لا يُنكر أن بولس قد تحول إلى الإيمان المسيحي. ومع ذلك، فإن مثل هذا التحول الجذري – من كونك باحثًا شابًا استثنائيًا ومضطهد الكنيسة الرئيسي (1 كو 15: 9؛ غل 1: 13-14؛ في 3: 4-7) – يتطلب بالتأكيد تفسيرًا مناسبًا. كان بولس واثقًا من أنه التقى بيسوع القائم من بين الأموات.
أحد الجوانب اللافتة للنظر في هذه الحجة هو الإجماع حتى بين المتشككين، الذين يعترفون بأن بولس لديه بالتأكيد تجربة يعتقد أنها ظهور للمسيح المقام. وبناءً على ذلك، فإنهم يعتبرون بولس شاهد عيان. يقول الفيلسوف الملحد مايكل مارتن: “ومع ذلك، لدينا رواية شاهد عيان واحد فقط عن ظهور يسوع بعد القيامة، ألا وهو بولس”.[105]
يشرح عضو حلقة يسوع الدراسية seminar jesus روي هوفر سبب اعتبار رواية بولس هي المكان المناسب للبدء: “سبب البدء هنا بسيط ومقنع: شهادة بولس هي أول دليل موثوق به تاريخياً حول قيامة يسوع لدينا.”[106] وبشكل أكثر تحديدًا، يؤكد هوفر: إن أهم دليل على القيامة الذي قدمه لنا بولس هو… ادعاء مباشر أنه رأى يسوع المقام “.[107] يتفق المشككون الآخرون أيضًا على الطبيعة الحاسمة لشهادة بولس.[108]
(3) بالطبع، من المهم أن نعرف ما إذا كان تقرير بولس عن ظهورات قيامة يسوع هو تقرير دقيق.
(أ) لقد رأينا أن بولس قام برحلتين على الأقل إلى أورشليم لتقديم المشورة للقادة الرسل للتأكد من طبيعة الإنجيل الذي كان يكرز به (غل ١: ١٨-٢٠؛ ٢: ١-١٠)، والتي تركزت على قيامة المسيح (1 كو 15: 3-4؛ رومية 10: 8-10). وقد وافقت القيادة الرسولية، أي بطرس وأخو يسوع يعقوب ويوحنا، على رسالة بولس على وجه التحديد وقبلت خدمته (غلاطية 2: 6-10).
(ب) إن إثبات الاعتراف الرسولي لبولس مدعوم أيضًا في أعمال الرسل 15: 1-31. هناك جدل حول ما إذا كانت هذه الرواية تصف نفس الحادثة التي رواها بولس في غلاطية 2، أو ما إذا كانت تصف رحلة ثالثة مذهلة إلى أورشليم من قبل بولس لنفس الغرض من التأكيد!
في كلتا الحالتين، هناك العديد من المصادر التي تؤكد رواية بولس بأن كرازته بالإنجيل قد تم تأكيدها من قبل الرسل الرئيسيين، وهم الشهود أنفسهم الذين سيعرفون ما إذا كانت ظهورات القيامة قد حدثت أم لا. كما يشهد هينجل، “من الواضح أن تقليد (1 كورنثوس 15: 3) قد تعرض للعديد من الاختبارات” من قبل بولس.[109]
يتفق العلماء الناقدون على أن رسالة بولس الإنجيلية قد تمت الموافقة عليها من قبل الرسل الرئيسيين الآخرين. يذكر لوك تيموثي جونسون الحقائق التاريخية التي حتى “يمكن أن يؤكدها المؤرخ الأكثر نقدًا دون تردد. هل يمكن لأي شخص أن يشك، على سبيل المثال… لقاء بين بولس وقيادة أورشليم بخصوص شرعية الإرسالية الأممية؟” [110]
أما عن مضمون اللقاءات، “التلاميذ… قبلوا [بولس] على أنه مدعو إلى الرسولية من قبل المسيح القائم من بين الأموات، تمامًا كما كانوا. “[111] في ختام دراسته لرحلة بولس الثانية إلى أورشليم، يلاحظ بيتس أن “النتيجة الإيجابية تتمثل في حقيقة أن رسل أورشليم قد اعترفوا بإنجيله ورسالته…. [كان هناك] اعتراف بأن بولس وإنجيله صحيحان لاهوتياً “.[112]
(4) لكن التأكيد لا يتدفق فقط من رسل أورشليم إلى بولس. من جانبه، كان بولس يعرف ويوافق على رسالة قيامة الرسل الآخرين.
(أ) من خلال الاستشهاد بقانون (قوانين) الإيمان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها، يوضح بولس أنه على الأقل علم بظهور بطرس، والإثنى عشر، والخمسمائة، ويعقوب، وجميع الرسل.
(ب) في رحلاته إلى أورشليم، التقى بالعديد من هؤلاء الرسل، بمن فيهم الأفراد الواردة أسماؤهم في القائمة. تعليقه في 15: 6 أن معظم الشهود الخمسمائة كانوا لا يزالون على قيد الحياة ربما يشير إلى أنه يعرف بعضًا منهم أيضًا.
(ج) ولأغراضي الأهم، بعد الاستشهاد بقانون الإيمان المبكر، أعلن بولس أن الرسل الآخرين كانوا يكرزون بنفس الرسالة التي كان يتحدث عنها فيما يتعلق بظهورات قيامة المسيح (1 كورنثوس 15: 11، 14-15). إذن لدينا تصريح بولس المباشر بأنه كان على علم بالظهورات للرسل الآخرين ووافق على حكمهم.
(د) تذكر الأناجيل أيضًا ظهورات لتلاميذ يسوع ولآخرين (متى 28؛ لو 24؛ يو 20-21؛ راجع مر 16: 6-7). أي تأكيد تقدمه روايات الإنجيل المنفصلة هذه يشير إلى وجهة نظر بولس، ولكن من وجهات نظر أخرى [113]
————
[105] Michael Martin, The Case against Christianity (Philadelphia: Temple University Press, 1991), 81, 89.
[106] Hoover, “A Contest between Orthodoxy and Veracity,” in Jesus’s Resurrection: Fact or Figment! 129.
[107] Hoover, “A Contest,” 130-31.
[108] Lüdemann, What Really Happened to Jesus, 4; Funk, Honest to Jesus, 36,40; Marcus Borg, “Thinking about Easter,” Bible Review 10 (1994): 15; Perrin, Resurrection according to Matthew, Mark, and Luke, 80, 83; John Shelby Spong, Resurrection: Myth or Reality? (San Francisco: Harper San Francisco, 1994), 47; Grant, Saint Paul, 104.
[109] Hengel, The Atonement, 38
[110] Luke Timothy Johnson, The Real Jesus (San Francisco: Harper San Francisco, 1996), 103.
[111] Kee, What Can We Know? 1.
[112] From Betz, Galatians, 96, 100.
لبعض العلماء الآخرين الذين يتفقون، انظر
Wolfhart Pannenberg, “Response to the Debate,” in Habermas and Flew, Did Jesus Rise from the Dead! 132; Wolfhart Pannenberg, Systematic Theology, vol. 2, trans. Geoffrey W. Bromiley (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1991), 355; Hengel, The Atonement, 36-38; Barnett, Jesus and the Logic of History, 126-27, 142; cf. Meier, A Marginal Jew, 2: 219-20.
[113] موضوع روايات القيامة في الأناجيل موضوع منفصل يأخذنا إلى أبعد من تركيزنا على دليل بولس. يمكن للقارئ المهتم استشارة:
Osborne, The Resurrection Narratives, part 2; Craig, Assessing, part 2; C. H. Dodd, “The Appearances of the Risen Christ: An Essay in Form-Criticism of the Gospels,” in More New Testament Essays (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1968).
انظر أيضاً:
Stephen T. Davis, “ ‘Seeing’ the Risen Jesus’’; William P. Alston, “Biblical Criticism and the Resurrection”; and Richard Swinburne, “Evidence for the Resurrection,” all in The Resurrection.
إهتداء بولس المعجزي على طريق دمشق – الإيمان وموجباته المنطقية
إهتداء بولس المعجزي على طريق دمشق – الإيمان وموجباته المنطقية
إهتداء بولس المعجزي على طريق دمشق – الإيمان وموجباته المنطقية
كان “ف. ف. بروس” قد لاحظ ما يلي: “… ما من حدث وحيد، غير حدث المسيح نفسه، تبرهن أنه حاسم كاهتداء بولس ومن ثم إرساليته. ففي نظر أي من يقبل الشرح الذي قدمه بولس عن اختباره على طريق دمشق، يصعب عليه عدم الموافقة على الملحوظة التي قدمها كاتب من القرن الثامن عشر[1]، مفادها أن اهتداء بولس ورسوليته وحدهما، لدى تناولهما في العمق، يشكلان بحد ذاتهما دليلاً كافياً لبرهان كون المسيحية إعلاناً إلهياً”[2]. ما قصد الكاتب قوله من خلال ملاحظته هذه هي أن “ظاهرة بولس” بجملتها – أي الإنسان مع مجموع نتاجه الأدبي – غير قابلة للتفسير بمعزل عن قيامة يسوع المسيح في الجسد. اهتداء شاول الطرسوسي، لو كان بالإمكان برهان صحته، سيمسي رابع دليل عظيم من الدلائل الكتابية – لكي ينضم إلى حقائق القبر الفارغ، وإلى ظهورات يسوع وتلاميذه بعد القيامة، والتغيير الحاصل فيهم فجأة من الخوف إلى الإيمان – على طبيعة المسيحية وأصلها فوق الطبيعي. ما هو الدليل على حصول هذا الحدث؟
المادة الكتابية
إن روايات سفر الأعمال عن اهتداء شاول وهو في طريقه إلى دمشق، مدونة في أعمال 9: 1-9 (سرد لوقا التاريخي بضمير الغائب)، 22: 3-16؛ 16: 2-18 (تقارير لوقا حول الروايات الشخصية لبولس بضمير المتكلم). أما إشارات بولس إلى حادثة اهتدائه فيمكن العثور عليها في غلاطية 1: 15، 16؛ 1كورنثوس 9: 1؛ 15: 8-10؛ فيلبي 3: 4-11؛ 1تيموثاوس 1: 12-16. باختصار توضح هذه النصوص حصول اهتداء شاول بشكل موضوعي من خلال ظهور المسيح الممجد له فجأة على طريق دمشق. يعد رومية 7: 7-25 النص الوحيد في كتابات بولس التذي يتناول حالة الاضطراب الروحي التي كان يعانيها في ذلك الحين. هذا يوحي بأن الله كان قد أعده شخصياً لهذه المقابلة من خلال تبكيته في العمق على خطيته وإقناعه بعجزه عى إطاعة شريعة الله بشكل صحيح وبالكامل. برأيي، “روبرت غندري” هو على حق عندما يكتب: بوسعنا تسمية [رومية 7: 7-25] سيرة حياة كل إنسان إن شئنا، لكن هنا سيرة كل حياة هي السيرة الذاتية لبولس”[3].
