مقابلة مع دانيل بي ووالاس بشأن المخطوطات الجديدة للعهد الجديد – ترجمة: ايفيت سابا

مقابلة مع دانيل بي ووالاس بشأن المخطوطات الجديدة للعهد الجديد – ترجمة: ايفيت سابا

مقابلة مع دانيل بي ووالاس بشأن المخطوطات الجديدة للعهد الجديد – ترجمة: ايفيت سابا

مقابلة مع دانيل بي ووالاس بشأن المخطوطات الجديدة للعهد الجديد – ترجمة: ايفيت سابا

وكما كان قد كتب كريج بلومبرغ، أصبح جليا بأن دان ووالاس قد أصبح اليوم رائدا نشطا في النقد النصي للمسيحية الإنجيلية.

فبالإضافة إلى تدريس العهد الجديد في مدرسة دالاس اللاهوتية، فأنه يخدم مديرا تنفيذيا لدي المركز لدراسة المخطوطات الجديدة للعهد الجديد المتطور.

وكان قد أثار ضجة مؤخرا بإعلانه بأن العام القادم سيتم كشف النقاب في المنشورات الاكاديمية عن اكتشاف جزء من أنجيل القديس مرقس تعود للقرن الأول. (أنظر، على سبيل المثال هذه المقابلة مع هيو هيويت).

وتفضل بالإجابة على بعض الاسئلة حول علم النقد النصي وعدد المخطوطات وأقدم المخطوطات (بما في ذلك المخطوطة التي ستصبح قريبا مشهورة جدا) كما شرح لماذا لا يوجد أي تشابه بين عملية النسخ ولعبة الهاتف بالإضافة إلى اسئلة أخرى.

 

ما المقصود بالنقد النصي؟

النقد النصي علم يحاول تحديد الصيغة الأصلية لأي وثيقة لم يعد أصلها موجودا. هنالك أهداف اخرى ثانوية للنقد النصي ايضا، الا أنه هذا هو التعريف التقليدي له.

وهذا العلم مطلوب ايضا للعهد الجديد بسبب أن النسخ الأصلية لم تعد موجودة وبسبب وجود اختلافات عديدة في الفصل الواحد حتى بين المخطوطات الاقرب والأقدم. وتختلف كل مخطوطات العهد الجديد عن بعضها البعض إلى درجة معينة بما أن جميعها مخطوطات مكتوبة بخط اليد.

 

كم عدد مخطوطات العهد الجديد المعروفة لنا؟

فيما يتعلق بالمخطوطات اليونانية، تم فهرسة أكثر من 5800 مخطوطة. تم ترجمة العهد الجديد في البداية إلى عدة لغات أخرى مثل اللاتينية والقبطية والسريانية والأرمنية والجورجية والقوطية إلى آخره. ولم يتم بعد إحصاء العدد الكامل لهذه الشهادات النصية ولكن من المؤكد أن عددها يتجاوز عشرات الالاف.

وفي ذات الوقت، تجدر الاشارة إلى أن معظم المخطوطات لدينا تعود للألفية الثانية بعد الميلاد، كما أن معظم المخطوطات لا تشكل العهد الجديد بأكمله. فجزء من مخطوطة قد يكون مجرد آية او آيتين ومع ذلك تعتبر مخطوطة. مع ذلك، أن متوسط حجم المخطوطة للعهد الجديد يكون أكثر من 450 ورقة.

وفي الناحية الاخرى من تجمع البيانات، نجد اقتباسات العهد الجديد على لسان آباء الكنيسة. وحتى يومنا هذا، تم جدولة أكثر من مليون اقتباس للعهد الجديد قام به آباء الكنيسة الأوائل يعود أقدمها إلى أواخر القرن الأول وحتى العصور الوسطى.

 

 ما هي أقدم مخطوطة لدينا؟

حتى نهاية 2011، كان الجواب كالتالي:

أنها على الارجح قطعة من ورق البردي موجودة بين وثائق قديمة لم يتم معالجتها بعد في مكتبة جون رايلاندز في جامعة مانشستر في إنجلترا فعلى الأرجح أنها أقدم وثيقة للعهد الجديد معروفة في يومنا الحاضر. وهي تعرف باسم ب52 او بردى 52 فعلى هذه القصاصة نجد الآيات يوحنا 18 31: 33على أحد وجه القصاصة والآيات يوحنا 18: 37 -38 على الوجه الاخر للقصاصة.

اكتشفها سي اتش روبرتس في العام 1934. فقام بتصويرها وإرسالها إلى أهم ثلاث علماء في علم البردي في أوروبا وحصل على تقييمهم لتاريخها- وقال كل منهم بأن تاريخها يتراوح بين عام 150 بعد الميلاد كحد اقصى وعام 100 ميلادي كحد أدنى. وذهب عالم بردى رابع إلى القول بأن بدايتها قد تعود لتسعينات القرن الأول. وبعد اكتشاف هذه المخطوطة تم اكتشاف أكثر من أحد عشر بردى للعهد الجديد تعود للقرن الثاني.

في الأول من شهر شباط/فبراير 2012، أعلنت خلال نقاش مع الدكتور بارت إيرمان في جامعة كارولينا الشمالية شابيل هيل أنه تم مؤخرا اكتشاف ست قصاصات أخرى من البردي تعود للقرن الثاني. جميع هذه القصاصات مجزأة في معظمها صفحة او جزء من صفحة. وتتقارب احدى هذه القصاصات مع بي 52، وهي جزء من أنجيل لوقا. إلا أن أهم اكتشاف كان جزء من أنجيل مرقس يعود تاريخه وفقا لعالم في المخطوطات القديمة بارز إلى القرن الأول!

وما يجعل هذا مذهلا للغاية هو أنه لم تظهر مخطوطات لإنجيل مرقص من القرن الثاني حتى. ولكننا قد نجد هنا وثيقة كتبت في وقت كان لا يزال البعض من مسيحيي الجيل الأول أحياء حتى وقبل اتمام العهد الجديد. وسيقوم إي جي بريل بنشر كل هذه المخطوطات السبع في وقت ما من عام 2013 في كتاب لعدة مؤلفين. وحتى ذلك الوقت علينا جميعا أن نتحلى بالصبر وأن نعمل بمقوله أنتظر لترى. وعندما يصدر الكتاب سيقوم علماء النصوص بفحصه بشكل كامل.

