ريشون ראשׁון | سلسلة أسماء المسيح في التراث اليهودي (1)

سلسلة أسماء المسيح في التراث اليهودي (1) | ريشون ראשׁון

سلسلة أسماء المسيح في التراث اليهودي (1) | ريشون ראשׁון

سلسلة أسماء المسيح في التراث اليهودي (1) | ريشون ראשׁון

1- الأول (ريشون-ראשׁון)

دُعي المسيح في التراث اليهودي بالأول، وبحق هو الاول في كل شئ. فهو الاول كملك يدوم ملكه للأبد كما تنبأ دانيال النبي ، وهو الأول ككاهن يدوم كهنوته للأبد كما تنبأ داود النبي ، هو الاول الذي ليس للموت سلطان عليه فهو يدوم للأبد كما تنبأ الانبياء ، وهو الأول في قيامة الاموات وبحسب التراث اليهودي ففي وقته تبدأ قيامة الاموات . وهو الأول الذي هو منذ البدء كان كما اعلن ميخا النبي . هو الوحيد الجنس الفريد من نوع ، الأول في كل شئ. سنعرض امامكم اقتباسان من التراث اليهودي القديم عن المسيح الأول.– مدراش رباه للخروج (מדרש שמות רבה) (15: 1)
[والمسيح دُعِي الأول (ראשׁון) كما قيل 1″الأول لصهيون ها، ها هم ” (اشعياء 41: 27) فالقدوس المبارك (الله) الذي دُعي الأول (ראשׁון) (اشعياء 48: 12) سيأتي ويبني الهيكل والذي دُعي الأول (ראשׁון) (ارميا 17: 12) ويعاقب عيسو الذي دُعِي الأول (ראשׁון) (تكوين 25: 25) ، ثم يأتي المسيح المدعو الأول بالشهر الأول (نيسان) كما قيل “الشهر هذا يكون لكم رأس (ראשׁון) الشهور” (خروج 12: 2) ]

– التلمود البابلي (תלמוד בבלי)، في مسخط بصحيم (מסכת פסחים) 5a
[مدرسة الرابي اسماعيل قالت: كهدية لمن يحفظ الثلاثة الاوائل (ראשׁון) تكون تزكية لثلالثة اوائل (ראשׁון): تدمير نسل عيسو ، بناء البيت المقدس ، ولإسم المسيح . لتدمير نسل عيسو لانه قيل (تكوين 25: 25) “فخرج الاول (ראשׁון) احمر،كله كفروة شعر..” ، ولبناء البيت المقدس (ارميا 17: 12) “كرسي مجد مرتفع من الاول (ראשׁון) ،هو موضع مقدسنا” ، ولإسم المسيح (اشعياء 41: 27) “الاول (ראשׁון) لصهيون ها، ها هم ..”]

1- جاءت في العبرية (ראשׁון) وتعني الأول، وهكذا ترجمتها الترجمات الاجنبية ، وهي الأدق.

بحسب هذا التأمل اليهودي فالمسيح الذي دُعي الاول ، فالمسيح سيأتي في اول الشهور من السنة ، اي شهر نيسان ليمارس عمله الملوكي ، ويا للعجب فالمسيح بالفعل دخل في شهر نيسان (اول الشهور الدينية) الى اورشليم كملك يهودي ليملك على الجميع روحيا ، وهناك من يظن ان مجئ المسيح الثاني سيكون في شهر تشري (اول الشهور المدنية) عندما يأتي على السحاب كملك عالمي ليتسلم مُلك العالم كله.

ريشون ראשׁון | سلسلة أسماء المسيح في التراث اليهودي (1)

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

العدد الأول : هل المسيح يَسعى للملك الأرضي ؟

العدد الأول : هل المسيح يَسعى للملك الأرضي ؟

العدد الأول : هل المسيح يَسعى للملك الأرضي ؟

العدد الأول : هل المسيح يَسعى للملك الأرضي ؟

يقول البعض أن المسيح كان يسعى للمُلك مستشهدين بقول للمسيح بإنجيل معلمنا لوقا البشير حيث قال ” أما أعدائي، أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم، فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي. ” (لوقا 19: 27)  وبالطبع هذا الكلام خاطئ جداً، لأن المسيح قال هذا فى مثل، إذ نقرأ فى العدد 11 ” وإذ كانوا يسمعون هذا عاد فقال (مثلا)، لأنه كان قريبا من أورشليم، وكانوا يظنون أن ملكوت الله عتيد أن يظهر في الحال. فقال: «إنسان شريف الجنس ذهب إلى كورة بعيدة ليأخذ لنفسه ملكا ويرجع. …… أما أعدائي، أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم، فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي.” (لوقا19: 11-27) إذاً، يتضح من النص أن هذه ليست وصية من يسوع لتلاميذة مثلاً ولا لبشر ، بل للملائكة، فهو مثل يتحدث عن يوم الدينونة ، إذا لا يُمكن تطبيقه على ارض الواقع ابداً ، والمُلك هُنا ليس مُلك أرضي ، بل على العكس تماماً قالمُلك هُنا هو مُلك على قلب الإنسان فيسوع يقول للملائكة ” أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم ” اي الذين لم يريدوا أن اكون إلهاً لهم ، ولم يريدوا ان يعيشوا معي ، وعاشوا في الخطية وملك على قلبهم إبليس ، وهؤلاء يقطعون ، ويكون مصيرهم النار وهذا ما قاله المسيح في يوحنا 15 إن كان أحد لا يثبت في يطرح خارجا كالغصن، فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار، فيحترق. اما عن سعى المسيح للمُلك. فنرى ذلك بوضوح فى حادثة محاكمة بيلاطس للسيد المسيح حينما سأله بيلاطس: “أنت ملك اليهود؟.. فأجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتي من هنا” (يو18: 33-36). وايضاً نقرأ في (يوحنا 6: 15) “وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكا، انصرف أيضا إلى الجبل وحده ”ومن هذا نستخلص بأن يسوع لم يسعى للملك الأرضي اثناء وجودة على الأرض ، بل أعلن أن مملكته ليست من هذا العالم آنذاك ، ورفض أن يكون ملكاً ارضياً حينما كان الشعب يُريده أن يكون ملكاً عليهم.

