قيامة المسيح وثمارها (2) – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح وثمارها (2) – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح وثمارها (2) – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح وثمارها (2) – د. نصحي عبد الشهيد

القسم الثانى: فاعلية قيامة المسيح

تحدثنا فى القسم الأول من هذا الموضوع [1] حول أربع نقاط عن:

أولاً: المسيح هو القيامة لأنه هو الحياة بطبيعته.

ثانيًا: القيامة والصليب متلازمان.

ثالثًا: القيامة محور كرازة الرسل.

رابعًا: جسد المسيح فى القيامة والتعرف على شخص المسيح بعد القيامة والتغييرات التى حدثت فى جسده بالقيامة.

والآن نستكمل حديثنا عن فاعلية قيامة المسيح وامتدادتها منه إلى المؤمنين وإلى الخليقة كلها، وفاعليتها فى الحياة الحاضرة وحتى الدهر الآتى.

 

خامسًا: المسيح باكورة الراقدين:

نتحدث الآن عن فاعلية قيامة المسيح فى المؤمنين به أو بالأحرى فى أجسادهم، فالمسيح هو بذاته الحياة الذى يعطى الحياة لكل المخلوقات، كما ذكرنا فى القسم الأول. ولذلك فإن قيامة المسيح هى بداية القيامة للجميع من بين الأموات كما يعلن الرسول بولس فى الإصحاح الخامس عشر فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس. فالرسول بولس يربط ربطًا وثيقًا بدون أدنى إنفكاك بين قيامة المسيح وقيامة الأموات.

حتى أنه يقول إنه ” لو لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام، وإن لم يكن المسيح قد قام فكرازتنا باطلة وباطل أيضًا إيمانكم” (انظر 1كو13:15و14). وهو بهذا يجعل الإيمان بقيامة المسيح وحدة واحدة مع قيامة المؤمنين من بين الأموات، حتى إذا افترضنا أنه لن تكون هناك قيامة للأموات فى المستقبل فهذا يلغى حقيقة أن المسيح قد قام فعلاً.

فلا يمكن الإيمان بأن المسيح قام إلاّ إذا كان هذا معناه أن تكملة قيامته ستكون بإقامة أجساد الراقدين عند مجيئه الثانى. وهكذا يعلّم الرسول أنه بدون وجود رجاء عند المؤمنين بأنه ستكون هناك قيامة للأموات فإن الكرازة بإنجيل المسيح ستصير باطلة، ويكون إيمان الذين آمنوا بالمسيح باطل، لأنه لو كانت قيامة المسيح تتوقف عند مجرد ظهوره هو حيًا لتلاميذه ولا تمتد إلى نهاية الدهر الحاضر وتظهر فاعليتها فى إقامته لأجساد الراقدين، فإن الإيمان بالمسيح يكون عديم الجدوى والفاعلية.

حتى أن الرسول بولس يقول لأهل كورنثوس: ” وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم أنتم بعد فى خطاياكم” (1كو17:15). أى كل ما عمله المسيح بالصلب والقيامة الظافرة من الموت لا يكون له فاعلية لنوال الغفران إن لم نؤمن أن الموتى سيقومون امتدادًا لقيامة المسيح. وهكذا نجد الرسول يتهلل بتسبحة النصرة قائلاً: ” ولكن الآن قد قام المسيح من بين الأموات وصار باكورة الراقدين” (1كو20:15).

الرسول يستعمل كلمة “باكورة” عن قيامة المسيح، والباكورة كلمة مستعارة من حصاد القمح فى العهد القديم. فالحقل الذى يتم حصاده تكون أول حزمة من هذا الحصاد “باكورة”. والباكورة تبشر بأنه سيتلوها حزم حصاد متوالية إلى أن يكتمل حصاد الحقل. فالمسيح هو باكورة الراقدين، أى أول من قام بالجسد الذى لا يسود عليه الموت.

فهناك موتى قاموا فى العهد القديم وموتى قاموا فى العهد الجديد قبل قيامة المسيح، ولكن هؤلاء ليسوا باكورة لأنهم ماتوا مرةً أخرى واضمحلت أجسادهم بعدما أُقيموا بعمل معجزى مثل لعازر الذى أقامه الرب بعدما أنتن فى القبر، فإنه بعد أن عاش فترة وصار أسقفًا، فإنه تنيح ودُفن جسده، ونعيد بتذكار نياحته حسب السنكسار. وهذا التذكار هو غير تذكار إقامة الرب للعازر الذى ذكره القديس يوحنا البشير فى إصحاح 11 من إنجيله.

وهذا هو الفرق بين قيامة المسيح والقيامات الأخرى، أن كل القيامات الأخرى التى حدثت لبشر، مات أصحابها مرة أخرى، أما المسيح فهو باكورة قيامة الأجساد التى لا تموت لأنها أجساد الخلود والحياة الأبدية.

ويقول الرسول بعد ذلك إنه كما ” أن الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات، لأنه كما فى آدم يموت الجميع هكذا فى المسيح سيُحيا الجميع. ولكن كل واحد فى رتبته. المسيح باكورة ثم الذين للمسيح فى مجيئه” (1كو21:15ـ23). فكما دخل الموت إلى طبيعتنا البشرية بآدم الأول، إذ أن آدم هو الذى ورثنا الموت، هكذا فإن المسيح يعطينا القيامة فى المستقبل مبنية ومؤسسة على قيامته الشخصية، ولذلك يقول الرسول ” هكذا فى المسيح سيُحيا الجميع” وهو يقصد أن المسيح سيقيم أجساد جميع المؤمنين فى المستقبل عند مجيئه.

أى أن قيامة المسيح وقيامة المؤمنين هى حصاد واحد ولكن باكورة الحصاد هى قيامة المسيح نفسه. وهذا يعبّر عنه الرسول ” كل واحد فى رتبته” أى فى دوره. المسيح “باكورة” أى المسيح هو الباكورة والبكر للراقدين كما ورد فى رسائل أخرى، ثم بقية الحصاد للذين للمسيح أى المؤمنين به عند مجيئه الثانى، أى أن الباكورة المسيح هو رأس الجسد قام أولاً، ثم ” الذين للمسيح” أى أعضاء الجسد سيقيمهم عند مجيئه، والفرق بين الاثنين هو فى توقيت حدوث القيامة فقط، هو قام أما هم فسيقيمهم. وهذا هو رجاء قيامة الأموات الذى نردده كلما نصلى ونقول ” ننتظر قيامة الأموات “.

فبفعل القوة المحوّلة النابعة من قيامة المسيح ستتغير أجسادنا فتصير أجسادنا الطبيعية أجساد روحانية، ولا يُقصد “بروحانية” أنها غير جسمية، بل أنها تحيا بالروح القدس وليس بمصادر الحياة البيولوجية التى تحيا بها أجسادنا على الأرض. ” والفاسد سيلبس عدم فساد والمائت عدم موت” كما يقول الرسول (1كو53:15).

وهذا التغيّر الذى سيتم للأجساد يرتبط بانعتاق الخليقة نفسها من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله (انظر رو21:8). لقد بيّنَ الرسول أنه يوجد جسم طبيعى وجسم روحانى هكذا أيضًا ” يُزرع جسمًا حيوانيًا (طبيعيًا) ويُقام جسمًا روحانيًا… هكذا مكتوب أيضًا صار آدم الإنسان الأول نفسًا حية وآدم الأخير روحًا محييًا” (1كو44:15و45). ويستعمل الرسول تشبيهات من العالم الطبيعى مثل حبة الحنطة أو أحد البواقى، ولكن رغم كل هذه التشبيهات فإن القيامة العامة من بين الأموات فى حقيقتها الكاملة تظل سرًا يعلو على الفهم.

 

سادسًا: اكتمال إعلان القيامة فى اليوم الأخير:

ستظهر قيامة المسيح بقوتها الكاملة فى النهاية عندما يكمل المسيح إخضاع كل الأعداء حتى آخر عدو وهو الموت. فبالرغم من أن المسيح غلب الموت وقام حيًا ظافرًا بالموت فى اليوم الثالث، إلاّ أن الموت لا يزال يملك فى اجسادنا نحن. فلابد أن يكمل المسيح نصرته بأن يُبطل الموت من أجسادنا نحن أيضًا وهذا ما يخبرنا به الرسول بولس فى نفس الإصحاح المذكور: ” هوذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير.

فإنه سيُبوق فيقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت. ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة ابتُلع الموت إلى غلبة. أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية” (1كو51:15ـ55).

كلام الرسول هذا متصل طبعًا بمجئ المسيح ثانيةٌ من السماء بالمجد العظيم لكى يلاشى سلطان الموت والفساد عند البوق الأخير. هذا هو بوق القيامة، وعندما يأتى الرب من السماء فبصوته ـ حسب قوله (يو29،28:5) ـ يقيم جميع الذين فى القبور، فيُقام المؤمنون الذين رقدوا، عديمى فساد، أى بأجساد عديمة الاضمحلال. أما المؤمنون الذين يكونون أحياء على الأرض عند ظهوره الثانى، فإنه سيغير أجسادهم من حالة الضعف والهوان إلى حالة المجد أى الأجسام الروحانية.

وكل هذا فى لحظة فى طرفة عين، أى يلاشى الموت والفساد (أى الاضمحلال) من الأجساد التى سبق أن ماتت كما يلاشى القابلية للفساد والاضمحلال من أجساد الذين كانوا أحياء عند مجيئه. وهكذا يُبتلع الموت ويُغلب، إذ أن حياة المسيح تبتلع الموت بصورة كاملة، ليس موته هو فقط فهذا قد انتهى منه منذ أن قام من الأموات، بل إن حياته ستبتلع موتنا نحن أيضًا. وهكذا يكون هتاف النصرة الذى يتهلل به الرسول بولس: ” ابتلع الموت إلى غلبة. أين شوكتك يا موت“. قد كُسرت شوكة الموت، ” أين غلبتك يا هاوية” هُزمت قوات الجحيم والهاوية التى استعبدت الإنسان.

ويقول القديس أثناسيوس عن إبطال الموت والفساد بفاعلية قيامة المسيح فى أجساد المؤمنين: [نحن الذين نؤمن بالمسيح لن نموت بالموت الذى كان سابقًا حسب وعيد الناموس، لأن هذا الحكم قد أُبطل وبما أن الفساد قد بَطُلَ وأُبيد بنعمة القيامة فإننا من ذلك الوقت وبحسب طبيعة أجسادنا المائتة ننحل فى الوقت الذى حدده الله لكل واحد، حتى يمكن أن ننال قيامة أفضل] (تجسد الكلمة 1:21).

وبعد هذا القول يستشهد القديس أثناسيوس بحديث الرسول بولس عن القيامة (1كو15) الذى أوردناه فى الآيات السابقة. ويقول أيضًا إن أجساد المؤمنين فى القيامة ستكون فى حالة أفضل من الحالة التى كان عليها الإنسان فى الفردوس قبل السقوط، إذ يقول: [ فى المسيح كُمِل الجنس البشرى وأُعيد تأسيسه كما كان فى البدء، بل بالأحرى بنعمة أعظم من الأول… لأننا بعد القيامة من بين الأموات لا نخاف الموت بعد، بل سنملك مع المسيح على الدوام] (ضد الآريوسين67:2، ص104 الطبعة العربية الأولى).

 

سابعًا: قوة قيامة المسيح تعمل فى حياتنا الحاضرة:

القوة المُحيية والمُخلصة التى تفيض من قيامة المسيح والتى ذكرنا أنها ستُعلن إعلانًا كاملاً عند مجيئه الثانى المخوف والمملوء مجدًا، فى القيامة العامة من بين الأموات، هذه القوة نفسها تعمل بطريقة غير منظورة فى العالم منذ قيامة المسيح وقد وصل عملها الخلاصى إلى قمته فى صعود الرب إلى السماء، إذ جلس ابن الله المتجسد عن يمين الله الآب وبذلك أجلس إنسانيته المتحدة بلاهوته، فى عرشه مع الاب. وهذا الجلوس فى يمين الاب بالجسد المُقام والمُمجد والصاعد إلى السماء يعنى تمجيد ناسوت المسيح بذات القوة والمجد الذى للاهوته مع الآب.

