ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

 

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

 

مقدمة

القديس ايرونيموس (جيروم)

ولد ايرونيموس من أبوين مسيحيين ببلدة ستريدون قرب أكويلا بإيطاليا حوالى سنة 345م. وفى حداثته ذهب إلى روما حيث درس الخطابة واشتغل فترة بالمحاماة. ويقول عن نفسه إنه سقط فى الخطية ولكنه انجذب بعدها إلى صداقة مجموعة من الشبان المسيحيين الذين أثروا فى حياته وكان يزور معهم قبور الشهداء فى سراديب روما. وفى سنة 366 اعتمد بيد البابا ليباريوس.

          كان جيروم منذ شبابه مغرمًا بالدراسة وبدأ يكوّن لنفسه مكتبة خاصة منذ شبابه المبكر. وقال بجولة فى بلاد الغال (فرنسا) عن طريق شمال إيطاليا، وفى أثنائها تعرّف بروفينوس، وقضى فترة فى تريف، وكان يقوم بنسخ المخطوطات، وكتب تفسيرًا رمزيًا لسفر عوبديا. ثم رجع إلى إيطاليا، وقضى هناك ثلاثة سنوات فى أكويلا حيث بدأ فى السير نحو هدفى حياته وهما. دراسة الكتاب المقدس، وممارسة الجهاد النسكى.

          فى 373 سافر ايرونيموس إلى الشرق مع بعض أصدقائه من النساك عن طريق شمال اليونان ….. وغلاطية وكبادوكية وكيليكيا إلى أن وصل إلى أنطاكية حيث استراحوا لبعض الوقت، وهناك أصيب ايرونيموس بحمى شديدة قارب الموت بسببها، وأثناء هذه الأزمة قرر ترك كل الاهتمامات والقراءات الرومانية وتكريس نفسه للدراسات المسيحية وخاصة الكتاب المقدس.

          تعلم ايرونيموس اللغتين اليونانية والعبرية. وقام بترجمة العهد القديم من العبرية إلى اللاتينية لغته الأم، وهذه أول مرة تترجم فيها التوراة من العبرية إلى اللاتينية مباشرة بعد أن كانت الكنيسة اللاتينية تستخدم النسخة السبعينية اليونانية. وهذه الترجمة هى المعروفة باسم الفولجاتا Volgate.

          ومن أشهر كتب القديس ايرونيموس كتاب “مشاهير الرجال” (Viris Illustratus) الذى أشرنا إليه فى كتاب “مدخل إلى علم الآباء” كأحد المراجع عن عدد كبير من الآباء بعد كتاب “تاريخ الكنيسة ” لأوسابيوس.

          وقضى ايرونيموس 40 سنة فى بيت لحم يعيش الحياة النسكية مع عدد من الأصدقاء والتلاميذ والتلميذات. وترجم نصوصًا كثيرة لبعض المعلمين السابقين من بينهم أوريجينوس إلى اللاتينية، وكتب تفسيرات لعدد كبير من أسفار الكتاب المقدس خاصة العهد القديم. وتنيح ايرونيموس سنة420 م ودُفن فى بيت لحم.

العظة على ميلاد الرب:

          لم يستطع العلماء أن يحددوا تاريخًا دقيقًا لإلقاء هذه العظة. وكل ما وُجد عنها فى هوامش كتابات ايرونيموس باللاتينية أنها أُلقيت فى عيد الميلاد 25 ديسمبر فى حضور الأسقف ودون تحديد من هو الأسقف الذى ألقى ايرونيموس العظة فى حضوره. ويرجع العلماء أنها أُلقيت فى إحدى السنوات بين 394 ـ 405.

          ونود أن نشكر الأخ ريمون يوسف الذى ساهم فى ترجمة هذه العظة عن اللغة الإنجليزية.

          فليبارك المسيح مخلصنا المتجسد لأجل خلاصنا فى هذه العظة لبنيان المؤمنين بشفاعة العذراء والدة الإله، وصلوات الآباء القديسين، والقديس ايرونيموس، وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث وشركائه الآباء المطارنة والأساقفة. والسجود والتسبيح والتمجيد للآب والابن والروح القدس الإله الواحد الآن وإلى الأبد. آمين.

4 ديسمبر 2004م

25 هاتور 1721ش

شهادة القديس مرقوريوس أبو سيفين

المركز الأرثوذكسى

للدراسات الآبائية بالقاهرة

 

على ميلاد الرب

عظة للقديس ايرونيموس (جيروم)[1]

 

 “ اضجعته فى المذود، إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل” (لو7:2) “ اضجعته أمه فى المزود. لم يجرؤ يوسف على أن يلمسه، لأنه كان على يقين تام، أن الطفل لم يكن ابنه بالجسد. ابتهج يوسف بالطفل وهو مندهش، بيد أنه لم يجرؤ على أن يلمسه. اضجعته أمه فى المذود. فلماذا فى مذود؟ لكى تتم النبؤة التى قيلت على لسان إشعياء النبى ” الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه” (إش3:1) وقيل أيضًا فى موضع آخر “ الناس والبهائم تخلّص يارب” (مز6:36). فإذا كنت إنسانًا تناول الخبز؛ وإذا كنت حيوانًا فتعال إلى المذود.

 

          وبسبب أنه لم يكن لهم موضع هناك، لذلك قال لوقا الإنجيلى بصواب: “ إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل” وذلك لأن عدم إيمان اليهود قد امتد إلى كل شئ. لم يجد موضعًا فى قدس الأقداس الذى يتألق بالذهب، والأحجار الثمينة، والحرير الطبيعى والفضة. لم يولد المسيح وسط الذهب والثروة، بل وُلد وسط روث الحيوانات فى حظيرة للبهائم، “وحيث توجد الحظيرة، يوجد الروث، بينما خطايانا هى أقذر بكثير من ذلك الروث. وُلد الرب فى مزبلة، كى يرفع أولئك الذى أتوا منها، كما يقول المرتل: “ الرافع البائس من المزبلة” (مز7:113) وُلد الرب فى المزبلة، حيث جلس أيوب الصديق أيضًا، وتُوّج بعد ذلك.

          “ لم يكن لهم موضع فى المنزل” هنا تعزية عظيمة للفقراء فيوسف ومريم، أم الرب، لم يكن لهما خادم أو خادمة. أتوا بمفردهم من الناصرة التى فى الجليل، ولم يكن لهما دابة تحملهما. فلقد كانا لنفسيهما سادة وعبيدًا. توجد هنا ملاحظة أخرى وهى أنهما قد ذهبا إلى الفندق الذى بجانب الطريق، وليس إلى داخل المدينة، فحيث كان الفقر كان يجعل الإنسان أجبن من أن يتجرأ للدخول وسط الأغنياء. أتلاحظون مدى شدة عوزهما. فقد ذهبا إلى الفندق الذى على الطريق. لم يقل الكتاب المقدس إن الفندق كان على الطريق، بل كان جانبًا خارج الطريق؛ ليس على طريق الناموس، بل على طريق الإنجيل. لم يكن هناك فى ذلك الوقت مكان آخر خاليًا لكى يولد فيه المخلص سوى مذود، مذود للماشية والحمير. فإنى أتمنى لو كان يُتاح لى أن ألقى بنظرة إلى ذلك المذود الذى وُلد فيه المسيح. ولكى نكرِّم المسيح الآن، نأخذ مذود الطين ونستبدله بسلة فضية، ولكن ذاك الذى وُلد فيه المسيح نفيس جدًا بالنسبة لى. الفضة والذهب يتناسبان مع عبادة الأوثان، أما الإيمان بالمسيح فإنه يستحق ذلك المذود المصنوع من الطين. وُلد المسيح فى ذلك المذود فهو لا يبالى بالذهب أو الفضة. لذلك فإنى لا ألوم أولئك الذين باعوا ممتلكاتهم فى سبيل إكرام الآلهة، ولا أنظر بازدراء إلى أولئك الذين صنعوا أوعية من الذهب فى الهيكل، ولكنى أتعجب من الرب خالق الكون. الذى وُلد وهو غير مُحاط بالذهب والفضة، بل مُحاط بالطين والروث.

