hebrew-Aramaic and Greek dictionaries: Updated edition (H8674

[14] Thayer, J. H. (1889). A Greek-English lexicon of the New Testament: Being Grimm’s Wilke’s Clavis Novi Testamenti. Originally published: New York: Harper & Brothers, 1889.; Numerically coded to Strong’s Exhaustive concordance of the Bible. (475). New York: Harper & Brothers.

[15] Mounce, W. D. (2006). Mounce’s Complete Expository Dictionary of Old & New Testament Words, Page.1231

[16] Strong, J., S.T.D., LL.D. (2009). A Concise Dictionary of the Words in the Greek Testament and The Hebrew Bible 1, Page.54

[17] Friberg, T., Friberg, B., & Miller, N. F. (2000). Vol. 4: Analytical lexicon of the Greek New Testament. Baker’s Greek New Testament library, Page.104

[18] Newman, B. M. (1993). A Concise Greek-English dictionary of the New Testament., Page39

[19] Swanson, J. (1997). Dictionary of Biblical Languages with Semantic Domains: Greek (New

[20] Arndt, W., Gingrich, F. W., Danker, F. W., & Bauer, W. (1996, c1979). A Greek-English lexicon of the New Testament and other early Christian literature: A translation and adaption of the fourth revised and augmented edition of Walter Bauer’s Griechisch-deutsches Worterbuch zu den Schrift en des Neuen Testaments und der ubrigen urchristlichen Literatur, Page.171

[21] Lust, J., Eynikel, E., & Hauspie, K. (2003). A Greek-English Lexicon of the Septuagint: Revised Edition. Deutsche Bibelgesellschaft: Stuttgart.

[22] اُريد ان اشكره حقيقةً فقد وفر علينا التحدث عن موثوقية إنجيل لوقا فهو يراها رواية تاريخية في مُنتهى الدقة، فهذه الرواية ” الدقيقة تاريخياً ” تقول ان يسوع قد صُلب ومات وقام، إلا تتذكر شيء؟! – ابتسامة -.

[23] الكتاب المقدس: نسخة الرهبنة اليسوعية، الطبعة الثالثة، تعليق على لو ١ : ٣ .

[24] الدكتور القس إبراهيم سعيد، شرح بشارة لوقا، الطبعة الرابعة، ص ف .

[25] نفس المرجع السابق، ص ٨٤-٨٥ .

[26] Meyer, H. A. W. Critical and Exegetical Handbook to the Gospels of Mark and Luke, Volume 1 (W. P. Dickson, Ed.) (R. E. Wallis & W. P. Dickson, Trans.). Critical and Exegetical Commentary on the New Testament, Page. 277

[27] Plummer, A. A critical and exegetical commentary on the Gospel According to S. Luke, Page.5

[28] Bock, D. L. Luke Volume 1: 1:1-9:50. Baker exegetical commentary on the New Testament, Page. 62

[29] Alford, H. (2010). Alford’s Greek Testament: An exegetical and critical commentary, vol.1: Page.441

[30] Hendriksen, W., & Kistemaker, S. J. (1953-2001). Vol. 11: New Testament commentary: Exposition of the Gospel According to Luke. Accompanying biblical text is author’s translation. New Testament Commentary, Page. 57

[31]Crossway Bibles. (2008). The ESV Study Bible Page.1942

[32] Bengel, J. A.  Gnomon of the New Testament, Volume 2, Page.3

[33] New Living Translation Study Bible. 2008 (Lk 1:3). Carol Stream, IL: Tyndale House Publishers, Inc.

[34] Biblical Studies Press. (2006; 2006). The NET Bible First Edition Notes (Lk 1:3). Biblical Studies Press.

[35] Lenski, R. C. H. The Interpretation of St. Luke’s Gospel, Page.32

[36] Arnold, C. E. (2002). Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Volume 1: Matthew, Mark, Luke., Page.324

[37] تفسير إنجيل لوقا جمع وتقديم هلال أمين موسى، صــــ14

[38] Geisler, N. L., & Howe, T. A. When critics ask: A popular handbook on Bible difficulties, Page.329

[39] Fitzmyer, J. A., S.J. (2008). The Gospel according to Luke I-IX: Introduction, translation, and notes, Page.506

[40] Blomberg, C. Vol. 22: Matthew The New American Commentary, Page. 84

[41] Believer’s Study Bible. Criswell Center for Biblical Studies. (electronic ed.) (Lk 4:1). Nashville: Thomas Nelson.

[42] Lange, J. P., & Schaff, P. (2008). A commentary on the Holy Scriptures: Matthew, Page.84.

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

نص الشبهة ٢:

يقول السائل: ” هذه القصة فيها عدد من المصائب الأخرى، تخيل أن إبليس بيقول لإله هذا الكون (اللي هو رب العالمين حسب إعتقاد النصاري المسيحيين)، إبليس بيقوله: سأعطيك كل هذه الممالك، هو مش المفروض إن الكون ده كله مملوك لله رب العالمين؟ طيب كيف يقول الشيطان لرب العالمين هذا؟ تخيل بواب عمارة بيقول لصاحب العمارة، سأعطيك هذه العمارة إذا سجدت لي؟ هل هذا الكلام معقول؟… “

 

بالطبع هذا الكلام غير معقول! فكيف للشيطان أن يتجاسر ويطلب السجود من الله مقابل إعطاءه ما هو ملكه بالفعل!! لكن ما غفل عنه هذا “الباحث”، هو أن الشيطان لم يكن متأكداً من هوية المسيح الكاملة. فالذي أمامه كان شخصاً بشرياً يجوع ويعطش ويشرب وينام إلخ، ولكن في نفس الوقت له سلطان واضح على الشياطين ولشفاء المرضى وإقامة الموتى وغفران الخطايا إلخ، ولذلك كان متردداً كثيراً حول ماهية المسيح الحقيقية، أهو الإله أم مجرد إنسان.

فالشيطان كل ما كان يعرفه هو أن يسوع هو المسيا المنتظر، المُرسَل من الله. فالمسيح حينها لم يكن قد أعلن عن مجده بصورة كامله، رغم أنه في كثير من المواضع صرح بلاهوته.

 

يقول الأنبا بيشوي: لقد أُصيبَ الشيطان بالارتباك، فكلما شعر أن المسيح هو ابن الله أو قدوس الله، يعود فيحتار من تواضعه العجيب… ففكرة إخلاء الذات [أي التجسد] في حد ذاتها، كانت بعيدة جداً عن حسابات الشيطان الممتلئ غروراً وكبرياءً. وحقيقة أن السيد المسيح يخفي مجده المنظور عندما تجسد آخذاً صورة عبد؛ كانت فوق تصوره، لهذا ارتبك الشيطان عند ميلاد المسيح… “.[1]

 

يقول القديس الأنبا ساويرس: “وكما أخفى إبليس روحه عنهم [أي عن آدم وحواء] في حية، واحتال عليهم حتى أخذهم، كذلك أخفى ابن الله لاهوته عن إبليس في جسد إنسان، وفعل كل ما يفعله الإنسان ما خلا الخطية، حتى يظن إبليس انه إنسان حقيقي…”. [2]

 

يقول العلامة أوريجانوس: ” لم يعرف [إبليس] أن “ابن الله” صار بشراً، لأن الله أخفى عنه تجسده الفائق الوصف…”[3]

 

إذن الخلاصة هي: الشيطان كان متردداً ومتشككاً في هوية المسيح الحقيقية، فتارة يراه إنساناً كاملاً يجوع ويعطش، وتارة أخرى يرى سلطانه وتصريحاته عن لاهوته.

 

يكمل هذا ” الباحث” ويقول: ” وهل من الممكن أن إبليس يأخذ خالقه ليطوف به أربعين يوماً ويأخذه من هنا إلى هنا؟! “.

وبعدما نقضنا هذا السؤال الساذج، إذ أن إبليس لم يكن متأكدا من هوية المسيح، فكيف يكون إبليس عارفًا أن المسيح هو الله ثم يحاول إغراؤه بالممالك الأرضية التي خلقها الله نفسه؟ فالمعترض يفتقد لأبسط درجات المنطق الحواري، إذ أن إبليس لو كان يعلم تمام العلم أن المسيح هو الله، فما كان له أن يجربه، وكيف يجربه وهو متأكدا من هويته؟ بل كيف يتقدم لصلبه وهو يعلم أنه الله وأن بصلبه ستُهزم مملكة إبليس رأسًا على عقب؟، نأتي الآن لنقطة هامة وهي: هل كان يطوف إبليس بالمسيح (أي يأخذه من مكان لأخر) غصباً عنه؟!

بالطبع الوحي المقدس لم يقل هذا مطلقًا، بل على العكس؛ الإنجيليان يقولان إن المسيح ذهب إلى البرية مُقتادً من الروح القدس ليَجَرب من إبليس (مت ٤: ١؛ لو ٤: ١)، أي أن المسيح هو من ذهب بكامل إرادته ليجربه إبليس كنائب عن البشرية. فالتجربة التي أخطأ فيها آدم الأول في جنة عدن، يصححها الآن آدم الثاني (المسيح) بانتصاره على الشيطان في ثلاث تجارب.

أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ ٱلْأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِٱلرُّوحِ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ. وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِي تِلْكَ ٱلْأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيرًا. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللهِ، فَقُلْ لِهَذَا ٱلْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزًا». (لوقا ٤: ١-٣).

 

ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ مِنَ ٱلرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ ٱلْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ ٱلْحِجَارَةُ خُبْزًا». (متى ٤: ١-٣).

 

أما عن قول القديس لوقا “ثم أصعده إبليس… ” (لو ٤: ٥)، فكلمة “اصعده” جاءت في اليونانية ” ἀναγαγὼν”، وهي تعني: قاده، أرشده، قاد المسيرة. [4] أما عن قول القديس متى “ثم أخذه إبليس…” (مت ٤: ٥)، فكلمة “أخذه” جاءت في اليونانية “παραλαμβάνω”، وهي تعني: يرافق، يأخذ، يقبل، يزامل. ففي الأناجيل تعني هذه الكلمة في العموم أن يأخذ أحد شخصاً معه، أي يصطحبه.[5]

وهي نفس الكلمة التي استخدمها القديس متى نفسه في وصفه ليسوع عندما أخذ التلاميذ لجبل التجلي:

وبعد ستة أيام أخذ “παραλαμβάνει” يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين. (مت ١٧: ١)

فهل من المنطقي أن نفهم أن يسوع أخذ التلاميذ غصباً عنهم، وهم مسلوبي الإرادة؟! بالطبع لا، ذهبوا معه بكامل إرادتهم، ولكن يسوع هو من حدد المكان والطريق.

 

يقول “Vincent”: هذا الفعل هو نفسه الذي تستخدمه الأناجيل الثلاثة وهي تتحدث عن يسوع عندما أخذ تلاميذه وصعد بهم إلى جبل التجلي (مت ١٧: ١، مر ٩: ٢، لو ٩: ٢٨) وهذا يدعونا إلى القول بأن المسيح كان يذهب إلى المكان الذي يختاره إبليس ويحدده للتجربة. مع ذلك فالسيد المسيح يذهب إلى المكان ليس إضطراراً بل بمحض إرادته وكامل حريته من قِبَل مشيئته.[6]

 

يقول “Barnes”: ثم أخذه إبليس – هذا لا يعني أنه حمله في الهواء، أو أنه أجبره على الذهاب ضد إرادته، أو أنه بمعجزة بأي طريقة وضعه هناك. لا يوجد أي دليل على أن الشيطان لديه القدرة على القيام بأي من هذه الأشياء، حيث أن الكلمة المترجمة هنا تدل على أنه لا يعني أي شئ من هذا القبيل. فهي تعني يوَّصل شخصاً، يقود شخصاً؛ لحضور أو يرافق شخصاً؛ أو لحث شخص على الذهاب. إنها تستخدم في الأماكن التالية بنفس المعنى: (مت ١٧: ١)، (مت ٢٠: ١٧)…. من هذه العبارات، وأكثر بكثير، يبدو أن المقصود هنا هو، أن إبليس وصَّل يسوع، أو رافقه؛ ولكن ليس أن هذا قد تم ضد إرادة يسوع.[7]

 

نص الشبهة ٣:

يكمل المشكك بقوله: ” وفي مصيبه كمان، الشيطان عندما كان يُري يسوع الممالك، قال له: ” لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهن، لأنه إلىَّ قد دُفع، وأنا أعطيه لمن أريد “. خد بالك، الشيطان بيقول ليسوع، إن هذا السلطان “إليَّ قد دُفعَ”. طيب من الذي دفع هذا السلطان إلى إبليس؟ هل الله الآب هو من دفع هذا السلطان كله لإبليس؟! أم أن يسوع هو الذي أعطي هذا السلطان لإبليس؟… “

 

بغض النظر عن السفسطائية الواضحة في طرح هذا الشخص، فهو هنا بنى إفتراضه على أن قول الشيطان هو حقيقة مطلقة مُصدَّق عليها! وهو ما لا ينطلي على طفل يعرف من هو الشيطان! وبالطبع هذا الكلام غير صحيح. ومن المفترض ألا نتجادل كثيرًا في هذه النقطة بالتحديد. فالشيطان معروف أنه كذاب وأبو كل كذاب!! فهل يصدق أبو عمر الشيطان؟ فهنيئًا له به، نِعم الصديق والرفيق.

 

أما بالنسبة للمسيح، فهو لم يصدِّق على قول الشيطان وفي نفس الوقت لم ينكره، بل أهمله تماماً منتهرًا إبليس وكان رده مُقتبساً من الوحي المقدس بالتحديد من سفر التثنية:

أذهب يا شيطان! إنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد. (لو ٤: ٨)

 

بدون شك، الشيطان ذُكر عنه في الكتاب المقدس أنه “رئيس هذا العالم” (يو ١٢: ٣١)، فالشيطان بالفعل أصبح رئيساً لهذا العالم بعد أن اغتصبه من آدم بعد سقوطه. فالله قد وضع العالم تحت سلطة آدم أولاً لكي يمجد الله في السلطان المُعطى له، بالطاعة، ولكن أثبت آدم أنه غير جدير بهذا السلطان وبالسقوط فقد سلطانه، وأصبح الشيطان صاحب السلطة على العالم حتى دُعي إلهاً عليه بفعل استعباد البشر له.[8]

 

إذن، سلطان إبليس وتسلطه على العالم، تم اغتصابه ولم يُدفَع له من الله. فالله – حاشا له – لا يمكن أن يعطيه مثل هذا السلطان، بل كل ما أعطاه كان سلطان ملائكي مثله مثل باقي الملائكة قبل سقوطه. فالمشكلة هنا ليست في هذا السلطان الملائكي في حد ذاته بل في طريقة استخدامه! لذا يجب أن نفرق بين إرادة الله وإعطاءه السلطان لإبليس، وبين مجرد سماح الله لإبليس بأن يمارس سلطته المؤقتة والمحدودة على البشر.

 

يقول تعليق ESV: إبليس يدَّعي أن ” كل هذا السلطان ومجدهن ” قد أُعطي إليه، وعلى الرغم أن في بعض المواضع، إبليس هو “رئيس هذا العالم ” (يو ١٢: ٣١؛ ١ يو ٥: ١٩)، إلا أن هذا الادعاء لا يجب الموافقة عليه كحقيقة كاملة. فالشيطان “كذاب وأبو كل كذاب” (يو ٨: ٤٤)، وفي الأخير، كل السلطان هو لله فقط (انظر رو ١٣: ١-٤؛ مز ٢٤: ١؛ دا ٤: ١٧).[9]

يقول تعليق NET: إبليس يفترض بطريقة خاطئة أن الله قد أعطاه سلطان مثل هذا مع القدرة الإضافية على مشاركة هذا المجد.[10]

يقول “walter”: في هذه التجربة، إبليس يدَّعي أنه يملك العالم. يسوع لم يرفض الادعاء (انظر يو ١٢: ٣١)، ولم يُسلِّم به.[11]

 

يقول الدكتور وليم إدري: لم يذكر قول الشيطان هذا إلا لوقا وهو دعوى ذُكرت أيضاً في غير هذا الموضع (يو ١٢: ٣١؛ ٢ كو ٤: ٤؛ أف ٢: ٢). وهذه دعوى كاذبة لأن الله لم يدفع إلى الشيطان مثل ذلك السلطان وهي مما ينُتظَر ممن هو “أبو الكذب” (يو ٨: ٤٤) وكذبه على آدم الثاني ككذبه على آدم الأول وزوجته بقوله لن تموتا ” (تك ٣: ٤).[12]

 

يقول كريج كينر: معظم اليهودية المبكرة فهمت أن الشيطان سيطر على عصيان عصر الإنسان الحالي، لكن في الأخير، ظلت لله السيادة. العالم لا ينتمي للشيطان فعلياً (دا ٤: ٣٢)، الذي مَلَكَ القلوب والمجتمعات البشرية كمغتصب فقط، يتصرف من خلال سلطان خاضع لله. فما كان يمكنه فعله على الأكثر هو أن يجعل يسوع نوعاً من المسيا السياسي العسكري الذي كان ينتظره غالبية الشعب اليهودي الذين ترقبوا المسيا.[13]

 

يقول تعليق النسخة اليسوعية: يفتخر الشيطان بأن له “السلطان” السياسي على العالم، فيعرضه على يسوع لكي يكون المشيح الدنيوي الذي ينتظره معاصره. لكن سلطان الشيطان مهدد (لو ١٠: ١٨) ومدته قصيرة (لو ٢٢: ٥٣) أما سلطان يسوع، فإنه لا يستمده إلا من أبيه (راجع ١٠: ٢٢؛ ٢٢: ٢٩).[14]

 

يقول القمص تادرس يعقوب ملطي مخاطباً إبليس: كيف تَعِد بأن تهب ما ليس لك؟ من الذي نصَّبك وارثاً على مملكة الله؟! إنك إغتصبت هذه الممالك غشاً وزوراً، فرُدَ ما إغتصبته إلى الابن المتجسد رب العالم بأسره، واسمع ما يصرح به النبي إشعيا ضد إبليس وجنوده: ” لأن «تفتة» مرتبة منذ الأمس، مهيأة هي أيضا للملك، عميقة واسعة، كومتها نار وحطب بكثرة. نفخة الرب كنهر كبريت توقدها. (اش ٣٠: ٣٣)”.[15]

 

تقول الموسوعة الكنسية: في جسارة وخداع، أعلن إبليس تسلطه على كل الأرض، وقدرته أن يعطيها لمن يريد، مع أنه لا يسيطر إلا على الأشرار، ولكنه كذاب منذ البدء، ويخدعنا ليهز إيماننا إن صدقنا أكاذيبه… ولكن لم يناقش السيد المسيح إبليس في أكاذيبه بإدعاء سلطانه على الأرض… .[16]

 

يقول “Ellicott”: إنه [أي الكتاب المقدس] يؤكد أن ” للرب الأرض وكل الساكنين عليها ” (مز ٢٤: ١)، إدّعاء المجرِب هو تفاخر كاذب، مبني فقط على النشاط المسموح والهيمنة المؤقتة للشيطان في تاريخ العالم الفعلي. [17]

 

يقول “Coffman”: يمارس الشيطان حقاً سلطة كبيرة على الأرض، لكنها سلطة غير شرعية ومُغتصَبة، وهذا يتعارض بشكل كبير مع ما قاله هنا ليسوع…. فالله هو من يحكم في ممالك البشر (دا ٢٦: ٤)، أما الشيطان، فكذاب وأبو كل كذاب (يو ٤٤: ٨)، وعلى الرغم من حقيقة أن هناك مغزى شهواني يكون فيه الشيطان هو ” رئيس هذا العالم “، إلا أن تفاخره المتغطرس هنا خاطئ تماماً. إجابة السيد المسيح دون إعتبار لحقيقة أو زيف وعد الشيطان، لأنه في الواقع ليس له أهمية قوية.[18]

 

يقول الأب متى المسكين: لقد فات على العلماء هنا مقدار الصدق والكذب في كلام الشيطان، فاعتبروه أنه كاذب وملفق وأنه لا يملك ولم يعط ولا هو قادر أن يعطي، فالله وحده المالك وصاحب المجد. والخطأ الذي وقع فيه العلماء ضيع قيمة التجربة ومعناها، بل وضيع علينا أيضاً إدراك التجربة… فالشيطان هو رئيس العالم المنظور وصاحب المجد الدنيوي ويعطي ويكافئ منها اتباعه…[19]

 

لاحظ هنا أننا إقتبسنا هذا القول، فقط حتى لا يقول قائل إننا تغاضينا عن كلام الأب متى. ولكن توضيحاً للعقول الضئيلة، فالأب متى لم يقل نهائياً أن الله هو من دفع هذا السلطان إلى الشيطان، بل كل حديثه هو عن طبيعة سلطان إبليس ومقدار قدرته.

 

يقول القديس إيريناؤس: فكما كذب إبليس في البدء، هكذا كذب أيضاً في النهاية، حينما قال:” كل هذه قد دفعت لي، وأنا أعطيها لمن أريد” (مت ٤: ٣؛ ٤: ٦). فليس هو الذي عين ممالك هذا العالم بل الله، لأن” قلب الملك في يد الله” (أم ٢١: ١).[20]

وآخيراً وليس أخراً، يختتم هذا “الباحث” سؤاله بقول فكاهي آخر كما عودنا في فيديوهاته.

 

يقول: “ولو قلنا إن الآب هو الذي أعطى السلطان لإبليس، الآب عندما أعطى السلطان أعطاه لإبليس أم أعطاه ليسوع؟! فإنجيل لوقا ١٠: ٢٢ يقول: “كل شئ قد دفع إلي من أبي”، إنجيل متى ٢٨: ١٨ يسوع يقول: ” دفع إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض”. والسؤال يطرح نفسه بقوة: السلطان حينما دُفعَ، دفع إلى إبليس أم دفع إلى يسوع؟! أم يسوع هو إبليس بحسب إنجيل لوقا؟”

هل رأيتم كم الضحالة والسفسطائية في كلام هذا الشخص؟ فبفرض أن الآب هو من أعطى هذا السلطان للشيطان، سيصعب عليه أن يعطيه أيضاً للمسيح في آن واحد! لكن بحسب أبو عمر، هذا يقتضي أن يكون المسيح هو إبليس في إنجيل لوقا وتكون تجربة المسيح مع إبليس بها كائن واحد، لأن أبو عمر افترض ان ابليس والمسيح هما شخصية واحدة!! حقيقي مهزلة فكرية!!!

 

نص الشبهة ٤:

يقول أبو عمر: وهناك مشكلة أخرى، إبليس عندما يقول ليسوع: ” لأنه مكتوب: أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك، وأنهم على أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك ” كان وقتها إبليس بيقتبس نبوءة من مزمور ٩١، ويسوع لم ينكر على إبليس هذا الاقتباس، ماقلوش: لا يا إبليس، هذا الاقتباس ليس عني. يعني يسوع أقر أن المزمور بيتكلم عنه ولم ينكر هذا. وهذا المزمور يقول: ” لأنك قلت: «أنت يا رب ملجأي».

جعلت العلي مسكنك، لا يلاقيك شر، ولا تدنو ضربة من خيمتك. لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك. على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك. على الأسد والصل تطأ. الشبل والثعبان تدوس. «لأنه تعلق بي أنجيه. أرفعه لأنه عرف اسمي. يدعوني فأستجيب له، معه أنا في الضيق، أنقذه وأمجده. “. خد بالك بيقول: لأنه تعلق بي أنجيه وأرفعه وأنقذه في يوم الضيق.

 

ثم يتسائل هذا الباحث: ما هو يوم الضيق في حياة المسيح؟! أليس هو يوم الصلب؟!…. فالنبوءة في المزمور تقول أن الله سينقذه وينجيه ويرفعه، والله سبحانه وتعالى يقول في القرآن: “وما قتلوه وما صلبوه” والآية التي تليها تقول: ”بل رفعه الله إليه”“.

 

مرة أخرى، يحتكم إلى قول إبليس وكأنه حقيقة مطلقة. فهل هذا بسبب سذاجة هذا الباحث أم ربما بسبب اتخاذه إبليس قدوةً يحتذى بها في الخداع واقتطاع النصوص من سياقها؟!!

 

ففي الحقيقة، إبليس اقتطع آيات من مزمور ٩١ ولكنه لم يكملها، فالباقي ليس في مصلحته، إذ أن بقية الآيات تقول: “على الأسد والصل تطأ. الشبل والثعبان تدوس.” وفيها كناية عن الانتصار على إبليس. وفي نفس الوقت تلاعب في تفسير الآيات، حيث أن المقصود من المزمور هو إظهار حماية الله لشعبه وليس أن الشخص يحاول أن يجبر الله على حمايته.[21] ولذلك، كان رد السيد المسيح أيضاً مُقتبساً من الوحي الإلهي وبالتحديد من سفر التثنية: “لا تجرب الرب إلهك” (تث ٦: ١٦).

 

فهنا يفترض هذا الباحث وللمرة الثانية، أن إبليس اقتبس نبوة صحيحة عن المسيح، بدليل أن المسيح لم ينكر، فهو بذلك أقر بصحة اقتباس إبليس!! فبفرض أن إبليس كان يقتبس النص كنبوة في الأصل عن المسيح (حيث هناك رأي يقول بأن كل ما قصده إبليس هو أن الله سينقذ كل من هم له وبالتالي سينقذ ابنه[22])، فهي في الحقيقة ستكون محاولة اختلاق نبوة غير صحيحة عن المسيح.

