مناظرة: هل نستطيع الوثوق في نص العهد الجديد؟ (مترجمة فيديو) دانيال والاس وبارت ايرمان
https://www.youtube.com/watch?v=E6YN2Wb0RlY
مقابلة مع دانيل بي ووالاس بشأن المخطوطات الجديدة للعهد الجديد – ترجمة: ايفيت سابا
وكما كان قد كتب كريج بلومبرغ، أصبح جليا بأن دان ووالاس قد أصبح اليوم رائدا نشطا في النقد النصي للمسيحية الإنجيلية.
فبالإضافة إلى تدريس العهد الجديد في مدرسة دالاس اللاهوتية، فأنه يخدم مديرا تنفيذيا لدي المركز لدراسة المخطوطات الجديدة للعهد الجديد المتطور.
وكان قد أثار ضجة مؤخرا بإعلانه بأن العام القادم سيتم كشف النقاب في المنشورات الاكاديمية عن اكتشاف جزء من أنجيل القديس مرقس تعود للقرن الأول. (أنظر، على سبيل المثال هذه المقابلة مع هيو هيويت).
وتفضل بالإجابة على بعض الاسئلة حول علم النقد النصي وعدد المخطوطات وأقدم المخطوطات (بما في ذلك المخطوطة التي ستصبح قريبا مشهورة جدا) كما شرح لماذا لا يوجد أي تشابه بين عملية النسخ ولعبة الهاتف بالإضافة إلى اسئلة أخرى.
النقد النصي علم يحاول تحديد الصيغة الأصلية لأي وثيقة لم يعد أصلها موجودا. هنالك أهداف اخرى ثانوية للنقد النصي ايضا، الا أنه هذا هو التعريف التقليدي له.
وهذا العلم مطلوب ايضا للعهد الجديد بسبب أن النسخ الأصلية لم تعد موجودة وبسبب وجود اختلافات عديدة في الفصل الواحد حتى بين المخطوطات الاقرب والأقدم. وتختلف كل مخطوطات العهد الجديد عن بعضها البعض إلى درجة معينة بما أن جميعها مخطوطات مكتوبة بخط اليد.
فيما يتعلق بالمخطوطات اليونانية، تم فهرسة أكثر من 5800 مخطوطة. تم ترجمة العهد الجديد في البداية إلى عدة لغات أخرى مثل اللاتينية والقبطية والسريانية والأرمنية والجورجية والقوطية إلى آخره. ولم يتم بعد إحصاء العدد الكامل لهذه الشهادات النصية ولكن من المؤكد أن عددها يتجاوز عشرات الالاف.
وفي ذات الوقت، تجدر الاشارة إلى أن معظم المخطوطات لدينا تعود للألفية الثانية بعد الميلاد، كما أن معظم المخطوطات لا تشكل العهد الجديد بأكمله. فجزء من مخطوطة قد يكون مجرد آية او آيتين ومع ذلك تعتبر مخطوطة. مع ذلك، أن متوسط حجم المخطوطة للعهد الجديد يكون أكثر من 450 ورقة.
وفي الناحية الاخرى من تجمع البيانات، نجد اقتباسات العهد الجديد على لسان آباء الكنيسة. وحتى يومنا هذا، تم جدولة أكثر من مليون اقتباس للعهد الجديد قام به آباء الكنيسة الأوائل يعود أقدمها إلى أواخر القرن الأول وحتى العصور الوسطى.
حتى نهاية 2011، كان الجواب كالتالي:
أنها على الارجح قطعة من ورق البردي موجودة بين وثائق قديمة لم يتم معالجتها بعد في مكتبة جون رايلاندز في جامعة مانشستر في إنجلترا فعلى الأرجح أنها أقدم وثيقة للعهد الجديد معروفة في يومنا الحاضر. وهي تعرف باسم ب52 او بردى 52 فعلى هذه القصاصة نجد الآيات يوحنا 18 31: 33على أحد وجه القصاصة والآيات يوحنا 18: 37 -38 على الوجه الاخر للقصاصة.
اكتشفها سي اتش روبرتس في العام 1934. فقام بتصويرها وإرسالها إلى أهم ثلاث علماء في علم البردي في أوروبا وحصل على تقييمهم لتاريخها- وقال كل منهم بأن تاريخها يتراوح بين عام 150 بعد الميلاد كحد اقصى وعام 100 ميلادي كحد أدنى. وذهب عالم بردى رابع إلى القول بأن بدايتها قد تعود لتسعينات القرن الأول. وبعد اكتشاف هذه المخطوطة تم اكتشاف أكثر من أحد عشر بردى للعهد الجديد تعود للقرن الثاني.
في الأول من شهر شباط/فبراير 2012، أعلنت خلال نقاش مع الدكتور بارت إيرمان في جامعة كارولينا الشمالية شابيل هيل أنه تم مؤخرا اكتشاف ست قصاصات أخرى من البردي تعود للقرن الثاني. جميع هذه القصاصات مجزأة في معظمها صفحة او جزء من صفحة. وتتقارب احدى هذه القصاصات مع بي 52، وهي جزء من أنجيل لوقا. إلا أن أهم اكتشاف كان جزء من أنجيل مرقس يعود تاريخه وفقا لعالم في المخطوطات القديمة بارز إلى القرن الأول!
وما يجعل هذا مذهلا للغاية هو أنه لم تظهر مخطوطات لإنجيل مرقص من القرن الثاني حتى. ولكننا قد نجد هنا وثيقة كتبت في وقت كان لا يزال البعض من مسيحيي الجيل الأول أحياء حتى وقبل اتمام العهد الجديد. وسيقوم إي جي بريل بنشر كل هذه المخطوطات السبع في وقت ما من عام 2013 في كتاب لعدة مؤلفين. وحتى ذلك الوقت علينا جميعا أن نتحلى بالصبر وأن نعمل بمقوله أنتظر لترى. وعندما يصدر الكتاب سيقوم علماء النصوص بفحصه بشكل كامل.
يواجه باحثو العهد الجديد فيضا من الكنوز مقارنة مع البيانات التي يضطر الباحثون في التراث اليوناني واللاتيني الكلاسيكي أن يرضوا بها. حيث أن معدل عدد النسخ للتراث الأدبي للكاتب الكلاسيكي لا يتجاوز عشرين نسخة. اما نحن فلدينا بيانات من المخطوطات العهد الجديد أكثر بألف مرة مما لدينا لمؤلف يوناني روماني عادي. ليس هذا فحسب، فأن أقدم المخطوطات الموجودة للمؤلف الكلاسيكي تعود إلى 500 عاما بعد تاريخ كتابته. بالنسبة للعهد الجديد، فأننا ننتظر بضعة عقود لنرى النسخ الباقية. ويعتبر هومر أفضل كاتب كلاسيكي فيما يتعلق بالنسخ الباقية حيث يبلغ عدد مخطوطات هومر أقل من 2400 مخطوطة. مقارنة مع مخطوطات العهد الجديد التي يبلغ عددها عشرة اضعاف هذا العدد تقريبا.
يمكن تصنيف التباينات إلى أربعة أنواع:
دعني اشرح لك معنى كل منها بشكل مختصر:
تهجئة وقراءات بلا مغزى وتعتبر الغالبية العظمى، حوالي 75% من مجموع التباينات وأكثر التباينات شيوعا هو ما يدعى بالنون المتحركة وهو وجود حرف ن في نهاية كل كلمة متبوعة بأحد الحروف المتحركة/حروف العلة. وهذا المبدأ ذاته موجود في اللغة الإنجليزية فنجد:
A dog
An apple
ويسهل على الباحثين اكتشاف هذه الفروقات في التهجئة. وفي الحقيقة ليس لها أي تأثير.
التغيرات التي لا يمكن ترجمتها والمترادفات وتعتبر هذه ثاني أكبر مجموعة:
وهذه ايضا لا تغير في معنى النص. فكتيرا ما يتغير ترتيب الكلمات في النص اليوناني بين مخطوطة وأخرى. ومع ذلك فإن ترتيب الكلمات في اللغة اليونانية مرن جدا. ففي أغلب الأحيان يكون الفرق الوحيد في التوكيد لا في المعنى.