 

ما وجه المقارنة بين عدد مخطوطات العهد الجديد مع غيرها من الوثائق التاريخية الموجودة؟؟

يواجه باحثو العهد الجديد فيضا من الكنوز مقارنة مع البيانات التي يضطر الباحثون في التراث اليوناني واللاتيني الكلاسيكي أن يرضوا بها. حيث أن معدل عدد النسخ للتراث الأدبي للكاتب الكلاسيكي لا يتجاوز عشرين نسخة. اما نحن فلدينا بيانات من المخطوطات العهد الجديد أكثر بألف مرة مما لدينا لمؤلف يوناني روماني عادي. ليس هذا فحسب، فأن أقدم المخطوطات الموجودة للمؤلف الكلاسيكي تعود إلى 500 عاما بعد تاريخ كتابته. بالنسبة للعهد الجديد، فأننا ننتظر بضعة عقود لنرى النسخ الباقية. ويعتبر هومر أفضل كاتب كلاسيكي فيما يتعلق بالنسخ الباقية حيث يبلغ عدد مخطوطات هومر أقل من 2400 مخطوطة. مقارنة مع مخطوطات العهد الجديد التي يبلغ عددها عشرة اضعاف هذا العدد تقريبا.

ما هي الأنواع المختلفة للتباينات وكيف تؤثر على معنى النصوص؟

يمكن تصنيف التباينات إلى أربعة أنواع:

  • تهجئة وقراءات بلا مغزى
  • تغييرات لا يمكن ترجمتها
  • تباينات ذات معنى ولكنها ليست حيوية/ممكنة
  • تباينات ذات معنى وحيوية/ممكنة

دعني اشرح لك معنى كل منها بشكل مختصر:

تهجئة وقراءات بلا مغزى وتعتبر الغالبية العظمى، حوالي 75% من مجموع التباينات وأكثر التباينات شيوعا هو ما يدعى بالنون المتحركة وهو وجود حرف ن في نهاية كل كلمة متبوعة بأحد الحروف المتحركة/حروف العلة. وهذا المبدأ ذاته موجود في اللغة الإنجليزية فنجد:

A dog

An apple

ويسهل على الباحثين اكتشاف هذه الفروقات في التهجئة. وفي الحقيقة ليس لها أي تأثير.

 

التغيرات التي لا يمكن ترجمتها والمترادفات وتعتبر هذه ثاني أكبر مجموعة:

وهذه ايضا لا تغير في معنى النص. فكتيرا ما يتغير ترتيب الكلمات في النص اليوناني بين مخطوطة وأخرى. ومع ذلك فإن ترتيب الكلمات في اللغة اليونانية مرن جدا. ففي أغلب الأحيان يكون الفرق الوحيد في التوكيد لا في المعنى.

والمجموعة الثالثة هي تباينات ذات معنى ولكنها ليست حيوية. أعني بكلمة حيوية هنا بأنه تباين يمكن أن يشكل حجة قوية على صياغة النص الاصلي. وهذه ثالث أكبر مجموعة من التباينات حتى ولو كانت تشمل تباينات ذات معنى ولكنها لا تتمتع بالمصداقية فعلى سبيل المثال في لوقا 6: 22 فحسب القراءة الانجليزية التقليدية تقول:

 

طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ، وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإنسان.

 

الا أن هنالك مخطوطة تعود إلى القرن 10/11 (مخطوطة 2882) تنقصها الكلمات من أجل ابن الإنسان. هذا تباين ذو مغزى كبير إذ يبدو أن الآية تقول إن الأنسان يتبارك إن تعرض للاضطهاد بغض النظر عن ولائه للمسيح. الا أن هذا التباين موجود في مخطوطة واحدة تعود إلى تاريخ متأخر نسبيا. إذن من المستحيل انها تعكس الصياغة الأصلية للنص اذ تناقضه كل المخطوطات الاخرى بما في ذلك مخطوطات أقدم منه بكثير.

وأما أصغر فئة وهي الفئة الاخيرة وهي تباينات ذات معنى وحيوية. وتشكل اقل من 1% من التباينات النصية. الا أنه وحتى هنا لا يوجد أي معتقد رئيسي مهم موضع شك. هذه التباينات تؤثر على تعاليم فقرة معينة وبالتالي ما ذكر في الكتاب المقدس في ذلك الموضع ولكنها لا تعرض المعتقدات الأساسية للخطر.

 

 

الا تعتبر عملية النسخ عن نسخة متشابهة إلى حد ما مع لعبة الهاتف العتيدة؟

يصعب قول ذلك، ففي لعبة الهاتف تكون الغاية هي تشويه المقولة الأصلية بحيث أنها في نهاية الخط لا تمت بصله للأصل على الاطلاق. هنالك خط واحد للنقل شفهي غير مكتوب. ويتعين على الناقد الشفهي (الشخص الذي يحاول أن يخلص إلى ماهية المقولة في الأصل) غير انه لا يجد إلا آخر شخص على الخط ليسأله.

فيما يتعلق بنص من العهد الجديد، فهناك عدة خطوط للانتقال كما أن الوثائق الأصلية قد نسخت عدة مرات (مما يفسر سبب تلفها مع نهاية القرن الثاني).

إضافة إلى ذلك فأن الناقد النصي لا يعتمد فقط على آخر شخص في خط الانتقال ولكنه يستطيع مساءلة العديد من الكتبة على مر القرون وصولا إلى القرن الثاني.

وحتى مع ندرة المخطوطة القديمة، نجد شهادات أباء الكنيسة الأوائل فيما يتعلق بما قيل في النص الاصلي.

واخيرا، فأن الغاية من هذه العملية ليس التسلية أو ألعاب ترفيهية إنما إيجاد نسخة مطابقة للنص الاصلي بكل أمانة. ولا تستند هذه العملية على سماع أشخاص لمقولة همست لمرة واحدة ولكنها تعتمد على رؤية النص ونسخه. إذن شتان بين لعبة الهاتف وعملية نسخ مخطوطات العهد الجديد.

 

تقول احدى طروحات إيرمان بأن النًساخ المستقيمي العقيدة قد تدخلوا في مئات المواضع مما أدى إلى احداث تغييرات في الثوابت الاساسية للعهد الجديد، فما هو ردك على هذا؟

 

أرى أن إيرمان محق بقوله إن النًساخ المستقيمي العقيدة قد غيروا النص في مئات المواضع وفي الحقيقة قد تكون هذه التغيرات بالآلاف. ولعل أبرز هذه التغييرات هي التي أجريت على الأناجيل لكي تتماشى في نصها مع بعضها البعض. ولكن أن نذهب إلى درجة أن هذه التغييرات قد غيرت الثوابت الاساسية للعهد الجديد فهذا يتعدى الأدلة الموجودة. فالتباينات التي يقدمها لا تخلص إلى ما يدعيه. وفي القرن السابع عشر، تبنى الباحثون بمن فيهم يوهان البرخت بنجل، الذي قام بدراسة التباينات نصية ذات مغزى وحيوية تبنوا ما يسمى بأرثوذكسية التباينات. وعلى مدى قرنين، أعلن معظم باحثو الكتاب المقدس بأن التباينات لم تؤثر على التوكيديات الاساسية. حتى إيرمان نفسه أقر بهذه النقطة بعد النقاشات الثلاثة التي عقدتها معه.