          “ وكان فى تلك الكورة رعاة متبدّين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم” (لو8:2). إنهم لن يجدوا المسيح إن لم يسهروا، إذ أن هذا هو واجب الرعاة. فلن يجد المسيح إلا الإنسان اليقظ الساهر. فلهذا تقول عروس النشيد: “ إنى نائمة ولكن قلبى يقظ” (نش2:5) حقًا “ لا ينعس ولا ينام حارس إسرائيل” (مز4:120).

 

          كان هناك فى نفس الكورة رعاة، وكان هيرودس ورؤساء الكهنة والفريسيون هناك أيضًا فى نفس الكورة، وبينما هم نيام، وجد الرعاة المسيح مضجعًا فى مغارة منعزلة.

 

          كان الرعاة يحرسون حراسات الليل على رعيتهم“. لقد كان الرعاة يحرسون قطيعهم، لئلا تفترسه الذئاب أثناء نومهم. كانوا يحرسون القطيع بحرص وعناية؛ ولقد كان الخطر بالنسبة للقطيع من غدر الوحوش سببًا كافيًا لكى يسهروا لحراسة قطيعهم. كانوا يحرسونه، كما لو كان قطيع الرب، ولكنهم لم يستطيعوا حفظه؛ ولهذا طلبوا من الرب أن ينقذ القطيع. ” وإذا ملاك الرب وقف بهم” (لو9:2). والذين كانوا يقظين هكذا استحقوا أن يأتى إليهم ملاك الرب: “ ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفًا عظيمًا” (لو9:2). إن خوف الإنسان سببه هو عدم قدرته أن يتفرس فى منظر مهيب وسامٍ جدًا. وبسبب خوفهم خوفًا عظيمًا، قال لهم الملاك “ لا تخافوا” (لو10:2)، فكان كلامه كالمرهم الذى يداوى الجروح لكى يطمئنوا. فشدة الخوف تجعلك عاجزًا عن فهم ما أقوله.

إنه وُلد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” (لو11:2) يا لها من كلمات عظيمة جدًا وبينما هم فى حالة دهشة عظيمة “ ظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين” (لو13:2). ملاك واحد أعلن ميلاد الرب، ولكى لا يبدو أنه هو الوحيد الشاهد لهذه الحادثة، ردد كل جمهور الملائكة تسبحة تمجيد واحدة:       “ المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبين أناس المسرة” (لو14:2).

              

          إذا كانت الخطايا بحسب ما يقوله الهراطقة، تحدث يوميًا فى السماء، فكيف يكون هناك إذًا مجد فى السماء، ولماذا نصلى من أجل السلام على الأرض؟ لاحظوا ما يقوله الإنجيل فى السماء حيث لا يوجد خصام، يسود المجد، وعلى الأرض، حيث كل يوم هو يوم حرب يملك السلام.

 

          “ على الأرض السلام” يحل السلام على مَنْ؟ يحل السلام بين الناس. فلماذا كانت الأمم الوثنية تحيا بدون السلام؟ ولماذا كان اليهود أيضًا ليس عندهم سلام؟ هذا هو بالضبط الذى يجعل السلام يحل بين أناس محددين: والسلام يحل بين الناس ذوى الإرادة الصالحة، بين هؤلاء الذين رحبوا بميلاد المسيح.

 

          قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: “ لنذهب الآن إلى بيت لحم” (لو15:2) فلنترك الهيكل المهجور ولنذهب إلى بيت لحم. “ وننظر هذا الأمر الواقع الذى أعلمنا به الرب” (لو15:2). وإذ كانوا منتبهين فهم لم يقولوا، لنذهب ونرى الطفل، أو لنذهب لنكتشف ما قد أعلنه الملاك لنا، بل قالوا لنذهب “ وننظر الأمر الواقع” (الكلمة).

 

          فى البدء كان الكلمة” (يو1:1) “ والكلمة صار جسدًا(يو14:1) الكلمة كائن دائمًا منذ البدء، فلننظر إذًا كيف صار من أجلنا. “ وننظر هذا الكلمة الذى صار، الذى صنعه الرب والذى أعلمنا به الرب” (لو15:2).

 

          بقدر هذا نفسه صار، إذ أن هذا الكلمة نفسه هو الرب، فلننظر إذًا كيف أن هذا الكلمة نفسه، الرب ذاته، جعل نفسه يظهر، وجعل جسده معروفًا لنا. ولأننا لا نقدر أن نراه، مادام هو الله الكلمة الذى لا يُرى، دعنا نرى جسده، لأنه جسد (يُرى)؛ دعنا نرى كيف أن الكلمة صار جسدًا.

 

          “ لذا فقد جاءوا مسرعين” (لو16:2). إن غيرة أرواحهم المتلهفة صارت أجنحة لأرجلهم؛ فلم يستطيعوا أن يمسكوا سرعتهم بسبب لهفتهم على رؤية الطفل، لذلك قال الإنجيلى: “ جاءوا مسرعين” (لو16:2) ووجدوا من يبحثون عنه، لأنهم ركضوا بحماس شديد.

 

          دعنا نرى ماذا وجدوا “ وجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعًا فى المذود” (لو16:2). إذا كانت مريم زوجة يوسف حقًا، لكان من الخطأ القول ” وجدوا الزوجة والزوج”، ولكن ذكر لنا الإنجيل المرأة أولاً ثم الرجل. فماذا قال الكتاب      “ وجدوا مريم ويوسف” وجدوا مريم الأم ويوسف الحارس   “ والطفل مضجعًا فى المذود“. ولما أبصروا فهموا ما قاله الملاك لهم عن الصبى.

 

          “ وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به فى قلبها” (لو19:2) ماذا تعنى كلمة “متفكرة” إنها تعنى بالتأكيد أن العذراء كانت تتأمل مليًا فى قلبها وفى أعماق نفسها وتفكر داخلها، فيما قد صنعه الرب.

 

          “ متفكرة به فى قلبها” لأنها كانت امرأة قديسة، وقرأت الكتب المقدسة وتعرف الأنبياء وتتذكر أن ما قاله الملاك جبرائيل لها هو نفس الأمور التى سبق وتنبأ بها الأنبياء. كانت تتأمل فى قلبها ما إذا كان الأنبياء قد سبق وأشاروا للكلمات: “ الروح القدس يحل عليك، وقوة العلى تظللك، لذلك أيضًا القدوس المولود منكِ يدعى ابن الله” (لو35:1). لقد قال الملاك جبرائيل للعذراء نبؤة إشعياء فى بشارته لها “ ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل” (إش14:7). لقد قرأت العذراء نبؤة إشعياء وسمعت بشارة الملاك لها.

