لا يُنكر أن بولس قد تحول إلى الإيمان المسيحي. ومع ذلك، فإن مثل هذا التحول الجذري – من كونك باحثًا شابًا استثنائيًا ومضطهد الكنيسة الرئيسي (1 كو 15: 9؛ غل 1: 13-14؛ في 3: 4-7) – يتطلب بالتأكيد تفسيرًا مناسبًا. كان بولس واثقًا من أنه التقى بيسوع القائم من بين الأموات.
أحد الجوانب اللافتة للنظر في هذه الحجة هو الإجماع حتى بين المتشككين، الذين يعترفون بأن بولس لديه بالتأكيد تجربة يعتقد أنها ظهور للمسيح المقام. وبناءً على ذلك، فإنهم يعتبرون بولس شاهد عيان. يقول الفيلسوف الملحد مايكل مارتن: “ومع ذلك، لدينا رواية شاهد عيان واحد فقط عن ظهور يسوع بعد القيامة، ألا وهو بولس”.[105]
يشرح عضو حلقة يسوع الدراسية seminar jesus روي هوفر سبب اعتبار رواية بولس هي المكان المناسب للبدء: “سبب البدء هنا بسيط ومقنع: شهادة بولس هي أول دليل موثوق به تاريخياً حول قيامة يسوع لدينا.”[106] وبشكل أكثر تحديدًا، يؤكد هوفر: إن أهم دليل على القيامة الذي قدمه لنا بولس هو… ادعاء مباشر أنه رأى يسوع المقام “.[107] يتفق المشككون الآخرون أيضًا على الطبيعة الحاسمة لشهادة بولس.[108]
(3) بالطبع، من المهم أن نعرف ما إذا كان تقرير بولس عن ظهورات قيامة يسوع هو تقرير دقيق.
(أ) لقد رأينا أن بولس قام برحلتين على الأقل إلى أورشليم لتقديم المشورة للقادة الرسل للتأكد من طبيعة الإنجيل الذي كان يكرز به (غل ١: ١٨-٢٠؛ ٢: ١-١٠)، والتي تركزت على قيامة المسيح (1 كو 15: 3-4؛ رومية 10: 8-10). وقد وافقت القيادة الرسولية، أي بطرس وأخو يسوع يعقوب ويوحنا، على رسالة بولس على وجه التحديد وقبلت خدمته (غلاطية 2: 6-10).
(ب) إن إثبات الاعتراف الرسولي لبولس مدعوم أيضًا في أعمال الرسل 15: 1-31. هناك جدل حول ما إذا كانت هذه الرواية تصف نفس الحادثة التي رواها بولس في غلاطية 2، أو ما إذا كانت تصف رحلة ثالثة مذهلة إلى أورشليم من قبل بولس لنفس الغرض من التأكيد!
في كلتا الحالتين، هناك العديد من المصادر التي تؤكد رواية بولس بأن كرازته بالإنجيل قد تم تأكيدها من قبل الرسل الرئيسيين، وهم الشهود أنفسهم الذين سيعرفون ما إذا كانت ظهورات القيامة قد حدثت أم لا. كما يشهد هينجل، “من الواضح أن تقليد (1 كورنثوس 15: 3) قد تعرض للعديد من الاختبارات” من قبل بولس.[109]
يتفق العلماء الناقدون على أن رسالة بولس الإنجيلية قد تمت الموافقة عليها من قبل الرسل الرئيسيين الآخرين. يذكر لوك تيموثي جونسون الحقائق التاريخية التي حتى “يمكن أن يؤكدها المؤرخ الأكثر نقدًا دون تردد. هل يمكن لأي شخص أن يشك، على سبيل المثال… لقاء بين بولس وقيادة أورشليم بخصوص شرعية الإرسالية الأممية؟” [110]
أما عن مضمون اللقاءات، “التلاميذ… قبلوا [بولس] على أنه مدعو إلى الرسولية من قبل المسيح القائم من بين الأموات، تمامًا كما كانوا. “[111] في ختام دراسته لرحلة بولس الثانية إلى أورشليم، يلاحظ بيتس أن “النتيجة الإيجابية تتمثل في حقيقة أن رسل أورشليم قد اعترفوا بإنجيله ورسالته…. [كان هناك] اعتراف بأن بولس وإنجيله صحيحان لاهوتياً “.[112]
(4) لكن التأكيد لا يتدفق فقط من رسل أورشليم إلى بولس. من جانبه، كان بولس يعرف ويوافق على رسالة قيامة الرسل الآخرين.
(أ) من خلال الاستشهاد بقانون (قوانين) الإيمان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها، يوضح بولس أنه على الأقل علم بظهور بطرس، والإثنى عشر، والخمسمائة، ويعقوب، وجميع الرسل.
(ب) في رحلاته إلى أورشليم، التقى بالعديد من هؤلاء الرسل، بمن فيهم الأفراد الواردة أسماؤهم في القائمة. تعليقه في 15: 6 أن معظم الشهود الخمسمائة كانوا لا يزالون على قيد الحياة ربما يشير إلى أنه يعرف بعضًا منهم أيضًا.
(ج) ولأغراضي الأهم، بعد الاستشهاد بقانون الإيمان المبكر، أعلن بولس أن الرسل الآخرين كانوا يكرزون بنفس الرسالة التي كان يتحدث عنها فيما يتعلق بظهورات قيامة المسيح (1 كورنثوس 15: 11، 14-15). إذن لدينا تصريح بولس المباشر بأنه كان على علم بالظهورات للرسل الآخرين ووافق على حكمهم.
(د) تذكر الأناجيل أيضًا ظهورات لتلاميذ يسوع ولآخرين (متى 28؛ لو 24؛ يو 20-21؛ راجع مر 16: 6-7). أي تأكيد تقدمه روايات الإنجيل المنفصلة هذه يشير إلى وجهة نظر بولس، ولكن من وجهات نظر أخرى [113]
————
[105] Michael Martin, The Case against Christianity (Philadelphia: Temple University Press, 1991), 81, 89.
[106] Hoover, “A Contest between Orthodoxy and Veracity,” in Jesus’s Resurrection: Fact or Figment! 129.
[107] Hoover, “A Contest,” 130-31.
[108] Lüdemann, What Really Happened to Jesus, 4; Funk, Honest to Jesus, 36,40; Marcus Borg, “Thinking about Easter,” Bible Review 10 (1994): 15; Perrin, Resurrection according to Matthew, Mark, and Luke, 80, 83; John Shelby Spong, Resurrection: Myth or Reality? (San Francisco: Harper San Francisco, 1994), 47; Grant, Saint Paul, 104.
[109] Hengel, The Atonement, 38
[110] Luke Timothy Johnson, The Real Jesus (San Francisco: Harper San Francisco, 1996), 103.
[111] Kee, What Can We Know? 1.
[112] From Betz, Galatians, 96, 100.
لبعض العلماء الآخرين الذين يتفقون، انظر
Wolfhart Pannenberg, “Response to the Debate,” in Habermas and Flew, Did Jesus Rise from the Dead! 132; Wolfhart Pannenberg, Systematic Theology, vol. 2, trans. Geoffrey W. Bromiley (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1991), 355; Hengel, The Atonement, 36-38; Barnett, Jesus and the Logic of History, 126-27, 142; cf. Meier, A Marginal Jew, 2: 219-20.
[113] موضوع روايات القيامة في الأناجيل موضوع منفصل يأخذنا إلى أبعد من تركيزنا على دليل بولس. يمكن للقارئ المهتم استشارة:
Osborne, The Resurrection Narratives, part 2; Craig, Assessing, part 2; C. H. Dodd, “The Appearances of the Risen Christ: An Essay in Form-Criticism of the Gospels,” in More New Testament Essays (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1968).
انظر أيضاً:
Stephen T. Davis, “ ‘Seeing’ the Risen Jesus’’; William P. Alston, “Biblical Criticism and the Resurrection”; and Richard Swinburne, “Evidence for the Resurrection,” all in The Resurrection.
من الذي قتل جليات داود أم الحانان؟ – رد جديد على جهالات أحمد سبيع
من الذي قتل جليات داود أم الحانان؟ – رد جديد على جهالات أحمد سبيع
من الذي قتل جليات داود أم الحانان؟ – رد جديد على جهالات أحمد سبيع
سؤال بمليون دولار لـ أحمد سبيع… ردًا على تحريف قصة داود وجليات، والتلاعب في نصوص الكتاب المقدس، وعرض 10 ألاف دولار للرد عليه
لدينا أحد الذين يهاجمون الكتاب المقدس، ليقول 10 نقاط عن أخطاء وتناقضات الكتاب المقدس في قصة قتل داود لجليات وما يحويه الكتاب المقدس من تفاصيل حول هذه القصة التي وردت في سفر صموئيل الأول الإصحاحين السادس عشر والسابع عشر، وما يدعيه المهاجم من التعارض مع سفر صموئيل الثاني الإصحاح 21، وأخبار الأيام الأول الإصحاح العشرون.
الاعتراض الأول:
كيف تعرف شاول داود؟ هل من خلال وجوده في بيت الملك كعازف وحامل سلاح الملك أم خلال الحرب مع الفلسطينيين وقتل جليات؟ كيف عرف شاول الملك داود أنه ابن يسى ثم بعد قتل داود لجليات يعاود شاول السؤال ثانية «ابْنُ مَنْ هذَا الْغُلاَمُ يَا أَبْنَيْرُ؟».
هل الصحيح ما هو موجود في صموئيل الأول 16: 19 أن شاول عرف أن داود ابن يسى، أم ما في صموئيل الأول 17: 55 أن شاول لا يعرف أن داود ابن يسى ويسأل ابن من هذا؟
وقال ” فولتير”: “كيف جهل شاول من هو داود؟ وكيف خفي عليه ضارب كنارته وحامل سلاحه؟ فنحن لا نرى وجهًا لحل هذه المعضلة”
الرد على الاعتراض الأول:
ج: 1- يمكن تتبع تعرُف شاول على داود كالآتي:
كان اللقاء الأول بين شاول وداود، عندما أحضر عبيد شاول داود ليضرب على العود لشاول حتى تهدأ نفسه، لأن شاول قد بغته روح رديء من عند الرب، وهذا يعني أنه أصيب بحالة عصبية تفقده اتزانه العقلي كإنسان طبيعي، فلهذا أشار عليه الخدام أن يأتوا إليه بانسان ضارب لكي يهدأ شاول، وهذا ما كان، وها النصوص تبين:
14 وذهب روح الرب من عند شاول وبغته روح رديء من قبل الرب. 15 فقال عبيد شاول له هوذا روح رديء من قبل الله يبغتك. 16 فليأمر سيدنا عبيده قدامه ان يفتشوا على رجل يحسن الضرب بالعود ويكون اذا كان عليك الروح الرديء من قبل الله انه يضرب بيده فتطيب. 17 فقال شاول لعبيده انظروا لي رجلا يحسن الضرب وأتوا به اليّ. 18فاجاب واحد من الغلمان وقال هوذا قد رأيت ابنا ليسّى البيتلحمي يحسن الضرب وهو جبار بأس ورجل حرب وفصيح ورجل جميل والرب معه. 19 فارسل شاول رسلا الى يسّى يقول ارسل اليّ داود ابنك الذي مع الغنم. (1صم 16)
وهنا يجب أن نعرف أن عبارة “ فاجاب واحد من الغلمان وقال” لا تقول ان هذا الشخص أجاب على شاول وقال له على اسم داود، النص لم يقل أن هذا الخادم قال ها الكلام لداود، بل يمكن أن يكون هذا ما فكر فيه الخادم وتذكر داود. لكن، سنفترض أن هذا الخادم قال لشاول اسم داود، فما هي الحالة التي كان عليها شاول والتي فيها قال له الخادم على اسم داود؟ إنها نفس الحالة التي بسببها طلب الخدام من شاول أن يأتي برجل يحسن الضرب، أي أنها الحالة العقلية المضطربة التي كانت لشاول والتي يلخصها الكتاب في “روح رديء”، فهل في هذه الحالة يجب على الملك أن يظل متذكرًا لاسم داود؟ أم أنه من الطبيعي أن ينساه لأنه ليس مهم عند الملك بالقدر الذي يجعل الملك يتذكره دوما؟ وبالأخص إن كان شاول في حالة عدم اتزان عقلي؟!
الأمر الآخر الذي نلاحظه هنا، وهو الذي بنى عليه أحمد سبيع اعتراض قادم له سنرد عليه، وهي عبارة “وهو جبار بأس ورجل حرب وفصيح”، فالذي قال هذه العبارة ليس الكتاب المقدس، ولا أقرها الكتاب المقدس، بل هو الخادم فقط، فهذا كلام الخادم يذكره لنا الكتاب المقدس ولا ينفيه أو يقرّه. وربما كذب الخادم في هذا الادعاء لأنه اعتقد ان الملك سيرفض أن يأتي شاب صغير إليه، أو لأي سبب آخر. فالملاحظ هنا ان هذا هو كلام الخادم وليس كلام الكتاب المقدس نفسه.
طلب شاول من يسَّى أن يظل داود في القصر الملكي: “فأرسل شاول إلى يسَّى يقول ليقف داود أمامي لأنه وجد نعمة في عينيَّ” (1صم 16: 21).
ونذكر أن أغلب إن لم تكن كل أوقات داود في القصر، يكون شاول معتلاً مضطرباً وفي أغلب هذه الأوقات لا يتذكر ما حدث إثناء اضطرابه، فالحالة التي يكون عليها الملك إثناء اعتراء الروح الرديء، في الغالب تفقده ميزة تذكر ما حدث إثناء تلك النوبة وكان داود لا يكون أمام الملك شاول إلا إثناء فترة اختلال واضطراب شاول، وهذا بدليل أن داود لم يكن قد سمع بما قاله جليات وتعييره لشعب بني إسرائيل رغم ان جليات ظل يغيرهم لمدة 40 يوم، والكتاب يذكر ان داود كان يرجع ليرعى الأغنام ثم يعود مرة أخرى لشاول [15 واما داود فكان يذهب ويرجع من عند شاول ليرعى غنم ابيه في بيت لحم (1صم 17)]، وخاصة أن عمر الملك شاول إثناء قتل جليات والحرب مع الفلسطينيين تقريباً 55 عاماً، ولد شاول عام 1080 قبل الميلاد، والحرب مع الفلسطينيين وقتل جليات كانت 1025 ق. م، بالإضافة إلى نوبات اعتراء الروح الرديء مع مشغوليات الملك.
ولكن هل داود كان هو الوحيد حامل سلاح الملك؟! بالقطع لا، لأن “يوآب” كان له عشرة يحملون سلاحه: “وأحاط به عشرة غلمان حاملوا سلاح يوآب وضربوا أبشالوم وأماتوه” (2صم 18: 15) فكم تظن يكون حملة سلاح شاول الملك نفسه؟! ومع وجود عدد ليس بقليل حملة سلاح شاول نستطيع أن نقول إن عمله الأساسي في القصر الملكي كان العزف على العود متى بغت الروح الرديء شاول، وكان عمله الثانوي حمل سلاح شاول، وعندما كانت تمر فترات هدوء لشاول الملك، كان داود يجد الفرصة المناسبة للعودة إلى بيت لحم لرعاية غنم أبيه، وهذا ما أوضحه الكتاب: “وأما داود فكان يذهب ويرجع من عند شاول ليرعى عنم أبيه في بيت لحم” (1صم 17: 17).
إذن، داود كان يتردَّد على شاول الملك، ولكنه لم يقم لديه بصفة مستمرة إلاَّ بعد انتصاره على جليات: “فأخذه شاول في ذلك اليوم ولم يدعه يرجع إلى بيت أبيه” (1صم 18: 2) فواضح جدًا التسلسل المنطقي في القصة.
