الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا

الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا

الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا
 
1 – تمهيــــــــــــــــــــد

 

  • [ لا بأعمال في برّ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس ] (تيموثاوس 3: 5)

هذا هو سرّ خلاصنا كله، وهو أن ندخل في سرّ الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، وبما أن هناك ميلاد يبقى هناك أولاد، لذلك قال الرسول: [ لأن المُقدس والمقدسين جميعهم من واحد فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلاً: أخبِّر باسمك إخوتي وفي وسط الكنيسة أُسبحك. وأيضاً أنا أكون متوكلاً عليه وأيضاً ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله. فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس. ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية. ] (عبرانيين 2: 11 – 15)

لذلك عند آباء الكنيسة المتذوقين خبرة حلاوة الميلاد الثاني، ودخلوا في سرّ التجديد المستمر، فأنهم اهتموا بعقيدة الخلاص وأظهروا ارتباطها بسرّ التبني، لذلك أكدوا على أن الخلاص بالتبني، وأظهروا أن غاية الخلاص هو التبني، فموضوع خلاصنا هو التبني، وهذا هو سبب تجسد الابن الوحيد، لكي باتحاده بنا بكونه هو وبشخصه ابن الله طبيعياً وبطريقة منفردة خاصة للغاية، نكون نحن فيه شركاء البنوة لأنه صار واحداً معنا ليشع فينا بنوته الفريدة والمُميزة فنصير فيه ابناء الله، طبعاً المسيح ابن الله بصفته اقنوم ولكننا نحن منتسبين إليه بسبب وحدته معنا حسب قدرته هو بالتجسد، وبذلك وهبنا عطية البنوة فيه فصرنا ابناء الآب في الابن الوحيد وبذلك صار خلاصنا مضموناً ومؤكد…


ويقول القديس إيريناؤس: [ صار كلمة الله ربنا يسوع المسيح بحبه الفائق على حالنا، لنصير نحن على حاله ]؛ [ بالابن الوحيد نلنا العلاقة مع الآب وبهذه العلاقة صرنا ننتمي إليه، وذلك بتجسد الكلمة ودخوله في شركة معنا ] (ضد الهرطقات 5: المقدمة) (ضد الهرطقات 3: 18: 7)

  • [ أنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله ] (1يوحنا 3: 1)

التبني عطية إلهيه ثمينة نحصل عليها بالاتحاد السري بشخص المسيح ابن الله الوحيد: [ وأما كل الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله. أي المؤمنين باسمه ] (يوحنا 1: 12)

ونلاحظ أنه في إنجيل القديس يوحنا، لا يُستخدم كلمه ” ابن υὶός ” إلاَّ للمسيح – له المجد – فقط، ولكن بالنسبة لكل من قبله وآمن به استخدم كلمة أولاد الله τέκνα θεου، وقد أتضح لنا من خلال الكتاب المقدس أن التبني هو ” شركة طبيعة “، وهُنا نرى أنه هناك فرق واضح وجوهري ما بين بَنَوية شعب إسرائيل لله، وبنوية شعب المسيح، فالأولى بالميراث الجسدي، وأما الثانية – أي بنوتنا لله في العهد الجديد، بالميلاد الروحي في المسيح يسوع !!!

ولنا أن نعلم إن هذه العطية العظمى والثمينة جداً، ليست مجرد علاقة مجازية أو تشريف أدبي، ولا علاقة عابرة تحكمها المشيئة البشرية أو العواطف الإنسانية المتغيرة أو صلة الأجساد لأنه مكتوب: [ الذين وُلِدوا ليس من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل… ] (يوحنا 1: 13)

فالبنوة لله ليس لها أية صلة بالخليقة البشرية العتيقة حسب ميلاد الجسد، بل هو ميلاد خليقة جديدة أخرى للإنسان من فوق [ المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح ] (يوحنا 3: 6)، وبهذه الولادة يصير الإنسان أبن حقيقي لله في المسيح يسوع، والله يصير أباً عظيماً للإنسان في المسيح !!!

