كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF
كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDFكتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF
كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF
اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم – هل قالها المسيح في رجال الكهنوت الحاليين؟ – د.عدنان طرابلسي
اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم – هل قالها المسيح في رجال الكهنوت الحاليين؟ – د.عدنان طرابلسي
هذا تأويل خاطئ لقول المسيح في الكتبة والفريسيين اليهود: “فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وأفعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا، لأنهم يقولون ولا يفعلون” (مت23: 3). هذا السؤال يدل، ويا للأسف، على أن الناس لا تقرأ الكتاب المقدس. ومع ذلك يبقى قول المسيح هذا خالداً وينطبق على جميع الذين يعلّمون الكلمة الإلهية ولا يعملون بها لأنهم يأخذون دينونة أعظم. لهذا السبب ينصحنا الرسول يعقوب: “كونوا عاملين بالكلمة لا سامعين فقط خادعين نفوسكم” (يع1: 22)؛ وأيضاً: “لا تكونوا معلّمين كثيراً يا أخوتي، عالمين أننا نأخذ دينونة اعظم” (يع3: 1).
والذهبي الفم في تفسيره لمتى23، يقول إن الرب ينتقد حياة الكتبة والفريسيين الفاسدة ومحبتهم للمجد لا لكي نحتقر نحن معلّمينا ولا حتى نثور ضد كهنتنا. ويقول إن شر المعلّم لا يبرر شر تلميذه أو تهاونه، لأن المعلّم يتكلّم بكلمات الله لا بكلماته هو، لهذا السبب قال السيد “كل ما قال لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه” حتى ولو كان المعلّم لا يقوم به في حياته، لأنه سيأخذ دينونة أشدّ. الشيء المضحك والمبكي هنا ان الكثيرين من الذين يقولون اليوم: “اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم” لا يعرفون هذه الأقوال ولا يحفظوها ولا يطبقونها في حياتهم.
ومن جهة أخرى، إن رسالة رجل الدين (الأسقف بصورة رئيسية لأنه كان شماساً فكاهناً ومن ثم اسقفاُ، وهو المترأس في الكنيسة) هي تعليم كلمة الله لخلاص الناس. فلا ينبغي على رجل الدين ان يعلّم تعليمه هو أو ان يُدلي برأيه الشخصي في الكنيسة إلا إذا كان على إتفاق مع الكتاب المقدس ومع تقليد الكنيسة. إنحرافات رجال الدين عن رسالتهم في القول والفعل والفكر هي إلاسباب الرئيسية التي تدفع الناس العاديين (وهم الأكثرية) إلى الإلحاد بأنواعه وألوانه (النظري والعملي، العلني والخفي، الجزئي والتام، إلخ..).
رجل الدين هو رسولٌ للمسيح وتلميذٌ له وسفيرٌ ونائبٌ ووكيل أسراره؛ عليه أن ينقص في كل شيء لكي ينمو المسيح فيه فيظهر المسيح للناس حيّاً بينهم. هكذا تصير حياة رجل الدين هي حياة الكنيسة نفسها، ويصير فكره وأقواله وأفعاله هي نفسها فكر الكنيسة وأقوالها وأفعالها. لهذا فالإكليريكية ليست بالأمر السهل وليست تجارة (كما أضحت في كثير من الأحيان).
إنها دعوة وشهادة وإستشهاد ومن إستطاع أن يقبل فليقبل، وإلا لكان نير الإكليريكية على غير المستحقين صليباً للدينونة لا للخلاص! فالأسقف اليوم هو خليفة تلاميذ المسيح ورسله؛ هو خليفة إغناطيوس الأنطاكي وإيريناوس والذهبي الفم وباسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ومكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقي وبالاماس وثيؤفانس الحبيس ويوحنا كرونشتادت، إلخ… من آباء ومعلّمين وشهداء ومعترفين ورسل ومبشّرين ونسّاك ومتوحّدين… أسقف اليوم هو تلميذٌ لمن سبقه وأبٌ لمن سيخلفه، لهذا عليه واجب تسليم الوزنة الرسولية بأمانة وإخلاص وإجتهاد، وإلا لكان حسابه عسيراً.
كثيرون من المفسّرين يقولون إن المسيح قد حرّم ان ندعو أحداً على الأرض أباً، فختاروا ألقاباً أخرىمثل: “مُحتَرَم”، “قسيس”، “راعٍ”، إلخ. لكن التفسير السطحي والحرفي لقول الرب هذا يعني أنه لا يجوز لنا أبداً أن ندعو إنساناً على الأرض “اباً”، سواء أكان رجل دين (أباً روحياً) أم لا.
لأن الآب وحده من يجب أن يُدعى هكذا. لو أخذنا بهذا التفسير الضيّق لوجدنا أن الرسول بولس قد خالف وصية المسيح، لأنه يقول: “لأنه وإن كان لكم ربواتٌ من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون، لأني انا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل” (1 كور4: 15). فبولس يدعو نفسه هنا “أباً” للذين ولدهم بالإنجيل.
ويدعو تيموثاوس وتيطس “إبني”. ويوحنا الإنجيلي في رسالته يستعمل لفظة “يا أبنائي الصغار” (1 يو2: 12 و14). أيضاً يدعو بولس اسلافنا “آباء” لنا (1 كور10: 1). ويستعمل لقب “أب” لمخاطبة الآباء قائلاً: “أيها الآباء..” (كول3: 21). والرب نفسه، في مثل الغني والعازر، يذكر أن الغني خاطب إبراهيم قائلاً: “يا أبي إبراهيم” (لو16: 24). لم يجبه إبراهيم قائلاً: ألا تعرف أن الله الآب فقط هو من يجب أن يُدعى أباً؟”.
ولكنه أجاب الغني: “يا إبني” (لو16: 25). ولو تابعنا قراءة (متى23: 10) لوجدنا: “ولا تدعوا معلّمين لأن معلّمكم واحدٌ، المسيح”. لكن المسيح نفسه دعا نيقوديموس “مُعلّم إسرائيل” (يو3: 10). وكان يوجد في كنيسة إنطاكية “أنبياء ومعلّمون” (أع13: 1). وبولس يذكر أن الله وضع في الكنيسة “معلّمين” (1 كور12: 28؛ أفسس4: 11). إذاً لم يقصد المسيح القول إنه لا يجوز أن ندعو أحداً “أباً” إلا الآب، ولا أحداً “مُعلّماً” إلا المسيح.
وبولس الرسول والكنيسة كلها لم تفهم قول المسيح هذا كما يحاول البعض أن يفهمه اليوم. يبقى السؤال: ماذا قصد المسيح من قوله هذا لإذن؟
المناسبة التي فيها قال السيد هذا القول تشرح لنا معناه. فالمسيح كان يتكلم عن الكتبة والفريسيين وكان ينتقد ممارستهم وتعليمهم، وكيفية إستعمالهم للقب “أب” و”مُعلّم”. يقول: “على كرسي موسى جَلَسَ الكتبة والفريسُيون” (متى23: 1).
وبدلاً من تعليم شريعة موسى صاروا يعلّمون تقليدهم الخاص (مر7: 8 و9)، “مُبطلين كلام الله بتقليدكم الذي سلّمتموه” (مر7: 13). لهذا كان يسوع يحذّرهم من إستعمال مناصبهم وألقابهم ليقيموا من حولهم تلاميذ لهم ولتقاليدهم وليس تلاميذ لله ولشريعته. ومع مجيء المسيح، صار على رجال الدين أن يعلّموا “تعليم الرسل” (أع2: 42) أو “تعليم المسيح” (2يو9)، الذي هو “المُعلّم” الحقيقي و”ألاب” الحقيقي، وما رجال الدين إلا صورٌ حية له.