والنص في (1صم 17:15) وأما داود فكان يذهب ويرجع من عند شاول وتوزعت واجبات داود بين وظيفته لدى شاول، كواحد من بين كثيرين ممن يحملون سلاحه (1صم 16:21) ورعاية غنم أبيه في بيت لحم. (تفسير الكتاب المقدس، جون ماك آرثر، ص 493.)
وقد يكون تعيين داود كحامل سلاح شاول تعيناً شرفياً وفي أغلب الأوقات لم يمارس مهمة حمل سلاح الملك، وكان داود واحد من عدد ضخم من الذين التقوا بشاول فالكل يعرف الملك، ولكن الملك لا يعرف الكل، وإن كان شاول قد تعرَّف عليه في اللقاء الأول وأحبه، فاضطرابه النفسي ربما لم يساعده على استمرار هذه العلاقة، وأيضًا كان شاول يحصر كل تركيزه في منظر جليات وقوته، ذاك الكابوس المُرعب، وهل ستنجح مهمة هذا الشاب الحدث؟! وعندما انتصر داود وأتى برأس جليات لم يكن شاول ليُصدق ما حدث.
لهذا لا نجد أن شاول يسأل عن اسم داود، بل عن اسم أبيه لثلاث مرات ولم يسأل -ولو مرة واحدة- عن اسمه هو شخصيًا، فيقول النص:
55 ولما رأى شاول داود خارجا للقاء الفلسطيني قال لابنير رئيس الجيش ابن من هذا الغلام يا ابنير. فقال ابنير وحياتك ايها الملك لست اعلم. 56 فقال الملك اسأل ابن من هذا الغلام. 57 ولما رجع داود من قتل الفلسطيني اخذه ابنير واحضره امام شاول وراس الفلسطيني بيده. 58 فقال له شاول ابن من انت يا غلام. فقال داود ابن عبدك يسّى البيتلحمي. (1صم 17)
شاول عرف داود، ولكنه قد نسى ابن من هو؟ وإذ أراد أن يضمه إلى صفوفه بصورة أقوى، بل وضع في قلبه أن يزوّجه ابنته، ويجعل بيت أبيه حرًّا في إسرائيل فلا يدفع الضرائب المفروضة على بقية الشعب، ولذلك سأل عن أسرة هذا الشاب الحدث: “ولما رأى شاول داود خارجًا للقاء الفلسطيني قال لأبنير رئيس الجيش ابن من هذا الغلام يا أبنير. فقال أبنير وحياتك أيها الملك لست أعلم.. ولما رجع داود من قتل الفلسطيني أخذه أبنير وأحضره أمام شاول ورأس الفلسطيني بيده. قال له شاول ابن من أنت يا غلام. فقال داود ابن عبدك يسَّى البيتلحمي” (1صم 17: 55 – 57).
كان فرح شاول به عظيمًا وسأله: (ابن من أنتَ يا غلام؟).. ابن من؟ كانت ذرية داود في منتهى الأهمية بالنسبة إلى شاول في هذه الظروف بالذات إذ ان الذي يغلب جليات سوف يتزوج من عائلته (1صم 17 :25)، (18: 18). == (تفسير الكتاب المقدس، جون ماك آرثر، ص 495.)
ولنوضح أسباب عدم معرفة شاول لداود نذكر الآتي:
كان داود غير مستقر في قصر الملك بل كان يذهب ويرجع مرات ومرات، ولم يمكث هناك إلا في وقت اضرابه.
في البداية، لم يهتم شاول كثيراً بداود فأعتبره مجرد شخص من أحد رجاله الكثيرين، وهذا طبيعي لمن هم في منصب الملوك، حيث يكون لديهم خدم واعمال كثيرة.
كان داود يستغل فرصة تحسن الملك شاول ويذهب إلى بيت لحم لرعى غنم والده (1صم 17: 17).
بالتأكيد كان قد مر فترة زمنية طويلة لم ير شاول داود، لتحسن شاول خلال تلك الفترة.
ربما كان داود قد تغير في هيئته قليلا بعد ان وصل سن الرشد.
عرفَ شاول داود لكن الملك كان يسأل عن والد وأسرة وسبط داود. كان يسأل لزيادة تفاصيل عن هذا الرجل الذي لفت أنظار الجميع.
الخلاصة
أن شاول يصرعه روح رديء من وقت لآخر، فهو شخص غير مستقر، لم يذكر لنا الكتاب أن داود كان مقيم إقامة كاملة في بيت شاول الملك، بل ذكر أنه كان يأتيه أحيانًا ليعزف له، وهذا ما نفهمه من إرسال يسى لابنه داود إلى أخوته بطعام وقت الحرب، مما يؤيد أنه كان يقيم في بيته بصورة عادية، وأن العلاقة معه ليست علاقة وطيدة، بل سطحية بين ملك وخادم للملك، إرسال شاول إلى يسى كي يرسل داود لعزف للملك، لا تعني أن شاول عرف من هو يسى أبو داود، وأن بينهما علاقة ما، كي يصبح موجودًا في ذاكرته طويلاً.
رسالة شاول إلى يسى واضح أنها كانت عن طريق خدامه، لم يسبقها معرفة، ولم يتبعها علاقة. وسؤال شاول عن أبو داود بعد مقتل جليات، كان سؤالاً طبيعيًا، فهل تظن أن ملك أو رئيس، لديه بعض الخدام يهتم بمعرفة تفاصيل أهل كل منهم، ويتذكر ابن من هذا، ففي صموئيل الأول 16: 18 تحدث أحد خدام الملك شاول عن داود بن يسى، بطريقة عابرة، وليس مطلوبًا من الملك أن يحفظ اسم أبوه ويتذكره وقت الحرب والسؤال كذلك له مغزى آخر، عن سبط هذا الشخص، فاليهود كانوا أسباطًا، ومهم جدًا لملك في مثل تلك الظروف أن يعرف تفاصيل عن هذا الشاب بعد ما قتل الشخص الجبار الذي أهان شعبه.
وفي صموئيل الأول 17: 31- 32 جاءوا بداود ليقابل شاول، لا نجد أي شيء غير طبيعي في مقابلته له، لكن السؤال عن أبوه بعد الانتصار سؤال عادي لا يؤيد وجهة نظر المهاجم في شيء، فملك لم يتذكر اسم أبو الشاب الذي قتل العدو، أما القول عن تعارف شاول وداود مرة ثانية في إصحاح 17، هو فهم خاطئ بقصد أو بغير قصد، فكل ما أراد شاول معرفته، ابن من هذا ولم يسأل الملك عن داود كشخص، حين جاءوا به قبل التوجه لمحاربة جليات أو بعده، ما سأل فيه الملك فقط هو “ابن من هذا”.
وما يوضح ترابط ذلك أكثر أن من بداية إصحاح 18، بدأت علاقة يوناثان بن شاول الملك لـ داود، بالرغم أن داود كان يذهب لقصر شاول الملك ليعزف له، ولو كان داود في علاقة قوية مع ناثان أو شاول الملك لاتضح ذلك قبلاً، لكن هذا يدل على أن وجود داود في قصر شاول كان لأوقات قليلة لم تسنح لشاول أن يتعرف على داود بشكل كبير، فقد كان في مقام واحد من خدام الملك الذين لم يهتم أن يعرف عنهم أو عن عائلتهم الكثير.
الاعتراض الثاني
وصف داود، هل داود رجل حرب (صموئيل الأول 16: 18) أم لا (صموئيل الأول 17: 33)؟، وفي عدد 39 لم يتمكن من لبس الملابس العسكرية.
الرد على هذا الاعتراض:
1-في صموئيل الأول 16: 19 نجد وصف داود “18فَأَجَابَ وَاحِدٌ مِنَ الْغِلْمَانِ وَقَالَ: «هُوَذَا قَدْ رَأَيْتُ ابْنًا لِيَسَّى الْبَيْتَلَحْمِيِّ يُحْسِنُ الضَّرْبَ، وَهُوَ جَبَّارُ بَأْسٍ وَرَجُلُ حَرْبٍ، وَفَصِيحٌ وَرَجُلٌ جَمِيلٌ، وَالرَّبُّ مَعَهُ».
جبار بأس، رجل حرب، فصيح، جميل، أصهب، حلو العينين، الرب معه، من قائل هذه الأوصاف؟ هل الكتاب المقدس أم “واحد من الغلمان”؟ بالطبع إنه “واحد من الغلمان” كما يقول النص، والكتاب المقدس لا يقر هذا الغلام، أي لا يشهد لصحة كلامه أو يناقضها، هو فقط يذكرها.
فقَبِله شاول كحارس له إلى حين في فترة ضربه للموسيقى، ربما تدرب على استخدام السيف لكنه لم يتدرب على ارتداء الحلة العسكرية لذا وجد صعوبة بل استحالة في استخدامها عند مبارزته لجليات. “فَتَقَلَّدَ دَاوُدُ بِسَيْفِهِ فَوْقَ ثِيَابِهِ وَعَزَمَ أَنْ يَمْشِيَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ جَرَّبَ. فَقَالَ دَاوُدُ لِشَاوُلَ: «لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَمْشِيَ بِهذِهِ، لأَنِّي لَمْ أُجَرِّبْهَا». وَنَزَعَهَا دَاوُدُ عَنْهُ. (1صموئيل 17:39) فالنص يؤكد ان داود لم يرتدي الزي العسكري من قبل أو يتدرب عليه.
فإن كان وصف هذا الغلام صحيحًا، فالمعنى سيكون أنه رجل بأس وحرب وشجاع لأنه قتل الأسد والدب وقد ظهرت عليه علامات القوة لكن لم يتمرس مطلقا على ارتداء الزي العسكري ولم يكن معتاد على شيء يقيد حريته. وكان داود يعتمد أكثر على الله لا على السلاح والترس. “قَال دَاوُدُ لِلْفِلِسْطِينِيِّ: «أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ إِلهِ صُفُوفِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ عَيَّرْتَهُمْ.” (1صموئيل 17:45)
الاعتراض الثالث:
ما هو طول جليات 4 أذرع أم 6 أذرع؟ يذكر النص العبري أن طوله 6 أذرع وشبر، بينما الترجمة السبعينية ومخطوطات قمران ويوسيفوس يذكر أن طوله 4 أذرع وشبر.
الرد على الاعتراض الثالث:
في النص الماسوري العبري وكذلك في ترجمة الفولجاتا اللاتينية والبشيطا السريانية والمخطوطة الإسكندرية اليونانية جاء طوله ستة أذرع وشبر، والذراع 45 سم.، والشبر 25 سم، فيكون الطول 295 سم. أي نحو ثلاثة أمتار. بينما في المخطوطة الفاتيكانية ومخطوطة قمران 4Q51 Samuel a جاء الرقم أربعة أذرع وشبر.
أما لو حللنا النص داخليًا لمعرفة القراءة الصحيحة، سنجد أنه لو كان طول جليات أربعة أذرع وشبر أي نحو مترين، فليس في هذا غرابة، فقد كان شاول في مثل هذا الطول أو أكثر إذ كان أطول من كل الشعب (1صم 10: 23) وشاول هذا الذي هو أطول من كل الشعب عندما رأى جليات ارتاع وخاف ” ولما سمع شاول وجميع إسرائيل كلام الفلسطيني هذا ارتاعوا وخافوا جدًا” (1صم 17: 11) وهذا يدل على أن جليات كان أطول من شاول فلابد أن طوله ستة أذرع وشبر.
كما أن وزن الدرع الذي يرتديه يتناسب مع طوله، وقد بلغ وزنه نحو 50 كجم وأسنان رمحه 6 كجم، بينما الإنسان الطبيعي لا يستطيع أن يمشي بيسر إذا حمل أكثر من 35 كجم.فالأخطاء أثناء النسخ هي شيء متعارف عليه في كل المخطوطات القديمة لكل الأعمال، ولم يخل أي عمل من الأخطاء لأنها نتاج الضعف الإنساني، ونُذَكِّر هذا الشخص بوجود 540 خطأ في مخطوطة القرآن المسماة بـ “طرس صنعاء 1”
وهذا ما نخبر به أمثاله أن الخطأ النسخي ليس دليل على التحريف وإلا بنفس المكيال لوجود تقريباً 540 خطأ في مخطوطة واحدة للقرآن يعد هذا تحريف للقرآن. فالأخطاء في مخطوطات الكتاب المقدس لهي أخطاء هجائية في أغلب أغلبها، بحيث لا يمكن حتى ان تُحدث فرقًا عند الترجمة، فالكلمة الصحيحة والخاطئة ستظل نفس الكلمة المترجم إليها، فالغالبية من الأخطاء أخطاء هجاء وأخطاء إملائية لا قيمة لها والنسبة الباقية نستطيع بسهولة جداً مقارنتها بباقي المخطوطات ليتم كشف وتصحيح هذا الخطأ.
بالإضافة أنه لا يوجد في تاريخ المسيحية أن شخص أو مجموعة احتكرت نص العهد الجديد وتولى/تولت نشره وحدها بالطبع، كما فعل عثمان وحرق المصاحف عندما وجد المسلمين يتقاتلون من شدة الاخلاف حول نص القرآن، فقام بعمل نسخته الخاصة ثم نسخها وأرسلها للأماكن الأخرى وأمر أن يتم حرق كل ما عدا هذه النسخة، فهذا يؤيد أن المخطوطات نسخت بحرية من أماكن مختلفة، تقريبا من كل العالم القديم وبيئات مختلفة ومن نساخ مختلفين، وهذا يدعم صحة هذه المخطوطات وموثوقية الكتاب المقدس.
الاعتراض الرابع والسادس والسابع:
من قتل جليات، داود أم الحانان؟ سفرصموئيل الأول إصحاح 17 يقول إنه داود ولكن سفر صموئيل الثاني 21: 19 الحانان قتل جليات.
ومتى قُتل جليات في زمن شاول أم في زمن مُلك داود؟
وهل قتل الحانان جليات أم قتل لحمي أخا جليات كما ورد في سفر أخبار الأيام الأول؟
الرد على الاعتراض الرابع:
بالنظر إلى الجدول التالي يتضح وجود واقعتين مختلفتين بأشخاص وأحداث وأماكن مختلفة
السفر
سفر صموئيل الأول
سفر صموئيل الثاني
سفر أخبار الأيام الأول
الشاهد
(1 صموئيل 17)
(2 صموئيل 21)
(1 أخبار الأيام20)
الزمن
أثناء مُلك شاول
أثناء مُلك داود
أثناء مُلك داود
مكان الحرب
في سوكوه وعزيقة في افس دميم
جوب
ـــــــــــ
الرجل الفلسطيني
جليات
جليات
لحمي أخا جليات
الرجل الإسرائيلي
داود
الحانان بن يعري
الحانان بن يعري
قدَّمَ العلماء أكثر من رد على هذا السؤال، وكل رد منهم كافي للرد على السؤال، وهنا سأعرض فقط رأيين منهم[1].
الأول: منشأ هذا الاعتراض هو افتراض شخصية واحدة اسمها باسم جليات، بينما لا يوجد دليل يدعم هذا، خصوصا أن جليات كان مميزا كفخر للفلسطينيين، وبالإضافة لهذا الخطأ، فإن الخطأ الآخر هو اعتبار اسم جليات هو اسم علم، وهو أيضًا افتراض لا دليل عليه.
بينما سنجد أن عدد كبير ومرموق من العلماء المتخصصين يقولون إن هذا الاسم كان كلقب (مثل لقب “فرعون” مثلا)، وبالتالي فلا مشكلة من وجود أكثر من شخص بنفس الاسم، بل حتى لو كان اسم علم، فلا مشكلة ايضًا من وجود أشخاص بنفس الاسم، فهذه هي العادة قديمًا وإلى اليوم في مختلف الشعوب والأعراف والثقافات.
