وكيل الظلم – كيف يمتدح المسيح إنساناً مختلساً ومزوراً وغير أميناً؟!

وكيل الظلم – كيف يمتدح المسيح إنساناً مختلساً ومزوراً وغير أميناً؟!

وكيل الظلم – كيف يمتدح المسيح إنساناً مختلساً ومزوراً وغير أميناً؟!

لماذا مدح السيد وكيل الظلم؟ يقول السائل: قرأت مثل “وَكِيلَ الظُّلْمِ” الوارد في (لو 16: 1-13) وأزعجني جداً عدد 8 حيث يقول: “فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ…”. والسؤال: من المقصود بكلمة السيد؟ هل هو صاحب الوكالة أم المسيح؟ وإن كان صاحب الوكالة فلماذا مدحه ثم طرده من الوكالة؟ وإن كان المسيح تصبح المشكلة أعقد، كيف يمتدح المسيح إنسان مختلس ومزور وغير أمين؟ وللإجابة على هذا السؤال ينبغي أن علينا أولاً أن نقرأ المثل بدقة وتأني ثم نطبق مبادئ تفسير الأمثال ثم نعرف مَن الذي مدحه؟ ولماذا؟

وَقَالَ أَيْضاً لِتَلاَمِيذِهِ: «كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ لَهُ وَكِيلٌ فَوُشِيَ بِهِ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ يُبَذِّرُ أَمْوَالَهُ. 2فَدَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي أَسْمَعُ عَنْكَ؟ أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ وَكِيلاً بَعْدُ. 3فَقَالَ الْوَكِيلُ فِي نَفْسِهِ: مَاذَا أَفْعَلُ؟ لأَنَّ سَيِّدِي يَأْخُذُ مِنِّي الْوَكَالَةَ. لَسْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُبَ وَأَسْتَحِي أَنْ أَسْتَعْطِيَ. 4قَدْ عَلِمْتُ مَاذَا أَفْعَلُ حَتَّى إِذَا عُزِلْتُ عَنِ الْوَكَالَةِ يَقْبَلُونِي فِي بُيُوتِهِمْ. 5فَدَعَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مَدْيُونِي سَيِّدِهِ وَقَالَ لِلأَوَّلِ: كَمْ عَلَيْكَ لِسَيِّدِي؟ 6فَقَالَ: مِئَةُ بَثِّ زَيْتٍ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ صَكَّكَ وَاجْلِسْ عَاجِلاً وَاكْتُبْ خَمْسِينَ.

7ثُمَّ قَالَ لِآخَرَ: وَأَنْتَ كَمْ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: مِئَةُ كُرِّ قَمْحٍ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ صَكَّكَ وَاكْتُبْ ثَمَانِينَ. 8فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ إِذْ بِحِكْمَةٍ فَعَلَ لأَنَّ أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ. 9وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ: اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ حَتَّى إِذَا فَنِيتُمْ يَقْبَلُونَكُمْ فِي الْمَظَالِّ الأَبَدِيَّةِ. 10اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضاً فِي الْكَثِيرِ وَالظَّالِمُ فِي الْقَلِيلِ ظَالِمٌ أَيْضاً فِي الْكَثِيرِ. 11فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟

12وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ؟ 13لاَ يَقْدِرُ خَادِمٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ» (لو 16: 1-13).

هذا المثل واحد من أصعب الأمثال التي قدمها المسيح، لدرجة أن البعض قال عنه أنه لغز مربك وليس مثل تعليمي. ولكن في الحقيقة هذا المثل يقدم لنا أروع الدروس، ويفجر العديد من القضايا التي تستحق أن ندرسها بعمق.

مبادئ تفسير الأمثال: في الحقيقة عندما نريد أن ندرس أي مثل هناك عدة مبادئ لابد أن نعرفها جيداً حتى نفهم المثل وهي: لمن قال المسيح المثل؟ فهناك فرق بين أن يكون ذكره للتلاميذ وبين أن يكون ذكره لجماعة الفريسيين أو لعامة الشعب… الخ. ما هي المناسبة التي قيل فيها المثل؟ ليس لكل تفاصيل المثل معاني روحية خاصة مقصودة، فهناك قصد أو هدف رئيسي للمثل من أجله قدم المسيح المثل، وهذا القصد الرئيسي هو البوصلة التي تساعدنا في تفسير كل تفاصيل المثل.

