إله العهد القديم، هل هو إله يغوى البشر على فِعل الشر؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله يغوى البشر على فِعل الشر؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله يغوى البشر على فِعل الشر؟ شبهة والرد عليها

«وَعَادَ فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَأَهَاجَ عَلَيْهِمْ دَاوُدَ قَائِلاً: «امْضِ وَأَحْصِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا»….. وَلَمَّا قَامَ دَاوُدُ صَبَاحًا، كَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى جَادٍ النَّبِيِّ رَائِي دَاوُدَ قَائِلاً: «اِذْهَبْ وَقُلْ لِدَاوُدَ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: ثَلاَثَةً أَنَا عَارِضٌ عَلَيْكَ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ وَاحِدًا مِنْهَا فَأَفْعَلَهُ بِكَ». فَأَتَى جَادُ إِلَى دَاوُدَ وَأَخبَرهُ وَقَالَ لَهُ: «أَتَأْتِي عَلَيْكَ سَبْعُ سِنِي جُوعٍ فِي أَرْضِكَ، أَمْ تَهْرُبُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ أَمَامَ أَعْدَائِكَ وَهُمْ يَتْبَعُونَكَ، أَمْ يَكُونُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَبَأٌ فِي أَرْضِكَ؟ فَالآنَ اعْرِفْ وَانْظُرْ مَاذَا أَرُدُّ جَوَابًا عَلَى مُرْسِلِي». (2صم 24: 1، 11ـ 13)

يقول د. منقذ بن محمود السقار: “ويتحدث سفر صموئيل عن أن داود قد أمره الرب بإحصاء بنى إسرائيل، فيقول: “عاد فحمى غضب الرب على إسرائيل، فأهاج عليهم داود قائلاً: امض وأحصِ إسرائيل ويهوذا”. ففعل داود “فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى الملك، فكان إسرائيل ثمانمائة ألف رجل ذى بأس مستل السيف (800 ألف)، ورجال يهوذا خمسمائة ألف رجل (500 ألف).

                ثم إن داود ندم على إحصائه بنى إسرائيل، وقال للرب: “لقد أخطأت جداً فى ما فعلت، والآن يا رب أزل إثم عبدك”. وهذا الندم العجيب، إذ هو قد امتثل لأمر الله، وصنع تماماً كما أمره.

                ثم أمر اللهُ النبىَّ جاد أن يبلغ داودَ عقوبةَ الله له، فالله يخيِّره بين أمور “أتأتى عليك سبع سنى جوع فى أرضك؟ أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك؟ أم يكون ثلاثة أيام وباء فى أرضك؟ فالآن اعرف، وانظر ماذا أرد جواباً على مرسلى” (2 صموئيل24: 1ـ 13).

                ويختلف سفر الأيام عن سفر صموئيل فى رواية القصة ذاتها، فيقول: “ووقف الشيطان ضد إسرائيل وأغوى داود ليحصى إسرائيل…. فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود. فكان كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل (مليون ومائة ألف) مستلِّى السيف. ويهوذا أربع مئة وسبعين ألف رجل مستلِّى السيف (470 ألف)… وقبح فى عينى الله هذا الأمر، فضرب إسرائيل”.

          فقال داود لله: فَقَالَ دَاوُدُ لِلهِ: «لَقَدْ أَخْطَأْتُ جِدًّا حَيْثُ عَمِلْتُ هذَا الأَمْرَ. وَالآنَ أَزِلْ إِثْمَ عَبْدِكَ لأَنِّي سَفِهْتُ جِدًّا». فَكَلَّمَ الرَّبُّ جَادَ رَائِي دَاوُدَ وَقَالَ: 10«اذْهَبْ وَكَلِّمْ دَاوُدَ قَائِلاً: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: ثَلاَثَةً أَنَا عَارِضٌ عَلَيْكَ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ وَاحِدًا مِنْهَا فَأَفْعَلَهُ بِكَ»… إِمَّا ثَلاَثَ سِنِينَ جُوعٌ، أَوْ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ هَلاَكٌ أَمَامَ مُضَايِقِيكَ، وَسَيْفُ أَعْدَائِكَ يُدْرِكُكَ، أَوْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَكُونُ فِيهَا سَيْفُ الرَّبِّ وَوَبَأٌ فِي الأَرْضِ… فَانْظُرِ الآنَ مَاذَا أَرُدُّ جَوَابًا لِمُرْسِلِي»“. (1أخ 21: 1ـ 12).

فقد تناقض النصان فى 3 أمور:

  • من الذى يأمر بإحصاء بنى إسرائيل الرب أم الشيطان؟ وكما يقول الشيخ أحمد ديدات: “فإن الشيطان والرب ليسا مصطلحين مترادفين فى أى الديانات”(1).
  • أعداد بنى إسرائيل، ففى سفر صموئيل كان رجال إسرائيل 800000، وفى الأيام أضحوا 1.100000، وفى سفر صموئيل كان رجال يهوذا 500000 رجل. فجعلهم سفر الأيام 470000 رجل، فأى السفرين أرقامه صحيحة؟ ومن المخطئ، هل هو الروح القدس أم الكتبة الملهمون؟

وتعلق النسخة الرهبانية اليسوعية على أرقام القتلى المهولة بقولها: “من الواضح أن الأرقام مُبالَغ فيها كما فى كثير من الأرقام المماثلة فى العهد القديم، وقد زيد عليها أيضاً فى سفرى الأخبار”.

  • وهل كانت العقوبة التى خيَّر داود ثلاث سنين جوع أم سبع سنين(2).

ويسأل آخر:

من الذى أغوى داود، الله أم الشيطان؟

هل الإغواء والوسوسة من صفات الله أم من صفات الشيطان؟

أى من السفرين أرقام تعداده صحيحة والآخر خطأ؟

الإجابة:

هذه القصة فعلاً تطرح العديد من الأسئلة مثل:

لماذا يُهيِّج الله قلب داود ثم بعد ذلك يُعاقبه؟

ما ذنب الشعب حتى يموت منه 77 ألف شخص؟

من الذى أغوى داود الله أم الشيطان؟

هل العقوبة كانت ثلاث سنين أم سبع سنين؟

أولاً: حقائق أساسية:

إن من يدرس كلمة الله فى عمقها وغناها يجد أنه من بين الحقائق الأساسية الكثيرة التى يُعلنها لنا هناك ثلاث حقائق رئيسية تساعدنا فى حل هذه الإشكالية وهى:

(1) الإنسان حُر الإرادة:

                يُعلن لنا الكتاب المقدَّس مراراً وتكراراً أن الإنسان حُر يستطيع أن يتَّخِذ ما يشاء من قرارات، وله القُدرة على الإختيار والتنفيذ ويَملُك إرادة، لذلك هو مسئول مسئولية أدبية عن أفعاله، مسئول أمام الله وأمام المجتمع وأمام ضميره.

وقصة الخلق تؤكد لنا حرية الإنسان. فقد خلق الله الإنسان على صورته (تك1: 27). وأعطاه حُريَّة وسلطان وإرادة. وما سقوط آدم فى الخطية إلا دليل أكيد على حريته. فكان يُمكِن لله أن يُقيِّد حريته أو يجعله عاجزاً عن الوصول إلى الشجرة. كان يحيطها بسور من نار، أو يجعله يُصاب بشلل إذا اقترب منها مسافة متر مثلاً، ولكن الله لم يفعل هذا، لأن هذا يتنافى مع كرامة الإنسان.

وما ندم آدم عندما أخطأ، وإلتماس الأعذار لنفسه، وإلقاء اللوم على الآخرين، ومحاولة الإختباء من وجه الله إلا دلالة أكيدة على حريته. فلو لم يكُن حُراً لما فعل ذلك، ولو كان مُسَيَّراً ومُجبراً على تصرفاته لما كان فى حاجة إلى تبرير أفعاله.

ووجود الوصايا تؤكد حرية الإنسان أيضاً. فإعطاء الوصية للإنسان دليل على أنه حُر، وأنه يمتلِك إمكانية مخالفتها. ولو أن الإنسان مُسَيَّر فما ضرورة الوصية؟ هل هى تمثيلية يقوم بها الله؟ كلا، لقد خلقنا أحراراً، وأعطانا الوصايا لكى نطيعه بمطلق حريتنا، وما مخالفة الإنسان للوصية إلا أكبر دليل على أن الله يحترم حُريَّة الإنسان لدرجة انه لا يمنعه من مُخالفة وصيته.

كما أن وجود يوم للدينونة والمُجازاة هو أكبر دليل على حُريَّة الإنسان. فكيف يحاسب الله الإنسان إن لم يكن حُراً؟! كيف يقول له: أعط حساب وكالتك وقد كان مرغماً على تصرفاته؟! كيف يُجازى الإنسان عما فعل سواء خيراً أو شراً وهو لم يكن سيد قراره. لأنه من أبسط قواعد العدل أن لا يُحاسَب الإنسان على فِعْل لم يكن صاحب الإرادة فيه(3).

لقد خلق الله الإنسان حُراً لذلك يقول له: “اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ…. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ “. (تث30: 15، 19).وهنا نرى الله يشير على الإنسان أن يختار طريق الحياة، إنه يعرض ولا يفرض، فالأمر متروك لحُريَّة الإنسان، فكما يقول اللاهوتى الكبير بول أفدوكيموف “الله يستطيع كل شئ… إلا إرغامنا على محبته”(4). فكل إنسان حُر فى أن يقبل أو يرفض، يؤمن أو يُلحِد.

ويقول له أيضاً:

“هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ الرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوفِ. إِنْ شِئْتُمْ وَسَمِعْتُمْ تَأْكُلُونَ خَيْرَ الأَرْضِ. وَإِنْ أَبَيْتُمْ وَتَمَرَّدْتُمْ تُؤْكَلُونَ بِالسَّيْفِ. لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ”. (إش1: 18ـ 20)

إنه يدعونا هنا أن نسأل ونناقش لكى نقتنع، فمن غير الممكن أن نقبل الحقائق الإيمانية هكذا دون بحث وفهم واقتناع، فلا توجد حقيقة روحية حقيقية غير مُقنِعة لأفهامنا، فكل ما هو غير مُقنِع للعقل هو غير منطقى لأنه ليس بحقيقى. تخيل الله نفسه يدعونا أن نتحاجج ونناقش ونفهم ونقتنع وذلك لأن الإنسان حُر الإرادة.

وقال المسيح: “يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!” (مت 23: 37).

وهناك العديد من الآيات التى تؤكد حُريَّة الإنسان (راجع يش24: 15؛ إش1: 19؛ لا26؛ تث11: 26ـ 29؛ مر6: 5، 6).

يقول اللاهوتي الكبير (C.S.Lewis): “لقد خلق الله الإنسان حُراً، والحُريَّة تُعطِى إمكانية عمل الخير أو الشر على السواء. ثم يتساءل: لماذا أعطى الله الإنسان الإرادة الحُرَّة؟ ويجيب: على الرغم من أن الإرادة الحُرَّة جعلت عمل الشر مُمكِناً، إلا أنها السبيل الوحيد لعمل الخير، فإن عَالَماً ميكانيكياً يعمل فيه الناس كالآلات غير جدير بأن يُخلق أو يُعَاش. فالسعادة الحقيقية التى ينشدها الله هى فى أن يرى البشر يحبونه ويطيعونه بمحض إرادتهم”.(5)

لقد قضى الله فى حكمته أن يخلق الإنسان حُرَّاً، يفكر ويقرر ويختار كما يشاء، وتبعاً لذلك سيُحاكم ويُجازى.

(2) الله صاحب السلطان المُطلق على الكون:

هل من تعارُض بين حُريَّة الإنسان وسلطان الله على التاريخ؟ بكل يقين لا.

فدولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية لها قانون يحكمها، وتضع لنفسها رؤى وأهدافاً لأكثر من 20 سنة. فهل قانونها ونظامها يحِد من حُريَّة المواطن الأمريكى. بالطبع لا. بل القانون يؤكد حُريَّة المواطن ويحميها. والأهداف التى تريد أن تحققها فى فترة زمنية معينة لا تتعارض مع حُريَّة المواطن الأمريكى، وعدم تجاوُب مئات بل آلاف المواطنين لا يُعطِّل الدولة عن الوصول إلى أهدافها. هذا مع الفارق الكبير بين دولة ما مهما كان شأنها، وبين الله العظيم القدير الذى قال “فبمن تشبهوننى؟”

                يقول الوحى: قَلْبُ الْمَلِكِ فِي يَدِ الرَّبِّ كَجَدَاوِلِ مِيَاهٍ، حَيْثُمَا شَاءَ يُمِيلُهُ” (أم21: 1). وهذا لا يعنى أن البشر كالعرائس فى يد الله يحركهم كيفما يشاء دون اعتبار لإرادتهم، بل معناها أنه لا يستطيع أحد أن يقف أمام خطة الله ومقاصده للعالم.

                فالله فى قصده الأزلى قضى بأن يخلق الإنسان حُرَّاً، ولذلك هو لا يفعل الشئ ونقيضه، بمعنى أن يقضى بحُريَّة الإنسان ثم يجبره على تصرف معين. إن الإنسان حُر يفعل ما يشاء وبالرغم من ذلك فإن قصد الله لابد أن يتم.

                قال نَبُوخَذ نَصَّر: الَّذِي سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ، وَمَلَكُوتُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ…. وَهُوَ يَفْعَلُ كَمَا يَشَاءُ فِي جُنْدِ السَّمَاءِ وَسُكَّانِ الأَرْضِ، وَلاَ يُوجَدُ مَنْ يَمْنَعُ يَدَهُ أَوْ يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَفْعَلُ؟” (دا4: 34، 35)

ونقرأ أيضاً:فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ”. (دا7: 14)

“…وَسُلْطَانُهُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمِنَ النَّهْرِ إِلَى أَقَاصِي الأَرْضِ” (زك9: 10)

مُتَسَلِّطٌ بِقُوَّتِهِ إِلَى الدَّهْرِ. عَيْنَاهُ تُرَاقِبَانِ الأُمَمَ. الْمُتَمَرِّدُونَ لاَ يَرْفَعُونَ أَنْفُسَهُمْ” (مز66: 7)

(3) الشيطان هو الْمُجَرِّب:

يُعلن الكتاب المقدس بكل وضوح أن الشيطان هو مصدر الإغواء والإغراء والشر لذلك أعطاه الوحى عدة ألقاب وصفات منها:

  • الشِّرِّير:

ـ (مت6: 13) “وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ”.

ـ (يو17: 15) “لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ”.

ـ (أف6: 16) “حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ“.

ـ (2تس3: 3) “أمِينٌ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُثَبِّتُكُمْ وَيَحْفَظُكُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ”.

ـ (1يو2: 14) “كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ”.

  • الْمُجَرِّب:

ـ (مت4: 3) “فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ:”إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا”.

ـ (لو4: 13) “وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ“.

ـ (1تس3: 5) “لَعَلَّ الْمُجَرِّبَ يَكُونُ قَدْ جَرَّبَكُمْ، فَيَصِيرَ تَعَبُنَا بَاطِلاً”.

ـ (رؤ2: 10) “هُوَذَا إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا“.

   (ج) المُضِل:

ـ (رؤ12: 9) “فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ”.

   (د) الكَذَّاب:

ـ (يو8: 44) “ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ”.

وذلك لأنه يستخدِم الكذب والضلال فى التجربة، وهو عادةً يخلط الحق بالباطل ليُضلل الإنسان عن معرفة الله الحقيقية.

   (هـ) المُشتَكى: 

ـ (رؤ12: 10) “لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ الْمُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا، الَّذِي كَانَ يَشْتَكِي عَلَيْهِمْ أَمَامَ إِلهِنَا نَهَارًا وَلَيْلاً”.

ويسعى المُجَرِّب بكل وسيلة لكى يُسقِطَنا فى الخطية ولذلك يستخدم المكايد، والفخاخ، والسهام المُلتهبة، والعروض المُغرية.

 

ثانياً: من الذى أغوى داود؟

فى ضوء ما تقدَّم من حقائق نستطيع أن نقول الآتى:

  • إن الشيطان هو الذى أغوى داود كما يقول كاتب سفر الأخبار: “وَوَقَفَ الشَّيْطَانُ ضِدَّ إِسْرَائِيلَ، وَأَغْوَى دَاوُدَ لِيُحْصِيَ إِسْرَائِيلَ”. (1 أخ21: 1). فكما ذكرت سابقاً هو المُجَرَّب والمُضِل والكَذَّاب والمُشتَكى. لقد كان الشيطان يريد أن يُسقِط داود فى الخطية ليدمره هو والشعب أيضاً.
  • إن الله سمح للشيطان أن يُجرِّب داود كما يذكُر كاتب سفر صموئيل: وَعَادَ فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَأَهَاجَ عَلَيْهِمْ دَاوُدَ قَائِلاً: «امْضِ وَأَحْصِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا». (2صم 24: 1). ونستطيع أن نفهم هذه الفكرة عندما نقارن هذا الفعل مع ما حدث فى سفر أيوب. فنحن نرى فى سفر أيوب أن الشيطان قد جاء إلى الرب، وقدَّم شكواه ضد أيوب، وكانت النتيجة أن جرَّب أيوب فى حدود معينة، فمن الذى جرَّبه؟ الشيطان، ولكن فى حوار أيوب مع زوجته، ومع أصدقائه، وأيضاً فى حوار أيوب مع الله، لم يذكر اسم الشيطان مُطلقاً، بل لم يظهر الشيطان فى المشهد مُطلقاً، كل الكلمات كانت عن الله وما فعله الله، أما الشيطان الصانع الحقيقى للتجربة بقى خارج الصورة تماماً، فقال لزوجته: أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟” (أي2: 10).

لذلك نقول إن الشيطان هو الذى جرَّب داود وليس الله، فالله لا يجرب بالشرور كما قال الرسول يعقوب:لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا” (يع1: 13). ولكن فى نفس الوقت كل شئ تم بسماح من الله، لأنه لا يوجد شئ فى السماء أو على الأرض يتم بدون سماح من الله. ولهذا نرى دقة التعبير الإلهى فيذكر سفر صموئيل أن التجربة أتت من الرب لكى لا يفهم أحد الشيطان جرَّبه بدون إذن من الرب، وأيضاً وضَّح سفر الأخبار أن الشيطان هو الذى جرَّبه ليؤكد أن الله لا يُجرِّب بالشرور بل يسمح للشيطان بالتجربة للتنقية.

فسواء ذكر الوحى (الشيطان) المهيج الحقيقى للأحداث مثلما فعل الوحى فى سفر الأخبار، أو ذكر (الله) المهيمن على كل الأمور والذى سمح بهذا الأمر مثلما فعل الوحى فى سفر صموئيل، فالعبارتان صحيحتان ومكملتان لبعضهما.

  • إن داود هو الذى سقط فى التجربة بكامل حرية إرادته. فكما ذكرت سابقاً أن كل إنسان حُر الإرادة، يقرر ويختار ويفعل ما يشاء. وقد قال الرسول يعقوب بوضوح: “… كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا” (يع1: 14، 15)

ففى الحقيقى كانت الخطية قد بدأت تتسلل إلى قلب داود، ففى (1صموئيل21) نجده لا يستشير الرب فى أمر الْجِبْعُونِيِّين ويتعجل التصرف. وهنا يكرر نفس الخطية ولا يستشير الرب فهو لم يتعلم من خطيته السابقة.

وهو هنا يريد أن يفتخر بذكائه وبقوته وبجيشه، وهذا الفكر الشرير يجعله يعتمد على قوته وليس على الله كما كان فى الماضى.

فداود الصبى الذى بدأ حياته معتمداً على الله فقط فى قتل الأسد والدب، والذى كان قلبه مشتعلاً بالغيرة على اسم الرب، وعلى جيش الرب فذهب لمواجهة جليات باسم رب الجنود فقط وقال له: “أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ إِلهِ صُفُوفِ إِسْرَائِيلَ” (1صم17: 45) وقتله بالمقلاع، الآن يفكر فى معرفة عدد جيشه وسلطانه وهذا أحزن قلب الرب، وقد سمح الرب للشيطان أن يغوى داود.

وما يؤكد أنه فعل كل ما فعل بكامل حُريَّة إرادته أننا نجد أنه رفض أن يستمع لنصيحة يوآب بل واحتد عليه، فلقد أدرك يوآب أن التعداد خطأ، وحاول تنبيه داود لذلك وأن الله قادر أن يزيد عدد الشعب 100مرة، لكن داود أصرَّ على خطأه، فلقد كان الله يريد أن يوصل صوته إلى داود ويُرجِعه عن طريقه لكنه رفض فنقرأ: “فَقَالَ الْمَلِكُ لِيُوآبَ رَئِيسِ الْجَيْشِ الَّذِي عِنْدَهُ: «طُفْ فِي جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ مِنْ دَانَ إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ وَعُدُّوا الشَّعْبَ، فَأَعْلَمَ عَدَدَ الشَّعْبِ». فَقَالَ يُوآبُ لِلْمَلِكِ: «لِيَزِدِ الرَّبُّ إِلهُكَ الشَّعْبَ أَمْثَالَهُمْ مِئَةَ ضِعْفٍ، وَعَيْنَا سَيِّدِي الْمَلِكِ نَاظِرَتَانِ. وَلكِنْ لِمَاذَا يُسَرُّ سَيِّدِي الْمَلِكُ بِهذَا الأَمْرِ؟» فَاشْتَدَّ كَلاَمُ الْمَلِكِ عَلَى يُوآبَ وَعَلَى رُؤَسَاءِ الْجَيْشِ، فَخَرَجَ يُوآبُ وَرُؤَسَاءُ الْجَيْشِ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ لِيَعُدُّوا الْشَعْبَ،أَيْ إِسْرَائِيلَ” (2صم24: 2ـ 4). ويرد (ع4) فى (ت ع م) كالآتى:

“غير أن الملك فرض رأيه على يوآب وعلى قادة الجيش، فخرجوا من عنده ليعدوا بنى إسرائيل”.

والأمر الثانى هو أن داود اعترف بخطيته وأقرَّ بحماقته قبل أن يوبخه جاد الرائى فنقرأ: “وَضَرَبَ دَاوُدَ قَلْبُهُ بَعْدَمَا عَدَّ الشَّعْبَ. فَقَالَ دَاوُدُ لِلرَّبِّ: «لَقَدْ أَخْطَأْتُ جِدًّا فِي مَا فَعَلْتُ، وَالآنَ يَا رَبُّ أَزِلْ إِثْمَ عَبْدِكَ لأَنِّي انْحَمَقْتُ جِدًّا»”. (2صم24: 10). وهى ترد فى بعض الترجمات كالآتى:

(ت ك) “فخفق قلب داود من بعد إحصاء الشعب، وقال داود للرب: قد خطئت خطيئة كبيرة فما صنعت، والآن يا رب أغفر إثم عبدك، لأنى بحماقة عظيمة تصرفت”.

(ك ح) “وبعد أن تم إحصاء الشعب اعترى الندم قلب داود، فتضرع إلى الرب قائلاً: “أخطأت جداً بما ارتكبته، فأرجوك يا رب أن تزيل إثم عبدك لأننى تصرفت تصرفاً أحمق”.

والأمر الثالث هو عقاب الرب له، فليس من العدل ولا المنطق أن يكون الله هو الذى دفعه لهذا الخطأ ثم يعاقبه!

ولقد غضب الله جداً حينما قام داود بعمل هذا الإحصاء وذلك للأسباب الآتية:

(أ) لم يستشر الرب كعادته.
(ب) إحصاء الشعب يعنى أنه بدأ يشعر أن سر قوته وانتصاراته يرجع إلى عدد رجاله وإمكانياته، وأنه بدأ يعتمد على قوته العسكرية.
(ج) ربما قصد داود بهذا الإحصاء إثارة حروب جديدة لم يأمره بها الله لتوسيع مملكته.
(د) ربما أراد تسخير الشعب بوضع جزية مالية ثقيلة لحسابه الخاص أو حساب الخزانة وليس لحساب خيمة الإجتماع.
(هـ) نسى داود أن الشعب هو شعب الرب وليس شعبه هو، وأن الرب قادر أن يزيد الشعب كما حدث فى مصر إن أراد، وقادر أيضاً أن ينقصه كما حدث هنا. وهو قادر أن يجعل النصرة بأقل عدد كما حدث فى أيام جدعون. وعلينا أن نُدرك هذا لحياتنا فلا نضع قلوبنا على ما نمتلك فالله قادر أن يزيد ويبارك فيما نملك، وقادر أن يأخذ كل شئ وقادر أن يبارك فى القليل. المهم أن نضع ثقتنا فى الله وليس فيما نملك.
(و) يبدو أن الدافع الرئيسى لإحصاء الشعب كان هو التفاخر والتباهى والإعلان عن عظمته وقدراته وإمكانياته، كما كان يفعل ملوك الأمم حوله، وذلك ليرعب الأمم المجاورة له.

ما ذنب الشعب حتى يموت منه 77 ألف شخص؟

فى الحقيقة كان الشعب محتاجاً إلى التأديب وإلَّا كان الرب قد أدَّب داود وحدهُ. ونحن لا نعرف كل الحقائق ولكن علينا أن نثق فى عدالة الله. ففى موضوع بثشبع وأوريا الحثى لم نسمع أن الله أدَّب الشعب على خطأ داود بل انصبَّ التأديب على داود وحده. لكن الآن نسمع أن الضربة موجهة للشعب أيضاً، إذاً فهو مستحق. فطالما أن الدافع الرئيسى لإحصاء الشعب كان هو التفاخر والتباهى والإعلان عن عظمة وقدرة وإمكانيات المملكة. فالشعب شريك فى هذه الروح، والخطية يشترك فيها الجميع وليس داود وحده، فكلاهما شَعَر بالغرور والإنتفاخ، وبالتالى الشعور بعدم الإحتياج إلى الله، وهذا الإحساس يؤدى دائماً للسقوط فى خطايا كثيرة.

            وقد تاب داود ووبخه قلبه على ما حدث ولكن الشعب لم يَتُب ولم يندم فلذلك عاقبه الرب.

إلى جانب ذلك بعد أن استراح الشعب من الحرب مع الفلسطينيين، واغتنى بغنيمة كثيرة من بنى عمون، وأيضاً استراح من الجفاف الذى حدث لمدة ثلاث سنوات، بدأ بنو بليعال ينتشرون بين الشعب وابتعد عدد كبير من الشعب عن الرب (2صم23).

المراجع

  • أنظر: مناظرتان فى استكهولم، أحمد ديدات، ص (29).
  • د. منقذ بن محمود السقار. هل العهد القديم كلمة الله؟ ص86.
  • القس عزت شاكر. من المسئول عن الشر والألم؟ ص26.
  • كوستى بندلى. الله والشر والمصير. ص25.
  • كليف لويس. مُلحِد يؤمن. ص51 و52.

إله العهد القديم، هل هو إله يستخدم روح كذب لتنفيذ مقاصده؟

إله العهد القديم، هل هو إله يستخدم روح كذب لتنفيذ مقاصده؟ 

إله العهد القديم، هل هو إله يستخدم روح كذب لتنفيذ مقاصده؟

فَقَالَ ٱلرَّبُّ: مَنْ يُغْوِي أَخْآبَ فَيَصْعَدَ وَيَسْقُطَ فِي رَامُوتَ جِلْعَادَ؟ فَقَالَ هَذَا هَكَذَا، وَقَالَ ذَاكَ هَكَذَا. ثُمَّ خَرَجَ ٱلرُّوحُ وَوَقَفَ أَمَامَ ٱلرَّبِّ وَقَالَ: أَنَا أُغْوِيهِ. وَقَالَ لَهُ ٱلرَّبُّ: بِمَاذَا؟ فَقَالَ: أَخْرُجُ وَأَكُونُ رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ. فَقَالَ: إِنَّكَ تُغْوِيهِ وَتَقْتَدِرُ، فَٱخْرُجْ وَٱفْعَلْ هَكَذَا. وَٱلْآنَ هُوَذَا قَدْ جَعَلَ ٱلرَّبُّ رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِكَ هَؤُلَاءِ، وَٱلرَّبُّ تَكَلَّمَ عَلَيْكَ بِشَرٍّ». (1مل 22: 20-23)، راجع (2أخ 18: 18-22)

     يُعلق د. منقذ بن محمود السقار على هذه القصة قائلاً “نرى الرب هنا وهو يأمر بالإغواء والكذب، ويبحث عمن يرشده الى طريقة لإغواء آخاب”(1)

     والسؤال: كيف يُرسل الله رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفواهِ جَمِيعِ أَنبيائِهِ؟ هل الله يحب أن يُغوي عبيده؟ وهل يستعمل الله اروحاً شريرة لتنفيذ مقاصده؟

     لكي نُجيب عن هذه الأسئلة يجب ان نعرف من هو آخاب؟ والخلفية التاريخية للقصة التي امامنا؟ ومن هم الأنبياء الذين يتحدث عنهم الوحي هنا؟

أولاً حقيقتان هامتان:

(1) الله لا يضلل ايّ إنسان:

     “لأنه يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ ٱلنَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الحق يُقبلون” (1تي 2: 4). وهو الذي قال:” حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ، إِنِّي لَا أُسَرُّ بِمَوْتِ ٱلشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجِعَ ٱلشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. اِرْجِعُوا، ٱرْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ ٱلرَّدِيئَةِ! فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ؟” (حز 33: 11)

     وهو الذي يهدي الضالين ويقودهم إلى طريق الخلاص والحياة الأبدية، ألم يُقِم في العهد القديم نظام الكهنوت واشترط أن يكون رئيس الكهنة مترفقاً بالجهال والضالين؟ “لِأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ ٱلنَّاسِ يُقَامُ لِأَجْلِ ٱلنَّاسِ فِي مَا لِلهِ، لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ ٱلْخَطَايَا، قَادِرًا أَنْ يَتَرَفَّقَ بِٱلْجُهَّالِ وَٱلضَّالِّينَ، إِذْ هُوَ أَيْضًا مُحَاطٌ بِٱلضَّعْفِ. وَلِهَذَا ٱلضَّعْفِ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ كَمَا يُقَدِّمُ عَنِ ٱلْخَطَايَا لِأَجْلِ ٱلشَّعْبِ هَكَذَا أَيْضًا لِأَجْلِ نَفْسِهِ.” (عب 5: 1-3). فمن الجهل ان نظن ان الله الذي يطلب من رئيس الكهنة ان يكون مترفقا بالضالين هو الذي يضللهم؟ ونحن كنا ضالين لكن محبة الله ونعمته هي التي قادتنا الى التوبة والخلاص “لِأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلًا أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي ٱلْخُبْثِ وَٱلْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا. وَلَكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا ٱللهِ وَإِحْسَانُهُ -لَا بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ-خَلَّصَنَا بِغُسْلِ ٱلْمِيلَادِ ٱلثَّانِي وَتَجْدِيدِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدس”(تي 3: 3-5)

(2) الله يُدين من يضلل الأخرين:

     كيف يضلل الناس وهو الذي يدين المضلّلين؟ لقد قال على لسان موسى “مَلْعُونٌ مَنْ يُضِلُّ ٱلْأَعْمَى عَنِ ٱلطَّرِيقِ.” (تث 27: 18) وقال على لسان الحكيم “مَنْ يُضِلُّ ٱلْمُسْتَقِيمِينَ فِي طَرِيقٍ رَدِيئَةٍ فَفِي حُفْرَتِهِ يَسْقُطُ هُوَ” (أم 28: 10). وقد حذَّر الرب يسوع كل من يحاول تضليل او من يضع عثرة  امام المؤمنين الجدد فيقول: “وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ ٱلصِّغَارِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِي، فَخَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحًى وَطُرِحَ فِي ٱلْبَحْرِ.” (مر 9: 42)

     وأرجو أن تقرأ معي الآيات التالية لترى كيف يدين الله الأنبياء الكذبة:

     “وَأَمَّا ٱلنَّبِيُّ ٱلَّذِي يُطْغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِٱسْمِي كَلَامًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ ٱلَّذِي يَتَكَلَّمُ بِٱسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَيَمُوتُ” (تث 18: 20-22).