 

          تطلعت العذراء إلى الطفل وهو مضجع أمامها؛ ونظرت الطفل وهو يبكى فى المذود، رأت العذراء هناك ابن الله، ابنها، ابنها الواحد والوحيد؛ وتطلعت إليه، وفى تأملها، كانت تقارن ما سمعته بما قرأت وبما أدركته هى نفسها. وحيث إن العذراء كانت تتأمل فى قلبها، فلنتأمل بالمثل، نحن فى قلوبنا إنه فى هذا اليوم وُلد المسيح. ولكن هناك البعض يعتقدون أن المسيح وُلد فى يوم “الابيفانيا”، بيد أننا لا ننتقد رأى الآخرين، ولكننا نتبع مسار نتائج دراستنا الخاصة. “ فليفتكر هذا جميع الكاملين منا، وإن افتكرتم شيئًا بخلافه، فالله سيعلن لكم هذا أيضًا” (فى15:3) فمن يقول إن الله قد سبق ووُلِدَ فعلاً، ونحن نقول إن الله وُلد اليوم، فكلانا على حدٍ سواء نعبد ربًا واحدًا، ونعترف بطفل واحد. دعونا نستعرض بعض الحقائق القليلة، وذلك ليس لتوبيخ الآخرين ببراهيننا الخاصة، إنما لكى ندعم ونعزز موقفنا. نحن لا ننشر آراءنا الخاصة ولكننا نؤيد التقليد. فالرأى الشائع فى العالم يتعارض مع تفكير هذه المنطقة. قد يعترض أحد ويقول: “إن المسيح وُلد هنا، فهل أولئك الذين يعيشون بعيدًا عن هذا المكان لهم دراية أكبر من أولئك الذين يعيشون فى بلد ميلاده؟ من أخبرك بهذا؟ إن أولئك الذين كانوا من تلك المقاطعة، هم بالطبع الرسولان بطرس وبولس وبقية التلاميذ. بذلك أنت قد رفضت التقليد؛ وأما نحن فقبلناه. فبطرس الذى كان هنا مع يوحنا، الذى عاش أيضًا هنا مع يعقوب، علّمنا أيضًا نحن الذين فى الغرب. فالرسل هم معلموك ومعلمونا.

 

          توجد هنا حقيقة أخرى، وهى أن اليهود كانوا يحكمون اليهودية فى ذلك الوقت، وعلاوة على ذلك يقص لنا أعمال الرسل هذه الحادثة “ وحدث فى ذلك اليوم اضطهاد عظيم على الكنيسة التى فى أورشليم فتشتت الجميع فى كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل” (أع1:8). ذهبوا إلى قبرص وأنطاكيا، وانتشر اليهود الذين تشتتوا فى العالم كله. لقد كان اليهود يحكمون لمدة 42 سنة بعد صعود الرب، وكان هناك سلام فى كل مكان، ولكن هنا فقط توجد حرب. ولذا لقد كان من الممكن أن يُحفظ التقليد بسهولة فى الغرب أكثر من اليهودية حيث يوجد نزاع. وبعد 42 سنة، وصلت جيوش فيسبيان وتيطس، ودمروا أورشليم وخربوها (70 م)؛ وطردوا منها كل اليهود والمسيحيين. وحتى عصر هادريان ظلت أورشليم مقفرة؛ ولم يكن فى تلك المنطقة بأسرها يهودى واحد أو مسيحى واحد. ثم جاء هادريان وقام بتدمير ما بقى من المدينة، بسبب اندلاع ثورة أخرى لليهود فى الجليل. وبعد ذلك أصدر قانون بعدم السماح لأى يهودى أن يقترب من أورشليم. ثم أتى بمستوطنين من مقاطعات مختلفة ليقيموا فى أورشليم. وأذكر أن اسم هادريان هو أيليوس هادريان وبعد أن أخرب أورشليم أطلق على المدينة الجديدة اسم أيليا.

 

          لماذا أقول كل هذه الأمور؟ أقول هذا لأنهم يقولون لنا إن فى ذلك المكان عاش الرسل؛ وأقيم التقليد. ونحن نقول الآن إن المسيح وُلد اليوم؛ ووُلد ثانية فى الابيفانيا (عيد الظهور) وأنت يا من تدافع وتقول إن المسيح وُلد فى عيد الغطاس، فاثبت لنا الولادة والتجديد (إعادة الولادة). ومتى نال المسيح صبغة المعمودية، وإلا ستواجه النتيجة وهى أنه فى نفس اليوم وُلد وتجدد؟ فحتى الطبيعة تتفق مع رأينا؛ والعالم نفسه شاهدًا لرؤيتنا هذه. حتى هذا اليوم تزداد الظلمة على الأرض، أما منذ ذلك اليوم الذى وُلد فيه تتناقص الظلمة ويزداد النور، النهار يطول، ويتضاءل الإثم؛ يرتفع الحق. أما بالنسبة لنا، ففى هذا اليوم وُلد شمس البر. والخلاصة، خذ بعين الاعتبار نقطة أخرى؛ وهى أنه بين الرب ويوحنا هناك ستة أشهر، فإذا درست ميلاد يوحنا المعمدان بالنسبة إلى ميلاد المسيح، فإنك ستجد أن هناك ستة شهور بينهما.

 

          وبعد حديثنا هذا عن كثير من الأمور، وبعد سماعنا للطفل وهو يبكى فى المذود، وبعد أن كرمناه هناك، فلنستمر فى تكريمنا له اليوم. فلنحمله على أيدينا اليوم ونمجده كابن الله. الإله القدير الذى طالما أرعد فى السماء لوقت طويل جدًا ولم ينقذ الإنسان، نجده اليوم يبكى وكطفل رضيع يخلص الإنسان. فلماذا أقول كل هذه الأمور؟ لأن الكبرياء لا يجلب الخلاص أبدًا ولكن التواضع يصنع الخلاص. وطالما كان ابن الله كائنًا فى السماء، لم يعبده إنسان، ولكن لما نزل على الأرض صار معبودًا. ذلك الذى له تحت قدميه الشمس والقمر والملائكة، لم يُعبد على الأرض، لقد وُلد إنسانًا كاملاً، إنسانًا صحيحًا كاملاً، لكى يشفى العالم كله. أى عنصر من طبيعة الإنسان لا يتخذه لنفسه لا يقدر أن يخلصه. فلو أنه كان قد اتخذ الجسد فقط ولم يتخذ النفس أيضًا، لما كان قد خلّص النفس. فهل يخلص ما هو ذا قيمة أقل ولا يخلص ما هو أهم وأعظم؟ وإذا قالوا إنه خلّص النفس التى اتخذها، فخذ بعين الاعتبار كما أن النفس أسمى من الجسد هكذا بالمثل فإن العقل هو القوة الحاكمة فى النفس ذاتها. فلو أن المسيح لا يخلص العقل الإنسانى فلا يكون قد خلص النفس التى هى أقل. وأنت تجيب إنه لم يتخذ لنفسه عقلاً بشريًا لكى يكون قلبه حرًا من الرذائل الإنسانية والأفكار الشريرة والشهوات. أتعنى إذًا بذلك أنه لو كان لم يستطع أن يضبط ما خلقه هو فإنى يجب أن أعتبر نفسى بغير جدارة إن كنت لا استطيع أن أغلب ما كان ينبغى أن يغلبه هو.