فعندما يقول الإنجيل ونقول أيضًا فى قانون الإيمان، إن ” المسيح صعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب” فهذا لا يعنى تحديدًا مكانيًا للمسيح لأن الله ليس له يمين ويسار بالمعنى البشرى وليس له عرش مادى محدود يجلس عليه كما يجلس البشر، حتى يجلس المسيح الصاعد إلى السماء عن جانبه اليمين، بل كما يقول القديس يوحنا ذهبى الفم إن يمين الله تعنى قدرة الله وعظمته. فجلوس المسيح فى يمين الله يعنى أن تصير لناسوته المُمجد نفس القوة والعظمة التى للاهوته مع الآب والروح القدس. وقد تكلم كثيرون من الآباء عن ابن الله نفسه فى تفسيراتهم أنه يمين الله أو قوة الله.

وهذه كلها تعبيرات بشرية لكى تنقل إلينا الإحساس الفائق الذى يعلو عن الفهم عن قوة الله وعظمته وجلاله. وبجلوس المسيح فى يمين الله أخذ موعد الروح القدس من الآب كما يقول بطرس الرسول فى سفر الأعمال (33:2) وأرسل الروح القدس وسكبه على الكنيسة، والروح يعمل فيها منذ يوم الخمسين بلا توقف وسيظل فاعلاً إلى أن يأتى المسيح ثانيةً من السماء.

هذه القوة الخلاصية قوة الروح القدس المُؤسسة على قيامة المسيح والنابعة منها تخلق على الأرض بداية الحياة الأبدية وتُعِد البشر للقيامة من بين الأموات. فالحياة الأبدية تبدأ هنا من الآن رغم أنها ستُعلن بكمالها فى الدهر الآتى. ونعرض هنا بعض فاعليات قيامة المسيح فى حياتنا الحاضرة:

 

1 ـ القيامة والإيمان:

وهذا ما نجده كثيرًا فى كلمات إنجيل يوحنا ” من يؤمن بى فله حياة أبدية” (يو47:6). ” من يسمع كلامى ويؤمن… فله حياة أبدية ولا يأتى إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة” (يو24:5). وقال الرب أيضًا إن صوته عندما كان على الأرض بالجسد، يسمعه الأموات روحيًا فيحيون ” والسامعون يحيون” (يو25:5). أى يحيون بقوته وهم ينالون حياة منه فى داخلهم وهم لا يزالون فى الجسد.

وآيات أخرى كثيرة يَرد فيها هذا المعنى مثل قول القديس يوحنا فى رسالته الأولى إن ” الحياة الأبدية كانت عند الآب وأُظهرت لنا” (1يو2:1)، ويقصد المسيح نفسه الإله الحى الذى جاء فى الجسد وجعل الحياة الأبدية تسكن فى قلوب الذين يؤمنون به. وقول الرب لمرثا: ” أنا هو القيامة والحياة من آمن بى ولو مات فسيحيا. وكل من كان حيًا ويؤمن بى فلن يموت إلى الأبد” (يو26،25:11). وكلمة ” من يؤمن بى وهو حي“، أى وهو على الأرض فلن يموت، وهذا معناه أنه بالإيمان بالمسيح ينال حياة أبدية منذ الآن تجعل نفسه لا تموت، أما الجسد فبالتأكيد سيموت لكى يقوم فى حالة المجد كما شرحنا سابقًا.

إذن فأول فاعلية لقيامة المسيح بعمل الروح القدس فى العالم تتم عن طريق الإيمان بالمسيح. كما يقول القديس يوحنا إن القيامة والآيات الأخرى التى صنعها يسوع قد كُتبت ” لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة (أبدية) باسمه” (يو31:20).

 

2 ـ القيامة والمعمودية:

وفاعلية القيامة تظهر فى أسرار الكنيسة، وأولاً فى المعمودية، ففى سر المعمودية بالتغطيس فى الماء والصعود منه ثلاث مرات نحن نشترك فى موت المسيح ودفنه ثم نشترك فى قيامته أيضًا. وهذا ما يكتبه الرسول بولس فى رسالته إلى رومية ” أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته؟ فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أُقيم المسيح من الأموات، هكذا نسلك نحن أيضًا فى جِدة الحياة” (رو3:6ـ5).

وهذا معناه أننا بمعوديتنا للمسيح قد دخلنا إلى موته ثم بقوة الروح القدس العامل فى المعمودية نلنا شركة فى قيامة المسيح وصرنا نملك جدة الحياة أى قوة الحياة الجديدة أو الحياة الأبدية التى تعمل فينا لكى نغلب بقايا الموت التى لا تزال موجودة فى إنساننا العتيق. ولكن موتنا وقيامتنا مع المسيح فى المعمودية تكون صادقة وحقيقية فقط حينما نموت فعلاً عن الخطية ونعيش حياة جديدة.

ولهذا يقول الرسول ” كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا” (رو11:6). فالمعمودية هى ولادة روحية إلى حياة أبدية بالروح القدس ” الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله” (يو5:3) وهذه الولادة نابعة من قيامة المسيح كما يقول الرسول بطرس: ” … الله حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانيةً لرجاء حى بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات” (1بط3:1).

 

3 ـ القيامة والتوبة:

قيامة المسيح التى تفيض بالحياة الأبدية علينا وننالها بالإيمان والمعمودية كما قال الرب ” من آمن واعتمد خلص” (مر16:16)، هذه الحياة إذًا حدث وتوقف سريانها فى الإنسان الذى اعتمد فيحتاج أن يستعيد هذه الحياة التى سبق وأخذها فى المعمودية، بالتوبة. فالرب عندما كلم التلاميذ قبل صعوده عرّفهم أنه ينبغى بعد أن قام المسيح ” أن يُكرز باسمه للتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم…” (لو47:24). وعندنا سُئل بطرس يوم الخمسين من الجموع ماذا يفعلون لكى يخلصوا أجابهم: ” توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس” (أع38:2).

فالذى ينال نعمة الحياة والخلاص بالمعمودية فى طفولته يحتاج إذا فقد شركة الحياة مع المسيح والإيمان به واتباعه، أن يستعيد فاعلية القيامة التى كان قد حصل عليها بالمعمودية وطُمرت فلم تعد فاعلة فى حياته ولا ظاهرة فى سلوكه. ينبغى أن يرجع بالتوبة وهذا أيضًا مجال لعمل الروح القدس كما فى المعمودية. فالتوبة هى معمودية ثانية كما قال مجمع قرطاجنة فى القرن الرابع.

إذ بالتوبة يتجدد فينا فعل الروح القدس الذى قد حصلنا عليه أولاً فى المعمودية. وكما يقول القديس أنطونيوس: [ إن الروح القدس المعزى المأخوذ فى المعمودية يعطينا العمل بالتوبة ليردنا ثانيةً إلى رئاستنا الأولى] (الرسالة السابعة).

فعندما تحدث التوبة الصادقة والرجوع بقلب مخلص إلى المسيح تفيض عطية الروح القدس فى القلب من جديد. عمل الروح هذا الذى كان متعطلاً فى داخلنا لعدم التوبة. فعندما يستجيب الإنسان لنداء التوبة ويرجع تظهر فيه جدة الحياة الكامنة فيه بعمل الروح القدس. ويبدأ الإنسان يعيش الحياة الجديدة مرة أخرى، هذه الحياة التى هى حياة المسيح القائم من بين الأموات.

 

4 ـ القيامة والإفخارستيا:

وقيامة المسيح تعمل فى حياتنا الحاضرة من خلال سر الإفخارستيا. ففى الإفخارستيا نحن نأخذ جسد المسيح المُحيى أى المُعطى للحياة الأبدية. وهذا الجسد الذى نأخذه فى الكنيسة والدم الذى نشربه بفعل حلول الروح القدس على القرابين فى القداس الإلهى، هو نفسه جسد المسيح الذى غلب الموت وقام ظافرًا. ومن المسيح الحي فى يمين الآب ـ كما ذكرنا ـ يأتى الروح القدس لكى يجعل الخبز والخمر الموضوعان على المائدة المقدسة جسد المسيح ودمه اللذين يفيضان بقوة قيامة المسيح ويعطيان الحياة الأبدية لكل من يتناول منهما.

كما أن الإفخارستيا أيضًا هى إخبار بعمل المسيح الخلاصى بالموت والقيامة والصعود انتظارًا لمجيئه الثانى المجيد ” فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن أجئ” (1كو26:11). والاشتراك فى جسد المسيح ودمه هو ينبوع قيامتنا وهو عربونها، كما يقول الرب نفسه: ” إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليست لكم حياة فيكم.

من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير… من يأكل هذا الخبز يحيا إلى الأبد” (يو58،54،53:6). ولهذا يقول القديس إغناطيوس الإنطاكى إن جسد المسيح ودمه هما ” دواء عدم الموت” أى الدواء أو المصل أو الترياق الذى نأخذه لكى يحفظنا من الموت (انظر رسالة إغناطيوس إلى أفسس 2:20).

 

5 ـ قوة قيامة المسيح تعمل فى بقية الأسرار:

قوة قيامة المسيح تعمل أيضًا فى بقية الأسرار، فحياة المسيح الأبدية هى التى تفعل فى سر مسحة المرضى كما تفعل فى المعمودية ووسر التوبة والإفخارستيا. فشفاء النفس وشفاء الجسد يتم بقوة تخرج من جسد المسيح كما يخبرنا معلمنا لوقا البشير: ” أن الجمع طلبوا أن يلمسوه لأن قوة كانت تخرج منه وتشفى الجميع” (لو19:6). كما قال الرب نفسه عندما لمست نازفة الدم هُدب ثوبه: ” قد لمسنى واحد لأنى علمت أن قوة قد خرجت منى” (لو46:8).

هذه القوة هى الحياة الإلهية التى أقامت جسد المسيح بعد أن مات، وهى التى غلبت الموت كما سبق أن ذكرنا، وهى لا تزال تفيض من جسد المسيح الحي المُمجد فى السماء بعمل الروح القدس فى صلاة مسحة المرضى. وعن طريق “ صلاة الإيمان التى تشفى المريض والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تُغفر له” (انظر يع15:5).

وهكذا أيضًا تعمل قوة قيامة المسيح فى سر الإكليل لتوّحد العروسين بعمل الروح القدس بالصلاة. هذا الروح الذى ـ كما ذكرنا أكثر من مرة ـ هو نفسه المُنسكب من السماء يوم الخمسين بفضل قيامة المسيح وصعوده. وهو الذى يُعد الزوجين المسيحيين لنوال إكليل الملكوت بالجهاد الروحى فى الحياة اليومية بمعونة الروح القدس.

وهكذا ايضًا فقوة قيامة المسيح هى التى تعمل فى سر الكهنوت بدرجاته المتعددة لإعطاء مواهب الروح القدس الساكن فى الكنيسة جسد المسيح لكل من يُسام فى أى درجة من درجات الخدمة الكهنوتية حتى تصير له القدرة بعمل الروح فيه على إتمام الخدمة التى يؤتمن عليها.

 

6 ـ قوة قيامة المسيح تعمل فى كل خدمة مسيحية :

وهكذا تعمل قوة قيامة المسيح بالروح القدس فى كل خدمة مسيحية، وتعمل قيامة المسيح بالروح القدس أيضًا فى حياة الصلاة الحقيقية. وهكذا تفعل قيامة المسيح فى إعطائنا القوة لطاعة وصايا المسيح، وفى السلوك حسب الروح وليس حسب الجسد.

 

7 ـ القيامة والمحبة:

تظهر قوة قيامة المسيح بنوع خاص فى تغيير قلب الإنسان من الأنانية وحب الذات إلى المحبة الأخوية والعطاء. فالرسول يوحنا يعلمنا أن الدليل والبرهان على قيامتنا مع المسيح أو انتقالنا من الموت إلى الحياة هو محبة الاخوة، إذ يقول: ” نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الاخوة… من لا يحب أخاه يبقى فى الموت” (1يو14:3). فالبرهان على أن حياة المسيح موجودة فينا وأن قوة قيامته موجودة فينا هو قوة المحبة التى غلب بها المسيح الموت بأن بذل ذاته للموت.

هذه القوة التى غلب بها المسيح تصير موجودة فى المؤمنين به. إذن فمحبة الاخوة هى شهادة على قيامة المسيح التى جعلتنا ننتقل من الموت إلى الحياة، واعطتنا القوة أن نحب ونبذل.

 

8 ـ قوة قيامة المسيح والشهادة:

تظهر قوة قيامة المسيح فى مواقف الشهادة الحرجة، وهنا يظهر كيف أن موت المسيح وقيامته قد غيّرا صور الموت، فلم يعد الموت مرعبًا بل رأينا الشهداء يزدرون بالموت ويقبلونه بفرح بقوة قيامة المسيح العاملة فيهم. وهذا ما يقوله القديس أثناسيوس فى كتابه “تجسد الكلمة”: [ قديمًا، قبل المجئ الإلهى للمخلص، كان الموت مرعبًا حتى بالنسبة للقديسين، وكان الجميع ينوحون على الأموات كأنهم هلكوا.