 

ولمن يرغب بالاطلاع على المزيد، هل لك أن تعطينا قائمة للقراءة لبعض الفصول أو الأوراق التي قمت بكتابتها بخصوص النقد النصي بدءا من الاساسي جدا فصعودًا.

أولا: أوصي بقراءة الفصل الذي كتبته في كتاب Understanding Scripture: An Overview of the Bible’s Origin, Reliability, and Meaning بإسم The Reliability of the New Testament Manuscripts (نشره Crossway). يشكل مقدمة مختصرة وسهلة جدا للمستخدم للموضوعات المطروحة ذات العلاقة. ويتضمن بقية الكتاب فصولا ممتازة تتعلق بالنواحي المختلفة لتفاسيرالكتاب المقدس ودقته وشرائعه.

ومن ثم، هناك كتاب أيعيدون أختراع شخصية يسوع أنه كتاب شاركت في تأليفه مع إد كوموسويزكي. يعالج الكتاب عدة مواضيع مثل الدقة التاريخية للأناجيل ودقة المخطوطات كشهود على النص الاصلي. فيما إذا كأنت الكنيسة القديمة قد فهمت الشريعة بشكل صحيح (كتب العهد الجديد ال 27) وفيما إذا كانوا محقين بخصوص ألوهية المسيح. أنه أساس صلب للعديد من المواضيع الساخنة حول العهد الجديد حاليا.

 

واخيرا كتاب ظهر في شهر اكتوبر/تشرين الأول الماضي بعنوان Revisiting the Corruption of the New Testament والذي قمت أنا بتحريره والمساهمة بكتابته وهو يأتي ردا مباشرا على كتاب بارت إيرمان الفساد الارثوذكسي للكتاب المقدس. وبشكل رئيسي فإن مقالتي هي نسخة مكتوبة لنقاشي معه في منتدى جريير هيرد السنوي الرابع الذي عقد في المدرسة اللاهوتية المعمدانية في نيواورليانز في أبريل/نيسان 2008. (للحصول على نسخة ملخصة أكثر لمحاضرتي إضافة إلى محاضرة إيرمان، أنظر The Reliability of the New Testament: Bart D. Ehrman and Daniel B. Wallace in Dialogue) وقام طلابي بكتابة بقية الفصول وناقشوا نواحي مختلفة من فرضية إيرمان.

An Interview with Daniel B. Wallace on the New Testament Manuscripts.

مقابلة مع دانيل بي ووالاس بشأن المخطوطات الجديدة للعهد الجديد – ترجمة: ايفيت سابا

مشاكل الآلام – الإجابة عن الاعتراضات الشائعة الخاصة بالدقة التاريخية لنصوص الكتاب المقدس حول محاكمة وصلب المسيح كريغ بلومبرغ

مشاكل الآلام – الإجابة عن الاعتراضات الشائعة الخاصة بالدقة التاريخية لنصوص الكتاب المقدس حول محاكمة وصلب المسيح كريغ بلومبرغ

Craig L. Blomberg is a New Testament scholar. He is a Distinguished Professor of the New Testament at Denver Seminary in Colorado where he has been since 1986.

بالرغم من غرابة الأمر، إن المسألة الوحيدةالأكيدة المتعلقة بحياة يسوع الناصري هي موته. فحتى المؤرخ الروماني تاسيتس، الذي كتبعن الموضوع في أوائل القرن الثاني، قد رأى أن المسيحيين اتخذوا اسمهم من “المسيحالذي أعدم بقرار من الحاكم بيلاطس البنطي أثناء ولاية تيبيريوس” (“السجلات”44.15). وفي القرن الأول، كان المؤرخ اليهودي جوسيفوس من هذا الرأي، فأشار إلى أنه”عندما سمع بيلاطس أعلى الرجال شأناً بيننا يتهمونه، وحكم عليه بالصلب، لم يتوقفعن حبه أولئك الذين أتوا لإظهار حبهم له”. (“أثار اليهود” 18.63-64). وبعد قرون عديدة، عكس التلمود اليهودي (البابلي) ذكرى محرّفة عن تورّط القادةاليهود في موت يسوع. فأعلن أن يسوع قد شُنق مساء عيد الفصح عند اليهود، وأنه”خلال فترة الأربعين يوماً التي سبقت تنفيذ حكم الإعدام، راح أحد المعلنين يناديبـ “انه سيرمى بالحجارة لأنه مارس الشعوذة وجذب إسرائيل نحو الارتداد” (سانهيدرينالبابلي 43a).

في نصوص العهد الجديد المتمحورة حول توقيفيسوع ومحاكمته وصلبه (أو ما يعرف بالمخطوطات المتعلقة بالآلام)، ثمة عدد من التفاصيلالتي طرح المشككون أسئلة حولها على مرّ السنين. وتشمل إحدى الفئات انتهاكات ظاهرة للقانوناليهودي في ما يخص محاكمة وإعدام مذنب رئيسي. من هذه الانتهاكات، إجراء محاكمة مساءالسبت (فعلاً، خلال فترة العيد بصورة عامة)، ليلاً، من دون شهود لصالح المتهم، ومعتكلّم الكاهن الأعلى شأناً قبل أولئك الذين يتمتعون بسلطة أقل. وطبعاً، من الممكن أنيكون العنصران الأخيران قد كانا موجودان فعلاً آنذاك، وأن أي من الكتب المقدسة لم يرويهذه الوقائع. ولكن لا تستطيع هذه المقاربة أخذ توقيت المحاكمة في عين الاعتبار، علماًأنه الانتهاك الأكثر فظاعة من بين الانتهاكات القانونية الظاهرة. 