حاجج “كريستر ستاندال”، اللاهوتي من جامعة “هارفرد”، في ضرورة النظر إلى اختبار شاول من خلال مقابلته المسيح الممجد، كدعوة وليس كاهتداء، ذلك لأنه لم يتخلله أي تغيير في الديانة أو في الإله، بل كان مجرد تغيير في التكليف والمهام. غير أن شاول يعود لاحقاً ويصف اختباره بشكل راديكالي وحاسم على أنه أكثر من مجرد تلقيه مهمة جديدة. فهو يتحدث عنه في 1كورنثوس 15: 8 “كولادة مخالفة للأصول”. وفي فيلبي 3: 12 يعتبره بمثابة “توقيف” بما أن المسيح يسوع كان قد أدركه أي ألقى القبض عليه. وفي غلاطية 1:13 يذكر “سيرته السابقة في الديانة اليهودية”[4]، جاعلاً بذلك اختباره الديني السابق في اليهودية مقابل “كنيسة الله”. الإشارة الضمنية هنا من خلال هذه المفارقة، هي إلى كون الله الحي والحقيقي وحده موجوداً في كنيسة يسوع المسيح، وليس في اليهودية[5]. في فيلبي 3: 4-8، يعتبر أنه بات ينظر إلى أسبابه “اليهودية” السابقة للاتكال على الجسد كـ “نفاية”، الأمر الذي يوحي بحصول انقطاع بشكل جذري وكامل مع ماضيه “اليهودي”. إنه بنقله اتكاله، كما فعل في إطار بحثه عن البر الشخصي أمام الله، بعيداً عن إطاعته الشخصية لناموس موسى ولطقوس الهيكل، إلى عمل صليب يسوع المسيح. الذي شكل التتميم والتجسيم لهذين العنصرين المركزيين للعهد القديم، أنشأ بولس نمطاً دينياً جديداً لكي يتبعه الآخرون. صحيح أن بولس استمر يعتبر نفسه كيهودي، غير أن إعادة تفسيره بشكل جذري للعهد الموسوي وناموسه كمفارقة تاريخية مجيدة (2كورنثوس 3) ورفضه التشديد على حاجة الأمم إلى الختان من أجل الخلاص، يشكلان بالنسبة إليه اهتداء دينياً – اهتداء بعيداً عن يهودية حقبة “الهيكل الثاني”، التقويض من صنع الإنسان لطريقة عبادة يهوه في العهد القديم (راجع مرقص 7: 6-8)، إلى عبادة يهوه في العهد الجديد، التتميم لديانة العهد القديم، هذا التتميم الذي بات يعرف فيما بعد تحت تأثير بولس بـ “المسيحية”.
تفسيرات عقلانية للحدث
تشمل أساليب العقلنة المتطرفة للحدث الرأي القائل إن شاول أصيب بنوبة مرضية من صنف ما، أو بضربة شمس، أو بعد رؤيته وميض برق أعماه، وبعد سقوطه عن متى حصانه بعد أن اعتراه الخوف وجفل تحته، (لا تذكر رواية لوقا أي شيء عن وجود شاول على متى حصان، مع أن هذا كان محتملاً جداً)، ارتطم رأسه بالأرض. وفي الغيبوبة التي وقعت عليه على أثر ذلك، تخيل نفسه أنه قد رأى يسوع المسيح. لكن هذه التفسيرات لم تلق قبولاً، على وجه العموم، حتى لدى الذهن النقدي.
تعتبر النظرة الأكثر شعبية أن شاول الواقع تحت ضغط اضطهاده للكنيسة، أصابه انهيار عصبي على طريق دمشق. وبينما كان في هذه الحالة من التحطيم النفسي، تخيل أن رب أولئك الذين كان يضطهدهم قد دعاه إلى الكف عن اضطهاده ليخدمه بالحري.
لعل التفسير الطبيعي الأكثر شعبية هو أن شاول كان واقعاً في اللاوعي تحت تأثير منطق الموقف المسيحي، ومن خلال ملاحظته للدينامية الممزوجة باللطف في حياة المسيحيين، مع ثباتهم بصبر تحت القمع. ثم، يقال إنه بعد حصول اختبار الأزمة هذا له “والمغير للمزاج”، من عجز أي كان عن التعرف بطبيعته بالتحديد، بات مقتنعاً بسبب ما تعرض له ذهنه من تهيئة سابقة، أنه يجب أن يصبح أحد أتباع المسيح، عوضاً عن مضطهده. ثم دعماً لهذا التفسير، يصير التركيز على أن تصريح المسيح المقام المزعوم لبولس: “صعب عليك أن ترفس مناخس” (أعمال 26: 14) قد يعني أن “بولس كان يقاوم قناعة أفضل، كانت تتولد تدريجياً في ذهنه، ومفادها أن التلاميذ كانوا على حق بشأن يسوع، وقد يكون هو على خطأ”[6]. بكلام آخر، ظل لبعض الوقت يكبت شكوكاً خطيرة في الضمير تراوده حول صوابية موقفه من المسيح، حتى راح يتورط أكثر فأكثر في اضطهاداته بشكل محموم، لكن مقاومته لهذه الشكوك لم تولد عند راحة البال، بل استمرت “مناخس” وخز الضمير تؤلمه. لكن، لدى بلوغه على مقربة من دمشق، سمح أخيراً لهذه القناعة اللا واعية التي كانت تقض مضجعه، بأن تطفو على السطح، وتتغلب على مقاومته للمسيح، وتحكم حياته.
أؤكد مع “ماشن” بما أن يعود ويصرح في 1تيموثاوس 1: 13 أنه اضطهد الكنيسة “في جهل وعدم إيمان”، أن بولس “لم يكن، قبل اهتدائه، ليعي وجود أي منخس كان يدفعه بالقوة نحو الإيمان الجديد… أما معنى [تصريح يسوع] فقد يفيد ببساطة أن مشيئة المسيح لا تقاوم، وكل مقاومة لها تبقى من دون جدوى. لقد حانت الساعة المعينة من المسيح… وكل مقاومة… ولك تردد هو ميؤوس منه كما هو حال الثور الذي يرفس المنخس؛ تبقى الطاعة الفورية وحدها في محلها”[7].
يجب أن يكون واضحاً أن كل التفسيرات لاختبار شاول على طريق دمشق المبنية على علم النفس، والتحليل النفساني، تترك العديد من الأسئلة من دون جواب. فإلى جانب استحالة إجراء تحليل نفساني بأية نسبة من الدقة الطبية على شخص عاش قبل نحو ألفي سنة، أي دليل حقيقي عندنا على أن شاول كان يعاني انهياراً عصبياً أو كان ضميره يؤلمه؟ (فبينما كان مضطرباً في العمق من خلال علمه بحالته الداخلية كرجل خاطئ، كما كنا قد أوحينا في ضوء رومية 7: 7-25، من الواضح أيضاً أنه لم يرزح تحت وطأة أي شعور بالذنب نابع من أنشطته في الاضطهاد، وذلك لعلمه أنه كان يتحرك برعاية السنهدرين، وإيمانه بشغف الغيور أنه كان بذلك يخدم الله). وماذا كانت طبيعة الأزمة التي أسفرت عن اهتدائه؟ إن أسئلة كهذه والعديد سواها تنتظر إجابات مرضية قيل إضفائنا أية مصداقية على هذه النظريات.
ثم عندنا رأي “رودولف بلتمن” الذي اعتبر أن كل هذه التصورات عن “الأمور الكتابية فوق الطبيعية” هي في الواقع انعكاسات إما لميثولوجيا غنوسطية وإما لأمور رؤيوية يهودية، غير أن تفسيره لاهتداء شاول غير مرض بالتمام، بما أنه يفوته أن يتلاءم بأية نسبة مع الطابع التاريخي للسرد نفسه في سفر الأعمال: “وحيث إنه لم يكن تلميذاً شخصياً ليسوع، جرى ربحه للإيمان المسيحي من خلال كرازة الكنيسة الهلينية”[8]. ولا جاء رأي “جايمس د. ج. دن” أفضل عندما استخلص استحالة معرفة بالتأكيد إن كان يسوع “في الخارج هناك، حياً لكي يجعل نفسه معروفاً عند بولس” كل ما بوسعنا معرفته بأية نسبة من التأكيد، يواصل “دن”، هو أن “بولس نفسه كان مقتنعاً بأن ما رآه كان خارجاً عنه” لكن قد يكون كل ذلك “حصل في نهاية المطاف [داخل الذهن]”[9].
