الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 2

الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 2

الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 2

الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 1

الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 1

الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 1

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

لمناقشة نقاط أخرى في القضية: هل الله ظالم فى قصة اليشع النبى وقتل الصبية؟

قال لامب مزحة يعلم كل أصلع منا ان هؤلاء الصبيان يستحقون ما حدث لهم. فأبنائي يستحقون ان تخرج عليهم الدببة؟

اضافات لامب كالاتي:

أولا: ان كلمة صبي في العبري يمكن ان تعني مراهق او مراهق كبير بحسب قاموس براون. واستخدمت الكلمة على بنيامين شقيق يوسف. وكان في العشرينات من عمره بحسب تكوين 44: 20. وهذا بالطبع ما يقوله السياق فكيف لأطفال ان يذهبوا للغابة بمفردهم. هل يخرج اطفال الحضانة دون اشراف من الاباء او المشرفين. لكن بالطبع هم مراهقين. ومراهقين في الغابة؟ يبدوا ان حياة اليشع كانت في خطر.

ثانياً: في الولايات المتحدة لا يهم السخرية لكن بقية العالم السخرية مؤذية وتؤخذ على محمل الجد خصوصاً عندما تكون من حاكم او قائد او ملك. تعتبر اهانة شرف ويمكن ان تكون معركة بسبب السخرية حتى الموت. فينبغي الا ننظر بمنظر القرن 21 للحدث لكن في السياق الثقافي نجد ان ما فعله اليشع من غضب هو مبرر.

ثالثاً: من يدرس سياق سفر الملوك بتوسع خصوصا الاصحاحات الاتية ” 2 , 6 , 8 , 13 “سيجد ان اليشع شفي نعمان الاممي السوري. وأطعم الجياع ونقي المياة. وصلي للمرأة وولدت. واقام موتي ومنع حروب. حتى لمس العظام يصنع المعجزات بحسب ملوك الثاني 13: 21. فتميزت اعماله بمعجزات. بنعمة الهية. فسلك سلوك رحيم مثل الام تريزة وغيرها. فينبغي ان لا ننظر لمقطع واحد دون ان نري الصورة بأكملها.

رابعاً: افترض الشخص المعترض ان الرب أرسل الدببة فقتل اثنين واربعين صبي. فالنص لا يذكر ان الصبيان ماتوا لكن تمزقوا بحسب ملوك الاول 13: 24 وملوك الاول 20: 36. وهناك تسجيل لحادثتين منفصلين عن هجوم أسد. وفيه نجد ان الضحية ماتت من قبل الحيوان، وهناك اراء تختص بالترجمة السبعينية ان هؤلاء العصابة من الفتية القوا الحجارة على اليشع مما يبرر غضبه.

الرب كان يحمي عشرات الارواح من خلال اليشع في فيلم توك كروز كان انقاذ أحد الشخصيات أنقذ مئات الارواح. وبالمثل في قصة اليشع فالرب يحمي الضعفاء ويحافظ على حياتهم.

وجهة النظر طبقاً للواقع الكتابي

ما قاله لامب هو ان بالفعل الكلمة تعني مراهق وهذا صحيح قال الرابي دانيال معلقاً على النص: الآية تقول na’arim ketanim أي صبيان صغار وهذا امر غريب لان كلمة na’ar هي التي تشير الي شباب. يمكن ان يكون السبب ما ذكره الرابي Shlom Yitschaki ان المقصود الاساسي من هذه النصوص ووصفهم بالأطفال الصغار ليس العمر لكن الواقع. فهؤلاء الرجال أخلوا بوصايا الرب.

وقال راي اخر الرابي Yitschaki ان وصفهم بالصبيان الصغار في افعالهم وليس توصيفاً للعمر او السن. وهذا اسلوب كتابي. لكن الإشارة الي ان الموضوع عقاب هذا مخالف. ولتوضيح هذا كان يوجد شخص يدعي ديفيد جنكنز كان كاهناً ابن التاسعة والخمسين وكان سيكرس اسقفاً على كاتدرائية يورك. لكن سرعان ما اعترض الشعب لعدم استقامة تعليمه.

وبعد اقل من ثلاثة ايام اصاب البرق السقف الخشبي للجناح الخشبي للكاتدرائية الاثرية. فأرتأى الناس ان هذا الامر هو استجابة السماء. وتدخل وعقاب إلهي. وتزكية لآرائهم. فيتساءل فليب يانسي لماذا لم يرسل الله البرق على الكنائس المنكرة للعقائد الاساسية او المعابد الوثنية لو ان الله بهذا الفكر لكانت الارض تلألئه كشجره عيد الميلاد.

نرجع للموضوع مرة اخرى لم يذكر النص ان الامر هو عقاب من الرب. بل ذكر ان دبتان خرجتان من الوعر. ولم يذكر ان الرب اخرجهما من الوعر. فالأمر هو مجرد كارثة طبيعية وليس عقاب إلهي. وذكر كاتب سفر الملوك الثاني تمزيقهم او افتراسهم هو لاعتقاده ان الامر هو تزكية من السماء لما فعلوه مع اليشع.

فالوحي لم يلغي ثقافة الكاتب وخلفيته. بخصوص العدد 42 وكيف تأكلهم دبتان؟ بالرجوع للنص النص لا يشير الي زمن محدد او دفعه واحده مثل القول ان هناك 15 شخص غرقوا في النيل. العبارة لم تحدد وقت هل الغرق تم خلال عام ام سنتان ام ثلاثة.

إقرأ أيضًا:

God Behaving Badly? David T. Lamb

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

آيات القتل في العهد القديم ونسبه لله، كيف يمكننا أن نفهم هذا؟

آيات القتل في العهد القديم ونسبه لله، كيف يمكننا أن نفهم هذا؟

آيات القتل في العهد القديم ونسبه لله، كيف يمكننا أن نفهم هذا؟

آيات القتل في العهد القديم ونسبه لله، كيف يمكننا أن نفهم هذا؟

نجد في العهد القديم قصصاً كثيرة “غير عادية”، مثل القتل أو الأمر بالقتل في العهد القديم. الكثير من هذه القصص تُعزي إلى الله نفسه. كيف يمكننا أن نفهم مثل هذه القصص: بصورة رمزية أو مجازية؟ هل يأمر الله نفسه بغزو أراضً أو بقتل الناس؟ أليس هو محبة (1 يوحنا 8:4)؟

إن فيلون الإسكندري، مفسّر العهد القديم اليهودي العظيم والمعاصر للمسيح، قد اعتمد على التفسير بحسب المجاز لتفسير نصوص عديدة من العهد القديم اعتبرها “غير لائقة” بالله. وتشمل هذه النصوص قصص انتصارات إسرائيل على شعوب أخرى خلال غزوهم لكنعان.

إن الأمْر الإلهي الظاهري معروف بـ “اللعنة ban”: وهو الأمْر بتدمير كل حياة غريبة، حيوانية وبشرية، هو بصورة عامة صورة لله موجودة في المزامير والأنبياء، حيث تصوره منتقماً، عنيفاً، حقوداً وقاسياً. كيف نتعامل مع هذه النصوص؟ كيف يجب أن نقرأ النصوص التي تُظهر الله وهو يأمر شبه بالقتل، أو التي تُظهر شعب الله وهو يطلبون منه، من الرب، أن يقضي على أعدائهم؟

يجب الاعتراف بأن فيلون كان محقاً عندما رفض أن يقرأ مثل هذه النصوص بصورة حرفية. مع ذلك توجد حدود يجب مراعاتها عندما نطبق المجازية، خاصة إن كان قصدنا أن “نشرح” عناصر من التقليد الكتابي تجعلنا نشعر بعدم الارتياح. علينا التسليم بحقيقة ما يُشار عادة إليه بـ “الكشف التدريجي”: وهو حقيقة أن الله يكشف عن طبيعته ومشيئته الحقيقية على مراحل، “بمقدار ما يستطيعون أن يتحملوا” (“أو حسب ما استطاعوا”: طروبارية عيد التجلي والتي تتحدث عن المقدرة المحدود للتلاميذ ليسبروا غور الأهمية الحقيقية لظهور يسوع في المجد).

في أقدم طبقات تقليد العهد القديم (والتي تعود إلى اكثر من ألف سنة قبل المسيح)، كان الله في الحقيقة يُصوّر على أنه يتصرف بحقد وانتقام، ويشنّ حرباً ويقضي على أعداء إسرائيل. بالتأكيد كانت يد الله توجّه شعبه منذ البداية ذاتها، وأحد جوانب هذا التوجيه هو السماح لإسرائيل بشن حربٍ والقضاء على العناصر الوثنية التي كانت تهدّد حياتهم وإيمانهم.

لكن الله كشف نفسه بالتدريج بصورة أكمل كإله الرحمة والحق والبرّ. يقول للنبي أشعياء إنه “قدوس إسرائيل”. ويقول لإرمياء إنه صانع “العهد الجديد” الذي سيعني الحياة لإسرائيل وللأمم. ولعاموس ولأنبياء آخرين هو الرب يطلب إظهار العدل والرحة للفقراء والضعفاء والمهّمشين، سواء كانوا من إسرائيل أو من “الأمم”.

كل هذا هيّأ الشعبَ للظهور الكامل الذي صنعه الله لنفسه في شخص ابنه الأزلي يسوع الناصري، وفي تعليمه وموته وتمجيده. فهم عرّف الله عن نفسه كمحبة لا حدود لها، محبة لا تطلب موت الخاطئ بل عودة الخاطئ – كل خاطئ – عن طرقه الشريرة ليحيا.

كيف فسّر آباء الكنيسة النصوص، خاصة نصوص العهد القديم، التي تصوّر الله إله حرب وقاضٍ منتقم؟ إنهم يميلون، مثل فيلون، إلى استعمال الطريقة بحسب المجاز وطرق أخرى من الاقتراب الرمزي المماثل. لقد فهموا “أعداء” إسرائيل المدانين بقسوة في المزامير على أنهم إشارة باطنية إلى “الشياطين”، إلى التأثيرات الشيطانية التي تسعى إلى جرّ المؤمنين إلى الهلاك. وفهموا دعوة الله لانغماس في حرب مفتوحة مع القبائل الوثنية كصور رمزية للصراع المسيحي ضد الأهواء، وضد أعداء الكنيسة الحقيقيين.

لكنهم فهموا هذا الصراع على أنه صراع روحي بصورة أساسية. الغاية منه يه تخليصنا من النزعات (الأهواء) الداخلية التي يمكن لها أن تهلكنا عن طريق إدخال الشك إلى الإيمان وإحلال الكبرياء مكان التواضع.

لو كان العهد القديم في الحقيقة “كتاباً مسيحياً” كما نعتقد، فعندئذ إن هذا النوع من القراءة بحسب المجاز أو القراءة الرمزية لنصوص معينة منه هي ليست فقط قراءة مسموح بها بل إلزامية. إن أعمق حقيقة يكشفها الله لنا عن نفسه هي بالضبط حقيقة أنه محبة بطبيعته بالذات.

تلك المحبة، الموصوفة بفصاحة جداً في 1 كورنثوس 13، هي مصدر ونموذج محبتنا، ومصدر الموقف والإيماءات التي بها نتصل بالله وبالناس الآخرين. مع ذلك لكي نحافظ على شبهٍ بتلك المحبة علينا أن ننهمك في معركة متواصلة، في “حرب غير منظورة”، تعود جذورها مجازياً إلى العهد القديم وإلى صوره المتنوعة التي تبدو “غير جديرة” بالله. (الأب جان بريك)

“منذ دخوله الأول للدير يجب على الراهب أن يكرّس كل عناية وانتباه ممكنين لقراءة الإنجيل المقدس. يجب عليه أن يدرس الإنجيل بانتباه جداً بحيث يكون حاضراً دائماً في ذاكرته. في كل قرار أخلاقي يتّخذه، وفي كل عمل، وفي كل فكر، عليه دائماً أن يستحضر في ذاكرته تعليم الإنجيل جاهزاً…” (القديس إغناطيوس بريانتشانينوف)

“مبارك أنت يا رب، علّمنا وصاياك. مبارك أنت يا سيد، فهّمنا حقوقك. مبارك أنت يا قدوس، أنرنا بعدلك” (صلاة الغروب)

آيات القتل في العهد القديم ونسبه لله، كيف يمكننا أن نفهم هذا؟

ملعون من يمنع سيفه عن الدم (ارميا 48: 10) – هل يحرضنا الكتاب المقدس على القتال؟

ملعون من يمنع سيفه عن الدم (ارميا 48: 10) – هل يحرضنا الكتاب المقدس على القتال؟

ملعون من يمنع سيفه عن الدم (ارميا 48: 10) – هل يحرضنا الكتاب المقدس على القتال؟

هذه نبوه لما سيحدث لموآب فهذا الاصحاح يحتوي على عدد من اوجه الشبه مع اشعياء 15 – 16 والتي تمثل مقاطع نبوية ضد الامم. والرب يعلن عن تدمير موآب وسماحه بهذا الامر ويظهر عدم تعاطف مع افعالهم الشريره باعطاء قائمة من الاماكن التي ستدمر. وقد تحققت هذه النبوة بالفعل. ومن هذه الاماكن.