والولادة الجديدة هي ولادة من الله: [ وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنين باسمه. الذين وُلِدوا، ليس من دمٍ، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله ] (يوحنا 1: 12و13)، فنحن نصير ابناء لله في المسيح بصفتنا خليقة جديدة [ إذاً أن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديداً ] (2كورنثوس 5: 17)

وبالتبني ندخل في علاقة حقيقية مع الله تدركنا في صميم طبيعتنا، إذ نصير أبناء لهُ أخصاء أحباء. وبنوتنا لله لا تتم بمعزل عن بنوة المسيح له، بل هي نتيجة طبيعية وتلقائية بسبب تجسد ابن الله وحلوله فينا، ولذلك نجد القديس يوحنا الرسول يلحق الآية السابقة: [ الذين ولِدوا … من الله ” بالآية الآتية : ” والكلمة صار جسداً وحل بيننا ( فينا ) … ] ( يوحنا 1: 14)

لأن ابن الله الكلمة لما اتخذ جسداً، صار كواحد منا: [ إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما … من ثَمَّ كان ينبغي أن يُشبه إخوته في كل شيء ] (عبرانيين 2: 14و17)

Forasmuch then as the children are partakers of flesh and blood, he also himself likewise took part of the same – K.J
وحينما مات ابن الله بهذا الجسد الذي اتخذه، وقام وصعد، لم يترك جسده هنا على الأرض، بل دخل به إلى السماء كسابق من أجلنا. وعندما تراءى لدى الآب بالجسد الذي صعد به، سمع الصوت الإلهي: [ اجلس عن يميني ] (مزمور 109: 1)، فهو لا يحتاج أن يجلس عن يمين العظمة في الأعالي، بل نحن، لذلك كنا نحن الذين قمنا معه والذين جلسنا معه في السماوات: [ وأقامنا معهُ وأجلسنا معهُ في السماوات في المسيح يسوع ] (أفسس 2: 6)، لأن كل ما فعله المسيح الرب ليس من اجل نفسه لأنه لا يحتاج بل لأجلنا نحن أحباؤه الأخصاء…

+ والتبني الذي هو نتيجة طبيعية لتجسد المسيح الرب، ينقله إلينا الروح القدس الذي يأخذ ما للمسيح ويُعطينا. كما أن عطية التبني تقوى فينا وتنمو بالتناول من سرّ الشكر، أي الإفخارستيا التي تُثبتنا في المسيح، كما تثبت الأغصان في الكرمة وتتقوى، فينتقل إليها عُصارة الكرمة لتُغذيها حتى تكاد تكون هي والكرمة شيئاً واحداً: 
[وأما من التصق بالرب فهو روح واحد ] (1كورنثوس 6: 17)


وباختصار القول: إن الولادة من فوق أي من الله، أي التبني في المسيح، هي عقيدة راسخة في وجدان الكنيسة، وهي ظاهرة بوضوح شديد في إنجيل القديس يوحنا الرسول وعند جميع الآباء القديسين مُعلمي التقوى، لا كمعلومة إنما كقوة حياة نعيشها منذ يوم ولادتنا الجديدة من فوق: [ 
وكأطفال مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش لكي تنموا به ] (1بطرس 2: 2)
  • ولنصغي لكلمة الله ونفهم ونستوعب سرّ بنوتنا لله في المسيح يسوع:
1 – [ وأما هذه فقد كُتبت (إنجيل يوحنا بكاملة) لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة ( ميلاداً جديداً ) باسمه ] (يوحنا 20: 31)، [ كتبت هذا إليكم أنتم المؤمنين باسم ابن الله لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية ولكي تؤمنوا باسم ابن الله ] (1يوحنا 5: 13)، [ ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ] (1يوحنا 5: 20)

2 – [ كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضا ً(1يوحنا 5: 1)، [ بهذا نعرف إننا نحب أولاد الله إذا أحببنا الله وحفظنا وصاياه، فأن هذه هي محبة الله أن نحفظ وصاياه ووصاياه ليست ثقيلة] (1يوحنا 5: 2 – 3)

3 – [ أنظروا أية محبة أعطانا الله حتى نُدعى أولاد الله … أيها الأحباء … نحن أولاد الله ] (1يوحنا 3: 1و2) 

4 – [ أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضاً، لأن المحبة هي من الله ـ وكل من يحب فقد وُلِدَ من الله، ويعرف الله ] (1يوحنا 4: 7)

5 – [ إن علمتم أنه بار هو، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه ] (1يوحنا 2: 29) 

6 – [ نعلم أن كل من وُلِدَ من الله لا يُخطئ ( يتعدى )، بل المولود من الله يحفظ نفسه والشرير لا يمسه ] (1يوحنا 5: 18)

7 – [ كل من هو مولود من الله لا يفعل الخطية (عن قصد وعِناد)، لأن زرعه (زرع الله) يثبت فيه، ولا يستطيع أن يُخطئ لأنه مولود من الله ]ٍ (1يوحنا 3: 9)

 [ لأن كل من ولد من الله يغلب العالم وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا، من هو الذي يغلب العالم إلا الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله] (1يوحنا 5: 4 – 5)