وفى الحقيقة عندما ندرس هذا الأصحاح بالكامل نجد أن المسيح تبع هذا المثل بمثل آخر وهو الغني ولعازر، والمثلان يقدمان لنا مبدأ واحداً مهماً وهو: إن الحياة العتيدة هي ثمرة ونتاج الحياة الحاضرة، وأن الطريقة التي بها نتصرف في ممتلكاتنا تحدد مصيرنا في الحياة العتيدة. والمثلين يقدمان لنا كيف نعيش كوكلاء، وكيف نتعامل مع الأشخاص والأشياء التي نقابلها في الحياة. 

قال المسيح: كان رجل غني له وكيل ونما إلى علمه أن الوكيل يبدد أمواله، وقد كانت العادة في ذلك الوقت أن الأغنياء لديهم وكلاء لكي يتولوا مهام متابعة الأرض والممتلكات الأخرى. وكان للوكيل حرية التصرف في البيع والشراء والزرع والحصاد… الخ. وكان المالك يعتمد اعتماداً كلياً على الوكيل. ويبدو أن الرجل الغني في هذا المثل كان قد انتقل من الريف إلى الحضر وترك المسئولية بالكامل للوكيل، وعندما نما إلى علمه أن الوكيل يبذر أمواله استدعاه وقال له: أعط حساب وكالتك. أنت لا تصلح أن تكون لي وكيلاً بعد ذلك. ويبدو من المثل أن الوكيل طلب مهلة لكي يجهز أوراقه ويجمع حساباته لكي يقدمها لصاحب الوكالة.

وكانت الفرصة قصيرة، فقال في نفسه ماذا أفعل؟ لست أستطيع أن أنقب، وهي تأتي في الترجمة اليسوعية “لا أستطيع الفلاحة”. فكلمة “ينقب” أي يحفر في الأرض ويزرع ويكدح. ثم أضاف: “وأستحي أن أستعطي” أي ويخجل أن يشحذ، ثم قال: قد علمت ماذا أفعل، وهنا بدأ يستدعى مديوني سيده وقال للأول: كم عليك لسيدي؟ فقال له: مئة بث زيت. والبث كما يخبرنا يوسيفوس المؤرخ اليهودي الشهير يعادل 39 لتر تقريباً، والمائة بث كانت محصول حوالي 146 شجرة زيتون، وكانت هذه الكمية تُقدَّر بحوالي 1000 دينار في ذلك الوقت.

وهنا قال الوكيل للمديون: خذ صكك واكتب خمسين، أي ترك له ما يعادل 500 دينار. ثم استدعي دائن آخر وقال له وأنت كم عليك لسيدي؟ فقال مئة كر قمح. والكر كما يخبرنا يوسيفوس يعادل 48 جالون، والمئة كر حوالي 27.5 طن قمح وهو دين كبير كان يُقدَّر في ذلك الوقت بحوالي 2500 دينار. فقال له الوكيل: خذ صكك واكتب ثمانين. أي ترك له خمس الدين، ما يعادل 500 دينار أيضاً. وربما تسأل: لماذا كانت الديون عبارة عن محاصيل وليست أموال؟ في الحقيقة كانت العادة قديماً أن الفلاح عندما يستأجر قطعة أرض من رجل غنى ليزرعها، كان يقدم له الإيجار في صورة جزء من المحصول.

وأحياناً عندما يقترض أموال كان يردها من المحصول، وكانت الفائدة تضاف. فمثلاً عندما يقترض فلاح مبلغ 100 دينار من شخص ما، وعلى افتراض أن أردب القمح يساوى 10 دنانير، كان المعتاد أن يرد له من المحصول 15 أو 14 أردب قمح أي حسب الدين وفوائده. وقد تصرف الوكيل بهذا الأسلوب لأنه قال في نفسه: حتى اذا عُزِلت من الوكالة يقبلونني. وهنا يقول الوحي: فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ“.

من هو السيد الذي مدح وكيل الظلم؟

اختلف المفسرون حول المقصود بكلمة” السيد” قال البعض: إن المقصود هو صاحب الوكالة، وقال البعض الآخر: إن المقصود هو المسيح. على رأس من ينادون بالرأي الأول ليون موريس (Leon Morris) ووليم باركلي والأب متى المسكين. ويقول L. Morris إن سر مدحه للوكيل هو أن الشريعة كانت تحرم على اليهودي تحصيل فائدة من مواطنيهم في حالة إقراضهم (خر 22: 25، لا 25: 36، تث 23: 29). ولكن الأغنياء الذين كانوا يريدون تشغيل أموالهم بالربا كانوا يفسرون هذه الوصايا قائلين: إن الرب يقصد بها عدم استغلال الفقير، ولكن لا يمنع المعاملات التجارية المفيدة للطرفين.