     “هَكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ عَلَى ٱلْأَنْبِيَاءِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَ شَعْبِي، ٱلَّذِينَ يَنْهَشُونَ بِأَسْنَانِهِمْ، وَيُنَادُونَ: «سَلَامٌ»! وَٱلَّذِي لَا يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ شَيْئًا، يَفْتَحُونَ عَلَيْهِ حَرْبًا: «لِذَلِكَ تَكُونُ لَكُمْ لَيْلَةٌ بِلَا رُؤْيَا. ظَلَامٌ لَكُمْ بِدُونِ عِرَافَةٍ. وَتَغِيبُ ٱلشَّمْسُ عَنِ ٱلْأَنْبِيَاءِ، وَيُظْلِمُ عَلَيْهِمِ ٱلنَّهَارُ. فَيَخْزَى ٱلرَّاؤُونَ، وَيَخْجَلُ ٱلْعَرَّافُونَ، وَيُغَطُّونَ كُلُّهُمْ شَوَارِبَهُمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ جَوَابٌ مِنَ ٱللهِ”. (مي 3: 5-7).

     “هَئنَذَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَنَبَّأُونَ بِأَحْلَامٍ كَاذِبَةٍ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، ٱلَّذِينَ يَقُصُّونَهَا وَيُضِلُّونَ شَعْبِي بِأَكَاذِيبِهِمْ وَمُفَاخَرَاتِهِمْ وَأَنَا لَمْ أُرْسِلْهُمْ وَلَا أَمَرْتُهُمْ…. لِذَلِكَ هَئَنَذَا أَنْسَاكُمْ نِسْيَانًا، وَأَرْفُضُكُمْ مِنْ أَمَامِ وَجْهِي، أَنْتُمْ وَٱلْمَدِينَةَ ٱلَّتِي أَعْطَيْتُكُمْ وَآبَاءَكُمْ إِيَّاهَا. وَأَجْعَلُ عَلَيْكُمْ عَارًا أَبَدِيًّا وَخِزْيًا أَبَدِيًّا لَا يُنْسَى” (إر 23: 32 , 39).

     ويحذر الرب شعبه باستمرار من الانسياق وراء الانبياء الكذبة:

     “إِذَا قَامَ فِي وَسَطِكَ نَبِيٌّ أَوْ حَالِمٌ حُلْمًا، وَأَعْطَاكَ آيَةً أَوْ أُعْجُوبَةً، وَلَوْ حَدَثَتِ ٱلْآيَةُ أَوِ ٱلْأُعْجُوبَةُ ٱلَّتِي كَلَّمَكَ عَنْهَا قَائِلًا: لِنَذْهَبْ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا وَنَعْبُدْهَا، فَلَا تَسْمَعْ لِكَلَامِ ذَلِكَ ٱلنَّبِيِّ أَوِ ٱلْحَالِمِ ذَلِكَ ٱلْحُلْمَ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكُمْ يَمْتَحِنُكُمْ لِكَيْ يَعْلَمَ هَلْ تُحِبُّونَ ٱلرَّبَّ إِلَهَكُمْ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ. وَرَاءَ ٱلرَّبِّ إِلَهِكُمْ تَسِيرُونَ، وَإِيَّاهُ تَتَّقُونَ، وَوَصَايَاهُ تَحْفَظُونَ، وَصَوْتَهُ تَسْمَعُونَ، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، وَبِهِ تَلْتَصِقُونَ. وَذَلِكَ ٱلنَّبِيُّ أَوِ ٱلْحَالِمُ ذَلِكَ ٱلْحُلْمَ يُقْتَلُ، لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِٱلزَّيْغِ مِنْ وَرَاءِ ٱلرَّبِّ إِلَهِكُمُ ٱلَّذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ ٱلْعُبُودِيَّةِ، لِكَيْ يُطَوِّحَكُمْ عَنِ ٱلطَّرِيقِ ٱلَّتِي أَمَرَكُمُ ٱلرَّبُّ إِلَهُكُمْ أَنْ تَسْلُكُوا فِيهَا. فَتَنْزِعُونَ ٱلشَّرَّ مِنْ بَيْنِكُمْ.” (تث 13: 1 – 5).

     “أَيُّهَا ٱلْأَوْلَادُ، لَا يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ: مَنْ يَفْعَلُ ٱلْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ، كَمَا أَنَّ ذَاكَ بَارٌّ. مَنْ يَفْعَلُ ٱلْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ، لِأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ ٱلْبَدْءِ يُخْطِئُ. لِأَجْلِ هَذَا أُظْهِرَ ٱبْنُ ٱللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ.” (1يو 3: 7 و8).

     وقال الرب يسوع:” ٱنْظُرُوا! لَا يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِٱسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ ٱلْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ” (مت 24: 4-5).

ثانياً: الخلفية التاريخية للقصة التي أمامنا؟

من هو أَخَابَ؟

     أخآب بن عمري. ملك على إسرائيل في السامرة حوالي عام 875 ق.م. وملك اثنين وعشرين سنة.

     “وَعَمِلَ ٱلشَّرَّ فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ ٱلَّذِينَ قَبْلَه” (1مل 16: 31). وتزوج من إيزابل ابنة اثبعل ملك صيدون. وكانت امرأة وثنية شريرة تعبد البعل. فأثرت عليه وانقاد وراءها في عبادة البعل. (1مل 16: 30 – 33). وكانت تكره إله إسرائيل لدرجة أنها قتلت جميع أنبياء الرب. فكانت فترة حكمه مظلمة وحالكة في تاريخ شعب إسرائيل. فيها ابتعد إسرائيل جداً عن الله وتركه وعبد آلهة أخرى وأغاظ الرب جداً. فقد أقام مذبحاً للبعل في السامرة وعمل السواري وأقامها لعبادة الأوثان.

     ولكن الرب لم يترك نفسه بلا شاهد. فأرسل إيليا النبي إلى أخاب فتنبأ بمجيء جفاف وقحط عقاباً له على خطيته (1مل 17: 1) وقد دام القحط في السامرة ثلاث سنين ونصف تقريباً (1مل 18: 1، ولو 4: 25، يع 5: 17)، وكان الجوع شديداً. وقال إيليا لأخاب أنه هو وأهل بيته هم سبب هذا الشر نتيجة عبادتهم للبعل. وبالرغم. من ذلك لم يتب أخاب او يرجع عن طرقه الردية. بل إرداد شراً وفساداً. فاستولى اخاب وإيزابل على كرم نابوت اليزرعيلي بعد ان دبرا له مكيدة لقتله , وقُتل ظلما بناء على شهادة شهود زور. فأرسل الرب إيليا ليقول له ” هَكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ: هَلْ قَتَلْتَ وَوَرِثْتَ أَيْضًا؟ فِي ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ ٱلْكِلَابُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ ٱلْكِلابُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضًا.فَقَالَ أَخْآبُ لِإِيلِيَّا: «هَلْ وَجَدْتَنِي يَا عَدُوِّي؟» فَقَالَ: «قَدْ وَجَدْتُكَ لِأَنَّكَ قَدْ بِعْتَ نَفْسَكَ لِعَمَلِ ٱلشَّرِّ فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ.” (1مل 21 :19).

متى قيلت النبوة التي أمامنا؟

     تحالف “يهوشافاط” ملك يهوذا مع “أَخْآب” ملك إسرائيل وزوًّج ابنه من ابنة أَخْآب “عثليا” وبعد ثلاث سنين لم تكن فيها حروب بي إسرائيل وآرام. أراد أخآب أن يسترد راموت جلعاد من الآراميين ويرجعها إلى ملكه فطلب من يهوشافاط أن ينزل معه للحرب ضد ملك آرام، وقد كان هذا لهلاك أًخْآب كما تنبأ إيليا بأنه سيموت وأن الكلاب ستلحس دمه في كرم نابوت اليزرعيلي. وهنا طلب يهوشافاط من أًخْآب أن يستشير أنبياء الرب، فَجَمَعَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ 400 رجل من أنبياء البعل وَسَأَلَهُمْ [أَأَذْهًبُ إلَى رَامُوتَ جِلْعَادَ لِلْقِتَالِ أَمْ أَمْتَنِعُ؟] . فقالوا: [اصعد فيدفعها السيد ليد الملك] وكان على رأسهم صدقيا بن كنعنة الذي عمل لنفسه قرني حديد وقال لأَخْآب: [هَكَذَا قالَ الرَّبُّ: بِهَذِهِ تَنْطَحُ الأرَامِيَّينَ حَتَّى يَفْنُوا]. ونقرأ في آية “وَتَنَبًّأَ جَمِيعُ الأنْبِيَاْءِ قائِلينَ: “اصْعَدْ إِلَى راموت جلعاد وأفلح. فيدفعها الربليد الملك” ولكن يهوشافاط الملك سأل: [أمَا يُوجَدُ هُنَا بَعْدُ نَبِيًّ لِلرَّبَّ فنسأل منه؟] فقال ملك إسرائيل ليهوشافاط: [يوجد بعد رجل واحد لسؤال الرب به، ولكني ابغضه لأنه لأ يتنبأ على خيرا بل شراً، وهو ميخا بن يملة]. فقال يهوشافاط: [لا يقل الملك هكذا]. فأرسلوا لاستدعاء ميخا النبي. والغريب ان الرسول الذي ذهب ليدعو ميخا قال له: “هوذا كلام جميع الأنبياء بفم واحد خير للملك” وطلب منهأن يتنبأ بالخير للملك مثل باقي الأنبياء ولكن ميخا قال له: [حي هو الرب ان ما يقوله لي الرب به أتكلم]. فلما جاء ميخا سأله الملك: [يا ميخا أنصعد إلى راموت جلعاد للقتال أم نمتنع؟] فقال له: [اصعد وأفلح فيدفعها الرب ليد الملك]. وهي تأتي في الترجمة التفسيرية “فأجابه (بتهكم): “اذهب فتظفر بها لأن الرب يسلمها إلى الملك”. فقال له الملك: [كم مرة استحلفتك ألا تقول لي إلا الحق باسم الرب]. فقال: [رأيت كل اسرائيل مشتتين على الجبال كخرافٍ لا راعي لها. فقال الرب: [ليس لهؤلاء أَصحاب. فليرجعوا كل واحدٍ منهم إلى بيته بسلام]. وهي تأتي في الترجمة التفسيرية “رأيت كل إسرائيل مبددين على الجبال كخراف بلا راعٍ. فقال الرب: ليس لهؤلاء قائد، فليرجع كل واحدٍ منهم إلى بيته بسلام”. والمعنى المقصود أنك ستموت ويصبح الشعب بلا قائد ولكنهم سيرجعون إلى بيوتهم بسلام. ولذلك ااغتاظ جداً أخآب وقال ليهوشافاط: [أما قلت لك إنه لا يتنبأ علي خيراً بل شراً؟]. فقال له ميخا النبي الكلمات التي هي موضوع سؤالنا:

     [فاسمع إذا كلام الرب: قد رأيت الرب جالساً على كرسيه. وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره. فَقَالَ ٱلرَّبُّ: مَنْ يُغْوِي أَخْآبَ فَيَصْعَدَ وَيَسْقُطَ فِي رَامُوتَ جِلْعَادَ؟ فَقَالَ هَذَا هَكَذَا، وَقَالَ ذَاكَ هَكَذَا. ثُمَّ خَرَجَ ٱلرُّوحُ وَوَقَفَ أَمَامَ ٱلرَّبِّ وَقَالَ: أَنَا أُغْوِيهِ. وسأله ٱلرَّبُّ: بِمَاذَا؟ فَقَالَ: أَخْرُجُ وَأَكُونُ رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ. فَقَالَ: إِنَّكَ تُغْوِيهِ وَتَقْتَدِرُ، فَٱخْرُجْ وَٱفْعَلْ هَكَذَا. وَٱلْآنَ هُوَذَا قَدْ جَعَلَ ٱلرَّبُّ رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِكَ هَؤُلَاءِ، وَٱلرَّبُّ تَكَلَّمَ عَلَيْكَ بِشَرٍّ].

     وفور أن قال ميخا النبي هذه الكلمات ضربه صدقيا بقرني الحديد متهماً إياه بالكذب، وأمر أخآب الملك بحبسه حتى يعود من الحرب، ولكنه مات في الحرب كما تنبأ ميخا.

ثالثاَ: ما الذي قصده ميخا النبي بهذه الكلمات؟

(1) تحذير أخآب من الأنبياء الكذبة:

     أولاً ما يجب أن نلاحظه هو أن ما قاله ميخا النبي هنا هو عبارة عن مشهد تصويري. أو صورة تشبيهية وليست واقعية لتوصيل فكرة معينة الى أخآب الملك، فالله الغير محدود لا يجلس على كرسي، وليس له عرش بالمعنى البشري، والروح لا يقف، وملائكتة الله كثيرة جداً يصعب عدهم. فهو منظر تخيلي وليس حقيقي، لتوصيل رسالة معينة لأخآب، كان ميخا يريد من خلاله أن يقول لأخآب: انتبه واحترس فإن ما يتنبأبه أنبياؤك كذب وخداع وليس من الرب، بل من الروح كذب وغش ونفاق.

     وأنا أرجوك عزيزي القارئ أن تفكر معي لدقائق: هل ميخا النبي ضلل أخآب أم أخبره بالحق؟!

     لو كان الرب يريد بالفعل أن يضلل أخآب هل كان قد جعل ميخا النبي يفضح كذب الأنبياء الكذبة أم يؤيد أقولهم؟!

     ثم لو كان الرب يريد بالفعل أن يغوي أخآب هل كان قد أرسل له من قبل إيليا النبي لينذره ويوبخه ويطلب منه أن يتوب عن شره؟!

     ولو كان الرب يريد بالفعل أن يغوي أخآب فلماذا جعل ميخا النبي يصر على أن لا يقول إلا ما يأمره به الرب، فقال لمن أرسله الملك ليحضره إليه: “حَيُّ هُوَ الرُّبُّ إِنَّ مَا يَقُولُهُ لِيَ الرُّبُّ بِهِ أَتَكَلَّمُ!”.

     ولو كان الرب يريد بالفعل أن يغوي أخآب هل كان جعل ميخا يخبر أخآب بأن الموت في انتظاره؟!

     إن ما قاله ميخا النبي إلى أخآب هو رسالة حب من الله له، فهو يحذره من خطر قادم عليه، ويؤكد له أن أنبيائه تنبأوا له بالكذب. وأن روح الكذب هو الذي قادهم لذلك. كانت الشبهة ستكون صحيحة لو أن ميخا النبي قال له نفس ما قاله الأنبياء الكذبة.

من الذي ضلل أخآب؟

     لقد كان ميخا النبي يريد أن يؤكد لأخآب أن أنبيائه – أنبياء البعل وأنبياء السواري الذين أحاط نفسه بهم هو وزوجته إيزايل الشريرة – هم الذين يضللونه. فهل الرب أرسل لهم روح كذب أم هم أصلاً مجموعة من الكذبة؟ كانت الشبهة ستكون صحيحة لو أنهم كانو من قبل يتنبأون بالصدق وكذبوا هذه المرة فقط.

     الشئ الغريب هو أن أخآب كان يعرف بل ومتأكد من أن ميخا هو نبي الرب الوحيد. بدليل أنه عندما سأله يَهُوشَافَاطَ: [أَمَا يُوجَدُ هُنَا بَعْدُ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ فَنَسْأَلَ مِنْهُ؟] فَقَالَ أخآب  لِيَهُوشَافَاطَ: [يُوجَدُ بَعْدُ رَجُلٌ وَاحِدٌ لِسُؤَالِ ٱلرَّبِّ بِهِ، وَلَكِنِّي أُبْغِضُهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَبَّأُ عَلَيَّ خَيْرًا بَلْ شَرًّا، وَهُوَ مِيخَا بْنُ يَمْلَةَ” (اَلْمُلُوكِ ٱلْأَوَّلُ 22 : 7-8 )

     ورغم معرفة أخآب بذلك فإنه كان يسأل الأنبياء والكذبة بل ويصر على ذلك، ولا يسأل ميخا لأنه يعرف أن ميخا سيقول الصدق، وأما الأنبياء الكذبة فسيقولون ما يريحه، لأنهم يتكلمون كلام حسب شهوة قلبه.

     لقد كان يحب الشر أكثر من الرب، لذلك كان من الصعب عليه أن يسمع كلام الرب.

(2) إعلان سلطان الله:

    إن ما قصده ميخا النبي بقوله لأخآب: “والآن هوذا قد جعل الرب روح كذب في أفواه جميع انبيائك هؤلاء، والرب تكلم عليك بشر”. أي أن الله قد سمح لروح الكذب أن يُضلَّلك قصاصاً على شرك وفسادك. وقد اعتبر ميخا أن إرادة السماح تساوي الإرادة القصدية، وهذا عمل من أعمال سيادة الله في عالمنا، فالجميع في خدمته، سواء عرفوا هذا أو لم يعرفوه. وهذا يمجّد الله ولا يُنقص من كمال صفاته. ولو لم يكن الله صاحب السلطان المطلق على الأرواح الشريرة لكانت قبضته على عالمنا ضعيفة واهية، وهذا مستحيل!

      أو بصيغة أخرى: عندما قال الرب لروح الكذب: “فَاخْرُجُ وَافعَلْ هَكَذَا” أي أنه أخلى سبيل هذا الروح الشرير الذي قصده أن يُغوي أخآب. ولو لم يأذن لهُ لما استطاع أن يكون روح كذبٍ في أفواه أنبياء أخآب الكذبه. فعدو الخير لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا بسماح من الرب، ولكن إذ سحب الله يده المانعة انفتح المجال لذلك الروح الشرير.

     بكلمات أخرى: إن الرب ترك الأنبياء والكذبة يتنبأون بالكذب، وترك أخآب لغباءه وعناده، أي أسلمهم جميعاً إلى ذهنهم الرافض لنعمة الله ليفعلوا ما لا يليق.

     كما يقول الرسول بولس: “لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ ٱللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى ٱلنَّجَاسَةِ… لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ ٱللهُ إِلَى أَهْوَاءِ ٱلْهَوَانِ…وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا ٱللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ ٱللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لَا يَلِيقُ.” (رُومِيَةَ 1: 28 , 26 , 24، راجع ايضاً رو 1: 22 – 24، 9: 14 – 17).

     لاحظ تكرار عبارة “أَسْلَمَهُمُ اللهُ” أي تركهم الله لشهوات قلوبهم، أو أسلمهم الله لذهنهم الرافض لمحبته وطول أناته، وهذا ما حدث مع أخآب إذ تركه الرب إلى قساوة قلبه. واعتبر الكاتب أن إرادة السماح تتساوى مع الإرادة القصدية. وعندما تركه الله إلى قساوة قلبه لم يحصد إلا الموت.

رابعاً: ما هي الدروس المستفادة:

(1) سلطان الله المطلق على الأحداث:

     لقد كان أمام أخآب مشورتين: مشورة الرب على لسان ميخا النبي؛ ومشورة الأنبياء الكذبة – وهي المشورة التي لم يكن الرب مدبرها ولا مرسلها ولم يسر بها، بل فضحها على لسان ميخا، الذي أكَّد له أنها ليست من الرب – ولكن أخآب بكامل حرية إرادته اختار مشورة الأنبياء الكذبة، وخرج للحرب متخفياً وخرج معه يهوشافاط وقال لِيَهُوشَافَاطَ: [فَقَالَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ لِيَهُوشَافَاطَ: إِنِّي أَتَنَكَّرُ وَأَدْخُلُ ٱلْحَرْبَ، وَأَمَّا أَنْتَ فَٱلْبَسْ ثِيَابَكَ]. ولكن مَلِكُ أَرَامَ قال لرُؤَسَاءَ ٱلْمَرْكَبَاتِ ٱلَّتِي لَهُ: [لَا تُحَارِبُوا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا إِلَّا مَلِكَ إِسْرَائِيلَ وَحْدَهُ]. فَلَمَّا رَأَى رُؤَسَاءُ ٱلْمَرْكَبَاتِ يَهُوشَافَاطَ: [قَالُوا إِنَّهُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ] فَمَالُوا عَلَيْهِ لِيُقَاتِلُوهُ، فَصَرَخَ يَهُوشَافَاطُ. فَلَمَّا رَأَى رُؤَسَاءُ ٱلْمَرْكَبَاتِ أَنَّهُ لَيْسَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ رَجَعُوا عَنْهُ”. واشتد القتال ونقرأ هذا الأمر العجيب: “وَإِنَّ رَجُلًا نَزَعَ فِي قَوْسِهِ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ وَضَرَبَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ بَيْنَ أَوْصَالِ ٱلدِّرْعِ. فَقَالَ لِمُدِيرِ مَرْكَبَتِهِ: [رُدَّ يَدَكَ وَأَخْرِجْنِي مِنَ ٱلْجَيْشِ لِأَنِّي قَدْ جُرِحْتُ]. وَٱشْتَدَّ ٱلْقِتَالُ فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ، وَأُوقِفَ ٱلْمَلِكُ فِي مَرْكَبَتِهِ مُقَابِلَ أَرَامَ، وَمَاتَ عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ، وَجَرَى دَمُ ٱلْجُرْحِ إِلَى حِضْنِ ٱلْمَرْكَبَةِ. وَعَبَرَتِ ٱلرَّنَّةُ فِي ٱلْجُنْدِ عِنْدَ غُرُوبِ ٱلشَّمْسِ قَائِلًا: [كُلُّ رَجُلٍ إِلَى مَدِينَتِهِ، وَكُلُّ رَجُلٍ إِلَى أَرْضِهِ]. فَمَاتَ ٱلْمَلِكُ وَأُدْخِلَ ٱلسَّامِرَةَ فَدَفَنُوا ٱلْمَلِكَ فِي ٱلسَّامِرَةِ. وَغُسِلَتِ ٱلْمَرْكَبَةُ فِي بِرْكَةِ ٱلسَّامِرَةِ فَلَحَسَتِ ٱلْكِلَابُ دَمَهُ، وَغَسَلُوا سِلَاحَهُ. حَسَبَ كَلَامِ ٱلرَّبِّ ٱلَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ”. (اَلْمُلُوكِ ٱلْأَوَّلُ 22: 30-38).

     إن الرب صاحب السلطان المطلق على كل الكون والأحداث استخدم مشورة الأنبياء الكذبة بحكمته اللامتناهية في تحقيق مقاصده العليا التي سبق وأعلن عنها على لسان أيليا النبي قائلاً: “هَكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ: هَلْ قَتَلْتَ وَوَرِثْتَ أَيْضًا؟ فِي ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ ٱلْكِلَابُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ ٱلْكِلَابُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضًا”. (اَلْمُلُوكِ ٱلْأَوَّلُ 21: 19).

     عزيزي القارئ: لا يوجد حدث واحد ولا مشورة واحدة تفاجئ الله إن كل الأحداث في قبضة يمينه يستخدمها لتحقيق مشورته الأزلية.

(2) لا مكان للصدفة في الحياة:

     لقد خرج أخآب للحرب متخفياً، فلا يعرفه أحد، وخرج معه يهوشافاط الذي ظنه الآراميون أنه ملك إسرائيل فحاولوا قتله ولكنه صرخ فعرفوه وتحولوا عنه إلى آخاب، واشتد القتال ونقرأ: ” وَإِنَّ رَجُلًا نَزَعَ فِي قَوْسِهِ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ وَضَرَبَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ بَيْنَ أَوْصَالِ ٱلدِّرْعِ”. لقد كان غير متعمد أي بحسب تقديراتنا البشرية المحدودة (بالصدفة)، لكنها لم تكن ضربة بالصدفة بل لكي يتم كلام الرب الذي تكلم به على فم إيليا النبي (1 مل 22: 38).

     صديقي: إننا كثيراً ما نستخدم كلمة “صدفة” في حياتنا ونقول “صدفة جميلة” و “رب صدفة خير من ألف ميعاد”…الخ. لكني أريد أن أقول لك: إن ما يبدو في نظرنا صدفة هو مرتَّب من قبل الله. والإيمان بالصدفة يسئ إلى الله إذ يجعله مجرد متفرج على العالم. لقد قال جون كلفن: “كل الحوادث تسيطر عليها مشورة الله الخفية وتقودها يده، وإن قدرة الله على كل شئ ليس مجرد قدرة عاطلة وخاملة بل هي قدرة يقظة وفعالة، قدرة تبدو دائما في كل حركة واضح مستقلة”، ثم يكمل ” لذلك نؤكد أنه ليس فقط السماء والأرض بل وأيضاً تفكيرات الناس وتدبيراتهم خاضعة كلها لعنايته يوجهها إلى الغرض المعين لها”. وقال أرنولد توينبي المؤرخ الإنجليزي: “إن يد الله خلف التاريخ مسبباً لكل ما يحدث فيه من حوادث مقيماً دولاً ومزيل دولاً”.

     ألا نقول في قانون الإيمان: “نؤمن بإله واحد ضابط الكل”. والفعل “ضابط” من الكلمة اليونانية “بانتوكراتور” من الفعل “كراتو” أي الذي يمسك بشدة. كناية عن القوة والسلطان.

     ألم يقل داود: “َلرَّبُّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ ثَبَّتَ كُرْسِيَّهُ، وَمَمْلَكَتُهُ عَلَى ٱلْكُلِّ تَسُودُ.”

(المزامير 103: 19).

(3) الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً:

     كانت كلمات إيليا النبي لأخآب بعد أن دبَّر مؤامرة وقتل نابوت اليزرعيلي وأخذ كرمه: ” فِي ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ ٱلْكِلَابُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ ٱلْكِلَابُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضًا.”

(اَلْمُلُوكِ ٱلْأَوَّلُ 21: 19). شئ طبيعي أن يكون الحصاد من نفس نوع الزرع، تزرع قمحاً تحصد قمحاً، تزرع قطناً تحصد قطناً، تزرع حباً وسلاماً تحصد حباَ وسلاماً، وتزرع بغيضة وكراهية تحصدهما. ألم يصرخ أَذونِي بَازَقَ: “سَبْعُونَ مَلِكًا مَقْطُوعَةٌ أَبَاهِمُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ كَانُوا يَلْتَقِطُونَ تَحْتَ مَائِدَتِي. كَمَا فَعَلْتُ كَذَلِكَ جَازَانِيَ ٱللهُ.” (اَلْقُضَاة 1: 7). ألا تقرأ في سفر أستير عن هامان: ” فَقَالَ حَرْبُونَا، وَاحِدٌ مِنَ ٱلْخِصْيَانِ ٱلَّذِينَ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْمَلِكِ: «هُوَذَا ٱلْخَشَبَةُ أَيْضًا ٱلَّتِي عَمِلَهَا هَامَانُ لِمُرْدَخَايَ ٱلَّذِي تَكَلَّمَ بِٱلْخَيْرِ نَحْوَ ٱلْمَلِكِ قَائِمَةٌ فِي بَيْتِ هَامَانَ، ٱرْتِفَاعُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا». فَقَالَ ٱلْمَلِكُ: «ٱصْلِبُوهُ عَلَيْهَا». فَصَلَبُوا هَامَانَ عَلَى ٱلْخَشَبَةِ ٱلَّتِي أَعَدَّهَا لِمُرْدَخَايَ. ثُمَّ سَكَنَ غَضَبُ ٱلْمَلِكِ.” (أَسْتِير 7: 9-10).

     عزيزي: إننا نزرع في كل يوم بل وفي كل خطوة. فماذا تزرع؟ لقد قال الرسول بولس: “لِأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ ٱلْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ ٱلرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً.”

 (غَلَاطِيَّةَ 6: 8).

