الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية  بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

تؤمن الكنيسة المسيحية الحقة بأن الكتاب المقدس هو كلمة إعلان من عالم آخر، مصدرها الله، إله السماء المثلث الأقانيم. الدليل على كونها كلمة معلنة، منتشرة على صعيد واسع ومتكرر على صفحات الأسفار المقدسة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مصدرها الإلهي، وعصمتها، وحقيقة كونها منزهة عن الخطأ.

كنت في الفصل الثاني تناولت تعليم يسوع بخصوص المصدر فوق الطبيعي للكتاب المقدس، واكتساب تعليمه بالطبع أهمية بالغة. وفي هذا الفصل الثالث، أود الاستفاضة أكثر في شهادة الكتاب المقدس عن نفسه، الأمر الذي يظهر أنه فعلاً كلمة الله المعلنة والموحى بها. سنرى كيف أن الكتاب المقدس ولو أقدم رجال على كتابته بأكمله، فهو يظهر لنا أيضاً على أنه كلمة الله بالتمام، ذلك لأن روح الله الحي هو الذي أوحى لرجال كتابته على صعيدي الكل والأجزاء. إلا أن العلاقة بين كُتاب الكتاب المقدس من جهة وروح الله من جهة أخرى.

لم تكن من قبيل مجرد التعاون أو المشاركة في التأليف. فالرجال ما كان بوسعهم أن يكتبوا الكتاب المقدس (ولا كانوا ليحاولوا الإقدام على ذلك) بمعزل عن عمل الإشراف الذي قام به الروح القدس. فالروح القدس هو مؤلف الأسفار المقدسة بشكل أساسي وأعمق مما كان بمقدور الكتاب البشريين أن يكونوا عليه (أو يتمنون ذلك). كان الله هو المؤلف الرئيس للأسفار المقدسة (أوكتر بريماريوس سكريبتورا ساكرا). أما الكتاب البشريون فيعتبرون كتاب الكتاب المقدس على قدر ما كلفهم الروح القدس بذلك، وأطلقهم ودفعهم إلى الكتابة (مانداتم أوت إمبلسم سكريبندي). فالكتاب المقدس في الكل أو في الجزء، لم يكن ليوجد للحظة واحدة لولا تكليف الروح القدس وطابع الوحي فيه.

لذا، فإن اعتبار الكتاب المقدس مجرد مكتبة من الوثائق القديمة الجديرة بالثقة على وجه العموم (كيف بوسع أحدهم التحقق من هذا؟) من نتاج مؤلفين بشر، كما يرغب بعض المدافعين الإنجيلين في القيام به (على الأقل في البداية) كجزء استراتيجيتهم الدفاعية[1]، فإن هذا ينطوي على تجاهل الحقيقة الأكثر جوهرية حول الكتاب المقدس مع الادعاء الرئيس للكتاب المقدس حول نفسه.

إن اقتناع الكنيسة بكون الروح القدس هو المؤلف الرئيس للأسفار المقدسة يحتم اقتناعاً آخر، هو أن تأثير إشراف الروح القدس في أذهان الكتاب فيه الضمان على أنهم سيكتبون بكل دقة ما أرادهم الله أن يقولوه. بكلام آخر، بما أن إله لاحق، من خلال روح الحق، أوحى إلى كتاب الكتاب المقدس كتابة ما أرادهم أن يكتبوا، فيكون قد أسفر عن ذلك في النهاية نتاجاً منزهاً عن الخطأ في صيغته الأصلية.

أما الشخص الذي يؤمن بأن الله، إله الحق، أوحى بالكتاب المقدس، لكن الكتاب المقدس لم يكن منزهاً عن الخطأ في صيغته الأصلية، فأقل ما يقال فيه أنه يعاني مشكلة رئيسية من زاوية فلسفة المعرفة. إلى ذلك، إن فاتنا إدراك صوت السيد من خلال الأسفار المقدسة وهو يخاطبنا بحقه المعصوم من عالمه إلى عالمنا، نحن بذلك ندمر نفوسنا ليس من زاوية المعرفة وحسب، بل شخصياً أيضاً.

ذلك لأننا بفعلنا هذا إنما نتخلى عن الأساس الأوحد لمعرفتنا اليقينية “والركيزة ذات معنى” الوحيدة التي تمكننا من المعرفة الحقة لله الواحد اللامتناهي والشخصي، وبالتالي أنفسنا كأشخاص أصحاب كرامة وقيمة[2]. والآن، لماذا على المسيحيين أن يؤمنوا بكل هذا؟ ولماذا عليّ أنا وأنت ان نؤمن به؟

[1] راجع

Benjamin B. Warfield, The Inspiration and Authority of the Bible (Philadelphia: Presbyterian and Reformed, 1948), 210; John Warwick Montgomery, History and Christianity (Downers Grove, Illinois: InterVarsity Press, 1972) 25-26; R. C. Sproul, John Gerstner, and Lindsley, Classical Apllogetics (Grand Rapids: Zondervan, 1984), 137-55.

[2] راجع كتابي

The Justification of Knowledge (Phillipsburg, N. J. : Presbyterian and Reformed, 1976)

حيث حاججت حول كون الكتاب المقدس يبقى الأساس الأوحد للمعرفة اليقينية عند الإنسان. إن جزءًا ضرورياً من كامل حجتي هناك، هي أن الكتاب المقدس كإعلان إلهي، يقوم بالضرورة بإثبات صحته بنفسه أو يصادق بنفسه على نفسه، بما أنه يحمل في طياته مؤشراته الإلهية (انديسيا) (15-16؛ راجع في هذا الصدد Westminster Confession of Faith I/v أنا أصر أيضاً على أن الكتاب المقدس، بفضل عقيدته عن الخلق، يمنح الإنسان الأساس الأوحد لتسويغ وجود وقيمة لشخصه وسنسهب أكثر في الحديث عن هذا لاحقاً.

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

يوستينوس الشهيد هو أهم مدافع يوناني في القرن الثاني الميلادي[1]، وواحد من أنبل شخصيات الأدب المسيحي المبكر. ولد يوستينوس في مدينة “فلافيا نيابوليس” (Flavia Neapolis)، والتي كانت تعرف قبلاً باسم “شكيم” (Sichem)، بفلسطين. وكان والداه وثنيين، وهو نفسه يخبرنا، في (Dialog 2 -8)، أنه قد جرب أولاً أن يلتحق بمدرسة فيلسوف رواقي (Stoic)، ثم بمدرسة فيلسوف مشائي[2] (Peripatetic)، لكن، ولا واحد من هؤلاء الفلاسفة قد أقنعه أو أشبع نهمه.

لقد فشل الرواقي لأنه لم يشرح له أي شيء يتعلق بشخص الله، وأكثر ما كان يهتم به المشائي هو أن يدفع له يوستينوس أجرة الدرس فوراً، الأمر الذي قابله يوستينوس بأن تجنب حضور محاضراته؛ والفيثاغوري طلب منه أن يدرس أولاً الموسيقا، والفلك، والهندسة كضرورة، ولم يكن لدى يوستينوس الرغبة في ذلك.

ومن ناحية أخرى، راقت له الفلسفة الأفلاطونية لفترة من الوقت، وقد كان ذلك إلى أن أقنعه رجل، عندما كان يتمشى على شاطئ البحر، بأن الفلسفة الأفلاطونية لا يمكنها أن تُشبع قلب الإنسان، ولفت نظره إلى “الأنبياء الذين وحدهم قد أعلنوا الحق”. ثم يحكي يوستينوس قائلاً: “وعندما تكلم بهذا وأشياء أخرى كثيرة لا وقت لذكرها الآن، ذهب طالباً مني أن أفكر فيما تكلم به إليّ؛ ولم أره من حينها.

لكن للفور اشتعل في روحي لهيب، وتملكني محبة للأنبياء ولهؤلاء الرجال الذين هم أصدقاء للمسيح. وبينما كنت أقلب كلماته في رأسي، وجدت أن هذه الفلسفة هي الوحيدة الآمنة والمفيدة. هكذا، ولهذا السبب، أصبحت فيلسوفاً، وأتمنى أن يكون كل البشر لهم نفس فكري، ولا يتحولوا عن تعاليم المخلص”. (Dial. 8)

لقد قاده طلبه للحق إلى اعتناق المسيحية. كما يخبرنا يوستينوس أيضاً أن هذه الاستهانة البطولية التي كان المسيحيون يقابلون بها الموت قد لعبت دوراً ليس بصغير في تحوله للمسيحية: “أنا نفسي كنت أستمتع بتعاليم أفلاطون وأستمع إلى كلام شرير عن المسيحيين، لكن لما رأيت أنهم لا يظهرون أي خوف في مواجهة الموت وكل الأمور الأخرى التي تبعث على الخوف، فكرت في أنه لا يمكنهم أن يكونوا متوحشين وشهوانيين”. (Apol. 2: 12).

وقد أدى به البحث الأمين عن الحق والصلاة المتضعة إلى اعتناق المسيحية في آخر الأمر: “عندما اكتشف الخداع الشرير الذي ألقته الأرواح الشريرة حول عقائد المسيحيين الإلهية لتصرف الآخرين عن الانضمام إليهم، وأعترف إني صليت وجاهدت بكل قوتي لأصبح مسيحياً”.

وبعد اهتدائه، الذي حدث على الأرجح في مدينة أفسس، كرس يوستينوس حياته كلها ليدافع عن الإيمان المسيحي. لقد سافر متنقلاً وهو يرتدي “الباليم” (Pallium) – وهي عباءة كان يرتديها الفلاسفة اليونانيون – باعتبار مُعلماً متجولاً. ووصل يوستينوس إلى روما في عهد الإمبراطور “أنطونينوس بيوس” (138-161م)، وأسس مدرسة هناك، وكان من تلاميذه “تاتيان” الذي قدر له لاحقاً أن يصبح مدافعاً.

وهناك أيضاً لقي مقاومة شديدة تمثلت في شخص الفيلسوف الكلبي[3] “كريسكنس” (Crescens)، الذي اتهمه يوستينوس بالجهل. ولدينا رواية موثقة عن استشهاد يوستينوس مذكورة في (Martyrium S. Justini et Sociorum)، وهي معتمدة على محضر المحاكمة الرسمي. ووفقاً لهذه الوثيقة، قطعت رأس القديس يوستينوس ومعه ستة آخرون عام 165م على أرجح الأقوال، ذلك في حين كان الحاكم “يونيوس روستيكوس” (Junius Rusticus) (163-167م) لا يزال في منصبه.

كتابات القديس يوستينوس

كان يوستينوس كاتباً غزير الإنتاج، ولم تصلنا من كتاباته التي كان يعرفها يوسابيوس (Hist. 4: 18) إلا ثلاثة أعمال فقط موجودة في مخطوطة وحيدة حالتها متدهورة نسخت عام 1364م (Paris. No. 450). وهذه الأعمال الثلاثة هي دفاعاه ضد الوثنيين وحواره مع تريفيون اليهودي.

أما أسلوب هذه الأعمال فهو أبعد ما يكون عن الجاذبية، لأنه يتبع ما تمليه عليه اللحظة كونه غير معتاد على اتباع خطة محددة. إنه ينحرف عن الموضوع، وأفكاره غير مترابطة، كما أنه ضعيف في صياغة الجمل الطويلة. يفتقد أسلوب يوستينوس التعبيري برمته إلى القوة، كما أنه نادراً ما يصل إلى البلاغة أو دفء المشاعر.

لكن، بالرغم من كل ما تنطوي عليه كتابات يوستينوس من عيوب، إلا أنها بالنسبة لنا ذات جاذبية لا تحد، فهي تكشف لنا عن شخصية متفتحة وأمينة تحاول أن تصل إلى مساحة مشتركة مع الخص.  كان يوستينوس مقتنعاً بأن “كل شخص يستطيع أن يتكلم بالحق ولا يفعل سوف يدينه الله” (Dial. 82)، وهو أول كاتب كنسي يحاول أن يقيم جسراً بين المسيحية والفلسفة الوثنية.

أولاً: دفاعا القديس يوستينوس

إن أهم كتابات يوستينوس الباقية هما دفاعاه، ويعلق يوسابيوس عليهما في (Hist. Eccles. 4: 18) قائلاً: “ترك لنا يوستينوس مقالات ذات فكر مُثقف متمرس لاهوتياً، ومليئة بكل ما هو نافع. وسنحيل الدارسين إليها، مشيرين إلى ما قد وصلنا منها بشكل نافع. هناك مقالة كتبها دفاعاً عن عقيدتنا موجهاً إياها إلى أنطونينوس الملقب بـ “بيوس” وأولاده، ومقالة أخرى كتبها إلى مجلس الشيوخ الروماني تحوي دفاعاً ثانياً عنا، وجهه إلى خليفة الإمبراطور السابق الذكر وسميه المدعو أنطونينوس فيروس”.

ونحن بالتأكيد لدينا دفاعان بقلم القديس يوستينوس، أطولهما الدفاع المكون من ثمانية وستين فصلاً، موجه إلى أنطونينوس بيوس، وأقصرهما، المكون من خمسة عشر فصلاً، موجه إلى مجلس الشيوخ الروماني. لكن (E. Schwartz) يعتبر الأخير مجرد خاتمة للأول، ففي الغالب، كان كلام يوسابيوس عن دفاعين هو السبب الذي لأجله قسم العمل الكامل في المخطوطة إلى قسمين، ثم وضعت الخاتمة في المقدمة كما لو كانت عملاً مستقلاً بذاته.

أما اليوم فيوافق معظم الدارسين على أن العمل المعروف بالدفاع الثاني كان يشكل في الأصل ملحقاً للأول أو إضافة لاحقة عليه. وعلى أرجح الأقوال، كانت الأحداث التي وقعت في عهد الحاكم أوربيكوس (Urbicus) هي الدافع الذي يقف وراء كتابة هذا العمل، وهو يبدأ بوصف لأحداثها.

والدفاعان موجهان إلى الإمبراطور أنطونينوس بيوس (138-161م). ويبدو أن القديس يوستينوس قد كتبهما في الفترة ما بين عامي 148م و161م، لأنه يقول في (Apology I: 46): “لقد ولد المسيح من مائة وخمسين عاماً في عهد كيرينيوس (Quirinius)”، وقد كُتبا هذا الدفاعان في مدينة روما.

الدفاع الأول ليوستينوس

  1. في المقدمة (الفصول 1-3)، يطلب يوستينوس من الإمبراطور باسم المسيحيين، أن يتناول قضيتهم باهتمام، وأن يكوّن قراره بدون أن تُضلله تحيزات الجماهير أو كراهيتهم.
  2. يتكون الجزء الرئيسي في الدفاع من قسمين:

1) القسم الأول (الفصول من 4-12) هو نقد لموقف الدولة الرسمي من المسيحيين. وهنا ينتقد الكاتب الإجراءات القضائية التي تتبعها الدولة بشكل منظم ضد شركائه في الإيمان، والاتهامات الباطلة الموجهة إليهم. إنه يحتج على تصرفات السلطات الحمقاء في إنزال العقاب لمجرد اعتراف الشخص باعتناق المسيحية؛ فاسم “مسيحي” مثله مثل اسم “فيلسوف” لا يثبت إدانة شخص ما أو براءته. يمكن إنزال العقوبات على جرائم أدين بها متهم، لكن الجرائم التي اتُّهم المسيحيون بها ما هي إلا محض افتراءات. إنهم ليسوا بملحدين، فإذا رفضوا أن يعبدوا الآلهة، فهم يفعلون ذلك لأن تقديم العبادة لهذه الآلهة حماقة. إن معتقداتهم الأخروية وخوفهم من العقاب الأبدي تحفظهم من السلوك الخاطئ، وتجعل منهم أفضل أعوان للدولة.

2) يتحول القسم الثاني (الفصول من 13-67) إلى شرح الديانة المسيحية، معطياُ وصفاً تفصيلياً بوجه خاص لتعاليمها وعباداتها وأساسها في التاريخ، وأسبابها لاعتناقها.

أولاً: تعاليم المسيحيين العقائدية والأخلاقية:

 من النبواءت الإلهية يمكن إثبات أن يسوع المسيح هو ابن الله ومؤسس الديانة المسيحية، ولقد أسسها بحسب إرادة الله حتى يحول الجنس البشري ويصلحه. ولقد حاكت الشياطين نبوات العهد القديم وقلدتها في الأديان الوثنية السرية، وذلك يفسر سبب الكثير من التشابهات والتماثلات بين الديانة المسيحية وأشكال العبادة الوثنية. وبالمثل، اقتبس الفلاسفة، مثل أفلاطون، من العهد القديم، ولهذا السبب، لا يمكننا أن نتعجب من وجود بعض الأفكار المسيحية في الفلسفة الأفلاطونية.

ثانياً: العبادة المسيحية:

يعطي الكاتب هنا وصفاً لسر المعمودية، وخدمة الإفخارستيا وحياة المسيحيين الاجتماعية.

  1. الخاتمة (فصل 68) عبارة عن تحذير جاد للإمبراطور. ثم أضاف يوستينوس في نهاية الدفاع الأول المرسوم الذي أرسله الإمبراطور هادريان، حوالي عام 125م، إلى “مينوكيوس فوندانوس” (Minucius Fundanus) حاكم آسيا. وهذه الوثيقة ذات أهمية كبرى بالنسبة لتاريخ الكنيسة، فهي تنص على أربعة قوانين وضعت من أجل إجراءات قضائية أعدل وأصح في المحاكمات المقامة ضد المسيحيين، وهذه القوانين هي:

1) الحكم على المسيحيين يجب أن يتم من خلال إجراء قانوني أمام محكمة جنائية.

2) يمكن أن يدان المتهمون فقط إذا كان هناك دليل على أنهم قد ارتكبوا جريمة ضد القانون الروماني.

3) يجب أن تتناسب العقوبات مع طبيعة الجرائم ودرجتها.

4) يجب أن يعاقب كل اتهام كاذب بشدة.

وبحسب يوسابيوس في (Hist. Eccles. 4: 8: 8) ضم يوستينوس هذه الوثيقة في نصها اللاتيني الأصلي إلى دفاعه، ولقد ترجمها يوسابيوس إلى اليونانية، ثم أدرجها في كتابه “تاريخ الكنيسة” (4: 9).

الدفاع الثاني للقديس يوستينوس

يبدأ هذا العمل بذكر الأحداث التي كانت قد وقعت مؤخراً، فأوربيكوس، حاكم مدينة روما، كان قد قطع رأس ثلاثة من المسيحين لأنهم اعترفوا بكونهم مسيحيين. ويلجأ يوستينوس مباشرة إلى الرأي العام الروماني محتجاً مرة أخرى ضد المعاملة الخشنة غير العادلة التي يتعرض لها المسيحيون ومجيباً على انتقادات عدة. فهو، على سبيل المثال، يجيب عن السؤال الساخر الذي كان يسأله الوثنيون، وهو: لماذا لا ينتحر المسيحيون حتى يصلوا إلى إلههم بأقصى سرعة؟

فيجيب يوستينوس قائلاً: “لأننا، إن فعلنا هذا، سوف نسلك نحن أنفسنا ضد إرادة الله. لكن عند استجوابنا لا ننكر، لأننا لم نقصد أي شر، بل أننا نعد عدم قولنا الحق في كل الأشياء أمراً شريراً” (Apol. 2: 4). لقد أثارت كراهية الشياطين للحق والفضيلة الاضطهادات ضد المسيحيين، وتلك القوى الشيطانية نفسها هي التي أتعبت “أتقياء العهد القديم والعالم الوثني.

لكن، لن يكون لهذه القوى سلطان على المسيحيين إذا لم يكن الله يريد أن يقود أتباعه عبر التجارب والقلاقل إلى الفضيلة والمكافأة، وعبر الموت والخراب إلى الحياة الأبدية والسعادة. وفي الوقت نفسه، يعطي الاضطهاد المسيحيين فرصة ليظهروا سمو ديانتهم على الوثنية بطريقة مؤثرة. وختاماً، يطلب يوستينوس من الإمبراطور أن يتبع، في محاكمته للمسيحيين، العدل والصلاح ومحبة الحق.

ثانياً: الحوار مع تريفون

هو أقدم دفاع مسيحي ضد اليهود لا يزال في حوزتنا. لكننا، للأسف، لا نملك نصه الكامل، فلقد فُقدت منه المقدمة وجزء كبير من الفصل (74). ولا بد من أن الحوار قد كُتب بعد كتابة الدفاعين، لأن هناك إشارة إلى الدفاع الأول في الفصل 120. ويحتوي الحوار على نقاش دار على يومين مع شخص يهودي متعلم، وهو على الأرجح الرابي “تارفون” المذكور في المشناه[4].

ويعتقد يوسابيوس (Hist, Eccles. 4: 18: 6) أن مدينة أفسس هي المكان الذي أقيم فيه هذا الحوار. وقد أهدى القديس يوستينوس عمله هذا لشخص يدعى “ماركوس بومبيوس” (Marcus Pompeius)، وهو عمل طويل، يبلغ طوله مئة واثنين وأربعين فصلاً. وتحتوي المقدمة (الفصول من 2-8) على قصة مفصلة يرويها يوستينوس عن نموه الفكري واعتناقه المسيحية.

ويشرح القسم الأول من الجزء الرئيس (الفصول من 9-47) وجهة النظر المسيحية بخصوص العهد القديم. لقد كان الناموس الموسوي ذا سلطة قانونية مؤقتة، فالمسيحية هي الناموس الجديد والأبدي لكل جنس البشر. ثم يُفسر القسم الثاني من الجزء الرئيس (الفصول من 48-108) سبب عبادة المسيح كإله، أما القسم الثالث من الجزء الرئيس (الفصول 109-142) فيبرهن على أن الأمم التي آمنت بالمسيح وتبعت ناموسه هي إسرائيل الجديد وشعب الله المختار الحقيقي.

ويختلف النهج الدفاعي المتبع في الحوار عن ذاك المتبع في الدفاعين لأنه موجه إلى نوع مختلف تماماً من القراء، فالقديس يوستينوس، في حواره مع تريفون، يركز على العهد القديم، ويقتبس من أقوال الأنبياء كبرهان على أن الحق المسيحي كان موجوداً حتى من قبل المسيح. وبالفحص الدقيق لاقتباسه من العهد القديم، يكشف المرء أن يوستينوس يفضل الفقرات التي تتكلم عن رفض الله لإسرائيل واختياره الأمم الوثنية.

ومن الواضح أن هذا الحوار ليس بأي حال من الأحوال إعادة إنتاج لتقرير اختزالي خاص بمناظرة حقيقية. لكن من ناحية أخرى، نجد أن صيغة الحوار ليست بكاملها مجرد أسلوب أدبي؛ إذ يبدو أن كتابة هذا العمل قد سبقته حوارات ونقاشات حقيقية. ومن الممكن أن تكون هذه المناقشات قد حدثت في أفسس في زمن حرب “باركوخبا” المذكورة في الفصل الأول والتاسع.

ثالثاً: أعمال يوستينوس المفقودة

بالإضافة إلى الدفاعين والحوار مع تريفون، كتب يوستينوس عدداً من الكتابات الأخرى التي فقدت، ولم تبق من هذه الأخيرة سوى عناوين أو بعض الشذرات الصغيرة. أحد هذه الأعمال ذكرها يوستينوس بنفسه، وآخر اقتبس منه إيرينيوس، وكثير منها جاء ذكره في قائمة يوسابيوس. كما لا تزال هناك أعمال أخر اقتبس منها الكتاب الكنسيون اللاحقون، وفيما يلي قائمة كتابات يوستينوس المعروفة لنا اليوم:

  1. مقال ضد كل الهرطقات: ذلك العمل الذي يشير إليه يوستينوس بنفسه في الدفاع الأول: فصل 26.
  2. ضد ماركيون: وهو العمل الذي استخدمه إيرينيوس في (ضد الهرطقات 4: 6: 2)، ويذكره يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 11: 8ff).
  3. مقالة ضد اليونانيين: وهو الذي يقول يوسابيوس بشأنه: “بعد مناقشة طويلة وموسعة تدور حول الكثير من الأشياء التي يتباحث فيها كل من المسيحيين والفلاسفة، يتحدث القديس يوستينوس عن طبيعة الشياطين”.
  4. النُصح: وهو مقالة أخرى كانت بحسب يوسابيوس في (4: 18: 4)، موجهة إلى اليونانيين.
  5. عن سلطان الله: ذلك العمل الذي بناه يوستينوس ليس فقط على كتبنا المقدسة، بل على كتب اليونانيين أيضاً.
  6. عن النفس: ويصف يوسابيوس محتوى هذا العمل في (4: 18: 5) هكذا: “يعرض يوستينوس فيه عدة أسئلة حول المشكلة محل النقاش، ويورد آراء الفلاسفة اليونانيين التي يعد بتفنيدها والإدلاء برأيه الخاص في كتاب آخر.
  7. كتاب بعنوان “المُرتل”.
  8. في كتاب يوحنا الدمشقي “Sacra Parallela” ثلاث شذرات كبيرة من مقالة يوستينوس “عن قيامة الأموات”، ولكن أصالتها محل شك.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الكتابات كلها قد فُقدت، احتوت المخطوطات على عدد من الكتابات المنحولة تحت اسم يوستينوس. غير أنه من الجدير بالملاحظة أن ثلاثة من هذه الأعمال المنحولة لها عناوين تشبه عناوين أعمال يوستينوس الأصلية المفقودة:

  1. يحاول كتاب “نصح اليونانيين” (Cohortatio ad Graecos) أن يقنع اليونانيين بالدين الحق في صورة خطبة، فالأفكار التي كانت لدى الشعراء اليونانيين بخصوص الآلهة مستهجنة، كما أن تعاليم الفلاسفة فيما يتعلق بالقضايا الدينية مليئة بالتناقضات. ويجد المرء الحق مع موسى والأنبياء، هؤلاء الذين عاشوا قبل الفلاسفة اليونانيين. لكن، يمكن للمرء أن يجد آثاراً من معرفة الله الحقيقية حتى في أعمال الشعراء والفلاسفة اليونانيين، إلا أن القدر القليل من الصلاح الذي تحتويه تلك الأعمال مأخوذ من كُتب اليهود. ويختلف موقف كاتب “نصح اليونانيين” من الفلسفة اليونانية عن موقف القديس يوستينوس بشكل لافت للنظر، حتى إنه لهذا السبب وحده لا يمكن أن تنسب كتابة هذا العمل إليه. لكن إلى جانب هذا، فإن أسلوبه الأدبي يفوق أسلوب يوستينوس، كما أنه يستخدم مفردات لغوية مميزة. كل هذه الأسباب معاً كافية لتثبت أن العمل ليس أصيلاً. وقد كتب “نصح اليونانيين” على الأرجح في القرن الثالث الميلادي، ويتكون من 38 فصلاً، وهو أطول الكتابات المنسوبة إلى يوستينوس.
  2. أما العمل الأقصر كثيراً فهو المعروف باسم “خطاب إلى اليونانيين” (Oratio ad Graecos)، والذي يبلغ عدد فصوله خمسة فقط. والعمل زاه ومفعم بالحياة من حيث الأسلوب الأدبي، ومكثف وجذاب من حيث الترتيب. ومثلما هو واضح من محتواه، هو عبارة عن دفاع مهتد يوناني عن نفسه، إنه “دفاع عن حياته” (Apologia pro vita sua). يهاجم الكاتب استباحة الآلهة الوثنية كما يصورها هوميروس (Homer) وهيزيود (Hesiod)، ثم يختم خطابه بدعوة حماسية لاعتناق المسيحية. ويدل كل من الأسلوب البلاغي الرفيع والمعرفة الممتازة بالأساطير اليونانية على أن القديس يوستينوس ليس بكاتب هذا العمل. ويرجع كتابة “الخطاب” على الأرجح إلى النصف الأول من القرن الثالث الميلادي، ونحن نملك نصين له: النص الأقصر موجود باللغة اليونانية، أما الأطول، والذي حرره شخص اسمه أمبروسيوس (Ambrosius)، فموجود فقط في ترجمة سريانية.
  3. أما العمل المعروف باسم “عن الرئاسة الواحدة” (De Monarchia) (6 فصول) هو مقال يسعى لإثبات وحدانية الله من خلال الاستشهاد بأشهر شعراء اليونان. ويشهد اختلاف الأسلوب الأدبي لهذا العمل عن أسلوب يوستينوس بأن يوستينوس ليس بكاتبه، علاوة على ذلك، يعطي يوسابيوس وصفاً لمحتوى عمل يوستينوس الأصيل (De Monarchia)، وهو لا يتطابق مع محتوى هذا المقال.