وكما يقول الذهبي الفم: “لأنه (المسيح) علّة كل شيء، علّة المُعلّمين وعلة الآباء معاً”[1]. لهذا كل “مُعلّم” وكل “أب” في الكنيسة ما هو إلا قناة حية لتسليم التعليم الذي وصل إليه من المسيح، “المُعلّم الأكبر”، بالرسل. أو بكلمة أخرى، ليس “المُعلّم” أو “الأب” في الكنيسة هو مصدر التعليم، بل يسوع المسيح نفسه، بالروح القدس الساكن في الكنيسة.
وإلا صار هذا المُعلّم أو الأب تحت الدينونة نفسها التي طالت الكتبة والفريسيين.
[1] الموعظة72: 3 على إنجيل متى. (راجع الجزء الرابع من ترجمة شرح إنجيل متى للذهبي الفم).
كيف ندعو الكاهن أبانا والكتاب يقول: “لا تدعوا لكم أباً على الأرض..” (متى23: 9)؟ – د. عدنان طرابلسي
لماذا أمر الرب الذين من حوله أن لا يقولوا أنه كان المسيح “المسيا”؟
لماذا أمر الرب الذين من حوله أن لا يقولوا أنه كان المسيح “المسيا”؟
لماذا أمر الرب الذين من حوله أن لا يقولوا أنه كان المسيح “المسيا”؟
للإجابة على هذا السؤال، يجب أولاً تعريف كلمة “المسيح” العربية التي هي تعريب لكلمة “المسيّا” العبرية.
لمحة تاريخية: كلمة المسيح في اللغات السامية تعني الممسوح. موسى رسم مسحة (خروج30: 31…). شملت المسحة هارون ونسله الكهنوتي (خروج29: 7 و30: 30 والمزمور132/133: 7). ثم مُسِح الملوك. وبين الاعوام 1000 إلى 587ق.م، عندما حكمت الملكية الداؤودية اليهودية، كان كل ملك يُمسح ويُعتبر ممسوحاً (أو مسيح) الرب وممثل الله أمام الشعب[1].
كانت المرتبة المسيانية للسلالة الحاكمة الداوودية تتمتع بالميزات التالية: إنتخاب داود من قبل يهوه، الوعود بالنصر والسيطرة الواسعة، تبنّي داود وخلفائه كأبناء، الوعد بسلالة حاكمة أبدية غير مشروطة بإخلاص خلفاء داود ليهوه. كان الملك أداةً للأمن السياسي ورفاهية الشعب. في القرن الثامن قبل الميلاد، حدث تطور في المسيانية المَلَكية، بعد أن عتّم ملوكٌ أشرارٌ على مجد السلالة الداوودية ولطًخوا الرجاء المسياني بفكرة أن كل ملك سيكون مخلّصاً لشعبه.
أشعياء على الخصوص أثار رجاءاً مختلفاً: ستوجد قوة ليهوه ستُحيي السلالة الحاكمة وتضمن إستمراريتها، لأنه بالمستقبل القريب سيُقيم الله خليفة مستحقاً لداود. (أشعياء7: 14-16 و9: 6-7) تصفان الوارث الذي سريعاً ما سيولد كآية على أن الله ما يزال مع شعبه المختار (عمانوئيل). سيؤسس الوارث العدالة، ويبني إمبراطورية فسيحة، ويورد السلام إليها، وسيستحق أن يُدعى بألقاب مثل: عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً ابدياً، رئيس السلام. حدث تبدل جذري بعد النفي في مفهوم الرجاء الداوودي المسياني.
فلم تعد سلالة الداوودية حاكمة بعد في أورشليم، وبالتالي فالممسوح (المسيح) المنتظر بالكاد يستطيع أن يكون الملك التالي. فالملك المثالي المنتظر سيأتي في مستقبل غير معين عندما يُستعاد عرش داود. هكذا بزغت تدريجياً فكرة الملك المسياني بالمعنى الذي إعتاد الكثيرون أن يفكروا به. بالطبع ما يزال المسيح شخصاً بشرياً سيأتي في حدود التاريخ، لكن عمله سيكون ظهوراً خاصاً لقوة يهوه، وسيحرّر الشعب بدون حدود ويمنحهم الخيرات الروحية والمادية معاً.
مع ذلك، بما أنه لم توجد سلالة حاكمة منظورة لتُنتج هذا الشخص، فقد ظهرت آمال وتوقعات يهودية اخرى غلى جانب التوقعات الداودية، مثل الخلاص بكاهن مثالي، او نبي مثل موسى، أو بالله بدون معونة بشرية. في أيام الرب يسوع نجد توقعات مختلفة تتعلق بالمسيح المرجو. فلم يتوقع كل اليهود مجي المسيح، والذين كانوا يتوقعون مجيئه كان لهم تصورات مختلفة عنه كما تدل عليها المصادر اليهودية في تلك الفترة[2].
والأدب اليهودي بين 200ق.م و100م ذكر مرات قليلة هذا اللقب بالإشارة إلى شخص مستقبلي. توجد اكثر من 15 مرة تّذكر فيها كلمة “المسيح” في مخطوطات البحر الميت المؤلفة خلال 150سنة. بالإضافة غلى ندرة الإشارات (أقل من30) خلال300 سنة عن توقع مجيء المسيح، نضيف حقيقة أخرى أنه رغم أن يوسيفوس، المؤرخ اليهودي المشهور المعاصر للمسيح، قد وصف كل أنواع الشخصيات التاريخية (أنبياء، كهنة، ملوك، مثيري شغب) في القرن الأول الميلادي، إلا أنه لم يدعُ احداً منهم قط مسيحاً.
إلا أن يوسيفوس يشير إلى يسوع بلفظة “مسيح، خريستوس” مرتين. إذاً قبل هذا لا يوجد شخص في هذه القرون قد أعتبره اليهود أنه المسيا المَلكي سوى يسوع الناصري. ولكن في كتاب الصلوات اليهودي_العبري_العربي (القاهرة1917) تتردّد كثيراً عبارة: “وليأتِ المسيح في أيامنا وايام أولادنا ولتحلّ علينا بركته” فدخول الأمر الصلوات اليومية أهمّ شأناً من ذكره عضاً أو قصداً في الكتب الأخرى.
وهذا مؤيد بحادثة وردت في إنجيل يوحنا: كان يسوع قد ذكر رفعه على الصليب، فأجابه الجمع: “نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد، فكيف تقول أنت أنه ينبغي أن يرتفع إبن الإنسان؟” (يو12: 34). المقصود هنا بالناموس الكتاب المقدس. فعقيدة مجيء المسيح وبقائه إلى الأبد كانت، إذاً، آنذاك شعبية لدى الجموع. وسماه كثيرون “إبن داود” وبخاصة في يوم أحد الشعانين.
“المسيح في الاناجيل”: إختصاراً للوقت، سنذكر هنا أربعة حوادث ترد فيها مسألة لقب “المسيح” ليسوع، وهي: سؤال يوحنا المعمدان، إعتراف بطرس، سؤال رئيس الكهنة اليهودي في محاكمة السنهدرين، وحديث الرب مع السامرية.
شهادة يوحنا المعمدان: “أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه مَن أنت؟. فاعترف ولم ينكر وأقرّ أني لستُ المسيح. فسألوه: إذاً ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لستُ أنا. ألنبي أنت ؟ فأجاب لا… فسألوه وقالوا له: فما بالك تعمّد إن كنتَ لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟ (يو1: 19-25). يوحنا أجاب أولاً: “لست المسيح”.