والمجموعة الثالثة هي تباينات ذات معنى ولكنها ليست حيوية. أعني بكلمة حيوية هنا بأنه تباين يمكن أن يشكل حجة قوية على صياغة النص الاصلي. وهذه ثالث أكبر مجموعة من التباينات حتى ولو كانت تشمل تباينات ذات معنى ولكنها لا تتمتع بالمصداقية فعلى سبيل المثال في لوقا 6: 22 فحسب القراءة الانجليزية التقليدية تقول:
طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ، وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإنسان.
الا أن هنالك مخطوطة تعود إلى القرن 10/11 (مخطوطة 2882) تنقصها الكلمات من أجل ابن الإنسان. هذا تباين ذو مغزى كبير إذ يبدو أن الآية تقول إن الأنسان يتبارك إن تعرض للاضطهاد بغض النظر عن ولائه للمسيح. الا أن هذا التباين موجود في مخطوطة واحدة تعود إلى تاريخ متأخر نسبيا. إذن من المستحيل انها تعكس الصياغة الأصلية للنص اذ تناقضه كل المخطوطات الاخرى بما في ذلك مخطوطات أقدم منه بكثير.
وأما أصغر فئة وهي الفئة الاخيرة وهي تباينات ذات معنى وحيوية. وتشكل اقل من 1% من التباينات النصية. الا أنه وحتى هنا لا يوجد أي معتقد رئيسي مهم موضع شك. هذه التباينات تؤثر على تعاليم فقرة معينة وبالتالي ما ذكر في الكتاب المقدس في ذلك الموضع ولكنها لا تعرض المعتقدات الأساسية للخطر.
يصعب قول ذلك، ففي لعبة الهاتف تكون الغاية هي تشويه المقولة الأصلية بحيث أنها في نهاية الخط لا تمت بصله للأصل على الاطلاق. هنالك خط واحد للنقل شفهي غير مكتوب. ويتعين على الناقد الشفهي (الشخص الذي يحاول أن يخلص إلى ماهية المقولة في الأصل) غير انه لا يجد إلا آخر شخص على الخط ليسأله.
فيما يتعلق بنص من العهد الجديد، فهناك عدة خطوط للانتقال كما أن الوثائق الأصلية قد نسخت عدة مرات (مما يفسر سبب تلفها مع نهاية القرن الثاني).
إضافة إلى ذلك فأن الناقد النصي لا يعتمد فقط على آخر شخص في خط الانتقال ولكنه يستطيع مساءلة العديد من الكتبة على مر القرون وصولا إلى القرن الثاني.
وحتى مع ندرة المخطوطة القديمة، نجد شهادات أباء الكنيسة الأوائل فيما يتعلق بما قيل في النص الاصلي.
واخيرا، فأن الغاية من هذه العملية ليس التسلية أو ألعاب ترفيهية إنما إيجاد نسخة مطابقة للنص الاصلي بكل أمانة. ولا تستند هذه العملية على سماع أشخاص لمقولة همست لمرة واحدة ولكنها تعتمد على رؤية النص ونسخه. إذن شتان بين لعبة الهاتف وعملية نسخ مخطوطات العهد الجديد.
أرى أن إيرمان محق بقوله إن النًساخ المستقيمي العقيدة قد غيروا النص في مئات المواضع وفي الحقيقة قد تكون هذه التغيرات بالآلاف. ولعل أبرز هذه التغييرات هي التي أجريت على الأناجيل لكي تتماشى في نصها مع بعضها البعض. ولكن أن نذهب إلى درجة أن هذه التغييرات قد غيرت الثوابت الاساسية للعهد الجديد فهذا يتعدى الأدلة الموجودة. فالتباينات التي يقدمها لا تخلص إلى ما يدعيه. وفي القرن السابع عشر، تبنى الباحثون بمن فيهم يوهان البرخت بنجل، الذي قام بدراسة التباينات نصية ذات مغزى وحيوية تبنوا ما يسمى بأرثوذكسية التباينات. وعلى مدى قرنين، أعلن معظم باحثو الكتاب المقدس بأن التباينات لم تؤثر على التوكيديات الاساسية. حتى إيرمان نفسه أقر بهذه النقطة بعد النقاشات الثلاثة التي عقدتها معه.
أولا: أوصي بقراءة الفصل الذي كتبته في كتاب Understanding Scripture: An Overview of the Bible’s Origin, Reliability, and Meaning بإسم The Reliability of the New Testament Manuscripts (نشره Crossway). يشكل مقدمة مختصرة وسهلة جدا للمستخدم للموضوعات المطروحة ذات العلاقة. ويتضمن بقية الكتاب فصولا ممتازة تتعلق بالنواحي المختلفة لتفاسيرالكتاب المقدس ودقته وشرائعه.
ومن ثم، هناك كتاب أيعيدون أختراع شخصية يسوع أنه كتاب شاركت في تأليفه مع إد كوموسويزكي. يعالج الكتاب عدة مواضيع مثل الدقة التاريخية للأناجيل ودقة المخطوطات كشهود على النص الاصلي. فيما إذا كأنت الكنيسة القديمة قد فهمت الشريعة بشكل صحيح (كتب العهد الجديد ال 27) وفيما إذا كانوا محقين بخصوص ألوهية المسيح. أنه أساس صلب للعديد من المواضيع الساخنة حول العهد الجديد حاليا.
واخيرا كتاب ظهر في شهر اكتوبر/تشرين الأول الماضي بعنوان Revisiting the Corruption of the New Testament والذي قمت أنا بتحريره والمساهمة بكتابته وهو يأتي ردا مباشرا على كتاب بارت إيرمان الفساد الارثوذكسي للكتاب المقدس. وبشكل رئيسي فإن مقالتي هي نسخة مكتوبة لنقاشي معه في منتدى جريير هيرد السنوي الرابع الذي عقد في المدرسة اللاهوتية المعمدانية في نيواورليانز في أبريل/نيسان 2008. (للحصول على نسخة ملخصة أكثر لمحاضرتي إضافة إلى محاضرة إيرمان، أنظر The Reliability of the New Testament: Bart D. Ehrman and Daniel B. Wallace in Dialogue) وقام طلابي بكتابة بقية الفصول وناقشوا نواحي مختلفة من فرضية إيرمان.
An Interview with Daniel B. Wallace on the New Testament Manuscripts.
هل ترجمة ”وكان الكلمة الله“ خاطئة ومحرفة؟ (يوحنا ١:١) – بيان جهالات أحمد الشامي والرد عليها
“في الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.” (فانديك)
“Ἐν ἀρχῇ ἦν ὁ λόγος, καὶ ὁ λόγος ἦν πρὸς τὸν θεόν, καὶ θεὸς ἦν ὁ λόγος.” (NA 28)
في منشور، لا يمكن اعتباره سوى فاصلًا للمزاح، حاول أحمد الشامي أن يثبت خطأ ترجمة نص يوحنا ١:١، ”وكان الكلمة الله،“ لينفي بذلك لاهوت المسيح الواضح في هذا العدد.
بدأ الشامي منشوره بقوله، ”من المعروف أنه يوجد تحريف ترجمي في النص، فالترجمة الصحيحة هي (وكان الكلمة إله) وليس (الله)، أو بعبارة أدق (وإلهاً كان الكلمة).“
بمعنى أبسط، الشامي هنا يحاول أن يُثبت لنا أن كلمة ”ثيوس“ (θεὸς) يجب أن تُترجَم هنا نكرة وليست مُعرَّفة. فيكون الكلمة هو مجرد إله وليس هو الله الحقيقي.
فبحسب الشامي، ”لفظة (إله) لا تعني الألوهية في العهدين! فهي قد أطلقت على الشيطان نفسه كما هو معروف وعلى موسى وعلى قضاة اليهود.“
بدايةً، هو يقول ”من المعروف أنه يوجد تحريف ترجمي في النص.“ ونحن نسأل، معروف عند مَن؟ فإن كان يقصد معروف عند عامة المسلمين، نُجيبه بأن هؤلاء خارج التصنيف العلمي والأكاديمي تمامًا، ومعرفتهم وعدمها سواء (وهذا المنشور هو أحد الأمثلة التي تؤكد هذا).