  1. نبو وهي اسم بلده في اقليم راؤبين (سفر العدد 32 : 3 ,38).
  2. قريتايم وهي مدينة (حزقيال 25 : 9).
  3. حشبون وهي مدينة سيحون ملك الأموريين (سفر العدد 21 :26 ).
  4. مدمين من ضمن sounds تعني بالعبرية be silenced وكأن ارميا يقول يا صامتة تصمتين.
  5. حورونايم هو مكان ذكر عدة مرات في هذا الاصحاح (3 , 5 , 34 , 48).
  6. لوحيت هي مدينة ربنا ليست بعيده عن حورونايم.

ويذكر الكتاب هزيمة موآب من خلال تدمير كافة المدن في العدد 8 والسماح بضربها دون ضبط نفس.في العدد 10 . (1) واللعنة هي لعنة علي المحتل اذا لم يفعل عمله بدقة فسيتم تدمير موآب باكملها وسيسمع صراخ الدمار في انحاء الارض وهذه كلها اعلانات نبوية للعلم المسبق(2). وهذا ما يعرفه الرب فهو لم يأمر المحتل بفعل هذا بل بعلمه المسبق يعلن ما سيفعله المحتل.

وعدم الشفقة عليهم من قبل البابليين. ليس كشفقة علي الانسان فالرب رحيم ورؤوف لكن عدم شفقة علي اعمالهم. واستخدم الرب معرفته باعلان بما سيحدث لاعطاء درس لفظاعة ما فعلة المؤابيين وللردع ضد الخطية. وكأن الله كقاضي سمح بهذا التدمير.لكن هذه لم تكن مشيئته فهو لا يشاء ان يهلك الناس ولا يسر بموت الشرير كما جاء في حزقيال.

لكن اصرار المؤابيين علي افعالهم البشعة ادي لهلاكهم من قبل البابليين.فهو لم يعطي امر بل يعلن امر فهناك فرق حينما يقول لي احدهم سوف تموت .وامرض بالفعل واموت .وان يقتلني هو بنفسة.فالحدث الاول له علاقة باعلان الشخص لمعرفته المسبقة والاخر هو امر مباشر وفعل مباشر عمداً.وهذا ما لم يفعله الرب مع المرآبيين لكن اظهر قضائه للاشاره للسماح بهذا الامر لفظاعة اعمالهم فقط.

المرجع

Adeyemo, T. (2006). Africa Bible commentary (939). Nairobi, Kenya; Grand Rapids, MI.: WordAlive Publishers; Zondervan

MacDonald, W., & Farstad, A. (1997, c1995). Believer’s Bible Commentary : Old and New Testaments (Je 48:1-10). Nashville: Thomas Nelson

ملعون من يمنع سيفه عن الدم (ارميا 48: 10) – هل يحرضنا الكتاب المقدس على القتال؟

قتل النساء والأطفال والإبادة الجماعية في العهد القديم

قتل النساء والأطفال والإبادة الجماعية في العهد القديم

قتل النساء والأطفال والإبادة الجماعية في العهد القديم
  • “مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةٌ مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ، دَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِم” (تثنية 1:7-2).
  • “وَحَرَّمُوا (يشوع وجيشه) كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السِّيْف” (يشوع 21:6).

في الفصول 1-11 من كتاب يشوع نقرأ عن الإبادة الجماعية التي أمر الله بها القائد يشوع ليقوم بها لعدد من المدن والقرى والجماعات:

  1. مدينة أريحا ومدينة عاي (21:6، 24:8 و26).
  2. مجموعة من المدن والقرى (28:10-41).
  3. بلدة حاصور (20:11).
  4. مدن القسم الشمالي (1:11-12).
  5. العناقيون ومدنهم (21:11).

من دلالات الكلمة “حرم” هي أنه لا يجوز استعمال الشيء أو الشخص موضوع التحريم (لاويين 28:27-29)، وأنه مقضيُّ عليه بالهلاك (تثنية 16:13)، وقد استعمل التحريم في درجات متفاوتة (انظر مثلاً: تثنية 34:2، 4:3، 16:13، 10:20-18، 1 صموئيل 3:15، يشوع 10:2، عدد 21:21).[1]

 

معضلة قتل الأطفال والإبادة الجماعية

إن الآيات الواردة أعلاه هي جزء من بعض المقاطع الواردة في كتب التثنية ويشوع واللاويين من العهد القديم، والتي تتحدث عن الحرب والقتل والإبادة. إن قراءة هذه الآيات وما شابهها، من قبل أي إنسان عادي، لا بدّ أن تثير في نفسه الاشمئزاز من هذه المشاهد الدمويَّة الرهيبة! إنها حقًا روايات مرعبة يحاول المرء أن يتخيلها، فلا يصدق حتى مخيلته، يقرأها وكأنه لا يحسن الرؤية، ويسمعها وكأن الأذن تخدعه.

ولولات… صيحات… بكاء… صمت. صمت لا يخابف كثيرًا عن صمت المقابر، ولولات تماثل ولولات الجنائز والمآتم، بكاء تنهمر فيه الدموع من العيون، وقطرات الدم من القلوب. وهل ما هو مرعب من أن يحصد الذين يمتلكون القوة أرواح الآخرين بما فيهم من أطفال وعجز ونسوة؟ وهل هناك أسوأ من غرز خنجر الحقد في قلوب الأبرياء فتكون النتيجة الألم والدماء والموت. مثل هذه الصور المؤلمة سمعنا عنه ورأيناه في كفر قاسم ودير ياسين وأرمينيا وكمبوديا وصبرا وشاتيلا والعراق وفلسطين والولايات المتحدة والسودان ورواندا… و… و… و.

مثل هذه الصور تقض مضاجعنا، فنطالب باحترام حياة الناس وضمان أمانهم وسلامتهم وأمنهم. مثل هذه الصور توجب على كل إنسان أن يدينها بشدة. ولكن كيف يمكن أن يدينها الإنسان بشدة، إذا كان الله الذي يعبده هذا الإنسان هو الذي يأمر بتنفيذها؟ وهل يُعقل أن الله المحب يصدر مثل هذه الأوامر للفتك والقتل والإبادة الجماعية؟ القول بأن الإنسان المتجرد من إنسانيته قد يرتكب مثل هذه الأعمال الوحشيَّة أمر، والقول إن قيام الإنسان بمثل هذه الأعمال الوحشية أمر، والقول إن قيام الإنسان بمثل هذه الأعمال الوحشيَّة ليحقق مشيئة الله وينفذ أوامره أمر آخر.

فما هو الحل لهذه المعضلة الأخلاقيَّة؟ وبالرغم من أن تركيزي سيكون على معالجة هذه المعضلة من الناحية الأخلاقيَّة، إلا أنه لا بدّ من الإشارة إلى أن هذه المعضلة تتعدى كونها أخلاقيَّة لتكون سياسيَّة أيضًا. إذ قد يتم استغلال ما قام به يشوع قديمًا لتبرير ما يحدث في عالمنا الحاضر وفقًا “للمنطق”: لقد احتل يشوع أرض كنعان بحد السيف، وحرّم المدن مرتبكًا المجازر تلو المجازر ليحقق وعد الله بامتلاك أرض كنعان. وكان كل ذلك بأمر من الله.

ولذلك، فإن ما فعلته إسرائيل في أرض كنعان، وما تفعله إسرائيل في أرض فلسطين، ليس إلا استمرارًا لتقليد سابق وضعه الله لتأمين الحماية والأمان والأرض لإسرائيل قديمًا ولإسرائيل حديثًا[2]، ومن المؤسف له حقًا أنه حتى بعض المسيحيين الغربيين قد يلجلأون إلى مثل هذا “المنطق”! والحقيقة أن الاستخدام السياسي لهذه المعضلة هو ما دفع الدكتور Bernhardt Reitsma، أستاذ محاضر في كليَّة اللاهوت للشرق الأدنى، بيروت، لتناول هذا الموضوع بالبحث.[3]

 

الحلول المطروحة

شكَّلت هذه المعضلة عائقًا ليس في فهم العهد القديم فحسب، بل في فهم هويَّة إله العهد القديم، وهي بالتالي تترك تأثيرًا هامًا في فهم علاقة العهد القديم بالعهد الجديد. لقد كتبت العديد من الأبحاث لمواجهة هذه المعضلة[4]، سأذكر باختصار أهم الحلول التي طرحت وما زالت تطرح في أيامنا جوابًا على هذه المعضلة، ومن ثم أقوم بتقويمها وتقديم بدائل أخرى. ولكن لا بدّ من الاعتراف مسبقًا أن هذه المعضلة معقدة، وليس بالإمكان الوصول إلى إجابة كافية ووافية بشأن حلّها. ولكن لا بدّ من المحاولة فهيّا بنا!

 

الحل الأول:

يبدو أن أسهل طريقة لمواجهة هذه المعضلة هو الاعتقاد بأن هناك عدم استراريَّة بارزة ونهائيَّة بين العهد القديم والعهد الجديد. وبموجب هذه النظرية فإن إله العهد القديم هو إله القتل والدمار، أما إله العهد الجديد فهو إله الرحمة والمحبة. وبالتالي على المسيحي النظر إلى يسوع المسيح، إله العهد الجديد وليس إلى إله العهد القديم، ليستمد منه فقط قيمه الأخلاقيَّة.

أعتقد أن هذه النظرية هي محاولة للهروب من المعضلة أكثر منها محاولة لمواجهتها. إن إنكار وجود أي استمراريَّة بين العهد القديم والعهد الجديد بما يتعلق بالله وطبيعته وصفاته لهو أمر لا يقرّ به العهد الجديد، وكنت سأتحدث عن هذا الأمر في الفصل الرابع من هذا الكتاب عندما أتناول موضوع العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد حيث أجيب عن السؤال: هل إله العهد القديم هو إله العهد الجديد؟

من ناحية أخرى، لا تقدّم هذه النظرية أي تفسير لماذا سمح “إله العهد القديم” بالإبادة الجماعية، ما عدا التفسير بأن إله العهد القديم هو إله سادي يهوى قتل الأبرياء وإراقة الدماء، ولكن حتى في العهد القديم ذاته لا نجد هذه الصورة عن الله، فهو أيضًا الإله المحب والرحيم والعطوف، ليس بتعاملاته مع إسرائيل فحسب، بل من ناحية موقفه من البشريَّة جمعاء. وهذه النظرية عاجزة عن أن توفق بين ما تدعيه عن إله العهد القديم السادي والقاتل، وبين ما يوصف به إله العهد القديم من محبة ورحمة ورأفة وحنان.

 

الحل الثاني:

يركز هذا الحل على النظرية بأن الشعوب التي كانت مقيمة في أرض كنعان امتازت بالشر والفساد الأدبي والأخلاقي إلى أقصى دركات الانحطاط، مما أوجب غضب الله ودينونته عليها، ولذلك استخدم الله شعب إسرائيل لينزل عقابه ودينونته بتلك الشعوب. فقد مارست تلك الشعوب عبادة الأوثان وانحط مستواها الأخلاقي فوصل إلى الحضيض (تكوين 16:15، تثنية 4:9-5)، فأراد الله أن يحقق عدله وينزل قضاءه. وعندما يعاقب الله فهو يختار وسيلة العقاب.