فالعلماء في هذا الرد يقولون ان اسم جليات لا يعبر عن شخصية واحدة وحيدة لا يسمى بها الا هو، بل انه اسم مستخدم كلقب، فيوجد جليات الذي قتله داود عندما كان شاول ملكًا، ويوجد جليات الذي قتله الحانان فيما بعد، عندما كان داود هو الملك. فالحانان بين يعري يوجد شخص باسمه ايضًا وهو الحانان بن دودو (1أخ 11: 26) وكلاهما من نفس المدينة، بيت لحم، فتكرار الأسماء هو أمر متعارف عليه، فلا مشكلة في النص.
الثاني: أن اسم “الحانان” هو اسم آخر لداود، وهذا معروف من العهد القديم، فكثير من الشخصيات فيه كان لها اسمان أو أكثر، فمثلا، سليمان ابن داود نفسه، كان اسمه “يديديّا” أيضًا، فنجد في سفر أن داود دعى ابنه باسمين حيث يقول الكتاب:
24 وعزّى داود بثشبع امرأته ودخل اليها واضطجع معها فولدت ابنا فدعا اسمه سليمان والرب احبه 25 وأرسل بيد ناثان النبي ودعا اسمه يديديّا من اجل الرب. (2 صم)
وهكذا، جدعون كان له اسم آخر وهو يوبعل (قض7: 1)، وهكذا العديد من شخصيات الكتاب المقدس في هذه العصور. وبالتالي، فلا مشكلة في أن يذكر الكتاب اسما من قتل جليات.
وعلى هذا، من أخذ بالرد الأول، وهو وجود أكثر من شخص باسم جليات، الأول قتله داود، والآخر قتله الحانانان، فيكون: الذي قتل أخا جليات (سواء الذي قتله داود او الذي قتله الحانان) هو الحانان، بمعنى أن الحانان هو الذي قتل جليات الآخر وأخوه لحمي سويًا، ويكون داود هو من قتل جليات الأول في عهد شاول الملك.
بينما من أخذ بالرد الثاني، وهو وجود اسمين لداود، فيكون: داود قتل جليات الأول في عهد شاول، وجليات الثاني عندما كان داود نفسه ملكًا، وهكذا قتل أخوه لحمي. ولا يشترط هنا القتل المباشر من داود لجليات الثاني والأخ، بل بسبب أن داود صار هو الملك فيصح ان يقال إنه هو الذي قتل أخا جليات بينما من قتله هو أحد جنوده، مثلما نقول إن الرئيس السادات حارب في 1973، بينما الرئيس بنفسه لم يحارب بل جنوده.
ففي أخبار الأيام الأول 20: 4- 8 نجد أن أولاد رفا[2]الأربعة: سفّاي ولحمي وجليات والرابع لم يُذكر اسمه والموصوف بـ صاحب الـ 24 أصبع
سبكاي قتل: سفّاي
الحانان قتل: لحمي (أخو جليات، وهكذا قتل جليات (كما في الرد الأول))
يهوناثان قتل: صاحب الـ 24 أصبع
ويبقى جليات: وقد قتله داود (أو الحانان (كما في الرد الثاني))
وفي عدد 8 يقول “هؤُلاَءِ وُلِدُوا لِرَافَا فِي جَتَّ وَسَقَطُوا بِيَدِ دَاوُدَ وَبِيَدِ عَبِيدِهِ.”
الاعتراض الخامس
ما هو اسم الحانان؟ الحانان بن يعري صموئيل الثاني 21: 19 أم الحانان بن ياعور أخبار الأيام الأول 20: 5؟
الرد على الاعتراض الخامس:
في صموئيل الثاني 21: 19 יַעְרֵי يعري
في أخبار الأيام الأول 20: 5 יָעוּר ياعور
كما قلنا سابقًا، أنه من المعتاد أن يكون للشخص إسمان، بل أن نبي المسلمين نفسه له اسم محمد وأحمد سويًا، ولم نسمع لأحد سأل: هل اسمه أحمد أم محمد! لأنه لا مشكلة في أن يكون للشخص أكثر من اسم. هذا ولا سيما أن الاسم كما يقدمه لنا النص العبري هو יַעְרֵי אֹרְגִים (يعري ارجيم). لكن لنتماشى جدلا مع المعترض، ربما كل ما حدث هو خطأ ناسخ أن يتحول حرف اليود י الى حرف الواو ו فقد يكون تمدد في الحبر مثلاً بدون قصد، وتبدل مكان الحرفين، دون تغيير يُذكر في اسم الشخص ثم جاء الناسخ التالي فنقل ما هو مكتوب في المخطوطة.
وبسهولة يتمدد الحبر بأي شكل مما يغير الحرف والكلمة.
وفي زمن سحيق جدًا، بسهولة شديدة كان يمكن لأي ناسخ أن يتمدد منه الحبر أو أن يخطئ ويكتب حرف بدل الآخر، أو يبدل في ترتيب الحروف داخل الكلمة الواحدة فتنتج كلمة مختلفة، وهنا كان يحاول النساخ دائمًا أن يصححوا بعض الألفاظ التي ربما كُتب فيها حرف بدل آخر، أو تبدل حرف بدل الآخر، ومن السياق كان يمكن تصحيح اللفظ والترجمات المختلفة ساعدت في الوصول للمفردات الأصلية.
هل حدث أي تغيير في عقيدة الكتاب المقدس بسبب هذا الخطأ أو غيره؟ لا، لم يحدث.
وواضح من نطق الاسم، انه -على الأكثر- اختلاف ترتيب حرفين مما يوضح أن القضية كلها خطأ ناسخ في النقل من مخطوطة إلى مخطوطة أخرى، في زمن سحيق وبعيد لم تتوفر له أدوات النسخ التي تحمي من الأخطاء النسخية العادية التي تحدث حتى الآن في زمن التطور العلمي الرهيب في الكتابة والنسخ على الكمبيوتر وأدوات الطباعة المتطورة.
هل الأخطاء النسخية تقلل من قدسية النص؟ وهل الأخطاء النسخية تعتبر تحريف؟ بالتأكيد لا. لماذا؟
لأن النسخ عمل بشري، ولا يوجد عمل بشري كامل تمامًا على الإطلاق.
لأن الأخطاء النسخية التي حدثت، لم تغير النص ولا عقيدته، وبحسب التعبير المشهور لا تُحل حرامًا ولا تحرم حلالاً.
بمقارنة نصوص بمخطوطاته وترجماته المتعددة يمكننا أن نكتشف الأخطاء النسخية ونصححها وذلك لتوافر المخطوطات والترجمات التي تحوي نفس النص ونفس العقيدة ولم تتغير العقائد من هذه الأخطاء النسخية.
وفي العهد الجديد يتوفر مصادر ضخمة جدًا لتصحيح الخطأ النسخي، فكثرة المخطوطات والترجمات واقتباسات أباء الكنيسة والقراءات الكنسية تساعد في معرفة اللفظ وتصحيحه.
فلو كانت الثقة في النص مبعثها عدم وجود أخطاء نسخية، لفقدت كل كتب الدنيا الثقة فيها لأنه لم يأت كتاب بلا أخطاء نسخية على الإطلاق، بالإضافة أنه لا يوجد نص خالي من الأخطاء النسخية، وهو أمر حدث في كل كتب الدنيا، خاصة الكتب القديمة حيث لا يوجد أجهزة كمبيوتر ولا دقة عالية في الكتابة والطباعة، وبالتالي نفقد الثقة في كل كتب الدنيا.
الاعتراض الثامن:
هل هو بيتلحمي أم لحمي؟ في صمويل الثاني 21: 9 الحانان البيتلحمي، في أخبار الأيام الأول 20: 5 الحانان بن ياعور لحمي.
من قراءة النص فقط تعرف أن الحانان هو بيتلحمي يعني من بيت لحم، وفي نص الأخبار قتل الحانان بن ياعور لحمي، ف لحمي هو اسم الشخص المقتول. وليس هناك تناقض. في سفر صموئيل قال عن الحانان أنه من بيت لحم، بينما في سفر الأخبار قال إن الحانان قتل لحمي.
الاعتراض التاسع:
أورشليم لم تفتح إلا بعد عصر داود ولم يكن لداود أي مكان أو خيمة في هذه الحرب، وتقول الترجمة اليسوعية أن هذه الآية مضافة.
أولا: فالنص لم يذكر أن داود أخذ رأس جليات مباشرة بعد قتله إياه مباشرة وذهب مباشرة إلى أورشليم، وبالتالي، فيمكن ان يكون داود قد فعل هذا بعدما تم فتح أورشليم، فالنص لم يحدد إلا فعلا خبريًا خاليًا من التوقيت، كمثل أن تقول: احتلت إسرائيل سيناء ثم استرجعت مصر أراضيها المحتلة. فهل هذا يعني أن مصر حاربت إسرائيل فور احتلال إسرائيل لسيناء مباشرة؟! أم أن الكلام هنا يذكر خبر مجرد من التوقيت؟
ثانيًا: لماذا يحتاج داود، أصلا، إلى فتح أورشليم لكي يضع رأس جليات في خيمته؟!! فداود كان يعيش فيها اليبوسيين مع يهوذا سويًا، فما المشكلة من خروج ودخول داود إلى أورشليم حتى قبل فتحها؟! النص لم يقل أن داود وضع رأس جليات في أورشليم المفتوحة مثلاً لكي يمكن أن يفترض المعترض هذا الفرض العبثي! [3]
وصف يوسيفوس أورشليم أنها مكونة من خمسة أجزاء أولها قلعة الملك داود فيبدو أن القلعة كانت جزء من أورشليم ولم تكن كلها أورشليم، وتؤكد دائرة المعارف الكتابية ان مدينة داود كانت أصلا هي قلعة اليبوسيين وهذه هي التي اقتحمها رجال داود.
يظهر جليًا من هذا النص أن اليهود عاشوا مع اليبوسيين في أورشليم ولم يطردوهم منها، فلم ـ تُفتح أورشليم في عصر داود بكاملها، بل سكن اليهود فيها قبلاً بجوار اليبوسيين، فكان لليهود وجود سابق في أورشليم مشاركة مع اليبوسيين.
من كل هذا نستنتج أن:
ما اقتحمه داود ورجاله وتم الاستيلاء عليه قلعة هامة احتمى بها اليبوسيين وليس كل أورشليم.
عاش اليهود مع اليبوسيين في أورشليم حتى تم الاستيلاء عليها كاملا وطردهم نهائيا وليس جزئيا.
النص لم يقل أن داود ذهب مباشرة برأس جليات واودعها خيمته.
عندما دخل شعب الله أرض كنعان وبعد سقوط أسوار أريحا، اجتمعت ملوك الجنوب لمحاربة يشوع، فانتصر عليهم وقتل ملك أورشليم (يش 10: 23) وفي بداية حكم القضاة حارب سبط يهوذا أورشليم وأشعلوا النيران في أجزاء منها (قض 1: 8) ولكن لا سبط يهوذا ولا سبط بنيامين استطاع أن يطرد اليبوسيين سكان أورشليم التي كانت تُدعى أولًا يبوس ” فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم” (أش 15: 63).. ” فسكن اليبوسيون مع بني بنيامين في أورشليم” (قض 1: 21) وظل حصن صهيون وهو من أقوى الحصون في يد اليبوسيين لم يسقط إلاَّ بعد مُلك داود (2صم 5: 6 – 9).
أما في أيام مُلك شاول فكان داود يستطيع بمفرده أن يدخل إلى أورشليم ويخرج لأن بني يهوذا وبني بنيامين كان لهم تواجد في المدينة، ولا تنسى أن داود من سبط يهوذا، فمن المُحتمل أنه يكون قد حمل رأس جليات إلى أورشليم عقب الحدث مباشرة، ولاسيما أن أورشليم قريبة من بيت لحم مسقط رأسه، أو قد يكون فعل ذلك بعد أن تولى المُلك ” وأخذ داود رأس الفلسطيني وأتى به إلى أورشليم.
ووضع أدواته في خيمته” (1صم 17: 54) أي وضع سيفه ورمحه ودرعه وملابسه في خيمته في بيت لحم، أو في الخيمة التي يقيم فيها بالقرب من مقر شاول (1صم 13: 1، 2) وقد حُمل سيف جليات إلى مدينة نوب، إما بعد الحدث مباشرة، أو فيما بعد أُخذ من خيمة داود وحُمل إلى مدينة نوب.
لذلك لا نجد أي تحريف أو تناقض بين سفر صموئيل الأول 17: 51 – 54 الذي يقول إن داود اخذ رأس الفلسطيني المقصود به جليات واتى به إلى أورشليم حيث كانت له خيمة هناك للأسباب التالية:
فمن سفر صموئيل الأول 16 نعرف أن داود من بيت لحم وتبعد بيت لحم عن أورشليم حوالي 5 أميال أي أنها مسافة قليلة للغاية.
مما يرجح أن داود لابد أن تكون له خيمة وخاصة أنه أصبح له شأن عندما كان يعزف للملك شاول وأصبح حامل سلاحه، وفي أورشليم مسح الله له عن طريق صموئيل النبي انه سيكون ملكا على اليهود فكان من الطبيعي أن يعرف كل شيء عن وطنه الذي سيحكمه يومًا ما
كما أننا لا نجد أي ما ينفى في الكتاب المقدس عدم وجود خيمة لداود في أورشليم.
كان داود صغيرًا، وليس من القادة، لكن بعد انتصاره على جليات أصبح له شأن عظيم جدًا، وليس ما يمنع أنه تم عمل خيمة له فور هذا الانتصار، فقد أزال العار عن اليهود.
ففتح أورشليم هذا في زمن مُلك داود لم يكن لكل أورشليم، بل جزء منها فقط، وكان داود موجود في أورشليم كغيره من اليهود، الذين عاشوا بجوار اليبوسيين طويلاً.
الاعتراض العاشر:
سفر صموئيل الأول 17: 12- 31 لا يوجد في المخطوطة الفاتيكانية، كذلك بعض الفقرات من هذا النص لا توجد في هذه المخطوطة ولكن توجد في مخطوطات عبرية.
الرد على الاعتراض العاشر:
كان النُساخ قديمًا ينسخون المخطوطة من أخرى سابقة عليها، فربما ناسخ هذا الجزء من المخطوطة الفاتيكانية لم يكن أمامه مخطوطة سليمة ينقل منها، فقد كانت المخطوطات تُبلى بفعل الزمن وعدم وجود متاحف تحافظ عليها، فكون أن مخطوطة أو حتى عدة مخطوطات مفقود جزء أو أجزاء منها، أو لم يتم تسجيل أي جزء من النص، لا يعني التحريف.
فالتحريف أن يقوم شخص بتغيير النصوص بهدف تغيير العقيدة لخداع الناس وتغيير عقيدتهم وإيمانهم فهل في وجود خطأ ناسخ، أو عدم وجود جزء من نص في إحدى المخطوطات تحريفًا؟
هذه الأعداد إن كانت قد حُذفت في بعض المخطوطات اليونانية فإنها وُجدت في مخطوطات يونانية أخرى وأيضًا وُجدت في النص العبري الماسوري، وهي التي نعوّل عليها، كما وُجدت في المخطوطة الإسكندرية، وأيضًا وُجدت في “الهكسابلا” أي السداسية التي قام بها أوريجانوس ووضع فيها ستة أعمدة تشمل ست تراجم أقدم دليل هام جدا في هذا الموضوع وهو مخطوطات قمران النص موجود في قمران يؤكد اصالته.
الخلاصة
أن داود كان رجل شجاع ورجل حرب ويضرب على الآلة وتم استدعاء داود لقصر الملك شاول ليعزف له على الكنارة عندما يعتريه روح رديء واثناء اضطراب شاول كان تحدث له حالة اختلال عقلي تجعله لا يتذكر الأحداث، وداود في الغالب لم يكن يقيم في قصر الملك بل كان يذهب للقصر في حالة مباغتة شاول بالروح الرديء، وأصبح شاول حامل سلاح الملك ولكنه لم يتدرب على لبس البدلة العسكرية ولم يعتاد عليه لم يكن قد جربها من قبل.