ميامر مار اسحق السرياني وملخص سيرته PDF

ميامر مار اسحق السرياني وملخص سيرته PDF

ميامر مار اسحق السرياني وملخص سيرته PDF

ميامر مار اسحق السرياني وملخص سيرته PDF

لتحميل الكتاب بصيغة PDF

الفيلوكاليا او الدوبروتوليبي الجزء الاول

الفيلوكاليا او الدوبروتوليبي الجزء الاول

 

 

الفيلوكاليا او الدوبروتوليبي الجزء الاول

تعريب القمص تادرس يعقوب ملطي

 

للتحميل اضغط هنا

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

 

أن حياة المسيحية الحقيقية لا تعتمد على الشكل الخارجي للإنسان وتنفيذه للطقوس والعقائد وحفظة البنود المعلنة من خلال القوانين والمعرفة المسيحية كمعلومات فكرية جدلية !!!
فحياة المسيحي الحقيقية هي في الداخل في أعماقه، في داخل كيانه الشخصي، فهي باختصار شديد وأكثر تحديد، هي الحياة في الله …
أي أن المسيحي الحقيقي هو الشخص الذي حياته في الله، بمعنى أني لو قلت أني مسيحي حقيقي، يعني الله في داخلي أكثر من أي شيء آخر في الوجود، وسعيي كله أن ألتقيه وأفتش عنه في الداخل وليس في الخارج، وذلك بسبب أن الكلمة صار جسداً وحل فينا، ونحن هياكل الله وروح الله يسكن فينا كهبة خاصة وكنز ثمين غالي للغاية، ويوجد في داخلنا طبيعياً – حسب الخلق – صورة الله المطبوعة في أعماقنا والذي أعاد شكلها الأصيل تجسد الكلمة واستعلانه في ملء الزمان …

فالإنسان بطبيعة خلقه هو صورة الله، أو بمعنى عملي هو الصورة المنظورة لله الغير منظور، له كيان روحي مستمد من خالقه العظيم، وهذا هو سر حنينه وعطشه المشتعل الدائم إلى خالقه وعدم شبعه بآخر مهما ما كانت مسرته ولذته فيه، ولكي نتعود أن نعيش في هذا المجد العظيم ونعود لأصل الصورة فينا، فلابد من أن ننزل ونغوص إلى داخلنا، أي نقطع مسيرة الدخول لأعماق قلوبنا في الداخل لنلتقي مع الله المطبوع سراً في أعماق القلب بصورة مجيده، هذه التي وضعنا عليها تراباً على مر الأيام وأخفيناها بالإهمال بسبب عُزلتنا عن الله
حتى صرنا في حالة قلق دائم واضطراب في هذا الزمان نحمل الأوجاع لأننا لم ندخل لهذا العمق ونعرف أنفسنا في جمال صورتها الحقيقية المخلوقة عليها والمطبوعة فيها !!!
فكل ما يُتعب النفس هو أنها أخفت سرها فضاع معه حل مشاكلها وضيقاتها الكثيرة والتي تشعر أن ليس لها سبب محدد، لأن مهما ما بلغ الإنسان من مراكز أو معرفة عقلانية أو راحة في العالم، يظل يشعر بضيق يزيد كلما ابتعد عن حقيقة جوهره الأصيل !!!
وطبعاً الرجوع للنفس والعودة إليها ليس شيئاً سهلاً على الإطلاق، بل هو صعب للغاية، لأننا في الواقع أصبحنا غُرباء عن أنفسنا، نجهل حقيقتها المخفية فيها !!
فمن السهل التعرف على العالم الخارجي والمحيط بنا بالحواس الجسدانية، ومن السهل أيضاً التعرف على الحياة المسيحية من جهة الفكر والبحث والمعرفة بالدراسة والأبحاث وكثرة القراءة، ومن السهولة لكل واحد أن يحيا الطقوس الكنسية ويقوم بكل واجبات العبادة
لأن كل هذا يأتينا عن طريق الحواس والعقل، وكل شخص يستطيع أن يستوعب كل شيء حسب قدراته العقلية، أما من جهة الداخل فصعب للغاية بل وقد يكون شبه مستحيل على الإنسان أن يفحصه أو يدركه، لأنه لا يأتي على مستوى العقل أو الفكر أو القدرة على المعرفة والفهم إنما على مستوى اللقاء الحي في الداخل !!!
فالحياة المسيحية الحقيقية هي باختصار وتركيز: الرجوع إلى النفس للدخول بالنعمة في الله، فحضرة الله بملء نوره العظيم هو أعمق ما في الإنسان من عظمة ومجد، لأن الإنسان خُلق في هذه الحضرة وهي أساس دعوته وأصل حياته كلها، ونبع حريته وكمال سعادته الحقيقية، بل هي مصيره الأبدي الذي لا يقدر أن يحيا بدونه قط !!!
إذن فالمنهج الأصيل للمسيحي الحقيقي هي حياته الداخلية، واستمرار وجوده في الحضرة الإلهية على مستوى اللمس من جهة كلمة الحياة [ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة ] (1يوحنا 1: 1)
 
والعائق الرئيسي الذي يفصل الإنسان ويشوه طبعه ويشوش فكره ويجعل النور الإلهي منطفئ فيه هو الأهواء التي هي أصل الخطايا وسبب تحركها فيه، لأنها سبب الانفصال عن الله وتشويه طبعه الإنساني الأصيل، والإنسان أن لم يتحرر من هذه الأهواء لن يستطيع أن يكتشف في داخله اللؤلؤة الكثيرة الثمن فيبيع كل شيء لاقتنائها، حتى نفسه سيحسبها رخيصة عنده من أجل هذه الجوهرة الثمينة !!!

 

( معرفة النفس ومعرفة الله )
1- تمهيــــــــــــــــــــــــــــــــــد
دعوة الإنسان العليا

الكنيسة تعرف شخص يسوع المسيح، لأنه رأسها وهي جسده من لحمه وعظامه، فهو مُستعلن فيها، يتجلىفيها، ويحضر حضوراً سرياً فائقاً في كل أسرارها المقدسة …
والكنيسة كل عملها وشغلها الشاغل، إظهار وتمجيد واستعلان ربنا يسوع، وتقديمه إلهاً حياً مُحيياً من خلال سرّ الكلمة والإفخارستيا …
والكتاب المقدس في الكنيسة هو الاستعلان الحسي لصوت المسيح الحي والمحيي، الذي نادى لعازر هلم خارجاً فَسَرت فيه قوة حياة تُقيم من الموت، وهو هو نفس ذات الصوت – في كل وقت وزمان – التي تُنادي به الكنيسة أولادها بفم ربنا يسوع المسيح القائم من الموت، فقراءة الكلمة في الكنيسة سرّ قوة الحياة لكل من يسمع هذا الصوت بآذان انفتحت بالنعمة على الصوت الإلهي وميزته واستقبله القلب بإيمان دون أن يرتاب فيه
 