 

          لقد نسينا ما عزمنا عليه وتكلمنا أكثر مما نقصد فى نفس الوقت. فالعقل خطط أنه يفعل شيئًا ما، ولكن اللسان فى حماسة انزلق وسبق العقل. فلنستعد الآن لكى نصغى بعناية إلى الأسقف ونخبئ باجتهاد فى قلوبنا ما سيقوله عن ما لم أتطرق إليه أنا، فلنبارك الله الذى له المجد إلى أبد الأبد آمين.

[1] أُلقيت فى 25 ديسمبر أمام الأسقف .

 

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

عظات القديس جيروم في تفسير المزامير  ج1 PDF الراهب مينا المقاري

عظات القديس جيروم في تفسير المزامير  ج1 PDF الراهب مينا المقاري

عظات القديس جيروم في تفسير المزامير  ج1 PDF الراهب مينا المقاري

عظات القديس جيروم في تفسير المزامير  ج1 PDF الراهب مينا المقاري

تحميل الكتاب PDF

الجزء الثاني

كتاب عظات القديس جيروم في تفسير المزامير ج2 PDF الراهب مينا المقاري

كتاب عظات القديس جيروم في تفسير المزامير ج2 PDF الراهب مينا المقاري

كتاب عظات القديس جيروم في تفسير المزامير ج2 PDF الراهب مينا المقاري

كتاب عظات القديس جيروم في تفسير المزامير ج1 PDF الراهب مينا المقاري

تحميل الكتاب PDF

الجزء الأول

كتاب خطابات القديس جيروم ج3 (الرسائل 54 – 78) PDF – القس يوحنا عطا

كتاب خطابات القديس جيروم ج3 (الرسائل 54 – 78) PDF – القس يوحنا عطا

كتاب خطابات القديس جيروم ج3 (الرسائل 54 – 78) PDF – القس يوحنا عطا

كتاب خطابات القديس جيروم ج3 (الرسائل 54 – 78) PDF – القس يوحنا عطا

المواصفات
الكتاب: خطابات القديس چيروم الجزء الثالث 54 – 78
عربه عن الإنجليزية: القمص يوحنا عطا محروس
الناشر: مدرسة الإسكندرية
الطبعة: الأولي، 2020
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: 2019/23418
الترقيم الدولي: 1-69-6591-977-978
عدد صفحات الكتاب: 341
اللغة: عربي

كتاب خطابات القديس جيروم ج3 (الرسائل 54 – 78) PDF – القس يوحنا عطا

تحميل الكتاب PDF

كتاب حياة مشاهير الرجال – جيروم وجناديوس ترجمة: الراهب دوماديوس المقاري

كتاب حياة مشاهير الرجال – جيروم وجناديوس ترجمة: الراهب دوماديوس المقاري

كتاب حياة مشاهير الرجال – جيروم وجناديوس ترجمة: الراهب دوماديوس المقاري

كتاب حياة مشاهير الرجال – جيروم وجناديوس ترجمة: الراهب دوماديوس المقاري

يُعتبر هذا العمل المشترك لجيروم وجناديوس عملاً فريداً ولا يمكن الاستغناء عنه في تاريخ الأدب المسيحي المبكر، معطياً لنا في ترتيب زمني تاريخي سير حياة الكُتَّاب الكنسيين حتى نهاية القرن الخامس الميلادي. لأن الحقبة التي أعقبت نهاية كتاب التاريخ الكنسي ليوسابيوس القيصري هي على درجة كبيرة من الأهمية.

 

(1) زمان ومكان التأليف، وخصائصه:

أ – كُتب عمل جيروم سنة 392م. في بيت لحم. وهو يشمل 135 كاتباً منذ زمن بطرس الرسول وحتى هذا التاريخ. ويحدد جيروم في المقدمة مجال عمله في أولئك الذين كتبوا عن الأسفار المقدسة، لكن جرفته الحماسة عن خطته فشمل أيضاً كل الذين كتبوا في مواضيع لاهوتية، سواء كانوا أرثوذكس أو هراطقة، يونان، لاتين، سريان، وحتى يهوداً ووثنيين (يوسيفوس، فيلو، سنيكا). إن عدد الكُتَّاب السريان الذين ذكرهم يُعتبر قليلاً. ويُدافع جناديوس عن ضآلة تمثيلهم عند جيروم على خلفية أن الأخير لم يكن يفهم اللغة السريانية، وكان يعرف فقط الذين تم ترجمة أعمالهم إلى اللغة اليونانية أو اللاتينية.

إن الحافز لهذا العمل، كما يُعلن في المقدمة، هو أن يُظهر للهراطقة كيف أنه يوجد العديد من الكُتَّاب الممتازين بين المسيحيين. والسبب المباشر للاضطلاع بهذا العمل هو إلحاح صديقه دكستر. وكان مثاله الأول هو سويتونيوس، ثم الكُتَّاب الإغريق المختلفين، وكتابات السير اللاتينية بما فيها عمل شيشرون الذي عنوانه Brutus.

يُقرر جيروم في مقدمته أنه لم يسبقه أحد في هذا المجال، لكنه يعترف أنه مدين تماماً لكتاب التاريخ الكنسي ليوسابيوس القيصري، الذي اعتمد عليه حرفياً، فالجزء الأول من العمل مأخوذٌ تقريباً من يوسابيوس.

يُعطينا العمل كله دليلاً على بناء متعجل (كمثال، فشله في ذكر الأعمال الكاملة لكُتَّاب معروفين، أو في إعطاء اختيارات مناسبة من قائمة كتاباتهم). إنه يعتذر في المقدمة عن إهماله لبعض الكُتَّاب غير المعروفين له وهو في «هذا المكان في أقصى ركن في الأرض». لقد اتُهِِم َبسرعته العظيمة في تصديق أي شيء، مثل رسائل بولس الرسول إلى سنيكا التي اعتبرها أصيلة، لكنه يظهر من ناحية أخرى أنه منتبه (هيلاري، نشيد الأنشاد)، وناقد (مينوسيوس فيلكس، De fato).

لقد صُنِفَ هذا العمل لغرض عملي وليس من أجل هدف علمي، وقد حافظ على ذلك بطريقة جيدة داخل نطاق غايته- معطياً معلومات مختصرة حول بعض الكُتَّاب لم تكن معروفة بصفة عامة. وربما كان هذا هو السبب في أنه لم يذكر أعمال كُتَّاب مشهورين مثل كبريان.

ب – كُتب عمل جناديوس سنة 430م. حسب رأي البعض أو 492-495م. حسب رأي آخرين. يعتقد ايبرت وبندكتينوس وآخرون قبلهما بالتاريخ المبكر على خلفية أن جناديوس تحدث عن تيموثاوس ايلوروس الذي مات سنة 477م. بأنه كان لازال على قيد الحياة. وهذا يجبرنا على رفض فقرة جناديوس، واعتبارها إضافة متأخرة على خلفيات أخرى. إن المخطوطات تقترح أن جناديوس اختتم عمله بيوحنا الأنطاكي، رغم أن نظرية وجود ثلاثة إصدارات قبل سنة 500م.، إصدارين منهم لجناديوس تجد خلفية لها. إن معظم العمل صُنف حوالي سنة 480م. (ربما الفصول1 – 90) وقد تم إضافة الباقي في السنوات القليلة التالية بواسطة جناديوس وربما بواسطة شخص أو شخصين آخرين.

كان جناديوس من أنصاف البيلاجيين، لكنه كان في نفس الوقت واسع الاطلاع، دقيقاً في أحكامه، فجاء عمله كثير الفائدة لمن يعني بتاريخ الأدب المسيحي. ويبدو عمل جناديوس أكثر أصالة من عمل جيروم.