واثناء الحرب مع الفلسطينيين قتل داود جليات اثناء مُلك شاول، ثم تسأل شاول عن هذا الغلام ليعرف هو ابن من؟، ومن اي سبط ويستعلم بمعلومات أكثر عن داود، ثم قامت حرب اخرى اثناء مُلك داود وقام الحانان بن ياعور وربما يكون اسم والده ايضا يعري بقتل لحمي أخا جليات، ومن تقارب المواصفات بين جليات وشقيقة كان يلقب لحمي بجليات أيضاً.
Adeyemo, T. (2006). Africa Bible commentary (406). Nairobi, Kenya; Grand Rapids, MI.: WordAlive Publishers; Zondervan.
Cabal, T., Brand, C. O., Clendenen, E. R., Copan, P., Moreland, J., & Powell, D. (2007). The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (434). Nashville, TN: Holman Bible Publishers.
Hertzberg (387) suggests that the name “Goliath” had come to designate a type of warrior in which case there may have been more than one “Goliath.”
Smith, J. E. (2000). 1 & 2 Samuel. The College Press NIV commentary. (507). Joplin, Mo.: College Press Pub. Co.
Vannoy, J. R. (2009). Cornerstone Biblical Commentary, Volume 4a: 1-2 Samuel (402). Carol Stream, IL: Tyndale House Publishers.
Crossway Bibles. (2008). The ESV Study Bible (578). Wheaton, IL: Crossway Bibles.
Youngblood, R. F. (1992). 1, 2 Samuel. In F. E. Gaebelein (Ed.), The Expositor’s Bible Commentary, Volume 3: Deuteronomy, Joshua, Judges, Ruth, 1 & 2 Samuel (F. E. Gaebelein, Ed.) (1060). Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House.
Haydock, G. L. (1859). Haydock’s Catholic Bible Commentary (2 Sa 21:19). New York: Edward Dunigan and Brother.
MacArthur, J. (2006). The MacArthur study Bible : New American Standard Bible. (2 Sa 21:19). Nashville: Thomas Nelson Publishers.
Bergen, R. D. (2001, c1996). Vol. 7: 1, 2 Samuel (electronic ed.). Logos Library System; The New American Commentary (450). Nashville: Broadman & Holman Publishers.
Grant, F. W. (1932). The Numerical Bible: Being a Revised Translation of the Holy Scriptures with Expository Notes: Arranged, Divided, and Briefly Characterized According to the Principles of their Numerical Structure: Joshua to 2 Samuel (Study Text) (474). Neptune, NJ: Loizeaux Brothers, Inc.
Ryrie, C. C. (1994). Ryrie study Bible: King James Version (Expanded ed.) (520). Chicago: Moody Press.
Kirkpatrick, A. F. (1890). The Second Book of Samuel, with Maps, Notes and Introduction (197). Cambridge: Cambridge University Press.
Anderson, A. A. (2002). Vol. 11: Word Biblical Commentary: 2 Samuel. Word Biblical Commentary (255). Dallas: Word, Incorporated.
[2] جدير بالذكر أن الكلمة المترجمة في ترجمة فاندايك “رافا” مترجمة كاسم علم لشخص، بينما يمكن ترجمتها ككلمة ذات معنى، كما فعلت العديد من الترجمات الأخرى، حيث ان الكلمة في اصلها العبري هي רָפָה ويمكن ترجمتها إلى “عملاق، جبار”.
[3]Baldwin, J. G. (1988). Vol. 8: 1 and 2 Samuel: An Introduction and Commentary. Spine title: 1 & 2 Samuel. Tyndale Old Testament Commentaries (137). Nottingham, England: Inter-Varsity Press.
[4]Cabal, T., Brand, C. O., Clendenen, E. R., Copan, P., Moreland, J., & Powell, D. (2007). The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (434). Nashville, TN: Holman Bible Publishers.
من الذي قتل جليات داود أم الحانان؟ – لماذا يتهرب أحمد سبيع من الردود عليه؟
إهتداء بولس المعجزي على طريق دمشق – الإيمان وموجباته المنطقية
إهتداء بولس المعجزي على طريق دمشق – الإيمان وموجباته المنطقية
إهتداء بولس المعجزي على طريق دمشق – الإيمان وموجباته المنطقية
كان “ف. ف. بروس” قد لاحظ ما يلي: “… ما من حدث وحيد، غير حدث المسيح نفسه، تبرهن أنه حاسم كاهتداء بولس ومن ثم إرساليته. ففي نظر أي من يقبل الشرح الذي قدمه بولس عن اختباره على طريق دمشق، يصعب عليه عدم الموافقة على الملحوظة التي قدمها كاتب من القرن الثامن عشر[1]، مفادها أن اهتداء بولس ورسوليته وحدهما، لدى تناولهما في العمق، يشكلان بحد ذاتهما دليلاً كافياً لبرهان كون المسيحية إعلاناً إلهياً”[2]. ما قصد الكاتب قوله من خلال ملاحظته هذه هي أن “ظاهرة بولس” بجملتها – أي الإنسان مع مجموع نتاجه الأدبي – غير قابلة للتفسير بمعزل عن قيامة يسوع المسيح في الجسد. اهتداء شاول الطرسوسي، لو كان بالإمكان برهان صحته، سيمسي رابع دليل عظيم من الدلائل الكتابية – لكي ينضم إلى حقائق القبر الفارغ، وإلى ظهورات يسوع وتلاميذه بعد القيامة، والتغيير الحاصل فيهم فجأة من الخوف إلى الإيمان – على طبيعة المسيحية وأصلها فوق الطبيعي. ما هو الدليل على حصول هذا الحدث؟
المادة الكتابية
إن روايات سفر الأعمال عن اهتداء شاول وهو في طريقه إلى دمشق، مدونة في أعمال 9: 1-9 (سرد لوقا التاريخي بضمير الغائب)، 22: 3-16؛ 16: 2-18 (تقارير لوقا حول الروايات الشخصية لبولس بضمير المتكلم). أما إشارات بولس إلى حادثة اهتدائه فيمكن العثور عليها في غلاطية 1: 15، 16؛ 1كورنثوس 9: 1؛ 15: 8-10؛ فيلبي 3: 4-11؛ 1تيموثاوس 1: 12-16. باختصار توضح هذه النصوص حصول اهتداء شاول بشكل موضوعي من خلال ظهور المسيح الممجد له فجأة على طريق دمشق. يعد رومية 7: 7-25 النص الوحيد في كتابات بولس التذي يتناول حالة الاضطراب الروحي التي كان يعانيها في ذلك الحين. هذا يوحي بأن الله كان قد أعده شخصياً لهذه المقابلة من خلال تبكيته في العمق على خطيته وإقناعه بعجزه عى إطاعة شريعة الله بشكل صحيح وبالكامل. برأيي، “روبرت غندري” هو على حق عندما يكتب: بوسعنا تسمية [رومية 7: 7-25] سيرة حياة كل إنسان إن شئنا، لكن هنا سيرة كل حياة هي السيرة الذاتية لبولس”[3].
حاجج “كريستر ستاندال”، اللاهوتي من جامعة “هارفرد”، في ضرورة النظر إلى اختبار شاول من خلال مقابلته المسيح الممجد، كدعوة وليس كاهتداء، ذلك لأنه لم يتخلله أي تغيير في الديانة أو في الإله، بل كان مجرد تغيير في التكليف والمهام. غير أن شاول يعود لاحقاً ويصف اختباره بشكل راديكالي وحاسم على أنه أكثر من مجرد تلقيه مهمة جديدة. فهو يتحدث عنه في 1كورنثوس 15: 8 “كولادة مخالفة للأصول”. وفي فيلبي 3: 12 يعتبره بمثابة “توقيف” بما أن المسيح يسوع كان قد أدركه أي ألقى القبض عليه. وفي غلاطية 1:13 يذكر “سيرته السابقة في الديانة اليهودية”[4]، جاعلاً بذلك اختباره الديني السابق في اليهودية مقابل “كنيسة الله”. الإشارة الضمنية هنا من خلال هذه المفارقة، هي إلى كون الله الحي والحقيقي وحده موجوداً في كنيسة يسوع المسيح، وليس في اليهودية[5]. في فيلبي 3: 4-8، يعتبر أنه بات ينظر إلى أسبابه “اليهودية” السابقة للاتكال على الجسد كـ “نفاية”، الأمر الذي يوحي بحصول انقطاع بشكل جذري وكامل مع ماضيه “اليهودي”. إنه بنقله اتكاله، كما فعل في إطار بحثه عن البر الشخصي أمام الله، بعيداً عن إطاعته الشخصية لناموس موسى ولطقوس الهيكل، إلى عمل صليب يسوع المسيح. الذي شكل التتميم والتجسيم لهذين العنصرين المركزيين للعهد القديم، أنشأ بولس نمطاً دينياً جديداً لكي يتبعه الآخرون. صحيح أن بولس استمر يعتبر نفسه كيهودي، غير أن إعادة تفسيره بشكل جذري للعهد الموسوي وناموسه كمفارقة تاريخية مجيدة (2كورنثوس 3) ورفضه التشديد على حاجة الأمم إلى الختان من أجل الخلاص، يشكلان بالنسبة إليه اهتداء دينياً – اهتداء بعيداً عن يهودية حقبة “الهيكل الثاني”، التقويض من صنع الإنسان لطريقة عبادة يهوه في العهد القديم (راجع مرقص 7: 6-8)، إلى عبادة يهوه في العهد الجديد، التتميم لديانة العهد القديم، هذا التتميم الذي بات يعرف فيما بعد تحت تأثير بولس بـ “المسيحية”.
تفسيرات عقلانية للحدث
تشمل أساليب العقلنة المتطرفة للحدث الرأي القائل إن شاول أصيب بنوبة مرضية من صنف ما، أو بضربة شمس، أو بعد رؤيته وميض برق أعماه، وبعد سقوطه عن متى حصانه بعد أن اعتراه الخوف وجفل تحته، (لا تذكر رواية لوقا أي شيء عن وجود شاول على متى حصان، مع أن هذا كان محتملاً جداً)، ارتطم رأسه بالأرض. وفي الغيبوبة التي وقعت عليه على أثر ذلك، تخيل نفسه أنه قد رأى يسوع المسيح. لكن هذه التفسيرات لم تلق قبولاً، على وجه العموم، حتى لدى الذهن النقدي.
تعتبر النظرة الأكثر شعبية أن شاول الواقع تحت ضغط اضطهاده للكنيسة، أصابه انهيار عصبي على طريق دمشق. وبينما كان في هذه الحالة من التحطيم النفسي، تخيل أن رب أولئك الذين كان يضطهدهم قد دعاه إلى الكف عن اضطهاده ليخدمه بالحري.
لعل التفسير الطبيعي الأكثر شعبية هو أن شاول كان واقعاً في اللاوعي تحت تأثير منطق الموقف المسيحي، ومن خلال ملاحظته للدينامية الممزوجة باللطف في حياة المسيحيين، مع ثباتهم بصبر تحت القمع. ثم، يقال إنه بعد حصول اختبار الأزمة هذا له “والمغير للمزاج”، من عجز أي كان عن التعرف بطبيعته بالتحديد، بات مقتنعاً بسبب ما تعرض له ذهنه من تهيئة سابقة، أنه يجب أن يصبح أحد أتباع المسيح، عوضاً عن مضطهده. ثم دعماً لهذا التفسير، يصير التركيز على أن تصريح المسيح المقام المزعوم لبولس: “صعب عليك أن ترفس مناخس” (أعمال 26: 14) قد يعني أن “بولس كان يقاوم قناعة أفضل، كانت تتولد تدريجياً في ذهنه، ومفادها أن التلاميذ كانوا على حق بشأن يسوع، وقد يكون هو على خطأ”[6]. بكلام آخر، ظل لبعض الوقت يكبت شكوكاً خطيرة في الضمير تراوده حول صوابية موقفه من المسيح، حتى راح يتورط أكثر فأكثر في اضطهاداته بشكل محموم، لكن مقاومته لهذه الشكوك لم تولد عند راحة البال، بل استمرت “مناخس” وخز الضمير تؤلمه. لكن، لدى بلوغه على مقربة من دمشق، سمح أخيراً لهذه القناعة اللا واعية التي كانت تقض مضجعه، بأن تطفو على السطح، وتتغلب على مقاومته للمسيح، وتحكم حياته.
أؤكد مع “ماشن” بما أن يعود ويصرح في 1تيموثاوس 1: 13 أنه اضطهد الكنيسة “في جهل وعدم إيمان”، أن بولس “لم يكن، قبل اهتدائه، ليعي وجود أي منخس كان يدفعه بالقوة نحو الإيمان الجديد… أما معنى [تصريح يسوع] فقد يفيد ببساطة أن مشيئة المسيح لا تقاوم، وكل مقاومة لها تبقى من دون جدوى. لقد حانت الساعة المعينة من المسيح… وكل مقاومة… ولك تردد هو ميؤوس منه كما هو حال الثور الذي يرفس المنخس؛ تبقى الطاعة الفورية وحدها في محلها”[7].
يجب أن يكون واضحاً أن كل التفسيرات لاختبار شاول على طريق دمشق المبنية على علم النفس، والتحليل النفساني، تترك العديد من الأسئلة من دون جواب. فإلى جانب استحالة إجراء تحليل نفساني بأية نسبة من الدقة الطبية على شخص عاش قبل نحو ألفي سنة، أي دليل حقيقي عندنا على أن شاول كان يعاني انهياراً عصبياً أو كان ضميره يؤلمه؟ (فبينما كان مضطرباً في العمق من خلال علمه بحالته الداخلية كرجل خاطئ، كما كنا قد أوحينا في ضوء رومية 7: 7-25، من الواضح أيضاً أنه لم يرزح تحت وطأة أي شعور بالذنب نابع من أنشطته في الاضطهاد، وذلك لعلمه أنه كان يتحرك برعاية السنهدرين، وإيمانه بشغف الغيور أنه كان بذلك يخدم الله). وماذا كانت طبيعة الأزمة التي أسفرت عن اهتدائه؟ إن أسئلة كهذه والعديد سواها تنتظر إجابات مرضية قيل إضفائنا أية مصداقية على هذه النظريات.
ثم عندنا رأي “رودولف بلتمن” الذي اعتبر أن كل هذه التصورات عن “الأمور الكتابية فوق الطبيعية” هي في الواقع انعكاسات إما لميثولوجيا غنوسطية وإما لأمور رؤيوية يهودية، غير أن تفسيره لاهتداء شاول غير مرض بالتمام، بما أنه يفوته أن يتلاءم بأية نسبة مع الطابع التاريخي للسرد نفسه في سفر الأعمال: “وحيث إنه لم يكن تلميذاً شخصياً ليسوع، جرى ربحه للإيمان المسيحي من خلال كرازة الكنيسة الهلينية”[8]. ولا جاء رأي “جايمس د. ج. دن” أفضل عندما استخلص استحالة معرفة بالتأكيد إن كان يسوع “في الخارج هناك، حياً لكي يجعل نفسه معروفاً عند بولس” كل ما بوسعنا معرفته بأية نسبة من التأكيد، يواصل “دن”، هو أن “بولس نفسه كان مقتنعاً بأن ما رآه كان خارجاً عنه” لكن قد يكون كل ذلك “حصل في نهاية المطاف [داخل الذهن]”[9].