وإلى جانب هذه الأعمال الثلاثة، هناك عدد من الأعمال الأخرى التي تنسبها المخطوطة إلى يوستينوس. وتتشابه أربعة من هذه الأعمال بشدة من حيث اللغة والتعاليم اللاهوتية حتى إنه لا بد من أن يكون كاتبها شخصاً واحداً، ويبدو أن هذا الأخير قد عاش حوالي عام 400م وكان له علاقة ما بسوريا. وهذه المقالات هي:

  1. أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس: عمل يحتوي على مائة وواحد وستين سؤالاً وإجابة تتعلق بمسائل تاريخية، وعقائدية، وأخلاقية، وتفسيرية.
  2. أسئلة المسيحيين للأمم: تشتمل هذه المقالة على خمسة أسئلة عقائدية يوجهها المسيحيون إلى الوثنيين ثم يجيب الوثنيون عليها، لكن يتم تفنيد هذه الإجابات لكونها تعج بالتناقضات.
  3. أسئلة اليونانيين للمسيحيين: تشتمل هذه المقالة على خمسة عشر سؤالاً يسألها الوثنيون، والعدد نفسه من أجوبة المسيحيين، وذلك فيما يتعلق بجوهر الله، وقيامة الأموات، وعقائد مسيحية أخرى.
  4. تفنيد بعض العقائد الأرسطوطالية: ويفند هذا العمل، في خمس وستين فقرة، تعاليم أرسطو فيما يتعلق بالله والعالم.

ولقد تعذرت معرفة هوية الكاتب الحقيقية لهذه المقالات حتى اليوم، فينسبها (A. Harnack) إلى “ديودوروس الطرسوسي” (Diodorus of Tarsus)، في حين فكر آخرون في ثيودوريت الكورشي” (Theodoret of Cyrus) الذي تنسب إليه مخطوطة القسطنطينية كتابة “أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس”، لكن لا يمكننا أن نضمن بأي حال من الأحوال أن أياً منها هو الكاتب.

وإلى جانب هذه المقالات الأربع، تنسب المخطوطات المقالات التالية ليوستينوس:

  1. شرح الإيمان أو عن الثالوث (Expostitio Fedei seu de Trinitte)، وهو شرح لعقيدة الثالوث، وكاتب هذا العمل غير معروف، لكن يبدو أنه لا يعود إلى ما قبل القرن الخامس الميلادي.
  2. رسالة إلى زينا وسيرينوس (Epistola ad Zenam et Serenum)، وهي دليل مفصل للسلوك النسكي المسيحي، مع وصايا تتعلق بفضيلتي التواضع والهدوء وهي تذكرنا بالتعاليم الأخلاقية التي للفلسفة الرواقية. ويعتقد (P. Batiffol) أن “سيسينيوس القسطنطيني” هو كاتب الرسالة، وأنها قد كتبت حوالي عام 400م.

فكر القديس يوستينوس اللاهوتي

ينبغي أن نتذكر عند تحليل الفكر اللاهوتي للقديس يوستينوس، أننا لا نملك وصفاً كاملاً ومفصلاً للإيمان المسيحي بقلمه، كذلك يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أعماله اللاهوتية الأصلية، مثل “عن سلطان الله” و”عن النفس” و”عن قيامة الأموات” و”تفنيد جميع الهرطقات” و”ضد ماركيون”، قد فُقدت. ولا يمدنا “الدفاعان” و”الحوار مع تريفون” بصورة شاملة عن يوستينوس الشهيد كمعلم لاهوتي.

لقد كانت لدي يوستينوس، في الأعمال المضادة للهرطقات، فرصة أكبر بكثير ليبحث ويتعمق في المسائل الخاصة بالعقيدة، في حين أنه، عند دفاعه عن الإيمان ضد غير المؤمنين، يركز بالأكثر على احتكام الإيمان إلى العقل. ويسعى يوستينوس ليشير إلى التشابهات الحاصلة بين تعاليم الكنيسة وتعاليم المفكرين والشعراء اليونانيين، وذلك لكي يبين أن المسيحية هي الفلسفة الوحيدة الآمنة والمفيدة.

ولهذا السبب، ليس من المفاجئ أن يكشف التعليم اللاهوتي للقديس يوستينوس عن تأثير أفلاطوني؛ فمن بين كل النسق الفلسفية الوثنية، كان يوستينوس يُجل النسق الأفلاطوني بالأكثر.

1 – مفهوم الله

هناك بالفعل، في مفهوم يوستينوس عن الله، ميل واضح للفلسفة الأفلاطونية. الله لا بداية له، ومن هذه الحقيقة يجب علينا أن نستنتج أنه لا اسم له: “لا ينبغي أن نطلق اسماً على أبي الكل، غير المولود. لأن كل من يُدعى باسم يكون من سماه أكبر منه. أما الكلمات مثل “الآب” و”الله” و”الخالق” و”السيد” فليست أسماء، لكنها ألقاب مشتقة من أعماله ووظائفه الصالحة. إن لقب “الله” ليس اسماً، لكنه فكرة مزروعة في طبيعة البشر بخصوص الشيء الذي لا يمكن تفسيره”. (2: 6).

وأفضل اسم له هو “الآب”، لأنه بما أنه هو الخالق، فهو حقاً أبو كل الأشياء. وينكر يوستينوس الحضور الجوهري لله في كل مكان، فبحسبه، يسكن الله الآب في المناطق التي تعلو السماء، ولا يمكنه أن يغادر مكانه، ولهذا السبب لا يمكنه أن يظهر في العالم:

“إن من يملك أقل قدر من الذكاء لن يجرؤ أن يقول إن الخالق وأبا كل الأشياء قد ظهر في بقعة صغيرة من الأرض تاركاً كل الأمور فوق السمائية” (Dial. 60) “لأن الآب الذي لا ينطق به، ورب كل الأشياء، لا يأتي إلى أي مكان، ولا يسير، ولا ينام، ولا يقوم، بل يبقى في مكانه أيا كان هذا المكان، ينظر بسرعة ويسمع بسرعة، بلا عيون له ولا آذان، إلا أنه ذو قوة لا توصف؛ يعرف كل الأشياء، ولا يفلت واحد من ناظريه.

إنه لا يتحرك لأي بقعة من العالم كله ولا يتقيد بها، لأنه كان موجوداً قبل أن يخلق العالم. كيف إذن يمكنه أن يتكلم لأي شخص، أو أن يراه أي شخص، أو أن يظهر على أصغر بقعة من الأرض في حين كان الشعب في سيناء غير قادرين حتى على النظر إلى مجده الذي أرسله؟” (Dial. 127)

ولكن بما أن الله مُتعال وسام فوق كل البشر، من اللازم إذن أن يُقام جسر فوق الهوة التي تفصل بين الله والإنسان، وهذا ما فعله اللوغوس “الكلمة”، فاللوغوس هو الوسيط بين الله الآب والعالم. فالله يتواصل مع العالم من خلال اللوغوس فقط، ويظهر نفسه من خلاله بشكل حصري. إذاً، يكون اللوغوس هو الدليل إلى الله ومعلم الإنسان، وهو في الأصل كان يسكن كقوة بداخل الله، لكن قبل خلق العالم بوقت قصير، خرج وصدر منه ثم خلق العالم بنفسه.

ويوستينوس في حواره مع تريفون يشرح ولادة اللوغوس بصورتين مختلفتين: “إنها تشبه بالضبط ما نراه يحدث في حالة النار، تلك التي لا ينقص منها شيء عندما تُشعل منها نار أخرى لكن تبقى على حالها كما هي، كذلك تظهر النار التي أشعلت كما لو كانت موجودة من تلقاء نفسها بدون أن تنقص من وهج تلك التي أُشعلت منها”. (Dial. 61). أو بالضبط مثل العمل الذي يخرج من الإنسان بدون أن ينقص من جوهره. هكذا لا بد أن تفهم ولادة اللوغوس، الكلمة الإلهي، باعتبار عملية تحدث داخل الله.

أما عند الحديث عن العلاقة بين الآب والابن، فيبدو أن يوستينوس يميل إلى “الخضوعية” أو “التبعية التراتبية” (Subordinationism)، وهذا يتضح من كلامه في (Apology 2: 6): “ابنه الوحيد الذي يليق به وحده أن يسمى “الابن” و”الكلمة”، الوحيد الذي كان معه وولد منه قبل المخلوقات.

وعندما خلق الآب به في البدء كل شيء ودبره، سماه “المسيح” في إشارة إلى أنه قد مسح، وأن الله به دبر كل شيء”. ومن ثم، يبدو أن يوستينوس يفترض أن اللوغوس قد استقل خارجياً بغرض خلق العالم وتدبيره فقط[5]. لقد منحه الوظيف الشخصية وجوداً شخصياًن فأصبح شخصاً إلهياً، لكنه خاضع للآب[6]. (Cf. Dial. 61)

وتعاليم يوستينوس عن اللوغوس هي أهم تعاليمه، لأنها تشكل جسراً بين الفلسفة اليونانية والمسيحية، ذلك لأن يوستينوس يعلم أنه بالرغم من أن اللوغوس الإلهي قد ظهر بملئه في المسيح، إلا أن “بذرة اللوغوس” كانت قد انتشرت بين الجنس البشري برمته قبل المسيح بوقت طويل، لأن كل إنسان يمتلك بذرة من اللوغوس. ومن ثم، ليس فقط أنبياء العهد القديم، بل حتى الفلاسفة اليونانيون، قد حملوا بذرة خصبة من اللوغوس في نفوسهم، فعلى سبيل المثال، كان “هيراقليطس” (Heraclitus).

و”سقراط”، والفيلسوف الرواقي “ميسونيوس” (Musonius) هؤلاء الذين عاشوا بحسب توجيهات اللوغوس الكلمة الإلهي – مسيحيين حقاً: “لقد تعلمنا أن المسيح هو بكر الله، وقد أوضحنا أنه هو اللوغوس الذي يشترك فيه كل البشر، وأن هؤلاء الذين عاشوا بحسب اللوغوس هم مسيحيون، حتى لو اُعتبروا ملحدين، مثل هؤلاء الذين كانوا بين اليونانيين، سقراط، وهيراقليطس، وأناس مثلهم” (Apology 1: 46).

هكذا، لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين المسيحية والفلسفة، لأن: “كل حق نطق به البشر مهما كان هو ملك لنا نحن المسيحيين. لأننا، إلى جانب الله، نعبد ونحب اللوغوس الذي هو من الله غير المولود وغير الموصوف. لأنه من أجلنا صار إنساناً، حتى يشترك في آلامنا ويجلب لنا الشفاء. فكل الكُتاب، من خلال بذرة اللوغوس التي طعمت فيهم، كان لهم قبس من الحقيقة، لأن بذرة الشيء وتقليده الذي يعطى بحسب قدرة ذاك الذي يناله هو أمر، والشيء نفسه الذي يشترك فيه بحسب نعمة الله هو أمر مختلف تماماً” (Apology 2: 13)

ويقول أيضاً: “لأنه مهما كان الشيء الحسن الذي نطق به المشرعون أو الفلاسفة، فقد توصلوا إليه بعثورهم على جزء من اللوغوس والتأمل فيه. لكن بما أنهم لم يكن لديهم معرفة باللوغوس كاملاً، الذي هو المسيح، كانوا كثيراً ما يناقضون أنفسهم. كذلك هؤلاء الذين كانوا من جهة الولادة أقدم من المسيح، عندما كانوا يحاولون أن يفكروا في الأشياء ويثبتونها بالمنطق، كانوا يمثلون أمام المحاكم باعتبارهم أشراراً وفضوليين.

ولقد أُتُهم سقراط، الذي كان في هذا الاتجاه أكثر اجتهاداً من جميعهم، بنفس الجرائم التي نُتهم بها نحن. لأنهم قالوا إنه قدم آلهة جديدة، ولم يعتقد بهذه الآلهة التي اعترفت بها الدولة… لكن مسيحنا قد فعل هذه الأشياء بقوته الخاصة، لأنه لم يحدث أن أحداً آمن بسقراط إلى درجة أن يموت في سبيل هذه التعاليم، لكن المسيح، ذاك الذي كان معروفاً لسقراط جزئياً، لأنه كان ولا يزال اللوغوس الذي يسكن في كل إنسان.” (Apology 2: 10).

هكذا يعطي يوستينوس إثباتاً ميتافيزيقياً لوجود عناصر الحق في الفلسفة الوثنية، لكنه بالإضافة إلى هذا، لديه أيضاً إثبات تاريخي. فالفلاسفة الوثنيون قد نطقوا بالكثير من الأقوال الصحيحة لأنهم كانوا قد استعاروها من أدب اليهود، من العهد القديم:

“إن موسى أقدم من جميع الكُتاب اليونانيين، كما أنه مهما كانت أقوال كل من الفلاسفة والشعراء عن خلود النفس او العقاب ما بعد الموت، أو التأمل في الأمور السماوية، أو ما يشبه هذا من تعاليم، فقد حصلوا على مثل هذه التلميحات من الأنبياء، لأنها قد مكنتهم من أن يفهموا هذه الأمور ويفسروها. ومن ثم، يبدو أن هناك بذاراً للحق منتشرة بين جميع الناس”. (Apology 1: 44).

لكن المسيحيين وحدهم هم الذين يمتلكون الحق الكامل، لأنه في المسيح يتجلى الحق بذاته.

2 – مريم وحواء

كان يوستينوس هو أول كاتب مسيحي يضيف نظيراً للمقارنة التي كتبها القديس بولس الرسول بين آدم والمسيح، وذلك بمقارنة مريم بحواء، فهو يقول التالي في حواره مع تريفون (فصل 100) “لكن المسيح صار إنساناً بواسطة العذراء حتى يدمر العصيان الذي خرج من الحية نفس الطريقة التي بدأ بها.

لأن حواء التي كانت عذراء لم تدنس، بعدما حبلت بكلمة الحية، ولدت عصياناً وموتاً. لكن العذراء مريم نالت إيماناً وفرحاً عندما بشرها الملاك جبرائيل بالأخبار السارة، وهي أن روح الرب سيحل عليها، وقوة العلي ستظللها؛ لأن القدوس المولود منها هو ابن الله. وأجابته قائلة: “ليكن لي كقولك”. ومنها قد ولد ذاك الذي قد ثبت أن الكثير من نبوات الكتب المقدس تشير إليه، والذي به يدمر الله كلا من الحية وهؤلاء الملائكة، ومن مثلهم من البشر”.

3 – الملائكة والشياطين

يوستينوس هو أحد الكُتاب الأوائل الذين يشهدون لإكرام الملائكة: “الطغمات الأخرى من الملائكة الصالحين الذين يتبعونه ويتشبهون به، والروح النبوي الذي نعبده ونكرمه”. (Apology 1: 6).

والملائكة يعتنون بالبشر جميعاً من السماء: “إنه قد أسند مهمة العناية ببني البشر وكل الأشياء التي تحت السماء إلى ملائكة عينها عليهم” (Apology 2: 5).

ويوستينوس ينسب إلى الملائكة أجساماً تشبه الأجسام البشرية بالرغم من طبيعتها الروحانية: “مما هو واضح بالنسبة لنا هو أنهم يأكلون في السماء، هذا بالرغم من أنهم لا يتغذون على طعام يشبه طعام البشر؛ لأنه بالنسبة للمن الذي اغتذى عليه آباؤكم في الصحراء تقول الكتب المقدسة إنهم أكلوا “طعام الملائكة” (Dial. 57)

أما حقيقة كون القديس يوستينوس ينسب الجسد للملائكة فتظهر في رأيه بشأن سقوط الملائكة، فلقد كانت خطيئة الملائكة الساقطين تتمثل في اتصالهم الجنسي بنسوة بشريات: “لقد تعدت الملائكة هذه الوظيفة، وفتنت بحب النساء، وولدت أولاداً هم هؤلاء الذين نسميهم بالشياطين”. (Apol 2: 5).

والشياطين عقابهم في النار الأبدية بعد عودة المسيح (Apol. 1: 28). ولهذا، ما زالت لديهم القدرة حتى الآن ليضلوا البشر ويغووهم، فبعد مجيء المسيح أصبح كل مسعاهم هو أن يمنعوا الإنسان من الاهتداء إلى الله واللوغوس (Apol. 1: 26, 54, 57, 62). وهذا قد أثبته الهراطقة الذين هم أدوات الشياطين، لأنهم يبشرون بإله غير الآب وابنه.

لقد أعمت الشياطين اليهود وأثارتهم ليسببوا كل تلك الآلام للوغوس الذي ظهر في يسوع، لكن ولأنهم يعرفون أن المسح سوف يضم أغلب أتباعه من بين الأمم، لذلك كانوا متلهفين على نحو خاص ليفسدوا فرصته بينهم. ومن اللافت للنظر في هذا الخصوص ما يقوله يوستينوس عن تأثير اسم يسوع على الشياطين: “نحن نسميه المعين والمخلص، والقوة التي باسمها ترتعد الشياطين.

واليوم، عندما تُطرد الشياطين باسم يسوع المسيح، الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي حاكم اليهودية، تتم هزيمتهم. وهكذا يظهر للجميع أن أباه قد منحه قوة عظيمة جداً بها تخضع الشياطين لاسمه” (Dial. 30).

4 – الخطية الأصلية[7] والتأله

كان يوستينوس مقتنعاً بأن كل إنسان له إمكانية التأله وكان هذا على الأقل هو الحال في بداية الخليقة، لكن الأبوين الأولين قد وقعها في الخطية وجلبا الموت على نفسيهما. ولكن الآن، استعاد كل إنسان القدرة على أن يصبح إلهاً: “لقد خلقوا على مثال الله، متحررين من الآلام والموت، بشرط أن يحفظوا وصاياه، وحسبوا مستحقين أن يحملوا اسم أبنائه.

لكنهم – مثل آدم وحواء – جلبوا الموت على أنفسهم: ليكن تفسير المزمور (81) كما تريدونه أن يكون، لكن هكذا يظهر أن كل البشر قد حسبوا مستحقين أن يصبحوا آلهة وأن يكون لهم القدرة على أن يصبحوا أبناء للعلي. إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة كآدم وحواء”. (Dial. 124).

5 – المعمودية والإفخارستيا

إن وصف ليتورجية المعمودية وليتورجية الإفخارستيا الذي يعطيه يوستينوس في نهاية الدفاع الأول هو ذو قيمة استثنائية، فهو يقول بشأن المعمودية: “ولسوف أحكي أيضاً عن الطريقة التي بها نكرس أنفسنا لله حينما نُجدد من خلال المسيح، مخافة من أن نبدو غير منفصلين في الشرح الذي نقوم به إذا لم نذكرها. بما أن هناك كثيرين مقتنعون ومؤمنون بأن ما نعلم به ونقوله حقيقي آخذين على عاتقهم أن يعيشوا بحسبه، يتم إرشادهم ليصلوا ويتضرعوا إلى الله بالصوم من أجل غفران خطاياهم السابقة، ونصلي ونصوم معهم.

ثم نحضرهم إلى حيث يوجد ماء، فيجددون بنفس الطريقة التي تجددنا بها. لأنهم حينئذ ينالون الغسل بالماء باسم الله الآب سيد الكون، ومخلصنا يسوع المسيح والروح القدس… وقد تعلمنا من الرسل السبب في هذا – الطقس – لأننا في ميلادنا الأول قد ولدنا من اجتماع أبوينا بدون معرفتنا وبلا اختيار منا ثم كبرنا في عادات سيئة وتدريب شرير، وحتى لا نظل أولاداً للجبر والجهل بل نصبح أولاداً للاختيار والمعرفة، وحتى نحصل على غفران الخطايا التي ارتكبناها في السابق.

وهناك، يدعى ذاك الذي اختار أن يولد من جديد وتاب عن خطاياه باسم الله الآب سيد الكون، فذاك الذي يقود الشخص المزمع أن يغتسل إلى حيث الجرن يدعوه بذلك الاسم وحده. ويسمى هذا الغسل بـ “الاستنارة”، لأن هؤلاء الذين يتعلمون هذه الأمور يستنيرون روحياً. لكنه يدعوه أيضاً باسم يسوع المسيح الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي، وباسم الروح القدس الذي بواسطة الأنبياء سبق وأخبر بكل الأمور المتعلقة بيسوع المسيح”. (Apol. 1, 61).

وهناك وصفان لخدمة الإفخارستيا في دفاعي يوستينوس. يصف يوستينوس في الأول (فصل 65) الليتورجية الإفخارستية الخاصة بالمعمدين حديثاً، ويعطي في الثاني (فصل 67) تفاصيل خدمة الأحد المعتادة. وتبدأ خدمة الآحاد بقراءة من الأناجيل القانونية التي يسميها يوستينوس صراحة بـ “مذكرات الرسل”، أو قد جاء في القراءات. بعد هذا تصلي الجماعة من أجل المسيحيين وجميع البشر في العالم كله، وفي ختام الصلاة يتبادل الأعضاء جميعهم قُبلة السلام.

حينئذ، يقدم إلى الرئيس الخبز والخمر والماء، فيتلو صلاة التقديس عليها. ويوزع الشمامسة التقدمات التي تم تقديسها على الحاضرين ويوصلونها إلى الغائبين. غير أن يوستينوس يضيف صراحة أن هذا الخبز ليس خبزاً عادياً، وأن هذا الخمر ليس خمراً عادياً، لكنهما جسد ودم يسوع المتجسد، وهو يستشهد بكلمات التأسيس كدليل على هذا.

وقد تُرك أمر صياغة كلمات الصلاة الإفخارستيا للرئيس المحتفل، لكن يوستينوس يذكر أن الإفخارستيا تُقدس بصلاة تحتوي على كلمات المسيح نفسه. إذاً، يبدو أنه ليس فقط كلمات التأسيس هي التي كانت جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً ثابتاً من صلاة التقديس. لهذا السبب، يمكن للمرء هنا أن يتكلم عن ليتورجية نصف ثابتة (semirigid)، لأن بها عناصر ثابتة ولكن مع ذلك يبقى فيها مكان أيضاً للارتجال الشخصي الذي يقوم به الكاهن المُقدِس.

ومن الملفت للنظر أن يوستينوس، في وصفه لخدمة الإفخارستيا التي تتبع نوال سر المعمودية، لا يذكر القراءات التي تتلى من الكتب المقدسة ولا العظة التي يلقيها الرئيس، ويبدو أنهما قد حذفتا بسبب مراسم المعمودية التي سبقتهما.

أما وصفه للقداس الخاص بالمعمدين حديثاً فهو كالتالي: “لكننا، بعد أن نغسل ذاك الذي قد آمن ورضي، نحضره إلى هؤلاء المدعوين إخوة في مكان اجتماعهم، حتى نرفع معاً بكل قلوبنا صلاة لأجل أنفسنا، ولأجل الشخص الذي نال الاستنارة، ولأجل الآخرين الذين في كل مكان، حتى نُحسب مستحقين. والآن بعد أن عرفنا الحق، يجب أن نكون مواطنين صالحين وحافظين للوصية، وذلك حتى ننال الخلاص الأبدي. وبعد أن نفرغ من الصلاة، نسلم على بعضنا بعضاً بقبلة.

حينئذ يُقدم إلى رئيس الإخوة خبزاً وكأساً من الماء والخمر، فيستلمهما، ثم يأخذهما معطياً التسبيح والمجد لأبي كل شيء باسم ابنه والروح القدس؛ ثم يقدم شكراً طويلاً لكوننا قد حُسبنا مستحقين أن ننال هذه الأمور على يديه. وبعد أن يختم الصلوات والتشكرات، يبدي جميع الحاضرين موافقتهم بقولهم “آمين”، وهذه الكلمة “آمين” باللغة الآرامية تعني “ليكن كذلك”.

وبعد أن يحتفل الرئيس بالإفخارستيا، ويبدي الجميع موافقتهم، يقوم هؤلاء الذين ندعوهم شمامسة بإعطاء كل واحد من الحضور جزءً من خبز الإفخارستيا والخمر والماء، ثم يبقون على جزء للغائبين. ونحن نسمي هذا الطعام “الإفخارستيا”، ولا يسمح لأحد أن يشترك فيه إلا من يؤمن أن الأمور التي نُعلم بها صحيحة واغتسل في الحوض من أجل غفران الخطايا والولادة الجديدة، ومن ثم يعيش وفقاً لما أمر به المسيح.

نحن لا نتناول الخبز والخمر كأنهما خبز وخمر عاديان، لكن كما أن كلمة الله يسوع المسيح مخلصنا قد صار جسداً وصار له لحم ودم من أجل خلاصنا، هكذا أيضاً الطعام الذي يبارك بكلمة الصلاة التي خرجت منه والذي تغتذي عليه أجسادنا ودماؤنا بالاستحالة، هو أيضاً – كما تعلمنا – جسد ودم يسوع المسيح نفسه الذي صار جسداً؛ لأن الرسل في المذكرات التي كتبوها والمدعوة أناجيل قد أوضحوا أنهم قد أُمروا أن يفعلوا كالتالي: أن يسوع قد أخذ خبزاً وشكر وقال: “اصنعوا هذا لذكري، هذا هو جسدي”، وبطريقة مماثلة، شكر وقال: “هذا هو دمي”، ثم ناولهما لهم وحدهم”. (Apology 1: 62).

ويعطي القديس يوستينوس وصفاً لقداس الأحد العادي في الفصل رقم (67). وهو يفسر حقيقة كون هذا اليوم قد أُختير ليصبح يوم الاجتماع الليتورجي للجماعة المسيحية بقوله إنه فيه خلق الله العالم وقام المسيح من بين الأموات: “وفي ذلك اليوم الذي يُدعى الأحد، يجتمع كل من يعيش في القرى أو المدينة في مكان واحد، ثم تُقرأ مذكرات الرسل أو كتابات الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت. ثم يختم القارئ، فيرشدنا الرئيس ويعظنا لنتمثل بهذه الأمور الرائعة، ثم ننهض جميعاً ونقدم صلواتنا.

وكما قلت قبلاً، بعد أن نختم صلواتنا يؤتى بخبز وخمر وماء، ثم يقوم الرئيس على نحو مماثل برفع صلوات وتشكرات بقدر ما يستطيع، فيوافق الناس قائلين: “آمين”، وتوزع الإفخارسيتا ويشترك الجميع فيها، وترسل أجزاء للغائبين بواسطة الشمامسة. ثم يتبرع الأغنياء إذا ما أرادوا، بالذي يريدون أن يتبرعوا به، كل بحسب ما يقدمه.

وتترك التبرعات في عهدة الرئيس الذي يساعد بها الأيتام، والأرامل، والمحتاجين بسبب المرض أو أي سبب آخر، وهؤلاء الذين في السجون والغرباء الذين في سفر، وباختصار، كل من في حاجة. لكن يوم الأحد هو اليوم الذي نقيم فيه اجتماعنا العام لأنه هو اليوم الأول الذي خلق فيه العالم عندما حول الظلام والمادة. وقد قام يسوع المسيح مخلصنا من بين الأموات في اليوم نفسه”. (Apology 1: 67).

وقد ثار نقاش حاد لا يزال مستمراً حول ما إذا كان يوستينوس قد اعتبر الإفخارستيا ذبيحة أم لا. لكن، يمكننا أن نجد الفقرة الحاسمة بخصوص هذا الأمر في حواره مع تريفون اليهودي (الفصل 41): “لا مسرة لي بكم يقول الرب؛ ولا أقبل ذبائحكم من أيديكم. لأنه من مشرق الشمس إلى مغاربها قد تعظم اسمي بين الأمم، وفي كل مكان يقدم لاسمي بخور وذبيحة طاهرة.

لأن اسمي عظيم بين الأمم يقول الرب، أما أنتم فنجستموه”. ثم يتكلم عن هؤلاء الأمم، يقصدنا نحن، الذين في كل مكان يقدمون له الذبائح. أي خبز الإفخارستيا وأيضاً كأس الإفخارستيا، مؤكداً على أننا نعظم اسمه وأنتم تنجسونه”. ولا شك أن يوستينوس هنا يساوي بوضوح بين الإفخارستيا والذبيحة التي تنبأ عنها ملاخي.

غير أنه ثمة فقرات أخرى يرفض فيها يوستينوس الذبائح بشكل واضح، وهكذا يقول في حواره (فصل 117): “اعترف أنه الآن عندما تُقدم هذه الصلوات والتشكرات – ذبيحة الشكر (الإفخارستيا) بواسطة رجال يستحقون، تكون هي الذبائح الوحيدة المرضية عند الله”.

كما أن لديه فكرة مشابهة تظهر في الفصل (13) من دفاعه الأول: “إن الإكرام الوحيد اللائق به هو ألا نحرف بالنار ما قد خلقه لإعالتنا، لكن أن نستخدمه لفائدتنا ولفائدة المحتاجين، وأن نقدم له الشكر بامتنان بالتسابيح والتراتيل، لأنه قد خلقنا”.

وقد استنتج البعض من هذه التعليقات أن يوستينونس يرفض الذبائح كلها ويقبل الصلاة فقط، خاصة الصلاة الإفخارستيا. لكن هذا التفسير لا يفي فكره حقه، فلا يمكن لأحد أن يدرك مفهوم يوستينوس عن الذبيحة إن لم يأخذ في حسبانه تعاليمه فيما يخص اللوغوس. إن ما يرفضه يوستينوس حقاً عن الذبائح المادية الحيوانية كما مارسها كل من اليهود والوثنين.

وهو يحاول بمفهومه عن الذبيحة أن يصنع جسراً يعبر الفجوة التي تفصل بين الفلسفة الوثنية والمسيحية بالضبط كما يستخدم مفهومه عن اللوغوس لنفس الغرض. إن مفهومه المثالي عن الذبيحة هو أو الذبيحة العقلية التي أعلن الفلاسفة اليونانيين أنها هي العبادة الوحيدة اللائقة بالله. في هذه الحالة، كما في حالة اللوغوس تعتبر المسيحية بمثابة التحقيق الكامل للمُثُل الفلسفية لأن بها مثل هذه الذبيحة.