أما إذا كان يقصد عند علماء اللغة اليونانية، نرد عليه بأنه لا توجد تقريبًا ولا ترجمة إنجليزية واحدة (من القرن العشرين أو الحادي والعشرين)، تعتمد في ترجمتها على علماء متخصصين في اللغة اليونانية، ترجمت كلمة ”ثيوس“ نكرة في هذه العبارة! (الإستثناء الوحيد تقريبًا هو ترجمات لشهود يهوه. هناك أسباب كثيرة تجعلنا نشك في مصداقية هذه الترجمات، كما سنرى. فضلًا عن عدم إعلانهم لأي معلومات عن مَن شاركوا في ترجمتها.)
بعد هذه المقدمة، بدأ الشامي يتخيل حوارًا يدور بين مسلم ومسيحي، يحاول فيه المسلم إقناع المسيحي بتحريف ترجمة ”وكان الكلمة الله،“ ووجوب ترجمتها نكرة.
يقول المسلم (على حد تعبيره): ”النص فيه تحريف ترجمي لأن لفظة (إله θεὸς) غير مسبوقة بأي أداة تعريف من أدوات التعريف الثلاثين في اللغة اليونانية.“
للوهلة الأولى، ولمن على عِلْم بأبجديات اللغة اليونانية، سيعرف أن هذا ”المسلم“ لم يقرأ في حياته كتابًا واحدًا في اللغة اليونانية، فضلًا عن كونه فَهَمه وهضمه جيدًا بحيث يكون في مكانة تسمح له بمناقشة موضوع كهذا، هو من أصعب الموضوعات في الجدال العلمي الخاص باللغة اليونانية القديمة، وهو ”استخدامات أدوات التعريف.“
أولاً، من المتعارف عليه في اللغة اليونانية الكينية أو المعروفة باللهجة ”العامية“ (Koine Greek)، أن عدد التصريفات لأداة التعريف هو ٢٤ تصريف فقط.
وهذه صورة لجدول تصريفات أدوات التعريف من الكتاب الشهير للعالم وليام ماونز (William Mounce): [1]
الخطأ الذي وقع فيه الشامي ناتج عن جهله بأن الحالة الإعرابية للمنادى (Vocative) لا تأخذ أداة تعريف. (لاحظ عدم وجود أي خانة لحالة المنادى في جدول تصريفات ماونز، فهي إذن أداة غير واجبة الوجود.)
بالتالي، أضاف الشامي ستة أدوات أخري، يعتقد عن جهل أنها تصريفات لأداة التعريف وتأتي مع حالة المنادى. لكن في الحقيقة، الاسم في حالة المنادى لا يأخذ أداة تعريف، بل يمكن أن تسبقه أداة تعبيرية تفيد النداء مثل ὦ ولكنها بالتأكيد لا تُصنَّف كأداة تعريف. وهذه صورة من كتاب چون دانيال مدرس اللغة اليونانية تثبت هذا الكلام: [2]
ونفس الأمر في اليونانية القديمة بشكل عام (وليس فقط في اليونانية الكتابيية):[3]
(البعض لا يُفرّق بين حالة المنادى والرفع كحالتين مستقلّتين، ومن هذا المنطلق، يتم استخدام نفس أدوات التعريف الخاصة بحالة الرفع مع حالة المنادى أيضًا.. يظل العدد ٢٤ تصريفاً لأداة التعريف.)
لاحظ أنه على الرغم من وضْعهما للأداة ὦ في جدول التصريفات، إلا أنهما لا يعتبرانها أداة تعريف. فالمقياس إذن ليس هو وجودها ضمن جدول تصريفات أدوات التعريف، فهي مجرد أداة تكميلية لحالة المنادى.
والآن، السؤال الذي يطرح نفسه: مِن أين أتى هذا ”المسلم“ بأدوات التعريف ”الثلاثين“؟
هذا بالإضافة إلى سذاجة قوله بأن لفظة “ثيوس” غير مسبوقة ”بأي أداة من أدوات التعريف الثلاثين.“ وكأن اختيار أدوات التعريف يكون بالجُملة أو بالحظ! لكن ربما أراد أحمد الشامي استعراض معرفته باللغة اليونانية بين متابعينه ورأى أنه كلما ذكر رقمًا أكبر لأدوات التعريف، كلما كان ذلك دال على معرفته الواسعة!
لكن الصحيح هو أننا لو أردنا أن نضع أداة تعريف في هذه الحالة، لن يكون لنا خيار سوى أداة واحدة محددة وهي التي تتطابق مع الاسم (θεὸς) في الجنس والعدد والحالة، أي أداة التعريف ” ὁ“ (في صيغة المذكر، المفرد، وفي حالة الرفع).
ربما يعتبر أحدهم هذه الأخطاء ثانوية. ولكن في الواقع، هي كافية لمعرفة الحجم العلمي الحقيقي للشامي (أو بالأحرى ”المسلم“). فالرجل، في حين أنه يحاول أن يثبت خطأ ترجمة تركيب يوناني قائم جملة وتفصيلاً على أداة التعريف، هو، في الواقع، يجهل أبسط المعلومات عن أدوات التعريف!
ثانيًا، هذا ”المسلم“ لم يقدم دليلاً واحدًا على ”تحريف“ ترجمة كلمة “ثيوس” المُعرَّفة بوجوب ترجمتها نكرة هنا في هذا النص تحديداً.
من الواضح إذن أنه يعتبر عدم وجود أداة تعريف دليلاً كافيًا على وجوب ترجمة الكلمة نكرةً أو على الأقل خطأ ترجمتها مُعرفة.
وهو دليل لا أصل له في اللغة اليونانية. فنحن نتحدى الشامي أو أي مسلم آخر أن يأتنا بقاعدة من أي كتاب لغة يونانية، تقول أن الاسم غير المسبوق بأداة تعريف هو بالضرورة نكرة أو حتى ينبغي عدم تعريفه عند ترجمته!
هذا القاعدة ”الوهمية“ هي من تأليف هذا ”المسلم“ وليس لها أي وجود في اللغة اليونانية.
في الواقع، هذا الخلْط نجده أيضاً في شرح الشامي بعد ذلك، فيقول:
” يوجد تقريبا 12 حالة يتم ترجمة الاسم اليوناني النكرة فيها إلى معرفة في اللغات التي يتم الترجمة لها، منها أشباه الجمل المجرورة بحرف جر كما هو الحال في (في البدء).“
فبالرغم أنه بعد ذلك أقتبس كلام دانيال والاس حرفيًا عن الحالات التي تغيب فيها أداة التعريف، أي أن في هذه الحالة، يكون الاسم ”غير مسبوق بأداة تعريف“ (anarthrous=without an article)، يعتبره الشامي هنا نكرة (indefinite)! فالشامي لا يعرف الفارق بين أن يكون الإسم نكرة، أي “مجهَّلًا” وبين ألا تسبقه أداة تعريف! فهو يخلط جزءًا مما يعرفه عن اللغة العربية على اللغة اليونانية! ثم يقول لنا أنه “من المعروف أن هذا النص به خطأ ترجمي”!!
فمجددًا يساوي الاسم “غير المُعرَّف“ بالإسم ”النكرة“، وكأن غياب أداة تعريف في اللغة اليونانية تعني أن الاسم أصبح نكرة وجوبًا، وهو خطأ لا يقع فيه أي دارس بل ولا حتى طالب في اللغة اليونانية! نفس هذا المبدأ يتَّبعه شهود يهوه في ترجمتهم ”العالَم الجديد“ (New Word Translation) لترجمة ”ثيوس“ نكرة. (ترجمة شهود يهوه تقريبًا هي الاستثناء الوحيد لترجمة العدد ”وكان الكلمة إلهًا،“ كما ذكرنا.)
