الأناجيل المنحولة – ما هي الأناجيل الأبوكريفية (الباطنية) ولماذا رفضتها الكنيسة؟ وهل لهذه الكتابات أية فائدة؟ – د. عدنان طرابلسي
الأناجيل المنحولة – ما هي الأناجيل الأبوكريفية (الباطنية) ولماذا رفضتها الكنيسة؟ وهل لهذه الكتابات أية فائدة؟ – د. عدنان طرابلسي
كلمة أبوكريفا Apocrypha اليونانية تعني “خفي، باطني، مجهول”. وقد سميّت الأناجيل الباطنية بهذا الاسم لأنها مشحونة بلاهوت وأفكار كاتبيها بصورة باطنية خفية تحت غطاء مسيحي خارجي. وقد درج استعمال تعبير الأناجيل المنحولة أيضاً لها إلا أن تعبير الأناجيل الباطنية أدق.
تتأّلف الاناجيل الباطنية من 22 وثيقة منفصلة، عشرة منها كُتبت منها باليونانية والباقية باللاتينية. يمكن تقسيم الأناجيل الباطنية إلى ثلاثة أقسام: 1-الأناجيل المتعلقة بقصة يوسف والعذراء مريم قبل ولادة الطفل يسوع، 2-الأناجيل المتعلقة بطفولة المخلّص، 3-الأناجيل المتعلّقة بتاريخ بيلاطس. أشهر الاناجيل الباطنية وأهمها هي: إنجيل يعقوب، إنجيل توما، وأعمال بيلاطس. كانت معظم هذه الأناجيل مكتوبة مع نهاية القرن الرابع الميلادي.
رفضت الكنيسة المقدسة اعتبار هذه الأناجيل قانونية لأسباب عديدة أهمها:
1- لم تتسلّمها الكنيسة من كتّاب معروفين موثوقين لديها، ولم تدخل في استعمالها فبقيت منبوذة.
2- لم تتفق مع تقليدها ولا مع الأناجيل الأربعة الرسمية المتعرّف بها في العالم المسيحي. فلما قيل لسيرابيون أسقف أنطاكية إنّ هناك إنجيلاً منسوباً إلى الرسول بطرس انصاع للخير. ولما اطّلع عليه وجده مخالفاً للتقليد فرفضه. الهراطقة استعملت هذه الكتابات فبقيت منبوذة.
3- إنها كانت ملوّثة بأفكار غير مسيحية، كالغنوصية أو اليهودية أو الوثنية مثلاً. وفي مجمع ترنت Trent اللاتيني، كان المقياس الأساسي لقبول أي سفر على أنه إنجيل قانوني هو استعماله المديد والشامل (في كل الكنائس وفي كل المناطق) في القراءة العلنية على الملأ. لهذا، إن تّم حديثاً اكتشاف سفرٍ قديم أصيل، فإن هذا السفر لن يُجمع مع الأناجيل القانونية الحالية لأنه لم يُستعمل ولم يُقرأ في الكنائس قديماً، ولأن “قانون” الكتاب المقدس قد أُغلق إلى الأبد.
بالنسبة لأهمية الأناجيل الباطنية، فإنه لا يوجد إنجيل واحد منها يخبرنا بمعلومة واحدة، تاريخية أو سواها، عن حياة الرب يسوع لم تخبرنا بها الأناجيل القانونية. أحياناً، قد تعطينا إحدى الأناجيل الباطنية (خاصة إنجيل توما) شكلاً لإحدى أقوال الرب أبكر من شكله المدوّن في الأناجيل القانونية. تمثّل الأناجيل الباطنية كيف كان مسيحيو القرن الثاني وما بعده، وأشباه المسيحيين من غنوصيين ومتهوّدين وسواهم، يظنّون بالمسيح، وكيف ملئوا تفاصيل تخيلية في سيرة حياته حيث تركت الأناجيل القانونية ثغرات، وكيف جعلوا المسيح ممثلاً وناطقاً للاهوتهم الخاص المختلف عن لاهوت الكنيسة الجامع. لهذا فأهمية الأناجيل الباطنية تنشأ من كونها تعطينا فكرة مهمة.
لفهم المجموعات الدينية التي ظهرت في القرن 2-4 والتي تأثّرت بالمسيحية، ولكنها ليس لها أية قيمة عملية في إعطائنا أية معلومات تاريخية عن الرب يسوع أو عن المسيحية قبل موت القديسين بولس وبطرس في الستينات. فقط القرّاء الذين لا يملكون أي اهتمام بقراءة الأناجيل القانونية (والذين لا تعني لهم هذه الأناجيل شيئاً مهماً لخلاصهم) هم عادة الذين يركضون إثر أي عمل جديد قد يشبع فضولهم ومخيلتهم بافتراض، مثلاً، أن المسيح قد نزل من الصليب، وربما تزوج مريم المجدلية وهرب إلى الهند!
الجدير بالذكر هنا أنه لا يمكن اعتبار كل محتوى الإنجيل الباطني مرفوضاً تماماً. لكن طالماً وُجدت فيه ولو معلومة واحدة خاطئة أو عير مسيحية فإنه يُعتبر، ككلٍ، أنجيلاً مرفوضاً كنسياً. فمثلاً، إن “إنجيل يعقوب Protevangelium of James” الباطني، الذي يعود تاريخه ربما إلى منتصف القرن الثاني، كان معروفاً أكثر من سواه من الأناجيل الباطنية في الكنيسة.
يخبرنا هذا الإنجيل عن مريم العذراء قبل بشارة جبرائيل لها. وعن اسمي والدَي مريم: يواكيم وحنّة (عيدهما في 9 أيلول)، وقصة تقدميها إلى الهيكل في عمر مبكر (عيده في 21 تشرين الثاني). لكن بما أن هذا الإنجيل، وسواه، لم يستوفِ شروط الأناجيل القانونية لهذا لم يُدرَج معها. (د. عدنان طرابلسي)
الأناجيل المنحولة – ما هي الأناجيل الأبوكريفية (الباطنية) ولماذا رفضتها الكنيسة؟ وهل لهذه الكتابات أية فائدة؟ – د. عدنان طرابلسي
ما معنى كلمة انجيل وما هو أصلها؟ – د. عدنان طرابلسي
ما معنى كلمة انجيل وما هو أصلها؟ – د. عدنان طرابلسي
يعني الإنجيل المحتوى الأساسي للوحي المسيحي، أو الأخبار السارة المتعلقة بفداء الإنسان. بهذا المعنى يبدأ القديس مرقس إنجيله “بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله” (مر1:1). الفعل Evangelion يعني “أُحضر الأنباء السارة”، وهو موجود في الترجمة السبعينية. لاحقاً (في القرن الثاني) تمّ استعمال كلمة “إنجيل” لتقصد الكتابات أو الأسفار المتعلقة بالأنباء السارة عن يسوع المسيح.
توجد أربع شهادات عن الأنباء السارة وهي الأناجيل الأربعة (متى، مرقس، لوقا، ويوحنا) بحسب ترتيبها في العهد الجديد وليس بحسب تدوينها تاريخياً. وكلمة “إنجيل” تعني أيضاً العهد الجديد ككل، لأنه جملة الأسفار القانونية المتعلقة بالأنباء السارة عن يسوع المسيح له المجد وعن الخلاص باسمه. أما بخصوص الأناجيل الباطنية (الأبوكرفيا)، فيُرجى مراجعة السؤال متعلق بها في هذا الفصل. د. عدنان طرابلسي
ما معنى كلمة انجيل وما هو أصلها؟ – د. عدنان طرابلسي
مثل وكيل الظلم – كيف نفهم مثل وكيل الظلم المذكور في لوقا 1:16-13؟ خاصة قول الرب: “اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم” (لو 9:16)؟
كيف نفهم “مثل وكيل الظلم” المذكور في لوقا 1:16-13، خاصة قول الرب: “اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم” (لو 9:16)؟
سبّبَ هذا النص صعوبة للمفسّرين منذ الأزمنة الرسولية، ويصوّر المشكلة التي أشرنا إلها في سؤالنا السابق: حتى الآباء يقدّمون لنا تفسيرات مختلفة وأحياناً متناقضة فيما بينها لنص كتابي معين.
المفسّر العظيم أوريجنس الإسكندري (القرن الثالث) اقترح اقتراباً تفسيرياً لهذا النص كان قد قُبل من معظم خلفائه. هذا الاقتراب هو: لا تحاول تحليل كل جانب من المَثَل أو أن تعيّن هوية كل شخصية فيه. بالحري، من المفيد أكثر أن تسعى نحو المعني الروحي للقصة المقروءة ككلٍ واحد.
عادة يأخذ الآباءُ النصّ كوحدةٍ أدبية تشمل إما الآيات 1-9 أو 1-13. أوريجنس يطبق المجاز على عناصر متنوعة من المثَل، فيرى في الصكوك صورة لصكوكنا الخاطئة التي أُعيدت كتابتها بالروح القدس (2 كرونثوس 2:3-3) بمقدار ما “نقترب من صليب المسيح ونعمة المعمودية”.
بالنسبة للقديس أفرام السوري، يجب أن تُقهم الغاية من المثل بوضوح على أنها دعوة للمسيحيين لقَلْب خطيئة آدم “بشراء أشياء لا تنقضي، بواسطة تلك الأشياء الوقتية التي هي ليست لك”. لقد مُدح الوكيلُ الظالم من قبل سيده لاستعماله وسيلةً ظالمة لإنتاج نهاية صالحة. إن أشياء هذا العالم هي بالوراثة “ظالمة” أو “ملطّخة بالخطيئة، مع ذلك علينا أن نستعملها للوصول إلى الثروات الأبدية. (في تحليل القديس أفرام، الانتقال غير واضح بين استعمال آدم لما لم يمكن ملكاً له – وهو ما أنتج “شوكاً ومخاضاً” – واستعمال المسيحيين وسيلة ظالمة لتحقيق النهاية المرجوة).
بالنسبة لأوغسطينوس، إن الغاية من المثل هي أن يشجّعنا على صنع أصدقاء بوسيلة غير بارة حيث عندما تنضب تلك الوسائل (المال)، يستقبلنا هؤلاء الأصدقاء ويقدمون لنا الطمأنينة. على كل فإن الوكيل قد حاول ضمان طمأنينته المادية في هذا العالم، في حين على المسيحي أن يسعى في العالم الآتي. وفي قفزة نوعاً ما غريبة، يستنتج أوغسطينوس أن “مال الظلم” يشير إلى إعطاء الصدقات جواباً على تعليم يسوع: “بِعْ أملاكك وأعطِ الفقراء” (متى 21:19).
أما القديس يوحنا الذهبي الفم، وباهتمامه المعتاد بالفقراء، يأخذ فكر أوغسطينوس هذا ويحوّل المثَل إلى حضّ: استعمال ثروتك الآن على المحتاجين، بحيث تعتمد على مساعدتهم في المستقبل. هذا مبرّر بحقيقة أن كل ثروتنا تأتي من الله وتنتمي إلى الله. لهذا يحوّل التصدّق ممون (المال) الظالم إلى سندٍ للذين في أمسّ الحاجة إليه.
القديس كيرلس الإسكندري أيضاً يفهم المثل على أنه بصورة كبيرة دعوة للمسيحيين ليُشركوا الفقراء بثورتهم. ففي تعليقه على إنجيل القديس لوقا، يربط هذا النص بكلمات يسوع “الأمين في القليل أمين أيضاً في الكثير”. “إن كنتَ غير أمين في مال الظلم، فمَن سيعطيك المال الحقيقي؟”. وبصورة عامة فإن القديس كيرلس يستعمل صور المثَل كنقاط ينطلق منها لتطوير نصائح أخلاقية متنوعة، خاصة المتعلقة بالولاء المتضارب: “لا تقدرون أن تخدموا الله والمال”.