لقد اختار سابقًا الماء (الطوفان) ثم الكبريت والنار (سدوم وعمورة) وهنا يختار أن يحقق مقصده بواسطة البشر. من ناحية أخرى، كان التحريم وسيلة للدفاع عن النفس في بعض الأحيان (يشوع 1:9-2، 1:11-5) وليس للهجوم دائمًا. ومن يعترض على حق الدفاع عن النفس؟

ولتقريب مفهوم هذه النظرية من واقع الحياة، يُضرب المثال التالي: حسيب شاب في ريعان شبابه معروف بين أصدقائه وأقربائه بعضلاته المفتولة وكثيرًا ما لقبوه “بأبي الشباب”. تعرض حسيب لحادث بينما كان يقود سيارته فأصيبت رجله اليمني بجروح بالغة. بعد فترة طويلة من المعالجة استمرت الالتهابات تظهر في رجله، فكان يعاني من آلام مبرحة كانت سببًا في عودته إلى المشفى. وبعد معالجات متعددة حدث ما لم يتوقعه أحد.

فقد قرر الأطباء أنه حفاظًا على حياة حسيب، فإنه لا بد من إجراء عمليَّة بتر القسم الأسفل من رجله، من ركبته فما دون. لا تتصور كم كان وقع هذا الخبر أليمًا في آذان أهل الحي. وبدأ الناس يتساءلون هل سيقبل حسيب بقرار الأطباء؟ على الفور، زارته مجموعة من شباب الحي استقبلهم حسيب بابتسامته العريضة وهو في فراشه والورود تملأ غرفته. لم يجسر أحد أن ينطق بالسؤال الذي يعتمر قلوبهم، فبدأوا يتذكرون مع حسيب الأيام الحلوة الماضية، ويخططون لرحلات جديدة ومغامرات مسليَّة وألعاب رياضيَّة حماسيَّة، وصاروا يظمئنون حسيب أنه سيخرج سريعًا، ويعود إلى عافيته خلال وقت قصير.

أما حسيب فقد كان يعلم الحقيقة المرّة. سيضحي بساق واحدة مدى الحياة. وبشجاعة ممتزجة بالثقة بالنفس وبنغمة رجوليَّة تشوبها مسحة من القدر المحتوم قال حسيب: “الحقيقة يا شباب هي أن الحياة جميلة وهي عطيَّة لنا من الله”. ولكن، أردف حسيب، أحيانًا علينا أن نضحي بالقليل ولو كان عزيزًا للحصول على الأفضل والأهم، وأنا لكي أستمر في الحياة عليّ أن أقبل بقرار الأطباء الذي يقضي ببتر رجلي… صُعق الجميع ولم ينطق أحدهم بكلمة، وبعد هنيهات تمنوا لحسيب حياة سعيدة وإن اقتضت هذه الحياة خسارة. ألم يتصرف حسيب بواقعيَّة وعقل ومنطق؟

فلو استمرت الشعوب التي كانت مستقرة في أرض كنعان لكانت أزاغت شعب إسرائيل عن عبادة الله الواحد، ولذلك من الأفضل أن تبتر “ساق” (الشعوب التي طالها التحريم) بالرغم من الألم الذي يرافق ذلك على أن يتم القضاء على “حياة” (شعب إسرَإيل) بأكملها.

وتؤكد هذه النظرية على عدالة الله. فالله هو قاضٍ عادل لا يتغاضى عن فعل الشر والخطيَّة، وارتكاب الإثم والمعصية. ونتيجة لازدياد شرور الناس أمر الله بالطوفان، طوفان نوح. ونتيجة لتفاقم الفساد في مدينتي سدوم وعمورة أمر الله بالطوفان، طوفان نوح. ونتيجة لتفاقم الفساد في مدينتي سدوم وعمورة أمر الله بدمار المدينتين. هل نتهم الله بالظلم وبالقيام بعمل غير لائق لأنه أمر بالطوفان أيام نوح وأنزل الدمار على مدينتي سدوم وعمورة؟

فالحق لابد أن يظهر، والعدل لا بد أن يأخذ مجراه ولا يمكن لمجتمع أن يستمر بدون وجود مبدأ تحمل المسئوليَّة ومجازاة المذنب. إذن يتطلب عدل الله إنزال القصاص العادل عندما تُعصى شرائعه ووصاياه، وبالتالي كان التحريم بمثابة تحقيق لقضاء الله ودينونته.

تعتبر هذه النظرية الأكثر إنتشارًا في الأوساط الكنسيَّة من النظرية السابقة، وهي تبدو معقولة إلى حد كبير. أعتقد أن هذه النظرية تحتوي على بعض الحقيقة، ألا وهي أن الله العادل والقدوس لا بد أن يعاقب الشر والخطيئة والفساد، وقد يستخدم الله طرقًا عديدة لتحقيق ذلك كاستخدام إسرائيل في حالة الإبادة الجماعية. ولكنني أتساءل: إذا كان الله يشاء أن ينزل العقاب بالخاطئ الأثيم، فهل من المعقول أن يأمر الله بقتل الأجنَّة وهي في بطون أمهاتها، أو بقتل الأطفال والأولاد الصغار؟

يجيب أحد اللاهوتيين الذي يدعم هذه النظرية بأنه علينا قبول أمر الله بالإبادة الجماعية كما ورد في بعض أحداث العهد القديم، دون البحث لإيجاد جواب منطقي ومقنع لهذا السؤال. ويرى أن كل ما يقوم به الله هو صالح “بما في ذلك سماحه وتكليفه بالإبادة الجماعية”.[5]

لا يتعرض هذا اللاهوتي مباشرة إلى مسألة الأجنَّة والأطفال، ولكن لاهوتيَّا آخر يعلّق على مسألة الأطفال بشكل مباشر فيكتب قائلاً: “لا يفهم الكتاب المقدس هلاك الرجال والنساء والأطفال ودمار المدن على أن ذلك موت أبرياء، فحتى الأطفال لا يعتبرهم أبرياء، فهم جزء من حضارة شريرة أصلاً، فإن عاشوا سيؤثرون بشكل سلبي أخلاقيًّا ولاهوتيًا ويلوثوا شعب إسرائيل”.[6] إنني لا أستطيع قبول هذا الأمر، لأربعة أسباب، على الأقل.

قتل الأطفال والإبادة الجماعية في العهد القديم

أولاً، لو كان قصد الله التخلّص النهائي من أعداء إسرائيل بواسطة إستراتيجيَّة الإبادة الجماعية لكنَّا توقعنا أن يتم تشريع مثل هذه الواسطة في العهد القديم، وإن لم تشرّع كنا نتوقع تكرارها كنمط حربي لاحتلال الأرض والتخلّص من سكانها. ولكن عدم وجود شرعنة منظمة لها في العهد القديم، وعدم استمرار ممارستها كنمط حربي يشيران في الإتجاه أن الإبادة الجماعية لم تشكل الإستراتيجيَّة التي أرادها الله من إسرَإيل.

ثانيًا، لا شك أن الأمم التي سكنت أرض كنعان، والعديد من شعوب العالم القديم، كانت لها بعض الجوانب المتديَّة أخلاقيًّا وأدبيًا، ولكن في الوقت ذاته ينبغي أن نتذكر أن مقاييسنا لهذه الجوانب يجب أن تخضع لمقاييس الشرق الأدنى آنذاك، وليس إلى مقاييسنا في القرن الحادي والعشرين، فضلاً عن الحقيقة بأن إسرائيل نفسها قد مارست جوانب متدنيَّة أخلاقيًّا وأدبيًا أيضًا في عِدَّة مراحل من تاريخها.

ثالثًا، على الرغم من اعتقادي بأن قداسة الله وعدالته، تؤديان إلى اقتصاصه من الخطيَّة والخاطئ وإنزال الدينونة، إلا أنني لا أستطيع قبول فكرة قتل الأطفال سواء بطريقة الإبادة الجماعية الوحشيَّة أو بأيَّة طريقة أخرى. والقول بأن بقاءهم أحياء “يلوث إسرائيل أخلاقيًا ولاهوتيًا” هو قول مرفوض، لأنه على الرغم من إبادة هؤلاء الأطفال، وربما غيرهم من الأطفال، فهناك ألف إمكانيَّة وإمكانيَّة لتلوث إسرائيل أخلاقيًا ولاهوتيًا، وقد حدث ذلك مرارًا عديدة في تاريخ إسرَإيل.

رابعًا، إن القول بأن قتل الناس والأطفال كان لبلوغ هدف أسمى هو تحقيق القداسة لشعب إسرائيل وضمان الحصول على أرض كنعان تحقيقًا لوعد الله، فإن ذلك سيقودنا في متاهة أخلاقيَّة هي “الغاية تبرر الوسيلة”. هل نقبل أن تتحقق الأمور بأيَّة طريقة، حتى وإن كانت تنطوي على العنف والقتل والدمار، من أجل تحقيق أمور أفضل وأهداف أسمى؟

 

الحل الثالث:

من أجل وضع معضلة الإبادة الجماعية في إطار اللاهوت الكتابي الذي يحاول التوفيق بين العهد القديم والعهد الجديد، تأتي نظريَّة الاعتراف بالإبادة الجماعية أنها تعبير عن إرادة الله، ولكن في الوقت ذاته تعتبر هذه النظرية أنه علينا النظر إلى العهد الجديد لمعرفة أبعاد الحرب الروحيَّة، التي تشمل شكلاً من أشكال الإبادة الجماعية، وعندما يتم ذلك نلاحظ تدرجًا من حرب دمويَّة ماديَّا إلى حرب روحيَّة. يبين الدكتور Tremper Longman III المراحل الخمس المتعلقة بمفهوم الحرب الإلهيَّة في الكتاب المقدس.[7] أقتبس هذه المراحل مع بعض التعديلات الطفيفة عليها.

 

قبل تجسد المسيح

  • المرحلة 1: الله يحارب أعداء إسرائيل (خروج 2:15-3)
  • المرحلة 2: الله يحارب إسرائيل (إرميا 3:21-7، مراثي 4:2-5)
  • المرحلة 3: رجاء يتوق إلى المحارب الإلهي (فترة ما بعد السبي) (زكريا 2:14-3)

بعد خدمة المسيح

  • المرحلة 4: المسيح يحارب قوى الشر والشيطان بواسطة موته وقيامته وصعوده (كولوسي 14:2-15)

عند مجيء المسيح ثانية

  • المرحلة 5: المسيح يحارب المعركة النهائيَّة وينتصر فيها (مرقس 26:13، رؤيا 11:19-12، 11:20-15

 

لا شك أن هذه النظرية تحاول التوفيق بين تصرف الله في العهد القديم والعهد الجديد، وبذلك تؤكد على العلاقة الوثيقة بين العهدين. فترى أن الحرب ضد الكنعانيين ما هي إلا مرحلة مبكرة للحرب التي خاضها المسيح على الصليب والتي ستكمل في الدينونة الأخيرة.

وهكذا ينتقل هدف غضب الله من الكنعانيين، إلى قوات الشر والسلاطين الروحيَّة، إلى التدمير النهائي لكل أنواع الشر. ونلاحظ بالطبع “روحنة” مفهوم الحرب في هذه النظرية. ففي العصر الحاضر يصبح المسيحي محاربًا وجنديًا (أفسس 6)، ولكنه لا ليخوض الحروب الماديَّة، أو ليرتكب العنف، بل ليحارب ذاته بما فيها من شر وخبث ورياء وطمع وحقد وكبرياء.

تنسحب على هذه النظرية اعتراضاتي التي أثرتها في ما يتعلق بالحل الثاني أعلاه، ولكن أود أن أضيف ثلاثة أمور أخرى.

أولا، إن مشكلة هذه النظرية هي محاولة جمع كل أنواع الحروب التي قادتها إسرائيل قديمًا دون التمييز بين الحروب العاديَّة وبين الإبادة الجماعية. لست هنا في معرض مناقشة مسألة “الحرب العادلة”، بل ما أريد قوله هو أنه ينبغي أن نميز بين ما يسمى “الحرب العادلة” وبين الإبادة الجماعية.

ثانيًا، إن ربط موضوع الإبادة الجماعية في العهد القديم بموضوع الحرب الروحيَّة التي يخبرنا عنها العهد الجديد، لا يقدّم تفسيرًا مقنعًا وكافيًا عن سبب سماح الله في العهد القديم بحدوث الإبادة الجماعية، خاصة للأطفال.

ثالثًا، هذه النظرية تدفعنا إلى طرح التساؤل: إذا كان الله راضٍ عن الإبادة الجماعية الدمويَّة في العهد القديم، فلماذا يتحول في العهد الجديد إلى الحرب الروحيَّة ضد الشر، ولا يستمر في شرعنة وترخيص الإبادة الجماعية الدمويَّة؟ من المؤسف له بعض أتباع[8] هذه النظرية يجيبون على هذا السؤال بالقول بأن الله سوف يرمي حتى الأطفال الذين لا يتبعون المسيح في بحيرة النار في الدينونة الأخيرة!