في الواقع، دانيال والاس نفسه حذر من خطأ هذا المبدأ (في نفس المرجع الذي اقتبس منه الشامي، وحرَّف مقصده):
”إذا وسَّعنا المناقشة لتشمل مصطلحات أخرى غير مُعرَّفة (غير مسبوقة بأداة تعريف – anarthrous) أخرى في افتتاحية يوحنا، سنلاحظ تناقضات أخرى في ترجمة العالم الجديد (NWT). إنه كذلك من المثير للإهتمام أن ترجمة العالم الجديد تقرأ ’ θεὸς‘ على أنه ’إله‘ على أُسس تبسيطية وهي أنها تفتقر إلى أداة التعريف. هذا بالتأكيد أساس غير كافِ (insufficient). باتباع مبدأ الـ’غير معرف‘ (anarthrous)=’نكرة‘ (indefinite) سيعني أن ’ ἀρχῇ‘ يجب أن تكون ’بداية‘ (١:١، ٢)، و ’ ζωὴ‘ يجب أن تكون ’حياة‘ (١: ٤) و ’ παρὰ θεοῦ ‘ يجب أن تكون ’من إله‘ (١: ٦)…. ومع ذلك، فلا توجد أيًا من هذه الأسماء الأخرى غير المعرفة، مترجمة بأداة نكرة. يمكن للمرء فقط أن يشتبه في التحيُّز اللاهوتي القوي في مثل هذه الترجمة.“ [4]
بمعنى أبسط، والاس هنا يوضح أنه لا أساس علمي لمَن يدّعي أن الاسم ”غير المعرف“ يجب بالضرورة اعتباره ”نكرة.“ فبالرغم أن مترجمي ”العالم الجديد“ يتبعون هذا المبدأ في هذا النص تحديدًا، إلا أنهم يخالفونه في نصوص أخري تفتقر فيها بعض الكلمات إلى أداة تعريف، ومع ذلك لا يترجمونها نكرة!
فمجددًا، ليس هناك أي قاعدة في اللغة اليونانية تقتضي ترجمة الكلمة ”غير المسبوقة بأداة تعريف“ على أنها ”نكرة.“ فالشامي نفسه ذكر أكثر من ١٢ حالة يمكن فيها ترجمة الاسم غير المسبوق بأداة تعريف على أنه ”نكرة (indefinite)، نوعي (qualitative)، أو حتى معرف (definite).“ من ضمن هذه الحالات التي يكون فيها الاسم غير معرفاً، هي عندما يكون الاسم نوعياً (qualitative). (راجع استشهاده بكلام دانيال والاس وآرثر ويكفيلد.)، ورغم ذلك يعتقد الشامي بكل سذاجة، أن الاسم الذي لا تسبقه أداة تعريف، هو اسم نكرة!
من هذا المُنطلَق يسقط استدلال هذا ”المسلم.“ فالذي كنا نتوقعه من المسيحي هو أن يُجيب على المسلم كالأتي: ”القاعدة التي اخترعتها لا وجود لها، غير المُعرف في اليونانية ليس بالضرورة نكرة. فما هو إذن دليلك على أن ترجمة العلماء والترجمات هنا جميعها، محرفة ويجب ترجمتها نكرة؟“
لكن الذي حدث هو أمر مختلف تمامًا. نجد المسيحي يستشهد بقاعدة كولويل لإثبات أن كلمة ”ثيوس“ مُعرَّفة في هذا النص. هذه القاعدة التي أُسيء تطبيقها من بعض العلماء (منهم كولويل نفسه)، ولكن هناك علماء آخرين كثيرين (منهم دانيال والاس) صرَّحوا بخطأ تطبيق قاعدة كولويل على نص يوحنا ١:١. فالقاعدة تفترض معرفتنا المُسبقة عن ما إذا كان الاسم (محل البحث) مُعرفًا أم لا (من سياق الجملة). فهي لا تثبت كون الاسم مُعرفًا أم لا!
فبعد ٤٠ سنة من مقال كولويل، نشر فيليب هارنر (Philip B. Harner) مقالة ذكَر فيها أن ”كولويل كان مهتمًا بالكامل تقريبًا بمسألة ما إذا كان الاسم، الخبر، غير المعرف (anarthrous) كان معرّفًا أم نكرة، ولم يناقش على الإطلاق مسألة أهميته النوعية (qualitative).“ [5]
وهو نفس تقريبًا ما فعله الشامي، فكان كل تركيزه على محاولة نفي تعريف ”ثيوس“ في هذا النص، ولم يُعِر أي انتباه إلى أهمية ترجمة الاسم نوعيًا، والتي هي في الواقع، تفوق الأهمية اللاهوتية لثيوس المعرفة، كما سنوضح. (فضلًا عن أنه، رغم هذا، لم يقدم دليلاً واحدًا على كون ثيؤس نكرة!)
قدم هارنر في هذه المقالة أدلة على أن الخبر الاسمي غير المعرف والسابق للفعل (anarthrous pre-verbal predicate nominative) غالباً ما يكون نوعياً (qualitative) وليس معرفاً أو نكرة. فوجد أن ٨٠٪ من تركيبات كولويل تتضمن اسماء نوعية و ٢٠٪ فقط تتضمن اسماء معرفة.
بعد ذلك اقترح بول ديكسون (Paul Stephen Dixon) أيضًا أن الاسم في نفس التركيب (على الأقل في إنجيل يوحنا) هو، في المقام الأول، نوعياً. فوجد أن ٩٤٪ من الأسماء التي تقع في نفس هذا التركيب هي نوعية (وليست نكرة)، و٦٪ فقط مُعرَّفة. [6]
(لاحظ عدم وجود أي مثال على أسماء نكرة في مثل هذا التركيب، في أي من دراسة هارنر أو ديسكون. مع ذلك، فهناك أمثلة نادرة جدًا يُحتمَل أن تكوف فيها هذه الأسماء نكرةً في العهد الجديد ككل [وتشمل إنجيل يوحنا].)
فالأمثلة التي اقترحها كولويل نفسه تشير باحتمالية كبيرة جداً لكون ”ثيوس“ نوعية هنا في نص يوحنا ١:١.
فإن كان لدى الشامي ما يدحض به قاعدة كولويل، هل يستطيع أن يدحض دعوى الغالبية العظمى من العلماء اليوم بوجوب ترجمة ”ثيوس“ نوعياً وليس معرفاً أو نكرة؟ (نعم، الغالبية العظمى من علماء اللغة اليونانية.. سأكتفي إلى حدٍ ما في هذا الرد المختصر بنقض دعوى الشامي واستدلاله الخاطئ بكلام والاس.)
في الواقع هذا ما ذكره أيضاً دانيال والاس:
”الاختيار الأكثر إحتمالاً لـ “ثيؤس” (θεὸς) هو النوعي (qualitative). هذا صحيح نحوياً (حيث أن النسبة الأكبر لوجود الاسم في هذا التركيب) (anarthrous pre-verbal predicate nominative)، تقع في هذه الفئة ولاهوتياً (في كلاً من لاهوت الإنجيل الرابع والعهد الجديد ككل).
هناك توازي بين الطبيعة الإلهية للـ “كلمة” (θεὸς ἦν) الذي كان موجوداً بالفعل في البدء (Ἐν ἀρχῇ) [يو ١:١]، وطبيعته الإنسانية، التي اُضيفَت لاحقاً (σὰρξ ἐγένετο) [يو ١٤:١]. التركيب النحوي لهاتين الجملتين يعكس كل منهما الآخر؛ فكلاهما يؤكدان طبيعة “الكلمة”، بدلاً من هويته. فكانت ” Θεὸς“ هي طبيعته منذ الأزل (بالتالي ” εἰμί” استُخدِمَت)، بينما ” σὰρξ” أُضيفَت في تجسده (لذا ” γίνομαι” استُخدِمَت). مثل هذا الاختيار لا ينفي طبيعة المسيح الإلهية على الإطلاق، لكنه يُنبّر على أنه، على الرغم أن شخص (أقنوم) المسيح ليس هو شخص (أقنوم) الآب، فإن جوهرهما متطابق. ولذلك هناك ترجمات محتملة كالتالية:
‘what God was, The Word was.’ (NEB)
‘ما كانه الله، كانه الكلمة.‘
‘the Word was divine’ (Moffatt)
’كان الكلمة إلهياً.’“
يُكمل دانيال والاس ليوضح أكثر معنى ترجمة ”ثيوس“ نوعياً:
فكرة ” Θεὸς“ النوعية هنا هي أن “الكلمة” له كل الصفات والخصائص التي يملكها ”الله“ (the God) (في يو ١:١ب). بكلمات أخرى، هو يشارك الآب في الجوهر، على الرغم أنهم متمايزون في الشخص (in person). فالتركيب الذي اختاره الإنجيلي ليُعبِّر به عن هذه الفكرة كان هو الأسلوب الأكثر إيجازاً ليَنُص على أن “الكلمة” كان هو الله، ومع ذلك متمايز (distinct) عن الآب.“ [7]
بمعنى آخر، إذا سلَّمنا أن كلمة ”ثيؤس“ هنا هي نوعية (وهو الصحيح)، ستعني في هذه الحالة أن ”الكلمة“ له نفس الطبيعة والجوهر اللذين لله الآب المذكور في الجزء السابق (والكلمة كان عند الله). فجوهرهما متطابق بالرغم من تمايز شخصهما (أقنوم أو شخص الآب ليس هو أقنوم الابن، لكن جوهرهما واحد.. وهو صحيح بحسب مفهوم الثالوث الذي يؤمن به كل مسيحي).