أما الآن بعد أن أقام المخلص جسده، لم يعد الموت مخيفًا لأن جميع الذين يؤمنون بالمسيح يدوسونه كأنه لا شئ، بل بالحرى يُفضلون أن يموتوا على أن ينكروا إيمانهم بالمسيح لأنهم يعرفون بكل يقين أنهم حينما يموتون فهم لا يفنون بل بالحرى يحيون عن طريق القيامة ويصيرون عديمى فساد] (تجسد الكلمة2:27، وانظر أيضًا 4،3:27).

وقوة قيامة المسيح لازمة لنا أيضًا فى كل مواقف الشهادة فى الحياة اليومية حتى إن لم نواجه خطر الموت الجسدى. فقوة القيامة تجعلنا لا نكذب، ولا نخاف سلطان البشر بل نتكلم بالحق ولا ننكره وندافع عن الضعيف والمظلوم والفقير ونتعب فى خدمتهم، هؤلاء الذين هم أولى الناس بمحبة الاخوة التى هى علامة انتقالنا من الموت إلى الحياة.

 

9 ـ قوة القيامة وحياة العفة والطهارة:

يحدثنا القديس أثناسيوس عن وجود براهين على قوة قيامة المسيح فى حياة العذارى والشبان الذين يؤمنون بالمسيح فيقول: [ هناك اختبارات فعلية تشهد بذلك فمن يَرد دعه يذهب ليرى برهان الفضيلة فى عذارى المسيح والشبان الذين يعيشون حياة العفة المقدسة ] (تجسد الكلمة2،1:48). وأيضًا يقول إن الذين آمنوا بالمسيح يعيشون حياة أكثر عفة من اليونانيين (أى الوثنيين) (انظر تجسد الكلمة 2:53).

 

10 ـ قيامة المسيح تهبنا رجاء لا يضمحل منذ الآن:

يقول القديس بطرس الرسول إن الله ولدنا ثانية لرجاء حى بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات (1بط3:1). فبقوة القيامة يتوّلد فينا رجاء حار من جهة الميراث الذى لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل الذى هو ميراث الملكوت السماوى المحفوظ لنا. وهذا الرجاء النابع من قيامة المسيح يتحدث عنه القديس يوحنا ذهبى الفم فى عظته عن قيامة الأجساد، إذ يشرح معلقًا على قول الرسول بولس ” عالمين أن الذى أقام الرب يسوع سيقيمنا أيضًا ويُحضرنا معكم.. لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا” (2كو 14:4، 16).

إن إنساننا الخارج يفنى أى جسدنا يضمحل طالما نحن فى غربة هذا العالم، ولكن بينما نحن نسير فى حياتنا وتقابلنا ضيقات وصعوبات وآلام تساهم فى اضمحلال الجسد أى إنساننا الخارج الذى يفنى، نستمد من قيامة المسيح رجاءً وقوة. فحتى إن كنا ” متحيرين إلاّ أننا غير يائسين، وإن كنا مضطهدين لكن غير متروكين، وإن كنا مطروحين لكن غير هالكين” بل إن رجاء القيامة يجدد إنساننا الداخلى فى وسط هذه الآلام والضيقات ” لأن الذى أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضًا” (2كو14:4).

وهذا يعنى أنه من الآن وقبل القيامة الآتية فإننا ننال مكافأة احتمال الأتعاب بأن ” تتجدد النفس فى وسط الضيق وتصير أكثر قوة وأكثر إشراقًا” (ذهبى الفم، عظة عن قيامة الأجساد، ص 18،17).

 

ثامنًا: فاعلية قيامة المسيح فى إنساننا الداخلى منذ الآن:

نجد فى الكتابات الروحية للقديسين شهادات عديدة عن قيامة المسيح التى تعمل منذ الان فى نفوس وأجساد القديسين بصورة سابقة على القيامة العامة. فيقول القديس مقاريوس فى عظاته الرائعة أن [ مملكة النور والصورة السماوية أى يسوع المسيح يضيئ الآن سرًا داخل النفس، ويملك فى نفوس القديسين ولكنه مُخفى عن عيون الناس، وعيون النفس فقط هى التى ترى المسيح حقًا إلى أن يأتى يوم القيامة، فإنه حينئذٍ ستكتسى أجسادنا بنور الرب وتتمجد به، ذلك النور المختفى الآن فى نفس الإنسان، حتى أن أجسادنا تملك هى أيضًا مع نفوسنا التى تكون قد نالت ملكوت المسيح منذ الآن، وتستريح مستنيرة بالنور الأبدى] (عظات القديس مقاريوس5:2).

ويقول سمعان اللاهوتى الحديث فى عظته عن القيامة: [ إن سر قيامة المسيح إلهنا لا تكف عن أن تحقق نفسها فى داخلنا بطريقة سرية، إن كنا نرغب فى ذلك]. ويشرح [ كيف أن المسيح مدفون فى داخلنا كما فى قبره، وكيف إذ يصير متحدًا مع نفوسنا يقوم من الأموات ويقيمنا معه] (عظة36:3ـ40). [ وحينما يكون حاضرًا فينا بالروح فإنه يقيمنا من الأموات، يحيينا ويعطينا الإمكانية أن نراه تمامًا فى داخلنا، حيًا وغير مائت وغير قابل للزوال] (عظة120:13). هذه الأقوال لهؤلاء القديسين حاملى الروح تكشف الجانب الشخصى لقوة قيامة المسيح، أى عربون القيامة وتذوقها مقدمًا فى داخل كل شخص.

ويقول الله فى سفر الرؤيا: ” ها أنا أصنع كل شئ جديدًا” (رؤ5:21). فإن الله يخلق كل شئ جديدًا ابتداءً من قيامة المسيح وفاعليتها فى الكون كله، فى الكون المنظور والكون غير المنظور، حتى لو كان هذا التجديد والتغيير يُرى فقط الآن بواسطة عين الإيمان. ونختم بقول القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات: [ قيامة المسيح، فصح العهد الجديد، هى انتقال إلى وجود جديد. لقد نقلنا المسيح إلهنا من الموت إلى الحياة ومن الأرض إلى السماء] (عظة2:45).

ــــــــــــــــــ

[1] انظر العدد 12 (يوليو 2003) من دورية دراسات آبائية ولاهوتية ص15 ـ 26. يمكنك قراءته من ههنا: قيامة المسيح وثمارها (1)

قيامة المسيح وثمارها (2) – د. نصحي عبد الشهيد

هل الروح القدس يحل فينا كمواهب ومجرد قوة أم بشخصه وبنفسه وبذاته يسكننا !

هل الروح القدس يحل فينا كمواهب ومجرد قوة أم بشخصه وبنفسه وبذاته يسكننا؟

هل الروح القدس يحل فينا كمواهب ومجرد قوة أم بشخصه وبنفسه وبذاته يسكننا؟

هل الروح القدس يحل فينا كمواهب ومجرد قوة أم بشخصه وبنفسه وبذاته يسكننا؟

[أما تعلمون إنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم] (1كورنثوس 3: 16)، [أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم] (1كورنثوس 6: 19)…
وما معنى تسبحة الكنيسة أنه أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له، اي أخذ جسدنا وأعطانا روحه القدوس !!!

+ قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطي بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد (يوحنا 7: 39)
+ وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يُعلمكم كل شيء ويُذكركم بكل ما قلته لكم (يوحنا 14: 26)
+ حينئذ وضعا الأيادي عليهم فقبلوا الروح القدس (أعمال 8: 17)
+ نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم آمين (2كورنثوس 13: 14)
+ لا بأعمال في برّ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس (تيطس 3: 5)
+ لأن الذين استنيروا مرة و ذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس (عبرانيين 6: 4)
[محبة الله الآب ونعمة الابن الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح وشركة وعطية الروح القدس تكون مع جميعكم، امضوا بسلام، الرب معكم جميعاً] (الخولاجي المقدس) 

حوار بين القديس كيرلس الكبير وبين أحد الذين ينكرون لاهوت الروح القدس
ويقولون أن الروح القدس حال في النفس كمجرد فعل أو قوة أو نعمة خارجية

سنرمز لكلام القديس كيرلس الكبير بحرف ( ك)
ولمنكر لاهوت الروح القدس بحرف( ن)

(ك) [ألا نقول إن الإنسان على الأرض قد خُلق على صورة الله ؟]

(ن) بالتأكيد

(ك) [فالذي ينقل إلينا صورة الله ويطبعها فينا على غرار ختم، هذا الجمال الفائق على الأرض، أليس هو الروح ؟]

(ن) نعم ولكن ليس كإله. بل كواسطة فقط لنعمة الله.

(ك) [إذن فكأنك تقول ليس هو بنفسه، بل هي نعمة يطبعها فينا ؟]

(ن) هذا ما يظهر لي أنه حق

(ك) [إذن، فكان يجب أن الله يدعو الإنسان أنه خُلق على ” صورة النعمة “، بدلاً من دعوته أنه خُلق على ” صورة الله “. ولكن من حيث أنه ثَّبت في النفس نسمة الحياة التي نفخها فيه وهي الروح القدس، فقد كُتب أنه خلقه على صورة الله.

ولكن بعد أن فَقَدَ الإنسان قداسته، فحينما أراد أن يسترجعه إلى الجمال الأول القديم فعل ذلك ليس بشكل مختلف عن الشكل الذي خلقه به في الأول. فالمسيح، في الحقيقة، نفخ على الرسل القديسين الروح القدس حينما قال لهم: ” اقبلوا الروح القدس “. 

فإن كانت هي نعمة كما يقولون إنها معطاة من الروح القدس ومنفصلة عن جوهر الروح، فلماذا لم يقل الطوباوي موسى بوضوح وهو يصف كيف خلق الله الإنسان نفساً حية: إن خالق الكون نفخ ” نعمة ” بواسطة ” نسمة الحياة ” التي هي الروح القدس ؟ 

والمسيح لماذا لم يقل للرسل : أقبلوا النعمة بتوسط الروح القدس ؟ 

والآن، فالأول ( أي موسى ) قال: ” نفخ نسمة الحياة “. فطبيعة اللاهوت هي حياة حقيقية، فما دامت هي تُحيينا حقاً، فنحن بها نتحرك ونوجد؛ أما الثاني ( أي المخلّص ) فيقول فيما بعد: ” اقبلوا الروح القدس “، فإن نفس هذا الروح هو الذي يسكن بالحق ويدخل في نفوس المؤمنين، وبه وفيه يُغيرهم إلى الشكل الأول، أي فيه وعلى مثاله هو يجددنا بهذا الشكل إلى أصل الصورة لنعرف شخص الآب والابن. 

ولأن الشبه الكامل والطبيعي للابن هو الروح، فنحن إذ نتغير إلى شكل ذاك بواسطة التقديس، فإننا نُصاغ على مثال الشكل نفسه الذي لله. وهذا ما تُعلَّمه لنا كلمات الرسول: ” يا أولادي الذين أتمخض بكم إلى أن يتصور المسيح فيكم ” ( غلاطية 4: 19 ) 

إذن فقد تصور المسيح فيهم بالروح، وهو الذي بنفسه يسترجعنا إلى الله. ثم إذ نكون قد تصورنا بحسب المسيح، فإن المسيح يكون منقوشاً ومطبوعاً فينا بالروح، كمثل من هو مماثل طبيعياً للروح، فالروح هو الله، وهو الذي يجعلنا مماثلين لله، ليس بواسطة نعمة وسيطة ( كما يقول منكرو لاهوت الروح القدس الحال في النفس )؛ بل هو يعطي نفسه ( بنفسه ) للأبرار في شركة الطبيعة الإلهية] 

(ن) ليس عندي ما أردَّ به على ما قيل .

(ك) [لقد دُعينا لنكون، وها نحن بالفعل صائرون، هياكل لله ومؤلَّهين. لماذا إذن يتساءل المعارضون ويقولون إننا نشترك في نعمة غامضة ومجردة من الجوهر ؟ والأمر ليس هكذا.

لأننا نحن هياكل للروح الذي يوجد ويمكث فينا، وبسببه فنحن بالسوية دُعينا مؤلَّهين، من حيث أننا باتحادنا به، فنحن دخلنا في شركة مع اللاهوت ومع الطبيعة فائقة الوصف، وإن كان الروح الذي يؤلهنا θεοποιοûν بنفسه هو حقاً غريب ومنفصل من جهة لاهوت الطبيعة الإلهية، فإننا نكون قد خزينا رجائنا. 