إن خلاصات كهذه يفوتها صراحة أن تتفق مع السرد التاريخي للوقا حول اهتداء بولس أو تنصفه في أعمال 9، أو مع روايات بولس اللاحقة في أعمال 22 و26 التي عرضها في مناسبات جليلة في سياق الدفاع عن موقعه وأفعاله، في محضر القائد الروماني وأمام مسؤولين حكوميين رفيعي الشأن على التوالي. تشير المعلومات المتوافرة إلى أن اهتداءه لم يتسبب به هو شخصياً. لقد تم إعلامنا بصريح العبارة أنه فيما كان شاول يرى المسيح الممجد، سمع المسافرون معه صوتاً (أعمال 9: 7)، مع أنهم لم يفهموا كلماته (أعمال 22: 9)، ورأوا نوراً ساطعاً (أعمال 22: 9؛ 26: 13، 14). ومع أن بولس اعتبر الحدث فيما بعد بمثابة “رؤيا سماوية” (أعمال 26: 19)، هذا الوصف بالمناسبة الذي يضفي عليه طابع حصوله من خارج أب إكسترا، توضح الروايات أن اهتداءه لم يحدثه هو بنفسه شخصياً على صعيد اللاوعي، إنما نجم عن عمل محرك خارج عنه (أعمال 9: 3، 4؛ 22: 6، 7؛ 26: 13، 14). حقاً، المسيح الذي كان قد صعد إلى السماء هو الذي يصور نفسه على أنه المبادر والبادئ للحث في أعمال 26: 16: “ظهرتُ لك”. كما أن حنانيا سيصرح لاحقاً بأن الله اختار شاول لكي “يبصر البار، ويسمع صوتاً من فمه”. (أعمال 22: 14).
لدى تناول كل الحقائق في أعمال 9: 22، 26 وفي غلاطية 1: 15-17؛ وفي 1كورنثوس 9: 1؛ 15: 8-10، الحكم الذي خرج به “ريتشارد لونفنكر” له مبرراته الواضحة:
كانت المقابلة مع المسيح على طريق دمشق كفيلة وحدها بأن تحمل الرابي اليهودي الشاب على إعادة النظر في موت المسيح؛ كانت المقابلة مع المسيح المقام كافية وحدها لبرهان كون الله قد أيد ادعاءات وعمل الكائن الذي كان شاول يقاومه. بشرياً، كان بولس محصناً ضد الإنجيل. بالرغم من استعداده لاتباع الدليل حتى نهايته، كان متأكداً من عدم وجود أي دليل من شأنه قلب حكم الصليب، أي أن المسيح مات ميتة مجرم. لكن…. الله الأزلي “سر” كما يقول بولس من قبيل تذكر ما حصل، “أن يعلن ابنه فيّ” (غلاطية 1: 16). إذاً، بولس كان قد أدركه المسيح، الذي جعله من خاصته (فيلبي 3: 12)[10].
حجة بولس في غلاطية دعماً لصحة رسوليته
بناء على تاريخ حياته الشخصي واختباره الديني
دعماً لحقيقة اهتداء بولس وتاريخيتها ولصحة رسوليته، وللطابع الإعلاني للإنجيل الذي نادى به، لا يستطيع أحدنا الخروج بحجة أفضل من تلك التي عرضها بولس نفسه تحت شكل وحي في غلاطية 1: 13 – 2: 21، هناك، يدافع عن سلطته الرسولية ورسالته في وجه معشر المتهودين الذين كانوا قد وافوا كنائسه في جنوبي غلاطية، وأنكروا سلطته الرسولية، ونادوا للمهتدين على يده بـ “إنجيل آخر”. تتلخص المسألة التي نتطرق إليها الآن، في جملة واحدة: ما الذي شكل في نهاية المطاف أصل التكليف الرسولي لبولس والإنجيل الذي نادى به كتعبير عن ذلك التكليف؟ يتبين من القليل من التأمل أنه كان بإمكانه الحصول على إنجيله وعلى سلطان الكرازة به من واحد من مصادر ثلاثة محتملة: من تدريبه اليهودي، أو من الرسل الأوائل، أو من المسيح نفسه. هذا ما سأشرحه:
من تدريبه اليهودي؟
ترى، هل كان بولس قد حصل على سلطانه الرسولي وعلى الإنجيل الخالي من الناموس[11]، الذي كان يكرز به قبل اهتدائه من حياته السالفة في الديانة اليهودية؟ طرح هذا السؤال، يعني الإجابة عنه. طبعاً لا! فبولس يصف اختبار حياته في الديانة اليهودية خمس مرات:
† غلاطية 1: 12-14 (النص موضوع بحثنا): “فإنكم سمعتم بسيرتي قبلاً في الديانة اليهودية، أني كنت أضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها. وكنت أتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابي في جنسي، إذ كنت أوفر غيرة في تقليدات آبائي”.
† أعمال 22: 3: “أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكية، ولكن ربيت في هذه المدينة مؤدباً عند رجلي غمالائيل على تحقيق الناموس الأبوي. وكنت غيوراً لله….”.
† أعمال 26: 4، 5: “فسيرتي منذ حداثتي التي من البداءة كانت بين أمتي في أورشليم يعرفها جميع اليهود، عالمين بي من الأول، إن أرادوا أن يشهدوا، أني حسب مذهب عبادتنا الأضيق عشت فريسياً”.
† فيلبي 3: 4-6: “إن ظن واحد آخر أن يتكل على الجسد فأنا بالأولى. من جهة الختان مختون في اليوم الثامن، من جنس إسرائيل، من سبط بنيامين، عبراني من العبرانيين. من جهة الناموس فريسي. من جهة الغيرة مضطهد الكنيسة من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم”.
† 1تيموثاوس 1: 13: “… أنا الذي كنت قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً….”.
يجب أن يتضح من هذه الأوصاف التي يضمنها بولس سيرته الذاتية، أنه لم يكن ينادي بصفته الرسول المسيحي واللاهوتي المرسل بما كان قد تعلمه من حياته في الديانة اليهودي، بل على نقيض ذلك، لأنه بصفته الرسول المسيحي واللاهوتي المرسل، كان يقود ثقة الناس بعيداً عن التوراة والهيكل وحفظ الناموس على صعيد شخصي، كالسبيل للخلاص حيث كان أرسى اتكاله واعتماده كفريسي، ونحو يسوع المسيح للخلاص.
مِن تعلمه من الرسل وأخذه السلطان منهم؟
ترى، هل حصل بولس على الإنجيل الذي كان يكرز به مع السلطان الذي يخوله الكرازة به بعد اهتدائه، إن لم يكن عند قدمي غمالائيل، عند قدمي الرسل الأولين؟ يحيطنا لوقا علماً بأنه مباشرة بعد اهتدائه على طريق دمشق “جعل يكرز في المجامع بالمسيح “أن هذا هو ابن الله”. ويحير اليهود الساكنين في دمشق. محققاً: أن هذا هو المسيح” (أعمال 9: 20، 22). كذلك أعلن برنابا أن بولس “جاهر في دمشق باسم يسوع” (أعمال 9: 27). إذاً، نعرف من هذا أن بولس كان قد شرع يكرز قبل التقائه أياً من الاثني عشر رسولاً. لنصغ الآن إلى بولس نفسه:
ولكن لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي، ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه فيّ لأبشر به بين الأمم، للوقت لم أستشر لحماً ودماً ولا صعدت إلى أورشليم، إلى الرسل الذين قبلي، بل انطلقت إلى العربية، ثم رجعت أيضاً إلى دمشق (غلاطية 1: 15-17).
في العربية، لم يكرس بولس نفسه لحياة التأمل الهادئ، بل شرع في الواقع في تبشير السكان هناك. ثمة دليل منفصل لتأييد عمله الإرسالي هناك، إن كان بولس قصد من خلال إشارته إلى “العربية” المملكة النباطية، ذلك لأنه يخبرنا في 2كورنثوس 11: 32، 33 كيف أن “والي الحارث الملك [الرابع (9ق.م -40م) من مملكة النباطيين] كان يحرس مدينة الدمشقيين، يريد أن يمسكني” لكن، لماذا يقدم الوالي على ذلك؟ فالمرء لا يثير كل هذا الشغب مع السلطات المدنية الذي يأتي على ذكره هنا في النص، إن كان مسترسلاً في التأمل الهادئ. كان، ولا شك، يكرز للسكان. تظهر هذه المعلومة أن بولس كان قد انكب على تبشير الأمم قبل وقت طويل من إجرائه أي اتصال بمعشر الرسل في أورشليم.
ثم يخبرنا بولس بموجب قسم كان قد فرضه على نفسه (راجع غلاطية 1: 20): “والذي أكتب به إليكم هوذا قدام الله أني لست أكذب فيه” كيف أنه كانت قد مرت ثلاث سنوات بعد اهتدائه قبل أن يلتقي أخيراً أياً من الرسل. وحتى في ذلك الحين، يعلمنا أنه التقى فقط بطرس ويعقوب، وذلك على مدى خمسة عشر يوماً فقط (غلاطية 1: 18، 19). كان ذلك، ولا شك، الزيارة التي يدونها لوقا في أعمال 9: 26-28. وفيما من المحتمل أن يكون بولس قد “تسلم” في هذا الوقت التفاصيل الدقيقة المختصة “بالتقليد” حول ظهورات يسوع التي كانت قد تلت قيامته، وبالأخص تلك التي حصلت لبطرس ويعقوب، والتي عاد و”سلمها” بدوره للكورنثيين بحسب 1كورنثوس 15: 5-7.