لهذا السبب، يتفق يوستينوس مع كل من الفلاسفة اليونانيين وأنبياء العهد القديم في أن الذبائح الخارجية لا بد أن تبطل، فلم يعد هناك مكان للذبائح الدموية المادية. إن الإفخارستيا هي الذبيحة العقلية التي طال انتظارها، إنها هي الـ، وذلك لأن اللوغوس نفسه يسوع المسيح هو الذبيحة. وتعريف يوستينوس لـ باعتبار هي نفسها الإفخارستيا قد ثبت أنه صحيح.

كما أنه بإدخال يوستينوس هذه الفكرة الى التعليم المسيحي، استأثر للمسيحية بأرفع إنجازات الفلسفة اليونانية، وشدد في الوقت نفسه على الطابع الجديد والمميز للعبادة المسيحية. لقد أبقى يوستينوس على الذبيحة المدركة بالحواس، لكنه من ناحية أخرى شدد على الطابع الروحاني للعبادة المسيحية، الذي بسببه تفوقت على الذبائح الوثنية واليهودية جميعها. وهكذا يُعبر مصطلح “الذبيحة العقلية” (Oblatio rationabilis) الوارد في ليتورجية القداس الروماني، عن مفهوم يوستينوس للذبيحة أفضل من أي كلمة أخرى.

6 – الأفكار الأخروية

أما فيما يتعلق بأفكار يوستينوس الأخروية، فهو يشارك المؤمنين بالملك الألفي اعتقادهم بهذا الملك: “لكن أنا وغيري من المسيحيين ذوي الآراء السليمة في كل شيء متأكدون من أنه سيكون هناك قيامة للموتى ثم ألف سنة في أورشليم التي سوف تُبنى وتُزين وتوسع”. لكنه يشعر أنه ملزم بأن يعترف بأنه ليس كل المسيحيين لهم نفس وجهة النظر الألفية تلك: “إني أقول لك إن كثيراً من هؤلاء الذين ينتمون إلى الإيمان النقي والصالح هم مسيحيون حقيقيون لكنهم يفكرون بطريقة مختلفة”. (Dialogye 80).

وبحسب يوستينوس، تدخل أرواح المنتقلين إلى الهاوية أولاً ثم تبقى هناك إلى أن ينتهي العالم. والاستثناء الوحيد هم الشهداء، فأرواحهم تذهب مباشرة إلى السماء. لكن حتى في الهاوية، تنفصل أرواح الصالحين عن أرواح الأشرار، فأرواح الصالحين تبتهج متوقعة خلاصها الأبدي، بينما أرواح الأشرار تعسة بسبب عقوبتها وشيكة الوقوع. (Dialouge 5; 80).

 

[1] لمزيد من المعلومات عن حياة وكتابات فكر القديس يوستينوس، انظر “القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، مركز باناريون للتراث الآبائي، الطبعة الأولى، 2012.

[2] هي مدرسة فلسفية في اليونان القديمة، استمدوا أفكارهم من مؤسس تلك المدرسة الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي سماه تلاميذه المشّاء. (المراجع)

[3] الفلسفة الكلبية (Cynicism) مذهب فلسفي أسسه في القرن الرابع قبل الميلاد الفيلسوف أنتيسثينيز، أحد أتباع الفيلسوف اليوناني سقراط. وكانت نقطة البداية لهذا الفيلسوف هي مذهب معلمه، الذي يرى الفضيلة وليس المتعة – الهدف الأساسي للحياة، وأنها تمثل السعادة الحقيقية. (المراجع)

[4] هو كتاب يحوي الشريعة الشفوية، ويشمل التشريعات والشروحات اليهودية، وقد جمعه يهوذا هاتاسي حوالي عام (200-220م) (المراجع).

[5] إن تعبير “ولد منه قبل المخلوقات” لا يعني أن الولادة قد حدثت قبل خلق المخلوقات بفترة وجيزة أو قد حدثت فقط من أجل خلق المخلوقات، ولكن هذا التعبير قد يعني التفريق بين ولادة الابن الأزلي والتي بالتأكيد هي قبل خلق المخلوقات في الزمن. (المراجع)

[6] يقول ق. يوستينوس في حوار: 61 عن الابن “يصنع إرادة الآب وولد بإرادة الآب” ومن الواضح أنه لم يكن يفرق بين الولادة بالطبيعة من جوهر الآب والولادة بإرادة الآب وهو ما يبدو واضحاً من كلامه التالي، فعلى الرغم من أنه يقول عن الابن إنه ولد بإرادة الآب إلا أنه يصفه بأنه كلمة الآب وحكمته وقدرته ومجده وهذا في الحقيقة يتماشى مع التعليم بأن الابن مولود بالطبيعة وليس بالإرادة من جوهر الآب. وهذا الأمر قد حسمه الآباء في مجمع نيقية فيما بعد حيث أكدوا أن الابن مولود بالطبيعة من جوهر الآب وليس بإرادة الآب. (المراجع)

[7] المقصود هنا هو الخطية الأولى التي دخل بها الموت إلى العالم.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

 

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

أسئلة يسألها المسلمون ج25 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج25 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج25 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج25 والرد المسيحي عليها


59
هل قـال المسـيح أنا ربكـم فاعبـدونـي؟

أو أنا ربكم فاعبدوني؟

وأن كان قد قال ذلك، فأين ورد في الأناجيل؟

هل قال ذلك بشكل مباشر أم بشكل غير مباشر؟

وهل قال ذلك صراحة؟

وإن لم يكن كذلك فلماذا لم يقل ذلك صراحة وعلانية؟

† إعلان المسيح عن لاهوته وربوبيته: ورغم كل ذلك فقد أعلن الرب يسوع المسيح حقيقة لاهوته وربوبتيه عشرات المرات وإن كان ذلك صراحة ووضوح، سواء في الإنجيل للقديس يوحنا أو في الأناجيل الثلاثة الأخرى، كما سنرى. ونبدأ بإجابة الرب يسوع المسيح لليهود على سؤالين؛ الأول سأله هو نفسه لهم والثاني في إجابة له على سؤال وجهوه هم له في حوار معهم.

  1. رب داود، ورب الكل؛ ففي سؤاله لهم، رؤساء اليهود، استشهد الرب يسوع المسيح بنبوة داود النبي عن لاهوته وربوبيته وقال لهم: “ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟” قالوا له: “ابن داود”. قال لهم: “فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان دواد يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟” فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة. ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله البتة.” (متى 22: 42-46).

    وهنا يؤكد الرب يسوع المسيح في سؤاله لهم أنه رب داود الجالس عن يمين العظمة في السماوات. فمن هو رب داود؟ والإجابة هي: رب داود هو الله! فالكتاب يقول: “اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد” (تث 6: 4)، وأيضاً “الرب إلهك تتقي وإياه وحده تعبد” (تث 6: 13؛ مت 4: 10). وقد أكد ذلك أيضاً السيد المسيح نفسه في قوله “إن أول كل الوصايا هي: سمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد” (مرقص 12: 29).

    والكتاب يقول أيضاً أن الرب يسوع المسيح نفسه هو هذا الرب الواحد “لكن لنا إله واحد: الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له. ورب واحد: يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به” (1كو 8: 6). ويقول القديس بطرس عنه بالروح “هذا هو رب الكل.” (أع 10: 36).

  2. الكائن قبل إبراهيم وإله إبراهيم وفي حوار له مع رؤساء اليهود يقول الكتاب المقدس أنه قال لهم “الحق الحق أقول لكم: إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد”. فقال له اليهود، قد مات إبراهيم والأنبياء وأنت تقول: “إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يذوق الموت إلى الأبد”. ألعلك أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات. والأنبياء ماتوا. من تجعل نفسك؟” أجاب يسوع: أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح” (يو 8: 51-56).

    وهو هنا يؤكد ما قاله لتلاميذه “طوبى لعيونكم لأنها تبصر ولآذانكم لأنها تسمع. فإني الحق أقول لكم: إن أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا” (مت 13: 16-17)، فقال له اليهود: “ليس لك خمسون سنة بعد أفرأيت إبراهيم؟” قال لهم يسوع: “الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى هكذا” (يو 8: 57-59).

وهنا أثار قوله “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” غضب اليهود وجعلهم يحنقون عليه ويقرروا موته رجماً بالحجارة “فرفعوا حجارة ليرجموه”. لماذا؟ لأنهم اعتقدوا أنه يجدف على الله وينسب لنفسه ما لله ويسمي نفسه باسم الله، أي يقول “إني أنا الله”. كيف ذلك؟ لأن كلامه هذا له أكثر من مغزى، كلها تدل على أنه يقول صراحة “إنه الله”!

أولاً: يقول إنه قبل أن يوجد إبراهيم، منذ حوالي 2000 سنة ق.م، كان هو موجوداً. أي أنه يؤكد على وجوده السابق، قبل إبراهيم. وبالتالي على وجوده السابق للتجسد والميلاد من العذراء، فقد كان موجوداً قبل أن يظهر على الأرض، وهذا يعني أنه كائناً في السماء.

ثانياً: يقول بالحرف الواحد “أنا كائن”، وهذا القول يعني حرفياً “أنا أكون” و الكائن” وباليونانية “I Am – # – Ego eimi”. وهو هنا يستخدم نفس التعبير الذي عبر به الله عن نفسه عندما ظهر لموسى النبي في العليقة وعندما سأله موسى عن اسمه، قال “أهيه الذي أهيه” (ومعناه أنا الكائن الدائم). وأضاف: “هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه، هو الذي أرسلني إليكم”. وقال أيضاً لموسى: “هكذا تقول لشعب إسرائيل:

إن الرب “يهوه – الكائن” إله آبائكم، إله إبراهيم واسحق ويعقوب قد أرسلني إليكم. هذا هو اسمي إلى الأبد، وهو الاسم الذي أدعى به من جيل إلى جيل” (خر 3: 14-15). أي أن الرب يسوع المسيح يعطي لنفسه نفس الاسم الذي عبر به الله عن نفسه “أنا الكائن الدائم. الكائن الذي يكون” والذي يساوي يهوه (الكائن) الذي هو اسم الله الوحيد في العهد القديم. أي أنه يقول لهم “أنا الكائن الدائم” الذي ظهر لموسى في العليقة، وهذا ما جعل اليهود يثورون عليه ويحنقون لأنهم أدركوا أنه يعني أنه هو “الله” نفسه “الكائن الدائم”. وهذا الاسم لا يمكن أن يطلق على غير الله ذاته والذي يقول الله عنه “أنا الرب (يهوه = الكائن) هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر” (أش 42: 8).

ثالثاُ: كما أن الرب يسوع المسيح يسـتخدم في قوله هذا، الزمن الحاضر (المضارع) “أكون – # – I Am” والذي يدل على الوجود المستمر، بلا بداية وبلا نهاية، وهو هنا يعني أنه “الكائن” دائماً، والذي “كان” أزلاً بلا بداية، والذي “سيكون” أبداً بلا نهاية، الموجود دائماً في الماضي بلا بداية، والحاضر دائماً، والمستقل بلا نهاية، كقوله في سفر الرؤيا “أنا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر” (رؤ 22: 13).

إذا فهو يعلن صراحة أنه هو الرب الإله الواحد المعبود، والكائن الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية!! ولذلك فعندما قال له تلميذه توما “ربي وإلهي” قال له “لأنك رأيتني يا توما آمنت! طوبى للذين آمنوا ولم يروا” (يو 20: 28-29). وهذا ما أكده مرات عديدة:

  1. فقد أعلن أنه الأزلي الأبدي الذي لا بداية له ولا نهاية (غير المحدود بالزمان): حيث يقول هو في سفر الرؤيا “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء” (رؤ 1: 8).

† “أنا هو الألف والياء. الأول والآخر” (رؤ 1: 11).

† “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً” (رؤ 21: 6).

† “أنا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر” (رؤ 22: 13).

† “لا تخف، أنا هو الأول والآخر” (رؤ 1: 17).

  1. ويقول “أنا و”أنا” هو بنفس القوة الإلهية، كما يقولها الله: فيسـتخدم تعبـير “أنا” و”أنا هو I Am – #” بمعنى أنا صاحب السلطان على الكون كله والخليقة كلها، وأنا، الله، الكائن على الكل “الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد” (رو 9: 5)، بنفس الأسلوب والطريقة التي تكلم بها الله في العهد القديم. فعندما سأل موسى النبي الله عن اسمه قال له الله “أهيه الذي أهيه (أكون الذي أكون)” (خر 3: 15) والتي تعني، كما بينا أعلاه “أنا كائن”، “أنا الكائن الدائم” والإله الوحيد الذي ليس مثله أو سواه ولا يوجد آخر غيره أو معه، كقول الله ذاته في العهد القديم:

† “انظروا الآن! أنا أنا هو وليس إله معي. أنا أميت وأحيي. سحقت وإني أشفي وليس من يدي مخلص” (تث 32: 39).

† “من البدء؟ أنا الرب الأول ومع الآخرين أنا هو” (أش 41: 4).

† “إني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون” (أش 43: 10).

† “أن هو ولا منقذ من يدي. أفعل ومن يرد؟” (أش 43: 13).

† “أنا أنا هو الماحي ذنوبك لأجل نفس وخطاياك لا أذكرها” (أش 43: 25).

† “أنا هو. أنا الأول وأنا الآخر” (أش 48: 12).

† “أنا أنا هو معزيكم” (أش 51: 12).

ويستخدم الرب يسوع المسيح تعبير “أنا” في الموعظة على الجبل بالمقابلة مع الله، فيقول:

† “قيل للقدماء: لا تقتل… وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم” (مت 5: 21-22).

† “قيل للقدماء: لا تزن… وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه” (مت 5: 27-28).

† “وقيل: من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق… وأما أنا فأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني” (مت 5: 31-33).

† ” سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تحنث بل أوف للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتة” (مت 5: 33-34).

† “سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً” (مت 5: 38-39).

† “سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم. باركوا لاعينكم. أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم” (مت 5: 43-44).

وهو هنا يتكمل كصاحب سلطان على الشريعة والإله الذي أعطاها وصاحبها.

كما يستخدم تعبير “أنا هو I Am – #”، كما استخدمها الله في العهد القديم، بكل معانيها اللاهوتية التي تؤكد لاهوته وكونه هو ذاته الله، الله الكلمة:

† “فللوقت قال لهم يسوع: “تشجعوا! أنا هو لا تخافوا” (مت 14: 27).

† “لأن الجميع رأوه واضطربوا. فللوقت قال لهم: “ثقوا. أنا هو، لا تخافوا” (مر 6: 50).

† فقال يسوع: “أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء” (مر 14: 62).

† “فقال الجميع: أفأنت ابن الله؟ فقال لهم: أنتم تقولون إني أنا هو”. (لو 22: 70).

† “فقال لهم: أنا هو لا تخافوا” (يو 6: 20).

† “فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة. من يقبل إلي فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً” (يو 6: 35).

† “فكان اليهود يتذمرون عليه لأنه قال: أنا هو الخبز الذي نزل من السماء” (يو 6: 41)

† “أنا هو خبز الحياة” (يو 6: 48).

† “أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم” (يو 6: 51).

† “ثم كلمهم يسوع أيضاً قائلاً: “أنا هو نور العالم. من يتبعني لا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة” (يو 8: 12).

† “لأنكم إن لم تؤمنوا إني أنا هو تموتون في خطاياكم” (يو 8: 24).

† “فقال لهم يسوع: “متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون إني أنا هو ولست أفعل شيئاً من نفسي بل أتكلم بهذا كما علمني أبي” (يو 8: 28).

† “أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى” (يو 10: 9).

† “أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو 10: 11).

† “قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يو 11: 25).

† “أقول لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون إني أنا هو” (يو 13: 19).

† “قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي”. (يو 14: 6).

† “فلما قال لهم: إني أنا هو. رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض” (يو 18: 6).

† “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء” (رؤ 1: 8).

† “قائلاً لي: لا تخف، أنا هو الأول والآخر” (رؤ 1: 17).

† “إن أنا هو الفاحص الكلى والقلوب، وسأعطي كل واحد منكم بحسب أعماله” (رؤ 2: 23).

† “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً” (رؤ 21: 6).

  1. ولذا فقد أعلن أنه النازل من السماء:

† “لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني” (يو 6: 38).

† “أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء” (يو 6 51).

† “هذا هو الخبز الذي نزل من السماء. ليس كما أكل أباؤكم المن وماتوا. من يأكل هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد” (يو 6: 58).

† وهذا ما جعل اليهود يتذمرون عليه قائلين: “أليس هذا هو يسوع بن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه. فكيف يقول هذا: إني نزلت من السماء؟” (يو 6: 42).

† “فكان اليهود يتذمرون عليه لأنه قال: “أنا هو الخبز الذي نزل من السماء” (يو 6: 41).

  1. والخارج من عند الله الآب والذي هو من ذات الآب وفي ذات الآب:

† “فقال لهم يسوع: “لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من قبل الله وأتيت” (يو 8: 42).

† خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم وأيضاً أترك العالم وأذهب إلى الآب” (يو 16: 28).

† “لأن الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم وهم قبلوا وعلموا يقيناً أني خرجت من عندك” (يو 17: 8).

† “أنا أتكلم بما رأيت عند أبي” (يو 8: 38).

† فقال يسوع: “أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي” (يو 10: 32).

† “لأن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني وآمنتم أني من عند الله خرجت” (يو 16: 27).

† “خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم وأيضاً أترك العالم وأذهب إلى الآب” (يو 16: 28).

ويؤكد انه خرج من عند الله الآب، من قبل الله الآب، لأنه هو نفسه من الآب، من ذات الآب، وفي ذات الآب، فهو عند الآب، وفي حضن الآب.

† “أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني” (يو 7: 29)

† “أنا في الآب والآب فيّ” (يو 14: 10).

† “صدقوني أني في الآب والآب فيّ” (يو 14: 11).

فهو كما يقول القديس يوحنا بالروح “الأبن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر” (يو 1: 18).

كان عند الآبن في ذات الآب ومن ذات الآب لأنه كلمة الله وعقله الناطق “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله” (يو1: 1).

  1. والواحد مع الآب في الجوهر:

إنه هو الواحد مع الآب في الجوهر، الذي من ذات الآب وفي ذات الآب بحسب لاهوته” الابن الوحيد الذي هو في حضن الاب هو خبر” (يو 1: 18).

“أنا والآب واحد” (يو 10: 30).

“إن أنا في الآب والآب فيّ… صدقوني أني في الآب والآب فيّ” (يو 14: 10-11).

  1. وأنه الموجود في السماء وعلى الأرض وفي كل مكان في آن واحد (غير المحدود بالمكان):

يقول عن نفسه “وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو 3: 13).

فهو في السماء وعلى الأرض في آن واحد.

وأيضاً “لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم” (مت 18: 20). أي أنه مع كل من يصلي باسمه في كل مكان.

وعند صعوده قال لتلاميذه “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (مت 28: 19-20). أي أنه معهم في كل مكان وزمان.

ويقول القديس مرقص بالروح “ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله. وأما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة” (مر 16: 19-20).

كان يجلس على العرش في السماء وفي نفس الوقت كان يعمل مع تلاميذه في كل مكان على الأرض.

  1. والموجود مع الآب وفي ذات الآب قبل كل خليقة:

 “قال لهم يسوع: الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن”. (يو 8: 58).

أي أنه موجود قبل إبراهيم وموجود دائماً “أنا كائن” بلا بداية وبلا نهاية.

وخاطب الآب قائلاً “والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم” (يو 17: 5). وأيضاً “لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم” (يو 17: 24).

  1. وأنه الحي ومعطي الحياة:

وقال عن نفسه أنه هو الحي الذي لا يموت كإله، الذي له الحياة في ذاته ومعطي الحياة” فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس” (يو 1: 4)، “إني أنا حي فأنتم ستحيون” (يو 14: 19).

“كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب” (يو 6: 57).

“والحي. وكنت ميتاً وها أنا حي إلى أبد الآبدين. آمين. ولي مفاتيح الهاوية والموت” (رؤ 1: 18).

  1. وأنه هو ملك الملوك ورب الأرباب:

يقول الكتاب عنه أنه هو ملك الملوك ورب الأرباب كإله “لأنه رب الأرباب وملك الملوك” (رؤ 17: 14)، “وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب: ملك الملوك ورب الأرباب” (رؤ 19: 16) وأكد هو ذاته هذه الحقيقة عندما قال لبيلاطس “مملكتي ليس من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتي من هنا” (يو 18: 36).

  1. وأنه هو الرب، الله ذاته:

حيث يقول: ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات” (مت 7: 21).

كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة” (مت 7: 22).

فهو رب الطبيعة والذي تخضع له كل عناصر الطبيعة فقد حول الماء إلى خمر (يو 2: 1-10)، ومشى على مياه البحر الهائج (مت 14: 25؛ مر 6: 49؛ يو 6: 19)، “فقام وانتهر الريح وقال للبحر: “اسكت أبكم”. فسكنت الريح وصار هدوء عظيم… فخافوا خوفاً عظيماً وقالوا بعضهم لبعض: “من هو ذا؟ فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه!” (مر 4: 39-41). وعندما مات كإنسان على الصليب بحسب الطبيعة البشرية التي له، أعلنت الطبيعة احتجاجها “وأظلمت الشمس” (لو 23: 45)، “وإذا بحجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل. والأرض تزلزلت والصخور تشققت والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين. وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان خافوا جداً وقالوا: “حقاً كان هذا ابن الله” (مت 27: 51-54).

  1. وأعلن أنه صاحب السلطان على كل ما في السماوات وعلى الأرض:

هو ابن الله الوحيد الجنس الذي في حضن الآب ومن ذات الآب (يو 1: 18). الذي له السلطان على كل ما في السماء وعلى الأرض، كل ما في الكون كما تنبأ عنه دانيال النبي قائلاً إنه “فأعطي سلطان ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض” (دا 7: 14).

لذا يقول هو نفسه لتلاميذه “دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض” (مت 28: 18)، وإن له سلطان حتى على نفسه “ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصية قبلتها من أبي” (يو 10: 18).

  1. وأنه كلي العلم، العالم بكل شيء:

يقول الكتاب عن معرفته المطلقة بالإنسان “فعلم يسوع أفكارهم” (مت 9: 4؛ مت 12: 25)، “فعلم يسوع خبثهم” (مت 22: 18).

“لأنه كان يعرف الجميع” (يو 2: 24)، “لأنه لم يكن محتاجاً أن يشهد أحد عن الإنسان لأنه علم ما كان في الإنسان” (يو 2: 25)، وقد كشف ما سيحدث في المستقبل لتلاميذه وبحسب تعبيره هو يقول:

† “ها أنا قد سبقت وأخبرتكم” (مت 24: 25).

† “أقول لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون أني أنا هو” (يو 13: 19).

† “وقلت لكم الان قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون” (يو 14: 29).

† ووصف لهم كل ما سيحدث لهم بعد صعوده وما سيحدث للكنيسة حتى وقت مجيئه الثاني في مجد “سيخرجونكم من المجامع بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمه لله. وسيفعلون هذا بكم لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني. لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلت لكم. ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم” (يو 16: 2-4).

† وعندما قابل تلميذه نثنائيل أكد له أنه رآه وهو تحت التينة قبل أن يأتي إليه: “قال له نثنائيل: من أين تعرفني؟ أجاب يسوع: قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك”. فقال نثنائيل: يا معلم أنت ابن الله!” (يو 1: 48-49).

† وكشف أسرار المرأة السامرية: “قال لها يسوع: اذهبي وادعي زوجك وتعالي إلى ههنا” أجابت المرأة: “ليس لي زوج”. قال لها يسوع: “حسناً قلت ليس لي زوج لأنه كان لك خمسة أزواج والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلت بالصدق. قالت له المرأة: يا سيد أرى أنك نبي! … هلموا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت. ألعل هذا هو المسيح” (يو 4: 16-19، 29).

† وكان يعلم من سيؤمن به ومن لا يؤمن، “لأن يسوع من البدء علم من هم الذين لا يؤمنون ومن هو الذي يسلمه” (يو 6: 64).

† وكان يعلم ساعته المحتومة ليصلب “وأما يسوع فأجابهما: قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان” (يو 12: 23)، “أما يسوع قبل عيد الفصح هو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب” (يو 13: 1)، “فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه” (يو 18: 4)، وكان يعلم من هو الذي يسلمه “لأنه عرف مسلمه” (يو 13: 11)، وبالتجربة عرف تلاميذه أنه يعلم كل شيء: “الآن نعلم أنك عالم بكل شيء ولست تحتاج أن يسألك أحد.

لهذا نؤمن أنك من الله خرجت. أجابهم يسوع: “الآن تؤمنون؟ هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي. وأنا لست وحدي لأن الآب معي. قد كلمتكم بهذا ليكون لكم في سلام. في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم” (يو 16: 30-33).

لذلك يقول الكتاب عنه “المسيح المدخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” (كو 2: 2-3). كما يقول الكتاب عنه أيضاً: “يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد” (عب 13: 8)، أي غير المتغير.

  1. إعلان أنه المعبود

قال الله في العهد القديم “الرب إلهك تتقي وإياه تعبد وباسمه تحلف” (تث 6: 13)، وقال الرب يسوع المسيح في العهد الجديد “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (مت 4: 10). إذا الله وحده هو المعبود، والكتاب أيضاً يقول أن الرب يسوع المسيح هو المعبود، كما سبق وتنبأ عنه دانيال النبي قائلاً “كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن انسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض” (دا 7: 13-14).

وقد أعلن عن نفسه أنه الذي يصلى إليه وأنه هو سامع الصلاة، وأنه هو الذي يستجيب للصلاة، وأنه هو الذي يعطي القوة الغلبة، الذي يقوي ويجعلنا نغلب الشرير، فقال:

† “لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم” (مت 18: 20).

† “ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد الآب بالابن” (يو 14: 13).

† “إن سألتم شيئاً باسمي فإني أفعله” (يو 14: 14).

† “ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات” (مت 7: 21).

† “ولماذا تدعونني: يا رب يارب وأنتم لا تفعلون ما أقوله؟” (لو 6: 46).

† ولذا فقد صلت إليه الكنيسة عند اختيار متياس الرسول بديلاً عن يهوذا قائلة: “أيها الرب العارف قلوب الجميع عين أنت من هذين الاثنين أياً اخترته” (أع 1: 24).

† كما يقول القديس بولس بالروح “من جهة هذا (آلام شوكة الجسد) تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني. فقال لي: “تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل”. فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي، لكي تحل عليّ قوة المسيح” (2كو 12: 8-9).

† كما يشكره لأنه قواه “وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني” (1تي 1: 12).

† وقال له توما بعد القيامة “ربي وإلهي” (يو 20: 28).

فقد أعلن هو أنه المعبود، وبرهن على أقواله بأعماله، ومن ثم فقد قدم له تلاميذه والمؤمنون به العبادة ووصفوا أنفسهم بعبيده، وهذا ما أكدوه في افتتاحيات رسائلهم للمؤمنين:

† “يعقوب، عبد الله والرب يسوع المسيح” (يع 1: 1).

† “يهوذا، عبد يسوع المسيح” (يه 1).

† “سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله” (2بط 1: 1).

† “بولس عبد ليسوع المسيح” (رو 1: 1).

† “بولس وتيموثاوس عبدا يسوع المسيح” (في 1: 1).

† “يسلم عليكم أبفراس، الذي هو منكم، عبد المسيح” (كو 4: 12).

† ويقول القديس بولس بالروح “لأن من دعي في الرب وهو عبد فهو عتيق الرب. كذلك أيضاً الحر المدعو هو عبد للمسيح. قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيداً للناس” (1كو 7: 22-23).

ولأن الرب يسوع المسيح هو المعبود فقد قبل السجود من كل من سجدوا له، وهو نفسه القائل “للرب إلهك تسجد إياه وحده تعبد” (مت 4: 10) ولم يمنع أحداً من السجود له، يقول الكتاب:

† فعند ميلاده جاء المجوس قائلين: “أتينا لنسجد له” (مت 2: 3). وسجدوا له “خروا وسجدوا له” (مت 2: 11).

† “وإذا أبرص قد جاء وسجد له” (مت 8: 2).

† “وفيما هو يكلمهم بهذا إذا رئيس قد جاء فسجد له” (مت 9: 18).

† “والذين في السفينة جاءوا وسجدوا له” (مت 14: 33).

† “وإذا امرأة كنعانية…. فأتت وسجدت له قائلة: يا سيد أعني!” (مت 15: 25).

† والمولود أعمى الذي خلق له المسيح عينين “وسجد له” (يو 9: 38).

وكما عبده تلاميذه كالرب الإله فقد سجدوا له أيضاً كالرب الإله، فهم كانوا يعلمون مما تعلموه من الرب نفسه، وكيهود أصلاً، أنه لا سجود ولا عبادة لغير الله، وقال الملاك للقديس يوحنا في الرؤيا: “أنظر، أنا عبد معك ومع اخوتك والذين عندهم شهادة يسوع. اسجد لله” (رؤ 19: 10؛ 22: 9).