عموماً الذي يؤمن إيمان واعي بإدراك يقيني بأن يسوع هو المسيح فهو قد قَبِلَ أن يكون أبناً لله في الابن الوحيد، فيصير أبناً لله في المسيح يسوع: [ من يؤمن بابن الله فعنده الشهادة في نفسه من لا يصدق الله فقد جعله كاذبا لأنه لم يؤمن بالشهادة التي قد شهد بها الله عن ابنه، و هذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية وهذه الحياة هي في ابنه، من له الابن فله الحياة ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة (1يوحنا 5: 10  12)

ولنا أن نلاحظ وندقق جداً، فالسبب الأساسي الذي على أساسه نصير أولاداً لله، لا يعتمد على شيء حسنٌ فينا، أو على قدراتنا الخاصة أو شطارة فينا أو أعمال في برّ عملناها نحن أو ستفعلها، ولكن على أساس إلحاح محبة الله لنا، وهو مضمون الآية (رقم 3):

  • [ أنظروا أية محبة أعطانا الله حتى نُدعى أولاد الله ]، [ هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية ] (يوحنا 3: 16)، [ ولكن الله بين محبته لنا لأنهونحن بعد (لانزال) خطاه مات المسيح لأجلنا ] (رومية 5: 8)

باختصار وبكلمة واحدة تحمل روح الإنجيل كله وفكر آباء الكنيسة الذين عاشوا كما يحق لإنجيل ربنا يسوع: [ نحن أبناء في الابن الوحيد ] وذلك لأن [ ابن الله صار ابناً للإنسان، حتى يصير ابن الإنسان ابناً لله ] 

وهُنا نضع قول القديس أغسطينوس في الصدارة: [ فطالما نحن هو، ونحن من المسيح، بل ونحن المسيح، فلابُدَّ أن يكون أبوه أباً لنا نحن أيضاً، وذلك بفعل الروح عينه الذي به قد ولد الابن الوحيد بيننا ] (عن تفسير إنجيل يوحنا ص 108، عظة 133: 8، عظة 144، تفسير مزمور 54، تفسير مزمور 26، وتفسير يوحنا 21: 8، عظة 71: 28)، وطبعاً لنا أن نفهم قول القديس أغسطينوس على ضوء كلمات القديس بولس الرسول: [ لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عِظامه (أفسس 5: 30)

__________يتبـــــع__________
العنوان القادم: مقدمة 
كلمة التبني ومعناها القانوني

الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء السابع- أولاً: كلمة الله وكلمة يسوع.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
تابع المقدمة، تابع 2- العهد الجديد: [أولاً] كلمة الله وكلمة يسوع
للرجوع للجزء السادس أضغط هنا.

  • أولاً: كلمة الله وكلمة يسوع

 

1 – الكلمة (كلمة الله النبوية والخارجه من فمه) تعمل وتكشف: لم يرد في أي مكان في الكتاب المقدس أو حتى على مستوى العهد القديم في النبوات، بأن الكلمة (النبوية) وُجهت ليسوع أو حلَّت عليه؛ أو أتت إليه كما كان يحدث قديماً بالنسبة للأنبياء والمرسلين من الله، لأن الرب يسوع المسيح هو الكلمة، هو النطق الإلهي ذاته وبشخصه فعلاً، فالله قديماً أرسل كلمته (النبوية) إلى أُناس مختارين يكلمون شعبه ويحدثوهم باسمه وبحسب ما أعطاهم من كلمات (نبوية أو وصايا) يوصلوها للشعب تُعلن إرادته ومشيئته، أما شخص الكلمة ذاته لا يُرسل له كلمته (النبوية) لأنه هو هو الكلمة عينه والتي قيلت فيه كل نبوة، لأنه محورها ومركزها:

 

  • [ ها أيام تأتي يقول الرب وأُقيم الكلمة الصالحة التي تكلمت بها إلى بيت إسرائيل وإلى بيت يهوذا ] (أرميا 33: 14)
  • [ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان و بغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس. والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه…. والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً ] (يوحنا 1: 1 – 5؛ 14)
  • [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع و طرق كثيرة. كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شيء الذي به أيضاً عمل العالمين. الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي. ] (عبرانيين 1: 1 – 3)

 

ونجد بنظرة مدققه أن الأناجيل الأربعة تُقدَّم كلمة الرب يسوع مطابقة تماماً لِما كانت عليه كلمة الله (النبوية) في العهد القديم، أي بنفس ذات صفتها عينها وقوتها: قوة تعمل ونور يكشف، مع الاختلاف لأنه هو ذاته الحياة، لأن الكلمة حينما تخرج من فمه تخرج وهي تحمل قوة الحياة [ فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس. والنور يضيء في الظلمة ]:

 