 

حيث يقول القمص تادرس يعقوب: انظر كم هو مخادع حتى في اختياره للعبارات، فإنه يريد أن يقلِّل من مجد الرب، كما لو كان يسوع محتاجًا إلى معونة الملائكة؛ كما لو كان يمارس عملًا خاطئًا ما لم تسنده الملائكة. هكذا يقتبس إبليس عبارة من الكتاب لا تناسب المسيح ويطبِّقها عليه، إنما تناسب القدِّيسين بوجَّه عام… المسيح ليس بمحتاج لمعونة الملائكة، إذ هو أعظم منهم، ويرث اسمًا أعظم وأسمى: “لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك؟!” (عب ١: ٥-٧؛ مز٢: ٧)… فهذه الآية التي وردت في المزامير لا تشير إلى المسيح، لأن المسيح ليس في حاجة إلى ملائكة.[23]

 

يقول العلامة أوريجانوس: أنظر كم هو ماكر في اختيار الشواهد. إنه يريد أن يُضعِف شأن مجد المخلص، كأن يسوع بحاجة إلى مساعدة الملائكة، كما وكأنه سيتعثر بدون سند أيديهم. إن الشيطان يتذرع بشاهد ويطبق على المسيح آية لا تخصه بل تخص القديسين بوجه عام.[24]

 

يقول أيضاً القديس جيروم: إننا نقرأ تلك الكلمات في مزمور ٩١، لكن هذه النبوة لا تخص المسيح، بل الإنسان الصالح. فالشيطان يُسئ إذاً تفسير الكتب. وبكل تأكيد، لو عرف تماماً أن هذا المزمور قد كُتب عن المخلص، لأكمل الجزء الباقي من المزمور نفسه الموجه ضده: تطأ الأسد والأفعى، تدوس الشبل والتنين. إنه يتكلم عن مساعدة الملائكة وكأنه يتوجه إلى شخص ضعيف ولكنه، وهو الماكر، لا يقول إنه سيُداس.[25]

 

ويؤكد هذا القديس كيرلس السكندري: إن نص المزمور لا يتعلق بالمسيح، لأن المعلم ليس بحاجة إلى الملائكة… إن الكذاب والمخادع الذي هو الشيطان ينقل ما قيل عنا إلى شخص المسيح.[26]

 

وهنا يجب أن نوضح أن عدم إنكار المسيح لاقتباس إبليس لا يعد موافقة على كلام إبليس، فلو كان كلام ابليس صحيحًا لما رد عليه المسيح فهو كلام صحيح، بل أن المسيح رد على ابليس شاملًا كلامه الخاطيء، فقد رد عليه بوجه عام كما لو كان يقول له: حتى إن كان كلامك صحيحًا، فالقاعدة الأعم هي ألا تجرب الرب إلهك، فإن كان الله سيحميني فهذا لا يعني أن ألقي بنفسي لأجرب الرب. فحتى إذا أشار ابليس للنص كنبوة عن المسيح، فعدم إنكار المسيح لاقتباسه لا يعني إطلاقاً موافقته!! فالسُنَّة التقريرية [27] التي يؤمن بها هذا الباحث لا وجود لها في كتابنا المقدس.

 

ومع ذلك، سنفترض جدلاً أن الآية التي اقتبسها إبليس هي بالفعل نبوة عن المسيح (حيث أن البعض يرى فيها ملامح عن كمال المسيح؛ الذي هو بلا خطية). فهل إذا افترضنا أنها نبوة، هل بالضرورة ستعني أن المسيح لم يُصلب بل رفعه الله، بدليل قول المزمور “لأنه تعلق بي أنجيه وأرفعه وأنقذه في يوم الضيق”؟؟! بالطبع لا؛ لأن نص المزمور يقتضي تطبيقه على شخص متورط في حادثة معينة، ولذلك يصلي إلى الله لينجيه من لحظة الضيق.

فهنا يفترض الباحث أن يوم الصلب كان هو يوم الضيق الذي كان يصلي فيه المسيح لله الآب لكي ينجيه من الصلب والموت! وهذا بالطبع غير حقيقي، فلم يحدث أبداً أن صلى المسيح لكي ينجيه الآب من الصلب، بمعنى عدم الموت. فكيف يحاول المسيح – حاشا له – الهروب من الصليب، وهو ما جاء من أجله في الأساس؟!!

  • كَمَا أَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ. (متى 20: 28)
  • كَمَا أَنَّ ٱلْآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ ٱلْآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ ٱلْخِرَافِ. (يوحنا 10: 15)
  • وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلَامِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لَا أَدِينُهُ، لِأَنِّي لَمْ آتِ لِأَدِينَ ٱلْعَالَمَ بَلْ لِأُخَلِّصَ ٱلْعَالَمَ. (يوحنا 12: 47)
  • من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليمويتألم كثيرا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم. 22 فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره قائلا: «حاشاك يا رب! لا يكون لك هذا!» 23 فالتفت وقال لبطرس: «اذهب عني يا شيطان. أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس». (متى 16: 21 – 23)
  • وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلا: «لا تعلموا أحدا بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات». (متى 17: 9)
  • ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا. كذلك ابن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم». (متى 17: 12)
  • وفيما كان يسوع صاعدا إلى أورشليم أخذ الاثني عشر تلميذا على انفراد في الطريق وقال لهم: 18 «ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلمإلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت 19 ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه وفي اليوم الثالث يقوم». (متى 20: 17 – 19)
  • ولما أكمل يسوع هذه الأقوال كلها قال لتلاميذه: 2 «تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب». (متى 26: 1-2)
  • ولكن بعد قيامي اسبقكمالى الجليل. (متى 26: 31)
  • وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبةويقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم. (مرقس 8: 31)
  • فأجاب: «إن إيليا يأتي أولا ويرد كل شيء. وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيراويرذل. (مرقس 9: 12)
  • لأنه كان يعلم تلاميذه ويقول لهم إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونهوبعد أنيقتل يقوم في اليوم الثالث. (مرقس 9: 31)
  • فيهزأونبه ويجلدونه ويتفلون عليه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم». (مرقس 10: 34)
  • قائلا: «إنه ينبغي أن ابن الإنسان يتألم كثيراويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم». (لوقا 9: 22)
  • ولكن ينبغي أولا أن يتألم كثيراويرفض من هذا الجيل. (لوقا 17: 25)
  • وأخذ الاثني عشر وقال لهم: «ها نحن صاعدون إلى أورشليم وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان 32 لأنه يسلم إلى الأمم ويستهزأ به ويشتم ويتفل عليه 33 ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم». (لوقا 18: 31)
  • قائلا: إنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة ويصلب وفي اليوم الثالث يقوم». (لوقا 24: 7)
  • أما كان ينبغي أن المسيح يتألمبهذا ويدخل إلى مجده؟» (لوقا 24: 26)
  • وقال لهم: «هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث. (لوقا 24: 46)
  • وأما الله فما سبق وأنبأ به بأفواه جميع أنبيائهأن يتألم المسيح قد تممه هكذا. (أعمال 3: 18)
  • موضحا ومبينا أنه كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأمواتوأن هذا هو المسيح يسوع الذي أنا أنادي لكم به. (أعمال 17: 3)

 

فالرب يسوع بنفسه قال إنه جاء خصيصًا لأجل الفداء. ألم يصرح المسيح في مواضع كثيرة بهذه الحقيقة، أنه ينبغي أن يسلم ليصلب ويموت وفي اليوم الثالث يقوم؟! فكيف إذن يصلي لكي ينجيه الله من الصلب الذي جاء خصيصًا له؟ وكيف يصلي ليمنع عن نفسه الصلب وهو الذي وصف بطرس بالشيطان عندما حاول منعه عن الصلب بمجرد الكلام؟

أليس الصليب هو الكأس التي أعطاه إياها الآب؟ فكيف يصلي له ليرفع عنه هذا الكأس؟

نص المزمور يقول: ” يدعوني فأستجيب له، معه أنا في الضيق، أنقذه وأمجده. ” فهل أصبح الهروب من الصليب هو المجد الذي سيعطيه الله للمسيح؟! لكن الصحيح هو أن قيامة الرب يسوع من الموت في اليوم الثالث وصعوده للسماء [28] ليجلس عن يمين الآب هم المجد الحقيقي، وليس الهروب من الصليب. (كما سنوضح) فأبو عمر يعتبر الهروب من المواجهة، هو مجد ونصرة.

 

يُكمِل هذا الباحث: ” ما هو يوم الضيق في حياة المسيح؟ أليس هو يوم الصلب؟! أليس هو اليوم الذي كان يصلي فيه ويطلب من الله الآب أن يعبر عنه هذا الكأس؛ كأس الموت؟! “.

إعتقد المشكك هنا، أن “الكأس” المقصود بها مجرد الصلب والموت، وبالتالي فالمسيح يصلي هنا طالباً الهروب من الصلب والموت. فلماذا تجاهل السائل أكثر من ٦٠ نصاً إنجيلياً يشهد فيه المسيح عن عمله الكامل، بكل أحداث رسالته التي يستوجبها بالصلب والقيامة من الموت والصعود للسماء؟!! فكل شئ كان واضحاً أمام المسيح وأعلنه أكثر من مرة.

وكأمثلة لمعرفة المسيح بكل أحداث صلبه قبل حدوثها:

 

  • ” وفيما كان يسوع صاعدا إلى أورشليم أخذ الاثني عشر تلميذا على انفراد في الطريق وقال لهم: «ها نحن صاعدون إلى أورشليم، وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت، ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه، وفي اليوم الثالث يقوم». ” (مت ٢٠: ١٧-١٩)

 

فهل هناك وضوح أكثر من ذلك؟

  • ” ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر. وفيما هم يأكلون قال: «الحق أقول لكم: إن واحدا منكم يسلمني». فحزنوا جدا، وابتدأ كل واحد منهم يقول له: «هل أنا هو يارب؟» فأجاب وقال: «الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني! إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد!». فأجاب يهوذا مسلمه وقال: «هل أنا هو يا سيدي؟» قال له: «أنت قلت». “. (مت ٢٦: ٢٠-٢٥)

 

بل وعلْم تفصيلي للأحداث والأشخاص والأماكن! وكل هذا قبل حدوثها.

لاحظ أيضاً قول المسيح ” كما هو مكتوب “، أي كما تنبأ الأنبياء قديماً عن المسيح في الوحي المقدس.

 

  • ” وقال لهم: «هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم: أنه لا بد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير». حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب. وقال لهم: «هكذا هو مكتوب، وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث، وأن يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم، مبتدأ من أورشليم. ” (لو ٢٤: ٤٤-٨٨)

 

لاحظ قول المسيح ” هكذا هو مكتوب، وهكذا كان ينبغي… “، فهذا لا يؤكد علمه فقط بما سيحدث، بل وإصراره على أن يتمم رسالته التي جاء من أجلها وهي الموت صلباً ثم القيامة من بين الأموات في اليوم الثالث.

والذي قد تنبأ عنها موسى والأنبياء والمزامير.

 

لاحظ قول المسيح “والمزامير”، فالمسيح بفمه القدوس يقول أن سفر المزامير تنبأ عن صلبه وموته بل وقيامته أيضاً.

فلا عذر الآن لأي محاولة اختلاق نبوات كاذبة عن عدم صلب المسيح وموته.

 

  • ” فقال لهما:«أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء! أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده؟» ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب. ” (لو ٢٤: ٢٥-٢٧)

 

مرة أخرى يشدد المسيح على نبوات صلبه وموته في العهد القديم والتي ينبغي أن تُكمَّل. فهذه فقط لمحة سريعة عن أقوال المسيح نفسه – تبارك اسمه – لكن هناك عشرات الآيات الأخرى، والتي صرَّح فيها المسيح عن أهمية عمله من خلال الموت على الصليب، قبل حتى أن يُسلَّم ويُصلَب!

 

إذن، يأتي السؤال الأهم: في وسط هذا التأكيد من المسيح على حتمية صلبه وموته؛ ما معنى صلاته في البستان ” يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت ” (مت ٢٦: ٣٩).

 

وما المقصود بالكأس؟

” فقال يسوع لبطرس: «اجعل سيفك في الغمد! الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها؟ ” (يو ١٨: ١١)

هنا المسيح يستخدم نفس المصطلح وهو ” الكأس “. فلاحظ أنه لم يقل ” الكأس التي قدمها لي يهوذا بخيانته أو رؤساء الكهنة بغيرتهم “!! فبحسب عقيدة المشكك، فإن عملية الصلب، هس من تخطيط بشري محض من قِبَل اليهود والرومان لقتل المسيح، ولا يوجد فيه أي تدخل إلهي إلا عند نجاة المسيح المزعومة.

 

بل المسيح يقول هنا: ” الكأس التي أعطاني الآب “. فالمسيح يعلن بوضوح أن هذه الكأس (التي سنفترض أنها مجرد الصلب والموت مبدئياً) هي مشيئة الآب (التي لا يمكن أن تختلف عن مشيئة الأبن) وليس مجرد مشيئة بشرية!

فأين هذا الباحث من كل هذه القرائن التي توضح حتمية موت المسيح؟! فالمسيح يقول: ” من منكم يبكتني على خطية؟! ” (يو ٨: ٤٦) مشيراً إلى نفسه بالصلاح والكمال والقداسة.

والوحي المقدس يقول عنه: ” وتعلمون أن ذاك أظهر لكي يرفع خطايانا، وليس فيه خطية. ” (١ يو ٣: ٥)

فالكأس هي أن هذا الطاهر المطلق القدوس الذي لم يعرف خطية، الآن سيتجرع الكأس الرهيبة؛ أن يحمل خطية العالم كله وأن يتحمل دينونة الآب المرعبة نيابةً عن كل العالم في جسده البشري المطلق في قداسته.[29] فالكأس ليس مجرد الصلب والموت!

 المسيح الذي قال لبطرس أثناء تسليمه من قِبَل يهوذا (بعد صلاته في البستان):

” «رد سيفك إلى مكانه. لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون! ٥٣أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشا من الملائكة؟ ٥٤فكيف تكمل الكتب: أنه هكذا ينبغي أن يكون؟». ” (مت ٢٦: ٥٢-٥٤).

فالمسيح إذن لم يخاف – حاشا له – من الصلب أو الموت، بل حتى بعد حادثة صلاته، يصرح لبطرس هنا بأنه ينبغي أن تكمل الكتب بموته.

يقول وليم ماكدونالد: لذلك عندما صلّى يسوع لكي تعبر عنه الكأس لم يكن يطلب من الآب أن يُنقذه من الصليب. فالصّليب كان الغرض الأساسي من مجيئه إلى العالم! كانت صلاة يسوع بيانيّة في أسلوبها، أي أنّ الهدف منها لم يكن الحصول على الاستجابة بقدر ما كان تعليمنا درسًا روحيًّا. فكأنّ المسيح كان يقول، ”يا أبتاه، لو كانت لديك طريقة أخرى لخلاص الخطاة الفجّار تغني عن ذهابي إلى الصليب فأعلنها الآن لي!

لكن ليكن معلومًا في كل هذا الأمر أنّي لا أرغب في أيّ شيء يتعارض مع مشيئتك”. ماذا كانت الإجابة لصلاة يسوع تلك؟ لا شيء فقد بقيت السّماء صامتةً. وعرّفنا هذا الصمت البليغ بأنّه ليس عند الله من طريق آخر لتبرير الخطاة المذنبين سوى موت المسيح المخلّص البارّ بديلاً منّا.[30]

يقول الأب متى المسكين: ماذا حدث؟ ألم يذكر المسيح الصليب والآلام والجلد والبصاق والموت مرات ومرات؟ فهل لما أتت الساعة تغيرت حساباته؟! أمر مستحيل! هل ظهر أمر في الصليب كان مخفياً عليه ثم عرفه؟! هذا أيضاً أمر مستحيل!… إذن ماذا حدث؟ الأمر جلل حقاً… فالكأس الذي ظهر بهذه الصورة غير المحتملة… هو كأس اابشرية الذي ليس فيه سبب ولا مشاركة، كأس خطايا البشرية وعارها… أن يصبح القدوس الطاهر الذي لم يعرف خطية ولا صار في فمه غش، قاتلاً وزانياً نجساً شريراً…[31]

يقول الدكتور وليم إدري: هذه الكأس أي كأس الكفارة والموت (قابل هذا مع ٢٠: ٢٢) وهي تشمل على الآلام التي يجب أن يحتملها ليكفر عن آثام البشر، وينبغي أن نعلم أنه آشار بذلك إلى آلام نفسه لا إلى آلام جسده؛ لأن كل ما قاله لتلاميذه سابقاً في شأن موته ينفي ظن خوفه من الموت الجسدي… فكأس آلام المسيح هي كأس خلاصنا، شرب كل ما فيها من المر وملأها لنا إبتهاجاً…[32]

يقول كينر: الكأس قد تشير إلى صورة العهد القديم لكأس الدينونة الممنوح للأمم.[33]

يقول فيليب شاف: كل معاناته بما في ذلك الحزن في تلك الساعة، لايزال أمل الإغاثة في آلامنا، لكنه سبق أن علم الجميع. كل النبوات التي قالها ربنا من قبل والأحداث التي وقعت في نفس هذا المساء، تبين أنها لم تكن مجرد خوف من الموت.[34]

يقول القمص تادرس يعقوب: أما سر حزنه فهو ليس الخوف من الآلام الجسدية، إنما ثقل الخطية التي لا يقبلها السيد ولا يطيقها، لكنه من أجل هذا جاء، ونيابة عنا خضع في طاعة للآب ليحمل موت الخطية فيه.[35]

يقول التفسير التطبيقي: لم يكن يسوع يتمرد على إرادة أبيه عندما طلب أن تعبر عنه الكأس، بل بالحري أكد رغبته في إتمام مشيئة الله قائلاً: “لكن، لا كما أريد أنا، بل كما تريد أنت”. وتكشف لنا صلاته عن معاناته الرهيبة، فقد كانت معاناته أشد هولاً من الموت، حين كفَّر هو بذاته عن كل خطية. لقد كانت الكأس هي المعاناة والانفصال عن الآب، لقد حمل ابن الله القدوس، الذي بلا خطية، خطايانا على نفسه ليخلصنا من العذاب والانفصال عن الله.[36]

يقول “Carson”: الكأس لا تشير إلى المعاناة والموت فقط، بل أيضاً إلى دينونة الله كما هو في العهد القديم.[37]

يقول “France”: المسألة ليست ما إذا كان ينبغي أن يقبل يسوع غرض الآب أو لا، ولكن ما إذا كانت الحاجة لهذا الغرض تشمل الكأس المرعبة من المعاناة غير المباشرة، أو ما إذا كانت هناك طريقة أخرى. ومن هنا المزيج الرائع في هذه الآية من طلب واضح مع قبول أنه قد لا يتم منح هذا الطلب. القضية الوحيدة التي تهم هي حدود إرادة الله. صلاة يسوع هي إستكشاف لتلك الحدود، لكنها لا تحاول الخروج منها.[38]

 

 

تفسير الآباء لصلاة المسيح: [39]

يقول العلامة أوريجانوس: من المستحيل أن ابن الإنسان كان يقول هذا تحت إحساس بالخوف!… فالرب يسوع لا يستعفي من ذبيحة الموت حتى تصل نعمة الخلاص للجنس البشري كله.[40]

يقول القديس كيرلس السكندري: كيف خاف الموت ذاك الذي قال للذين فتشوا عنه وذهبوا ليقبضوا عليه: أنا هو (يو ١٨: ٦)، كيف خاف الموت ذاك الذي قال: لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً، وقال أيضاً: ليس أحد يأخذها مني، بل أنا أضعها من ذاتي وأنا آخذها أيضاً (يو ١٠: ١٨).[41]

ويقول القديس أثناسيوس الرسولي: ولكن إن كان حسب رأيكم أن الكلمة كان خائفاً، فلماذا إذاً وهو قد تكلم عن مكيدة اليهود قبلها بوقت طويل، لم يهرب، بل حينما جاءوا للقبض عليه قال: أنا هو.[42]

يقول القديس أوغسطينوس: صوته وحده الناطق: “أنا هو” بدون أسلحة، ضرب الجمع الغفير، أثبطهم وأسقطهم أرضاً مع كل وحشية كراهيتهم ورعب أسلحتهم.[43]

وأخيراً، يقول أيضاً القديس كيرلس السكندري: أي إنسان ذو فهْم لن يقول إن الرب قدم هذه التوسلات كأنه في احتياج إلى قوة أو عون من آخر – لأنه هو نفسه قوة واقتدار الآب الكلي القدرة.[44]

 

وهنا يُنهي أبو عمر أسئلته قائلاً: وفي الرسالة إلى العبرانيين ٥: ٧ تقول: ” الذي، في أيام جسده، إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه، “ والترجمة العربية المبسطة تقول: ” وَأثنَاءَ حَيَاةِ يَسُوعَ عَلَى الأرْضِ، قَدَّمَ تَضَرُّعَاتٍ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ للهِ القَادِرِ أنْ يُنقِذَهُ مِنَ المَوْتِ، وَسُمِعَتْ صَلَاتُهُ بِسَبَبِ تَقوَاهُ.” “.

 

ثم استنتج من هذا: ” يعني يسوع في يوم الضيق، كان يدعو أن ينقذه الله من الموت، واستجاب الله ليسوع لأنه كان تقياً.

 

لذا سنقسم الرد كالتالي:

أولاً، المسيح في رسالة العبرانيين:

أخطأ هذا الباحث حين أخذ من رسالة العبرانيين، معتقداً أنها ستشفع له. لذا سنقدم منها لمحة بسيطة عن المسيح ورسالة الخلاص التي قدمها على الصليب..

 

حيث نجد فيها:

  • تجسد المسيح وحتمية موته؛ ليُميت الموت بالقيامة.

” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس، ويعتق أولئك الذين­ خوفا من الموت­ كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية.” (عب ٢: ١٤-١٥)

 

  • موت المسيح كان بالآلام لخلاص كل واحد.

” ولكن الذي وضع قليلا عن الملائكة، يسوع، نراه مكللا بالمجد والكرامة، من أجل ألم الموت، لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد. لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكل وبه الكل، وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد، أن يكمل رئيس خلاصهم بالآلام.” (عب ٢: ٩-١٠)

 

  • قيامة المسيح من الموت.

” وإله السلام الذي أقام من الأموات راعي الخراف العظيم، ربنا يسوع، بدم العهد الأبدي “. (عب ١٣: ٢٠)

 

  • المسيح أبطل مفعول الخطية؛ بتقديم نفسه ذبيحة.

” فإذ ذاك كان يجب أن يتألم مرارا كثيرة منذ تأسيس العالم، ولكنه الآن قد أظهر مرة عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه. وكما وضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة، هكذا المسيح أيضا، بعدما قدم مرة لكي يحمل خطايا كثيرين، سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه. “. (عب ٩: ٢٦- ٢٨)

إذن، هذه هي رسالة العبرانيين التي يقتطع منها هؤلاء المشككين، عبارة واحدة من سياقها، راغبين في إثبات عدم صلب المسيح من الكتاب المقدس القائم بأكمله على فكرة الخلاص بدم ربنا يسوع المسيح.

 

ثانياً، تحليل النص:

وسط هذا الزخم، الذي تقدمه رسالة العبرانيين عن حتمية موت المسيح على الصليب وقيامته من الموت لإبادة سلطان الموت، يصبح من العار أن يتم فهْم أي آية فيها، ضد أو حتى خارج هذا السياق الواضح.

بدايةً، النص لا يقول، أن المسيح طلب أن لا يموت، بل أن يخلصه من الموت. والمعنى واضح في بقية السياق الذي اقتطعه، حيث يقول الوحي الإلهي عن المسيح:

 ” الذي، في أيام جسده، إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه، مع كونه ابنا تعلم الطاعة مما تألم به. وإذ كمل صار لجميع الذين يطيعونه، سبب خلاص أبدي ” (عب ٥: ٧-٩)

 

ونلاحظ الآيات التي اقتطعها تقول: ” مما تألم به ” وأيضاً ” وإذ كمل صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص أبدي “. والعجيب أن أبو عمر نفسه استشهد بترجمة أخرى للنص وهي الترجمة العربية المبسطة، لسهولة توصيل معنى النص. ومع ذلك، اقتطع عن عمد باقي السياق، الذي هو أوضح بكثير من الترجمة السابقة (الفانديك). حيث يقول النص (في نسخة الترجمة العربية المبسطة):

 

وَأثنَاءَ حَيَاةِ يَسُوعَ عَلَى الأرْضِ، قَدَّمَ تَضَرُّعَاتٍ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ للهِ القَادِرِ أنْ يُنقِذَهُ مِنَ المَوْتِ، وَسُمِعَتْ صَلَاتُهُ بِسَبَبِ تَقوَاهُ. وَرُغْمَ أنَّهُ كَانَ ابنًا، فَقَدْ تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِنْ خِلَالِ الآلَامِ الَّتِي عَانَاهَا. وَبَعْدَ أنْ كُمِّلَ بِالآلَامِ، صَارَ مَصْدَرَ خَلَاصٍ أبَدِيٍّ لِكُلِّ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ. (عب ٥: ٧-٩)

 

لاحظ أن النص في الترجمة المبسطة يقول بكل وضوح: “فقد تعلم الطاعة من خلال الآلام التي عانها”، وتقول أيضاً: ” وبعد أن كمل بالآلام، صار مصدر خلاص أبدي لكل الذين يطيعونه”. فهي كلمات واضحة عن الخلاص “الأبدي” الذي قدمه المسيح حينما أكمل كل الفداء على الصليب. فلا أجد أي عذر أو معنى لما يفعله هذا الباحث، إلا أنه إصرار واضح على فبركة معنى النصوص..