 

الحل الرابع:

يقدّم القس الدكتور نعيم عتيق منهجًا معيَّنًا في تفسير أو تأويل العهد القديم، حيث يرى أن يسوع المسيح هو المحور الأساس الذي يقرر كيفيَّة فهم العهد القديم وتفسيره: “ولكي يفهم الله، إذًا يبدأ المسيحي الفلسطيني، مثل أي مسيحي آخر، بالمسيح ويعود إلى الوراء إلى العهد القديم، ثم إلى الأمام إلى العهد الجديد وإلى ما بعدهما. وتصبح هذه هي القاعدة الرئيسية للمسيحي.”

ويطبّق القس الدكتور عتيق هذا المنهج في محاولة لإيجاد الحل لمشكلة التحريم في كتاب يشوع فيسأل: “هل يتوافق هذا النص الذي ينسب إلى الله، مع طبيعة الله كما ظهرت في يسوع المسيح؟ إذا كان الأمر عكس ذلك، فيجب أن نقول إنها تكشف فقط عن طبيعة فهم البشر لله ومقصده، وقد تم تغيير هذا الفهم وتصويبه بالظهور في المسيح وبكلمات أخرى، فإن مثل هذه النصوص تكشف عن مرحلة لتطور الفهم البشري لله التي يجب أن ننظر إليها على أنها غير مناسبة وغير تامة.”[9]

ويؤكد القس الدكتور عيسى دياب ضرورة “أن تكون صورة الله في يسوع المسيح مقياس مرجعي لكل الصور الأخرى التي يقدمها لنا النص المقدس”. أما عن معضلة الإبادة الجماعية فيعلّق قائلاً: “ومن المعروف، في الديانات الساميَّة القديمة (بلاد الرافدين وكنعان) أن الآلهة كانت شرسة، غضوبة، غيورة، تبطش بأعدائها، أو بعابديها الذين لا يحترمون تعليماتها وأصول التعامل معها.

في هذا المناخ كُتب القسم الكبير من النصوص المقدسة في العهد القديم وغيره، ومن هذا الموروث الاجتماعي الديني استقى الكاتب صوره عن الألوهة. فالأرض التي احتلت للإله، يجب أن يكون جميع سكانها من عباده، وإلا يأمر بتحريمهم (قتلهم)… وهكذا كان يمارس القتل والإبادة بأبشع صورها باسم الإله، وبادعاء القاتل بأنه يأخذ الأمر بالقتل منه.”[10]

لقد أكدت أعلاه على أهميَّة مركزيَّة يسوع المسيح في فهم العهد القديم، ولكنني لا أوافق مع منهجي القس الدكتور عتيق والقس الدكتور دياب. إن القول بأن يسوع هو المرجع النهائي لفهم كل العهد القديم أمر غير مقبول، على الرغم من أنني أعتقد بأن إعلان الله الكامل والنهائي نجده في شخص يسوع المسيح، لأن ذلك يختصر كتب العهد القديم الغنيَّة والمتنوعة والمفيدة، ويجردها من وحي الله النافع في سياقها التاريخي والديني والحضاري.[11]

والحق يقال إن إتباع هكذا منهجيَّة في فهم العهد القديم يدفعنا إلى شكل آخر من أشكال الماركيونية التي رفضت العهد القديم، والتي أدانتها الكنيسة المسيحيَّة عبر العصور.

 

الحل الخامس:

يُبنى هذا الحل على أساس “فرضيَّة الوثائق” (documentary hypotheses)، وهي فرضيَّة كنت قد أشرت إليها سابقًا. يؤكد هذا الحل أنه في العهد القديم ذاته، ثمة مناظرة دائمة بالنسبة لمشكلتي الحرب والإبادة الجماعية في العهد القديم، فالكتابات الكهنوتيَّة (أي الوثيقة الكهنوتيَّة) ترفض التقليد الحربي والدموي في العهد القديم، بينما الكتابات التثنويَّة تقدم الشعوب الكنعانيَّة كشعوب شريرة جدًا لتبرير فكرة الإبادة الجماعية.

ردًا على هذه النظرية أقول إن هذه النظرية تقدّم لنا أمرًا إيجابيًّا ومفيدًا للمفارقات في العهد القديم المتعلقة بموضوع الحرب والإبادة الجماعية، ولكن من ناحية أخرى فإن “فرضيَّة الوثائق” قد تعرضت في العقد الأخير للكثير من الانتقادات بحيث يصعب بنيان حل على أساسها فقط.

 

الحل السادس:

أعتقد أن هذا هو الحل الأكثر ترجيحًا للمعضلة “الأخلاقيَّة” الناتجة عن أحداث الإبادة الجماعية. سأقدِّم العناصر الثلاثة الرئيسية لهذا الحل، ثم أقوم بالتعليق عليها.

  1. إن لغة الحديث عن الإبادة الجماعية تتصف بالمبالغة والمغالاة.
  2. إن حدث الإبادة الجماعية لم يحصل بشكل واقعي في زمن تاريخي معين، على الرغم من حدوث الحروب على مستوى ما.
  3. إن ما يصفه كاتب أحداث الإبادة الجماعية هو ماذا كان ينبغي أن يحدث، وليس ما حدث فعلاً.[12]

يشير القس الدكتور Christopher Wright إلى شيوع عنصر التهويل والمبالغة في لغة الحروب في الشرق الأدنى القديم، ويلاحظ أن هذا العنصر متوافر بشكل واضح في العهد القديم، ففي كتاب يشوع نقرأ عن أنه تم احتلال كل الأرض، وتمت هزيمة كل الملوك، وتم القضاء على كل الأعداء (40:10-42، 16:11-20). ويضيف القس الدكتور Wright أنه لا يجوز أن يدفعنا ذلك للشك في مصداقيَّة العهد القديم، بل إلى إدراكنا بأن أسلوب الكتابة المتبع في العهد القديم هو جزء لا يتجزأ من الأسلوب الأدبي المتبع في الشرق الأدنى القديم.[13]

لم تتم كتابة كتب العهد القديم في وقت واحد، بل خضعت عمليَّة كتابتها لتطور مديد في الجمع والتوثيق والكتابة والتحرير والتنقيح خاصة في فترة السبي وبعده وصولاً إلى عهد القائدين عزرا ونحميا (حوالي 400 ق.م.). إن العهد القديم لا يتضمن تاريخًا بالمعنى الدقيق لمفهوم التاريخ كما نعرفه في عصرنا الحاضر، بل نستطيع أن نطلق عليه اسم “التاريخ اللاهوتي” (theological history)، وما أعنيه هو أن الأحداث التاريخيَّة في العهد القديم تم تصويرها وتدوينها من وجهة نظر لاهوتيَّة معيَّنة.

ينكر الكثير من اللاهوتيين الليبراليين أن الله كان وراء وجهة النظر اللاهوتيَّة هذه، وأن ما لدينا في العهد القديم هو مجرد انطباعات البشر وآرائهم. كلاهوتي إنجيلي أؤمن بوجود مفهوم “التاريخ اللاهوتي” في العهد القديم، وفي الوقت ذاته أؤمن بتدخل الله في تقرير وتوجيه هذا “التاريخ اللاهوتي” لخدمة مقاصده السامية ومشيئته الصالحة لبني البشر. كيف يساعدنا مفهوم “التاريخ اللاهوتي” في اقتراح الحل لمعضلة الإبادة الجماعية؟

خلال فترة السبي وخاصة بعد انتهائها، برز في إسرائيل شعور وطني قوي، وقد كان لهذا الشعور الوطني القوي تأثيره على الحياة الدينيَّة والاجتماعيَّة للشعب وخاصة من ناحية التعامل مع الأجانب وبالأخص الزواج من أجنبيات. يعبِّر القائد نحميا، الذي قاد إصلاحًا وطنيًا ودينيًا، عن ذلك قائلاً:

“فِي تِلْكَ الأَيَّامِ أَيْضًا رَأَيْتُ الْيَهُودَ الَّذِينَ سَاكَنُوا نِسَاءً أَشْدُودِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَمُوآبِيَّاتٍ. وَنِصْفُ كَلاَمِ بَنِيهِمْ بِاللَّسَانِ الأَشْدُودِيِّ، وَلَمْ يَكُونُوا يُحْسِنُونَ التَّكَلُّمَ بِاللِّسَانِ الْيَهُودِيِّ، بَلْ بِلِسَانِ شَعْبٍ وَشَعْبٍ. فَخَاصَمْهُمْ وَلَعَنْتُهُمْ وَضَرَبْتُ مِنْهُمْ أُنَاسًا وَنَتَفْتُ شُعُورَهُمْ، وَاسْتَحْلَفْتُهُمْ بِالله قَائِلاً: “لاَ تُعْطثوا بَنَاتِكُمْ لِبَنِيهِمْ، وَلاَ تَأْخُذُوا مِنْ بَنَاتِهِمْ لِبَنِيكُمْ، وَلاَ لأَنْفُسِكُمْ. أَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ أَخْطَأَ سُلَيْمَانُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الأُمَمِ الْكَثِيرَةِ مَلِكٌ مِثْلُهُ؟

وَكَانَ مَحْبُبًا إِلَى إِلهِهِ، فَجَعَلَهُ الله مَلِكًا علَى كُلِّ إِسْرَائِيل. هُوَ أَيْضًا جَعَلَتُهُ النِّسَاءُ الأَجْنَبِيَّاتُ يُخْطِئُ. فَهَلْ نِسْكُتُ لَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا كُلَّ هذَا الشَّرِّ الْعَظِيمِ بِالْخِيَانَةِ ضِدَّ إِلهِنَا بِمُسَاكَنَةِ نِسَاءٍ أَجْنَبِيَّاتٍ؟” وَكَانَ وَاحِدٌ مِنْ بَنِي يُويَادَاعَ بْنِ أَلْيَاشِيبَ الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ صِهْرًا لِسَنْبَلُّطَ الْحُورُونِيِّ، فَطَرَدْتُهُ مِنْ عِنْدِي. اذْكُرْهُمْ يَا إِلهِي، لأَنَّهُمْ نَجَّسُوا الْكَهَنُوتَ وَعَهْدَ الْكَهَنُوتِ وَاللاَّوِيِّينَ. فَطَهَّرْتُهُمْ مِنْ كُلِّ غَرِيبٍ، وَأَقَمْتُ حِرَسَاتِ الْكَهَنَةِ وَاللاَّوِيِّينَ، كُلَّ وَحِدٍ عَلَى عَمَلِه” (نحميا 23:13-30).

إن ما أراده محرر نصوص الحرب المتضمنة أحداث الإبادة الجماعية هو أن يظهروا للشعب في فترة السبي أو بعدها أو في فترات لاحقة من تاريخ إسرَإيل، بأن عدم قيام يشوع وغيره بواجباتهم التي أوصاهم الله بها بشدَّة، والمتمثلة هنا بالقضاء النهائي على كل الشعوب الغريبة المحيطة بإسرَإيل، هو أحد الأسباب الرئيسية لما عانى الشعب في السبي وما يعانيه الآن من صعوبات.

إن هذه النصوص هي جزء من الدعاية (propaganda) ضد الأجانب، هذه الظاهرة التي انتشرت في فترة السبي وبعدها.[14] ليس من الضروري أن يكون القضاء حربي ودموي ومادي، بل بإمكانه أن يتَّخذ شكلاً غير مادي يتمثَّل بالابتعاد عن ممارسات هذه الشعوب التي تتنافى مع شريعة الله.

ومن الجدير بالملاحظة تركيز نصوص الحرب المتضمنة أحداث الإبادة الجماعية على القضاء ليس على كل البشر فحسب، بل بصورة خاصة على النساء (راجع يشوع 21:6، 25:8). إضافة إلى ذلك نلاحظ التشديد على موضوع الزواج من أجنبيات وخطورة هذا الأمر على الوضع الروحي لإسرَإيل:

“مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ إِلَى الأّرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمتَلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعَوبًا كَثِرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّين وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبَوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ، وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلَهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ، وَلاَ تُصَاهِرْهُمْ. بِنْتَكَ لاَ تُعْطِ لابْنِهِ، وَبِنتْهُ لاَ تَأْخُذْ لابْنِكَ. لأّنَّهُ يَرُدُّ ابْنَكَ مِنْ وَرَائِي فَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى، فَيَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ وَيُهْلِكُكُمْ سَرِيعًا.