(4) شجاعة قول الحق مهما كان الثمن:

     لقد وقف ميخا النبي بكل شجاعة في وجه أخآب، ولم يخش الضرب ولا السجن، ومن قبله وقف إيليا بكل شجاعة في وجه آخاب الملك، وواجهه بأخطائه وقال له:” لَمْ أُكَدِّرْ إِسْرَائِيلَ، بَلْ أَنْتَ وَبَيْتُ أَبِيكَ بِتَرْكِكُمْ وَصَايَا ٱلرَّبِّ وَبِسَيْرِكَ وَرَاءَ ٱلْبَعْلِيمِ.” (اَلْمُلُوكِ ٱلْأَوَّلُ 18: 18).

     ولم يكن إليا يخاف على نفسه من الملك، رغم ما سمعه عما فعلته ايزابيل بأنبياء الرب

(1 مل 21: 19، 20).

     ولا شك في أن مصدر القوة والشجاعة التي كان يتمتع بها إيليا، هو في إدراكه لوجوده أمام الرب على الدوام. لقد كان يقول دائماً “: “حَيٌّ هُوَ رَبُّ ٱلْجُنُودِ ٱلَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ”

(1 مل 18: 15).

 لقد كان يدرك أن الله حى، وأنه يقف أمامه وهو الأعظم والأكبر من أي إنسان وأي ملك، لذلك كان يرى أخاب صغيراً أمامه، فيواجهه بشجاعة. إن كل من يلتصق بالرب يستطيع أن يواجه المخطئ بخطئه.

     كتب الرسول بولس عن الكنيسة أنها: “عامود الحق وقاعدته” أي هي التي تثبت الحق في المجتمع، وأيضاً تعلنه.

     فلماذا في هذه الأيام نرى الحق يداس تحت الأقدام، ونصمت؟ وفي مرات نضع رؤوسنا في الرمل، وفي مرات يكون شعارنا لا أرى، لا أسمع، ولا أتكلم. فلماذا نصمت؟ هل نصمت خوفاً على مصالحنا وعلى مستقبلنا؟

     أم نصمت عملاً بقول المثل: “الذي بيته من زجاج لا يرمى الناس بالحجارة” ما أحوجنا في هذه الأيام إلى رجال أمثال المعمدان الذي وقف في وجه هيرودس الطاغية، وقال له: “لا يحل لك”. وناثان النبي الذي وقف في وجه داود بعد خطيته العظيمة وقال له: “أنت هو الرجل”.

     لقد كان جون نوكس المصلح الأسكتلندي الشهير يواجه الملكة الرهيبة “مارى الدموية” بكل جرأة، لدرجة أنها قالت: “إنني أفضل أن ألاقي جيشاً مكونا من عشرة آلاف جندي عن أن أواجه جون نوكس” وعندما مات جون نوكس، كتبوا على قبره: “هنا يرقد الرجل الذي لم يكن يهاب في حياته وجه إنسان قط”.

(5) الإنسان حر الإرادة:

     عزيزي القارئ: لقد خلق الله الإنسان حراً، وكل منا يختار طريقته. فقد قال الرب للشعب في القديم: “قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ ٱلْحَيَاةَ وَٱلْمَوْتَ. ٱلْبَرَكَةَ وَٱللَّعْنَةَ. فَٱخْتَرِ ٱلْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا” (التثنية 30: 19). ووقف يشوع وقال للشعب: “فَٱخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمُ ٱلْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ…” (يشوع 24: 15). ويقول الرب يسوع: “هَئنَذَا وَاقِفٌ عَلَى ٱلْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ ٱلْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي.” (رُؤْيَا يُوحَنَّا 3: 20). فالله يعرض ولا يفرض، يعرض حبه وغفرانه ونعمته، ولا يفرض لأنه خلقنا أحراراً، ولكنه يتمنى أن نختار طريق الحياة والبركة. فماذا سنختار اليوم؟؟؟

المراجع

 (1) د. منقذ بن محمود السقار. إله العهد القديم، ص85.

إله العهد القديم ،هل هو إله يذل ويجرب عبيده؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم ،هل هو إله يذل ويجرب عبيده؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم ،هل هو إله يذل ويجرب عبيده؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله يذل ويجرب عبيده؟ شبهة والرد عليها

“جميع الوصايا التي أنا اوصيكم بها تحفظون لتعملوها لتحيوا وتكثروا وتدخلوا وتمتلكوا الارض التي اقسم الرب لآبائكم. وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الاربعين سنة في القفر لكي يذلك ويجربك ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا؟ فأذلك وأجاعك وأطعمك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه لآباؤك ليعلمك انه ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الانسان” (تث 8: 1-3).

كيف يقول الوحي هنا أن الرب “يذل الانسان ويجربه” ليعرف ما في قلبه أيحفظ وصاياه أم لا؟ هل الله يجهل ما في قلب الانسان؟ وهل هو يريد أن يذل الانسان؟

أولاً: الله يعرف كل شيء:

يعلن لنا الوحي أن الله يعرف كل شيء فيقول الرب على لسان ارميا: ” إذا اختبئ انسان في أماكن مستترة أفما اراه أنا. يقول الرب؟”(ار23:24). وقال تلاميذ المسيح في صلاتهم: “ايها الرب العارف قلوب الجميع…”(أع 1:24). فهو فاحص القلوب ومختبر الكلى. يعرف كل الخبايا والاسرار. قال داؤود عن معرفة الله له: ” أنت عرفت جلوسي وقيامي. فهمت فكري من بعيد. مسلكي ومربضي دريت. وكل طرقي عرفت. لأنه ليس كلمة في لساني، الا وانت يارب عرفتها كلها. من خلف ومن قدام حاصرتني. وجعلت على يدك” (مز139: 2-5). الى جانب ان الماضي والحاضر والمستقبل مكشوف أمامه فهو فوق الزمن. لذلك كل تفاصيل حياتنا مكشوفة ومعروفه لديه منذ الازل.

إن الفعل (يعرف) في اللغة العبرية هو (יָרַע) (يدع). وقد ورد في العهد القديم 927 مرة. وهو لا يعني فقط “يعرف شيء كان يجهله” ولكن “يكشف ويعلن عن شيء معروف” وأرجو أن تلاحظ معنى الفعل (يعرف)( יָרַע) كما ورد في الآيات التالية وستجد انه يعني “يعلن ويؤكد بالبرهان العملي عن شيء معروف “:

(تك 12:11) “وحدث لما قرب ان يدخل مصر انه قال لساراي امرأته: أنى قد علمت (יָדַעְתִּי) إنك إمراة حسنة المنظر.”

فلم يكن أبرام يجهل أن ساراي امرأته جميلة بل هو يعلن عن شيء معروف.

(تك 22:12) “فقال: لا تمد يدك الى الغلام ولا تفعل به شيئاً لأني الان علمت (יָדַעְתִּי) أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني”.

لم يكن الرب يجهل ان ابراهيم يخافه بل أعلن هذا بالبرهان العملي(1).

(تك 39:6) “فترك كل ما كان له في يد يوسف. ولم يكن معه يعرف (יָרַע) شيئاً الا الخبز الذي يأكل. وكان يوسف حسن الصورة وحسن المنظر”.     

(تك 39:8) “فأبى وقال لامرأة سيده: هوذا سيدي لا يعرف (יָרַע) معي ما في البيت وكل ماله قد دفعه الى يدي”.

(تك 42: 34) “وأحضروا أخاكم الصغير الي فأعرف (יָדַעְתִּי) انكم لستم جواسيس بل انكم أمناء فأعطيكم أخاكم وتتجرون في الارض”.

(خر 3: 7) ” فقال الرب: أنى قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم من أجل مسخريهم، أنى علمت (יָדַעְתִּי) أوجاعهم”.

ويقول القس الدكتور منيس عبد النور: “لا توجد اية واحدة في الكتاب المقدس تنفي علم الله بكل شيء، أما العبارات التي تفيد بانه يمتحن الناس ليعرف قلوبهم فليس معناها انه يجهل خفايا القلوب، ولكن معناها ان الله يمتحن الناس ليعلمنا انه سبحانه يدخل الانسان في ظروف مخصوصة ليتضح بالبرهان صدق معرفة الله السابقة لخفايا القلوب.

وللإيضاح نقول مثلاً ان استاذ الكيمياء عندما يشرح حقيقة علمية لتلاميذه يقول لهم: دعوني أمزج هذا الحامض بهذه المادة لنرى ماذا تكون النتيجة. وهو يعرف مقدماً نتيجة المزج المزمع عمله. هكذا الحال عندما يرسل الله التجارب الى الانسان. فهو يقصد بها امتحاناً ليس هو نفسه في حاجة اليه. ولنه يقصد خير الانسان نفسه وتبرير طرق معاملاته للناس(2).

وأرجو أن تلاحظ كيف وردت في العديد من التراجم الانجليزية:

(ISV) “Remember how the LORD your God led you all the way these 40 years in the desert, to humble and test you in order to make known what was in your heart, whether or not you would keep his commands.

ليجعل ما في قلبك معروفاً  

(CEV) don’t forget how the LORD YOUR God has led you through the desert for the past forty years. He wanted to find out if you were truly willing to obey him and depend on him.

يريد أن يخرج أو يظهر

(Brenton) … and that the things in that were known in the heart might be made known.

يريد أن يجعل الأشياء التي في قلبك معروفة.

ثانياً: نوعان من التجارب:

يعلن لنا الكتاب المقدس أن هناك نوعان من التجارب وهما:

  • التجارب الشريرة:

ويمكن أن نطلق عليها التجارب الداخلية وهي التي قال عنها الرسول يعقوب:” لا يقل أحد إذا جرب أنى أجرب من قبل الله. لان الله غير مجرب بالسرور وهو لا يجرب أحداً. ولكن كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته، ثم الشهوة إذا حبلت تلد الخطيئة، والخطيئة إذا تمت تنتج موتاً” (يع1: 13-14). 

وهذه الكلمات ترد في ترجمة (ك ح):

“وإذا تعرض أحد لتجربة ما، فلا يقل” ان الله يجربني!” ذلك لان الله لا يمكن ان يجربه الشر. وهو لا يجرب به أحداً ولكن الانسان يسقط في التجربة حين يندفع مخدوعاً وراء شهوته فاذا ما حبلت الشهوة ولدت الخطيئة، ومتى نضجت الخطيئة انتجت الموت”.

ان الله لا يجرب الانسان قط بهذا النوع من التجارب، لان الله لا يجرب أحداً بالشرور. انما هذه التجارب الرديئة مصدرها الشيطان الذي يجرب الانسان بهدف اسقاطه في الخطيئة. ولذلك لقب الشيطان بالمجرب فنقرأ:

“فتقدم اليه المجرب وقال له: “ان كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزاً”. (مت 4:3).

“من اجل هذا ان لم أحتمل ايضاً، أرسلت لكي أعرف ايمانكم، لعل المجرب يكون قد جربكم، فيصير تعبنا باطلاً”. (1تس 3:5) 

  • التجارب التي تذكي الايمان:

الهدف من هذه التجارب امتحان الانسان حتى يظهر معدنه المخفي عن الناس، والله يجرب الانسان، او نقول يسمح بهذا النوع من التجارب ليعلن الجمال الخفي للنفوس التي تحبه من كل قلبها، وهذا النوع من التجارب قال عنه الكتاب المقدس “احسبوه كل فرح يا اخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة عالمين ان امتحان ايمانكم ينشئ صبراً، واما الصبر فليكن له عمل تام، لكي تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء. طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكى ينال “اكليل الحياة” الذي وعد به الرب للذين يحبونه”. (يع 2 :1-5). واضح هنا ان هدف التجربة ان نكون كاملين وناضجين، وان ننال (اكليل الحياة). وعندما يسمح بتجربة فهو يعطي المنفذ كما يقول الرسول بولس: ” ولكن الله امين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضاً المنفذ لتستطيعوا ان تحتملوا” (1كو 10:13).

وبنفس هذا المعنى ادخل الله شعبه في امتحان صعب ليوجه انظارهم اليه. ولينقيهم من كل شر وعندما ندرس المعنى الاصلي لكلمة (يجربك) سيتضح المعنى أكثر.

فما معنى الفعل “يجربك؟”

ان الفعل (يجرب) في اللغة العبرية هو (נָסָה) (نصه) وهو يأتي من جذر بمعنى (يختبر، يحاول، اثبات، يبرهن، يفحص، يثبت، يجرب، يحاول، يغري).

Put to the proof or test, to test, to attempt, adventure, assay, proof, tempt, try.

وقد ورد الفعل “يجرب ” في العهد القديم 36 مرة منهم 27مرة بمعنى “اثبات شيء” او” يختبر ليثبت ويبرهن شيء يعرفه جيداً”. وارجو أن تتأمل معي بعض الآيات التي وردت فيها الكلمة العبرية (נָסָה) “يجرب”(3):

“وحدث بعد هذه الامور ان الله امتحن (נָסָה) ابراهيم فقال له: (يا ابراهيم) فقال (هئنذا) “.”فصرخ الى الرب فاراه الرب شجرة فطرحها في الماء فصار الماء عذباً. هناك وضع له فريضة وحكماً وهناك امتحنه (נִסָּהוּ)”.

(خر 16: 4)”فقال الرب لموسى: ها أنا أمطر لكم خبزاً من السماء! فيخرج الشعب ويلتقطون حاجة اليوم بيومها. لامتحنهم (אֲנַסֶּנּוּ) أيسلكون في ناموسي ام لا؟”.

(خر 20: 20) “فقال موسى للشعب: لا تخافوا. لان الله انما جاء ليمتحنكم (נַסּוֹת) ولتكون مخافته امام وجوهكم حتى لا تخطئوا”.

(1صم 17:39)” فتقلد داؤود بسيفه فوق ثيابه وعزم ان يمشي لأنه لم يكن قد جرب (נָסָה). فقال داؤود لشاول: لا أقدر ان امشي بهذه لأني لم اجربها (נִסִּיתִי) ونزعها داؤود عنه”.

(1مل 10:1)” وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان لمجد الرب. فاتت لتمتحنه(לְנַסֹּתוֹ) بمسائل”.  

(مز 26: 2) “جربني يارب وامتحني(וְנַסֵּנִי) صف كليتي وقلبي”.

(مز 95: 9)” حيث جربني (נִסּוּנִי) اباؤكم. اختبروني. أبصروا افعالي”.

(دا 1: 12) ” جرب (נַס) عبيدك عشرة ايام. فليعطونا القطاني لنأكل وماءاً لنشرب”.

ماذا تقول القرينة؟

اية1 جميع الوصايا التي انا اوصيكم بها تحفظون لتعملوها لتحيوا وتكثروا وتدخلوا وتمتلكوا الارض التي اقسم الرب لآبائكم.

ان ما يريده الرب لشعبه هو ان يحيوا ويكثروا ويدخلوا ارض الموعد. والطريق لذلك هو ان يحفظ شعبه وصاياه عملياً وتطبيقياً وليس نظرياً فقط. وعليهم ان يسلموا وصاياها وتطبيقها الى أولادهم من جيل الى جيل.

ولم يكن هدف الوصايا أن يتحكم الله في الانسان، كلا. بل أن يعيش الانسان ملئ الحياة. واياك ان تظن ان الوصايا قيد، ان الوصايا طريق حياة. تخيل الشارع بدون قوانين مرور، وكل واحد يفعل ما يحلو له، كيف سيكون شكل الشارع؟ وما أبعد الفارق بين وصاياه التي قال عنها المرنم:” ناموس الرب كامل يرد النفس، شهادات الرب صادقة تصير الجاهل حكيماً، وصايا الرب مستقيمة تفرح القلب. امر الرب طاهر ينير العينين” (مز 19: 8،7). وبين قوانين المرور.

اية 2 وتتذكر كل الطريق التي فيها سار الرب إلهك هذه الاربعين سنة في القفر ليذلك ويجربك ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه ام لا؟

فهو يريد منهم ان يتذكروا اعماله العظيمة وعجائبه القوية التي عملها معهم من اول الضربات العشرة وحتى قبل عبور الاردن. وهو فعل ذلك لكي يثبت حقه في قلب كل انسان ولكي يدرك كل انسان ان الذي أخطأ نال عقابه والذي تمسك بوصايا الرب نال مكافأته خلال الاربعين سنة. ولقد اتاهك لكي تتجه كل الانظار اليه. وتتعلق كل القلوب به. وقد فعل ذلك لكي يذلك بمعنى يعلمك التواضع. ولكي يكشف ماهو خفي داخل قلبك. ويجعلك تعرف نفسك على حقيقتها. ولكي تعرف نقاط قوتك وتنميها ونقاط ضعفك وتعالجها.

عزيزي القارئ: ان التجارب لخيرنا فعندما يسمح الله بتجربتنا انما ذلك ليقيمنا وليس ليسقطنا. ليرفعنا وليس ليكسرنا. تخيل مدرس في مدرسة الاحد يريد ان يمتحن تلاميذه، هل يمتحنهم ليصيبهم بالفشل ام ليدفعهم للأمام؟ انه يمتحننا لنقيم أنفسنا ونعرف مستوانا ونتقدم للأمام.

وعندما يسمح الله بتجربة هو لا يتخذ مِنّا موقف المتفرج. بل المتوحد بنا. فهو فينا ونحن فيه، نحن جزء منه. الا يقول الرسول بولس:” لأننا اعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه”(اف 5:30). ولذلك نسمع المسيح يقول بفمه الطاهر: “لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريباً فأويتموني. عرياناً فكسوتموني. مريضاً فزرتموني. محبوساً فأتيتم الي”(مت 25: 35-36). والسؤال: متى كان جائعاً او مريضاً او غريباً او محبوساً؟ ولا نجد اجابة سوى اولاده. فهو يتألم لألآمنا ويحزن لأحزاننا. الم يقل اشعياء النبي:” في كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلصهم”. ألم يقل زكريا: “لأنه من يمسكم يمس حدقة عينه”(زك 2:8). وهي تأتي في بعض الترجمات كالاتي:

(TLB) for he who harms you sticks his finger in Jehovah s eye.              

من يؤذيكم يضع اصبعه في عين يهوه.

(DRB) for he that touched you touched the apple of my eye.

لأنه من يمسكم يمس حدقة عيني.

(ERV) if anyone even touches you, it is as if they did it to the pupil of my eye.

لأنه من يمسكم يمس حدقة عيني.

(GNB) anyone who strikes you strikes what is most precious to me.

من يضربكم يضرب أثمن شيء عندي.

(ISV) because whoever injures you injures the pupil of my eye.

الم يقل الرب لشاول عندما ظهر له في طريق دمشق: “شاول لماذا تضطهدني؟”(اع 9:4). لم يقل له لماذا تضطهد بطرس او اندراوس او يوحنا. بل تضطهدني انا، فعندما تمد يدك على اي واحد فيهم كأنك مددتها على أنا.

وعندما يسمح الله لنا بالتجارب فهو لا يتركنا فريسة في يد العدو، بل يعدنا ويؤهلنا للانتصار قبل الدخول في التجربة. الم يقل لبطرس:” سمعان هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة! ولكني طلبت من اجلك لكيلا يفنى ايمانك. وانت متى رجعت ثبت اخوتك” (لو22: 31-32). لقد طلب الرب يسوع من اجله قبل ان يغربله الشيطان. وما اروع ما قاله لأباه يعقوب عندما كان يطارده ولحق به في جبل جلعاد” في قدرة يدي ان اصنع بكم شراً ولكم إله ابيكم كلمني البارحة قائلاً: احترز من ان تكلم يعقوب بخير او شر”(تك 31:29). يقول “إله ابيكم” لأنه لا يعرفه. وقد التقى به وحذره من ان يمد يده بالسوء ليعقوب قبل ان يلتقي به بيوم. هل كان يعقوب يدري بما يفعله الرب لأجله؟! نحن لا نعلم ماذا سيواجهنا في الغد لكننا نثق انه اليوم يعدنا ويصلي لأجلنا ويسهر علينا لكي ننتصر في الغد.

هل الله يريد ان يذل الانسان؟

تقول اية 3 “فلذلك واجاعك واطعمك المن الذي لم تكن تعرفه ولأعرفه اباؤك ليعلمك انه ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الانسان”. فهل الله يريد ان يذل الانسان؟ لكي اجاوبك على هذا السؤال بوضوح. أسال سؤالاً مفتاحياً: هل الله أجاعهم؟ الا تقول الآية “فأذلك وأجاعك” في الحقيقة الله لم يجعهم بل اطعمهم أفضل الاطعمة فتقول تكملة الآية “واطعمك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه اباؤك” والمن اسم عبري معناه “ما هو هذا؟ او هبة” انزله الله على بني اسرائيل طيلة مدة اقامتهم في البرية. وكان كافياً لملايين الناس. وكان المن كبزرة الكزبرة ابيض وطعمه كطعم قطائف بزيت. ومنظره كمنظر المقل (عد 11: 7و8) وكان ينزل يوماً فيوم مدة اربعين سنة ماعدا أيام السبت. فما كان يحفظ من المن في اليوم السادس الى اليوم السابع كان يبقى جيداً وصالحاً للأكل. وذلك ليعلمهم تقديس يوم السبت. ولكن ما كان يحفظ من يوم الى يوم اخر من ايام الاسبوع فانه كان يفسد ويتولد فيه الدود فهو لم يجيعهم. اذاً المقصود بكلمة “وأجاعك” اي لم يجعل لديهم مخزوناً من الطعام فيتكلوا عليه. بل جعلهم في احتياج يومي للطعام ليتعلموا الاتكال الدائم عليه والثقة الكاملة فيه. ليتعلموا ان من اعطاهم طعام اليوم سيعطيهم طعام الغد. وانه لن يتخلى عنهم يوماً واحداً. وهي تأتي في ترجمة:

(BBE) and He made low your pride and let you be without food and gave you manna for your food.         

اي وتركك بدون طعام واعطاك المن لتأكل.

وبالمثل عندما يقول “فأذلك” فالرب لم يذلهم بالمعنى المعروف اليوم بدليل انه في الآية التالية يقول “ثيابك لم تبلى عليك ورجلك لم تتورم هذه الاربعين سنة”. فقد اطعمهم المن السماوي. وحفظهم من اخطار الطريق وجعل ثيابهم سليمة بطريقة معجزية طوال الاربعين سنة. والسؤال اذاَ ما المقصود بكلمة “فأذلك؟”

الكلمة العبرية “يذل” هي (עָנָה) (عناه) وقد وردت في العهد القديم 82 مرة. وهي لا تعني فقط (يذل) انما تعني ايضاً (يذل نفسه، ويتضع، ويخضع).

(4)Abase self  , submit self, weaken, be bowed down, become low, to humble oneself to humble.  

وقد ترجمت عدة مرات في العهد القديم يخضع ويتضع ويذل نفسه كما في الآيات التالية:

(تك 16: 9) “فقال لها ملاك الرب: ارجعي الى مولاتك واخضعي (עָנָה) تحت يديها”.

(خر 10: 3) ” فدخل موسى وهرون الى فرعون وقالا له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين الى متى تأبى ان تخضع (לֵעָנֹת) لي؟ أطلق شعبي ليعبدوني”.

 (لا 16: 31) “سبت عطلة هو لكم وتذللون (וְעִנִּיתֶם) نفوسكم فريضة دهرية”.

(مز 35: 13)” أما أنا ففي مرضهم كان لباسي مسحاً. أذللت (עִנֵּיתִי) بالصوم نفسي. وصلاتي الى حضني ترجع”. (اش 58: 3) ” يقولون: لماذا صمنا ولم تنظر ذللنا (עִנִּינוּ) أنفسنا ولم تلاحظ؟ ها انكم في يوم صومكم توحدون مسرة وبكل اشغالكم تسخرون”.

وهنا عندما يقول: “فأذلك” فالمقصود جعلك لا تفتخر بنفسك كما ورد في ترجمة:

(BBE)  And He made low your pride and let you be without food and gave you manna for your food.         

الى جانب انها وردت في معظم الترجمات الانجليزية الاخرى “وجعلك متواضعاً”:

(Darby) and He humbled thee, and suffered thee to hunger, and fed thee with the manna.

وجعلك متواضعاً واجاعك واطعمك المن.

(ISV) (RV) (ASV) (ERV) (YLT) (LJTV) (ESV) and He humbled and let you hunger and fed thee with the manna.

وجعلك متواضعاً واجاعك واطعمك المن.

(Bishops), (Geneva), (Webster), Therefore He humbled thee, and made thee hungry, and fed thee with MAN.

ولذلك جعلك متواضعاً وسمح لك بالجوع واطعمك المن.

(MKJV)(KJV) And He humbled you and allowed you to hunger, and then He fed you with manna.

وجعلك متواضعاً وسمح لك بالجوع واطعمك المن.

لقد اتاههم في البرية حتى يكون كل اتكالهم واعتمادهم عليه وتتجه كل انظارهم اليه. لقد جربهم حتى لا يفتخروا بقوتهم او عددهم وحتى يدركوا ان الله هو مصدر قوتهم.

عزيزي القارئ: ان الله لا يذل شعبه بل يكرمه. ولا يؤذي خليقته بل يباركها. فعندما نعود الى قصة الخلق نرى ان الله خلق الانسان على صورته، فميزه عن سائر الكائنات الاخرى بالعقل والمفكر، والارادة الحرة والقدرة على الابداع والابتكار، والقدرة على التعلم المستمر. والتواصل مع الله ومع الاخرين، وجعله تاجاً للخليقة ووكيله في الارض بل واعطاه مسؤولية ادارة الخليقة فنقرأ: “وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الارض وعلى جميع الدبابات التي تدب الارض”. (تك 1:26). وأشرك الانسان معه في تسمية الحيوانات ولقد كان ممكناً لله ان يسميها في لحظات. ولكننا نقرأ: ” وجبل الرب الاله من الارض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء فأحضرها الى ادم ليرى ماذا يدعوها وكل ما دعا به ادم ذات نفس حية فهو اسمها”. (تك 2: 18-19).

للأسف كثيراً ما نظن اننا لكي نعظم الله لابد أن نحط من قيمة الانسان. وكأن الانسان منافس لله. وهذا غير صحيح بالمرة. لقد كان القديس ايرونيمس في القرن الثالث يقول: (مجد الله هو الانسان الحي) (5) اي انه كلما اصبحت حياة الانسان أكثر انسانية وكرامة ورفعة كلما فرح قلب الله. نعم ويتمجد الله عندما يرى ابناءه قياماً مرفوعي الرأس. فالله يريد الانسان ناضجاً متكاملاً أمامه في شخصيته وقدراته وحياته. لذلك اريد ان اقول ان اي نظرية سياسية او دينية او روحية او اقتصادية تقلل من قيمة الانسان ليست مسيحية.

فلم يخلق الله الانسان لكي يذله ويعذبه في الارض في رحلة مليئة بالمصائب والكوارث والقدر المحتوم والعمر المحدود. لقد خلق الله الانسان ووضعه في الجنة. فمنذ البداية وهو يريد خير الانسان وسعادته وراحته.     

فهو يريد راحة الانسان ولهذا يقول المرنم: “الذي يشبع بالخير عمرك…”(مز 103:5). الم يقل” لمجدي خلقته وجبلته وصنعته” (اش 43:7) وعندما جاء المسيح قال: ” أما انا فقد اتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل” (يو 10:10). وهي تأتي في اليونانية (περισσὸν ἔχωσιν) بمعنى “يأخذون الحياة بفيض وغزارة” أو ” يعيشون الحياة بملئها”.

كان القديس مكسيموس المعترف يقول: “ان الله يتعطش لكي يؤله الانسان”. وكان القديس إيريناوس أسقف ليون في القرن الثاني يقول ” صار الاله انساناً ليصير الانسان الهاً”(6). أليست لهذه الكلمات صدى لما قاله الرسول بولس ” من اجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا أنتم بفقره” (2كو 8:9). ان تأليه الانسان لا يختبره الانسان بعد الموت بل هنا والان.

ان الله لا يريد للإنسان وجوداً ناقصاً او مبتوراً. انه يريد للإنسان كل الوجود. انه يريد ان يشرك الانسان في ملئه ويرفعه الى مستواه.

ان الله اب، والاب يسر بان يصبح ابنه مثله مكتمل الرجولة، ويتمنى ان يرى ابنه في غاية السعادة والراحة والاستقرار، ولا ينكسر قلبه الا عندما يرى ابنه حزيناً بائساً مريضاً عاجزاً ضعيفاً. لذلك نكرر ان الله يريد ان يؤله الانسان ويشركه في مجده، الم يقل الرسول بطرس ” لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الالهية”(2بط 1:4).

المراجع

  • Strongs Exhaustive concordance lexicon Entries. Hebrew and Greek .p.317.
  • د. القس الدكتور منيس عبد النور. شبهات وهمية. ص 194.
  • Enhanced Brown –Driver-Briggs Hebrew and English p.287.
  • Enhanced Brown –Driver-Briggs Hebrew and English p.289.
  • الاب فاضل سيداروس اليسوعي (المجتمع ميزان الكنيسة) 1979م.
  • كوستي بندلي. إله الالحاد المعاصر ص63.