† كما منع القديس بطرس قائد المئة الذي حاول أن يسجد له قائلاً: قم أنا أيضاً إنسان” (أع 10: 25).

† ولكن التلاميذ عبدوه وسجدوا له كالرب الإله، كما قال له توما “ربي وإلهي” (يو 20: 28).

† حينئذ تقدمت إليه ام ابني زبدي مع ابنيها وسجدت له” (مت 20: 20).

† وبعد القيامة “ولما رأوه (تلاميذه) سجدوا له” (مت 28: 17؛ لو 24: 25).

† والمريمتين “وأمسكتا بقدميه وسجدتا له” (مت 28: 9).

في كل هذه الحالات لا توجد أية إشارة أو تلميح في الكتاب على أن الرب يسوع المسيح قد رفض ولم يقبل السجود له بل على العكس تماماً فهو المكتوب عنه “ولتسجد له كل ملائكة الله” (عب 1: 6)، وأيضاً “لأننا جميعاً سوف نقف أمام كرسي المسيح لأنه مكتوب “أن حي يقول الرب إنه لي ستجثو كل ركبة وكل لسان سيحمد الله” (رو 14: 10-11)، وأيضاً “لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض” (في 2: 10).

أسئلة يسألها المسلمون ج25 والرد المسيحي عليها

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

إقرأ أيضًا: الاحتمـال الأول: فرضـيـة دارويـن

الاحتمال الثاني: فرضية التصميم

قال عالم الفيزياء الذي أصبح فيما بعد لاهوتياً جون بولكينغورن: “إن سؤالاً أساسياً مثل الإيمان بالله (أو عدم الإيمان) لا يمكن إنهائه بمناقشة واحدة. إنه معقد للغاية. وما على الشخص أن يفعله هو التفكير في قضايا مختلفة ويرى ما إذا كانت الإجابات التي سيحصل عليها توضح الصورة التي تعطي للموضوع معنى”[1].

وهذا هو الأسلوب الذي اتبعته في بحثي. وقمت بفحص عميق لأربعة فروع علمية مختلفة لأرى ما إذا كانت تشير إلى أو تبعدني عن المصمم الذكي.

وعندما فتحت ذهني لتفسير غير مبدأ الطبيعة، وجدت أن افتراضية التصميم تفسر بكل وضوح أدلة العلم “فالقوة التفسيرية” لفرضية التصميم تفوقت على نظرية أخرى. وما يلي بعض الحقائق التي وردت في أبحاثي واستفساراتي:

  • دلـيـل علـم الكـونيـات

إنه بفضل الاكتشافات العلمية في الخمسين سنة الأخيرة، أخذت مجادلة “الكلام Kalam” الكونية القديمة قوة جديدة. وكما وصف ذلك وليم لين كريج فقال: “رغم أن هذه المجادلة بسيطة إلا أنها ممتازة: “تقول أولاً: كل ما هو موجود له سبب”. وحتى الشكاك المشهور ديفيد هيوم لم ينكر هذه الافتراضية. كما قال الملحد كوينتن سميث إن التعبير الذي يقول: “إننا جئنا من لا شيء وبواسطة لا شيء من أجل لا شيء” تعبير سخيف ومثير للسخرية.

“ثانياً: إن الكون له بداية”. وبناء على المعلومات فإن كل علماء الكون يوافقون على أن الكون بدأ بالانفجار الهائل في نقطة محددة في الماضي. كما أكد كريج على القول بأن النظريات البديلة عن أصل الكون تحتاج إلى بداية. فمثلاً، استخدام ستيفن هوكنج “للأرقام الخيالية” يحجب نقطة البداية في نموذجه، والذي يصرح هوكنج عنه بالقول بأنه ليس وصفاً للحقيقة.

ويأتي الاستنتاج بكل وضوح من مقدمتين منطقيتين: “ولهذا فللكون سبباً. وحتى روبرت جاسترو والذي كان سابقاً لا أدري سلم بأن العناصر الأساسية للمسيحية وعلم الكون الحديث يلتقيان: “إن سلسلة الأحداث التي تقود الإنسان بدأت فجأة وبحدة، وفي لحظة محددة من الزمن، في ومضة ضوء وطاقة”.

  • دلـيـل الفيـزيـاء

إحدى أكثر الاكتشافات المميزة للعلم الحديث هو أن قوانين وثوابت الفيزياء تتعاونان بطريقة غير متوقعة لجعل هذا الكون مكاناً صالحاً للسكن والحياة. فمثلاً، قال عالم الطبيعة والفيلسوف روبن كولنس، إن الجاذبية قد ضبطت بكل دقة على جزء من مائة مليون بليون، بليون، بليون، بليون.

والثابت الكوني، الذي يمثل كثافة طاقة الفضاء، محددة بإحكام مثل إلقاء سهم من الفضاء ليضرب عين ثور بنسبة تريليون تريليون من البوصة في قطر الكرة الأرضية. وقال أحد الخبراء إنه يوجد أكثر من ثلاثين من القوانين الكونية الثابتة تحتاج إلى تقويم محدد حتى ينتج عنها كوناً يمكن أن يكون فيه حياة.

وقال بين كولينس بإن الفرصة لا يمكن أن تفسر “مبدأ أن الإنسان هو حقيقة الكون المركزية” والبديل الذي نوقش – بأنه يوجد الكثير من الأكوان – يحتاج إلى دعم من أي دليل وقد انهار تماماً على ما تحقق من أن هذه العوالم الأخرى يُعزى وجودها إلى عملية مصممة تصميماً عالياً.

وهذا الدليل قوي للغاية حتى أنه هو الذي جعل باتريك جلين يتخلى عن إلحاده ويقول: “إن المعلومات المتناغمة تشير بقوة تجاه فرضية وجود الله. إنه أسهل وأكثر الحلول وضوحاً للغز الإنساني”.

  • دلـيـل علـم الفـلك

وما يشبه الضبط الدقيق لعلم الفيزياء، هو مركز الأرض في الكون وتعقيداته الجيولوجية والعمليات الكيميائية كلها التي تعمل معاً بكفاءة عظيمة لكي تخلق مكاناً آمناً حتى يمكن للبشر أن يعيشوا.

مثلاً، قال كل من عالم الفلك جيليرمو جونزاليس والفيلسوف جاي ويزلي ريتشاردز حتى يكون نجماً بيئة صالحة للعيش عليه يحتاج إلى أن يكون له الخواص غير العادية لشمسنا – الكتلة الصحيحة، الضوء الصحيح، العمر الصحيح، المسافة الصحيحة، المدار الصحيح، المجرة الصحيحة، الموضع الصحيح. لكي يغذي الكائنات الحية على كوكب دوار. وعوامل كثيرة تجعل نظام مجموعتنا الشمسية وموقعنا في الكون هو الصحيح لكي يكون بيئة صالحة للسكن فيه.

وما هو أكثر من ذلك، الحالة غير العادية التي تجعل الحياة ممكنة هي أيضاً التي تحدث لكي تجعل كوكبنا في موقع جيد لرؤية وتحليل الكون والبيئة. وكل هذا يوضح بأن كوكبنا قد يكون نادراً إن لم يكن فريداً وأن الخالق أرادنا أن نكتشف الكون.

وقال الفيزيائي الفلكي المتعلم في هارفارد جون أ. أوكيف من ناسا “لو لم يكن الكون قد صنع بأقصى دقة ما كنا موجودين فيه. ومن وجهة نظري أن هذه الظروف تبين أن الكون خلق للإنسان ليعيش فيه”.

  • دلـيـل الكيميـاء الحيـويـة

قال داروين: “إذا أمكن توضيح أن أي عضو معقد موجود ولم يتكون من تعديلات عديدة ومتتابعة وطفيفة، فسوف تنهار نظريتي”. وقد أوضح المتخصص في الكيمياء الحيوية مايكل بيه هذا تماماً من خلال وصفه “للتعقيد المتعذر اختزاله” في مكائن جزيئية.

هذه الأدوات الغريبة الميكروسكوبية المعقدة مثل الهُدب cilia والبكتيريا الشبيهة بالسوط flagella، لا يمكن أن تكون قد وُجدت قطعة قطعة من خلال عمليات داروين لأنها يجب أن توجد كاملة حتى يمكنها أن تؤدي وظيفتها. وأمثلة أخرى تشتمل على النظام الذي يصعب تصديقه عن نقل البروتينات داخل الخلايا والعملية المعقدة لتجلط الدم.

وما هو أكثر من مجرد تحدي مدمر لأصحاب نظرية داروين هي تلك الأنظمة البيولوجية المدهشة – التي تفوق القدرة البشرية في التكنولوجيا وكلها تشير إلى خالق علوي. وقال بيه “ويمكن تلخيص استنتاجي في كلمة واحدة هي: التصميم. وأقول هذا بناء على العلم. وأقول أن نظام “التعقيد المتعذر اختزاله” هو دليل قوي على تصميم هادف بواسطة مصمم ذكي”.

إن مجادلة بيه أثبتت أنه يصعب على الشكاكون تحديها. وإن كان من الواضح أنه ستكون هناك اكتشافات مستقبلية في الكيمياء الحيوية، فقد أشار بيه أنهم لن يستطيعوا مناقشة التعقيد الذي اكتشف وكان أفضل تفسير له هو وجود خالق.

  • دلـيـل المعلومات البيولوجية

الستة أقدام من حامض DNA في داخل كل خلية في أجسادنا التي بها 100 تريليون خلية تحتوي على أربعة حروف من الرموز الكيميائية التي تقذف تعليمات مجمعة ومحددة لكل البروتينات التي تتكون منها أجسادنا. وقد أوضح ستيفن مير المتعلم في كامبردج أنه ولا فرضية علمية واحدة تمكنت من توضيح كيف يمكن للمعلومات أن تدخل المادة البيولوجية بوسائل طبيعية.

وعلى العكس من ذلك، قال “حينما نجد ترتيبات متتابعة ومعقدة وتتمشى مع نمط أو وظيفة مستقلة، فإن هذا النوع من المعلومات هو دائماً ناتج عن الذكاء. فالكتب، وشفرة الكمبيوتر والحامض النووي كلها تتمتع بهذه الخواص. ونحن نعلم ان الكتب وشفرات الكمبيوتر مصممة بالذكاء، ووجود هذا النوع من المعلومات في الحامض النووي يشير إلى مصدر ذكي”.

وبالإضافة إلى ذلك قال مير: “إن انفجار كامبريان الكوني الذي نتج عنه أشكال جديدة من الحياة، والذي ظهر فجأة مكوناً تكويناً كاملاً في سجل الحفريات، بدون سابق تحول، كان سيحتاج إلى كميات هائلة من المعلومات الحيوية. والمعلومات هي الماركة المسجلة للعقل. ومن دليل الجينات وعلم الأحياء يمكننا أن نستنتج وجود عقل أكبر كثيراً جداً من عقولنا، مصمم ذكي واع، حكيم وله هدف وهو مبدع بدرجة مذهلة”.

  • دلـيـل الوعــي

توصل الكثير من العلماء إلى أن قوانين الكيمياء والطبيعة لا يمكنها أن تفسر لنا اختبارنا للوعي. وقد عرف البروفيسور جي. بي. مورلاند الوعي على أنه الاستبطان والاحساسات والأفكار والعواطف والرغبات والمعتقدات والاختبارات الحرة التي تبقينا أحياء ومتنبهين. والروح هي التي تحتوي على الوعي وتبعث الحياة في جسدنا.

وطبقاً لما وضحه أحد الباحثين من أن الوعي يمكن أن يستمر بعد أن يقف مخ الإنسان عن العمل، فإن الأبحاث العلمية الحديثة أيدت وجهة النظر التي تقول بأن “العقل” و”الوعي” و”الروح” هي كيان منفصل عن المخ.

وكما قال مورلاند: “لا يمكنك أن تحصل على شيء من لا شيء. فإذا كان الكون نشأ من مادة ميتة لا وعي فيها كيف يمكنك أذاً أن تحصل على شيء مختلف تماماً – وعي، حياة، تفكير، مشاعر، مخلوقات حية – على المادة التي ليست بها مثل هذه الأشياء. ولكن إذا كان كل شيء بدأ من فكر وعقل الله، فليست لدينا مشكلة في تفسير مصدر وأصل عقولنا”.

إن الفيلسوف مايك روس يؤمن بنظرية داروين، اعترف بصراحة: “لا يوجد أحد لديه إجابة على قضية الوعي. وقال جون سي. إلكيس الحاصل على جائزة نوبل “هناك ما يمكن أن نسميه الأصل غير العادي لعقلي الواعي ولروحي المتفردة”.

هـويـة المُصـمم

راجعت سيل المعلومات مما قمت به من بحث وتقصي، ووجدت أن الدليل على وجود مصمم ذكي أمر مصدق ومقنع وقوي. ومن وجهة نظري فإن ربط ما وجدته من علم الكونيات وعلم الطبيعة كافيين تماماً لتأييد افتراضية وجود مصمم لهذا الكون. وكل المعلومات الأخرى التي قد تكون قضية تراكمية قوية انتهت بأنها غمرت كل اعتراضاتي.

ولكن من هو هذا المصمم الأعظم؟ ومثل لعبة توصيل النقط، فإن كل واحدة من الستة فروع العلمية التي بحثها أعطت المفاتيح لإزالة القناع عن هوية الخالق.

وكما شرح كريج أثناء لقائنا، قال إن أدلة علم الكونيات توضح أن سبب هذا الكون يجب ألا يكون لا سبب ولا بداية ولا زمن وغير مادية وله إرادة حرة وقوة هائلة. وفي مجال الفيزياء قال كولنس إن الخالق ذكي واستمرت مشغوليته بخليقته بعد الانفجار الهائل الأولي.

ودليل علم الفلك يوضح أن الخالق كان مبدعاً ودقيقاً في خلق مكان يصلح لمعيشة مخلوقاته التي صممها وأنه يعتني ويهتم بها. كما قدم كل من جونزاليز وريتشاردز الدليل على أن الخالق قد وضع على الأقل هدفاً في مخلوقاته وهو اكتشاف العالم الذي صممه ومن خلال ذلك يكتشفونه هو.

ولا تؤكد الكيمياء الحيوية ووجود المعلومات البيولوجية نشاط الخالق بعد الانفجار الهائل فقط، ولكن أيضاً تظهر مدى ابداعه العظيم.  وكما قال مير إن الدليل على وجود الوعي يؤكد أن الخالق كائن عاقل وحكيم، وهذا يساعدنا على فهم هذه القوة كلية القدرة كما توضح أننا يمكن أن نصدق فكرة الحياة بعد الموت.

إن هذه ليست صورة لإله الربوبية* الذي كون هذه الكون ثم تخلى عنه. وكما شرح مير في لقائي الأول معه، إن التخلي عن دليل لوجود نشاط مستمر للخالق في الكون بعد بداية خلقه يكذب مذهب الربوبية كاحتمال يمكن تصديقه.

ومذهب وحدة الوجود، الخالق والكون موجودان معاً، يعجز أيضاً عن تفسير الدليل، لأنه لا يستطيع أن يوضح كيف ظهر الكون للوجود. وإذا كان إله مذهب وحدة الوجود غير موجود قبل الكون المادي فلن يستطيع إحضار الكون للوجود.

كما وضح كريج كيف أن المبدأ العلمي “لشفرة أوكهام” الذي قضى على تعدد الآلهة والشرك بالله، تاركاً إيانا مع إله واحد. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية التي هي مركز عقائد العصر الجديد.

على النقيض من ذلك، فإن صورة الخالق التي بزغت من المعلومات العلمية تتوافق بقوة مع وصف الله الذي وضحت شخصيته على صفحات الكتاب المقدس:

  • الخالق: “من قدم أسست الأرض والسموات هي عمل يديك” (مزمور 102: 25)[2].
  • فريد: “إنك قد أُريت لتعلم أن الرب هو الإله. ليس آخر سواه” (تثنية 4: 35)[3].
  • موجود بذاته وسرمدي: “من قبل أن تولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله” (مزمور 90: 2)[4].
  • روحي غير مادي: “الله روح” (يوحنا 4: 24)[5].
  • شخصي، ذاتي: “…. ظهر الرب لإبراهيم وقال له: “أنا الله القدير سر أمامي وكن كاملاً” (تكوين 17: 1)[6].
  • له إرادة حرة: “وقال الله ليكن نون فكان نور” (تكوين 1: 3)[7].
  • ذكي وعقلاني: “ما أعظم أعمالك يا رب. كلها بحكمة صنعت. ملآنة الأرض من غناك” (مزمور 104: 14)[8].
  • عظيم القوة: “الرب عظيم القدرة” (ناحوم 1: 3)[9].
  • مبدع: “لأنك قد اقتنيت كليتي نسجتني في بطن أمي. أحمدك من أجل أني قد امتزت عجباً. عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقيناً” (مزمور 139: 13 -14)[10].
  • يرعى ويهتم: “امتلأت الأرض من رحمة الرب” (مزمور 33: 5)[11].
  • كلي الوجود: “هو ذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك” (ملوك الأول 8: 27)[12].
  • أعطى البشرية هدفاً: “فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى… الكل به وله قد خلق” (كولوسي 1: 16)[13].
  • يعطينا حياة بعد الموت: “يبلع الموت إلى الأبد” (أشعياء 25: 8)[14].

وكما كتب الرسول بولس منذ ألفي عام وقال: “لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنه بلا عذر” (رومية 1: 20)[15].

والسؤال عما إذا كانت هذه الصفات قد تصف ألوهية أية ديانة أخرى في العالم أصبحت موضع نقاش عندما أضفت الدليل الذي اكتشفته من خلال دراسة التاريخ القديم والآثار القديمة.

وكما وصفت في كتابي “القضية …. المسيح” إن الدليل المقتنع يقيم أساساً يعول عليه للعهد الجديد، وهذا يوضح تحقيق نبوات العهد القديم في حياة يسوع الناصري ضد كل ما هو غريب ويؤيد قيامة المسيح كحادثة فعلية ظهرت في الزمن المحدد وفي الفضاء. كما أن قيامته من الأموات هو عمل فذ وغير مسبوق وأعطى سلطاناً وقوة وتوثيقاً لقوله إنه ابن الله الوحيد.

وبالنسبة لي فإن المدى والتنوع والعمق والقوة المثيرة والمقنعة للأدلة من العلم والتاريخ أكدت صدق المسيحية إلى الدرجة التي أزالت بها كل شكوكي.

وأنا لست مثل الذين يؤمنون بنظرية داروين، فإن إيماني يسبح ضد تيار قوي من الأدلة المضادة، واضعاً ثقتي في الله إله الكتاب المقدس وهو قرار حكيم وطبيعي وقد اتخذته فعلاً. وكنت فقط أسمح بسيل الحقائق أن تجرفني نحو نتائجها المنطقية.

انصـهار العـلـم والإيمـان

لسوء الحظ هناك الكثير من سوء الفهم حول الإيمان. فالبعض يعتقدون بأن الإيمان يتناقض مع الحقائق. ويقول مايكل شيرمير: “إن هدف الإيمان هو أن تثق بصرف النظر عن الأدلة، وهذا أمر مضاد للعلم”[16]

ومع ذلك، فهذا بالتأكيد ليس هو فهمي لهذا الأمر. فإنني أرى الإيمان على أنه خطوة عاقلة نحو نفس الاتجاه الذي يشير إليه الدليل. أي أن الإيمان يتخطى مجرد الاعتراف بأن حقائق العلم والتاريخ تشير نحو الله. إنه يُجيب على تلك الحقائق بالاستفادة من الثقة في الله، خطوة مضمونة تماماً وذلك لتأييد الدليل لها.

قال أليستر مكجراث من أكسفورد كل وجهات النظر العالمية تحتاج إلى الإيمان. وادعاءات الحقيقة للإلحاديين لا يمكن إثباتها. كيف نعرف أنه لا يوجد إله؟ والحقيقة البسيطة في الأمر كله هو إن الإلحاد هو نوع من الإيمان يصل إلى نتائج تتخطى الأدلة المتاحة”[17].

ومن الناحية الأخرى، فإن الأدلة المتاحة من أحدث الأبحاث العلمية تُقنع مزيداً من العلماء بأن الحقائق تؤيد الإيمان أكثر من أي وقت مضى. ويقول الصحفي جريج إيستروبروك: “إن الفكرة القديمة التي تقول إنه هناك الكثير من الوجوه أكثر مما تراه العين تبدو كما لو أنها فكرة حديثة ظهرت ثانية. وأننا ندخل أعظم مرحلة للتداخل بين العلم والإيمان منذ حركة التنوير التي حاولت أن تُصلح الاثنين معاً”[18].

وبالنسبة لكثير من الناس – بمن فيهم الفيزيائي بول دافيس – هذا تطور غير متوقع وسبب لهم نوع من الصدمة. ويقول: “قد يكون ذلك أمراً غريباً ولكن في وجهة نظري أن العلم يقدم طريقاً مؤكداً نحو الله أكثر من العقيدة”[19].

وقال العالم جيمس تور من جامعة ريز: “الشخص المبتدئ الذي لا يعرف شيئاً عن العلم سيقول إن العلم يقوده بعيداً عن الإيمان. وإذا درست العلم بجدية فسوف يقربك أكثر إلى الله[20]. وقال الفيزيائي الفلكي والقس جورج كوين ” لا شيء نتعلمه عن الكون يهدد إيماننا. إنه يزيده غنى وثراء”[21].

وقال عالم الفيزياء الرياضي ليولكينغورن، من كامبردج:

لم ير أحداً الشحنة الكهربية الموجودة في الجزيء الأصغر من الاليكترون المسماة quark وأعتقد أنه لن يستطيع أحد أن يراها. إنها ترتبط بقوة معا داخل البروتون والنيوترون حتى إنه لا يمكن كسرها. لماذا إذاً أصدق في هذه الشحنات غير المرئية؟ ….. لأنها تعطي معنى لكثير من الأدلة المباشرة في علم الطبيعة. وأود أن ننتقل من هذا إلى حقيقة وجود الله.

فوجود الله يعطي معنى لكثير من جوانب معرفتنا واختباراتنا مثل: نظام وثمار العالم المادي، الوجوه المختلفة للحقيقة، الاختبارات الإنسانية في العبادة والرجاء، ظاهرة يسوع المسيح (بما فيها قيامته. وأعتقد أن عمليات فكرية مشابهة متضمنة في كلا الحالتين. ولا أعتقد أنني انحرفت إلى طريق فكري غريب عندما انتقل من العلم إلى الدين… وفي بحثهم عن الحق يصبح العلم والإيمان أبناء عمومة تحت الجلد”[22].

ومع ذلك فقد أضاف تميزاً هاماً: “إن المعرفة الدينية تتطلب جهداً وعناية أكثر من المعرفة العلمية. فبينما تتطلب انتباهاً دقيقاً للحق، فهي أيضاً تدعو إلى الالتزام بهذا الحق الذي اكتشفته”[23].

وطبقاً لما يقوله ماكجاث: “الكلمة العبرية لكلمة “الحق” تعني “الشيء الذي يمكن أن تستند إليه”. ويقول بأن الحق هو أكثر من مجرد الصواب. إنه الثقة التي تقودنا إلى شخص جدير بأن نطرح فيه كل ثقتنا. وغير مطلوب منا أن نعرف حقيقية أخرى بل ان ندخل في علاقة مع من يستطيع أن يحفظنا ويريحنا”[24].

إن حقائق العلم والتاريخ يمكنها فقط أن تأخذنا بعيداً. فعند نقطة معينة تتطلب الحقيقة إجابة. وعندما نقرر ألا نتأمل فقط في الفكرة المجردة عن مصمم هذا الكون ولكن أيضاً أن نجعله “إلهنا الحقيقي” عندئذ يمكننا أن نلتقي به شخصياً ونتصل به يومياً ونقضي الأبدية معه كما وعدنا بذلك. وهذا يغير كل شيء.

من العـلـم إلى الله

لم يندهش أحد عند سماعه الدليل العلمي على وجود الله مثلما اندهش عالم الطبيعة العجوز الذي يصل عمره إلى 77 عاماً وصاحب الشعر الفني والكلام الطيب والذي كان أمامي في مطعم في جنوب كاليفورنيا.

وقصته مثل تلك التي قصها عليّ كريج سابقاً عن عالم الطبيعة من أوروبا الشرقية الذي وجد الله من خلال علم الكونيات، وهذه شهادة أخرى للعلم لكي يقود الباحثين نحو الله. ومع ذلك فهي شيء آخر، إنها خريطة طريق لمن يريد أن يتقدم إذا كنت مهتماً شخصياً لمعرفة ما إذا كان الإيمان بالله يدعم بالحقائق.

فيجو أولسين هو جراح ذكي انغمست حياته في العلم، وبعد تخرجه من كلية الطب أصبح زميلاً في مجلس الجراحين الأمريكيين. وكان يصحب اسمه العديد من رموز الشهادات التي حصل عليها M.S., M.D., Litt.D., D.H., F.A.C.S., D. T. M.&H., F. I. C. S. وكان يُرجع شكه في الأمور الروحية لمعرفته لعالم العلم.

وقال: “بحثت في المسيحية والكتاب المقدس من خلال نظرة شخص يؤمن بمذهب اللاأدري. وكانت زوجتي جوان أيضاً لا تؤمن بالمسيحية. وكنا نعتقد بعدم وجود برهان مستقل على وجود خالق. وكنا نعتقد أن الحياة وُجدت من خلال عمليات تطورية”[25].

وكانت المشكلة في والدي جوان اللذين كانا مسيحيين أتقياء. وعندما قام بزيارتهما كل من فيجو وجوان في عام 1951 وهم في طريقهم لكي يبدأ فيجو كطبيب مقيم في مستشفى نيويورك لأول مرة، شعروا بتبكيت ديني شديد. وفي مناقشات متأخرة بالليل، بدأ كل من فيجو وجوان أن يشرحا بصبر لماذا تتناقض المسيحية مع العلم المعاصر. وأخيراً، وهم يشعران بنوع من الضيق والتشتت عند الساعة الثانية صباحاً وهم جالسون حول الطاولة بالمطبخ، وافقا على فحص واختبار الإيمان المسيحي بأنفسهم.

وأشار أولسين أن بحثه سيكون مخلصاً وصادقاً، ولكنه في داخله كان هناك خطة أخرى. وقال: “لم يكن قصدي أن أقوم بدراسة موضوعية على الإطلاق. وكما شرح الجراح الصدر، قررنا أن نخترق الكتاب المقدس لنستخرج منه كل الأخطاء العلمية المحيرة”.

وعلى منزلهم الجديد علقوا ورقة وكتبوا عليها “أخطاء علمية في الكتاب المقدس” متخيلين أنهم يستطيعوا ملئها بالأخطاء. ووضعوا نظاماً يناقشون فيه بعضهم البعض ما يتعرفوا عليه من بحثهم وتقصيهم. وبينما كان فيجو يعمل بالمستشفى، تقوم جوان ببحص القضايا المعلقة على الورقة. ثم أثناء ليالي العطلة الأسبوعية في إجازة فيجو، كانا يدرسان معاً ويحللان ويناقشان ويتجادلان.

وبرزت المشاكل بسرعة ولكن ليس تلك التي كانا يفكران فيها. وقال فيجو: “لقد وجدنا صعوبة في إيجاد تلك الأخطاء العلمية. ثم وجدنا شيئاً يبدو أنه خطأ ولكن بعد دراسة أكثر وتأمل، اكتشفنا أن فهمنا كان ضحلاً. وهذا دفعنا لأن نتوقف لتدبر الأمر”.

وفي إحدى المرات أعطاني طالب كتاباً مكتوباً في عام 1948 بعنوان “العلم الحديث والإيمان المسيحي”. وكل فصل من فصوله 13 مكتوبة من قبل عالم مختلف عن الدليل الذي وجدوه في مجاله والذي يشير إلى وجود الله. وبالرغم من أنه كتب قبل ظهور الكثير من الاكتشافات العلمية التي وصفها في هذا الكتاب فإن هذه الأدلة كانت كافية لتوقف فيجو وجوان.

قال أولسين: “لقد عصف الكتاب بأذهاننا! فلأول مرة عرفنا أنه توجد أسباب خلف المسيحية. وتصميمهم على الإيمان لن يكون نوعاً من الانتحار الذهني”.

مغامـرة العـمـر

التهم كل من فيجو وجوان هذا الكتاب والكثير من الكتب الأخرى في نفس الموضوع. وبينما كانوا يحللون الأدلة توصلوا إلى العديد من النتائج.

أولاً، عرفا على أساس علمي أن الكون ليس أزلياً. بل بالحري ظهر في نقطة معينة. وطالما أن هذا الكون ملفوف بالقوة – طاقة حرارية، طاقة ذرية…. إلخ – فبدأوا يفكرون أنه لا بد من وجود قوة هائلة أوجدته.

ثانياً، نظرا إلى الخطة الواضحة للكون، والجسم الإنساني بكل أعضائه وخلاياه، واستنتجوا أن القوة التي خلقت هذه الكون يجب أن تكون قوة ذكية.

ثالثاً، قالا إنه بالرغم من عظمة القوة العقلية لدى الإنسان، فهناك من هو أعظم، القدرة على الحب والتعامل بالمشاعر والعاطفة. ولأن الخالق يجب أن يكون أعظم من خلائقه، فلا بد وأن له نفس هذه الصفات.