 

يقول تعليق النسخة اليسوعية: يقول الكاتب في آنٍ واحد أن تلك الصلاة استُجيبَت وأن المسيح تألم وأطاع. فالاستجابة هي تحول يتم عبر الموت نفسه.[45]

 

يقول وليم باركلي: وما يريد كاتب العبرانيين أن يقوله هو أن كل الاختبارات والآلام التي جازها يسوع أعطته الصلاحية الكاملة ليصير فادي ومخلص الناس… فإن الخلاص الذي جاء به يسوع للناس هو خلاص أبدي….[46]

 

يقول الدكتور موريس تاوضروس: على الرغم من أنه ابن الله، فقد أظهر الطاعة في أسمى صورها وأكمل تعبير لها. وكلمة “تعلم” لا تعني أن الابن كان يجهل الطاعة قبل الآلام وإنما تعني أن هذه الطاعة ظهرت في أقوى تعبير لها في تحمل السيد المسيح آلام الصليب… فإن كمال عمل المسيح الخلاصي تحقق بالآلام التي تحملها، أي أن الكمال المنسوب إلى المسيح يقصد به أن ما تحمله المسيح من آلام، وما أظهره من طاعة، كل هذا قد أهله لأن يصير كاملاً في عمله كمخلص وكرئيس كهنة، فالآلام إذن كانت ضرورية لكي يعمل المسيح كمخلص.[47]

 

يقول “Donald Guthrie”: يُنظَر إلى كمال المسيح كأساس لخلاصنا. في الواقع، لقد أصبح مصدر الخلاص الأبدي.[48]

يقول “William Lane”: نتيجة هذا الفعل [أي الطاعة من خلال الآلام]، يسوع قد أصبح مصدر الخلاص الأبدي لكل الذين يطيعونه… باعتباره الشخص الذي اختبر معنى الطاعة في معاناة الموت استجابةً لإرادة الله… فالخلاص الذي يقدمه “أبدي” ليس فقط لأنه يمتد إلى ما وراء الزمن ولكن لأنه حقيقي، سماوي، وليس من صنع الإنسان.[49]

 

ثالثاً، تفسير النص:

نأتي الآن لمعنى النص الذي اقتطعه.

وهنا يجب أن نسأل بكل بساطة: هل بقي المسيح في الموت، أم سحق الموت بقيامته؟! فالآية هنا تتحدث عن خلاصه من بقائه تحت سلطان الموت.. وفي ضوء القرائن من آيات الكتاب المقدس، نقرأ في نبوة عن صلاة المسيح هذه، حيث يقول الوحي الإلهي:

” لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فسادا. ” (مز ١٦: ١٠)

 

وقد شرح سفر أعمال الرسل هذه النبوة حيث يقول:

أيها الرجال الإخوة، يسوغ أن يقال لكم جهارا عن رئيس الآباء داود إنه مات ودفن، وقبره عندنا حتى هذا اليوم. ٣٠فإذ كان نبيا، وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه، ٣١سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح، أنه لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فسادا. ٣٢فيسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعا شهود لذلك. (أع ٢: ٢٩-٣٢)

 

فداود قد مات وقبره موجوداً وقد رأى جسده فساداً، وبذلك فإن داود قائل هذه النبوة، لم يكن يقصد نفسه، بل المسيح الذي أتى من نسله، والذي لم يرَ جسده فساداً، حيث أنه قام من الموت في اليوم الثالث.[50]

 

ولمزيد من التوضيح، نضع الآيات في مطابقة..

رسالة العبرانيين

سفر المزامير

سفر أعمال الرسل

الذي، في أيام جسده، إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه، مع كونه ابنا تعلم الطاعة مما تألم به. وإذ كمل صار لجميع الذين يطيعونه، سبب خلاص أبدي

لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فسادا.

أيها الرجال الإخوة، يسوغ أن يقال لكم جهارا عن رئيس الآباء داود إنه مات ودفن، وقبره عندنا حتى هذا اليوم. فإذ كان نبيا، وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه، سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح، أنه لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فسادا. فيسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعا شهود لذلك.

 

وبحسب رأي العلامة أتريدج أنه لو كان القصد أن يخلصه من موت الجسد للزم أن يكون الحرف “مِنْ” في قوله ” القادر أن يخلصه من الموت “، ليس έκ بل άπό.[51] فالحرف “έκ” يشير إلى الانفصال أو الانبعاث خارج شيء – كان هناك ارتباط وثيق معه مسبقاً.[52] فالمقصود هنا أن هذا الحرف έκ يعني من داخل، أو: من وسط، فالقصد هو أن يخلصه من داخل الموت، وهذا الذي حدث بالقيامة، فالمسيح مات فعلا لكنه من داخل هذا الموت قام بعدما مات.

وهو لا يراد به النقل من موضع في الخارج إلى آخر في الخارج، بل من موضع في الداخل إلى آخر في الخارج. ولذلك يَرِد في بعض الترجمات الإنجليزية التعبير “out of” بدلاً من “from” لتأكيد المعنى السابق (وهو المعنى الحرفي للكلمة). وهو ما تم استخدامه في (رو ٦: ١٣)، للإشارة إلى الحالة التي يخرج منها الشخص، الذي كان ميتاً وأصبح حياً.

إذن، الخلاصة هي: قول الوحي الإلهي ” القادر أن يخلصه من الموت ” يُقصَد به قيامة رب المجد يسوع المسيح، أي عدم بقائه تحت سلطان الموت، وليس المقصود منها عدم صلبه وبالتالي عدم موته.

 

يقول تعليق نسخة ESV: الكاتب على علم بوضوح بحقيقة موت يسوع (عب ٩: ١١-١٤)، فهو يتكلم عن قيامة يسوع كتخليصه من الموت.[53]

 

يقول القمص أنطونيوس فكري: هذه لا تفهم إطلاقاً أن الآب استجاب له فلم يمت بل أن الآب استجاب له بأن تركه يموت ومن داخل الموت تعامل مع الموت، قوة الحياة التي فيه ابتلعت الموت فخلص نفسه من الموت بلاهوته، وقام وخلص البشرية معه فقامت البشرية من الموت. بالموت داس الموت. والله استجاب له بالقيامة التي صارت حياة جديدة له ولكل الكنيسة.[54]

 

يقول هنري أيرونسايد: فلا بد أن نلاحظ هنا أنه لم ينجُ من الموت ولا صلى أو تضرع لكي يتخلص من الموت، ولم يخشَ الموت. لقد جاء إلى العالم ليموت، لأجل ذلك الهدف نفسه؛ ولكنه أُنهض من الموت، إذ أقامته قوة الله.[55]

 

يقول وليم ماكدونالد: كان يصلّي حتى يُنقذ من الموت بمعنى ألا تبقى نفسه في الهاوية. لقد استُجيبت هذه الصلاة عندما أقامه الله من بين الأموات فسُمع له من أجل تقواه.[56]

 

يقول كريج كينر: أكدت الديانة اليهودية على أن الله يسمع للأتقياء، فقد استجاب الله لصلوات يسوع بأن أقامه من الموت وليس بأن أفلته من الموت.[57]

وأخيراً، يقول الوحي المقدس: لكنه أخلى نفسه، آخذا صورة عبد، صائرا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضا، وأعطاه اسما فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب. . (في ٢: ٧-١١)

 

لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الآبد آمين. يا ربى يسوع المسيح.

«إِلَى هُنَا أَعَانَنَا الرَّبُّ»

 

 

[1] الأنبا بيشوي، كتاب المسيح مشتهى الأجيال، الطبعة الثانية، ص ٦٥٤-٦٥٥.

[2] الأنبا ساويرس، الدر الثمين في إيضاح الدين، إصدار أبناء البابا كيرلس السادس، ص ٣٧.

[3] FC 94: 165-166.

[4] W. D. Mounce (2006), Mounce’s Complete Expository Dictionary of Old & New Testament Words, p.395.

[5] Ibid, p. 705.

[6] Vincent, Marvin R., Vincent’s Word Studies in the New Testament, Charles Schribner’s Sons, New York, USA. 1887,(electronic ed.), Mt 4:5.

[7] Barnes, Albert, Albert Barnes’ Notes on The whole Bible, (electronic ed.) , Mt 4:5.

[8] هلال أمين، تفسير إنجيل يوحنا، (نسخة إلكترونية)، يو ١٢: ٣١-٣٣.

[9] Crossway Bibles. (2008) The ESV Study Bible Notes, (Lk 4: 5-8).

[10] Biblical Studies Press. (2006) The NET Bible, Second Edition Notes, (Lk 4:6).

[11] L. Liefeld, Walter, “Luke” In Expositor’s Bible Commentary. Edited by Frank E. Gaebelein, J. D. Douglas, and Walter Kaiser, vol. 8. (Grand Rapids: Zondervan, 1984.), p. 864.

[12] وليم إدري، الكنز الجليل في تفسير الإنجيل، الجزء الثاني: شرح إنجيلي مرقس ولوقا، إصدار مجمع الكنائس في الشرق، بيروت ١٩٧٣، ص ١٨٣-١٨٤.

[13] S. Keener, Craig. The IVP Bible Background Commentary: New Testament, second edition, p. 189.

[14] الكتاب المقدس: نسخة الرهبنة اليسوعية، الطبعة الثالثة، تعليق على لو ٤: ٦.

[15] تادرس يعقوب ملطي، إنجيل لوقا، سلسلة تفسير وتأملات الآباء الأوليين، (نسخة إلكترونية)، لو ٤: ٦.

[16] مجموعة من كهنة وخدام الكنيسة، الموسوعة الكنسية لتفسير العهد الجديد، شرح لكل آية، الجزء الثاني؛ بشارتي لوقا ويوحنا، الطبعة الأولى ٢٠٠٤، ص ٥٢.

 

[17] Ellicott, Charles, John, Ellicott’s Commentary For English Reader, (Electronic ed.), Lk 4:6.

[18] Coffman, James Burton. Coffman Commentaries on the Old and New Testament, Abilene Christian University Press, Abilene, Texas, USA. 1983-1999. (Electronic ed.), Lk 4:6.

[19]  الأب متى المسكين، الإنجيل بحسب القديس لوقا: دراسة وتفسير وشرح، الطبعة الأولى ١٩٩٨، ص ١٩٠.

[20] القديس إيرينيوس، ضد الهرطقات، الجزء الثاني: الكتاب الخامس، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ٢٠١٩، ص ٣٣١.

[21] Crossway Bibles. (2008) The ESV Study Bible Notes, (Lk 4: 9-12).

[22] Carson, D. A. “Matthew.” In Expositor’s Bible Commentary. Edited by Frank E. Gaebelein, J. D. Douglas, and Walter Kaiser, vol. 8. Grand Rapids: Zondervan, 1984, p. 113.

[23] تادرس يعقوب ملطي، إنجيل لوقا، سلسلة تفسير وتأملات الآباء الأوليين، (نسخة إلكترونية)، لو ٤: ١٠-١١.

 

[24] كتاب تجارب المسيح في البرية، ترجمة نهاد فرح، الطبعة الأولى ٢٠٠٩، ص ٩١.

[25] نفس المرجع السابق.

[26] نفس المرجع السابق، ص ٨٣.

[27] السنة التقريرية في الإسلام: هي أن يسكت النبي عن إنكار قول أو فعل صدر أمامه، أو في عصره وعلم به، وذلك إما بموافقته أو استبشاره أواستحسانه، وإما بمجرد عدم إنكاره.

أنظر: فتوى إسلام ويب بعنوان: ” أنواع السنة النبوية “، رقم الفتوى: ٣٨٩٣٨.

[28] وليم ماكدونالد، تفسير الكتاب المقدس للمؤمن: العهد القديم، المزامير، (نسخة إالكترونية)، مز ٩١: ١٥.

[29] الأخ وحيد، كتاب شهود الصليب، الطبعة الثانية: يناير ٢٠١٦، ص ١٧٥.

[30] وليم ماكدونالد، تفسير الكتاب المقدس للمؤمن: العهد الجديد، إنجيل متى، (نسخة إلكترونية)، مت ٢٦: ٣٩.

[31]  الأب متى المسكين، الإنجيل بحسب القديس متى: دراسة وتفسير وشرح، الطبعة الأولى، ١٩٩٩، ص ٧٥٩.

[32] وليم إدري، الكنز الجليل في تفسير الإنجيل، الجزء الأول: شرح بشارة متى، إصدار مجمع الكنائس في الشرق الأدنى، بيروت ١٩٧٣، ص٤٧٢.

[33] S. Keener, Craig. The IVP Bible Background Commentary: New Testament, second edition, p.115.

[34] Schaff, Philip, A Popular Commentary on The New Testament. Vol. I, New York: Charles Scribner’s sons, 1879, p. 217.

[35] تادرس يعقوب ملطي، إنجيل متى، سلسلة تفسير وتأملات الآباء الأوليين، (نسخة إلكترونية)، مت ٢٦: ٣٩.

[36] التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، مت ٢٦: ٣٩.

[37] Carson, D. A. “Matthew.” In Expositor’s Bible Commentary. Edited by Frank E. Gaebelein, J. D. Douglas, and Walter Kaiser, vol. 8. Grand Rapids: Zondervan, 1984, p.543.

[38] France, R. T. “Mattew” In Tyndale New Testament Commentaries, Vol 1, 2008, p. 474.

[39] أمجد بشارة، صلاة المسيح؛ لماذا؟ في تعليم آباء الكنيسة.

[40] Ad Martyra.4.

[41] الكنوز في الثالوث المقدس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ترجمة د. جورج عوض، ص ٣٦١.

[42] ضد الآريوسيين ٣: ٥٤.

[43] St. Augustine: On the Gospel of St. John, Tractate, 112:3.

[44] تفسير إنجيل لوقا، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ص ٧١٦.

[45] الكتاب المقدس، نسخة الرهبنة اليسوعية، الطبعة الثالثة، تعليق على عب ٥ : ٧.

[46] وليم باركلي، تفسير العهد الجديد، الرسالة إلى العبرانيين، الطبعة الثانية، ترجمة القس جرجس هابيل، ص ٧٦.

[47] موريس تاوضروس، تفسير رسالة العبرانيين، ص ٩٣.

[48] Guthrie, Donald, “Hebrews” In Tyndale New Testament Commentaries, Vol 15, 2008, p. 166.

[49]L. Lane , William, “Hebrews 1-8” In Word Biblical Commentary, Vol 47A, (Zondervan: 2017), p. 650.

[50] الأخ وحيد، كتاب شهود الصليب، الطبعاة الثانية: يناير ٢٠١٦، ص ٢٤٥

[51] Attridge, Harold, W., A Commentary on the Epistle to the Hebrews: A Critical and Historical Commentary on the bible, (Fortress press: 1989), p. 150.

[52] Thayer, Joseph Henry, A Greek-English lexicon of the New Testament, being Grimm’s Wilke’s Clavis Novi Testamenti, p. 189-191.

[53] Crossway Bibles. (2008) The ESV Study Bible Notes, (Heb 5:7).

[54] القمص أنطونيوس فكري، تفسير رسالة العبرانيين، (نسخة إلكترونية)، عب ٥: ٧.

[55] هنري إيرونسايد، تفسير رسالة العبرانيين، (نسخة إلكترونية)، عب ٥: ١-١٠.

[56] وليم ماكدونالد، تفسير الكتاب المقدس للمؤمن: العهد الجديد، رسالة العبرانيين، (نسخة إلكترونية)، عب ٥: ٧.

[57] S. Keener, Craig. The IVP Bible Background Commentary: New Testament, second edition, p.646.

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

اللغة المجازية في الكتاب المقدس – بحث موسع

اللغة المجازية في الكتاب المقدس – بحث موسع

اللغة المجازية في الكتاب المقدس – بحث موسع

المبدأ الإرشادي: تعرف على اللغة المجازية وحدد معناها الحرفي

حيث أن الكتاب المقدس قد كتبه بشر، فلا بد أن يتم التعامل معه مثل أية معلومات بشرية أخرى عند تحديد المعنى الذي قصده المؤلف. وقد قمنا بدراسة إرشادات مشتقة من ذلك المبدأ، وتلك الإرشادات هي التي تمكن الدارس الجاد من تحديد المعنى المباشر والحرفي للغة. ومع ذلك فهناك الكثير من الأساليب اللغوية الأخرى في الكتاب المقدس، غير التعبيرات الحرفية.

فبالإضافة إلى الأقسام التاريخية والتعليمية، يحوي الكتاب المقدس الشعر، والمسرحية، وأقوال الحكمة، والاستعارات والتشبيهات، والأمثال، وهذه أساليب شائعة ومشتركة في جميع اللغات البشرية. والكتاب المقدس، حيث أنه كتاب كتبه بشر، مليء بمثل هذه الأساليب الأدبية.

إلا أنه توجد إرشادات لفهم معاني التعبيرات الخاصة، كما توجد إرشادات لفهم التعبيرات الحرفية المباشرة. ولذلك فإن التفسير ينحرف عندما يساء فهم الأسلوب اللغوي، وبالتالي يتم التعامل معه بطريقة غير سليمة لذلك فمن المهم للغاية أن نتعرف على أسلوب اللغة في مقطع معين، وأن نقوم بتفسيره باستخدام الإرشادات المناسبة لفهم هذه النوع المحدد من الأساليب.

وعلى الرغم من أن الكتاب المقدس يحوي كل أنواع الأساليب الأدبية، فإننا سندرس فقط تلك الأساليب التي لها أهمية رئيسية في فهم المعنى. أولاً، سنقوم بدراسة الأنواع المتنوعة من اللغة المجازية. وحيث أن معظم العهد القديم تمت كتابته بصياغة شعرية، والكثير من تعاليم المسيح مكتوبة في صيغة أمثال، فسوف ندرس الشعر العبري والأمثال باعتبارهما صيغتين أدبيتين منفصلتين.

فهم التعبيرات المجازية

تشير التعبيرات المجازية إلى أية كلمات يتم استخدامها بمعنى آخر غير المعنى الشائع والحرفي. فعندما نستخدم كلمة كلب للإشارة إلى إنسان (مثلاً في فيلبي 3: 2)، فإنه لا يقصد بها تعريف الحيوان بالمعنى العادي أو الحرفي. وأيضاً تعبير “فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة” (يوحنا 21: 25)، لا يقصد به أبداً تقديراً علمياً لمساحة العالم الموجدة.

الكتاب المقدس مليء بهذا النوع من التعبيرات المجازية، ومثل هذه الصور غير الحرفية تعد واحدة من أعظم مشاكل التفسير. وهكذا فإن تعاملنا مع التعبيرات المجازية باعتبارها تعبيرات حرفية، والعكس، أي تعاملنا مع التعبيرات الحرفية باعتبارها مجازية، يشكل اثنين من أكبر المعوقات لفهم معنى الكتاب المقدس. بل الأكثر من ذلك، حتى عندما يتم التعرف على المقطع باعتباره مجازي فعلاً، يمكن الخطأ في فهم معناه من خلال استخدام مبادئ أو إرشادات غير مناسبة لتفسير المقطع. إننا سنقوم أولاً بدراسة أسباب استخدام اللغة المجازية، ثم سنقوم بعدها بدراسة الإرشادات الضرورية لفهم معاني المقاطع غير الحرفية.

أسباب استخدام اللغة المجازية

لماذا يستخدم الكتاب المقدس لغة مجازية من الأساس؟ ألن يكون التواصل أكثر سهولة ووضوحاً لو كان الإعلان كله قد تمت كتابته بلغة حرفية مباشرة؟ توجد عدة أسباب لاستخدام اللغة المجازية في الكتاب المقدس:

تستخدم اللغة المجازية كثيراً لأن كل لغة بشرية تحوي تعبيرات غير حرفية.

يعبر سي إس لويس عن هذا الأمر بقوله:

في كثير من الأحيان عندما نتحدث عن شيء لا يتم استيعابه بالحواس الخمسة، فإننا نستخدم كلمات تشير إحدى معانيها إلى أشياء أو أفعال مجازية. فعندما يقول إنسان ما أنه يفهم فكرة معينة، فإنه يستخدم الفعل “يفهم” (grasp بالإنجليزية، التي تعني حرفياً الإمساك بشيء في اليد، ولكنه بالتأكيد لا يعني أن عقله له يدان يمسك بهما الفكرة).

وهكذا، فلكي يتجنب كلمة “grasp”، يمكنه أن يغير الصياغة فيقول، “I see”، (حرفياً بمعنى أنا أرى) ولكنه مرة أخرى لا يعني أن شيئاً محدد قد ظهر في مجال رؤيته، بل أنه قد فهم، ولذلك فقد يجرب صيغة ثالثة فيقول، “I follow you” (حرفياً بمعنى أنا أتبعك)، وبهذا أيضاً هو لا يقصد أنه يمشي خلفك في الطريق، ولكنه يقصد أنه يفهم، جميعنا معتادون على هذه الظواهر اللغوية، والتي يطلق عليها علماء النحو “الاستعارات”.

لكن هناك خطأ بالغ في أن نفكر أن الاستعارة هي أمر اختياري، قد يستخدمه الشعراء والمؤلفون في أعمالهم كنوع من الزخرفة، بينما الأشخاص العاديون يمكنهم أن يستغنوا عنه أثناء حديثهم. فالحقيقة هي أننا لو أردنا أن نتحدث عن أية أمور لا يتم فهمها بالحواس، فإننا نكون مجبرين على استخدام اللغة استعارياً أو مجازياً. إن الكتب الخاصة بعلم النفس أو بالاقتصاد أو بالسياسة، تستخدم تعبيرات مجازية باستمرار مثلها مثل الكتب الشعرية أو التعبدية. فلا توجد طريقة أخرى للكلام… فكل كلام عن أمور تفوق الحواس لا بد وأن يكون استعارياً ومجازياً في المقام الأول.

فأي شخص يتحدث عن أمور لا يمكن رؤيتها أو لمسها أو سماعها، من المحتم أن يتحدث عنها كما لو كان يمكن رؤيتها أو لمسها أو سماعها (مثلاً، لا بد أن نتحدث عن العقد النفسية والاكتئاب، كما لو كانت رغبات يمكن حقاً ربطها في حزم أو “عقد”، ودفعها للوراء في اللاوعي؛ كما نتحدث عن “النمو” و”التطور” كما لو كانت المؤسسات يمكنها حقاً أن تنمو مثل الأشجار أو تتفتح مثل الأزهار؛ ونتحدث عن الطاقة باعتبارها “تُطلق” كما لو كانت حيواناً يُطلق من قفصه).[1]

وهكذا فإن كل اللغات البشرية تمتلئ بتعبيرات غير حرفية، ولكن اللغات الشرقية على وجه الخصوص تمتلئ بالاستعارات والتشبيهات. وحيث أن تلك اللغات غريبة عنا، فهذا من شأنه أن يجعلنا نجتهد أكثر لفهم المعنى الذي كان في ذهن المؤلف بالضبط فهناك حاجز البعد اللغوي والثقافي، وهناك حاجز التعبيرات المجازية كذلك. فكر مثلاً في محنة شخص أجنبي يسعى لفهم الكلمة الإنجليزية “hang”. من السهل القيام بالتعريف الحرفي للكلمة (يعلق أو يشنق……)، لكن نرى كيف سيفكر، عندما يسمع، كشخص غريب عن اللغة الإنجليزية، تعبيرات مثل “hang-ups”، أو “hang loose”، أو “hangover”، أو “hang out”، أو “hang on”، أو “hang in”؟

غالباً ما تستخدم التعبيرات المجازية لتأكيد أمر ما. فعندما يقول يسوع في لوقا 13: 32، “قولوا لهذا الثعلب”، فإن هذا التعبير هو أكثر قوة مما لو كان قد قال “قولوا للملك”. وبالمثل قوله، “من لا يبغض أباه وأمه” هو تعبير أقوى من “لا بد أن تحبني أكثر مما تحب أباك وأمك”. فالتعبيرات المجازية تحدث انطباعات أقوى.

التعبيرات المجازية يمكن استخدامها لتحفيز الشخص نحو القيام بفعل معين. فتعبير “ها أنذا واقف على الباب وأقرع”، يحدث تأثيراً عاطفياً أكبر بكثير من تأثير مجرد القول ببساطة، “إنني منتظر استجابتك” ففي الشرق، حيث العشاء معاً هو ختم الصداقة، يكون التأثير العاطفي كبيراً لمعنى الوقوف في الخارج في انتظار الدعوة للدخول. ولذلك فإن التعبيرات المجازية تكون قوية في تحفيز الشخص على الاستجابة والقيام بفعل معين.

كما أن التعبيرات المجازية قد تساعد على التذكر. إن تعبيرات مثل “لا تخف سراجك تحت المكيال”؛ أو “لا تدفن وزنتك”؛ أو “إنه كالسامري الصالح”؛ أو “إنها ملح الأرض”، جميع هذه التعبيرات الشائعة في اللغة الإنجليزية المستخدمة اليوم، تثبت أن اللغة المجازية تشدد على معنى معين بطريقة لا يسهل نسيانها. بل أنها قد تصبح جزءًا من اللغة كما في الأمثلة التي ذكرناها.