الفريسّيون قالوا: “إذا لم تكن المسيح…”. وحين النزول من جبل التجلّي سأل التلاميذ الثلاثة يسوع: “فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً؟” (متى17: 10). والكتبة فريسّيون. والفريسّيون هم علماء الدين. ففي أيام يسوع كان تعليمهم عن مجيء إيليا أولاً والمسيح ثانياً تعليماً مقرّراً رسمياً. وكان الشعب يردّد كلام الكتبة والفريسّيين. فبعض النقص في المدونات اليهودية لا يؤثر على الحقيقة الثابتة في هذا الحوار.
إعتراف بطرس: جواباً على سؤال الرب يسوع لتلاميذه “من يقول الناس إني انا؟”، “أجاب بطرس وقال له: انت المسيح” (مر8: 29-33)، “أنت هو المسيح إبن الله الحي” (مت16: 15-23)، “ومسيح الله” (لو9: 20-22). بعد هذا الإعلان ينتهر الرب يسوع تلاميذه كي لا يُخبروا عنه. لا يعني هذا أن إعتراف بطرس خاطئ، لأن الرب يمدح بطرس على هذا الإعتراف. لكن يسوع يبدي تحفظاً هنا تجاه مفهوم المسيّا لدى الناس، لأنه لن يقبل بتعريفهم للمسيّا بدون عنصر الآلام المرتبط به إرتباطاً جوهرياً.
من هنا نفهم لماذا وبّخ الرب تلميذه بطرس بقسوة لأنه رفض، بدون إدراك، هذه العلاقة بين المسيا وبين آلام يسوع (مت16: 22-23). إذاً لم يرفض الرب يسوع لقب المسيّا وإنما رفض المفهوم الشائع له لدى الناس عامةً والتلاميذ خاصةً والذي يفصله عن الإرتباط بالآلام.
سوء فهم هذا اللقب هو الذي رفضه الرب. بعد تكثير الخبزات الخمس سعى اليهود لتنصيبه ملكاً، ففّر من وجوههم (يوحنا6). ما كان يسوع يريد مثل هذه المغامرة اليهودية ذات الطابع المدني الثائر ضد الرومان. وأعلنه للسامرية لأن السامريين لا يفكرون في مغامرة كهذه، بل قالوا فيه: “… مخلّص العالم حقاً” (يوحنا4: 42) مخلّص العالم لا مخلّص اليهود أو السامريين وحدهم.
سؤال رئيس الكهنة في محاكمة السنهدرين: سأل رئيس الكهنة: “أنت المسيح إبن المبارك؟” أجاب يسوع في مرقس: “أنا هو” (مر14: 62)، وفي متى: “أنت قلت” (مت26: 64)، وفي لوقا: “إن قلت لكم لا تصدقون؛ وإن سألتُ لا تجيبونني” (لو22: 67-68). يدل هذا على أن مسألة “المسيح” قد أُثيرت خلال حياة يسوع. ففي مرقس كان جواب الرب بالإيجاب؛ وفي متى “… أنت إذاً إبن الله؟” … قال: “أنتم تقولون إني أنا هو”. يوافق الرب في جوابه الإيجابي على السائل رئيس الكهنة.
لم ينجح على شهادات متطابقة، فلجأ إلى إستجواب يسوع لينتزع منه إقراراً قضائياً يكفي للحكم على يسوع. لم يخف يسوع. إعترف بالحقيقة، فحكم عليه السنهدرين بالموت. وفي لوقا جواب الرب موجّه إلى المجمع بصورة تجمع نصّي متى ومرقس. في يوحنا قالوا: “إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهراً، أجابهم يسوع: إني قلتُ لكم ولستم تؤمنون” (يو10: 24-25). أيضاً لم ينكر الرب أنه المسيّا، لكنه كان يعرف أنهم لن يؤمنوا بالمعنى الحقيقي لهذا اللقب ولن يفهموه.
حديث الرب مع السامرية: هنا تقول السامرية للرب: “أنا أعلم أن مسيّا الذي يقال له المسيح يأتي. فمتى جاء ذاك يُخبرنا بكل شيء. قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو” (يو4: 25-26). على مستوى القصة، كان جواب الرب أنه المسيّا تأكيدي وإيجابي ومدعوم بـ(يوحنا1: 41). إن الفهم السامري للمسيّا لم يكن يحمل التلّون السياسي الذي كان للفهم اليهودي، ولأن السامريين لم يتوقعوا المسيح لأنهم رفضوا العهد بين الله وداود عن إستمرار التعاقب الملوكي لسلالة داود.
حديث الرب يسوع مع السامرية (يوحنا4: 20-25) قادها إلى معرفة كون الخلاص ياتي من اليهود، وإلى عبارة الآب بالروح القدس والحق فآمنت بإنه نبيّ وأن كان يهودياً. فأعلن لها يسوع عبارة الآب ومسيحيانته. إذاً، من الأناجيل الأربعة نعرف أن الرب يسوع لم ينكر أنه كان المسيح، وإلا لكان تلاميذه قد قالوا أنه كان قد صُلِب بتهمة كاذبة (تهمة كونه ملك اليهود، أي المسيح). لكنه كان مسيحاً وملكاً من نوع آخر.
المفهوم الشعبي للمسيح: كما رأينا، تلوّن مفهوم المسيّا في اليهودية المعاصرة ليسوع بلون سياسي قومي، وأكتسب تحت الحكم الروماني نبرات سياسية قوية، وصار يُنظر إلى المسيّا كملك قومي لليهود من نسل داود، وظيفته أن يحرّر اليهود من الإستعمار الروماني ويؤسس مملكة أرضية يهودية. فعند الدخول الأخير إلى أورشليم في أحد الشعانين، عبّرت الجموع عن تطلّعاتها القومية بأن يكون يسوع الناصري ملكاً وطنياً مثل ياهو (2 ملو9).
وحتى قبل حلول الروح القدس على التلاميذ يوم العنصرة، نجد أن التلاميذ أنفسهم كانوا ما يزالون يشاركون اليهود بعض هذه التطلّعات. إذ قال إثنان منهما عندما قابلهما الرب في الطريق غلى عمواس: “ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل” (لو24: 21). والصدى نفسه نجده في سؤال التلاميذ ليسوع قبل صعوده إلى السماء: “يا رب، هل في هذا الوقت ترّد المُلك إلى إسرائيل؟” (أع1: 6). لهذا كان الرب متحفّظاً جداً من دعوة أي واحد له بالمسيح (مر1: 34؛ مر5: 43؛ مر9: 9).
لكن الرب يسوع كان ملكاً، قد أتى ليؤسّس مملكة، وليحرّر شعبه وليرد المُلك إلى إسرائيل؛ لكنه كان ملكاً من نوع آخر، ملكاً كونياً إلهياً أتى ليؤسّس مملكة ليست على هذه الأرض، ملكاً يحرّر شعبه من أهم عدو له وهو الخطيئة، ملكاً يرد المُلك إلى إسرائيل الجديد وهو الكنيسة، ملكاً ترتبط ملكيته ومسيانتيه إرتباطاً بالآلام والموت (عبد يهوه في أشعيا) وبالتالي بالقيامة.
هذا المسيح الملك تمّم مسيانيته بإنجازه خروجاً exodus من نوع جديد في أورشليم (لو9: 31)، خروجاً يترادف مع موته على الصليب، فيه خلّص شعبه من عبودية الخطيئة والموت فأخرجهم منهما، ومنحهم حياة أبدية وملكوتاً سماوياً، ومواطنة جديدة في أورشليم السماوية الجديدة[3].