وعلى هذا الأساس نتقدم إلى سماع الكلمة من فم الله الذي نطق بها ولازال ينطق بها في كل زمان، وعلى الأخص في زماننا هذا، والكتاب المقدس إذ بلغنا سره الإلهي وأصغينا لهذا الصوت المُحيي، سنجد أن لغته لغة حوار بين طرفين، أي بين شخصين، الله والإنسان، ومن صميم هذا الحوار – حوار المحبة – نجد اللذة المتبادلة والحب المتدفق الحاصر للإنسان ( محبة المسيح تحصرنا )، ومن صميم هذا الحب الفائق نجد الدعوة الإلهية لكل إنسان يقترب من هذا المجد الفائق: (دعوة من الله للإنسان للتمتع بالشركة مع العريس السماوي، التي هي دعوة الوحدة والاتحاد والالتصاق كثمرة التجسد الإلهي وعمله الفائق على المستوى العملي في كل واحد على المستوى الشخصي وفي الكنيسة على المستوى العام)
[ وجعل يسوع يكلمهم أيضاً بأمثال قائلا: يُشبه ملكوت السماوات إنساناً ملكاً صنع عُرساً لابنه. وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العُرس، فلم يريدوا أن يأتوا. فأرسل أيضا عبيداً آخرين قائلاً: قولوا للمدعوين هوذا غذائي أعددته، ثيراني ومسمناتي قد ذبحت، وكل شيء مُعد، تعالوا إلى العُرس. ولكنهم تهاونوا ومضوا واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته. والباقون أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم.
 
فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم. ثم قال لعبيده أما العُرس فمستعد وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين. فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس. فخرج أولئك العبيد إلى الطرق وجمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين فامتلأ العرس من المتكئين.
فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنساناً لم يكن لابساً لُباس العُرس. فقال له يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لُباس العُرس فسكت. حينئذ قال الملك للخدام أربطوا رجليه و يديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. لأن كثيرين يُدعون وقليلين يُنتخبون ] (متى 22: 1 – 14)
 
فالدعوة غالية جداً وكريمة للغاية، وثوب المدعوين هو شخص الكلمة المتجسد: [ لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (في المسيح) قد لبستم المسيح ] (غلاطية 3: 27)
هذا هو ثوب البرّ المنسوج بعمل الله وحده بدم ربنا يسوع الذي سُفِكَ على عود الصليب، ثوب برّ مجاني مُهدَى من الملك نفسه بلا قيد أو شرط، لمن يقبل الدعوة فقط ويتوب ويعود للحضن الحلو ويكتسي بالنعمة …
[ ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح. لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً. ويُصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلا العداوة به. فجاء وبشركم بسلام انتم البعيدين والقريبين. لأن به لنا كُلينا قدوماً في روح واحد إلى الآب. فلستم إذاً بعد غُرباء ونزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح ] (أفسس 2: 13 – 22)
وما هي طبيعة الدعوة ؟
[ تعالوا لأن كل شيء قد اُعد؛ لأن الله الآب قد أعد في المسيح لسكان الأرض تلك العطايا التي مُنحت للعالم بواسطته، التي هي غفران الخطايا، والتطهير من كل دنس، وشركة الروح القدس، والتبني المجيد له، وملكوت السماوات . ] ( تفسير لوقا للقديس كيرلس الكبير عظة 104 عن كتاب تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الإسكندري ص502 ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد 2007 )
 
[ مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. كما اختارنا فيهقبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته. لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته. التي أجزلها لنا بكل حكمة و فطنة. إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه.
 
لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض في ذاك. الذي فيه أيضاً نلنا نصيباً مُعينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته. لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح الذي فيه أيضاً أنتم إذ سمعتم كلمة الحق انجيل خلاصكم الذي فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده ] (أفسس1: 3 – 14)

وحينما نعي هذه الدعوة المقدسة المهيبة والمفرحة جداً لكل نفس، لن نتعجب أو نندهش من الذين باعوا كل شيء – بسهولة – ورضوا أن يخسروا كل ما للعالم وأن يحسبوه مع القديس بولس خسارة ونفاية من أجل أن يربحوا اللؤلؤة الواحدة الوحيدة الكثيرة الثمن، بل – نحن أنفسنا – سنبيع كل شيء بسهولة وبلا تردد، ونبغض الخطية فتسقط من تلقاء ذاتها دون معاناة أو صراع داخلي، إذ قد ربحنا الواحد الوحيد شخص ربنا يسوع، الذي هو الكنز الخفي الذي للنفس المخبئ في داخلها، بل صار هو ثوبها النفيس الذي يستحيل أن تفرط فيه أبداً أو تطرحه عنها !!!
وفي ختام المقدمة لنقرأ ما قاله القديس مقاريوس الكبير:
[ الديانة المسيحية ليست إذن شيئاً عادياً ” هذا السرّ عظيم ” (أفسس 5: 32)، لذلك فاعرف قدرتك وسموك لكونك دُعيت إلى الكرامة الملوكية ” جنس مختار كهنوت ملوكي وأمة مقدسة ” (1بطرس 2: 9)، لأن سرّ المسيحية هو غريب بالنسبة لهذا العالم. والمجد المنظور الذي للإمبراطور أو الملك (الأرضي) وكل غناه، إنما هو أرضي وفاني ومضمحل، وأما ذلك الملكوت وذلك الغنى السماوي فهو إلهي سماوي ومملوء مجداً، وهو لا يفنى ولا يضمحل لأن مثل هؤلاء المسيحيون يملكون مع الملك السماوي في الكنيسة السماوية “وهو البكر من الأموات” (كولوسي 1: 18)
وهم أيضاً أبكار، ولكن رغم أن هذه هي حالتهم وهم مختارون ومقبلون أمام الله، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل الكل وليس لهم أي استحقاق، وقد صار أمراً طبيعياً عندهم أن يعتبروا أنفسهم كلا شيء. ] (عظات القديس مقاريوس الكبير 27 : 4 صفحة 249، عن كتاب عظات القديس مقاريوس، الطبعة الرابعة – مؤسسة القديس أنطونيوس المركز الأرثوذكسي الآباء – نصوص آبائية 85)

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء الأول: الفهرس – مقدمة وتمهيد.