التعبيرات المجازية تكون مؤثرة في التفسير والشرح. عندما قال السيد المسيح “أنا هو خبز الحياة” (يوحنا 6: 48)، كان يوضح حقيقة أساسية خاصة بعلاقته مع الأشخاص الذين ينتمون له، فهو يشبع ويغذي. “يشبه ملكوت السماوات خميرة” (متى 13: 33) يثير هذا التعبير في الحال معنى النمو التدريجي والثابت الذي يتخلل الكل. وعندما نعرف أن المسيحي هو جندي أو فلاح، فإن هذا التشبيه التوضيحي يساعدنا على فهم مسؤولياتنا. وهكذا فإن التعبيرات المجازية شديدة الفعالية في توضيح وتفسير الحق الروحي.

التعبيرات المجازية مفيدة في التوضيح. فالأمر المعتاد يمكن أن يستخدم لتوضيح الأمر غير المعتاد أو غير المألوف. وهذا الأمر مفيد وضروري بصفة خاصة عندما يكون من اللازم أن يتم تبسيط حق الله غير المحدود بما يكفي لأن يفهمه الإنسان محدود الفهم. فعندما نتحدث عن الله كزوج أو كأب فإن هذا يأتي لمجال فهمنا المحدود للغاية بالحقائق الأساسية عن العلاقة التي يرغب الله أن يشاركها معنا.

فكيف يمكن لله غير المحدود والذي ليس له كيان مادي، أن يشرح لنا عملية خلق كائن محدود ومادي، وقيامه مع ذلك بخلق هذا الكائن على صورة وطبيعة الله نفسه؟ لذلك قال الله أنه “نفخ في أنف آدم نسمة حياة” (تكوين 2: 7). بذلك نجد أن التعبيرات المجازية تكون مفيدة في التوضيح، وفي جعل الحقائق الروحية وغير المحدودة متاحة ومفهومة للبشر المحدودين.

فالحقيقة هي أنه، كما أشار سي إس لويس من قبل، كلما أراد المؤلف أن يتحدث عن أمور غير مدركة بالحواس، فإنه قد يكون مجبراً على استخدام تعبيرات غير حرفية. فبعض الحقائق المجردة لا يمكن توصيلها إلا باستخدام نماذج ملموسة ومادية – فنحن نحتاج إلى أمثلة يمكننا أن نراها لكي نفهم ما هو غير مرئي.

كما يمكن استخدام التعبيرات المجازية كنوع من الشفرة. ففي حالة أمثال السيد المسيح، يخبرنا أن الأمثال تم اختبارها كوسيلة لجعل الأمور غامضة عن عمد:

“فتقدم التلاميذ وقالوا له “لماذا تكلمهم بأمثال”. فأجاب وقال لهم “لأنه قد أعطي لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات، أما لأولئك فلم يعط. فإن من له سيعطى ويزاد، وأما من ليس له فالذي عند سيؤخذ منه. من أجل هذا أكلمهم بأمثال لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون فقد تمت فيهم نبوة إشعياء القائلة: تسمعون سمعاً ولا تفهمون ومبصرين تبصرون ولا تنظرون لأن قلب هذا الشعب قد غلظ وآذانهم قد ثقل سماعها.

وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم. ولكن طوبى لعيونكم لأنها تبصر ولآذانكم لأنها تسمع فإني الحق أقول لكم أن أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا. وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا” (متى 13: 10-17).

وهكذا تستخدم اللغة المجازية أحياناً “كلغة شفرة”. فهي تعطي نوراً للأشخاص الطائعين، وتعتيماً للأشخاص غير الطائعين. لا يعتبر هذا فقط نوع من الدينونة بسبب عدم الطاعة، بل أنه في الحقيقة لخيرهم هم شخصياً، لئلا يجلب لهم المزيد من النور مزيداً من المسؤولية وبالتالي مزيداً من الدينونة. وبذلك تستخدم التعبيرات المجازية في بعض الأحيان للتعتيم والغموض.

إلا أن هناك سبب آخر لاستخدام التعبيرات الغامضة المبهمة. ففي بعض الأحيان يتم عرض النبوات بصورة مبهمة لكي تظل خفية حتى وقت اتمامها. وسوف نقوم بدراسة هذا الأمر بتفصيل أكثر عندما نقوم بالحديث عن إرشادات فهم النبوات. ومع ذلك فإننا نجد مثالاً واضحاً لهذا الأمر في كلمات السيد المسيح لليهود:

“أجاب يسوع وقال لهم: انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه. فقال اليهود في ست وأربعين سنة بني هذا الهيكل، أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه. وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده، فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع” (يوحنا 2: 19-22).

هناك عدة أسباب إذاً تدعو لاستخدام التعبيرات المجازية في الكتاب المقدس، ومسؤوليتنا هي أن ندرس باجتهاد حتى نستطيع أن نتعامل مع هذا النوع من الأساليب بطريقة صحيحة.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

إرشادات تفسير اللغة المجازية

إن الهدف من دراسة اللغة المجازية في الكتاب المقدس هو نفس الهدف من دراسة اللغة الحرفية: أي أن نميز المعنى الذي قصده المؤلف، وأن نطبقه في حياتنا. لكن في حالة اللغة المجازية، توجد خطوة سابقة، وهي أننا يجب أولاً أن نتيقن من أن التعبيرات مجازية وليست حرفية، ثم نقوم بعد ذلك بالتعرف على أسلوب أو نوع اللغة المجازية. فبعد أن نتوصل إلى أن معنى المقطع غير حرفي، نكون مستعدين للتفسير والتطبيق. بكلمات أخرى، هناك خطوة وسطية ضرورية في حالة المقطع المجازي: وهي التوصل إلى حقيقة أنه مجازي وتحديد نوع التشبيه الذي يستخدم فيه.

التعرف على اللغة المجازية

هناك مبدآن إرشاديان يساعدانك في التعرف على اللغة المجازية

المبدأ الإرشادي الأول.

إن لغة الكتاب المقدس، مثل لغة الصحف اليومية أو أية لغة بشرية عادية، يجب أن يتم تفسيرها بمعناها الحرفي، إلا إذا كان هناك سبب من ثلاثة أسباب ملزمة لاعتبارها غير حرفية:

1 – لو كان من الواضح أن العبارة ستكون غير معقولة، أو غير منطقية، أو غريبة ومبهمة إذا تم التعامل معها باعتبارها حرفية، فإن الفرضية هي أن تكون استعارة أو تشبيهاً. مثال لذلك، “أنا هو الباب” و”أنتم ملح الأرض”، فهذان التعبيران من الواضح أنهما غير معقولين إذا تم التعامل معهما حرفياً.

2 – السياق نفسه قد يشير إلى أن اللغة مجازية. فعندما يؤخذ بمفرده، قد يكون التعبير أو العبارة إما مجازية أو حرفية، ولكن في السياق نفسه يشير المؤلف إلى أنه لا يقصد أن يؤخذ المعنى حرفياً. فعندما قال بولس، “وإن كنت قد كتبت إليكم فليس لأجل المذنب” (2كو 7: 12)، فإن السياق المباشر وسياق الحدث بأكمله يمتد إلى الأصحاحات الأولى، كما يمتد بعده إلى الأصحاحات التالية في رسالة كورنثوس الثانية، مما يظهر بوضوح أنه كان يبالغ لإيقاع تأثير معين. فقد كتب الكثير جداً لأجل الشخص الذي ارتكب الخطأ وتحدث عدة مرات عن هذا الأمر بوضوح شديد. فماذا كان يعني هنا؟ لقد كان يعني، “أنني لم أكتب فقط لغرض خلاص الشخص الذي ارتكب الخطأ”.

3 – إن كان هناك تناقض مع أمر أكثر وضوحاً وبقاء وتأكيداً في الكتاب المقدس، فمن المشروع أن نسأل ما إذا كنا سنتعامل مع هذا المقطع بصورة حرفية أم لا. فمثلاً أن يبغض المرء أباه وأمه (لوقا 14: 26) فهذا يتعارض مع كل من العهدين القديم والجديد في تعليمهما الواضح والقوي والثابت بأن الإنسان يجب أن يحب والديه ويكرمهما. لذلك فليس فقط من المسموح، بل من الضروري أن نبحث عن معنى مجازي هنا. يعتمد هذا المبدأ الإرشادي فعلياً ليس على الاستخدام العادي للغة البشرية، بل على حقيقة أن الكتاب المقدس هو أيضاً كتاب فوق طبيعي. وسوف نتعامل مع هذا الأمر بتفصيل أكثر عندما ندرس العلاقة بين التعاليم المتنوعة في الكتاب المقدس

ورغم أنه أمر سليم أن نبحث عن فهم أصيل غير حرفي، فإن الدارس يجب عليه ألا يقحم معنى مجازياً على اللغة. بعض المقاطع المعينة الحرفية يتم اعتبارها مجازية بواسطة الأشخاص الذين يؤمنون بالكتاب المقدس ويحاولون أن يجدوا تناسقاً بين جميع تعاليمه. فقد يحاولون بذلك أن يجعلوا مقطعاً صعباً يتسق مع مقاطع أخرى حرفية واضحة ومع التعاليم السائدة والواضحة في الكتاب المقدس، كما أوضحنا ذلك للتو.

ومن ناحية أخرى، يوجد أشخاص لا يؤمنون بالكتاب المقدس، والذين يتعاملون مع العبارات الحرفية باعتبارها مجازية. فالخلق، والأرواح النجسة، والقيامة، ومجيء المسيح الثاني، هي أمور غير مقبولة بالنسبة لأولئك الذين يعتنقون افتراضات عقلانية مسبقة. لذلك فإنهم ينظرون إلى هذه التعاليم باعتبارها مجازية أو خرافية، لكي يتجنبوا الاعتراف بما هو فوق طبيعي. وهكذا فإن افتراضات الشخص المسبقة بشأن الكتاب المقدس هي التي تثير الأسئلة بشأن ما إذا كان مقطع معين سيتم التعامل معه حرفياً أم مجازياً.

بوضع هذه الاستثناءات في الاعتبار، لا يزال يجب على المرء أن يتذكر أن القاعدة الأساسية هي أن نتعامل مع كل مقطع في الكتاب المقدس باعتباره حرفياً. فالأسباب الملزمة فقط هي التي تجعل الكلمات مجازية.

المبدأ الإرشادي الثاني.

إن وجهة نظر المؤلف والمتلقي الأصلي، وليس فهمنا الخاص، هو الذي يجب أن يتحكم في فهمنا لما هو من السليم أن يكون حرفياً أو مجازياً. فقد نعتقد أنه من المناسب أن نستخدم الحمل أو الأسد لتعريف شيء يختص بيسوع المسيح، ولكننا نرفض استخدام لفظ اللص أو الجثة لتصويره. لكن الأمر لا يعتمد علينا في أن نقيم مدى ملائمة تشبيهات معينة من غيرها.

ولكننا لا بد أن نقيم اللغة في ضوء ما كان يقصده المؤلف. فعندما يتم مقارنة الناس بالخراف أو الغنم مثلاً، فلن يفيدنا أن ندرس عن رعاة الغنم وسلوك الغنم في أيامنا الحالية لكي نحدد ما كان في ذهن المؤلف. فغنم الوقت الحالي قد تلقي بالضوء فقط على احتمالات للمعنى، ولكن الطريقة التي كان ينظر بها المؤلف ومعاصروه للغنم هي التي يجب أن تحدد وجه المقارنة.

فالحقيقة هي أن المؤلف قد يقوم بتغيير وجه المقارنة في المقطع الواحد نفسه. فالآية. “كلنا كغنم ضللنا” (إش 53: 6) تستخدم مقارنة مختلفة عن غيرها في نفس المقطع، “كنعجة صامتة أمام جازيها” (ع7). فمن الواضح أن المؤلف كان في ذهنه شيء مختلف في استخدامه لهاتين المقارنتين.

أخبرنا المسيح أننا ملح الأرض، لذلك فإننا غير أحرار في اختيار ما نفضل أن يكون عليه وجه المقارنة الذي كان يقصده. فلا بد لنا أن نجتهد لكي نميز وجه المقارنة الذي كان يقصده. سمعت ذات مرة عظة مدهشة ذكرت فيها عدة سمات مميزة للملح في هذا التشبيه، لحث المسيحيين نحو التصرف بطريقة كتابية أكثر. قال الواعظ أن الملح كان يستخدم لحفظ السمك الذي تم صيده في الجليل أثناء نقله إلى أورشليم لحفظه من الفساد، كما أن الملح يعطي طعماً ونكهة للمجتمع عديم الطعم.

وفي العهد القديم كانت هناك تقدمة الملح، والتي تشير إلى أن الله هو إله العهد، وأنه إله آمين. وبالتالي، فإن الشهادة بالحياة المعجزية والحياة المتغيرة، هي أعظم دليل على وجود الله. الأكثر من ذلك، فإن الملح لا يجب أن يكون معزولاً في قالب بل أن ينتشر في كل مكان، فيفقد فرديته وعزلته. وأخيراً فإن الملح تأثيره يفوق حجمه بكثير.

فهل من المشروع أن نقوم بكل أوجه المقارنة هذه، ونحن متأكدون أن يسوع كان في ذهنه كل هذه النقاط عندما قال، “أنتم ملح الأرض؟ كلا، وهذا لأن أول مهمة للمفسر هي أن يميز ما كان في ذهن المؤلف من وجه المقارنة، وليس ما يمليه علينا اختبارنا الشخصي في ثقافة أخرى أو تفكيرنا وابتكارنا الخاص. فالمبدأ الإرشادي هو هذا: إن قصد المؤلف يجب أن يتحكم في فهمنا لما يعنيه.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

التعرف على أنواع الاستعارات

من المهم قبل أن نقوم بتفسير تعبير مجازي أن نحدد نوع الاستعارة التي تم استخدامها. في كثير من الأحيان يكون هذا التحديد نفسه هو مفتاح تفسير المعنى، كما سنرى.

لقد حدد التحليل الأدبي عدداً كبيراً من الاستعارات المختلفة المميزة. في إحدى المطبوعات المخصصة للاستخدام بواسطة مترجمي الكتاب المقدس، تم تحديد ثمانية وعشرين نوعاً من الاستعارات، بما فيها عدد من الأنواع الغريبة غير المألوفة. لكننا بدلاً من أن نحاول تعريف كل أنواع الاستعارات في دراستنا هذه، فإننا سنركز على عدد قليل يستخدم كثيراً وله أهمية عظيمة في فهم الكتاب المقدس.

استعارات المقارنة. معظم الاستعارات الشائعة في التعبيرات المجازية في الكتاب المقدس هي استعارات مقارنة. وهي قد تتكوم إما من مقارنة بسيطة أو مركبة، كما في الأمثال أو التشبيهات. وقد تستخدم المقارنة في مناسبة واحدة، أو تستخدم كمقارنة دائمة، كما في استخدام الرمز. كما أن الرموز النبوية، التي تسمى نماذج، هي أساسية في فهم الكثير من أجزاء الكتاب المقدس. وسوف نقوم بذكر الأقسام التصنيفية الرئيسية للمقارنة كل على حدة، ولكن نوع اللغة المجازية الذي نشرحه في هذا القسم هو أساساً نوع المقارنة.

التشبيه. وهو استعارة مقارنة شائعة، حيث يتم فيها المقارنة بوضوح بين شيئين مختلفين عن بعضهما البعض. وكمثال على ذلك الآية “كلنا كغنم ضللنا” (إش 53: 6). ومن ناحية أخرى، ففي الاستعارة، قد تكون المقارنة متضمنة فقط، مثال على ذلك قول المرنم: “إننا…. غنم مرعاه” (مز 100: 3). ببساطة فإن التشبيهات والاستعارات هي تعبيرات تظهر أوجه الشبه بين شيئين أو فكرتين تكونان، في أغلب الأحيان، مختلفتين.

عند فحص تشبيهات المقارنة، علينا أن نتذكر أنه في المعتاد يكون هناك وجه شبه واحد فقط في المقارنة هو المقصود. فالمقارنة محدودة، ولا يُسمح للقارئ بأن يرتجل أو يقرر أي وجه للمقارنة يفضله أكثر أو يجده متفقاً مع هيكل عقيدته أو مع محتوى عظته. وكما أشرنا من قبل، في تشبيه الناس بالملح، فإن السؤال هو، ما الأمر الذي كان في ذهن يسوع وسامعيه، وليس ما يمكن لخيالنا الخصب أن يحدده من معان إضافية.

لذلك فإن لم نأخذ حذرنا، لن يصبح الكتاب المقدس بعد ذلك سلطة مستقلة، تحكم على أفكارنا، ولكن السلطة عندها ستصبح في يدنا نحن المفسرين، فنبني عقائد غير سليمة على فهم خاطئ للتعبير الاستعاري الكتابي.

هناك نوع آخر من تشبيهات المقارنة وهي التصوير التمثيلي – بأن نأخذ شيئاً ما لكي يمثل شيئاً آخر، ومثال على ذلك، الرموز. وغالباً ما يمثل الشيء المادي شيئاً آخر غير ملموس. فالنحاس في الكتاب المقدس يرمز إلى الدينونة. والرمز عبارة عن مقارنة ضمنية (استعارة)، لكنها ع خاص من الاستعارات. فهي تكون أكثر عمومية ورمزية.

وتشيع التعبيرات الرمزية في الكتاب المقدس، كما في اللغات الأخرى، لكن حيث أن الكتاب المقدس له أصل إلهي أيضاً، يوجد به قدر كبير من الرموز النبوية. والمصطلح الفني للرمز النبوي هو النموذج أو المثال. الرمز والنموذج هما أمران شديدا الأهمية لفهم الكتاب المقدس، لذلك فإننا سندرسهما بتوسع أكثر فيما بعد. لكن لكي نأخذ فكرة عامة عن الأنواع المختلفة لتشبيهات المقارنة، فإننا سنقوم بعرضها هنا كالآتي:

الرسم الموجود على الصفحة التالية يوضح العلاقة بين الأنواع المختلفة لتشبيهات المقارنة.

استعارة الربط. تختلف تشبيهات الربط عن تشبيهات المقارنة كالآتي: ففي تشبيهات المقارنة يتم المقارنة بين شيئين مختلفين، بينما في استعارة الربط، يتم استخدام اسم شيء أو فكرة ما لشيء أو لفكرة أخرى مرتبطة بها. ويطلق على هذا الترابط metonomy. لقد أعطانا المسيح مثالاً لهذا النوع من التشبيهات عندما قال: “ومن حلف بالسماء فقد حلف بعرش الله وبالجالس عليه”. (متى 23: 22).

كان على الفريسي ألا ينطق باسم الله باطلاً، فكان الفريسي يستخدم تشبيه الربط لكي يتجنب هذه الضرورة، لكن المسيح منع هذا الأمر، مشيراً إلى أن التعبير باستعارة الربط يعني نفس الشيء أو المفهوم الذي ترمز إليه.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

 

بالمثل، “وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه (من يوحنا)”. فإن هذه الآية لا تعني أن المدينة كلها تحركت حرفياً، بل أن الناس الذين كانوا يعيشون في المدينة، والذين ارتبطوا باسم “أورشليم”، خرجوا لكي يعتمدوا من يوحنا.

في بعض الأحيان يتم الحديث عن استعارة الربط، والتي فيها يتم الحديث عن جزء من شيء كما لو كان الشيء كله؛ أو يمكن أن يشير الشيء بأكمله إلى جزء فقط من شيء آخر. فكثيراً ما يشير “الناموس” إلى العهد القديم بأكمله. كيف يمكن ذلك؟ إن وصايا الناموس قد تم إعطاؤها بواسطة موسى، الذي كتب أول خمسة أسفار من العهد القديم (التوراة).

ولذلك فإن كلاً من موسى والناموس مرتبطان بالتوراة، وكثيراً ما يتم استبدالهما أو “اختزالهما” في هذا الجزء من الكتاب المقدس. والتوراة بدورها ترتبط في بعض الأحيان بالعهد القديم كله، كما ترتبط بالجزء الأول منه، لذلك فإن “الناموس” كاستعارة ربط أصبح يتم استخدامه إما للإشارة إلى التوراة أو إلى العهد القديم بأكمله. لذلك فإن السياق هو الذي يجب أن يحدد أي منهما هو المقصود.

الاستعارة التشخيصية. في كثير من الأحيان يستعير الكتاب المقدس صفة بشرية وينسبها إلى الله، أو يأخذ صفة بشرية وينسبها لشيء لكي يصنع تجسيداً للصفة. فعندما نقول إن الله “مد ذراعه” وأن “الأشجار تصفق بالأيادي” أو أن “الجبال تقفز”، يمكننا أن نطلق على مثل هذه التشبيهات استعارات تشخيصية.

من ناحية، هذا النوع من الربط يكون مقارنة ضمنية، ويمكن معاملته باعتباره استعارة مقارنة، كما وصفناها من قبل. ومع ذلك، توجد فائدة في فصل هذا النوع المحدد من الاستعارة عن غيره، عند تفسير مقاطع معينة من الكتاب المقدس. فعلى سبيل المثال، نجد في الأصحاحات الأولى من سفر الأمثال أنه يتم الحديث عن الحكمة كما لو كانت إنساناً. فهل هذا يجعل القسم بأكمله يتحدث عن المسيح، كما يعتقد البعض؟

وماذا كان قصد المؤلف من تشخيص الحكمة؟ فكر أيضاً في الطريقة التي يتحدث بها الكتاب المقدس عن الله مستخدماً صفات مادية بشرية. فسر سي إس لويس هذا الأمر توضيحياً كالآتي:

الله هو الحقيقة الأساسية أو الفعلية، وهو مصدر كل الحقائق الأخرى، لذلك فيجب ألا يتم التفكير فيه بأي حال من الأحوال باعتباره حقيقة عمومية بلا ملامح. فإنه لو كان الله موجوداً من الأساس، فسيكون هو الأكثر واقعية من أي شيء آخر، والأكثر تفرداً وشخصية، “منظم بمنتهى الدقة والوضوح”. فهو لا يمكن وصفه، لي لكونه غير محدد، لكن لأنه شديد التحديد بالنسبة لغموض اللغة الذي لا يمكن تجنبه. لذلك فإن الكلمات المادية وغير الشخصية مضللة، لأنها تفترض أنه يفتقر إلى نوع من الواقعية التي نمتلكها نحن. لذلك فمن الأسلم أن ندعوه “ما وراء المادي، أو ما وراء الشخصي”.

فالجسد والشخصية كما نعرفهما هما السلبيات الحقيقية – فهما ما يتبقى من الكيان الإيجابي عندما يتم تخفيفه بما يكفي لكي يظهر في هيئة مؤقته أو محددة. بل وحتى الجنس يجب أن ننظر إليه باعتباره تحول إلى مفتاح ثانوي لذلك الفرح الخلاق في الله، والذي لا يتوقف ولا يمكن مقاومته. إن الأشياء التي نقولها عن الله، نحوياً، هي “استعارية”: ولكن بمعنى أعمق، سنجد أن طاقاتنا المادية والنفسية هي التي تعتبر مجرد “استعارات” للحياة الحقيقية التي هي الله. لذلك يمكننا أن نقول إن البنوة الإلهية هي المجسم الخالص، الذي تعتبر بجانبه البنوة البشرية مجرد تمثيل بياني على مسطح.[2]

الحقيقة أن “كل، أو معظم اللغة المستخدمة في الكتاب المقدس للإشارة إلى الله هي استعارية (الاستثناء المحتمل الوحيد هو كلمة “قدوس”)”[3]. لذلك فلكي نفسر الاستعارات الخاصة بالله، من الضروري أن نميز وجه المقارنة المقصود بواسطة الكاتب، وليس أن نفرض وجه مقارنة نشعر أنه “فهماً جديداً”. فعندما “نفخ” الله في هيئة آدم التي بلا حياة مثلاً، ما الذي فعله حقاً؟ كم من المهم أن نميز ما هو المقصود بتلك الاستعارة التشخيصية، وبذلك النسب المحدد للصفات البشرية إلى الله! إن تقرير معنى هذا الأمر يؤثر على لاهوت الخلق بأكمله.

الاستعارة الوهمية. هناك الكثير من العبارات في الكتاب المقدس ستكون غير حقيقية لو فسرناها حرفياً. فعلى سبيل المثال، السخرية هي تعبير يقول فيه الكاتب عكس ما يعنيه في الحقيقة. كما أن المبالغة لأجل خلق انطباع معين هو أمر شائع في الكتاب المقدس (يشتق من الكلمة اليونانية hyperbole). فقد كان بولس يتحدث بسخرية أو تهكم عندما قال، “سامحوني بهذا الظلم” (2كور 12: 13). إذ يتضح من السياق أنه لم يكن يعتبر صنعه للخيام لكسب العيش شيئاً خاطئاً أخلاقياً، بل قد كان يقول عكس الحقيقة لكي يخجل أهل كورنثوس ويحثهم على التوبة. كل من بولس وأنبياء العهد القديم استخدموا أسلوب السخرية والتهكم. لذلك يجب التعرف على هذه الصور باعتبارها وهمية، وإلا سيتم فهم وبناء المعنى بصورة خاطئة.

عندما يشير الكاتب مثلاً إلى أنه “خرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه”، قد لا يكون الأمر ذا أهمية كبيرة أن نتأكد ما إذا كان كل فرد في أورشليم قد خرج بالفعل إلى البرية لكي يعتمد من يوحنا المعمدان. لكن، عندما يقول الكتاب المقدس، “أن كل من يؤمن بالمسيح سوف يخلص”، يكون من الأهمية العظمى أن نكتشف ما إذا كانت هذه العبارة حرفية أم مجازية.