وكانوا يعتبرون من يمتلك ولو الشيء القليل أنه غير فقير، ولذلك عندما يقرضونه بالربا هم لا يكسرون الوصية، ولا يستغلونه، وبالطبع كل إنسان عنده ولو القليل، لذلك هم لا يكسرون الوصايا أبداً. فيقولون إن صاحب الوكالة هنا عندما علم بما فعل الوكيل أصبح في ورطة كبيرة لأن الصكوك القديمة قد أُعدِمت، ولا فائدة من تلويم الوكيل، وإذا لامه سيكشف ما فعل، وسيظهر هو على أنه كاسر الشريعة، ومستغل للفقراء، لذلك وجد أن أفضل شيء هو أن يمتدح الوكيل لكي يظهر هو بثياب الرجل التقى الرحيم بالفقراء الذي يطبق الشريعة في حياته، ثم يعاقب هذا الوكيل كما يحلو له بعد ذلك. رغم وجاهة هذا الرأي إلا أن ما يُؤخَذ عليه هو:

  • كيف يمتدحه ثم يعاقبه؟! وإذا عاقبه في أي وقت آخر سوف تكون فضيحته أكبر.
  • تكملة العبارةلأَنَّ أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ لا يمكن أن تكون هذه الكلمات لصاحب الوكالة. والأوقع أنها كلمات لوقا وهو يشرح لنا أن السيد هو الذي مدح وكيل الظلم، والسبب هو أن أبناء هذا الدهر أحكم من أبناء النور.
  • القرينة تؤكد أن المسيح هو الذي مدح وكيل الظلم، لأنه قال بعد ذلك مباشرة:وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ: اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ عدد 9. وقال أيضاً: “فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟ عدد11.
  • يؤكد العالم اللاهوتي الكبير جرمايوس (Joachim Jeremias) هذا الرأي قائلاً: إن كلمة السيد في اليونانية هي “o kurios” تشير إلى الرب يسوع. ويوافق على ذلك أيضاً بروس F. Brouce وكوستي بندلي ومتى هنري وآخرون. 

 لماذا امتدح السيد وكيل الظلم؟

إن المسيح لم يمتدحه على عدم الأمانة، ولا لأنه تعامل بغدر مع سيده، ولكن امتدحه لحكمته في التصرف، وقد ذكر هذا بوضوح في قوله إِذْ بِحِكْمَةٍ فَعَلَ لقد امتدحه لأنه فكر في المستقبل واستعد له. يقول مانسون”Manson” هناك فرق كبير بين القول “امتدح السيد الوكيل لأنه تصرف بحكمة” وبين “امتدح السيد الوكيل لأنه تصرف بعدم أمانة”.

فنقطة التشبيه هنا واضحة ومحددة وهي الحكمة فلا ينبغي أن نخرج عنها إلى التعميم. فعندما نمتدح طفل ونقول عنه مثلاً إنه ” مثل العفريت” نحن لا نقصد إلا الشطارة والذكاء. وإذا قلنا عن إنسان أنه “مثل الأسد” فنحن لا نقصد أنه من ذوات الأربع، أو أنه وحش مفترس، إنما نمتدح فيه الشجاعة والقوة. وما يوضح ذلك أكثر هو أنه بالرغم من أن الحية هي رمز الشر والخبث وسبب كل الكوارث إلا أن المسيح يقول لنا “كُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ” (متى 10: 16).

وهو لا يقصد أن نتشبه بالحية في كل شيء، بل في نقطة واحدة فقط وهي الحكمة. وما يؤكد هذا التفسير هو أن المسيح بالرغم من أنه امتدحه إلا أنه قال عنه أنه وكيل الظلم، وأنه من أبناء هذا الدهر” وليس من أبناء النور أو الملكوت. ثم وبخنا المسيح قائلاً: لأَنَّ أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ. والمقصود بكلمة جيلهم كما يقول متى هنري: في إدارة شئون نفوسهم، أو كما يقول د. القس إبراهيم سعيد: الوسائل التي يستخدمونها لبلوغ أهدافهم.