من الواضح أن الرسل لم يمنحوه أية سلطة في ذلك الوقت لأنه لم تسنح له الفرصة للقيام بذلك. ثم بولس، ونزولاً عند رغبة كنيسة أورشليم في الخروج من المدينة، قصد مناطق سوريا وكيليكة. وهكذا مرت فترة أحد عشر عاماً لم يحصل خلالها أي اتصال بين الرسل في أورشليم وبولس. أخبر بولس قراءه في غلاطية: “ولكنني كنت غير معروف بالوجه عند كنائس اليهودية التي في المسيح. غير أنهم كانوا يسمعون: “أن الذي كان يضطهدنا قبلاً، يبشر الآن بالإيمان الذي كان قبلاً يتلفه” (غلاطية 1: 22، 23).
ثم ينقل إلينا بولس كيف أنه في نهاية فترة الأحد عشر عاماً هذه (افترض هنا صوابية الرأي الذي يعتمد جنوبي غلاطية بالنسبة إلى رحلته التبشيرية الأولى)، أي بعد مرور أربعة عشر عاماً على اهتدائه، رأي الرسل للمرة الثانية فقط، هذه المرة بمناسبة زيارته إلى أورشليم “لغرض الإغاثة من الجوع”، كما تعرف، والمدونة في أعمال 11: 27-30. وهكذا تسنى له خلال فترة الأربع عشرة سنة هذه باثنين فقط من قادة الكنيسة في أورشليم، وذلك على مدى أسبوعين فقط. لكنه كان يكرز بالإنجيل بشكل مستمر وطيلة هذه الفترة.
يعلمنا بولس أنه في مناسبة زيارته للإغاثة من الجوع “عرضت عليهم [الرسل] الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم” (غلاطية 2: 2). نتج من هذا اللقاء، كما يكتب بولس، أن الرسل “لم يشيروا عليّ بشيء” (غلاطية 2: 6) “بل بالعكس، إذ رأوا أني اؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطس على إنجيل الختان. فإن الذي عمل في بطرس لرسالة الختان عمل فيّ أيضاً للأمم” (غلاطية 2: 8). وعليه يقول، “أعطوني وبرنابا يمين الشركة” (غلاطية 2: 10). تشير موافقتهم على إنجيله إلى أن بولس لم يكن قد ابتدع من نفسه مضمون إنجيله. مجدداً، لم يضيفوا أي سلطان عليه لكنهم أقروا بالسلطان الإلهي الذي كان له من قبل، والذي على أساسه كان منكباً على خدمته الرسولية على مدى أربعة عشر عاماً.
إذاً، بإمكاننا استخلاص بكل أمان أن بولس طيلة الفترة التي كانت قد بدأت مباشرة بعد اهتدائه، وبمعزل عن أية سلطة بشرية، كان ينادي بموافقة إلهية بالإنجيل الحق، الأمر الذي أقر به الرسل رسمياً في أورشليم.
من دعوة المسيح الإلهية وتوكيله؟
إن كان بولس لم يكرز بما كان قد تعلمه خلال سيرته في الديانة اليهودية قبل اهتدائه، من الواضح أيضاً من مراجعته لفترة الأربع عشرة سنة الأولى من خدمته الرسولية، أنه لم يكرز أيضاً بما كان قد تعلمه من معشر الرسل الأولين بعد اهتدائه. ولا هم منحوه السلطان للانخراط في خدمته كرسول. في الواقع، إن كان قد حصل تناقل لأي تعليم بينهما، بوسعنا جزم من غلاطية 2: 11-14، كان عليه هو خلال حادثة نشأت فيما بعد في أنطاكية، أن يوبخ بطرس جهاراً على مواقفه وأفعاله التي من خلالها ساوم على حق الإنجيل من الناموس، والتي كان من شأنها أن تؤدي إلى وقوع انفصال دائم داخل الكنيسة.
كل هذا يعني أن الإنجيل الذي كان ينادي به بولس والسلطة التي بها كانت تجري هذه المناداة، لم يحصل عليهما لا من تدريبه اليهودي قبل اهتدائه ولا من الرسل بعد اهتدائه. لكنه نالهما بالحري من المصدر الوحيد المتبقي، أي من اختبار اهتدائه نفسه – “بإعلان يسوع المسيح” (غلاطية 1: 12). أنا لا أقصد هنا القول إن شاول لم يكن يعرف أي شيء قبل اهتدائه عن يسوع المسيح أو عن تعاليم الكنيسة العقيدي حوله. كان يعرف بعض الأمور بما فيه الكفاية، والذي شكل السبب وراء اضطهاده الكنيسة؛ كما أنه بصفته مضطهد الكنيسة، كان عليه مواجهتهم مرات عدة. ما أقصد قوله هو أن ظهور يسوع بعد قيامته لبولس على طريق دمشق، فرض على بولس ضرورة تصفية معرفته عن يسوع من خلال “فلتر” أو شبكة جديدة بالتمام من علم التفسير.
ولا أقصد الإيحاء من خلال ملاحظاتي أن بولس لم ينم في مفهومه للمسيح خلال هذه الأربع عشرة سنة، لأنه حقاً استمر ينمو في معرفته بالمسيح حتى نهاية حياته (أفسس 4: 11-13: فيلبي 3: 10-14). بل أعني أنه من كل “نموه” في معرفته بالمسيح، لم يكن “لينفصل رويداً رويداً” عن تلك “الرؤيا السماوية” الأولى والواضحة. فلقد أصبح يمتلك كرسول، في ذلك الحين كما هناك، مفهومه للنعمة المجانية ولإنجيل التبرير بالإيمان وحده بمعزل عن الأعمال.
حجج لإظهار عدم احتمال وجود
تفسير آخر لتغيير بولس الجذري يكون أفضل من التفسير الذي يعرضه لوقا وبولس نفسه
هل حصل اهتداء بولس على أثر ضربة شمس، أو هلوسة، أو نوبة نفسية أصابته؟ نحن سبق لنا أن لاحظنا وجود بعض القوم، الذين اقترحوا هذه كأسباب محتملة وراء تحول الغيور اليهودي إلى الرسول المسيحي العظيم، الذي أصبح عليه. إلا أن أياً من هذه لا يعد سبباً محتملاً وراء هذا التغيير، بما أن رفاقه في السفر، كما ذكرنا، رأوا أيضاً النور الساطع وسقطوا معه أرضاً (أعمال 22: 9؛ 16: 13، 14). هم أيضاً سمعوا صوتاً مع أنهم لم يفهموا ما قاله الصوت لشاول (أعمال 9: 7؛ 22: 9).
هل شكل اهتداء بولس ببساطة، التعبير الجامح والمتهور لتعصب شخص كان يقع ضحية تقلبات مزاجية نفسية خطيرة؟ اقترح بعضهم هذا كتفسير لاهتدائه. لكن، بمعزل عن صعوبة بالكامل (فعلياً استحالة) اجراء تحليل نفساني لشخص ما، بعد ألفي سنة من موته بأية نسبة من الدقة الطبية، فأي من يتأمل في حكمة بولس، وتعقله، وهدوئه، وسكينته، كما أظهرها في أحلك الظروف، وفوق هذا كله في تواضعه (هذه الصفة التي تتنافى مع التعصب) كما تبرز في رسائله، سيصعب عليه اعتقاد أن تغييره كان قد نتج من تقلب في مزاجه، مرده إلى إصابته بمرض “الذهان الثنائي القطب”.
هل كان بولس مجرد مشعوذ ديني مستعد أن يغير ولائه الديني فقط لإعلاء شأنه هو؟ هناك من اقترح ذلك، لكن عليهم في هذه الحال الإجابة بشكل مرض عن الأسئلة الأربعة التالية:
1 – هل من المحتمل أن يكون توقعه الفوز بأمر عظيم ما، أو تفاخره وتباهيه نتيجة تعلمه أو إدراكه لأمر جديد، هو الذي أحدث هذا التغيير؟ من الصعب إلى أقصى الحدود، إن لم نقل من المحال، اعتقاد أن شاول، ذلك الغيور “في تقليدات آبائه”، كان ليتخلى عما كان قد تعلمه من غمالائيل وعلى مدى سنين طويلة من الدراسة، من أجل اعتناق رأي بعض صيادي السمك في الجليل الذين كان بالجهد رآهم، ولم يتثقفوا قط في المدارس المعهودة للتعلم اليهودي.
2 – هل من المحتمل أن يكون شغفه في السلطة هو الذي أدى إلى تغييره؟ من الصعب إلى أقصى الحدود، إن لم نقل من المحال، اعتقاد أن الذي كان قبلاً يحتل النقطة المركزية للنفوذ اليهودي على الصعيدين السياسي والديني – وبالتحديد حيث أراد أن يكون – يتنازل في لحظة عن السلطة التي كان ينعم بها من أجل الحصول على سلطة ضمن “قطيع صغير” من كان “راعيه” قد قضى قتلاً. ومن كانوا هو أنفسهم يقادون كغنم للذبح. هذا مع العلم أن هذه “السلطة الجديدة” يمكنها أن تعده فقط بتعيينه لكي يلقى المصير نفسه لأولئك الذين كان قد شهر السكين نفسه في وجههم.
3 – هل من المحتمل أن تكون محبة الغنى المادي هي التي أسفرت عن اهتدائه؟ من الصعب إلى أقصى الحدود، إن لم نقل من المحال، اعتقاد أنه مهما كان عليه مقدار مقتنياته وممتلكاته في ذلك الوقت، شكل أمله بكسب الغنى العامل وراء اهتدائه. ذلك لأنه من الواضح كان يوحد نفسه بمن كانوا في ذلك الوقت فقراء بالتأكيد. كان نصيبه الفعلي ألا يحظى أبداً بوفرة مادية، مع ضرورة العمل بيديه كخيامي لسد حاجاته.
4 – هل من المحتمل أن يكون أمله بالفوز بالشهرة والاحترام على صعيد عالمي هو الذي قاده إلى أن يصبح أحد أتباع يسوع المسيح؟ من الصعب إلى أقصى الحدود، إن لم نقل من المحال، اعتقاد أن حدسه النبوي كان عظيماً جداً في ذلك الوقت، الأمر الذي مكنه من النظر إلى ما بعد العار والإهانة اللذين كانا من نصيب خدام المسيح المصلوب، حتى يرى المجد الأرضي الذي كان العالم المسيحي يدخره له.