وبناء على الأدلة والمنطق المستقل عن الكتاب المقدس، تمكنوا من الإجابة على السؤال الأول من الثلاثة أسئلة التي قام عليهم بحثهما: “هل يوجد إله خلق الكون؟” وأدهشوا أنفسهم بالحكم الذي توصلوا إليه: نعم، خالق شخصي – الله موجود.

بعد اقتناعهم بهذا، بدأ في محاولة استكشاف السؤالان الآخران: “هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو نصوص كتابية مقدسة أخرى؟ وهل يسوع ابن الله – متحداً إلهياً بالبشرية – يستطيع أن يساعدنا كما ادعى ذلك؟”

واستمر البحث في هذين الموضوعين. وفي أحد الأيام، بينما كان فيجو يعمل في المستشفى، كون ما اعتقد أنه مجادلة قوية ضد المسيحية. قال لي وهو يستعيد ذكرى المنظر كما لو أنه حدث الشهر الماضي: “كنت حقيقة فخوراً به وأمضيت طوال اليوم أفكر فيه. ولم أتمكن من الانتظار حتى أخبر زوجتي جوان!”

وفي نهاية فترة العمل بالمستشفى، سار حتى وصل إلى شقته الصغيرة “وفي هذا اليوم أتذكر الفكر الذي تبادر إلى ذهني عندما فتحت زوجتي الباب وقبلتني – يا لها من زوجة رائعة وهي حامل أيضاً”.

دخل وأغلق الباب وشرح لزوجته اعتراضه الجديد على المسيحية. وأخيراً سأل: “ماذا تعتقدين أنت؟”

قال: “ساد السكون المكان لمدة دقيقة. ثم نظرت جوان إليّ بعينيها الزرقاوان الجميلتان وقالت: “ولكن يا فيجو ألم تتوصل بعد كل هذه الدراسات إلى أن المسيح هو ابن الله؟”

قال: “كان هناك شيء ما في الطريقة التي كلمتني بها والتي نظرت بها إليّ والتي في الحال أسقطت كل الحواجز الباقية في ذهني. ولم يعد الدليل أمامه أي عائق. وكل ما تعلمناه اجتمع معاً في صورة رائعة مضيئة وخرافية للرب يسوع.

“ترددت بعض الشيء ثم قلت لها: “نعم، إنني أؤمن بذلك وأعلم أنه حقيقي”. ولم أكن آمنت حتى لحظة كلامي معها – ولكن عندما انهارت الحواجز، علمت أنها على صواب. وتوجهنا نحو غرفة المعيشة وجلسنا على الكنبة. وقلت لها: “ماذا عنك أنت؟”

قالت: “لقد حسمت الأمر كله منذ بضعة أيام، ولكنني خشيت أن أقول لك ذلك. كل الأشياء التي درسناها وتعلمناها أقنعتني أخيراً بما جاء في الكتاب المقدس وعن المسيح وعن حاجتي – بل وحاجتنا – إليه. “ومنذ بضعة أيام كنت مقتنعة تماماً” لقد صلت لكي تقبل غفران الله المجاني لها والحياة الأبدية. وبهذا بدأت أكبر مغامرة في حياتنا.

ولأنهما رغبا في زيادة الأثر الطيب الذي حصلوا عليه، صلى كل من فيجو وجوان صلاة جريئة طلبا فيها من الله أن يرسلهم إلى مكان خال من المسيحيين ومن الرعاية الطبية. وأرسلهم الله إلى بنجلادش حيث قضيا 33 عاماً في هذا البلد الفقير.

وهناك أسسوا مستشفى مسيحي وجعلوه مركزاً للرعاية الطبية والاستنارة الروحية حيث وجدت فيه الجماهير الشفاء والرجاء. وقد قام فيجو وزملاؤه بتأسيس 120 كنيسة. وقد رحب بهم الناس والحكومة ترحيباً حاراً، وقد كرموه بإعطائه الفيزا رقم 1 اعترافاً منهم بما قدموه لبلدهم.

قلت له: “لا بد وأن المعيشة كان صعبة للغاية في بلد متخلف مثل هذا”.

أجابني بابتسامة: “لقد كانت أعظم مغامرة قمنا بها. فعندما تقيم في مكان صعب، وتشعر بثقل المسؤولية أكثر مما تحتمل وتصلي وتسكب نفسك وقلبك أمام الله، عندئذ سترى الله يصل إليك ويلمس حياتك ويحل المشكلة ويتدخل في الموقف بطريقة تفوق كل تصورك.

وأضاءت عيناه وقال: “هذه هي الحياة مع الله، لا يساويها شيء وعلينا أن نختبر هذه مرة ومرات. لقد كنا سنخسر كل ذلك من أجل العالم. وفي رأيي إنك إذا عرفت الهدف الذي خلقك الله من أجله – مهما كان – وتتبعه فستجد أنه هو أفضل طريق وحياة تعيشها”.

وكتب فيجو ثلاثة كتب عن اختباراته. وأحببت عنوا أحد هذه الكتب هو “اللاأدري الذي جرؤ على البحث عن الله”[26]لأنه يقول بوجود مخاطرة مع البحث عن دليل لوجود الله. وعند نقطة معينة فإن الحق الذي تكشف عنه ستطلب إجابة. وهذا يمكنه أن يغير كل شيء.

لقـد صُممـت للاكتشـاف

مع أن فيجو كانت لديه خلفية علمية قوية وأفضل مما لدي أنا، فكانت توجد أشياء متشابهة في الطريقة التي تعاملنا بها مع قضية الإيمان والعلم. لقد قرأنا كتباً، وسألنا أسئلة وبحثنا عن أدلة غير مهتمين إلى أي مكان سيأخذنا ذلك. وبحثنا عن ذلك بطريقة منظمة وحماسية كما لو أن حياتنا متوقفة عليها.

وفي النهاية، حياتنا ومشاعرنا وفلسفاتنا ونظرتنا للعالم وأولوياتنا وعلاقاتنا تغيرت للأفضل.

وإذا كنت شكاكاً روحياً أرجو أن تتمكن من اكتشاف الدليل بنفسك. وفي الحقيقة، فإن سلوك أولسين ذي الثلاث جوانب قد يساعدك إذا اتبعته:

أولاً: هل هناك إله خلق هذا الكون؟

ثانياً: هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو أي كتب مقدسة أخرى.

ثالثاً: هل يسوع هو ابن الله – متحداً بالبشرية – ويمكن أن يساعدنا كما ادعى.

وسوف تكتشف أن الكون محكوم بقوانين طبيعية وقوانين روحية. والقوانين الطبيعية تقودنا إلى الخالق، أما القوانين الروحية تعلمنا كيف نعرفه شخصياً اليوم وإلى الأبد.

إنه ليس الخالق فقط بالمعنى الواسع، بل هو خالقك أنت. لقد خلقك لكي تتصل به بطريقة حية ونشطة وقوية. وإذا بحثت عنه بكل قلبك، فهو يعدك بأن يقدم لك كل الوسائل التي تحتاجها لكي تجده[27]. وربما تكون قد شعرت وأنت تقراً هذا الكتاب بأن الله يبحث عنك بطريقة قد تكون غامضة ولكنها حقيقية.

إنك، كما يقول بحث جونزاليز وريتشاردز، خُلقت وصممت للاكتشاف، وأعظم اكتشاف في حياتك ينتظرك. ولهذا فأنا آمل أن تسعى وراء المعرفة العلمية ولكن لا تتوقف هناك. ولا تدع اغرائها يكون مصيرك، وبدلاً من ذلك اسمح لها بأن تقودك لما ورائها من معان متضمنة لا تُصدق والتي تقدمها لحياتك وأبديتك.

واقتراحي هو ما يأتي: اقضي بعض الدقائق الهادئة لكي تنغمس في هذه الكلمات الختامية والتي عبر عنها ببلاغة أليستر مكجراث ودعها تكون قوة دافعة لمغامرة عمرك:

وجد الكثيرون أن المنظر الرهيب للسماء المرصعة بالنجوم يولد احساساً بالإعجاب والسمو المشحون بالمعاني الروحية. ومع ذلك فإن الوميض البعيد للنجوم لا يخلق في حد ذاته هذا الإحساس بالشوق، إنه فقط يعرض ما هو موجود فعلاً هناك. إنها تحفز رؤيتنا الروحية وتكشف فراغنا وتجبرنا لكي نسأل كيف يملأ هذا الفراغ.

يا ليت أصولنا الحقيقية ومصيرنا يكون خلف تلك النجوم. ويا ليت وطننا يكون، ليس ذلك الموجودون فيه حالياً، بل الذي نصبو للعودة إليه. ويا ليت تراكمات أحزاننا وأوجاعنا أثناء وجودنا في هذا العالم تكون مؤشراً لأرض أخرى حيث مصيرنا الحقيقي والذي نشعر به الآن في داخلنا.

ولنفترض أن هذا ليس هو المكان الذي سنكون فيه ولكن ينتظرنا وطناً أفضل. نحن لا ننتمي لهذا العالم. وقد نكون قد فقدنا طريقنا. ألا يجعل هذا وجودنا الحالي أمر غريب ورائع في ذات الوقت؟ غريب، لأن هذا ليس هو مصيرنا ورائع لأنه يشير للأمام إلى حيث رجائنا الحقيقي. إن جمال السماوات بالليل، أو روعة غياب الشمس هي مؤشرات هامة لتلك الأصول وتحقيق كامل لرغبات قلوبنا العميقة. ولكن إذا أخطأنا رؤية العلامة المميزة لتوجيهنا فسوف نربط أشواقنا ورجاؤنا بأهداف ضعيفة لا تطفئ عطشنا لهذه المعاني السامية[28].

[1]John Plokinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity (New Youk: Cross-road, 1994), 25.

* مذهب فكري يدعو إلى دين طبيعي مبني على العقل لا على الوحي

[2] Psalm 102: 25.

[3] Deuteronomy 4: 35.

[4] Psalm 90: 2.

[5] John 4: 24.

[6] Genesis 17: 1. According to Theologian Millard J. Erickson, “God is Personal. He is an individual being, with self-consciousness and will, capable of feeling, choosing, and having a reciprocal relationship with other personal and social beings,” Millard J. Erickson, Christian Theology (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1985), 269.

[7] Genesis 1: 3.

[8] Psalm 104: 24.

[9] Nahum 1: 3.

[10] Psalm 139: 13-14.

[11] Psalm 33: 5.

[12] 1 Kings 8:27.

[13] Colossians 1: 16 (The Message).

[14] Isaiah 25: 8.

[15] Romans 1:20.

[16] Michael Shermer, How We Believe, 123.

[17] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 22.

[18] Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002)

[19] Quoted in John Plokinghorne. Qurks. Chaos and Christianity, 35.

[20] See: Candace Adams, “Leading Nanoscientist Builds Big Faith,” Bap-tist Standard (March 15, 2002).

[21] Quoted in Margaret Wertheim, “The Pope’s Astrophysicist,” Wired (December 2002).

[22] John Polkinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity, 98-100.

[23] Ibid., 13.

[24] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 44.

[25] See: American Scientific Affiliation, Modem Science and Christian Faith (Wheaton, 111.: Van Kampen, 1948).

[26] Viggo Olsen, The Agnostic Who Dared to Search (Chicago: Moody, 1974). His Other Books are Dakter and Daktar II, Both Published by Moody.

[27] God said in Jeremiah 29: 13: “You will seek ne and find me when you seek me with all your heart.”

[28] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 51, 53.

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

بينما نتفحص كل الأدلة، تثار بقوة فكرة أن هناك قوة فائقة للطبيعة لا بد وأن تكون قد تدخلت. هل من الممكن أننا فجأة وبدون قصد، عثرنا بالصدفة على دليل علمي على وجود كائن فائق؟ هل الله هو الذي بدأ وصمم بعناية إلهية هذا الكون لفائدتنا؟

الفلكي جورج جرينشتاين[1]

إن الفلك يقودنا إلى حدث فريد من نوعه؛ إلى كون خُلق من العدم، كون يتمتع بأقصى توازن دقيق مطلوب لتوفير الشروط التي تسمح بوجود حياة، وكون له خطة كامنة (أو كما يقول واحد) “فائقة للطبيعة”.

أرنو بنزيا – حاصل على جائزة نوبل[2]

لا يوجد شيء غير عادي عن الأرض. أنها صخرة متوسطة بسيطة تدور بتلقائية حول نجم غير مميز في مجرة غير مميزة – “بقعة منعزلة في هذا الظلام الكوني الرهيب” كما قال الرحل كارل ساجان[3].

إن حقيقة أن الحياة تزدهر على كوكبنا ليست استثنائية. يقال لنا إن المخلوقات على أنواعها تتكاثر بلا شك في مواقع لا حصر لها بنا العشرة تريليون بليون نجماً في الكون. وقد قدر بعض العلماء أن هناك ما يصل إلى 10 تريليون حضارة متقدمة[4]. ووصل ساجان لرقم مليون بالنسبة لمجرتنا الطريق اللبني لوحدها.

وبالإجمال، فإن قوى الطبيعة أوتوماتيكية جداً حتى أنه من المؤكد أن الحياة قد ظهرت حيثما وُجد الماء. ولهذا عندما يثير العلماء فكراً جديداً عن الماء السائل كونه موجوداً على جسم سماوي آخر، فإن العوالم السرية لقمري كوكب المشتري المتجمدان يوروبا Europa، وجانيميد Ganymede هما حالياً الأمثلة الحية – ثم إن الادعاء الأوتوماتيكي هو أن الكائنات الحية لا بد بالضرورة أن تتبع ذلك.

إن كان بإمكان الحياة أن تظهر من اللا حياة بسرعة وبكفاءة كبيرة على كوكب عادي ككوكبنا كما يعتقدون، فلماذا لا يحدث هذا إذاً عبر مئات بلايين المجرات؟ بالنسبة لهم، تشبه الحياة مزيجاً من الحساء: أضف الماء فحسب![5]

إن عنوان كتاب الفلكي البيولوجي ديفيد دارلنج الذي صدر حديثاً يلخص بأناقة هذه الفلسفة المتفائلة؛ وهو “الحياة في كل مكان Life Everywhere”[6] إنه متحمس بخصوص التأكيدات القائلة بأن “الحياة قد تظهر بطريقة محتومة حيثما يتلاقى معاً مصدر طاقة مناسب، ومخزون مركز من المادة العضوية (المعتمدة على الكربون) والماء”. وقال إن هذه المكونات “تبدأ في أن تبدون موجودة في كل مكان في الفضاء”[7]. ونتيجة هذا، يعتقد ان الحياة الميكروبية على الأقل “منتشرة”[8].

باختصار، فإن الأرض ليس لها حالة مميزة. فالعالم البولندي نيكولاس كوبرنيكوس قلل من ذاتنا المبالغ فيها بوضعنا في مكاننا منذ زمن بعيد – فالكون لا يدور حولنا؛ ولكن بدلاً من ذلك، نحن اللذين نعيش في قرية رتيبة بعيداً جداً في ضاحية يصعب وصفها من مجرد الطريق اللبني الواسعة. ليس لدينا دوراً عظيماً، ولا معنى، ولا أهمية، ولا سبب لنكون أكثر من مجرد …. كائنات.

قال ريتشارد داوكنز من أكسفورد: “إن الكون الذي نلاحظه يتمتع بدقة بالخواص التي يجب أن نتوقعها إن كان هناك لا تصميم، ولا هدف، ولا شر أو خير، ولا شيء سوى اللامبالاة القاتلة والرهيبة”.

وهذا هو جوهر ما تعلمته عندما درست العلوم. فبالطبع دعمت هذه الاستنتاجات قيمي الإلحادية. وتمكنت بشكل ما أن أتجنب الاكتئاب الشديد بالتضمينات الشخصية لكل هذا، ومن الغريب أنني وجدت الرجاء والإلهام في الاعتقاد بأننا لسنا وحدنا في الكون. فحتى إن كان الله غير موجود، فعلى الأقل كانت هناك ملايين من الحضارات المتقدمة الأخرى[9].

رسائل لاسلكية إلى هرقل

منذ أن شاهدت للمرة الأولى الفيلم الكلاسيكي The Day the Earth Stood Still، وأنا طفل، أسرت بالصور الخيالية عن الحياة المتكاثرة داخل المجرات المصورة بالخيال العلمي. وبالطبع كان فيلمي Star Trek، وStar Wars سخيفان، لكن فكرة المخلوقات الغريبة الأخرى التي تعيش في زوايا وأركان الكون كانت ملفتة وحتى مريحة دائماً بالنسبة لي.

وبعد ذلك انبهرت بمعادلة Drake؛ وهي محاولة من الفلكي فرانك دريك لحساب عدد الحضارات التي قد توجد في مجرتنا. وعوامل المعادلة في مثل هذه المتغيرات مثل كم نجماً يمكنه أن يشبه شمسنا من بين الـ 200 – 300 بليون نجم في الطريق اللبني، ونسبة النجوم التي قد تكون بها كواكب في مناطق مسكونة، إلخ.

ومع أن الأرقام المحددة التي وضعها العلماء فيما بعد في معادلة دريك قد بلغت في مجملها تخمينات متأثرة بتحيزاتها الشخصية، اعترف عالم أنها كانت “طريقة لضغط كمية كبيرة من الجهل في فراغ صغير.”[10] – وهذا ما أعطى نوعاً من التأكيد العلمي لقضية تثير الكثير من التفكير.

ثم ابتهجت في منتصف السبعينات عندما أرسل دريك وساجان رسالة تهنئة للمجموعة الكونية العظيمة M13؛ والتي هي تركيز لربع مليون نجم في مجموعة نجوم هرقل، وفيما عرفت أنه لم يكن هناك الكثير من العلم العملي المتضمن في هذه المكالمة التليفونية عبر المجرات – فالأمر سيأخذ أكثر من 22000 سنة لوصول هذه الرسالة إلى مكانها المقصود – ومع ذلك كان هناك شيء رومانسي وجريء بخصوص محاولة الاتصال بالحضارات التي من المرجح جداً أنها سكنت تلك النجوم البعيدة.

كل هذا ساعد في تشكيل منظوري فيما كنت أتأمل عبر السنوات النجوم المتلألئة في السماوات المظلمة. أما الآن فقد تغير اتجاهي. فبعد دراسة آخر دليل من وجهات نظر علمية مختلفة – من الفلك إلى علم الكونيات إلى الجيولوجيا إلى علم المحيطات إلى الميكروبيولوجي – اتجهت استنتاجاتي إلى الاتجاه المعاكس.

يتضح أن الأرض يمكن أن تكون أي شيء سوى أن تكون شيئاً عادياً، وأن شمسنا أبعد من أن تكون متوسطة، بل وحتى موقع كوكبنا في المجرة موقع محظوظ بدرجة عجيبة. إن فكرة أن الكون هو مكان مزدهر لحضارات متقدمة تٌقوض الآن بالاستكشافات العلمية الجديدة المذهلة وبالتفكير الحديث.

وباختصار، فإن بالاستكشافات الجديدة تقول بأننا متميزين. فهناك أعداد متزايدة من العلماء يدرسون الالتقاء المذهل لنقاط “التزامنات” التي تجعل الحياة الذكية ممكنة على الأرض، ومستنتجين أن هذا لا يمكن أن يكون صدفة. إنهم يرون علامات تصميم، ونوعاً من تعديل حياة يشبه تعديل الفيزياء الذي استكشفناه في الفصل السابق.

في الواقع، قال باحث لامع: “إن الأدلة الحديثة التي استطاعت بقوة تفنيد فرضية [التصميم] انتهى بها الحال بتأكيدها”[11]. ومرة أخرى نجد أن دليل العلم يشير إلى خالق.

وبدلاً من أن تكون حياتنا بلا هدف، يقوم العلماء للمرة الأولى بالكشف عن أدلة ملموسة تقترح غرضاً مذهلاً واحداً على الأقل خلقنا من أجله؛ وهو أن نكتشف ونتعلم عما يحيط بنا في المكان الذي وضعنا فيه.

وبمعنى آخر، كما سنرى في هذا الفصل، أن هدفاً واحداً صُممنا لأجله هو أن نقوم بالعلم نفسه.

المكان الصحيح والزمان الصحيح

مع بزوغ فجر الألفية الجديدة، نشر الجيولوجي بيتر وورد، والفلكي دونالد براونلي[12] – وهما أستاذان بجامعة واشطن في سياتك – كتاباً ناجحاً ومثيراً للجدل أثار هذا السؤال المزعج بخصوص الأرض: “ماذا إن كانت فريدة تماماً: الكوكب الوحيد الذي به حيوانات في هذه المجرة أو حتى في الكون المرئي…. ؟”

وكتابهما “الأرض النادرة Rare Earth” ينظم الأدلة من مدى عريض من الفروع العلمية لبناء دفاعه بأن “ليس فقط الحياة الذكية، بل أيضاً أبسط مظاهر الحياة الحيوانية نادرة للغاية في مجرتنا، وفي الكون”[13]. وتوصلوا إلى الاستنتاج “الذي لا يمكن الهروب منه” بأن “الأرض مكان نادر حقاً”[14].

ومع أن وورد، وبراونلي يؤمنان بأن الحياة الميكروبية ربما تكون أكثر سيطرة؛ وهي رؤية يستخلصانها من الطريقة التي بد فيها أن الحياة قد تطورت على الأرض دون أدنى مجهود “بقدر ما سمحت الظروف البيئية ببقاءها”[15]، فإن اقتناعهما بأن وجود حياة معقدة أمر “نادر بطريقة استثنائية” هو اقتناع مدعم ببيانات مقنعة منفصلة عن أي إطار لاهوتي.

أطلق دون جوهانسون – مدير معهد الأصول الإنسانية في جامعة ولاية أريزونا – على كتابهما “عقلاني بحرص وماكر علمياً”، وقال: “رغم تفكيرنا التواق، ربما لن يظهر موزارت أو مونيه آخر”.[16] وأضاف ديفيد ليفي الذي أطلق اسمه على المذنب Shoemaker-Levy* “إن الحياة المعقدة كما نعلم قد تكون نادرة جداً، وثمينة جداً”[17] وقالت جريدة Times of London: “إن كانا على حق، فربما آن أوان عكس عملية كانت مستمرة منذ كوبرنيكوس”[18].

يلاحظ علماء متزايدون الطرق المدهشة التي يتمكن بها كوكبنا – على خلاف كل الشواذ – من تحقيق عدداً كبيراً من المعايير جيدة الاتزان الحاسمة تماماً لتدعيم موطناً مناسباً للبشرية.

قال معلما العلم جيمي ديفيز وهنري بو: “أهم من كونه كوكباً واحداً من بلايين الكواكب، فإن كوكب الأرض يبدو الآن الأرض الاستثنائية. فالبيانات تتضمن أن الأرض ربما تكون الكوكب الوحيد “في المكان المناسب في الزمان المناسب”[19].

تأكيـد جـريء

إن موقع الأرض، وحجمها، وتركيبها، وبنيتها، وجوها، ودرجة حرارتها، وحركاتها الداخلية، ودوائرها المعقدة الضرورية للحياة – دورة الكربون، ودورة الأوكسجين، ودورة النيتروجين، ودورة الفوسفور، ودورة الكبريت، ودورة الكالسيوم، ودورة الصوديوم، إلخ – تشهد بأن كوكبنا متزن بإتقان[20].

إنهما يذكران كيف أن جو الأرض يُزيل الأشعة فوق البنفسجية الضارة بينما يعلم مع المحيطات ليجعل المناخ معتدلاً من خلال تخزين وإعادة توزيع الطاقة الشمسية، وكيف أن الأرض من الكبر بمكان حتى إن جاذبيتها تحتفظ بالغلاف الجوي، ومع ذلك فهي من الصغر بمكان حتى إنها لا يمكنها الاحتفاظ بالكثير من الغازات الضارة. ثم يصفان داخل الأرض هكذا[21]….

…. محرك حراري ضخم، لكنه متزن بدقة يحفزه النشاط الإشعاعي…. إن كانت تسير ببطء أكثر… لما كانت القارات تشكلت على وضعها الحالي…. ولما انصهر الحديد ووصل لمرحلة السائل، ولما تطور المجال المغناطيسي… وإن كان هناك مزيد من وقود النشاط الإشعاعي، ومن ثم محرك دائر، لغطى الغبار البركاني الشمس، وصار الغلاف الجوي أكثر كثافة، وتحطم السطح بزلازل يومية وانفجارات بركانية[22].

هذا النوع من العلميات الجيولوجية عالية التنسيق – وهناك الكثير منها – يثير تفكري بقوة إزاء الطرق المذهلة التي يتهيأ بها مجالنا الحيوي بدقة للحياة. ومع ذلك، فإن الأكثر إثارة هو لماذا يحدث هذا. ما تفسير كل هذه “التزامنات” المدهشة؟

بينما كان بريس وسايفر مندهشان من أن الأرض “مكان خاص جداً”، إلا أنهما لا يؤكدان إمكانية التصميم.[23] أما وورد وبراونلي فيتجنبان القضية في كتاب “الأرض النادرة Rare Earth”، مفضلين بدلاً من هذا عادة أن يذكروا كلمات من قبيل “حظ تام”، و”صدفة نادرة تحدث”[24] وقد قال وورد في مؤتمر: “نحن محظوظون جداً. فشخص ما كان عليه أن يربح اليانصيب، وكنا نحن الرابحون”.

ولكن هل يفسر الحظ فعلاً لماذا تتمتع الأرض بهذا التقارب المذهل للظروف غير المحتملة تماماً التي سمحت بازدهار الكائنات الحية؟ بالعودة إلى الماضي، توصل المسيحيون إلى استنتاج مختلف تماماً: أن الله خلق الأرض كالمسرح الذي تجري عليه الدراما الإنسانية. والمثير في العلم الحديث – بما فيه الاكتشافات الحديثة في السنوات الأخيرة – هو أن رؤية الكون هذه تبدون مدعمة اليوم بشكل أفضل بكثير من الماضي.

فكر في استنتاج مايكل دينتون زميل بحث كبير في الجينات الجزيئية الإنسانية في جامعة أوتاجو في نيوزيلانده، في كتابه “مصير الطبيعة Nature’s Destiny” في العام 1998:

لم يتصور إنسان ان نظرية أو فكرة أخرى على الإطلاق يمكنها أن تتعادل في جراءتها وقوتها هذا التأكيد القوي… إن كل السماوات المرصعة بالنجوم، وأن كل أنواع الحياة، وأن كل خاصية من الواقع موجودة [كي تخلق موطناً مناسباً] للبشرية… ولكن اللافت للنظر جداً، هو أنه بافتراض جراءتها، إلا أنها تأكيد بعيد جداً عن أسطورة غير علمية مشكوك فيها. وفي الواقع، لم تتمكن أية ملاحظة من إثبات خطأ الافتراض. واليوم، بعد أربعة قرون من الثورة العلمية، بدأت هذه الفكرة تظهر من جديد. وفي هذه العقود الأخيرة من القرن العشرين تدعمت مصداقيتها باكتشافات في فروع عديدة من العلم الجوهري[25].

ما مدى صدق هذه الكلمات؟ هل الشروط الخاصة التي تسمح بالحياة على الأرض تتطلب مصمماً؟ للبحث عن إجابات دقيقة، رتبت لقاء في مطار أوهير O’Hare الجوي في شيكاغو مع خبيرين اشتركا في تأليف كتاب حديث الأسلوب عن هذا الموضوع. وستكون هذه فرصة رائعة لاستكشاف التفرد المذهل لكوكبنا.

[1] George Greenstein, The Symbiotic Unverse (New York: William Morrow, 1988), 27.

[2] Henry Margenau and Roy Abraham Varghese, editors, Cosmos, Bios, and Theos (LaSalle, III.: Open Court, 1992), 83.

[3] Carl Sagan, Pale Blue Dot (New York: Ballantine, 1994), 7.

[4] See: Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth (New York: Coper-nicus, 2000), xxiv.

[5] Ibid., xiv.

[6] David Darling Life Everywhere (New York: Basic Books, 2002).

[7] Ibid., xii.

[8] Ibid., xi.

[9] Science 277 (1997), 892.

[10]Bernard Oliver quoted in Steven ,I, Dick, Life on Other Wolds (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), 217.

[11] Michael J. Denton, Nature’s Destiny (New York: The Free Pres, 1998), 389.

[12] Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, xxiv.

[13] Ibid,. xiv.

[14] Ibid,.33.

[15] Ibid,. xix.

[16] Ibid, .back cover.

* مذنب اصطدم بالمشتري في العام 1994.

[17]Ibid.

[18] The Times of London (January 26, 2002), quoted in: David Darling, Life Everwhere, 91.

[19] Jimmy H. Davis and Harry L. Poe, Designer Universe Nashville: Broadman & Holman, 2002), 107.

[20] See: Michael Denton, Nature’s Destiny (New York: The Free Press, 1998), 88-89.

[21] Frank Press and Raymond Siever, Earth (New York: W. H. Freeman, 1986),3.

[22] Ibid., 4.

[23] Ibid., 3.

[24] Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, 37, 229.

[25] Michael J. Denton, Nature’s Destiny, 3-4.