لاهوتياً: قال غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الدمشقي إن لاهوت يسوع هو مسحة لناسوته. وقال كيرللس الإسكندري إن الروح القدس مسح يسوع وسكن في ناسوته يوم البشارة. أما سرمدياً فالروح القدس ساكنٌ في يسوع الإله. ولذلك لقب “المسيح” في اللاهوت يدلّ على لاهوت يسوع أيضاً. (د. عدنان طرابلسي)
[2] مخطوطات البحر الميت؛ مزامير سليمان (القرن الأول ق.م)؛ إلخ.
[3] راجع للإستزادة: R.E. Brown: the death of the Messiah, p. 473 وشرح إنجيل متى للقديس يوحنا الذهبي الفم، ترجمة د. عدنان طرابلسي، الجزء الثالث، دراسة: “مَن يقول الناس إني أنا”
لماذا أمر الرب الذين من حوله أن لا يقولوا أنه كان المسيح “المسيا”؟
لم يذكر الإنجيلي يوحنا سر الإفخارستيا “سر الشكر” – د. عدنان طرابلسي
لم يذكر الإنجيلي يوحنا سر الإفخارستيا “سر الشكر” – د. عدنان طرابلسي
لماذا لم يذكر الإنجيلي يوحنا سر الإفخارستيا “سر الشكر” أو العشاء الاخير؟ – د. عدنان طرابلسي
رغم أن الإنجيلي يوحنا قد ذكر العشاء الأخير قبل موت الرب إلا أنه أغفل سر الشكر (كسر الخبز) فيه، لا لأنه كان يجهله، بل لأنه ذكر الإفخارستيا في مكان آخر. فمن كتابات بولس الأولى (أعمال2: 42) نجد أن المسيحيين قد عرفوا سر الشكر (1 كور11: 23-26)، ويوحنا الإنجيلي، الذي كتب في نهاية القرن الأول، كان يعرف سلفاً هذا السر ويحتفل به، إلا أنه نقل موضعه في إنجيله حتى يعطيه أبعاداً أخرى لم تكن واضحة من قبل. وفي الحقيقة كان وصف يوحنا للعشاء الأخير أطول من وصفه في الأناجيل الإزائية (متى، مرقس، ولوقا).
فيوحنا لم يربط كلمات الإفخارستيا في العشاء الأخير مع حادثة وحيدة منعزلة من حياة الرب، بل مع تكثير الخبزات، وهي آية حدثت أثناء بشارة يسوع. فالخبز الذي اطعم به يسوع الجموع كان علامة لخبز (أو لطعام) روحي يغذّي الحياة الروحية المعطاة في المعمودية. وفي الإصحاح السادس من يوحنا، بعد التأكد على القيمة الغذائية الروحية للكشف الذي هو الخبز من السماء، يؤكّد يسوع على القيمة الغذائية لجسده ودمه، والتي هي لغة يوحنا الإفخارستية. فالفضل ليوحنا في التأكد على أن الإفخارستيا هي طعام: طعام الحياة الأبدية.
ويوحنا ذكر العشاء وغسل الأرجل أثناءه. من عادته أن لا يكرّر الأناجيل الأزائية (مثلاً: معمودية يسوع، البشارة في الجليل…) وهناك علاقة أخرى بين كسر الخبز وظهورات يسوع الناهض من الأموات عند الوجبات عندما كسر الخبز. ففي (لو24: 35) يتم التعرّف على يسوع عندما يكسر الخبز.
هذه العلاقة بين كسر الخبز والتعرّف على يسوع تؤكد على الحضور الحقيقي ليسوع في الإفخارستيا. لأن يسوع الناهض من الأموات حاضرٌ في الإفخارستيا. هكذا توجد علاقة بين العشاء الأخير وكسر الخبزات وظهورات يسوع عند الوجبات بعد قيامته. هذه العلاقة طوّرت لاهوت الإفخارستيا في الكنيسة الأولى بنعمة الروح القدس.
لم يذكر الإنجيلي يوحنا سر الإفخارستيا “سر الشكر” – د. عدنان طرابلسي
سنجيب على هذا السؤال من ثلاثة جوانب: 1-موقع العشاء الاخير الزمني بالنسبة لفصح اليهود. 2-خصائص العشاء الاخير الفصحية. 3-كيف فهم مسيحيو العهد الجديد هذا العشاء كعشاء فصحي[1].
أولاً/ موقع العشاء الاخير الزمني بالنسبة لفصح اليهود: عند الشفق الذي يُنهي غروب 14 نيسان ويبدأ معه 15 نيسان يُذبح الحمل الفصحي اليهودي ويُرش دمه على عتبات المنازل. وعندما صارت الحملان تُذبح في الهيكل (بدأ هذا قبل أيام المسيح)، كان الذبح يبدأ بعدة ساعات قبل غروب 14 نيسان. بعد غروب 14 نيسان يبدأ يوم 15 نيسان في التقويم اليهودي، فيُحمّص الحمل المذبوح ويؤكل مع خبز فطير وأعشاب مرّة.
مع بداية 15 نيسان يبدأ أسبوع من عيد الفطير. وقبل أيام يسوع ب600 سنة تمّ دمج هذين العيدين معاً بصورة صارت الإشارات الإنجيلية إلى عيد الفصح أو عيد الفطير غير واضحة تماماً لتحديد تاريخ أي منهما. تتفق الأناجيل الأربعة في أن العشاء الاخير حدث يوم الخميس، وأن الصلب حدث يوم الجمعة. إنما يوجد عدم تطابق في تاريخ عيد الفصح اليهودي في أسبوع الآلام بين الأناجيل الإزائية وبين إنجيل يوحنا. إختصاراً لهذه النقطة سنستعرض هذين التاريخين في الجدول التالي:
كتابياً، لا يوجد تناقض حقيقي بين هذين التاريخين. يمكن مراجعة مناقشة هذه النقطة كتابياً في المرجع السابق المذكور. تاريخ يوحنا هو الأصح. وليتورجيا الكنيسة الأرثوذكسية تتبنّى تاريخ يوحنا.
ثانياً/ خصائص العشاء الاخير الفصحية: توجد خصائص فصحية واضحة في العشاء الاخير[2]. من هذه الخصائص بإختصار:
حدث العشاء الاخير في أورشليم (مر14: 13 وموازياته؛ يو18: 1). كان يسوع يمضي ليلته في الأسبوع الاخير في بيت عنيا (مر11: 11 وموازياته)، بينما تناول العشاء الاخير في أورشليم (المزدحمة بموسم الحج أثناء الفصح. قُدّر عدد الناس أكثر من 100000 نسمة)، كي يحافظ على قاعدة الفصح القائلة يجب تناول الفصح في أورشليم.
حدث مع الاثني عشر (مر14: 17؛ مت26: 20) حتى يتفق مع قاعدة الفصح في أنه على الأقل عشرة أشخاص يجب أن يشاركوا فيه.
اتكأوا إلى المائدة (مر14: 18 وموازياته؛ يو13: 21 و23). يتكأ الآكلون في مناسبات معينة (حفلة، عيد، زفاف). وفي العشاء الفصحي يتكئ المشاركون دلالة على التحرر من العبودية (إحتفالاً).
كسر الخبز (مر14: 22؛ مت26: 26). مر14: 22 يذكر وجبة فيها كُسر الخبز بعد تقديم صحنٍ. عادة الفصح هو الوجبة الوحيدة في السنة التي يُقدّم فيها صحنٌ يسبق كسر الخبز.