ولكن بالتأكيد فهْم العلماء لمعنى نوعية الاسم هنا لم يعجب الشامي؛ لأن هذا هو ما حاول أن ينفيه، فوجد علماء اللغة تؤكده لغويًا، فحاول أن يُسقط فهماً خاطئاً له ليشوّش به، عند متابعينه، على المعنى الصحيح الذي قدمه والاس (شرح والاس هو نفسه ما يقوله غالبية العلماء).
فأخذ يتساءل عما يمكن أن يعنيه السياق!، فقال:
” هل السياق يتكلم عن شخص بعينه؟ وقتها تصبح اللفظة معرفة (definite). أم السياق يتكلم عن شخص مطلق؟ وقتها تصبح اللفظة نكرة (indefinite). أم يتكلم عن جنس الألوهية؟ وقتها تصبح اللفظة اسم جنس وتصبح الترجمة الأصح للفظة هي (إلهية كانت الكلمة) (اسم جنس= qualitative noun)، وهو ما يرجحه دانيال ولاس.“
مستنتجًا أن ”(كلمة إلهية) = (أمر رئاسي) = (قرار حكومي)….. القرار ليس شخصاً ولا الأمر شخص ولا الكلمة شخص وهو المطلوب إثباته.“
(سوف نعود لهذه التركيبة اللغوية التي اخترعها الشامي في نهاية المقال.)
نقطتان يمكن أن نلاحظهما في هذا الـ”عَكْ“ (حرفياً، لا يمكن أن يسمى هذا إلا عكاً خالصًا، لا علاقة له باليونانية–ولا بأي لغة أخرى–لا من قريب ولا من بعيد):
أولاً، بغض النظر عن علاقة السياق بالموضوع من عدمه، كيف يفترض الشامي أن ترجمة ثيوس نوعياً (كلمة إلهية) تقتضي ألا يكون ”الكلمة“ نفسه شخصاً؟! أين هذا التقرير من اللغة اليونانية في هذا النص؟!
بمعنى أبسط، ما علاقة كوْن الخبر هنا (ثيوس) اسم نوعي (أو اسم جنس، كما يسميه) بكون المبتدأ (لوجوس) شخصاً أم لا؟
فإن قلتُ، على سبيل المثال، ”وكان يسوع الله“، هل سيعني أن يسوع هنا شخص لأن لفظة ”الله“ معرفة (وتشير إلى شخص بعينه)، على عكس إن قلت ”وكان يسوع إلهياً“ فسيعني هنا أن يسوع ليس شخصاً لأن اللفظة تشير إلى ”جنس الألوهية“؟!
بأي منطق يتحدث هذا الشخص؟!
المبتدأ هنا شخص مُحدد مُعرّف (ὁ λόγος) (هذا واضح أيضاً من خلال سياق افتتاحية يوحنا) بغض النظر عن ترجمة الخبر (Θεὸς) ماذا ستكون. كون ثيوس (الخبر) هنا ليس معرفاً، يعني تمايز الأقنومين (الآب والإبن) وهو ما أفاض في شرحه العلماء كثيرًا تبعا للاستخدام “النوعي” للكلمة في بيان شخص ”الكلمة“ مع شخص ”ثيوس” (الله الآب) وليس معناه أن ”الكلمة“ هو نفسه ليس شخصاً. (راجع اقتباس نص كلام دانيال والاس مرة أخرى.)
ثانياً، يفترض الشامي أننا إذا ترجمنا لفظة ”ثيوس“ اسم نوعي/جنس (qualitative noun)، ستصبح الترجمة الاصح هي ”إلهية كانت الكلمة.“
هنا أخطأ الشامي مرة أخرى، فخلط بين الاسم والصفة. فلفظة “إلهية” (divine – θεῖος) هي صفة (adjective) وليست اسمًا. فكيف إذن يَعتبر الشامي المعنى الأصح لـ “اسم الجنس” هو صفةً؟
(الشامي لا يعتبرها مجرد ترجمة أقرب إلى الصواب من غيرها، بل، بالنسبة له، هي المقياس لفهم الاسم النوعي، وهذا واضح من أمثلته حتى.)
يمكن أن يقول قائل، هذه الترجمة هي التي اقترحها دانيال والاس نفسه!
نرد فنقول:
أولاً، استخدام الصفة هنا هو مجرد محاولة للتغلب على صعوبات الترجمة التي تواجه المترجمين، عند ترجمة الاسم النوعي من اليونانية إلى اللغات الأخرى (بسبب اختلاف تركيب اللغات)، ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن ما يعنيه الاسم النوعي هنا هو عينه ما يعنيه استخدام الصفة (إلهية).
هذا الفارق يوضحه لنا موراي هاريس (Murray J. Harris) في سياق حديثه عن ترجمة ”وكان الكلمة إلهياً (divine)“:
”يجب التمييز بدقة بين المعنى النوعي (qualitative) المحتمل للاسم غير المعرف (anarthrous) ومسائل الترجمة التي يمكن حلها باستخدام صفة (adjective).“ [8]
بمعنى أبسط، ما يعنيه الاسم النوعي هو مختلف إلى حدٍ كبير عن اعتبار “اللوجوس“ مجرد “إلهياً” (مجرد ذو طبيعة إلهية).
هذا يوضحه دانيال والاس نفسه فيقول:
”في هذه الترجمة الثانية، ‘إلهياً’ (divine) مقبولة فقط إذا كان المصطلح يمكن تطبيقه فقط على الإله الحقيقي. مع ذاك، في الإنجليزية الحديثة، نستخدمها للإشارة إلى الملائكة واللاهوتيين وحتى الوجبة! بالتالي ‘إلهياً'” قد تكون كلمة مضللة في الترجمة الإنجليزية.“ [9]
ويُعلق ردولف بولتمان (Rudolf Bultmann) على استخدام الصفة هنا، فيقول:
”بالكاد يمكن للمرء أن يُترجمها ‘كائنًا إلهيًا’ (of divine being)، أو ‘من الجنس الإلهي‘ (of the divine species)؛ لأن في هذه الحالة، لماذا لم تُستخدَم θεῖος ؟ … لكن بوجودها بين الفقرتين، التي تعبر عن أنه ‘كان عند الله’ (ἦν πρὸς τὸν θεόν)، [لفظة] ‘θεός’ لا يمكن أن تعني أي شيء سوى الله.“[10]
فمن الواضح إذن أن هناك فارق كبير، يجهله الشامي، بين الاسم النوعي والصفة.
ثانياً: في تعليق على نفس هذا المنشور، كتب الشامي:
”الترجمة الأصح للفظة بحسب دانيال ولاس هي: (وإلهية كانت الكلمة) تترجم اسم جنس (qualitative noun) ووقتها تصبح معناها أنها من الله وليس هي الله مثلما نقول (أمر رئاسي) فالأمر ليس هو الرئيس.“
مرة أخرى يخلط الشامي بين ”الاسم النوعي“ و”الصفة”! بالإضافة إلى أن ما حاول أن يشرحه من معنى، هو لا علاقة له بما شرحه دانيال والاس (كما أوضحنا)! فلماذا يسقط أفكاره على كلام والاس الذي يستشهد هو به؟
لكن النقطة الجديدة في هذا اللغط هو أنه يعتبر ترجمة ثيوس نوعياً تعني أن “الكلمة” من الله وليست هي الله.