ومن جهة أخرى فإن النقّاد المعاصرين يميلون إلى النظر بصورة أقرب إلى تركيب المثل كما ينقله القديس لوقا لنا. ويعتقد معظمهم أن المثل الأصلي، كما حكاه يسوع، هو مقتصر على 1:16-8 (أو 9). الآيات الباقية (9 أو 10 أو 13) تمثّل تقاليد، سواء أكانت تعاليم أخرى ليسوع، نطق بها بالأصل في مناسبات مختلفة وأُلصقت من قبل الإنجيلي في هذا الموضوع ليتوسَع في المثل، أو أنها نتاج أعضاء من الكنيسة الأولى والذين، بطرق متنوعة، حاولوا استخلاص مغزى المثَل لحياة شعبهم.
المفسّر الكاثوليكي المرموق الأب جوزيف فيتسماير Joseph Fitzmyer على سبيل المثال يرى نهاية المثَل الأصلي في الآية 8أ (“فمدح السيدُ وكيلَ الظلم إذ بحكمةٍ فعل”). وتمثّل الآيات 8ب-13 إذاً أقولاً أخرى ليسوع – أو عظات في الكنيسة الأولى مبنية على تعاليم يسوع – تقف على حدي إلى جانب المثل الأصلي[1].
يعتقد فيتسماير في تفسيره أن الوكيل، عندما أمر بإنقاص كمية الديون، كان في الحقيقة يحذف عمولته، هكذا لم يفعل أي شيء ظالم نحو سيده وبالتالي استطاع أن ينال مدح سيده بسبب إحضار ما كان مستحقاً. أما بالنسبة للمعنى النهائي للمثل فيوضح فيتسامير: “إن استحسان السيد يتم بناء على حكمة الوكيل الذي أدرك أفضل وسيلة لاستعمال الممتلكات المادية التي كانت له لتأمين ضمانه المستقبلي.
إن الوكيل غير الأمين إذاً يصير نموذجاً للتلاميذ المسيحيين، ليس بسبب عدم أمانته (سوء تدبيره البدئي أو إسرافه)، لكن بسبب “حكمته”. تلك الحكمة هي بالتالي نموذجاً لاتباع يسوع لكي يحاكوها، لكي عندما تنضب أشياء هذا العالم (بالخسارة أو بالموت)، عندئذ يتم الترحيب بهؤلاء الأتباع في ملكوت الله.
أما بالنسبة لأقوال الملحَقة، فإن فيتسماير يقسّمها إلى ثلاثة أو أربعة تعاليم منفصلة: 8ب، 9 (أو 8ب-9)، 10-12، و 13، وقد ألحقها القديس لوقا بهذا المثل بسبب الموضوع العام المتعلق بالثورة والمسؤولية (الحصافة).
يبدو هذا أنه إعادة البناء الأكثر احتمالاً للمادة الأصلية بعد أن أُعيد ترتيبها وتحريرها من قبل الإنجيلي. علينا أن نتذكر أنه مثل كل مؤلّفي العهد الجديد، فإن الهدف الرئيسي للوقا كان إعلان إنجيل يسوع المسيح، وليس إعادة إنتاج تعاليم يسوع في ترتيبها الزمني الصحيح. هكذا يمكنه أن، وهذا ما فعل، يحرّر مادته التي استلهما بطريقة معينة بحيث تنتقل ما فهمه (بواسطة إلهام الروح القدس) على أنه جوهر تعليم يسوع (الأب جان بريك).
“كما في الفردوس، فإن الله يسير في الأسفار الإلهية يطلب الإنسان” (القديس أمبروسيوس)
“يا رب، إن اليهود حكموا عليك بالموت يا حياة الكل، والذين أجزتهم البحر الأحمر بالعصا سمّروك على صليبٍ، والذين أرضعتهم من الصخرة عسلاً قدّموا لك مرارة، إلا أنك احتملتَ كل ذلك طوعاً لكي تُتقنا من عبودية العدو أيها المسيح المجد لك” (خدمة الساعة الثالثة، يوم الجمعة العظيم)
[1] J. Fitzmyer: The Gospel According to Luke X-XXIV, Anchor Bible, New York: Doubleday, 1985.
تناقضات بين التفسير الآبائي وتفسير العلماء للكتاب المقدس
تناقضات بين التفسير الآبائي وتفسير العلماء للكتاب المقدس
كيف يمكننا التغلب على أية تناقضات بين التفسير الآبائي للكتاب المقدس وتفسير علماء الكتاب أنفسهم؟
الأجوبة السابقة تناولت هذا الموضوع بصورة كبيرة ويمكنك قراءة موضوع ما هي الأساليب الأرثوذكسية في التفسير الكتابي؟. توجد في الحقيقة تشعبات كثيرة جداً في الأسلوب وبالتالي في النتيجة بين آباء الكنيسة وبين الذين يمارسون التفسير الكتابي اليوم. ففي كثير من الأوساط البروتستانتية والكاثوليكية تمّ وضع النبرة بصورة رئيسية على ما يدعوه الآباء المعنى “الحرفي” للنص، المُدرَك بالبحث التاريخي – النقدي. يسعى هذا إلى الإجابة على أسئلة أولية مثل: “مَن، ماذا، أين، ولماذا”، متعلقة بإنجيل معين أو رسالة معينة.
بدأ آباء الكنيسة عملهم بالتفسير الكتابي بحثاً عن المعنى الحرفي، مطبّقين الأساليب التاريخية – النقدية الدارجة في يومنا الحالي. إن المفسّرين العظماء من القرنين الرابع والخامس من مدرسة أنطاكية التفسيرية (ديودورس أسقف طرسوس، ثيؤذورس أسقف مبسوستيا “المصيصة”، ثيؤذوريتوسٍ أسقف قروش، والقديس يوحنّا الذهبي الفهم) قد اعتمدوا على علوم الفلسفة والآثار والنقد الأدبي وما شابه، لتفسير وتبشير الكلمة الكتابية، تماماً كما يفعل علماء الكتاب اليوم.
مع ذلك ميّزوا حقيقةً غالباً ما تغيب عن المفسّرين المعاصرين: حقيقة أن التفسير الكتابي يجب أن يسعى لا إلى المعنى الحرفي فقط، بل أن يكون هدفه الحقيقي هو أن يتبيّن معنى أسمى وأكمل، يُشار إليه بـ “المعنى الروحي” للكتاب. فخلال العصور الوسطى اللاتينية، ميّز المفسّرون ما بين معانٍ عديدة “روحية” كهذه: خريستولوجية (مبيّنة بالأسلوب بحسب النموذج)، وأخلاقية (مبيّنةً بالأسلوب بحسب المجاز)، وأخروية (تتعلق بالمطاف النهائي لحجّنا الروحي نحو ملكوت الله).
بالنسبة للآباء، هذه المعاني الثلاثة الأخيرة هي الأهم، لأن ما هو حاسم من أجل خلاصنا إنما هو هذه المعاني وليس مجرد تصريحات عن حقيقة تاريخية. وبالتالي، كان الآباء أقل اهتماماً من المفسّرين المعاصرين بما “حدث فعلاً” أو بمستوى الحقيقة القابلة للتحقق منها في القصص الكتابية. لقد أخذوا تقاليد مثل المذكورة في تكوين 1-11 على ما هي تقريباً، وهو أمر لا يأخذ به معظم الناقدين الكتابيين المعاصرين (خوفاً من اتهامهم بأنهم “متطرفون” أو “حَرْفيون”).
لكن قراءتهم “الحرْفية” للكتاب المقدس يجب ألا تُخلَط مع نوع القراءة الحرْفية الموجودة في أوساط مسيحية محافظة معينة في يومنا الحالي. “المتطرفون” اليوم يعتقدون بشكل عام أن الكتاب المقدس قد تمّ إملاؤه على الكتبة، كلمة كلمة، بالروح القدس. لم يشارك آباء الكنيسة سوء الفهم هذا، لأنهم احترموا مبدأ “التعاضد”. فالله والمؤلّف البشري “يتعاضدان” في إنتاج النصوص الكتابية، فعمل الروح القدس ليس أن يُملي بل أن يوجّه الحدثية الفكرية للمؤلّف بحيث لا يقدّم شيئاً سوى كلمة الله، الحقيقة، التي يكشفها الله من خلال الأسفار المقدسة من أجل خلاصنا.
عندما ينكر بعض العلماء الكتاب المعاصرين التعاليم الكتابية الأساسية، بناء على أن “العلم” قد أظهر أن هذه التعاليم لا يمكن الدفاع عنها، عندئذ يجب على الأرثوذكس أن يرفضوا خلاصاتهم. الكثير من أمثال هؤلاء العلماء اليوم ينكرون الولادة العذرية أيضاً، ويعتقد البعض أن القيامة هي مجرد قصة تقوية، تمّ اختراعها من قبل الكنيسة الأولى للتأكيد على أن يسوع هو “حقاً حيٌ في قلوبنا”.
إن التفاسير المماثلة لهذه تنتهك الشهادة الكتابية، وبالتالي يجب أن تُرفض. لا يمكننا البرهان أن تلك الشهادة هي صحيحة تاريخياً، بالطبع. لكن كتبة الأسفار الكتابية كانوا مقتنعين بدون شك بأن ما كانوا يسردونه، في شكل النبوات والقصص التاريخية والأناجيل والرسائل والرؤى، هو حقيقي بصورة مطلقة.
ومن جهة أخرى، علينا أن ندرك أن الآباء كثيراً ما يختلفون فيما بينهم حول التفسير الصحيح لنص كتابي معين. “التناقضات” نشأت فيما بينهم أيضاً. لهذا السبب نؤكد أن التفسير الكتابي يجب أن يستمر في حياة الكنيسة. ففي كل جيل، يؤمّن الروح القدس برؤية جديدة وطرق جديدة لفهم كلمة الله من أجل يومنا الحالي. هذا لا يعني أن محتوى وحقيقة الكلمة يتغيّران.
إنه يعني أننا نحتاج لقراءة وإعادة قراءة الأسفار الإلهية في موقف صلاة يتطابق مع الكلمات التي خاطب بها القديس أفرام السوري رهبانه والتي سبق وذكرناها: “كلما أمسكتم بالكتاب المقدس، صلّوا والتمسوا إلى الله لكي يكشف نفسه لكم”. (الأب جان بريك).
“ثابر على دراسة الإنجيل حتى نهاية حياتك. لا تتوقف أبداً. لا تظن أنك تعرف بما فيه الكفاية، حتى ولو كنت تعرف (الإنجيل) كله عن ظهر قلب” (القديس إغناطيوس بريانتشانينوف)
“لقد كنتَ في القبر بالجسد، وفي الجحيم بالروح بما أنك إلهٌ، وفي الفردوس مع اللص، وعلى العرش مع الآب والروح، ملئاً الكلً، أيها المسيح المنزّه عن أن يكون محصوراً” (القداس الإلهي)
تناقضات بين التفسير الآبائي وتفسير العلماء للكتاب المقدس
دراسة كتابية لاهوتية عن معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى د. عدنان طرابلسي
دراسة كتابية لاهوتية عن معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى د. عدنان طرابلسي
معمودية الاطفال مسألة كانت وما زالت تستأسر بالكثير من النقاش والجدل والدراسة، وبخاصة أن الكثير من الفئات ترفض معمودية الاطفال وتعتبرها باطلة وتعيدها. لهذا نرى كل فريق يحاول جاهداً أن يُثبت صحة رأيه وموقفه انطلاقاً من العهد الجديد أولاً ومن إفتراضات لاهوتية ثانياً. والحقيقة أن الخلاف الرئيسي الأول بين مؤيدي معمودية الاطفال ورافضيها هو في طبيعة إيمانهم في المعمودية ولاهوتها بصورة عامة.