شرب الخمر (مر14: 23 وموازياته). شرب الخمر يحدث فقط في المناسبات (ختان، خطبة، زفاف،، أحزان)، وفي الأعياد (الفصح، العنصرة، عيد المظال).
توكيل يهوذا بالتبرّع للفقراء (يو13: 29). إفترض التلاميذ أن يسوع قد فوّض يهوذا (يو13: 26) بإعطاء شيء للفقراء، “وكان ليلاً” (يو13: 30). من الصعب الإفتراض أن يسوع قد إعتاد على التصدّق للفقراء ليلاً إلا إذا كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً حيث كان من المعتاد القيام بهذا.
إختتام العشاء الاخير بالتسبيح (مر14: 26؛ مت26: 30). التسبيح يخصّ العشاء الفصحي وهو مختلف عن الشكر في نهاية كل وجبة.
عدم العودة إلى بيت عنيا بعد العشاء: عاد يسوع إلى جبل الزيتون (مر14: 26 وموازياته)، إلى بستان شرقي وادي قدرون (يو18: 1)، لأنه يجب تمضية ليلة الفصح في أورشليم التي كانت تضم أيام يسوع بيت فاجي وبيت عنيا ووادي قدرون وبستان جثسيماني.
تفسير الخبز والخمر: فسّر يسوع معنى الخبز والخمر في العشاء الاخير. وتفسير عناصر الوجبة جزء راسخ من الطقس الفصحي. إذ يفسّر ربّ العائلة عناصر الوجبة الفصحية (الحمل، الفطير، الأعشاب المرّة). هنا أعطى يسوع تفسيراً جديداً، تفسيره هو، لعناصر العشاء الاخير بطريقة جديدة تشير إلى ذبيحته وإلى كونه الحمل الفصحي.
ثالثاً/ كيف فهم مسيحيو العهد الجديد هذا العشاء كعشاء فصحي: ذكر بولس تقليداً مسلّماً إليه (يعود ربما إلى الثلاثينات) لعشاء اخير حدث قبل موت يسوع (1 كور11: 23-25). وطلب من قرّائه أن ينقّوا الخميرة العتيقة بمقدار ما هم فطيرٌ، “لأن فصحنا ايضاً، المسيح، قد ذُبح لأجلنا” (1 كور5: 7). فالمسيح قام من الأموات وصار “باكورة الراقدين” (15: 20). إذاً، موت يسوع وقيامته في ذهن بولس مرتبطان برمزية الأيام الإفتتاحية لموسم الفصح/ الفطير.
لهذا فالعشاء الاخير ليسوع قد فهمه المسيحيون لاهوتياً كعشاء فصحي، وربطوا موت يسوع بتضحية الحمل الفصحي، فصار يسوع هو الحمل الفصحي (1 بطر1: 19). ورؤيا يوحنا (5: 6-14) تصوّر المسيح، في إطار ليتورجي من الصلوات والبخور، كحملٍ مذبوحٍ، دمه أشترى الناس من كل قبيلة لله. (مرقس14: 12-16) يقدّم العشاء الاخير كعشاء فصحي. و(لوقا22: 15) يفسّر مرقس عندما بدأ يسوع العشاء بالقول إنه إشتهى أن يأكل هذا الفصح مع تلاميذه قبل آلامه.
ومن الواضح أنه في هذا العشاء الفصحي إن الكلمات الملفوظة بالإشارة إلى الخبز والخمر تعطي جسد يسوع ودمه المكان المركزي الرئيسي المخصّص عادة للحمل المضحّى به في الهيكل. هذا الحمل لم يُذكر قد لدى العشاء الاخير في الأناجيل، لأن يسوع هو الحمل الفصحي هنا. أما يوحنا فقد قدّم رؤية ليسوع على أنه الحمل الفصحي. فيسوع هو “حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو1: 29 و36)، و”دم يسوع المسيح إبنه يطهرنا من كل خطية” (1 يو1: 7)، و”هو كفارة خطايانا” (1 يو2: 2).
والجنود لا يكسرون عظماً ليسوع (يو19: 33)، مكملّين وصفاً كتابياً للحمل الفصحي (خر12: 10، 46؛ العدد9: 12). وتُستعمل الزوفى لرفع إسفنجة مملوءة خلاً إلى شفتي يسوع (يو19: 29) كما أُستعملت الزوفى لرش دم الحمل الفصحي على عتبات بيوت الإسرائيليين (خر12: 22). هكذا كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً، كان يسوع فيه هو الحمل الفصحي، إذ قدّم جسده ودمه للمؤمنين به لينالوا الخلاص.
والأناجيل الإزائية فهمت هذا العشاء كعشاء فصحي إنما لم تراعٍ التاريخ الزمني بالنسبة لفصح اليهود، مشيرة إلى أن يسوع قد أقام فصحه الخاص به، فصحاً جديداً، لكي يلغي الفصح اليهودي. بينما كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً لدى يوحنا، حيث كان فيه يسوع هو الحمل الفصحي الذي ذُبح على الصليب عندما كانت حملان اليهود الفصحية تُذبح في الهيكل. هكذا تتفق الأناجيل الأربعة في اللاهوت الفصحي الواحد نفسه[3].
[1] راجع الدراسة المفصلة في الدراسات الكتابية في الجزء الثالث من شرح الذهبي الفم لإنجيل متى.
[2] Joachim Jeremias: the Eucharistic word of Jesus. The MacMillan Company, New York, 1955. P.14.
[3] نوّهت في الحاشية 112 ص128-129 من كتابي “يا يسوعاه!” بالخلاف في الغرب حول العشاء السري. الإختلاف بين الأناجيل حول تاريخ الفصح سطحي. فهم جميعاً متفقون على وقوع العشاء يوم الخميس والصلب يوم الجمعة والقيامة يوم الاحد. والبعض كالنص هنا وملحق معجم الكتاب الفرنسي يقولون إن يسوع لم يأكل الفصح اليهودي. B.J. الرصينة تقول إن يسوع قدّم موعد أكله الفصح يوماً واحداً وأكل الخروف الفصحي فأنهى فصح اليهود.
ثم أسّس سر الشكر (الحاشية على لوقا22: 17). شرح إنجيل مرقس الذي ترجمه من اليونانية الأب أفرام كرياكوس يوافق ذلك. حديثاً الكسندر Men الروسي اليهودي الأصل قال بتقديم الموعد وأكل الخروف. ويذهب إلى أن الذهبي الفم قال بتقديم الموعد. لم يقل ذلك صراحة ولكنه أعتبر عشاء الخميس فصحاً ومساء الجمعة فصحاً. (اسبيرو جبور).
هل كان العشاء الاخير للرب يسوع عشاءاً فصحياً أم عادياً؟ – د. عدنان طرابلسي
ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” (متى 24:1) – هل عرف يوسف مريم بعدما ولدت يسوع؟
ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” (متى 24:1) – هل عرف يوسف مريم بعدما ولدت يسوع؟
هل تعني آية “ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” (متى 24:1) أن يوسف قد عرف مريم وتزوجها بعد ولادة يسوع؟ خاصة وأن يسوع قد دُعي “ابنها البكر” دالاً بالتالي على ولادة أخوة له من بعده؟
إن صيغة “ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” تدل حتماً على الزمان السابق لكلمة “حتى eos”، ولا تعطي أية معلومات تفيد ما حدث بعد “حتى”. الإنجيلي متى هنا مهتمٌ بالتأكيد على بتولية مريم قبل الولادة تحقيقاً أشعياء 14:7. وبرأي معظم علماء الكتاب إن موضوع بتولية مريم بعد ولادة يسوع منها هو أمرٌ لا تفيد به هذه الآية.