وكأن المسيح يقول: كثيراً ما يكون أهل العالم أعقل من أبناء الكنيسة، فهل نتعلم من أهل العالم؟ هل نتعلم الانشغال بالمستقبل والتخطيط له؟ أهل العالم يضعون قلوبهم على جمع المال، فهل نضع قلوبنا على رسالتنا؟

 

هل نتعلم من أهل العالم استغلال الفرص، والحنكة، وإعمال العقل، وبذل الجهد، والمثابرة؟

لقد قال أحد الخدام العظماء: “لماذا نرى الذين ينادون بعبادة الشيطان، أو شهود يهوه أو الأدفنتست أو الذين ينادون بحقوق أصحاب الشذوذ الجنسي، أو البوذيين أكثر حماساً من خدام الإنجيل”. إن المسيح قصد أن يقول: للأسف كثيراً ما نجد أبناء الظلمة أكثر غيرة من أبناء النور. وأبناء هذا الدهر أكثر حكمة من أبناء الدهر الآتي. وأبناء هذا العالم أكثر دقة من أبناء الملكوت.

يقول كوستي بندلي: غالباً تكلم يسوع بهذا المثل من خلال قصة رواها له بعض الناس باستهجان وظنوا أن المسيح سيدين الوكيل ويستنكر ما فعله، وأن المسيح وجد أن القصة مثيرة لاهتمام الناس فاستخدمها ومدح الوكيل وما فعله وكأنه يريد أن يقول لهم: أنتم تستنكرون سلوك الوكيل ولكن انتبهوا لأنكم في موقف يشبه موقف الوكيل، فقد أقبل عليكم ملكوت الرب وعليكم أن تحددوا مصيركم والويل لمن يعيش في سلبية ولا مبالاة، وإن لم تفكروا في مواجهة المستقبل وتستعدوا له، فالخطر الذي كان يهدد الوكيل لا يقارن بالخطر بل وبالخراب والهلاك الذي ينتظركم، صحيح هو غش وخدع ولكن ليست هذه قضيتنا الآن، المهم الآن أن تستعدوا لمواجهة المستقبل وإلا سيكون الخراب قد لحقكم.

 

ثانيا: ما هو مال الظلم؟

يقول السائل: قرأت مثل “وَكِيلَ الظُّلْمِ” الوارد في (لو 16: 1-13) وأزعجني جداً كلام المسيح: “اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ” ع9. فما المقصود بمال الظلم؟ وكيف نصنع أصدقاء من مال الظلم؟ وهل هذا يعني أن أسرق أو أقبل رشوة وأصنع بها أصدقاء؟ أو عندما أعمل في مؤسسة معينة أبدد المال العام وأصنع به أصدقاء؟ إلى جانب أني لم أفهم عبارات كثيرة واردة في هذا المثل، فتكملة الآية: “حَتَّى إِذَا فَنِيتُمْ يَقْبَلُونَكُمْ فِي الْمَظَالِّ الأَبَدِيَّةِ” فما المقصود “بالْمَظَالِّ الأَبَدِيَّةِ”؟ 

ثم قال المسيح: “فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟” عدد 11 فما المقصود بكلمة “الحق” هنا؟ وفي عدد 13 يقول: “وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ؟” ما المقصود بعبارة “مَا هُوَ لِلْغَيْرِ” الذي يجب أن نكون أمناء عليه؟ وبعبارة “مَا هُوَ لَكُمْ”؟

يقول ليون موريس (Leon Morris) إن تعبير مال الظلم لم يرد إلا في هذا المكان من الكتاب المقدس، وهو يشير إلى المال بصفة عامة، لأن هناك نوعاً من الظلم في الطريقة التي يحصل بها الناس على الأموال.

ويؤكد نفس الرأي السابق F. F. Bruce قائلاً: ليس المقصود المال الذي نحصل عليه بطرق غير شرعية، فالكتاب المقدس لا يعلمني السرقة أو الغش أو التزوير أو تبديد مال المؤسسة التي أعمل بها وأعطى الفقراء. والقس إبراهيم سعيد يقول إن مال الظلم هو المال بصفة عامة لأنه كثيراً ما يُجمَع بالظلم ويوزع بالظلم، وكثيراً ما ظلم الناس المال لأنهم يظنون أنه سيعطيهم الراحة والسعادة، والناس تدعي ظلماً أنه ملك لهم. فمال الظلم هو مال الأرض. وهكذا يؤكد الأب متى المسكين قائلاً: المال كله (مال ظلم) لأنه مال هذا العالم الشرير.