بحث خاص عن الإنجيل معناه
فهرس الموضوع



(أولاًمقدمـــــة وتمهيد للموضوع
1 – العهد القديم : 
أولاً: الله المتكلم
ثانياً: اعتبارات مختلفة للكلمة
ثالثاً: موقف الإنسان أمام الكلمة
رابعاً: تجسيد كلمة الله
2 – العهد الجديد: 
أولاً: كلمة الله؛ كلمة يسوع 
ثانياً: كلمة الله في الكنيسة

(ثانياًالإنجيل ومعناه
[1] معنى كلمة إنجيل:
أولاً: العهد القديم ؛ ثانياً: العهد الجديد
[2] مُسميات الإنجيل
1- إنجيل الله
2- إنجيل يسوع المسيح
3- إنجيلي، إنجيلنا
4- إنجيل جميع الناس
5- إنجيل الخلاص والبرّ
6- الإنجيل والصليب
[3] الإنجيل والرسالة:
أولاً: الكرازة
ثانياً: إنجيل السرّ وخبرة الله
[4] لماذا أربعة أناجيل
[5] تعليقات للقديس كيرلس الأورشليمي على الكتاب المقدس

 

_________________________________________________

أولاً: مقدمة وتمهيد للموضوع
رجاء خاص التركيز الشديد في الموضوع ككل وعلى الأخص هذا التمهيد
وسيتم وضع كل يوم جزء أرجو المتابعة الدقيقة للغاية مع الصلاة لانفتاح القلب والأذن ]

 

مكتوب: [ لهم فم ولا ينطقون ] [ أما تلك فأن لها ألسنة قد نحتها النجار وهي مغشاة بالذهب والفضة لكنها آلهة زور لا تستطيع نطقاً ] ( مزمور 115: 5؛ باروك 6: 7)
في هذه الآيات تهكم واضح على الأصنام الصامتة وكما قال القديس بولس الرسول: [ أنتم تعلمون أنكم كُنتم أمماً مُنقادين إلى الأوثان البُكم ] (1كورنثوس 12: 2)…
وهذا التهكم يُشير بوضوح إلى إحدى الخصائص التي تُميز الله الحي الحقيقي كما يكشفه لنا الكتاب المقدس بأنه ليس الإله البعيد الذي لا يسمعه أحد وحضوره يخص خيال الإنسان وكتابات التاريخ من بعض الناس الذين يقولون أن الله تكلم إلينا، فالله يُكلم الإنسان في كل زمان، وتكمُن أهمية كلمته – في العهد القديم – في دورها الإعدادي للحادث الأساسي والرئيسي في العهد الجديد، حيث أن كلمة الله (اللوغوس) يتخذ جسداً، فيصير الله الظاهر في الجسد، لأن كلمة الله ليست كلمة عادية تُنطق، بل الكلمة مُشخصة أي أقنوم، اي شخص الله الكلمة، فالله يكلمنا بابنه، الكائن في حضنه، كلم الآباء بالأنبياء بنفس ذات الكلمة، ولكن الكلمة كان مستتراً وغير واضح أمامهم سوى بالرمز أو بعض الرؤى والإعلانات التي تتناسب مع وضعهم الإنساني ولم يعرفوه بدقة، ولكن في ملء الزمان كلمنا بابنه، بشخصه وبذاته لكي نعرفه ونتعرف إليه في الابن الوحيد كلمته الشخصي:
  • [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة. كلمنا في هذه الأيام الأخيرة (ملء الزمان) في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شيء، الذي به أيضاً عمل العالمين. الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي ] (عبرانيين 1: 1 – 3)
  • [ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس. والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تُدركه. ] (يوحنا 1: 1 – 5)
  • [ والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً. يوحنا شهد له ونادى قائلاً هذا هو الذي قلت عنه أن الذي يأتي بعدي صار قدامي لأنه كان قبلي. ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا، ونعمة فوق نعمة. لأن الناموس بموسى أُعطي أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا. الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر. (( قال له فيلبس يا سيد أرنا الآب وكفانا، قال له يسوع أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس، الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب (يوحنا 14: 8 – 9) )) ] (يوحنا 1: 14 – 18).

والكلمة حينما أتى إلينا ظهر في الجسد، وعندما قام وصعد أرسل لنا روحه الخاص، روح الآب وروح الابن، الروح القدس، لكي يُكلمنا في قلوبنا بالسرّ لنسمع صوت الله في داخلنا فنتبعه، لأن لنا أن نسمع صوت الله عينه فتسري فينا قوة الحياة الجديدة، كنهر متدفق من ينبوع حي، يظل يُسقي ويُشبع النفس إلى أن تتشبع بالنعمة تماماً لتصير مؤهلة للحياة الأبدية الدائمة في شركة الثالوث القدوس الإله الواحد الحي.

  • [ أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا ] (يوحنا 11: 25)
  • [ الحق الحق أقول لكم أن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة، الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ] (يوحنا 5: 24 – 25)
  • [ الروح هو الذي يُحيي أما الجسد فلا يُفيد شيئاً، الكلام الذي أُكلمكم به هو روح وحياة ] (يوحنا 6: 63)
  • [ من له أُذنان للسمع فليسمع ] (متى 13: 9)
  • [ خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني ] (يوحنا 10: 27)
  • [ الذي من الله يسمع كلام الله لذلك أنتم لستم تسمعون لأنكم لستم من الله ] (يوحنا 8: 47)
  • [ لهذا قد ولدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق، كل من هو من الحق يسمع صوتي ] (يوحنا 18: 37).
__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
العهد القديم: [أولاًالله المتكلم

أعيادنا الحية (الجزء الأول) الأسرار.

أعيادنا الحيـــــة – الأسرار
الجزء الأول – تمهيد
(1) الأسرار


1 – الأسرار

الأسرار هي أعيادنا التي نحتفل فيها بلقاء العريس السماوي، ونحيا معه في حضوره الخاص والشخصي بملء مجده، فيشع علينا نور وجهه، فنمتلئ من حضوره ونتغير إليه: [ أما أنا فبالبرّ اُشاهد وجهك، سأمتلئ حتى الشبع بظهور مجدك ] (مزمور 17: 15 ترجمة سبعينية)؛ [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة، هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)، [ ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة، نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد الى مجد كما من الرب الروح ] (2كورنثوس 3: 18).

إن الأسرار هي طرق متنوعة نحيا فيها مختلف أبعاد السرّ الفصحي، وندخل في سرّ البصخة المقدسة، أي سرّ عبور الرب يسوع من الموت إلى الحياة، فنلج إلى أعماق هذا السرّ العظيم، لنعبُر نحن أيضاً مع المسيح الرب من الموت إلى الحياة، وهذه هي حياة، أي خبرة العبور من الموت إلى الحياة في حياتنا اليومية على المستوى العملي الواقعي المُعاش، لأن ما هي فائدة أني أعرف أن الرب قام من الأموات وانتصر على الموت، وأنا لم أذق هذه الخبرة بل هي مجرد فكرة أتكلم وأعظ بها، ولكنها بعيدة عني تماماً !!!