إن خلاصات كهذه يفوتها صراحة أن تتفق مع السرد التاريخي للوقا حول اهتداء بولس أو تنصفه في أعمال 9، أو مع روايات بولس اللاحقة في أعمال 22 و26 التي عرضها في مناسبات جليلة في سياق الدفاع عن موقعه وأفعاله، في محضر القائد الروماني وأمام مسؤولين حكوميين رفيعي الشأن على التوالي. تشير المعلومات المتوافرة إلى أن اهتداءه لم يتسبب به هو شخصياً. لقد تم إعلامنا بصريح العبارة أنه فيما كان شاول يرى المسيح الممجد، سمع المسافرون معه صوتاً (أعمال 9: 7)، مع أنهم لم يفهموا كلماته (أعمال 22: 9)، ورأوا نوراً ساطعاً (أعمال 22: 9؛ 26: 13، 14). ومع أن بولس اعتبر الحدث فيما بعد بمثابة “رؤيا سماوية” (أعمال 26: 19)، هذا الوصف بالمناسبة الذي يضفي عليه طابع حصوله من خارج أب إكسترا، توضح الروايات أن اهتداءه لم يحدثه هو بنفسه شخصياً على صعيد اللاوعي، إنما نجم عن عمل محرك خارج عنه (أعمال 9: 3، 4؛ 22: 6، 7؛ 26: 13، 14). حقاً، المسيح الذي كان قد صعد إلى السماء هو الذي يصور نفسه على أنه المبادر والبادئ للحث في أعمال 26: 16: “ظهرتُ لك”. كما أن حنانيا سيصرح لاحقاً بأن الله اختار شاول لكي “يبصر البار، ويسمع صوتاً من فمه”. (أعمال 22: 14).
لدى تناول كل الحقائق في أعمال 9: 22، 26 وفي غلاطية 1: 15-17؛ وفي 1كورنثوس 9: 1؛ 15: 8-10، الحكم الذي خرج به “ريتشارد لونفنكر” له مبرراته الواضحة:
كانت المقابلة مع المسيح على طريق دمشق كفيلة وحدها بأن تحمل الرابي اليهودي الشاب على إعادة النظر في موت المسيح؛ كانت المقابلة مع المسيح المقام كافية وحدها لبرهان كون الله قد أيد ادعاءات وعمل الكائن الذي كان شاول يقاومه. بشرياً، كان بولس محصناً ضد الإنجيل. بالرغم من استعداده لاتباع الدليل حتى نهايته، كان متأكداً من عدم وجود أي دليل من شأنه قلب حكم الصليب، أي أن المسيح مات ميتة مجرم. لكن…. الله الأزلي “سر” كما يقول بولس من قبيل تذكر ما حصل، “أن يعلن ابنه فيّ” (غلاطية 1: 16). إذاً، بولس كان قد أدركه المسيح، الذي جعله من خاصته (فيلبي 3: 12)[10].
حجة بولس في غلاطية دعماً لصحة رسوليته
بناء على تاريخ حياته الشخصي واختباره الديني
دعماً لحقيقة اهتداء بولس وتاريخيتها ولصحة رسوليته، وللطابع الإعلاني للإنجيل الذي نادى به، لا يستطيع أحدنا الخروج بحجة أفضل من تلك التي عرضها بولس نفسه تحت شكل وحي في غلاطية 1: 13 – 2: 21، هناك، يدافع عن سلطته الرسولية ورسالته في وجه معشر المتهودين الذين كانوا قد وافوا كنائسه في جنوبي غلاطية، وأنكروا سلطته الرسولية، ونادوا للمهتدين على يده بـ “إنجيل آخر”. تتلخص المسألة التي نتطرق إليها الآن، في جملة واحدة: ما الذي شكل في نهاية المطاف أصل التكليف الرسولي لبولس والإنجيل الذي نادى به كتعبير عن ذلك التكليف؟ يتبين من القليل من التأمل أنه كان بإمكانه الحصول على إنجيله وعلى سلطان الكرازة به من واحد من مصادر ثلاثة محتملة: من تدريبه اليهودي، أو من الرسل الأوائل، أو من المسيح نفسه. هذا ما سأشرحه:
من تدريبه اليهودي؟
ترى، هل كان بولس قد حصل على سلطانه الرسولي وعلى الإنجيل الخالي من الناموس[11]، الذي كان يكرز به قبل اهتدائه من حياته السالفة في الديانة اليهودية؟ طرح هذا السؤال، يعني الإجابة عنه. طبعاً لا! فبولس يصف اختبار حياته في الديانة اليهودية خمس مرات:
† غلاطية 1: 12-14 (النص موضوع بحثنا): “فإنكم سمعتم بسيرتي قبلاً في الديانة اليهودية، أني كنت أضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها. وكنت أتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابي في جنسي، إذ كنت أوفر غيرة في تقليدات آبائي”.
† أعمال 22: 3: “أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكية، ولكن ربيت في هذه المدينة مؤدباً عند رجلي غمالائيل على تحقيق الناموس الأبوي. وكنت غيوراً لله….”.
† أعمال 26: 4، 5: “فسيرتي منذ حداثتي التي من البداءة كانت بين أمتي في أورشليم يعرفها جميع اليهود، عالمين بي من الأول، إن أرادوا أن يشهدوا، أني حسب مذهب عبادتنا الأضيق عشت فريسياً”.
† فيلبي 3: 4-6: “إن ظن واحد آخر أن يتكل على الجسد فأنا بالأولى. من جهة الختان مختون في اليوم الثامن، من جنس إسرائيل، من سبط بنيامين، عبراني من العبرانيين. من جهة الناموس فريسي. من جهة الغيرة مضطهد الكنيسة من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم”.
† 1تيموثاوس 1: 13: “… أنا الذي كنت قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً….”.
يجب أن يتضح من هذه الأوصاف التي يضمنها بولس سيرته الذاتية، أنه لم يكن ينادي بصفته الرسول المسيحي واللاهوتي المرسل بما كان قد تعلمه من حياته في الديانة اليهودي، بل على نقيض ذلك، لأنه بصفته الرسول المسيحي واللاهوتي المرسل، كان يقود ثقة الناس بعيداً عن التوراة والهيكل وحفظ الناموس على صعيد شخصي، كالسبيل للخلاص حيث كان أرسى اتكاله واعتماده كفريسي، ونحو يسوع المسيح للخلاص.
مِن تعلمه من الرسل وأخذه السلطان منهم؟
ترى، هل حصل بولس على الإنجيل الذي كان يكرز به مع السلطان الذي يخوله الكرازة به بعد اهتدائه، إن لم يكن عند قدمي غمالائيل، عند قدمي الرسل الأولين؟ يحيطنا لوقا علماً بأنه مباشرة بعد اهتدائه على طريق دمشق “جعل يكرز في المجامع بالمسيح “أن هذا هو ابن الله”. ويحير اليهود الساكنين في دمشق. محققاً: أن هذا هو المسيح” (أعمال 9: 20، 22). كذلك أعلن برنابا أن بولس “جاهر في دمشق باسم يسوع” (أعمال 9: 27). إذاً، نعرف من هذا أن بولس كان قد شرع يكرز قبل التقائه أياً من الاثني عشر رسولاً. لنصغ الآن إلى بولس نفسه:
ولكن لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي، ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه فيّ لأبشر به بين الأمم، للوقت لم أستشر لحماً ودماً ولا صعدت إلى أورشليم، إلى الرسل الذين قبلي، بل انطلقت إلى العربية، ثم رجعت أيضاً إلى دمشق (غلاطية 1: 15-17).
في العربية، لم يكرس بولس نفسه لحياة التأمل الهادئ، بل شرع في الواقع في تبشير السكان هناك. ثمة دليل منفصل لتأييد عمله الإرسالي هناك، إن كان بولس قصد من خلال إشارته إلى “العربية” المملكة النباطية، ذلك لأنه يخبرنا في 2كورنثوس 11: 32، 33 كيف أن “والي الحارث الملك [الرابع (9ق.م -40م) من مملكة النباطيين] كان يحرس مدينة الدمشقيين، يريد أن يمسكني” لكن، لماذا يقدم الوالي على ذلك؟ فالمرء لا يثير كل هذا الشغب مع السلطات المدنية الذي يأتي على ذكره هنا في النص، إن كان مسترسلاً في التأمل الهادئ. كان، ولا شك، يكرز للسكان. تظهر هذه المعلومة أن بولس كان قد انكب على تبشير الأمم قبل وقت طويل من إجرائه أي اتصال بمعشر الرسل في أورشليم.
ثم يخبرنا بولس بموجب قسم كان قد فرضه على نفسه (راجع غلاطية 1: 20): “والذي أكتب به إليكم هوذا قدام الله أني لست أكذب فيه” كيف أنه كانت قد مرت ثلاث سنوات بعد اهتدائه قبل أن يلتقي أخيراً أياً من الرسل. وحتى في ذلك الحين، يعلمنا أنه التقى فقط بطرس ويعقوب، وذلك على مدى خمسة عشر يوماً فقط (غلاطية 1: 18، 19). كان ذلك، ولا شك، الزيارة التي يدونها لوقا في أعمال 9: 26-28. وفيما من المحتمل أن يكون بولس قد “تسلم” في هذا الوقت التفاصيل الدقيقة المختصة “بالتقليد” حول ظهورات يسوع التي كانت قد تلت قيامته، وبالأخص تلك التي حصلت لبطرس ويعقوب، والتي عاد و”سلمها” بدوره للكورنثيين بحسب 1كورنثوس 15: 5-7.
من الواضح أن الرسل لم يمنحوه أية سلطة في ذلك الوقت لأنه لم تسنح له الفرصة للقيام بذلك. ثم بولس، ونزولاً عند رغبة كنيسة أورشليم في الخروج من المدينة، قصد مناطق سوريا وكيليكة. وهكذا مرت فترة أحد عشر عاماً لم يحصل خلالها أي اتصال بين الرسل في أورشليم وبولس. أخبر بولس قراءه في غلاطية: “ولكنني كنت غير معروف بالوجه عند كنائس اليهودية التي في المسيح. غير أنهم كانوا يسمعون: “أن الذي كان يضطهدنا قبلاً، يبشر الآن بالإيمان الذي كان قبلاً يتلفه” (غلاطية 1: 22، 23).
ثم ينقل إلينا بولس كيف أنه في نهاية فترة الأحد عشر عاماً هذه (افترض هنا صوابية الرأي الذي يعتمد جنوبي غلاطية بالنسبة إلى رحلته التبشيرية الأولى)، أي بعد مرور أربعة عشر عاماً على اهتدائه، رأي الرسل للمرة الثانية فقط، هذه المرة بمناسبة زيارته إلى أورشليم “لغرض الإغاثة من الجوع”، كما تعرف، والمدونة في أعمال 11: 27-30. وهكذا تسنى له خلال فترة الأربع عشرة سنة هذه باثنين فقط من قادة الكنيسة في أورشليم، وذلك على مدى أسبوعين فقط. لكنه كان يكرز بالإنجيل بشكل مستمر وطيلة هذه الفترة.
يعلمنا بولس أنه في مناسبة زيارته للإغاثة من الجوع “عرضت عليهم [الرسل] الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم” (غلاطية 2: 2). نتج من هذا اللقاء، كما يكتب بولس، أن الرسل “لم يشيروا عليّ بشيء” (غلاطية 2: 6) “بل بالعكس، إذ رأوا أني اؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطس على إنجيل الختان. فإن الذي عمل في بطرس لرسالة الختان عمل فيّ أيضاً للأمم” (غلاطية 2: 8). وعليه يقول، “أعطوني وبرنابا يمين الشركة” (غلاطية 2: 10). تشير موافقتهم على إنجيله إلى أن بولس لم يكن قد ابتدع من نفسه مضمون إنجيله. مجدداً، لم يضيفوا أي سلطان عليه لكنهم أقروا بالسلطان الإلهي الذي كان له من قبل، والذي على أساسه كان منكباً على خدمته الرسولية على مدى أربعة عشر عاماً.
إذاً، بإمكاننا استخلاص بكل أمان أن بولس طيلة الفترة التي كانت قد بدأت مباشرة بعد اهتدائه، وبمعزل عن أية سلطة بشرية، كان ينادي بموافقة إلهية بالإنجيل الحق، الأمر الذي أقر به الرسل رسمياً في أورشليم.
من دعوة المسيح الإلهية وتوكيله؟
إن كان بولس لم يكرز بما كان قد تعلمه خلال سيرته في الديانة اليهودية قبل اهتدائه، من الواضح أيضاً من مراجعته لفترة الأربع عشرة سنة الأولى من خدمته الرسولية، أنه لم يكرز أيضاً بما كان قد تعلمه من معشر الرسل الأولين بعد اهتدائه. ولا هم منحوه السلطان للانخراط في خدمته كرسول. في الواقع، إن كان قد حصل تناقل لأي تعليم بينهما، بوسعنا جزم من غلاطية 2: 11-14، كان عليه هو خلال حادثة نشأت فيما بعد في أنطاكية، أن يوبخ بطرس جهاراً على مواقفه وأفعاله التي من خلالها ساوم على حق الإنجيل من الناموس، والتي كان من شأنها أن تؤدي إلى وقوع انفصال دائم داخل الكنيسة.
كل هذا يعني أن الإنجيل الذي كان ينادي به بولس والسلطة التي بها كانت تجري هذه المناداة، لم يحصل عليهما لا من تدريبه اليهودي قبل اهتدائه ولا من الرسل بعد اهتدائه. لكنه نالهما بالحري من المصدر الوحيد المتبقي، أي من اختبار اهتدائه نفسه – “بإعلان يسوع المسيح” (غلاطية 1: 12). أنا لا أقصد هنا القول إن شاول لم يكن يعرف أي شيء قبل اهتدائه عن يسوع المسيح أو عن تعاليم الكنيسة العقيدي حوله. كان يعرف بعض الأمور بما فيه الكفاية، والذي شكل السبب وراء اضطهاده الكنيسة؛ كما أنه بصفته مضطهد الكنيسة، كان عليه مواجهتهم مرات عدة. ما أقصد قوله هو أن ظهور يسوع بعد قيامته لبولس على طريق دمشق، فرض على بولس ضرورة تصفية معرفته عن يسوع من خلال “فلتر” أو شبكة جديدة بالتمام من علم التفسير.
ولا أقصد الإيحاء من خلال ملاحظاتي أن بولس لم ينم في مفهومه للمسيح خلال هذه الأربع عشرة سنة، لأنه حقاً استمر ينمو في معرفته بالمسيح حتى نهاية حياته (أفسس 4: 11-13: فيلبي 3: 10-14). بل أعني أنه من كل “نموه” في معرفته بالمسيح، لم يكن “لينفصل رويداً رويداً” عن تلك “الرؤيا السماوية” الأولى والواضحة. فلقد أصبح يمتلك كرسول، في ذلك الحين كما هناك، مفهومه للنعمة المجانية ولإنجيل التبرير بالإيمان وحده بمعزل عن الأعمال.
حجج لإظهار عدم احتمال وجود
تفسير آخر لتغيير بولس الجذري يكون أفضل من التفسير الذي يعرضه لوقا وبولس نفسه
هل حصل اهتداء بولس على أثر ضربة شمس، أو هلوسة، أو نوبة نفسية أصابته؟ نحن سبق لنا أن لاحظنا وجود بعض القوم، الذين اقترحوا هذه كأسباب محتملة وراء تحول الغيور اليهودي إلى الرسول المسيحي العظيم، الذي أصبح عليه. إلا أن أياً من هذه لا يعد سبباً محتملاً وراء هذا التغيير، بما أن رفاقه في السفر، كما ذكرنا، رأوا أيضاً النور الساطع وسقطوا معه أرضاً (أعمال 22: 9؛ 16: 13، 14). هم أيضاً سمعوا صوتاً مع أنهم لم يفهموا ما قاله الصوت لشاول (أعمال 9: 7؛ 22: 9).