بمعنى آخر، ربما (من الصعب معرفة ما يقصده بالضبط، ففكْر هذا الشخص مشوّش إلى أبعد الحدود) يفهم الشامي أن الاسم النوعي للفظة “ثيوس” يعني أن “الكلمة” نابعة من الله، فالله هو مصدرها. (قارن هذا مع مثاله الذي قدمه.)
هذا الفهم، مجدداً، هو خاطئ تماماً. فالعدد لا يقول على سبيل المثال، ” καὶ (του) θεου ἦν ὁ λόγος “ ( بوضع ثيوس في حالة المضاف)، فمن أين أتى بأن الكلمة “من” الله؟!
بمعنى أبسط، ثيوس هنا، في التركيب الاصلي للعدد، ليست في حالة المضاف (Genitive)، والذي في هذه الحالة، سيعني، كما يقول لنا هاريس (Harris)، أن “الكلمة كان مِلْك لله” (the logos was God’s)، لتدل على الملكية (possession)، أو ربما “الكلمة كان من الله” (the logos was from God) لتدل على المصدر (أو المنشأ – origin).“ [11] مثلما يتصور الشامي بدون دليل! لكن هذه الفهْم لا ينطبق إطلاقاً هنا على الاسم النوعي في حالة الرفع (Nominative).
فالمعنى المقصود من الاسم النوعي هنا، هو كما يقول هارنر (Harner)، ”كان للكلمة نفس طبيعة الله.“
وهو نفسه المعنى الذي قدمه والاس، بل وهي أيضاً الترجمة التي اقترحها والاس بجانب ترجمة “وكان الكلمة إلهياً”.
دانيال والاس نفسه يفضّل ترجمة NEB، فيقول في تعليق نسخة NET Bible :
”ترجمات مثل NEB، REB، و Moffatt مفيدة في التقاط المعنى في يوحنا ١:١ج، بأن الكلمة كان إلهًا كاملًا في الجوهر (إلهًا بنفس قدر ألوهية الله الآب). مع ذلك، في اللغة الإنجليزية المعاصرة، ‘كان الكلمة إلهيًا’ (Moffatt) لا توضح المعنى تمامًا لأن [لفظة] إلهيًا (divine) كمصطلح وصفي، لا تُستخدَم في اللغة الإنجليزية المعاصرة حصريًا على الله. ربما تكون ترجمة ‘ما كانه الله، كانه الكلمة’ هي القراءة الأكثر دقة (most nuanced)، حيث تنقل أن كل شيء كانه الله في جوهره، كانه الكلمة أيضًا. هذا يشير إلى وحدة الجوهر بين الآب والابن دون تعادل (equating) الأشخاص.“
بل أكثر من ذلك، فوالاس نفسه، بالرغم من اختلافه مع الترجمة التقليدية ”وكان الكلمة الله“، إلا إنه يصرح بأنها أوضح ترجمة تعبر عن المعنى، بشرط أن نضع التمايز بين شخص الآب والكلمة في إعتبارنا:
”على الرغم أنني أعتقد أن ثيوس هنا في يو ١:١ج هي نوعية، أنا أعتقد أن أبسط ترجمة وأكثرها وضوحاً هي ‘وكان الكلمة الله.’ قد يكون التأكيد بوضوح على تعاليم العهد الجديد عن ألوهية المسيح ومن ثم توضيح أنه ليس الآب، أفضل من أن نكون غامضين حول ألوهيته، ولنوضح أنه هو الله لكنه ليس الآب.“ [12]
ويترجم والاس مع محررو ترجمة NET النص كالأتي: ”وكان الكلمة إلهًا كاملاً“ (and the Word was fully God).
لكن الشامي تجاهل ترجمة NEB ”ما كانه الله، كانه الكلمة“ وكأنه لم يرَها تمامًا، مع أن والاس ذكرها في نفس السطر بجوار ترجمة ”وكان الكلمة إلهيًا. وبالرغم أنها أقرب كثيراً إلى المعنى الذي شرحه والاس.. فما هو السبب يا تُرى؟ ببساطة، لأنها تدحض كل ما يقوله الشامي من لغط وعك لغوي في كلمات قليلة!
فكيف يكون “الكلمة” الذي يملك نفس الطبيعة والجوهر الذي لله، أقل من الله نفسه؟
ليس والاس فقط من يعتقد بهذا الرأي، بل إن العالم الشهير رايموند براون (Raymond Brown) صرَّح بنفس ما قاله والاس تمامًا:
”للحفاظ على الفروق الدقيقة المختلفة في اللغة الإنجليزية لثيوس بوجود أو بدون أداة التعريف، البعض (Moffatt) ترجمها، ‘وكان الكلمة إلهيّا’، لكنها تبدو ضعيفة للغاية؛ و، بعيدًا عن كل شيء، يوجد في اليونانية صفة لـ’إلهيًا’ (divine – θεῖος) والتي لم يختَر المؤلف أن يستخدمها. … [ترجمة] NEB تُعيد صياغة العبارة: ‘ما كانه الله، كانه الكلمة’؛ وهذه بالتأكيد أفضل من ‘إلهيًا’ (divine). لكن بالنسبة للقارئ المسيحي المعاصر الذي خلفيته للثالوث اعتادته أن يفكر في ‘الله’ كمفهوم أشمل من ‘الله الآب’، ترجمة ‘كان الكلمة الله’ صحيحة إلى حدٍ ما.“ [13]
لاحظ أيضاً قوْل الشامي في نفس التعليق، ”تعني ما تعنيه، أهم شئ لم تعد تدل على الألوهية“.. من الواضح إذن أن غرضه ليس هو الوصول للحق بالفهم السليم لما تعنيه لفظة ثيوس هنا. بل أن المهم عنده هو أن ينفي، كغيره، معنى الألوهية بأي وسيلة كانت، ولو كانت كاذبة وغير علمية ولا تستند على أي دليل لغوي.
بجانب السبب الأهم الذي ذكرناه طيلة هذا الرد، وهو أن يوحنا الرسول أراد التشديد على الجانب النوعي من الاسم في هذا النص (θεός)، هناك سبب آخر ذكره الكثير من العلماء ولا يقل أهمية عن السبب الأول. ولكن قبل الشروع في سرده، يجب علينا أولًا أن نفهم قاعدة هامة في اللغة اليونانية.
هناك قاعدة شهيرة في اللغة اليونانية تقول بأن هناك نوعان من فهْم معنى الخبر في الجملة. الأول، إذا كان المبتدأ مُعرَّفًا بأداة ، ولكن الخبر غير مسبوق بأداة تعريف. يكون المعنى في هذه الحالة هو أن “المبتدأ” هو “الخبر”، لكن “الخبر” ليس هو “المبتدأ” بالضرورة. ويُسمى الخبر هنا، خبرًا جزئيًا (subset predicate). كمثال على ذلك، قول الوحي الإلهي، ”أمين هو الله“ (Πιστὸς ὁ θεός). نجد في هذا المثال، المبتدأ مُعرفًا (ὁ θεός)، على عكس الخبر (Πιστὸς) الذي جاء بدون أداة تعريف. فيكون المعنى أن الله أمين، ولكن لا يعني أن كل أمين هو الله. (المبتدأ هوالخبر، الخبر ليس بالضرورة المبتدأ).
الثاني، إذا كان كلا المبتدأ والخبر في الجملة مُعرفين بأداة تعريف. يكون المعنى في هذه الحالة هو أن المبتدأ هو الخبر، والخبر كذلك هو المبتدأ بالضرورة. ويُسمى الخبر هنا، خبرًا كُليًّا أو مُتبادَلاً (convertible). وكمثال على ذلك، حينما قال يسوع، ”والحقل هو العالَم“ (ὁ δὲ ἀγρός ἐστιν ὁ κόσμος). فنجد هنا المبتدأ والخبر كلاهما مُعرفين. فيكون المعنى هو: الحقل هو العالم، والعالم هو الحقل. (المبتدأ هو الخبر، الخبر هوالمبتدأ)
وهذا مُخطَّط من كتاب دانيال والاس لتبسيط الفكرة:[14]
فلنُطبِّق إذن هذا القاعدة على نص يوحنا ١:١ج. النص مُجددًا يقول : ” καὶ θεὸς ἦν ὁ λόγος“. نلاحظ هنا أن المبتدأ مُعرفًا بأداة (ὁ λόγος)، بينما الخبر غير مسبوق بأداة تعريف (θεὸς).