فكيف يتسنى لنا والحال هكذا إذن أن نصير مؤلَّهين وهياكل لله، بحسب الكتاب المقدس، بالروح الذي فينا ؟ لأن ما تجرَّد من كونه الله كيف ينقل هذه الخاصية ( التألَّيه وهيكل الروح القدس ) للآخرين ؟ ولكننا نحن بحق هياكل ومؤلَّهين. والروح الإلهي ليس إذن من جوهر مختلف عن جوهر الله έτερούσιον πρός θέον] 

Dialogue VII sur la Trinité, P.G. 75, B-1088 B-1089 D
( ممكن الرجوع لكتاب دراسات في آباء الكنيسة ص 523 – 524 )

وطبعاً كلمة مؤلهين لا يُقصد بها أننا نصير آلهه متساويين طبيعياً معه الله فهذا مستحيل، بل نتغير لصورة الرب يسوع لنكون له مشابهين في القداسة والحق بصورة نسبية أي ندخل في النهاية للاتحاد بالله، وهذا يتم عملياً بطبع صورته فينا واتحادنا به في سر الإفخارستيا [لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين] (رومية 8: 29)، [ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة، نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح (القدس)] (2كورنثوس 3: 18)…

فالله لا يسكن في الأتقياء والقديسين، ولا وفي كل من يُرشم بالميرون ويقبل الروح القدس بطريقة مجازيةأو بمجرد نعمة كما في العهد القديم، لأنه لا يقدسنا مجازاً، ولا يعطينا شركة شكلية أو كمجرد تأمل وخيال فكري، لأن كل ما كتب في الإنجيل ليس مجرد كلمات بلا روح وحياة، أو هي فلسفة لإنشاء دين جديد ليشبع عقول البشر، بل هي على مستوى الخبرة وتذوق النعمة بالفعل والحق في سرّ خلاص الله في أعماق كياننا الإنساني، والقديس كيرلس الكبير أوضح أن الثالوث القدوس كله يعمل معاً على تقديس المؤمن المسيحي إذ يقول:
[إنه الروح الذي يوحدنا ويجعلنا متوافقين مع الله، ونواله يجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية، ويجعلنا ننال الابن، وبالابن ننال الآب]
Sur saint Jean, XVIII, 18, P.G 74, 545

[الروح هو الصورة الحقيقية لجوهر الابن الوحيد، وبحسب قول القديس بولس: ” الذين سبق فعرفهم ، فهؤلاء عيَّنهم أيضاً ليكونوا متشابهين في صورة ابنه “؛ هؤلاء هم النفوس التي يسكن فيها الروح، والروح يجعلهم مشابهين لصورة الآب، أي الابن. وهكذا بتوسط الابن أُعيدوا إلى الآب الذي الابن مولود منه ، وذلك بواسطة الروح]
Sur saint Jean, XVIII, 18, P.G 74, 541

فالله الثالوث القدوس، يعمل من أجل خلاصنا، والآب والابن يصنعان فينا مسكناً، والروح القدس هو الذي يحقق ويعلن حضور الآب والابن فينا:
[الروح القدس يعمل فينا بنفسه، إذ يقدسنا حقاً ويوحدنا بنفسه، وباتصاله واتحاده بنا يجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية]
Tresor,34, P.G. 75, 598
الروح القدس يسكن بنفسه وبشخصه أي بأقنومه في النفس، ويعمل فيها مباشرة بجوهره وليس من خلال وسيط أو قوة ένέργεια ( إنيرجيا )، إنه يعمل بحضوره الشخصي البسيط أي بذاته، وحضوره هذا يكفي لتجديد النفس، وبعمله في النفس يطهر الجسد أيضاً ويقول القديس كيرلس الكبير :
[بسبب أن نفسنا يجب أن تغتني بحضور الله، فلا يكفي أن يكون الذي نناله ” روحاً ” غريباً عن اللاهوت ومختلفاً عنه جوهرياً، إنه يجب أن يكون هو روحه الخاص]
Dialogue VII sur la trinite, P.G 75, 1093 A

[وهذه القوة المقدَّسة δύναμην άγιαστικήν التي تنبثق طبيعياً من الآب، والتي تكمَّل الناقصين، نحن نسميها ” الروح القدس “. ومن نافلة القول، أن نتخيل أن الخالق لابد أن يقدَّس عن طريق وسيط، ذلك لأن محبة الله للبشر لا تستنكف عن أن تنحني إلى أصغر نفس وأن تقدس بالروح القدس كل ما هو من عمله… وإن كان الروح القدس لا يعمل فينا بنفسه ούκ αύτουργει وإن لم يكن هو بالطبيعة ما ندركه، وإن لم يكن ما نناله هو نفسه النعمة التي يرسلها لنا، فواضح أن نعمة الروح القدس تُرسَل لنا بواسطة شيء مخلوق، وهذا ليس حقاً .
لأنه إن كان بموسى أو بالملائكة كان الناموس، ولكن بمخلصنا كانت النعمة والحق. لذلك فالروح القدس بنفسه، يعمل فينا، وهو يقدسنا بالحقيقة، ويوحدنا به بالاتصال به، ويجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية]
Tresore, ass. 33, P.G. 75, 579 A-C

ويقول في منتهى الوضوح :
[نحن نصير شركاء الطبيعة الإلهية. ولهذا فنحن – كما يقال – مولودون من الله وقد دُعينا ” مؤلَّهين “. وليس فقط بالنعمة ού χάριτι μόνον أننا ارتقينا إلى هذه النعمة الفائقة للطبيعة، فنحن نقتني الله ساكناً وماكثاً فينا.. نحن هياكل الله، وذلك بحسب ما قال القديس بولس، وذلك لأن المسيح يسكن فينا]
Sur saint Jean, I, 13, P.G. 73, 157 B
ويقول أيضاً :
[لقد كان في الآباء استنارة غنية جداً بالروح القدس، جعلتهم قادرين على التنبؤ بالمستقبل ومعرفة الخفيات. ولكن في المؤمنين بالمسيح ليس فقط توجد الاستنارة بالروح القدس، بل هو الروح القدس بذاته – الذي نحن لا نخاف من أن نؤكد على أنه يسكن ويمكث فينا.]
Sur saint Jean, VII, 39, P.G. 73,737, A-B
( ممكن الرجوع لكتاب دراسات في آباء الكنيسة من صفحة 517 – 522 )

ويقول القديس كيرلس الكبير : [قد كان في الأنبياء القديسين استنارة شديدة وغنية من الروح تُعلمهم كشف المستقبل ومعرفة الخفيات. أما الذين يؤمنون بالمسيح فلا تسكن فيهم فقط استنارة سخية من الروح، بل نؤكد بثقة أن الروح نفسه هو الذي يحل ويسكن فيهم] ( MAHE, op. cit p.g. 73, 757 AB )

إذن الروح القدس لا يحل فينا طبيعياً أي حسب الطبيعة، ولا يتحد بنا اتحاد أقنومي، بل يسكن فينا ويحل بشخصه أي باقنومه ليُدخلنا إلى داخل الله ويعطينا يمين الشركة، وهي هبة وعطية بسبب تجسد الكلمة …

فلنا أن نفرح ونبتهج جداً لأننا آنية الله الخاصة وهياكل لحلول الله ولنا شركة معه بالحب بسبب سكنى الروح القدس فينا … ولنا أن نحفظ هيكلنا من كل دنس ونخصصه لله الحي بكل حريتنا وإرادتنا ولا نحزن روح الله الذي به نلنا نصيباً وميراثاً مع جميع القديسين وصار لنا دالة البنين عند الله حتى أننا نصرخ بالحب قائلين: ” أبانا الذي في السماوات ” …

يقول القديس كيرلس الكبير:
[إن كان الروح يستطيع أن يؤلّه وأن يهب المخلوقات رتبة أسمى من الخليقة فهو أسمى من حيث الطبيعة والكرامة، فإذا كان يستطيع أن يؤلّه النفس، فكيف يمكن أن يكون مخلوقاً وليس إلهاً، طالما أنه يؤلّه ؟
إن كنا نؤمن بأن الله قد أتى إلينا، بواسطة سكنى الروح القدس داخلنا، فكيف يُمكن أن يكون ( الروح القدس ) مخلوقاً ؟ لأنه غير الممكن أن يُقيم الله داخلنا بواسطة مخلوق، إذ أن الله يسمو على الكون ( المخلوق ). لأنه كما أنه بسكنى الله داخلنا، نُصبح شركاء الطبيعة الإلهية، وليس شركاء الطبيعة المخلوقة، هكذا فإذا سكن داخلنا مخلوق، فلن نكون بعد شركاء الطبيعة الإلهية، بل شركاء الطبيعة المخلوقة. إذاً فالروح هو إله، طالما أن الله يسكن فينا بالحقيقة من خلاله.]
( تمت الترجمة عن النص اليوناني المنشور في مجموعة آباء الكنيسة الذين كتبوا باليونانية ( eiie ) الصادرةفي تسالونيكي 1973 المجلد رقم 9 والذي يحمل عنوان ” عن الثالوث القدوس المساوي، وتأنس الابن الوحيد ” صفحة 431 – 469، وقد قام بالترجمة إلى العربية الدكتور سعيد حكيم وراجعها الدكتور نصحي عبد الشهيد وصدرت في مايو 2007، والناشر مؤسسة القديس أنطونيوس – المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ( نصوص آبائية 114)

[وأنا اطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم] (يوحنا 14: 16 – 17)

يقول الأب صفرونيوس:

[وغايةُ الصلاة، يعملها الرُّوح القدس؛ لأننا لا يمكن أنْ نكون مثل الله بقدراتنا، بل بقوة وعطية الرُّوح القدس الذي يسكن فينا؛ لكي يحوِّلنا إلى صورة الله. ولكي ننال عطية الحياة الجديدة التي صوَّرها ربنا يسوع المسيح في تجسُّده وصلبه وقيامته، فقد أعاد ربنا خلق الإنسانيةَ مِن جديد بتجسُّده مِن القديسة مريم والدة الإله عندما نقل الإنسانيةَ مِن العدم الذي خُلِقَتْ منه إلى عطية الحياة بالرُّوح القدس، رب الحياة وواهب كل العطايا. ومَن يُصلِّي ينتقل مِن الطبيعة الآدمية القديمة الساقطة التي خُلِقَتْ من لا شيء، إلى الطبيعة الإنسانية الجديدة التي كوَّنها ربنا يسوع المسيح عندما تجسَّد من العذراء، وصار بذلك آدم الثاني، رأس الخليقة الجديدة التي نُقِلَتْ من العدم إلى الحياة عديمة الموت، باتحاد لاهوته بالناسوت الآدمي الذي أخذه مِن العذراء، فنَقَل بذلك أصلنا مِن هاوية العدم إلى الأساس الراسخ والثابت، أي إلى أُقنومه الذي قال: “أنا هو الحياة”.] (عن حياة الصلاة الأرثوذكسية للمبتدئين – من رسائل الأب صفرونيوس)

ويقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون 12 :

[وبالإضافة إلى ذلك فإنه يقال عنا إننا : ” شركاء الله “، لأنه يقول : ” أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم ؟ إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لأن هيكل الله مقدس الذي أنتم هوَّ ” ( 1كو 3: 16و17 ).
فلو كان الروح القدس مخلوقاً، لما كان لنا اشتراك في الله بواستطه. فإن كنا قد اتحدنا بمخلوق فإننا نكون غرباء عن الطبيعة الإلهية حيث أننا لم نشترك فيها. أمّا الآن فلكوننا نُدعى شركاء المسيح وشركاء الله، فهذا يوضَّح أن المسحة والختم الذي فينا، ليس من طبيعة المخلوقات بل من طبيعة الابن، الذي يوحّدنا بالآب بواسطة الروح الذي فيه, هذا ما علمنا إياه يوحنا – كما قيل سابقاً – عندما كتب : ” بهذا نعرف أننا نثبت في الله وهو فينا أنه قد أعطانا من روحه ” ( 1يو 4: 13 ) .
ولكن إن كنا بالاشتراك في الروح نصير ” شركاء الطبيعة الإلهية ” ( 2بط 1: 4 )، فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح ( القدس ) من طبيعة المخلوقات وليس من طبيعة الله. وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه، يتألهون. وأن كان هو يؤلّه البشر، فلا ينبغي أن يُشَّك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية]