هل شكل اهتداء بولس ببساطة، التعبير الجامح والمتهور لتعصب شخص كان يقع ضحية تقلبات مزاجية نفسية خطيرة؟ اقترح بعضهم هذا كتفسير لاهتدائه. لكن، بمعزل عن صعوبة بالكامل (فعلياً استحالة) اجراء تحليل نفساني لشخص ما، بعد ألفي سنة من موته بأية نسبة من الدقة الطبية، فأي من يتأمل في حكمة بولس، وتعقله، وهدوئه، وسكينته، كما أظهرها في أحلك الظروف، وفوق هذا كله في تواضعه (هذه الصفة التي تتنافى مع التعصب) كما تبرز في رسائله، سيصعب عليه اعتقاد أن تغييره كان قد نتج من تقلب في مزاجه، مرده إلى إصابته بمرض “الذهان الثنائي القطب”.
هل كان بولس مجرد مشعوذ ديني مستعد أن يغير ولائه الديني فقط لإعلاء شأنه هو؟ هناك من اقترح ذلك، لكن عليهم في هذه الحال الإجابة بشكل مرض عن الأسئلة الأربعة التالية:
1 – هل من المحتمل أن يكون توقعه الفوز بأمر عظيم ما، أو تفاخره وتباهيه نتيجة تعلمه أو إدراكه لأمر جديد، هو الذي أحدث هذا التغيير؟ من الصعب إلى أقصى الحدود، إن لم نقل من المحال، اعتقاد أن شاول، ذلك الغيور “في تقليدات آبائه”، كان ليتخلى عما كان قد تعلمه من غمالائيل وعلى مدى سنين طويلة من الدراسة، من أجل اعتناق رأي بعض صيادي السمك في الجليل الذين كان بالجهد رآهم، ولم يتثقفوا قط في المدارس المعهودة للتعلم اليهودي.
2 – هل من المحتمل أن يكون شغفه في السلطة هو الذي أدى إلى تغييره؟ من الصعب إلى أقصى الحدود، إن لم نقل من المحال، اعتقاد أن الذي كان قبلاً يحتل النقطة المركزية للنفوذ اليهودي على الصعيدين السياسي والديني – وبالتحديد حيث أراد أن يكون – يتنازل في لحظة عن السلطة التي كان ينعم بها من أجل الحصول على سلطة ضمن “قطيع صغير” من كان “راعيه” قد قضى قتلاً. ومن كانوا هو أنفسهم يقادون كغنم للذبح. هذا مع العلم أن هذه “السلطة الجديدة” يمكنها أن تعده فقط بتعيينه لكي يلقى المصير نفسه لأولئك الذين كان قد شهر السكين نفسه في وجههم.
3 – هل من المحتمل أن تكون محبة الغنى المادي هي التي أسفرت عن اهتدائه؟ من الصعب إلى أقصى الحدود، إن لم نقل من المحال، اعتقاد أنه مهما كان عليه مقدار مقتنياته وممتلكاته في ذلك الوقت، شكل أمله بكسب الغنى العامل وراء اهتدائه. ذلك لأنه من الواضح كان يوحد نفسه بمن كانوا في ذلك الوقت فقراء بالتأكيد. كان نصيبه الفعلي ألا يحظى أبداً بوفرة مادية، مع ضرورة العمل بيديه كخيامي لسد حاجاته.
4 – هل من المحتمل أن يكون أمله بالفوز بالشهرة والاحترام على صعيد عالمي هو الذي قاده إلى أن يصبح أحد أتباع يسوع المسيح؟ من الصعب إلى أقصى الحدود، إن لم نقل من المحال، اعتقاد أن حدسه النبوي كان عظيماً جداً في ذلك الوقت، الأمر الذي مكنه من النظر إلى ما بعد العار والإهانة اللذين كانا من نصيب خدام المسيح المصلوب، حتى يرى المجد الأرضي الذي كان العالم المسيحي يدخره له.
ماذا عسانا أن نستخلص من كل هذا في خدمة الأغراض الدفاعية والتبشيرية؟ ففي ضوء حجة بولس المذكورة في غلاطية 1، 2، مع عدم احتمال، إن لم نقل استحالة، حصول البدائل المضادة، أؤكد أولاً أن حقيقة اهتدائه مع تاريخيتها، كما ينقل إلينا لوقا في سفر الأعمال، هما فوق أي شك منطقيان ومعقولان. وعلى هذا الأساس، أقرر ثانياً أن اهتداء بولس الطرسوسي على طريق دمشق، وبالطريقة التي يدونها لوقا، يشكل في الواقع رابع أعظم جزء من الدليل الكتابي – إلى جانب حقيقة القبر الفارغ، وظهورات يسوع المتعددة لتلاميذه بعد القيامة، مع تحولهم المفاجئ من أصدقاء خائفين إلى كارزين بالكلمة بواسل ومقدامين – على أصل المسيحية وجوهرها فوق الطبيعيين.
ثالثاً، وحيث إن المسيح الممجد أرفق اهتداء شاول بالإعلان التالي: “لأني لهذا ظهرت لك، لأنتخبك خادماً وشاهداً بما رأيت وبما سأظهر لك به، منقذاً إياك من الشعب ومن الأمم الذين أنا الآن أرسلك إليهم، لتفتح عيونهم كي يرجعوا من ظلمات إلى نور، ومن سلطان الشيطان إلى الله، حتى ينالوا بالإيمان بي غفران الخطايا ونصيباً مع المقدسين” (أعمال 26: 16-18). ثم خاطب حنانيا بالقول: “اذهب [إليه]! لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك وبني إسرائيل” (أعمال 9: 15).
وبعد هذا من جديد لاحقاً لبولس، وذلك في أثناء زيارته الأولى لأورشليم بعد اهتدائه (أعمال 22: 21). في ضوء هذه الكلمات الصادرة عن المسيح الممجد نفسه، أصرح بأن شاول كان معيناً ليكون رسوله للأمم. وبما أن خدمته الرسولية رافقتها “علامات الرسول”، أي “بآيات وعجائب وقوات” (2كورنثوس 12: 12؛ راجع أيضاً أعمال 9: 12)، باستطاعة الكنيسة التأكد من كون ما كرز به بولس (1كورنثوس 2: 6-13) وما كتبه في رسائله إلى الكنائس هي من الأسفار المقدسة “الموحى به من الله”.
دافعنا حتى الآن عن تاريخية اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية وذهنية، وعن الحبل العذراوي للمسيح داخل رحم العذراء مريم، وعن معجزاته المقتدرة خلال خدمته الأرضية، وعن قيامته في الجسد من الأموات وصعوده إلى السماء، وعن اهتداء شاول على طريق دمشق، أية واحدة من هذه تبرهن أن الإيمان المسيحي حق وفوق طبيعي، كما أن ثقلها وهي مجموعة معاً يجعل مصداقية الإيمان المسيحي يتخطى حدود أية مناظرة مشروعة. رأينا في كل حالة أن الذين يرفضونها لكونها غير تاريخية أو أسطورية، إنما يفعلون ذلك على أسس نقدية وفلسفية مثيرة جداً للجدل. إنهم من خلال نظرتهم إلى العالم والحياة “كأغبياء كتابياً”، يرتاحون أكثر إلى علم النفس وإلى الدين. كلنا الآن مسؤولون عن الشهادة بشجاعة وجرأة لإنجيل المسيح. علينا القيام بهذا غير خائفين من احتمال تعرضنا لأي صد! لكن، حري بنا خلال إقدامنا على هذا، أن نبقى نتذكر مناشدة بولس:
“وعبد الرب لا يجب أن يخاصم، بل يكون مترفقاً بالجميع، صالحاً للتعليم، صبوراً على المشقات، مؤدباً بالوداعة المقاومين، عسى أن يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق، فيستفيقوا من فخ إبليس إذ قد اقتنصهم لإرادته” (2تيموثاوس 2: 23-26).
[1] كان هذا الكاتب من القرن الثامن عشر هو اللورد “ليتلتن”. “ليتلتن” هذا، وهو محام إنجليزي لامع، أخذ على عاتقه دراسة حادثة اهتداء شاول لدحضها، وإظهار أن المسيحية كانت خدعة، لكن بحثه أرغمه على استخلاص ما هو نقيض ذلك. هذه الخلاصة بالإمكان العثور عليها في كتابه
Observations on the conversion and Apostleship of St. Paul (London: R. Dodsley, 1747), Paragraph I.
عمل “ليتلتن”، والذي جرى نشره لاحقاً تحت عنوان:
“The Conversion of St. Paul” in Infidelity (New York: American Tract Society, n.d.)
يحاجج فيه على أن اهتداء بولس يمكن تفسيره بواحدة من أربع طرق: لقد كان (1) دجالاً نقل ما كان خطأ على حد علمه، أو (2) متحمساً يحركه خياله الجامح، وكان هو نفسه مخدوعاً، أو (3) مخدوعاً بعد وقوعه ضحية احتيال الآخرين، أو (4) يقول الحق عن اهتدائه، ما يظهر كون الديانة المسيحية هي إعلان إلهي. فلو صح أي من الافتراضات الأولى، فإنه يلي ذلك بكل تأكيد، كما يلي الليل النهار، أن المسيحية هي إيمان خاطئ؛ هذا يعني أن الكتاب المقدس ضل في حديثه عن اهتدائه بهذه الطريقة، كما أنه يعني أن المسيحية، وقعت في خطأ فادح بما أنها سارت بشكل رئيس في ركاب بولس في صياغاته اللاهوتية. ليتلتن، أيد بالطبع التفسير الرابع.
[2] F. F. Bruce, Paul: Apostle of the Heart Set Free (Reprint; Grand Rapids: Eerdmans, 1996), 75.
[3] Robert H. Gundry, “The Moral Frustration of Paul Before His Conversion Sexual Lust in Romans 7: 7-25” in Paulin Studies: Essays Presented to F. F. Bruce on His 70th Birthday, edited by Donald A. Hagner and Murray J. Harris (Grand Rapids: Eerdmans, 1980), 229.
[4] ترد العبارة “الديانة اليهودية” مرتني فقط في العهد الجديد – وكلاهما في غلاطية 1: 13، 14. إنها تشير إلى الديانة اليهودية الوطنية ونمط العيش فيها.
[5] علينا أن نتذكر كيف أن الله في اليهودية هو الإله الأسمى وغير المتمايز، فيما الله المثلث الأقانيم في المسيحية هو أكثر إثارة للإنتباه.
[6] See Janet Meyer Everts, “Conversion and Call of Paul” in Dictionary of Paul and His Leeters, edited by Gerard Hawthorne, Ralph P. Martin, and Daniel G. Reid (Downers Grove, Illinois: Inter-Varsity, 1993), 156-63.
[7] J. Gresham Machen, The Origin of Paul’s Religion (Reprint: Grand Rapids: Eerdmans, 1965), 61-62.
[8] Rudolf Bultmann, Theology of the New Testament, translated by Kendrick Grobel (London: SCM, 1971), 1: 187, emphasis original.
[9] James D. G. Dunn, Jesus and the Spirit (Philadelphia: Westminster, 1975), 107-08.
[10] Richard N. Longenecker, The Ministry and Message of Paul (Grand Rapids: Zondervan, 1971), 34-35.
[11] أنا لا أقصد من خلال “الإنجيل الخالي من الناموس” أن أنادي بما ينضوي تحت لواء اللاناموسية. كأن الإنجيل يعفي المسيحي من التزامه إطاعة ناموس الله الأدبي، كما يظهر في الوصايا العشر، وفي الوصيتين العظميين المتعلقتين بالمحبة، وفي نمط حياة المسيح. بالطبع، على المسيحي العيش تحت الناموس كقانون العهد للحياة. لكن أعني بالحري ما قصده بولس لدى تصريحه مراراً وتكراراً “إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح” (غلاطية 2: 16)، وأيضاً قوله “إذاً نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس” (رومية 2: 28). بهذا المعنى، الإنجيل هو خال من الناموس.
أكاذيب ديدات (12): غرلة الفلسطينيين مهر زواج! الشيخ أحمد ديدات يرد على الشيخ احمد ديدات!
كتابة: جون يونان (بتصرف)
شبهة أطلقها الشيخ أحمد ديدات في المناظرة الشهيرة بعنوان (القران ام الكتاب المقدس ايهما كلمة الله؟) مع الدكتور القس انيس شروش. وقد قام بترجمة المناظرة للعربية المدعو جمال نادر. وترون في الصفحة التالية صورة لغلاف الكتاب. وسأضع كلام ديدات مصوراً من صفحات الكتاب كما ترجمها المسلمون أنفسهم. وهي بالتحديد صفحات: 19 و20. فلنقرأ:
دحض شبهة ديدات:
أولاً: لم يقرأ ديدات النص الكتابي كاملاً -كعادته في التدليس! – فلنقرأ كاملاً ونكتشف بأن الجواب موجود في النص: (صموئيل الأول اصحاح 18):
ثانياً: الكلام الملون بالأحمر يفسر الأمر برمته… فإن الملك الشرير شاول كان يخطط لإهلاك داود بيد الفلسطينيين .. فكان هو الآمر الذي طلب من داود هذا ودفعه اليه. (وهو طلب شبيه بما كان يطلبه الملوك في ذاك الزمان من فرسانهم وهو الاتيان براس أحد قادة الاعداء كمهر لتزويجهم من بناتهم)!
ثالثاً: كان الفلسطينيون في حالة حرب مستمرة وعداء ضد شعب اسرائيل .. فالمسألة لا تتعلق بعنصرية او انحياز ضد الفلسطينيين – كما يزعم ديدات متهوراً – انما كانت حرباً شعواء تدور بين الشعبين لفترات طويلة ومتكررة وكان يُهزم فيها الإسرائيليين تارة وتارة أخرى الفلسطينيين. فجاء طلب الملك شاول بهذه الطريقة لكي يتأكد بان داود نفسه قد قتل ما مجموعه 100 فلسطيني، ودليله المطلوب اثباته هي قطع غرلتهم وبها يتأكد انه قد حقق المطلوب .. وكل هذا في سبيل اهلاك داود بيد الفلسطينيين.
ثالثا: المفاجأة .. ديدات نفسه يعترف: هزيمة الفلسطينيين بيد داود جرت بقوة الله سبحانه وتعالى !!
ففي لقاءه المشترك مع بول فندلي حول موضوع اسرائيل والعرب .. حكى ديدات حادثة قتل داود لجليات الفلسطيني المسمى قرآنياً (بجالوت)، وقال بأنه ” مثال من القرآن الكريم ” [1] !!
ولنقرأ ترجمة علي الجوهري للمحاضرة:
فديدات يعترف بنفسه أن الحرب كانت دائرة بين بني اسرائيل والفلسطينيين .. ! وديدات يعترف بنفسه أن بني اسرائيل كانوا هم المؤمنين، وأن الفلسطينيين هم الكافرين الجبارين الظالمين !وديدات يعترف بأن نصر داود عليهم كان بقوة وارادة الله!! فإن كان هو يعتبر أن هذا النص من الله، فهل لا يرضى بنصر الله؟
رابعاً: لنقلب الطاولة على ديدات .. ونثبت بأنه كان اجهل من تلميذ في الابتدائية بكتب دينه وتفاسير قرآنه الكريم .. لنفتح سورة البقرة والنص رقم 250 و 251 .. ولنقرأ :
ولنقرأ الآن نصوص التفسير ( فنحن لا نفسر كتب غيرنا من كيسنا مثلما يفعل ديدات وصحبه بل نأتي بالقوم ليفسروا ما يخصهم !) وما اعتبره ديدات عنصرية واهانة مسرود بالحرف وزيادة في كتب القوم والتي يتم تدريسها في الجامعات الاسلامية .. ولنقرأ معاً تفسير الايات القرآنية ، ولنجد كيف قتل داود مئات الفلسطينيين واتى بغرلتهم كمهر لطالوت( شاول ) !
داود قطع 300 غلفة !!