(قاعدة أخرى هامة: في اللغة اليونانية، نُفرِّق بين المبتدأ والخبر في الجملة، بوجود أداة تعريف تتطابق مع اسم في الجنس والعدد والحالة الإعرابية، فيكون هذا الاسم هو المبتدأ. إن وُجدت أداة تعريف لكلا الاسمين، يكون ترتيب الجملة هو الفيّصَل؛ فالاسم الذي يأتي أولًا في الجملة، يكون هو المبتدأ.. المبتدأ في نص يو ١:١ج هو بلاشك ”الكلمة” [ὁ λόγος].)
في هذه الحالة، يكون الخبر في هذا النص جزئيًا، وبالتالي يكون نص يو ١:١ج يعني أن ”الكلمة كان هو الله“، ولكن لا يعني أن ”الله كان هو الكلمة“ (وهو عينه الإيمان المسيحي المستقيم). ولهذا السبب لا نجد الرسول يوحنا ذكَر لفظة ”ثيوس“ بأداة تعريف في هذا النص. لأنه لو كان ذكَرها، لكان بالتأكيد سيقدم فكرة خاطئة لم يكن يريد تقديمها.
هذه الفكرة يشرحها لنا عالِم اللغة اليونانية الشهير، روبرِتسون (A. T. Robertson):
”بلُغٍة دقيقة وحَذِرة نفى يوحنا السابيلية بعدم قول ’ ὁ θεὸς ἦν ὁ λόγος‘ [أي بأضافة أداة تعريف للفظة ثيوس أيضًا]. هذا كان سيعني أنه تم التعبير عن كل الله في ’ ὁ λόγος‘ وستكون المصطلحات مُتبادَلة (interchangeable)، ولكٍل منها أداة تعريف.“ [15]
(الهرطقة السابيلية هي هرطقة سابيليوس، الذي لم يكن يؤمن بثلاث أقانيم متمايزين، بل بأقنوم واحد فقط له ثلاثة أسماء أو مجرد صفات مُجرَّدة.)
يقول أيضًا باريت (C. K. Barrett):
”يشير غياب أداة التعريف إلى أن الكلمة هو الله، ولكنه ليس الكائن [يقصد الأقنوم] الوحيد الذي يكون هذا صحيحًا عنه.“[16]
والمقصود هنا، أن الآب هو الله، لأن له كل طبيعة الله، وهكذا عن الإبن والروح القدس، لكن لا يمكن أن نقول أن الله هو الآب، فنكون قد خصصنا الألوهية كلها في أقنوم واحد، لأن الخبر هنا سيكون “الآب” فهو الذي يخبرنا بطبيعة الله محصورة في كونه فقط “آبا”، وليس إبنًا أو الروح القدس.
هذه الفكرة يوضحها كروفورد (Crawford) ببساطة أكثر:
”إن كانت ’ ὁ θεὸς‘ تم استخدامها، فإنها كانت ستُعيِّن اللوجوس بأنه مُجْمَل الوجود الإلهي … الكلمة لا يُشكّل بمفرده الألوهية [التي هي الثالوث] بأكملها (entire Godhead).“ [17]
ببساطة شديدة، هذا يعني أنه لو إستخدم الرسول يوحنا لفظة ”ثيوس“ بأداة تعريف، كان سينتج عنه نصًا متبادلًا، يكون فيه الخبر هو للمبتدأ بأكمله، فيكون اللوجوس هو كل الوجود الإلهي، بما ينفي وجود أي أقانيم أخرى مشتركة مع أقنوم الكلمة في الجوهر الإلهي. لكن الثالوث المسيحي يشتمل على ثلاث أقانيم، تشترك وتتساوى جميعها في الطبيعة والجوهر، وكل أقنوم هو كل الله (أي إله كامل) وليس جزءًا منه، مع تمايزه أيضًا عن الأقانيم الأخرى.
من هذا المُنطلَق، يسقط أيضًا استدلالهم بعدم وجود أداة تعريف. فليس من المعقول أبدًا أن نتسائل عن سبب عدم وقوع الكاتب في خطأ ما، لم يكن يريده! فلماذا يريد هؤلاء أن يفرضوا على الرسول يوحنا شيئًا أو (أو بالأحرى خطئًا) لم يكن يريد الوقوع فيه؟!
بقّت لنا نقطة أخيرة وهي استشهاد الشامي بالمخطوطات العربية على أن عدد كبير منها يترجم اللفظة نكرة.
في الواقع، نحن لا نعرف الكثير عن هذه الترجمات، ولا نعرف حتى المصدر النصي (Vorlage) الذي تُرجمت عنه ولا عن آليات الترجمة (حرفية أم ديناميكية.. إلخ).
هذه الحقيقة يصرح بها حكمت قشوع (Hikmat Kachouh) في مقال له في نفس الكتاب لديفيد توماس (David Thomas) والذي استشهد به الشامي:
”على أساس دراسة هاتين الآيتين فقط [يو ١:١، ١٨]، يكاد يكون من المستحيل استخلاص أي استنتاجات حول أصل (origin) المخطوطات التي أتوا منها.“ [18]
(في الواقع، هذه إحدى صعوبات التعامل مع الترجمات القديمة في النقد النصي.)
ولذلك نتفق مع الشامي في قوله أن ”العبرة باللغة الأصلية للكتاب المقدس وهي اليونانية.“
الترجمة التي اقترحها الشامي:
بعدما أوضحنا، كيف أن الشامي لم يلتزم لا بقواعد اللغة، ولا بتطبيقات العلماء لها، بل وخالف كلام دانيال والاس نفسه الذي نقل عنه أجزاء مبتورة وأسقط عليها فهمه الخاطيء لها ليشوش عليها، فينبغي أن نسأل: لماذا كان كل هذا؟ إن الغرض بسيط لدى الشامي، وهو صرح به بنفسه، وهو ببساطة: نفي أن يكون النص يدل على ألوهية المسيح! ولهذا ستجد الشامي لم يقترح ترجمة خاطئة وحسب في التنكير، بل أن هذه الترجمة فيها خطأ وهو في التأنيث. وهو ما سنبينه.
اقترح الشامي أن تكون الترجمة هي “وإلهية كانت الكلمة” أي “والكلمة كانت إلهية” مستندًا إلى أن ”الكلمة“، في اللغة العربية، اسم يأخذ ضمائر التأنيث، فـ”الكلمة كانت” وليس “الكلمة كان”، وهذا كله ليحول النص برمته من حديثه عن أقنوم الإبن، إلى حديثه عن مجرد “أمر” إلهي يصدر من الله! ليقول بعدها أن “الأمر غير الآمر” ولا يكون “الأمر” إلهًا، فهل ساعدته مراوغته في هذا الغرض؟! بالطبع لا.
بدايةً، نحن تكلمنا عن قضية الترجمة المعرفة/النكرة/النوعية لكلمة “ثيوس”، بل وأوضحنا أيضًا خطأه باعتبار ‘الكلمة’ صادرة أو نابعة من الله، والتي تفترض وقوع لفظة ‘ثيوس’ في حالة المضاف، وهو غير صحيح بحسب ما كتبه يوحنا الرسول. لكن الشامي هنا يقترح شيئًا إضافيًا. ألا وهو كلمة “كانت” بدلا من “كان” عن “الكلمة”، وهنا يجب أن نبين خطأه بعدة أدلة:
الدليل الأول:
يتحدث النص في بداية إنجيل يوحنا عن “الكلمة” ثم يسير بنا القديس يوحنا في مقدمته إلى قوله “والكلمة صار جسدا وحلّ بيننا ورأينا مجده” (يوحنا ١٤:١) ثم يتابع كلامه عن المسيح. فكيف تكون لفظة “الكلمة” (اللوجوس) كانت لتعبر عن مجرد أمر رئاسي أي قرار إلهي، وهي مشخصنة في “المسيح”؟ حيث يقول النص عنه “صار” و”حلّ” و”رأينا مجده”؟ فكيف يتجسد “الأمر” ليصير جسدًا، ويحل، ونراه؟!