(أ) قوة تعمل: بكلمة واحدة من فم الرب يسوع المسيح، تتم المعجزات والعجائب التي هي آيات ملكوت الله، وهذا يختلف تمام الاختلاف عن باقي الأنبياء جميعهم: [ فأجاب قائد المئة وقال: … قُل كلمة فقط فيبرأغُلامي… ولما صار المساء قدَّموا إليه مجانين كثيرين فأخرج الأرواح بكلمة وجميع المرضى شفاهم ] (متى 8: 8و 16)

 

  • [ فقال له يسوع (لخادم الملك) أذهب ابنك حي. فآمن الرجل بالكلمة التي قالها يسوع وذهب ] (يوحنا 4: 50)

 

وبكلمة واحدة أيضاً، يُحدث في القلوب الثمار الروحية المقصودة من صُنع المعجزات، كما هي الحال في غفران الخطايا: [ … وجاء الى مدينته. وإذا مفلوج يقدمونه إليه مطروحاً على فراش، فلما رأى يسوع إيمانهم (به) قال للمفلوج ثق يا بني مغفورة لك خطاياك. وإذا قوم من الكتبة قد قالوا في أنفسهم هذا يجدف. فعلم يسوع أفكارهم فقال لماذا تفكرون بالشر في قلوبكم.

 

أيما أيسر أن يُقال مغفورة لك خطاياك أو أن يُقال قم وامشِ. ولكن لكي تعلموا ان لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا، حينئذ قال للمفلوج: قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك. ] (متى 9: 1 – 6)

 

وبكلمة أيضاً يُسَلِّم للاثني عشر سلطانه الخاص كهبة خاصة للحكم في الكنيسة بالروح القدس حسب قانون الإيمان الحي: [ الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وكل ما تحلُّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء ] (متى 18: 18)، [ من غفرتم خطاياه تُغفر له ومن امسكتم خطاياه اُمسكت ] (يوحنا 20: 23).

 

وأيضاً بقوة سلطانه يُقيم علامات العهد الجديد: [ وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي. وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: أشربوا منها كلكم. لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا ] (متى 26: 26 – 28)

 


ففي المسيح وبه، تعمل الكلمة الخلاقة، محققة الخلاص حسب التدبير الأزلي الذي للثالوث القدوس، لأنالمسيح الرب هو الكلمة عينها في ملء قوتها، اي أنه هو الكلمة المشخصة والظاهرة التي لله لذلك يقول: [ ألست تؤمن إني أنا في الآب والآب فيَّ، الكلام الذي أُكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال ] (يوحنا 14: 10)، وعن جد هذه الآية خطيرة ومهمة للغاية لأنها تشرح وحدة الكيان بين الآب والابن كإله واحد، وأن هو عينه كلمة الآب الذي يعمل حسب قصده، لأن قصد الله واحد، فلا يُمكن أن يفعل الابن شيئاً بدون الآب، كما أنه يستحيل أن يفعل الآب شيئاً بدون الابن، لأنه هو (الابن) الذي يعبر عنه ويظهر قوته بسلطان إلهي فائق: [ لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني (أنا الكلمة) هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم ] (يوحنا 12: 49)…

 

  • فانتبهوا يا إخوتي لقوة الله، قوة الكلمة، أنه هو والآب واحد، هو الذي يعلن عنه ويُظهر قصده بل ويتممه كما هو: [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 30)، [ قال له يسوع أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب ] (يوحنا 14: 9)؛ [ الله لم يره أحدٌ قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر ] (يوحنا 1: 18).

 

ب – كلمة يسوع نور يكشف الضمير ويعلن سلطان ملكوت الله: حينما ظهر يسوع في أول خدمته، بشر بإنجيل ملكوت الله كقوة وحياة جديدة، مُعرفاً أسرار الملكوت بواسطة الأمثال [ وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يُكلمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا ] (مرقس 4: 33)، ثم بإعلان واضح منه للتلاميذ: [ فتقدم التلاميذ وقالوا له لماذا تكلمهم بأمثال. فأجاب و قال لهم لأنه قد أُعطيَّ لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات وأما لأولئك فلم يعط ] (متى 13: 10 – 11)، وبكونه يرى الضمائر ويعرف الخفايا كشف عن سر عدم إعلانه لأسرار الملكوت لسامعيه من غير التلاميذ إذ يقول: 
  • [ فأن من له سيُعطى ويُزاد وأما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه. من أجل هذا أُكلمهم بأمثال لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون. فقد تمت فيهم نبوة أشعياء القائلة: تسمعون سمعاً ولا تفهمون، ومبصرين تبصرون ولا تنظرون. لأن قلب هذا الشعب قد غلظ وآذانهم قد ثقل سماعها وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم، ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم ] (متى13: 12 – 15).