خضوع الإبن للآب .. العلامة أوريجانوس مُعلقًا ضد الفكر الخاطيء

خضوع الإبن للآب .. العلامة أوريجانوس مُعلقًا ضد الفكر الخاطيء

خضوع الإبن للآب .. العلامة أوريجانوس مُعلقًا ضد الفكر الخاطيء

خضوع الإبن للآب .. العلامة أوريجانوس مُعلقًا ضد الفكر الخاطيء

بيد أني لا أعرف كيف يمارس بعض المنشقين[1] في كلامهم على لفظ الخضوع، فيما هو ذو شأن باسم الابن، بدون أن يلمّوا بالمعنى الذي يجعله الرسول في هذه الكلمات. ولئن بحث أحدنا عن مصدر اللفظ لأمكنه العثور عليه بسهولة في نقيضه. ذلك أنّ الخضوع لو لم يكن أخيراً، يترتّب أن نقيضه، وهو التمرد، خير. ويبدو قول الرسول هذا: متى أُخضع كلّ شيء له، حينئذٍ يخضَع الابن نفسه للذي أخضَع له كل شيء[2]، انه يقيم الدليل على ان الذي لا يخضع الآن لأبيه سوف يخضع له[3] متى أخضع له الآب أولاً كل شيء، حسب المعنى الذي يغدقه المنشقّون على هذا القول. ولكني أعجب من أمر فهم على هذا الوجه: إذا كان هو نفسه غير خاضع إذ ليس كلّ شيء قد اخضع له، فإنّه سيُخضع حينما سيُخضع له كل شيء[4] عندما سوف يضْحي ملكاً على كل ذي سلطان يسود في الكون، على حسب ما يعتقدون، فيما لم يبادر إلى مثل هذا من ذي قبل. إنهم لا يعقلون ان خضوع المسيح إلى ابيه يشير الى السعادة التي تتأتى من كمالنا، ويعبّر عن تمام ظافر للعمل الذي باشره، حينما يزف لأبيه أسمى درجات فن الرئاسة والملك الذي صقله في المعمورة بأسرها، لا هذا فقط وإنما قواعد السلوك أيضاً، والطاعة والخضوع، مما أصلحه ورممه في الجنس بكامله. فإذا أُدرك الخضوع الذي به يُخضع الابن للآب، على حد مما يقال، كأنه أمر حسن ودليل عافية يُرى بنحو منطقي ومتماسك أنّه ينبغي إدراك ما يُطلق عليه اسم خضوع الاعداء لابن الله، كأنه دليل عافية وأمر حسن، ذلك أن إعادة إنشاء الخليقة بأسرها إنشاء كاملاً تثبت فيما يدعى خضوع الابن للآب؛ هكذا أيضاً في خضوع الأعداء لابن الله، إنما المُراد به خلاص الذين أُخضِعوا واسترداد الذين هلكوا. [5]

التولّي على النفوس بغية خضوعها

ولكنّ هذا الخضوع سوف يتم وفق طُرقٍ وقواعد وازمنة محددة؛ وهذا يعني أنَّ العالم بأسره سيُخضع لله لا عن إكراه أو طغيان[6]، بل بفعل الكلمة والعقل فيه، والتعليم والاحتذاء بالأفاضل، والاخلاق الحسنة، والتهديدات المستحقَّة والمطابقة أيضاً، التي تثقل على كاهل الذين لا يكترثون للاعتناء بخلاصهم ومنفعتهم، وللسهر على شفائهم. لذا، فإننا نضيق نحن الرجال الخناق على موالينا وأبنائنا عند تربيتهم، طالما أنهم لم يبلغوا سن الرشد، متوعدين ومروّعين إياهم. [7] ولكنهم، إذا ما فقهوا ما الصالح والناجح وما النزيه تذهب عنهم روعتهم من الضرب، فيرتضون بكل ما هو حسن مذعنين للكلمة والعقل. ولكن[8] ما الطريقة التي ينبغي فيها على كل إمريء ان يوجَّه بها مع مراعاة حرية اختياره، في وسط المخلوقات العاقلة جميعاً، أي ايها تجِدهُ كلمة الله مستعداً وقادراً، وبالتالي مهذباً، وايها تبطئه ردحاً من الزمن، وايها تتوارى عنه توارياً تاماً، بحيث انه يعمل وكأن أُذنيه قد صُمتا عنها ؛ ثما ايّها، بالمقابل، تُرهقه بتوبيخاتها، وعقاباتها التي يُذاقها لأجل خلاصه، بعد أن ازدرى كلمة الله التي بُلغَ إياها وبُشِّر بها، ملحّة عليه بالهدايا ومستلبة إياها منه في وجه من الوجوه ؛ وايها تؤتيه فُرص خلاصٍ لعله يقوى أن ينال ذات مرة خلاصاً لا مرية فيه، على اثر إجابة الهمه إياها الإيمان[9] ليس إلا، ولأي من الاسباب والمناسبات يحصل هذا كله، الذي تثبت منه الحكمة الإلهية، أو ما تحركات مشيئته التي تتدبرها له من أجل سياستها الكون : إن هذا كله لله وحده العلم به[10]، ولابنه الوحيد، الذي به خُلق الكون[11] وتجدد بناؤه، وللروح القدس الذي يجعل كل شيء مقدساً، وينبثق[12] من الآب نفسه، له المجد إلى أبد الدهور، آمين.

——————-

[1] يصعب معرفة وجوه اولئك المنشقّين. فإنّ ما ورد في الآية 1كو 28:15 قد يفسّر على وجه التبني، حيث يبدو المسيح أدني منزلة تجاه الآب، أو على وجه الإختلاف في المظهر، حيث إنّ اقنوم الابن لا وجود له بذاته من بعد، وإنما يذوب منصهراً في الطبيعة الالهية الواحدة. فأول التفسيرين هذين سوف يقضي لاحقاً الى نشوء الأريوسية، وثانيهما الى عبارات طائشة في اللاهوت، يحيك نسيجها أسقف أنقيرة، مرقيلس. ربما يناسب الميل بالفكر نحو بدعة مرقيلس هذا، المدعوة مظهرية. من أجل قِدَم عناصر اللاهوت الذي تصطبغ به، من جهة، وتمركزها الجغرافي في بلاد آسيا الصغرى، من جهة ثانية، حيث كان لتعاليم أوريجانس جولات عديدة ضد معتقدات المذاهب الألفية المنتشرة هناك.

[2] 1كو 28:15

[3] قد يخيل للقارئ أن خضوع الابن للآب لم يكن حاصلاً في كل زمان وعصر، وانه مرتقب في نهاية الأزمنة ليس إلّا. ولكن هذا الفكر مناقض لتعليم أوريجانس نفسه في شأن الابن. ان الابن يلازم الآب لا في الجوهر والإرادة فقط، بل في إجراء مراحل الخلاص على الأرض ايضاً. وعليه، فأن خضوع الابن الذي يتكلم عليه أوريجانس إنما يعني خضوع الخلائق العقلية التي وُجِدَت في وبه إلى الآب، عندما لا تقوى عليها الخطيئة بعد. وبتعبير آخر، يكون الخضوع للآب كاملاً في المسيح حين يُصالح به الخلائق كلها، فلا يبقى خارجاً عليه كائن ما من الكائنات جميعها، المتمثّلة حسب أوريجانس بصورة الكنيسة المتحدة بالابن، اي بنفسه السابق وجودها

[4] 1كو 25:15

[5] انظر 1-6-1، وحواشي المقطع المرافقة له، ففي اعتقاد أوريجانس أن قوة الكلمة أشد بأساً وقدرةً من حيل العدو كلها وسلطانه، فتستطيع من ثم أن تحوّل إليها الكائنات بأسرها وتنتشلها من يد المنافق.

[6] 2-1-2

[7] إن الإنتماء الى الله يكون عن حب له – وأصحاب هذا المنحى أبناء المرأة الحرة – أو عن رعدة منه ووجل – أمَّا أصحاب هذا المنهج فهم أبناء الامة. ولكن الرعدة ما هي سوى المضمار البدائي لأجل الانضمام الى الله.

[8] لدى ايرونيمس مقطع مشابه للمقطع الممتد، هنا، عند روفينس من ” ولكن، ما الطريقة … ” حتى ” … وحده العلم به ” في آخر المقطع، هذا نصه:” يترتب على ما تقدم أن عالمين مختلفين يخلقون أيضاً من جرى تحركات مختلفة، وأن عالماً آخر مختلفاً جدا سيوجد بعد العالم الذي نحيا فيه. ومن ثنايا هذه الكبوات المتنوعة والتطورات ، و هذه المكافآت على الفضائل أو تلك القصاصات على النقائض ، سواء أتم هذا في الآن الحاضر ، أو القادم ، او ما سلف من الأزمان ، أو ما سيأتي منها ، لا أحد إلا الله ، خالق كل شيء ، لا أحد سواه بوسعه أن يسود بحسب استحقاقاته ، وأن يسير بكل شيء ثانية نحو منتهى وحيد ، هو العالم بالأسباب التي يدع من اجلها بعضاً ينعم بإرادته ، فيهوي شيئاً فشيئاً من الأسمى الى الأدنى ، ويشرع فيعود البعض الآخر تدريجياً ، وكأني به يمد لهم يد العون ، وينتشلهم لكي يسويهم ثانية في حالهم الاولى ، ويستوي بهم من جديد في الأعالي”

[9] اُنظر 2-6-7. يعلم أوريجانس، في هذا المقطع، حسب البعض، الخلاص بالإيمان وحده، على إثر بولس في رو9:3، ويعد هكذا شاهداً على تقليد الكنيسة الأولى التي نأت بنفسها على شرائع تسنّها، فتفرضها من ثمّ على جماعة المؤمنين. ولكنّ هذا الاعتقاد لا يرى ما يدعو أوريجانس إليه مراراً وتكراراً في شأن الفضائل التي يجب التقيّد بها حتى ترتفع النفس إلى علُ، وتلتحق بعالم المغبوطين

[10] 2-9-6 .

[11] يو3:1.

[12] يو 26:15. أنظر بخصوص الانبثاق، ما يقول به أوريجانس في 1-2-13.

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

لم يكن رسل المسيح وحدهم هم الذين اضطلعوا بتأسيس ملكوت الله على الارض، بل لقد أسهم معهم كثيرون في هذا العمل … هناك جنود مجهولون كثيرون لا نعرف مجرد أسماءهم، وهناك من نعرف أسماءهم لكن لا نعرف عن أتعابهم شيئاً … ومن أمثلة ذلك، الخادمات الثلاث اللائي سنعرض لهن الآن …

– القديسة فيبي

تكاد تكون فيبي أشهر انثي ورد اسمها في رسائل الرسل … لا نعرف عنها شيئاً غير ما دونه القديس بولس  في اول الإصحاح الأخير من رسالته الي كنيسة رومية … والعجيب أيضاً ان تاريخ الكنيسة لا يسجل عنها اي شئ … يكاد الإصحاح الاخير من الرسالة الي رومية يقتصر علي اسماء بعض الاشخاص الذين يبعث بولس تحياته إليهم … ويذكر علي رأس هذه القائمة الطويلة كلها — قبل الرجال — «فيبي خادمة الكنيسة التي في كنخريا  » يقول معلمنا بولس « أوصي إليكم بأختنا فيبي التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا ، كي تقبلوها في الرب كما يحق للقديسين ، وتقوموا لها في أي شيء احتجته منكم ، لأنها صارت مساعدة للكثيرين ولي انا أيضاً » ( رو 2،1:16 ).

ويبدو أن فيبي كانت متبتلة وكانت تقوم بخدمة فعالة في الكنيسة في منطقة كورنثوس فهي بحسب تعبير بولس «صارت مساعدة للكثيرين ولي أنا أيضاً» … ويبدو أنها كانت تخدم كشماسة في كنيسة كنخريا إحدى مواني كورنثوس في بلاد اليونان. فالرسول بولس يذكرها على أنها Diakanos هذه الكلمة التي تطلق على من يقوم بخدمة الشماسية سواء كان ذكراً أم أنثي (٨٦) … وقد أشرنا سابقاً الي الخدمات التي كانت تضطلع بها الشماسة في الكنيسة الأولي … ولابد وأن فيبي كانت تمارس عمل الشماسية النسوية … وفضلاً عن ذلك، فقد كانت هي كاتبة الرسالة الي رومية، بناء علي إملاء الرسول بولس … وليس هذا فحسب، بل لقد حملت هي نفسها هذه الرسالة الي رومية.

وإذا نفكر في وضع المرأة الاجتماعي في ذلك العصر المبكر، وكيف كانت تحيا في عزلة عن المجتمع، لا يسعنا الا الاعتقاد أن فيبي لم تكن شخصية نسائية عادية … فقد جمعت في شخصها، الي جانب الثقافة، الشخصية والثراء اللذين مكناها من السفر عبر البحار الي روما، من أجل الإيمان بيسوع المسيح.

وليس من السهل أن نسلم بأن مهمة فيبي كانت مجرد توصيل الرسالة التي كتبها القديس بولس الي كنيسة رومية، بل لابد أن يكون الرسول قد كلفها بمهمة خاصة، وجد ان من الحكمة عدم الإفصاح عنها … وكل ما فعله انه أوصي الكنيسة بتسهيل مهمتها … لا شك ان تلك المهمة كانت شيء يتعلق لخدمة الكرازة …

– القديسة بريسكلا

إن كانت فيبي مثال للمرأة المتبتلة الخادمة في الكنيسة الأولي، فإن بريسكلا هي المرأة المتزوجة الخادمة الكرازة، حتى ان القديس يوحنا ذهبي الفم يقول:

[سيبقي اكيلا وبريسكلا المثل الأعلى للكمال في الزواج المسيحي] …

تدعي بريسكلا أو بريسكا وهو اسم لاتين ، وكان زوجها اكيلا يهودياً … ولا نعرف عنهما شيئاً سوي الاشارات العابرة التي يشير بها القديس بولس إليهما في بعض رسائله ، فضلاً عن ذكر اسمهما في سفر اعمال الرسل … كانت تقيم مع زوجها اولاً في روما ، لكنهما تركاها مع كل اليهود الذين طردهم كلوديوس قيصر (٨٧) ، واتيا الي مدينة كورنثوس ، حيث التقي بهما معلمنا بولس في رحلته التبشيرية الثانية حينما وفد  الي هذه المدينة ( اع 2:18 ) … امضي بولس في هذه المدينة سنة ونصف كان خلالها ضيفاً علي هذين الزوجين … وقد وطد من أواصر الصلة إنهما كانا – نظير بولس – يعملان في صناعة الخيام … ولا نستطيع ان نؤكد ما اذا كانت هذه وسيلة كسب عيشهما في روما ايضاً، أم إنهما اضطرا اليها  — نظير بولس أيضاً — إزاء الظروف التي المت بهما بعد طردهما من روما … وقد اشتركا مع القديس بولس في خدمة كلمة الله.

ولما غادر بولس كورنثوس عائداً الي أنطاكية ماراً بأفسس وأورشليم، رافقاه حتى مدينة أفسس … اقاما في مدينة أفسس، واخذا يبشران بكلمة الله، وكان بيتهما هو مكان اجتماع المؤمنين … والرسول بولس في رحلته التبشيرية الثالثة حينما أتي الي مدينة افسس ومكث بها ثلاث سنوات، ومنها كتب رسالته الاولي الي كورنثوس، كانا ما يزالان بها، فنجد القديس بولس يكتب للكورنثيين «تسلم عليكم كنائس آسيا، يسلم عليكم في الرب كثيراً اكيلا وبريسكلا مع الكنيسة التي في بيتهما» (1 كو 19:16).

وبعد ان تغيرت الأوضاع وسمح لليهود بالعودة الي روما، عادت بريسكلا مع زوجها إليها. وهناك أخذا يمارسان نشاطهما الكرازي … فحينما أنقذا بولس رسالته الي كنيسة رومية، بعث بتحياته إليهما في تقدير كبير …  «سلموا على بريسكلا واكيلا العاملين معي في المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي -اللذين لست انا وحدي اشكرهما بل أيضاً جميع كنائس الأمم، وعلى الكنيسة التي في بيتهما» (رو 3:16-5) … ولا يوجد كلام تقدير أكثر من هذه الكلمات: فهما عملا معه، ووضعا عنقيهما من أجل حياته، ولهما جهود في خدمة الأمم. ويبدو من هذا الكلام ايهما خاطرا بحياتهما في سبيل إنقاذ بولس من المؤامرات التي كثيراً ما تعرض لها من اليهود والأمم على السواء …

ومرة اخري يترك الزوجان روما ويعودا الي آسيا، والي افسس بالذات كبري مدنها، ليتابعا اعمالهما فيها لأجل الرب … فالرسول بولس في آخر رسالة له من سجنه في روما — قبيل استشهاده مباشرة بينما كان يُسكب سكيباً، لا ينسي تعب محبتهما فيكتب الي تيموثاوس تلميذه وأسقف مدينة افسس يقول:

«سلم على بريسكا واكيلا» (2 تي 19:4) … ويلاحظ العلماء -ومنهم يوحنا الذهبي فمه -إن اسمها في العهد الجديد يلازم اسم زوجها، بل ان اسمها في أكثر الحالات يذكر متقدماً على اسم رجلها، مما يدل على شخصيتها الفذة واقتدارها في عمل الرب … ويبدو إنها كانت ايضاً مقتدرة في الكتب المقدسة «حتى إنها صارت شريكة لرجلها في شرح الايمان الحقيقي السليم لأبولس الإسكندري الذي كان خييراً في طريق الرب، عارفاً معمودية يوحنا فقط» (اع 24:18-26).

هذا كل ما نعلمه عن هذه السيدة البارة المضحية، مثال الزوجة المسيحية الخادمة … وللأسف لا يمدنا تاريخ الكنيسة بأية معلومات اخري عنها او عن زوجها.

– القديسة تكلا الشهيدة Thecla (٨٨):

هي تلميذة بولس الرسول، ومثال البتولية والطهارة بين العذارى، ونموذج الجهاد، واحتمال الشدائد … وعلى الرغم من انها لم تسفك دمها لأجل المسيح فقد خلعت الكنيسة عليها لقب [[اولى الشهيدات]] تقديراً لأتعابها بها، والميتات التي قبلتها وأنقذها منها الرب.

كانت تكلا من أيقونة (٨٩)، ومن اشراف تلك المدينة، بارعة الجمال، كريمة الخلق … كانت مخطوبة لأحد اشراف المدينة، عندما وصل القديس بولس الي مدينة ايقونية (اع 51:13) في رحلته التبشيرية الأولي … استمعت الي كرازة بولس وآمنت على يديه … وما لبثت ان اعتمدت ونذرت بتوليتها الرب … وكان ذلك سبباً في هجرها لخطيبها. وحالما كشفت تكلا نواياها لأمها، طار عقلها، وحاولت — ما وسعتها الحيلة — ان تثنيها عن عزمها فلم تتمكن، فشكتها الي حاكم المدينة انها مسيحية …

منذ ذلك الوقت اجتازت تكلا سلسلة من المحاكمات والعذابات والاماتات. أضرم حاكم ايقونية ناراً والقاها فيها، لكن الله أرسل امطاراً غزيرة أطفأت النار وشتتت المجتمعين حولها …

أما هي فتركت مدينتها هاربة إلى حيث القديس بولس، الذي صحبها الي أنطاكية، وهناك تركها لتخدم بين النساء الوثنيات…

وفي أنطاكية فُتن بجمالها أحد وجهائها الطائشين … وإذ رآها مُعرِضة عنه، أراد ان يوقع بها فوشي بها الي الوالي، الذي حكم بإلقائها للوحوش … فألقيت عارية للوحوش ثلاث مرات على ثلاثة أيام متوالية. لكن الوحوش لم تقربها … ألقاها في جب ملئ بالأفاعي فلم تمسسها … وإذ حار الوالي في امرها أطلق سراحها.

إتصلت بالقديس بولس. وبعد أن شجعها وتعزت بإيمانه، ذهبت الي ايقونية مسقط رأسها تبشر مواطنيها بالإيمان الحي. ومن ايقونية انطلقت عائدة الي سوريا وأخذت تبشر في بعض جهاتها … وفي اواخر حياتها عكفت علي حياة الخلوة والنسك والتأمل، ووهبها الرب موهبة الشفاء، فكان الكثيرون يتقاطرون اليها طالبين البرء من امراضهم … وكم من مرة حاول بعض الأشرار الإساءة الي طهارتها، فأنقذها الرب من أيديهم بمعجزة … وأخيراً رقدت في الرب وهي في سن التسعين، ودُفنت في سلوقية.

وقد أفاض آباء الكنيسة الأوائل في مديح هذه القديسة، ومنهم باسيليوس الكبير، وغريغوريوس الثاؤلوغوس، يوحنا الذهبي فمه، وامبروسيوس، وايرونيموس، وايسيذوروس الفرمي، وساويرس الأنطاكي.

 

(86) Wuest , Romans in the Greek N.T., p. 257.

(87) لم يكن الزوجان يهوديين وقت طرد اليهود من روما، لكن المسيحيين طردوا مع اليهود، لأن الرومان كانوا ينظرون إلى المسيحية حتى ذلك الوقت على أنها شيعة يهودية

(88) Smith, Dictionary of Christian Biography, Vol. 4, pp. 882-895; Wace, Piercy, Dictionary of Christian Biography , pp. 953-956.

(89) مدينة بإقليم غلاطية بآسيا الصغرى (أنظر: أعمال 14: 1).

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها

((فأرسل إليه رئيس خمسين مع الخمسين الذين له. فصعد إليه وإذا هو جالسٌ على رأس الجبل. فقال له: ((يا رجل الله، الملك يقول انزل)). فأجاب ايليَا وقال لرئيس الخمسين: ((ان كنت أنا رجل الله، فلتنزل نار من السماء وتأكلك أنت والخمسين الذين لك))، فنزلت نار من السماء وآكَلته هو والخمسين الذين له، ثم عاد وأرسل إليه رئيس خمسين اخر والخمسين الذين له، فأجاب وقال له: ((يا رجل الله، هكذا يقول الملك: أسرع وانزل))، فأجاب إيليَا وقال لهم: ((إن كنت أنا رجل الله، فلتنزل نار من السماء وتأكلك أنت والخمسين الذين لك))، فنزلت نار الله من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له)) (2مل 1 :9ـ12).

في النص الذي امامنا نجد ايليا النبي يطلب ان تنزل نار من السماء وتأكل القائد والخمسين الذين ارسلهم اليه الملك اخزيا في المرة الأولى، وكذلك في المرة الثانية، فنزلت النار وأكلت القائدين ومئة شخص.

هذه القصة تطرح العديد من الأسئلة مثل:

أي ذنب ارتكبه هؤلاء الرجال حتى يطلب ايليا ناراً من السماء لتأكلهم؟

هل يستجيب الله صلوات طلب الانتقام والقتل؟

كيف يرسل الله المحب ناراً من السماء لتأكل مجموعة كبيرة من الناس؟ اليس هذا اله في غاية القسوة؟

كيف يكون نبي الله الذي صعد حياً الى السماء ويطلب ناراً لتهلك الناس؟

للإجابة على هذه الاسئلة وغيرها ينبغي ان نلقي بعض الضوء على شخصية كل من ايليا النبي، واخزيا الملك، ونفهم لماذا أرسل اخزيا ثلاث مرات لإحضار ايليا، وفي كل مرة قائد ومعه 50 جندياً، ونفهم لماذا طلب ايليا ان تنزل نار من السماء وتلتهم رئيسي الخمسينين الأولين وخمسينيهما.

اولا: من هو أخزيا؟

الغريب ان أخزيا اسم عبري (אֲחַזְיָהוּ) يعني من ((من يسنده الرب)) أو ((من يمسكه الرب)). ولعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: من الذي كان يمسكه فعلاً الرب ام الشيطان؟

كم من الاشخاص لهم اسماء رقيقة لكنهم لا يعرفون الاّ العنف والخشونة، وكم من الأسماء تحمل معنى الجمال والعفة والطهر لكن حياة اصحابها خالية من كل طهر، ولا يعرفون الا القبح والنجاسة.

أخزيا و نشأته:

نشأ أخزيا في بيت الشر والفساد، فأبوه هو أخآب ملك اسرائيل، رمز الشر والفساد في التاريخ، والذي كان ملكا من اقوى ملوك اسرائيل واشرهم. كتب عنه الوحي: ((وعمل أخآب بن عُمري الشر في عيني الرب أكثر من جميع الذين قبله. وكأنه كان أمراً زهيداً سلوكه في خطايا يَربعام بن نَبّاط، حتًى اتخذ إيزابَل ابنةَ اثُبَعَل ملك الصًيدونيين امرأةٌ، وعَبَد البعل وسجد له، واقام مذبحاً للبعل في بيت البعل الذي بناه في السامرة، وعمل أخآب سواري، وزاد أخآب في العمل لإغاضة الرَب إلهِ إسرائيل اكثر من جميع ملوك إسرائيل الًذين كانوا قبله)) (1مل 16: 30ـ33).

فدخل في تحالف مع الفينيقيين. وقد كانت اقوى دولة تجارية في عصره، فتزوج إيزابل ابنة أثُبعل ملك صور، وقد كان كاهنا لعشتاروت. لقد كان زواجاً سياسيا انهض اسرائيل اقتصاديا، ولكنه هدمها روحيا. فدخلت ايزابل وادخلت معها عبادة البعل، ويبدو أنها كانت امرأة شرسة وذات شخصية قوية ونفوذ كبير. فأقنعت أخاب بذلك فبدا له أن عبادة الرب من خلال العجلين الذهبيين الذين أقامهما يربعام قد عفا عليهما الزمن. وان البعل إله صور يجب أن يكون له مكانة كبيرة بجانب يهوه اله اسرائيل، فبنى في السامرة معبداً للبعل، واقام فيه مذبحا للبعل، وبجانب البعل اقام تمثالا للسارية (امل 16: 32ـ33).

وقد كانت إيزابل أم أخزيا هي حامية انبياء البعل والسواري. فقد كانت تعول على مائدتها اربع مئة وخمسين من انبياء البعل، واربع مئة من انبياء السواري (امل 18: 19: 19: 1). وبناء على اوامرها هُدِمَت مذابح الرب. وأثارت أول اضطهاد ديني ضد شعب الرب. وكانت تريد ان تقضي على عبادة الرب ليحل محلها عبادة البعل. ولم يعارضها أخآب في ذلك بل كان يوافقها. وقد دبرت إيزابل جريمة قتل نابوت اليزرعبلي ليأخذ أخآب كرمه.

في هذا البيت وُلِد اخزيا، فنشأ وترعرع على حب الشر والفساد وعبادة البعل. لقد ارضعته أمه ايزابل الكراهية لشعب الرب ولهيكل الرب ومذبحه وعبادته. لقد تربى على حب القتل وسفك الدماء وتدبير المؤامرات، لذلك ليس غريبا ان نرى أخزيا على هذه الصورة من الشر والفساد، فلقد ورث أمه.

إن البيت هو المدرسة الأولى لكل انسان، فيه يتعلم كيف يعيش ولماذا يعيش؟ فيه يتكون لدى الفرد اتجاهاته وميوله وعاداته وتقاليده. إنها مسؤولية على كل أب و أم أن يفكرا فيما يعلما أطفالهما، وكيف يسلكا أمامهما.

وقد تولى اخزيا المُلُك بعد موت ابيه الملك أخآب الشرير، وكان أخزيا شريرا مثل أبيه، يقول عنه الوحي: ((عَمِلَ الشًر في عينَي الرب، وسار في طريق أبيه وطريق أمه، وطريق يَرُبُعام بُنِ نَباط الذي جعل إسرائيل يخطئ وعبد البعل وسجد له وأغاظ الرب إله إسرائيل حسب كل ما فعل ابوه)) (امل 22: 52, 53) ومن المؤلم ان اخزيا لم يتعلم شيئا من اختبارات ابيه الذي مات في خطيته. فلا بد أنه سمع في صدر شبابه كيف انزل الله نارا من السماء بينما عجزت الأصنام عن أن تفعل ذلك، ولكن هذا لم يغير طريقة تفكير أخزيا، ولم يرده الى عبادة الرب.

ثانيا: لماذا أرسل أخزيا ثلاث مرات لإحضار إيليا؟

ذات يوم كان الملك أخزيا يتمشًى على سطح قصره في السامرة، واستند الى كوًة هوَت به إلى الأرض فأصابته رضوض وجروح كثيرة. ولم يتجه فكر الملك أخزيا الى الله الحي بل اتجه فكره إلى بعل زبوب، ومعناه ((إله الذباب)) الذي كان أهل مدينة عقرون يعبدونه. ولا نعلم لماذا أٌطلق عليه هذا الاسم، ربما لأنه يحمي عبيده من الذباب، أو لأنه سريع الاستجابة في مثل سرعة الذبابة، ويحتمل أنه أطلق عليه هذا الاسم للتعبير عن وجوده في كل مكان مثلما تفعل الذبابة في تنقلاتها السريعة(1). ولما كان اهل عقرون يؤمنون أن بعل زبوب يشفي من المرض، فقد ارسل الملك أخزيا يسأل بعل زبوب إله الذباب، متجاهلاً إيليا واله إيليا.

إيليا يقابل رسل أخزيا:

أرسل الله ملاكا لنبيه إيليا يقول له: ((اصعد للقاء رسل ملك السامرة وقل لهم هل لأنه لا يوجد في إسرائيل إله، تذهبون لتسألوا بعل زبوب إله عقرون؟ فلذلك هكذا قال الرب: إن السرير الذي صَعِدتَ عليه لا تنزل عنه بل موتا تموت)) (2مل3: 1ـ4). وأطاع إيليا دعوة الله، وذهب ليقابل رسل الملك أخزيا قبل ان يصلوا إلى عقرون، وأبلغهم تلك الرسالة. فرجع الرسل إلى الملك أخزيا.

واستغرب الملك من سرعة عودتهم، وسألهم عما حدث، فقالوا له: قابلنا رجل أشعر متمنطق بمنطقة من جلد على حقويه، ثم أبلغوه رسالة النبي إيليا، فأدرك الملك أخزيا أن النبي إيليا هو الذي كلًمهم، وللأسف لم يخف الملك العنيد من كلام الله على لسان النبي، قائلا في قلبه: ((إنه يكذب)). فلم يبال بتحذيره، وبدلاً من أن يتضع أمام الرب ويطلب وساطة رجل الله، استهان به وبإلهه الذي أجرى على يديه آيات وعجائب كثيرة يعلمها الملك جيداً.

ولو كان اله عقرون قد أخبره بأنه سيموت لصمت ربما على هذا الخبر وقبله بسكوت، وهذا محال ايضا إذ كيف لآلهة صماء صنيعة ايدي الناس أن تجيب عن تساؤله.