وتتوفر على الأقل خمسة ردود مناسبة. أولاً،إن الوثيقة الأقدم التي تحتوي على قانون يهودي متعلق بمثل هذه المحاكمات، هو المشناه،أي مجموعة قوانين التقاليد الشفوية التي تم تطويرها طوال قرون عديدة، ونُشرت تقريباًفي العام 200 بعد الميلاد. ويستحيل معرفة ما أذا كانت كافة هذه القوانين حول الموضوعالمذكور أو جزءاً منها موجوداً في زمن المسيح، مع أن العديد من قوانين المشناه كانتعلى الأرجح متوفرة. ثانياً، انطبقت هذه القوانين مباشرةً على الـ بيث-دين، وهي المحكمةاليهودية التي كانت قائمة في القرن الثاني والثالث، والتي لم تكن إجراءاتها تنطبق بصورةتامة مع الطريقة المعتمدة من قبل   سانهيدرين.(“المحكمةالعليا” في أورشليم العام 70 قبل الميلاد). ثالثاً، تمثل المشناه في أغلبية الحالات،ميراث الجناح الفريسي من اليهودية، وهو الوحيد الذي نجا من سقوط أورشليم أمام رومافي العام 70، في حين أنه، في أيام يسوع، كانت الأغلبية في سانهيدرين للصديقيين الذينغالباً ما كانوا ينشئون قوانين مختلفة. رابعاً، إن الأدب اليهودي الذي ظهر لاحقاً(التوسفتا)، يسمح في أوقات معينة بإجراء محاكمات أثناء الأعياد والاحتفالات، عندمايتعلق الأمر بأشخاص متهمين بجذب الآخرين نحو الوثنية أو بكونهم رسل مخادعين (ت. سانهيدرين11.10 و7.11). في النهاية، إن القادة المتلهفين للتخلص من شخص يشكل بالنسبة إليهم تهديداًفعلياً، غالباً ما يرتكبون انتهاكات بالرغم من اتباع القوانين النافذة. من هنا مع وجودهذه المتغيرات، يصبح من الصعب رؤية كيف أن شخصاً ما يستطيع تركيب قضية مقنعة لم يلعبأعضاء سانهيدرين دوراً فيها بالرغم مما زعمته الكتب المقدسة¹. 

ويشمل نوع آخر من المشاكل تناقضات ظاهرةبين كتب العهد الجديد المقدسة بحدّ ذاتها. والأبرز بينها هي العناصر المتمايزة في إنجيليوحنا. وتكمن المشكلة الأكبر في الجدول التاريخي المتناقض ظاهرياً الذي طرحه يوحنا.فترسم الأناجيل الثلاثة الأولى  بوضوح صورةالمسيح الذي احتفل مع تلاميذه بعيد الفصح عند اليهود في آخر ليلة من حياته (متى17:26، 19؛ مرقس 12:14، 14؛ لوقا 22 : 7-8)، بينما دفع نص سطحي ليوحنا بالكثيرين إلىاعتبار أن الإنجيل الرابع يورد العشاء الأخير قبل يوم من عيد الفصح. ففي هذا النص،أعلن يوحنا أن العشاء الأخير قد تم قبل عيد الفصح (1:13)، وبيّن أن الرسل اعتقدوا أنيهوذا قد ترك المأدبة لشراء ما يحتاجون إليه لعيد الفصح القادم (29:13)، وقال إن القادةاليهود لم يريدوا أن يتنجّسوا بدخول دار وثني قبل تناول عشاء الفصح (28:18)، ويشيرإلى ذلك اليوم باسم يوم التهيئة، ومن المفترض أنه يعني عيد الفصح (14:19، 31). بالتالي،هذا التفسير يرجّح بشدة النظر إلى التلميح الوارد في 14:19 على أنه إشارة إلى الساعةالسادسة (الظهر)، بحسب أسلوب يوحنا في تصوير المسيح على أنه حمل الله؛ وهذا لأنه فيذلك الوقت تكون الحملان لعشاء الفصح قد ذُبحت.         

ولكن، بالنظر بصورة أعمق، لا تبدو أي منالنتائج الواردة أعلاه محتملة. ففي الواقع، يعلن يوحنا (1:13) أن يسوع، قبل عيد الفصح،كان يعلم بأن ساعته قد أتت. وتصف طبعاً الآيتان 1 و 2، الحب الذي كان يشعر به يسوعتجاه تلاميذه، حتى من قبل ذلك الاحتفال2. وعندما ينتقل يوحنا في ما تبقى من الفصل للحديثبالتفصيل عن تعاليم وأفعال يسوع في آخر عشاء له، يصبح في أدنى الحدود طبيعياً اعتبارأننا صرنا في فترة الفصح. من ثم، تذكر الآية 29 يهوذا الذي راح يشتري شيئاً للمأدبةالتي كانت لتمتد طوال أسبوع. وفي النهاية، بافتراض أن هذه الفترة تشكل 24 ساعة كاملةقبل الفصح، فكان ليقوم بسهولة بمشترياته في الصباح التالي خلال ساعات التسوق العادية.ولكن، مساء يوم الفصح، بقيت المحلات والمتاجر مفتوحة لساعة متأخرة، واعتُبر من الجيدوالمُقدّر إعطاء الصدقة (على شكل مال أو غيره) للفقراء3.        

وفي الواقع، يفسر يوحنا 28:18 بصورة أفضلادعاء أن المأدبة الأساسية والأولى لعيد الفصح لدى اليهود قد جرت في الليلة السابقة.فدامت فقط النجاسة الشعائرية بسبب دخول دار نجسة حتى نهاية ذلك اليوم، علماً أن اليهودكانوا يحتسبون أن كل نهار هو من الغروب إلى الغروب التالي. لذلك، إذا كان القادة اليهودقلقين بشأن عدم استطاعة تناول عشاء الفصح بعد حلول الظلام في تلك الليلة، فيبدو فعلاًقلقهم غير ضروري، ذلك أن النهار الجديد يزيل عنهم كل نجاسة. ولكن، في حال كانوا قلقينبشأن حكيكاه، أي بشأن الطعام الخاص الذي يقدم ظهراً بعد بدء عيد الفصح عند اليهود،فيُعتبر النص إذاً منطقياً. وفي الحقيقة، تخصص المشناه في ما بعد رسالة كاملة حول أياممنتصف فترة العيد (Moed Katan)،ورسالة أخرى للتقديمات الخاصة بالعيد (حكيكاه)، بما في ذلك التقديمات التي تمنح بينأول وآخر أيام العيد. (مثلاً، حكيكاه 3.1) 4.      