ويقول ايضاً القديس اثناسيوس الرسولي : [الله حال فينا، بسكنى الروح القدس] ( ضد الأريوسيين 3: 24 )

وأما عن المواهب التي تُمنح ، فالقديس أثناسيوس يؤكد أنها من الروح القدس الساكن فينا، لأن بالطبع لايمكن أن يعطي الروح القدس موهبة ويرحل مثل العهد القديم حينما كان يحل حلول مؤقط لغرض ما ثم لا يسكن في الإنسان لأن المسيح – له المجد – لم يكن أتى بعد ليؤهل الإنسان لسكنى الروح القدس بشخصه الذي حل على الكنيسة يوم الخمسين، ولازال يحلّ ويسكن في كل من ينال المسحة المقدسة في سرّ الميرون، وأن قلنا أن الروح القدس لا يسكن فينا بشخصه المحيي أنكرنا سر التثبيت التي نناله بعد المعودية، وأصبحنا ننكر عمل الله كله بل نرفضه فينا منكرين سرّ تجسد الكلمة …

ويقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون 30 :

[فالمواهب التي يقسمها الروح لكل واحد تُمنح من الآب بالكلمة، لأن كل ما هو من الآب هو من الابن أيضاً. وإذن فتلك الأشياء التي تُعطى من الابن في الروح ( القدس ) هي مواهب الآب.
وحينما يكون الروح ( القدس ) فينا، فالكلمة الذي يعطي الروح يكون ايضاً فينا، والآب موجود في الكلمة, وهكذا يكون كما قال: ” سنأتي أنا والآب ونصنع عنده منزلاً ” ( يو14: 23 ). لأنه حيث يكون النور فهناك الشعاع أيضاً. وحيث يكون الشعاع فهناك أيضاً فاعليته ونعمته المضيئة .
وهذا هو ما علَّم به الرسول أيضاً حينما كتب إلى الكورنثوسيين في الرسالة الثانية قائلاً: ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم ” ( 2كو 13: 13 ). لأن هذه النعمة والهبة تُعطى في الثالوث من الآب والابن في الروح القدس، وكما أن النعمة المعطاه هي من الآب والابن، هكذا فإنه لا يكون لنا شركة في العطية إلا في الروح القدس. لأننا حينما نشترك فيه تكون لنا محبة الآب ونعمة وشركة الروح نفسه]
ترجمت هذه الرسالة من اللغة اليونانية من مجموعة ميني m.g مجلد 26 ، والمنشورة أيضاً باليونانية القديمة والحديثة في سلسلة ” آباء الكنيسة اليونانية ” منشورات غيرغوريوس بالاماس – تسلونيكي – اليونان – أعمال القديس اثناسيوس مجلد 4 سنة 1975. وقد ترجمها وقارن بين الترجمات وأعد المقدمة والملاحظات الدكتور موريس تاوضروس – والدكتور نصحي عبد الشهيد ، والناشر مؤسسة القديس أنطونيوس – المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ( نصوص آبائية 95 ) 

[كما أن نفخة الله قد حَلَّت في الجُبلة الأولى، هكذا استؤمنت الكنيسة على عطية الله (أي الروح القدس)، حتى باشتراك جميع الأعضاء فيه، ينالون منه الحياة، وفي الكنيسة اذُّخرت الشركة مع المسيح، التي هي الروح القدس عينه، عربون عدم الفساد وثبات إيماننا، والسلم الصاعد إلى الله… لأنه حيث تكون الكنيسة، يكون روح الله، وحيث يكون روح الله، تكون الكنيسة وكل موهبة. والروح هو حق، ولذلك فالذين لا يشتركون فيه لا يرضعون ثدي أمهم (الكنيسة) لينالوا الحياة، ولا يرتشفون من الينبوع الصافي الذي ينبع من جسد المسيح] (القديس إيرينيئوس – ضد الهرطقات 3: 24: 1)

[بدون روح الله يكون الجسد ميتاً، عادم الحياة، وعاجزاً عن أن يرث ملكوت الله… ولكن حيث يكون روح الآب، هناك يكون الإنسان حياً… ويصير الجسد ميراثاً للروح وكأنه قد نسى كيانه الخاص، واكتسب صفات الروح، وتشبَّه بشكل كلمة الله … لذلك قيل: كما أننا بدون الروح السماوي، كنا نسلك فيما مضى في الجسد العتيق، وكنا غير طائعين لله؛ هكذا الآن بعد ان قبلنا الروح “فلنسلك في جدَّة الحياة” (رومية6: 4)، ولنكن مُطيعين لله. إذن، فنحن بدون روح الله، لا نستطيع أن نخلُص] (القديس إيرينيئوس ضد الهرطقات 5: 9: 3)

[إن الروح القدس لم يحل هُنا (يتكلم عن يوم الخمسين وحلول الروح القدس على التلاميذ حسب وعد الآب) كمجرد قوة كما كان فيما سبق، وإنما يُمكن أن يُقال إنه بجوهره صار يُشاركنا ويُعايشنا. فقد كان لائقاً بعد أن عاش الابن في وسطنا جسدياً، أن يظهر لنا الروح أيضاً في هيئة جسمية… وقد جاء في هيئة ألسنة بسبب اتصاله بالكلمة (اللوغوس)، وهذه الألسنة كانت نارية بسبب قدرته على التطهير… أو بسبب جوهره الناري، لأن “إلهنا نار آكلة” (عبرانيين 12: 29)، تأكل التواني… والألسنة كانت “منقسمة” بسبب تنوع المواهب، وكانت “جالسة (مستقرة، والكلمة في اليوناني ἐκάθιεν = جلست للاستقرار) على كل واحد” (أعمال 2: 3)، إشارة إلى أن الروح يملك ويستريح في قديسيه (إشعياء 57: 15 LXX). وقد حدث ذلك في “عُلية” (أعمال 1: 13)، إشارة إلى العتيدين أن يقبلوه يجب عليهم أن يرتفعوا ويتساموا عن الأرضيات، وهكذا يسوع أيضاً في عُلية قد منح شركة أسراره للذين تكمَّلوا بالخيرات الفائقة] (عظة عن يوم الخمسين للقديس غريغوريوس النزينزي الناطق بالإلهيات الثيئولوغوس 41: 11و 12)

[لماذا يدعو الرب نعمة الروح القدس ماء؟ (يوحنا 4: 14، 7: 38و 39)، ذلك لأن قوام كل شيء بالماء، ولأن الماء يُنشئ الخُضرة ويُحيي الكائنات الحية، ولأن الماء ينزل من السماء، ولأن الماء ينزل واحداً في شكله ولكنه يتنوع في مفعوله، فإن ينبوعاً واحداً يسقي الفردوس كله (تكوين 2: 10)، والمطر الواحد بعينه ينزل على العالم كله، فيصير أبيض في السوسنة وأحمر في الوردة، وأرجوانياً في الزنبقة والبنفسج، ويتنوع في النخلة غير ما يكون في الكرمة، وهو يصير في الكل كل شيء، مع بقائه واحداً في طبعه، دون أن يختلف بعضه عن بعضه. فإن المطر لا يُغير ذاته وينزل بصورٍ مختلفة عن بعضها، ولكنه يتكيف مع طبيعة الكائنات التي تقبله، فيصير لكل واحدة منها بما يُناسب تكوينها. وهكذا الروح القدس أيضاً، وهو واحد بطبعه وغير منقسم، لكنه يُقسَّم النعمة على كل واحد كما يشاء (1كورنثوس 12: 11)] (وحدة الروح القدس وتنوع مواهبه للقديس كيرلس الأورشليمي عظة 16: 12)

هل الروح القدس يحل فينا كمواهب ومجرد قوة أم بشخصه وبنفسه وبذاته يسكننا؟

كيف اعرف مدى قوة إيماني وهل هو ضعيف أم قوي!

كيف اعرف مدى قوة إيماني وهل هو ضعيف أم قوي!

كيف اعرف مدى قوة إيماني وهل هو ضعيف أم قوي!

 

 

  • س: كيف لي أن أعرف وأُميز قوة إيماني؛ وهل هو ضعيف أم قوي وعلى مستوى الإنجيل وعمل الله !!!



جـ : معرفة عمق الإيمان وأصالته لا تقاس إلا بالمحن وقوة الآلام، فبقدر ثبوت الإنسان وتقبله للألم والمرض والمحن وفقدان من يحب في حالة ثقة حقيقية وشديدة في الله المحب، يظهر أصالة الإيمان وقوته، كما كان إبراهيم الذي أطاع الله حينما طلب منه وحيده أن يقدمه ذبيحة فكانت ثقته في الله شديدة حتى انه بكر باكراً جداً بنشاط شديد وبدون أن يتلكأ ليقدم ابنه وحيده الذي قَبِلَ فيه المواعيد بلا تردد كذبيحة لله حسب أمره…


ولقوة الإيمان مراحل لإظهاره، فيبدأ الإيمان أولاً بالثقة في الله أنه قادر أن يغفر الخطية مهما كانت فنُقبل إليه بثقة لا في أنفسنا أو جهادنا الشخصي أو في أعمالنا الشخصية، بل في نعمته هوَّ عالمين إننا مقبولين عنده وأن مهما كانت خطايانا فهو لن يخرجنا خارجاً حسب وعده (شرط أن نتخلى عنها ونُقدم توبه صادقة)

فلا مجال لليأس لإنسان يؤمن بالله إيمان حي حقيقي، لأن اليأس يأتي للإنسان الذي ثقته في الله مهزوزة غير ثابته، لأنه قد يكون انفعل بعظة أو كلمة أو آية وظن أنه آمن بشخص الله الكلمة ويحيا معه، لكن يفضح هذا الزيف اليأس الذي يتمكله، فيظن أنه لا يستحق أن يحيا مع الله أو أن الله بغير قادر على تطهيره وتغيير قلبه، أو أنه يزهق من الحياة.. الخ

فكل هذا يكشف عورة القلب وأن إيمانه لم يكن الإيمان الحي بل الشكلي الزائف.

ثم تنمو النفس في الإيمان والثقة في الله فتقبل كل الآلام والأمراض والأتعاب والضيقات، ثم يتقوى الإيمان ويكلل بمزيد من النعمة. 

  • فكلما يتقبل الإنسان كل المحن والضيقات والمشقات التي تأتي عليه بصبر، مستودعاً حاله بين يدي القدير برؤية إيمان حي، فأنه يتقدم بالإيمان لمرحلة أعلى، وبذلك ينمو في الإيمان فلا يكون عنده مجرد قبول بل قبول بشكر، وهكذا ينمو إلى أن يصل لقبول الألم والضيق بفرح، ثم بفرح عظيم، إلى أن يصل لموت كامل عن حياة الجسد والأرض ويضع قدمه على قمة العالم ويحس في نفسه أنه لا يريد شيئاً أو يشتهي شيئاً، غير انه يخسر كل الأشياء ويعتبرها نفاية وخسارة من أجل فضل معرفة شخص ربنا يسوع وأن يربحه ويوجد فيه، وتتحقق فيه الآية بمعجزة عظيمة بروح الله القدوس :[ مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ ]
  • وتصير شهوة معرفته على المستوى العملي والقبول التام: [ لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته ]

 

كيف اعرف مدى قوة إيماني وهل هو ضعيف أم قوي!

قوة اللغة والتعرف على لغة السماء – سر عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار

قوة اللغة والتعرف على لغة السماء – سر عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار

قوة اللغة والتعرف على لغة السماء – سر عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار

 

لا يستطع إنسان أن يفهم مخارج كلمات وألفاظ لغة غريبة عنه، بل دائماً ما يفهم اللغة التي ينطق بها وتعلمها منذ الصغر أو درسها ومارس النطق بها لأنها لغته الخاصة والتي يتحدث بها داخل المجتمع الذي يعيش فيه، فلا يستطيع الإنسان أن يفهم لغة من هو غريب عنه، وبالتالي لا يقدر أن يتفاهم معه أو يفهم قصده: [ فأن كنت لا أعرف (أجهل) قوة اللغة (إذا جهلت معنى الألفاظ – لا أعرف معنى اللغة) [ I don’t know the meaning of the language ] أكون عند المتكلم أعجمياً (أجنبي – غريب لا أعرف) والمتكلم أعجمياً عندي (لا يستطيع أن يفهمني) ] (1كورنثوس 14: 11)



فالتواصل مع الآخر وإنشاء علاقة مودة وصداقة لا يتم إلا بمعرفة وإتقان اللغة التي يتكلم بها، الأمر الذي بدونه يكون الإنسان غريباً عن الآخر، لا يستطع أن يتفاهم معه أو يُقيم حوار، وهكذا بالنسبة لعلاقتنا بالله القدوس الحي، فلكي يكون لنا القدرة على إنشاء علاقة حية مع الله لابد لنا أن نفهم ونستوعب اللغة التي يكلمنا بها !!!