فإن آمن المرء (كما هي الحال في الإيمان الأرثوذكسي – الكاثوليكي) بأن المعمودية هي الولادة الثانية الروحية، وأنها إستنارة وغفرانٌ للخطايا ولبسٌ للمسيح وانتماءٌ إلى جسد المسيح، أي الكنيسة، فسيجد رفض معمودية الأطفال أمراً يتنافى مع لاهوت المعمودية هذا وجريمة بحق الأطفال.
أما إن كان المرء يؤمن بأن المعمودية هي مجرد رمزٍ لقبول المسيح مخلّصاً شخصياً وللإنضمام العلني إلى جماعة المؤمنين، وأنها ليست الولادة الثانية الجديدة ولا تمنح غفران الخطايا ولا يتوسطها الروح القدس، بل هي مجرد شعيرة كنسية تُمارس فقط لأن السيد في نص إنجيلي صريح أمر بإقامتها، فلن يجد معمودية الأطفال أمراً ضرورياً أو حتى منطقياً. بما أن جميع أعداء معمودية الأطفال مغرمون بالاقتباس من العهد الجديد في دحضهم لمعمودية الأطفال، فيجب علينا منذ البداية أن نلاحظ الملاحظات التالية المتعلقة بإستعمال العهد الجديد في نقاش معمودية الأطفال:
1- العهد الجديد كُتب في حالة البشارة المسيحية، لهذا ليس مستغرباً أن نلاحظ منذ البداية ان كل مقولات العهد الجديد في المعمودية بدون إستثناء هي مقولات تتعلق بالمعمودية المُقامة أثناء البشارة المسيحية أي معمودية اليهود واليونانيين المنضمين إلى الكنيسة المسيحية. لهذا فمقولات العهد الجديد المتعلقة بالمعمودية وإهتداء البالغين ومعموديتهم هي قائمة في وسط هذه الصورة.
لهذا فالبالغون المنضمون إلى الكنيسة هم الذين ينالون الإهتمام لدى ذكرهم وليس الأطفال الذين – إن صح التعبير – يختفون في حضن العائلة المنضمة إلى الكنيسة المسيحية. هذا يجعل أكثر صعوبة الإجابة على السؤال: أكان أطفال البالغين المهتدين إلى المسيحية يُعمّدون مع والديهم أم لا؟
2- العهد الجديد كُتب لغاية معينة وبطريقة معينة يقول عنها القديس يوحنا الإنجيلي: “وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح أبن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة بإسمه” (يوحنا20: 30-31). لهذا لم تكن معمودية الأطفال موضع جدل ونقاش أثناء كتابة أسفار العهد الجديد، وبالتالي لا نجد إلا إشارات غير مباشرة عنها في العهد الجديد.
هذه الإشارات لا تدل على إنها لم تكن قيد الممارسة في أزمنة العهد الجديد. على العكس تماماً، لو كانت معمودية الأطفال موضع جدل ونقاش وشك لكان كتبة العهد الجديد (خاصة رسائل بولس) قد ذكروا شيئاً عنها أسوة بالأمور الأخرى التي سببّت خلافات في الكنيسة الأولى. عدم ذكرهم لها معناه أنها كانت ممارسة عادية روتينية في الكنيسة الأولى.
3- لم يكن العهد الجديد كتاب طقوس وشعائر مثل بعض أسفار العهد القديم. لهذا، لم يهتم كتبة العهد الجديد بذكر تفاصيل العبادة المسيحية والطقوس والصلوات، إلخ. مثلاً، العهد الجديد ذكر أن المعمودية تتم “بإسم يسوع المسيح لغفران الخطايا” (أع2: 38)، وأنها تتم بإسم الثالوث القدوس (متى28: 19). كيف نمارس المعمودية إذن؟ طالما لم يوضح العهد الجديد هذه النقطة فلا بد من العودة إلى الكنيسة الرسولية الأولى، أي كنيسة العهد الجديد نفسها، ونشاهد كيف مارست الكنيسة المعمودية. هذه القاعدة تنطبق على كل تعليم مسيحي وممارسة مسيحية.
إذا كان هذا التعليم (أو هذه الممارسة) غير واضح في العهد الجديد، فلا بد من الإحتكام إلى الكنيسة الرسولية. أما إذا أتينا لاحقاً بتعليم أو لاهوت أو رأي معين، وكان هذا التعليم أو اللاهوت مخالفاً لتعليم الكنيسة الأولى وللاهوتها، فنكون على ضلالٍ ونشق أنفسنا عن جسد المسيح، أي عن الكنيسة الرسولية الواحدة الجامعة القدوسة.
الأمر نفسه بالطبع ينطبق على معمودية الأطفال: أن كان البعض يعتقد بأن معمودية الأطفال امرٌ غير صحيح لأي سبب من الأسباب، وإن كان العهد الجديد لم يذكر هذه النقطة صراحة وبصورة مباشرة، فلا بد من الإحتكام إلى الكنيسة، فإذا كانت الكنيسة الأولى قد آمنت بضرورة تعميد الأطفال بغض النظر عن عمرهم، وأن كانت قد مارست هذا الإيمان منذ الأزمنة الرسولية، وإن كانت الكتابات الآبائية والشواهد التاريخية كلها تدل على ذلك، فإن أعداء معمودية الأطفال يضعون أنفسهم على خلاف مع الكنيسة الرسولية وينشقون عنها. فكل من يخرج عن تعليم الكنيسة هو ضالٌ ولو كان ملاكاً من السماء أو بولس الرسول نفسه (غلا1: 8-9).
4- علماء الكتاب المقدس حاولوا دراسة معمودية الأطفال في الكتاب المقدس فتوصّلوا إلى نتائج مختلفة رغم إدعاءاتهم بإستعمال أسلوب “علمي موضوعي”. لهذا، عند التدقيق في دراسات علماء الكتاب المقدس في المعمودية، يجب أن نميّز الخلفية الكنسية لكل منهم ونقارن نتائج دراسته مع لاهوت المعمودية في الكنيسة الأولى. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أذكر المثال الذي ذكرته في السؤال السابق المتعلق بمعاني المعمودية. يوجد كتابان كل منهما معنوّن ” المعمودية في العهد الجديد”.
مؤلف الكتاب الأول عالم كتاب مقدس مرموق جداً وبروتستانتي، وهو أوسكار كولمان[1]. مؤلف الكتاب الثاني[2] عالم كتاب مقدس مرموق جداً وبروتستانتي (معمداني)، وهو G.R. Beasley-Murray. إذاً يتساوى الأول والثاني من حيث التصنيف العلمي والإيماني مبدئياً.
لكن من يقرأ الكتابين يستنتج بسهولة أن معمودية الأطفال، بحسب العهد الجديد، كانت تُمارس أيام العهد الجديد بحسب دراسة الأستاذ كولمان، ولم تكن تُمارس أيام العهد الجديد بحسب دراسة المؤلف الثاني! الدراستان مبنيتان على الكتاب المقدس. من هنا نستنتج أن نصوص الكتاب المقدس وحدها لا تكفي في كثير من الأحيان، ولا بد من الإحتكام إلى تعليم الكنيسة على مر العصور.
أخيراً، للمزيد من التوسع في هذا الموضوع، أحيل القارئ الكريم هنا إلى المراجع السابق ذكرها بالإضافة إلى دراستين أخريتين في معمودية الأطفال[3]. إذاً، العلم الكتابي الصرف Scholasticism Biblical لا يكفي في كثير من الاحيان للإجابة على الكثير من الأسئلة اللاهوتية[4]. يبقى ضرورياً أن نعود إلى اللاهوت العقائدي المبني على الآباء وخبرة الكنيسة وممارستها وعلى الإجماع الكنسي عبر العصور في كل زمان ومكان. هذه المقدمة الضرورية تعني أن الإجابة على سؤال معمودية الأطفال أمرٌ صعبٌ.
فلا بد من دمج الشواهد الكتابية (غير المباشرة) بالشواهد الكنسية الأولى والشواهد التاريخية والآبائية (كلها شواهد مباشرة)، وذلك حتى نجيب على السؤال هنا: هل كانت الكنيسة الأولى تعمّد الأطفال؟ وبالتالي أمعمودية الأطفال ضرورية أم لا؟ قبل مناقشة العهدين القديم والجديد، يجب أن نناقش عدة نقاط تاريخية وكتابية متعلقة بمعمودية الأطفال. سأختصر قدر الإمكان هنا، إلا أنني مضطر للتوسّع أحياناً حتى نغطي معظم النقاط المتعلقة بهذا الموضوع ويمكن مراجعة مصادر البحث.
أولاً- صيغة “أهل البيت”: هنا يجب ان نلاحظ النصوص التي تتكلم عن إهتداء ومعمودية “كل البيت” (اكور1: 16 ؛ أع11: 14 ؛ أع16: 15 ، 16: 33، 18: 8؛ اكو1: 16). من المتعارف عليه أن صيغة “أهل البيت” هي كما يُظهرها القديس إغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى أهل إزمير: “أصافح بيوت إخوتي مع نسائهم وأولادهم” (13: 1)[5]. أي الأب والأم من أهل البيت والأطفال من كل الأعمار. هذا يشمل أيضاً الأقارب الذين يعيشون في البيت نفسه مع جميع الخدم لأنهم ينتمون غلى أهل البيت.
بما أن صيغة “أهل البيت” في المجتمعات القديمة تشمل جميع أهل البيت مع الأطفال من جميع الاعمار، هذا يعني أنه من غير الممكن تعميد أهل بيت أي إنسان ينضم إلى الكنيسة بدون تعميد أي طفل من أهل البيت مهما كان عمره (مثل كرنيليوس وحارس السجن في فيليبي وليديا وكريسبس رئيس المجمع واستفانوس). إن تعابير العهد القديم تؤكد هذا الإستنتاج.
ففي العهد القديم صيغة “وأهل بيته” بشكل أو بآخر ودراسة هذه الصيغة أدت بالباحث ستاوفرStauffer إلى إستنتاج أنه منذ الأزمنة الأولى كانت توجد صيغة كتابية ثابتة “أهل البيت oikos” التي “لم تشر فقط إلى الأطفال بالإضافة إلى البالغين ولكن كان لها إشارة خاصة جداً للأطفال، وحتى لأصغر الأطفال الذين كانوا ربما موجودين”.
من الأمثلة البارزة في العهد القديم مثلاً (1صمو22: 16)، (راجع الآية التي تشير إلى الأطفال والرضّع)، وايضاً (تكوين45: 18)، (راجع الآية 19). وأيضاً (1صمو1: 21)، (راجع بشكل خاص الآية 22 التي تشير إلى رضيع غير مفطوم بعد). من هنا نرى بوضوح وبصورة خاصة مثلاً التعليمات المعطاة في شأن الختان كيف أن صيغة “أهل البيت” تؤكد أو تضع نبرة خاصة على شمل أصغر الأطفال: “كل ذكر من أهل بيت إبراهيم وخُتن لحم غرلتهم” (تك17: 23). أي كل الأعضاء الذكور من أهل البيت وحتى الرضع الذكور من عمر 8 أيام.
إذا عدنا إلى العهد الجديد يجب أن نتذكر أولاً أن صيغة “أهل البيت” هي صيغة مبكرة جداً في العهد الجديد وتحدث في سنة 54م من قبل بولس في (1كور1: 16)، وتوجد بصورة مستقلة عن بولس في (لوقا) وبالتالي تعتبر هذه الصيغة صيغة ما قبل (بولس). وهكذا تأتي هذه الصيغة في زمان حيث غالبية أعضاء الكنائس كانوا من المجامع.