عموماً يا إخوتي الله دائماً يكلمنا بالأسرار كإعلانات وإشراقة حياة خاصه على النفس التي تغيرت واحبت الله، والأسرار بطبيعتها هيَّ الأبواب المنفتحة على السماويات عينها، أعني الأسرار الكنسية، فلها قيمة أسمى وفائدة أجلَّ مما لأبواب الفردوس. أبواب الفردوس تنفتح أمام أولئك الذين يلجون أبواب الأسرار أولاً، وأبواب الأسرار انفتحت عندما كانت أبواب الفردوس مغلقة. انفتحت أبواب الفردوس مرة أمام الإنسان وهو في حالة من عدم الفساد، إذ أن نعمة الله هي كساء نفسه الخاص، ولكنها انغلقت في وجهه، إذ طُرد منها بسبب أن طبعه تغير فاقداً كساءه الخاص وهي النعمة، صانعاً لنفسه مآزر من أوراق، ثم أعطاه الله كساءً من جلد الذي هو صار إشارة للناموس الذي أدبه وشذبه للمسيح، ولم تستطع أن تستر عورته، أو تعيده لشركة الحياة في النور، فانغلقت أبواب الفردوس في وجهه تاركه خارجاً كل ما هو من الظلمة وقوات الظلام، أما الأسرار، وهي الأبواب السرية الجديدة، فأنها تُدخل ولا تُخرج أحداً قط، إلا الذي يرفضها صانعاً لنفسه أغطية خاصة أو يتمسك بما هو غير نافع أو بأشباه السماويات ويظن أنها الأبواب الحقيقية لملكوت الله !!!

فقد كان من الممكن أن تظل أبواب الفردوس مقفلة، ولكن قام الرب يسوع وأقامنا معه وفتح لنا باب الفردوس من جديد، وأعطانا ونحن على الأرض أن نعلو إليها وندخل عن طريق الأسرار التي بها لم يعد هناك حجاب وحائط متوسط، لأن الحجاب انشق والحائط الحاجز بيننا وبين الله انهدم، ولم يعد بالإمكان أن يُقام حاجز آخر أو يوجد جداراً يفصل بين الله والإنسان، إلا لو صنع للإنسان لنفسه جداراً وهمياً من أفكاره الخاصة أو أعماله الشخصية، فيحجب بينه وبين الله.

  • يا إخوتي بمعمودية ربنا يسوع وبموته وقيامته لم تنفتح السماء فحسب، بل انشقت كما يقول مرقس ولوقا الإنجيلي ليبرهن أنه لم يعد، بل ولم يبقى أمام الداخلين لا باب ولا حجاب طالما هم اعتمدوا مع وفي المسيح يسوع وقاموا معه: [ وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السماوات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلاً عليه ] (مرقس 1: 10)، [ واظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه ] (لوقا 23: 45)، [ لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (أو في بمعنى أدق) قد لبستم المسيح ] (غلاطية 3: 27)، [ وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع ] (أفسس 2: 6).

فالمسيح الرب قد صالح الكل في نفسه وجعل الكل واحداً فيه: [ أي أن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم وواضعاً فينا كلمة المصالحة ] (2كورنثوس 5: 19)، فالمسيح الرب وطد السلام وجعل الاثنين واحداً: [ لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط ] (أفسس 2: 14).

أن أبواب الفردوس يا إخوتي، التي كانت في الأصل مفتوحة لآدم في البدء أُقفلت بالتمام، لأن العدل يقتضي أن تُقفل وتُغلق طالما أن آدم لم يُرد أن يبقى في حالة البراءة التي مُنحها عندما خرج من يد الخالق، لأنه نال نعمة خاصة في الخلق، إذ وضعت فيه صورة الله ومثاله واكتسى بمجد خاص يحفظه من أن يعود لما أُخذ منه وهو تراب الأرض الذي يُعبر عن العدم والزوال، وبالطبع أُغلقت أمامنا نحن بالضرورة، لأن على مر التاريخ الإنسان كله، اثبت أن ليس آدم وحده هو المسئول فقط عن غلق الفردوس، بل كل إنسان على حده، لأنه لم يُقدرّ قيمة أن يحفظ عطية الله، لأن على مر التاريخ الإنساني كله ليس هُناك من يعمل صلاحاً، بل أُغلق على الجميع في العصيان، وليس بار ولا واحد، وبار يعني بريء، أي إذا وقف في فحص القضاء أمام الله الحي يوجد بريء من أي شائبة، ولكن من استطاع على مر التاريخ الإنساني كله بأن يقف يتحاجج أمام الله ويقول أفحصني ستجدني بريء، فيجتاز كل فحص داخلي في أعماق نفسه ويخرج بريئاً تماماً !!! فمن يستطيع أن يقول قول الرب على نفسه [ من منكم يبكتني (يلومني لأنه يفحصني بدقة وتفصيل ووجد شيء واحد فقط يستحق الملامة) على خطية ] (يوحنا 8: 46) !!!

هذه الأبواب المقفلة والمغلقة (أبواب الفردوس) في وجه الإنسان الساقط العريان من نعمة الله، والفاقد الحياة، الذي ملك عليه الموت وتفشى الفساد في كيانه كله، فتحها المسيح الرب، الكلمة المتجسد، فتحها بنفسه، هذا الذي لم [ يفعل خطية واحدة ] (1بطرس 2: 22)، وعدله إلى دهر الداهرين (مزمور 9: 3)، لأن طالما تمم كل مشيئة الآب من جهة أنه صار في الجسد، وهو إنسان، أي وهو متحد بطبعنا الإنساني، أي تمم كل ما هو مرضي لله في جسم بشريته (أي جسم بشريتنا المتحد به حسب التدبير)، وأطاع الآب حتى الموت موت الصليب، وهذا عوض العصيان، لأن في المسيح الرب، الله الكلمة المتجسد، صارت البشرية طاهرة ونقية وبلا لوم، لأنه تمم ووفى كل ما عليها ببراءة تامة، حاملاً كل دينونتها، حتى أن كل من يؤمن به ويعتمد لموته ويقوم معه يدخل في سر براءته الخاصة ليدخل معه الفردوس [ اليوم تكون معي في الفردوس ] وهذا ليس للص الذي صرخ إليه بإيمان [ أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك ]، بل لكل من يؤمن عبر الدهور كلها ليوم استعلان مجده في الزمان الأخير …

  • المسيح يا إخوتي فتح أبواب الفردوس، ومن الضروري أن تبقى مفتوحة وأن تدخل كل المنتسبين إليه، لا شكلاً إنما فعلاً وجوهر، أي كل مسيحي حقيقي، يدخل إلى الحياة الأبدية، ولا خوف من السقوط والتعثر في الطريق المؤدي للحياة، كما سقط آدم فطُرد، هذا الذي فقد الفردوس الأرضي لأن المُخلِّص يقول: [ أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل ] (يوحنا 10: 10).