 

  • أما عن التلاميذ الذي كشف لهم أسرار الملكوت يقول: [ ولكن طوبى لعيونكم لأنها تُبصر ولآذانكم لأنها تسمع. فإني الحق أقول لكم أن أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا ] (متى 13: 16 – 17)

 

فالمسيح الرب رغم سلطانه الظاهر بقوة عظيمة جداً، ولكن لم يراه الناس إلا بحسب عيونهم التي لا تبصر إلا العلامات من الخارج، لأنه بدى لهم ظاهرياً كنبي وأحياناً كمُعلِّم يُعلم باسم الله، ولكنهم لم يروه أنه هو بشخصه كلمة الله نور وحياة لأنفسهم، لذلك كلمهم بأمثال لأنهم لم يستطيعوا – رغم ما يرونه بعيونهم الخارجية – أن يدركوا شخصه الإلهي، لذلك لم يعطيهم الانفتاح على ملكوته لأنه يرى قلوبهم المعوجة:

 

  • [ فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع، قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم ] (يوحنا 6: 14)
  • [ حينئذ ذهب الفريسيون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة. فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودسيين قائلين (بمكر): يا معلم نعلم أنك صادق وتُعلِّم طريق الله بالحق ولا تُبالي بأحد لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس ] (متى 22: 15، 16)

 

وخبرة عدم معرفة المسيح الرب ليست بعيدة عن أغلبنا، لأن أحياناً يشكي الكثيرون: لماذا لا أستطيع أن أتعرف على أسرار ملكوت الله مع أني أؤمن بربنا يسوع، ولكن الإيمان هُنا مُعيب لأن الرب نفسه قال: [ أجابهم يسوع وقال الحق الحق أقول لكم أنتم تطلبونني ليس لأنكم رأيتم آيات بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم ] (يوحنا 6: 26)….

 

عموماً نجد أنه في الحقيقة الباطنية أن الرب يسوع يتكلم كمن له سُلطان [ فبهتوا من تعليمه لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة ] (مرقس 1: 22)، لأنه يتكلم من عمق ذاته، معلناً بيقين للسامعين أن كلامه لا يزول: [ السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ] (متى 24: 35).

 


ويوحي هذا الإعلان والتأكيد بسرّ يعلنه ويظهره لنا إنجيل يوحنا لمن يفتح قلبه على الإعلان الإلهي، مظهراً أن يسوع [ يتكلم بكلام الله ]: [ لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله ] (يوحنا 3: 34)، ويقول ما علمه الآب إياه [ فقال لهم يسوع متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون إني أنا هو (έγώ είμι إيجو إيمي) ولست أفعل شيئا من نفسي بل أتكلم بهذا كما علمني أبي ] (يوحنا 8: 28)، ولذلك فأن كلامه الذي ينطقه هو [ روح وحياة] (يوحنا 6: 63)..

 

ولكي نفهم هذا الكلام بدقة علينا أن نعود لإنجيل يوحنا لنكتب هنا ما قاله الرب يسوع بكامله كإعلان خاص عن نفسه، مع رجاء التدقيق في سياق الكلام والألفاظ:

 

  • [ الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع والذي من الأرض هو أرضي ومن الأرض يتكلم، الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع. وما رآه وسمعه به يشهد وشهادته ليس أحد يقبلها. ومن قبل شهادته فقد ختم أن الله صادق. لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله لأنه ليس بكيل يُعطي الله الروح. الآب يحب الابن وقد دفع كل شيء في يده. الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله ] (يوحنا 3: 31 – 36)

 

ونجد عموماً، أن أكثر من مره يستخدم الإنجيل بنوع من التضخيم فعل [ كلم ] لإبراز وتأكيد هذا الجانب في حياة يسوع:

 

  • [ الحق الحق أقول لك إننا أنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا ] (يوحنا 3: 11)
  • [ كلمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم ويكمل فرحكم ] (يوحنا 15: 11)
  • [ لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون إني أنا قلته لكم ] (أنظر يوحنا 16: 1 – 8)

 

فالمسيح الرب، مسيح الحياة، الكلمة، هو كلمة الله بشخصه وبنفسه، يعمل نفس ذات العمل كما في العهد القديم، كنور كاشف وقوة محيية، ولكنه بأكثر وأقوى استعلان إذ أنه ظهر في الجسد ليعلن مجد الآب المستتر ويكشف سرّ ملكوت الله ويعلن المقاصد الأزلية حسب التدبير لأجل حياتنا كلنا…

 