أي أنها تدل على شخص، عاقل، فكيف يتغاضى أحمد الشامي عن كل هذا ويترجمها بلا علم إلى “والكلمة كانت” ليشير إلى أنه مجرد “أمر” وليس “شخص”؟! إنه الهوى والزيغ.
الدليل الثاني:
في حين أن الشطر الأول من يوحنا ١:١ يتحدث عن ”الكلمة“ الذي كان بالفعل موجودًا ”في البدء“ (Ἐν ἀρχῇ ἦν ὁ λόγος)، نجد الشطر الثاني يوضح العلاقة بين هذا ”الكلمة“ والله الآب (”والكلمة كان عند الله“ – ” καὶ ὁ λόγος ἦν πρὸς τὸν θεόν “).
تركيب الشطر الثاني من العدد، يتكون في الأساس من حرف الجر ” πρὸς“ + لفظة ”الله“ مسبوقة بأداة تعريف، وكلتاهما (الله وأداة التعريف) في حالة النَصْب (Accusative). من المهم أن نلاحظ أن حرف الجر πρὸς، كما يذكر مولتون (Moulton) وميليجان (Miligan)، ”لا يشير فقط إلى الوجود بجانب (beside)، ولكن مع الحفاظ أيضًا على الشركة والتواصل.“[19]
يؤكد دانيال والاس هذه الرأي أيضًا في تعليق نسخة NET Bible، فيقول:
”حرف الجر πρὸς لا يقتصر فقط على الجوار أو القُرب (proximity), بل على العلاقة الشخصية الحميمية.“
ويقول دودز (M. Dods): ” πρὸς … تعني أكثر من μετά أو παρά، وتعمل بانتظام في التعبير عن وجود شخص مع شخص آخر.“[20]
هذه الحقيقة هامة في أنها تشير بوضوح إلى أن “الكلمة” (اللوجوس) هو شخص عاقل، في شركة وعلاقة مستمرة بينه وبين الآب، وليس مجرد “كلمة منطوقة.” ولذلك نجد روبرتسون يفسر معنى العبارة كالتالي: ” πρὸς + حالة النصب تقدم مستوى المساواة والحميمية، وجهًا لوجه مع بعضهما البعض“ (Face to face with each other). [21]
سُميت هذه العلاقة بين الآب والابن عند آباء الكنيسة بـ”الاحتواء المُتبَادَل“ (περιχώρησις).
ولا نجد، في الختام، أفضل مما شرحه دونالد كارسون (D. A. Carson):
”في [ترجمة] NIV، الأمثلة التالية لـ’مع/عند’ (with) جميعها تحوي πρὸς: ‘أوليست أخواته ههنا عندنا؟’ (مر ٣:٦)؛ ‘كل يوم كنت معكم’ (مر ٤٩:١٤)؛ ‘ونستوطن عند الرب’ (٢كو ٨:٥) … ‘الحياة الأبدية التي كانت عند الآب’ (١يو ٢:١). ما نلاحظه في كل هذه الأمثلة هو أنه في الكل باستثناء تركيب أو اثنين مميزين (مثل ١بط ١٥:٣)، πρὸς قد تعني ‘مع/عند’ فقط عندما يكون الشخص مع شخص ما، وعادةً ما يكون هناك صلة حميمية إلى حدٍ ما. وهذا يقترح أن يوحنا قد يكون ربما يشير بالفعل، بل بمهارة، إلى أن ‘الكلمة’ الذي يتحدث عنه هو شخص، مع الله وبالتالي يمكن تمييزه عن الله، ويتمتع بعلاقة شخصية معه.“[22]
وهذا يتفق مع شخصنة “الكلمة” كما ذكرنا، فكيف يتجاهل الشامي هذا ويجعل الكلمة “مؤنث” ليقول أنها مجرد “أمر إلهي” كأي أمر إلهي؟ السبب في هذا هو الضلال والإضلال!
يمكننا تلخيص الموضوع في عدة نقاط محددة كالأتي:
(هذا الفهم يدعمه الغالبية العظمى من علماء اللغة اليونانية، كما ذكرنا.. سنفرد لهذا بحثاً تفصيلياً يشمل كل اقوال العلماء قريباً إن شاء الرب.)
ويبقى السؤال الأخير، هل استطاع أحمد الشامي إثبات تحريف ترجمة “وكان الكلمة الله” بوجوب تنكيرها؟ من الواضح أنه فشل في ذلك، وسقط في جهالاته وكان سقوطه عظيماً.
وهنا أتذكر قول إف بروس (F. F. Bruce) الذي يُعبّر عن هذا الموقف بكلمات وافية:
”تَعَلُّم قليل هو أمر خطير. استخدام أداة التعريف اليونانية، استخدامات حروف الجر اليونانية، والتمايز الدقيق بين الأزْمنة اليونانية يتم شرحها من قِبَل رجالٍ تجد صعوبة بالغة في استخدام نفس أجزاء الكلام هذه، بدقة في لغتهم الأصلية.“ [23]
[1] William D. Mounce, Basics of Biblical Greek Grammar, 2nd ed. (Zondervan: Grand Rapids, 2003), 345.
[2] چون دانيال، مبادئ اللغة اليونانية للعهد الجديد، الطبعة الأولى (هيليوبليس غرب: دار الكتاب المقدس، ٢٠١٦)، ٢٩.
[3] Cynthia W. Shelmerdine, Introduction to Greek, 15.
[4] Daniel B. Wallace, Greek Grammar Beyond the Basics (Zondervan: Grand Rapids, 1996), 267.
[5] Philip B. Harner, “Qualitative Anarthrous Predicate Nouns: Mark 15:39 and John 1:1,” JBL 92 (1973): 75-87 (esp. 76).
[6] Paul Stephen Dixon, “The Significance of the Anarthrous Predicate Nominative in John” (Th.M. thesis,
Dallas Theological Seminary, 1975).
[7] Wallace, Greek Grammar, 269.
[8] Murray J. Harris, Jesus as God: The New Testament Use of Theos in Reference to Jesus (Michigan: Grand Rapids, 1992), 64.
[9] Wallace, Greek Grammar, 269.
[10] Rudolf Bultmann, The Gospel of John: A Commentary, trans. G. R. Beasley-Murray, R. W. N. Hoare, and J. K. Riches (Philadelphia: Westminster, 1971), 33-34.
[11] Harris, Jesus as God, 67n.62.
[12] Wallace, Greek Grammar, 269n.31.
[13] Raymond E. Brown, The Gospel According To John (i-xii): Introduction, Translation, And Notes (New York: Doubleday & Company Inc., 1966),5.
[14] Wallace, Greek Grammar, 42.
[15] A. T. Robertson, Word Pictures in the New Testament, 6 vols., (Grand Rapids: Baker Book House, 1932), 5:4-5.
[16] C. K. Barrett, The Gospel according to St. John, 2d edition (London: SPCK, 1978), 156.
[17] R. G. Crawford, “Pittenger on the Divinity of Christ,” Modern Church-man 15 (1971-72): 122.
[18] Hikmat Kachouh, “The Arabic Versions of the Gospels: A Case Study of John 1.1 and 1.18,” in The Bible in Arab Christianity, ed. David Thomas (Leiden: Brill, 2007), 34.
[19] W. Milligan and W. F. Moulton, Commentary on the Gospel of St. John (Edinburgh: Clark, 1898), 4.
[20] M. Dods, “The Gospel of St. John,” in The Expositor’s Greek Testament, 1:684.
[21] Robertson, Word Pictures, 5:4.
[22] D. A. Carson, The Gospel according to John (Grand Rapids: Eerdrnans, 1991).
[23] F. F. Bruce, The Books and the Parchments, (Old Tappan, New Jersey: Fleming H. Revell Company, 1963), 60-61.