 

(2) الأعمال الأدبية التي كُتبت حول هذا الموضوع:

أ – إن الأعمال الأدبية عن جيروم كثيرة ومن أهمها:

Zockler, Hieronymus, Gotha, 1865,

Thierry, St. Jerome, Paris, 1867.

وهناك مقالة عامة عن جيروم كتبها Freemantle في قاموس السير المسيحية لسميث وواس. وقد وجه بعض علماء الباترولوجي، ومن بينهم، Ceiller دراسة كافية عن هذا العمل. ويُعتبر عمل ايبرت (Gesch. Chr.lat.-lit.-Lpz.1874) عملاً استثنائياً حول هذا الموضوع. وأهم المصادر الأدبية لهذا العمل هي المقدمات النقدية والملاحظات والتعليقات الخاصة بطبعات هذا العمل. ويمكن قول نفس الشيء عن جناديوس، رغم أن الأهمية النسبية لعمله بين كتاباته يستلزم انتباهاً أكثر يتناسب مع هذه الأهمية. وهناك بالإنجليزية مـقالة Cazenove في قاموس سميـث وواس، وبالفرنسية Histoire litteraire de la France، وهما يُعتبران أفضل الأعمال عن جناديوس.

ب – الأعمال الأدبية عن الكُتَّاب الذين ذكرهم جيروم وجناديوس:

إن الذين يهتمون بمتابعة الدراسة عن الشخصيات التي تم ذكرها في هذين العملين سيجد الأدوات اللازمة للقيام بذلك.

  • بالنسبة للكُتَّاب المبكرين وحتى زمن يوسابيوس، سيجد القاريء معلومات كافية في عمل يوسابيوس: التاريخ الكنسي، والهوامش الملحقة بالترجمات التي صدرت.
  • بالنسبة لكل الحقب سيجد القاريء معلومات وافية في قاموس السير المسيحية لسميث وواس في أربعة أجزاء، وكذلك كتاب فيليب شاف بعنوان تاريخ الكنيسة حيث يضيف في نهاية كل مجلد بياناً بالكُتَّاب الرئيسيين لكل حقبة وقائمة ببليوجرافي رائعة.
  • أما بالنسبة للمؤلفات نفسها، فإن أفضل مصدر لها هو مجموعة آباء ما قبل نيقية ANF، ومجموعة آباء نيقية وما بعد نيقية N&PNF. ومن المفيد الرجوع إلى المقدمات والحواشي الموجودة في هاتين المجموعتين.

 

(3) مخطوطات كتاب حياة مشاهير الرجال:

إن مخطوطات هذين العملين عديدة. وقد رجع مُترجم النص الإنجليزي إلى 84 مخطوطة لعمل جيروم و57 مخطوطة لعمل جناديوس، وأخذ مذكرات وتعليقات عن أكثر من 25 مخطوطة أخرى. ويمكن القول أنه توجد أكثر من 150 مخطوطة لعمل جيروم، وليس أقل من 100 مخطوطة لعمل جناديوس. وأقدم هذه المخطوطات موجود في روما، فيرونا، فيرشيللي، مونبيليه، باريس، ميونخ، وفيينا.

 

(4) طبعات كتاب حياة مشاهير الرجال:

إن طبعات عمل جيروم هذا عديدة لا تقل عن عدد المخطوطات الموجودة لهذا العمل. ويظهر عمل “مشاهير الرجال” في طبعات أعمال جيروم الصغيرة وأحياناً في طبعات رسائله (ترجع معظم هذه الطبعات إلى الفترة بين 1468 – 1530م.). وأحياناً يُطبع هذا العمل منفرداً أو مع عمل جناديوس. أما طبعات عمل جناديوس فهي أقل عدداً، وهى تظهر عادة مع عمل جيروم، وأحياناً في طبعات منفصلة.

 

(5) ترجمات كتاب حياة مشاهير الرجال:

إن أقدم ترجمة لعمل جيروم من اللغة اللاتينية إلى اللغة اليونانية هي التي قام بها سفرونيوس واستخدمها فوتيوس. ويذكر أرازموس ترجمة يدعي أنها من إنتاجه. وهذه القضية محل جدل بين العلماء، ولكن عمل أرازموس قليل الأهمية في مجال عملية نقد النص. وهناك ترجمة حديثة باللغة الفرنسية قام بها Matougues. وقد اعتمد مترجم النص الإنجليزي في المقارنة على ترجمة سفرونيوس (أو أرازموس)، Matougues، وترجمة M’Giffert لكتاب التاريخ الكنسي ليوسابيوس القيصري، ومختارات من قاموس السير المسيحية لسميث وواس.

 

(6) الترجمة العربية لكتاب حياة مشاهير الرجال:

تعتمد على النص الإنجليزي الذي قام به :

Ernest Cushing Richardson

في مجموعة :

The Nicene and Post- Nicene Fathers, Second Series, vol. 3, pp. 353-402.

مع إضافة بعض الهوامش الضرورية كلما لزم الأمر لذلك.

كتاب حياة مشاهير الرجال – جيروم وجناديوس ترجمة: الراهب دوماديوس المقاري

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

 

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

أول من استعمل مصطلح (باترولوجيا  Patrologia)، هو اللوثري الألماني الجنسية (جون جرهارد  John Grehard)، القرن السابع عشر، حيث استخدم كلمة (Patorologia) كعنوان لكتاب نشره عام 1653م، يُقسّم فيه علم الآباء إلى عدة مراحل وإن كانت غير محددة، ألا وهي:

1- عصر الآباء الأولين:

أخذتْ أقوال الآباء فترة من الزمن تُسلّم من جيل إلى جيل شفهياً، لا لغرض دراسيّ، أو كهدف في ذاتها، بل كوديعة تحمل داخلها الإيمان الحيّ، فلم تُكتب أو تُدرَّس كفلسفة؛ ولهذا لم يُكتَب منها إلاّ القليل، وعلى مستوى فرديّ مثل كتابات يوحنا كاسيان.

ونحن بصدد الحديث عن أقوال اللآباء في العصر الأول، نلاحظ الآتي:

أ – محاولة المؤمنين حفظها قدر المستطاع لقُدسيتها، فيقول القديس أكلِمَنْضُس السكندريّ: “هؤلاء الرجال قد حفظوا التقليد الصحيح، تقليد التعليم المبارك، المُسلّم لهم مباشرةُ من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس… والذي وصل إلينا بعناية الله ابناً عن أب[1]، كما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصُص: “يليق بنا أن نحفظ التقليد الذي تسلّمناه بالتتابع من الآباء ثابتاً بغير تغير”، كما يقول القديس كيرلس الإسكندريّ: “إنني مُحب للتعليم الصحيح مقتفياً آثار آبائي الروحيّة” [2]..

 ساد هذا العصر روح التلمذة، فالتلميذ يسمع من معلّمه وخاصة في الحياة الرهبانية، ويحفظ لا أقواله فقط، إنما حياته ككل؛ فهو يأكل معه ويصلي معه ويسهر معه، يأخذ روح الإيمان العمليّ من أبيه، وغالباً بعد نياحة الأب يكتب التلميذ حياة أبيه وكل التعاليم التي أخذها منه.

ب – في الكنائس كان يميل البعض إلى كتابة تعاليم الآباء الأسبوعية، كشرح للكتاب المقدس أو المواضيع العقائدية أو الروحيّة، مثل عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم وعظات القديس أُغسطينوس.