أما أسلوب المبالغة فهو شائع في كل اللغات، لكنه بين الشعوب السامية، وبالتالي في الكتاب المقدس يكون شديد الانتشار. بل يبدو أنه يأتي غالباً من أسلوب تفكير أساسي. يقتبس جي بي كيرد من تي إل لورنس، الذي كان يعيش وسط العرب خلال الحرب العالمية الأولى، ما يلي:

لم يكن لدى الساميين “نصف درجة نغمة” في تسجيلهم للرؤية. بل كانوا أناساً ذوي ألوان أساسية، أو بالأحرى، يفكرون إما بالأبيض أو بالأسود، ويرون العالم محدداً بخطوط دائماً. كانوا شعباً عقائدياً، يحتقرون الشك، الذي هو تاج تفكيرنا الحديث. لم يفهموا صعوبات الميتافيزيقا الخاصة بنا، أو تساؤلاتنا الاستبطانية. بل كانون يعرفون فقط أن هناك الحق والكذب، الإيمان والكفر، بدون أن يكون لديهم حاشية الظلال الأدق للمعاني.[4]

وإننا إذ نقترب من الكتاب المقدس، لا بد أن نكون على حذر دائم من احتمالية وجود المبالغة، وألا نتعامل مع هذه الصور البلاغية باعتبارها عبارات حرفية تذكر حقائق.

الأسئلة التي تهدف إلى تأكيد حقيقة ما (أسئلة التقرير). يطلق على هذه الأسئلة البلاغية، التي تكون فيها الإجابات واضحة بالنسبة للسامعين. فكر مثلاً في الآيات التالية:

“إن كان الله معنا فمن علينا؟” (رو 8: 31)

ألعل الجميع رسل؟” (1كور 12: 29)

“وكيف يسمعون بلا كارز؟” (رو 10: 14)

إن الإجابات على تلك الأسئلة معروفة ولا شك فيها، ولكن المؤلف يصيغ هذه الحقائق في شك أسئلة لكي يزيد من وقعها على المتلقي. بل ولا بد أن يتم التعامل معها باعتبارها توكيدات أقوى للحقائق المقصود طرحها. فإن كان الله معنا، فلا يمكن لأي شخص أن يكون علينا. وبالتأكيد ليس جميع المؤمنين رسلاً، ولا الجميع أنبياء أو معلمين ولا الجميع يتكلمون بألسنة. ولا بد أن يكون هناك مبشر لكي يسمع الناس كلمة الله. هذه هي التوكيدات المتضمنة، والمقاطع نفسها يجب التعامل معها بهذه الطريقة.

التعبيرات الاصطلاحية. توجد العديد من التعبيرات التشبيهية والاصطلاحية الأخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن للمؤلف أن يستخدم الحذف، بأن يحذف كلمة أو كلمات من الجملة كان يمكن أن تكملها (خر 32: 32)، أو الألغاز (قض 14: 14)، أو القصص الخرافية (قض 9: 8-15)، أو الكناية. لكننا لن نتعامل مع كل ذلك بتوسع لأن عددها ليس كثيراً، وعادة ما يكون كل من التعبير المجازي وتفسيرها واضح للغاية.

إلا أن واحداً من الأمثلة غير الواضحة تماماً، هو تعبير، “حسن للرجل ألا يمس امرأة” (1كور 7: 1). بحسب سياق المقطع والاستخدام الاصطلاحي في هذا الزمن، يجب أن يتم التعامل مع هذا التعبير باعتباره كناية عن العلاقات الجنسية، وفي ذلك المقطع، عن الزواج كان أن مصطلح مثل “يكشف…. عورتها” هو تعبير أخف لوصف العلاقات الجنسية غير الأخلاقية (لا 18: 8، 12).

لا يتم فهم مثل هذه المقاطع بسهولة بدون دراسة الكلمات أو استكشاف الخلفية الثقافية. لكن في معظم الأحيان، لا تكون هذه التشبيهات كثيرة العدد كما أنه يسهل فهمها. لذلك لا بد من التعرف على نوع التشبيه قبل البدء في محاولة التفسير. في كثير من الأحيان يكون المعنى شديد الوضوح، بمجرد تحديد نوع التشبيه. ومع ذلك فهناك بعض الإرشادات الخاصة التي تفيدنا في تفسير تشبيهات معينة.

تفسير التعبيرات المجازية

لا بد أن يتم التعرف على ما يقصد المؤلف أن يشير إليه في التعبير المجازي. وأول خطوة في التفسير هي نقل التعبير المجازي إلى معناه الحرفي. فمن هن “الثيران”، و”الأسود”، و”الكلاب” الذين كانوا يحيطون بداود (مز 22: 12-13، 16)؟ بمجرد أن نفهم العناصر المجازية، يجب أن نقوم باستخدام الأدوات التفسيرية بأكملها لنقل التعبير المجازي إلى معناه الحرفي، ولتفسير المقطع بأكمله. ففي كل مرحلة، يجب استخدام جميع الإرشادات؛ فالخلفية الثقافية، ودراسة الكلمات، ودراسة السياق هي أدوات لا يمكن الاستغناء عنها لفهم اللغة المجازية.

لكن دعونا نفكر في ثلاثة إرشادات خاصة لتفسير الأنواع المعينة من التعبيرات المجازية.

1 – تشبيهات المقارنة غالباً ما تتطلب إرشادات خاصة. أكثر مبدأ إرشادي مفيد هنا هو أن نتذكر أننا عندما نقوم بعقد مقارنة بين شيئين مختلفين، تكون أوجه المقارنة محدودة للغاية. والحقيقة هي أنه عادة ما يكون في ذهن المؤلف وجه واحد للمقارنة، كما رأينا.

لذلك يجب على المفسر أن يقاوم إغراء أن يقوم بإقحام أوجه للمقارنة من خياله الخاص. بل عليه أن يقوم من خلال دراسة الكلمات، ودراسة السياق والخلفيات الثقافية والتاريخية، بتمييز وجه المقارنة الذي قصده المؤلف. أما في المقارنات المركبة، كما في الأمثال، والنماذج، تصبح هناك إرشادات أخرى ضرورية، والتي سوف ندرسها فيما بعد بتفصيل أكثر.

2 – من المهم أن نميز بين تشبيه الربط وتشبيه المقارنة. فقد تحدث داود عن “وادي ظل الموت” (مز 23: 4). فهل هذا تشبيه مقارنة أم تشبيه ربط؟ يخبرنا بعض المفسرين أن تعبير “وادي ظل الموت” كان مصطلحاً يشير إلى الخطر. المقارنة هي مع وهدة عميقة يعبر من خلالها المسافر وهو يخشى فيها على حياته. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يتم اعتباره تشبيه ربط، حيث يتم استخدام المكان الذي يرتبط بالموت للإشارة إلى العبور المخيف في الموت. هذا هو المعنى التي يعطى للآية في العديد من الجنازات.

فأي معنى منهما هو الذي كان يقصده داود؟ بفحص السياق نجد أن داود كان يقوم بعقد مقارنة ممتدة للعلاقة بين الراعي والخراف، وعلاقة الله بداود. فالمعنى الطبيعي إذاً هو تشابه آخر بين الخروف وبين داود. فيمكن لداود أن يجتاز أي تجربة مخيفة أو مجهولة بدون خوف لأن الرب معه. وبالطبع، يمكن أن يكون الموت نفسه هو واحد من هذه التجارب، ولكن المعنى سيكون أكثر اتساعاً لو تم اعتبار هذا التعبير أنه مقارنة.

لكننا نحتاج كذلك إلى تطبيق إرشادات أخرى. بفحص البنية النحوية للمقطع، يمكن للمرء أن يلاحظ أن داود يغير الحديث من ضمير الغائب غير الشخصي في الأعداد الأولى “في مراع خضر تربضني”، إلى الحديث بصورة شخصية بضمير المخاطب “لأنك أنت معي”، فهل هذا يعني ضمنياً التحول من تشبيه الخروف بداود إلى العلاقة الحرفية بين داود والرب؟ إن كان كذلك، فقد يكون من الأفضل اعتبار أن الوادي يشير إلى الموت، أي تشبيه ربط. فهل هذا التفسير يدعمه رمز قديم للموت، كما نرى ذلك في سفر قديم آخر من أسفار الكتاب المقدس (أي 10: 21-22)؟

لكن الجزء اللاحق من العدد ينفي مثل هذا التفسير بعودته إلى المقارنة بالخروف: “عصاك وعكازك هما يعزيانني” بمقارنة ذلك بكتابات داود الأخرى، وبفحص الخلفية الثقافية (كيف كان الناس يفكرون في الموت) تتدعم فكرة أن داود كان في ذهنه كل أنواع المخاطر، وليس الموت فقط. والأكثر من ذلك، أن الفكرة السارية في هذا المزمور بأكمله، تجعل الموت لا مكان لن في المقطع، حيث يتبعه مائدة ومسح للرأس بالزيت، وتعبير “كل أيام حياتي”، و”بيت الرب إلى مدى الأيام”.

بهذه الطريقة، نكون قد استخدمنا العديد من الإرشادات في نقل هذا التشبيه إلى معناه الحرفي. وهكذا يمكن أن يكون هذا تشبيه مقارنة، والذي فيه يواجه داود، مثل خرافه الخاصة، أكثر التجارب المرعبة في حياته بلا خوف، لأن الرب معه ليحميه منها.

3 – قم بفحص التشبيهات الوهمية. في بعض الأحيان تكون المبالغة هي تشبيه وهمي واضح. فعندما يقال أن المسيح لم يكون يكلم الناس إلا بأمثال (متى 13: 34)، فإن الكاتب كان يعني بوضوح أن الأمثال كانت هي وسيلته الرئيسية في التواصل مع الناس. ولكنه لم يكن يعني أن يسوع لم يكن يتحدث مطلقاً بطرق أخرى، لأنه حتى متى نفسه يسجل الكثير من تعاليم المسيح التي لم تكن بأمثال، مثل الموعظة على الجبل.

وعندما قال داود بشأن خطيته ضد بثشبع وأوريا، “إليك وحدك أخطأت” (مز 51: 4) كان من الواضح أنه يقصد التشيديد على أن خطيته العظمى في النهاية هي موجهة ضد الله.

لكن ليست جميع المبالغات ظاهرة وواضحة هكذا. فعندما يقول الكتاب المقدس “إلى الأبد”، فهل هذا يعني دائماً “بدون نهاية”؟ يقول الكتاب “المؤسس الأرض على قواعدها فلا تتزعزع إلى الدهر والأبد” (مز 104: 5). ومع ذلك، فمنذ مزمورين سابقين قال المرنم: “من قدم أسست الأرض والسماوات هي عمل يديك هي تبيد وأنت تبقى وكلها كثوب تبلى كرداء تغيرهن فتتغير” (مز 102: 25-26).

هذان المقطعان لا يعتبران متناقضان على الإطلاق، عندما يضع المفسر في الاعتبار أن كلمة “إلى الأبد” تعني في بعض الأحيان “بدون نهاية” ولكنها كثيراً ما تعني “لفترة زمنية طويلة”. وهكذا فإننا نستخدم أيضاً هذا التعبير مجازياً. كان الفصح والكهنوت اللاوي إلى الأبد (خر 12: 14؛ 1أخ 15: 2)، لكن عندما أصبح المسيح هو فصحنا (1كور 5: 7)، وهو كاهننا (في سفر العبرانيين)، فقد انتهت عندئذ كلمة “إلى الأبد”. وهكذا فإن “إلى الأبد” تعني عادة “بدون نهاية”، ولكن ليس في كل حالة.

يجب على المفسر أن يضع في الاعتبار دائماً أن الناس كانوا يعيشون في زمن الكتاب المقدس لم يكونوا ملتزمين بالاحتفاظ بمقياس معين في الأسلوب، بالطريقة الحديثة، وأن المبالغات لإحداث وقع وتأثير كانت أسلوباً أدبياً شائعاً. ولذلك فإن السياق وتعاليم الكتاب المقدس الأخرى هي مصادر تساعدنا في معرفة ما إذا كانت العبارة تفسر حرفياً أم تفهم كمبالغة.

ملخص

يمتلئ الكتاب المقدس بتعبيرات غير حرفية. واللغة المجازية شديدة الأهمية والقيمة للعديد من الأسباب، كما رأينا. لكن لكي نستطيع تطبيق الكتاب المقدس في حياتنا، يجب تحديد ما قصده المؤلف. وقد قمنا بدراسة الخطوات اللازمة لذلك: بتحديد ما إذا المقطع مجازياً، وتحديد نوع التشبيه، ثم استخدام الإرشادات العامة والخاصة بعد ذلك لتحديد المعنى الذي قصده المؤلف عندما اختار أن يتحدث “بلغة تصويرية”.

سنقوم فيما بعد بدراسة مبادئ تطبيق الحقائق الكتابية. ومع ذلك، فعند هذه النقطة دعونا نتذكر أن كلمة مجازي أو تشبيهي لا تعني “غير حقيقي” أو “أقل أهمية”. فاللغة المجازية تعلم أمور حقيقية ومهمة. وبعد أن يقوم المرء بتحديد المعاني الحقيقية للغة المجازية، يجب أن يقوم بتطبيقها بثقة.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– بولينجر، إثيلبيرت ويليام. Figures of Speech Used in the Bible: Ecplainned and Illustrated معاد طباعتهGrand Rapids: Baker, 1968.

– لامسا، جورج إم. Idioms in the Bible Explained. New York: Harper & Row 1985.

– تيري، ميلتون، Biblical Hermeneutics. معاد طباعته. Grand Rapids: Zondervan 1974.

[1] سي إس لويس، (New York: Macmillan, 1947) Miracles، الصفحتان 88 – 89.

[2] نفس المرجع السابق. الصفحتان 110-111.

[3] جي بي كيرد، The Language and Imagery of the Bible (Philadelphia: Westminister, 1980)، صفحة 18.

[4] نفس المرجع السابق. صفحة 110.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح (16) أمانة الإنسان

الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح (16) أمانة الإنسان

الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح (16) أمانة الإنسان
تابع ثانياً: شرح معاني كلمة الإيمان
تابع شرح المعنى الثاني للإيمان: الأمانـــــــــــــة πίστις
تابع أولاً العهد القديم – (ب) أمانة الإنسان

ب – أمانة الإنســــان

لقد رأينا (في الأجزاء السابقة) أمانة الله الثابتة الغير متغيره تجاه شعبه المتغير والغير حافظ الأمانة، لأنه لم يستطع أن يثبت فيها، بل دائماً ما يتراجع سريعاً عنها، مع أن الله دائماً ينتظر رد الأمانة بالأمانة: [ … وماذا يطلبه منك الرب ؟ إلا أن تصنع الحق وتُحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك ] (ميخا 6: 8)

فالله يُطالب شعبه بالأمانة للعهد، ولم يطلب منهم شيء مستحيل حتى يتعثر عليهم احتماله أو يتعبوا من حمله، لذلك يقول: [ فالآن اخشوا الرب واعبدوه بكمالٍ وأمانة، وانزعوا الآلهة الذين عبدوهم آبائكم في عبر النهر وفي مصر واعبدوا الرب ] (يشوع 24: 14)
ويركز بالأكثر على أمانة الكهنة لأنهم مُعلمي الشعب وموجهيه لحفظ العهد بتعليم الشعب ما هي مشيئة الله وما هي وصاياه لكي يحيوا بها، لأن لو لم يحفظ الكهنة الأمانة فمن هو الذي يُسلم الشعب التعليم الإلهي لكي يحيوا وفق مشيئة الله الظاهرة في عهده معهم !!!

  • [ وأُقيم لنفسي كاهناً أميناً يعمل حسب ما بقلبي ونفسي، وأبني لهُ بيتاً أميناً، فيسير أمام مسيحي كل الأيام ] (1صموئيل 2: 35)

ونرى قبل هذه الآية، أنه كان يتكلم عن عقاب حفني وفِنحاس الكاهنين المكتوب عنهما [ وكان بنو عالي (رئيس الكهنة في ذلك الوقت) بني بليعال ( בליעל– worthlessnessworthless – عديم القيمة – لا جدوى منه ولا فائدة – تافه – باطل )، لم يعرفوا الرب ولا حق الكهنة من الشعب ] (1صموئيل 2: 12و 13)

فباستثناء إبراهيم وموسى اللذان حفظوا العهد وصاروا مثالين للأمانة [ أنت هو الرب الإله الذي اخترت إبرام وأخرجته من أور الكلدانيين، وجعلت اسمه إبراهيم ووجدت قلبه أميناً أمامك وقطعت معهُ العهد… وقد انجزت وعدك لأنك صادق ] (نحميا 9: 7و 8)
[ موسى كان محبوباً عند الله والناس… فآتاهُ مجداً كمجد القديسين وجعلهُ عظيماً مرهوباً عند الأعداء… قدسه بإيمانه ووداعته واصطفاه من بين جميع البشر ] (سيراخ 45: 1و 2و 4)
فباستثناء هذان فإن شعب إسرائيل في مجمله ومجموعه خائن للعهد وعديم الأمانة تجاه الله، وهذا يقوله المزمور:

[ أقام شهادة في يعقوب ووضع شريعة في إسرائيل التي أوصى آباءنا أن يعرفوا بها أبناءهم. لكي يعلم الجيل الآخر بنون يولدون فيقومون ويخبرون أبناءهم. فيجعلون على الله اعتمادهم ولا ينسون أعمال الله بل يحفظون وصاياه. ولا يكونون مثل آبائهم جيلاً زائغاً ومارداً، جيلاً لم يثبت قلبه ولم تكن روحه أمينة لله. بنو إفرايم النازعون في القوس الرامون انقلبوا في يوم الحرب.

لم يحفظوا عهد الله وأبوا (رفضوا) السلوك في شريعته. ونسوا أفعاله وعجائبه التي أراهم. فخادعوه بأفواههم وكذبوا عليه بألسنتهم. أما قلوبهم فلم تثبت معه ولم يكونوا أُمناء في عهده ] (مزمور 78: 5 – 11؛ 36 – 37)

  • [ أخطأنا مع آبائنا، أسأنا وأذنبنا ] (مزمور 106: 6)

وبسبب عدم أمانته (إسرائيل) مع الله هكذا أيضاً صار غير أميناً مع الناس، وأصبح من المستحيل الاعتماد على أحد، لأن دائماً عدم الأمانة مع الله تنعكس بدورها مع الناس، ويستحيل يُعتمد على هذا الإنسان بأي شكل من الأشكال….

لأن طالما خوف الله خارج القلب وظاهر في عدم الأمانة وحفظ العهد فلا يُمكن الوثوق في هذا الإنسان مهما على شأنه أو كانت معرفته حتى لو مارس كل الطقوس بدقة شديدة وله كل المعارف الروحية واللاهوتية وحفظ وصايا الله عن ظهر قلب، لأنها مجرد فكر حبيس العقل ولم يتحول لحياة مُعاشه تظهر في أمانة عهد مع الله الحي:

  • [ يا ليت لي في البرية مبيت مسافرين فأترك شعبي وانطلق من عندهم لأنهم جميعاً زُناة، جماعة خائنين. يمدون ألسنتهم كقسيهم (قوس الحرب) للكذب لا للحق، قووا في الأرض لأنهم خرجوا من شرّ إلى شرّ، وإياي لم يعرفوا يقول الرب. احترزوا كل واحد من صاحبه وعلى كل أخ لا تتكلوا لأن كل أخ يعقب عقباً وكل صاحب يسعى في الوشاية. ويختل الإنسان صاحبه ولا يتكلمون بالحق، علموا ألسنتهم التكلم بالكذب وتعبوا في الافتراء.

    مسكنك في وسط المكر بالمكر، أبوا أن يعرفوني يقول الرب. لذلك هكذا قال رب الجنود هانذا أُنقيهم و امتحنهم لأني ماذا أعمل من أجل بنت شعبي. لسانهم سهم قتال يتكلم بالغش بفمه، يُكلم صاحبه بسلام وفي قلبه يضع له كميناً ] (إرميا 9: 2 – 8)

وليس شعب الله المختار فقط هو الغير أمين، بل امتدت عدم الأمانة لرؤسائه ايضاً: [ الشيخ والمعتبر هو الرأس والنبي الذي يعلم بالكذب هو الذنب. وصار مُرشدوا هذا الشعب مُضلين ومرشدوه مبتلعين. لأجل ذلك لا يفرح السيد بفتيانه (يتكلم عن فتيان شعب إسرائيل) ولا يرحم يتاماه وأرامله، لأن كل واحد منهم منافق وفاعل شرّ وكل فم متكلم بالحماقة، مع كل هذا لم يرتد غضبه بل يده ممدودة بعد (لأنه أمين يُريد أن يرحم الشعب لأنه يوبخ لأجل العودة بتوبة صادقة) ] (أشعياء 9: 15 – 16)

وقد أصبح هذا هو حال كُل الشعب والأنبياء الكذبة: [ لأنه شعب متمرد أولاد كذبة أولاد لم يشاؤوا أن يسمعوا شريعة الرب. الذين يقولون للرائين لا تروا وللناظرين لا تنظروا، لنا مستقيمات، كلمونا بالناعمات، أنظروا مخادعات. حيدوا عن الطريق، ميلوا عن السبيل، أعزلوا من أمامنا قدوس إسرائيل ] (إشعياء 30: 9 – 11)

  • ولكن لننتبه، لأن هذا الفساد لا يخص إسرائيل وحدها فقط، لأن هذا المثل اصبح ينطبق في كل مكان: [ أما صاحب الصدق فمن يجده؟ (الإنسان الأمين من يجده) ] (أمثال 20: 6)

وقد أظهر الرب أن العبادة بكل تفاصيلها لا يقبلها طالما لا يوجد إيمان بقدوس إسرائيل، إيمانمترجم لأمانة، وصلاح الله يسكن القلب ويظهر في أعمال الإنسان اليومية: [ لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب، اتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات، وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أُسرّ. حينما تأتون لتظهروا أمامي من طلب هذا من أيديكم أن تدوسوا دوري. لا تعودوا تأتون بتقدمة باطلة، البخور هو مكرهة لي، رأس الشهر والسبت ونداء المحفل، لستُ أُطيق الإثم والاعتكاف. رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي، صارت عليَّ ثقلاً مللت حملها.

فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم وأن كثرتم الصلاة لا أسمع، أيديكم ملآنة دماً. اغتسلوا، تنقوا، اعزلوا شرّ أفعالكم من أمام عيني، كفوا عن فعل الشرّ، تعلموا فعل الخير، أطلبوا الحق، انصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة ] (إشعياء 1: 11 – 16)

ويقول سفر الأمثال عن العبادة الزائفة: [ أكثر الناس يُنادون كل واحد بصلاحه، أما الرجل الأمين فمن يجده ] (أمثال 20: 6)
ويقول الرب يسوع نفسه في الإنجيل: [ فمتى صنعت صدقة فلا تُصوت قدامك بالبوق كما يفعلالمراؤون في المجامع وفي الأزقة لكي يُمجدوا من الناس ] (متى 6: 2)

أننا نجد بالربط بين هذه الفقرات إن الله يوجه إليهم – بحسب استقامة عدله [ كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب مُلكك ] (مزمور 45: 6) – اتهام خطير للغاية، فأنه ينسب إليهم نكراناً لشخصه من جهة إنكار حضوره معهم أو أنه لا يوجد إله، ولا ينسب إليهم عبادة وثن أو أي شيء آخر، إنما نسب إليهم أخطر شيء وهو [ الرياء ]…

وهو ظاهر في عدم الأمانة القلبية بصدق تقديم العبادة في إخلاص المحبة، فهم يُمارسون العبادة لله بدقة شديدة جداً بحرفية قاتلة، يقدمون كثيراً من الذبائح ويحفظون الأعياد بمنتهى الحرص الشديد، أما قلوبهم فبعيدة عن الله وحياتهم فاسدة تماماً، لذلك يقول الرب:

  • [ فقال السيد لأن هذا الشعب قد اقترب إليَّ بفمه وأكرمني بشفتيه وأما قلبه فأبعده عني وصارت مخافتهم مني a rule given them by the teaching of men وصية الناس معلمة ] (أشعياء 29: 13)
  • [ يقترب إليَّ هذا الشعب بفمه ويُكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً ] (متى 15: 8)
  • [ فأجاب وقال لهم حسناً تنبأ إشعياء عنكم أنتم المرائين كما هو مكتوب: هذا الشعب يُكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً ] (مرقس 7: 6)
ويقول القديس أثناسيوس الرسولي: [ الأعمال التي تُمارس بطريقة تُضاد إرادة الله، أو تُقدم في غير وقار لائق، لا تنفع شيئاً… الله غير محتاج إلى شيء، مادام لا شيء يجعله دنساً !، لقد بلغ إلى النهاية بسبب تصرفاتهم المملؤة رياء (إشعياء 1: 11) ]
ويقول الشهيد يوستين: [ الرب إلهنا يحفظ مثل هذه الأمور، إن وُجِدَ بينكم إنسان حانث بقسمه أو لصاً فليكُف عن هذا، وإن وُجِدَ زانياً فليتب، وعندئذٍ يحفظ سبوت الله العذبة الحقة. إن كان لأحد أيدٍ غير طاهرة فليغتسل ويتطهر ]

لقد اختار الله إسرائيل ليكون شاهداً لهُ، ولكن لم يُظهر هذا الشعب أمانة في خدمته، بل بقى أعمى وأصم عن إرادة الله ومشيئته الحقيقية، وهذا ما نجده في كثير من الأجيال في تحريف كلمة الله ومفهوم وصاياه للالتفاف حولها لكي لا يحيا بها بكل جديه فيزيغ عنها بالالتفاف حولها ليقول هل حقاً قال الله هذا، وهذا يدل على عمى البصيرة التي تنشأ من رغبة القلب الخفي الذي لا يريد سوى مشيئته هو لا مشيئة الله، لذلك تتعلق نفوس الكثيرين بأشياء كثيرة جداً مُريحه للضمير ومسكنه لوجع القلب الداخلي، ولكنها خالية من حركة التوبة والسعي لتغيير القلب ليتفق طريق الإنسان مع إرادة الله المعلنه في كلمته:

  • [ أيها الصم اسمعوا، أيها العمي انظروا لتبصروا. من هو أعمى إلا عبدي وأصم كرسولي الذي أرسله، من هو أعمى كالكامل وأعمى كعبد الرب. ناظر كثيراً ولا تُلاحظ، مفتوح الأُذنين ولا يسمع. الرب قد سر من أجل بره، يُعظم الشريعة ويُكرمها. ولكنه شعب منهوب ومسلوب قد اصطيد في الحفر كله وفي بيوت الحبوس اختبأوا، صاروا نهباً ولا منقذ وسلباً وليس من يقول رد. من منكم يسمع هذا، يصغى ويسمع لما بعد.
  • من دفع يعقوب إلى السلب وإسرائيل إلى الناهبين، أليس الرب الذي أخطأنا إليه ولم يشاءوا أن يسلكوا في طرقه ولم يسمعوا لشريعته ] (إشعياء 42: 18 – 24)

ولكن الله اختار عبداً آخر في نفس ذات الطبيعة التي للإنسان، وجعل روحه عليه (من جهة إنسانيته) وأعطاه نعمة الإصغاء وقوة الكلام (لأنه الخليقة الجديدة التي فيها يجدد طبيعة الإنسان الذي فسد ليدخل في سرّ الإيمان الحي ليُترجم لأمانة بحفظ العهد تظهر قداسة في السيرة بحياة الوصية):

  • [ هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سُرت به نفسي، وضعت روحي عليه، فيخرج الحق للأمم. لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة لا يُطفئ، إلى الأمان يُخرج الحق. لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر (جمع جُزر) شريعته. هكذا يقول الله الرب خالق السماوات وناشرها، باسط الأرض ونتائجها، مُعطي الشعب عليها نسمة والساكنين فيها روحاً. أنا الرب قد دعوتك بالبرّ فامسك بيدك واحفظك واجعلك عهداً للشعب ونوراً للأُمم.
  • لتفتح عيون العُمي لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة. أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أُعطيه لآخر ولا تسبيحي للمنحوتات. هوذا الأوليات قد أتت والحديثات أنا مُخبر بها قبل أن تنبت أعلمكم بها ] (إشعياء 42: 1 – 9)

ويُعلن هذا العبد المختار الذي يُحقق وحده قصد الله متمماً مشيئته كما هي حسب القصد الأزلي، يُعلن البرّ الحقيقي بكل إخلاص وأمانة وصدق مُطلق، دون أن تفقده المحن والمشقات الموضوعة عليه، أمانته نحو رسالته من الله الآب: [ أعطاني السيد الرب لسان المتعلمين لأعرف أن أغيث المُعيي بكلمة، يوقظ كل صباح، يوقظ لي أُذناً لأسمع كالمتعلمين. السيد الرب فتح لي أُذناً وأنا لم أُعاند، إلى الوراء لم أرتد. بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق.

والسيد الرب يُعينني، لذلك لا أخجل، لذلك جعلت وجهي كالصوان وعرفت إني لا أخزى ] (إشعياء 50: 4 – 7)
وهذا بالطبع ينقلنا إلى العهد الجديد، لندخل في سرّ معرفة أمانة يسوع لكي ندخل وننمو في سرّ الإيمان العظيم

_________________
في الجزء القادم سنتكلم عن ثانياً: العهد الجديد (أ) أمانة يسوع
 

الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح (16) أمانة الإنسان

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء العاشر (ثانياً) موقف البشر أمام كلمة الله.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
تابع المقدمة، تابع 2- العهد الجديدتابع [ثانياً] كلمة الله في الكنيسة
2 – موقف البشر أمام كلمة الله في الكنيسة
للرجوع للجزء التاسع أضغط هنا.

  • تابع ثانياً: كلمة الله في الكنيسة

 

2 – موقف البشر أمام كلمة الله في الكنيسة

أولاً كلمة الله في الكنيسة وسلطانها : 

 

أن كلمة الله في الكنيسة هي ذات سلطان إلهي لا يُنقض، خارجه من فم المسيح الرب الحي إذ هو وبشخصه: [ كلمة الله المُشخصة ]، وقد أعطى قوة نطق كلمته للرسل الذين اختارهم اختيار خاص وشخصي جداً لإعلان مجد كلمته بروحه القدوس الذي أعطاه لهم كعطية خاصة، لتكون الكلمة الخارجة من أفواههم هي خارجة بسلطانه الخاص، تحمل روح التلمذة: [ فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ] (متى 28: 19)، وهذا ما يُسمى [ السلطان الرسولي ] المُعطى من الله كعطية خاصة للرسل الأطهار بنعمة خاصه، وهذا السلطان الرسولي ممتد عبر الأجيال كلها، لأن سلطان كلمة الله فوق الأشخاص وتتخطى حدود إمكانياتهم البشرية، لأنه تسد العجز البشري، وتلغي القصور الزمني بكل حدوده، وتزيل السدود والمعوقات بسهولة شديدة، وتفتح أعين الأعمى، بل وتخلق عيون جديدة للفاقد البصيرة، لأن الناطق هو الله الحي بشخصه وبذاته، بل والمنطوق به هو شخص الله الكلمة… 

ولذلك نجد القول والواعي للقديس أغسطينوس حينما قال: [ أما من جهتي لا أؤمن بالإنجيل إلا كما يوجهني إليه سُلطان الكنيسة ]، لأن للكنيسة سلطان رسولي حي نابض بالروح القدس روح الحياة والإلهام، الذي ساق الرسل ليكتبوا ويدونوا مقاصد الله كما هي بقوة روح كلمة الله بدون أي غش ولا إعلان فكرهم الشخصي قط:

 

  • [ لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ] (2بطرس 1: 21)
  • [ لأننا لسنا كالكثيرين غاشين كلمة الله، لكن كما من إخلاص، بل كما من الله، نتكلم أمام الله في المسيح ] (2كورنثوس 2: 17)

 

طبعاً إذا وعت الكنيسة رسالتها وقوة السلطان التي نالته من الله، تصير شاهدة لكلمة الله وتُحدد قانونيتها كتلاميذ للمسيح الرب استلمت الإيمان من الرسل، وبسلطان التلمذة التي نالته واستمدته من السلطان الرسولي المُسَلَّم عَبر الأجيال كلها، فأنها تُسلم كل الأجيال التي تظهر فيها عبر العصور قوة كلمة الله التي تعمل في قلبهم وتغيرهم وتجدد طبعهم وتشع فيهم نور الحياة الجديدة ليتحولوا لإنجيل مقروء من جميع الناس، ظاهر فيه [ برّ الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون لأنه لا فرق ] (رومية 3: 22)، فيصيروا بدورهم تلاميذ الرب المدعوين عن جدارة مسيحيين لأنهم منتسبين إليه بسبب اتخاذه جسداً ليجعلنا واحداً معه: [ ليكون الجميع واحداً، كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم إنك أرسلتني، وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما احببتني ] (يوحنا 17: 21 – 23)، ليصير الجميع رعية مع القديسين وأهل بيت الله في المسيح يسوع…

 

  • ويقول القديس إيرينيئوس: [ المعرفة الحقيقية قائمة في تعليم الرسل، وقيام الكنيسة في العالم كله، وفي امتياز استعلان جسد المسيح بواسطة تتابع الأساقفة (الأمناء لله المفصلين كلمة الحق باستقامه) الذين أعطوا الكنيسة القائمة في كل مكان أن تكون محروسة ومُصانة دون أي تزييف أو ابتداع في الأسفار بسبب طريقة التعليم الكاملة والمتقنة التي لم تستهدف لأي إضافة أو حذف، وذلك بقراءتها (كلمة الله) بغير تزوير مع مواظبة شرحها باجتهاد بطريقة قانونية تلتزم بالأسفار دون أي خطورة من جهة التجديف, وبواسطة المحبة الفائقة التي هي أكثر قيمة من المعرفة وأعظم من النبوة التي تفوق كل ما عداها من المواهب ].

 

لذلك علينا أن نعي وعياً تاماً، أن كلمة الله الخارجة من فمه هي حياة الكنيسة، والكنيسة من غير الكلمة تفقد وجودها ومعناها، فنحن لا نقدر أن نُفرِّق بين الكنيسة وكلمة الله، فالإنجيل الحي في الكنيسة هو كلمة المسيح الحي الشخصية، والكنيسة هي جسد المسيح السري في العالم، ويستحيل على الإطلاق أن نُقرر أيهما أعلى أو أيهما أسبق، هل الكنيسة اسبق على الكلمة ام الكلمة اسبق على الكنيسة، هذا التساؤل وغيره، يأتي نتاج عدم وعينا لسرّ الكنيسة أي جسد المسيح رب الحياة والمجد…

 

والكنيسة بهذا الشكل تُصبح ولودة، تلد أولاداً للمسيح وتُتلمذهم بسلطان رسولي حي نابض فيها بالتقليد: [ الرُسل كرزوا بكلمة الحق فولدوا كنائس (أشخاص) ليس لأنفسهم ولدوها، ولكن للمسيح، لأن الرسول بولس يقول: “لأني ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل” (1كورنثوس 4: 15)… لقد أسس الله هيكله في كل مكان واضعاً أساساته على الأنبياء والرسل ] (القديس أغسطينوس)

 

لذلك ولوعي الكنيسة بقوة سلطان الأسفار المقدسة، فهي تُقدمها لمن ولدتهم في المسيح بالإنجيل على أساس أنها كنز حياتهم الخاص الذي ينبغي أن يبيعوا كل شيء ويقتنوه، لذلك يقول القديس إيرينيئوس: [ المسيح هو الكنز المخفي في الحقل (متى 13: 44). والحقل هو الأسفار ]…

 

لذلك يا إخوتي كونوا واعين لكلمة المسيح الرب في الكنيسة، لأن الرب يسوع قصد أن يعمل كنيسة ليعلن فيها مجده، وبدون وحدتنا ككنيسة واحدة لراعٍ واحد سنظل في نقص ونحتاج لسرعة الوحدة الحقيقية بقلب نقي يحب الرب ويتشرب من نعمته ويحيا بالإيمان المُسلَّم من جيل إلى جيل، لنصير اليوم جيل حي نابض بقوة كلمة المسيح الرب الخارجة من فمه بواسطة الكنيسة: [ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله ] (متى 4: 4)، [ الروح هو الذي يحيي أما الجسد فلا يُفيد شيئاً، الكلام الذي أُكلمكم به هو روح وحياة ] (يوحنا 6: 63)…

 

فالإنجيل هو فم المسيح الرب، هو في السماء ولكنه لم يكفّ قط عن أن يتكلم على الأرض بواسطة الكنيسة، التي لسان حال خدام الكلمة فيها: [ وأما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة ] ( أعمال 6: 4 ).

 

ثانياً؛ موقف الناس من الكلمة الرسولية: 

عموماً يا إخوتي أمام هذه الكلمة الرسولية في الكنيسة، يحدث ما حدث على مر العصور القديمة كلها كما رأيناه حينما عبرنا على موقف الإنسان إزاء كلمة الله في كل من العهد القديم وما قبل صعود الرب بالجسد عن يمين الآب في ملء مجده، لأنه يحدث نفس ذات الانقسام ما بين رافض ولا يُريد أن يسمع، وسامع وقابل الكلمة بطاعة ومحبة ليحفظها ويغلب بها الشرّ وينتصر بها على كل القوى المعاكسة التي تعيق النفس عن خلاصها لتصير عذراء عفيفة للمسيح الرب وإناءه الخاص الذي يسكنه، وتكون الكنيسة حارسة ومؤتمنه عليها بكل غيره حسنة: [ فإني أُغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لأُقدم عذراء عفيفة للمسيح ] (2كورنثوس 11: 2)، وهذا بالطبع هو دور الكنيسة الحقيقة في العالم ومستمد من نفس ذات السُلطان الرسولي عينه…
عموماً ستظل كلمة الله في الكنيسة:

 

  • (1) تُرفض من البعض [ فجاهر بولس وبرنابا وقالا (لليهود) كان يجب أن تُكَلَّموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها (رفضتموها وطرحتموها) عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية، هوذا نتوجه للأمم ] (أعمال 13: 46)، [ لذلك يتضمن أيضاً في الكتاب هانذا أضع في صهيون حجر زاوية مختاراً كريماً والذي يؤمن به لن يخزى. فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة وأما للذين لا يطيعون فالحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية. وحجر صدمة وصخرة عثرة الذين يعثرون غير طائعين للكلمة، الأمر الذي جعلوا له ] (1بطرس 2: 6 – 8).

 

  • (2) وتُقبل من البعض إذ يسمعون بقلبهم ويؤمنون [ وأنتم صرتم متمثلين بنا وبالرب إذ قبلتم الكلمة في ضيق كثير بفرح الروح القدس ] (1تسالونيكي 1: 6)، [ من أجل ذلك نحن أيضاً نشكر الله بلا انقطاع لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خبرّ من الله، قبلتموها لا ككلمة أُناس، بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل أيضاً فيكم أنتم المؤمنين ] (1تسالونيكي 2: 13)، [ إذ سمعنا إيمانكم بالمسيح يسوع ومحبتكم لجميع القديسين من أجل الرجاء الموضوع لكم في السماوات الذي سمعتم به قبلاً في كلمة الحق الإنجيل ] (كولوسي 1: 4و 5)، [ الذي فيه أيضاً أنتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس ] (أفسس 1: 13)

 

  • (3) والذي يسمع بقلبه فهو يقبل الكلمة بوداعة من أجل أن يعمل بها [ لذلك أطرحوا كل نجاسة وكثرة شر، فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة أن تُخلِّص نفوسكم، ولكن كونوا عاملين لا سامعين فقط خادعين أنفسكم ] (يعقوب 1: 21و 22)، [ وبه أيضاً تخلصون (الإنجيل) إن كُنتم تذكرون أي كلام بشرتكم به، إلا إذا كُنتم آمنتم عبثاً ] (1كورنثوس 15: 2)

 

  • (4) والذي يطيع الكلمة ويُخلص لها تسكن فيه بغنى [ لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى وأنتم بكل حكمة مُعلِّمون ومنذرون بعضكم بعضاً ] (كولوسي 3: 16)، [ كتبت إليكم أيها الأحداث لأنكم أقوياء وكلمة الله ثابتة فيكم وقد غلبتم الشرير ] (1يوحنا 2: 14)…

 

لذلك يا إخوتي علينا أن نكون مُخلصين للكلمة ونُجاهر بها عند الحاجة حسب إرشاد الروح القدس وتدبيره الخاص، بكل شجاعة الروح في المحبة ووداعة يسوع الذي لم يكن يصيح ولا يُسمع في الشوارع صوته قط، غير خائفين من إعلان الحق حتى الموت، لأن شهادة يسوع طالما في القلب فممن نخاف لأن ليس لأحد سلطان على الكنيسة وعلى أولادها المولودين في المسيح وصاروا أعضاء فيها، سوى رأسها الحي الذي يشع فيها نصرته الخاصة بالقيامة التي صارت منهج حياتنا كلنا، وهو بنفسه يوجهها بروحه القدوس حسب مشيئة الآب أن خضعت له وحملت كلمته وانشغلت بها وقامت بدورها الحقيقي، فكلمة الله لا تُقيد، بل تزدهر في التاريخ بعملها الفائق لأنها نطق المسيح الرب القيامة والحياة، الذي أن سمع أحد صوته يقوم من الموت: [ الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الأن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ] (يوحنا 5: 25)….

 


ونفس ذات الحياة والنطق الرسولي مُعطى للكنيسة اليوم وكل يوم عبر الأجيال كلها، والتي لا ينبغي أن تنشغل بغير كلمة الحياة لتُقدمها قوة شفاء وخلاص لجميع الأمم والعالم، وتعطيها غذاء حي للمؤمنين لينموا في البرّ والتقوى ويصيروا ملح الأرض ونور للعام حسب قصد الله الحي.

__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد الجديد: [رابعاً] سرّ الكلمة الإلهي – اللوغوس

 

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء التاسع (ثانياً) كلمة الله في الكنيسة.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
تابع المقدمة، تابع 2- العهد الجديد: [ثانياً] كلمة الله في الكنيسة
للرجوع للجزء الثامن أضغط هنا.

  • ثانياً: كلمة الله في الكنيسة

 

1 عمل كلمة الله: 
تُظهر لنا أعمال الرسل والرسائل الرسولية كلمة الله وهي تواصل – في هذا العالم – عمل الخلاص الذي أنشأه يسوع بذبيحة نفسه، وينبغي علينا أن نُدرك أن كلمة الله هُنا لا تعني سلسلة من كلام المُعلِّم، جمعها وأوردها التلاميذ في مجموعة من الكتابات أسميناها الكتابات الرسولية، ولا نُضفي عليها صفة أنها إعجاز علمي أو حتى إعجاز فلسفي راقي وعظيم، نتحدى به العالم ونتصدى للعلماء والفلاسفة على أساس أنهم لن يقدروا أن يأتوا بمثله، لأن الكلمة هُنا تُشير لا إلى هذا كله، بل إلى مضمون الإنجيل نفسه، هذا الذي تُعلنه الكرازة المسيحية (كما رأينا في المقدمة العامة للموضوع)، ويقوم العمل الرسولي أساساً في هذه الكلمة:

  • [ والآن يا رب أُنظر إلى تهديداتهم وامنح عبيدك أن يتكلموا بكلامك بكل مجاهرة، بمد يدك للشفاء ولتجر آيات وعجائب باسم فتاك القدوس يسوع. ولما صلوا تزعزع المكان الذي كانوا مجتمعين فيه وامتلأ الجميع من الروح القدس وكانوا يتكلمون بكلام الله بمجاهرة ] (أعمال 4: 29 – 31)
  • [ فدعا الاثنا عشر جمهور التلاميذ وقالوا لا يرضي ان نترك نحن كلمة الله ونخدم موائد. فانتخبوا أيها الإخوة سبعة رجال منكم مشهوداً لهم و مملوئين من الروح القدس وحكمة فنقيمهم على هذه الحاجة. وأما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة ] (أعمال 6: 1 – 3)

وهذه الكلمة ينبغي التبشير بها تحت إرشاد الروح القدس لكي تتأصل في العالم كله ككلمة الحياة وبشارة الخلاص: 

  • [ فالذين تشتتوا جالوا مُبشرين بالكلمة… (بطرس ويحنا) ثم أنهما بعد ما شهدا وتكلما بكلمة الرب رَجَعا إلى أورشليم وبشروا قُرى كثيرة للسامريين ] (أعمال 8: 4و 25)
  • [ (برنابا وشاول) فهذان إذ أُرسلا من الروح القدس انحدرا إلى سلوكية ومن هناك سافرا في البحر إلى قبرص. ولما صارا في سلاميس ناديا بكلمة الله في مجامع اليهود وكان معهما يوحنا خادماً ] (أعمال 13: 5)
  • [ فقال الرب لبولس برؤيا في الليل لا تخف بل تكلم ولا تسكت. لأني أنا معك ولا يقع بك أحد ليؤذيك لأن لي شعباً كثيراً في هذه المدينة. فأقام سنة وستة أشهر يُعلِّم بينهم بكلمة الله ] (أعمال 18: 9 – 11)

ونلاحظ أن خدمة الكلمة تظهر في الكنيسة خدمة أمينة لا تزور رسالة الله ولا تغشها بل كما هي تنقلها في ملء قوتها بإلهام الروح تحت قيادته الخاصة، وتظهر كخدمة تُعلن بجرأة وبوقة أمام الجميع:

  • [ لأننا لسنا كالكثيرين غاشين كلمة الله، لكن كما من إخلاص بل كما من الله نتكلم أمام الله في المسيح ] (2كورنثوس 2: 17)
  • [ قد رفضنا خفايا الخزي غير سالكين في مكر ولا غاشين كلمة الله بل بإظهار الحق مادحين أنفسنا لدى ضمير كل إنسان قُدام الله، ولكن ان كان إنجيلنا مكتوماً، فإنما هو مكتوم في الهالكين، الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تُضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله ] (2كورنثوس 4: 2 – 4)
  • [ كانوا يتكلمون بكلام الله بمجاهرة ] (أعمال 4: 31)
  • [ وأكثر الإخوة وهم واثقون في الرب بوثقي يجترئون أكثر على التكلم بالكلمة بلا خوف ] (فيلبي 1: 14)

وهذه الكلمة التي تتكلم بها الكنيسة هي بذاتها [ قوة للخلاص ]، فتنمو الكلمة في الكنيسة بمقدار نمو الكنيسة نفسها ودلالتها واضحة فيها:

  • [ وكانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جداً في أورشليم وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان ] (أعمال 6: 7)
  • [ وأما كلمة الله فكانت تنمو وتزيد… هكذا كانت كلمة الرب تنمو وتقوى بشدة ] (أعمال 12: 24؛ 19: 20)

ولا يستطيع شيء أن يُقيد كلمة الله في الكنيسة الحية بروح الله، ولا حتى الاضطهادات والسلاسل والقيود التي عليها من المجتمع أو من أي إنسان على وجه الأرض كلها:

  • [ فلهذا السبب أذكرك أن تضرم أيضاً موهبة الله التي فيك بوضع يدي. لأن الله لم يعطنا روح الفشل بل روح القوة والمحبة والنصح. فلا تخجل بشهادة ربنا ولا بي أنا أسيره، بل اشترك في احتمال المشقات لأجل الإنجيل بحسب قوة الله. الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية. وإنما أُظهرت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح الذي أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل. الذي جُعلت أنا له كارزا ورسولاً ومُعلما للأمم. لهذا السبب احتمل هذه الأمور أيضاً، لكنني لست أخجل لأنني عالم بمن آمنت وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتي إلى ذلك اليوم ] (2تيموثاوس 2: 6 – 12)

والكلمة في الكنيسة هي “كلمة الخلاص” [ أيها الرجال الإخوة بني جنس إبراهيم والذين بينكم يتقون الله إليكم أُرسلت كلمة هذا الخلاص ] (أعمال 13: 26)
هي “كلمة الحياة” [ متمسكين بكلمة الحياة لافتخاري في يوم المسيح باني لم أسع باطلاً ولا تعبت باطلاً ] (فيلبي 2: 16)
هي “الكلمة الصادقة” [ صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا ] (1تيموثاوس 1: 15)؛ [ صادقة هي الكلمة أنه أن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه ] (2تيموثاوس 2: 11)؛ [ حتى إذا تبررنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الابدية. صادقة هي الكلمة… ] (تيطس 3: 8)
هي “الكلمة الحية والفعالة” [ لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومُميزة أفكار القلب ونياته ] (عبرانيين 4: 12).