  • [ فقالوا له من أنت فقال لهم يسوع أنا من البدء ما أُكلمكم أيضاً به. أن لي أشياء كثيرة أتكلم وأحكم بها من نحوكم، لكن الذي أرسلني هو حق وأنا ما سمعته منه فهذا أقوله للعالم. ولم يفهموا أنه كان يقول لهم عن الآب. فقال لهم يسوع متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون إني أنا هو ولست أفعل شيئاً من نفسي، بل أتكلم بهذا كما علمني أبي. والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يُرضيه (طبيعياً). وبينما هو يتكلم بهذا آمن به كثيرون. فقال يسوع لليهود الذين آمنوا به: أنكم أن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي. وتعرفون الحق والحق يحرركم. أجابوه: أننا ذُرية إبراهيم ولم نُستعبد لأحدٌ قط، كيف تقول أنت أنكم تصيرون احراراً !!!، أجابهم يسوع الحق الحق أقول لكم: أن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية. والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد أما الابن فيبقى إلى الأبد. فان حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً. أنا عالم أنكم ذُرية إبراهيم، لكنكم تطلبون أن تقتلوني لأن كلامي لا موضع له فيكم. أنا أتكلم بما رأيت عند أبي وأنتم تعملون ما رأيتم عند أبيكم. اجابوا وقالوا له: أبونا هو إبراهيم، قال لهم يسوع: لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم. ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله، هذا لم يعمله ابراهيم. أنتم تعملون أعمال أبيكم، فقالوا له: أننا لم نولد من زنا، لنا أب واحد وهو الله. فقال لهم يسوع: لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من قبل الله وأتيت لأني لم آتٍ من نفسي بل ذاك أرسلني. لماذا لا تفهمون كلامي لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي. أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا، ذاك كان قتالاً للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق، متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب. وأما أنا فلأني أقول الحق لستم تؤمنون بي. من منكم يبكتني على خطية، فأن كنت أقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بي. الذي من الله يسمع كلام الله لذلك أنتم لستم تسمعون لأنكم لستم من الله.

 

فأجاب اليهود وقالوا له: ألسنا نقول حسناً أنك سامري وبك شيطان. أجاب يسوع: أنا ليس بي شيطان لكني أُكرم أبي وأنتم تهينونني. أنا لست أطلب مجدي يوجد من يطلب ويُدين. الحق الحق أقول لكم: أن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد. فقال له اليهود الآن علمنا أن بك شيطاناً، قد مات إبراهيم والأنبياء وأنت تقول: أن كان أحد يحفظ كلامي فلن يذوق الموت إلى الأبد. العلك أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات والأنبياء ماتوا، من تجعل نفسك!!. أجاب يسوع: أن كنت أُمجد نفسي فليس مجدي شيئاً، أبي هو الذي يمجدني، الذي تقولون أنتم أنه إلهكم. ولستم تعرفونه وأما أنا فأعرفه، وأن قلت إني لست أعرفه أكون مثلكم كاذباً، لكني أعرفه وأحفظ قوله. أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح. فقال له اليهود: ليس لك خمسون سنة بعد أفرأيت إبراهيم. قال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن. فرفعوا حجارة ليرجموه، أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى هكذا ] (يوحنا 8: 25 – 59)

__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد الجديد: تابع [أولاًكلمة الله وكلمة يسوع
2 – موقف البشر أمام كلمة يسوع

 

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء الثاني: العهد القديم أولاً: الله المتكلم.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
1 – العهد القديم: [أولاًالله المتكلم
(للعودة للجزء الأول: أضغط هنا. )

أن موضوع الكلمة الإلهية في العهد القديم، ليس موضوع نظري، كما هو الحال في التيارات الفكرية المختلفة، أو مثل الفلسفة اليونانية، أو مقولة الكُتَّاب الشهيرة [ في البدء كانت الكلمة ]، إذ يعتبرون أن أول شيء ظهر في التاريخ هو الكلمة، ومعنى [ في البدء كانت الكلمة ] هُنا بحسب راي الكتاب والمفكرين والفلاسفة تختلف اختلاف جذري عن ما قاله القديس يوحنا الرسول في الإنجيل، فلا يصح ان نخلط الأمرين معاً، أو نظن أن الكلمة عند يوحنا الرسول مثل باقي الفلاسفة اليونان أو الكُتَّاب عموماً…
ولكن الكلمة الإلهية على مستوى العهد القديم لم تكن مجرد كلمة مكتوبة أو منطوقه، إنما هي تُعبِّر قبل كل شيء عن حادث شخصي اختباري في واقع الحياة المُعاشة: أن الله يُكلم – مباشرة – أشخاصاً مُختارين، وبواسطتهم يُكلم شعبه وسائر البشر والناس، ولكن لا يتكلم جزافاً بل مع الكلام يُعطي نبوات تتحقق وبعض الآيات والمعجزات التي تُرى في الواقع الإنساني والتاريخي. [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء ] (عبرانيين 1).