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

هيبوليتوس الروماني – من هو القديس هيبوليتوس الروماني؟

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

هيبوليتوس (170- 235م):

وُلد القديس هيبوليتوس حوالي سنة 170م وكان كاهناً بروما، يقول القديس جيروم أنه كان أسقفاً[1]. ولكن التقليد الغربي يقول أنه كان قساً، وكتب العديد من الكتب في تفاسير الكتاب المقدس والعلوم الكنسية ومن أشهرها عن الفصح. وكان صديقاً للعلامة أوريجانوس، وكان يزور الإسكندرية كثيراً، وكان أوريجانوس يتبادل معه الزيارات، وقام بزيارته في روما عام 215م، واستمع إلى عظة له عن ” تكريم المخلص “.

ويرى الباحثون أن كتابات هيبوليتوس قد تأثرت بتعاليم كنيسة الإسكندرية، كما تأثر هيبوليتوس بالقديس إيريناؤس أسقف ليون، بل ويعتبر احد مؤلفاته امتداداً لكتاب القديس إيريناؤس ” ضد الهرطقات ” والذي كتبه سنة 180 ميلادية[2].

ويذكر كل من يوسابيوس وجيروم أهم مؤلفاته التي وصلت إليهم في أيامهم؛ ” في ستة أيام الخليقة، وعن الخروج، وعن نشيد الأنشاد، وعن التكوين، وعن زكريا وعن المزامير، وعن اشعياء، وعن دانيال، وعن سفر الرؤيا، وعن الأمثال، وعن الجامعة، وعن الروح، وعن المحبة، وفيما بعد المسيح، وعن الاضطهاد، وضد ماركيون، وعن الفصح، وضد كل الهرطقات، وتحذير عن قيامة المسيح، والخلاص “[3].

هذه الكتب تبقى لنا منها عدداً قليلاً أهمهما كتبه ” ضد الهرطقات “، والتي كانت مكونة من عشرة كتب، وصلنا منها ثمانية وضاع الكتابان الثاني والثالث. وتبقى أيضاً كتابه ” ضد المسيح ” وهو كتاب في العقيدة شرح فيه كيفية مجيء ضد المسيح، ومن هو ومتى يأتي؟ وشذرات ليست بكثيرة من قليل من الكتب الأخرى، من جزء من تفسيره لسفر دانيال، والتي استشهد بها واقتبس فيها من اسفار العهد الجديد وتكلم صراحة عن وجود عهدين العهد القديم والعهد الجديد والإنجيل الرباعي. بل وينسب إليه البعض كتابة الوثيقة الموراتورية[4].

ولم يترك لنا هيبوليتوس قائمة بأسفار العهد الجديد مثل إيريناؤس وغيره، ولكنه استشهد واقتبس من جميع أسفار العهد الجديد السبع وعشرين. وساوى بين الأنبياء ورسل المسيح، ووضع قانونية ووحي وموثوقية أسفار العهد الجديد على قدر المساواة مع أسفار العهد القديم. كما اقتبس من بعض كتابات الآباء الرسوليين مثل راعيهرماس والديداكية ورسالة برنابا، ولكن ليس كأسفار قانونية[5].

وقد اقتبس واستشهد بأسفار العهد الجديد أكثر من 1300 مرة، وأشار إلى قراءتها فى الاجتماعات العبادية العامة[6] كما أشار إلى قداستها ووحيها وكونها كلمة الله[7]. فقد استشهد بالإنجيل للقديس متى أكثر من 80 مرة، والإنجيل للقديس مرقس 10 مرات، والإنجيل للقديس لوقا 45 مرة، والإنجيل للقديس يوحنا أكثر من 70 مرة، وسفر أعمال الرسل 18 مرة، والرسالة إلى رومية 17 مرة، والرسالة الأولى إلى كورنثوس 25 مرة، والرسالة الثانية 6 مرات، والرسالة إلى غلاطية 14 مرة، والرسالة إلى أفسس 15 مرة، والرسالة إلى فيلبي 9 مرات، والرسالة إلى كولوسي 13 مرة، والرسالة الأولى إلى تسالونيكي مرتين، والرسالة الثانية 4 مرات، وتيموثاوس الأولى 7 مرات، والثانية ثلاث مرات، والرسالة إلى تيطس مرة واحدة، والرسالة إلى العبرانيين 5 مرات، ورسالة يعقوب مرة واحدة، ورسالة بطرس الأولى 4 مرات، والثانية حوالي 11 مرة، ورسالة يوحنا الأولى 4 مرات، ورسالة يهوذا مرة واحدة، وسفر الرؤيا 23 مرة[8].

وقد يتصور البعض أن هيبوليتوس لم يعترف بالرسالة إلى العبرانيين أو رسائل يعقوب وبطرس الثانية ويهوذا، لذا نؤكد أنه اقتبس أو استشهد بنصوصها حوالي 19 مرة باعتبارها أسفار قانونية موحى بها. وعلى سبيل المثال فقد استشهد بالرسالة إلى العبرانيين في قوله: ” ويحمل كل الأشياء في يده، الذي تألم وهو يشفي المتألمين، الذي ضُرب مشيراً إلى لطمه أثناء تحريره للعبيد وأنعم بالحرية على العالم “[9]. وهذا جوهر ومضمون الآية التالية في العبرانيين: ” وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا ” (عب1 :3)، والآية التالية: ” لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ ” (عب2 :18).

وأيضاً: ” أقسم (الآب) للواحد الصالح (الابن)، كما هو مكتوب: اقسم الرب ولن يندم “[10]. وهي اقتباس مباشر مما جاء في العبرانيين، خاصة الجزء الثاني من الآية: ” وَأَمَّا هذَا (المسيح) فَبِقَسَمٍ مِنَ الْقَائِلِ لَهُ: أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ ” (عب 7 : 21).

وفي شرحه لوجود يسوع وقوته على الإنسانية يقول بالحرف الواحد: ” الرب إلهنا نار آكلة “[11]. وهذا النص مأخوذ حرفياً من الرسالة إلى العبرانيين في قوله: ” لأَنّ إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ ” (عب12 :29).

ويقتبس من الرسالة إلى يعقوب قائلاً: ” طلبت رحمة منذ زمن طويل، ولكن مصابيحكم مظلمة بسبب صلابة قلوبكم، أبعدوا عني، لأن الدينونة بدون رحمة للذين لم يعملوا الرحمة “[12]. وهو نص أقرب للاقتباس الحرفي لقوله: ” لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً ” (يع2 :13).

كما يستشهد أيضاً برسالة بطرس الثانية، بقوله: ” وستكون شريك الطبيعة الإلهية مع المسيح، ولا تكن مستعبداً للشهوات والأهواء، ولا تضيع ثانية بالأمراض، لأنك صرت إلها “[13]. وهذا جوهر ما جاء في رسالة بطرس الثانية: ” لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ ” (2بط1 :4).

وأيضاً قوله: ” والآن يسيطر كلمة الله (Logos) على كل هذه، بكر الله، صوت الفجر الذي يسبق كوكب الصبح “[14]. والجزء الثاني من الاقتباس يستشهد بالجزء الأخير من قول القديس بطرس في رسالته الثانية: ” إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ ” (2بط1 :19).

وأيضاً قوله: ” سيأتي في الأيام الأخيرة مستهزئون، سالكين بحسب شهواتهم. وسيكون هناك معلمون كذبة بينكم الذين سيدسون بشكل سري بدع لعينة “[15]. وهنا يستشهد بشكل مباشر في نصف الفقرة الأول بما جاء في بطرس الثانية: ” عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ ” (2بط3 :3)، وفي النصف الثاني بقول الرسالة: ” كَمَا سَيَكُونُ فِيكُمْ أيضاً مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ، الَّذِينَ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ ” (2بط2 :1).

كما استشهد أيضاً بما جاء في رسالة يهوذا في قوله: ” سيكون هناك اولئك المعتزلون بأنفسهم بلا خوف “[16]. وهي تستشهد، في مضمونها، بما جاء يهوذا 19: ” هؤُلاَءِ هُمُ الْمُعْتَزِلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، نَفْسَانِيُّونَ لاَ رُوحَ لَهُمْ “.

أي اقتبس من جميع أسفار العهد الجديد فيما عدا رسالتي يوحنا الثانية والثالثة، ربما لأن مضمونهما موجود في الرسالة الأولى والإنجيل للقديس يوحنا الذي استشهد به أكثر من 70 مرة. ولم يقتبس من كتب الآباء الرسوليين، كراعي هرماس، ككتب قانونية ومحى بها، أو من الكتب الأبوكريفية، كأعمال بولس وغيرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش: 

[1] مشاهير الرجال 74.

[2] هيبوليتوس الروماني إعداد د. جورج عوض إبراهيم.

[3] جيروم مشاهير الرجال 74، ويوسابيوس ك 6 ف 20 :1.

[4] Wood, D. R. W., & Marshall, I. H. New Bible dictionary (3rd ed.) P.172–173.

[5] F. F. Bruce, P. 178.

[6] ANF Vol. 5:251.

[7] Ag. One Noe. 9-14.

[8] PNF, Vol. 686 – 685.

[9] The Discourse on the Holy Theophany, Fragment, 8 :9.

[10] The Justinian Heresy Unfolded in the ” Book of Baruch “.

[11] The Refutation of All Heredies, B. 6 , 27.

[12] Treatise in the Anti Christ, ch. 47.

[13] The Author’s Concluding Address.

[14] The Refutation of All Heredies, Vol. 10 , 19.

[15] ANF Vol. V, 244.

[16] ANF Vol. V, 244.

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

يوسابيوس القيصري وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

يوسابيوس القيصري وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

يوسابيوس القيصري

يوسابيوس القيصري وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (264-340م):

  أسقف قيصرية وأحد أعضاء مجمع نيقية الذي انعقد سنة 325م. وترجع أهمية كتاباته لكونه أقدم المؤرخين المسيحيين، وهو نفسه يعتبر حجة في تاريخ الكنيسة في عصورها الأولى وكان واسع الإطلاع في كتب الآباء والتي كان لديه منها الكثير جداً واستقى معلوماته منها، ولذا فقد جمع في كُتبه أهم ما كتبه آباء الكنيسة من نهاية القرن الأول والقرن الثاني والثالث إلى بداية القرن الرابع. وقد نقل لنا الكثير من أقوال الآباء في الأناجيل وبقية أسفار العهد الجديد. ويكتب لنا عن وحي وقانونية الأناجيل الأربعة كما يلي:

  يقول في الفصل الثالث من الكتاب الثالث تحت عنوان ” رسائل الرسل “: ” أن رسالة بطرس الأولى معترف بصحتها. وقد أستعملها الشيوخ (οἱ πάλαι πρεσβύτεροι) الأقدمون في كتاباتهم كسفر لا يقبل أي نزاع (ὡς ἀναμφιλέκτῳ). على أننا علمنا أن رسالته الثانية الموجودة بين أيدينا الآن ليست ضمن الأسفار القانونية. ولكنها مع ذلك إذ اتضحت نافعة للكثيرين فقد استعملت مع باقي الأسفار[1].

  أما ما يسمى ” أعمال بطرس “[2] والإنجيل[3] الذي يحمل اسمه والكرازة[4] والرؤيا[5] – كما سميت – فإننا نعلم أنها لم تقبل من الجميع لأنه لم يقتبس منها أي كاتب حديث أو قديم[6].

  على أنني سأحرص أن أبين في مؤلفي التاريخي – علاوة على التسلسل الرسمي (القانوني) ما أعتاد كتاب الكنيسة اقتباسه من وقت لآحر من الأسفار المتنازع عليها، وما قالوه عن الأسفار القانونية المقبولة. وعن غيرها.

  أما الأسفار التي تحمل اسم بطرس فالذي اعرفه هو أن رسالة واحدة فقط قانونية ومعترف بها من الشيوخ الأقدمين.

  وأما رسائل بولس الأربع عشرة فهي معروفة ولا نزاع عليها. وليس من الأمانة التغاضي عن هذه الحقيقة وهي أن البعض رفضوا رسالة العبرانيين قائلين إن كنيسة روما تشككت فيها على أساس أن بولس لم يكتبها. أما ما قاله الذي سبقونا عن هذه الرسالة فسأفرد لها مكانا خاصا في الموضع المناسب[7]. أما عن أعمال بولس[8] فلم أجده بين الأسفار غير المتنازع عليها.

  ولكن نظرا لأن نفس الرسول في تحيته الواردة بأخر رسالة رومية (رو16 :14)، ذكر – ضمن من ذكرهم – هرماس الذي ينسب إليه السفر المسمى ” الراعي ” فيجب ملاحظة أن هذا السفر أيضاً متنازع عليه ولا يمكن وضعه حتى ضمن الأسفار المعترف بها، مع أن البعض يعتبرونه لا غنى عنه لاسيما عند من يريدون تعلم مبادئ الإيمان. وعلى أي حال فنحن نعرف أنه يقرأ في الكنائس. كما تبنيت أن البعض من أقدم الكتاب اقتبسوا منه “[9]. 

  ” يبدو من اللائق عند هذه النقطة أن نُلخص كتابات العهد الجديد التي بالفعل ذُكرت. في المقام الأول يجب وضع الأناجيل الأربعة المقدسة وسفر أعمال الرسل الذي تلاها. بعد ذلك لابد أن تُحسب رسائل بولس[10], تليها في الترتيب الرسالة السابقة الموجودة ليوحنا, مثلها رسالة بطرس لابد أن تُعرف. بعد هذه لابد أن نضع, لو بدا ذلك صحيحا, رؤيا يوحنا والذي بخصوصه يجب أن نُعطى الآراء المختلفة في الوقت الصحيح. هذه هي الكتب التي تنتمي للكتابات المقبولة (ομολογουμενοις).

  أما الأسفار المتنازع عليها (αντιλεγομενων), والمعترف بها من الكثيرين بالرغم من هذا, فبين أيدينا الرسالة التي تسمى رسالة يعقوب, ورسالة يهوذا[11]; وأيضاً رسالة بطرس الثانية; والرسالتان اللتان يطلق عليهما رسالتا يوحنا الثانية والثالثة، سواء انتسبتا إلى الإنجيلي أو لشخص آخر بنفس الاسم “.

  وضمن الأسفار المرفوضة (ἐν τοῖς νόθοις) يجب أن نعرف أيضاً أعمال بولس[12], وما يسمى بسفر الراعي, ورؤيا بطرس ويضاف الي هذه, رسالة برنابا التي لا تزال باقية. وما يسمى تعاليم الرسل. وإلى جانب هذا كما قدمت رؤيا يوحنا إن كان ذلك مناسباً، التي يرفضها البعض كما قدمت ولكن آخرون يضعونها ضمن الأسفار المقبولة (ομολογουμενοις).

  ومن ضمن هذه يضع البعض إنجيل العبرانيين[13] الذي يجد فيه لذة العبرانيين الذين قبلوا المسيح. وكل هذا يصحح اعتبارها ضمن الأسفار المتنازع عليها.

  على أننا مع هذا نرى أنفسنا مضطرين لتقديم قائمة عن هذه أيضاً لإمكان التمييز بين تلك الأسفار التي تعتبر، وفقاً للتقاليد الكنسي، حقيقية وقانونية ومقبولة، وتلك الأخرى والتي أن كانت متنازع عليها وغير قانونية، إلا أنها في نفس الوقت معروفة لدى معظم الكتاب الكنسيون، أننا نرى أنفسنا مضطرين لتقديم هذه القائمة لنتمكن من معرفة كل هذه الأسفار وتلك التي يتحدث عنها الهراطقة تحت اسم الرسل، التي تشتمل مثلاً أناجيل توما[14] وبطرس ومتياس[15] وخلافهم، وأعمال أندراوس[16] ويوحنا[17] وسائر الرسل، هذه التي لم يحسب أحد من كُتاب الكنيسة أنها تستحق الإشارة إليها في كتاباتهم.

  وعلاوة على هذا فأن أسلوب الكتابة يختلف عن أسلوب الرسل، ثم أن تيار التفكير في محتوياتها والقصد منها يختلفان كل الاختلاف عن التعاليم المستقيمة الحقيقية، مما يبين بكل وضوح أنها من مصنفات الهراطقة. ولهذا فلا يضعونها حتى ضمن الأسفار المرفوضة، بل يجب نبذها ككتابات سخيفة ماجنة.  “[18].

  ” أولئك الرجال العظام، اللاهوتيون حقاً، أقصد رسل المسيح، تطهرت حياتهم وتزينوا بكل فضيلة في نفوسهم، ولكنهم لم يكونوا فصحاء اللسان. وكانوا واثقين كل الثقة في السلطان الإلهي الذي منحه لهم المخلص، ولكنهم لم يعرفوا – ولم يحاولوا أن يعرفوا – كيف يذيعون تعاليم معلمهم بلغة فنية فصحى، بل استخدموا فقط إعلانات روح الله العامل معهم وسلطان المسيح الصانع العجائب الذي كان يظهر فيهم، وبذلك أذاعوا معرفة ملكوت السموات في كل العالم، غير مفكرين كثيراً في تدوين الكتب.

  ويقول عن رسائل القديس بولس والإنجيل للقديس متى: ” وهذا ما فعلوه لأنهم وجدوا معونة في خدمتهم ممن هو أعظم من الإنسان. فبولس مثلاً الذي فاقهم جميعاً في قوة التعبير وغزارة التفكير، لم يكتب إلا أقصر الرسائل رغم انه كانت لديه أسرار غامضة لا تحصى يريد نقلها للكنيسة، لأنه قد وصل إلى مناظر السماء الثالثة، ونقل إلى فردوس الله وحسب مستحقاً أن يسمع هناك كلمات لا ينطق بها 000 لأن متى الذي كرز أولاً للعبرانيين كتب إنجيله بلغته الوطنية، إذ كان على وشك الذهاب إلى شعوب أخرى وبذلك عوض من كان مضطراً لمغادرتهم عن الخسارة التي كانت مزمعة أن تحل بهم بسبب مغادرته إياهم “[19].

  ويقول عن الإنجيل للقديس مرقس: ” أضاء جلال التقوى عقول سامعي بطرس لدرجة أنهم لم يكتفوا بأن يسمعوا مرة واحدة فقط ولم يكونوا قانعين بالتعليم غير المكتوب للإنجيل الإلهي، بل توسلوا بكل أنواع التوسلات إلى مرقس أحد تابعي بطرس، والذي لا يزال إنجيله بين أيدينا، لكي يترك لهم أثراً مكتوباً عن التعاليم التي سبق أن وصلتهم شفوياً. ولم يتوقفوا حتى تغلبوا على الرجل، وهكذا سنحت له الفرصة لكتابة الإنجيل الذي يحمل اسم مرقس “[20].

  ويضيف مكملاً عن الإنجيل للقديس مرقس: ” ويقولون أن بطرس عندما علم، بوحي من الروح القدس بما حدث، سرته غيرة هؤلاء الناس، وأن السفر نال موافقته لاستعماله في الكنائس، وقد أيد هذه الرواية أكليمندس في الكتاب الثامن من مؤلفة ” وصف المناظر “، وأتفق معه أيضاً أسقف هيرابوليس المسمى بابياس، ثم أننا نرى بطرس يذكر مرقس في رسالته الأولى التي يقال أنه كتبها في روما نفسها، كما يوضح هو عندما يدعو المدينة رمزياً ” بابل ” في الكلمات التالية: تسلم عليكم الكنيسة التي في بابل المختارة معكم، ومرقس ابني “[21].

  ” أما لوقا فهو نفسه في بداية إنجيله يبين السبب الذي دعاه إلى كتابته 000 ودون في إنجيله وصفاً دقيقاً لتلك الأحداث التي تلقى عنها المعلومات الكاملة، يساعد على هذا صداقته الوثيقة لبولس وإقامته معه، ومعرفته لسائر الرسل “[22].

  ويتحدث عن القديس لوقا ككاتب الإنجيل وسفر أعمال الرسل فيقول: ” ويتحدث لوقا أيضاً عن أصحابه في سفر الأعمال، ويذكرهم بالاسم 000 أما لوقا الذي كان من أبوين أنطاكيين، وكان يمتهن الطب، والذي كان صديقاً حميماً لبولس ومعروفاً من سائر الرسل، فقد ترك في سفرين قانونيين براهين على موهبة الشفاء الروحي التي تعلمها منهم، أما أحد هذين السفرين فهو الإنجيل الذي يشهد بأنه كتبه كما سلمه إليه الذين كانوا منذ البدء شهود عيان وخدام للكلمة، والذين قد تتبعهم من الأول بالتدقيق، كما يقول، وأما السفر الثاني فهو أعمال الرسل الذي كتبه لا بناء على رواية الآخرين بل بناء على ما رآه هو بنفسه.

  ويقال أن بولس كلما قال ” بحسب إنجيلي ” إنما كان يشير إلى الإنجيل بحسب لوقا كأنه يتحدث عن إنجيل كتبه هو “[23].

  ويشهد يوسابيوس على أن الأناجيل الثلاثة الأولى، المتماثلة، قد انتشرت في كل مكان في نهاية القرن الأول، وكانت مع القديس يوحنا الرسول الذي شهد لوحيها وصحتها، ثم كتب الإنجيل الرابع مكملاً لها، فيقول: ” وبعدما نشر مرقس ولوقا إنجيلهما يقولون أن يوحنا الذي صرف كل وقته في نشر الإنجيل شفوياً، بدأ أخيراً يكتب للسبب التالي: أن الأناجيل الثلاثة السابق ذكرها إذ وصلت إلى أيدي الجميع، وإلى يديه أيضاً، يقولون أنه قبلها وشهد لصحتها، ولكن كان ينقصها وصف أعمال المسيح في بداية خدمته “[24].

  وفيما يلي ملخص لما جاء في شهادة يوسابيوس عن أسفار العهد الجديد:

أ – مجموعة الأسفار المقبولة من الجميع والتي لا نزاع حولها وتضم 20 سفراً من اسفار العهد الجديد وقد قبلتها الكنيسة منذ كتابتها؛ وهي الأناجيل الأربعة؛ التي للقديسين متى ومرقس ولوقا ويوحنا وسفر الاعمال ورسائل القديس بولس؛ إلى رومية و1و2 كونثوس وغلاطية وأفسس وكولوسي و1و2 تسالونيكي و1و2 تيموثاوس وتيطس وفليمون، ورسالتا بطرس الاولى ويوحنا الاولى.

ب – الأسفار التي تأخرت بعض الكنائس، سواء في الشرق أو الغرب[25]، في قبولها والتي تضم 7 اسفار، هي؛ يعقوب وبطرس الثانية ويوحنا الثانية والثالثة ويهوذا، وكان حولها نزاع، خاصة من جهة الكنائس التي لم ترسل إليها مباشرة وتأخر وصولها إليها، والرسالة إلى العبرانيين التي كان الجميع يؤمنون بوحيها، باعتبار أن كاتبها هو إما القديس بولس نفسه وقد قام بترجمتها القديس لوقا إلى اليونانية، أو أحد تلاميذه الذي دون أفكاره وتعاليمه، أو برنابا أو أبلوس أو أكليمندس أسقف روما، مع رفض الأغلبية للخروج عن دائرة القديس بولس. فقد تم الاعتراف بوحيها وكان الخلاف حول من هو كاتبها. ورؤيا يوحنا التي تأخر قبولها في إنطاكية. وقد تأخر قبول هذه الاسفار في بعض الكنائس لعدة اسباب لكن تأكدت قانونيتها لاحقا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش: 

[1] استخدمت الرسالة كسفر قانوني بشكل واسع منذ أيام اوريجانوس فصاعداً، واستخدمها كذلك أوريجانوس وفرمليان وكابريان وهيبوليتوس وميثوديوس 00 وغيرهم.  

[2] ذات أصل هرطوقي وتنتمي إلى مجموعة الأعمال التي يضمها قانون المانيين. ANF. Vol. VIII. p. 477.. وترجع إلى ما قبل سنة 190م، وقد بنيت في الأساس على تقاليد حقيقية فقد ذكر أكليمندس الإسكندري في نصين موقفين نجد لهما صدى في هذا الكتاب الأبوكريفي؛ فقد أشار إلى أن بطرس وفيليب أنجبا أطفالاً (Strom. III. 6,32) وأن بطرس شجع زوجته للمضي في طريق الاستشهاد(Strom. VII. 2,63). وكلا النصين موجودان في التقليد الشفوي المسلم للكنيسة. كما ذكر هيبوليتوس رواية استلمها من التقليد الشفوي تصف وصول سيمون الساحر إلى روما.

[3] وقد ذكر هذا الكتاب سرابيون وقال عنه يوسابيوس القيصري: ” ومؤلف آخر أيضاً كتبه (سرابيون) عما يسمى إنجيل بطرس، وقد كتب هذا المؤلف ليفند الأباطيل التي تضمنها ذلك الإنجيل، نظراً لأن البعض في إيبارشيته روسوس (أحدى مدن سوريا شمال غرب إنطاكية) قد انجرفوا في أراء كفرية بسببه. ويحسن اقتباس بعض فقرات موجزة من مؤلفه لإظهار آراءه عن الكتاب. وقد كتب ما يلي: ” لأننا أيها الأخوة نقبل كلا من بطرس وسائر الرسل كرسل المسيح، ولكننا نرفض بشدة الكتابات المنسوبة إليهم زوراً، عالمين أن مثل هذه لم تسلم إلينا 000 لأننا إذ حصلنا على هذا الإنجيل من أشخاص درسوه دراسة وافية، أي من خلفاء أول من استعملوه الذين نسميهم دوسيتيين (الذين اعتقدوا أن المسيح لم يكن له جسد حقيقي بل شبه جسد)، فقد استطعنا قراءته ووجدنا فيه أشياء كثيرة تتفق مع تعاليم المخلص الصحيحة، غير أنه أضيفت لتلك التعاليم إضافات أشرنا إليكم عنها فيما بعد ” (يوسابيوس ك 6 ف 12).

[4] كرازة بطرس Kyrygma Petrou، يرجع هذا العمل للنصف الأول من القرن الثاني وقد أشار إليه بعض الآباء مثل أكليمندس الإسكندري وأوريجانوس وثاوفيلس الأنطاكي ومضمونه أقرب للفكر الكنسي والتقليد الرسولي لذا ظن البعض أنه يرجع لبطرس تلميذ المسيح. New Testament Apocrypha Vol. 2. p. 94,95.

[5] ترجع رؤيا بطرس إلى ما قبل 180م، وتختلف عن رؤيا بطرس الغنوسية. وقد لاقى هذا الكتاب بعض الاعتبار سواء وقتياً أو محلياً في بعض الجهات. وقد ورد ذكرها في الوثيقة الموراتورية مع التعليق عليها بأن البعض لا يؤيدون قراءتها في الكنيسة.

[6] ويشير إلى رؤيا بطرس أيضاً في كتابه السادس باعتبارها من الكتب المزيفة (يوسابيوس ك 6 ف 14 :1).

[7] يوسابيوس ك 6 ف 14و20و25.

[8] تعتبر هذه الأعمال واحدة من الأعمال الرئيسية في أبوكريفا العهد الجديد وترجع إلى نهاية القرن الثاني وقد أشار إليها ترتليان، ووصفها بالمزيفة فقال: ” إذا كان هؤلاء الذين يقرأون الكتب المزيفة التي تحمل اسم بولس يقدمون المثال بتكلا ليحصلوا على حق المرأة في التعليم والعماد، فليعرفوا أن القس الذي من آسيا الذي ألف هذه الوثيقة من نفسه وتصور أنه يقدر أن يضيف أي شيء من نفسه لتكريم بولس أعترف أنه فعل ذلك حبا في بولس قد حُرم وطرد من وظيفته ” (The Baptism 17). كما يشير إليها كل من هيبوليتس وأوريجانوس (New Testament Apocrypha Vol. 2. p322, 323).

[9] يوسابيوس ك 3 ف 3.

[10] والتي يضع يوسابيوس من ضمنها الرسالة إلى العبرانيين، مؤكداً بوضوح، كرسالة للقديس بولس (أنظر ف 24).

[11] ويجب أن نضيف هنا ما قاله يوسابيوس عن رسالتا يعقوب ويهوذا مؤكداً قرائتهما في الكنائس منذ البدء: ” هذا ما دون عن يعقوب (الذي يدعى أخا الرب) كاتب أول رسالة في الرسائل الجامعة. ومما تجدر ملاحظته أن هذه الرسالة متنازع عليها، أو على الأقل فأن الكثيرين من الأقدمين لم يذكروها في كتبهم، كما هو الحال أيضاً في الرسالة التي تحمل اسم يهوذا، التي هي أيضاً إحدى الرسائل الجامعة السبعة. ومع ذلك فنحن نعلم أن هاتين الرسالتين قُرئتا علناً مع سائر الأسفار في كنائس كثيرة ” (يوسابيوس ك 2 ف 23 :25).

[12] يوسابيوس ك 3 ف 3.