فلو نلاحظ أن أحياناً كثيرة لا يستطيع البعض أن يفهم كلمة الله ويستوعب أسرارها ويستشعر قوتها في حياته الشخصية على المستوى العملي كخبرة وحياة، فقد يفحصها ويفهمها على المستوى العقلي وترتيب الكلام والمعاني القاموسية في أساسيات اللغة، ولكنه لا يستطع أن يدخل لسرها المجيد وتُحفر في قلبه بأزميل الله الخاص ليتشكل حسب صورة الله فيحيا بها، وبها يتعلم أصول الكلام مع الله ليُقيم حوار خاص بإيمان حي رائي الله ناطق بالمحبة في سر التقوى !!!


فحينما يأتي أحد لكلمة الله بهذه الحال المنعدم من انفتاح الذهن على النور الإلهي وعدم الإحساس بقوة فاعليتها في حياته إذ تعمل فيه وتشكله على صورة خالقه في القداسة والحق، تكون النتيجة الطبيعية [ فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما ] (لوقا 2: 50)

يا أحبائي أن كلمة الله لها طبعها الخاص، فطبعها سماوي وليس أرضي، وليس أيضاً فكري بشري قابل للفحص العقلي وفلسفة الإنسان، لأن اللغة الأرضية ميتة ليس فيها حياة لأنها وليدة العقل وليست هي الشخص أي ليست شخصية فيها حياة، أما اللغة السماوية تنبض بحياة الله، لأن كلمة الله كلمة حياة، لأن الكلمة هو الله، والله ليس كلمة منطوقة مثل كلمة البشر كما يظن البعض، وليس هو العقل أو الفكر، بل هو شخص الله القدوس الحي، فحينما يتكلم الله: “ينطق بشخصه”، لأن كلمة الله هي شخص الكلمة المتجسد، الذي حينما يفتح فاه ليُعلم يسكب حياته بتعليمه في قلب من يصغي ويسمع ليعمل ويُطيع سلطان كلمة الحياة الخارجة منه !!!

فكلمة الله حينما تخرج من الله تُحْفَر في القلب بالروح الناري وتشع حياة وتعمل وتنجح فتُثمر لحساب مجد الله وتُغير الإنسان وتشع فيه نور وتملئه من حياة الله [ هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل ما سررت به و تنجح فيما أرسلتها له ] (إشعياء 55: 11)

  • طبيعة كلمة الله:

أولاً يا إخوتي لا ينبغي أن يظن أحد أن كلمة الله يُنطق بها للعلم والمعرفة، وتُعطى فكراً لفكر، أو أن تُفحص على المستوى القاموسي والدراسي والمقارنات كما نفعل في باقي العلوم والدراسات، فأننا نُريد اليوم أن نتعرف على طبيعة كلمة الله وقوتها كما عاشها الرسل وسلموها لنا كما هي في عمق جوهرها الإلهي، فلنركز في هذه الآيات التي ينبغي أن نستوعبها على مستوى القلب وسماع صوت الله الحي وليس على مستوى البحث والفحص العقلي المنطقي، لأن كل ما هو خاضع للعقل البشري وفلسفته ومنطقه ينبع من الفساد، لأن الإنسان الذي اختبر السقوط قد فسد ولا يستطيع إطلاقاً من نفسه أن يرتقي لمستوى كلمة الله أن لم ينال الاستنارة الإلهية:

+ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله (يوحنا 1: 1)
+ الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة (يوحنا 6: 63)
+ أن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضاً وبالروح القدس وبيقين شديد (1تسالونيكي 1: 5)
+ وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح و القوة(1كورنثوس 2: 4)

كلمة الله طبيعتها أزلية، فهي شخص المسيح الرب متكلماً عبر الدهور [ أنا هوَّ ]: [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه ] (عبرانيين 1: 1و 2)، فقد كلمنا الله في المسيح [ بكل حكمة وفطنة، إذ عرفنا بسرّ مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه لتدبير ملء الأزمنة، ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض ] (أفسس 1: 8 – 10)



كلمة الله تحمل حضرة إلهية ويستحيل فصلها عن الله، لأن كلمة الله لا تنفصل عنه قط لأنها تُعبِّر عن شخصه وتشع حياته وتعلن سر مشيئته، فهي كلما استُعلنت للإنسان فذلك يُعتبر نزول شخصي لله محب البشر، وهو نزول مصحوب بعلامات ملموسة في داخل القلب بحركة توبة عميقة وإحساس بمجد الله الخاص مع شعور ناري بقوة الله: [ لأن إلهنا نار آكلة ] (عبرانيين 12: 29)

استعلان كلمة الله للإنسان هو في الواقع معجزة عظيمة جداً، وهو تنازل مدهش لله الأزلي الأبدي للإنسان المحدود الزمني، وهذا بالطبع إذا كنا نستطيع أن نكتشف طبيعة الكلمة وقوتها ونستشعرهاكحضرة الله في ملء قوته !!!

فكلمة الله المرسلة للإنسان لها سلطان، ولنا أن نعود للآية التي بدءنا بها الموضوع والتي قال فيها الرسول [ فإن كنت لا أعرف قوة اللغة ]، فكلمة قوة مترجمة عن اليونانية δύναμις والتي دخلت للعربية بمعنى (ديناميت)، وتدل بشكل عام على القوة والقدرة أو الشدة والسلطان، ولكنها تدل بوجه خاص – في العبرية – على القوة الحربية والجيش، ونجد أن بولس الرسول قال عن كلمة الله [ وسيف الروح الذي هو كلمة الله ] (أفسس 6: 17)، وعملها في الإنسان الذي يؤمن بها: [ لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته ] (عبرانيين 4: 12)

وهي بذلك على هذا المستوى الفائق تُنقي القلب [ أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به ] (يوحنا 15: 3)، بهدف [ طوبى للأنقياء القلب لأنهم يُعاينون الله ] (متى 5: 8)، بمعنى أن كلمة الله تنقي القلب لنستطيع معاينة مجد الله الحي ورؤية نوره العظيم [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6).

  • سر عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار صحيحة مع الله:

مبدئياً لابد أن نعرف أن عدم قدرتنا على إنشاء علاقة صحيحة وإقامة حوار مع الله هو عدم قدرتنا على استيعاب وفهم طبيعة اللغة الإلهية، أي أننا لا نُقيم علاقة مع الله على مستوى النطق بلغته الخاصة أي النطق بكلمة الله، وسر عدم فهمنا طبيعة اللغة السماوية أي الكلمة قد وضحه الرب بنفسه قائلاً: [ لماذا لا تفهمونكلامي، لأنكم لا تقدرون أن تسعوا قولي ] (يوحنا 8: 43) 

إذن المشكلة في عدم سماع أقوال الله 

لذلك لا يقدر الإنسان أن يحيا بحياة الله فيضعف إيمانه ويخاف الدينونة وتصيبه الكآبة حينما يرى أو يسمع عن موت أحد الأحباء وقد يصل للإحباط الشديد، والبعض يجدف على الله بل وقد يصل للإلحاد وعدم وجود إله على وجه الإطلاق، أو ربما ييأس لدرجة الانتحار، مع أن لو سمع قول الرب سيفهم كلامه ويدخل فوراً في سرّ الحياة الأبدية على المستوى العملي [ من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة ] (يوحنا 5: 24)، [ الكلام الذي أكلمكم به هو روح و حياة ] (يوحنا 6: 63)

طبعاً سماع كلمة الله في الآية لا يُقصد به سماع الأذن الخارجية أو مجرد قراءة عادية لحفظ الكلمة ودراستها وفحصها التاريخي والموسوعي ولو حتى كان بإتقان وبراعة تامة، بل يقصد بهذه اللفظة (يسمع) في الآية ليس المعنى العادي الذي يُقال في حديث عادي لمجرد الاستماع، بل تشير هذه اللفظة أولاً إلى حاسة الإدراك من خلال الأذن البشرية لسماع خبر، والخبر ليس بخبر عادي، بل خبر هام جداً يحتاج لانتباه شديد ومن نوع خاص. ولكن فوراً وبمجرد الحصول على هذا الخبر العظيم في القلب يحدث فهم..

وهذا الفهم يتطلب الإنصات والإصغاء والتمعن في الخبر الذي ينتظر الإيمان والتصديق العميق بثقة في المتكلم لأنه ليس بإنسان حتى يُشكك في كلامه: [ فناداه ملاك الرب من السماء وقال إبراهيم إبراهيم فقال هَاَّنَذَا ] (تكوين 22: 11)


وعادة السمع يتطلب معرفة وفهم للغة المنطوق بها الخبر، حتى يستوعب الإنسان الخبر ويفهمه ويقبله [ هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هُناك على وجه كل الأرض ] (تكوين 11: 7و8)، فلا يقدر أن يقبل إنسان خبر بلغة لا يفهمها أو يتعرف عليها، ومن هنا حملت اللفظة اليوناني (يسمع)، بل والمعنى العبري أيضاً معنى الفهم والإدراك للطاعة

وللسمع مغزى أكبر بكثير جداً في الإعلان الكتابي عما له في أي مكان آخر أو في الفكر العلمي أو الأدبي،لأن الله يتقابل مع الإنسان في لقاء حي وشخصي من خلال كلمته، والذي يحدث فيها رؤية على مستوى الإيمان الحي، الذي يجعل الإنسان فور سماعه لكلمة الله يقدم الطاعة: [ اسمعوا كلمة الرب يا بيت يعقوب وكل عشائر بيت إسرائيل ] (إرميا 2: 4) [ بالإيمان إبراهيم لما دُعيَ أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدا أن يأخذه ميراثا فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي ] (عبرانيين 11: 8)



فاسمع يا إسرائيل واحترز لتعمللكي يكون لك خير وتكثر جداً كما كلمك الرب إله آبائك … ] (تثنية 6: 3)



وهذه هي طبيعة السماع الذي بالإيمان: [ الحق الحق أقول لكم انه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ] (يوحنا 5: 25)، وهذا هو الذي حدث حينما سمع لعازر صوت ابن الله الحي وهو ميت ومكث في قبره 3 أيام وقد أنتن، فقام فوراً حينما نداه الرب يسوع [ لعازر هلم خارجاً ] (يوحنا 11: 43)، وهذه طبيعة كلمة الله تُقيم النفس وتُقدس الإنسان…

فيا إخوتي أرجوكم لا أنا بل دعوة الله ونداءه، أن تطرحوا عنكم فلسفة الفكر الإنساني المُقنع، ولا تدخلوا كلمة الله لأجل مقارنة أديان، ولا من أجل الفحص المنطقي العقلي، ولا لأجل الدفاع عنها أو عن الحق الكتابي، ولا تنطقوا بها لأجل الرد على شبهات وهمية لتدافعوا عنها، بل من أجل حياتكم الشخصية أولاً، لأجل أن تسري فيكم حياة الله نفسها، من أجل أن تحملوا قوتها فيكم، وبهذه القوة تكرزون وتتكلمون، وليس بسواها مهما ما كانت لديكم القدرة على الفهم والإدراك العقلي وقدرة إقناع الآخرين، لأن كلمة الله لا تقبل الفحص على المستوى الإنساني بل على المستوى الإلهي باستنارة الذهن بإشراق النور الإلهي…


إذن يا أحبائي لابد من أن نتعرف على كلمة الله لا بصفتنا أننا مثل باقي الناس، بل بصفة أننا أولاد الله في المسيح مختومين بختم الروح، لذلك نصلي للروح القدس الرب المُحيي أن يمس قلوبنا ويفتحها باسم الرب يسوع لنتقبل سر الكلمة فينا فتُغرس في قلبنا فتسري حياة الله في داخلنا، وتُحفر في قلوبنا بنار الله فننطق بها وتصبح لغتنا الخاصة التي بها نتحاور مع الله، لأن الله لا يسمع إلا لغة السماء، لغة الأولاد الذي يأن فيهم الروح ويذكرهم بكلام الرب لينطقوا به ويصلوا به ويكون حياتهم

وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء وُيذكركم بكل ما قلته لكم ] (يوحنا 14: 26)

وإذ كان لي الكثير لأكتبه، ولكن لأنه مكتوب أعطِ الحكيم فرصة فيزداد، لذلك أترك لكم الفرصة لتفحصوا الكلمات بالروح ويتحسس كل واحد موضعه فيها، تاركاً المجال لروح الله أن يعمل ليوصل سرّ الكلمة بفهم لكل قلب يطلب الله بإخلاص وإيمان ومحبة، ولتسكن فيكم كلمة المسيح الرب بغنى حسب مسرة مشيئته، النعمة معكم آمين

قوة اللغة والتعرف على لغة السماء – سر عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء الرابع – تابع ثانياً: كلمة الله قوة فعالة.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
تابع المقدمة، تابع 1- العهد القديم: تابع [ثانياًاعتبارات مختلفة للكلمة
الاعتبار الثاني : (2) كلمة الله قوة فعالة وفاعلة
للرجوع للجزء الثالث أضغط هنا.