ماذا عسانا أن نستخلص من كل هذا في خدمة الأغراض الدفاعية والتبشيرية؟ ففي ضوء حجة بولس المذكورة في غلاطية 1، 2، مع عدم احتمال، إن لم نقل استحالة، حصول البدائل المضادة، أؤكد أولاً أن حقيقة اهتدائه مع تاريخيتها، كما ينقل إلينا لوقا في سفر الأعمال، هما فوق أي شك منطقيان ومعقولان. وعلى هذا الأساس، أقرر ثانياً أن اهتداء بولس الطرسوسي على طريق دمشق، وبالطريقة التي يدونها لوقا، يشكل في الواقع رابع أعظم جزء من الدليل الكتابي – إلى جانب حقيقة القبر الفارغ، وظهورات يسوع المتعددة لتلاميذه بعد القيامة، مع تحولهم المفاجئ من أصدقاء خائفين إلى كارزين بالكلمة بواسل ومقدامين – على أصل المسيحية وجوهرها فوق الطبيعيين.
ثالثاً، وحيث إن المسيح الممجد أرفق اهتداء شاول بالإعلان التالي: “لأني لهذا ظهرت لك، لأنتخبك خادماً وشاهداً بما رأيت وبما سأظهر لك به، منقذاً إياك من الشعب ومن الأمم الذين أنا الآن أرسلك إليهم، لتفتح عيونهم كي يرجعوا من ظلمات إلى نور، ومن سلطان الشيطان إلى الله، حتى ينالوا بالإيمان بي غفران الخطايا ونصيباً مع المقدسين” (أعمال 26: 16-18). ثم خاطب حنانيا بالقول: “اذهب [إليه]! لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك وبني إسرائيل” (أعمال 9: 15).
وبعد هذا من جديد لاحقاً لبولس، وذلك في أثناء زيارته الأولى لأورشليم بعد اهتدائه (أعمال 22: 21). في ضوء هذه الكلمات الصادرة عن المسيح الممجد نفسه، أصرح بأن شاول كان معيناً ليكون رسوله للأمم. وبما أن خدمته الرسولية رافقتها “علامات الرسول”، أي “بآيات وعجائب وقوات” (2كورنثوس 12: 12؛ راجع أيضاً أعمال 9: 12)، باستطاعة الكنيسة التأكد من كون ما كرز به بولس (1كورنثوس 2: 6-13) وما كتبه في رسائله إلى الكنائس هي من الأسفار المقدسة “الموحى به من الله”.
دافعنا حتى الآن عن تاريخية اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية وذهنية، وعن الحبل العذراوي للمسيح داخل رحم العذراء مريم، وعن معجزاته المقتدرة خلال خدمته الأرضية، وعن قيامته في الجسد من الأموات وصعوده إلى السماء، وعن اهتداء شاول على طريق دمشق، أية واحدة من هذه تبرهن أن الإيمان المسيحي حق وفوق طبيعي، كما أن ثقلها وهي مجموعة معاً يجعل مصداقية الإيمان المسيحي يتخطى حدود أية مناظرة مشروعة. رأينا في كل حالة أن الذين يرفضونها لكونها غير تاريخية أو أسطورية، إنما يفعلون ذلك على أسس نقدية وفلسفية مثيرة جداً للجدل. إنهم من خلال نظرتهم إلى العالم والحياة “كأغبياء كتابياً”، يرتاحون أكثر إلى علم النفس وإلى الدين. كلنا الآن مسؤولون عن الشهادة بشجاعة وجرأة لإنجيل المسيح. علينا القيام بهذا غير خائفين من احتمال تعرضنا لأي صد! لكن، حري بنا خلال إقدامنا على هذا، أن نبقى نتذكر مناشدة بولس:
“وعبد الرب لا يجب أن يخاصم، بل يكون مترفقاً بالجميع، صالحاً للتعليم، صبوراً على المشقات، مؤدباً بالوداعة المقاومين، عسى أن يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق، فيستفيقوا من فخ إبليس إذ قد اقتنصهم لإرادته” (2تيموثاوس 2: 23-26).
[1] كان هذا الكاتب من القرن الثامن عشر هو اللورد “ليتلتن”. “ليتلتن” هذا، وهو محام إنجليزي لامع، أخذ على عاتقه دراسة حادثة اهتداء شاول لدحضها، وإظهار أن المسيحية كانت خدعة، لكن بحثه أرغمه على استخلاص ما هو نقيض ذلك. هذه الخلاصة بالإمكان العثور عليها في كتابه
Observations on the conversion and Apostleship of St. Paul (London: R. Dodsley, 1747), Paragraph I.
عمل “ليتلتن”، والذي جرى نشره لاحقاً تحت عنوان:
“The Conversion of St. Paul” in Infidelity (New York: American Tract Society, n.d.)
يحاجج فيه على أن اهتداء بولس يمكن تفسيره بواحدة من أربع طرق: لقد كان (1) دجالاً نقل ما كان خطأ على حد علمه، أو (2) متحمساً يحركه خياله الجامح، وكان هو نفسه مخدوعاً، أو (3) مخدوعاً بعد وقوعه ضحية احتيال الآخرين، أو (4) يقول الحق عن اهتدائه، ما يظهر كون الديانة المسيحية هي إعلان إلهي. فلو صح أي من الافتراضات الأولى، فإنه يلي ذلك بكل تأكيد، كما يلي الليل النهار، أن المسيحية هي إيمان خاطئ؛ هذا يعني أن الكتاب المقدس ضل في حديثه عن اهتدائه بهذه الطريقة، كما أنه يعني أن المسيحية، وقعت في خطأ فادح بما أنها سارت بشكل رئيس في ركاب بولس في صياغاته اللاهوتية. ليتلتن، أيد بالطبع التفسير الرابع.
[2] F. F. Bruce, Paul: Apostle of the Heart Set Free (Reprint; Grand Rapids: Eerdmans, 1996), 75.
[3] Robert H. Gundry, “The Moral Frustration of Paul Before His Conversion Sexual Lust in Romans 7: 7-25” in Paulin Studies: Essays Presented to F. F. Bruce on His 70th Birthday, edited by Donald A. Hagner and Murray J. Harris (Grand Rapids: Eerdmans, 1980), 229.
[4] ترد العبارة “الديانة اليهودية” مرتني فقط في العهد الجديد – وكلاهما في غلاطية 1: 13، 14. إنها تشير إلى الديانة اليهودية الوطنية ونمط العيش فيها.
[5] علينا أن نتذكر كيف أن الله في اليهودية هو الإله الأسمى وغير المتمايز، فيما الله المثلث الأقانيم في المسيحية هو أكثر إثارة للإنتباه.
[6] See Janet Meyer Everts, “Conversion and Call of Paul” in Dictionary of Paul and His Leeters, edited by Gerard Hawthorne, Ralph P. Martin, and Daniel G. Reid (Downers Grove, Illinois: Inter-Varsity, 1993), 156-63.
[7] J. Gresham Machen, The Origin of Paul’s Religion (Reprint: Grand Rapids: Eerdmans, 1965), 61-62.
[8] Rudolf Bultmann, Theology of the New Testament, translated by Kendrick Grobel (London: SCM, 1971), 1: 187, emphasis original.
[9] James D. G. Dunn, Jesus and the Spirit (Philadelphia: Westminster, 1975), 107-08.
[10] Richard N. Longenecker, The Ministry and Message of Paul (Grand Rapids: Zondervan, 1971), 34-35.
[11] أنا لا أقصد من خلال “الإنجيل الخالي من الناموس” أن أنادي بما ينضوي تحت لواء اللاناموسية. كأن الإنجيل يعفي المسيحي من التزامه إطاعة ناموس الله الأدبي، كما يظهر في الوصايا العشر، وفي الوصيتين العظميين المتعلقتين بالمحبة، وفي نمط حياة المسيح. بالطبع، على المسيحي العيش تحت الناموس كقانون العهد للحياة. لكن أعني بالحري ما قصده بولس لدى تصريحه مراراً وتكراراً “إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح” (غلاطية 2: 16)، وأيضاً قوله “إذاً نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس” (رومية 2: 28). بهذا المعنى، الإنجيل هو خال من الناموس.
دليل يقدمه الرجل الطرسوسي – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟
دليل يقدمه الرجل الطرسوسي – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟
دليل يقدمه الرجل الطرسوسي – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟
في الوقت الذي كانت تتهيأ فيه المسيحية لمنازلة خصومها، وفَد إلى أورشليم شاب امتاز بالكفاية ودقة النظر، وحتى لو حكمنا عليه بمقياس العصر الحديث، ولعلنا لا نقدر أن نتصور عاملاً تاريخياً كان له من حُسن التوفيق ما كان لقدوم ذلك الشاب في تلك الفترة المعينة.
أما اسمه فكان شاول. وهو عبراني تحدّر من سلالة محافظة حريصة على مراعاة الطقوس والفروض الدينية، ولكن تفكيره اتسع بفضل احتكاكه بالعالم الروماني اليوناني واتصاله بثقافة ذلك العصر. فكان ملماً بعض الإلمام بكتابات أراتوس، وأبيميندس، وميناندر، كما يبدو من خطبه المتأخرة.
رحل الشاب من طرسوس في كيليكية حوالي سنة 34 ب.م. والذي نعنى به الآن إنما تحليل موقفه في القضية التي نحن بسبيلها. فلقد بدأ حياته شخصية بارزة في المعسكر المعادي يجادل ويحاور في عنف وجفاء، فانقلب شخصية بارزة في المعسكر الآخر. حاول أن يقضي على الحركة بأساليب العنف والقوة، فأُخضع هو نفسه واندمج فيها.