لكن للكتاب استعمال معين لكلمة “حتى” يلقي المزيد من الضوء. فأولاً يستعمل كلمة “حتى” مع فعل بصيغة الإيجاب:
“يُشرق في أيامه الصديّق وكثرة السلام حتى يضمحلّ القمر” (مز 7:72، السبعينية). ولا يعني هذا أن الصديّق وكثرة السلام سيغربان بعد اضمحلال القمر.
“ها أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء الدهر” (مت 20:28). بالطبع سيظل يسوع معنا حتى بعد انقضاء الدهر.
ويستعمل الكتاب كلمة “حتى” مع فعل بصيغة النفي:
“ولم يكن لميكال بنت شاول ولدٌ حتى يوم موتها” (2صمو 24:6). بالطبع لم تنجب ميكال بعد موتها.
إذاً، إن صيغة “ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” لا تعني أنه عرفها بعد ولادة يسوع. الدراسة الكتابية على هذه الآية في الجزء الأول من شرح إنجيل متى للذهبي الفم تُظهر كيف أن الآية 25:1 وموضعها في الإصحاح الأول يشيران إلى أن متّى كان يقصد القول إن يوسف لم يعرف مريم لا قبل الولادة ولا بعدها.
أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال المتعلّق بكلمة “البكر”، فالكتاب المقدس نفسه أيضاً يجيب عليه. كلمة “البكر”، بالتعريف، تعني “كل فاتح رحم” (خرو 2:13)، لأن البكر الذكير هو مقدّس للرب، سواء أكان له أخوة من بعده أم لا. فالمولود الوحيد، بدون أخوة من بعده، يُدعى بكراً أيضاً. فقد كان لفرعون ابنٌ وحيد، ومع ذلك قُتل مع أبكار مصر. ويقول المزمور 27:98 عن دواد بن يسّى: “أنا أيضاً أجعله بكراً أعلى من ملوك الأرض”.
كان داود أصغر أبناء يسّى. والله لم يعكس ترتيب ولادته هنا وإنما كان يتكلّم عن “بكورية” داود الروحية، عن مكانته المتميزة بين الآخرين. لهذا لكلمة “البكر” معنى مهم في الكتاب، إذ تشير إلى علاقة خاصة بين الله وبين شعبه. وعندما ينتهك البكر هذه العلاقة فإنه يفقدها، كما حدث عندما أُعطيت البكورية إلى يوسف بدلاً من راؤبين (1أخ 1:5-2).
من هنا نفهم لماذا استعمل متى كلمة “البكر” ليسوع. لأن يسوع هو الابن الأول لمريم، ولأنه كبكرٍ اشترانا وردّنا إلى مُلك الآب بعدما صرنا متغرّبين عنه (تث 23:25-24). لقد حقّق يسوع معاني لقب “البكر” ومهامه. ولم يقصد متى أبداً أن يقول إن مريم قد ولدت أولاداً بعد يسوع. هذه خيانة للاهوت متى وللكتاب نفسه.([1]) (د. عدنان طرابلسي)
([1]) راجع ملحق “ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” (للدكتور عدنان طرابلسي) في الجزء الأول من شرح إنجيل متى للذهبي الفم.
ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” (متى 24:1) – هل عرف يوسف مريم بعدما ولدت يسوع؟
ليس غريباً أن يكون لشخص مهمٍ سلالة نسبٍ، خاصة إذا كان هذا الشخص شرق أوسطي مثل المسيح. ولسلالات النسب أهدافٌ مختلفة، وبالتالي يختلف عرض وصياغة كل سلالة نسب بحسب الغرض الذي ترمي الوصول إله. ونادراً ما تكون سلالة النسب دقيقة من الناحية البيولوجية. لكن هذه الحقيقة لا تُنقص من قيمة سلالة النسب ولا تجعلها غير دقيقة، لأن نيّة تدوينها لم تكن بيولوجية بالأصل. لهذا قد يُغفل الكاتب بعض الأسلاف لأن ذكرهم لا يخدم هدف تدوينه لهذه السلالة.
الإنجيلي متى (1:1-17) والإنجيلي لوقا (23:3-38) دونّا سلالتي نسب للمسيح. والمقارنة بينهما تُظهر لماذا اختلفت كل سلالة نسب عن الأخرى ولماذا دونّها كل إنجيلي بطريقته الخاصة. تنزل لائحة متى من إبراهيم إلى يسوع، وتستعمل صيغة معينة: “أ كان أبو (وَلَدَ) ب، ب كان (وَلَدً) ت” وهكذا. بينما تصعد لائحة لوقا من يسوع عبر آدم إلى الله وتستعمل صيغة: “أ بن ب، (ب) بن ت”. طريقة متّى هي أقرب إلى لوائح العهد القديم.
وبما أن لوقا يشمل الفترة السابقة للآباء (قبل إبراهيم)، فلائحته أطول من لائحة متى، إذ تحوي 77 اسماً عند متى. والفترة قبل الملكية في سلالتي النسب هي الفترة الوحيدة التي تتفق فيها هاتان السلالتان بشكل كبير.
توجد سلالتا نسب للرب يسوع لأن كل سلالة نسب قد كُتبت بهدف معين يختلف قليلاً عن الثانية. وربما تمثّل سلالة النسب في متّى تقليداً كان سائداً عن الانحدار الداوودي الملكي مع إضافة اسمي يوسف ويسوع إليها، بينما قد تكون سلالة النسب في لوقا هي لائحة انحدار عائلة أجداد يوسف.
كان اهتمام متى الرئيسي هو إظهار أن يسوع المسيح هو ابن إبراهيم، ابن الله. قرّاء متى من اليهود سيفهمون هذا بالتأكيد في متى، وقرّاء لوقا من الأميين (غير اليهود) سيقّبلون وسيفهمون تأكيد لوقا، خاصة وأن لوقا([1]) قد وضع سلالة النسب بين معمودية يسوع وبين تجاربه([2]). (د. عدنان طرابلسي)
([1]) بعد أكثر 19 قرناً يبدو التأويل عسيراً نسبياً. ولكن بالنبة لمعاصري متّى ولوقا كان الأمر طبيعياً ومفهوماً وإلا لاعترضوا عليه. نعرف من العهد الجديد انتساب اليهود إلى أسباط. فيوسف بن داود وأليصابات من بنات يعقوب وبولس من سبط بنيامين، وأثناء الاكتتاب ذهب كل واحد إلى بلده، فذهب يوسف ومريم إلى بيت لحم (أسبيرو جبور).
([2]) راجع الدراسة عن سلالة النسب (للدكتور عدنان طرابلسي) في ترجمة شرح إنجيل متى للذهبي الفم، الجزء الأول.
أين كان المسيح في طفولته وبداية بشارته ولماذا كانت الأناجيل صامتة حول هذه الفترة؟
أين كان المسيح في طفولته وبداية بشارته ولماذا كانت الأناجيل صامتة حول هذه الفترة؟
لا نعرف الكثير عن صبا الرب يسوع من الأناجيل القانونية إلا مشهداً واحداً عندما ظهر يسوع في الثانية عشرة من عمره في الهيكل (لو 41:2-51). حتى هذا المشهد يبدو أنه مستقلٌ. وعلى الأرجح أُدخل هذا المشهد في هذا الموضوع لغاية لاهوتية. ففي الإصحاح الأول من لوقا، يأتي ملاكٌ ويخبر العذراء أن يسوع هو ابن الله. وفي الإصحاح الثالث يُخبر صوت الله أن يسوع هو ابنه. وفي الإصحاح الثاني، يتكلم يسوع ولأول مرة، وهو ابن اثني عشرة سنة، ويعرّف الله بأنه أبوه: “ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي؟” (لو 49:2).