إذا فهمنا هذا نتفق مع (ستاوفر) بأن صيغة “أهل البيت” في العهد الجديد هي مستقاة من لغة العهد القديم الطقسية وبصورة خاصة من التعابير المتعلقة بالختان التي أدخلت في اللغة الرسمية المستعملة في الطقس المسيحي البدئي للمعمودية، ولها شكل ومعنى الصيغة الكتابية القديمة أي أنها تشمل الأولاد الصغار بالإضافة إلى الآخرين.
هذا لا يعني وجود اطفال صغار في كل حالة من حالات معمودية أهل البيت، لكن يعني أنه: إن كان يوجد أطفال (مهما كان عمرهم) في بيت دخل فيه الوالدان في المسيحية، فإن كل الاطفال في هذا البيت كانوا يعمّدون (بغض النظر عن عمرهم) مع الكبار البالغين في الوقت نفسه. وأيضاً، تعني أن بولس ولوقا لم يمكنهما بأي ظرف من الظروف إستعمال أو تطبيق صيغة “أهل البيت” في كتاباتهما لو رغبا القول إن البالغين فقط هم الذين كانوا يُعمّدون. هذا الإستنتاج يتفق مع مفهوم العائلة كوحدة متماسكة في مجتمع العالم القديم.
فالقرارت المهمة يأخذها رب العائلة وهو الرجل عادة وجميع افراد العائلة ملتزمون بها. وخاصة بالنسبة لعلاقة العائلة بالله، كانت العائلة تتصرف كوحدة واحدة “أما أنا وأهل بيتي فنعبد الرب”. لهذا كان من الطبيعي بالنسبة لعقلية العالم القديم أن يعتبر إيمان والد أهل البيت هو العامل الحاسم في توجيه إيمان جميع اهل البيت. فإذا اعتنق رب العائلة المسيحية فالمعهود ان تتبعه العائلة. (أعمال16: 30-34) يعطينا مثالاً موضحاً عن الدور الذي كان يلعبه والد اهل البيت عندما كانت العائلة تغّير دينها.
فمثلاً: إن حارس السجن يسأل بولس وسيلا: “يا سيدي، ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟. فقالا: آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك… إلخ”. فاهتداء رب البيت إلى المسيحية يعني خلاص أهل البيت وعلة الفرح لجميع أعضاء أهل البيت. الامر نفسه في (أعمال16: 14) بحالة ليديا التي كانت أرملة وكانت هي ربة أهل بيتها ورأسه.
وإذا أخذنا بعين الإعتبار تماسك العائلة نجد مع كولمان أن لوقا في ذكره لقصة ليديا وإعتمادها مع أهل بيتها يشير إلى أن المهم هو تماسك العائلة في المعمودية وليس القرار الفردي لعضو واحد في العائلة هو المهم في تقرير معمودية أهل البيت. لهذا من غير المنطقي أن تتصور أن معمودية أهل البيت لم تكن تشمل كل اعضاء اهل البيت. بما فيهم الاطفال من كل الاعمار.
نستنتج إذاً: المعمودية في الكنيسة الأولى كانت سراً أخروياً وكان يعني ان الشخص المعتمد يُختطف أو يُفرز من العالم (يُقدّس) ويُسلّم إلى دينونة الله الوشيكة الحدوث (أعمال2: 38؛ كولوسي1: 13) وكان يُدخَل في شركة المفتدين بعمل المسيح الخلاصي. لذلك من غير المحتمل على الإطلاق إنقسام العائلات التي تنضم إلى الكنيسة بسبب الاختلاف في الاعمار بين افرادها.
لاهوتياً إن قبول فكرة كون الاطفال يُعمّدون كأعضاء في العائلة التي تنضم إلى الكنيسة هي فكرة مهمة جداً، لأن الاطفال لم يكونوا يعتبرون في الكنيسة الأولى كوحدات منعزلة بل كان البيت بشكل عام يعتبر وحدة واحدة في عين الله. إيمان رب أهل البيت هو إيمان اهل البيت (إيمان الام والاطفال).
ثانياً- معمودية الدخلاء والمعمودية المسيحية الأولى: معمودية الدخلاء إلى اليهودية هي معمودية الوثنيين الداخلين على اليهودية. بما أنه توجد تشابهات كبيرة في طقس وطريقة ممارسة معمودية الدخلاء إلى اليهودية وبين المسيحية الأولى، لذلك من المهم أن نعرف ماذا كان يحدث للاطفال في معمودية الدخلاء. غن مناقشة تاريخ إدخال معمودية الدخلاء هو خارج نطاق هذه الدراسة، ويمكن للقارئ مراجعة كتاب جيريمايا (ص24-28).
يتفق جميع الدارسين على أن تاريخ إدخال معمودية الدخلاء يعود إلى فترة ما قبل المسيحية. يوجد تشابه كبير بين المعموديتين خاصة من حيث استعمال الالفاظ، ففعل “يعمّد” ومشتقاته مأخوذ من اليهود المتكلمين اليونانية. أيضاً عند ممارسة المعمودية توجد تشابهات في تعليمات المعمودية. يمكن مراجعة هذه التشابهات في دراسة جيريمايا في كتابه الخاص بمعمودية الاطفال السابق الذكر.
إن التشابهات بين المعموديتين هي في الالفاظ، والتعليمات المعطاة للمعتمد قبل المعمودية وبعدها، والمفهوم المتعلق بالمعمودية بحد ذاتها[6]. مع وجود هذه التشابهات بين المعموديتين، يبرز السؤال فيما إذا عمدّت الكنيسة الأولى الاطفال بالإضافة إلى البالغين عند تغيير دينهم. هذه النقطة متعلقة بموضوع معمودية اطفال الدخلاء. جيريمايا أوضح أنه بالنسبة لمعمودية الأطفال في الكنيسة الأولى إن كل الدلائل تشير إلى أنه في حالة الأمم الداخلين إلى المسيحية، فإن الأطفال من كل الاعمار (بما فيهم الرضّع) كانوا يُعمّدون. بولس الرسول في (كولوسي2: 11) يؤكد هذه النقطة.
فبولس هنا يُسمّي المعمودية “الختانة المسيحية” ويصفها بأنها السر المسيحي الذي يحلّ محل الختانة اليهودية ويُستبدل بها. وفي (2كور1: 22) أيضاً (أفسس1: 13 و4: 30) فإنه ينقل صفة الختانة ك “ختم” (رو4: 11) إلى المعمودية. وبما أن الختانة كانت تتم على كل الاطفال في عمر الثمانية أيام، الذين هم أعضاء في البيت الوثني الذي كان يدخل إلى اليهودية، فإن وصف المعمودية على أنها “الختانة المسيحية” يدل على أن الأسلوب المتبع في المعمودية كان نفسه المتبّع في الختانة، أي أن كل الأطفال من كل الاعمار كانوا يُعمّدون عندما كان والدوهم يقبلون الإيمان المسيحي.
ثالثاً- معمودية أطفال الأهالي اليهود الداخلين إلى المسيحية: في (أعمال الرسل2: 38-39) في عظة بطرس يوم العنصرة: “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على إسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس. لأن الموعد هم لكم ولأولادكم…” . يناقش جيريمايا هذه الآية ويتساءل: مَن هم “الأولاد” المقصودون هنا؟ أهم اولاد الأجيال اللاحقة أم أولاد الجيل الذي كان يسمع لبطرس؟
وإذا أ خذنا بعين الاعتبار توقّع الجيل المسيحي الأول لنهاية العالم بسرعة، نجد أن المقصود من “الأولاد” هنا هو أولاد الجيل الذي كان يصغي لبطرس، وبخاصة وأن تاموعد المذكور في الآية 39 هو الموعد المُعطى بيوئيل النبي القائل: “ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي على كل بشرٍ فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم رؤى” (يو2: 28).
إذاً “الأولاد” المذكورون في عظة بطرس ليسوا أولاد الأجيال اللاحقة بل أولاد الجيل الحالي المعاصر الذي كان يصغي لبطرس. وبما أن عطية الروح القدس (2: 38) مرتبطة بالمعمودية فإن (أعمال2: 39) تدلّ بصورة غير مباشرة على معمودية الأطفال.
يستنتج جيريمايا أنه في (أعمال2: 38) فما بعده لدينا شهادة على ممارسة الكنيسة الأولى لمعمودية الأطفال في الأزمنة الرسولية. ولكنه يقول: تحدّى البعض هذا الإستنتاج بالقول على الأولاد أن يكونوا بالغين أو قادرين على التوبة (المذكورة في أع2: 38) وعلى تنبؤ (أع2: 17). يقول جيريمايا إن هذا التحديد غير محتمل لأن الخلاص من الدينونة النهائية الحادث بالمعمودية (2: 40 و2: 21) يستثني أي تحديد للعمر. إذاً، (أعمال2: 38-39) تدل بصورة غير مباشرة على معمودية أطفال أهالي اليهود الداخلين إلى المسيحية.
رابعاً- معمودية أطفال الأهالي الوثنيين الداخلين إلى الكنيسة: سنرى لاحقاً أنه توجد شهادات لا يُرقى إليها شك على معمودية أطفال العائلات التي تتقبل الإيمان المسيحي. هذه الشهادات الآبائية تؤكّد النقطة الإنجيلية المتعلقة بمعمودية “أهل البيت” بكامله (كما في أعمال11: 14 و16: 15 و16: 33 و18: 8 و1كور1: 16). هذه الشهادات من الشرق والغرب تشمل هيبوليتوس الذي يذكر أن معمودية الأطفال تعود إلى عهد أقدم من عهده (حتى القرن 2 م)، وأن العائلات كانت تُعمّد في عيد الفصح، الأولاد أولاً بما فيهم الرضّع الذين لا يستطيعون الكلام (للإجابة على أسئلة المعمودية) ومن ثم البالغين (الذكور أولاً).
وأيضاً تشمل ترتليانوس في أفريقيا في القرن الثاني الذي يذكر معمودية الأطفال وكان أول من ذكر دور العرابين وإشتراكهم في طقس المعمودية. وأخيراً كتابات كلمندس المنحولة في سوريا التي تحمل شهادة غير مباشرة على أن العائلات لم تكن تنشطر بمعمودية بعض أفرادها دون سواهم، بل كان كل أعضاء العائلة بكاملها يُعمّدون بغض النظر عن عمرهم.
خامساً- معمودية أطفال الأهالي المسيحيين: ماذا فعلت الكنيسة الأولى عند ولادة طفل لوالدين مسيحيين؟ هل كان هذا الطفل يُعمّد مباشرة أو كانت المعمودية تؤجّل؟ هل كانت تُلغى؟ في دراسة هذا الموضوع يقول جيريمايا إن الممارسة كانت مختلفة في الاوساط المسيحية من أصل يهودي عنها في الأوساط المسيحية من أصل أممي، لأن الممارسة كانت مختلفة بالنسبة للختان. فالمتهوّدون الذين كانوا يطالبون المسيحيين الأمميين بالختانة أولاً (غلا5: 2 وأع15: 1) بدون شك كانوا يختنون أطفالهم الذكور.
دراسة كتابية لاهوتية عن معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى د. عدنان طرابلسي
السؤال هل كانوا يعمّدونهم بالإضافة إلى الختانة؟ هل كانوا راضين بالختانة فقط؟ كانت الأمور مختلفة في الوسط المسيحي الأممي. ففي مناطق بشارة بولس: الأولاد المولودين من زواج مسيحي لم يكونوا يُختتنون. وفي حالة أولاد الوالدين من أصل أممي فإننا نتعلّم هذا من (غلا5: 2)، وفي حالة الأولاد من أصل مسيحي يهودي فإن هذا مؤكد في (أعمال21: 21).