بالتأكيد لابد أن نعلم أن مال الظلم ليس المقصود به المال الذي يقتنيه الإنسان من الظلم، فالكتاب المقدس يعلمنا الأمانة والدقة والالتزام، والكنيسة لا تقبل مالاً يأتي من الظلم، وكذلك الرب لا يقبل مالاً يأتي بطرق غير صحيحة، يكفي أن نقرأ: (تث 23: 18) لا تُدْخِل أُجْرَةَ زَانِيَةٍ إِلى بَيْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ. (أم8:15) ذَبِيحَةُ الأَشْرَارِ مَكْرَهَةُ الرَّبِّوالرب لا يقبل عمل الخير الذي يأتي بطرق شريرة، فالغايات المقدسة لابد أن تتم بوسائل مقدسة. وفي الحقيقة أنا أرى أنه من الظلم أن نطلق على المال بصفة عامة أنه مال ظلم، لأن المال نعمة وبركة وعطية من الرب لنا. فما هو مال الظلم؟

إن مال الظلم هو المال الذي نقع في خطية الظلم عندما نستبقيه في جيوبنا. ففي العهد القديم أوصى الرب بدفع العشور، لذلك فالعشور الغير مدفوع هو مال ظلم، لأنه ليس ملكاً لصاحبه بل هو ملك للرب والفقراء والأيتام، لذلك قال الرب: أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللَّهَ؟ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي. فَقُلْتُمْ: بِمَ سَلَبْنَاكَ؟ فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَةِ (ملا 3: 8). ونحن لا نعيش في ظل الناموس، بل في ظل العهد الجديد، حيث الوكالة، فكل ما بين أيدينا نحن وكلاء عليه، وعلينا أن نتصرف بأمانة فيما بين أيدينا، ولذلك كل مال كان ينبغي أن نقدمه للفقراء أو الأيتام أو المرضى المحتاجين ولم نقدمه فهو مال ظلم في حياتنا.

لقد تحدث الرب يسوع بعد مثل وكيل الظلم بمثل الغنى ولعازر، ولو تخيلنا أن هذا الغنى كان أميناً في عشوره، وقدمه لبيت الرب، إلا أن المشهد يؤكد أنه لا يزال محتفظ بالكثير من مال الظلم في جيبه؛ مال ظلم لأنه مال لعازر المسكين، وكان ينبغي أن يقدم مما في جيبه للعازر. إن مال الظلم هو كل مال تكتنزه وكان ينبغي أن تقدمه ليتيم أو أرملة أو مسكين. وهو كل مال تنفقه في تعظم المعيشة. وكل مال تنفقه في ترف زائد. وكل مال أنفقته في الرغبة في التباهي وحب المظهر.

إن مال الظلم في حياتنا هو كل مال يمكن أن نقدمه لطالب غير قادر على دفع مصاريف الدراسة، وكل مريض غير قادر على شراء الأدوية، وكل مسكين ينام بالجوع؛ ولكننا نمتنع عن تقديم هذا المال لهم. تقول الإحصائيات الأخيرة أن لدينا في مصر 186 ألف عائلة أي 900 ألف يعيشون في إسكان مشترك، ولدينا 2 مليون يعيشون وسط المقابر، ولدينا 2 مليون طفل بلا رعاية، و600 ألف مشرد، ومليون ونصف طفل عمالة.

وكل هذا بسبب مال الظلم الذي يملأ جيوبنا، والمال الذي ينفق بأسلوب غير صحيح. تخيل معي لو أن المال الذي ينفق على صناعة السلاح في العالم، في عام واحد، قُدِم للفقراء كيف سيكون شكل العالم؟! لقد قال المسيح: بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً (لو 12: 33). 

ما المقصود بالمظال الأبدية؟

يقول ليون موريس Leon Morris: المظال الأبدية عبارة شائعة في الأدب اليهودي يشار بها إلى الرب وذلك تمشياً مع الرغبة في تفادى استعمال الاسم الإلهي. وبذلك يكون الرب هو الذي يقبل في السماء وليس الناس. وقال متى هنري (Mathew Henry) إن المظال الأبدية تشير إلى السماء، فهي البيت الغير مصنوع بيد، البيت الأبدي (2كو 5: 1). وقال البعض الآخر: إن اليهود كانوا يعيدون في مظال أرضية، وهنا يريد الرب أن يوجه أنظارنا إلى العيد الدائم لأنه سيكون في مظال أبدية. فالمظال الأبدية تشير إلى الأبدية أو السماء أو الرب. وعبارة ” حتى إذا فنيتم”، تأتي في الترجمة اليسوعية ” حل بكم الإضمحلال ” أي الموت.