1– تعتبر الحركة النبوية إحدى الركائز الأساسية في العهد القديم لإظهار كلمة الله: ففي كل عصر من العصور، يُكلم الله أشخاصاً مُختارين موكلاً لهم مهمة تبليغ كلمته، وهؤلاء البشر الذي يختارهم ويُعينهم الله هم أنبياء، بالمعنى المتسع للكلمة (أنبياء)، وقد يُخاطبهم الله بطرق متنوعة كثيرة، فيُكلم البعض عن طريق:

+ رؤى وأحلام: [ في جبعون تراءى الرب لسليمان في حلم ليلاً وقال الله أسأل ماذا أُعطيك ] (1ملوك 3: 5)
[ لكن الله يتكلم مرة وباثنتين لا يلاحظ الإنسان. في حلم في رؤيا الليل عند سقوط سبات على الناس في النعاس على المضجع. حينئذ يكشف آذان الناس ويختم على تأديبهم. ليحول الإنسان عن عمله ويكتم الكبرياء عن الرجل. ليمنع نفسه عن الحفرة وحياته من الزوال بحربة الموت ] (أيوب 33: 14 – 18)

[ النبي الذي معه حلم فليقص حلماً والذي معه كلمتي فليتكلم بكلمتي بالحق ما للتبن مع الحنطة يقول الرب ] (أرميا 23: 28)

+ ويُكلم البعض الآخر خلال إلهام داخلي يصعُب وصفه: [ (أليشع يقول) والآن فأتوني بعوادٍ. ولما ضرب العواد بالعود كانت عليه يد الرب ] (2ملوك 3: 15)

+ أو يكلم وجهاً لوجه كما كلم الرب موسى: [ فنزل الرب في عمود سحاب ووقف في باب الخيمة ودعا هرون ومريم فخرجا كلاهما. فقال اسمعا كلامي أن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا اُستعلن له في الحلم أُكلمه. وأما عبدي موسى فليس هكذا بل هو أمين في كل بيتي. فماً إلى فم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز وشبه الرب يُعاين (نركز على أن موسى لم يرى الله في كمال جوهره أو بهاء مجده بل شبه فقط، غير باقي الأنبياء) فلماذا لا تخشيان أن تتكلما على عبدي موسى ] (عدد 12: 5 – 8).

+ بل وأحياناً نجد أن الكتاب المقدس لا يوضح طريقة تبليغ كلمة الله للناس: [ وقال الرب لإبرام: أذهب من أرضك وعشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك ] (تكوين 12: 1)


ولكن عموماً ليس هذا هو جوهر الأمر، أي طريقة الكلام نفسه، فجميع الأنبياء عندهم إدراك شخصي واعي واضح بيقين أن الله القدوس الحي هو الذي يُكلمهم بنفسه، وهذا نجده واضحاً أن تتبعنا الأمر منذ البداية بتدقيق، ونجد أن كلمته تغمرهم وتملك عليهم مُلكاً خاصاً على نحوٍ ما، إلى حد الشعور بقوة شديدة تملك عليهم وتقودهم ليتمموا مقاصد الله التي قصدها:

  • [ فأخذني الرب من وراء الضأن وقال لي الرب: أذهب تنبأ لشعب إسرائيل ] (عاموس 7: 15)
  • [ الأسد قد زمجر فمن لا يخاف. السيد الرب قد تكلم فمن لا يتنبأ ] (عاموس 3: 8)
  • [ قد أقنعتني يا رب فاقتنعت وألححت عليَّ فغلبت. صرت للضحك كل النهار، كل واحد استهزأ بي لأني كلما تكلمت صرخت. ناديت: ظلم واغتصاب، لأن كلمة الرب صارت لي للعار وللسُخرة كل النهار، فقلتُ لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه. فكان في قلبي كنار مُحرقة محصورة في عظامي فمللتُ من الإمساك ولم أستطع ] (أرميا 20: 7 – 9)


فبالنسبة للأنبياء تُعتبر كلمة الله الحادث الأول الذي يرسم لهم معنى حياتهم الشخصية ووسط المجتمع أيضاً، فتتدفق كلمة الله من خلالهم بطريقة عجيبة ذات سلطان، تجعلهم يعزون مصدرها إلى عمل روح الله، ولا يستطيعوا إمساكها أو عدم النطق بها أو الهروب منها مهما ما كانت المشقات والآلام التي يحتملونها، لأن عادة كلمة الله يقاومها الأشرار بشدة قد تصل للعنف وقتل الأنبياء أنفسهم لكي لا يسمعوا صوت الرب…