فالحياة التي حملها السيد الرب تُعطى لنا بواسطة الأسرار التي نُصبح بها شركاء في الآلام والموت معه، لذلك فمن لا يشترك في الأسرار لا يتمكن من الهرب من الموت الروحي والنمو في البرّ [ برّ الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون لأنه لا فرق ] (رومية 3: 22)، فالذين لم يعتمدوا ولم يتناولوا جسد ودم المسيح رب الحياة، لا يستطيعون أن يرثوا الحياة الأبدية، وهذا ليس قانون تعسفي، بل لأن الحياة هي في المسيح، لذلك ينبغي أن نلبس هذه الحياة كرداء نكتسي به [ تقول إني أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء ولست تعلم انك أنت الشقي والبئس وفقير وأعمى وعريان ] (رؤية 3: 17)، [ ها أنا آتي كلص (مثل لص) طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشي عرياناً فيروا عريته ] (رؤيا 16: 15)؛ لذلك يقول الرسول: [ لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح ( في المسيح ) قد لبستم المسيح ] (غلاطية 3: 27)، [ ألبسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات ] (رومية 13: 14)…

_____يتبـــــع_____
وفي الجزء القادم سنتكلم عن القداس الإلهي

 

خيمة الاجتماع – خيمة الشهادة – مسكن الله مع شعبه

خيمة الاجتماع – خيمة الشهادة – مسكن الله مع شعبه

خيمة الاجتماع – خيمة الشهادة – مسكن الله مع شعبه

تمهيد

نلاحظ أنه من ابتداء الإصحاح 25 من سفر الخروج يتم سرد تفاصيل عن خيمة تختص بحضور الله وسط شعبه الخاص ليُشاركهم مجده ويتقبل منهم عبادتهم بعد أن أخرجهم بذراع رفيعة من أرض العبودية بخلاص عظيم وأتى بهم إلى البرية ليقدسهم بدم العهد الذي قطعه معهم على جميع الأقوال التي سلمها لهم على يد موسى النبي، لأن من المستحيل أن يسكن الله وسط شعبه ويحدث لقاء حي وسط أرض غريبة، التي تُعبِّر عن أرض العبودية أو وجود ملك آخر ذات سلطان وسيادة غير الله بشخصه وذاته !!!فليس من السهل أن يحل الله وسط شعب من الشعوب، وخاصةً إذا كان لا يعرفه.

 

ولو نظرنا نظرة سريعة متعمقة في عُمق التاريخ وفي تلك الفترة وما قبلها لوجدنا الإنسان عموماً قد أفسدته الخطية التي تسلطت عليه بالموت فأظلمت فكره بالتمام، فصارت متسلطة على كل أعضائه فصارت آلات إثم، حتى أصبحت كل أعماله أعمال فساد تام، حتى أن غرائزه الطبيعية صارت حيوانية مشتعلة بالشهوات فصار جسده متسلطاً على تفكيره وسلوكه، والنتيجة أن قلبه تلوث ولم يعد يقبل الحق المُعلن في الخليقة، وهبط تفكيره وانحط للتراب إلى الدرجة التي فيها خضع وعبد الحشرات والزحافات والبهائم، وبالطبع لم تكن هذه حالة فرادى أو شعب من الشعوب، بل هكذا كان الإنسان:

[لأن غضب الله مُعلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم. إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مُدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر. لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم واظلم قلبهم الغبي. وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء.

وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات. لذلك أسلمهم الله أيضاً في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم بين ذواتهم. الذين استبدلوا حق الله بالكذب واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذي هو مبارك إلى الأبد آمين. لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة. وكذلك الذكور أيضاً تاركين استعمال الأنثى الطبيعي، اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكوراً بذكور ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق.

وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق. مملوئين من كل إثم وزنى وشر وطمع وخبث، مشحونين حسداً وقتلاً وخِصاماً ومكراً وسوءاً. نمامين، مفترين، مبغضين لله، ثالبين، متعظمين، مُدَّعين، مبتدعين شروراً، غير طائعين للوالدين، بلا فهم ولا عهد ولا حنو ولا رضى ولا رحمة. الذين إذ عرفوا حُكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت لا يفعلونها فقط بل أيضاً يُسرون بالذين يعملون] (رومية 1: 18 – 32)

 

ولكي يرفع الله الإنسان من هذه الحالة البائسة ويُحرره من سلطان الخطية المُدمرّ للنفس فكان لابد من أن يبدأ بوحدة متجانسة، فيكوَّن شعباً يجمعه تحت قانون خاص ويعزله عن باقي الشعوب، ثم يتعهده بالتعليم مثل الولد الصغير إلى أن يبلغ به إلى المستوى البشري الكامل حتى يتمم تدبير الخلاص، وهذا ما بدأ أن يصنعه الله في العهد القديم بطول أناة وصبر عظيم.

فأخرج إبراهيم من أرضه وعشيرته [وقال الرب لإبرام أذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك] (تكوين 12: 1)، وبارك نسله ثم نقلهم لمصر، حتى تعلموا جميع فروع الحياة واكتسبوا شيئاً ليس بالقليل من حضارة المصريين وعرفوا الزراعة والنسيج والصباغة والنحت والبناء والنجارة وطب وحكمة… الخ؛ ثم بعد ذلك عزلهم الله في البرية بعيداً عن كل المؤثرات الوثنية، لأن كيف يُعلِّم الله الشعب وهو وسط أُناس ملوثون بالخطايا: 

 

[فكلم الجماعة قائلاً اعتزلوا عن خيام هؤلاء القوم البغاة ولا تمسوا شيئاً مما لهم لئلا تهلكوا بجميع خطاياهم] (عدد 16: 26)

[اعتزلوا، اعتزلوا، اخرجوا من هناك، لا تمسوا نجساً، اخرجوا من وسطها، تطهروا يا حاملي آنية الرب] (إشعياء 52: 11)