عموماً تؤكد كل هذه التعبيرات (التي ذكرناها بخصوص كلمة الله) عملها في قلوب المؤمنين، فكلمة الله كلمة ذات قوة قادرة على الولادة الجديد، أثناء قبول المعمودية المقدسة: 

  • [ مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد ] (1بطرس 1: 23)
  • [ شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه ] (يعقوب 1: 18)
  • [ … أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأَسلم (سلَّمَ) نفسه (للموت) لأجلها، لكي يُقدسها مُطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة، لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك، بل تكون مقدسة وبلا عيب ] (أفسس 5: 26)

عموماً يا إخوتي، نجد في عمل الخلاص الذي قدمه لنا الله الآب بالمسيح يسوع ربنا، أن للكلمة التي ملكت الرسل والكنيسة الأولى وامتدت عبر الأجيال كلها، لها نفس فاعلية كلمة الله النبوية وكل كلمة تخرج من فمه في العهد القديم في إطار عمل الخلق ومجرى التاريخ، والتي أظهرها العهد الجديد أنها كلمة يسوع المسيح ربنا، بنفس قوتها وفاعليتها.
لذلك فأن في الواقع الاختباري، فأن هذه الكلمة عينها هي التي يُبشر بها الرسل، أي كلمة يسوع الخاصة، كلمة الخلاص والخلق الجديد، لأنها كلمة الرب الذي رُفع في المجد بجسم بشريتنا، كرب وإله حقيقي من إله حقيقي، نور من نور، وله ذات مجد الآب عينه، ومنذ صعوده وحلول روحه القدوس في الكنيسة وهو يتكلم بواسطة رسله ويؤيد كلامهم بالآيات والأعاجيب الكثيرة: [ واما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان والرب معهم ويُثَبِّت الكلام بالآيات التابعة ] (مرقس 16: 20)

ولنا أن نعرف الآن سرّ قوة الكنيسة الأولى، فأن قوتها كانت تنبع من قبولهم كلمات الرب المسيح بإيمان عظيم كما هي، باعتبارها حياة حقيقية يعيشون بها بثقة وبساطة قلب، فمثلاً قبولهم الولادة الجديدة بالمعمودية، لم تكن قط على مستوى الفهم اللاهوتي النظري والأبحاث المطولة الكثيفة (لا يُلغى أهميتها في التعليم بالطبع)، أو بعد دراسة تاريخية وفلسفية معقدة، ولكن كانت ممارستهم لها مجرد طاعة لأمر الله مع إيمان حي، وأن في هذه الطاعة يتم كل وعد الله، وكان يتم كل عمل في الكنيسة بل وكل قول على أساس الثقة الشديدة في كلمة الرب ويقين تحقيق وعده حسب ما نطق به وقاله.
فبساطة المسيح الوديع والمتواضع القلب، كان يتداولها كل المؤمنين كترياق ودواء حقيقي من فم الله بالسرّ في التقوى، يُشفي ويُقيم من الموت بثقة وأمانة ويقين شديد، فكانت تُشفي فعلاً وتُقيم من الموت. فالرسل وكل تلاميذ الرب يسوع المسيح في الكنيسة، كان سرّ قوتهم الوحيد الذي يحملونه في قلوبهم اينما ساروا واينما وجدوا، هو كلمة الرب واسمه العظيم القدوس، وكانوا يُباشرون سلطانهم الذي من الله بالروح القدس بصفتهم [ مُعاينين وخُداماً للكلمة ] (لوقا 1: 2)

فالكنيسة الحية والحقيقية (وليست مجرد شكل أو مظهر) تعتبر نفسها منذ العصر الرسولي، وبوجه عام، أنها هي الشاهدة لقوة كلمة الله وفاعليتها حسب كل وعد الله التي تحفظه بكل كيانها ومشاعرها وفكرها وقلبها، بل وكان التلاميذ يحسبون أنفسهم ضامنين للحق الذي في الكلمة وشهوداً لسلطانها الإلهي بصفتهم مُعاينين لمجد المسيح الرب وشهادة الآب له من المجد الأسنى، وشهوداً لقيامته من الأموات، وهم الذين يخبرون عنه حسب شهادة الروح ليدخلوا الجميع في نفس ذات الشركة في الكنيسة الواحدة الوحيدة التي لا انفصال فيها قط على مر العصور كلها:

  • [ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فأن الحياة أُظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً ] (1يوحنا 1: 1 – 4)

طبعاً كل هذا الكنز العظيم الذي لكلمة الله في الكنيسة، صار لنا بكامله الآن، وفي ملء قوته حياً بروح الكنيسة كتراث حي وتقليد مُحيي، ولا ينبغي أن ننشغل عنه بالجدل الديني واللاهوتي تاركين الباب الحقيقي المؤدي إلى الحياة، داخلين في قوة يمين الشركة مع القديسين في النور، ولا ينبغي عل الكنيسة أبداً، أن تنشغل عن هذا كله وترتبك بسياسة الأوطان، بل تصلي فقط من أجلهم وتنتبه لكرازتها وعملها في العالم…
فيا إخوتي اجتهدوا أن تنالوا القوة العُليا التي من فوق، كلمة الله الحية التي تأتي بروح الإلهام التي كُتبت به، وبسلطانه الإلهي الفائق، لأنها تُحيي النفس وتُنمي المؤمن في التقوى، لأن كلام الرب يُنير العينين، ويمنع الحوَّل الذي يُصيب عين الذهن فتهرب من الحياة الأبدية وتحيا في جدل عقيم لا يُشبع القلب بل يُجيع النفس إلى الموت، ويُنشف الفم إلى القبر، لأن كلمة الله غذاء وماء حي للنفس، فأن أردتم أن تحيوا في المجد الإلهي الفائق أنظروا للكنيسة الأولى وكما كانت فيها كلمة الله فعالة وعيشوا على هذه الصورة المجيدة لتحيوا وتكزوا بإنجيل الخلاص، إنجيل الحياة الجديدة في المسيح يسوع الرب إلهنا.

__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد الجديد: تابع [ثالثاً] كلمة الله في الكنيسة
2 – موقف البشر أمام كلمة الله في الكنيسة

 

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء الثامن (2) موقف البشر أمام كلمة يسوع.

بع بحث خاص عن الإنجيل معناه
تابع المقدمة، تابع 2- العهد الجديد: تابع [أولاً] كلمة الله وكلمة يسوع
للرجوع للجزء السابع أضغط هنا.

  • 2 – موقف البشر أمام كلمة يسوع

 

كلمة يسوع الخارجة من فمه، ليست كلمة مثل باقي الكلمات التي نسمعها حتى من أعظم الناس أو حتى الأنبياء أنفسهم، رغم من أن الأنبياء نطقوا وتكلموا حسب الكلمة التي وصلت إليهم من الله يا أما مباشرة أو بوحي خاص وإلهام [ فهذه هي كلمات داود الأخيرة وحي داود بن يسى ووحي الرجل القائم في العُلا مسيح إله يعقوب ومرنم إسرائيل الحلو ] (2صموئيل 23: 1)، [ فكانت كلمة الرب إليَّ قائلا ] (أرميا 1: 4)، ولكنهم لم يكونوا أكثر من ناقلي كلمة الله كما هي حسب قصده، لأنهم كانوا مسوقين من الروح القدس فتكلموا ونطقوا حسب إرادة الله ومشيئته…
أما يسوع فهو كان ينطق بذاته وبشخصه، كنور وحياة، فكلمة يسوع هي حياة منبعثه من ذاته، تتفاعل بذهن الإنسان وبروحه فتتحد به، ليصير الإنسان بواسطتها حياً، لأن كلمة يسوع المسيح، الله الكلمة الظاهر في الجسد، المتحد بجسم بشريتنا، هي مصدر الحياة الروحية للإنسان وواسطة اتحاد سري بالله، هي حكمة الله المنطوقة والمُعلنة للإنسان، هي نور يُشرق في ظلمة قلب الإنسان وعقله فتُنيره، لذلك الرب يسوع حينما كشف عن كلامه الذي ينطق به قائلاً: [ الكلام الذي أُكلمكم به هو روح وحياة ] (يوحنا 6: 63)، لذلك كانت كلمته تستطيع أن تُقيم الميت حتى لو كان أنتن كما اقام لِعازر بكلمة من فمه [ صرخ بصوت عظيم: لعازرهلم خارجاً ] (يوحنا 11: 43)، وأيضاً قال بوضوح: [ الحق، الحق، أقول لكم انه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ] (يوحنا 5: 25).

 


فنحن الآن إزاء كلمة الله، كلمة الحياة، التي هي كلمة يسوع الخارجة من فمه الطاهر، لأنه هو بشخصه الكلمة الذاتي والمساوي والجليس والخالق الشريك مع الآب، الذي به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان، فيه الحياة والحياة نور الناس، وكلمته = خلق، يقول فيكون في التو، لأن مستحيل أن تتعطل كلمته أو لا تنجح في عملها حسب قصده الذي قصد بكل دقة وتدقيق، لذلك حينما يقول للميت قم فيقوم في لحظة النطق ذاته، وحينما يُريد أي شيء يتم فوراً: [ وكان في إحدى المدن فإذا رجل مملوء برصاً، فلما رأى يسوع خرَّ على وجهه وطلب إليه قائلاً يا سيد أن أردت تقدر أن تُطهرني. فمد يده ولمسه قائلاً أُريد فاطهر وللوقت ذهب عنه البرص ] (لوقا 5: 12 – 13).

 

  • ولنُلاحظ يا إخوتي أن الإنجيل ليس مجرد كتاب يضم أحداث وأقوال لكي نعرف عن يسوع وأعماله ونفرح، ونتعلم بعض التعليم ونعرف بعض المعرفة، بل هو سرّ فائق ندخل إليه، لنسمع صوت يسوع ذاته ويصير فينا فعل حياة تسري في داخلنا…

 

عموماً ينبغي بل ويتحتم على الإنسان الذي يأتي إلى الإنجيل ليسمع بشارة الحياة في قول يسوع وكلامه، أن يتخذ موقف مُحدد إزاء هذه الكلمة الخارجة من فم الرب بشخصه، لأن كلمته تضع أي إنسان يأتي إليها فاتحاً قلبه وعنده نفس ذات اشتياق الأبرص ليتطهر، أو حاجة الميت للقيامة، سيجد ان كلمة يسوع تخترق وجدانه وفكره وقلبه لتضعه في مواجهة جاده مع الله نفسه ليتخذ موقف محدد بإرادته الحرة ليتفاعل مع الكلمة بالإيمان، فيشعر الإنسان في قلبه بثقة أن الرب قادر على أن يفعل ما يشاء لينطق مع الأبرص قائلاً: [ أن أردت تقدر أن تُطهرني ]…

 


عموماً نقلت إلينا الأناجيل أقوال ليسوع تُبين بوضوح هذا الاختبار أو هذه الخبرة في مواجهة الكلمة بإرادة واضحة تخضع لها، ففي مثل الزارع، يظهر أن الزارع والغارس للكلمة قد خرج وسط الناس ليُلقي بذار إنجيل الملكوت في القلوب، ليتلقفها السامعين كل واحد حسب قلبه، فالجميع يسمعون الكلمة ويقرأون الإنجيل، ولكن لا تتأصل الكلمة في تربة القلب لتنمو وتُثمر إلا عند الذين يتقبلونها ويفهموها ويطيعوها ليحيوا بها [ أنظر مثل الزارع متى 13: 13 – 23 ]، فمن يقبل الكلمة من فم يسوع لتكون هي حياته: [ هؤلاء هم الذين زرعوا على الأرض الجيدة الذين يسمعون الكلمة ويقبلونها ويثمرون واحد ثلاثين وآخر ستين وآخر مئة ] (مرقس 4: 20)، [ والذي في الأرض الجيدة: هو الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيد صالحويثمرون بالصبر ] (لوقا 8: 15)

 


ونجد أن في نهاية العظة على الجبل، حيث أعلن لنا يسوع شريعة الحياة الجديدة، أنه يُقابل مصير الذين [يسمعون كلامه ويعملون به ]، بمصير الذين [ يسمعونه بدون أن يعملوا بكلامه ]:

 

  • [ فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أُشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر؛ وكل من يسمع أقواليهذه ولا يعمل بها يشبه برجل جاهل بنى بيته على الرمل ] (متى 7: 24و 26)
  • [ كل من يأتي إليَّ ويسمع كلامي ويعمل به أُريكم من يشبه: يُشبه إنساناً بنى بيتاً وحفر وعمَّق ووضع الأساس على الصخر فلما حدث سيل، صدم النهر ذلك البيت فلم يقدر أن يُزعزعه لأنه كان مؤسساً على الصخر. وأما الذي يسمع ولا يعمل فيُشبه إنساناً بنى بيته على الأرض من دون أساس فصدمه النهر فسقط حالاً وكان خراب ذلك البيت عظيماً ] (لوقا 6: 47 – 49)

 

وهنا نجد أن هُناك بيتاً مبنياً على الصخر حياة راسخة قوية مؤسسة على صخر الدهور شخص الكلمة ذاته حجر الزاوية، وهُناك بيتاً مبنياً على الرمل حياة هزيلة سطحية قد تكون فكرية عميقة ولكن ليس لها أصل، تتصف بالنظريات والأفكار وشكل المعرفة ولكن لا يوجد فيها حياة بل مؤسسة على الفكر أو الذات أو أي شيء آخر غير الصخرة الحقيقية الذي هو أساس البناء كله..

 


وهذه الصورة التي نراها في المثل تؤدي إلى توقُع الدينونة، لأنه سيُدان كل إنسان حسب موقفه الداخلي من كلمة يسوع الخارجة من فمه: [ من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينهالكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير ] (يوحنا 12: 48)؛ [ لأن كل من يستحي بي وبكلامي، يستحي به ابن البشر متى جاء في مجد أبيه ] (مرقس 8: 38)

 

ويُعالج إنجيل يوحنا أيضاً الأفكار نفسها بشكل خاص، فهو يُبين الانقسام الذي حدث بين مستمعي يسوع بسبب كلامه ويُبين الموقف الذي يتخذه الناس منه: [ فحدث أيضاً انشقاق بين اليهود بسبب هذا الكلام. فقال كثيرون منهم به شيطان وهو يهذي لماذا تستمعون له. (و) آخرون قالوا ليس هذا كلام من به شيطان، العل شيطاناً يقدر أن يفتح أعين العُميان ] (يوحنا 10: 19 – 21)

 

فنجد أن من ناحية (أ) فريق يؤمن ويسمع كلام الرب بطاعة وثقة: [ فآمن به من تلك المدينة كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي كانت تشهد: أنه قال لي كل ما فعلت… فآمن به أكثر جداً (كثيراً جداً من الناس في السامرة) بسبب كلامه… قال له يسوع (لخادم الملك الذي كان ابنه مريضاً على مشارف الموت) أذهب ابنك حي فآمن الرجل بالكلمة التي قالها له يسوع وذهب ] (يوحنا 4: 39و 41و 50)؛ [ الحق، الحق، أقول لكم من يسمع كلامي ويؤمن بالذي ارسلني فله حياة أبدية ] (يوحنا 5: 24).

 

  • ومن يؤمن إيمان حي حقيقي يحفظ كلام يسوع: [ الحق، الحق، أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد… أن أحبني أحد يحفظ كلامي… ] (أنظر يوحنا 8: 51، يوحنا 14: 23)
  • ويثبت فيه: [ فقال يسوع لليهود الذين آمنوا به: أنكم إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي ] (يوحنا 8: 31)، [ أن ثبتم فيَّ وثبت كلامي فيكم ] (يوحنا 15: 7)

 

فهؤلاء المؤمنين بكلمة يسوع والثابتين فيها ويحيون بها طائعين لها لهم الحياة الأبدية ولا يرون الموت أبداً: [ الحق، الحق، أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد ] (يوحنا 8: 51)…

 

ومن ناحية أخرى نجد (ب) فريق آخر لا يؤمن، وأن هناك من يجدون كلام يسوع عسيراً جداً ولا يستطيعون الاستماع إليه، أو يعتبرونه أنه غير مستطاع لأحد أن يحيا به، لأنه مهما ما بلغ من إرادة لا يستطيع أن يفعله، غير مؤمنين أن الرب بذاته هو القيامة والحياة وحينما يقول كلمته فهي تحمل قوته الشخصية لتصبح بنفسها عاملة في الإنسان حتى أنها تمسح إرادته بقوة نعمة خاصة لتُعطيه القدرة على التنفيذ والعمل، ولكن المشكلة الحقيقية كلها في عدم الفهم الناتج عن عدم القدرة أو رفض السمع: [ لماذا لا تفهمون كلامي. لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي ] (يوحنا 8: 43)

 

وبالتالي يتم رفض كلام المسيح الرب وعدم الالتفات إليه، وانغلاق القلب والذهن عليه، لأن في تلك الحالة يحدث انغلاق تام على الحق المعلن فيه، لأنه هو الطريق والحق والحياة، لذلك فاتخاذ موقف صريح ومُحدد من كلمة يسوع [ أو من شخصه أو من الله الآب هو أمرٌ واحد: أنا والآب واحد: الذي يرذلني يرذل الذي ارسلني (لوقا 10: 16) ] هو أمر حتمي…
فنجد أنه تبعاً للموقف الذي يتخذه الإنسان، يجد نفسه يا إما داخلاً في حياة فائقة الطبيعة قوامها الإيمان والثقة وثمرها المحبة والسلام الفائق، أو يا إما داخلاً في الموت مطروحاً في ظلمة العالم الشرير، متمرغ في سلسلة من وجع القلب وحزن النفس، وآلام أوجاع الموت المدمرة للنفس والمؤدية في النهاية للدينونة…

 

ليتنا نُدرك الآن يا إخوتي ونؤمن، أن كلمة الحياة في المسيح يسوع قادرة أن تُغير كل شيء وترفع الإنسان من حالة العجز إلى حالة القوة، ومن الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة: [ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته ايدينا من جهة كلمة الحياة ] (1يوحنا 1: 1)، [ متمسكين بكلمة الحياة ] (فيلبي 2: 16).

__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد الجديد: [ثانياً] كلمة الله في الكنيسة

 

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء السابع- أولاً: كلمة الله وكلمة يسوع.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
تابع المقدمة، تابع 2- العهد الجديد: [أولاً] كلمة الله وكلمة يسوع
للرجوع للجزء السادس أضغط هنا.

  • أولاً: كلمة الله وكلمة يسوع

 

1 – الكلمة (كلمة الله النبوية والخارجه من فمه) تعمل وتكشف: لم يرد في أي مكان في الكتاب المقدس أو حتى على مستوى العهد القديم في النبوات، بأن الكلمة (النبوية) وُجهت ليسوع أو حلَّت عليه؛ أو أتت إليه كما كان يحدث قديماً بالنسبة للأنبياء والمرسلين من الله، لأن الرب يسوع المسيح هو الكلمة، هو النطق الإلهي ذاته وبشخصه فعلاً، فالله قديماً أرسل كلمته (النبوية) إلى أُناس مختارين يكلمون شعبه ويحدثوهم باسمه وبحسب ما أعطاهم من كلمات (نبوية أو وصايا) يوصلوها للشعب تُعلن إرادته ومشيئته، أما شخص الكلمة ذاته لا يُرسل له كلمته (النبوية) لأنه هو هو الكلمة عينه والتي قيلت فيه كل نبوة، لأنه محورها ومركزها:

 

  • [ ها أيام تأتي يقول الرب وأُقيم الكلمة الصالحة التي تكلمت بها إلى بيت إسرائيل وإلى بيت يهوذا ] (أرميا 33: 14)
  • [ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان و بغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس. والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه…. والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً ] (يوحنا 1: 1 – 5؛ 14)
  • [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع و طرق كثيرة. كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شيء الذي به أيضاً عمل العالمين. الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي. ] (عبرانيين 1: 1 – 3)

 

ونجد بنظرة مدققه أن الأناجيل الأربعة تُقدَّم كلمة الرب يسوع مطابقة تماماً لِما كانت عليه كلمة الله (النبوية) في العهد القديم، أي بنفس ذات صفتها عينها وقوتها: قوة تعمل ونور يكشف، مع الاختلاف لأنه هو ذاته الحياة، لأن الكلمة حينما تخرج من فمه تخرج وهي تحمل قوة الحياة [ فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس. والنور يضيء في الظلمة ]:

 

(أ) قوة تعمل: بكلمة واحدة من فم الرب يسوع المسيح، تتم المعجزات والعجائب التي هي آيات ملكوت الله، وهذا يختلف تمام الاختلاف عن باقي الأنبياء جميعهم: [ فأجاب قائد المئة وقال: … قُل كلمة فقط فيبرأغُلامي… ولما صار المساء قدَّموا إليه مجانين كثيرين فأخرج الأرواح بكلمة وجميع المرضى شفاهم ] (متى 8: 8و 16)

 

  • [ فقال له يسوع (لخادم الملك) أذهب ابنك حي. فآمن الرجل بالكلمة التي قالها يسوع وذهب ] (يوحنا 4: 50)

 

وبكلمة واحدة أيضاً، يُحدث في القلوب الثمار الروحية المقصودة من صُنع المعجزات، كما هي الحال في غفران الخطايا: [ … وجاء الى مدينته. وإذا مفلوج يقدمونه إليه مطروحاً على فراش، فلما رأى يسوع إيمانهم (به) قال للمفلوج ثق يا بني مغفورة لك خطاياك. وإذا قوم من الكتبة قد قالوا في أنفسهم هذا يجدف. فعلم يسوع أفكارهم فقال لماذا تفكرون بالشر في قلوبكم.

 

أيما أيسر أن يُقال مغفورة لك خطاياك أو أن يُقال قم وامشِ. ولكن لكي تعلموا ان لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا، حينئذ قال للمفلوج: قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك. ] (متى 9: 1 – 6)

 

وبكلمة أيضاً يُسَلِّم للاثني عشر سلطانه الخاص كهبة خاصة للحكم في الكنيسة بالروح القدس حسب قانون الإيمان الحي: [ الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وكل ما تحلُّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء ] (متى 18: 18)، [ من غفرتم خطاياه تُغفر له ومن امسكتم خطاياه اُمسكت ] (يوحنا 20: 23).

 

وأيضاً بقوة سلطانه يُقيم علامات العهد الجديد: [ وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي. وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: أشربوا منها كلكم. لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا ] (متى 26: 26 – 28)

 


ففي المسيح وبه، تعمل الكلمة الخلاقة، محققة الخلاص حسب التدبير الأزلي الذي للثالوث القدوس، لأنالمسيح الرب هو الكلمة عينها في ملء قوتها، اي أنه هو الكلمة المشخصة والظاهرة التي لله لذلك يقول: [ ألست تؤمن إني أنا في الآب والآب فيَّ، الكلام الذي أُكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال ] (يوحنا 14: 10)، وعن جد هذه الآية خطيرة ومهمة للغاية لأنها تشرح وحدة الكيان بين الآب والابن كإله واحد، وأن هو عينه كلمة الآب الذي يعمل حسب قصده، لأن قصد الله واحد، فلا يُمكن أن يفعل الابن شيئاً بدون الآب، كما أنه يستحيل أن يفعل الآب شيئاً بدون الابن، لأنه هو (الابن) الذي يعبر عنه ويظهر قوته بسلطان إلهي فائق: [ لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني (أنا الكلمة) هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم ] (يوحنا 12: 49)…

 

  • فانتبهوا يا إخوتي لقوة الله، قوة الكلمة، أنه هو والآب واحد، هو الذي يعلن عنه ويُظهر قصده بل ويتممه كما هو: [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 30)، [ قال له يسوع أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب ] (يوحنا 14: 9)؛ [ الله لم يره أحدٌ قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر ] (يوحنا 1: 18).

 

ب – كلمة يسوع نور يكشف الضمير ويعلن سلطان ملكوت الله: حينما ظهر يسوع في أول خدمته، بشر بإنجيل ملكوت الله كقوة وحياة جديدة، مُعرفاً أسرار الملكوت بواسطة الأمثال [ وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يُكلمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا ] (مرقس 4: 33)، ثم بإعلان واضح منه للتلاميذ: [ فتقدم التلاميذ وقالوا له لماذا تكلمهم بأمثال. فأجاب و قال لهم لأنه قد أُعطيَّ لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات وأما لأولئك فلم يعط ] (متى 13: 10 – 11)، وبكونه يرى الضمائر ويعرف الخفايا كشف عن سر عدم إعلانه لأسرار الملكوت لسامعيه من غير التلاميذ إذ يقول: 
  • [ فأن من له سيُعطى ويُزاد وأما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه. من أجل هذا أُكلمهم بأمثال لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون. فقد تمت فيهم نبوة أشعياء القائلة: تسمعون سمعاً ولا تفهمون، ومبصرين تبصرون ولا تنظرون. لأن قلب هذا الشعب قد غلظ وآذانهم قد ثقل سماعها وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم، ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم ] (متى13: 12 – 15).

 

  • أما عن التلاميذ الذي كشف لهم أسرار الملكوت يقول: [ ولكن طوبى لعيونكم لأنها تُبصر ولآذانكم لأنها تسمع. فإني الحق أقول لكم أن أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا ] (متى 13: 16 – 17)

 

فالمسيح الرب رغم سلطانه الظاهر بقوة عظيمة جداً، ولكن لم يراه الناس إلا بحسب عيونهم التي لا تبصر إلا العلامات من الخارج، لأنه بدى لهم ظاهرياً كنبي وأحياناً كمُعلِّم يُعلم باسم الله، ولكنهم لم يروه أنه هو بشخصه كلمة الله نور وحياة لأنفسهم، لذلك كلمهم بأمثال لأنهم لم يستطيعوا – رغم ما يرونه بعيونهم الخارجية – أن يدركوا شخصه الإلهي، لذلك لم يعطيهم الانفتاح على ملكوته لأنه يرى قلوبهم المعوجة:

 

  • [ فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع، قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم ] (يوحنا 6: 14)
  • [ حينئذ ذهب الفريسيون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة. فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودسيين قائلين (بمكر): يا معلم نعلم أنك صادق وتُعلِّم طريق الله بالحق ولا تُبالي بأحد لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس ] (متى 22: 15، 16)

 

وخبرة عدم معرفة المسيح الرب ليست بعيدة عن أغلبنا، لأن أحياناً يشكي الكثيرون: لماذا لا أستطيع أن أتعرف على أسرار ملكوت الله مع أني أؤمن بربنا يسوع، ولكن الإيمان هُنا مُعيب لأن الرب نفسه قال: [ أجابهم يسوع وقال الحق الحق أقول لكم أنتم تطلبونني ليس لأنكم رأيتم آيات بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم ] (يوحنا 6: 26)….

 

عموماً نجد أنه في الحقيقة الباطنية أن الرب يسوع يتكلم كمن له سُلطان [ فبهتوا من تعليمه لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة ] (مرقس 1: 22)، لأنه يتكلم من عمق ذاته، معلناً بيقين للسامعين أن كلامه لا يزول: [ السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ] (متى 24: 35).

 


ويوحي هذا الإعلان والتأكيد بسرّ يعلنه ويظهره لنا إنجيل يوحنا لمن يفتح قلبه على الإعلان الإلهي، مظهراً أن يسوع [ يتكلم بكلام الله ]: [ لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله ] (يوحنا 3: 34)، ويقول ما علمه الآب إياه [ فقال لهم يسوع متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون إني أنا هو (έγώ είμι إيجو إيمي) ولست أفعل شيئا من نفسي بل أتكلم بهذا كما علمني أبي ] (يوحنا 8: 28)، ولذلك فأن كلامه الذي ينطقه هو [ روح وحياة] (يوحنا 6: 63)..