[13] إنجيل العبرانيين: ترجم هذا الكتاب القديس جيروم في القرن الرابع ونقل عنه فقرات عديدة في كتاباته. وترى الأغلبية العظمى من العلماء أنه كُتب في نهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني، وأنه شبيه بالإنجيل للقديس متى للدرجة التي جعلت أغلبهم يرى أنه هو نفس الإنجيل الذي للقديس متى مع حذف الإصحاحين الأول والثاني الخاصين بميلاد المسيح ورحلة الهروب إلى مصر. وأيضاً به الكثير من التعديلات التي تناسب فكر هؤلاء، خاصة الأبيونيين مثل قوله: ” عندما رغب الآب الصالح في مجيء المسيح إلى الأرض لإتمام الخلاص، نادى من بعيد قوة أسمها ميخائيل، وأوصاها بالسهر على المسيح خلال مهمته. وجاءت القوة إلى العالم ودُعيَتْ مريم، وحل المسيح سبعة أشهر في أحشائها إلى أن ولدته، ثم كَبَر واختار رُسلُه، صُلِبَ ورفعه الآب ” (Apocryphal New Testament , Newly Translated By Montague Rehodes James. P. 5).

[14] وهو غير إنجيل الطفولة لتوما، ويرجع إلى القرن الثاني وقد ذكره كل من القديس هيبوليتوس والعلامة أوريجانوس، وقد اكتشفت نصوصه كاملة ضمن مجموعة نجع حمادي. وهو عبارة عن مجموعة من الأقوال السرية المنسوبة للرب يسوع المسيح. ومن نفس نوعية الكتب الغنوسية التي تقول بتعدد أشكال للمسيح لأنه من وجهة نظرهم ظهر، كإله، في هيئة ومنظر وشبه جسد، شبح.

[15] لم يتبق لنا منه شيء سوى بعض الفقرات التي أحتفظ لنا بها أكليمندس الإسكندري في (Strom. II. 9, Strom. III. 4 and Strom. VII. 13). كما ذكره أوريجانوس (Hom. in Lucam I) وجيروم (Præf. in Matt.) وبعض الكتاب غيرهما.

[16] وتسمى أيضاً بإنجيل أندراوس، وترجع إلى ما قبل القرن الرابع، وقد خرجت من دوائر الهراطقة، وأشار إليها أيضاً ابيفانيوس (403م) عدة مرات وقال أنها مستخدمة عند مذاهب هرطوقية كثيرة ممن يتمسكون بالزهد الشديد حتى الامتناع عن العلاقات الزوجية. وقد جاء فيها قول القديس أندراوس لغريمه: ” أن أمنت بالمسيح ابن الله الذي صلب سأشرح لك كيف أن الحمل الذي ذبح سيحيا بعد أن صلب “(64). وينسبها الكتّاب الأوائل خطاً إلى ليوسيوس الذي قيل أيضاً أنه مؤلف أعمال يوحنا. (New Testament Apocrypha Vol. 2. p323).

[17] جاءت أول إشارة لأعمال يوحنا في كتابات أكليمندس الإسكندري الذي أشار إلى أحد أفكارها في القرن الثاني، بقوله: ” أنه عندما لمس يوحنا جسد يسوع الخارجي ووضع يديه بقوة فيه لم تقاومه صلابة الجسد بل جعلت مساحة ليد التلميذ ” (New Testament Apocrypha Vol. 2. p. 189). ولكن أول من أشار إليها بشكل مباشر هو يوسابيوس القيصري هنا في موضوعنا هذا.

[18] يوسابيوس ك 3 ف 25 : 1 – 7.

[19] يوسابيوس ك 3 ف 24.

[20] يوسابيوس ك 2 ف 15.

[21] يوسابيوس ف 2.

[22] يوسابيوس ك 3 ف 24 .

[23] يوسابيوس ك 3 ف 4 :5 و6.

[24] السابق .

[25] فقد قبلت بعض هذه الأسفار في الشرق وتأخر قبولها في الغرب، والعكس.

يوسابيوس القيصري وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

أكليمندس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

أكليمندس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

أكليمندس الإسكندري ؟

أكليمندس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

القديس أكليمندس الإسكندري (150 – 215م):

كان القديس فلافيوس تيطس أكليمندس، المعروف بأكليمندس الإسكندري (Titus Flavius Clement) مديراً لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية وتلميذاً للعلامة بنتينوس ومُعلماً لكل من العلامة أوريجانوس وهيبوليتوس وكان كما يصفه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري: ” متمرساً في الأسفار المقدسة “. فقد تعلم مع استاذه العلامة بنتينوس دراسة الأسفار المقدسة: ” وفي ذلك الوقت اشتهر أكليمندس إذا تعلم معه (بنتينوس) الأسفار المقدسة “[1]. ودعاه القديس كيرلس أنه: ” كان شغوفًا في التعلم ” و “خبيرًا في التاريخ اليوناني “. وقال عنه القديس جيروم: ” مجلداته المعروفة مملوءة علمًا وفصاحة، يستخدم الكتب المقدسة والأدب الدنيوي، في رأيي أنه أكثر الجميع علمًا “[2].

وكان لأكليمندس دور كبير في الصلة بين تلاميذ المسيح ورسله، أو ما يسميه البعض بالسند المتصل، فقد كان حلقة الوصل بين التلاميذ والرسل ومن تتلمذ على أيديهم وصار من خلفائهم ومن كانوا في جيله، وينقل لنا يوسابيوس عن كتابه وصف المناظر أنه أستلم التقليد بكل دقة من الذين تسلموه من الرسل، فقد كان هو نفسه خليفة تلاميذ الرسل أو كما يقول هو عن نفسه إنه ” التالي لخلفاء الرسل “[3]، ” ويعترف بأن أصدقاءه قد طلبوا منه بإلحاح أن يكتب من أجل الأجيال المتعاقبة التقاليد التي سمعها من الشيوخ الأقدمين “[4]، وذلك باعتباره أحد خلفائهم.

ومن ثم فقد سجل التقليد الشفوي الذي سمعه ورآه وتعلمه وعاشه وحوله إلى تقليد مكتوب، كما شرحه ودافع عنه. وينقل عنه يوسابيوس، أيضاً، قوله عن معلميه الذين استلم منهم التقليد ” وقد حافظ هؤلاء الأشخاص على التقليد الحقيقي للتعليم المبارك، المسلم مباشرة من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس، إذ كان الابن يتسلمه عن أبيه (وقليلون هم الذين شابهوا آباءهم) حتى وصل إلينا بإرادة الله لنحافظ على هذه البذار الرسولية “[5].

ويقول عنه القديس جيروم أنه كان ” تلميذا لبنتينوس وأدار المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية بعد نياحة معلمه، كان معلما وخاصة لطريقة السؤال والجواب (Catechetes). ألف عدة كتب في كل من الإنجيل المقدس والعلوم اللاهوتية ملأها بالعلم والروعة “[6].

وكان واسع الإطلاع جدا في كل العلوم والمعارف في عصره، ويقول عنه أحد العلماء أنه اقتبس من 359 كاتب كلاسيكي ومن غيرهم من الكتاب غير المسيحيين، ومن 70 كاتبا كتابيا بما في ذلك الأسفار القانونية الثانية ومن 36 كاتب آبائي ومن الكتب الأبوكريفية بما فيهم هراطقة. وكان أجمالي ما اقتبسه من اقتباسات وأستشهادات حوالي 8000 أكثر من ثلثها من كتاب وثنيين[7].

وكان محبا للقراءة لمعرفة الحق. يظهر اتساع إطلاعه في كتاباته حيث أقتبس أكثر من 700 نصا من 348 مؤلفا وربما أكثر وقد أقتبس من أسفار العهد الجديد 1433 مرة، منها 591 من الأناجيل الأربعة و731 اقتباسا من رسائل القديس بولس الرسول و111 من بقية العهد الجديد[8]. وكان الكتاب المقدس بالنسبة له هو المرجع الأخير والحاسم, فقد أمن أن ” الذي يؤمن بالكتاب المقدس وبصوت الرب العامل لخير البشرية هو المؤمن الحقيقي “[9].

أما عن قائمته الخاصة بالأسفار القانونية فقد نقلها لنا المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري عن الجزء المفقود من كتابه ” وصف المناظر Hypotyposes “، حيث يقول: ” وبالاختصار فقد قدم في مؤلفه ” وصف المناظر ” وصفا موجزا عن جميع الأسفار القانونية دون أن يحذف الأسفار المتنازع عليها، أعني رسالة يهوذا والرسائل الجامعة الأخرى، ورسالة برنابا[10]، والسفر المسمى رسالة بطرس[11].

ويقول أن الرسالة إلى العبرانيين[12] من تأليف بولس، وأنها كتبت إلى العبرانيين باللغة العبرية، ولكن لوقا ترجمها بدقة ونشرها إلى اليونانيين، ولذا فأنه يوجد في نفس أسلوب التعبير الذي في سفر الأعمال.

ويرجح بأن كلمتي ” بولس الرسول ” لم توضعا في مقدمة الرسالة لأنه إذ أرسلها إلى العبرانيين المتحاملين عليه والمتشككين فيه كان حكيما إذا لم يشأ أن ينفرهم منذ البداية بذكر اسمه.

بعد ذلك يقول: والآن كما قال الشيخ المبارك، لأن الرب رسول القدير أُرسل إلى العبرانيين، فأن بولس إذا أُرسل إلى الأمم لم يشأ أن يعتبر نفسه رسول العبرانيين وذلك تأدبا منه. وهو إذ كان سفيرا ورسولا للأمم لم يكتب إلى العبرانيين إلا لغزارة مادته “.

وفي نفس الكتاب أيضاً يقدم أكليمندس تقليد الآباء (presbyters) الأولين عن ترتيب الأناجيل على الوجه التالي: فيقول أن الإنجيلين المتضمنين نسب المسيح كتبا أولاً. أما الإنجيل بحسب مرقس فقد كانت مناسبة كتابته هكذا: لما كرز بطرس بالكلمة جهارا في روما. وأعلن الإنجيل بالروح، طلب كثيرون من الحاضرين من مرقس أن يدون أقواله لأنه لازمه وقتا طويلاً وكان لا يزال يتذكرها. وبعد أن دون الإنجيل سلمه لمن طلبوه.

ولما علم بطرس بهذا لم يمنعه من الكتابة ولا شجعه عليها. وآخر الكل لما رأى يوحنا أن الحقائق الخارجية قد دونت بوضوح في الإنجيل كتب إنجيلا روحيا[13]. هذه رواية أكليمندس “[14].

وكما قلنا أعلاه فقد اقتبس أكليمندس الإسكندري من 359 كاتب كلاسيكي ومن غيرهم من الكتاب غير المسيحيين، ومن 70 كاتبا كتابيا بما في ذلك الأسفار القانونية الثانية ومن 36 كاتب آبائي ومن الكتب الأبوكريفية بما فيهم هراطقة، ومن ضمن هذه الاقتباسات ما اقتبسه من الأناجيل بحسب العبرانيين والمصريين وتقاليد متياس وكرازة بطرس ورسالة أكليمندس الروماني والديداكية ورسالة برنابا وراعي هرماس ورؤيا بطرس. فقد رأى في كل كتاب أما شيء من التقاليد أو نوع ما من الوحي، يقول بروس متزجر أن أكليمندس الإسكندري كان يعرف أناجيل أخرى بجانب الأناجيل الأربعة وقد قبلها بصفة بدائية، فقد أشار إلى الإنجيل بحسب المصريين 8 مرات وإنجيل العبرانيين 3 مرات وتقاليد متياس 3 مرات، وعلى الرغم من أنه أشار مرة واحدة إلى إنجيل العبرانيين بعبارة ” مكتوب في الإنجيل بحسب العبرانيين ” فقد قلل من سلطته بسب ما أحدثه فيه الغنوسيين[15].

ويعلق على إحدى عبارات إنجيل المصريين الأبوكريفي قائلاً: ” ليس لدينا هذا القول [من يسوع لسالومي] في الأناجيل الأربعة التقليدية ولكن في الإنجيل بحسب المصريين “[16].

كما اقتبس أكليمندس من الرسالة إلى أكليمندس الروماني 12 مرة وكذلك من كرازة بطرس، ويعلق عالم النقد الكتابي بروس متزجر على ذلك بقوله: ” أنه [أكليمندس] يشير إلى أورفيوس (Orpheus) كلاهوتي ويتحدث عن أفلاطون كما لو أنه تحت الوحي الإلهي، حتى ميترودورس (Metrodorus) الابيقوري ينطق بكلمات موحى بها إلهياً. لذا فليس من المدهش أن يقتبس فقرات من رسالة أكليمندس الروماني ورسالة برنابا وراعي هرماس ورؤيا بطرس كأنها موحى بها “[17]. كما يقتبس من الدياديكية دون أن يشير إليها[18].

ولكن لم يقل أحد أن هذه الكتب موحى بها مثل الأسفار التي كتبها تلاميذ المسيح ورسله بالروح القدس، بل اقتبس منها كما اقتبس من كتب الفلاسفة اليونانيين، الذي أختلف معهم في الكثير وأتفق في القليل، ككتب نافعة. ويعلق فليب شاف على قول البعض أنه اقتبس من رسالة برنابا كوحي إلهي ويقول: ” وهو يقتبس من برنابا مع بعض الاضافات والحذف فأين في كلامه ما يقول أنه يؤمن بها كوحي مقدس؟ “[19].

فقد اعترف القديس أكليمندس الإسكندري بكل الأسفار الموحي بها، ومن ضمنها الأسفار التي تأخر قبولها في بعض الكنائس، والتي كان البعض يسمونها بالأسفار المتنازع عليها، وأكد أن كاتب الرسالة إلى العبرانيين هو القديس بولس الرسول، ولكنه لم يعترف بوحي أي من الكتب التي كتبها خلفاء وتلاميذ الرسل مثل رسالة برنابا ورسالة أكليمندس وراعي هرماس، والتي رأي فيها، هو وكل الآباء في كل العصور، كتب نافعه ومفيدة، وكذلك الأسفار المرفوضة مثل رؤيا بطرس.

ويعلن عن موقفه من الأسفار المقدسة والكتب الأبوكريفية التي كتبها الهراطقة في نهاية الكتاب السابع من مؤلفه المتفرقات (Stromata) عن الهراطقة والهرطقات[20] ويرى أن ” الحق ” هو العنصر الأساسي في المسيحية. أما المبدأ الأول للحق فهو الرب المتكلم من خلال الكتاب المقدس[21], الرب الذي قاد الأنبياء والإنجيليين والرسل هذا الذي منه أخذنا براهين إيماننا.

فقد قبلنا الحق من خلال الكتاب المقدس, من خلال صوت الرب نفسه وليس من خلال آراء الناس كما يفعل الهراطقة, فأن الهراطقة وأن كانوا يستخدمون الكتاب المقدس لكنهم لا يعرفون الحق. أنهم يقرأون الكتاب المقدس بطريقة سطحية, يقرأون دون أن يدخلوا إلى أعماقه. بهذا لا يتعلمون أسرار معرفة الكنيسة[22]. أنهم ليسوا من النضوج ليستوعبوا عظمة الحق.

كما يؤكد على حقيقة أن الهراطقة يسرقون مقتطفات من الحق ويدفنونها في نظام فكرى بشرى, يقتطفون عبارات متفرقة ومقاطع غامضة ويشكلونها حسب أهوائهم. وهم بهذا لا يدخلون الكنيسة من بابها الرئيسي إنما يدخلون من باب جانبي خفي, لهذا يصير الكتاب المقدس بالنسبة لهم بلا فائدة. أما بالنسبة إلى الكنيسة فالكتاب يكون أشبه بالقديسة مريم العذراء التي تحمل أسرار الحق مخفية داخلها, فتنجب الحق.

وفيما يلي مقتطفات من أقوال أكليمندس عن الهراطقة وعلاقتهم بالكتاب المقدس:

” أن كان الذين يتبعون الهرطقات يتجاسرون ويحتمون في الكتب النبوية فأنهم في المقام الأول لا يستخدمون الكتب المقدسة كلها ولا يقتبسون العبارات كاملة, إنما يختارون عبارات غامضة يحرفونها لخدمة آرائهم الخاصة ويجمعون عبارات قليلة من هنا وهناك, غير مهتمين بالمعنى إنما بمجرد استخدام الكلمات. وتجدهم في اغلب اقتباساتهم يهتمون بالألفاظ وحدها محرفين المعنى, فلا يستخدمون الاقتباسات التي يدللون بها في طبيعتها الحقيقية “[23].

” مع أنهم يتحدثون عن الله الواحد, ويسبحون بالترانيم للمسيح, لكنهم لا يتكلمون بالتدقيق, مخالفين الحق, لقد اكتشفوا أخر وقبلوا مسيحا ليس حسب النبوات. هؤلاء تعاليمهم باطلة تعارض الحق وهم ضدنا “[24].

” ليت من قبل الإنجيل مرة, حتى وعرف الخلاص لو لساعة, أن لا ينظر إلى الوراء كما فعلت امرأة لوط ولا يرتد إلى حياته الأولى المرتبطة بالحسيات والهرطقات “[25].

ويجب أن نعرف أن غلبية الآباء والعلماء يتفقون على أن كل من الإنجيل بحسب العبرانيين والإنجيل بحسب المصريين، هو نفسه الإنجيل للقديس متى كما كتب باللغة العبرية ولكن الأبيونيين والفرق التي استخدمته عدلته وحذفت منه وجعلته يتناسب مع أفكارها. وأن ما عرف بإنجيل متياس هو تقاليد قديمة نقلت تحت اسم تقاليد متياس. ومن هنا اقتبس بعض فقراتها بعض الآباء لأنها تمثل نصوص شبيهة نسبيا من نصوص الأناجيل القانونية أو أنها فقرات كانت محفوظة في ذاكرة الكنيسة كتقليد شفوي. وفيما يلي هذه الفقرات التي اقتبسها من هذه الكتابات: 

1 – إنجيل العبرانيين:

والذي ننقل عنه هذين الاقتباسين:

” كما هو مكتوب أيضاً في الإنجيل بحسب العبرانيين: من يدهش يملك. ومَنْ يملك يَذُق الراحة “[26].

” لأن تلك الكلمات لها نفس القوة مثل: من يبحث لن يتوقف حتى يجد، وعندما يجد سيدهَش. وعندما يدهش سيملك وعندما يملك سيستريح! “[27].

2 – الإنجيل بحسب المصريين:

(أ) ” وإذا كان الحديث يتناول نهاية الأزمنة، سألت سالومي، في الوقت المناسب: ” حتى متى يموت البشر؟ ” (الكتاب المقدس يعطى كلمة إنسان معنى مزدوجاً، يشير إلى الشخص المرئي وإلى النفس، وأيضاً ما هو مُخلص وما ليس كذلك. والخطيئة تُدعى موت النفس) فقدم لها الرب هذا الجواب الثاقب: ” ما دام النساء يُنجبنَ “. فقالت سالومي: ” ألم أفعل حسناً بعدم ولادة أطفال؟ “[28].

” وقالت له: ” أحسنتُ صنعاً بعدم الإنجاب “. معتقدة بأن التوليد شر، والحال أن الرب أجابها: كُلى من كل عشبٍ، إنما تحاشى الأعشاب المرة ‍”[29].

 (2) وعندما سألته سالومي: ” متى تعلن الأمور التي سألت عنها؟ ” قال لها الرب: ” عندما تدوسين ثياب الخجل، وعندما يصبح الاثنان واحداً ويكون الذكر مع الأنثى لا ذكراً ولا أنثى “[30].

(3) وعندما سألت سالومي: ” كم من الوقت يسود الموت؟ قال لها الرب: ” ما دام أنتن النساء تحملن أطفال “. ” ليس لأن الحياة مرض ولا الخليقة شر، ولكن كما يظهر من تتابع الطبيعة، لأنه في كل الأحوال يتبع الميلاد الانحلال “[31].

ويعلق على ذلك بقوله: ” يعترض البعض، بتعففٍ ورٍع على خلق الله ويستشهدون بكلمات يسوع هذه إلى سالومي التي ذكرت بها. أننا نجدها، إلا إذا كان ثمة خطأ، في الإنجيل بحسب المصريين. أنهم يؤكدون أن الرب صرح بنفسه: ” أتيتُ لأهدم أعمال المرأة ” بالمرأة، افهموا الشهوات، وبأعمالها، الولادة والموت[32].

وتعلق دائرة المعارف الكتابية: ” وهذه الأقوال تختلف بكل تأكيد عن طبيعة أقوال الرب. ويختلف العلماء في العصر الحاضر على مدى ما يذهب إليه هذا الإنجيل (المنحول) في هذه الهرطقة، وإلى أي مدى أطاعوه، فمع القليل الذي لدينا عنه، من الصعب أن نصل إلى نتيجة. ولا بد أنه كان يحتوي على أجزاء أخرى جعلت أوريجانوس يحكم عليه بالهرطقة، وقد استخدمه النحشتانيون (نسبة إلى الحية نحشتان) والسابليون. ويرجع تاريخ هذا الإنجيل إلى ما بين 130 – 150م “[33].

وجاء نفس مضمون هذه الأقوال في أقوال ثيودوتس (Theodotus)، تلميذ فالنتينوس الغنوسي في القرن الثاني، والذي قال: ” وعندما قال المخلص لسالومي أنه سيكون موت ما دامت النساء تحبل بأطفال، لم يقل ذلك كسوء لاستعمال الميلاد، بل لأن هذا ضروري لخلاص المؤمنين “[34].

ويعلق أكليمندس قائلاً: ” ولكن هؤلاء الذين هم ضد خليقة الله بسبب كبح الشهوات، التي لها اسم لطيف، يقتبسون هذه الكلمات أيضاً التي قيلت لسالومي، التي ذكرتها من قبل 000 في الإنجيل بحسب المصريين، إذ يقولون أن المخلص نفسه قال: ” لقد أتيت لأدمر عمل الأنثى “. ويقصد بالأنثى الشهوة، وبعمل الميلاد والانحلال “[35].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش: 

[1] يوسابيوس ك 5 ف11 .

[2] مقالة لرشيد المليكي.

[3] يوسابيوس . ك 6 ف13 .

[4] يوسابيوس ك 6 ف9:13 .

[5] يوسابيوس ك 5 ف5:11.

[6] مشاهير الرجال 57.

[7] Clement Of Alex. By Ferguson P.17.

[8] Clement Of Alex. By Ferguson, P.17.

[9] Stromata, 7 : 16.

[10] يوسابيوس ك 3 ف 25.

[11] يوسابيوس ك 3 ف 3.

[12] فيما يختص بالرسالة إلى العبرانيين أنظر يوسابيوس ك3 ف 3.

[13] أنظر يوسابيوس ك 3 ف 24.

[14] يوسابيوس ك 3 ف 14.

[15] Bruce M. Metzger, p132.

[16] Bruce M. Metzger, p132.

[17] Bruce M. Metzger, 134.

[18] Stromata I,100,4. Metzger. p. 167.

[19] PNF. vol.1. p. 143.

[20] Stromata 7 : 15-18.

[21] The Philosophy Of Clement Of Alexandria By F.F. Osborn ,Ch. 9.

[22] Stromata, 7:97.

[23] Stromata, 7 : 16 : 96.

[24]Stromata, 6 :15.

[25] Stromata, 7:16.

[26] Strom. 1.9.45. Miscellanies 2.9. Strom. II 9.45.

[27] Strom. 5.14.96. Miscellanies 5.14.

[28] Strom. III. 9.64. &III. 45.

[29] Strom. iii.9.66. & III. 66.

[30] Strom. III. 13.92. & 91ff.

[31] Strom. III. 6.45.

[32] Strom. iii.9.63.

[33] دائرة المعارف الكتابية ج 1 :55 و56.

[34] Excerpts From Theodotus 67.

[35] Strom. III. 9.63

أكليمندس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

العلامة بنتينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

العلامة بنتينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

العلامة بنتينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

العلامة بنتينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

 العلامة بنتينوس:

ولد العلامة (Pantaenus) بالإسكندرية، وقد سمّاه تلميذه أكليمندس بـ ” النحلة الصقلية “[1]، ومن هنا قال البعض أنه من جزيرة صقلية. وقد درس بنتينوس الفلسفة الرواقية ثم اعتنق المسيحية على يدي اثيناغوراس الفيلسوف المسيحي مدير مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، ثم صار بنتينوس مديراً للمدرسة سنة 180م[2]. وكان أول مدرس، معروف لنا، لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية. ويقال أنه أدخل الفلسفة والعلوم إلى مدرسة الإسكندرية لجذب الهراطقة والوثنيين المثقفين حيث أعد لهم دراسات خاصة تقدم الأساسيات الإيمانية مستخدمة الفلسفة كسلاح للحوار والإقناع، كما قدمت المدرسة دراسات متقدمة عن الحكمة الإلهية والمعرفة الروحية.

ويقول عنه يوسابيوس القيصري: ” ونحو هذا الوقت عهد إلى بنتينوس[3] وهو شخص بارز جداً بسبب علمه، إدارة مدرسة المؤمنين في الإسكندرية. إذ كانت قد أنشئت منذ الأزمنة القديمة مدرسة للتعاليم المقدسة، ولا زالت حتى يومنا هذا، وكان يديرها، كما ما وصل إلى علمنا، رجال في غاية المقدرة والغيرة نحو الإلهيات وبرز بينهم في ذلك الوقت بنتينوس لأنه تهذب بفلسفة الرواقيين، وقد أظهر غيرة شديدة نحو الكلمة الإلهية حتى أنه عُين سفيراً لإنجيل المسيح للأمم في الشرق ووصل حتى بلاد الهند، لأنه كان كثيرون من الكارزين بالكلمة الذين سعوا باجتهاد يستخدمون غيرتهم الإلهية على مثال الرسل لزيادة انتشار وبنيان الكلمة الإلهية.

ولقد كان العلامة واحداً منهم حتى أنه ذهب إلى بلاد الهند ومن المعروف أنه عثر هناك على إنجيل متى الرسول لدى الذين عرفوا المسيح إذ أن برثلماوس، أحد الرسل، كان قد كرز بينهم وترك لهم ما كتبه متى باللغة العبرية واحتفظوا به حتى ذلك الوقت. وبعد أعمال صالحة كثيرة، صار في النهاية على رأس مدرسة الإسكندرية وشرح كنوز التعليم الإلهي بالكلمة الشفاهية وبالكتابة، في هذا الوقت تعلم أكليمندس في الإسكندرية الكتب الإلهية على يد بنتينوس حتى صار مشهوراً “[4].

وكان بنتينوس معلماً لعدد كبير من آباء الكنيسة المؤثرين في موضوعنا هنا، وكان أول مدرس، معروف لنا، لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية، كما كان معلماً لأكليمندس الإسكندري خليفته كمدير للمدرسة وأوريجانوس والإسكندر أسقف أورشليم، وكان تأثيره الأكبر على تلميذه أكليمندس الإسكندري، الذي يقول عنه يوسابيوس القيصري ما يلي: ” وفي كتابه (أكليمندس) ” وصف المناظر “، يتحدث عن بنتينوس بالاسم كمعلمه “. بل ويراه من ابرز خلفاء الرسل[5].

ونظرا لعلمه في الكتاب المقدسة قال عنه تلميذه وخليفته أكليمندس الإسكندري معبراً عن ثقته في تفاسيره: حيث كان يكرر عبارة: ” أما بنتينوسنا، فقد قال … “[6]، مؤكداً أنه كان مصدر ثقة في عصره للمعلمين ولأكليمندس نفسه.

كما يقول أكليمندس عن مصدر كتابات العلامة بنتينوس أنه استقاها من عظماء الحكماء والعلماء وعلى قمتهم بنتينوس: ” وحينما جئت إلى الأخير (بنتينوس) كان أولهم في القوة، وقد تتبعته حيث كان مختفياً في مصر، فوجدت الراحة, وهو في الحقيقة النحلة الصقلية التي تجمع رحيق الأزهار من المروج النبوية والرسولية[7]، غارساً في نفوس سامعيه عنصر المعرفة الحية. حسناً فقد حفظوا التقليد للعقيدة المقدسة المأخوذة مباشرة من من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس، فقد استلم الابناء عن الآباء … الذي آتى إلينا أيضاً بإرادة الله كوديعة لهذه البذار الرسولية والتي تعود إلى الأسلاف “[8]. وينقل يوسابيوس: ” أما الكتب المعنونة وصف المناظر فهي بنفس العدد، ويذكر فيها بنتينوس كمعلمه[9]، وينقل اراءه وتعاليمه “[10].

ويقول عنه القديس جيروم أنه: ” فيلسوف من المدرسة الرواقية … ولقد كان من كبار العلماء وكانت له فطنة كبيرة ودراية بكل من الإنجيل والعلوم الدراسية “[11]. ويضيف إلى ما قاله يوسابيوس عن وجود الإنجيل للقديس متى في الهند: ” وعندما عاد بنتينوس إلى الإسكندرية أحضر هذه النسخة معه والمكتوبة بالعبرية “[12].

ومن ابرز أعماله أنه قام مع تلميذيه أكليمندس وأوريجانوس بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة القبطية مستخدمين الحروف اليونانية مضافاً إليها سبعة حروف غير موجودة في اليونانية.

من ذلك يتضح لنا حقيقة إيمان العلامة بنتينوس بوحي أسفار الكتاب المقدس بعهديه بما فيها الرسالة إلى العبرانيين. ولكن للأسف فقدت جميع كتاباته، عدا جذاذة صغيرة.

وينقل يوسابيوس ما نقله أكليمندس عن استاذه بنتينوس عن الرسالة إلى العبرانيين[13]: ” والآن يقول الشيخ لأن الرب رسول القدير أرسل إلى العبرانيين، فأن بولس إذا أُرسل إلى الأمم لم يشأ أن يعتبر نفسه رسول العبرانيين وذلك تأدباً منه. وهو إذ كان سفيراً ورسولاً للأمم لم يكتب إلى العبرانيين إلا لغزارة مادته “[14].