ج – وفود قادة كثيرين إلى مصر للتلمذة على أيدي متوحدي مصر، أو داخل الأديرة، أو بمدرسة الإسكندرية، وتدوينهم أقوال الآباء وسيرهم وأفكارهم وترجمتها بلغاتهم سوء اليونانية أو السريانية أو اللاتينية، مثل يوحنا كاسيان (حوالي 360 -435م)[3]

أحد مشاهير الكُتَّاب الروحيّين في القرن الخامس في جنوب بلاد الغال (فرنسا)، خاصة في الفكر الرهبانيّ، وقد نجح في تطوير الحياة الرهبانية في فرنسا، فكان سفيراً للتراث الآبائي النُسكي القبطي في الغرب، وأحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يختص بالطقس الرهبانيّ الحيّ، يربط بين نواحيه الخارجية والداخلية، وبين الطقس والروحانية بطريقة حية، وقد التقى بآباء الرهبنة في مصر، وسجل لنا خبرات الآباء في كتابين غاية الأهمية ألا وهما: (المناظرات) Conferences of John of Cassian   و(المؤسسات) Institutes of the Coenobia.

† كما جاء الراهب بلاديوس من القسطنطينية إلى مصر، وعاش فيها ما يقرب من خمس سنوات، في أديرة مختلفة، ودوَّن ملاحظاته وكتب سيَر وأقوال عددٍ كبيرٍ من الآباء، ثم أرسل مذكراته هذه إلى صديق له يُدعى (لوسيوس) ليتعرف على الحَياة النسكية، فصار هذا التراث الهام يُعرف بـ (التاريخ اللوزياكي) والآن يُعرف باسم بستان الرهبان (365 -425م)[4].

† كما سجّل لنا روفينوس (345 -410م)[5] أحاديث عن آباء مصر الرهبان، في كتابه تاريخ الرهبنة في مصر المعروف باسم (هستوريا موناخورم)، ويُذكر أنَّ روفينوس جاء إلى مصر حوالي سنة (373م) بمعيّة السيدة ميلانيا الشريفة الرومانية – التي كرّست حياتها بعد ترمّلها لخدمة القديسيو والعاملين في كنيسة الله – وقد قابل عدداً كبيراً من آبائها، وكان أحد تلاميذ القديس ديديموس الضرير[6].

هذا وقد جذبت مدرسة الإسكندرية الكثير من قادة الكنيسة في العالم، فجاءوا إليها ونقلوا منها تُراثها لكي يتتلمذوا عليه، وبلغ شَغف أوسابيوس أسقف قرسيل (بإيطاليا) بكتابات أوريجانوس، ووجد نفسه أنه لم يَر فلسفة حقيقية في غيرها.

د – كثير من رهبان مصر خرجوا من الأديرة إلى العالم، سواء إلى مدرسة الإسكندرية أو بغرض الكرازة حاملين معهم التراث الآبائي.

2 – عصر ظهور المؤرخين الكنسيين:

1- يوسابيوس القيصري (260 -340م)

هو أول مَن سجل تاريخ الكنيسة، وقد عَمَّد الملك قسطنطين الكبير، ورغم ميوله الأريوسية في بعض العقائد (نصف أريوسي)، إلا أنه صاحب فكرة نشر أقوال الآباء وكتاباتهم، يقول في كتابه (التاريخ الكنسي) The Church History of Eusebius (326م) عن هدف كتابات: “هذا هو هدفي أن أكتب تقريراً عن خلافات الرسل (التتابع الرسولي) القديسين، وأن أُشير إلى أولئك الذين في كل عصر نادوا بالكلمة الإلهية سواء كتابة أو شفاهاً، وأيضاً أسماء وأعداد أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدُعاة معرفة وعلم بالكذب”[7].

وقد كان الدافع لهذا العمل هو الهجوم الذي قام به اليهود والوثنيون، حيث اتهموا المسيحيين بأنهم جماعة سُذّجٌ بسطاء ليس لهم فكرٌ ولا علمُ ولا معرفة، فأراد يوسابيوس أن يكشف عن شخصية القيادات الكنسية، فاهتم أن يَذكُر أغلب قيادات الشرق، ويُبرز الجوانب العلمية لهم وكتاباته، وترجماتهم، وتفاسيرهم…. كما سجل لنا مُقتطفات صغيرة جداً من هذه الكتابات، وفعلاً قدّم يوسابيوس قائمة بكل الكُتاب وكتاباتهم، ويُعَدّ عمله هذا من أهم الأعمال حيث إن هناك شخصيات لم يتناول ذكرها أحد غيره.

جاء بعد يوسابيوس مؤرخون كثيرون حاولوا تكملّة عمله مثل: (سقراط Socrates)، و(سوزومين Sozomen) و(ثيؤدوريت Theodoret)… وكانت كتاباتهم مركّزة على الكنيسة الشرقية.

كما قام (روفينوس Rufinus) بترجمة تاريخ يوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية، وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيؤدوسيوس سنة 392م.

2- القديس جيروم Jerome

سجل لنا (جيروم Jerome) تاريخ الأدب المسيحي اللاهوتي في كتاب (مشاهير الرجال) عام (392م) في (135) فصلاً، مستمداً معلوماته من تاريخ يوسابيوس، حتى إنه كرّر نفس أخطائه، وأضاف شخصيات، وحذف شخصيات، في (78) فصلاً منهم، وكان الدافع لهذا العمل أيضاً هو نفس الدافع لكتاب يوسابيوس وبصورة أقوى، وهو قول الوثنيين أمثال: (كيلسوس Celsus)، (بروفيريوس Prophyry)، (يوليان Julian)… بأن المسيحيين ليس لهم في الأدب أو الفكر.

وقد حدّد جيروم في مقدمة كتابه أن مجال عمله هو الآباء، الذين كتبوا عن الكتاب المقدس (رغم أنه شمل لاهوتيين)، وقد نقد القديس أغسطينوس هذا الكتاب، حيث إن جيروم لم يفصل بين الكُتّاب الأرثوذكسيين وبين الهراطقة مثل ذكره لشخصية (تاتيان Tatian)، و(بريسكيليان Priscillian)  و(أونوميس الأريوسيّ)، كما ذكر فلاسفة وثنيين مثل (سينيكا Seneca)، ويهوداً مثل (فيلون) و (يوسيفوس).

ولم يذكر جيروم في كتابه أيّ شيء عن كتابات أغسطينوس التي ظهرت في ذلك الوقت، ولعل هذا هو سر الخلاف بينهما.

ومن الأخطاء المنسوبة لجيروم أنه قد أغفل ذكر شخصيات كبيرة، أو ذكر القليل عن البعض الآخر مثل القديس أثناسيوس الرسولي والقديس باسيليوس الكبير وكبريانوس الأسقف.

فتح جيروم الباب أمام الشرق والغرب في الكتابة عن آباء الكنيسة وكتاباتهم وأفكارهم…

3- جيناديوس Gennadius

حوالي عام 480م كتب (جيناديوس Gennadius) كاهن “مرسيليا” – وهو نصف بيلاجيّ ومع ذلك يُحكم عليه من كتاباته أنه واسع الاطّلاع دقيق في أحكامه) – كتاباً بنفس اسم كتاب جيروم (مشاهير الرجال)، ويعتبر إضافة لعمل جيروم، ولكنه كان عملاً هزيلاً ليس ذا قيمة بالمقارنة بعمل جيروم، شمل 99 فصلاً حتى عام 495م.