لهذا فغاية هذا الظهور هنا غاية خريستولوجية: إن يسوع الذي يعمل وبتكلم خلال بشارته كابن لله قد سبق وتصرف وتكلم كابنٍ لله منذ أول ظهورٍ له علناً. فهناك تواصلٌ مستمر خلال حياة يسوع: إن ليسوع، وهو في حضن عائلته، المعرفة والقوة والوعي نفسها التي أظهرها خلال بشارته. وفي الأناجيل الباطنية (الابوكريفا) نجد هذه الفكرة من إسقاط أعمال وأقوال يسوع خلال بشارته على فترة طفولته وصباه.
وحتى الانتقادات التي تعرض لها خلال بشارته نجد صدى لها هنا. ففي ” إنجيل الطفولة لتوما” الباطني نجد أن الصبي يسوع قد صنع طيوراً من الطين وجعلها تطير. فشكاه يهوديٌ ليوسف لأن يسوع كان يعمل بالطين في يوم سبتٍ. لهذا فقصة ظهور يسوع في الثانية عشرة من عمره لها مدلولٌ لاهوتي أكثر منه تاريخي.
ومن جهة أخرى، من المعروف أن يسوع قد عاش مع عائلته في الناصرة خلال صباه، وكان يعمل في النجارة، مهنة يوسف، حسب عادات ذلك الزمان([1]). ولأن الإنجيلين لم يكونوا مهتميّن بالنواحي التاريخية من حياة الرب إلا بالتي ذات مدلول لاهوتي خلاصي يخدم بشارتهم (يو 30:20-31)، فإنهم تغاضوا عن ذكر تفاصيل تاريخية لا تخدم هدف كتابتهم. فالأناجيل ليست سيرة حياة المسيح Biography. هذه نقطة جوهرية لا يفهمها الكثيرون. فكاتب السيرة يهتم بتدوين كل حدث تاريخي في حياة صاحب السيرة.
بينما الأناجيل الأربعة لا تقع تحت هذا التصنيف. مثلاً: مرقس ويوحنا لم يخبرانا عن طفولة يسوع. مرقس لم يخبرنا عن اسم والد يسوع، ويوحنا لم يخبرنا عن اسم أم يسوع. لو كان لدينا إنجيل فقط لما عرفنا أن مريم هي أم يسوع، لأنه كان يشير إليها بلقب “أم يسوع”. رغم ذلك، فإن كتابات لوقا (إنجيل لوقا وأعمال الرسل) هي أكثر الكتابات الإنجيلية ذات طابع تاريخي.
ورغم أنه لا يوجد إنجيل واحد يعطينا وصفاً كاملاً لحياة يسوع، إلا ان الأناجيل بجملتها تعطينا معلومات تاريخية لا بأس بها عن حياة الرب يسوع. فالأناجيل أعمال لاهوتية بالدرجة الأولى. هذا اللاهوت أُعطي ضمن إطار تاريخي معين بحيث كان هذا اللاهوت تفسيراً لحياة حقيقية، لكلمات حقيقية، ولمآثر حقيقية.
الفضوليون الذين يتجاوزون هدف كتابة الأناجيل يتساءلون: هل ذهب يسوع إلى الهند أو بلاد فارس؟ هل تتلمذ على أيدي حكماء الشرق؟ الخ. كل هذه الأسئلة تدل على شيء واحد: أن السائل يُغفل الجوهر الرئيسي من كتابة الإنجيل: خلاص الإنسان. ومن جهة أخرى نره في السنة 12 من عمره يجالس علماء اليهود في الهيكل ويُدهشهم بعلمه. وخصّ اليهود برسالته فانحصر تعليمه في الوحي الإلهي لا بحكمة هذا العالم.
فهو عالم فذّ منذ صباه. ولا حاجة له إلى معلّم. هو رب العلم. وشخصه الإلهي أهمّ من كل علم وفلسفة. شخص يسوع هو الأهم. وإن تساءل أحدٌ: لماذا لم يذكر الإنجيليين فترة صبا يسوع؟ لرددنا بتساؤل آخر: لماذا أغفل الإنجيليين الكثير من التفاصيل التاريخية أثناء تدوين بشارة يسوع، ولماذا لم يكونوا دقيقين تاريخياً في كتاباتهم؟ الجواب مرة أخرى: لأن هذا لا يخدم هدف كتاباتهم([2]).
هذه القاعدة تنطبق أيضاً على أمثلة أخرى من العهد الجديد. فالقارئ المعاصر الذي يقرأ قصة ميت أُقيم من الأموات (مثل لعازر مثلاً) سيتساءل للوهلة الأولى: أين ذهب بعد موته، ما هي الحياة بعد الموت، ماذا شعر، ماذا وجد، من قابل؟، الخ…
لكن الإنجيليين يخيّبون آماله لأنهم لا يذكرون شيئاً من هذا القبيل. لماذا؟ مرة أخرى، لأنه لا يخدم هدف كتابتهم. لهذا يقول يوحنا: “وآيات أخرى كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع المسيح هو ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يو 30:20-31). (د. عدنان طرابلسي)
([1]) ذكر لوقا أنّه تربّى في الناصرة. وفي يوحنا يقول الأورشليميون فيه أنّه “لم يتتلمذ” أي لم يدرس في مدرسة الديانة. وأمره معروف لدى أهل النصرة الذين تعجبوا من علمه ومعجزاته وهو لم يتعلّم.
([2]) الأناجيل علامات على طريق الحياة للقراءة الإيمانية لا للاجترار العقلاني. هي لقطات من حياة يسوع تقوي قلب المؤمن بنار الروح القدس (اسبيرو جيور).
أين كان المسيح في طفولته وبداية بشارته ولماذا كانت الأناجيل صامتة حول هذه الفترة؟
تأثر القديس يوحنا الإنجيلي بالجو الغنوصي في كتابته للإنجيل – د. عدنان طرابلسي
تأثر القديس يوحنا الإنجيلي بالجو الغنوصي في كتابته للإنجيل – د. عدنان طرابلسي
ما مدى تأثر القديس يوحنا الإنجيلي بالجو الغنوصي في كتابته للإنجيل؟
تناول الكثير من الدارسين مناقشة فكرة تأثّر يوحنا الإنجيلي بالغنوصية عند كتابته لإنجيله. وقد وجدت هذه النظرية كما يقول أحدهم “تعبيرٌ علمي ليس له تعريفٌ علمي مقبولٌ بشكل واسع”. إنما يمكن أن نلتمس أنماطاً عامة تميّز الغنوصية.
مثلاً: الثنائية المزدوجة، وجود كائنات وسيطة بين الله والإنسان، وساطة هؤلاء الكائنات في إحداث الشر والعالم المادي، النفس كشعاعٍ إلهي مسجون في المادة، ضرورة المعرفة المكتسبة بالإلهام (الكشف) لتحرير الروح وقيادتها إلى النور، المحدودية العددية للقادرين على نيل هذا الإلهام، المخلّص صاحب الكشف الإلهي. لا يوجد عنصر واحد من هذه العناصر متّفقٌ عليه أنه السمة الأساسية للغنوصية.
كلمة الغنوصية مأخوذة من الكلمة اليونانية gnosis التي تعني المعرفة. الغنوصية التي نعرفها من ملاحظات آباء الكنيسة في كتابتهم هي حركة ظهرت في القرن الثاني بشكل متطور. لهذا بما أن إنجيل يوحنا قد كُتب بين الأعوام 90-100 فإنه لم يتأثّر بهذه الغنوصية بالذات. إنما يوجد ميل بين البحّاثين إلى افتراض وجود شكلٍ أبكر من الغنوصية (غنوصية يهودية وما قبل مسيحية).