وَلكِنْ هكَذَا تَفْعَلُونَ بِهِمْ: تَهْدِمُونَ مّذَابِحَهُمْ، وَتُكَسِّرُونَ أَنْصَابَهُمْ، وَتُقَطِّعُونَ سَوَارِيهُمْ، وَتُحْرِقُونَ تَمَاثِيلَهُمْ بِالنَّارِ. لأّنَّكَ أَنْتَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. إِيَّاكَ قَدِ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَكُونَ لَهُ شَعْبًا أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ، الْتَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّكُمْ، وَحِفْظِهِ الْقَسَمَ الَّذي أَقْسَمَ لآبَائِكُمْ، أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْر” (تثنية 1:7-8).

وصفوة القول، إنني من خلال تحليلي أعلاه لا أرى معضلة أخلاقيَّة في موضوع التحريم المرتبط بسياسة الحروب الذي يتحدث عنه العهد القديم. إذ علينا التمييز بين ما يعرف بمفهوم الحرب العادلة التي هي جزء من كل وطن يُقام، وبين الإبادة الجماعية التي قد ترتبط بموضوع التحريم أحيانًا.

إذن تتعلق المسألة التي أمامنا بأسلوب أدبي هو جزء لا يتجزأ من حضارة الشرق الأدنى القديم، يسطِّر هذا الأسلوب تاريخًا لاهوتيًا لتحقيق غاية معيَّنة بقصد دعم إيدولوجيَّة محددة. تُحرّم هذه الإيدولوجيَّة الزواج من أجنبيات، للحفاظ على قداسة شعب إسرائيل من الانخراط في العبادات الوثنيَّة، والممارسات الخاطئة المترافقة وتلك العبادات. ولتأكيد هذه الإيديولوجيَّة وترسيخ أهميتها في عقول الشعب، يتم، في أيام السبي وبعده، إسقاط (projection) مفهوم الإبادة الجماعيِّة على ماض سحيق وكأنَّ الأمر قد حدث فعلاً.

وكأنَّ كاتب أو محرر نصوص الإبادة الجماعية يخاطب الشعب قائلاً: “سنعود أو ها نحن قد عدنا من السبي، وسندخل مجددًا أرض كنعان، لقد سبق ودخل آباؤنا هذه الأرض، ولكن ارتباطهم بأجنبيات كان السبب في زيغانهم وسبيهم إلى أرض غريبة، ولو اقتلعوا الأجنبيات بشكل جذري لما حدثت المأساة. فلنحذر مما وقعوا فيه لئلا نقع فيه نحن، فيصيبنا ما أصابهم من ويلات وكوارث!”

 

[1] لأجل التوسع في موضوع التحريم، راجع، على سبيل المثال: F. Gangloff. “Joshua 6: Holy War or Extermination by Divine Command (Herem)?” Theological Review XXV/I (2004). Pp. 3-23.

[2] لا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى أحد المبادئ التفسيرية الأساسية لفهم الكتاب المقدس، والذي على أساسه لا نستطيع مجرد عقد مقاربة بسيطة وساذجة بين ما حدث أيام يشوع وبين ما يحدث في أيامنا. فليس كل ما ذكر في الكتاب المقدس علينا العمل به في الوقت الحاضر. إذ يتوجب علينا التمييز بين نوعين من الأمور:

1 – هناك ما ندعوه بالأمور الوصفية (descriptive)،

2 – وهناك ما ندعوه بالأمور الواجبة (normative)، الأول يتضمن وصف حوادث أو قصص لنقرأها، ونأخذ منها النواحي الإيجابية ونتمثل بها. والثاني يتضمن أمور يوصينا الله أن نقوم بها بشكل مباشر، وهي ملزمة في كل مكان وزمان. والحرب بما فيها الإبادة الجماعية تقع ضمن الأمور الوصفية، وليس الواجبة.

[3] B. Reitsma, “Who is our God?” The theological challenges of the State of Israel for Christian Arabs.” A paper presented at Near East School of Theology/Arab Baptist, Theological Seminary Forum, Spring 2004.

لقد اشتركت الهيئة الأكاديمية لكلية اللاهوت المعمدانية العربية، منصورية المتن، لبنان وكلية اللاهوت للشرق الأدنى، بيروت، في حلقة خاصة عقدت في مبنى الكلية الأخيرة، لمناقشة هذه الدراسة، وقد رد عليها الدكتور طوني معلوف، أستاذ زائر في كلية اللاهوت المعمدانية العربية والدكتور فيليب غيوم، أستاذ العهد القديم في كلية اللاهوت للشرق الأدنى.

[4] من هذه الأبحاث:

S. N. Gundry, ed., Show Them No Mercy: 4 Views on God and Canaanite Genocide (Grand Rapids: Zondervan, 2003); G. von Rad, Holy War in Ancient Israel, ed, and trans. By Marva Dawn (Grand Rapids” Eerdmans, 1991);

P. D. Stem, The Biblical Herem: A Window on Israel’s Religious Experience (BJS 211; Atlanta: Scholars, 1991); M. C. Lind, Yahweh Is a Warrior (Scottdale; Herald, 1980); S. Niditch, War in the Hebrew Bible: A Study in the Ethics of Violence (New York/Oxford: Oxford University Press. 1993).

[5] E. H. Merrill, “The Case For Moderate Discontinuity,” In S. N. Gundry, ed., Show Them No Mercy: 4 Views on God and Canaanite Genocide (Grand Rapids: Zondervan, 2003), 94.

[6] Longman III, “The Case For Spiritual Continuity.” In Gundry, Show Them, pp. 173-174.

[7] Longman III, Making Sense of the Old Testament; Three Crucial Questions (Grand Rapids; Baker, 1998), pp. 79-86. من أجل دراسة مستفيضة عن هذا الموضوع راجع T. Longman III, & D. G. Reid is a Warrior (Grand Rapids: Zondervan, 1995).

[8] Longman III, “The Case For Spiritual Continuity.” In Gundry, Show Them, p. 185.

[9] القس الدكتور نعيم عتيق، الصراع من أجل العدالة: لاهوت التحرر الفلسطيني (لا مكان نشر: دار الكلمة، 2002)، ص. 90 و93-94.

[10] القس الدكتور عيسى دياب، “المسلك الديني الأصولي وصورة الإله.” بيروت: النهار، الأحد 11 تموز 2004.

[11] M. O’Brien, “Who Needs the Old Testament?” Theological Review XXVII/I (2005), pp. 23-24.

[12] Guillaume, “The Critique of the Herem within the Old Testament.” A paper presented at Near East School of Theology/Arab Baptist Theological Seminary Forum, Spring 2004, p. 2.

[13] C. J. H. Wright. Old Testament Ethics for the People of God (Leicester: IVP, 2004), pp. 474-475.

[14] Cf. J. Drane, Introducing The Bible With CD-Rom (Minneapolis: Fortress, 2005), p.352.

قتل الأطفال والإبادة الجماعية في العهد القديم

أليشع والدببة – الله الذي يرسل الدببة لقتل الأطفال؟!

أليشع والدببة – الله الذي يرسل الدببة لقتل الأطفال؟!

الله الذي يرسل الدببة لقتل الأطفال؟!

“ثُمَّ ارْتَحَلَ (أليشع) مِنْ هُنَاكَ إِلَى بَيْتِ إِيلَ، وَفِيمَا هُوَ سَائِرٌ فِي طَرِيقِهِ خَرَجَ بَعْضُ الْفِتْيَانِ الصِّغَارِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَشَرَعُوا يَسْخَرُونَ مِنْهُ قَائِلِينَ: “اصْعَدْ (فِي الْعَاصِفَةِ) يَا أَقْرَعُ!” فَالْتَفَتَ وَرَاءَهُ وَتَفَرَّسَ فِيهِمْ، ثُمَّ دّعّا عَلَيْهِمْ بِاسْمِ الرَّبِّ. فَخَرَجَتْ دُبَّتَانِ مِنَ الْغَابَةِ وَالْتَهَمَتَا مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ فَتىً. وَانْطَلَقَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى جَبَلِ الْكَرْمَلِ وَمِنْهُ رَجَعَ إِلَى السَّامِرَةِ.” (الملوك الثاني2: 23-25، الترجمة التفسيريَّة).

من أجل فهم صحيح لهذه الحادثة، أود أن أطرح مجموعة من الأسئلة وإلقاء الضوء عليها في السياق اللغوي والحضاري والتاريخي واللاهوتي للمقطع المشار إليه.

من هو هذا النبي الغاضب أليشع؟

إنه أليشع النبي الذي كان خلفًا للنبي إيليا (المعروف في الكثير من قرى الشرق الأوسط بمار إلياس الحي). امتدت خدمة أليشع في عهود الملوك يهورام وياهو ويهوآحاز ويوآش. وبحسب التقليد الكتابي فقد صعد إيليا حيًّا إلى السماء حوالي العام 860 ق. م.، وتوفي أليشع حوالي العام 795 ق. م. وبدراسة التسلسل التاريخي لحياة أليشع نستطيع أن نقدّر عمر أليشع عندما حدثت الحادثة المشار إليها أعلاه بحوالي 25 عامًا.

إذن كان أليشع في ريعان شبابه، وفي بداية خدمته بعد أن فارقه معلمه ومرشده النبي إيليا. لقد كان بحاجة إلى ما يؤيد ويدعم خدمته ليتمكن من القيام بمهمته النبويَّة وسط شعب عاص وقاس.

 

من هم هؤلاء “الفتيان الصغار”؟

إن قول البعض أن النبي أليشع تعرَّض لمجموعة من الأطفال الصغار هو أمر لا يتوافق مع قراءة دقيقة للنص. فالعبارة المترجمة إلى العربيَّة “الفتيان الصغار” (الترجمة التفسيريَّة) أو “الصبيان الصغار” (فاندايك – البستاني – سميث)، لا تفيد في أصلها العبري أولادًا صغارًا بين السادسة والعاشرة من العمر، بل تشير إلى فتيان بين الثانية عشرة والثلاثين سنة (راجع تكوين12:22، 1ملوك20: 14-15). لقد تعرض أليشع إلى مجموعة من الشبان عددها قد لا يقل عن خمسين شابًا. لقد كانت هذه المجموعة مصدر تهديد لحياة النبي، ومسيئة إلى الخدمة التي أوكله الله بها.

 

ماذا كانت تريد هذه المجموعة من أليشع؟

إن قراءة سطحيَّة للنص الكتابي تجعلنا نتساءل ونسأل: ما هو الجرم الذي اقترفه الشبان بحق أليشع ليحل بهم ما حل؟ وهل في عباراتهم إلا ما نسمعه من استهزاء وسخرية بين حين وآخر في شوارع مدننا وقرانا فنغض الطرف عنه؟ ولكن دراسة أعمق للنص ترينا أن عبارات هؤلاء الشبان كانت عميقة وهادفة إلى أبعد مما تبدو للوهلة الأولى.

كان الشبان يقولون: “اصعد”. إن هذه الكلمة بالذات استخدمت في الفصل السابق لتصف صعود إيليا إلى السماء (1:2 و11). وكأنهم كانوا يقولون: “هيا يا أقرع! اتبع سيدك الذي صعد قبلاً. هيا اصعد كما صعد هو. أرحنا منك ومن تعاليمك. اغرب عن وجوهنا. إننا لا نريدك!”

ولماذا كانوا يصفون أليشع بأنه “أقرع”؟ كانت الشعوب الوثنيَّة قديمًا تمارس عادة حلاقة الشعر، وقد حُرّم على الإسرائيليين إتباع هذه الممارسة (لاويين5:21، تثنية1:14). إذن فليس من المعقول أن يكون أليشع قد حلق شعره وخالف هذه الوصيَّة الصريحة. ولكن قد يقول قائل ربما كان أليشع أقرعًا بالطبيعة. هذا الأمر غير محتمل لعدة أسباب.

أولاً، كان أليشع في ريعان الشباب كما أسلفنا.

ثانيًا، كانت عادة الأنبياء تغطية رؤوسهم، وبالتالي لا يظهر في ما إذا كانوا قرعانًا أم لا.

ثالثًا، وهو الأهم استخدمت كلمة “أقرع” قديمًا ككلمة استهزاء واحتقار وسباب، وليس بالضرورة لتصف خلو الرأس من الشعر. وتشير موسوعة الكتاب المقدس أن هذه الكلمة استخدمت في هذه الحادثة بصورة مجازيَّة، أي ككلمة سباب على أليشع. فالأمر ليس مجرد تعيير بالقرع بل إهانة واحتقار هادفين.