أما بالنسبة إلى يوحنا 14:19 و31، فقد يشير”يوم التهيئة” إلى التحضير لعيد الفصح، إلا أنه على الأرجح يشير إلى التهيئةللسبت. وتوضح الآية 31 أن اليوم التالي هو السبت، بالتالي، من الممكن أن تكون الآيتانقد اعتمدتا المصطلح المذكور في هذا السياق فقط. وحتى اليوم، يشكل Paraskeuê باليونانية الاسم المعياري لـ “الجمعة”، أي اليوم الذي يسبقالسبت، وهو السبت اليهودي. وفيما يتعلق بدراسة رموز “حمل الله”، من الصحيحأن المبشر الرابع هو المؤلف الوحيد للكتاب المقدس الذي يطبق هذا المصطلح على يسوع،علماً أن معظم المراجع تأتي ضمن آخر أسفار العهد الجديد. وفي إنجيل يوحنا، يستخدم هذاالأخير المصطلح المذكور فقط في الفصل الأول. وبافتراض أن يوحنا قد قصد الإشارة بصورةسريعة إلى فترة الظهر في 14:19 للتركيز على أن يسوع هو حمل الفصح الحقيقي، إلا أنهترك مرجعه مختصراً وغامضاً قدر الإمكان. فليست بالتالي هذه طريقة جيدة للسماح لهذاالتلميح “المفترض” بأن يوجّه عملية تفسير ما تبقى من الجدول الزمني لما كتبعن الآلام 5.   

من جهة أخرى، من الممكن حلّ مسألة تناقضاتمحتملة أخرى بسهولة أكبر. فيشير يوحنا إلى الجنود الرومان (حرفياً، “الكتيبة”)الذين رافقوا حرس الهيكل اليهود لاعتقال يسوع، وقد اعتبر بعض النقاد هذا الأمر غيرمحتمل. ولكن المناخ السياسي المتقلب للفصح عند اليهود، والحاجة إلى المحافظة على”تزامن” مع رغبات الحاكم الروماني، وحاجة القادة اليهود لتسليم يسوع إلىالرومان كي يعدموه، تشكل جميعها عوامل تبرر وجود ذلك الفريق الإضافي من الجنود. وفيالواقع، كان حنّان عظيم الكهنة السابق، وليس عظيم الكهنة الحالي الذي كان يتمثل فيقيافا (تناقض 13:18)؛ ولكن بما أن الكهنوت في القانون اليهودي كان يدوم مدى الحياة،إن خلع الرومان لحنّان والعديد من أبنائه قبل تنصيب صهره في موقع عظيم الكهنة، لم يحلدون ذكر حنّان بتلك الكلمة التي تظهر احتراماً تقليدياً. كذلك، إن المعلومات الإضافيةحول محاكمة يسوع قبل حضور بيلاطس، تكمّل الأناجيل الثلاثة ولا تناقضها بأي شكل من الأشكال.فتصب إضافات يوحنا الوحيدة-التركيز على التهم الرسمية (29:18، 38؛ 4:19)، والإدانة(19: 19-21)، والإشارة إلى بيلاطس على أنه “صديق لقيصر” (12:19)، واستخدامكرسي القضاء (13:19)  – في خانة الممارسات الرومانيةالمعروفة6.   

في الخاتمة، ثمة “تناقض” مربكيتعلق بوقت بداية صلب يسوع. فهل كانت آنذاك الساعة الثالثة (مرقس 25:15) أو السادسة(يوحنا 14:19) (بمعنى آخر، أكانت الساعة التاسعة صباحاً أو الثانية عشرة ظهراً)؟ علىالأرجح أنه صُلب في وقت ما بين هاتين الساعتين. وفي القدم، عندما كانت الساعة الشمسيةتشكل الجهاز الأكثر دقة المتوفر لقياس الوقت، كان العديد من الناس يعتمدون أرباع النهار(أو الليل). فببساطة، قد تعني الساعة الثالثة منتصف الفترة الصباحية، في حين أن الساعةالسادسة قد تشمل نطاقاً زمنياً أوسع، قبل وبعد سطوع الشمس إلى أقصى حد. كذلك، تتحدثالثقافات عن بدء الأحداث بصورة غير واضحة للغاية. فمثلاً، إن اجتماع نحدده للساعة العاشرةصباحاً، لم يكن ليبدأ في الحقيقة إلا بعد الظهر (وإنها ممارسة لا تزال شائعة في بعضأجزاء العالم) 7! بالتالي، من الأفضل إدراك أن مؤلفي الكتب المقدسة يستخدمون ببساطةمصطلحات الوقت بصورة غير دقيقة، وفقاً لمعايير عهدهم، وليس وفقاً للمعايير التي نتبعهااليوم.

ويمكن أيضاً تعداد صعوبات ثانوية وتقديمحلول معقولة.  ولكن، من شأن تلك أن تكفي لبرهنةأن “مشاكل الآلام” التي يعلن عنها بعض المشككين، ليست بالحجم الذي أعطي لها.فيتقبل الباحثون غير المتحيزين كافة الحلول المعقولة المقدمة.

 

ملاحظات:

1يبقى جوزيف بلينزلر الشخص الذي قدم الدفاعالمفصل بالشكل الأفضل حول العناصر العديدة المشكوك فيها والخاصة بما كتب عن المحاكمة:TheTrial of Jesus(ويست منستر، Eng.:Newman; Cork, Ire.: Mercier،  1959)

2هيرمان ن. ريدربوس،  The Gospel according toJohn: A Theological Commentary(غراند رابيدز: Eerdmans، 1997)،452، 455. 

3د. أ. كارسون،TheGospel according to John(غراند رابيدز: Eerdmans;Leicester: InterVarsity، 1991)، 475.

4راجع باري د. سميث، “TheChronology of the Last Supper” Westminster Theological Journal  53 (1991): 29-45.

5راجع كولين إ. ك. ستوري، “TheBearing of Old Testament Terminology on the Johannine Chronology of the FinalPassover of Jesus ,” Novum Testamentum،31 (1989): 316-24.

6ف.ف. بروس، “TheTrial of Jesus in the Fourth Gospel” في  GospelPerspectives، الجزء الأول، دار نشر R.T. France and David Wenham، (Sheffield: JSOT; Eugene, OR: Wipf & Stock, repr. 2003)،7-20.

7جيرالد ل. بورشرت،John12-21, New American Commentary  (ناشفيل:Broadman& Holman،  2002)، 258.

مصداقية الأناجيل تاريخياً، بقلم كريج ل. بلومبرج | ترجمة: مجلس خدمة شمال اميركا

مصداقية الأناجيل تاريخياً، بقلم كريج ل. بلومبرج | ترجمة: مجلس خدمة شمال اميركا

مصداقية الأناجيل تاريخياً

بقلم كريج ل. بلومبرج
 
ترجمة: مجلس خدمة شمال اميركا
 
هذه مقالة كتبها العالم كريج بلومبيرج، أستاذ العهد الجديد المميز، بمعهد دينفر اللاهوتى. كريج بلومبيرج هو أحد أعلى المتخصصين فى النقد التاريخى فى العالم كله، و هو أحد علماء حوارات و لقاءات و كتب لى ستروبل. مصدر هذه المقالة و ترجمتها هو موقع “مجلس خدمة شمال اميركا”، مع تعديلات طفيفة.
 