مقارنة إنجيل يوحنا بالغنوصية المسيحية: في العام 1935 تمّ اكتشاف مجموعة من الوثائق المسيحية الغنوصية في مصر مكتوبة باللغة القبطية تعود إلى القرن الثاني. من هذه الأعمال الغنوصية “إنجيل الحقيقة” من مدرسة فالانتينوس الغنوصي، و”إنجيل توما”.
أظهرت الدراسات المقارنة بين هذين العملين وإنجيل يوحنا أن الفرق كبير جداً بينها وأن التعابير فيها قد أُستعملت بصورة متباينة جداً. وإن كانت توجد علاقة بين غنوصية القرن الثاني وإنجيل يوحنا فإن هذه الغنوصية قد اقتبست تعابير إنجيل يوحنا (وليس العكس) واستعملتها بطريقة غنوصية.
مقارنة إنجيل يوحنا بالغنوصية ما قبل المسيحية: بولتمان هو من أكبر مؤيدي نظرية تأثر يوحنا بالغنوصية. إذ أعاد صياغة الإنجيل ليظهر العناصر الغنوصية المفترضة الكامنة فيه. افترض بولتمان العناصر الغنوصية التالية: ثنائية النور والظلام، وجود كائنات إلى جانب الله (الملائكة)، وجود الإنسان الأصلي، إنسان النور والصلاح الذي انقسم إلى جزيئات صغيرة من نور هي النفوس البشرية التي زُرعت في عالم الظلام. إن مهمة الشياطين أن تجعل هذه النفوس تنسى أصلها السماوي.
عندئذ يرسل الله ابنه بشكل جسدي ليوقظ هذه النفوس ويحرّرها من أجسادها، أجساد الظلمة، ويرجعها إلى موكنها السماوي. ويفعل هذا بإعلان الحقيقة وبإعطاء النفوس المعرفة الحقيقية (gnosis) التي ستمكنها من الرجوع إلى السماء. يسوع هو الفادي الغنوصي المفترض الذي كان سابق الوجود (يو 1:1) والذي صار جسداً (يو 14:1) وعاد أخيراً إلى الله. إن التهمة الرئيسية التي وجّهت إلى بولتمان هي أنه يفترض أنه كانت توجد غنوصية في خلفية يوحنا الإنجيلي ومن ثم يستعمل بولتمان يوحنا كمصدر رئيسي له لإعادة صياغة هذه الغنوصية.
لكن بولتمان يدّعي بأنه يوجد دليل آخر على هذه الغنوصية ما قبل المسيحية في أشعار سليمان وخاصة في الكتابات الماندية Madndean([1]). إن أقدم أشكال اللاهوت الماندي يعود إلى مرحلة متأخرة من العهد المسيحي ومن المستحيل أن يكون يوحنا قد تأثّر بهذا الفكر الغنوصي. لكن بولتمان يفترض أن الفكر الماندي يمثل تطوراً لاحقاً لغنوصية افترضها موجودة بين تلاميذ يوحنا المعمدان وأن هذا الفكر كان خلفية يوحنا الإنجيلي في كتابة إنجيله. لكن النقد الأدبي يشير إلى أن الفكر الماندي الغنوصي هو متأخر.
فعندما تظهر الغنوصية في القرن الثاني فإنها مزيج من تيارات فكرية مختلفة، بعضها قديم. لكن السؤال: هل كانت هذه التيارات متحدة معاً في العصر ما قبل المسيحي؟ لأن اتحد هذه التيارات هو الذي أنتج الغنوصية. فاكتشافات المخطوطات الغنوصية في مصر قد أثبتت صحة رأي الآباء القائل إنّ الغنوصية هرطقة مسيحية لأن شخص المسيح قد ساعد على صياغة المواقف والعناصر الغنوصية البدائية في جسد مجدد من الفكر الغنوصي.
مثلاً، إن المخلّص الغنوصي قد تطابق مع ابن الإنسان في تطور لاحق بعد كتابة إنجيل يوحنا. أيضاً يوجد عنصر آخر يطعن في نظرية بولتمان وهو أن فكر جماعة قمران لا ينطبق على فكر الهرطقة الماندية في القرن الأول. صحيحٌ أنه كانت توجد لدى جماعة قمران ثنائية معدلّة، وعناصر غنوصية بدائية، لكن لا توجد أسطورة الفادي ولا غنوصية متطورة.
بالنسبة لثنائية النور والظلام: ففي العهد القديم موضوع “النور” مهم منذ مطلع سفر التكوين وعمود الغمام. واستشهد متى الإنجيلي (16:4) بنص من أشعياء (23:8 و 1:9) مشهور: “الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، والجالسون في كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نورٌ” (متى 15:4). والإصحاح 9 من أشعياء نبؤة عن ظهور المسيح المخلّص.
وسمعان الشيخ سمّى يسوع “نوراً للأمم” كما في أشعياء (لو 32:2 وأشع 6:42 و 6:49 و 19:60-20). وفي المزامير: “الرب نوري ومخلّصي” (26/1:27 و 35/10:36 وميخا 8:7). و”أيها الرب إلهي، لقد عظمت جداً. بالبهاء والجلال تسربلت. اللابس النور كالثوب” (1:103-2)([2]).
باختصار، لا يمكن البرهان على صحة فرضية أن يوحنا الإنجيلي قد اقترض بعض الأفكار الغنوصية البدائية التي وجدت ما قبل المسيحية. ومن جهة أخرى من الثابت أن يوحنا الإنجيلي قد تأثّر بعناصر معينة مهمة في كتابة إنجيله. فكان يفسّر يسوع بألفاظ العهد القديم عن الحكمة المشخصة. وكان الفكر الفريّسي أوضح في إنجيله (دُعي يسوع ربّاي في إنجيل يوحنا أكثر من الإزائية).
وركز في الإنجيل والرؤيا على أن يسوع هو يهوه ( 24:8 و 28 و 58 و 19:13 ورؤ 8:1)، الرب الإله القدير، الألف والياء (رؤ 8:1 وأشعياء). وركز على بنوّة يسوع للآب، وعلى كونه الخروف الفصحى الحقيقي. فمواضيعه متأصّلة في العهد القديم. والرؤيا تتضمن 508 آية بينما تلمّح إلى 516 آية من العهد القديم. ويسوع فيها هو العريس والكنيسة هي العروس. المواضيع كتابية من العهد القديم والعهد الجديد. (د. عدنان طرابلسي)
([1]) الماندية وأتابعها المانديون Mandeans هرطقة تُنسب إلى ماندا Manda ويعني اسمه معرفة الحياة. وقد تعمّد على يد يوحنا المعمدان. لاهوتها خليط من التقاليد اليهودية والأسطورة الغنوصية والمسيحية النسطورية والسريانية. مازات بقاياهم “الصابئة” في العراق.
([2]) في المزامير: “نور وجهك” (7:4 و 4:43 و 16:88 و 1:67). و”بنورك نعاين النور” و”أرسل نورك وحقك” (3:42). في أشعياء “نور الرب” (5:3). وفي الفصل 13 من كتاب الأب اسبيرو جبور “يهوه أم يسوع؟” كلام مستفيض عن مجد يهوه. راجع أيضاً فهرس الكتاب المقدس، كلمة “نور”.
تأثر القديس يوحنا الإنجيلي بالجو الغنوصي في كتابته للإنجيل – د. عدنان طرابلسي