فإلى قائمة المهتدين فرادى – أمثال بطرس ومتى وفيليبس، وسالومة ومريم ويونّا، ويعقوب ومتياس وغيرهم – نضيف ذلك الشاهد المستقل الجديد. ولا أشك أن كل باحث منصف في القضية يرى الحقيقة الماثلة في هذا الإنسان خليقة بالبحث والاستقصاء، فإنه لا يمكن تجاهلها أو إغفالها. ولابد أن نعرف لماذا كان ذلك الشاب المتحمس إلى جانب رؤساء الكهنة أولاً، وما الذي حمله على أن ينقلب إلى الجانب الآخر.
وأرى أن نبحث أولاً الموقف الذي ساد أورشليم في الوقت الذي ظهر فيه شاول على المسرح وبعده بقليل.
نتبين من القصة أنه في الوقت الذي ظهر فيه شاول على المسرح كبطل الرواية، كان الجدل والحوار على أشدهما في المجتمعات العامة. وكانت الحركة قد نمت وامتدت من نواة صغيرة إلى جماعة كبيرة من الأتباع والأنصار، حتى اقتضى الحال تعيين سبعة من الشمامسة للإشراف على شؤونها. وكانت الدعاية – أي المحاجّة والتعليم الخاص والعام – الوسيلة الوحيدة التي تكاثرت بها تلك الطائفة.
ولم تكن ثمة حاجة لإثبات حقيقة صريحة كهذه، لولا أن الدكتور “ليك” أنكرها في عبارات أُثرت عنه قال فيها:
“نستدل من بشارتي متى وبطرس أن قصة القبر الفارغ لم توضع على بساط البحث إلاّ مؤخراً، في الجدل الذي ثار بين اليهود والمسيحيين. وواضح من الوجهة النفسية أن هذا الجدل لم يحتدم في الفترة الأولى من العصر المسيحي، لأن اليهود لم ينصرفوا إلى الحوار في أول الأمر ولكنهم أخذوا الأمر بالقوة والاضطهاد. لم يتسع المجال للنقاش والحوار إلاّ بعد أن اشتد ساعد المسيحيين” (صفحة 195 من كتابه).
وإذا أخذنا بهذه الأقوال حرفياً، كان معناها أن اليهود لم يجادلوا المسحيين قط قبل سنة 35 ب. م. التي وقع فيها الاضطهاد الكبير، وأن الحركة قد امتدت بأداة غامضة دون جدل أو حوار حتى تفاقم خطرها فاتجهت إليها أنظار السلطات، وقامت في وجهها الصدمات.
وهذا قول هراء باطل، وهو يناقض وقائع الحال بحيث لا يسعني الاعتقاد أن هذا هو الذي قصد إليه الدكتور “ليك”. وأظن الذي يعنيه أن الرؤساء ذوي الجاه والكرامة والمناصب لم يتنزلوا إلى مجادلة المسيحيين ومناقشتهم.
وهم في هذا الموقف يقفون آثار التقاليد التي درج عليها خلقاؤهم، ويكررون الأساليب الفنية التي استخدموها ضد يسوع، فإنه في الصراع ضد يسوع، لم يظهر على المسرح زعماء الصدوقيين وهم سادة الموقف، ولكنهم عهدوا بذلك إلى مرؤوسيهم من الكتبة والفريسيين لمناقشة ونصب الأحابيل الكلامية للإيقاع به، ولم يُزح حنان وصهره قيافا وزعماء طائفة الصدوقيين الأثرياء القناع عن وجوههم ويظهروا أمام الناس “على المكشوف” إلاّ بعد أن وقع العدو الأكبر بين أيديهم وتمكنوا منه فعلاً.
وهكذا كان الحال أيضاً في تاريخ هذه الحركة فيما بعد. فبين الفينة والفينة نرى رئيس الكهنة وزملاءه يظهرون شخصياتهم الرسمية كما حدث في القبض على بطرس ويوحنا وتوجيه الأسئلة إليهما. ولكنهم في أكثر المواقف يتوارون وراء غيرهم ويعملون من وراء الستار. ولعلّ هذه هي السياسة المحنكة الحكيمة التي يجري عليها رجال الحكم والأشخاص الرسميون، ليتجنوا الوقوع في أيدي خصومهم بالابتعاد عن صغائر الأشياء حتى يضطرهم ضغط الحوادث إلى التدخل فعلاً.
وإن صحّ القول إن الممثلين الرسميين للسلطات اليهودية لم يجادلوا المسيحيين، فإنه لا يصحُّ فيما يتعلق باليهود أنفسهم. فإن المتنصرين في السنوات الخمس الأولى كانوا كلهم من اليهود تقريباً. وأنت لا تتصور حركة مثل هذه يُقبل الداخلون إليها بمعدّل ثمانية عشر شخصاً إلى عشرين كل أسبوع لمدة خمس سنوات، دون أن يحتدم الجدال ويشتد الحوار في المنتديات الخاصة والعامة. وهنا معقل الدليل في هذه القصة.
فإنه حين يجلس الباحث الناقد في هدوء، ويزن الحقائق والوقائع ويفكر كيف تكاثر أتباع هذا الدين الجديد حتى بلغ عددهم في أربع أو خمس سنوات حداً يحمل الخصوم على إثارة اضطهاد ضدهم – أقول حين يُفعل هذا لا بد يصطدم بحقيقة تحيره وتذهله – ألا وهي أن كل هذه الحوادث جرت على مقربة من القبر الذي وضع فيه يوسف الرامي جسد يسو. ومهما يكن من أمر ما حلّ بيوسف هذا، فإن القبر باقٍ هناك لم يُنقل من موضعه.
وإن صحّ ما يذهب إليه الناقدون الجاحدون، كان الأمر مدعاة إلى كثير من السخرية والتهكم، وذلك لأن التلاميذ كانوا يجادلون ويكسبون الأنصار يومياً، وهم على مسافة ألفي متر من القبر الذي كان في وسع خصومهم أن يستمدوا منه الدليل الذي يُخسرهم ويفسد عليهم دعايتهم.
ولو أن التلاميذ سلكوا سبيلاً غير هذا الذي سلكوه، لما كان موقفهم مفهوماً. ولا يخفى أنه كان من الميسور أن يُقال عن المسيح أشياء كثيرة في تلك الأسابيع الحرجة التي عقبت الصلب دون إثارة موضوع القبر الفارغ. كان ميسوراً أن يقال إنه كان إنساناً عظيماً من الصالحين، وإن موته العنيف في عنفوان قوته كارثة قومية بل عار وطني.
كان ميسوراً أن يُشار إلى تعاليمه السامية في الموعظة على الجبل وفي أمثاله الكثيرة التي ترفعه إلى أعظم مكانة بلغها نبي من أنبياء إسرائيل. بل كان ميسواً أن يقال إن التهم التي أُقيمت ضده كانت باطلة وإن موته كان جريمة من جرائم القتل العمد، وإثماً فظيعاً في نظر الله.
ونستطيع أن نتصور الجدل يحتدم حول هذه الأقوال في المجتمعات الخاصة أو شبه العامة في أورشليم على نمط الحوار اليهودي بما يلابسه من حرارة وطلاقة لسان، ثم يتفرّق المتحاورون ويذهبون إلى دُورِهم دون أن يفكّر أحد في ذلك الكهف الصامت في بستان الرامي. أما الذي لا نقدر أن نتصوره مهما امتدّ بنا الخيال، فهو أن تُعقد هذه الحلقات في قلب مدينة أورشليم للاحتفاء بقيامة يسوع والمناداة بها دون أن تتجه أفكار كل السامعين إلى حادثة القبر الخطيرة.
وما من شك أن حالة القبر كانت القول الحاسم الفاصل في موضوع النقاش، فإما أنه كان يضم في جنباته بقايا الجسد وإما لا. فإن كان القبر خالياً خاوياً، لا بد أن شاول وقف على هذه الحقيقة وعرفها بلا مراء من أول الأمر في جدله وحواره مع المسيحيين، ولا بد أنه شرع بالاضطهاد الكبير عمداً على الرغم من وضوح هذه الحقيقة.
وكان من حق رجال السلطات أن يغضّوا الطرف عن دعوى التلاميذ، ولكن حقيقة اختفاء جسد متهم سياسي خطير الشأن لا يمكن أن يخفى عليهم. وإن كان رجال السلطة قد وقفوا على جلية الأمر، فلا شك أن شاول عرف أيضاً.
اعتقد تماماً أن شاول وقف على حقيقة الأمر فيما يتعلق بدعوى اختطاف جسد يسوع، لا من رجال السلطة فقط، بل من جدله وحواره مع المسيحيين في المجامع اليهودية. ولو أننا فرضنا أن جسد يسوع كان ثاوياً في قبره في بستان الراميّ طيلة المدة التي كان شاول فيها يناضل المسيحيين ويكافح دعايتهم، تارة بالجدل الحامي وأخرى بالعنف القاسي، لكان معنى هذا أن الجسد ظلّ باقياً أيضاً في مثواه بعد هذا التاريخ بثلاث سنوات حينما عاد شاول إلى أورشليم إنساناً مهتدياً، وكان معناه أن شاول هذا آمن واهتدى وهو واقف على أمر هذه الأكذوبة المفتراة.
وحسبنا أن نتصوره يقضي أسبوعين كاملين يتحدث مع بطرس ويعقوب في أورشليم عن عقيدة تدور حول جسد مقام في حين أنه ثاوٍ في قبره!!! وحسبنا ان نتصورهم يرسمون الخطط ويضعون البرامج لنشر الدعاية عن قيامة المسيح وهم يعلمون أن بقايا جسد زعيمهم وسيدهم رميمة في القبر!!!