لكن كون نبي الرب يخبره بالأمر ويوبخه على آثامه ويذكره بالإله الحي فإنه لا يطبق ذلك. ويستحيل عليه أن يُصلح شيئاً في حياته، ولم يؤثر فيه المرض الذي يقضي إلى الموت.

أخزيا يرسل قائد كتيبة وجنوده للقبض على إيليا:

اغتاظ أخزيا من إيليا كثيراً، وقرر أن ينتقم منه، وأصدر أمره بالقبض على إيليا، فارسل إليه قائد كتيبة، رئيس خمسين ومعه جنوده الخمسين فنقرأ: ((فأرسل إليه رئيس خمسين مع الخمسين الذين له، فصعد إليه وإذا هو جالسٌ على رأس الجبل، فقال له: يا رجل الله، الملك يقول انزل)).

ويقول القديس مار افرام السرياني: ((لقد صمم على عناده، وعوض التوبة عن كبريائه ورجوعه، ازداد في عناده، وأرسل قائد خمسين مع الخمسين للقبض على نبي الله، ليقودونه إلى المحاكمة))(1).

وأرجو أن تلاحظ أنه كان يكفي جندي واحد، أو القائد فقط ليلقي القبض على رجل أعزل بلا سلاح، لكن بالطبع ما سمعه أخزيا عن موقف إيليا مع والديه، وما رآه منه جعله يخشاه. ولكن عوض التوبة ظن أن في كثرة عدد الجنود ما يمكنه من إلقاء القبض عليه وسجنه، وأن الخمسين جنديا قادرون على ذلك، وأنه لن يفلت من أياديهم.

وقد تسأل: لماذا يدعو رئيس الخمسين الشرير إيليا بأنه ((رجل الله))؟ يرى البعض أن الملك نفسه والقصر الملكي كانوا يدركون حقيقة شخصية إيليا النبي، لكنهم لا يطيقونه. ويرى البعض الآخر أن في هذا نوع من التهكم على إيليا ويرى آخرون أنه كان لقبه المعروف به، كأن تقول لشخص اليوم يا مولانا او سيدنا او معالي الوزير، دون ان يدركوا أن هذا اللقب قد أعطي له من الرب (امل1: 9ـ13)، كما اعطي من قبل لموسى  النبي (تث33: 1)، وبعد ذلك لصموئيل (1صم9: 7, 6)، وداود (2اخ 8: 14)، ثم أليشع (2مل4: 9). وعلى كل حال كان يدرك أن ايليا ليس انسانا عاديا، وإلا فلماذا يرسل كل هذا العدد الكبير من الرجال للإتيان به. ولكنه لم يكن يؤمن أنه فعلاً نبي الله، وإلا فلماذا يأمر بالقبض عليه؟!

وللأسف يتضح لنا هنا أن رئيس الخمسين كان يسير على نفس نهج الملك، فلم يكن يعتقد بأنه رجل الله. وإلا لماذا يطلب منه ان يسلم نفسه له، ليسلمه للملك كسجين او اسير. فلو كان هذا الرئيس يعتقد بأنه رجل الله وعنده كلام الله لما أسمعه كلمة الملك الآمرة، مما جعل إيليا يطلب نارا من السماء لتأكل هذا الرئيس مع الخمسين الذين له، حيث قال إيليا: ((إن كنتُ أنا رجل الله، فلتنزل نارٌ من السماء وتأكلك انت والخمسين الذين لك. فنزلت نارٌ من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له)).

أخزيا يرسل قائد كتيبة آخر مع جنوده للقبض على إيليا:

ولم يفهم الملك اخزيا رسالة الله له، فلم يدرك من هو الاله الحقيقي، ولم يتب عن خطاياه، ولم يرتعد الملك من حرق رئيس الخمسين وجنوده، وعوض توبته والحزن على الذين تسبب في حرقهم في قسوة قلبٍ أرسل قائداً آخر ومعه جنوده. فنقرأ: ((عاد وأرسل إليه رئيس خمسين أخر والخمسين الذين له. فأجاب وقال له: يا رجل الله، هكذا يقول الملك: أسرع وانزِل)). ويبدو أن قائد الخمسين الثاني كان وثنيا اكثر من الأول.

لعل القائد الأول لم يكن ملاماً مثل القائد الثاني، فهو لم يشهد آخرين احترقوا قبله، ليكونوا عبرة له. فما حدث له لم يحدث لآخر قبله حتى يخاف من المشهد. بينما كانت وقاحة الوثني الثاني أعظم، لقد رأى الجثث مطروحة كالفحم على الجبل ولم يخف في قلبه من سلوك نفس الطريق إلى إيليا. كانت تفوح رائحة رفيقه الذي احترق، ولم ترعبه ليعود الى الوراء لئلا يصعد. الفوج الذي قبله دمرته النار وطرحته، وها هو يدوس عليه، ويصعد بغضب إلى إيليا.

العظام التي اكلها اللهيب تبعثرت على الطريق، ومع ذلك كان يخطو بشجاعة نحو الغيور الذي أحرقها. لقد كان الجبل مضطربا من دخان الفوج الذي احترق ومع ذلك قسى قلبه، ولم يكن ينظر الى ما جرى، اكتسب إرادة شريرة وقاسية ومتوحشة، ولم يرتجف من النار التي أكلت رفاقه. قسًى وجهه كمن يحارب الله، وكان يهدد كأنه ينتصر على النار. طريقة رهيبة كمن لا يخاف من اللهيب، وصوته يرتفع إلى إيليا لينزله معه، وفي كبرياء عظيم وتشامخ أضاف إلى كلام القائد الأول كلمة ((أسرع)) فقال لإيليا ((هكذا يقول الملك: أسرع وانزل)).

فأجابه أيضا إيليا وقال له: (( إن كنتُ أنا رجل الله فلتنزل نارٌ من السماء وتأكلك أنت والخمسين الذين لك)). فنزلت نار الله من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له.

أخزيا يرسل للمرة الثالثة قائد كتيبة وجنوده للقبض على إيليا:

للأسف لم يفهم أخزيا الملك الدرس الذي أراد الله أن يعلّمه له، ولم يحزن على الأولين الذين أحترقوا، وبكل تحدٍ لإيليا ولإله إيليا عاد فكرر الأمر للمرة الثالثة فنقرأ: ((ثم عاد فأرسل رئيس خمسين ثالثاً والخمسين الذين له)).

ولكن القائد الثالث كان يتسم بالتواضع والحكمة، فقد فهم رسالة الرب مما حلَ بالقائدين السابقين، فعندما وصل الى حيث كان النبي إيليا، نظر اليه، وأدرك من هو، بل وأدرك من هو الإله الحقيقي، فقد فكر في القائدين الأولين وخاف، وأدرك أنه من السهل أن يحترق هو ايضا. هبط التمييز على نفسه، وأدرك أن النبي عظيم وأن إلهه عظيم، فخاف، وتواضع، واقترب بقلب منكسر، ونفس مروعة، وجثا على ركبتيه أمامه وتضرع اليه وقال له: (( يا رجل الله، لِتُكرَم نفسي وأنفس عبيدك هؤلاء الخمسين في عينيك. هوذا قد نزلت نار من السماء واكلت رئيسي الخمسين الأولين وخمسينيهما، والآن فلتُكرم نفسي في عينيك)).

وهنا نجده بدلاً من أن يأمر إيليا بالنزول، بتواضع طلب الرحمة، سائلا ايَاه أن تكون نفسه ونفوس الجنود عزيزة لديه، معترفا بعدم استحقاقه في طلبه هذا أن يصحبه إلى الملك مرسله. وكأنه يقول له: يا نبي الرب لتكرم نفسي ونفوس عبيدك، هؤلاء الذين أتوا وهم لا يريدون، لقد جاءوا كأمر الملك الشرير، لكنهم يثقون في سلطانك، وفي رحمة الله.

لك سلطان لتنزل النار من السماء وتحرق الناس كما تريد إن عصوك. سيدي: عرفت جبروتك في الذين احترقوا، أظهر الان رحمتك للعالم. لك سلطان أن تحرق او لا تحرق، وهذا واضح، فإن كنت لا احترق، فهذا يعود إليك. بقائدين ومائة جندي أظهرت قدرة الله، لتظهر بي وبالخمسين الذين معي الآن حنانه ورحمته (3).

فقال ملاك الرب لإيليا: ((أنزِل معه. لا تخف منه)) فقام ونزل معه الى الملك. وقال النبي للملك: ((هكذا قال الرب: من أجل أنك ارسلتَ رسلاً لتسال بعل زبوب إله عقرون. أليس لأنه لا يوجد في إسرائيل إله لتسأل عن كلامه! لذلك السًرير الذي صعدتَ عليه لا تنزل عنه بل موتاً تموت)). ولم تحرك هذه الكلمات الملك أخزيا ليتوب بل استمر في عبادته الوثنية. ومات أخزيا كما قال الله على فم نبيه إيليا.

ثالثا: من هو إيليا؟

في عام 875 ق.م وفي أثناء حكم الملك أخآب (الملك السابع على اسرائيل) تقريبا بعد 60 سنة من انقسام المملكة، ظهر النبي العظيم إيليا ومعنى اسمه العبري ((إلهي يهوه))، وقد كان رجل أشعر متمنطق بمنطقة من جلد على حقويه. ويقول عنه الوحي إنه إيليا التًشبي من مستوطني جلعاد، قال بعض العلماء لعله من مدينة تِشُبه الواقعة شرق الأردن في منطقة جلعاد، وقال البعض الآخر ربما كلمة التشبي تعني ((الغريب)) فقد يكون المقصود أن إيليا الغريب كان من مستوطني جلعاد، بمعنى انه كان شخصا مختلفا عن غيره، لأنه كان يقضي الكثير من وقته في الصحراء في محضر الله، يتعبًد له، إلى اليوم الذي فيه دعاه الله ليكون نبياً.

ولقد أقامه الله لينقذ بلاده من عبادة البعل، او من العبادة المختلطة بين عبادة الله وعبادة البعل. فقد كانت الظلمة حالكة في تلك الأيام، وقلً عدد الذين يعبدون الرب بإخلاص. وارتفعت مذابح البعل في كل مكان، وانتشرت الهياكل الوثنية في كل أرجاء مملكة بني إسرائيل.

ولذلك يطلق على إيليا أنه نبي المطر، ونبي النار ايضا. فأول ما نقرأ عنه هو: ((وقال إيليا التشبي من مستوطني جلعاد لأخآب: حيٌ هو الرب إله إسرائيل الذي وقفتُ أمامه، إنه لا يكون طللٌ ولا مطر في هذه السنين إلا عند قولي)) (1مل 17: 1, قارن يع 5: 18, 17).

وهو النبي الذي طلب أن تنزل نار من السماء لتلتهم الذبيحة. وقال متحدياً أنبياء البعل ((الإله الذي يجيب بنار فهو الله)) (امل 18: 24).

وواضح أن قرارات إيليا وكلماته لم تكن مجرد كلمات شخصية هو مسؤول عنها مسؤولية شخصية، إنما بناء على توجيهات سماوية، وتأكيداً لذلك استجابت السماء في كل ما نطق به إيليا.

فهو لا يزيد عن كونه آداة في يد الرب ليجري آياته وعجائبه على يديه. ودوره أنه كان مطيعا طاعة كاملة لإلهه ممتثلاً لكل توجيهاته وكلماته. حتى يخيل للقارئ العادي لقصة حياة إيليا العظيمة أن السماء طوع أمره.

رابعا: لماذا سمح الله بأن تنزل نار من السماء وتلتهم القائدين الأوًلين وخمسينيهما؟

ويمكن أن تسأل السؤال بصيغة أخرى:

لماذا طلب إيليا أن تنزل نار من السماء وتلتهم رئيسيَ الخمسينين الأولين وخمسينيهما؟

(1)لقد طلب إيليا النار ليعلم الجميع من هو الإله الحي الحقيقي الذي ليس سواه غير إله، وليؤكد رسالته. لقد كان الشعب في ذلك الوقت يعبد البعل، والبعل هو أبوللو إله الشمس، وكانوا يعتقدون أن البعل صاحب السلطان المطلق على النار والمطر، لذا أراد إيليا أن يظهر عجز هذه الآلهة بطريقة ملموسة. وأن يقدم الدليل مما يعتقد به عبدة البعل. ويعلن أن الله الحي الحقيقي هو صاحب السلطان المطلق على النار والمطر(4).

لذلك سبق أن تحدى إيليا أنبياء البعل وقال لهم: ((الإله الذي يجيب بنارٍ فهو الله)) (امل 18: 24). وأرجو أن تلاحظ ما قاله في صلاته: ((أيها الرب إله إبراهيم وإسحاق وإسرائيل ليعلم اليوم أنك أنت الله في إسرائيل، وأني أنا عبدك، وبأمرك قد فعلتُ كل هذه الأمور. استجبني يا رب استجبني، ليعلم هذا الشعب انك انت الرب الإله)). وكانت الاستجابة معلنة من هو صاحب السلطان، ((فسقطت نار الرب وأكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب، ولحست المياه التي في القناة)).

فكانت النتيجة (( فلما رأى جميع الشعب ذلك سقطوا على وجوههم وقالوا: ((الرًبُ هو الله! الرًبُ هو الله!)) (امل 18: 36ـ39). وها هو في هذه المرة يطلب ناراً من السماء ليدرك أخزيا ورجاله أن الله إله إسرائيل هو صاحب السلطان على الطبيعة وعلى كل شئ، وأن إله عقرون لا حول له ولا قوة.

(2) هذه النار هي برهان محبة الله الشديدة، فالله يطيل أناته على الأشرار جداً، وفي وقت معين يسمح بالتأديب ليكون درسا عمليا أمام الآخرين. فما أسوأ مصير الشخص والأمة التي بلا تأديب. يعاقب البعض لكي يخاف الباقون من العقاب فيكفوا عن الخطايا والمعاصي. إن الله مثل الجراح الذي يبتر عضو من الجسد مصاب بورم خبيث لكي يعيش المريض.

يقول القديس مار يعقوب السروجي: ((أحرق المئة ليفيد أكثرية الشعب حتى يعيدهم من الوثنية بالآية التي صنعها. كان الوثنيون قساة، ومتمسكين بآلهتهم، ولم يقدر ان يتكلم معهم الا بالنار… أضرم ناراً تنطفئ، حتى ينقذهم من جهنم التي يرثها الوثنيون الى الأبد. تحرك الرجل روحيا وبحب عظيم، ليحيي العالم المائت بالأصنام))(4).

ولقد حدث نفس الأمر في بداية الكنيسة مع بطرس عندما واجه حنانيا وسفيرة، فسقطا وماتا ليصيرا مثلاً للبقية. لذلك قيل: (( فصار خوف عظيم على جميع الكنيسة وعلى جميع الذين سمعوا بذلك)) (أع 5: 11).

(3) هذه النار هي برهان عدالة الله: فالله الذي عاقب سدوم وعمورة، وعاقب عماليق، وعاقب الكنعانيين، ها هو يعاقب شعبه الذي انحرف لعبادة البعل.

(4) هذه النار هي برهان حماية الله: لم تكن شهوة قلب إيليا الانتقام، ومن المستحيل ان يكون غضبه قد غلبه، وثار ثائرته. فطلب النار ليريح غضبه، أو طلب النار ليحصن نفسه. فهذا ليس عمله او مكانه، إنما في أيام النبي إيليا كان كل الشعب اليهودي قد ترك الله واتجهوا لعبادة الاوثان، ولم يكن لرجال الله أي احترام أو تكريم، بل وغالبا ما حاولوا قتلهم. وقد قال الرب عن أتقيائه ((من يمسكم يمس حدقة عينيه)) (زك 2: 8)، فمن الطبيعي أن تهتم السماء بمن أرسلتهم لإنصافهم وتثأر لأي اعتداء عليهم، لقد قال داود: ((احفظني مثل حدقة العين. بظل جناحيك استرني)) (مز 17: 8).

(5) هذه النار هي برهان قداسة الله: لقد طلب إيليا النار معلنا غضب الله من السماء على فجور الناس وإثمهم. ويرى عدد من العلماء أن القائدين وجنودهما كانوا جنودا للبعل، وظنوا في انفسهم انهم قادرون على مقاومة الله ونبيه. وقد احترقوا لانهم اشتركوا في قرار الملك، إن لم يكن ظاهريا فبقلوبهم الشريرة. وقد تمجد الله حين التهمتهم النار النازلة من السماء.

ويقول العلامة ترتليانوس: ((إن القائدين الأول والثاني كانا نبيين كاذبين للإله بعل زبوب، لذلك فنزول النار كان بسماح من الله لوقف نشر هذه العبادة الوثنية بالعنف والالزام من قبل الملك وجيشه الذي يقوده كثير من الأنبياء الكذبة للبعل وغيره(1).

لقد أنزل إيليا ناراً من السماء لتلتهم القائدين مع جنودهما، هذه هي روح العهد القديم، ولكن العهد الجديد، عهد الإنجيل مختلف تماماً عن ذلك، فالإنجيل يعلمنا أن اثنين من تلاميذ المسيح هما يعقوب ويوحنا طلبا من السيد المسيح ان يُنزل نارًا من السماء تُفني السامريين الذين رفضوا قبول المسيح في بلدهم، ولكن المسيح وبخهما (لو 9: 55) لئن كنا نجد في العهد القديم عقاب الله على الخطاة فإننا نجد في الإنجيل شفقة الله على الاشرار، فلم يرسل الله المسيح الى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم. لقد جاء ليكسب البشرية بحبه المعلن من خلال الصليب، وليس بحرقهم بالنار.

عزيزي القارئ: لم يؤمن اخزيا في صباه بالله الحقيقي الذي أنزل النار من السماء والتهمت الذبيحة، ولم يتعلم من قتل الضابط الاول والثاني مع جنودهما. وحتى عندما ذهب إليه النبي إيليا ليخبره بقول الرب لم يتُب، بل استمر في ضلاله وعبادته الوثنية فكانت الكارثة، وأنا ارجوك الا تهمل اصوات التحذير والإنذار التي يرسلها الرب لك.

المراجع

دائرة المعارف الكتابية، ج2 ، ص178.   (1)

الأب تادرس يعقوب ملطي. الملوك الثاني، ص216. (2)

(3) Snaith. Norman. H. The Interpreter’s Bible Commentary.V.3. The First and Second Book of Kings. P.373.

(4) The NIV Study Bible, p.411.

(5) الأب تادرس يعقوب ملطي. الملوك الثاني، ص218.

(6) المرجع السابق 219.

إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها

هل هو إله يُعَلِّم شعبه السلب والنهب؟ شبهة والرد عليها

هل هو إله يُعَلِّم شعبه السلب والنهب؟ شبهة والرد عليها

هل هو إله يُعَلِّم شعبه السلب والنهب؟ شبهة والرد عليها

قال الرب لموسى:

وَلكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ مَلِكَ مِصْرَ لاَ يَدَعُكُمْ تَمْضُونَ وَلاَ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ، فَأَمُدُّ يَدِي وَأَضْرِبُ مِصْرَ بِكُلِّ عَجَائِبِي الَّتِي أَصْنَعُ فِيهَا. وَبَعْدَ ذلِكَ يُطْلِقُكُمْ. وَأُعْطِي نِعْمَةً لِهذَا الشَّعْبِ فِي عِيُونِ الْمِصْرِيِّينَ. فَيَكُونُ حِينَمَا تَمْضُونَ أَنَّكُمْ لاَ تَمْضُونَ فَارِغِينَ. بَلْ تَطْلُبُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ جَارَتِهَا وَمِنْ نَزِيلَةِ بَيْتِهَا أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابًا، وَتَضَعُونَهَا عَلَى بَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ. فَتسْلِبُونَ الْمِصْرِيِّينَ. (خر 3:19-22)(1).

يقول د. منقذ بن محمود السقار ((وتتحدث الاسفار ان الله امر بني اسرائيل بسرقة اصحابهم من المصريين, وانه شارك بهذا الغش عندما أمال قلوب المصريين الى الموافقة على اعارة بني اسرائيل ما يطلبونه من ذهب وجواهر وثياب فتقول : ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «ضَرْبَةً وَاحِدَةً أَيْضًا أَجْلِبُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَى مِصْرَ. بَعْدَ ذلِكَ يُطْلِقُكُمْ مِنْ هُنَا. وَعِنْدَمَا يُطْلِقُكُمْ يَطْرُدُكُمْ طَرْدًا مِنْ هُنَا بِالتَّمَامِ. تَكَلَّمْ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ أَنْ يَطْلُبَ كُلُّ رَجُل مِنْ صَاحِبِهِ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ صَاحِبَتِهَا أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ».. وَأَعْطَى الرَّبُّ نِعْمَةً لِلشَّعْبِ فِي عِيُونِ الْمِصْرِيِّينَ حَتَّى أَعَارُوهُمْ. فَسَلَبُوا الْمِصْرِيِّينَ. (خر 11:1-3 و12 :35,36)

ويقول الاستاذ علاء ابو بكر ((كيف يأمر الرب ان تستعير نساء بني اسرائيل حلي المصريات ويتامر مع نبيه على سرقة هذا الحلي, بل ويسهل هذه المأمورية بقدرته في عيون المصريات فيقبلوا طلبات الاسرائيليات؟ هل هذا اله ام زعيم عصابة؟ اله يكذب ويسرق؟!فكيف تكون رعيته؟ وهل سيحاسب على الكذب والسرقة؟ كيف وهو الذي علمنا اياها ((كَرَاهَةُ الرَّبِّ شَفَتَا كَذِبٍ، أَمَّا الْعَامِلُونَ بِالصِّدْقِ فَرِضَاهُ. “(أم12:22). (2)

نعم هذه الكلمات تطرح العديد من الاسئلة مثل:

كيف يعلم الله شعبه ان تطلب كل امراة من جاريتها ومن نزيلة بيتها امتعة فضة وامتعة ذهب وثيابا وهي تعلم انها لن تردها؟ اليس هذا غشا وخداعا؟ وهل الله يشجع سلب ونهب الاصدقاء؟ اليس هذا يتنافى مع طبيعته الاخلاقية؟ ويتنافى مع ما اوصى به شعبه فيما بعد في خروج 20:15-17-بعدم اشتهاء ما للغير؟

وللاجابة على هذه الاسئلة اقول ان هذه القصة تعلمنا حقيقتين عظيمتين عن شخص الله وهما:

عدل الله
ان هذا الموقف يظهر عدل الله وليس ظلمه

فلقد ظلم المصريون بني اسرائيل وسخروهم سنين طويلة في البناء والعمل الشاق وكل اعمال الحقل فنقرا: (فَجَعَلُوا عَلَيْهِمْ رُؤَسَاءَ تَسْخِيرٍ لِكَيْ يُذِلُّوهُمْ بِأَثْقَالِهِمْ، فَبَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مَدِينَتَيْ مَخَازِنَ: فِيثُومَ، وَرَعَمْسِيسَ. وَلكِنْ بِحَسْبِمَا أَذَلُّوهُمْ هكَذَا نَمَوْا وَامْتَدُّوا. فَاخْتَشَوْا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَاسْتَعْبَدَ الْمِصْرِيُّونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعُنْفٍ، وَمَرَّرُوا حَيَاتَهُمْ بِعُبُودِيَّةٍ قَاسِيَةٍ فِي الطِّينِ وَاللِّبْنِ وَفِي كُلِّ عَمَل فِي الْحَقْلِ. كُلِّ عَمَلِهِمِ الَّذِي عَمِلُوهُ بِوَاسِطَتِهِمْ عُنْفًا. )(خر1:11-14)

ولكن القاضي العادل الساهر لإجراء العدل كان قد قال لأبرام حين قطعه العهد معه (اعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيبًا فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ، وَيُسْتَعْبَدُونَ لَهُمْ. فَيُذِلُّونَهُمْ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ. 14 ثُمَّ الأُمَّةُ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا أَنَا أَدِينُهَا، وَبَعْدَ ذلِكَ يَخْرُجُونَ بِأَمْلاَكٍ جَزِيلَةٍ.) (تك 15:14,13).

ولذلك كل ما اخذه بنو اسرائيل من المصريين من امتعة ومجوهرات بمثابة اجرة السنين التي سخرهم فيها المصريون ,فلا نجد خداعا ولا سرقة ولا شهوة هنا.بل اخذ حق طال الامد قبل الحصول عليه. لذلك يقول د. فرنسس دافدسن “ان كل ما اخذوه لم يكن الا اجرة عادلة لما قاموا به من اعمال السخرة “(3).

ويقول العلامة ترتليانوس “ان كان الله بأمرنا بألا نكم ثورا دارسا فهل يترك هؤلاء محرومين من اجرة عملهم؟(4)

ويرى دووب في تعليقه على خروج ان قصة الخروج رويت في لغة تناسب قصة تحرير العبد العبراني التي وردت في تثنية فلا يجب ان يطلق العبد فارغا بل يعوض عن سنوات عبوديته. ولهذا يجب ان تعوض اسرائيل عن سنوات محنتها في مصر(5). ويعلق كول بالقول: من الصعب القول ايهما جاء اولا:فاما عملية العتق العبراني اثرت في التعبير والصياغة هنا .او ان تجربة خلاص اسرائيل كانت هي الاساس واثرت على صياغة قوانين العبد فيما بعد.

وقد كان بنو اسرائيل في اشد الاحتياج لها وهم على ابواب رحلة طويلة في الصحراء فطلبوا من المصريين ما يساعدهم على السفر. واخذوا ما اعطاه المصريون لهم برضى. وقد اعطى الله بنو اسرائيل نعمة في عيون المصريين. فأعطوهم ما طلبوه.

سلطان الله
يعد حدث الخروج نصرا كبيرا لبني اسرائيل على المصريين، بل وللرب على فرعون . فلقد كان فرعون يمثل ذروة القوى البشرية التي تتحدى الله وشعبه. ولذلك كان سقوطه يعلن للعالم كله استحالة الوقوف في وجه الله او محاولة احباط خططه. فكان لا بد من هزيمته. ولذلك مد الله يده بقوة على فرعون وشعبه وهزمهم. وسحق الهتهم. وهكذا أصبح من حقهم ان يأخذوا غنيمة من المصريين. فسلب الغنائم في الحرب كان امرا طبيعيا ليس فيه غش او خداع. ولقد حدث هذا ليعرف المصريون ان لا إله الا هو. وانه سيد كل الكون. وقد قال الله بوضوح وَأُكَثِّرُ آيَاتِي وَعَجَائِبِي فِي أَرْضِ مِصْرَ … فَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ حِينَمَا أَمُدُّ يَدِي عَلَى مِصْرَ وَأُخْرِجُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَيْنِهِمْ»)). وقد اخرج الله شعبه ظافرا غانما. وكأنهم خاضوا حربا وخرجوا منها محملين بالغنائم ,لذلك هتف المرنم قائلا ((فَأَخْرَجَهُمْ بِفِضَّةٍ وَذَهَبٍ)).(مز 105:37).

عزيزي القارئ: قد تكون في ازمة معينة .او مظلوما .او سلبت حقوقك .او متهما ظلما .ثق ان الله لن يخرجك منها فقط .ولكن سيخرجك بلا خسائر ظافرا غانما .فهو اله التعويضات.

المراجع

منقذ بن محمود السقار. هل العهد القديم كلمة الله؟ ص
علاء ابو بكر. البهريز ج1 ص 269.
د.فرنسس دافدسن. تفسير الكتاب المقدس. ج1 ص 212
الاب تادرس يعقوب ملطي. الخروج ص 38
الان كول. الخروج ص 81 .

إله العهد القديم، هل هو إله يعجز عن حماية ارواح أنبيائه من السحرة؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله يعجز عن حماية ارواح أنبيائه من السحرة؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله يعجز عن حماية ارواح أنبيائه من السحرة؟ شبهة والرد عليها

يسأل عدد كبير من الناس قائلين : نجد صعوبة كبيرة في فهم قصة تحضير العرّافة لروح صموئيل .

فهل فعلا حضّرت العرّافة روح صموئيل ؟

وهل يقدر الساحر بقوة السحر أن يحضر روحّا من الابدية ؟

وكيف يقول صموئيل لشاول “وَغَدًا أَنْتَ وَبَنُوكَ تَكُونُونَ مَعِي” ( 1صم 28 : 19 ) ونحن نعرف من الكتاب المقدس ان مصير شاول يختلف تماما عن مصير صموئيل ؟

للاجابة علي هذا السؤال أقول :

لكن نفهم هذا الموقف فهمّا صحيحا علينا ان نلقي نظرة علي حـــــياة شاول قبل أن يصل الي هذا الموقف المتدني  .

لقد بدأ شاول أفضل ما تكون البداية لكنه انتهي أسوأ ما تكون  النهاية ، وبالرغم من أنه كان يمتلك كل إمكانيات النجاح لكنه فشل ، ولو  كان استفاد من الإمكانيات التي بين يديه لكان قد جعل إسرائيل علي راس الممالك ، وكان هو أعظم ملوك إسرائيل .

من هو شاول ؟

شاول اسم عبري (שָׁאוּל) يعني :  ” مسئول من الله ” أو ” سائل من الله ” وهو أول ملوك بني اسرائيل (1)

أعطاه الله العديد من المميزات التي كان يمكن أن تجعل منه أعظم ملوك الارض ، لكنه للأسف لم يحسن استغلالها ، ففشل فشلا ذريعا .