السؤال هنا هل كانت المعمودية – ختانة المسيحي كول2: 11 – هنا طقساً بديلاً للختانة؟ توجد أسئلة عديدة هنا وبدون شك توجد ثلاثة نصوص من العهد الجديد تلقي ضوءاً على ما كان يُمارس بخصوص المعمودية في حالة الأولاد المولودين لوالدين مسيحيين. هذه النصوص الثلاثة هي (1كور7: 14، أعمال21: 21) و (مرقس10: 13-16) وموازياته.
1- 1كور7: 14: “لأن الرجل غير المؤمن مقدّس في المرأة، والمرأة غير المؤمنة مقدّسة في الرجل، وإلا فأولادكم نجسون، وأما الآن فهم مقدّسون”. هذا النص يأخذنا إلى مناطق بشارة بولس. بولس هنا يتكلم عن الزواجات المختلطة ويقول إنه على الطرف المسيحي من هذا الزواج ألا يحلّ هذا الزواج (7: 12-13). ويبّرر هذا الأمر بكلماته السابق ذكرها. يقول بولس هنا إن كان أحد الوالدين مسيحياً فهذا يقدّس كل البيت. يستنتج جيريمايا هنا ان المقصود هو أن قداسة الأولاد لا تعتمد على المعمودية بل على الإنحدار من أب مسيحي أو أم مسيحية.
الإستنتاج الثاني لجيريمايا هو: لو كان الإستنتاج الأول صحيحاً فلا بد أن بولس وجميع من كان في كورنثوس كانوا يؤمنون بأن جميع الأولاد في الكنيسة والمولودين لوالدين مسيحيين هم مقدّسون لأنهم ينحدرون من والدين مسيحيين. فما هو أصل مفهوم القداسة هذا الذي ينحرف عن إستعمال بولس الاعتيادي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن تُكتشف من النص بكامله (1كور7: 14). كلمة “نجسون” هنا مأخوذة من تعابير الطقس اليهودي ومن لغة شعائر التطهير اللاوي.
والأمر نفسه نشاهده بالنسبة لإستعمال كلمة “مقدّسون”، وهي لغة الطقس اليهودي. فاليهودية تمّيز أولاد المولودين في غير القداسة (أي قبل تحوّل أهاليهم إلى اليهودية) من جهة، والأولاد المولودين في القداسة (أي بعد التحوّل إلى اليهودية) من جهة أخرى. الأولاد غير المولودين في القداسة، أو “النجسون”، كانوا يُعمّدون عندما كان يتحوّل والديهم إلى اليهودية. أما الأولاد المولودون لوالدين يهوديين (بعد تحوّل الوالدين إلى اليهودية) فيُعتبرون مقدّسين أو طاهرين ولا يُعمّدون[7].
كل الأولاد المولودين بعد تحوّل أمّهم غلى اليهودية لا يحتاجون إلى معمودية الدخلاء، ووضعهم هو وضع الأولاد اليهود أنفسهم. فأي واحد يولد “في القداسة” لم يكن يحتاج إلى معمودية الدخلاء. هذا الإستعمال للألفاظ بالنسبة للشريعة المتعلقة بالدخلاء مو ما إستعمله بولس في (1كور7: 14)، عندما يقول إن أولاد الوالدين المسيحيين هم غير نجسين بل مقدّسون. هذا يذكرنا بالقاعدة التي ذكرها بولس نفسه في (رومية11: 16) عندما قال: “إن كان الأصل مقدّساً فكذلك الأغصان”.
لكن ما علاقة ما ذُكر بمعمودية أولاد الزواجات المسيحية؟ في البداية يبدو أمرا مقنعاً الإستنتاج أنه إذا كان أولاد اليهود المولودون في القداسة لم يكونوا يُعمّدون فيجب أن نفترض أن الكنيسة المسيحية لم تعمّد أيضاً أولاد الوالدين المسيحيين. في هذه الحالة فإن الأولاد المولودين قبل إنضمام أهاليهم إلى الكنيسة كانوا يُعمّدون، أما الأولاد المولودون بعد إنضمام أهاليهم إلى الكنيسة فلم يُعمّدوا لأنهم كانوا مولودين في القداسة.
ولكن هذا الرأي تحدّاه جيريمايا لأنه يرى أنه يغض النظر عن الحقيقة المهمة أنه في اليهودية كل الذكور، سواء أكانوا مولودين “في القداسة” أم لا، كانوا يُختنون في اليوم الثامن.
وبما أن (كولوسي2: 11) تذكر أنه في الكنيسة المسيحية كانت المعمودية هي الطقس الذي حلّ محل الختانة اليهودية، فيجب ان نستنتج أن الأولاد المذكورين في (1كور7: 14) كانوا مقدّسين منذ ولادتهم ولكن هذه القداسة لم تكن تحول دون تعميدهم. حتى في حالة وجود طرف غير مؤمن في حالة الزواجات المختلطة، فإن حقيقة كونه جُعل مقدّساً بزواجه من إمرأة مسيحية لم تلغِ الحاجة إلى أن يصير مسيحياً وأن يُعمّد.
لهذا يقول جيريمايا يجب بالتالي أن نكون مقتنعين بإستنتاج أن (1كور7: 14) لا تحمل أية إشارة غلى المعمودية، وأنه من المحتمل جداً ان يكون قول بولس “وأما الآن فهم مقدّسون” لا يستثني معمودية الأولاد في اليوم الثامن بدل الختان، كما ان قوله إن الرجل غير المؤمن مقدّس في المرأة لا يستثني حاجة هذا الرجل إلى إهتدائه إلى المسيحية ومعموديته. 2- “وقد أُخبر عنك أنك تعلّم جميع اليهود الذين بين الأمم الإرتداد عن موسى قائلاً: أن لا يختنوا أولادهم ولا يسلكوا حسب العوائد” (أعمال21: 21). هذا هو النص الثاني الذي قد يعطينا معلومات عن كيفية تعامل الكنيسة الأولى مع الأولاد المولودين في الزواجات المسيحية، ويأخذنا غلى أورشليم. فيوم وصوله في عيد الفصح العام 55، يُخبر بولس بوجود شكوك كبيرة قد نمت بين المسيحيين من أصل يهودي في أورشليم والذين يحفظون الناموس بسبب انه قد نقل بأن بولس يحرّم على الوالدين المسيحيين من أصل يهودي أن يختنوا أولادهم بعد ولادتهم.
من هذا النص نتعلم انه في سنة 55م كان الرضع الذكور المولودون في كنيسة أورشليم يُختتنون. هل كانوا يُعمّدون أيضاً؟ وفي الوقت نفسه نتعلّم من (أعمال21: 21) أنه في مناطق بشارة بولس إن جميع الوالدين من أصل أممي لم يختنوا أولادهم في اليوم الثامن. وبما أن بولس قد جعل المعمودية الطقس الذي يحلّ محل الختان كما في (كولوسي2: 11) فمن المحتمل جداً أن هؤلاء الأطفال كانوا يُعمّدون.
3- “وقدّموا إليه أطفالاً لكي يلمسهم. وأما التلاميذ فانتهروا الذين قدّموهم. فلما رأى يسوع ذلك اغتاظ وقال لهم: دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحق أقول لكم، مَن لا يقبل ملكوت الله مثل طفلٍ فلن يدخله. فأحتضنهم ووضع يديه عليهم وباركهم” (مرقس10: 13-16). الإستنتاج السابق يدعمه النص الحالي وهو بركة الأطفال من قبل يسوع[8]. القصة بحد ذاتها لا علاقة لها بالمعمودية، ولكنها قصة “قبل أسرارية”. وهي تصف حادثة خلال بشارة يسوع لا بد أنها حدثت عشية يوم الغفران. فقد كان الأهالي يجلبون أولادهم إلى يسوع كي يلمسهم (مر10: 13).
لكن ماذا كان الدافع الذي دعا الأهالي كي يطلبوا هذا الطلب من يسوع؟ وما كان معناه؟ نرى الجواب في التلمود البابلي الذي يُطلعنا عليه البروفيسور جيريمايا: كانت توجد عادة في أورشليم تحثّ الأطفال الذين بلغوا السنة من عمرهم أو تعدّوها على الصوم يوم الغفران، ومن ثم يُحضر الأطفال إلى الشيوخ (الكتبة) للبركة والحض إلخ. رغم ان الأطفال لم يحتاجوا للصوم يوم الغفران إلا أنهم كانوا يُدفعون للصوم في العائلات التقية. هنا يأتي بعض الأهالي بأطفالهم إلى يسوع.
انتهرهم التلاميذ لأنهم رفضوا معاملة يسوع على مستوى الكتبة. إمتعاض يسوع من هذا كان عظيماً. يقول جيريمايا إن كل حادثة في الإناجيل الإزائية ذات بعد تاريخي مزدوج. الأول هو الوضع الواقعي الفريد في حياة يسوع، والثاني هو بشارة الكنيسة الأولى وتعليمها. السؤال هنا: لماذا سلّمت الكنيسة الأولى هذه القصة، وماذا رأت فيها من ضرورة وفائدة؟ الجواب الظاهري الذي يمكن أن يُقال هنا هو أن الكنيسة رأت أن تُظهر كيف كان يسوع ينظر إلى الزواج والأولاد والمقتنيات.
يقول جيريمايا إنه بالإضافة إلى حضّ الكنيسة للأهالي على إحضار أولادهم إلى يسوع لنيل البركة، فإن الكنيسة قد رأت في هذه القصة أمراً بإحضار الأولاد إلى يسوع في المعمودية. أول مكان يظهر فيه هذا النص في الأدب المسيحي الأول هو في ترتليانوس[9] (حوالي سنة 200). هذا الموضع يُظهر أن كلمات يسوع السابقة قد فُهمت بصورة عامة على أنها فرضٌ بمعمودية الأطفال.
وحتى ترتليانوس الذي كان يعارض العمر المبكر جداً للمعمودية فإنه رغم ذلك لم يحاول أن يهرب من هذا التفسير لهذا النص الذي يقول إنه يعني المعمودية. وأيضاً “الفرائض الرسولية” تبني إدعاءها الأولاد الصغار أن يعمّدوا على كلمات “ولا تمنعوهم”. إن تطبيق هذا النص المتعلق ببركة الأولاد على المعمودية لم يتم أولاً في نهاية القرن الثاني ولكن قبل ذلك.
جيريمايا يُظهر – في مناقشة إستعمال هذا النص الإنجيلي في كتابات الآباء الأولين وعلاقته بالمعمودية – كيف أن الكنيسة الأولى قد إستعملت هذا النص كفرض على تعميد الأطفال. بإختصار: يمكن القول إن صيغة (مرقس10: 13-16) تحتوي في أماكن عديدة على إشارات غير مباشرة إلى المعمودية.
هذا يدل على ان نص بركة الأولاد كان أمراً هاماً بالنسبة للكنيسة الأولى وليس فقط بالنسبة للإعتبارات الأخرى ولكن بسبب أن الكنيسة الأولى قد أخذت هذا النص وإستعملته على أنه فرض وسلطان لممارسة معمودية الأطفال. يستنتج جيريمايا انه في وقت كتابة إنجيل مرقس كان أطفال الأهالي المسيحيين يُعمّدون. اما تعميد الأطفال فكان يُنظر إليه على أنه إقتداء بيسوع وطاعة لأمره وكلماته “دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله”.
العهد القديم:
من المفيد أولاً ان ننظر إلى العهد القديم لمعرفة كيف كان الأطفال ينضّمون إلى شعب الله. كانت أبرز علامة على العهد بين الله وشعبه هي الختان. فالله نفسه أمر بختان كل طفل ذكر عمره ثمانية أيام (تك17: 12). بالطبع لم يكن طفل الثمانية أيام هذا يُسأل عمّا إذا كان يريد الإنضمام إلى شعب الله، بل كان إيمان الوالدين هو شرط ختانة الطفل وإنضمامه.