 

لماذا غضب أليشع النبي؟

غضب أليشع للأسباب التالية:

أولاً، كانت حياته مهددة بالخطر. مجموعة كبيرة غاضبة من الشبان تسخر منه، وتكيل له السباب. من يدري ماذا سوف يحدث بعد قليل؟ هل يضربونه بالعصي؟ هل يطرحونه أرضًا؟ هل يرمونه بالحجارة؟ ويجدر بالملاحظة في هذا السياق، أنه في إحدى المخطوطات اليونانيَّة للعهد القديم Lucianic Recessions of LXX وردت عبارة “ورجموه بالحجارة” وفي هذا إشارة إلى توقع أحد النساخ قديمًا لما كان متوقعًا أن يحدث لأليشع من قبل الشبان.

ثانيًا، إن إهانة أليشع لم تكن مجرد إهانة شخصيَّة، بل كانت إهانة موجهة ضد الله (لاويين24: 10-16، تثنية19:18). فمعارضة النبي وخدمته هي بمثابة معارضة لله ومقاصده. ويشير القديس أوغسطينوس في تعليقه على هذه الحادثة أن أهالي المدينة كانوا وراء أولادهم في مقاومة نبي الله أليشع.

ثالثًا، إن أليشع لم يطلب من الله إرسال الدبتين للدفاع عنه. لقد نظر إلى الشبان ولعنهم. وكلمة “لعنة” في اللغة العبريَّة مشتقة من الفعل “قلّل”، أي أنه طلب من الله أن يقلل شأنهم. إن الذي يكرم أنبياء الله يكرمه الله، ومن يقلل من شأنهم يقلل الله من شأنه. وكانت النتيجة أن الله قلّل من شأن الشبان. فقد خرجت دبتان من الوعر… إن خروج الدبتين كان بتدبير إلهي لحماية النبي أليشع وللدفاع عنه، وهو ما يزال في بداية مهمته الموكولة إليه من قبل الله. ولكن هل يستحق الأمر خروج الدببة لتفتك بالشبان؟

وردًا على هذا السؤال أورد هذه الملاحظات الثلاث:

أولاً، يعتقد بعض المفسرين أن كلمة “افترستا” لا تعني بالضرورة الموت كليَّة، بل قد تشير إلى هجوم الدبتين على الشبان بقصد تفريقهم وتخويفهم عن طريق العض والنهش. وقد ترجمت الكلمة بالإنجليزيَّة إلى mauled وهي لا تعني القتل.

ثانيًا، إن الآية 42 التي تشير إلى عدد الشبّان لا يجب أن تُفهم حرفيًّا على أنها تشير إلى عدد محدَّد ودقيق، بل تشير إلى عدد تقريبي. وما يؤيد ذلك استخدام هذا الأسلوب الأدبي التعبيري في العهد القديم (الملوك الثاني14:10، رؤيا2:11،5:13)، وفي بعض الكتابات اليهوديَّة (b. Sota 47a).

ثالثًا، لم يتصرف الله بخلاف ما أعلنه في شريعته. إن الشريعة قضت بالعقاب الصارم – بواسطة الوحوش – لكل من لا يطيع صوت الرب: “وإن سلكتم معي بالخلاف ولم تشاءوا أن تسمعوا لي أزيد عليكم الضربات سبعة أضعاف حسب خطاياكم. أطلق عليكم وحوش البريَّة فتعدمكم الأولاد وتقرض بهائمكم وتقللكم فتوحش طرقكم” (لاويين26: 21-22).

كانت هذه الحادثة، التي ربما ذهب ضحيتها عدد من الشبان، بمثابة تحذير وتنبيه وتذكير للشعب في حال عدم طاعته وازدرائه بالله وبأنبيائه. إن دينونة مرعبة تنتظر من يفعل ذلك. فهل اتعظ الشعب آنذاك؟ يبدو أن الملك يهورام بن آخاب عامل أليشع باحترام بعد هذه الحادثة (الملوك الثاني3: 11-13)، ولكن يخبرنا السجل التاريخي أن الشعب ككل لم يتعظ، فكان لا بد من دينونة أقصي وعقاب أمر. وهذا ما حدث فعلاً عندما هجم الأشوريين عام 722 ق. م. وسبوا الشعب.

ويخبرنا التاريخ أن الأشوريين كانوا أشد شراسة بما لا يقاس من الدبتين: “فكانوا (الشعب ورؤساء الكهنة) يهزأون برسل الله ورذلوا كلامه وتهاونوا بأنبيائه (تمامًا كما فعلوا بأليشع) حتى ثار غضب الرب على شعبه حتى لم يكن شفاء. فأصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم. ولم يشفق على فتى أو عذراء ولا على شيخ أو أشيب بل دفع الجميع ليده” (الأخبار الثاني36: 16-17).

 

لم يتعظوا فكان العقاب الموعود به!

الله الذي يرسل الدببة لقتل الأطفال؟!

المرأة من هي؟ وهل يخدعنا الله؟ سفر القضاة الأصحاح التاسع عشر – الحادي والعشرون

المرأة من هي؟ وهل يخدعنا الله؟ سفر القضاة الأصحاح التاسع عشر – الحادي والعشرون

المرأة من هي؟ وهل يخدعنا الله؟ سفر القضاة الأصحاح التاسع عشر – الحادي والعشرون

المرأة من هي؟ وهل يخدعنا الله؟ سفر القضاة الأصحاح التاسع عشر – الحادي والعشرون

إذا لم تكن أحداث الفصول 19 إلى 21 من كتاب القضاة، مألوفة لديك فأرجو أن تقوم بقراءتها. أمران أساسيان ملفتان للنظر ومقلقان للفكر في هذه الفصول.

أولاً، التقليل لا بل الاحتقار لقيمة المرأة وكرامتها.

ثانيًا، موقف الله المُحيِّر، فهو “يوافق” على أمر ولكنه يمنح الفشل.

والآن سأبحث هذين الأمرين ببعض التفصيل.

المرأة من هي؟

في الفصول المشار إليها أعلاه نقرأ عن رجل لاوي اتخذ لنفسه سُرِيَّةً أو جارية. تبدو هذه المرأة المسكينة أنها ملكٌ فهو يتحكم بها ويوجهها كما يشاء. ولكن في أحد الأيام حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد قررت الجارية الهروب. لماذا؟ في الترجمة العربيَّة المعروفة بترجمة فاندايك – البستاني – سميث نقرأ: “فزنت عليه سريته وذهبت من عنده إلى بيت أبيها…” أما في كتاب الحياة (الترجمة التفسيريَّة للكتاب المقدس) فنقرأ: “ولكنها غضبت منه فلجأت إلى بيت أبيها…” (2:19).

الترجمة الأولى مبنيَّة على أساس النص العبري (المازوري) والنص السرياني (البشيتة/البسيطة) للعهد القديم، أما الترجمة الثانيَّة فتتبع الترجمة اليونانيَّة (السبعينيَّة) والترجمة اللاتينيَّة القديمة للعهد القديم. إنني أرجح الترجمة الثانية لسببين: أولاً، إن إرتباط الفعل العبري “زنا” بحرف الجرف “على” أمر مستهجن في النص العبري للعهد القديم.

ثانيًا، حيث أننا نقرأ في القصَّة بأن الرجل هو الذي بادر بالسعي وراءها للمصالحة، فإن ذلك يدل على أنه هو المسؤول عن تركها للبيت. ولكن إذا تساءلنا عن سبب الاختلاف بين القراءتين أعلاه للآية 2، فمن المحتمل أن كاتب النص العبري أشار إلى الزنى لأنه في مجتمع لا يعطي الحق للمرأة بالطلاق فإن ترك المرأة لبيتها يعتبر بمثابة ارتكاب للزنى. ولذلك فإن هذه هي الطريقة “المفضلة” لإلصاق تعمة الزنى بالمرأة!

بعد أن غادرت المرأة البيت والتجأت إلى بيت أبيها، حاول الرجل استرجاعها، فقصد بيت أبيها “ليطيّب قلبها” (3:19)، ولكنه هل حقًا طيَّب قلبها؟ إذ نقرأ النص بتدقيق، ونستمع إلى الحوار الذي جرى في بيت والد الفتاة، لا نجد كلامًا يُوجَّه إلى الفتاة فإذ بها تبقى مُهملة ومُهمَّشة! ذهب الرجل ومعه حمارين (3:19)، وإذ يصف كاتب الفصل عودة الرجل وغلامه والحمارين يضيف قائلاً: “… وسريته معه” (10:19)! وعلى الطريق يدور الحوار بين الرجل وغلامه، ويتناول الحوار موضوع مكان الإقامة بحلول الظلام، فيقترح الغلام يبوس (أورشليم) والرجل يفضِّل جبعة أو الرامة (19: 11-13). ولكن هل تُسأل الفتاة عن رأيها؟

وهناك في جبعة تتم استضافتهم من قبل رجل عجوز (20:19)، ولكن الضيافة الشرقيَّة الطيبة لم تستطع أن تمنح الحماية اللازمة. تحيط بالمنزل زمرة شاذة جنسيًّا من الشباب مطالبة بممارسة الجنس مع الضيف (22:19). أمام هذا الضغط الخارجي نرى مرة أخرى المفهوم المتدني الذي كان في فكر الرجال عن النساء في ذلك الزَّمان. فلحل المشكلة ولحماية الضيف يقترح المُضيف تقديم ابنته العذراء وسرية ضيفه ليفعل الأشرار بهما ما يشاؤون (19: 23-24).

ولكن أليست البنت ابنته من لحمه ومن عظامه؟ أو ليست السرية ضيفته أيضًا كما أن الرجل ضيفه؟ ولكن لحماية الضيف الرجل كل شيء مباح! تذكرنا هذه الحادثة بحادثة مماثلة في كتاب التكوين (19: 1-29) حيث لوط يقدم حلاً مشابهًا للحلّ الذي يقترحه المضيف في قصتنا: “هوذا لي ابنتان لم تعرفا رجلاً. أخرجهما إليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم. وأما هذان الرجلان فلا تفعلوا بهما شيئًا…” (8:19).

وفي الحادثتين تبقى المرأة هي الضحيَّة – ليست ضحيَّة لنجاة الضيف فحسب، بل أيضًا لإشباع شهوات الرجال!

وبينما الرجال في الخارج يتفاوضون مع المضيف يقوم الضيف – الذي قرأنا عنه سابقًا بأنه ذهب ليطيِّب قلب سريته – بتسليم سريته إلى الرجال (25:19)، وكانت السرية هي الضحيَّة. نام الضيف والمضيف بسلام في المنزل، بينما عانت السرية كل إهانة وذل في الخارج طوال الليل… وأخيرًا زحفت تحت وطأة الألم لتسقط على عتبة البيت.

وفي الصباح يقوم السيد ليتابع رحلته ولكنه لا يطمئن على سريته ولا يخفف عنها مرّ العذاب بل يأمرها قائلاً: “قومي نذهب” (28:19)، وكأنه لم يكن يتوقع ما حدث معها في الليل! لم تجب السرية. هل ماتت؟ الترجمة السبعينيَّة تفيد أن السرية قد ماتت، وهذا ما نراه في الترجمة التفسيريَّة مشارًا إليه بين قوسين (لأنها قد فارقت الحياة)، ولكن في النص العبري لا إشارة إلى موتها. فمن المحتمل أنها كانت منهكة القوى أو غائبة عن الوعي فلم تستطع الرد على سيدها.

لقد غادر الرجل أفرايم ليحضر سريته، وها هو الآن يعود إلى أفرايم وسريته الضحيَّة معه! وما إن دخل بيته حتى أخذ السكين وقطَّع السرية إلى اثنتي عشرة قطعة (29:19). وكأن كل ما فعله معها ليس كافيًا، فحتى في موتها يستطيع أن يستغل جثتها لتحقيق الانتقام! ما هو هدف التقطيع؟ تم اكتشاف ما يشبه هذه الممارسة في اكتشافات مملكة ماري في سوريا، حيث يقترح “بهديلم” على “زمريلم” أن يتم قطع رأس أحد السجناء وإرساله إلى المقاطعات المختلفة لتحفيز الناس على التطوع في الجيش.

وفي كتاب صموئيل الأول11: 4-7 نجد شاول يقوم بتقطيع فدان بقر ليحفز على اشتراك القبائل في الحرب ضد العمونيين. وفي قصتنا الهدف من التقطيع هو إشاعة روح الحماسة والانتقام ضد البنياميين، سكان جبعة.