ومن بين هذه الامتيازات :

1/ الوجاهة والصحة الجسدية

وبلا شك هي أحد اهم عوامل النجاح ، فقد كان يتمتع بصحة جيدة تجعله قادرا علي العمل والعطاء بقوة والتحرك في كل مكان ، كذلك كان يتمتع بمنظر حسن يعطيه القبول عند كل من يتعاملون معه ، فنقرأ عنه “1وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنْيَامِينَ اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ أَبِيئِيلَ بْنِ صَرُورَ بْنِ بَكُورَةَ بْنِ أَفِيحَ، ابْنُ رَجُل بَنْيَامِينِيٍّ جَبَّارَ بَأْسٍ. 2وَكَانَ لَهُ ابْنٌ اسْمُهُ شَاوُلُ، شَابٌّ وَحَسَنٌ، وَلَمْ يَكُنْ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَحْسَنَ مِنْهُ. مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ كَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ. ” ( 1صم 9 :1-2 )

 

2 / الرغبة الشعبية والجماهيرية الكبيرة

    بعد أن مسحه صموئيل ملكا كان كل الشعب يهتف له ” ليحي الملك ! ” فالكل يريده  ونقرأ الشعب يهتف له ” ليحي الملك !” فالكل يريده . ونقرأ  : ” 24فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «أَرَأَيْتُمُ الَّذِي اخْتَارَهُ الرَّبُّ، أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي جَمِيعِ الشَّعْبِ؟” (1 صم 10 : 24 ، راجع 1 صم 11 : 11- 15 ) .

اليست الشعبية والجماهيرية من أهم عوامل النجاح .

3 / أعطاه الله قلبا  آخر :

9وَكَانَ عِنْدَمَا أَدَارَ كَتِفَهُ لِكَيْ يَذْهَبَ مِنْ عِنْدِ صَمُوئِيلَ أَنَّ اللهَ أَعْطَاهُ قَلْبًا آخَرَ، وَأَتَتْ جَمِيعُ هذِهِ الآيَاتِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ. ” ( 1صم 10:9 )

4/ حل عليه الروح القدس :

حل عليه الروح القدس في مناسبتين

 ” 10وَلَمَّا جَاءُوا إِلَى هُنَاكَ إِلَى جِبْعَةَ، إِذَا بِزُمْرَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ لَقِيَتْهُ، فَحَلَّ عَلَيْهِ رُوحُ اللهِ فَتَنَبَّأَ فِي وَسَطِهِمْ. ” ( 1 صم 10 : 10 ) . راجع ( 1 صم 11 : 6 )

5/ كان بجواره اثنين من أعظم الشخصيات :

صموئيل وداود وكانت النتيجة انه طهّر البلاد من العرافة ، فنقرأ ” وَكَانَ شَاوُلُ قَدْ نَفَى أَصْحَابَ الْجَانِّ وَالتَّوَابعِ مِنَ الأَرْضِ. ” ( 1صم 28 : 3 )  . وغالبا كان شاول قد نفي كل من يعمل بالسحر  والشعوذة من البلاد بإرشاد صموئيل النبي .

ويري القديس يوحنا ذهبي الفم أن ما وصل إليه شاول من إنحطاط وإنهيار حتي التجأ الي صاحبة جان جاء كثمرة لانفصاله عن داود فيقول : ” إلي أن أنفصل عن داود لم يسقط شاول في حرب ما ، فكان كلاهما في أمان ومجد ” (4)

بالرغم من كل هذه الامتيازات سقط شاول في سلسلة خطايا أذكر منها اثنين فقط وهما :

1/ الحماقة والتسرع والقيام بدور ليس من حقه

إذ لم يتمهل حتي يحضر صموئيل وقام هو وقدّم المحرقة وذبائح السلامة علي مذبح الرب وهذا ليس دوره ، فهو ليس كاهناً ولا رئيس كهنة ، لذل قال له صموئيل : «قَدِ انْحَمَقْتَ! لَمْ تَحْفَظْ وَصِيَّةَ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَمَرَكَ بِهَا، لأَنَّهُ الآنَ كَانَ الرَّبُّ قَدْ ثَبَّتَ مَمْلَكَتَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ. 14وَأَمَّا الآنَ فَمَمْلَكَتُكَ لاَ تَقُومُ. قَدِ انْتَخَبَ الرَّبُّ لِنَفْسِهِ رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِهِ، وَأَمَرَهُ الرَّبُّ أَنْ يَتَرَأَّسَ عَلَى شَعْبِهِ. لأَنَّكَ لَمْ تَحْفَظْ مَا أَمَرَكَ بِهِ الرَّبُّ» ( 1صم 13 :8 ـ 14 )

2/ عدم طاعة الرب

لقد طلب الرب منه بوضوح أن يحرّم عماليق وكل ماله من أغنام وأبقار ( 1صم 15 : 3 ) لكننا نقرأ :

” 9 وَعَفَا شَاوُلُ وَالشَّعْبُ عَنْ أَجَاجَ وَعَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالثُّنْيَانِ وَالْخِرَافِ، وَعَنْ كُلِّ الْجَيِّدِ، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُحَرِّمُوهَا. وَكُلُّ الأَمْلاَكِ الْمُحْتَقَرَةِ وَالْمَهْزُولَةِ حَرَّمُوهَا. ” (1صم 15 : 9)  .

ولكنه عفا عن اّجاج ، ومن طمعه عفا عن خيار الغنم والبقر .

وهنا قال الرب لصموئيل ” «نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي». ( 1صم 15 : 11 )

وقال صموئيل لشاول  : ” لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ، فَرَفَضَكَ الرَّبُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ ” … ” يُمَزِّقُ الرَّبُّ مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ عَنْكَ الْيَوْمَ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. “

(1 صم 15 :10 ـ20 ) .

 

 نتائج الخطية

1 / صموئيل يقرر الابتعاد عنه

لقد يئس صموئيل منه لدرجة أننا نقرأ : ” 35وَلَمْ يَعُدْ صَمُوئِيلُ لِرُؤْيَةِ شَاوُلَ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ، لأَنَّ صَمُوئِيلَ نَاحَ عَلَى شَاوُلَ. وَالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ. ” ( 1 صم 15 : 35 )

وهي ترد في ترجمة ( ك ح ) ” وامتنع صموئيل عن رؤية شاول الي يوم وفاته ، مع أنّ قلبه تمزّق اسي عليه ، أمّا الرب فقد أسف لانّه اقام شاول ملكا علي إسرائيل “

ثم قال الرب لصموئيل : ” حَتَّى مَتَى تَنُوحُ عَلَى شَاوُلَ، وَأَنَا قَدْ رَفَضْتُهُ عَنْ أَنْ يَمْلِكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ؟ اِمْلأْ قَرْنَكَ دُهْنًا وَتَعَالَ أُرْسِلْكَ إِلَى يَسَّى الْبَيْتَلَحْمِيِّ، لأَنِّي قَدْ رَأَيْتُ لِي فِي بَنِيهِ مَلِكًا ” .

( 1صم:16 ـ1 )

2/  روح الله يفارقه ويبغته روح ردئ

فنقرأ :” وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ ” (1صم 16 ـ 15)

ويجب أن لا ننزعج عندما نقرأ هذه الكلمات ، فما قال القديس جيروم (5)  : إن هذا لا يعني أن الروح الردئ مصدره الرب ، أو أن ما حل بشاول كان من عند الرب ، فالرسول يعقوب يقول : “13لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا…17كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ ” (يع 1 : 13 ، 15 )

إنما شاول رفض روح الله فهيأ نفسه مسكنًا للروح الردئ ، لقد تركه الرب لذاته كما يقول الرسول بولس :

24لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. …28وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ. “

( رو 24: 1 ، 28 )

لاحظ تكرار أسلمهم الله ، فحين يصر الإنسان علي رفض الله والاستسلام للشر يتركه الله  .أي يسلمه لشهوة قلبه ، وهذا التسليم بسماح إالهي . المهم هو أن شاول أصيب بمرض شديد لا نستطيع أن نعرف هذا المرض ولا أعراضه بالضبط لكنه بلا شك كما يقول د . القيس منيس عبد النور ( 1)  : ” كان مرضًا قاسيًا جعل شاول ورجاله الكبار ينشغلون ويفكرون في العلاج ، ولابد أنهم جربا كل أطباء المملكة ولكن علاجهم لم ينفع “

وهنا فكر رجال شاول في العلاج بالموسيقي – وقد كان هذا معروفاٌ في القديم ، فيقول سنيكا : ” إن فيثاغورس كان يهدئ متاعب عقله بالقيثارة ” وقال أليشع النبي مرة “15وَالآنَ فَأْتُونِي بِعَوَّادٍ ” ( 2 مل 3 : 15 ) ،  فقال رجاله : ” 16فَلْيَأْمُرْ سَيِّدُنَا عَبِيدَهُ قُدَّامَهُ أَنْ يُفَتِّشُوا عَلَى رَجُل يُحْسِنُ الضَّرْبَ بِالْعُودِ. وَيَكُونُ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ الرُّوحُ الرَّدِيءُ مِنْ قِبَلِ اللهِ، أَنَّهُ يَضْرِبُ بِيَدِهِ فَتَطِيبُ ” ( (1صم 16:16 )

ووافق شاول علي اقتراح رجاله وقال : ” انْظُرُوا لِي رَجُلاً يُحْسِنُ الضَّرْبَ وَأْتُوا بِهِ إِلَيَّ».18فَأَجَابَ وَاحِدٌ مِنَ الْغِلْمَانِ وَقَالَ: «هُوَذَا قَدْ رَأَيْتُ ابْنًا لِيَسَّى الْبَيْتَلَحْمِيِّ يُحْسِنُ الضَّرْبَ، وَهُوَ جَبَّارُ بَأْسٍ وَرَجُلُ حَرْبٍ، وَفَصِيحٌ وَرَجُلٌ جَمِيلٌ، وَالرَّبُّ مَعَهُ ” فوافق شاول علي هذا الكلام وارسل رسلاٌُالي يسّي يقول  :” أَرْسِلْ إِلَيَّ دَاوُدَ ابْنَكَ الَّذِي مَعَ الْغَنَمِ ” وكان داود سبب شفاء لشاول فنقرأ : “وَكَانَ عِنْدَمَا جَاءَ الرُّوحُ مِنْ قِبَلِ اللهِ عَلَى شَاوُلَ أَنَّ دَاوُدَ أَخَذَ الْعُودَ وَضَرَبَ بِيَدِهِ، فَكَانَ يَرْتَاحُ شَاوُلُ وَيَطِيبُ وَيَذْهَبُ عَنْهُ الرُّوحُ الرَّدِيءُ. “( 1 صم 16 :23 )

3 / الغيرة المرة من داود ومحاولة قتله

لقد بدأت الغيرة والكراهية تدب في قلب شاول الملك تجاه داود بعد أن قتل داود جليات الجبار وخرجت النساء من جميع مدن إسرائيل لاستقبال شاول وداود وهن يغنين : ” ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ وَدَاوُدُ رِبْوَاتِهِ ” . لقد حسبن جليات بربوات (( والربوة عشرة  الاف )) وبدلاُ من أن يفرح شاول لأن داود قتل جليات وأزال العار عن إسرائيل ، اغتاظ جداٌُُ  وغضب جداٌ من داود وقال : ” أَعْطَيْنَ دَاوُدَ رِبْوَاتٍ وَأَمَّا أَنَا فَأَعْطَيْنَنِي الأُلُوفَ! وَبَعْدُ فَقَطْ تَبْقَى لَهُ الْمَمْلَكَةُ». 9فَكَانَ شَاوُلُ يُعَايِنُ دَاوُدَ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِدًا. ” ( 1 صم 18: 6 – 10 )

ويرد عدد 9 في ترجمة كتاب الحياة : ” وشرع شاول منذ ذلك اليوم فصاعداٌ يراقب داود بعين ممتلئة بالغيرة ” . وترد في الترجمة اليسوعية :” واخذ شاول يلحظ داود بعين الشر من ذلك اليوم فصاعداُ” وترد في ترجمة بين السطور (7)  :” وأخذ شاول يضمر الشر لداود منذ ذلك اليوم ” .

وبالرغم من أن داود لم يسئ إالي شاول ولم يظلمه إلا أن قلب شاول امتلأ حقدٌا ومرارة تجاه داود ففكر في قتله ، والشئ الغريب هو أن شاول أشرع الرمح تجاه داود ليقتله بينما كان داود يعزف له ليهدأ ويستريح ، إنها صورة لمريض يمسك بالسكين ليقتل بها الطبيب الذي يعطيه حقنة مهدئة .

وكان داود يضرب بيده كما فى يوم فيتوم.

وكان الرمح بيد شاول

فَأَشْرَعَ شَاوُلُ الرُّمْحَ وَقَالَ: «أَضْرِبُ دَاوُدَ حَتَّى إِلَى الْحَائِطِ». فَتَحَوَّلَ دَاوُدُ مِنْ أَمَامِهِ مَرَّتَيْنِ.”

( 1صم  18 : 11 )  .قد حاول شاول مرتين أن يقتله لكن يد الرب كانت أقوي وأقرب من رمح شاول ، والاعجب عندما نقأ العدد التالي لهذه الحادثة  ” 12وَكَانَ شَاوُلُ يَخَافُ دَاوُدَ لأَنَّ الرَّبَّ كَانَ مَعَهُ، وَقَدْ فَارَقَ شَاوُلَ ” ( 1 صم 18 : 12 )

إن مشاعر الكراهية تدفع الإنسان لينتقم ويدبّر الاٌخر وقد يعد العدة لذلك ، ولكنها تجعله في نفس الوقت فاقد الاتزان ومرتبك وخائف ، فمّن كان علي كرسي العرش ؟  ومُن صاحب السلطان ؟ ومُن في يده الرمح ؟ ولكن مُن الخائف ؟ ومُن يخاف مٍن مُن ؟  ، صحيح شاول في يده الرمح ولكن داود في يد الرب ، ألم يكن أخاّب من إيليا ؟ الم يكن هيرودس يخاف من المعمدان ؟  ألم يكن فيلكس جالسًا علي كرسي القضاء وبولس يقف أمامه للمحاكمة ولكن عندما كلمه بولس عن البر والتعفف والدينونة ارتب فيلكس !

4/ الالتجاء إلي السحرة  :

ثم نقرأ أَنَّ الْفِلِسْطِينِيِّينَ جَمَعُوا جُيُوشَهُمْ لِكَيْ يُحَارِبُوا إِسْرَائِيلَ … 5وَلَمَّا رَأَى شَاوُلُ جَيْشَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ خَافَ وَاضْطَرَبَ قَلْبُهُ جِدًّا. “( 1صم 28: 5 ) لقد كان شاول في منتهي الضعف والسر الحقيقي في خوفه هو ترك الله له ، فمن معه الله لا يخاف من أي قوة في الوجود  فماذا يفعل وصموئيل قد مات ؟ لعل ماحدث من ضيق كان فرصة جديدة يقدمها له الرب لكي يرجع إليه بتوبة صادقة كما حدث من منسي الملك لكنه للأسف أساء استخدام الفرصة وذهب  إلي صاحبة جان وهو يعرف أن الرب يكره هذا ، لقد قال الرب لشعبه ” 31لاَ تَلْتَفِتُوا إِلَى الْجَانِّ وَلاَ تَطْلُبُوا التَّوَابعَ، فَتَتَنَجَّسُوا بِهِمْ. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ. ” ( لا 19: 31 )

” وَإِذَا كَانَ فِي رَجُل أَوِ امْرَأَةٍ جَانٌّ أَوْ تَابِعَةٌ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. بِالْحِجَارَةِ يَرْجُمُونَهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ “

(لا 20 :27)

” مَتَى دَخَلْتَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، لاَ تَتَعَلَّمْ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ. 10لاَ يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ، وَلاَ مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً، وَلاَ عَائِفٌ وَلاَ مُتَفَائِلٌ وَلاَ سَاحِرٌ،11وَلاَ مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً، وَلاَ مَنْ يَسْأَلُ جَانًّا أَوْ تَابِعَةً، وَلاَ مَنْ يَسْتَشِيرُ الْمَوْتَى. 12لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ. وَبِسَبَبِ هذِهِ الأَرْجَاسِ، الرَّبُّ إِلهُكَ طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ ” ( تث 18: 9-12 )

وبعد أن كان قد نفي اصحاب الجان والتوابع ها هو يبحث عنهم أمام عبيده ويقول لهم : “«فَتِّشُوا لِي عَلَى امْرَأَةٍ صَاحِبَةِ جَانٍّ، فَأَذْهَبَ إِلَيْهَا وَأَسْأَلَهَا». فَقَالَ لَهُ عَبِيدُهُ: «هُوَذَا امْرَأَةٌ صَاحِبَةُ جَانٍّ فِي عَيْنِ دُورٍ» وكانت عين دور تبعد عن جلبوع حيث يقيم 10 أميال ، وتنكر ملك إسرائيل وذهب إلي امرأة صاحبة جان فأهان الله إذ أقام هذه المرأة الكاذبة مكان الله ، وهكذا انحرف شاول من ضعف الي أخر حتي هذا الشر العظيم وقال لها : ” اعْرِفِي لِي بِالْجَانِّ وَأَصْعِدِي لِي مَنْ أَقُولُ لَكِ». 9فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «هُوَذَا أَنْتَ تَعْلَمُ مَا فَعَلَ شَاوُلُ، كَيْفَ قَطَعَ أَصْحَابَ الْجَانِّ وَالتَّوَابعِ مِنَ الأَرْضِ. فَلِمَاذَا تَضَعُ شَرَكًا لِنَفْسِي لِتُمِيتَهَا؟» 10فَحَلَفَ لَهَا شَاوُلُ بِالرَّبِّ قَائِلاً: «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، إِنَّهُ لاَ يَلْحَقُكِ إِثْمٌ فِي هذَا الأَمْرِ» كيف يحلف لها بالله أنه سيحميها والناموس يطلب رجم الساحرات ( لا 20 : 27 )

وكيف يحلف بالرب وهاهو يطلب من الجان ؟! إنه يشبه الحرامي الذي يذهب ليسرق ويقول :

” يارب استر ” َ    1فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «مَنْ أُصْعِدُ لَكَ؟» فَقَالَ: «أَصْعِدِي لِي صَمُوئِيلَ».

فهل فعًلا حضّرت العرّافة روح صموئيل ؟

أقول بكل يقين لا يمكن للعرافة أن تحضّر روح صموئيل للأسباب الآتية :

1/ كان الرب قد رفض أن يتكلم ويعلن لشاول عن مشيئته بكل الطرق المعروفة في ذلك الوقت فهل يستطيع إنسان مهما كانت قوته أن يتحدي الله ويعرف مشيئته ؟

لقد كان الرب يتمني أن يأتي شاول إليه  تائبًا ونادمًا يطلب معرفة مشيئته ، وما يؤكد ه ما نقرأه في سفر الاخبار :”  13فَمَاتَ شَاوُلُ بِخِيَانَتِهِ الَّتِي بِهَا خَانَ الرَّبَّ مِنْ أَجْلِ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي لَمْ يَحْفَظْهُ. وَأَيْضًا لأَجْلِ طَلَبِهِ إِلَى الْجَانِّ لِلسُّؤَالِ، 14وَلَمْ يَسْأَلْ  (דָרַשׁ) مِنَ الرَّبِّ، فَأَمَاتَهُ وَحَوَّلَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى دَاوُدَ بْنِ يَسَّى. ” ( 1 اخ 10 :13-14 )  والفعل العبري ( يسأل ) هنا هو (דָרַשׁ) ( دارش )

ويعني البحث الجاد والتفتيش بحماس وجدية ، فلم يطلب شاول الرب بكل قلبه ولم يسأل ويفتش عن مشيئته بحماس وجدية (8)

أما ما نقرأ عنه في صموئيل ” 6فَسَأَلَ شَاوُلُ مِنَ الرَّبِّ، فَلَمْ يُجِبْهُ الرَّبُّ لاَ بِالأَحْلاَمِ وَلاَ بِالأُورِيمِ وَلاَ بِالأَنْبِيَاءِ.” (1صم 28: 6 )  فالفعل العبر ( سأل ) هو (וַיִּשְׁאַל)  ( شال ) ويعني السؤال العابر ، ولقد سأل سؤالاً عابرًا لراحة ضميره ، وقد رفض الرب أن يجيبه ، وكيف يجيب الرب رجلا قتل كهنة الرب ورئيس الكهنة ويطارد الرجل الذي كان يحارب بأسم الرب ؟ فهل يستطيع إنسان مهما كان جبروته أن يلوي ذراع الرب يعرف مشيئته ؟  كلا

2/  لا يمكن لأي إانسان علي الأرض مهام كانت القوة الشيطانية التي يمتلكها أن يكون له سلطان علي الارواح التي في السماء ، فهل من المعقول أن يكون للشيطان سلطان علي الارواح التي في الفردوس ويستطيع ان يزعجها في أي وقت يشاء أن يجعلها تفعل ما لا تريد أن تفعله ؟ أن يستحضرها في اي ظرف أو مكان كما يريد ؟ !

وهل يعقل أن يسمح الرب للجان أن يصطحب روح صموئيل بأمر عرافة ويخرجها من الفرودس ؟

لاحظ ما قاله صموئيل لشاول : ” لِمَاذَا أَقْلَقْتَنِي بِإِصْعَادِكَ إِيَّايَ ” كيف يمكن لجان أن يقلق إلانسان وهو في الابدية (9)  ويقلق إالانسان في الأبدية ؟ إذا كان من الممكن أن يصل الجان إالي الأرواح في الأبدية ويزعجها ويقلقا فلن تكون أبدية ويصبح الله في منتهي الضعف لدرجة أنه غير قادر علي حماية الأرواح  التي وصلت له ؟ !

يقول العلامة ترتليانوس : ” حاشا لنا أن نظن أن نفس أي قديس –  بالأكثر نفس نبي – تستدعي من مكان راحتها في الفردوس بواسطة شيطان . (10)

3/  واضح أن العرافة لم تحضر روح صموئيل بل كذبت علي شاول وخدعته وهذا يتضح من الاتي :

أ – كان شاول معروفًا للجميع بصفته الملك إلي جانب أنه كان أطول شخص في الشعب كما نقرأ :“فَكَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ.” ( 1صم 10 :23ـ24  ) لذلك تظاهرها بعدم معرفتها له كان مجرد تمثيلية .

ب –  عندما ندرس القصة بتدقيق نجد أن شاول لم ير شيئًا ن لاحظ الحوار الذي دار بين شاول والعرافة فقال لها الملك <<ماذا رايت؟>> فقالت المرآة لشاول

” رَأَيْتُ آلِهَةً يَصْعَدُونَ مِنَ الأَرْضِ». 14فَقَالَ لَهَا: «مَا هِيَ صُورَتُهُ؟» فَقَالَتْ: «رَجُلٌ شَيْخٌ صَاعِدٌ وَهُوَ مُغَطًّى بِجُبَّةٍ». فَعَلِمَ شَاوُلُ أَنَّهُ صَمُوئِيلُ، فَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ ( 1 صم 28 : 13-14 ) .

ج – تقول لشاول : ” رَأَيْتُ آلِهَةً يَصْعَدُونَ مِنَ الأَرْضِ ” ويقول (Adam Clarke)(11) أن الكلمة العبرية المترجمة ( ألهة ) هي بالمفرد ( אֱלֹהִים)  ( إلوهيم )  أي الله ، ولذلك قال لها شاول : ” مَا هِيَ صُورَتُهُ ” وربما استخدمت العرافة هذه الكلمة علي سبيل الاجلال والتعظيم لصموئيل ولكي تعطي جوًا من الرهبة علي الموقف ، وفي هذا الكلام مغالطة كبيرة ، فلم يكن صموئيل في باطن الأرض بل في السماء .

د –  قالت العرافة عن صموئيل ” رَجُلٌ شَيْخٌ صَاعِدٌ وَهُوَ مُغَطًّى بِجُبَّةٍ ” ومن يدرس كلمة الله يعرف أنه ليس في الأرواح شيوخًا يلبسون جببًا (12)  فمن يموت شيخًا لن يصعد السماء شيخًا، ومن يموت معوقا لن يقضي أبديته كذلك .

هـ – لم تذكر العرافة شيئًا جديدًا لشاول فما ذكرته عن تمزق المملكة وأن داود سيرثها كان صموئيل قد سبق وأعلنه ،وكان كل الشعب يعرفه عنه  ( اصم 13 : 13-14 ، 15 : 28 ، 35 ) .

و – عندما قالت لشاول علي لسان صموئيل : ” وَغَدًا أَنْتَ وَبَنُوكَ تَكُونُونَ مَعِي ” فهي عبارة عامةوليست نبوة ، مثلما يقول لك العراف اليوم : ” أمامك طريق مسدود أو هناك بعض المشاكل تنغص حياتك ،أو يوجد خبر قادم لحياتك قريبًا ” فالامر الطبيعي أن الكل سيرحل من هذا العالم وكلمة ” غدا ” تعبر عن المستقبل بصفة عامة وليس زمن محدد ، وإلي جانب أن بعض العلماء يقولون : ”  لقد أخطأت في تحديد ميعاد موته “

ز – قال صموئيل لشاول : ” وَغَدًا أَنْتَ وَبَنُوكَ تَكُونُونَ مَعِي ” (ع 19 )  وهذا غير صحيح فمصير شاول معروف للجميع فكيف يقول له صموئيل ” تَكُونُونَ مَعِي ” ، لذلك يقول القديس هيبوليتس:”  إن شاول لم ير صموئيل إنما كان ذلك خداعًا ) (13)   ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا فعلت العرافة كل هذه التمثيلية ؟ لقد فعلت كل هذا انتقامًا منه لما فعله مع اصحاب الجان والتوابع فكما نقرأ في ” وَكَانَ شَاوُلُ قَدْ نَفَى أَصْحَابَ الْجَانِّ وَالتَّوَابعِ مِنَ الأَرْضِ.” لذك عندما رأته وجدتها فرصة للانتقام وقررت في داخلها ألا تتركه إلا بعد أن ينهار تمامًا وقد حدث ، فنقرأ ”20فَأَسْرَعَ شَاوُلُ وَسَقَطَ عَلَى طُولِهِ إِلَى الأَرْضِ وَخَافَ جِدًّا مِنْ كَلاَمِ صَمُوئِيلَ، وَأَيْضًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ قُوَّةٌ، لأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا النَّهَارَ كُلَّهُ وَاللَّيْلَ. ثُمَّ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى شَاوُلَ وَرَأَتْ أَنَّهُ مُرْتَاعٌ جِدًّا،” ( 1 صم 28 : 20-21 ).

بعد ان تأكدنا من أنه لم يكن هناك أي ظهور لأي شخص ، فالسؤال الاّن  ماذا عن الصوت الذي كان يكلم شاول ؟

هناك رأيان في هذه القصة وهما :

أولاً : الذي كان يتكلم شيطان وادعّي انه صموئيل ، وأصحاب هذا الرأي يدللون علي ذلك بالاتي :- إن الشيطان يستطيع أن ” يعير شكله إلي ملاك نور ” 2 كو 11:14 ، 2 تس 4:2)  حيث نفهم  من كلمة الله انه سيظهر نفسه علي أنه الله نفسه ( مت 24 : 24 ) الكلمات التي قالها لشاول ليست فيها أي دعوة للتوبة والتصالح مع الله ، بل لوضع شاول في حالة يأس خطيرة بلا أي رجاء .

ثانيا : كما أن شاول لم ير أي شخص كذلك لم يسمع أي صوت وكانت العرافة هي التي تنقل الحديثلشاول ،  وما فعلته هو نوع من الخداع تعودت عليه بالخبرة فبعد أن تتحدث مع الشخص وتعرف نفسيته تستطيع ان تقول له بعض الجمل المناسبة  ، فالنبوات التي نطقت بها لا تحتاج لذكاء فهي تعرف قوة جيش الفلسطنيين وضعف جيش شاول وأنها معركة خاسرة وأن الفلسطينيين لن يهدأوا الاّ لو تخلصوا من شاول  .

عزيزي القارئ

لقد كانت نهاية شاول نهاؤة مأساوية فقد قتل في الحرب أمام الفلسطينيين ، فنقرأ : ”6فَمَاتَ شَاوُلُ وَبَنُوهُ الثَّلاَثَةُ وَحَامِلُ سِلاَحِهِ وَجَمِيعُ رِجَالِهِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مَعًا. ” ( 1 ص 31 :6)

والاصعب هو لما جاء الفلسطينيون إلي أرض المعركة لسلب الثياب الثمينة والأسلحة وكل ذي قيمة كان مع القتلي وجدوا شاول وبنيه ساقطين في جبل جلبوع فقطعوا راس شاول ونزعوا سلاحه وبعثوا رسًلا الي كل بلادهم يبشرون بموته  ، وسمّروا جسده وأجساد بنيه علي سور بيت شان وهي مدينة بيسان الحالية وتبعد حوالي خمسة أميال غربي نهر الأردن وهذه هي نهاية الشر والبعد عن الرب وطلب الجان والسحر والشعوذة لذلك يسجل الوحي هذه الكلمات الغالية : ”13فَمَاتَ شَاوُلُ بِخِيَانَتِهِ الَّتِي بِهَا خَانَ الرَّبَّ مِنْ أَجْلِ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي لَمْ يَحْفَظْهُ. وَأَيْضًا لأَجْلِ طَلَبِهِ إِلَى الْجَانِّ لِلسُّؤَالِ، 14وَلَمْ يَسْأَلْ مِنَ الرَّبِّ، فَأَمَاتَهُ وَحَوَّلَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى دَاوُدَ بْنِ يَسَّى. ” ( 1 اخ 10 : 13 )

المراجع

1/ قاموس الكتاب المقدس ص 412

2/ اصل الكلمة الذين يتكلمون من بطونهم ويتظاهرون بجان حال فيهم وهو الذي يخبرهم بالامور الخفية والمستقبل

3/ أي توابع الجان يتبعونه حيثما يذهب كعبيد لسيدهم وهو يكشف لهم امورأ لا يدركها أو ينظرها البشر ويقدم لهم إمكانيات فوق طاقات البشر قبل إستدعاء ارواح الموتي

4/الأب تادرس يعقوب ملطي ، صموئيل الاول ص 195

5/  الاب تادرس يعقوب ملطي صموئيل الاول ص 116

6/ د القس منيس عبد النور ، داود صاحب المزامير ص 25

7/ العهد القديم العبري ، ترجمة بين السطور ، الأبوان بولس الفغالي ، وأنطوان عوكر ، الجامعة الأنطونية  2007

8 Karl feyerabend . pocket Hebrew dictionary .

Hebrew- English  to the old testament  p 322

9 / القس صموئيل يوسف ، المدخل للعهد القديم ص 234

10 القمص تادرس يعقوب ملطي ، صموئيل الاول ص 196

11/ Adam Clarke. adam Clarke;s commentary on the biblep 461

12 / د القس منيس عبد النور ، شبهات وهمية  148

13 / القمص تادرس يعقوب ملطي ، صموئيل الاول ، ص 194

هل إله العهد القديم هو اله سريع الندم؟

إله العهد القديم، هل هو اله سريع الندم؟

إله العهد القديم، هل هو اله سريع الندم؟

هذه العبارة الصغيرة “نَدِمَ الله” سببت هجوماً شديداَ وشرساً على الكتاب المقدس فمثلاً:

يقول د.منقذ بن محمود السقار: “تنسب التوراة الى الله النَّدم على أمور صنَعها.والندم فرع من الجهل. ومن ذلك ” نَدِمْتُ عَلى أَنّي قَدْ جَعَلتُ شَاولَ مَلِكاً.لانَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرائي وَلَمْ يُقِمْ كَلامِي” (1صم11:15).