وترجع قيمة بنتينوس بالنسبة لنا لكونه معلما لعدد كبير من آباء الكنيسة المؤثرين في موضوعنا هنا، فقد كان معلماً لأكليمندس الإسكندري خليفته كمدير للمدرسة والإسكندر أسقف أورشليم وكذلك أوريجانوس، وكان تأثيره الأكبر على تلميذه أكليمندس الذي يتكلم عنه بكل احترام ويصفه بـ ” النحلة الصقلية ” التي قد تكون إشارة إلى مكان ميلاده[15]، ومن يوسابيوس نعرف أن أكليمندس كان خليفة له: ” وفي ذلك الوقت عهد إلى أكليمندس تعليم الإيمان في الإسكندرية خلفاً لبنتينوس[16]. وكان رأي بنتينوس في الأسفار المقدسة هو ما قبله تلاميذه، خاصة، أكليمندس وأوريجانوس[17].

وقد قدم لنا العلامة بنتينوس، وهو ما قبله تلميذاه أكليمندس وأوريجانوس، نوعين من الاعتراف برسائل القديس بولس؛ واحد يضم رسائل بولس الثلاث عشرة، بدون الرسالة إلى العبرانيين، والثاني يتكون أربع عشرة رسالة، تضم الرسالة إلى العبرانيين[18].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش: 

[1] Stomata, I,1.

[2] وسلم إدارة المدرسة لتلميذه اكليمندس سنة 190م عندما قام برحلته الكرازية للهند.

[3] يقول مترجم الترجمة الإنجليزية أن العلامة هو أول مدرس عرفناه لمدرسة الإسكندرية.

[4] يوسابيوس ك 5 ف 10 و11. الترجمتين العربية والإنجليزية.

[5] يوسابيوس ك 5 ف 11 :2.

[6] العلامة بنتينوس الإسكندري، ترجمة وإعداد أنطون فهمي جورج ص 11.

[7] يقصد مثل بقية الآباء أسفار العهدين القديم والجديد.

[8] Stomata, I,1.

[9] Strom. I. 1.

[10] يوسابيوس ك 6 ف 13 :2.

[11] مشاهير الرجال ص 55.

[12] مشاهير الرجال ص 56.

[13] Bruce M. Metzger, p130.

[14] يوسابيوس ك 6 ف 14 :4.

[15] The Church History Of Eusebius, B. 5, 10, note, 1.

[16] يوسابيوس ك 6 ف 6 :1.

[17] Ibid.

[18] Bruce M. Metzger, p130.

العلامة بنتينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

غريغوريوس أسقف نيصا فى التراث العربى المسيحى

غريغوريوس أسقف نيصا فى التراث العربى المسيحى

غريغوريوس أسقف نيصا فى التراث العربى المسيحى

غريغوريوس أسقف نيصّا فى التراث العربى المسيحى

للكنيسة القبطية د. جوزيف موريس فلتس

1 لمحة عن شخصيته وحياته [1]

          ينتمى غريغوريوس إلى مدرسة كبادوكية اللاهوتية والتى ضمت كل من أخيه القديس باسيليوس الكبير وصديقه القديس غريغوريوس النيزينزى، والتى لعبت دورَا هاما فى تشكيل الفكر اللاهوتى المسيحى .

ولد عام 335م تقريبا فى قيصرية الجديدة ببلاد بنتطس فى بلدة اسمها ”  أنيسا ” وتوفى عام394م . وهو من عائلة أرستقراطية مشهورة فى كل منطقة كبادوكية ، بغناها وثقافتها . تتلمذ على يد أخيه القديس باسيليوس الكبير، وأظهر منذ حداثته شغفا كبيرا بالكتاب المقدس والعلوم الفلسفية، وقد خدم بالكنيسة قارئا للإنجيل.

بدأ فى دراسة فن الخطابة وأجاد فيه ولكن بمشورة صديقه القديس غريغوريوس النيزينزى ترك مهنة الخطابة بعد حين. تزوج من امرأة تقية تدعى ثيئوسيفيا وربما رزق منها بولد اسمه كينيجيوُُ. وبناء على طلب أخيه باسيليوس كتب كتابا عن البتولية بعد عام 370م.

فى عام 372م سيم أسقفا لبلدة ” نيصّا ” بآسيا الصغرى مطيعًا فى هذا أيضًا أخوه باسيليوس رئيس أساقفة قيصرية  كبادوكيا . وتعرض لهجمات شرسة ومحاربات نتيجة للاضطرابات الكنسية الأمر الذى تسبب فى مشاكل لخدمة أخيه القديس باسيليوس . ففى عام 375م ـ 376م اُتهم من قِبَل الآريوسيين ونجحوا فى أن يشكوه للحكام الموالين لهم بتهمة تبديد أموال الكنيسة ومتهمين إياه بتصرفات غير قانونية ، وبسبب هذه التهم قبضت عليه السلطات وأبعدته عن إيبارشيته ، وفى الطريق أصابه المرض ونجح أصدقاؤه فى إخفائه فى مكان آمن.

وفى مجمع عقد فى ” نيصّا ” عام 378م تم عزله غيابيًا ونفيه. وبعد وفاة الحاكم الموالى للآريوسيين فى صيف 378م، عاد إلى كرسيه حيث استقبله الشعب بفرح كثير .

فى يناير عام 379م حضر وداع أخيه باسيليوس الأخير عند انتقاله ، وحينئذ شعر بمسئوليته الروحية الضخمة كوارث لتراث أخيه الكنسى . اشترك فى مجمع بأنطاكية فى خريف عام 379م حيث اعتمد المجمع تعاليم ولاهوت القديس باسيليوس الكبير لأول مرة.

وفى عودته مرة أخرى إلى ” نيصّا ” مر ببلدته” أنيسا ” حيث اشترك فى الوداع الأخير لأخته ماكرينا ورجع إلى مقر إيبارشيته حيث كان ينتظره جهاد عظيم ضد الآريوسيين .

فى ربيع 381م تواجد فى ” إفورا ” للاشتراك فى رسامة أحد الأساقفة هناك ، حينئذ طالبه أهالى بلدة ” سبسطيا ” أن يصير أسقفًا وراعيًا لهم ليحارب معهم أتباع أسقفهم السابق أوستاثيوس[2]، الذى كان يهاجم ألوهية الابن، ومن أنصار بدعة محاربى الروح القدس .. ولقد وافقهم غريغوريوس على ذلك رغم أنه واجه فيما بعد متاعب كثيرة .

وقبل نهاية عام 381م عاد إلى نيصّا حيث بدأ الكتابة ضد أونوميوس الذى أحيا الهرطقة الآريوسية من جديد فى الكنيسة [3].

من مايو عام 381م إلى يونيو من نفس العام تواجد فى القسطنطينية لحضور المجمع المسكونى الثانى حيث لعب دورا هاما معبرًا عن التعاليم الأرثوذكسية الصحيحة للآباء الكبادوك حول عقيدة الثالوث وألوهية الروح القدس ، وكُلف فى سنة 382م بمهمة خاصة سافر من أجلها إلى أورشليم وإلى بلاد العرب .. ولقد قام أيضا برحلاتٍ تتعلق بشئون الكنيسة فى كثير من بلاد بنتطس وكبادوكيا وأرمينيا وغلاطية .

فى سنة 383م اشترك فى مجمع عُقد بالقسطنطينية حيث ألقى خطابا عن ألوهية الابن والروح القدس، وفى هذا الخطاب أظهر قدرات خطابية لاهوتية فائقة مما جعله يحظى بلقب الخطيب الرسمى للإمبراطورية ، الأمر الذى جعل الإمبراطور ثيئودوسيوس يختاره فى سنة 385م لإلقاء كلمة الوداع الأخيرة فى جنازة ابنته بوليخيريا، وبعدها فى جنازة زوجته الإمبراطورة بلاكيللا سنة 387م.

بعد سنة 387م ، ليس لدينا أخبار عن غريغوريوس ، فربما بسبب تعبه وكبر سنه، انسحب من مسرح الأحداث السياسية والكنسية لكى يتفرغ للكتابة وخصوصا الكتابات النسكية.

وآخر أخباره لدينا هو اشتراكه فى مجمع آخر بالقسطنطينية عام 394م.

2 أعماله (كتاباته) [4]

لغريغوريوس أسقف نيصَّا مؤلفات كثيرة بلغت 33 كتابًا، شملت موضوعات عقائدية وتفسيرية وليتورجية وروحية نسكية ، ورسائل. نختار من أهم هذه المؤلفات، الكتابات الآتية:

1 – عن الثالوث الأقدس .                                                        

2 – عن الروح القدس .

3 – عن الفرق بين الجوهر والأقنوم .                

4 – تفسير نشيد الأنشاد .

5 – تفسير أيام الخليقة الست .                                

6 – عن المعمودية .

7 – عن قيامة المسيح .                 

8 – عن البتولية .

9 – شرح التطويبات .       

10 – رسالة إلى غريغوريوس اللاهوتى .

 

3 تعاليمه اللاهوتية [5]

غريغوريوس أسقف نيصّا هو أول لاهوتى يُعبر عن الحياة الروحية التأملية للنُساك، وهو فى نفس الوقت من أعمدة الفكر اللاهوتى، ففى شخصه يجتمع اللاهوت العميق مع الخبرة الروحية الغنية .

انشغل غريغوريوس بمشاكل الكنيسة اللاهوتية فى عصره ، مقتفيا آثار أخيه ومعلمه باسيليوس الكبير ، واعتبر نفسه الوريث لحياته الفكرية والروحية . فقد قدم غريغوريوس للكنيسة رصيدًا لاهوتيًا بما تعلمه فى أحضانها من تعاليم ولاهوت الآباء الكبادوك، وتعاليم القديس إيريناوس والقديس أثناسيوس ، وكذلك معلمى مدرسة الإسكندرية بمنهجها الرمزى فى التفسير ، وأيضًا معلمى المدرسة الإنطاكية بطابعها الحرفى فى التفسير .

وبالرغم من اعتماد غريغوريوس فى كتاباته على تعاليم وكتابات باسيليوس فيما يختص بعقيدة الثالوث والروح القدس إلا أنه تابع أيضا ما كتبه القديس غريغوريوس النازينزى عن طبيعة السيد المسيح (Christology) وطور كل هذا الفكر وعمقه وفتح آفاقا جديدة عندما تكلم عن الإنسان Anthoropolgy))، تلك الآفاق التى صارت فيما بعد أساسًا للاهوت السرى (المستيكى) أو بمعنى آخر لاهوت الهدوئيين، وبالأخص كتابات مكسيموس المعترف فى القرن السابع وكتابات غريغوريوس بالاماس فى القرن 14م ، وغيرهما.

إن  آراء أونوميوس (eÙnÒmioj) فى إنكار ألوهية الابن، وآراء اتباع بدعة مقاومى الروح فى إنكارهم لألوهية الروح القدس، وكذلك تعاليم أبوليناريوس، قد عرضت تعاليم الكنيسة عن الحق الإلهى للخطر، مما كان له الأثر فى حياة المؤمنين الروحية والرؤية المسيحية للإنسان.

فمما لاشك فيه أن جماعات الرهبان والمتعبدين الذين عُرفوا بأصحاب بدعة ” المصلين” والذين عرفهم غريغوريوس ، كان لهم بعض الأفكار الخاطئة. وفى هذا كان يكمن خطر وجود تعاليم خاطئة مع تطبيقات عملية فى العبادة لهذه التعاليم المنحرفة .

كل هذه الأمور مثلت دافعا قويا لغريغوريوس لكى يبرز الحق الإلهى، ولهذا فإننا نجده يسعى فى كتاباته للربط بين التعليم عن عقيدة الثالوث والتعليم عن شخص المسيح ، وأيضا للربط بين تعاليمه هذه، وبين رؤيته للإنسان كمخلوق على صورة الله .

ومن الصعب أن نفرق فى أعماله بين اهتماماته العقائدية المحضة واهتماماته الروحية الصرفة ، إذ يؤكد بنفسه قائلا :

[ إن الفضائل الروحية تؤدى فى الوقت نفسه إلى المعرفة الصحيحة للحقيقة الإلهية ][6].

والجديد الذى قدمه غريغوريوس بوضوح ، هو التفرقة الواضحة بين ما هو إلهى : “غير مخلوق ” وبين ما هو من العالم أى ” مخلوق ” ، فكل ما هو كائن بذاته هو ” إلهى ” وكل ما هو فى العالم هو ” موجود ” على أساس أن له صلة تربطه بهذا ” الكائن الإلهى” .

            وفى هذا الجديد قدم أيضًا تصورًا رائعًا للإنسان كمخلوق ” ذو نفس حية ” يشابه الله    “™myÚcon Ðmoiwmatoj toà Qeoà” ، أى أن الإنسان كائن حى يجب عليه أن يسعى بدون انقطاع لكى يتحد بالله ، متحركًا من حالة العدم إلى حالة الوجود .

 

4 تأثيره فى معاصريه ومن لحقه

لقد أثر غريغوريوس بتعاليمه وكتاباته ليس فقط فى تعاليم معاصريه من آباء الكنيسة، بل أيضا فيمن كتبوا بعد ذلك بكثير، ومنهم من ساهم فى تكوين التراث العربى المسيحى، ونستدل على ذلك بالأمور التالية :

أ  ـ وجود ترجمات لمؤلفاته باللغة العربية وانتشارها فى مخطوطات ترجع لعصور مختلفة.

ب ـ الاستشهاد ببعض من مؤلفاته فى كتب التراث العربى المسيحى .

ج ـ نَسْبّ بعض الأعمال فى التراث العربى المسيحى إليه .

د ـ وجود بعض ترجمات عربية حديثة لحياته وكتاباته .

 

أ ـ  وجود ترجمات لمؤلفاته باللغة العربية وانتشارها عبر العصور

يخبرنا الكاتب الموسوعى شمس الرياسة أبو البركات (ق13) فى موسوعته “مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة “[7] الباب السابع فى ذكره ” مصنفات الآباء ومؤلفات الفضلاء الذين كانوا قبل الفرّق (الانقسام) وبعده ” عن أن الكنيسة القبطية قد عرفت فى اللغة العربية ستة من أعمال غريغوريوس الأصيلة والمنحولة، فيقول ” اغريغوريوس أخو باسيليوس القيسرانى له من الموضوعات ” :

(أ) قداس السرائر للابن .

(ب) الثانى : تتمة الاكسيمارس الذى شرحه القديس باسيليوس أخوه[8] .

(ج) الثالث : رسالة أرسلها إلى الأب بطرس أخيه بالاعتذار إليه فى تقصير الشرح، وفيها إعادة ذكر بعض من تفسير الخليقة .

(د) الرابع : شرح نشيد الأنشاد لسليمان بن داود وشرحها شرحًا روحانيًا [9].

(هـ) الخامس: كتاب الأبواب فى صفة طبيعة الإنسان، ويذكر أبو البركات أن الذى ترجمه من اللغة اليونانية إلى العربية هو حنين بن اسحق المتطبب وأن عدد أبواب هذا الكتاب بلغ 23 بابًا .

(و) السادس : كتاب إيساغوجى لأرسطوطاليس، ويعلق شمس الرياسة على هذا الكتاب قائلاً ” وهو وإن كان كتابًا علميًا فإنه يفيد فى تقسيم المعانى وتَفَهُم أصول العقيدة التى عليها أسست المبانى ” .

(ز) السابع : يذكر أبو البركات تحت اسم القديسة مكرينا[10] أنها اخت غريغوريوس وأنه أجرى معها حديثًا عن النفس الناطقة المحيية للجسد، وذلك قبل وفاتها مباشرة، ويرى أبو البركات أنها ” مجادلة ممتعة وفيها دلائل عقلية مقنعة ” .

          أما Georg Graf  [11] فيخبرنا بالتفصيل عن المخطوطات العربية التى شملت بعضًا من مؤلفات غريغوريوس، وإن كان Graf يرى أن أعماله العقائدية لم يكن لها النصيب الوافر فى الترجمات العربية مثل باقى أعماله التفسيرية ومقالاته وميامره . ويشير إلى وجود مخطوطات لتفسير نشيد الأنشاد والتطويبات ، وكذلك ميمر عن قيامة المسيح .

 

ب ـ الاستشهاد ببعض مؤلفاته

          لقد حاولت ـ بقدر المستطاع ـ أن أحصر كل من استشهد بمؤلفات غريغوريوس أسقف نيصَّا لإيضاح تأثيره على من كتبوا بالعربية فى الكنيسة القبطية ، ويمكن أن نذكر الأسماء الآتية:

          1 ـ أنبا ساويروس بن المقفع

          عندما رأى ساويروس بن المقفع فى القرن العاشر أن اللغة القبطية لم تعد مفهومة بالنسبة للشعب القبطى، وأن الأفكار الإسلامية قد بدأت فى التغلغل فى الأوساط المسيحية ، قرر كراعٍ وأسقف أن يؤلف بالعربية كتبًا لاهوتية دفاعية يعضد بها شعبه. لهذا ففى كتابه “الدر الثمين” أو الكتاب الثانى ذو الخمس عشر فصلاً، نجد أن ابن المقفع يستعرض عقائد كنيسته القبطية وبالذات عقيدتى الثالوث وطبيعة السيد المسيح[12] شارحًا بالتفصيل معنى الاتحاد الأقنومى لطبيعتى السيد المسيح، مدعمًا أرائه بأقوال “الآباء معلمين البيعة”.

ومن بين آباء ما قبل خلقيدونية، الذى استشهد بهم أسقف الأشمونين فى الفصلين الثانى والعاشر اللذين خصصهما للحديث عن ” ميلاد المسيح ” ، وعن “مضى الرب بالنفس إلى الجحيم “[13] غريغوريوس أسقف نيصّا.

وفى رأينا أن السبب الذى أعطى لكتابات غريغوريوس تلك المرجعية الأصلية هو اسهاماته الفعالة فى موضوع طبيعة المسيح وما قدمه من شروحات للتعبيرات التى استخدمت فى شرح عقيدة الخريستولوجى مثل تعبير “‘An£krash”، وتعبير “¢sÚgcuth ” لكى لا تُفسر على أنها عبارات أوطاخية المعنى وهرطوقية [14]، تلك البدعة التى حاول ابن المقفع أن يبرئ منها الكنيسة القبطية ، وهو ما يتضح بنوع خاص فى رده الدفاعى على الكاتب الملكى سعيد بن البطريق [15].

        2 ـ مؤلف كتاب اعتراف الآباء [16]

     إن كتاب اعتراف الآباء هو من أهم الكتب اللاهوتية بالنسبة للكنائس غير الخلقيدونية، سواء القبطية أو السريانية أو الإثيوبية . يرجع تاريخه إلى سنة 1078، وللأسف فإن مؤلفه القبطى مجهول الهوية. يحوى هذا الكتاب نصوصًا إما من مقالات كاملة من آباء الكنيسة، أو من مقتطفات كبيرة أو صغيرة الحجم مترجمة إلى العربية بلغ عددها 253، تشرح عقيدة الكنيسة فيما يختص بسر الثالوث وسر التجسد .

ومن الجدير بالذكر أن القديس كيرلس الأسكندرى هو صاحب النصيب الأكبر فى هذه الأقوال، فقد بلغ عدد الفقرات المنسوبة إليه 66 ، الأمر الذى يعكس أهمية الدور الذى لعبه القديس كيرلس عمود الدين فى خريستولوجى كنيسة الأسكندرية .

          غير أن كاتب اعتراف الآباء، لم يكتف بآباء الأسكندرية، بل حاول الاستعانة أيضًا بالآباء الكبادوك . ومن الثابت أن لاهوت كيرلس عن طبيعة المسيح قد اعتمد على ما قدمه من قبل غريغوريوس أسقف نيصّا ، ومن كتاباته الهامة فى هذا المجال : ” الفرق بين الجوهر والأقنوم ” [17].

     ولهذا كان من المهم أن يستشهد كاتب اعتراف الآباء بنصوص من كتاباته، والتى بلغ عددها أربعة مقتطفات .

          بل إن اختيار هذه النصوص بالذات يعكس مدى تقدير الكاتب القبطى للمساهمة الفعالة وللعناصر الجديدة التى أدخلها غريغوريوس فى الفكر المسيحى، وذلك بالتفرقة الواضحة بين ما هو إلهى ” غير مخلوق ” وكل ما هو فى العالم ” ومخلوق ” كما سبق القول .

          وكمثال لهذا الاختيار الواعى، نستعرض الفقرة التى جاءت فى مخطوط اعتراف الآباء من الميمر الخامس عشر من تفسير نشيد الأنشاد لأسقف نيصّا :

          [ المسيح غير خليقة وخليقة اجتمعا فى موضع واحد معًا ، أما الغير مخلوق فنقول لأجله إنه أزلى قبل كل الدهور، وأنه دايمًا إلى الأبد، وهو خالق كل شئ كائن ، فأما خليقته فهى المشاركة التى صار فيها مع جسد تواضعنا بالتدبير الذى فعله لأجلنا ] [18].

          مثال آخر لهذا الاختيار ربما يكشف لنا بعدًا جديدًا لتأثير كتابات غريغوريوس النسكية فى الحياة الرهبانية :

          هناك نص مشترك، استشهد بفقرات مختلفة منه كل من ابن المقفع[19] وكاتب مخطوط اعتراف الآباء [20]، ذلك النص هو لكتاب غريغوريوس المشهور عن ” التطويبات ” .

          فبالرغم من أن اقتباساتهم كانت بهدف تدعيم وجهة نظرهم العقائدية والتى هى الموضوع الأساسى للكتابين، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى يمكن القول إن كتاب التطويبات لأسقف نيصّا كان معروفًا فى الأديرة القبطية. ربما يرجع السبب فى ذلك إلى أن هذا الكتاب يعتبر أهم كتابات غريغوريوس النسكية، وأحد المراجع الهامة فى هذا الموضوع الروحى، وهو يشمل ثمانية مقالات يحلل فيها الكاتب الحياة النسكية التى تقود إلى حياة الغبطة، وبالتالى إلى حياة الشركة الكاملة مع الله، أو بمعنى آخر إلى ” التأليه ” [21].

          هذا ولقد تناول القديس مقاريوس الكبير الذى عاصر غريغوريوس، الموضوع نفسه فى عظاته المشهورة [22] والتى حظيت بانتشار واسع بين الرهبان الأقباط وأثرت تأثيرًا فعالاً فى الحياة النسكية فى الشرق والغرب، وقرأها بدقة كل من اشتاق قلبه لحياة النسك والتأمل الروحى ، ولاقتناء الخبرات الروحية .

          إلاّ أن رهبان الأديرة فى القرن العاشر وما بعده الذين كانوا يتحدثون القبطية والعربية[23] لم يكتفوا قط بترجمة أعمال مقاريوس إلى العربية للاستفادة منها، بل حاولوا أيضًا ترجمة كتابات غريغوريوس والتى تحمل نفس المضمون للتعرف على ما تحتويه ، بالرغم من صعوبة فهمها، مثلها مثل باقى أعمال غريغوريوس، والتى كانت تُقرأ من رهبان عصره المثقفين فقط، لما فيها من أفكار فلسفية عالية وتحليل لاهوتى عميق، بنى عليه غريغوريوس تعاليمه النسكية.

          لقد كانت كتابات مقاريوس تمثل الدليل والمنهج العملى للرهبان فى عبادتهم النسكية ، بينما جاءت كتابات غريغوريوس لتضع الأساس النظرى لتلك الحياة .

          وفى رأينا أن الرهبان يمكن أن يكونوا قد استطاعوا أن يقتنوا لأنفسهم هذا الأساس النظرى لأسلوب حياتهم النسكى، حتى يستطيعوا أن يواجهوا التيارات الفلسفية المضادة التى برزت حين بدأ العرب فى ترجمة الكتابات الفلسفية اليونانية إلى العربية، وأن يستخدموا التعبيرات الفلسفية فى مواجهة الفكر المسيحى .

 

ج ـ نَسْبّ بعض الأعمال فى التراث العربى المسيحى إليه

          تُنسِب بعض المخطوطات عدة مؤلفات لغريغوريوس أسقف نيصّا ، الأمر الذى يدل على انتشار أعماله وقوة تأثيرها فى الفكر المسيحى، ونذكر على سبيل المثال :

          1 ـ ينسب أبو البركات فى كتابه ” مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة ” ، لغريغوريوس القداس الإلهى المستخدم فى الكنيسة القبطية والمعروف باسم قداس الابن للقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات ( القديس غريغوريوس النيزينزى).

          2 ـ ينسب كاتب اعتراف الآباء بعض المقتطفات التى استعان بها أيضًا لغريغوريوس :

          فالمقطع الذى ورد عن المعمودية فى كتاب اعتراف الآباء، والذى نجده فى الجزء 88 من مجموعة PG (1876D- 1877D) هو فى الواقع لغريغوريوس الأنطاكى [24].

          كما أن المقطع الآخر عن التوبة لا يوجد بين نصوص غريغوريوس أسقف نيصّا ، وعلى ما يبدو هو جزء من العظات المشهورة للقديس مار افرام السريانى عن نفس الموضوع [25].

 

د ـ وجود بعض من ترجمات عربية حديثة لكتاباته ونشر مؤلفات عن حياته

          بالإضافة إلى الترجمات التى تمت لبعض كتابات غريغوريوس أسقف نيصّا بداية من القرن العاشر كما سبق القول ، فنجد أن هناك ترجمات حديثة لبعض كتاباته الأخرى ، وأيضًا مؤلفات عن حياته وتعاليمه ، نشير إليها على سبيل المثال لا الحصر ونوردها حسب تاريخ نشرها :

(أ) ترجمات لكتاباته

1 ـ حياة موسى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل ، القاهرة 1988م.

2 ـ نشيد الأناشيد : تعريب القمص تادرس يعقوب ملطى ، الأسكندرية 1993م.

3 ـ السلوك المسيحى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1993م.

4 ـ من مجد إلى مجد : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1994م (طبعة ثانية).

5 ـ الكمال المسيحى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1994م.

(ب) مؤلفات عن حياته وتعاليمه

      1 ـ القديس غريغوريوس أسقف نيصص: حياته ـ كتاباته ـ منهجه ـ أفكاره : القمص تادرس يعقوب ، القاهرة 1993م.

      2 ـ القديس غريغوريوس النيسى ، فصل فى كتاب دراسات فى آباء الكنيسة ، إعداد أحد رهبان برية القديس مقاريوس ص 375 ، برية شيهيت 1999م.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع:

1 S. Papadopoulou. Patrolog…a, tÒmoj B`, Aqhnai 1990. sel. 615-616.

2 S. Papadopoulou. Patrologia B/, Aqhnai 1990. sel. 408.

[3] المرجع السابق sel. 579 .

4 J .Quasten, Patrology, Spectrum Publishers, Utrecht/Antwerp, Fouth printing 1975, vol III. pp.257-283 .

5 S. Papadopoulou. المرجع السابق. Sel. 590-615.

[6] PG 44, 377BC.

7 أبو البركات : مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة،الأب سمير خليل.نشر مكتبة مارجرجس ص290  .

8 كتبه لتصحيح بعض شروحات القديس باسيليوس والتى فهمت بطريقة خاطئة وأيضا ليضيف إليها بعض التأملات الأخرى. انظر(Quasten,P:264) ََهناك اشارة إلى وجود ترجمة عربية لهذا النص فى Clavis Patrum Graecorum II. 3152

9 أنظر المرجع السابق CPG II 3158 حيث يشير إلى وجود ترجمة قبطية لهذا النص .

10 أبو البركات : المرجع السابق ص 292.

11 Georg Graf : Geschiche der Christichen arabischen literatur, coll studie Testi, 118, citto de Vaticano 1944, Band I ss. 332-335.

[12] Paul Maiberger, Das Buch der kostbaren Perife von Severs Ibn Al-Muqaffa, Wiesbadeu 1972, s.2.

13 مخطوطة 126 لاهوت بدير السريان ـ غير منشور ص 53.

[14] S. Papadoplou,  المرجع السابق p. 602.

15 الأب الدكتور جورج شحاتة قنواتى : المسيحية والحضارة العربية ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص200.

[16] Georg Graf: Zwei dogmatische florilegien der kopten. B. Das Bekenntnis der Väter, Roma 128, 1937, 345-402.

[17] Per… diafor©j oÙs…aj ka… Øpost£sewj. PG 32, 325-340.

18 أنظر مخطوط رقم 196 لاهوت بالمتحف القبطى 4,r .

19 أنظر مخطوط رقم 126 لاهوت بدير السريان .

20 أنظر المخطوط السابق رقم 196 42r-42v .

[21] S. Papdopoulou. المرجع السابق  p. 618.

22 أنظر ترجمة حديثة لعظات القديس مقاريوس إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة سنة 1991م .

23 جاك تاجر: أقباط ومسلمون ، ترجمة عربية جرسى سيتى 1984، ص 303.

[24] Georg Graf: Zwei dogmatische.. s: 372, 42.

[25] Georg Graf: Zwei dogmatische.. s: 372, 44.

غريغوريوس أسقف نيصا فى التراث العربى المسيحى

Exit mobile version