هل يخدعنا الله؟

وتظهر الروح القبليَّة المتوافقة مع المثل العربي: “في الجزيرة تشترك العشيرة.” لقد فعل عمل الرجل اللاوي فعله، وقد أدّى تقطيع جثة السرية إلى حشد جيوش بني إسرائيل لمحاربة البنياميين (20: 1-2). عن بقايا حرب ربطها علماء العهد القديم بالحرب ضد البنياميين، ولكن لا تكشف هذه الآثار سبب الحرب وهويَّة المشاركين بها.[1]  لا تهتم قصو الحرب بكثرة سفك الدماء، بل ككل قصة تهدف إلى تحقيق التأثير على قرائها وسامعيها، فإن قصتنا هنا تتضمن مبالغة من نحو أعداد المشاركين في الحرب وضحايا الحرب.[2]

في الجولتين الأولى والثانية من المعركة ينهزم الإسرائيليون (21:20، 25)، بالرغم من أنهم استشاروا الرب، وأن الرب نفسه أمرهم بالقيام بالحرب. ألا نحتار لموقف الرب هذا؟ هل يخدعهم الله؟

يبدو أن سبب انهزامهم مردَّه إلى أن الرب أراد أن يلقنهم درسًا مبتدئًا بعشيرة يهوذا التي تنتمي إليها السرية، يتلخص هذا الدرس في أنهم قرروا الحرب وأعدوا للقتال ومن ثمَّ قرروا استشارة الرب! فقبيل الجولتين الأولى والثانية أُتخذ قرار المحاربة بعد حشد الجيوش والتهيئة للقتال، وليس بعد استشارة الرب. أما في الجولة الأخيرة فيبدو أنهم تلقنوا الدرس، فكان الصوم وتقديم الذبائح والصلاة أولاً (20: 26-28). فمنحهم الله الانتصار!

أجل، لقد كان انتصارًا. ولكن للأسف فإن بني إسرائيل فعلوا ما أرادوا الانتقام لفعله! أرادوا أخذ الثأر للسرية لأنها اغتُصبت في جبعة، لكنهم ساعدوا على إجبار 400 عذراء من يابيش جلعاد (21: 10-15) و200 عذراء من شيلوه (21: 19-23) على الزواج من رجال البنياميين. ألا نتصرف في كثير من الأحيان كما تصرف بنو إسرائيل؟

نريد الدفاع عن الشرف، فنضرب بشرف الآخرين عرض الحائط، نريد الدفاع عن حقوقنا فنهدر حريات الآخرين وحقوقهم! ألا نستطيع أن نلحظ أن هذا “الإجبار” للعذارى معادل لمفهوم “الاغتصاب”؟ أو ليست تعاني الكثير من الفتيات حتى في القرن الحادي والعشرين ما عانت منه تلك العذراوات في أيام القضاة؟ ألا نرى المرأة من جديد في أيامنا “تُخطف” بطريقة “شريفة” أو “غير شريفة” أو “شبه شريفة” وتُجبر على الزواج وكأنها متاع من الأمتعة!

ختامًا، أود الإشارة إلى ثلاث أمور هامة متعلقة بالمشكلتين الأخلاقيتين المشار إليهما أعلاه.

أولاً، من الضروري معرفة السياق التاريخي المرتبط بزمن وهدف كتابة هذه الأحداث المدونة في كتاب القضاة، الفصول 19-21، لنتمكن من فهم هذه الفصول فهمًا صحيحًا. لقد أخذت هذه الفصول شكلها النهائي قبيل أو خلال عهد الملكيَّة، في زمن رأى فيه الكاتب أهميَّة وجود ملك في إسرائيل. لقد أراد كاتب أو محرر كتاب القضاة أن يؤكد لقرائه أهميَّة النظام الملكي في إسرائيل. لقد أراد كاتب أو محرر كتاب القضاة أن يؤكد لقرائه أهميَّة النظام الملكي في إسرائيل وضرورته من أجل حياة آمنة للشعب.

وقد استطاع أن يفعل ذلك في وصفه للواقع المزري التي وصلت إليه البلاد خلال حكم القضاة. وكأني به يقول: أرأيتم الفوضى والخراب خلال فترة حكم القضاة في إسرائيل، إن نظام الملكيَّة يستطيع أن ينجينا من هذه الأمور، ولذلك أدعوكم لتأييد هذا النظام ودعمه. يظهر هذا الفكر بصورة جليَّة بواسطة التعابير التي اختارها كاتب أو محرر كتاب القضاة فيكتب في افتتاحيته: “وفي تلك الأيام التي لم يكن فيها ملك لبني إسرائيل…” (قضاة1:19)

وينهي كتابه بهذه الكلمات: “في تلك الأيام لم يكن ملك على إسرائيل، فكان كل واحد يعمل ما حسن في عينيه” (25:21). وبذلك فإن الكاتب أو المحرّر يصوِّر لقرّائه وضعًا مزريًّا وشاذًا لعدم توفر ضوابط أخلاقيَّة، أما سبب غياب هذه الضوابط الأخلاقيَّة فمرده إلى عدم وجود نظام الملكيَّة في إسرائيل.[3]

ثانيًا، بالطبع ما من عاقل يريد خلق الأعذار لما فعله الرجل اللاوي بسريته، ولا لتصرف المضيف، ولا لخيانة الرجل لسريته في جبعة، ولا تقطيعه لأوصالها… وما من عاقل يوافق على ما فعله بنو إسرائيل لبنات يابيش جلعاد وشيلوه. إننا نحملهم المسؤوليَّة الكاملة على الأعمال المشينة والمخزية التي قاموا بها. لقد قللوا من شأن المرأة وكرامتها، حتى وإن ظنَّ البعض أن ما فعلوه قد يتوافق مع الواقع الاجتماعي الذي عاشوه في ذلك الزمن. إن الله الذي من البدء خلق الإنسان ذكرًا وأنثى على صورته الأدبيَّة والأخلاقيَّة (تكوين27:1، قارب مع رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطيَّة28:3)، لا يُعقل بأي حال من الأحوال أن يوافق على هذه التصرفات التي تعامل المرأة بهذا الشكل المتدني واللاأخلاقي.

إن ما تم القيام به هو أمرٌ لا يقبله الله، ولا ينبغي أن نقبله نحن. إن ما حدث في جبعة قد ينساه بنو إسرائيل، ولكن الله لن ينساه. لقد أدان الله على فم النبي هوشع ما حدث في جبعة: “جاءت أيام العقاب. جاءت أيام الجزاء… قد توغلوا فسدوا كأيام جبعة. سيذكر إثمهم. سيعاقب خطيتهم” (هوشع9: 7-9) وأيضًا: “من أيام جبعة أخطأت يا إسرائيل…” (هوشع9:10).

إن هكذا معاملة متدنيَّة للمرأة صادرة عن شر الإنسان (أو بالأحرى الرجل) وقسوته. ولكن السؤال الذي أطرحه اليوم هو: ألا نزال نعامل المرأة كأحد الأشياء في مجتمعاتنا، وبيوتنا، وكنائسنا؟ ألا تظهر أقوالنا وتصرفاتنا أننا لا نزال نحتفظ بعقلية الناس أيام القضاة (حوالي 1000 سنة قبل المسيح)؟ أما زلنا كرجال نغتصب حقوق المرأة بألف حجة وحجة منها أن الله حسب تعاليم الكتاب المقدس يمنح الرجل امتيازات وحقوقًا لا يمنحها للمرأة؟ ألا نزال بحجة، “أن لكل دوره في المجتمع والحياة والخدمة المسيحيَّة” نُقصي المرأة عن دورها الفعلي في المجتمع والكنيسة؟

من الجدير بالذكر أن الكلمة المترجمة “فيه” في ترجمة فاندايك – البستاني – سميث في العبارة “تبصروا فيه وتشاوروا وتكلموا” (30:19) [لا تظهر الكلمة “فيه” في الترجمة التفسيريَّة]، هي في صيغة التأنيث في النص العبري، ومن المحتمل جدًا أن الضمير المؤنث يشير إلى الفتاة السرية. وكأني في ذلك دعوة لنا لكي نتبصر في شأن المرأة ونتشاور بأمرها ونتكلم لصالحها وندافع عن حقوقها.

ثالثًا، من الملفت للنظر أن كتاب القضاة في التقاليد اليهوديَّة لترتيب العهد القديم يتبعه كتاب صموئيل الأول. أما في ترتيب الترجمة اليونانيَّة (السبعينيَّة)، وهو الترتيب المعمول به في الترجمات العربيَّة للعهد القديم، فيتبعه كتاب راعوث. يتحدث كتاب راعوث عن امرأة عظيمة مضحيَّة ومحبَّة، التي بسبب أمانتها وإيمانها اختارها الله لتصبح جدَّة لداود الملك، ومن نسلها جاء المسيح حسب الجسد. وفي مطلع كتاب صموئيل الأول نقرأ قصية التقيَّة حنَّة ومحبتها للرب وتكريسها له.

هل عندما تم ترتيب أسفار العهد القديم، سواء في التقاليد اليهوديَّة العبريَّة أم في التقاليد اليهوديَّة اليونانيَّة، تمَّ بسابق تصميم بقصد موازنة الصورة المظلمة للمرأة التي نقرأ عنها في كتابي صموئيل الأول وراعوث؟ بالطبع قد لا نستطيع أن نقدِّم ردًّا إيجابيًا على هذا السؤال، ولكننا نستطيع أن نقدِّم ردًّا إيجابيًّا على السؤال التالي: هل نريد أن نرى ونتعامل مع المرأة باعتبارها راعوث وحنة، أو باعتبارها امرأة بلا اسم ولا هويَّة ولا كرامة كسريَّة الرجل في كتاب القضاة؟

[1] L.A. Sinclair. “An Archaeological Study of Gibeah (tell el-Fûl),” AASOR 34/35 (1954-56), pp. 1-52.

[2]  إن مدوِّن القصَّة لم يكن مسؤولاً عن وحدات التعبئة، ولذلك لم يهتم كثيرًا بتدوين الأعداد بدقَّة، بل كان هدفه إظهار الخسارة الكبيرة فمثلاً، عدد الرجال المحاربين البنياميين في الآية 25

[3]  من غرائب الأمور أن شاول الملك الأول في إسرائيل كان من عشيرة بنيامين وقد اتخذ من جبعة مركزًا له (انظر: 1صموئيل9: 1-2، 26:10، 34:15، 6:22، 19:23).

المرأة من هي؟ وهل يخدعنا الله؟ سفر القضاة الأصحاح التاسع عشر – الحادي والعشرون

نذر يفتاح الجلعادي – هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟

نذر يفتاح الجلعادي – هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟

هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟ 

تخبرنا بعض المقاطع من كتاب القضاة (11: 30-31، 34-35، 39 و11: 29-40) عن قائد عسكري يُدعى يفتاح الجلعادي، قبيل مغادرته إلى ساح المعركة، نذر هذا القائد نذرًا لله. كان النذر يقضي بتقديم ذبيحة لله، إذا كان الله في عونه وحالفه الانتصار في معركته. أما الذبيحة المزمع تقديمها فهي أول من أو ما يخرج من بيته ليرحب بعودته. ويعود القائد يفتاح الجلعادي منتصرًا وتخرج ابنته الوحيدة لاستقباله. وتخبرنا الرواية أن أمانة القائد وتعهده لله يدفعانه إلى تقديم ابنته “ذبيحة”! فهل يرضى الله بالذبائح البشرية؟

إذا لم تكن تعرف هذه الحادثة جيدًا فإنني أدعوك لقراءتها. هذه هي بعض الأسئلة التي أعتقد أنها خطرت في بالك عندما قرأت هذه الحادثة:

  1. ما هو النذر الذي نذره يفتاح؟
  2. لماذا نذر هذا النذر؟ ومتى؟
  3. هل قدّم حقيقة يفتاح ابنته ذبيحة؟
  4. هل يعقل أن الله يرضى بما فعل يفتاح؟

هذه هي إحدى الصعوبات الأخلاقيَّة والاهوتيَّة المعقدة الواردة في العهد القديم والتي تعددت الآراء بشأنها. بعد استعراض الآراء المختلفة سأقترح حلاً لهذه الصعوبة.