والتنبير هنا على أهمية تقديم يد العون للفقير واليتيم والأرملة، ألم يقل الرسول يعقوب: “اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللَّهِ الآبِ هِيَ هَذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ (يع 1: 27). كان الربيون واليهود يقولون: “يساعد الغنى الفقير في هذا العالم لكي يساعده الفقير في العالم الآتي”. وعلق أمبروز على مثل الغني الغبي قائلاً: “إن المخازن التي تدوم إلى الأبد هي أحضان الفقراء وبيوت الأرامل وأفواه الأطفال. 

لقد أراد المسيح في النهاية أن يترك معنا مبدأين أساسيين وهما:

1 كن وكيلاً أميناً: أراد المسيح أن يقول: تصرف بعقلية الوكيل، فكل ما بين يديك ليس ملكاً لك ولكن هو عطية من الرب لك، قال داود: لَكَ يَا رَبُّ الْعَظَمَةُ وَالْجَبَرُوتُ وَالْجَلاَلُ وَالْبَهَاءُ وَالْمَجْدُ، لأَنَّ لَكَ كُلَّ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ. لَكَ يَا رَبُّ الْمُلْكُ، وَقَدِ ارْتَفَعْتَ رَأْسًا عَلَى الْجَمِيعِ. 12وَالْغِنَى وَالْكَرَامَةُ مِنْ لَدُنْكَ، وَأَنْتَ تَتَسَلَّطُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَبِيَدِكَ الْقُوَّةُ وَالْجَبَرُوتُ، وَبِيَدِكَ تَعْظِيمُ وَتَشْدِيدُ الْجَمِيعِ. لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ (1أخ 29: 11- 14).

لقد كان الوكيل رحيماً مع مديوني سيده وترك لهم جزءاً كبيراً من الدين، ولكن هذا بالتأكيد لم يرضي سيده ولكن سيدنا والمعطى الحقيقى لكل ما بين أيدينا يسر بأن نقدم كل ما بين أيدينا للفقراء، ويسر بأن نكون رحماء مع المساكين والمظلومين. لقد قال لهم المسيح اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضاً فِي الْكَثِيرِ وَالظَّالِمُ فِي الْقَلِيلِ ظَالِمٌ أَيْضاً فِي الْكَثِيرِ (لو16: 10). أي كن أميناً في كل ما تصل إليه يديك من أشياء وأموال. كن أميناً على الفرصة التي تتاح لك لتشهد عن المسيح. كن أميناً على الشخص الذي تقابله في حياتك. كن رحيماً على الفقير واليتيم الذي يضعه الرب في طريقك.

إن الأمانة والدقة في القليل تشير إلى الأمانة والدقة في الكثير، بل هي المؤهل لكي يعطى لنا الكثير، فالرب لن يأتمنا على الكثير إن لم نكن أمناء في القليل. وهذا ما قاله المسيح: “فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟”. فإن لم تكن أميناً على المال الذي بين يديك فكيف يأتمنك على الإنجيل والنفوس؟ إن لم تكن أميناً على المنظور فكيف تكون أميناً على غير المنظور؟ وإن لم تكن أميناً على الأرضيات فكيف تكون أميناً على السماويات؟ إن لم تكن أميناً على الجسد فكيف تكون أميناً على الروح؟ 

2 كل ما بين يديك أُعطِى لك لخدمة الآخرين: قال المسيح: وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ؟ ع 12. ما أروع التعبير الذي أطلقه يسوع على المال “ما هو للغير” وكأنه يقول إنه أُعطِي لكم لكي تسخروه لخدمة الغير هو ليس ملكاً لكم، نعم فنحن وُجِدنا لنعيش للغير، ولنخدم الآخرين. روى د. جون ستوت قصة معبِّرة جداً عن سيدة غنية جداً كانت تمتلك الملايين وماتت، وفي أثناء جنازتها كان الكل مشغول بكم تركت من أموال؟

وجاء أحدهم ويبدو أنه كان إنساناً مادياً وسأل الراعي: كم تركت هذه السيدة؟ فأجابه الراعي بذكاء شديد وكان يريد أن يقدم له درساً عميقاً: لقد تركت كل شيء. نعم لن نأخذ شيئاً معنا، إن الكفن ليس له جيوب. فهل تدرك أن كل فرصة يتيحها الرب لك هي لتسخيرها لخدمة الآخرين. وكل بركة يباركنا بها الرب يجب أن نقدمها لخدمة الآخرين، وكل موهبة أعطاها الرب لنا يجب أن نكرسها لخدمة الآخرين. وإن كنا أمناء فيما هو للغير سيعطينا ما هو لنا أي “الأبدية” “السماء” التي لا يمكن أن نقدمها للآخرين.