ويوجد بالطبع حالات أخرى لتوصيل كلمة الله للأنبياء والقديسين ورجال الله عموماً، بواسطة طرق لا تلفت النظر، أقرب في ظاهرها إلى الوسائل العادية التي يستخدمها البشر في علاقتهم المتبادلة، وهي الطريقة التي تستعين بها الحكمة الإلهية لمخاطبة قلوب البشرّ: 

  • [ ألعل الحكمة لا تُنادي والفهم ألا يُعطي صوته. عند رؤوس الشواهق عند الطريق بين المسالك تقف. بجانب الأبواب عند ثغر المدينة عند مدخل الأبواب تصرح. لكم أيها الناس أُنادي وصوتي إلى بني ادم. أيها الحمقى تعلموا ذكاء ويا جُهال تعلموا فهماً. اسمعوا فإني أتكلم بأمور شريفة وافتتاح شفتي استقامة. لأن حنكي يلهج بالصدق ومكرهة شفتي الكذب. كل كلمات فمي بالحق ليس فيها عوج ولا التواء. كلها واضحة لدى الفهيم ومستقيمة لدى الذين يجدون المعرفة…. فالآن أيها البنون اسمعوا لي فطوبى للذين يحفظون طرقي. اسمعوا التعليم وكونوا حكماء ولا ترفضوه. طوبى للإنسان الذي يسمع لي ساهراً كل يوم عند مصاريعي حافظاً قوائم أبوابي. لأنه من يجدني يجد الحياة و ينال رضى من الرب. ومن يُخطئ عني يضر نفسه، كل مبغضي يحبون الموت ] (أمثال: 8: 1 – 9؛ 31 – 36)
  • [ وقد وهبني الله أن أبدي عما في نفسي وأن أجري في خاطري ما يليق بمواهبه فأنه هو المرشد إلى الحكمة ومثقف الحكماء ] (حكمة 7: 15)


وكلمة الله هي الحكمة التي تعمل في القلوب بقصد الإرشاد في تدبير شئونهم أو في كشف الأسرار الإلهية: [ (الملكة الوثنية تتحدث إلى الملك) يوجد في مملكتك رجُل فيه روح الآلهة القدوسين وفي أيام أبيك وُجدت فيه غيرة وفطنة وحكمة كحكمة الآلهة، والملك نبوخذ نصر أبوك جعلهُ كبير المجوس والسحرة والكلدانيين والمنجمين… من حيث أن روحاً فاضلة ومعرفة فطنة وتعبير الأحلام وتبين ألغاز وحلَّ عُقد وُجِدَت في دانيال هذا الذي سماه الملك بلطشاصَّر. فليُدعَ الآن دانيال فيُبين التفسير ] (دانيال 5: 11 – 12)
[ فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجُلاً فيه روح الله. ثم قال فرعون ليوسف بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك ] (تكوين 41: 38 – 39)

عموماً وعلى كل حال لسنا هُنا أمام كلمة بشر عُرضة للتقلب أو الخطأ، فالأنبياء وكتبة الحكمة على اتصال مباشر مع الله الحي بطريقة ما يُكلمهم بها الله ويلهمهم حسب مقاصده ورأيه .

– كلمة الله، أي الكلمة الإلهية، لم تُلقى على بعض الناس المختارين من الله بصفتها تعليم سري، يتحتم عليهم أن يخفوه عن عامة الناس، بل هي رسالة يجب تبليغها في ميعادها الذي حدده الله، وتُقدم لا إلى دائرة صغيرة من الناس، وإنما إلى الشعب الإسرائيلي بأجمعه بلا استثناء، لأن الله يُريد أن تصل كلمته إلى شعبه بواسطة حاملي رسالته أي كلمته.
وعليه، فأن اختبار كلمة الله ليست وقفاً على عدد صغير من الناس أو المتصوفين، أو حتى القديسين عابدي الله بالأمانة، بل أن شعب إسرائيل كله مدعو إلى أن يعترف بأن الله يُخاطبه بواسطة من يرسلهم إليه. حتى وأن صادفت كلمة الله – في البداية – اعتراضاً أو احتقاراً من الناس [ أنظر أرميا 36 للضرورة ]، إلا أنها ستتجلى أخيراً بكل جلالها بفضل علامات لا تقبل الجدل تُظهر أنها من الله لتُحقق مقاصده وتعلن رأيه وكما هو مكتوب بإعلان إلهي كلنا تحققنا منه يقيناً: 

  • [ أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تُحطم الصخر ] (أرميا 23: 29)
  • [ هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة، بل تعمل ما سُررت به وتنجح فيما أرسلتها له ] (أشعياء 55: 11)
__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد القديم: [ثانياً] اعتبارات مختلفة للكلمة

 

 

Exit mobile version