 

ولكي نفهم هذا الكلام بدقة علينا أن نعود لإنجيل يوحنا لنكتب هنا ما قاله الرب يسوع بكامله كإعلان خاص عن نفسه، مع رجاء التدقيق في سياق الكلام والألفاظ:

 

  • [ الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع والذي من الأرض هو أرضي ومن الأرض يتكلم، الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع. وما رآه وسمعه به يشهد وشهادته ليس أحد يقبلها. ومن قبل شهادته فقد ختم أن الله صادق. لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله لأنه ليس بكيل يُعطي الله الروح. الآب يحب الابن وقد دفع كل شيء في يده. الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله ] (يوحنا 3: 31 – 36)

 

ونجد عموماً، أن أكثر من مره يستخدم الإنجيل بنوع من التضخيم فعل [ كلم ] لإبراز وتأكيد هذا الجانب في حياة يسوع:

 

  • [ الحق الحق أقول لك إننا أنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا ] (يوحنا 3: 11)
  • [ كلمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم ويكمل فرحكم ] (يوحنا 15: 11)
  • [ لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون إني أنا قلته لكم ] (أنظر يوحنا 16: 1 – 8)

 

فالمسيح الرب، مسيح الحياة، الكلمة، هو كلمة الله بشخصه وبنفسه، يعمل نفس ذات العمل كما في العهد القديم، كنور كاشف وقوة محيية، ولكنه بأكثر وأقوى استعلان إذ أنه ظهر في الجسد ليعلن مجد الآب المستتر ويكشف سرّ ملكوت الله ويعلن المقاصد الأزلية حسب التدبير لأجل حياتنا كلنا…

 

  • [ فقالوا له من أنت فقال لهم يسوع أنا من البدء ما أُكلمكم أيضاً به. أن لي أشياء كثيرة أتكلم وأحكم بها من نحوكم، لكن الذي أرسلني هو حق وأنا ما سمعته منه فهذا أقوله للعالم. ولم يفهموا أنه كان يقول لهم عن الآب. فقال لهم يسوع متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون إني أنا هو ولست أفعل شيئاً من نفسي، بل أتكلم بهذا كما علمني أبي. والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يُرضيه (طبيعياً). وبينما هو يتكلم بهذا آمن به كثيرون. فقال يسوع لليهود الذين آمنوا به: أنكم أن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي. وتعرفون الحق والحق يحرركم. أجابوه: أننا ذُرية إبراهيم ولم نُستعبد لأحدٌ قط، كيف تقول أنت أنكم تصيرون احراراً !!!، أجابهم يسوع الحق الحق أقول لكم: أن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية. والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد أما الابن فيبقى إلى الأبد. فان حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً. أنا عالم أنكم ذُرية إبراهيم، لكنكم تطلبون أن تقتلوني لأن كلامي لا موضع له فيكم. أنا أتكلم بما رأيت عند أبي وأنتم تعملون ما رأيتم عند أبيكم. اجابوا وقالوا له: أبونا هو إبراهيم، قال لهم يسوع: لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم. ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله، هذا لم يعمله ابراهيم. أنتم تعملون أعمال أبيكم، فقالوا له: أننا لم نولد من زنا، لنا أب واحد وهو الله. فقال لهم يسوع: لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من قبل الله وأتيت لأني لم آتٍ من نفسي بل ذاك أرسلني. لماذا لا تفهمون كلامي لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي. أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا، ذاك كان قتالاً للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق، متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب. وأما أنا فلأني أقول الحق لستم تؤمنون بي. من منكم يبكتني على خطية، فأن كنت أقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بي. الذي من الله يسمع كلام الله لذلك أنتم لستم تسمعون لأنكم لستم من الله.

 

فأجاب اليهود وقالوا له: ألسنا نقول حسناً أنك سامري وبك شيطان. أجاب يسوع: أنا ليس بي شيطان لكني أُكرم أبي وأنتم تهينونني. أنا لست أطلب مجدي يوجد من يطلب ويُدين. الحق الحق أقول لكم: أن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد. فقال له اليهود الآن علمنا أن بك شيطاناً، قد مات إبراهيم والأنبياء وأنت تقول: أن كان أحد يحفظ كلامي فلن يذوق الموت إلى الأبد. العلك أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات والأنبياء ماتوا، من تجعل نفسك!!. أجاب يسوع: أن كنت أُمجد نفسي فليس مجدي شيئاً، أبي هو الذي يمجدني، الذي تقولون أنتم أنه إلهكم. ولستم تعرفونه وأما أنا فأعرفه، وأن قلت إني لست أعرفه أكون مثلكم كاذباً، لكني أعرفه وأحفظ قوله. أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح. فقال له اليهود: ليس لك خمسون سنة بعد أفرأيت إبراهيم. قال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن. فرفعوا حجارة ليرجموه، أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى هكذا ] (يوحنا 8: 25 – 59)

__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد الجديد: تابع [أولاًكلمة الله وكلمة يسوع
2 – موقف البشر أمام كلمة يسوع

 

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء السادس – رابعاً: تجسيد كلمة الله.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
تابع المقدمة، تابع 1- العهد القديم: [رابعاً] تجسيد كلمة الله
2- العهد الجديد
للرجوع للجزء الخامس أضغط هنا.

  • رابعاً: تجسيد كلمة الله
كلمة الله في حقيقتها ليست عُنصر من ضمن العناصر الأخرى في تدبير العهد القديم، وإنما هي تسود على هذا التدبير بأجمعه، فتُعطي للتاريخ معنى بصفتها خالق له، وتشع عند البشر حياة الإيمان باعتبارها رسالة الله المُقدَّمة إليهم، ولكنها لم تكن رسالة عادية مثل رسائل الناس ولا حتى رسائل الملوك العظام، لأنها في ذاتها تحمل حياة الله للإنسان وقوته لتولد في داخله حرارة الإيمان: [ فقال الرب لموسى ها أنا آتٍ إليك في ظلام السحاب لكي يسمع الشعب حينما أتكلم معك فيؤمنوا بك أيضاً إلى الأبد (كنبي ورسول من الله في فمه كلمة الرب) ] (خروج 19: 9)؛ [ فكيف يدعون بمن لم يؤمنوا به وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به وكيف يسمعون بلا كارز ] (رومية 10: 14).
ولذلك فليس من العجيب أن تؤدي أهمية الكلمة إلى تجسدها لأنها حكمة الله وقوة الله: [ لأني لست استحي بإنجيل المسيح لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن ] (رومية 1: 16)، [ لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة استحسن الله أن يُخلِّص المؤمنين بجهالة الكرازة. لأن اليهود يسألون آية واليونانيين يطلبون حكمة. ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة. وأما للمدعوين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله. ] (1كورنثوس: 1: 21 – 24).
لذلك لا عجب في أننا نتعرف على كلمة الله مُشخصه، تُعبَّر عن الوحي الإلهي وتُظهره بل وتتممه، وبخاصة أن الكلمة تعمل بنشاط فائق لتحقق الأمر الإلهي بكل دقة:
  • [ يُرسل كلمته في الأرض سريعاً جداً يُجري قوله ] (مزمور 147: 15)
  • [ يا ابن آدم قد جعلتك رقيباً لبيت إسرائيل فاسمع الكلمة من فمي وانذرهم من قِبَلي ] (حزقيال 3: 17)
  • [ فصرخوا إلى الرب في ضيقهم فخلصهم من شدائدهم. أرسل كلمته فشفاهم ونجاهم من تهلكاتهم ] (مزمور 107: 19 – 20)
  • [ لأنه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان إلى هُناك بل يرويان الأرض ويجعلانها تلد وتنبت وتعطي زرعا للزارع وخبزاً للآكل. هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل ما سُررت به وتنجح فيما أرسلتها له ] (أشعياء 55: 10 – 11)
عموماً ومن خلال هذه النصوص التي ذكرناها باختصار شديد وإيجاز، نستشف عمل كلمة الله في هذا العالم، حتى قبل أن يكشف العهد الجديد ذلك للبشر كشفاً تاماً عن كلمة الله الظاهر في الجسد والذي كشف عن مجده الإلهي الفائق:
  • [ ها أيام تأتي يقول الرب وأُقيم الكلمة الصالحة التي تكلمت بها إلى بيت إسرائيل وإلى بيت يهوذا ] (أرميا 33: 14)
  • [ الكلمة التي أرسلها إلى بني إسرائيل يُبشر بالسلام بيسوع المسيح هذا هو رب الكل ] (أعمال 10: 36)
  • [ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ] (يوحنا 1: 1)
  • [ والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً ] (يوحنا 1: 14)
 
  • وهذا ينقلنا إلى 2 – العهد الجديد:
نجد أن نصوص العهد الجديد تُعيد لنا التعليم بخصوص كلمة الله إلى نفس ذات المفهوم الذي يحتويه العهد القديم نفسه، ولا عجب بالطبع لأن كلمة الله واحده لا يُمكن أن تختلف بأي حال من الأحوال، لأن الكلمة كانت مستتره في العهد القديم وأُظهرت كإعلان في الواقع التاريخي بتجسد الكلمة ذاته الذي نجد ملامحه واضحة بشدة في العهد القديم، ولكنها ظاهرة ظهور العيان في العهد الجديد، لأن الكلمة ضرب بجذوره في طبيعتنا وصار واحداً معنا بسرّ فائق غير مفحوص، يُدخلنا إليه بعد أن يُستعلن لنا ويُظهر لنا ذاته رباً مُحيياً…
عموماً نجد نفس ذات ملامح التعليم الذي للعهد القديم بالنسبة لكلمة الله ظاهره في العهد الجديد بوضوح : [ فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم ] (متى 15: 61)، وهذا التعليم عينه نجد صداه في العهد القديم في كلام إرميا وحزقيال النبي…
ونجد إيمان العذراء القديسة مريم بالكلمة التي ينقلها لها الملاك بوادعة واتضاع شديد بل ومهابة فائقة لإدراكها أنها كلمة الله التي تعمل بسلطانها الفريد، وهذا ما شرحناه قبلاً في ما هي كلمة الله واستجابة الإنسان لها:
[ لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله. فقالت مريم: هوذا أنا آمة الرب ليكن لي كقولك فمضى من عندها الملاك. فقامت مريم في تلك الأيام وذهبت بسرعة إلى الجبال إلى مدينة يهوذا. ودخلت بيت زكريا وسلمت على أليصابات. فلما سمعت أليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها وامتلأت أليصابات من الروح القدس. وصرخت بصوت عظيم وقالت: مباركة أنتِ في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك. فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليَّ. فهوذا حين صار صوت سلامك في أُذني ارتكض الجنين بابتهاج في بطني. فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب ] (لوقا 1: 37 – 45)
وقد صارت الكلمة إلى يوحنا المعمودان كما كانت تُوَجَّه قديماً إلى الأنبياء: [ كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية ] (لوقا 3: 2)..
  • ولكن منذ ذلك الحين، قد ارتكز سرّ الكلمة حول شخص ربنا يسوع المسيح الكلمة المتجسد، الكلمة الظاهر في الجسد [ والكلمة صار جسداً ] …
__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد الجديد: [أولاًكلمة الله – كلمة يسوع




بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء الخامس -ثالثاً: موقف الإنسان أمام الكلمة.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه

تابع المقدمة، تابع 1- العهد القديم: [ثالثاً] موقف الإنسان امام كلمة الله
للرجوع للجزء الرابع أضغط هنا.

كلمة الله كما رأيناها واسعه ومتسعه جداً في فعلها وعملها كما سبق وشرحنا حسب إعلان الله بروحه القدوس: [ لكل كمال رأيت حداً، أما وصيتك فواسعة جداً ] (مزمور 119: 96)؛ [ وصايا الرب مستقيمة تفرح إياه. أمر الرب طاهر يُنير العينين ] (مزمور 19: 8)

 

فكلمة الله بكونها تحمل حياة الله وقوته الخاصة، لا يجوز للإنسان أن يظل سلبياً تجاهها، بل عليه أن يتخذ موقفاً واضحاً منها يظهر في حياته كثمرة استجابته لها وتوافقه معها …

 


عموماً هناك اتجاهين بالنسبة للواقع العملي لكلمة الله، وهما، أولاً خدمة الكلمة، وثانياً موقف السامع من هذه الكلمة… بمعنى أن الله يعطي كلمته لأناس مختارين ليستجيبوا لها ويحيوا بها ويقدمون لها الطاعة والخضوع التام، ويحملوا نيرها ويخدموها بوقار شديد، إذ يقدموها للآخرين كما هي حسب الرسالة الموضوعة عليهم بموهبة الروح، حسب نعمة الله وإرادته ومشيئته، فهم مثل الفلاح الذي يلقي البذار في الأرض، وعلى الأرض أن تستجيب لهذه البذار حسب نوعها، أي حسب نوع الأرض نفسها :

 

  • [ خرج الزارع ليزرع زرعه وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فانداس وأكلته طيور السماء. وسقط آخر على الصخر فلما نبت جف لأنه لم تكن له رطوبة. وسقط آخر في وسط الشوك فنبت معه الشوك وخنقه. وسقط آخر في الأرض الصالحة فلما نبت صنع ثمراً مئة ضعف، قال هذا ونادى من له أُذنان للسمع فليسمع…. وهذا هو المثل: الزرع هو كلام الله. والذين على الطريق هم الذين يسمعون ثم يأتي إبليس وينزع الكلمة من قلوبهم لئلا يؤمنوا فيخلصوا. والذين على الصخر هم الذين متى سمعوا يقبلون الكلمة بفرح وهؤلاء ليس لهم أصل فيؤمنون إلى حين وفي وقت التجربة يرتدون. والذي سقط بين الشوك هم الذين يسمعون ثم يذهبون فيختنقون من هموم الحياة وغناها لذاتها ولا ينضجون ثمراً. والذي في الأرض الجيدة هو الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيد صالح و يثمرون بالصبر ] (لوقا 8: 5 – 8؛ 11 – 15)

 

1 – خدمة كلمة الله: إن خدمة الكلمة في العهد القديم لم تكن مصدر من مصادر البهجة ومسرة الإنسان الذي يحملها ليتكلم بها، بل بالعكس، فأن كل نبي يحمل رسالة الله الحقيقية بأمانة وإخلاص، فهو يتعرض دائماً بل وبالضرورة للمقاومة وللاضطهاد وأحياناً يكون اضطهاد عنيف قد يصل للقتل…

 

حقاً أن الله يضع على فم النبي كلماته الخاصة بكل قوتها، مانحاً لهُ قوة كافية ليتولَّى تبليغ الرسالة المعهودة إليه من الله ليُسلمها إلى من أرسلها لهم كما هي بدون زيادة أو نُقصان، وبدون أن يخشى شيئاً قط، لأنه رسول خاص من الله الحي:

 

  • [ كلام أرميا بن حلقيا من الكهنة الذين في عناثوث في أرض بنيامين. الذي كانت كلمة الرب إليه في أيام يوشيا بن آمون ملك يهوذا في السنة الثالثة عشرة من ملكه. وكانت في أيام يهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا إلى تمام السنة الحادية عشرة لصدقيا بن يوشيا ملك يهوذا إلى سبي أورشليم في الشهر الخامس.
    فكانت كلمة الرب إليَّ قائلا. قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك جعلتك نبياً للشعوب. فقلت آهٍ يا سيد الرب إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد. فقال الرب لي لا تقل إني ولد لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به. لا تخف من وجوههم لأني أنا معك لأُنقذك يقول الرب. ومد الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي ها قد جعلت كلامي في فمك. أنظر قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس. ] (أرميا 1: 1 – 10)

 

ومقابل أن الرب يُرسل ويضع كلامه في فم النبي، فأن النبي يحمل مسئولية أمام الله عن هذه المهمة التي يتوقف عليها مصير البشر: 
  • [ وكان عند تمام السبعة الأيام أن كلمة الرب صارت إلي قائلة. يا ابن آدم قد جعلتك رقيباً لبيت إسرائيل فاسمع الكلمة من فمي وانذرهم من قبلي. إذا قلت للشرير موتاً تموت وما أنذرته أنت ولا تكلمت إنذاراً للشرير من طريقه الرديئة لإحيائه فذلك الشرير يموت بإثمه أما دمه فمن يدك أطلبه. وأن أنذرت أنت الشرير ولم يرجع عن شره ولا عن طريقه الرديئة فأنه يموت بإثمه أما أنت فقد نجيت نفسك. والبار أن رجع عن بره وعمل إثماً وجعلت معثرة أمامه، فأنه يموت لأنك لم تنذره، يموت في خطيته ولا يذكر بره الذي عمله، أما دمه فمن يدك أطلبه. و أن أنذرت أنت البار من أن يُخطئ البار وهو لم يُخطئ، فأنه حياة يحيا لأنه أُنذر وأنت تكون قد نجيت نفسك. ] (حزقيال 3: 16 – 21)
  • [ وأنت يا ابن آدم فقد جعلتك رقيباً لبيت إسرائيل فتسمع الكلام من فمي وتُحذرهم من قبلي. إذا قلت للشرير يا شرير موتاً تموت، فأن لم تتكلم لتحذر الشرير من طريقه فذلك الشرير يموت بذنبه، أما دمه فمن يدك أطلبه. وأن حذرت الشرير من طريقه ليرجع عنه ولم يرجع عن طريقه فهو يموت بذنبه أما أنت فقد خلصت نفسك. وأنت يا ابن آدم فكلم بيت إسرائيل وقل أنتم تتكلمون هكذا قائلين: أن معاصينا وخطايانا علينا وبها نحن فانون فكيف نحيا. قل لهم: حي أنا يقول السيد الرب: إني لا أُسرّ بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا، أرجعوا، أرجعوا، عن طرقكم الرديئة فلماذا تموتون يا بيت إسرائيل. وأنت يا ابن آدم فقل لبني شعبك: أن برّ البار لا يُنجيه في يوم معصيته، والشرير لا يعثُرّ بشره في يوم رجوعه عن شره، ولا يستطيع البار أن يحيا ببره في يوم خطيئته ] (حزقيال 33: 7 – 12).

 

أما أذا حاول النبي أن يتهرب من رسالته الموضوعة عليه، يستطيع الله أن يجبره على العودة إليها، لأنه يقوم نفسه ويُربيه في الطاعة حتى يعود في النهاية ليُخبِّر بما أراده الله، وهذا ما نجده في أحداث حياة يونان النبي [ أنظر يونان 1، 2 وذلك للأهمية ].

 


ولكن عموماً وفي أكثر بل وأغلب الأحيان، يؤدي النبي مهمته على حساب راحته الشخصية مع الاستعداد للتضحية بحياته إذا اقتضى الأمر. وتُعتبر هذه الأمانة البطولية مصدر ألم عميق لهُ وواجب قاسي لا يستطيع أن يجد له أجر مباشر: [ أنت يا رب عرفت، أذكرني وتعهدني وانتقم لي من مضطهدي، بطول أناتك لا تأخذني، اعرف احتمالي العار لأجلك. وجد كلامك فأكلته، فكان كلامك لي للفرح و لبهجة قلبي لأني دعيت باسمك يا رب إله الجنود. لم أجلس في محفل المازحين مبتهجا من أجل يدك جلست وحدي لأنك قد ملأتني غضباً. لماذا كان وجعي دائماً وجرحي عديم الشفاء يأبى أن يُشفى، أتكون لي مثل كاذب مثل مياه غير دائمة. لذلك هكذا قال الرب: أن رجعت أُرجعك فتقف أمامي وإذا أخرجت الثمين من المرذول فمثل فمي تكون، هم يرجعون إليك وأنت لا ترجع إليهم. وأجعلك لهذا الشعب سور نحاس حصيناً فيحاربونك ولا يقدرون عليك لأني معك لأُخلصك وانقذك يقول الرب. فأنقذك من يد الأشرار وأفديك من كف العُتاة ] (أرميا 15: 15 – 21)

 

[ فقال (إيليا للرب) غرت غيرة للرب إله الجنود، لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف، فبقيت أنا وحدي وهم يطلبون نفسي ليأخذوها… (الرب يكلم إيليا ويقول) قد أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف كل الركب التي لم تجثُ للبعل وكل فم لم يقبله ] (1ملوك 19: 14و 18)

 

2 – قبول الكلمة: بعدما رأينا دور النبي في مسئولية توصيل الرسالة الإلهية كما هي وهو تحت الآلام والمشقة والضيق العظيم وعنده الاستعداد أن يموت من أجلها، نأتي لدور المستمعين لهذه الرسالة العظمى، لأنه واجب عليهم أن يقدروا كلمة الله ويوقروها جداً ويسمعوها بتدقيق شديد بتأني وتركيز فائق، وعليهم أن يستعدوا لقبولها في قلوبهم بثقة الإيمان الحي وتسليم بطاعة للكلمة، فالكلمة تأتي إليهم من حيث أنها نور كاشف وقاعدة سلوك، ونور حقيقي لهم: [ سراجٌ لرجلي كلامك ونورٌ لسبيلي ] (مزمور 119: 15)، ومن حيث أنها وعد، توفر لهم ضماناً للمستقبل: [ والآن أيها الرب أنت هو الله وقد وعدت عبدك بهذا الخير ] (1أخبار 17: 26)، [ وتقول أيدني أيها الرب إله إسرائيل وانظر في هذه الساعة إلى عمل يدي حتى تنهض أورشليم مدينتك كما وعدت وأنا أتم ما عزمت عليه واثقة بأني أقدر عليه بمعونتك ] (يهوديت 13: 7)، [ أن الرب وعد داود عبده أن يُقيم منه الملك القدير الجالس على عرش المجد إلى الأبد ] (سيراخ 24: 34).

 

وكلمة الله أياً كان من يُبلَّغها لشعب الله، إن كان موسى أو أي نبي آخر، ينبغي إذن الاستماع والإصغاء الشديد إليه، لأنهم لا يستمعون لكلمة إنسان أو لمجرد رأي شخصي لنبي ولا حتى لرجل عظيم، بل لله الحي القدير، الذي ينبغي أن يُصغى إليه جيداً لسماع كلمته:

 

  • [ فاسمع يا إسرائيل واحترز لتعمل… ] (تثنية 6: 3)
  • [ ليُقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتك مثلي (إنسان يحمل قوة النبوة). له تسمعون ] (تثنية 18: 15)
  • [ اسمعوا كلام الرب… أصغوا إلى شريعة إلهنا ] (أشعياء 1: 10)
  • [ فتقول لهم هكذا قال الرب إله إسرائيل: ملعون الإنسان الذي لا يسمع كلام هذا العهد… اسمعوا كلام هذا العهد واعملوا به ] (أرميا 11: 3و 6)

 

فيكون الاستماع لكلمة الله، سواء:

 

حفظها في القلب: [ ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك ] (تثنية 6: 6)

 

وللعمل بها: [ بل الكلمة قريبة منك جداً في فمك وفي قلبك لتعمل بها ] (تثنية 30: 14)

 

ولتطبيقها في الحياة: [ بما يُزكي الشاب طريقه، بحفظه إياه حسب كلامك … أحسن إلى عبدك فأحيا وأحفظ أمرك… من كل طريق شرّ منعت رجلي لكي أحفظ كلامك ] (مزمور 119: 9و 17و 101)

 

أو الاعتماد عليها ووضع الرجاء فيها: [ … اتكلت على كلامك… متقوك يرونني فيفرحون لأني انتظرت كلامك… تاقت نفسي إلى خلاصك. كلامك انتظرت ] (مزمور 119: 42و 74و 81)؛ [ انتظرتك يا رب، انتظرت نفسي، وبكلامه رجوت ] (مزمور 130: 5).

 


فإجابة الإنسان على الكلمة الإلهية تُشكل إذاً موقفاً داخلياً مُتشعباً يشمل جميع نواحي الحياة الفائقة الطبيعة، أي أن الاستجابة لكلمة الله عادة ترفع الإنسان للمستوى الفوقاني، أي المستوى الغير منظور بالإيمان، الإيمان والاتكال على كلمة الله، لأنها وحدها من ترفع النفس للعلو الحلو الذي للقديسين لترى ما لا يُرى، بل وتقوي الإيمان وترفعه:

 

فبداية قبول الكلمة يأتي أولاً بالإيمان ووضع الثقة في الله مصدرها : وهذا يتأكد بسبب أن الكلمة كشف عن الإله الحي الحقيقي، وكشف إعلان عن مقاصده وتدبيره المُعد للإنسان.

 

والإيمان الصادق الحي يولد الرجاء الحي، طالما الكلمة تقدم الوعد الإلهي، وتم تصديقها بالإيمان.

 

والإيمان والرجاء يُكللوا بالمحبة، لأن الكلمة صارت قاعدة للسلوك والتطبيق، لأن من يحب الله يحيا بوصياه التي وثق فيها لأنها حياته ونوره الشخصي، ومن هُنا يظهر قوة الإيمان بوحدانية الله الحقيقية حسب إعلان الكلمة:

 

  • [ اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا ربٌ واحد، فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك، ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك ] (تثنية 6: 4 – 6)

__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد القديم: [رابعاً] تجسيد كلمة الله

 

Exit mobile version