كما رأينا وقلنا سابقاً، أننا عادةً حينما نقترب من كلمة الله بإخلاص خاضعين لها، نرى أن لها اعتبارين غير منفصلين عن بعضهما ولكنهما متميزين : تكشف ؛ تعمل [ أي تكشف كنور، وتعمل كقوة فعالة ]، وقد رأينا الاعتبار الأول وشرحناه في الجزء السابق وهو [ كلمة الله نور كاشف ]، والآن نتكلم عن الاعتبار الثاني للكلمة:
  • الاعتبار الثاني (2) كلمة الله قوة فعالة وفاعلة
كلمة الله لا تتساوى إطلاقاً مع كلمة البشر، فكلمة الإنسان والبشر عموماً لا تكون فاعله في لحظة نُطقها، ولا حتى تكون فعاله في المستقبل إلا إذا حاول الإنسان جاهداً أن يُتممها بالجهد والتعب والأفعال التي تجعلها على مستوى التطبيق وتكون في النهاية لها حدود وحيز تعمل فيه وتنتهي بإتمام الغاية التي من أجلها نُطقت، أما كلمة الله فهي ليست مجرد كلمات نظرية فكرية يُدركها العقل أو توجَّه للبشر فحسب، لأن كلمة الله ليست مقال سياسي ولا كتاب مطروح للفكر والرأي، إنما هي في أصلها وجوهرها، قوة ديناميكية متحركة فاعله، تُحقق دائماً إرادة الله ومشيئته، أي تظهر في صورة إنجازات إلهيه تتم في التاريخ على مستوى الواقع المُعاش، أي أنها لا تسقط قط بل تكون قائمة كفعل وعمل:
  • [ لم تسقُط كلمة من جميع الكلام الصالح الذي كلم به الرب بيت إسرائيل بل الكل صار ] (يشوع 21: 45)
  • [ وها أنا اليوم ذاهب في طريق الأرض كلها. وتعلمون بكل قلوبكم وكل أنفسكم أنهُ لم تسقُط كلمة واحدة ] (يشوع 23: 14)
  • [ مبارك الرب الذي أعطى راحة لشعبه إسرائيل حسب كل ما تكلم به ولم تسقُط كلمة واحدة من كلامه الصالح الذي تكلم به عن يد موسى عبده ] (1مكاببين 8: 56)
  • وهذه الكلمة التي لا تسقط بل تعمل وتنجح وتُتمم كل مقاصد الله يرسلها الله كرسول حي فاعل وعامل: [ أرسل الرب قولاً… ] (أشعياء 9: 8)؛ [ أرسل كلمته فشفاهم ونجاهم من تهلكاتهم ] (مزمور 107: 20)
  • وهي أيضاً تُدين وتُشفي: [ ولكن كلامي وفرائضي التي أوصيت بها عبيدي الأنبياء، أفلم تُدْرِكْ آبائكم. فرجعوا وقالوا كما قصد رب الجنود أن يصنع بنا كطرقنا وكأعمالنا كذلك فعل بنا ] ( زكريا 1: 6)
  • والله يسهر عليها ليُجريها ويتممها بكل دقة: [ فقال الرب لي: أحسنت الرؤية لأني أنا ساهر على كلمتي لأُجريها ] (إرميا 1: 12)
فكلمة الله تُحقق دائماً ما تُبشر به، لأنها نُطق الله الفاعل أو الفعال، لأنها تتحقق واقعياً سواء كان الأمر يتعلق بأحداث تاريخية أو حقائق كونية، أو بالهدف النهائي لقصد الخلاص:
  • [ ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم. هل يقول ولا يفعل، أو يتكلم ولا يفي ] (عدد 23: 19)
  • [ لأنه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان إلى هُناك بل يرويان الأرض ويجعلانها تلد وتنبُت وتُعطي زرعاً للزارع وخُبزاً للآكل، هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل ما سُررت به وتنجح في ما أرسلتها لهُ ] (إشعياء 55: 10 – 11).
(أ) عموماً لم يكن هذا المفهوم الديناميكي للكلمة مجهولاً في الشرق القديم الذي كان يُعطيها قوة شبه سحرية، وهذا يخص العبادات الوثنية الغريبة عن الحق الإلهي المُعلن، وهذا المفهوم كان يختلف بالطبع عن العهد القديم الذي وضح ما معنى كلمة الله في حقيقة إعلانها، فكلمة الله كفعل ديناميكي (وليس سحري) أي عامل وفعال ينطبق في أول الأمر على الكلمة النبوية، فعندما يكشف الله مُقدماً عن تخطيط أو عن تدبير يخص الخلاص، فمن المؤكد وبلا أدنى شك أنه سوف يُحققه كما نطقه وقاله بنفس النمط ونفس الإعلان كما هو دون زيادة أو نقصان…
فتاريخ إسرائيل يشهد لقوة فعل عمل كلمة الله، أي هو تاريخ إنجاز وعد الله حسب قصده الصالح، وطبعاً سنلاحظ أن الله لا يُتمم عمله لأجل استحقاق الإنسان، بل لأنها كلمته الصادقة:
  • [ ليس لأجل برك وعدالة قلبك تدخل لتمتلك أرضهم بل لأجل إثم أولئك الشعوب يطردهم الرب إلهك من أمامك ولكي يفي بالكلام الذي أقسم الرب عليه لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب. فاعلم أنه ليس لأجل برك يُعطيك الرب إلهك هذه الأرض الجيدة لتمتلكها لأنك شعب صلب الرقبة ] (تثنية 9: 5 – 6)
  • [ (داود يوصي سُليمان) أحفظ شعائر الرب إلهك إذ تسير في طرقه وتحفظ فرائضه وصاياه وأحكامه وشهاداته كما هو مكتوب في شريعة موسى لكي تفلح في كل ما تفعل وحيثما توجهت. لكي يُقيم الرب كلامه الذي تكلم به عني قائلاً إذا حفظ بنوك طريقهم وسلكوا أمامي بالأمانة من كل قلوبهم وكل أنفسهم، قال: لا يعدم لك رجل عن كرسي إسرائيل ] (1ملوك 2: 3 – 4)
ونجد أيضاً أن كل الحوادث تجري تلبية لندائه: كما نرى من هذه الفقرات لو دققنا فيها:
  • [ هكذا يقول الرب ملك اسرائيل وفاديه رب الجنود: أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري. ومن مثلي يُنادي فليخبر به ويعرضه لي منذ وضعت الشعب القديم والمستقبلات وما سيأتي ليخبروهم بها. لا ترتعبوا ولا ترتاعوا أما أعلمتك منذ القديم وأخبرتك فأنتم شهودي، هل يوجد إله غيري ولا صخرة لا أعلم بها ] (أشعياء 44: 6 – 8)
  • [ أمر فجاء الذُبَّانُ والبعوض في كل تخومهم… أمر فجاء الجراد والغوغاء (الجندب – حشرة تُشبه الجراد) بلا عدد ] (مزمور 105: 31و 34)
  • وفي آخر الأسر البابلي يقول على أورشليم : [ ستُعمَّرين ] ويقول عن كورش: [ أنت راعي ] (أنظر أشعياء 44: 26و 28)
(ب) ولكن ان كان هذا شأن التاريخ من جهة إظهار قوة فعل وعمل كلمة الله، فلا شك أن الخليقة باسرها تُطيع أيضاً كلمة الله إذ أنه ينبغي أن نتصور العمل الأصلي للخالق صادراً بقوة كلمته : [ قال = فكان ] [ قال = فخلق ]… (أنظر تكوين 1)
  • [ بكلمة الرب صنعت السماوات وبنسمة فيه كل جنودها… لتخش الرب كل الأرض ومنه ليخف كل سكان المسكونة. لأنه قال فكان هو أمر فصار ] (مزمور 33: 6 و 8 – 9)
  • [ من ذا الذي يقول فيكون والرب لم يأمر ] (مراثي 3: 37)
  • [ أيها الرب أدوناي إنك عظيم، شهير بجبروتك ولا يقوى عليك أحد. إياك فلتعبد خليقتك بأسرها لأنك أنت قلت فكانوا أرسلت روحك فخلقوا وليس من يقاوم كلمتك. ] (يهوديت 16: 16 – 17)
  • [ يا إله الآباء يا رب الرحمة يا صانع الجميع بكلمتك ] (حكمة 9: 1)
  • [ إني أذكر أعمال الرب وأُخبر بما رأيت: أن في أقوال الرب أعماله. ] (سيراخ 42: 15)
ونجد أن عمل الله لا يتوقف بمجرد أنه خلق، لأن في أقواله أفعاله كما رأينا، لأن كلمته الذي نطق بها تظل فاعله في الكون، تضبطه وتُسيره، ويستحيل أن تُشبه كلمته التي فيها أفعاله بالإنسان قط، ويستحيل مقارنته بإنسان أو ابن إنسان:
  • [ ألا تعلمون، ألا تسمعون، ألم تخبروا من البداءة، ألم تفهموا من أساسات الأرض. الجالس على كرة الارض وسكانها كالجندب، الذي ينشر السماوات كسرادق ويُبسطها كخيمة للسكن. الذي يجعل العظماء لا شيء ويصير قضاة الأرض كالباطل. لم يغرسوا بل لم يزرعوا ولم يتأصل في الأرض ساقهم، فنفخ أيضاً عليهم فجفوا والعاصف كالعصف يحملهم. فبمن تشبهونني فأساويه يقول القدوس. أرفعوا إلى العلاء عيونكم وانظروا من خلق هذه من الذي يخرج بعدد جندها يدعو كلها بأسماء لكثرة القوة وكونه شديد القدرة لا يفقد أحد. ] (أشعياء 40: 21 – 26)
  • [ هكذا يقول الرب فاديك وجابلك من البطن أنا الرب صانع كل شيء ناشر السماوات وحدي باسط الأرض من معي. مُبطل آيات المخادعين ومحمق العرافين، مرجع الحكماء إلى الوراء ومجهل معرفتهم. مُقيم كلمة عبده ومتتم رأي رسله القائل عن أورشليم ستعمر ولمُدن يهوذا ستبنين وخربها أُقيم. القائل للجة انشفي وأنهارك أُجفف. القائل عن كورش راعي فكل مسرتي يتمم ويقول عن أورشليم ستبنى وللهيكل ستؤسس ] (أشعياء 44: 24 – 28)
  • [ النازلون إلى البحر في السفن العاملون عملاً في المياه الكثيرة. هم رأوا أعمال الرب وعجائبه في العمق. أمر فأهاج ريحاً عاصفة فرفعت أمواجه ] (مزمور 107: 23 – 25)
  • [ يُرسل كلمته في الأرض سريعاً جداً يُجري قوله. الذي يُعطي الثلج كالصوف ويُذري الصقيع كالرماد. يُلقي جمده كفتات، قدام برده من يقف. يُرسل كلمته فيذيبها، يهب بريحه فتسيل المياه. يُخبر يعقوب بكلمته وإسرائيل بفرائضه وأحكامه. لم يصنع هكذا بإحدى الأمم وأحكامه لم يعرفوها هللويا ] (مزمور 147: 15 – 20)
  • [ الله يرعد بصوته عجباً، يصنع عظائم لا نُدركها. لأنه يقول للثلج أسقط على الأرض كذا لوابل المطر، وابل أمطار عزه. يختم على يد كل إنسان ليعلم كل الناس خالقهم. فتدخل الحيوانات المأوي وتستقر في أوجرتها. من الجنوب تأتي الإعصار ومن الشمال البرد. من نسمة الله يجعل الجمد وتتضيق سعة المياه. أيضاً بري يُطرح الغيم، يبدد سحاب نوره. فهي مدورة متقلبة بإدارته لتفعل كل ما يأمر به على وجه الأرض المسكونة. سواء كان للتأديب أو لأرضه أو للرحمة يُرسلها ] (أيوب 37: 5 – 13)
وكلمة الله على هذا المستوى الفاعل، تعتبر غذاء حي له فعله في أعماق قلب الإنسان، وهي أفضل من أي غذاء أرضي يخص الجسد، فهي تعتبر المن السماوي، تحفظ حياة المؤمنين بالله الحي: [ لكي يعلم بنوك الذين أحببتهم أيها الرب، أن ليس ما تخرج الأرض من الثمار هو يغذو الإنسان، لكن كلمتك هي التي تحفظ المؤمنين بك ] (حكمة 16: 26)
  • [ جميع الوصايا التي أنا أوصيكم بها اليوم تحفظون لتعملوها لكي تحيوا وتكثروا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم. وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة في القفر لكي يذلك ويجربك ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا. فأذلك (أدبك) وأجاعك وأطعمك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه آبائك لكي يُعلمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان ] (تثنية 8: 1 – 3)
(جـ) عموماً يا إخوتي أن هذه الفاعلية لكلمة الله، والتي ندركها في أعمال الخلق وفي حوادث التاريخ ستتحقق بلا شك بالنسبة إلى الأقوال النبوية الخاصة بالخلاص المرتبط بالأزمنة الأخيرة. وطبعاً كما عرفنا ورأينا سابقاً أن كلمة الله أمامه في فعلها وعملها لا زمنية، لأنها فوق الزمن والتوقيت والأحداث نفسها، ولكنها تدخل في الحدث التاريخي وتجعل الغير منظور منظوراً للإنسان، لترفعه بالنظور الحادث أمامه إلى اللامنظور للأبدية، وتجعله في زمن آخر وهو زمن إلهي يفوق حدود الزمان المنحصر في الأوقات… فكلمة الله تبقى إلى الأبد لأنها فوق الزمن وحدوده، تمتد من الأزل إلى الأبدية: [ يبُس العُشب، ذَبُلَ الزهر، وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد ] (أشعياء 40: 8)
من أجل ذلك، من جيل إلى جيل، يجمع شعب الله بتقوى وورع كل هذه الكلمات، كلمات الله التي نطق بها لشعبه الأخص، يُقدسها جداً ويحفظها، لأنها حياته التي فيها خبرات عظيمة تبنيه كشعب إلهي أخص، وهي أيضاً ماضيه وحاضره ومستقبله، لأنها في واقعها المُعاش ترسم مستقبل غني بالمجد الإلهي ليسير فيه الشعب نحو غايه وضعها الله أمام عينيه، وهي خلاصه المنتظر، لذلك كله بُناءً على وعد الله الذي أتى إليه بيقين أنه سيتم، ينتظر الأزمنة الأخيرة أي أزمنة الخلاص التي وعده بها الله منذ فجر التاريخ بعد سقوط آدم والبشرية في أعقابه لأن الجميع زاغوا وفسدوا بإرادتهم وحريتهم …
  • [ وبينما أنا أتكلم وأُصلي واعترف بخطيتي وخطية شعبي إسرائيل وأطرح تضرعي أمام الرب إلهي عن جبل قدس إلهي. وأنا متكلم بعد بالصلاة، إذا بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا في الابتداء مطاراً واغفاً لمسني عند وقت تقدمة المساء. وفهمني وتكلم معي وقال يا دانيال إني خرجت الآن لأُعلمك الفهم. في ابتداء تضرعاتك خرج الأمر وأنا جئت لأُخبرك لأنك انت محبوب فتأمل الكلام وافهم الرؤيا:
سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم و ليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين. فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع وأثنان وستون أسبوعاً يعود ويبنى سوق وخليج في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين أسبوعاً يُقطع المسيح وليس له وشعب رئيس آتٍ يُخرب المدينة والقدس وانتهاؤه بغمارة وإلى النهاية حرب وخرب قضي بها. ويُثِّبت عهداً مع كثيرين في أسبوع واحد وفي وسط الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة وعلى جناح الأرجاس مخرب حتى يتم ويصب المقضي على المخرب ] (دانيال 9: 20 – 27 – رجاء أنظر دانيال 9 بكامله)