مصداقية الأناجيل من الناحية التاريخية
كريج ل. بلومبيرج

أستاذ العهد الجديد المميز بمعهد دينفر اللاهوتى

 

 
هل بالإمكان الوثوق بالخطوط العريضة للصور التي يظهر بها الرب يسوع في الأناجيل في العهد الجديد؟ يجيب العديد من النقاد على ذلك بالنفي. فقد أصبحت حركة “منتدى يسوع” Jesus Seminar المجموعة الاكثر شيوعاً لهؤلاء النقاد والتي زعمت ان ١٨ بالمئة فقط من الأقوال المنسوبة ليسوع و ١٦ بالمئة فقط من أعماله، والتي نجدها في الأناجيل القانونية الأربعة : متى ومرقس ولوقا و يوحنا، إضافة الى إنجيل توما التابع لكتب الأبوكريفا، تعكس فعلا ما قاله الرب و ما قام به أيضا. وفي الوقت ذاته، نجد ان شريحة مهمة من الدارسين، منذ حوالي العام ١٩٨٠ و حتى يومنا هذا، أسّست لما صار اليوم يطلق عليه اسم “البحث الثالث” عن شخصية يسوع التاريخية، والذي ينبثق عنه حاليا نظرة أكثر تفاؤلية حول مقدار ما يمكننا ان نصل الى معرفته، من خلال الأناجيل، وعلى ضوء التطورات التاريخية للبيئة الثقافية لذلك اليوم. ان هذه المقالة تعرض بشكل سريع ١٢ برهانا يؤكدون بشكل تصاعدي على صحة الأناجيل من الناحية التاريخية ، وبالأخص الأناجيل الإزائية (متى ومرقس و لوقا). ان هذه البراهين بكاملها لا تنطلق من وجهة نظر مسيحية إيمانية؛ بل تتبع اسلوب عام في المقاربة التاريخية لتقييم مصداقية مجموعة واسعة من المستندات القديمة.
١- يعتبر بالإمكان إعادة بنيان النص الأصلي لما جاء في الأناجيل بشكل موثوق به جداً، أكثر من أي أعمال أدبية قديمة أخرى. ففي حين لم تبق مخطوطة واحدة من المخطوطات الأصلية للعهد الجديد، الا أن الحجم الكبير للمخطوطات التي أتت من بعدها (بدءاً من القطع الصغيرة المتبقية منها وصولا الى كامل العهد الجديد) – ٥٠٠٠ منها لوحدها مكتوبة باللغة اليونانية القديمة – يتخطى أي عمل أدبي آخر معروف، يهودي كان أم يوناني أم روماني، في حين أنه في معظم الأوقات يعتبر المؤرخون أنفسهم محظوظين إذاً ما وجدوا فقط ضعف عدد المخطوطات الأصلية! و يأتي فن وعلم النقد النصي ليمكن الدارسين من مقارنة و تصنيف و تحديد زمن كتابة هذه المستندات، إضافة الى أوجه الإختلاف بينها، وبالتالي الوصول الى كتابة ما يُحتمل أن يكون النص الأصلي وذلك بدقة تتراوح بين ال٩٧ و ٩٩ %. ومع إكتشاف أقدم قطعة صغيرة عائدة للأناجيل ويعود تاريخها الى العام ١٢٥م ونجد عليها بعض الآيات من إنجيل يوحنا، نحن على بعد جيلين فقط من الكتابة الأصلية . بينما نجد أن هناك دائما فاصلاً زمنياً كبيراً، على الأقل قروناً عدة، بين النص الأصلي وأقدم النسخ الموجودة لمعظم الأعمال الأدبية القديمة. لا شيء مما ذُكر يجعل مما هو موجود في الأناجيل صحيحاً، لكنه يعني بالتأكيد أننا نعلم ما قد قاله الكُتَّاب، الأمر الذي غالباً ما نكون غير أكيدين منه من نحو كُتَّاب قدماء آخرين.
٢- لقد كان الكتّاب بحالة تسمح لهم بكتابة الامور التاريخية بشكل دقيق إذاً ما قرروا ذلك. ان التقليد المسيحي يؤكد ان الأناجيل كُتبت من قبل أربعة أشخاص، إثنين منهم يعدّون أقرب تلميذين من الإثني عشر (متى ويوحنا)، إضافة الى شخص ثالث (مرقس) الذي إستند على مذكرات وكتابات بطرس الرسول، قائد مجموعة الإثني عشر، وشخص رابع (لوقا) الذي قابل شهودا عاينوا حياة الرب يسوع وإستشار مَرَاجِعَاً كُتبت قبله (لو١׃١–٤). و لمرات متكررة إقترح أكثر من دارس مشكك انه ينبغي ان نضع إحتمال كتابة تلك الأناجيل من قِبَل أشخاص غير معروفين بالاسماء من القرن الأول، ربما كانوا تلاميذ لهؤلاء الرجال الأربعة الذين ذكرناهم قبلا. ولكن في كلتي الحالتين نحن على بعد خطوتين فقط من معلومات تعود لشهود عيان.
٣- يرجّح الدارسون المحافظون زمن كتابة أناجيل متى ومرقس ولوقا الى حوالي ال٦٠ م. أما يوحنا فالى حوالي ال٩٠م. أما الدارسون المتحررون فيَميلون الى ترجيح زمن كتابة “مرقس” الى ٧٠م. و “متى و لوقا” الى حوالي ٨٠م و يوحنا الى حوالي ٩٠م. و لكن في كل الاحوال نحن ما نزال نتكلم عن شهادات تعود للقرن الأول. و مجدداً إذاً ما قارنا هاتين النقطتين الأخيرتين مع حالات أخرى نموذجية لتاريخ قديم وسيرة ذاتية نجد ان الحياة المفصلة للإسكندر الكبير و التي يؤمن معظم المؤرخين انه بالإمكان إعادة صياغتها بدقة مقبولة، تعتمد على كتابات آريان و بلوتارك Arrian and Plutarch’s و التي تعود للحقبة ما بين القرن الأول و القرن الثاني ميلادي وتتكلم عن سيرة انسان توفي في العام ٣٢٣ق.م.