4- آخرون

† بعد جيناديوس قام كُتاب كثيرون مثل: (إيسيذوروس Isidore of Serville) (تنيح عام 636م)، الذي اهتم بالكُتّاب الاسبان.

† كذلك في أواخر القرن الحادي عشر، قام راهب بندكتي ببلجيكا يُسمّى سيجبيرت (Sigebert of Gembloux) بالكتابة عن سير الآباء البندكت.

† وفي عام (1122م) كتب (هونوريوس Honorius Ausgusodunum ) باسم الكنيسة المنيرة Luminaaribus Ecclesaia.

† وفي سنة (1494م) ألّف أبٌ لدير بندكتي في (Sponheim)، يُسمى الراهب (جوهانس تريثيموس Johannes Trithemius) كتاباً باسم “الكُتّاب الكنسيون، يحوي سيرة (963) أب مع كتاباتهم، ويستقي معلوماته من كتابات جيروم وجيناديوس، وقد حصل على شهرة فائقة، إذ جمع مكتبة من حوالي (2000) مجلداً.

† أم في الشرق فلم يظهر ما يفيد بأن هناك كُتّاباً سجلوا الكُتّاب الكنسيين، مع ذلك كتب البابا (فوتيوس Photius) بطريرك القسطنطينية (تنيح عام 891م) كتابا مماثلاً تحت عنوان (Photil Bibliotheca) يمتاز بالدقة، وذكر فيه مؤلفين وثنيين.

† وفي الكنيسة القبطية ظهر السنكسار الذي يركز على سير الآباء القديسين، كما اهتم البعض بنسخ كتابات الآباء الأولين، وظهر بعض المؤرخين مثل يوحنا النيقيوسي وغيره.

† وفي عصر النهضة الأوروبية من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر، بدأت التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة لنصوص الآباء، ففي القرن الخامس عشر قام في القسطنطينية (نسيفورس كالستوس) بوضع تاريخ الكنيسة منذ نشأتها حتى عام (911م) معتمداً على كتابات يوسابيوس وأضاف إليه سير بعض الرهبان، وقد عبر عبوراً سريعاً في حديثه عن الكنيسة اللاتينية بعد القرن الخامس الميلاديّ.

3- عصر النهضة العلمية والدراسات النقدية[8]:

† في عصر النهضة (القرن السادس عشر) بدأ الاهتمام بترجمة ونشر كتابات الآباء، إمّا بأعمال فردية للمؤلف أو كمجموعة كاملة، وقد ازدهر هذا العمل جداً في القرن السابع عشر، حيث نَشر (Marguerin de la Migne)، مجموعة كبيرة لأكثر من 200 كاتب في عمله (Bibliotheca Sanctorum Patrum) أُضيفت إليها أعمال أخرى بالتدريج، وقد صارت عام (1616) أربعة عشر مجلداً باسم Patrum (Magna Bibliotheca Veterum) أُعيد طبعها في ليون عام (1677م) في (27) مجلد باسم (Bibliotheca et antiq orum eccelsiasticorum).

† في القرن الثامن عشر قام (A. Galland) بنشر مجموعته في (14) مجلد بفينيس عام (1765 -1781) باسم (Bibliotheca Veterum Patrum).

† في القرن التاسع عشر اغتنت المكتبات بالكتب المسيحية القديمة، وظَهرت الحاجة إلى كتابتها بعد تحقيقها علمياً وتنقيتها من الدخيل عليها من النساخ، وتُعتبر أعظم مجموعة كاملة تلك التي قام بها (Migne) في القرن التاسع عشر باسم (Patrilogiae)، وهي عبارة عن إعادة طبع للنصوص السابق نشرها لتكون في متناول اللاهوتيين وهي عبارة عن مجموعتين:

1- مجموعة الآباء اللاتين (P.L.) طبعة باريس (1844 -1855) وتتكون من (221) مجلداً بها فهارس.

2- مجموعة الآباء الإغريق (P.G.) أي الكتابات اليونانية طبعة (1857 -1866م)، وتتكون من 161 مجلداً وَرد بها ترجمة كاملة باللغة اللاتينية وهي بغير فهارس، وقد تُرجم الكثير من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة من ألمانية وفرنسية وإنجليزية ولهجات عديدة أخرى.

كما توجد مجموعات أخرى تُعتبر ملحقاً لمجموعتي Migne وهي:

1- كُتاب القرون الثلاثة الأولى اليونان المسيحيين، وقد قامت بنشرها أكاديمية برلين عام 1897 مع مُقدمات وفهارس بالألمانية، وقد بلغ عددها (41) مجلداً.

2- (Coprus orum ecclesiasticorum Latinorum) وقد قامت بنشرها أكاديمية فيينا عام (1866) ونُشرت في (70) مجلداً.

3- (Bibliotheca Teubneriana, Leibzig) وتشمل كثير من كتابات الآباء.

4- (The Loeb Classical Library) وقام بنشرها (Rouse, Capps and Page) بلندن ونيويورك، وتشمل الكثير من كتابات الآباء اليونان واللاتين.

5- مجموعة (Patrologia Orientals) قام بنشرها (Nau, Graffin) بباريس عام (1907) في (28) مجلد.

6- (The ante-Nicene Fathers& Nicene and Post-Nicene Fathers) وتشمل ترجمة جميع أقوال الآباء مع غرض لسير هؤلاء الآباء ل (A Clevland Coxe)، وقام بوضعها (Wace & Scgaff) بنيويورك عام (1900) في (37) مجلداً، وهي تُعتبر الأكثر انتشاراً على الإطلاق في العالم كله لدقتها اللاهوتية والعلمية.

† أكاديمية فيينا وبرلين أول من طرقت هذا المجال، فقد طَبعت مجموعة مطبوعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية.

† منذ عام (1951) تُعقد مؤتمرات دولية بصفة استمرارية كل (4) سنوات للدراسات الآبائية في جامعة أُكسفورد بلندن، ويجتمع فيها جميع الدارسين لـ علم الآباء أو الآباء لتبادل الخبرات والدراسات، وينتج عن كل مؤتمر مُجلّد يُوضع فيه نتيجة أعمال المؤتمر، ويقوم مركز الدراسات الآبائية بترجمته.

في القرن العشرين كان الاهتمام أكثر بدراسة تاريخ الأفكار وتاريخ المفاهيم في الكتابات المسيحية القديمة، كما يقول البروفيسور (كواستين Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردي في مصر، قد مَكَّنت العلماء من استعادة الكثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.

ومن مظاهر الاهتمام بذلك انعقاد مؤتمرات آبائية عالمية مثل مؤتمر جامعة أكسفورد بإنجلترا لدراسة الآبائيات سنة (1951م)، وينعقد مرة كل (4) سنوات، كما بدأت مؤتمرات دولية أخرى تُعقد في جامعات أوربا المختلفة، ويُخصص كل مؤتمر لدراسات أحد الآباء، مثل مؤتمر دراسة كتابات أغسطينوس، ومؤتمر دولي للتراث العربي المسيحي في جامعة سيدني بأُستراليا.