وتذكر التوراة أنه لما عَبَد بنو اسرائيل العجل غضب الرب عليهم وقالَ لموسى :

. «..فَالأَن اتْرُكني لِيَحمَى غَضَبِي عَلَيْهِم و أَّفنيهُم. فأُصَيِّرَكَ شَعبًا عظيمًا».

فتضَرَّعَ موسَى أمامَ الرَّبِّ إلهِهِ، وقالَ: اِرجِعْ عن حُموِّ غَضَبِكَ، واندَمْ علَى الشَّرِّ بشَعبِكَ.

اُذكُرْ إبراهيمَ وإسحاقَ وإسرائيلَ عَبيدَكَ الّذينَ حَلَفتَ لهُمْ بنَفسِكَ وقُلتَ لهُمْ: أُكَثِّرُ نَسلكُمْ كنُجومِ السماءِ، وأُعطي نَسلكُمْ كُلَّ هذِهِ الأرضِ الّتي تكلَّمتُ عنها فيَملِكونَها إلَى الأبدِ».

فنَدِمَ الرَّبُّ علَى الشَّرِّ الّذي قالَ إنَّهُ يَفعَلُهُ بشَعبِهِ». (خر9:32-14)

وفي مرة اخرى «كانَ الرَّب مَعَ القَاضي,وَخلَّصَهُم مِن يَد أَعدائِهِم كُلَّ أَيام القَاضي . لأَنَّ الرب نَدِمَ مِن أَجلِ أَنينهِم ». (قض18:2)

ومثله ندم الرب بعد ان قتل مقتلة كبيرة في بني اسرائيل , فقد«فجَعَلَ الرَّبُّ وبأً في إسرائيلَ مِنَ الصّباحِ إلَى الميعادِ، فماتَ مِنَ الشَّعبِ مِنْ دانٍ إلَى بئرِ سبعٍ سبعونَ ألفَ رَجُلٍ.

16 وبَسَطَ المَلاكُ يَدَهُ علَى أورُشَليمَ ليُهلِكَها، فنَدِمَ الرَّبُّ عن الشَّرِّ، وقالَ للمَلاكِ المُهلِكِ الشَّعبَ: «كفَى! الآنَ رُدَّ يَدَكَ». (2صموئيل 15:24-16) .

ومثل هذا الندم في الأَسفار كثيرٌ , أُنظر (تك20:18 , إر11:42,19:26 ,عا6:7) (1)

وَيقول الدكتور مصطفى محمود : «نرى الله يفعل الفعل ثمَّ يندم عليهِ . ويختار رسوله ثم يكتشف أَنَّهُ أخطأ الإختيار. وكأنه لا يدري من أَمر نفسَه شيئاً. ولا يعرف ماذا يخبئه الغيب»(2).

ويضيف أَيضاً: «ربٌ عجيب … ما يلبث أن يندم على ما يَفعَل.. والرب في حالة خطأ وندم بطول التوراة وعرضها … كيف يخطئ الرب ويندم. هوذا خلط ودشت من الكلام تكتبه أقلام وليس وحياً ولا تَنزيلاً.. والأعتراض بأن كلمة «الله يندم »هي كلمة مجازية مثل كلمة «الله يغضب» وهو اعتراض غير سَليم .. لأن النَّدم معناه الرجوع عن الخطأ. ولا يصلح مجازاً ولا فعلاً أن نقول ان الله يُخطئ كما لا يصلح مجازاً أن نقول أنَّ الله يكذب أو يظلم أو يجهل .. هذه كلمات لا يصح اطلاقها عَلى الله ولو مجازاً» (3) .

وأيضاً يقول د.مصطفى محمود : «الصورة الَّتي صورَتها التوراة لله هي صورة مَليئة بالتشويش والتناقض وسوء الفهم .. فهو في معظم صفحات الكتاب اله ندمان يفعل الفعل ثم ما يلبث أن يُدرك انّه اخطأ ويندم عليه ويرجع عنه .. ولا ينفع الاعتذار بأن كلمة يندم واردة بمعنى يغفر .. وهو اعتذار افحش من التُّهمة .. فمعناه أنَّ النبي لا يعرف أبجدية اللغة التي يخاطب بها أَتباعَهُ .. ومعناه في الحالين ان كتاب التَّوراة ليسَ كتاباً محفوظاً من الله .. وانما هو مجموعة عبارات أُلقِيَت على عواهنها وقيلت كيفما اتفق بما فيها من ضلال المخاطر وسقطات اللسان وعجز التعبير ..» (4).

وللرَد على هذه الاتهامات أقول :

أولاً – لماذا يَندم الانسان ؟

يندَم الانسان لانه يتخذ قَرارات ثم يكتشف بعد فترة من الزمن أنَّه أخطأ فيها. أو يقول كلاماً ثمَّ يكتشف أنَّهُ في غيرِ مكانِهِ. او يتصرف تصرفاً ثم يُدرك أنه غير صحيح . وكل هذا بسبب ضعفِهِ البشري . أو لعدم رؤيته الكاملة لنتائج اقواله او أفعالهُ. أو لعدم قدرتهِ على رؤية المستقبل لنقص المعلومات لَديهِ . أَو لظهور متغيرات جديدة لم تكُن في حساباتِهِ . أو كما يقول نيافة الأنبا غريغوريوس : «انَّ الندمَ في الانسان يرجع الى جهل الانسان وقصور علمه.فيندم لأن لم تأت النتائج كما كان يتوقعها.أو كما كانت في حسبانِهِ»(5).

ثانياً – الله لا يندم بالمفهوم البَشري :

يُعلن لنا الكتاب المقدس أكثر من مرة ان الله لا يندم كما يَندم الانسان دليل جهلِهِ وعدم عملِهِ . ودليل ضعفهِ . أما الله فهو يجل عن الجهل ويجل عن الضعف . مكتوب عنهُ : «لَيسَ الله انساناً فَيَكْذِب ولا ابن انسانٍ فَيَندَمْ , هل يَقول وَلا يفعَلُ؟ أَوَ يَتَكَلم ولا يَفيْ؟ » (عد 19:23).

  وهي ترد في ترجمة (NIV):

God is not a man . that he should lie. Not a son of man .that he should  change his mind. Does he speak and then not act? Does he promise and not fulfill?      

 ومكتوب أيضاً : «نَصيحُ اسرائيلَ لا يَكذِبْ وَلا يَندَمْ لانَّهُ لَيسَ انساناً لِيَندَمْ » (2صم29:15)

بكل تَأكيد الله لا يندَم لأن النَّدَم رَد فعل لحدَث سابق لَهُ.فالحدث قبل النَّدم . والندم بعد الحدث .

و «قبل وبعد» مرتَبطان بالزَّمن . والله فوقَ الزمَن ليسَ عنده ماضٍ وَحاضر وَمستقبلْ , فكل التاريخ حاضر أمامه . صفحة واحدة .

والله لا يندم لأن النَّدم ينتج عَن معلومات جَديدة ولَيس عند الله معلومات جَديدة.فهو يعرف كل شيء أزلاً «مَعْلومَةٌ عِنْدَ الرَّب مُنذُ الأَزَلِ جَميعُ أَعمالِهِ» (أع18:15) . فهو لا يفاجأ بحدث أو مَوقف . ولا تظهر متغَيرات جديدة لَم تَكُن في حساباته. فليس عنده ما نطلق عليهِ أنه غير متوقع . فكل شيء عريان ومكشوف أمامه.

والله لا يندم لان الندم تغيير في المشاعر تجاه موقف أو امر ما. والتغيير اما أن يكون للأفضَل أو للأسوأ. والله لا يتغير . «لَيسَ عندَهُ تَغيير وَلا ظِلُّ دَورانٍ»(يع 17:1 ) . وقد قال الله عن نفسه: «لأنّي أَنا الرَب لا أَتَغَيَّرْ» (ملا 6:3). وهو القوي القادر على كل شيء . وضابط كل شيء , فَعلامَ يَندَم ؟!!

تخيل أنك ترى الان نملة تسير أمامك على الارض. بالنسبة للنملة المسافة التي قطعتها في المشي ماضٍ. وقد استغرقت في المشي زمناً طويلاً بالنسبة لها. والطريق الذي أمامها مستقبل

طويل. أما بالنسبة لك فأنت ترى ماضيها وحاضرها ومستقبلها . وتعرف ان كان سيُواجهها بقعة ماء . أو طريق مسدود. أو بلّاعة …الخ. هي تفاجئ أما أنت فلا تفاجئ بشيء. فكم بالحري بالنسبه لله . ان التاريخ كله من لحظة البداية وحتى النهاية مكشوف أمامه. كل ما حدث وما سيحدث . ولا يفاجئ بحدث ولا بمعلومة جديدة. لذلك يقول: «لأنّي أنا اللهُ وليس آخَرُ. الإلهُ وليس مِثلي. مُخبِرٌ منذُ البَدءِ بالأخيرِ، ومنذُ القَديمِ بما لَمْ يُفعَلْ، قائلًا: رأيي يَقومُ وأفعَلُ كُلَّ مَسَرَّتي.» (إش 46: 9-10) .

أو تخيل أن هناك شخصاً يرصد بالرادار كل شوارع القاهرة. فيرى كل الأماكن المزدحمة وكل الأماكن الهادئة . بينما أنت تسير بسيارتك في الطريق الى عملك وأخذت قَراراً بأن تَسيرْ في شارع معين فتجده في منتهى الزَّحمة . فتندم وقد تتخذ طريقاً اخر. ولكن من يراك بالرادار هل يفاجئ بذلك ؟ كلا .

أما بالنسبة لله فهو لا يرى الشوارع فقط , انه يعرف القلوب والأفكار والنيات والضمائر, فهو يرى في الظلام كما يرى في النور. وهو فاحص القلوب ومختبر الكلى . لذلك هو لا يفاجئ بتصرف بشري. ولا يتخذ قراراً ثم يكتشف انه كان غير صحيح لان البيانات لم تكن كاملة لديه .

ثالثاً – استخدام التعابير البشرية عن الله :

الكتاب المقدس هو رسالة الله للبشرية. ولذلك هو لا يخاطبنا بلغته. ولا بلغة الملائكة بل بلغتنا واصطلاحاتنا لندرك حقائق الامور . لذلك نجد الروح القدس يستخدم اللغة البشرية للتعبير عن المعاني الروحية والأحداث الالهية حتى يفهمها الانسان. والَّا كان الله يكلم الانسان بلغة لا يفهمها . فكيف يتعامل الله مع الانسان بغير لغة الانسان؟ واستخدام الصفات البشرية في وصف الله تُعرف في علم اللاهوت بمنهج «أنثروبومورفيزم» (Anthropomorphism) اي (تشبيه الله بالانسان) أو تشبيه الله بصفات بشرية بهدف وصول المعاني الالهية للانسان بلغة قريبة الى فهم الانسان .

ولهذا السبب نجد  نصوصاً كثيرة في الكتاب المقدس , ينسب الله فيها الى ذاته تشبيهات مألوفة لدى الانسان مثل : «كرسي الله», «يد الله», «عينا الله», «أقسم الرب»,«ذراع الرب», «فم الرب»,«حزن الله»,«نَدِم الله».. الخ , كما لو كان الله انساناً .

انه من فضل نعمته يتكلم معنا مثلما يتكلم الأب مع ابنه الصغير , أو الأم مع طفلها الرضيع .

فعندما تسأله ان كان يريد ماء ليشرب, تقول له «امبو». واذا ارادت ان تعرف ان كان جائعاً ويريد أن يأكل تقول له «مم». لكي تتواصل معه .

وعندما نفند التعبيرات التي اطلقها الوحي على شخص الله سنجد انها مجرد تعبيرات بشرية لتبسيط الحق الالهي لنا . فمثلاً عندما نفكر في تعبير«كرسي الله», بالطبع الله لا يجلس على كرسي, ولا يوجد كرسى يسع الله. فهل الله محدود لدرجة انه يجلس على كرسي؟! وأين هذا الكرسي؟ّ! ألم يقل عن نفسه : «أما أَملأْ أَنا السَّموات والأّرض.يَقولُ الربُّ؟»(ار24:23)

وقال عنه سليمان: «لأنَّهُ هل يَسكُنُ اللهُ حَقًّا علَى الأرضِ؟ هوذا السماواتُ وسَماءُ السماواتِ لا تسَعُكَ» (ا مل27:8)

وقال استفانوس: كَمَا يَقولُ النَّبي:«السَّماء كُرسِيٌّ لِي, وَالأّرضُ مَوطِئٌ لِقَدَمَيَّ»(أع48:7-49)

ولكن الوحي عندما أراد ان يعبر عن سيادة وسلطان الله استخدم هذا التعبير.

وتشبيه الله بصفات بشرية بهدف وصول المعان الالهية للانسان ليس قاصر على الكتاب المقدس فقط. بل نجده في القران أَيضاً. فينسب الى الله قوله : (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) ﴿سورة يس 30﴾

يقول الشيخ الطنطاوي في تفسيره :

«والحسرة : الغم والحزن على ما فات. والندم عليه ندماً لا نفع من ورائه. كأن المتحسر قد انحسرت عنه قواه وذهبت, وصارَ في غير استطاعته ارجاعها. و «يا» حرف نداء و«حسرة» منادى ونداؤها على المجاز بتنزيلها منزلة العقلاء

والمراد بالعباد : اولئك الذين كذَّبوا الرسل, واثروا العمى على الهدى , ويدخل فيهم دخولاً اولياً أصحاب تلك القرية المهلكة …» (6) .

وأيضاً جاءَ في تفسير الصابوني :

«أي يا أسَفاً على هؤلاء المكذبين لرسل الله المنكرين لاياته ويا حسرةً عليهم , ما جائهم رسول الا كذَّبوه واستهزئوا به…» (7) .

وجاء في كتاب تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن للسعدي :

«أي ما أعظَم شقائهُم, وأطول عنائهم , وأشدَّ جهلهم, حيث كانوا بهذه الصفة القبيحة , التي هي سبب لكل شقاء وعذاب ونكال … »(8)

و «الحسرة » أصعب من الحزن والندم ؟ّ! ومكتوب عن الله أيضاً في القُران : «ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين» (ال عمران54:3) . و «المكر» صفة بشرية بغيضة . ويُنسب الى الله قوله أيضاً : «ان كيدي متين» (الأعراف 183:7) . و«الكيد» أيضاً صفة بشرية سيئة .

وقال الامام فخر الدين الرازي : «جميع الأعراض النفسانية, أعني الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والمكر والاستهزاء , لها أوائل ولها غايات.مثاله الغضب .فأن اوله غليان دم القلب,وغايته ارادة ايصال الضرب الى المغضوب (عليه) فلفظ الغضب في حق الله لا يحمل على ادلة الذي هو غليان دم القلب, بل على غرضه هو ارادة الأضرار. وكذلك الحياء له أول وهو انكسار يحصل في النفس , وله غرض وهو ترك الفعل , فلفظ الحياء في حق الله يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس ».

وقال الشيخ محيى الدين بن العربي في الباب الثالث من الفتوحات الملكية : «جميع ما وصف الحق تعالى به نفسه من خلق واحياء واماتة ومنع وعطاء ومكر واستهزاء وكيد وفرح وغضب ورضا وضحك وتبشيش وقدم ويد ويدين وأيد وعين وأعين, وغير ذلك كله نعت صحيح لربنا , ولكن على حد ما تقبله ذاته , وما يليق بجلاله»(9) .

نأتي الان للسؤال الهام :

ما الذي قَصَدهُ الوحي بعبارَة «نَدِمَ الله»؟

لقد قصد الوحي أكثر من معنى :

  • يقصد تغير اعلان القضاء :

ان الله لا يغير قضاءه . وحاشا لله أن يتخذ قرارات ويرجع فيها . ألم يقل الرسول يعقوب عن الله : «الذي لَيسَ عندَهُ تَغيير وَلا ظِلُّ دَورانٍ»(يع 17:1 ) . وقال هو عن نفسه في سفر ملاخي : «لأنّي أَنا الرَب لا أَتَغَيَّرْ» (ملا 6:3).

ولو درسنا كل المرات التي وردت فيها عبارة : «فندِمَ الرب» ونسأَل : هل فوجئ الله بمعلومات جديدة؟ أو تصرفات لم تكن في حساباته؟ كلا .

فالله بعمله السابق يعرف كل شيء . فمثلاً عندما يقول في سفر ارميا : «تارَةً أتَكلَّمُ علَى أُمَّةٍ وعلَى مَملكَةٍ بالقَلعِ والهَدمِ والإهلاكِ فترجِعُ تِلكَ الأُمَّةُ الّتي تكلَّمتُ علَيها عن شَرِّها، فأندَمُ عن الشَّرِّ الّذي قَصَدتُ أنْ أصنَعَهُ بها وتارَةً أتَكلَّمُ علَى أُمَّةٍ وعلَى مَملكَةٍ بالبِناءِ والغَرسِ،  فتفعَلُ الشَّرَّ في عَينَيَّ، فلا تسمَعُ لصوتي، فأندَمُ عن الخَيرِ الّذي قُلتُ إنّي أُحسِنُ إليها بهِ. » (إر7:18-10) .

فهل الله سيغير قراره ؟ كلا. هل الله لا يعرف بعلمه السابق ان كانوا سيفعلون الخير أم الشر؟ بكل تأكيد يعرف. انما يستخدم هذه اللغة ليحثهم على فعل الخير, وليعلن لهم أنهم احرار في اختيار طريقهم . وانهم سيحصدون نتائج اختياراتهم. لذلك تارَةٌ يتكلم على امةٍ بالهَدمِ والاهلاك . فترجعُ تِلكَ الأُمَّة عَنْ شَرِّها.فَيَندَمُ عَن الشَّر الَّذي تَكَلَّمَ بِهِ . والحقيقة هي أنَّ الله لم يفاجئ بأن هذه الأُمَّة تراجَعَت عن الشر. فهو بعلمِهِ السابق يعرف كل شيء انما توعدها بالخراب حتى تتوب وترجع عن شرها. وعندما تابت لم يغير القضاء بل اعلان القضاء لهم. وكذلك عندما يتكلم عَلى أٌمَّةٍ بِالبِناءِ والغرسِ. فَتَفعَلْ الشَّر في عَينَيهِ, ولا تَسمَعْ لِصَوته, فيندم عَنِ الخَيرِ الَّذي قال انَّه سيحسن اليها بِهِ. ونفس الشيء حدث عمدما قال الرب لموسى : «رأيتُ هذا الشَّعبْ , وَاذا هو شَعبٌ صُلْبُ الرَّقَبة فالآنَ اترُكني ليَحمَى غَضَبي علَيهِمْ وأُفنيَهُمْ، فأُصَيِّرَكَ شَعبًا عظيمًا».فتضَرَّعَ موسَى أمامَ الرَّبِّ مِنْ أَجلِ الشَّعبِ فَنَقرَأْ «فنَدِمَ الرَّبُّ علَى الشَّرِّ الّذي قالَ إنَّهُ يَفعَلُهُ بشَعبِهِ».. (خر9:32-14).

وهي ترد في ترجمة (NKJV)

So the lord relented from the harm which he said he would do to« his people»

هل فوجئ الله بتضرع موسى؟ كلا. هل كان ناسياً لعهده الذي ذكره موسى في تضرعه؟ كلا. انَّما هي لغة بشرية ليحرك بها قلب موسى وكل الشعب ليبتعدوا عن الشر ويعيشوا في مخافة الله. وليدركوا ان هناك خطر قادم ان لم يتوبوا. وارجو منك أن تقرا المزمور 106 وسترى كيف ان هذه العبارة لا تبرهن إلا على عمق محبته ورافته للشعب. فهو يحذرهُم وينذرهم ويتوعدهم بالخراب لكي يرتدعوا ويتوبوا. فنقرأ: «ونَدِمَ حَسَبَ كَثرةِ رَحمَتِهِ» (مز45:106)

. وهذا لا يتعارض مع إلوهية الله وقداسته. فالندم هنا هو الحزن بحسب الرحمة الالهية !

  • الحزن والألم :

احياناً يستخدم الوَحي الالهي تعبير «نَدِمَ الرب» ليُعبر عن كيف أن الشر والخطية تُحزِن وتكسر قلب الله . وكم كان يتمنى ان يعيش الأنسان في مخافتِه. ويصنع مشيئته  ولكنه خلقه حراً بفعل ما يشاء . فَنَقرأ : «ورأى الرَّبُّ أنَّ شَرَّ الإنسانِ قد كثُرَ في الأرضِ، وأنَّ كُلَّ تصَوُّرِ أفكارِ قَلبِهِ إنَّما هو شِرّيرٌ كُلَّ يومٍ.فحَزِنَ الرَّبُّ أنَّهُ عَمِلَ الإنسانَ في الأرضِ، وتأسَّفَ في قَلبِهِ.» (تك6:6-5)

ونفس الفكرة نجدها بعد اختيار شاول ملكاً حيث نقرأ: « وَكانَ كَلامُ الرَبِّ الى صَموئيل: «نَدِمتُ عَلى اني قَد جَعَلتُ شاول مَلِكاً . لانَّهُ رجِعَ مِنْ وَرائي وَلَمْ يُقِمْ كَلامي » (1صم11:15) .

ونسأل هل فوجئ الله بتصرف شاول؟ كلا. ان الله بعلمه السابق يعرف كل شيء لكنه يستخدم تعبيراً بشرياً ليعبر عن مدى حزنه على تصرف شاول, وترد هذه الاية في ترجمة (NIV) كالاتي :

I am grieved that i have made saul king because he has turned away from me and has not carried out my instructions

فعندما يقول الوحي الالهي عن الله «فَحَزِنَ وَ تَأَسَّفَ فِي قَلبِهِ» أَو «نَدِمْتُ» . فَهِيَ صِياغة انسانية بشرية بارشاد الروح القدس حتى يدركها الانسان. ويفهممها بعقله المحدود. يعبر بها الله للانسان عن حجم الكارثة. فهي كلمات تعبير من ناحية عمق الشر الكامن في الانسان ومدى فساده وابتعاده وزيعانه ورفضه للتوبة والرجوع الى الله خالقَهُ . بل وأصل ومصدر حياته. ورغبته في السير وراء ابليس واغراءاته وشهوات قلبِهِ.

وتعبر من ناحية اخرى عن عمق محبة الله المتألقة النازفة.فبعد أن سُر الله بخلق الانسان وقال عنه انه “حَسَنٌ جِداً ” (تك31:1) فاذا بهذا الانسان موضع سرور الله قَد هوى في بئر الخطيئة والشر . فكان الله يقول ألَيسَ هذا هو الانسان الذي خلقتُهُ على صورتي, وأحطتهُ بمحبَّتي, ومنحته كل المواهب والامكانيات التي تجعله يعمل ما يسرني. فلماذا أهانني بأفعاله الأليمة. وجرحني بزيغانه بعيداً عنّي. وعناد قلبه ورفضه للتَوبة. والاستجابة لعمل روحي في داخله ؟

انه بأختصار تعبير بشري بين مدى نفور الله من الشر والخطية من جانب . ومدى محبة وشفقة الله على الانسان الذي سقط وحلَّ به العقاب الالهي من جانب اخر .

المراجع

  • د. منقذ بن محمود السقار . هل العهد القديم كلمة الـلـه؟ ص94.
  • د. مصطفى محمود . التوراة ص12.
  • د. مصطفى محمود . التوراة ص21-25
  • المرجع السابق ص43-46
  • الأنبا غريغوريوس. مقالات في الكتاب المقدس ج3 ص115-119
  • الشيخ الطنطاوي. الوسيط في تفسير القران الكريم
  • الصابوني . تفسير صفوة التفاسير
  • السعدي. تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن . تفسير السعدي سورة يس30.
  • الشيخ محيي الدين بن عربي الحاتمي . الفتوحات الملكية . ص379

إله العهد القديم، هل هو إله غيور؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله غيور؟

إله العهد القديم، هل هو إله غيور؟

“ثُمَّ تَكَلَّمَ ٱللهُ بِجَمِيعِ هَذِهِ ٱلْكَلِمَاتِ: لأنّي أَنَا ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ إِلَهٌ غَيُورٌ” (الخروج 20: 1 – 5)

“لَا تَسْجُدُ لِإِلَهٍ آخَرَ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ ٱسْمُهُ غَيُورٌ. إِلَهٌ غَيُورٌ هُوَ” (الخروج 34: 14).

“اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَنْسَوْا عَهْدَ ٱلرَّبِّ إِلَهِكُمُ ٱلَّذِي قَطَعَهُ مَعَكُمْ، وَتَصْنَعُوا لِأَنْفُسِكُمْ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، صُورَةَ كُلِّ مَا نَهَاكَ عَنْهُ ٱلرَّبُّ إِلَهُكَ. لِأَنَّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ هُوَ نَارٌ آكِلَةٌ، إِلَهٌ غَيُورٌ” (اَلتَّثْنِيَة 4: 24،23 ).

“لِأَنَّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكُمْ إِلَهٌ غَيُورٌ فِي وَسَطِكُمْ، لِئَلَّا يَحْمَى غَضَبُ ٱلرَّبِّ إِلَهِكُمْ عَلَيْكُمْ فَيُبِيدَكُمْ عَنْ وَجْهِ ٱلْأَرْضِ” ( اَلتَّثْنِيَة 6:15  ).

عدد كبير يسأل:

نحن نعلم أن الغيرة صفه إنسانية بغيضة لا نحب أن نتصف بها، فكيف نقبل أن يوصف بها الله تعالى؟

ولماذا يُطلق الله على نفسه أنه غيور؟ وماذا يقصد بذلك؟

للإجابة على هذه الأسئلة أقول:

اولاً : هناك نوعين من الغيرة:

أن كلمة (الغَيْرَةٌ) (קַנָּ֛א) “قانا” في اللغة العبرية تحمل معنيين: تعني الحماس الشديد للدفاع عن شخص أو شئ أو قضية ما. وكذلك تأتي بمعنى سيئ وهو الحسد(1).

ولذلك نجد أن كلمة (الغَيْرَةٌ) (קַנָּ֛א) “قانا” تُتَرجم في بعض الآيات (الحسد) مثل:

“فَكَانَ لَهُ مَوَاشٍ مِنَ ٱلْغَنَمِ وَمَوَاشٍ مِنَ ٱلْبَقَرِ وَعَبِيدٌ كَثِيرُونَ. فَحَسَدَهُ (וַיְקַנְא֥וּ) ٱلْفِلِسْطِينِيُّونَ” (اَلتَّكْوِينُ 26:14  ).

“فَحَسَدَهُ (וַיְקַנְא֥וּ) إِخْوَتُهُ، وَأَمَّا أَبُوهُ فَحَفِظَ ٱلْأَمْرَ” ( اَلتَّكْوِينُ 37: 11 ).

“حَيَاةُ ٱلْجَسَدِ هُدُوءُ ٱلْقَلْبِ، وَنَخْرُ ٱلْعِظَامِ ٱلْحَسَدُ (קִנְאָֽה) ” ( أَمْثَالٌ 14: 30 ).

ونجد المعنى الرائع للغيرة في بعض الآيات كالتالي:

“لِأَنَّ غَيْرَةَ (קִנְאַ֣ת) بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ” ( اَلْمَزَامِيرُ 69: 9 )

“فِينْحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ بْنِ هَارُونَ ٱلْكَاهِنِ قَدْ رَدَّ سَخَطِي عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِكَوْنِهِ غَارَ (בְּקַנְא֥וֹ) غَيْرَتِي (קִנְאָתִ֖י) فِي وَسَطِهِمْ حَتَّى لَمْ أُفْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِغَيْرَتِي (בְּקִנְאָתִֽי) ” (اَلْعَدَد 52:11  ).

“أَهْلَكَتْنِي غَيْرَتِي (קִנְאָתִ֖י)، لِأَنَّ أَعْدَائِي نَسُوا كَلَامَكَ” ( اَلْمَزَامِيرُ 119: 139 ).

وكذلك نجد ان اللغة اليونانية لا تختلف عن العبرية، فكلمة (الغَيْرَةٌ) في اللغة اليونانية هي (ζῆλος) “زيلو” مشتقه من أصل يعني “حار”، وهو يعبًّر تعبيراً صادقاً عن نفس كلمة “قيناه” العبرية، فتشير الى الإحمرار المتصاعد على وجه إنسان منفعل، وهذا الانفعال قد يصدر عن مشاعر مختلفة تتراوح من الحب النزيه الى الحسد الدانئ. فالأمر كله متعلق بالدافع أو المحرك الذي يحرك هذا الحماس(2).