[اخرجوا من بابل، اهربوا من أرض الكلدانيين، بصوت الترنم أخبروا، نادوا بهذا، شيعوه إلى أقصى الأرض، قولوا قد فدى الرب عبده يعقوب] (إشعياء 48: 20)

[كيف نُرنم ترنيمة الرب في أرضٍ غريبة] (مزمور 137: 4)

[أيها الزناة والزواني أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله، فمن أراد أن يكون مُحباً للعالم فقد صار عدواً لله] (يعقوب 4: 4)

[لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم، والعالم يمضي وشهوته وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد] (1يوحنا 2: 16)

 

لذلك نجد أن الله بعدما أكمل الخطوات التمهيدية بعزل الشعب تماماً وإخراجهم للبرية وبدأ في تربيتهم فيها كما يُربي الأب طفلاً عزيزاً له، وذلك لإعداده لقبول الإيمان الحقيقي بالله ومعرفة الأصول الأولى للخلاص والفداء وتذوق مبادئ الحرية الأولى، أعطاهم أول عطية وأعظمها هي الخيمة، ويُطلق على هذه الخيمة [المسكن]، وذلك لأنها تُعبَّر عن سكنى الله وسط شعبه، ولذلك تم سرد تفاصيل دقيقة عن شكل الخيمة ومواصفتها ومحتويتها وكيفية تصنيعها، فنرى – بوضوح – أن الله أظهر لموسى شكل المسكن ليُقيم مثالاً له:

 

[بحسب جميع ما أنا أُريك من مثال المسكن، ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون … أنظر فاصنعها على مثالها الذي أُظهر لك في الجبل] (خروج 25: 9 و40) وعلينا الآن أن ننتبه جداً بكل يقظة شديدة لهذا الموضوع، فالخيمة لا تُعد بالشيء البسيط أو مُجرد رمز يخص شعب إسرائيل في الماضي ونجمع معلومات عنها لنُزيد من محصلة معلوماتنا التاريخية ونُقدمها كعلم ومعرفة للآخرين، بل هي تخصنا نحن شخصياً بالدرجة الأولى، لأنها تُمثل حضور الله الخاص وسط الشعب المختار ليسكن وسطهم والكل ملتف حوله بنظام وترتيب دقيق.

 

والكل يتهيأ بالقداسة والطهارة والعفة والنقاوة ليصير شعب الله الحقيقي المؤهل لسكنى الله وحلوله في وسطهم، فكل ما يخص هذه الخيمة، لنا أن ننتبه له بشدة وبكل وعي وتدقيق، لندخل لجبل أسرار الله الشامخ لنأخذ من كنز عمله العظيم فنرى ونُبصر، وندخل ونشترك ونشبع من دسم عمل الله كخبرة في حياتنا اليومية !!!والسؤال المطروح على كل إنسان مسيحي حقيقي: ما هو قصد الوحي المقدس من سرد تفاصيل هذه الخيمة التي استغرق وصف التعليمات الخاصة لإعدادها ومراحل بنائها كل هذا الحيز من الأسفار المقدسة؟

 

مع وضع ما يقول الرسول في أذهاننا: [لأن كل ما سبق فكُتب، كُتب لأجل تعليمنا، حتى بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء] (رومية 15: 4) فموضع الخيمة عن جد خطير وهام للغاية ويحتاج ذهن مستنير وعيون مفتوحة على مقاصد الله وتدبيره، فالخيمة تخص بداية الخلق بالدرجة الأولى وتعلن تدبيره العظيم لأجل الإنسان، أي أن الله منذ البدء خلق الإنسان ليكون له شركه مقدسة معه، فيكون له إلهاً وهو يكون له شعباً خاصاً:

 

[وأعطيهم قلباً ليعرفوني إني أنا الرب، فيكونوا لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً لأنهم يرجعون إليَّ بكل قلبهم] (إرميا 24: 7)، [وتكونون لي شعباً وأنا أكون لكم إلهاً] (إرميا 30: 22)، ولذلك خلقه على صورته، وكان يلتقي به يومياً عند هبوب ريح النهار كما هو واضح من سفر التكوين، بمعنى أن الله خلق الإنسان ليكون له شعباً وهو يسكن وسطهم كإله حي قدوس محب والإنسان هو محبوبة الخاص!!!

 

وبالرغم سقوط الإنسان وعدم ثبوته فيما أعطاه الله، وفقدانه روح الشركة، ولكن قصد الله الأزلي وتدبيره لا يخيب قط، ومحبته للبشر لا تسقط أبداً، لذلك لم تعجز محبة الله وصلاح عدله أن يعطي وسيلة لخلاص الإنسان وتجديد خلقته، ورده من العبودية تحت سلطان الموت وقوة الحية القديمة التي أفسدت عليه عشرته المقدسة مع الله القدوس الحي، لذلك ظل الله يعمل بقوة وسلطان فائق.

وباستمرار وبلا توقف على مدى الأجيال كلها لأجل تكميل تدبيره في ملئ الزمان: [ حسب مسرته التي قصدها في نفسه، لتدبير ملئ الأزمنة، ليجمع كل شيء في المسيح ] (أفسس 1: 9 و10) فلنا أن نعلم ونتيقن أن الله مستحيل أن يرضى بأقل مما وضعه في قصده الأزلي، بأن يُشرك الإنسان في قداسته ومجده كما طلب ربنا يسوع المسيح من الآب في صلاته التشفعية لأجلنا.

 

[أيها الآب أُريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أنا، لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم] (يوحنا 17: 24) وهذا هو منتهى قصد الله لنا …فلنا أن ننتبه جداً ونطلب من أن يكشف الله عن أعيننا لنبصر ونُعاين تدبيره الذي كُتب لنا، فأبصروا معي وافتحوا آذان قلوبكم: ها هو الله بعد أن خلَّص شعبه من عبودية مصر وأخرجهم من أرضها بذبيحة كفارة وفداء وعبر بهم بحر الموت لحياة جديدة في البرية

أتى بهم إلى جبل سيناء واستعلن ذاته لهم بمجد فائق عظيم، فرأوا مجده وجبروته، وسمعوا صوته، وأعطاهم ناموسه ووصياه كقانون ودستور حياتهم الجديدة، وقدسهم أي أفرزهم وعزلهم من بين الشعوب وخصصهم بدم العهد الذي قطعه معهم ليكونوا له شعباً مختاراً مكرساً أي مخصصاً لشخصه فقط، وها هو الآن يطلب منهم أن يصنعوا له مقدساً ليسكن في وسطهم، كأب يشتاق أن يُقيم وسط أبنائه الأخصاء الذين أحبهم وأحب آبائهم [إبراهيم وإسحق ويعقوب].