” 5740 – حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا بكار بن عبد الله قال : سمعت وهب بن منبه يحدث قال : لما خرج أو قال : لما برز طالوت لجالوت ، قال جالوت : أبرزوا إلي من يقاتلني ، فإن قتلني فلكم ملكي ، وإن قتلته فلي ملككم ! فأتي بداود إلى طالوت ، فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته ، وأن يحكمه في ماله . فألبسه طالوت سلاحا ، فكره داود أن يقاتله بسلاح ، وقال : إن الله لم ينصرني عليه لم يغن السلاح ! فخرج إليه بالمقلاع ، وبمخلاة فيها أحجار ، ثم برز له . قال له جالوت : أنت تقاتلني قال داود : نعم ! قال : ويلك ! ما خرجت إلا كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة ! لأبددن لحمك ، ولأطعمنه اليوم الطير والسباع ! فقال له داود : بل أنت عدو الله شر من الكلب ! فأخذ داود حجرا ورماه بالمقلاع ، فأصابت بين عينيه حتى نفذ في دماغه ، فصرع جالوت وانهزم من معه ، واحتز داود رأسه . فلما رجعوا إلى طالوت ، ادعى الناس قتل جالوت ، فمنهم من يأتي بالسيف ، وبالشيء من سلاحه أو جسده ، وخبأ داود رأسه . فقال طالوت : من جاء برأسه فهو الذي قتله ! فجاء به داود ، ثم قال لطالوت : أعطني ما وعدتني ! فندم طالوت على ما كان شرط له ، وقال : إن بنات الملوك لا بد لهن من صداقوأنت رجل جريء شجاع ، فاحتمل صداقها ثلاثمائة غلفة من أعدائنا . وكان يرجو بذلك أن يقتل داود . فغزا داود وأسر منهم ثلاثمائة وقطع غلفهم ، وجاء بها. فلم يجد طالوت بدا من أن يزوجه ، ثم أدركته الندامة . فأراد قتل داود حتى هرب منه إلى الجبل، فنهض إليه طالوت فحاصره . فلما كان ذات ليلة سلط النوم على طالوت وحرسه ، فهبط إليهم داود فأخذ إبريق طالوت الذي كان يشرب منه ويتوضأ ، وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه ، ثم رجع داود إلى مكانه فناداه : أن [ قد نمت ونام ] حرسك ، فإني لو شئت أقتلك البارحة فعلت ، فإنه هذا إبريقك ، وشيء من شعر لحيتك وهدب ثيابك ! وبعث [ به ] إليه ، فعلم طالوت أنه لو شاء قتله ، فعطفه ذلك عليه فأمنه ، وعاهده بالله لا يرى منه بأسا ، ثم انصرف . ثم كان في آخر أمر طالوت أنه كان يدس لقتله . وكان طالوت لا يقاتل عدوا إلا هزم ، حتى مات . قال بكار : وسئل وهب وأنا أسمع : أنبيا كان طالوت يوحى إليه ؟ فقال : لم يأته وحي ، ولكن كان معه نبي يقال له أشمويل يوحى إليه ، وهو الذي ملك طالوت .” ( جامع البيان – الطبري – تفسير سورة البقرة : 251).
المهر مائتي غلفة !!
” وروي في قصة داود وقتله جالوت أن أصحاب طالوت كان فيهم إخوة داود وهم بنو إيشي، وكان داود صغيرا يرعى غنما لأبيه، فلما حضرت الحرب قال في نفسه: لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فلما نهض مر في طريقه بحجر فناداه: يا داود خذني فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر، ثم آخر، ثم آخر، فأخذها، وجعلها في مخلاته. وسار، فلما حضر الناس خرج جالوت يطلب مبارزا، فكع الناس عنه حتى قال طالوت: من يبرز له ويقتله فأنا أزوجه بنتي وأحكمه في مالي، فجاء داود، فقال: أنا أبرز له وأقتله، فقال له طالوت: فاركب فرسي، وخذ سلاحي، ففعل، وخرج في أحسن شكة، فلما مشى قليلا رجع، فقال الناس: جبن الفتى، فقال داود: إن كان الله لم يقتله لي ويعني عليه لم ينفعني هذا الفرس، ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي قال: وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها، وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت وهو شاك في سلاحه، فقال له جالوت: أنت يا فتى تخرج إلي؟ قال: نعم. قال: هكذا كما يخرج إلى الكلب؟ قال: نعم، وأنت أهون، قال: لأطعمن اليوم لحمك الطير والسباع، ثم تدانيا فأدار داود مقلاعه، وأدخل يده إلى الحجارة فروي أنها التأمت فصارت حجرا واحدا، فأخذه فوضعه في المقلاع، وسمى الله وأداره ورماه، فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحز رأسه وجعله في مخلاته واختلط الناس، وحمل أصحاب طالوت، وكانت الهزيمة – ثم إن داود جاء يطلب شرطه من طالوت فقال له: إن بنات الملوك لهن غرائب من المهر ولا بد لك من قتل مائتين من هؤلاء الجراجمة الذين يؤذون الناس، وتجيئني بغلفهم، وطمع طالوت أن يعرض داود للقتل بهذه الفزعة، فقتل داود منهم مائتين، وجاء بذلك وطلب امرأته فدفعها إليه طالوت، وعظم أمر داود ..” . ( تفسير ابن عطية – عبد الحق بن محمد بن عطية الأندلسي – البقرة :251)
صداق الاميرة : غزوة لقتل 300 !!
” والقول الثاني: أنه ندم قبل تزويجه على شرطه وبذله ، وعرض داود للقتل ، وقال له: إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق أمثالهن ، وأنت رجل جريء ، فاجعل صداقها قتل ثلاثمائة من أعدائنا ، وكان يرجو بذلك أن يقتل ، فغزا داود وأسر ثلاثمائة ، فلم يجد طالوت بدا من تزويجه ، فزوجه بها ، وزاد ندامة فأراد قتله ، وكان يدس عليه حتى مات ..”. ( تفسير الماوردي – أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري )
داود أسرهم وقطع غرلهم !!
” فقال طالوت : من جاء برأسه فهو الذي قتله , فجاء به داود , ثم قال لطالوت : أعطني ما وعدتني , فندم طالوت على ما شرط له , وقال : إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق , وأنت رجل جريء شجاع , فاجعل لها صداقا ثلاث مائة غلفة من أعدائنا , وكان يرجو بذلك أن يقتل داود , فغدا داود فأسر ثلاث مائة , وقطع غلفهم , وجاء بها , فلم يجد طالوت بدا من أن يزوجه , فزوجه “. (تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني » سُورَةِ الْبَقَرَةِ – حديث رقم :323)
ها هم علماء ومفسري الاسلام .. لم يجدوا في مهر داود اي عنصرية يا شيخ ديدات !!!
داود جعل غرلتهم في قلادة !!
” وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام قال : فأتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال : نعم أنت شر من الكلب قال لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء قال داود : أو يقسم الله لحمك فقال داود : باسم إله إبراهيم وأخرج حجرا ثم أخرج الآخر وقال : باسم إله إسحاق ووضعه في مقلاعه ثم أخرج الثالث وقال : باسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصارت كلها حجرا واحدا ودور داود المقلاع ورمى به فسخر الله له الريح حتى أصاب الحجر أنف البيضة فخالط دماغه وخرج من قفاه وقتل من ورائه ثلاثين رجلا وهزم الله تعالى الجيش وخر جالوت قتيلا فأخذه يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ففرح المسلمون فرحا شديدا وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين والناس يذكرون داود فجاء داود طالوت وقال انجز لي ما وعدتني فقال : أتريد ابنة الملك بغير صداق؟ فقال داود ما شرطت علي صداقا وليس لي شيء فقال لا أكلفك إلا ما تطيق أنت رجل جريء وفي حيالنا أعداء لنا غلف فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني بغلفهم زوجتكابنتي فأتاهم فجعل كلما قتل واحدا منهم نظم غلفته في خيط حتى نظم غلفهم فجاء بها إلى طالوت فألقى إليه وقال ادفع إلي امرأتي فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه وأكثروا ذكره ..” . ( تفسير البغوي – الحسين بن مسعود البغوي – البقرة 251)
علماء الاسلام والسلف والمفسرون لم يجدوا اي غضاضة او عنصرية في قتل داود لمائتين او ثلاث مئة فلسطيني والاتيان بغلفهم لطالوت ( شاول ) .. بينما الشيخ ديدات يثير الغبار في الجو حينما يقرأها في كتابنا المقدس ، فيتهمه بالعنصرية ؟! أليست هذه عنصرية في حد ذاتها وكيل بمكياليين؟
ختاماً .. تم دحر وتهشيم شبهة ديدات ضد داود النبي وضد كتابنا المقدس .. فهنيئاً للمسلمين بــ ” داعية العصر!” وشبهاته الأوهى من بيت العنكبوت ….!!
[1] وكرر هذه الحادثة بحذافيرها في محاضرات اخرى عديدة مثل :
Jesus (PBUH): Man, Myth Or God? – UK Tour – Sheikh Ahmed Deedat
متى وكيف تعرّف شاول على داود؟! رداً على أحمد سبيع!
متى وكيف تعرّف شاول على داود؟! رداً على أحمد سبيع!
يبدو أن شاول الملك سيكون له وقفة حاسمة مع ذلك الفتى العشريني، فقد إعتاد صديقنا أحمد سبيع على إدخاله في شبهاته الوهمية المعتادة، فتارة يدخله ويسأل: كم كان عمر شاول حين ملك؟ وتارة اليوم يسأل: متى وكيف تعرّف شاول على داود؟!، وقد رددنا على سؤاله الأول في بحثين أولهما هنا وثانيهما هنا، وأما اليوم فسنكون مع شبهة طريفة كما إعتاد دائماً، وهو التي تخص، كيف تعرف شاول الملك على داود؟ حيث يطرح علينا صديقنا الشبهة كالتالي:
متى وكيف تعرّف شاول على داود؟!
يروي لنا الكتاب المقدس روايتين مختلفتين عن اللقاء الأول بين شاول أول ملوك بني إسرائيل وداود عليه السلام، مما يظهر تضارباً بين الروايات، وتعدد المصادر واختلافها!
الرواية الأولى:
الملك شاول يطلب من عبيده أن يجدوا له رجلاً يحسن الضرب على العود ليخفف عنه!
1صموئيل 16: 17 – 22 فقال شاول لعبيده انظروا لي رجلا يحسن الضرب وأتوا به اليّ. فاجاب واحد من الغلمان وقال هوذا قد رأيت ابنا ليسّى البيتلحمي يحسن الضرب وهو جبار بأس ورجل حرب وفصيح ورجل جميل والرب معه. فارسل شاول رسلا الى يسّى يقول ارسل اليّ داود ابنك الذي مع الغنم. فاخذ يسّى حمارا حاملا خبزا وزق خمر وجدي معزى وارسلها بيد داود ابنه الى شاول. فجاء داود الى شاول ووقف امامه فاحبه جدا وكان له حامل سلاح. فارسل شاول الى يسّى يقول ليقف داود امامي لانه وجد نعمة في عينيّ.
الرواية الثانية: الملك شاول يرى داود في الحرب يبلي بلاء حسناً فيسأل عنه رئيس الجيش فيحضره له ليسأله ابن من أنت؟! وداود يجيبه!
1صموئيل 17: 55 – 58 ولما رأى شاول داود خارجا للقاء الفلسطيني قال لابنير رئيس الجيش ابن من هذا الغلام يا ابنير.فقال ابنير وحياتك ايها الملك لست اعلم. فقال الملك اسأل ابن من هذا الغلام. ولما رجع داود من قتل الفلسطيني اخذه ابنير واحضره امام شاول وراس الفلسطيني بيده. فقال له شاول ابن من انت يا غلام.فقال داود ابن عبدك يسّى البيتلحمي.
ها أنتم ترون الرجل يقول أنه تضارب وتناقض بل وذهب بخياله ليقول أن لهاتين الروايتين مصادر، فهل هو بالفعل كذلك؟ أم هو تدليس مقصود منه، أو لنحسن الظن ونقل: جهل وضعف في القدرات الفكرية؟
الرواية الأولى كما يوردها جاءت في سفر صموئيل الأول، الأصحاح السادس عشر، والرواية الثانية جاءت في سفر صموئيل الأول (أيضاً)، الأصحاح السابع عشر، أي أن الروايتين متتاليتين، فهل قرأ سياق الروايتين أم إكتفى بالنقل لهذه النصوص بدون أن يقرأ ما بينهما من آيات؟ إن كان لم يقرأ، فهذا يعيبه من جهة عدم التحقق مما ينقل، وإن كان قرأ ولم يفهم، فهذا يعيبه من جهة ضعف المستوى الفكري الذي يسمح له بوضع مثل هذه الشبهات، وإن كان قد قرأ وفهم ومع ذلك وضع الشبهة، فهو بذلك مدلس، فليختر أي منهم ثم يخبرنا في رده إن كان لديه رد..
لنضع النصوص كاملة متتالية وسأميز بعضها عبر تغير اللون ثم أعلق على النصوص..
سفر صموئيل الأول
16
1 فقال الرب لصموئيل حتى متى تنوح على شاول وانا قد رفضته عن ان يملك على اسرائيل. املأ قرنك دهنا وتعال ارسلك الى يسّى البيتلحمي لاني قد رأيت لي في بنيه ملكا.
2 فقال صموئيل كيف اذهب. ان سمع شاول يقتلني. فقال الرب خذ بيدك عجلة من البقر وقل قد جئت لاذبح للرب.
3 وادع يسّى الى الذبيحة وانا اعلمك ماذا تصنع وامسح لي الذي اقول لك عنه.
4 ففعل صموئيل كما تكلم الرب وجاء الى بيت لحم. فارتعد شيوخ المدينة عند استقباله وقالوا أسلام مجيئك.
5 فقال سلام. قد جئت لاذبح للرب. تقدسوا وتعالوا معي الى الذبيحة. وقدس يسّى وبنيه ودعاهم الى الذبيحة.
6 وكان لما جاءوا انه رأى اليآب فقال ان امام الرب مسيحه.
7 فقال الرب لصموئيل لا تنظر الى منظره وطول قامته لاني قد رفضته. لانه ليس كما ينظر الانسان. لان الانسان ينظر الى العينين واما الرب فانه ينظر الى القلب.
8 فدعا يسّى ابيناداب وعبّره امام صموئيل. فقال وهذا ايضا لم يختره الرب.
9 وعبّر يسّى شمّة. فقال وهذا ايضا لم يختره الرب.
10 وعبّر يسّى بنيه السبعة امام صموئيل فقال صموئيل ليسّى الرب لم يختر هؤلاء.
11 وقال صموئيل ليسّى هل كملوا الغلمان. فقال بقي بعد الصغير وهوذا يرعى الغنم. فقال صموئيل ليسّى ارسل وائت به. لاننا لا نجلس حتى يأتي الى ههنا.
12 فارسل واتى به. وكان اشقر مع حلاوة العينين وحسن المنظر. فقال الرب قم امسحه لان هذا هو.
13 فاخذ صموئيل قرن الدهن ومسحه في وسط اخوته. وحلّ روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدا. ثم قام صموئيل وذهب الى الرامة
14 وذهب روح الرب من عند شاول وبغته روح رديء من قبل الرب.
15 فقال عبيد شاول له هوذا روح رديء من قبل الله يبغتك.
16 فليأمر سيدنا عبيده قدامه ان يفتشوا على رجل يحسن الضرب بالعود ويكون اذا كان عليك الروح الرديء من قبل الله انه يضرب بيده فتطيب.
17 فقال شاول لعبيده انظروا لي رجلا يحسن الضرب وأتوا به اليّ.