٤- لكن، هل كان الجيلان الأولان من المسيحيين (أي من ٣٠–١٠٠م) يهتمان بالمحافظة على المعلومات التاريخية؟ سؤال طالما حاوطته الشكوك الكثيرة، وذلك في البداية لسببين وجيهين. أولا، يحاول البعض إظهار أن الإحساس بإحتمال عودة يسوع الوشيكة الى الأرض لكي يضع حداً لنظام هذا العالم الحالي كما نعرفه، لا بد و أنه عوّق كل اهتمام لهم بالتصرف كمؤرخين. فمن يزعج نفسه في تدوين أحداث تاريخية، حتى تلك التي يظن انها تتعلق بأمور مقدسة، إذاً كان يظن ان العالم مُوْشِك على الإنتهاء في أية لحظة؟ لكن بإمكاننا التأكيد على ان اليهود قاموا فعلا بذلك، على الأقل منذ القرن الثامن قبل الميلاد. لقد كان الانبياء اليهود في أكثر من مكان يعدون طوال قرون عديدة بأن “يوم الرب” قريب، والى جانب ذلك أيضا تمكن شعب الرب من معرفة ان يوماً واحداً عند الرب كألف سنة (مز٩٠׃٤) لذلك نجد ان المسلك الطبيعي للأحداث البشرية قد استمر. ثانيا، يدّعي البعض ان النزعة العقائدية ( اللاهوتية مثلاً) التي كانت عند كُتّاب الأناجيل لا بد وأنها قد شوّهت الوقائع التاريخية. فلا شك ان الإلتزام المفرط لمذهب عقائدي يمكن ان يقود بعض الكتّاب الى التسرع والخسارة مع مرور الزمن، لكن بعض الانواع من هذه المذاهب يتطلّب بالحقيقة امانة أكبر في الوقائع. فعلى سبيل المثال، بعد الحرب العالمية الثانية، كان اليهود، وبالتحديد بسبب إلتزامهم التام لتجنّب وقوع إبادة جماعية مشابهة لما حدث مع النازيين، سردوا تاريخيا و بشكل موضوعي بالتفاصيل كل ما عانوه من جراء الأعمال الشريرة. لكن الذين قاموا بوضع نسخة معدّلة لهذه الاحداث المروّعة و التي خفّفت فعليا من حدة هذه الإبادة أو حتى انكرتها بجملتها، كانوا من دون شك أشخاصاً أقل إلتزاماً. و لأن الإيمان المسيحي يعتمد على تجسد الرب يسوع وحياته على الأرض ثم موته و قيامته بحسب ما أتى في الكتب (١كو١٥)، فانه لا بد ان أسباباً وجيهة دفعت كُتَّاب الأناجيل الى سرد القصة كما هي تماماً.
٥- لكن هل كان بالإمكان تحقيق ذلك بالرغم من كل الصعوبات؟ فاحياناً بعد ثلاثين عاماً فقط من بعض الاحداث التاريخية، يمكن ان تصبح الذكريات المتعلقة بها غير واضحة و مشوّهة. لكن يهودية القرن الأول كانت ثقافة شفهية متقدمة جداً في ممارسة التعليم المرتكز على الحفظ. فبعض المعلمين اليهود تمكنوا من حفظ كامل الكتب المقدسة العبرانية (العهد القديم عند المسيحيين). ان حفظ محتوى إنجيل واحد والدقة في الحفاظ على ما فيه من معلومات دون المساس بها لم يكن بالأمر الصعب بالنسبة لشخص تربّى في هكذا جو ثقافي خاصة إذاً ما كان ينظر الى مراحل حياة يسوع و تعاليمه على أنها أمور مقدسة.
٦- لمإذاً إذاً لا نجد تطابق في استخدام الكلمات بين الأناجيل؟ ولمإذاً أصلا كانت هناك حاجة الى أكثر من إنجيل واحد؟ وعلاوة على ذلك، فان التشابه الحرفي بين الأناجيل الإزائية يؤخذ عادة كدلالة لإستناد أحد الأناجيل على إنجيل آخر من ناحية الاسلوب الأدبي أو إستناد إنجيلان معا على مصدر واحد آخر. هناك كمية كبيرة من الاسباب تكمن وراء هذه الفروقات بين الأناجيل. وعدد كبير منها يتعلق بما اختار كل كاتب أن يضمّنه أو أن يتغاضى عنه في كتاباته، من ضمن ذلك الحجم الكبير من المعلومات المتوفرة له (يو٢١׃٢٥). و من ذلك: التشديد على نواح لاهوتية مختلفة بين واحد و آخر، حدود جغرافية فريدة، و قضايا أخرى متعلقة بتصنيف الوقائع و طريقة سرد الأحداث لعدد كبير مما ضمنوه في كتاباتهم أم لم يضمنوه. و لكن حتى الأماكن التي فيها تحتوي الأناجيل على أحداث متشابهة، تظل هناك الحرية للكاتب في تضمين روايته : إعادة بناء للجمل، اختصار، أو اسهاب، أو شرح أو استخدام اسلوب خاص لبعض الاجزاء منها. كل هذه الأمور كانت تُعتبر مقبولة بشكل كامل إستناداً الى مقاييس اسلوب التأريخ في ذلك الوقت، و لم يكن يُنظر اليها كمنحرفة عن الحق بأي شكل كان. لكن دراسات حديثة تظهر لنا أيضا كيف أن المرونة و النمط المتبع في سرد القصص كان وراء العديد من من هذه الفروقات العرضية بينها و التي دخلت عليها من خلال إنتقال التقليد المسيحي بداية ان بواسطة الكتابة او السرد الشفوي.
٧- وهل بإمكاننا حتى الافتراض إذاً، ان كُتَّاب الأناجيل كانوا يحاولون ان يقرّبوا في كتاباتهم حدث تاريخي ما أو سيرة حياة أحد ما عوضاً عن، لنقل، سرد رواية معينة أو حدث مأساوي بقالب مثير؟ نعم، فبالعودة الى أقرب المراجع الموازية لمقدمة لوقا الطبيب، تطالعنا كتابات، والتي تعتبر دقيقة الى حد كبير، المؤرخين أمثال يوسيفوس عند اليهود، و هيرودوتس و ثوسيدس عند اليونانيين.
٨- إضافة الى ذلك هناك بعض البراهين الأخرى أيضا تأخذنا الى مستوى أبعد. فما يطلق عليه ” الأقوال العسرة الفهم” للرب يسوع تقترح ان كُتَّاب الأناجيل شعروا بقيود كبيرة حول ما يمكنهم أن يضمنوا كتاباتهم او لا يضمنوها. و بالرغم من أن صياغة لوقا لوصية يسوع المتعلقة ببغض الأب و الأم (لو١٤׃٢٦) يمكن تفسيرها على ضوء مثيلتها في إنجيل متى (مت١٠׃٣٧)، الا انه كان من الاسهل جداً للوقا الطبيب، لو انه شعر بحرية لذلك، ان يحذف هذه العبارة بكاملها بكل بساطة فيتجنب بذلك التناقض الذي يظهره هذا القول مع الناموس الذي يوصي باكرام الأب و الأم. و الأمر ذاته يطبق أياضا على تصريح يسوع بعدم معرفته اليوم و الساعة لعودته ثانية (مر١٣׃٣٢) . ان العديد من الصعوبات و الاقوال الحرجة كان بالإمكان تفاديها فيما لو كان كتّابها يتمتعون بالحرية الكاملة للتلاعب بمحتوى التعليم المتوارث كما تزعم جماعة “منتدى يسوع” و من لف لفهم.