من جهة أخرى، من السهل ملاحظة العلاقة بين الختان من جهة والمعمودية المسيحية من جهة أخرى. فالقديس بولس يقول: “وبه (بالمسيح) أيضاً خُتنتم ختاناً غير مصنوعٍ بيدٍ يخلع جسم (خطايا) البشرية بختان المسيح، مدفونين معه في المعمودية التي فيها أقمتم أيضاً معه” (كول2: 11-12). إذاً، بالنسبة للمسيحي، إن المعمودية هي تحقيق ختان العهد القديم. فالله في العهد القديم كان يضمّ جميع اليهود. بما فيهم الأطفال إلى العهد. يقول الكتاب في العبرانيين عند هروبهم من مصر نحو صحراء سيناء: “جميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر” (1كور10: 2).
بالطبع “جميعهم” تشمل الأطفال أيضاً، الذين حتى ولو لم يستطيعوا إتخاذ أي قرار إيماني، إلا أنهم كانوا مشمولين بعهد الله مع شعبه. إذاً: البالغون والأطفال كانوا مشمولين بالمعمودية في السحابة وفي البحر وذلك برحمة الله. يقول العهد الجديد: “فإني لستُ أريد أيها الأخوة أن تجهلوا أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة، وجميعهم إجتازوا في البحر، وجميعهم إعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر، وجميعهم أكلوا طعاماً واحداً روحياً، وجميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً، لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح” (1كور10: 1-4).
من رموز الخلاص الأخرى في العهد القديم والتي كانت تشمل العائلة كلها هي فلك نوح. فالرب قال لنوح: “أدخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك” (تك7: 1). الرسول بطرس يشير إلى فلك نوح قائلاً: “.. إذ كان الفلك يُبنى الذي فيه خلص قليلون اي ثمان أنفس بالماء. الذي مثاله يخلّصنا نحن الآن أي المعمودية” (1بطر3: 20-21). أيضاً، لا يمكن تصوّر إستثناء الأطفال من فلك نوح وتركهم يهلكون بالطوفان فقط لأنهم أطفال غير قادرين على فهم ما يحصل.
العهد الجديد:
معظم هذه الإقتباسات مذكورة سابقاً. يقول القديس بطرس في عظته يوم العنصرة المجيدة: “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على إسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس، لأن الموعد هم لكم ولأولادكم ولكل الذين على بُعدٍ كل من يدعوه الرب إلهنا” (أع2: 38-39). يسوع علّم تلاميذه أن للأطفال الفرصة نفسها التي للبالغين لدخول ملكوت السموات: “دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات. الحق أقول لكم” من لا يقبل ملكوت الله مثل طفلٍ فلن يدخله” (لو18: 16-17).
لم يوجد أي عمر معين يجب بلوغه لدخول ملكوت السموات. هكذا فهمت الكنيسة وهكذا مارست معمودية الأطفال. لهذا كانت الكنيسة تعمّد “أهل بيت” الذين يؤمنون بالمسيح بما فيهم الأطفال. بالطبع لم يُذكر الأطفال بصورة خاصة في هذه المعموديات، لأن الأطفال جزء لا يتجزأ من العائلة، حجر الزاوية في المجتمع الشرقي. من هذه الأمثلة: “هو يكلّمك كلاماً به تخلص وكل بيتك” (أع11: 14)، “فلما أعتمدت (ليديا) هي واهل بيتها” (أع16: 15)، “فأخذهما الحارس في تلك الساعة من الليل وغسلمها من الجراحات وأعتمد في الحال هو والذين له أجمعون” (أع16: 33)، “وكريسبس رئيس المجمع آمن بالرب مع جميع أهل بيته..” (أع18: 8)، “وعمّدتُ أيضاً بيت إستفانوس” (1كور1: 16).
توجد نقاط أخرى متعلقة بالعهدين سأذكرهما لاحقاً عند مناقشة الموضوع لاهوتياً. من جهة أخرى لا يمكن لدارس موضوع معمودية الأطفال أن يتجاهل إيمان الكنيسة الأولى الرسولية وممارستها وتقليدها ولاهوتها فيما يخص معمودية الأطفال (أسوة ببقية المواضيع). لهذا لا بد من ذكر ممارسة الكنيسة الأولى لهذه المعمودية وذلك في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية، أما بعد ذلك فالشواهد الآبائية الكنسية والتاريخية أكثر مما يسع المجال هنا لذكرها.
تطوّر معمودية الأطفال حتى نهاية القرن الثالث:
آسيا الصغرى: أولى المعلومات المتعلقة بمعمودية الأطفال خارج العهد الجديد تأتي من آسيا الصغرى. وهي غير مباشرة. أقدمها تعود إلى العهد الرسولي، ربما إلى زمن كتابة إنجيليّ متى ولوقا. في قصة إستشهاد القديس بوليكاريوس، أسقف إزمير، نجد أن مضطهدي هذا القديس قد تحدّوه أن يشتم المسيح فقال لهم: “لقد خدمته طوال 86 سنة، ولم يُخطئ إليّ قط. فكيف أجدّف على ملكي الذي خلّصني؟”. أستشهد هذا القديس بين الأعوام167-168. لهذا فولادته كانت تقريباً حوالي العام 80م.
إذا كان بوليكاريوس قد خدم المسيح 86 سنة قبيل إستشهاده فهذا يعني أن معموديته كانت حوالي العام 81-82 (كان عمره 1-2 سنة). إذاً لدينا هنا قصة إستشهاد بوليكاريوس (9: 3) تأكيداً غير مباشر على أن ممارسة معمودية الأطفال كانت موجودة قبل العام 80م[10]. أيضاً توجد شهادات أخرى لمسيحيين قد صرّحوا بأنهم خدموا الرب منذ شبابهم. هكذا تدل الشهادات من آسيا الصغرى (وهي غير مباشرة) على أن الكنيسة الأولى كانت تمارس معمودية الأطفال من قبل العام 80م.
مصر:
شهادة العلّامة أوريجنس من أقوى الشهادات. فهو يذكر ثلاث مرات على أن معمودية الأطفال هي عادة الكنيسة. في مواعظه على (لوقا14 على 2: 22) يقول: ” لهذا يُعمّد الأطفال أيضاً”. والمواعظ على (اللاويين 8: 3 على 12: 2) يقول: “تُمنح المعمودية بحسب عادة الكنيسة، للرضّع أيضاً”. وفي شرحه لرسالة (رومية5: 9 على 6: 5-7) يقول: “لهذا السبب أيضاً، أستلمت الكنيسة من الرسل تقليد تعميد الرضّع أيضاً”.
يوجد نص رابع أيضاً لأوريجنس يذكر فيه معمودية الأطفال أيضاً. هذه النصوص قد كُتبت بين 233-251م، مما يدل على أن معمودية الأطفال كانت عادة منذ أيام الرسل. بالإضافة إلى أوريجنس، توجد مومياء لطفلة مصرية في المتحف البريطاني، يعود تاريخها إلى أيام أوريجنس. في يدها اليسرى تحمل الطفلة زهرة لوتس، رمز القيامة، وفي يدها اليمنى تحمل صليباً. عمر الطفلة تقريباً كان 4 سنوات أو أقل.
علم المصريات أكّد للعالم جيريمايا (الذي شاهد المومياء بنفسه) أن الصليب كان إشارة مسيحية لا مصرية وثنية، وأن المومياءات الوثنية كانت تحمل في يدها اليمنى رمز الحياة. هذه المومياء (التي تعود إلى القرن الثالث الميلادي) تدل على أن وجود طفلة مصرية ماتت في الرابعة من عمرها أو أقل كانت تحمل في يدها اليمنى صليباً مما يدل على معموديتها قبل موتها.
فلسطين:
شهادات أوريجنس الأربعة الشهيرة على أن معمودية الأطفال كانت عادة متأسسة في الكنيسة، قد كُتبت في فلسطين.
سوريا:
أوريجنس يذكر أن معمودية الأطفال كانت الممارسة العامة للكنيسة في سوريا الغربية، وشهادته ذات أهمية كبيرة جداً، لأنه وُلد لعائلة مصرية وعاش أولاً في الإسكندرية، ومن ثم في فلسطين (قيصرية)، وزار سوريا واليونان وروما وكبادوكية، وبالتالي ما كان ليذكر أن عادة الكنيسة ecclesiae observantia كانت أن تعمّد الأطفال لو كانت هذه الممارسة إنحرافاً عن الإجماع الكنسي في كل مكان[11].
وتوجد وثائق أخرى[12] تذكر معمودية الأطفال في حالة تحوّل العائلات الوثنية إلى المسيحية، وتعود هذه الوثائق إلى 220-230م. أول برهان مباشر على ممارسة معمودية الأطفال في سوريا يعطيه Asterius the Sophist (مات بعد 341م)، والدساتير الرسولية (370-380).
اليونان:
توجد إشارة غير مباشرة إلى معمودية الأطفال تعود إلى 117-138م.
إيطاليا وفرنسا:
القديس يوستينيانوس الشهيد يذكر رجالاً ونساء قد تعمّدوا منذ طفولتهم في ما بين 80-95م. القديس إيريناوس أسقف ليون (وُلد بين 130-140) يشهد لمعمودية الأطفال على أنها كانت “الممارسة الراسخة للكنيسة” ويكتب مباشرة بعيد 180: “لأن (يسوع) قد أتى ليخلّص جميعهم بنفسه: أقول، كل أولئك الذين ولدوا ثانية به لله، الرضّع، صغار الأطفال، الصبيان، الناضجون والكبار سناً”[13].
هيبوليتوس في كتابه “التقليد الرسولي” المكتوب في العام215 تقريباً، (لكن مواده هي أقدم) يذكر طقس معمودية الأطفال والبالغين ، معلمّاً أنه على المرء أن يعمّد أولاً الصغار. أن كانوا يستطيعون الكلام عن أنفسهم، فليفعلوا هكذا، وإلا على والديهم أو اقاربهم التكلم نيابة عنهم.
أفريقيا:
لم يبدأ تاريخ كنيسة شمال أفريقيا قبل العام 180 مع أن بدايات المسيحية في أفريقيا كانت أبكر من هذا. مع ترتليانوس نرى ظاهرة جديدة لأول مرة الأ وهي تأجيل الإنضمام للكنيسة بسبب الإعتقاد بأنه يمكن للمرء أن يُخطئ حتى معموديته (عند الإنضمام للكنيسة). ترتليانوس عارض هذا الميل. وفي كتابه “المعمودية” (المكتوب 200-206) كان ينصح بتأجيل المعمودية في حالات خاصة لأسباب مختلفة عما ذُكر، كما في حالات الأطفال والبالغين غير المتزوجين.
أعترف ترتليانوس بأن كلام الرب: “دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم” (متى19: 14) كان يعني أمراً ليسوع بتعميد الأطفال، إلا أن شكوكاً كانت تراوده بخصوص الأعمار المبكرة جداً. فمعمودية الأطفال الصغار جداً، إلا بحالة الضرورات (المرض الشديد والاحتضار)، كانت تُلقي بالعبء الكبير على كاهل العرّابين الذين قد يموتون بدون أن يلبّوا مسؤولياتهم المطلوبة.
جيريمايا يناقش نصيحة ترتليانوس هذه بأن كتاب هذا الأخير De Baptismo قد كُتب تلبية لمناسبة خاصة تتعلّق بالموعوظين في قرطاجة، مما يعني بأن ترتليانوس كان بشكل عام يقصد (في كتابه) معمودية المهتدين إلى المسيحية[14].