18 فاجاب واحد من الغلمان وقال هوذا قد رأيت ابنا ليسّى البيتلحمي يحسن الضرب وهو جبار بأس ورجل حرب وفصيح ورجل جميل والرب معه.
19 فارسل شاول رسلا الى يسّى يقول ارسل اليّ داود ابنك الذي مع الغنم.
20 فاخذ يسّى حمارا حاملا خبزا وزق خمر وجدي معزى وارسلها بيد داود ابنه الى شاول.
21 فجاء داود الى شاول ووقف امامه فاحبه جدا وكان له حامل سلاح.
22 فارسل شاول الى يسّى يقول ليقف داود امامي لانه وجد نعمة في عينيّ.
23 وكان عندما جاء الروح من قبل الله على شاول ان داود اخذ العود وضرب بيده فكان يرتاح شاول ويطيب ويذهب عنه الروح الردي
17
1 وجمع الفلسطينيون جيوشهم للحرب فاجتمعوا في سوكوه التي ليهوذا ونزلوا بين سوكوه وعزيقة في أفس دمّيم.
2 واجتمع شاول ورجال اسرائيل ونزلوا في وادي البطم واصطفوا للحرب للقاء الفلسطينيين.
3 وكان الفلسطينيون وقوفا على جبل من هنا واسرائيل وقوفا على جبل من هناك والوادي بينهم.
4 فخرج رجل مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جليات من جتّ طوله ست اذرع وشبر.
5 وعلى راسه خوذة من نحاس وكان لابسا درعا حرشفيا ووزن الدرع خمسة آلاف شاقل نحاس.
6 وجرموقا نحاس على رجليه ومزراق نحاس بين كتفيه.
7 وقناة رمحه كنول النساجين وسنان رمحه ست مئة شاقل حديد وحامل الترس كان يمشي قدامه.
8 فوقف ونادى صفوف اسرائيل وقال لهم لماذا تخرجون لتصطفوا للحرب. اما انا الفلسطيني وانتم عبيد لشاول. اختاروا لانفسكم رجلا ولينزل اليّ.
9 فان قدر ان يحاربني ويقتلني نصير لكم عبيدا. وان قدرت انا عليه وقتلته تصيرون انتم لنا عبيدا وتخدموننا.
10 وقال الفلسطيني انا عيّرت صفوف اسرائيل هذا اليوم. اعطوني رجلا فنتحارب معا.
11 ولما سمع شاول وجميع اسرائيل كلام الفلسطيني هذا ارتاعوا وخافوا جدا
12 وداود هو ابن ذلك الرجل الافراتي من بيت لحم يهوذا الذي اسمه يسّى وله ثمانية بنين. وكان الرجل في ايام شاول قد شاخ وكبر بين الناس.
13 وذهب بنو يسّى الثلاثة الكبار وتبعوا شاول الى الحرب. واسماء بنيه الثلاثة الذين ذهبوا الى الحرب اليآب البكر وابيناداب ثانيه وشمّة ثالثهما.
14 وداود هو الصغير والثلاثة الكبار ذهبوا وراء شاول.
15 واما داود فكان يذهب ويرجع من عند شاول ليرعى غنم ابيه في بيت لحم
16 وكان الفلسطيني يتقدم ويقف صباحا ومساء اربعين يوما.
17 فقال يسّى لداود ابنه خذ لاخوتك ايفة من هذا الفريك وهذه العشر الخبزات واركض الى المحلّة الى اخوتك.
18 وهذه العشر القطعات من الجبن قدمها لرئيس الالف وافتقد سلامة اخوتك وخذ منهم عربونا.
19 وكان شاول وهم وجميع رجال اسرائيل في وادي البطم يحاربون الفلسطينيين
20 فبكر داود صباحا وترك الغنم مع حارس وحمل وذهب كما امره يسّى واتى الى المتراس والجيش خارج الى الاصطفاف وهتفوا للحرب.
21 واصطف اسرائيل والفلسطينيون صفا مقابل صف.
22 فترك داود الامتعة التي معه بيد حافظ الامتعة وركض الى الصف وأتى وسأل عن سلامة اخوته.
23 وفيما هو يكلمهم اذا برجل مبارز اسمه جليات الفلسطيني من جتّ صاعد من صفوف الفلسطينيين وتكلم بمثل هذا الكلام فسمع داود.
24 وجميع رجال اسرائيل لما رأوا الرجل هربوا منه وخافوا جدا.
25 فقال رجال اسرائيل. أرأيتم هذا الرجل الصاعد. ليعيّر اسرائيل هو صاعد. فيكون ان الرجل الذي يقتله يغنيه الملك غنى جزيلا ويعطيه بنته ويجعل بيت ابيه حرا في اسرائيل
26 فكلم داود الرجال الواقفين معه قائلا ماذا يفعل للرجل الذي يقتل ذلك الفلسطيني ويزيل العار عن اسرائيل. لانه من هو هذا الفلسطيني الاغلف حتى يعيّر صفوف الله الحي.
27 فكلمه الشعب بمثل هذا الكلام قائلين كذا يفعل للرجل الذي يقتله.
28 وسمع اخوه الاكبر اليآب كلامه مع الرجال فحمي غضب اليآب على داود وقال لماذا نزلت وعلى من تركت تلك الغنيمات القليلة في البرية. انا علمت كبرياءك وشر قلبك لانك انما نزلت لكي ترى الحرب.
29 فقال داود ماذا عملت الآن. أما هو كلام.
30 وتحول من عنده نحو آخر وتكلم بمثل هذا الكلام فرد له الشعب جوابا كالجواب الاول.
31 وسمع الكلام الذي تكلم به داود واخبروا به امام شاول. فاستحضره.
32 فقال داود لشاول لا يسقط قلب احد بسببه. عبدك يذهب ويحارب هذا الفلسطيني.
33 فقال شاول لداود لا تستطيع ان تذهب لهذا الفلسطيني لتحاربه لانك غلام وهو رجل حرب منذ صباه.
34 فقال داود لشاول كان عبدك يرعى لابيه غنما فجاء اسد مع دب واخذ شاة من القطيع.
35 فخرجت وراءه وقتلته وانقذتها من فيه ولما قام عليّ امسكته من ذقنه وضربته فقتلته.
36 قتل عبدك الاسد والدب جميعا. وهذا الفلسطيني الاغلف يكون كواحد منهما لانه قد عيّر صفوف الله الحي.
37 وقال داود الرب الذي انقذني من يد الاسد ومن يد الدب هو ينقذني من يد هذا الفلسطيني. فقال شاول لداود اذهب وليكن الرب معك.
38 وألبس شاول داود ثيابه وجعل خوذة من نحاس على راسه وألبسه درعا.
39 فتقلد داود بسيفه فوق ثيابه وعزم ان يمشي لانه لم يكن قد جرب. فقال داود لشاول لا اقدر ان امشي بهذه لاني لم اجربها. ونزعها داود عنه.
40 واخذ عصاه بيده وانتخب له خمسة حجارة ملس من الوادي وجعلها في كنف الرعاة الذي له اي في الجراب ومقلاعه بيده وتقدم نحو الفلسطيني.
41 وذهب الفلسطيني ذاهبا واقترب الى داود والرجل حامل الترس امامه.
42 ولما نظر الفلسطيني ورأى داود استحقره لانه كان غلاما واشقر جميل المنظر.
43 فقال الفلسطيني لداود ألعلي انا كلب حتى انك تأتي اليّ بعصيّ. ولعن الفلسطيني داود بآلهته.
44 وقال الفلسطيني لداود تعال اليّ فاعطي لحمك لطيور السماء ووحوش البرية.
45 فقال داود للفلسطيني انت تاتي اليّ بسيف وبرمح وبترس. وانا آتي اليك باسم رب الجنود اله صفوف اسرائيل الذين عيّرتهم.
46 هذا اليوم يحبسك الرب في يدي فاقتلك واقطع راسك. واعطي جثث جيش الفلسطينيين هذا اليوم لطيور السماء وحيوانات الارض فتعلم كل الارض انه يوجد اله لاسرائيل.
47 وتعلم هذه الجماعة كلها انه ليس بسيف ولا برمح يخلّص الرب لان الحرب للرب وهو يدفعكم ليدنا.
48 وكان لما قام الفلسطيني وذهب وتقدم للقاء داود ان داود اسرع وركض نحو الصف للقاء الفلسطيني.
49 ومد داود يده الى الكنف واخذ منه حجرا ورماه بالمقلاع وضرب الفلسطيني في جبهته فارتزّ الحجر في جبهته وسقط على وجهه الى الارض.
50 فتمكن داود من الفلسطيني بالمقلاع والحجر وضرب الفلسطيني وقتله. ولم يكن سيف بيد داود.
51 فركض داود ووقف على الفلسطيني واخذ سيفه واخترطه من غمده وقتله وقطع به راسه. فلما رأى الفلسطينيون ان جبارهم قد مات هربوا.
52 فقام رجال اسرائيل ويهوذا وهتفوا ولحقوا الفلسطينيين حتى مجيئك الى الوادي وحتى ابواب عقرون. فسقطت قتلى الفلسطينيين في طريق شعرايم الى جتّ والى عقرون.
53 ثم رجع بنو اسرائيل من الاحتماء وراء الفلسطينيين ونهبوا محلّتهم.
54 واخذ داود راس الفلسطيني. وأتى به الى اورشليم. ووضع ادواته في خيمته
55 ولما رأى شاول داود خارجا للقاء الفلسطيني قال لابنير رئيس الجيش ابن من هذا الغلام يا ابنير. فقال ابنير وحياتك ايها الملك لست اعلم.
56 فقال الملك اسأل ابن من هذا الغلام.
57 ولما رجع داود من قتل الفلسطيني اخذه ابنير واحضره امام شاول وراس الفلسطيني بيده.
58 فقال له شاول ابن من انت يا غلام. فقال داود ابن عبدك يسّى البيتلحمي
18
1 وكان لما فرغ من الكلام مع شاول انّ نفس يوناثان تعلّقت بنفس داود واحبه يوناثان كنفسه.
2 فأخذه شاول في ذلك اليوم اولم يدعه يرجع الى بيت ابيه.
والآن، التعليق..
نجد في الأصحاح السادس عشر أن شاول الملك بعدما رفضه روح الرب، بغته روح رديء، حتى قيل عنه أنه بعدما كان داود يضرب له على العود يطيب، وهذا يعني أنه كان قبل أن يضرب له داود به مرض أو علّة ما، كحالة عصبية أو ما شابة، ولنقل بشكل عام أنه كان غير طبيعي، ثم عرض عليه خدامه أن يحضر شخصا يحسن الضرب على العود ليهدأ الملك، فوافق شاول وأمر بأن ينفذوا هذا الكلام..
فأجاب احد الخدام، وقال على إسم داود إبن يسى، ونلاحظ هنا أن الذي كان يعرفه هو الخادم وليس شاول نفسه، وكل ما فعله الخادم أنه ذكر إسمه “إبناً ليسّى البيتلحمي” مرة واحدة (حسب النص) ثم أمر شاول بأن يأتي داود إليه، ثم جاء داود وبدأ يضرب لشاول على العود وكان شاول يطيب، وكان شاول على ها الحال مرض، ثم يخبرنا النص أن داود لم يكن دائم التواجد مع شاول عندما قال “واما داود فكان يذهب ويرجع من عند شاول ليرعى غنم ابيه في بيت لحم” (1 صم 17: 15) وأيضاً “فأخذه شاول في ذلك اليوم اولم يدعه يرجع الى بيتبيه” (1 صم 18: 2)
وكانت هذه الفترة أكثر من الأربعين يوما التي كان فيها جليات يعيِّر فيها شعب إسرائيل، حيث أن النصوص تخبرنا بأن داود كان مع أبيه، ثم أرسله أبوه إلى إخوته ليرسل لهم المأكل، ولم يكن يعرف من هو جليات أو بماذا يقول، والكتاب يقول أن جليات ظل يقول ما قال أربعين يوما، فإن كان داود لا يعلم ما كان جليات يقوله في أربعين يوما وكان داود يذهب لأبيه ثم يعود، فمن المؤكد هنا أنه لم يكن في المحلة في هذه الأربعين يوما بدليل أنه لم يعرف ما كان يقوله جليات..
ثم سأل ليعرف، والشاهد من هذه النقطة أن الملك المريض الذي سمع لإسم أبو داود مرة واحدة من خادمه، كان غير داود متذبذب في وجوده معه، لأنه كان يذهب لأبيه ثم يعود لشاول كما تخبرنا النصوص، والآن تخيلوا معي كل هذا، كيف لملك غير متزن نفسياً وصحياً أن يتذكر إسم أب لشخص كان غير دائم التواجد معه؟ بل لنتخيل أن شاول سليم وانه لا يوجد حرب، وأيضا أن داود كان دائم التواجد مع شاول..
فهل الرؤساء اليوم لو تم عرض أسماء بعض الأشخاص في المرشحين لخدمة ما في قصر الرآسة، سيتذكرون والد هذا العامل بعد فترة كبيرة؟ أعتقد أن إجابتكم أن الإحتمال الأكبر انهم لن يتذكروا أمر بسيط كهذا، فما بالكم لو أضفنا لهذا الإحتمال، أن الملك كان غير متزن وكانت البلاد في حالة حرب وكان داود غير دائم التواجد معه لفترات ربما وصلت أحدها لـ 40 يوم؟
هل سيكون الملك متذكر والد هذا الشخص الذي لم يكن مميز بالنسبة له؟ هل يتذكر أي منكم والد كل الأشخاص الذين يعملون معه في مجال عمله بدون أن يكون هناك تمييز لهذا الشخص يجعلك تحفظ إسم ابية؟ أليس الأولى تصديقاً ومعقولية أن الملك لا يتذكر أمر ليس بذي أهمية كتذكر إسم والد داود، الذي هو غير مميز لديه آن ذاك؟ لقد سمعه مرة واحدة (بحسب النصوص) من خادم له بشكل عابر! فكيف سيتذكره؟
لكن عندما تميّز داود بعدما رفع عار إسرائيل وقتل جليات ونزع الرهبة من إسرائيل وأصبح كبطل قومي بمفهومنا الحاضر، بدأ شاول نفسه يسأل عن أبي داود، وأيضاً لم يكن أبنير يعرف إسم أبيه، فكيف للملك أن يعرف؟ وما العجب في ألا يعرف الملك إسم أبيه ليسأل عنه مرة أخرى؟ ثم تقول النصوص أن شاول من هذه اللحظة لم يدعه يرجع إلى أبيه مرة أخرى..
فالآن أحكموا على المستوى العقلي لطارح الشبهة!، لقد خدع القاريء بأن وضع له مجموعة نصوص من الأصحاح السادس عشر ثم مجموعة نصوص قليلة من الأصحاح السابع عشر، ونسى أن بينهما نصوص مهمة أو أنه لا يعرف أهميتها أو أنه يعرف وتعمد عدم وضعها للقاريء، ليسأل بعد ذلك سؤاله الكوميدي هذا، ثم يتهم الكتاب المقدس بالتضارب والتناقض وتعدد مصادر هذه القصة؟ ألا ندعوا له جميعاً بصوت واحد أن يشفيه إله إسرائيل مما هو فيه؟ إدعوا له جمميعاً…
الأغرب من هذا أنه عندما عرض شبهته على موقع فيس بوك لم يراجعه أحد فيها، بل أيده الجميع وضغطوا على أعجبني أو LIKE وشاركوا موضوعه مع كثيرين، وهذا ليس عجيب، فإن كان رب البيت بالجهل متحدثاً فشيمة أهل البيت كلهم الشيرُ (Share).
المضحك في الموضوع أنه قد وضع هاشتاج #شغلت_عقلك_النهاردة في نهاية هذه الشبهة، فهل شغلت عقلك أنت قبل أن تسأل غيرك عن عقله؟ أدعوك لهذا..