علم الآباء في مصر:

† إذ كانت الإسكندرية أكبر مركز هيلينيّ فلسفيّ (مدرسة الإسكندرية الفلسفية)، التزمت الكنيسة منذ عهد القديس مرقص الرسول بإنشاء مدرسة مسيحة قادرة على مواجهة التيار الهيلينيّ القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

† كذلك اهتم الآباء ولا سيما الرهبان بنسخ كتابات الآباء سواء باليونانية أو القبطية أو العربية، فهناك اهتمام كبير في مصر بـ علم الآباء وتاريخ الآباء، منع أنه في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث حمل عُلماء الغرب كنوز أديرتنا إلى مكتباتهم ومتاحفهم وجامعاتهم، وصارت مادة أساسية في قيام علم الآباء…

منها المخطوطات السريانية التي لا تُقدر بثمن، والتي أُخِذت من دير السريان، النصيب الأعظم منها كان للمتحف البريطاني وجزءاً منها لمكتبة الفاتيكان وبعض متاحف أوروبا، رغم ذلك ما زالت المخطوطات والبرديات المصرية تفتح آفاقاً جديدة في علم الآباء – حسب شهادة الغرب – لا تزال حية بالروح الآبائية الأصيلةن نستطيع أن ننتفع بها في الأبحاث العلمية.

† في القرن السابع قام الأنبا يوحنا أسقف نيقيوس بالمنوفية، بكتابة تاريخ آدم حتى نهاية القرن السابع الميلاديّ، وهذا الكتاب كُتب باللغة القبطية، وتُرجم إلى الأثيوبية، وتُرجم من الأثيوبية إلى الفرنسية، وحدث أن فُقدت النسخة الأصلية القبطية وأخيراً صدرت ترجمة عربية لهذا الكتاب عن اللغة الحبشية.

† في القرن العاشر قام الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين بكتابة تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية، بدءاً من عصر مار مرقص حتى القرن العاشر، وكتبه باللغة العربية.

† وُجد مخطوط عربي مشهور من القرن الحادي عشر بعنوان (اعتراف الآباء) يضم تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وطبيعة المسيح، من مخطوطات البطريركية القديمة بالأزبكية، وتوجد نسخ أخرى في المتحف القبطي ودير المحرق وبعض الأديرة الأخرى.

† السنكسار يرجع إلى القرن الثاني عشر، كتبه الأنبا ميخائيل أسقف أتريب ومليج بالمنوفية، وراجعه الأنبا بطرس أسقف مليج، يُقرأ في الكنيسة بعد سفر أعمال الرسل، ويحتوي على سيراً مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية، ولكنه لا يحتوي إلا على القليل من أقوال الآباء.

† في القرن العشرين قام الأرشدياكون حبيب جرجس، بجمع مؤلفات الآباء القديسين من أوروبا منذ العصر الرسولي حتى مجمع نيقية، وعَهد إلى بعض الخدام الأمناء بالترجمة إلى العربية ونشرها في أعداد مجلة الكرمة سنة (1923م)، وقدمها بقوله: “إن كتابات الآباء لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية، لقُرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولي وأقوالهم حُججاً قوية على تعاليم الكنيسة في عصرها الأول”.

† كذلك قام القس مرقص داود بترجمة كتاب (تجسد الكلمة) للقديس أثناسيوس سنة (1946م)، ثم أكمل كتابات القديس أثناسيوس.

† في عصرنا الحالي تُوجد مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر كتابات الآباء حيث تأسست هذه المؤسسة سنة (1979م)، وقد كان للسيد صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في تأسيس هذه المؤسسة، وتنيّح سنة (1986م).

† وفي عام (1991م) تأسس مركز دراسات الآباء، وبلغ عدد نصوص الآباء التي نشرها حتى الآن (138) عملاً، ويقوم المركز بعمل دراسات على هذه النصوص الآبائية المترجمة وتصدر في سلسلة باسم “دراسات آبائية” وصل عددها إلى 32 كتاباً، كما تُنشر مجلة دورة بدأت في يناير (1998م) وهي مجلة نصف سنوية.

اتباع أثر الآباء:

بعد أن تعرفنا على الآباء وعلى كتاباتهم التي كتبوها بإرشاد الروح القدس العامل في الكنيسة، يجب علينا اتباع أثر الآباء في حياتنا، فلا تستطيع الكنيسة أن تعيش دون أن تشرب وترتوي من تعاليم الآباء وحياتهم وكتاباتهم، وهذا ما قاله الله للكنيسة في نشيد الأنشاد “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 1: 8)، وهذا ما يقوله لنا معلمنا القديس بولس الرسول:

” اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 13: 7)، فالآباء هم امتداد للرسل ونحن نفتخر أن لنا آباء، وهذا يتضح من قول القديس أثناسيوس الرسولي للأريوسيين “قد أظهرنا أن فكرنا قد سُلِّم من أب إلى أب، وأما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا (يقصد الأريوسية) فإلى أي أب من الآباء تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم”[9]

اتباع الآباء ليس هو تعلقاً بشخصيات، إنما هو استقاء لكيفية كون هذا الأب عضواً في جسد المسيح الواحد. إنه علم الآباء.

[1] المتنوعات كتاب 51: 1: 11.

[2] القمص تادرس يعقوب ملطي: مفاهيم إيمانية (2): الكنيسة والتقليد، ص9

[3] J. Quasten. Patrology. Vol. 4 ,p.512 ff.

[4] نيافة الأنبا مكاريوس – الأسقف العام: فضيلة النسك الطبعة الأولى –  مارس 2006 م. ص 8، 9

[5] ولد بالقرب من مدينة أكويلا الواقعة على شاطئ البحر الأدرياتيكي بإيطاليا. درس في روما حيث التقى بالقديس جيروم، وكان روفينوس واحداً من مئات الشباب الذين استهوتهم الحياة النسكية فاندمجوا فيها بحرراة، عاش في جماعة نسكية في وطنه، ثم قصد الأراضي المقدسة حيث عاش بضع سنوات منع رهبانها. وحالما وصل رؤفينوس إلى الإسكندرية قصد لفوره إلى الصحراء حيث قابل عدداً كبيراً من آرائها. القمص تادرس يعقوب ملكي – قاموس آباء الكنيسة.

[6] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ح – ص) – 2001 – ص200.

[7] يوسابيوس القيصري – تاريخ الكنيسة 1: 1 – مرجع سابق – ص 9.

[8]  القمص تادرس يعقوب ملطي – المدخل لـ علم الباترولوجي ص 18.

[9] N&P.N.Fathers, 1st ser . Vol. IV p.168

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

القديس جيروم ولاهوت المسيح : هوذا المصلوب إلهي هوذا دياني

القديس جيروم ولاهوت المسيح: هوذا المصلوب إلهي ، هوذا ديّاني!

القديس جيروم ولاهوت المسيح

القديس جيروم ولاهوت المسيح: هوذا المصلوب إلهي ، هوذا ديّاني!

عند صوت البوق الأرض وكل شعبها يكونون في رعبٍ، وأما أنتم فستفرحون. العالم سوف يحزن ويتنهد عندما يأتى الرب ليدينه. قبائل الأرض تقرع الصدور. الملوك القادرون يرتعبون في عريهم. جوبتر مع كل نسله يلتهبون؛ وأفلاطون مع تلاميذه يظهرون أغبياء؛ وبراهين أرسطو تصير باطلة. ربما تكون أنت فقيرًا قرويًا لكنك تتمجد وتضحك قائلاً: “هوذا المصلوب إلهي! هوذا دياني.[1]

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

 

[1]Letters, 14:11.

القديس جيروم ولاهوت المسيح: هوذا المصلوب إلهي ، هوذا ديّاني!

Exit mobile version