فنجد كلمة (الغَيْرَةٌ) (ζῆλος) “زيلو” تُتَرجم في بعض الآيات بالمعنى السلبي (الحسد الدنئ):

“لِأَنَّهُ حَيْثُ ٱلْغَيْرَةُ (ζῆλος) وَٱلتَّحَزُّبُ، هُنَاكَ ٱلتَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ” ( يَعْقُوبَ 3: 16 ).

“لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي ٱلنَّهَارِ: لَا بِٱلْبَطَرِ وَٱلسُّكْرِ، لَا بِٱلْمَضَاجِعِ وَٱلْعَهَرِ، لَا بِٱلْخِصَامِ وَٱلْحَسَدِ (ζήλῳ) ” ( رُومِيَةَ 13: 13 ).

“فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ (ζῆλος) وَخِصَامٌ وَٱنْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ ٱلْبَشَرِ؟” (كُورِنْثُوسَ ٱلأُولَى3: 3 ).

“ٱلْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. ٱلْمَحَبَّةُ لَا تَحْسِدُ (ζηλοῖ) ” (كُورِنْثُوسَ ٱلأُولَى 13: 4).

ونجد المعنى الجميل الرائع للغيرة في بعض الآيات كالتالي:

“وَلَكِنْ جِدُّوا (ζηλοῦτε) لِلْمَوَاهِبِ ٱلْحُسْنَى. وَأَيْضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ” (كُورِنْثُوسَ ٱلأُولَى 12: 31).

“هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا، إِذْ إِنَّكُمْ غَيُورُونَ (ζηλωταὶ) لِلْمَوَاهِبِ ٱلرُّوحِيَّةِ، ٱطْلُبُوا لِأَجْلِ بُنْيَانِ ٱلْكَنِيسَةِ أَنْ تَزْدَادُوا” ( كُورِنْثُوسَ ٱلأُولَى 41:12  ).

“فَإِنِّي أَشْهَدُ فِيهِ أَنَّ لَهُ غَيْرَةً (ζῆλον) كَثِيرَةً لِأَجْلِكُمْ، وَلِأَجْلِ ٱلَّذِينَ فِي لَاوُدِكِيَّةَ، وَٱلَّذِينَ فِي هِيَرَابُولِيسَ” ( كُولُوسِّي 4: 13 ).

“فَإِنِّي أَغَارُ (ζηλῶ) عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ (ζηλῶ) ٱللهِ، لِأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، لِأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ” (كُورِنْثُوسَ ٱلثَّانِيةُ 11: 2 ).

“لِأَنِّي أَعْلَمُ نَشَاطَكُمُ ٱلَّذِي أَفْتَخِرُ بِهِ مِنْ جِهَتِكُمْ لَدَى ٱلْمَكِدُونِيِّينَ، أَنَّ أَخَائِيَةَ مُسْتَعِدَّةٌ مُنْذُ ٱلْعَامِ ٱلْمَاضِي. وَغَيْرَتُكُمْ (ζῆλος) قَدْ حَرَّضَتِ ٱلْأَكْثَرِينَ” (كُورِنْثُوسَ ٱلثَّانِيةُ 9 : 2 ).

فكل قواميس اللغة أكًّدت أن كلمة (الغَيْرَةٌ) سواء العبرية (קַנָּ֛א) “قانا”، أو اليونانية (ζηλὸω) تحمل معنيين: معنى رائع جميل يعبر عن مشاعر دافئة نابعة من محبة حقيقية تدفع الشخص لأن يبذل كل ما في وسعه لأجل من يحب سواء كان شخصاً أو موضوعاً او شيئاً أو قضية، وهذه هي الغيرة السليمة الصحيًّة. وايضاً تحمل معنى سلبياً شريراً اقرب الى الحسد؛ أي أن الشخص الغيور يريد زوال ما بين يدي الآخر، ويكره كل من هو أفضل منه، ويحمل له مزيجاً من مشاعر الحسد والحقد والغضب.

ودافع هذه الغيرة المريضة هو البغضة والشعور بالنقص، وهو اتجاه طفولي يظهر في تصرفات كلها حقد، وأنانية، وحب امتلاك، فهي من أعمال الجسد كما يقول الرسول بولس: ” وَأَعْمَالُ ٱلْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، ٱلَّتِي هِيَ: زِنًى، عَهَارَةٌ، نَجَاسَةٌ، دَعَارَةٌ، عِبَادَةُ ٱلْأَوْثَانِ، سِحْرٌ، عَدَاوَةٌ، خِصَامٌ، غَيْرَةٌ (ζῆλος)، سَخَطٌ… وَأَمْثَالُ هَذِهِ ٱلَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ لَا يَرِثُونَ مَلَكُوتَ ٱللهِ” (غَلَاطِيَّةَ 5:20 – 19  ). وأنا أطلق عليها الغيرة المرضية المدمرة.

وبكل يقين أقول: إن كل الآيات التي تتحدث عن غيرة الله لا تعني الحسد أو الأنانية أو الغيرة المريضة, ولكنها تعني الغيرة المقدسة الصحية بهدف حماية شئ مقدس. ويقول د. القس فهيم عزيز: “الله ليس غيوراً في طبيعته بل في عمله. غيوراً لا لنفسه بل لخير الإنسانية”(2)

ثانياً : تعبير بشري يوضح حقاً إلهياً:

     ذكرت سابقاً ان الكتاب المقدًّس هو رسالة الله للبشرية. ولذلك عندما يريد الله ان يعلن عن ذاته لابد أن يستخدم تعبيرات بشرية وإلا لن نفهم شيئاً, ولذلك من نعمة الله علينا انه لا يخاطبنا بلغته، ولا بلغة الملائكة بل بلغتنا واصطلاحاتنا لنفهم ما يقول، فنجد الروح القدس يستخدم اللغة البشرية للتعبير عن المعاني الروحية والأحداث الإلهية حتى يفهمها الإنسان, وإلاًّ لكان الله يكلم الإنسان بلغة لا يفهمها، فكيف يتعامل الله مع الإنسان بغير لغة الإنسان؟

واستخدام الصفات البشرية في وصف الله تَعرَف في علم اللاهوت بمنهج “أنثروبومورفيزم” (Anthropomorphism) أي (تشبيه الله بالإنسان) أو تشبيه الله بصفات بشرية بهدف وصول المعاني الإلهية للإنسان بلغة قريبة إلى فهم الإنسان.

ولهذا السبب نجد نصوصاً كثيرة في الكتاب المقدَّس، لدى الإنسان مثل: “كرسي الله”، “يد الله”، “عينا الله”، “أقسم الرب”، “ذراع الرب”، “فم الرب”، “حزن الله” “غيرة الله”، “ندم الله”..إلخ. كما لو كان الله انساناً.

وتشبيه الله بصفات بشرية بهدف وصول المعاني الإلهية للإنسان ليس قاصراً على الكتاب المقدس فقط بل نجده في القرآن ايضاً فمكتوب عن الله: “ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين” (آل عمران 3 : 54)، و”المكر” صفة بشرية بغيضة. ويُنسَب إلى الله قوله ايضاً: “أن كيدي متين” (الأعراف 7: 183)، و”الكيد” ايضاً صفة بشرية سيئة؟!

إن الوحي الإلهي عندما يقول عن الله إنه يحب ويكره ويفرح ويحزن ويتحسّر ويندم ويغار…إلخ. هو لا يقصد أن الله له حواس أو مشاعر مثل مشاعرنا، إنما يريد أن يؤكد على مدى تفاعل الله مع البشرية. وأن يبين أن له مواقف إزاء ما يفعله البشر. وتعبير (غيرة الله) يستخدمه الوحي ليؤكد على ثلاثة أمور هامة هي:

(1) الله يغار لأنه يحب:

عندما أراد الرب أن يعبَّر عن عمق علاقته بشعبه وتوحده بهم شبه هذه العلاقة “بعلاقة العهد” الذي دخله الله مع شعبه، وبعلاقة الزوج بزوجته فيقول: ” «لَكِنْ هَأَنَذَا أَتَمَلَّقُهَا وَأَذْهَبُ بِهَا إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ وَأُلَاطِفُهَا… وَهِيَ تُغَنِّي هُنَاكَ كَأَيَّامِ صِبَاهَا، وَكَيَوْمِ صُعُودِهَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، أَنَّكِ تَدْعِينَنِي “رَجُلِي” وَلَا تَدْعِينَنِي بَعْدُ “بَعْلِي”… وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إِلَى ٱلْأَبَدِ. وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِٱلْعَدْلِ وَٱلْحَقِّ وَٱلْإِحْسَانِ وَٱلْمَرَاحِمِ. أَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِٱلْأَمَانَةِ فَتَعْرِفِينَ ٱلرَّبَّ” ( هُوشَع 2: 41 – 02)

ونجد إشعياء يتغنًّى بحب الله لشعبه على مستوى الخطبة والزواج أيضاً فيقول: “لِأَنَّ بَعْلَكِ هُوَ صَانِعُكِ، رَبُّ ٱلْجُنُودِ ٱسْمُهُ، وَوَلِيُّكِ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ، إِلَهَ كُلِّ ٱلْأَرْضِ يُدْعَى. لِأَنَّهُ كَٱمْرَأَةٍ مَهْجُورَةٍ وَمَحْزُونَةِ ٱلرُّوحِ دَعَاكِ ٱلرَّبُّ، وَكَزَوْجَةِ ٱلصِّبَا إِذَا رُذِلَتْ، قَالَ إِلَهُكِ” ( إِشَعْيَاءَ54 :- 5 6)

ويؤكد الرب أيضاً على لسان إرميا قائلاً: “ٱذْهَبْ وَنَادِ فِي أُذُنَيْ أُورُشَلِيمَ: هَكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ: قَدْ ذَكَرْتُ لَكِ غَيْرَةَ صِبَاكِ، مَحَبَّةَ خِطْبَتِكِ، ذِهَابَكِ وَرَائِي فِي ٱلْبَرِّيَّةِ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَزْرُوعَةٍ” ( إِرْمِيَا2:2، راجع ايضاً: الخروج 20: 2 – 6، إِشَعْيَاءَ 6: 9: 6 و 7، حزقيال 16، هوشع 1).

ولذلك فإن الرب يغار على شعبه كما يغار الزوج على زوجته، ولذلك لا يدهشنا حقاً أن نجد مع لغة الزيجة التي يتحدث بها الله تعبيراً عن محبته لشعبه، الشعور بالغيرة التي كان يغير بها الله على عروسه أي شعبه الذي اختاره لنفسه حينما كانت إسرائيل تذهب وراء آلهة غريبة فنقرأ: ” اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَقْطَعَ عَهْدًا مَعَ سُكَّانِ ٱلْأَرْضِ، فَيَزْنُونَ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ وَيَذْبَحُونَ لِآلِهَتِهِمْ، فَتُدْعَى وَتَأْكُلُ مِنْ ذَبِيحَتِهِمْ، وَتَأْخُذُ مِنْ بَنَاتِهِمْ لِبَنِيكَ، فَتَزْنِي بَنَاتُهُمْ وَرَاءَ آلِهَتِهِنَّ، وَيَجْعَلْنَ بَنِيكَ يَزْنُونَ وَرَاءَ آلِهَتِهِنَّ” ( اَلْخُرُوجُ 34:15-14). فالله يعتبر عبادة الأوثان زنى، فيقول: ” هَلْ رَأَيْتَ مَا فَعَلَتِ ٱلْعَاصِيَةُ إِسْرَائِيلُ؟ اِنْطَلَقَتْ إِلَى كُلِّ جَبَلٍ عَالٍ، وَإِلَى كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ وَزَنَتْ هُنَاكَ. وَكَانَ مِنْ هَوَانِ زِنَاهَا أَنَّهَا نَجَّسَتِ ٱلْأَرْضَ وَزَنَتْ مَعَ ٱلْحَجَرِ وَمَعَ ٱلشَّجَرِ. وَفِي كُلِّ هَذَا أَيْضًا لَمْ تَرْجِعْ إِلَيَّ أُخْتُهَا ٱلْخَائِنَةُ يَهُوذَا بِكُلِّ قَلْبِهَا، بَلْ بِٱلْكَذِبِ. يَقُولُ ٱلرَّبُّ”( إِرْمِيَا 3: 6 – 9).

وما أروع ما قاله العلامة أوريجانوس: “إن أي إنسان عاقل يحب زوجته يغار عليها. فعندما يدخل شخص إلى زانية لا يغضب إذا وجد عندها أشخاصاً آخرين، ولكن من يدخل إلى زوجته ويرى غريباً فإنه يغضب ويغتاظ جداً. عند الزانية لا يغار الواحد من الآخر، ولا يريد أن يطرد الواحد الآخر، ولكن إذا أحبها بصدق فإنه يريد أن يحررها منهم، ولا يريد أن يرتبط بها أحد سواه”(4).

وغيرة الله لا تتخذ رد فعل أعمى، ولكن هي نتيجة عقلانية للحب الصادق. وهي غيرة مقدسة لحماية علاقة الحب، وهي نتيجة لعمق الحب، إنه يريد ولاءً مطلقاً، يريد صدىً لمحبته.

لذلك نجد الرب يعتبر فتور المحبة خطية فيقول: ” لَكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ ٱلْأُولَى. فَٱذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَٱعْمَلِ ٱلْأَعْمَالَ ٱلْأُولَى، وَإِلَّا فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ” ( رُؤْيَا يُوحَنَّا 2:5-4 ).

وما هي المحبة الأولى؟

المحبة الأولى هي ببساطة محبة أول المعرفة أو محبة فترة الخطبة (إر 2: 2، 2كو 11: 2) إنها محبة الخطيبة لخطيبها. محبة الزوجة المُحبة لزوجها (أف 5: 23 – 26).

لقد كان القديس اغسطينوس يقول: “أحبب الرب بكل قلبك وافعل ما تشاء”. إن المحبة هي كل شئ فهي بمثابة الروح في الجسد متى ضاعت المحبة أصبحنا أمام جثة ميتة لا قيمة لها.

(2) الله غيور لذلك يؤدب ويعاقب:

     عندما يقول الرب عن نفسه إنه “غَيُور” كان يريد أن يؤكد على فكرة أنه سيؤدب عروسه عندما تخون، ولكن أرجو أن تلاحظ أن الرب قبل أن يقول: “لِأَنَّ ٱلرَّبَّ ٱسْمُهُ غَيُورٌ. إِلَهٌ غَيُورٌ هُوَ”. يقول: ” هَا أَنَا قَاطِعٌ عَهْدًا. قُدَّامَ جَمِيعِ شَعْبِكَ أَفْعَلُ عَجَائِبَ لَمْ تُخْلَقْ فِي كُلِّ ٱلْأَرْضِ وَفِي جَمِيعِ ٱلْأُمَمِ، فَيَرَى جَمِيعُ ٱلشَّعْبِ ٱلَّذِي أَنْتَ فِي وَسَطِهِ فِعْلَ ٱلرَّبِّ. إِنَّ ٱلَّذِي أَنَا فَاعِلُهُ مَعَكَ رَهِيبٌ” (اَلْخُرُوجُ 34: 10 – 14).

وقبل أن يقول : ” لِأَنَّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكُمْ إِلَهٌ غَيُورٌ فِي وَسَطِكُمْ، لِئَلَّا يَحْمَى غَضَبُ ٱلرَّبِّ إِلَهِكُمْ عَلَيْكُمْ فَيُبِيدَكُمْ عَنْ وَجْهِ ٱلْأَرْضِ” يقول: “فَٱحْتَرِزْ لِئَلَّا تَنْسَى ٱلرَّبَّ ٱلَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ ٱلْعُبُودِيَّةِ” ( اَلتَّثْنِيَة 6:15 )

وهناك شواهد عديدة تؤكد أن الغيرة تقود الرب إلى تأديب شعبه إذا انحرف وخان، راجع: (تث 4: 23، 24، يش 24: 19، حز 23: 22 – 30، حز 36: 5 – 8). هذا العقاب والتأديب هو لخير شعبه، إنه يؤدب ليعالج ويصلح، يؤدب كأب، فالتأديب برهان المحبة، أنت لا يمكن أن تؤدب ابن الجيران إذا أخطأ ولكن تؤدب ابنك، قال الحكيم: “مَنْ يَمْنَعُ عَصَاهُ يَمْقُتِ ٱبْنَهُ، وَمَنْ أَحَبَّهُ يَطْلُبُ لَهُ ٱلتَّأْدِيبَ” ( أَمْثَالٌ 13:24).

“لَا تَمْنَعِ ٱلتَّأْدِيبَ عَنِ ٱلْوَلَدِ، لِأَنَّكَ إِنْ ضَرَبْتَهُ بِعَصًا لَا يَمُوتُ. تَضْرِبُهُ أَنْتَ بِعَصًا فَتُنْقِذُ نَفْسَهُ مِنَ ٱلْهَاوِيَةِ” ( أَمْثَالٌ 32:14-13). ( أَمْثَالٌ 31: 18).

وقال كاتب الرسالة إلى العبرانيين: ” يَا ٱبْنِي، لَا تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ ٱلرَّبِّ، وَلَا تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ. لِأَنَّ ٱلَّذِي يُحِبُّهُ ٱلرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ٱبْنٍ يَقْبَلُهُ” ( ٱلْعِبْرَانِيِّينَ 12: 6).

ويقول الرب:

“أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ٱبْنًا. إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ ٱلنَّاسِ وَبِضَرَبَاتِ بَنِي آدَمَ” ( صَمُوئِيلَ ٱلثَّانِي 7:14).

“إِنِّي كُلُّ مَنْ أُحِبُّهُ أُوَبِّخُهُ وَأُؤَدِّبُهُ. فَكُنْ غَيُورًا وَتُبْ” ( رُؤْيَا يُوحَنَّا3:19 ).

     ما هي أهداف التأديب؟

ويقول بولس “وَلَكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ ٱلرَّبِّ لِكَيْ لَا نُدَانَ مَعَ ٱلْعَالَمِ” (كُورِنْثُوسَ ٱلأُولَى 11:32).

“إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ ٱلتَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ ٱللهُ كَٱلْبَنِينَ. فَأَيُّ ٱبْنٍ لَا يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟ وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلَا تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ ٱلْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لَا بَنُونَ. ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلَا نَخْضَعُ بِٱلْأَوْلَى جِدًّا لِأَبِي ٱلْأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟ لِأَنَّ أُولَئِكَ أَدَّبُونَا أَيَّامًا قَلِيلَةً حَسَبَ ٱسْتِحْسَانِهِمْ، وَأَمَّا هَذَا فَلِأَجْلِ ٱلْمَنْفَعَةِ، لِكَيْ نَشْتَرِكَ فِي قَدَاسَتِهِ. وَلَكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي ٱلْحَاضِرِ لَا يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي ٱلَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرٍّ لِلسَّلَامِ” (ٱلْعِبْرَانِيِّينَ 12: 7 – 11).

لذلك أقول الويل لمن لا يعاقبه الله، فإن تُرك الإنسان بلا تأديب سيحصد الكارثة الأبدية. لذلك قال داود: “طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي تُؤَدِّبُهُ يَا رَبُّ، وَتُعَلِّمُهُ مِنْ شَرِيعَتِكَ” (اَلْمَزَامِيرُ 49:12 ). راجع (مز 6: 1، مز 38: 1، مز 18: 18).

(3) يغار فيحمى شعبه:

     يغار الرب لأن اسمه – الذي دعيَّ على شعبه قدوس، فيحمى شعبه من الأعداء ” أَنَا ٱلرَّبُّ هَذَا ٱسْمِي، وَمَجْدِي لَا أُعْطِيهِ لِآخَرَ، وَلَا تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ” (إِشَعْيَاءَ42:8). راجع (إش 48: 11).

ويغار الرب على شعبه غيرة أب على أبنائه، وزوج على زوجته (إش 59: 17 – 19)، فلا يتركه فريسة للأعداء، لكنه يحارب عنه، وينقذه ويخلصه من أعدائه، ويَعتَبِر أي إهانة لشعبه كأنها عليه هو فنقرأ: ” لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ: ٱلْآنَ أَرُدُّ سَبْيَ يَعْقُوبَ، وَأَرْحَمُ كُلَّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، وَأَغَارُ عَلَى ٱسْمِي ٱلْقُدُّوسِ” (حِزْقِيَال 39:،25 راجع: 36: 23).

وعندما يرى شعبه مضطهد ومظلوم فهو يخلصهم نقرأ: ” ٱلرَّبُّ كَٱلْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوبٍ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ. يَهْتِفُ وَيَصْرُخُ وَيَقْوَى عَلَى أَعْدَائِهِ” ( إِشَعْيَاءَ 42:13 ، راجع: خر 39: 25، إش 37: 23، زك 1: 14، يؤ 2: 18، صف 1: 18).

لذلك كان الناس في ظروفهم الصعبة يصرخون إلى غيرة الرب لإنقاذهم:

فيقولون له: ” تَطَلَّعْ مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱنْظُرْ مِنْ مَسْكَنِ قُدْسِكَ وَمَجْدِكَ: أَيْنَ غَيْرَتُكَ وَجَبَرُوتُكَ؟ ” ( إِشَعْيَاءَ 36:15 ). وهكذا نرى يؤئيل النبي ينادي بصوم وتذلل وتوبة أمام الرب ” فَيَغَارُ ٱلرَّبُّ لِأَرْضِهِ وَيَرِقُّ لِشَعْبِهِ” (يُوئِيل 2:18 ).

بل إن غيرة الرب لخلاص شعبه قادته إلى التجسد، هكذا قال إشعياء: “لِأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ٱبْنًا، وَتَكُونُ ٱلرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى ٱسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلَهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ ٱلسَّلَامِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلَامِ لَا نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِٱلْحَقِّ وَٱلْبِرِّ، مِنَ ٱلْآنَ إِلَى ٱلْأَبَدِ. غَيْرَةُ رَبِّ ٱلْجُنُودِ تَصْنَعُ هَذَا” (إِشَعْيَاءَ9:7-6 ).

ما هو المطلوب منا أمام غيرة الله؟

   غيرة حقيقية على عمل الرب:

إن الرب يريدنا ” شَعْبًا خَاصًّا غَيُورًا فِي أَعْمَالٍ حَسَنَةٍ” ( تِيطُسَ2:14). وقال إرميا قديماً: “مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ ٱلرَّبِّ بِرِخَاءٍ” ( إِرْمِيَا 48:10). إنه يريد منا رد فعل ايجابي أمام غيرته علينا، فنغار عليه، وعلى مجده. وعلى كنيسته، وكلمته وأن يكون اهتمامنا بعمله صادقاً، ومحبتنا له تملأ القلب، وتكريسنا لشخصه كاملاً.

قال الأسقف Ray: ” إن الغيرة رغبة ملتهبة لإكرام الله، ولعمل مشيئته، ولطلب وجهه، الغيرة تعني شيئاً واحداً أن أكون بالكامل بين يدي الله”.

عندما سمع عزرا أن الزرع المقدس (شعب الله) اختلط بالأمم وعاشوا في الشر والفساد مزق ثيابه، ونتَّف شعر ذقنه ورأسه، وكان يصلي صارخاً وباكياً من أجل شعب الرب ليلاً ونهاراً، وقام بدور ايجابي لإصلاح ما يمكن إصلاحه. (عز 9: 1 – 10).

وعندما سمع نحميا “إِنَّ ٱلْبَاقِينَ ٱلَّذِينَ بَقُوا مِنَ ٱلسَّبْيِ هُنَاكَ فِي ٱلْبِلَادِ، هُمْ فِي شَرٍّ عَظِيمٍ وَعَارٍ. وَسُورُ أُورُشَلِيمَ مُنْهَدِمٌ، وَأَبْوَابُهَا مَحْرُوقَةٌ بِٱلنَّارِ” يقول: “جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ أَمَامَ إِلَهِ ٱلسَّمَاءِ” ( نَحَمْيَا 1:4 ). وقد كان نحميا “سَاقِياً لِلْمَلِكِ” وهذه الوظيفة تعادل اليوم “مدير مكتب الرئيس، أو أمين رئاسة الجمهورية”، كان ناجحاً جداً في عمله، وفي مركز مرموق للغاية، وكان يمكن أن يلتمس العذر لنفسه، أو يفكر في إرسال مساعدة لهم، أو يكتفي بالصلاة لأجلهم، لكنه تجاوب وترك منصبه وعاد لبلده ليفعل شيئاً.

ونقرأ عن بولس الذي يقول عن نفسه:

“وَلَكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلَا نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَٱلْخِدْمَةَ ٱلَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، لِأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ ٱللهِ” ( أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 20:24).

“لِذَلِكَ ٱسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلَاثَ سِنِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ” ( أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 20: 31).

“فَإِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ ٱللهِ، لِأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، لِأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ. وَلَكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ ٱلْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هَكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ ٱلْبَسَاطَةِ ٱلَّتِي فِي ٱلْمَسِيحِ” ( كُورِنْثُوسَ ٱلثَّانِيةُ 11:2، 3 ).

“من يضعف وأنا لا أضعف؟ من يعثر وأنا لا ألتهب؟” (2كو 11: 23). وهي ترد في ترجمة (ك ح) كالآتي:

“أهنالك من يضعف ولا أضعف أنا، ومن يتعثر ولا أحترق أنا؟”.

ونقرأ عن أبولس: “ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ يَهُودِيٌّ ٱسْمُهُ أَبُلُّوسُ، إِسْكَنْدَرِيُّ ٱلْجِنْسِ، رَجُلٌ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي ٱلْكُتُبِ. كَانَ هَذَا خَبِيرًا فِي طَرِيقِ ٱلرَّبِّ. وَكَانَ وَهُوَ حَارٌّ بِٱلرُّوحِ يَتَكَلَّمُ وَيُعَلِّمُ بِتَدْقِيقٍ مَا يَخْتَصُّ بِٱلرَّبِّ…. كَانَ بِٱشْتِدَادٍ يُفْحِمُ ٱلْيَهُودَ جَهْرًا، مُبَيِّنًا بِٱلْكُتُبِ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ” ( أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 81:28-24).

ونقرأ عن أبفراس: “يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَبَفْرَاسُ، ٱلَّذِي هُوَ مِنْكُمْ، عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ، مُجَاهِدٌ كُلَّ حِينٍ لِأَجْلِكُمْ بِٱلصَّلَوَاتِ، لِكَيْ تَثْبُتُوا كَامِلِينَ وَمُمْتَلِئِينَ فِي كُلِّ مَشِيئَةِ ٱللهِ. فَإِنِّي أَشْهَدُ فِيهِ أَنَّ لَهُ غَيْرَةً كَثِيرَةً لِأَجْلِكُمْ، وَلِأَجْلِ ٱلَّذِينَ فِي لَاوُدِكِيَّةَ، وَٱلَّذِينَ فِي هِيَرَابُولِيسَ. (كُولُوسِّي4:13-12).

شروط الغيرة الصحيحة:

(1) حسب المعرفة:

قال الرسول بولس عن الهيود: “لِأَنِّي أَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ غَيْرَةً لِلهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْمَعْرِفَةِ” ( رُومِيَةَ 10:2).

وما قيمة الغيرة بلا معرفة؟ بل وماذا تفعل في صاحبها؟ إنها لا تقود إلا إلى الإرهاب والتطرف، فبولس قبل أن يتغير كان يهودياً غيوراً جداً، ولذلك كان يضطهد كنيسة الله بإفراط ويتلفها، وكان ينفث تهدداً وقتلاً في شعب الرب. وأرجو أن تفكر في الأسئلة الآتية:

ماذا تفعل الغيرة بلا طهارة؟

ماذا تفعل الغيرة بلا حكمة؟

ماذا تفعل الغيرة بلا رؤية؟

(2) غيرة في الحسنى:

قال الرسول بولس: “حَسَنَةٌ هِيَ ٱلْغَيْرَةُ فِي ٱلْحُسْنَى كُلَّ حِينٍ” ( غَلَاطِيَّةَ 4:18 ).

صلاتي أن يملأ الرب كنيسته هذه الأيام بشعب لديه غيرة في الحسنى بمعنى:

غيرة في المواهب الروحية:

“وَلَكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ ٱلْحُسْنَى. وَأَيْضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ” (كُورِنْثُوسَ ٱلأُولَى 12:31).

“اِتْبَعُوا ٱلْمَحَبَّةَ، وَلَكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ ٱلرُّوحِيَّةِ، وَبِٱلْأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا” (كُورِنْثُوسَ ٱلأُولَى14:1 ).

     غيرة في العطاء:

“لِأَنِّي أَعْلَمُ نَشَاطَكُمُ ٱلَّذِي أَفْتَخِرُ بِهِ مِنْ جِهَتِكُمْ لَدَى ٱلْمَكِدُونِيِّينَ، أَنَّ أَخَائِيَةَ مُسْتَعِدَّةٌ مُنْذُ ٱلْعَامِ ٱلْمَاضِي. وَغَيْرَتُكُمْ قَدْ حَرَّضَتِ ٱلْأَكْثَرِينَ” ( كُورِنْثُوسَ ٱلثَّانِيةُ 9:2 ).

     غيرة على بيته:

“لِأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ” (اَلْمَزَامِيرُ69:9 ).

     غيرة تقود للتوبة:

“إِنِّي كُلُّ مَنْ أُحِبُّهُ أُوَبِّخُهُ وَأُؤَدِّبُهُ. فَكُنْ غَيُورًا وَتُبْ” ( رُؤْيَا يُوحَنَّا 3:19).

المراجع

 (1) William L.Holladay.Azoncise Hebrew and Aramaic Lexicon of the Old Testament, p. 279.

(2) Walter Bauer. A Greek – English Lexicon of the New Testament. P. 348.

(3) د. القس فهيم عزيز. الوصايا العشر. ص 63.

(4) الأب تادرس يعقوب ملطي. سفر الخروج، ص 249.

Exit mobile version