فترتليانوس لم يكن يقصد عدم شرعية معمودية الأطفال الصغار بلا ملاءمة هذه المعمودية في الحالات الخاصة المذكورة. هذا واضح من أن ترتليانوس كان يحضّ على تعميد الأطفال المحتضرين وعلى تعميد الأطفال المولودين لأهالٍ مسيحيين. النقطة المهمة هنا والمتعلقة بموضوعنا معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى) هي: من شهادة وتحفظات ترتليانوس نستنتج أن معمودية صغار أطفال الوثنيين المهتدين إلى المسيحية ووجود عرّابين لهم كان ممارسة راسخة سلفاً في الكنيسة الأولى. هذا أيضاً يلقي الضوء على دور العرّابين وعلى مسؤوليتهم وعلى طقس معمودية الأطفال.
أيضاً من أفريقيا توجد شهادة هامة جداً عن معمودية الأطفال آتية من مجمع عُقد في قرطاجة العام 251 أو 253 (اشترك به 67 أسقفاً يمثلون المسيحية في أفريقيا) الذي أوصى بعدم تأخير معمودية الأطفال حتى اليوم الثامن (كالختانة) بل أوصى بتعميد الأطفال بعيد ولادتهم (وعمرهم 2-3 أيام). كبريانوس أسقف قرطاجة يذكر أيضاً في أحدى أعماله (العام 251) أنه كان من المعتاد أن يُقدّم الأطفال الصغار للمناولة مما يدل على أنهم كانوا سلفاً معمّدين.
ويكتب هذا القديس نيابة عن مجمع كنسي إلى شخص إسمه فيدوس، الذي أرسل إلى القديس رسالة يقول فيها على معمودية الأطفال أن تؤجّل حتى تتم الختانة في اليوم الثامن. فيجيب القديس: “لهذا إذاً، يا أخي العزيز، هذا كان رأينا في المجمع، أنه يجب ألا يُعاق أي واحد عن المعمودية وعن نعمة الله، الذي هو رحيم ورؤوف ومحب للجميع.
وبما أنه يجب يحافظ عليها بالنسبة للجميع، فإننا نعتقد أنه يجب أن تُطبّق أكثر بالنسبة للرضّع والمولودين حديثاً، الذين بحسب هذا يستحقون أكثر من سواهم مساعدتنا والرحمة الإلهية” (الرسالة18). مما سبق نستنتج: من شهادات الشرق والغرب ان معمودية الأطفال كانت ممارسة راسخة ومتوطدة وقديمة في الكنيسة منذ القرن الثاني ويتفق الجميع أن هذه الممارسة تعود إلى الأزمنة الرسولية الأولى. ولم توجد أية إشارات أو أدلة كنسية أو تاريخية تشير إلى وجوب تأجيل معمودية الأطفال المولودين من والدين مسيحيين.
بل على العكس، نجد أن الشرق والغرب متفقان بالإجماع على أن تحديد عمر المعمودية بفترة الرضاعة (إيريناوس)، وبصورة أكثر في الأيام الأولى بعد الولادة (أوريجنس وكبريانوس). والمنقوشات التي بدأت في الغرب في السنة 200 تؤكّد ما أكدته المصادر الأدبية.
دراسة كتابية لاهوتية عن معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى د. عدنان طرابلسي
براهين من شواهد القبور على معمودية الأطفال:
يذكر جيريمايا عدة أمثلة من شواهد قبور أطفال معمّدين مما يدل على معمودية الأطفال في القرون الأولى المسيحية[15]. من هذه شاهدة من القرن الثالث الميلادي لحالة طفل عمره حوالي 21 شهراً قد عُمّد معمودية إسعافية قبل وفاته لهذا “رقد كمؤمن”. وقد طلبت معموديته جدّته مما يدل على أنه من والدين وثنيين. يذكر جيريمايا أيضاً شاهدة لطفل إسمه زوسيموس مات وعمره سنتين ويعود إلى منتصف القرن الثالث الميلادي. وتدل الشاهدة على أن الطفل كان مُعمّداً. وتوجد شاهدة أخرى تعطينا معلومات عن دين الوالدين لثلاثة أطفال عمرهم 12 سنة توفوا وهم مُعمّدون.
الشرق والغرب متفقان على أن معمودية الأطفال كانت شائعة وقيد الممارسة في القرن الثاني الميلادي وأن الأولاد كانوا يُعمّدون وهم رضّع، وربما في الأيام الأولى من عمرهم، إذ أُستبدلت بعادة الختان المعمودية المسيحية والتي كانت تتم في العمر نفسه تقريباً، وكان تأخير معمودية الأطفال المسيحيين غير معروفٍ في الكنيسة الأولى بحسب جيريمايا. ولا توجد حالة مذكورة عن رقاد أطفال لأهالٍ مسيحيين بدون معمودية قبل السنة 329-330. في القرن الثالث الميلادي توجد عدة رموز وإشارات في نقوش الشواهد لأطفال صغار تساعدنا على الإستنتاج أننا نتعامل مع قبور أطفال مُعمّدين.
أيضاً، يذكر جيريمايا شاهدة لقبر طفل عمره سنة وقد مات وهو “عبدالله” أي مُعمّد. تعود هذه الشاهدة للسنة 200م. وتوجد شاهدة لقبر رضيع إسمه كيرياكوس، ويُدعى “عبد المسيح” وقيل إنه طفل “قديس” مما يدل على معموديته، ويعود إلى القرن الثالث الميلادي. أيضاً، يوجد جزء من نقش قبر يذكر صراحة المعمودية ويعود للقرن الثالث الميلادي، وهو يخص طفلاً رقد بعمر مبكر جداً. أيضاً، يوجد قش آخر “لرضيع بريء” إسمه ديونيسيوس وُصف بأنه مُعمّد بعبارة “هنا يرقد مع القديسين”.
أيضاً يذكر البروفيسور جيريمايا عدة أمثلة من شواهد أطفال مُعمّدين في أعمار مختلفة (من عمر سنة فما فوق) ماتوا بعد معموديتهم. معظم هذه النقوش تعود للقرن الثالث الميلادي. بعض هذه النقوش تدل على معمودية إسعافية أو ملّحة بسبب إحتضار الطفل. بما أن المصادر الآبائية من القرن الثالث، خاصة أوريجنس وكبريانوس، تشير إلى أن أطفال الأهالي المسيحيين كانوا يُعمّدون في عمر مبكر ولم يكن يُسمح بأي تأجيل في معمودية أطفال الأهالي المسيحيين إلا بعد عام 329-330، لهذا نستنتج أن جميع حالات المعمودية الإسعافية الملّحة والتي ذُكرت في بعض هذه النقوش، إنما تعود إلى أطفال أهالي غير مسيحيين.
في القرن الرابع فما بعد صارت معمودية الأطفال أمراً شائعاً في الكنيسة الجامعة، والأمثلة الآبائية والتاريخية على هذا كثيرة جداً، ولا يتسع المجال هنا لذكرها. يستنتج جيريمايا في نهاية كتابه، أنه بعد الفحص الكامل للمصادر يصبح من الواضح أنه في القرون المسيحية الأولى كان يوجد لاهوتيان إثنان فقط قد نصحا بتأجيل معمودية الأطفال، وذلك ضمن تحفظات معينة، هذان هما ترتليانوس والقديس غريغوريوس اللاهوتي. ترتليانوس نصح بتأجيل معمودية أطفال الأهالي الوثنيين فقط (إلا في حالات الإسعاف).
بينما القديس غريغوريوس اللاهوتي نصح بتأجيل المعمودية حتى 3سنوات من العمر. لكن يجب ملاحظة أن أياً من هذين اللاهوتيين لم ينصح بتأجيل معمودية الأطفال لأسباب لاهوتية. إذاً يستنتج جيريمايا أنه في الكنيسة من أصل أممي كان الأطفال المولودون لأهالٍ مسيحيين يُعمّدون منذ القرن الأول الميلادي. الأدلة التي يوردها البروفيسور جيريمايا يمكن تلخيصها على الشكل التالي:
1- لم نسمع في تاريخ الكنيسة الأولى بوجود نوعين من المسيحيين: مُعمّدين وغير مُعمّدين، ولو كانت المعمودية قد مُنعت عن الأطفال المولودين لأهالٍ مسيحيين فإنه سيكون لدينا لاحقاً خليطٌ من المسيحيين مُعمّدين وغير مُعمّدين يعيشون جنباً إلى جنبٍ. هذا بالطبع لم يحدث ولم يكن موجوداً.
2- ليس لدينا معلومات عن إدخال أية ممارسة منحرفة عن الممارسة السابقة (أي عن معمودية الأطفال). وبشكل خصوصي لا نجد أبداً في أدب الكنيسة الأولى اية مناقشات في مسألة فيما بعد إذا كان يجب تعميد أطفال الأهالي المسيحيين أم لا. فلو كانت عادة معمودية الأطفال متأخرة حتى القرن الثاني أو بعده، لكان لدينا على الأقل أثرٌ في الأدب المسيحي عن إدخال عادة جديدة ظهرت لأول مرة لاحقاً وهي عادة معمودية الأطفال، وبالطبع هذا لم يحدث.
3-لم يوجد أي طقس خاص بمعمودية الأطفال لاحقاً. هذا يعني أن معمودية أطفال الأهالي المسيحيين كانت ممارسة شائعة جداً في الكنيسة الأولى. فلو كانت هذه الممارسة لم تُدخل إلا في زمن متأخر بعد تطور طقس خاص بمعمودية البالغين بصورة كبيرة فإن الكنيسة بذلك الوقت لكانت قد أضطرت على إستحداث طقس خاص بمعمودية الأطفال، وهذا لم يحدث.
4- لا يظهر في أي مكان في الأدب المسيحي المبكر أن عادة معمودية الأطفال لم تكن عادة الكنيسة الرسولية الجامعة، أو أنها كانت عادة طائفة أو فئة كنسية منشّقة. ولكن ما أمامنا من أدلة وبيانات هو بالحري إستعمال من إستعمالات الكنيسة والتي كانت منتشرة بصورة شائعة في كل مكان في الكنيسة الجامعة، هذا الإجماع على معمودية الأطفال يشهد له حتى ترتليانوس الذي كان يفضّل تأجيل معمودية أطفال الأهالي الوثنيين ولكنه لم ينصح أبداً بتأجيل معمودية أطفال المسيحيين.
إذاً، نستنتج أن الشرق والغرب يتفقان على أن معمودية الأطفال تعود إلى الأزمنة الرسولية وإلى التقليد الرسولي.
مناقشة لاهوتية:
من السؤال السابق تعرّفنا على معاني المعمودية ولاهوتها في العهد الجديد أولاً ولدى الكنيسة الأولى (الواحدة الجامعة القدوسة الرسولية) ثانياً. وكما ذكرنا في بداية هذا البحث فإن الخلاف في موقف الكثيرين تجاه معمودية الأطفال مردّه إلى خلافهم في مفهوم المعمودية ولاهوتها فيما بينهم. وحتى لا نكرر ما سبق ذكره من معاني المعمودية ولاهوتها، سنذكر هنا فقط النقاط المتعلقة بمعمودية الأطفال.
الروح القدس يحلّ على الأجنة والأطفال: دعا الله أشعيا من بطن أمّه (أشع49: 1-2). قدّس الله إرميا وأقامه نبيّاً قبل خروجه من بطن أمه (أرم1: 4-6). يوحنا المعمدان إمتلأ من الروح القدس وارتكض إبتهاجاً وهو بعد جنين في بطن أمه (لو1: 15 و 41 و 44). صموئيل تنبأ وهو بعد طفلٌ (1صمو: 1-3). إن كان الروح القدس له المجد قد حلّ ويحلّ على الأجنة والأطفال وهم بعد قاصرون غير واعين، ويباركهم ويقدّسهم ويكرّسهم، فهل يعجز عن الحلول على الأطفال أثناء تعميدهم؟ على العكس تماماً، إن معمودية الأطفال لاهوتياً هي إمتدادٌ لحلول الروح القدس على الأطفال في كل الأعمار.