٩- و على نحو مضاد، فان المواضيع التي لم يقم الرب يسوع بالتطرق اليها في الأناجيل القانونية تشكل أيضا دعماً لدقتها. فالجدل الذي نشأ حول ما إذاً كان على الذكور البالغين من الامم، في عالم لا يعرف بعد اسلوب التخدير في العمليات، ان يختتنوا كعلامة على حفظهم للناموس في طريقهم نحو المسيحية، هدد بتمزيق الجيل الأول من المسيحية و إبعادهم عن بعض (غل٢׃١–١٠ ؛ أع ١٥) . فأسهل ما يمكن القيام به من قبل أحد كُتَّاب الأناجيل ان يقوم بإقتباس أو كتابة ما قد قاله الرب و علّمه حول الموضوع، أو حتى أن يخترع بعضاً من ذلك فيما لو كان يعتبر نفسه حراً في هذا الأمر. لكننا لا نجد آية واحدة في الأناجيل القانونية تعبّر عن رأي يسوع في دور الختان في حياة أتباعه. كما يمكننا قول الامر نفسه عن التكلم بالألسنة، تلك المسألة التي هدّدت بتدمير كنيسة كورنثوس(١كو ١٢–١٤) بعد ٢٥ سنة من تاريخ موت يسوع و قيامته .
١٠- ان مجموعة لا بأس بها من الكتاب غير المسيحيين وبعض النصوص الأخرى تؤكد على صحة عدد لا يستهان به من بعض التفاصيل المذكورة في الأناجيل عن حياة الرب يسوع، فقد كان مواطناً يهودياً عاش في الثلث الأول للقرن الأول، وُلد خارج الرباط الزوجي، معلم مميّز أصبح مشهوراً جداً، اختار بعضاً من الرجال ليكونوا نواة لتلاميذه، تجاهل وصايا اليهود و تعاليمهم و أكل مع الفقراء و المكروهين، أغضب العديد من قادة اليهود، و مع أن البعض آمن أنه المسيح المنتظر الا انه صُلب من قبل بيلاطس البنطي، لكن البعض من أتباعه آمن أنه قام من الأموات فأسسوا ديانة صغيرة نَمَت ولم تتوقف أبداً. قد يحاول البعض إثبات ان هذه الامور ليست معلومات كافية وشافية، لكن في عالم تركّزت فيه كل الكتابات التاريخية والسير الذاتية على الملوك و الأباطرة و القادة العسكريين وأشخاص ذوي نفوذ ديني قوي و فلاسفة مشهورين إستمرت “مدارسهم” لفترات طويلة بعد مماتهم، وبشكل عام ، عن اليُسر والنفوذ، فمن الجدير بالملاحظة ان يقوم هؤلاء الكتاب و المؤرخون غير المسيحيين حتى على ذكر اسم يسوع. فقبل ان أصبحت المسيحية ديانة قانونية مشرّعة في القرن الرابع ميلادي، من كان يتوقع أن يقوم هذا المعلم اليهودي الغامض الذي صُلب، بتأسيس جماعة ستصبح في أحد الأيام الديانة التي ستعتنقها النسبة الأكبر من سكان الأرض؟
١١- يؤكد علم الآثار على صحة مجموعة كبيرة من التفاصيل الواردة في الأناجيل والتي تؤيّدها أيضا المنحوتات القديمة والكتابات المنقوشة – وجود بركتي سلوام و بيت حسدا في أورشليم، حيث أنه يوجد لهذه الأخيرة خمسة أروقة تماما كما يصفها يوحنا في إنجيله (يو٥׃٢)، و بيلاطس البنطي كحاكم على منطقة اليهودية، و طريقة الصلب التي كان يتّبعها الرومان من خلال دق المسامير في عظم الكاحل، و مراكب صيد السمك التي يمكن ان تحمل عليها ١٣ شخصا ( كشخص الرب يسوع و تلامذته الإثني عشر) ، و قبر قيافا، و الصندوق الذي يُحتمل ان تكون العظام الموجودة فيه عائدة ليعقوب أخي الرب، إضافة الى الكثير غيرها أيضا. ان كل هذه التفاصيل كان مشكوك في صحتها قبل أن ظهرت هذه الإكتشافات الأثرية التي أتت لتؤكد على صحتها.
١٢- اخيراً، تأتي شهادة العديد من المسيحيين المؤمنين لتؤكد أيضا على صحة مجموعة كاملة من التفاصيل الموجودة في الأناجيل. لقد ربط العديد من الكتّاب المسيحيين في القرن الثاني ميلادي كتاباتهم بالأناجيل، حتى ان البعض إقتبس أجزاء مما جاء فيها مع الموافقة على مضمونها. وأكثر تحديداً، نجد ان رسالة يعقوب، وبطرس و بولس و التي أتت متزامنة مع بعضها، لكن بشكلها الأولي سابقة للإنجيل المكتوب، كانت تتضمن تلميحات و إشارات عديدة و حتى بعض الإقتباسات لأقوال الرب يسوع، الامر الذي يُظهر أن هذه الأخيرة كانت متداولة شفهياً بقالب بحرص على دقة مضمونها. وربما الموضوع الأكثر أهمية بينها هو شهادة قيامة الرب يسوع من الأموات والتي صيغت بلغة تعليمية كما لو انها سُلّمت و ستُسلّم من خلال تعليم شفهي، وهكذا يمكن ان تكون هذه الشهادة قد شكلت جزءا مما تعلّمه بولس الرسول بعد إيمانه وبعد مرور أقل من سنتين على موت الرب يسوع (١كو١٥׃١–٣). ان هذه الامور ليست قصصاً خرافية تعود للثقافة اليونانية وقد تطورت بعد حياة يسوع، ذلك المعلم اليهودي العادي، لكنها أقوال ثورية تكلم بها أتباعه منذ البداية!
Exit mobile version