أكان هذا هو الموقف التاريخي؟ لا أظن. فإنه لا ينسجم مع وقائع الحال ومنطق الحوادث. فكر معي في حقيقة لها خطورتها على صغر شأنها، وهي كيف أننا لا نجد في سفر الأعمال، ولا رسائل الرسل، ولا في الوثائق التاريخية الأولى، أي أثر نستدل منه على أن إنساناً ما ذهب ليقدم فرائض الإخلاص والولاء إلى المزار الذي ثوى فيه جسد يسوع.
ألم يكن بين الصحابة امرأة تثير الذكريات شيئاً من الشجن في نفسها، فتسوقها إلى ذلك المزار المقدس لسكب دمعة من دموعها؟ ألم يكن بين الرسل الأوفياء الأمناء أمثال بطرس ويوحنا وأندراوس من تضطرم في نفسه لواعج الذكرى، فينساق إلى زيارة ذلك المقّدس الذي ضم رفات أعز الناس لديهم؟
ألم يكن الأجدر بشاول حين تهتاج نفسه ذكريات كبريائه الأولى واعتداده بذاته أن يذهب وحيداً ولو مرة واحدة إلى القبر، ليبلل ثراه بدموع التوبة والندم جزاء ما اقترفت يداه ضد هذا الاسم الكريم الذي يعتزُ به الآن؟ حقاً لو أن هؤلاء القوم عرفوا أن سيدهم دفين في قبره، لكان أمرهم من أغرب ما شهد التاريخ من أباطيل!
ثم فكّر معي ثانياً في مسألة الوثائق التاريخية: فلو كانت المسيحية بدأت مثلاً بمجرد فكرة خلود يسوع، ثم تطورت في تاريخ بطيء حتى غدت، كما هو شأن الأساطير، عقيدة في قيامته بالجسد، لكانت أقدم الوثائق التاريخية وأقربها إلى الدور البدائي، وأقلها أثراً وأضألها فعلاً. فبشارتا متى ومرقص، وهما أقدم بشائر الإنجيل بإجماع الآراء، وأوجزها في التعبير، تصفان قصة القبر الفارغ بعبارات خالية من التزويق أو التصنع، لا خروج فيهما عن الموضوع ذاته.
ثم فكّر أيضاً أن بين اثنين على الأقل من كُتّاب البشائر وبين بولس الرسول علاقة تاريخية وثيقة، فالرجل الذي كتب الفصل الرابع والعشرين من بشارة لوقا قضى أسابيع طوالاً بصحبة الرسول الكبير، وكان له أكثر من زميل، كان صديقاً وفياً. وفي أخريات أيامه أشاد الرسول بذكر وفائه وإخلاصه فقال: “لوقا وحده معي”.
والرجل الذي كتب الآيات الثماني من الفصل السادس عشر من بشارة مرقص كان، على قول
جمهرة الأئمة والعلماء، يوحنا مرقص نفسه، وهو شاب ثار بينه وبين الرسول شِجار، ولكنه عاش حتى اكتسب فيما بعد عطف الرسول وتقديره. فهل اعتنق ذانك الرجلان سراً عقيدة تناقض عقيدة الزعيم الوقور الذي اتّبعاه وأُعجبا به أيّما إعجاب؟
وحين نقرأ رسائل بولس نفسه قراءة منصفة، نرانا أمام أقوال صريحة تزيح كل شك في عقيدة بولس حول القيامة.
فانظر مثلاً إلى عبارته – التي تكاد تكون اعتراضية محصورة بين قولين – والتي أدمجها في استهلاله رسالة غلاطية:
“بولس رسول، لا من الناس ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح والله الآب الذي أقامه من الأموات”.
أو إلى هذه العبارة في رسالة أخرى قبلها، وهي الرسالة الأولى إلى تسالونيكي: “…. رجعتم إلى الله من الأوثان لتعبدوا الله الحي الحقيقي تنظروا ابنه من السماء الذي أقامه من الأموات، يسوع الذي ينقذنا من الغضب الآتي”.
أو إلى هذه العبارة التي وردت في مقدمته الشهيرة لقائمة شهود العيان في الفصل الخامس عشر من رسالته إلى كورنثوس الأولى:
وإنه ليتعذر علينا قراءة هذه الآيات، في سياق الحديث الذي جاءت فيه أو منفردة، دون أن نشعر أن فكر الكاتب بعيد كل البعد عن مجرد الخلود أو القيامة الروحية. على أن في هذا الفصل عينه عبارة نيّرة تضع الأمور في مستقرّها وتقضي على كل تقّول أو مماحكة:
وقد كان بولس – شأن عدد كبير من زملائه المسيحيين في ذلك العصر – يؤمن أن يسوع الناصري سيعود قريباً مكللاً بالمجد إلى الأرض، وقد توقّع هذا المجيء في حياته على الأرض. وكان الإيمان بمجيء المسيح السريع فكرة اختلجت في نفوس عدد غفير من المسيحيين في خلال الخمسين سنة الأولى من العصر المسيحي، وبولس كان واحداً من أولئك.
وقد اقترن بتلك العقيدة سؤال عملي خطير. ذلك أن بعض المؤمنين كان قد مات، وبقي البعض الآخر أحياءً. فكيف يكون الموقف عند مجيء المسيح ثانية؟ ويجيب عن هذا السؤال إجابة صريحة بقوله:
ومحال أن نقبل العبارة على ظاهرها الذي قصد إليه الرسول، دون أن نفطن إن وراءها فكرة صافية من تحوّل الجسد الطبيعي إلى جسد روحي ممجّد. وكان واضحاً حقاً، كما عرف بولس، أن “لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله”. ولم يكن بدّ من حدوث تغيير في الأحياء الأموات على السواء لإعدادهم للحياة الفضلى في الملأ الأعلى.
ففيما يتعلق بالأموات ذهب بولس إلى أن هذا التغيير أو التحول سيحدث في ساعة القيامة. ولكن ما من شك أنه آمن أن الجسد الأصلي هو الذي سيطرأ عليه هذا التحول: “يزرع في ضعف ويُقام في قوة. يُزرع جسماً حيوانياً ويُقام جسماً روحانياً. يوجد جسم حيواني. ويوجد جسم روحاني”. وفي موضع آخر يزيد هذا التعبير إفصاحاً وإرهافاً حين يكتب إلى أهل رومية فيقول إن الله “سيُحي أجسادكم المائتة”.
فكُل ما نعرف عن بولس الرسول يؤيد تأييداً تاماً اعتقاده الراسخ الوطيد في أن قبر المسيح كان خالياً في فجر يوم أحد القيامة. ولسنا نرى في كل أقواله تلميحاً ولا تصريحاً يُفهم منه أن الجسد كان باقياً في القبر.
على أنني لست أجد بين الكُتاب الحديثين من حاول أن يفسّر العلاقة الهامة بين ظاهرة القبر التاريخية وبين اهتداء الرسول بولس.
وليس يقدر أن ينكر أحد أن اهتداءً عقلياً كاملاً كالذي أشرقت أنواره على ذلك الرسول الكبير، لن يمكن أن يكون أساسه فقط اقتناعه المجرد بعدالة قضية التلاميذ، ولا بد أن يكون باعث قوي أقنعه بصدق القصة كلها. ومن العجب أن تُكتب المجلدات الضخام عن العوامل النفسية في اهتداء الرسول كأنها من الموضوعات التي يمكن معالجتها بمعزل عن فكر بولس إزاء مشكلة القبر. مع أن هذه المشكلة من الأصول الجوهرية في البحث كله.
ولم يكن مستطاعاً لشاول أن يبلغ حدّ التطرف الذي بلغه من النفور العنيف والكراهة الشديدة للعقيدة المسيحية دون أن يكّوِن لنفسه فكرة مستقلة. وكان مثار الجدل دائراً بين معسكرين متعاديين متعارضين، فالمسيحيون قالوا إن الجسد أُقيم من الأموات، بينما قال أحبار اليهود إنه سُرق من القبر.
وينبغي ألاّ نغفل أن شاول دخل الكفاح شريكاً للكهنة ضالعاً معهم، فهو لا شك قد عرف ما عرفوا، وشاطرهم وجهة نظرهم إلى حدّ بعيد.
ولو حاول القارئ أن يضع نفسه في مكان شاول، لوجد أنه من الصعب جداً على عقل منطقي سليم أن يعارض المسيحيين دون أن تكون له وجهة نظر منحوسة شريرة فيما يتعلق بالقبر الفارغ. وما كان في وسعه أن يجتنب الفكرة بأن التلاميذ أنفسهم، وإن كانوا لم يختلقوا الدعوى ويدّبروها، هم على الأقل متواطئون مع الذين سرقوا الجسد وأخفوه. وبهذا ينتقل الأمر من نطاق الجدل المباح إلى نطاق التزوير والخديعة المتعمدة، ويصير أمراً محتوماً أن يستأصل دعاة الفكرة المزّورة في غير شفقة ولا رحمة بقوة القانون وسلطان الدولة.
بهذا بدأ الاضطهاد الكبير الذي كان استفانوس الشهيد الأول باكورة ضحاياه. وما نشك أن الهدوء والثبات ورباطة الجأش التي استقبل بها استفانوس موته، طبعت آثارها على عقل بولس كما فعلت في الآخرين.
لكن لم تؤدِ هذه إلى التخفيف من وطأة الاضطهاد والقسوة، بل أمعن المضطهدون في قسوتهم وراحوا ينقضّون كالصواعق على أوكار المسيحيين، ويزجّون الرجال والنساء في سجون الدولة انتظاراً للمحاكمة الصورية التي كانت تنتهي في أكثر الأحيان بالموت. وفرّ آخرون إلى القرى النائية، فتعقّبهم مطاردوهم وهم ينفثون فيهم سموم الكراهة والحقد. وغدا من أخطر الأشياء على أين إنسان أن يصرح بانتمائه أو مناصرته قضية الناصري.