الرب يسوع يبارك الأطفال: يسوع شفى غلام قائد المائة (متى8: 5-13)، وأقام أبنة رئيس المجمع من الأموات (متى9: 18-26)، وشفى أبنة الفينيقية (متى15: 22-28)، إلخ. هذه الحوادث وسواها تُظهر لنا أموراً مهمة بما يتعلق بموضوعنا.
أولاً: لم يكن عمر الطفل أو الطفلة حاجزاً أو مانعاً لقبول نعمة المسيح.
ثانياً: لم يكن للطفل (أو الطفلة) أي دور في قبول نعمة المسيح ولم يوجد وعيٌ من جهته ليقرر فيما بعد إذا كان سيقبل نعمة المسيح أم لا.
ثالثاً: الرب يسوع شفى الطفل (أو الطفلة) بناء على طلب أحد افراد عائلته أو المقرّبين منه والذي أبدى إيماناً بالرب يسوع وبقدرته على الشفاء. إذاً، هنا أيضاً نجد أن لاهوت معمودية الأطفال هو لاهوت كتابي، بينما مَن ينكر صحّة هذه المعمودية فإنما يطعن بالكتاب المقدس نفسه عن جهل أو عن معرفة. ودور العرّابين في معمودية الأطفال إنما هو أمر كتابي أيضاً.
الرب يسوع يشفي المجانين: الرب يسوع شفى أخرساً ممسوساً (متى9: 22-23)، وممسوساً أعمى وأخرس (متى12: 22)، وشفى الأبن الممسوس المصروع (متى17: 14-18)، إلخ. الإنسان الممسوس (المجنون) لأي سببٍ هو إنسان غير متمالك لقواه العقلية. رغم ذلك، لم يمتنع الرب عن شفاء المجنون بحجة أنه لا يعي ولا يفهم ولا يعرف، إلخ. الأطفال عند معموديتهم هم غير ناضجين عقلياً، ولا يعون أو يفهمون أو يعرفون، ومع ذلك يولدون ثانية بالمسيح ولادة روحية (كما ولدوا من أمهاتهم ولادة أولى جسدية بدون وعيهم وإدراكهم وموافقتهم).
فلو كان غياب الإيمان الواعي والعقل الصحيح في الطفل سبباً للطعن بصحة معموديته، لما أستطاع أن يخلص أي مختل عقلياً لأنه لن يُعمّد بحسب أعداد معمودية الأطفال! خاصة وأن الرب يسوع نفسه هو القائل: “من أفواه الأطفال والرضّع هيّأت تسبيحاً” (متى21: 16). إذاً، الكلام عن ضرورة وجود الإيمان في الطفل والوعي والإدراك وضرورة تأجيل معمودية الأطفال بسبب هذه الحجة إنما هو كلام يخالف العهد الجديد والعهد القديم. وكما ذكرنا سابقاً: كانت الختانة تتم في اليوم الثامن على كل الذكور اليهود كعلامة على إنضمامهم إلى شعب الله، وذلك بناءاً على إيمان أهلهم.
فلا وعي هؤلاء الذكور وفهمهم لعب دوراً في ختانهم ولا كان عمرهم الغض سبباً لتأجيل هذا الختان. وبولس الرسول (كولوسي2: 11-12) يقول إن المعمودية قد حلّت محل الختان، فصارت المعمودية هي “ختان المسيح”، وبالتالي صارت معمودية الأطفال ضرورة ملحّة للإنضمام إلى كنيسة الله للخلاص بيسوع المسيح، بدون أن يكون لوعي الطفل أو فهمه أو إيمانه أو عمره دورٌ في ذلك.
إذاً، جميع الذين يعارضون معمودية الأطفال يعارضون “ختان المسيح”، ويعارضون أن يلبس الطفل المسيح (غلا3: 27). فليس الخلاص بالفهم أو العقل أو المعرفة أو بالذكاء أو بالتفوق العقلي أو سواه. الخلاص هو بيسوع المسيح المصلوب والذي أُعطي مجاناً للجميع إذا قبلوه وآمنوا به ودُفنوا مع المسيح بالمعمودية ليقوموا معه إلى حياة جديدة.
هل يحتاج الأطفال إلى المعمودية المسيحية؟
عادة مناوئوا معمودية الأطفال يقولون إن الطفل لا يحتاج إلى مغفرة الخطايا إذ لا خطايا لديه، وبالتالي لا يحتاج إلى معمودية مسيحية إلا بعدما يكبر ويخطئ. هذا الجهل باللاهوت المسيحي فاحش. إن كان الطفل لا يحتاج إلى معمودية، فهذا يعني أنه لا يحتاج إلى الروح القدس لأنه بالمعمودية المسيحية يُعطى الروح القدس (أع1: 8)، ولا يحتاج إلى الولادة من الماء والروح (يو3: 3 و5)، وإلى الولادة من فوق وبالتالي لا يحتاج أن يرى ملكوت الله، لأنه بدونها لا يقدر أحدٌ أن يرى ملكوت الله (يو3: 5)
ولا يحتاج إلى دفن مع المسيح وقيامة معه (رو6: 3-6 ؛ كول2: 11-12)، ولا يحتاج أن يلبس المسيح (غلا3: 27)، ولا يحتاج إلى الدخول إلى “جدّة الحياة” (رو6: 3-6)، ولا يحتاج أن ينغرس في جسد المسيح، الكنيسة، ليصير عضواً فيه (اكور12: 13؛ أفسس4: 4)، ولا يحتاج إلى الخلاص (ابطر3: 18). لاحظ أننا ذكرنا الكثير عن المعمودية ولم نذكر بعد غفران الخطايا.
فإن كان الطفل جدلاً لا يحتاج إلى معمودية لأنه لا يحتاج إلى غفران الخطايا، أفلا تكفي الأسباب السابق ذكرها لتجعل والديه يركضون به إلى جرن المعمودية “الرحم الثانية المولّدة”؟! هل رأيتم كم يُخطئ الذين يحاربون معمودية الأطفال مهما كان سبب رفضهم هذا؟! رغم هذا كله، فالطفل يحتاج إلى مغفرة الخطايا.
لا لأنه أخطأ[16]، بل لأنه مولود من آدم العتيق، وقد ورث عنه كل نتائج الخطيئة الجدّية الأولى (من ألم وعذاب وأهواء وتجارب وضعفات وموت، ألخ….)[17]. فالخلاص ليس مسألة فطرية في الإنسان، والقداسة ليست مجرد إمتناع عن إرتكاب الخطايا. هذا كان قبل المسيح. أما في المسيح فالإنسان مدعوٌ للقداسة والإتحاد بالثالوث القدوس، والتألّه ليصير “شريكاً للطبيعة الإلهية” (2بطرس1: 4). هذا لن يحدث بدون ولادة جديدة وبدون إتحاد بجسد المسيح والغَرف من النعمة الإلهية عبر الأسرار الإلهية المقدسة وأولها المعمودية الإلهية المقدسة.
إذاً: وجدنا أن معمودية الأطفال مذكورة في العهد الجديد بصورة غير مباشرة لأن الأطفال كانوا جزءاً من “أهل البيت”، وبالتالي كانوا يُعمّدون مع “أهل البيت” عند دخول رب العائلة في الكنيسة، وأن المعمودية المسيحية قد حلّت محل الختانة اليهودية وبالتالي كان من الطبيعي والواجب أن يُعمّد الأطفال أيام العهد الجديد وما بعده، وأن الكنيسة الأولى فهمت كلمات يسوع (لوقا10: 13-16) عن ضرورة دعوة الأولاد إليه بأنها فرضٌ وواجبٌ وأمرٌ بمعمودية الأطفال، وأن إعتماد الشعب اليهودي بكافة أعماره في السحابة وفي البحر الأحمر وخلاصه بفلك نوح كان رمزاً لمعمودية الأطفال
وأن المصادر الآبائية والتاريخية وسواها في القرون الثلاثة المسيحية الأولى تدل على أن الكنيسة كانت تمارس معمودية الأطفال بصورة روتينية، وأن لاهوت المعمودية يتنافى مع منع تعميد الأطفال بحجة العمر أو غياب الفهم أو المعرفة أو الإيمان أو، أو…، وأن معمودية الأطفال ليست أمراً إختيارياً طوعياً بل هو واجب وضرورة ملحّة ويجب أن تتم بأسرع وقت ممكن ومناسب وهذا ما يتناسب مع لاهوت الكنيسة الأولى ويفسر الإلحاح الذي به كانت معمودية الأطفال تُمارس بعيد ولادة الطفل.
فالمجد للذي إحتضن الأطفال ووضع يديه عليهم وباركهم.
[1] Oscar Cullman: baptism in the new testament، the Westminster press، Philadelphia، 1950
[2] G.R. Beasley-Murray: baptism in the new testament، Eerdmans Publication Co، Michigan، USA، 1990
[3] Joachim Jeremias: infant baptism in the first four centuries، the Westminster press، 1960 & Kurt Aland: did the early church baptize infants? ، the Westminster press، 1963.
[4] مثلاً: مسألة رؤية الله وجهاً لوجه وعدم قابليته للمعاينة، مسألة الله الواحد بالطبيعة والثلاثي الأقانيم، مسألة التجسد والتقنيم، إلخ.
[5] الآباء الرسوليون: ترجمة البطريرك إلياس الرابع؛ منشورات النور. 1970، ص137. أنظر أيضاً: الرسالة إلى بوليكاريوس: 8: 2، ص141.
[6] معمودية الدخلاء هي ولادة جديدة وبداية حياة جديدة وفيها يُعطى اسم جديد للمعتمد. هذا كله نراه في المعمودية المسيحية
[7] هذا نعرفه من السؤال الذي أثير عما يجب فعله في الحالة الحدودية التي تفترض ان حاملاً أممية قد تحوّلت إلى اليهودية. هل كان يعتبر المولود منها مقدساً أم نجساً. الجواب هو أن الولادة كانت اللحظة الحاسمة، وليس وقت الحبل.
[10] راجع المناقشة المفصّلة في كتاب جيريمايا، الفصل الثالث.
[11] “هل يمكن للطفل الذي ولد للتو أن يرتكب خطيئة؟ ومع ذلك فله خطيئة هي التي أمر أن يُقدّم عنها ذبيحة بحسب ما يظهر(أيوب14: 4 ومز51: 5-7). لهذا السبب استلمت الكنيسة من الرسل تقليد القيام بمعمودية الأطفال أيضاً. لأن الناس الذين لهم قد عُهد بخفايا الأسرار الإلهية يعرفون أنه في كل واحد توجد نجاسات خاطئة أصلية، لا بد أن تُغسل بالماء والروح” (على رسالة رومية5: 19).
وكتب أوريجنس بصورة خاصة أكثر عن معمودية الأطفال: “يُعمد الرضّع لغفران الخطايا. أية خطايا؟ متى أخطأوا؟ بالحقيقة، أبداً بالطبع. ومع ذلك: من يخرج الطاهر من النجس؟ لا احد (أيوب14: 4). لكن النجاسة قد أقصيت بسر المعمودية فقط. لهذا السبب يُعمّد الرضّع أيضاً.” (الموعظة على لوقا 15).
[12] مثلاً: Pseudo-Clementines وأيضاً توجد إشارتان عن معمودية الأطفال في رسائل يوحنا الناسك السوري (بداية القرن الخامس).