__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد القديم: [ثالثاً] موقف الإنسان أمام كلمة الله

 

 

 

ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة، عجز الاله في المسيحية.

الحقيقة اني لا اخفي دهشتي!! عندما وجد احدهم يتشدق. ويدعي ان الله عاجر في المسيحية؟ فجلست لاستمع لتلك الجهبيذ العلامه لعله يفيدنا بما لم نعرفة .! فما نعرفة ان الله كلي القدرة له السلطان المطلق, وهذا ما ياكدة كتابنا المقدس الذي يخترق النفس البشرية ويغير النفوس حينما قال,, مز ١٣٥ : ٦ كُلَّ مَا شَاءَ الرَّبُّ صَنَعَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ، فِي الْبِحَارِ وَفِي كُلِّ اللُّجَجِ. وفي مزمور 115 ٣‏إِنَّ إِلهَنَا فِي السَّمَاءِ. كُلَّ مَا شَاءَ صَنَعَ. فالهنا تبارك اسمة:- مستطاع عندة كل شيئ لم يستطاع مع الانسان في توافق مع مشيئتة وقداستة .وهذا ما ياكدة متي 19 ٢٦‏فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:”هذَا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ“. انه رب الكون الكلي القدرة والسلطان له القدرة المطلقة يقول الكتاب عنه «ترحُم الجميع لأنك قادرٌ على كل شيء» (حك23:11) واشار الكتاب المقدس ان الله قدير في اكثر من موضع( التكوين ١٧:‏١ , التكوين ٢٨:‏٣,راعوث ١:‏٢٠,يهوديت ١٦:‏٧,أستير ١٤:‏١٩,المزامير ٢٤:‏٨,سيراخ ٤٦:‏١٩.) فكلمة القدير توجد في عشرات المواضع عن الله في الكتاب المقدس ,وقدرة الله مختلفة عن مفهوم بعض الناس قدرة الله لابد ان تتفق مع قداستة ومشيئتة ’لكن دعونا نكتفي بهذة المقدمة لندخل الي سياق الشبهة العجيبة!!

نص الشبهة عن عجز الاله في المسيحية!
اقتباس:
10- لم يستطيع يسوع عمل معجزات فى قريته حسب مرقس 6: 2 – 6( ولما كان السبت ابتدأ يعلم في المجمع. وكثيرون إذ سمعوا بهتوا قائلين: «من أين لهذا هذه؟ وما هذه الحكمة التي أعطيت له حتى تجري على يديه قوات مثل هذه؟ 3 أليس هذا هو النجار ابن مريم وأخا يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان؟ أوليست أخواته ههنا عندنا؟» فكانوا يعثرون به. 4 فقال لهم يسوع: «ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته». 5 ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم. 6 وتعجب من عدم إيمانهم. وصار يطوف القرى المحيطة يعلم. )
الحقيقة ان لو كان الجهل انسان لذهب ليتعلم من صاحب الشبهة الجهل!……..
دعونا نري اولاً :(من انجيل متي السياق ثم من انجيل مرقس)
من انجيل متي

مت 13 { ولما جاء إلى وطنه كان يعلمهم في مجمعهم حتي بهتوا وقالوا: من أين لهذا هذه الحكمة والقوات ؟! أليس هذا إبن النجار ؟!… فمن أين لهذاهذه كلها ؟! فكانوا يعثرون به. وأما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلافي وطنه وفي بيته! ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم !! – مت 13 : 54 – 58 ).

من انجيل مرقس

مر 6 {.. ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة، غير أنه وضع يديه علي مرضي قليلين فشفاهم. وتعجب من عدم إيمانهم!!… } ( مر 6 : 1 – 6 ).

وجاءة في الترجمة المشتركة:
5-6وتَعذَّرَ على يَسوعَ أنْ يَصنَعَ أيَّةَ مُعجِزَةٍ هُناكَ، سِوى أنَّهُ وضَعَ يدَيهِ على بَعضِ المَرضى فشَفاهُم.

وبالطبع التراجم انواع فمنها التفسيرة والمتحررة والحرفية

اذاً انجيل متي اشار ان المسيح لم يصنع معجزات كثيرة لعدم ايمانهم ……..
لكن اشكالية طارح الشبهة كانت في لم يقدر.!!لم يقدر ان يصنع هناك ولا قوة واحدة. اي انه لم يستطيع ان يصنع قوة واحدة لعدم ايمانهم. حينما اقول لا استطيع ان اركز في مكان به هرج ومرج’’ السبب في عدم الاستطاعة الهرج والمرج ,بينما انا استطيع ان اركز في مكان هادئ .اذا انا لست عاجزاذاً!! بل ان هناك حاجز يحيل بيني وبين التركيز. هو الهرج والمرج وهكذا عندما يقول الوحي لم يقدر ان يصنع هناك ولا قوة واحدة اي ان هناك حاجز بين عدم ايمانهم. وبين صنعة للقوات والعجائب هو يسطيع صنع قوات وعجائب مثلما صنع في اكثر من موضع في الكتاب المقدس …..
مثل(مت 4 : 23، 24
, مر 3 : 10، 11’لو 6 : 17 – 19, لو 5 : 15 , مت 9 : 35 , مت 11 : 4، 5 , لو 7 : 21، 22 , مت 12 : 15)

لكن عدم ايمانهم هو السبب الرئيسي اذا ليس عجز, فالمصطلح في السياق لا يشير بتاتاً الي عجز فحينما يقول الدكتور الجامعي انا لا اقدر ان استكمل المحاضرة نظرا لعدم اهتمامك بها فهل هذا يدل علي عجز منة علي استكمال المحاضرة ان عدم استجابة الطلاب له وعدم الاهتمام هو السبب الرئيسي لعدم استكمال المحاضرة
يقول تفسير The Bible knowledge commentary

Because of such persistent unbelief Jesus could not do any miracles there except to lay His hands on (cf. 5:23) a few sick people and heal them. There was no limitation on His power, but His purpose was to perform miracles in the presence of faith. Only a few here had faith to come to Him for healing.[1]

ان بسبب شكهم لم يستطع المسيح ان يصنع معجزات ماعدا وضع يدة علي بعض المرضي وشفاهم وياكد ان حصول المعجزات كان يحدث في حضور الايمان
وهذا ما تاكدة التفاسير المختلفة مثل تفسير Baker New Testament Commentary: Mark وتفسير جيل وتفسير وسلي وعشرات التفسيرات
ويقول القمص تادرس يعقوب ملطي
ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة، غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم. وتعجب من عدم إيمانهم، وصار يطوف القرى المحيطة يعلم[5-6].
لقد تعجب السيد في مرارة لأن عدم إيمانهم حرمهم منه ومن أعماله، إذ لا يعطي السيد الشفاء إلا لمن يريد ولمن يؤمن، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لأن السيد لم ينظر إلى إظهار نفسه بل إلى ما هو لنفعهم[148].] ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: [لكي يتم الشفاء كانت الحاجة إلى أمرين: إيمان المريض وقوة واهب الشفاء، فإن لم يوجد أحد الأمرين يصير الأمر مستحيلاً[149].] ويقول الأب شيريمون: [يريد أن يهب شفاءه ليس حسب قياس محدد لقوة جلاله، إنما حسب مقاييس الإيمان التي يجدها في كل واحد، أو حسبما يعطي هو بنفسه لكل واحد… لقد توقفت عطايا الله التي لا تحد إذ قيل: “ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة… وتعجب من عدم إيمانهم” (مر 6: 5-6). هكذا يظهر أن جود الله فعلاً يتوقف على طاقة الإيمان، حتى قيل “حسب إيمانكم ليكن لكما” (مت 9: 29)، وقيل لآخر: اذهب وكما آمنت ليكن لك(مت 8: 13)، ولآخر: ليكن لك كما تريدين” (مت 15: 28)، وأيضًا: إيمانك قد شفاك” (لو 18: 42)[150].]
وياكد القمص انطونيوس فكري
(مر5:6) لم يقدر أن يصنع… من عدم إيمانهم= فعدم إيماننا قادر أن يغلق أبواب مراحم الله، أماّ الإيمان فيفتح كوى مراحم الله.

بعض المراجع

الكتاب المقدس وترجماتة
تفسير
The Bible knowledge commentary
تفسير
Baker New Testament Commentary: Mark
تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير القمص انطونيوس فكري
تفاسير انجليزية متعددة

[1]Walvoord, J. F., Zuck, R. B., & Dallas Theological Seminary. (1983-c1985). The Bible knowledge commentary : An exposition of the ******ures (2:127). Wheaton, IL: Victor Books
Exit mobile version