وبينما كانت الأشياء تسير هذا المسير، انتهت إلى شاول أنباء، من زعماء مجمع اليهود المحافظين في دمشق، تنبئه أن الأحوال في هذا المدينة العظيمة لا تسير سيراً حسناً، فالكفر قد تأصل فيها واستعصى أمره، واشتدّ ساعد المارقين عن دين إسرائيل بالمهاجرين الذين انظموا إليهم.
وشاول لم يطق أن يبقى جامداً، ما دام بين هؤلاء المتآمرين من لم يلحقه صارم العقاب والتعذيب. فسعى إلى الحصول على سائل من السلطات اليهودية في أورشليم تخّول له سلطان التنفيذ لدى المجامع التابعة للرئاسة الدينية في أورشليم. وبعد أن جمع إليه نفراً قليلاً من معاونيه، غادر المدينة في رحلة من أهم الرحلات وأبقاها أثرً في حياته.
وبعد ستة أيام، شارف الركّبُ المعفّر بالتراب مدينة دمشق، حدث أمر جلل، كان له أعمق الآثار وأبعد النتائج في تاريخ العالم. والأسباب متوافرة على أن الذين صحبوا شاول رأوا نوراً بزّ في لمعانه ووهجه شمس الظهيرة، وأنهم حين رفعوا شاول من على الأرض كان شبه أعمى لا يبصر شيئاً.
وقيل إنهم اقتادوه من يده المسافة القصيرة التي بلغوا بها المدينة. وإنها لخاتمة غريبة مروعة لتلك المغامرة الجريئة! ولكن لا سبيل إلى الشك في صدق الرواية من الناحية التاريخية. وما نظن أن لوقا كاتب سفر الأعمال استقى البيانات المفصلة التي سجلها عن هذا الحادث من أحد غير الرسول بولس نفسه.
فكيف نعلل هذا الحادث الغريب وما ترتب عليه من نتائج خطيرة الشأن؟ ولماذا يُنزع في لحظة خاطفة، ذلك الإنسان الأصيل في محتده الديني، السليم في منطقه العقلي، المتحمس في غيرته وتفكيره، من وسط العقائد التي اعتزّ به وامتزجت بلحمه ودمه، ويُحمل كأنه على جناح الريح إلى المعسكر الآخر بين ألدّ أعدائه وأبغض الناس إليه؟
ولسنا نُعنى هنا بآثار اهتدائه وإن تكن لهذه خطورتها وقدرها. ولكن كيف يَقْوى هذا الانقلاب الخطير، في أفكار الرجل وعقائده، وعلى أن يصمد ثلاث سنوات قضاها معتكفاً في الصحراء العربية، وتسع سنوات آُخر قضاها ينتظر الدعوة في طرسوس، بل كيف يقوى على معاناة صنوف الاضطهاد والعناء التي قاساها في رحلاته المضنية؟ لماذا ينتقل عقل جبار من أقطاب الفكر الذين عرفهم التاريخ، في لحظة خاطفة، من عقيدة إلى أخرى، كلتاهما على طرفي نقيض؟
لسنا ندري، وربما لن نعرف كلّ ما اختبر شاول في طريق دمشق. فهناك طرق كثيرة تستعلن بها الحقيقة غير المنظورة وتنساب إلى قرارة نفس الإنسان. على أنن واثق من شيء واحد ومقتنع به اقتناعاً تاماً، وهو أن الحقائق التي قلبت حياة شاول هي عينها التي قوّمت حياة بطرس ومتياس ويعقوب – ولكن الغريب في الأمر أنا جاءته من طريق عكسي.
فالتلاميذ بدأوا بفكرة مضطربة عن حقيقة القبر الفارغ، ووقع النبأ الذي تلقوه في بكور ذلك اليوم المأثور موقع الغرابة والدهشة من نفوسهم. أما شاول فكان موقفه غير ذلك. فلقد أقبل إلى إدراك هذه الحقيقة من اتجاه مضادّ. كان مشبّعاً بوجهة نظر رؤساء الكهنة، فنظر إلى التلاميذ وسيّدهم نظرته إلى مضللين مخادعين، مجدفين على الله، ومنادين بكفر شرير أثيم. فأصرّ على استئصالهم عن بكرة أبيهم. وبدأ رحلته إلى دمشق بهذه النية المبيّتة، ولكنه بلغها إنساناً تائباً نادماً، مهدّم الأعصاب موجع القلب.
ولم يستطع شيء مما رأى أو سمع أو اختبر، بعد رؤيا طريق دمشق، إن يؤثر أقل في حالته العقلية التي استقّر عليها. استعاد بصره الذي فقده إلى حين، ولكنه لم يستعد ذلك الشك الذي حمله على الغلّو والإفراط، وتلك الكراهية التي نضحت من نفسه إمعاناً في القسوة. انطلق إلى الصحراء العربية شهوراً طوالاً في عزلة ليفكّر في الأمر، ثم عاد كما هو الرجل الذي اهتدى وتجدد.
نادى في دمشق بالدين الجديد الذي اعتنقه، ولكن اسمه أدخل الفزع الرعب في قلوب أعدائه السابقين، ولما صار مُقامه هناك خَطِراً عليه أدلته بعض الأيدي الكريمة في سلّة أثناء الليل من فوق أسوار المدينة. ثم تذّرع بالشجاعة والإقدام وانطلق إلى أورشليم ليلقى هناك الهزء والتحقير والمذلة والهوان، وقضى خمسة عشر يوماً مع بطرس الذي عرف من أمر شاول كل ما يستطيع إنسان بشري أن يعرف. ومرة أخرى حملوه على الهرب من المدينة اجتناباً للاضطراب والفوضى، وعاد إلى موطنه طرسوس.
ثم تنقضي تسع سنوات، وحين تذكر الكنيسة الفتية الناهضة في أنطاكية الغيرة التي عهدتها في شاول، وترسل لاستدعائه، يرونه هناك في وطنه الرجل الممكّن في عقيدته، الثابت على الحق الذي عرفه. ونحن إذ نقرأ الرسائل التي كتبها في منتصف حياته وأواخرها، لا نجد فيها أثراً للهزال العقلي. بل بالعكس نستشفُّ من بين ثناياها نضوج عقل كبير رزني ومنطقاً سليماً شديد الاتزان.
ولم أشأ هنا إلاّ إثبات الوقائع الجوهرية بلهجة هادئة، لأن الحقائق في ذاتها رزينة هادئة. فأنت لا تستطيع أن تعلل هذا الولاء الصادق في حياة طويلة كهذه بطارئ من الطوارئ العاصفة، أو اختبار من الاختبارات الهستيرية الزائلة. وأن اقتضاها وصف كيفية إيمان بولس بالمسيح، اللجوء إلى المحسّنات اللفظية وعبارات البديع والبيان، فإننا نكون جدّ مخطئين.
وقد يكون الاختبار الفعلي الذي جازه في طريق دمشق منسجماً بطريق ما مع مزاجه الخاص ونزعته الخاصة. وقد يكون – كما قال الدكتور “ليك” نفسه – إن شخصاً غير منظور وقف فعلاً على قارعة الطريق، وإن شاول رأي شيئاً أشبه بما تحسُّه الحيوانات أحياناً بقوة الإحساس دون أن تراه بالعين الطبيعية. وقد يكون سمع صوتاً. ألم نسمع قط أسماءنا ينطق بها في إيضاح وتمييز في حين لا يوجد إنسان منظور لنا؟ فليس ثمة غرابة أن يسمع الزملاء شاول يتكلم دون أن يراه أحداً.
على أن الحقيقة التي يوردها المؤرخ لوقا في سفر الأعمال تقول إن المسافرين مع بولس سقطوا جميعهم على الأرض بتأثير ما رأوه، ثم قاموا ووقفوا صامتين ينتظرون ما عساه سيحدث بعد ذلك. وسمعوا ما قيل لبولس ولو أنهم لم يفهوا كلمات المتكلم. لقد رأي بولس النور، وسمع صوت المسيح وكلماته، بينما المسافرون معه رأوا النور ولم يروا المسيح، وسمعوا الصوت دون أن يميّزوا الكلمات (أعمال الرسل 9: 22، 26).
وفي هذا الآراء كلها نحن لا نذهب إلى أبعد ما يستوعبه علمنا الحاضر. على أن الناحية العقلية في هذا الظاهرة الغريبة حق صراح. فإنه حين اقتنع بولس أنه رأى المسيح المقام، لاحت في عقله لأول مرة بقوة دافعة فكرة القبر الفارغ، وكأنما الحجر الكبير قد تدحرج داخل نفسه فحطّم خطوط دفاعه تحطيماً.
وعرف أنه لم يكن التلاميذ مخادعين مضللين، فهم على حق فيما ادّعوه، وأدرك أنه يستحيل على امرئ معاناة استشهاد عنيف، كالذي عاناه استفانوس بروح البسالة والروعة، لمجرد اعتناق فكرة كاذبة مبنيّة على أكذوبة مختلقة كسرقة جسد ميت، ثم الادعاء أنه قام من الأموات. وأخذ شاول من تلك الساعة يفهم علّة ثبات بطرس، وصدق يقين الآخرين الذين نهّجوا نهجه، ممن امتزج اقتناعهم بعاصفة من الفرح والتهليل.
والأمر الغريب حقاً هو الظاهرة البارزة في هذه القصة العجيبة – وهي أنه بمجرد الاقتناع بها، يتأثر العقل تأثراً رائعاً عميقاً. فخلّو القبر حقيقة تاريخية، ثابتة لا تتغير، كلما تعاقبت الأجيال زادت ثابتاً ورسوخاً، فهي لم تتزعزع قط في حياة بولس، وهي اليوم باقية كالطود الراسخ شامخة بأنفها، لا يضيرها نقد ولا إفك.