وكيل الظلم – كيف يمتدح المسيح إنساناً مختلساً ومزوراً وغير أميناً؟!

مثل وكيل الظلم – كيف نفهم مثل وكيل الظلم المذكور في لوقا 1:16-13؟ خاصة قول الرب: “اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم” (لو 9:16)؟

مثل وكيل الظلم – كيف نفهم مثل وكيل الظلم المذكور في لوقا 1:16-13؟ خاصة قول الرب: “اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم” (لو 9:16)؟

كيف نفهم “مثل وكيل الظلم” المذكور في لوقا 1:16-13، خاصة قول الرب: “اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم” (لو 9:16)؟

سبّبَ هذا النص صعوبة للمفسّرين منذ الأزمنة الرسولية، ويصوّر المشكلة التي أشرنا إلها في سؤالنا السابق: حتى الآباء يقدّمون لنا تفسيرات مختلفة وأحياناً متناقضة فيما بينها لنص كتابي معين.

المفسّر العظيم أوريجنس الإسكندري (القرن الثالث) اقترح اقتراباً تفسيرياً لهذا النص كان قد قُبل من معظم خلفائه. هذا الاقتراب هو: لا تحاول تحليل كل جانب من المَثَل أو أن تعيّن هوية كل شخصية فيه. بالحري، من المفيد أكثر أن تسعى نحو المعني الروحي للقصة المقروءة ككلٍ واحد.

عادة يأخذ الآباءُ النصّ كوحدةٍ أدبية تشمل إما الآيات 1-9 أو 1-13. أوريجنس يطبق المجاز على عناصر متنوعة من المثَل، فيرى في الصكوك صورة لصكوكنا الخاطئة التي أُعيدت كتابتها بالروح القدس (2 كرونثوس 2:3-3) بمقدار ما “نقترب من صليب المسيح ونعمة المعمودية”.

بالنسبة للقديس أفرام السوري، يجب أن تُقهم الغاية من المثل بوضوح على أنها دعوة للمسيحيين لقَلْب خطيئة آدم “بشراء أشياء لا تنقضي، بواسطة تلك الأشياء الوقتية التي هي ليست لك”. لقد مُدح الوكيلُ الظالم من قبل سيده لاستعماله وسيلةً ظالمة لإنتاج نهاية صالحة. إن أشياء هذا العالم هي بالوراثة “ظالمة” أو “ملطّخة بالخطيئة، مع ذلك علينا أن نستعملها للوصول إلى الثروات الأبدية. (في تحليل القديس أفرام، الانتقال غير واضح بين استعمال آدم لما لم يمكن ملكاً له – وهو ما أنتج “شوكاً ومخاضاً” – واستعمال المسيحيين وسيلة ظالمة لتحقيق النهاية المرجوة).

بالنسبة لأوغسطينوس، إن الغاية من المثل هي أن يشجّعنا على صنع أصدقاء بوسيلة غير بارة حيث عندما تنضب تلك الوسائل (المال)، يستقبلنا هؤلاء الأصدقاء ويقدمون لنا الطمأنينة. على كل فإن الوكيل قد حاول ضمان طمأنينته المادية في هذا العالم، في حين على المسيحي أن يسعى في العالم الآتي. وفي قفزة نوعاً ما غريبة، يستنتج أوغسطينوس أن “مال الظلم” يشير إلى إعطاء الصدقات جواباً على تعليم يسوع: “بِعْ أملاكك وأعطِ الفقراء” (متى 21:19).

أما القديس يوحنا الذهبي الفم، وباهتمامه المعتاد بالفقراء، يأخذ فكر أوغسطينوس هذا ويحوّل المثَل إلى حضّ: استعمال ثروتك الآن على المحتاجين، بحيث تعتمد على مساعدتهم في المستقبل. هذا مبرّر بحقيقة أن كل ثروتنا تأتي من الله وتنتمي إلى الله. لهذا يحوّل التصدّق ممون (المال) الظالم إلى سندٍ للذين في أمسّ الحاجة إليه.

القديس كيرلس الإسكندري أيضاً يفهم المثل على أنه بصورة كبيرة دعوة للمسيحيين ليُشركوا الفقراء بثورتهم. ففي تعليقه على إنجيل القديس لوقا، يربط هذا النص بكلمات يسوع “الأمين في القليل أمين أيضاً في الكثير”. “إن كنتَ غير أمين في مال الظلم، فمَن سيعطيك المال الحقيقي؟”. وبصورة عامة فإن القديس كيرلس يستعمل صور المثَل كنقاط ينطلق منها لتطوير نصائح أخلاقية متنوعة، خاصة المتعلقة بالولاء المتضارب: “لا تقدرون أن تخدموا الله والمال”.