 

وأحب من خلالهم البشرية كلها التي خلقها على صورته ومثاله لكي يسعد بها وتسعد به بعلاقة حب متبادل لا تفتر، إذ جعل شعب إسرائيل مثال للشعوب ليضم إليهم الكل وسطهم ليكونا رعية واحدة لراعٍ واحد، لأن الله لا ينشأ شعوب بل شعب، ولا يصنع فِرق وجماعات بل جماعة واحدة تخصه !!!وطبعاً الله [العلي لا يسكن في هياكل مصنوعات الأيادي، كما يقول النبي: السماء كرسي لي، والأرض موطئ لقدميَّ.

 

أي بيت تبنون لي يقول الرب، وأيٌّ هو مكان راحتي؟ أليست يديَّ صنعتْ هذه الأشياء كلها ] (أعمال 7: 48 – 50)، ولكن الله قصد بهذا المقدس [ أمثال الأشياء التي في السماوات ] (عبرانيين 9: 23)، و [ ظل الخيرات العتيدة ] (عبرانيين 10: 1) ، وذلك لكي يكون خطوة في سبيل تحقيق قصده النهائي بتجسُّده وحلوله بيننا في آخر الأيام [ والكلمة صار جسداً وحل بيننا (فينا) (ونصب خيمته فينا) ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً ] (يوحنا 1: 14)

وفي نهاية الدهور يسكننا معه أورشليم السمائية المهيأة كعروس مزينة لرجلها:+ [ هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعباً، والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم …

 

ولم أرى فيها هيكلاً، لأن الرب القادر على كل شيء هو والخروف هيكلها. والمدينة لا تحتاج إلى شمس ولا إلى قمر ليَضيئا فيها، لأن مجد الله قد أنارها، والخروف سراجها. وتمشي شعوب المخلَّصين بنورها، وملوك الأرض يجيئون بمجدهم وكرامتهم إليها. ولن يدخلها شيء دنس ولا ما يصنع رجساً وكذباً، إلاَّ المكتوبين في سفر حياة الخروف] (رؤيا 21: 3 و22 – 37)

 

ويقول القديس إيرينيئوس: [إذاً، فإنه هو الله أيضاً الذي كلَّف الشعب (اليهودي) ببناء الخيمة وتشييد الهيكل، واختيار اللاويين، وتقديم الذبائح والقرابين وسائر مطالب الناموس التشريعية وجميع خدماته الأخرى. مع أن الله نفسه لا يحتاج بالحقيقة لأي شيء منها، لأنه مُمتلئ دائماً بكل صلاح، وينبع منه كل عبيق الجود والسخاء، وكل عطر طيب حتى قبل أن يأتي موسى إلى الوجود.

 

إلاَّ أنه قصد أن يوصي الشعب – الذي كان بطبعه ميَّلاً إلى عبادة الأصنام – مكرَّراً لهم تعليماته بين الحين والآخر لكي يثابروا على عبادة الله، داعياً إياهم إلى الأشياء التي لها الأهمية الرئيسية بواسطة الأمور الثانوية، أعني بذلك جذبهم إلى الأشياء الحقيقية بواسطة ما هو رمزي، وعن طريق الأشياء الزمنية يأتي بهم إلى الأبديات، وبالجسديات يقودهم إلى الروحيات، ومن الأرضيات يرفعهم إلى السمائيات، كما قال لموسى:

 

” أنظر فاصنعها على مثالها الذي أُظهر لك في الجبل ” (خر25: 40)] Against Heresies, Book IV, Chap.XIV,3 عموماً مما فات نُدرك أن الخيمة هي مثال لمسكن الله السماوي، فقد أمر الله موسى أن يصنعها [بحسب ما أنا أُريك من مثال المسكن، ومثال جميع آنيته] (خروج 25: 9)، ثم عاد وقال له “وانظر فاصنعها على مثالها الذي أُظهر لك في الجبل”، وقد رأى إشعياء النبي في رؤياه:

[السيد (الرب) جالساً على كرسي عالٍ ومرتفع، وأذياله تملأ الهيكل (السماوي)] (إشعياء 6: 1)، وكذلك شهد إرميا النبي قائلاً: [كرسي مجدٍ مرتفع من الابتداء هو موضع مقدسنا] (إرميا 17: 12)، وحزقيال النبي أيضاً يصور لنا في رؤيته: السماوات مفتوحة، وشبه عرش جالس عليه إنسان وحوله كائنات مُجنَّحة ذات أوجه أربعة.

 

والمنظر كله [مثل منظر نار ولها لمعان من حولها، كمنظر القوس التي في السحاب يوم مطر، هكذا منظر اللمعان من حوله. هذا منظر شبه مجد الرب] (حزقيال 1: 26 – 28)، هذا هو مسكن الله السماوي.

 

ثم نجد ما يؤكد هذه الحقيقة في سفر رؤيا القديس يوحنا الرسول، إذ يقول واصفاً ما قد رآه: [ثم بعد هذا نظرت وإذا قد انفتح هيكل خيمة الشهادة في السماء] (رؤيا 15: 5) فالخيمة إذن كانت تصويراً منظوراً للمسكن السماوي الغير منظور والذي أراه الله لموسى في الجبل كمثال، فصنع كل شيء على مثاله بكل تدقيق. وهذا بالطبع يعني شيئاً واحداً وهو أن الله قد أراد أن تكون جميع تفاصيل المسكن ودقائقه ليست أموراً للزينة، بل رمزاً يُعلن حقيقة إلهية مستترة ومخفية كسرّ فائق سيتحقق ويُستعلن في ملئ الزمان بتجسد الكلمة كما سوف نرى في نهاية موضوعنا.

 

وهذا ما جعلني أدخل لهذا السرّ العظيم وأغو ص فيه واكتبه كدراسة متواضعة أقدمها للجميع لكي يغرفوا معي من بحر هذا السرّ العظيم الذي أن كنا ندخله باشتياق لكي يكون لنا شركة معاً في تذوق حلاوة السرّ الإلهي الفائق المذخر لنا فيه…في الجزء القادم سوف نتعرف عن ماهي الخيمة على وجه العموم في تلك الفترة وما هي الأساسات الموضوعة فيها، وذلك قبل أن نتعرف على خيمة الشهادة وأسمائها في الكتاب المقدس وكل محتوياتها لكي نميز بدقة ما بين الخيمة لمسكن الناس والخيمة التي قصدها الله لتُعبر عن سكناه وسط شعبه الخاص.

خيمة الاجتماع – خيمة الشهادة – مسكن الله مع شعبه

Exit mobile version