ومن جهة أخرى فإن النقّاد المعاصرين يميلون إلى النظر بصورة أقرب إلى تركيب المثل كما ينقله القديس لوقا لنا. ويعتقد معظمهم أن المثل الأصلي، كما حكاه يسوع، هو مقتصر على 1:16-8 (أو 9). الآيات الباقية (9 أو 10 أو 13) تمثّل تقاليد، سواء أكانت تعاليم أخرى ليسوع، نطق بها بالأصل في مناسبات مختلفة وأُلصقت من قبل الإنجيلي في هذا الموضوع ليتوسَع في المثل، أو أنها نتاج أعضاء من الكنيسة الأولى والذين، بطرق متنوعة، حاولوا استخلاص مغزى المثَل لحياة شعبهم.

المفسّر الكاثوليكي المرموق الأب جوزيف فيتسماير Joseph Fitzmyer على سبيل المثال يرى نهاية المثَل الأصلي في الآية 8أ (“فمدح السيدُ وكيلَ الظلم إذ بحكمةٍ فعل”). وتمثّل الآيات 8ب-13 إذاً أقولاً أخرى ليسوع – أو عظات في الكنيسة الأولى مبنية على تعاليم يسوع – تقف على حدي إلى جانب المثل الأصلي[1].

يعتقد فيتسماير في تفسيره أن الوكيل، عندما أمر بإنقاص كمية الديون، كان في الحقيقة يحذف عمولته، هكذا لم يفعل أي شيء ظالم نحو سيده وبالتالي استطاع أن ينال مدح سيده بسبب إحضار ما كان مستحقاً. أما بالنسبة للمعنى النهائي للمثل فيوضح فيتسامير: “إن استحسان السيد يتم بناء على حكمة الوكيل الذي أدرك أفضل وسيلة لاستعمال الممتلكات المادية التي كانت له لتأمين ضمانه المستقبلي.

إن الوكيل غير الأمين إذاً يصير نموذجاً للتلاميذ المسيحيين، ليس بسبب عدم أمانته (سوء تدبيره البدئي أو إسرافه)، لكن بسبب “حكمته”. تلك الحكمة هي بالتالي نموذجاً لاتباع يسوع لكي يحاكوها، لكي عندما تنضب أشياء هذا العالم (بالخسارة أو بالموت)، عندئذ يتم الترحيب بهؤلاء الأتباع في ملكوت الله.

أما بالنسبة لأقوال الملحَقة، فإن فيتسماير يقسّمها إلى ثلاثة أو أربعة تعاليم منفصلة: 8ب، 9 (أو 8ب-9)، 10-12، و 13، وقد ألحقها القديس لوقا بهذا المثل بسبب الموضوع العام المتعلق بالثورة والمسؤولية (الحصافة).

يبدو هذا أنه إعادة البناء الأكثر احتمالاً للمادة الأصلية بعد أن أُعيد ترتيبها وتحريرها من قبل الإنجيلي. علينا أن نتذكر أنه مثل كل مؤلّفي العهد الجديد، فإن الهدف الرئيسي للوقا كان إعلان إنجيل يسوع المسيح، وليس إعادة إنتاج تعاليم يسوع في ترتيبها الزمني الصحيح. هكذا يمكنه أن، وهذا ما فعل، يحرّر مادته التي استلهما بطريقة معينة بحيث تنتقل ما فهمه (بواسطة إلهام الروح القدس) على أنه جوهر تعليم يسوع (الأب جان بريك).

“كما في الفردوس، فإن الله يسير في الأسفار الإلهية يطلب الإنسان” (القديس أمبروسيوس)

“يا رب، إن اليهود حكموا عليك بالموت يا حياة الكل، والذين أجزتهم البحر الأحمر بالعصا سمّروك على صليبٍ، والذين أرضعتهم من الصخرة عسلاً قدّموا لك مرارة، إلا أنك احتملتَ كل ذلك طوعاً لكي تُتقنا من عبودية العدو أيها المسيح المجد لك” (خدمة الساعة الثالثة، يوم الجمعة العظيم)

 

 

 

[1] J. Fitzmyer: The Gospel According to Luke X-XXIV, Anchor Bible, New York: Doubleday, 1985.

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

كيف نفهم “مثل وكيل الظلم” المذكور في لوقا 1:16-13، خاصة قول الرب: “اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم” (لو 9:16)؟

Exit mobile version