الرأي الأول:

يعتقد أصحاب هذا الرأي بأن يفتاح الجلعادي قدّم ابنته ذبيحة لله. ولهذا الرأي بعض الحجج التي تدعمه وبعض الآراء المتفرعة عنه. أما أهم الحجج المؤيدة لهذا الرأي والمتفرعة عنه فهي:

أولاً، إن تقديم يفتاح الجلعادي لابنته ذبيحة كان مجاراة لإحدى العوائد الدينيَّة السائدة في ذلك الزمان. فقد كشفت مخطوطات أوغاريت، رأس شمرا شمال سوريا، النقاب عن مثل هذه العادة حيث عنات يقدِّم فتوح كذبيحة للإله. وفي آسيا الصغرى، كانت هناك ممارسات مماثلة حيث نذر ملك كريت عقب عاصفة هوجاء أن يقدِّم للإله نبتون أول من يخرج من القصر للقائه بعد عودته سالمًا. وإحدى الروايات تحدثنا عن أجاممنون الذي قدم ابنته إفيجينيا للإله.

ثانيًا، عاش يفتاح شرقي الأردن في منطقة جلعاد، ولم يكن على علم بأن الله يمنع بشدة تقديم الذبائح البشرية. لقد نذر بأن يقدِّم أعز ما لديه إرضاء لله، ولم يكن ليدري أن الله الذي نذر له هذا النذر لا يقبل مثل هذا النوع من الذبائح. وهكذا قدّم ابنته ذبيحة بسبب نقص علمه، ومحدوديَّة معرفته.

ثالثًا، لقد تسرع يفتاح بالتعهد بهذا النذر حيث لم تكن هناك ضرورة لأي نذر فقد كان عليه روح الرب (قضاة29:11)، وكان الله سينصره على أعدائه على كل حال. لقد كانت ابنته ضحيَّة نذره المتسرع وانفعاله الذي لم تكن له ضرورة البتة.

رابعًا، لقد قدّم يفتاح ابنته كذبيحة ولكن ليس على غرار عوائد الأمم الوثنيَّة المجاورة، بل على غرار ما فعل يشوع. الله يعطي يشوع الانتصار فيقوم يشوع بالتحريم. وفي هذه الحادثة يحصل القائد يفتاح على الانتصار من الله، فإذ به يحرّم ابنته تعبيرًا عن شكره لله لمنحه النصرة على الأعداء.

 

الرأي الثاني:

يعتقد أصحاب هذا الرأي أن يفتاح الجلعادي لم يقدّم ابنته ذبيحة لله، بل كرَّسها لخدمة الله في الهيكل، حيث نذرها لتبقى عذراء طوال فترة خدمتها فيه.

أميل إلى قبول الرأي الثاني، ولكن قبل أن أستعرض الحجج المؤيدة له، أود أن أقوم بالرد على الرأي الأول وعلى النظريات المتفرعة عنه.

أولاً، إن ظهور عادة جارية في بعض مناطق الشرق الأدنى القديم، لا يعني أن قصة يفتاح الجلعادي هي رواية أو أسطورة أو خرافة مماثلة لما كان سائدًا في الشرق الأدنى القديم. مما شكَّ فيه أن عادة تقديم الذبائح البشرية إرضاء للآلهة كانت موجودة في بعض معتقدات الشرق الأدنى القديم (ولكنها لم تكن واسعة الانتشار، كما يظن البعض)، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يفتاح اتبع مثل هذه العادة كما سيتبين لنا بعد قليل.

ثانيًا، ليس هناك ما يؤكد أن يفتاح الجلعادي كان غير عالم بوصيَّة الله التي تنهى عن تقديم الذبائح البشرية. إن متابعتنا لحديث يفتاح الجلعادي ومحاوراته ومفاوضاته مع العمةنيين تجعلنا ندرك أنه كان على علم بالشريعة والوصايا التي كانت معروفة غرب الأردن (قضاة11: 12-28). كما أنه ليس من الضروري لشخص ما أن يلمَّ بكل تعاليم إحدى الديانات ليدرك أحد الأمور أو التعاليم الجوهريَّة فيها. فليس ضروريًّا على المسيحي أن يلمَّ بكل تعاليم الديانة الإسلاميَّة ليدرك أن الصلاة هي إحدى تعاليمها الجوهريَّة. إن وصيَّة عدم تقديم الذبائح البشرية يمكن معرفتها دون الحاجة لمعرفة كل دقائق الشريعة وتفاصيلها.

ثالثًا، من خلال قراءتنا لكامل الفصل الحادي عشر من كتاب القضاة لا يوجد لدينا أي دليل يشير إلى أ، يفتاح الجلعادي كان شخصًا متسرعًا، ينطق بنذر دون تفكير كافٍ. إن مفاوضات يفتاح مع العمونيين تشير إلى أنه كان طويل الباع، فهو لم يتسرع للحرب والقتال، بل كان مترويًّا فاتبع سبيل المفاوضات. من جهة أخرى، لم ينطق يفتاح بنذره وهو في ساحة القتال حيث الضغوطات والمواقف الحرجة التي تجبر الإنسان أحيانًا على قول ما لا يريد قوله. لقد نطق بنذره وهو في حالة هدوء وتفكير عميقين (قضاة11: 29-31).

رابعًا، إن فكرة التحريم بعيدة جدًا عن النص الذي أمامنا، وليس من دليل أنها كانت إحدى الممارسات الشائعة في العهد القديم (انظر مناقشتي لموضوع تحريم أريحا في هذا الكتاب). لقد كان التحريم يقضي أن يتم قتل الأشخاص ولم يكن يتضمن أي فكر عن القيام بتقديم تقدمة أو محرقة أو ذبيحة إلى الله (تثنية13: 12-18، عدد21: 2-3، 1 صموئيل33:15).

أما أسباب تأييدي للرأي الثاني، الذي مفاده بأن يفتاح الجلعادي لم يقدّم ابنته ذبيحة لله، بل كرَّسها لخدمة الله في الهيكل حيث نذرها لتبقى عذراء طوال فترة خدمتها فيه، يعود إلى ما يلي:

 

أولاً، عندما نذر يفتاح الجلعادي نذره كان يتوقع أن ما سوف يقدِّمه محرقة هو شخص وليس حيوان. قال يفتاح الجلعادي: “فالخارج الذي يخرج من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة يكون للرب وأصعده محرقة” (قض11:31). وفي هذا السياق أشير إلى أربعة أمور هامة.

  1. إن كلمة “الذي” (في العبريَّة “أشِر”) تشير إلى العاقل وغير العاقل على السواء. لقد ترجمت هذه الكلمة خطاً في عدد من الترجمات الإنجليزيَّة بالكلمة whatever التي تشير إلى غير العاقل، ويصح ترجمتها بالكلمة whoever التي تشير إلى العاقل. إذن هذه الكلمة لا تشير بالضرورة إلى الحيوان.
  2. إن كلمة “الخارج” (في العبريَّة “يتصا”) هي في صيغة المذكَّر، وليس في الصيغة التي تحتمل الإشارة إلى حيوان وإنسان معًا، فلو كان القصد الإشارة إلى حيوان أو إنسان لاستخدمت صيغة التأنيث. إن استخدام صيغة المذكَّر يشير إلى شخص وليس إلى شيء.
  3. إن عبارة “يكون للرب وأصعده محرقة” ى تعني بأنه إذا كان الخارج إنسانًا فإنني أقدمه للرب، أما إذا كان حيوانًا فإنني أصعده محرقة. الجملة الأخيرة معطوفة على الأولى، وهي بمثابة توضيح لما ورد في الجملة الأولي.
  4. إن كلمة “للقائي” لا تصف ملاقاة حيوان إنسان، بل تتضمن تفكيرًا وتصميمًا وقرارًا بشريًّا، بمعنى اللقاء للترحيب. وهذا ما حدث فعلاً. قارب التشابه بين كلمة “للقائي” (الآية31) وكلمة “للقائه” التي تشير إلى خروج ابنته للترحيب بعودته سالمًا (الآية34).

ثانيًا، عند عودة يفتاح سالمًا منتصرًا قابلته ابنته بالدفوف والرقص، وهي عادة مألوفة في الشرق الأدنى القديم للتعبير عن الفرح (قارب مع خروج20:15 و1صموئيل18: 6-8). عند رؤية يفتاح لابنته قام بتمزيق ثيابه حزنًا عليها (قارب مع تك29:37، أي20:1)، ونطق بعبارات عاطفيَّة رقيقة وأليمة: “آه يابنتي قد أحزنتني حزنًا وصرت بين مكدريّ.” إن كلمة “مكدري” مشتقة أصلاً من الفعل العربي عكّر أي أن ما سيحدث سيمرغ حياة يفتاح الجلعادي بالوحل كالمياه المعكرة (انظر يشوع7:24-26).

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان يفتاح ينوي تكريس ابنته لخدمة الهيكل، فلماذا حزنه الشديد وأسفه العميق؟ ألا يشير هذا الموقف إلى أنه كان مزمعًا أن يقدّم ابنته ذبيحة؟ وجوابي على هذا السؤال الأخير إن حزن يفتاح الجلعادي مرده إلى حدوث الأمر المستبعد، ولكنه الممكن، ألا وهو خروج ابنته الوحيدة من البيت.

والآن هو مضطر أن يفي بنذره، وبذلك ستحرم ابنته من الزواج وإنجاب الأولاد، وهو الأمر المألوف والطبيعي لكل امرأة شرقيَّة قديمًا (تكوين1:30)، أما هو فسيحرم من الأحفاد والنسل وهو أحد الأمور الهامة أيضًا في الشرق الأدنى القديم. لقد حزن يفتاح الجلعادي لأجل ابنته بالدرجة الأولى، وضمنًا لأجل نفسه بالدرجة الثانية.

ثالثًا، من الجدير بالملاحظة أن ابنة يفتاح لم تمانع بتحقيق رغبة والدها، بل أن سعادتها بالانتصار على الأعداء كانت فيّاضة وغامرة لتعمل ما نذر به والدها. ألا تجدر أن تكون ابنة يفتاح الجلعادي مثالاً لمحبة الوطن والاستعداد للتضحيّة في سبيل تحرره وتقدمه وازدهاره؟ لقد طلبت الابنة المطيعة من والدها أن تذهب إلى الجبال هي وصاحباتها.

ونسأل لماذا تذهب مع صاحباتها إلى الجبال؟ لم يكن ذهابها بغرض توديع الحياة لأن والدها يريد أن يقدمها ذبيحة لله، بل يقول النص صراحة أنها ذهبت مع صاحباتها للقيام بمهمة محددة، هذه المهمة هي بكاء عذراويتها، وليس لتوديع هذه الحياة. لاحظ تكرار العبارات التالية للتشديد على حقيقة “العذراويَّة”: “وأبكي عذراويتي” (الآية37)، “وبكت عذراويتها” (الآية38)، “وهي لم تعرف رجلاً” (الآية 39).

ألا نرى في هذه العبارات أن التأكيد هو على موضوع البتوليَّة، وليس على موضوع الموت؟ إن عبارة “وهي لم تعرف رجلاً” تعني بأنها تممت النذر دون أن تعرف رجلاً، بل أنها تممت النذر بواسطة كونها لم تعرف رجلاً.

ولكن قد يقول معترض على هذا التفسير، ماذا عن كلمة “محرقة” الواردة في الآية 31 لتصف ما سيقوم به يفتاح؟ من المحتمل جدًا أن يفيد أصل هذه الكلمة في العبريَّة معنى التكريس أساسًا وليس فكرة الاحتراق بالنار أو الذبيحة الدمويَّة المحترقة. إن أصل الكلمة العبري هو “علاخ” وهي من الفعل الذي يماثل الفعل “علا” (ارتفع، صعد) بالعربيَّة، فالمحرقة (علاه)، إذن هي في أصلها إشارة إلى ما يتم رفعه أو إصعاده إلى المذبح كتعبير ظاهر وعلني عن التخصيص للرب والتكريس له تعالى.

من ناحية أخرى، اعتقد البعض من أصحاب الرأي الأول، الذين ينادون بأن يفتاح الجلعادي قدَّم ابنته ذبيحة دمويَّة، أن الكلمة “لينُحنَّ” في الآية: “أن بنات إسرائيل يذهبن من سنة إلى سنة لينُحنَّ على بنت يفتاح الجلعادي أربعة أيام في السنة” (الآية 40)، تشير إلى البكاء على الميت. ولكن الكلمة في أصلها العبري لا تعني هذا.

لقد وردت هذه الكلمة مرة أخرى في كل كتب العهد القديم وذلك في كتاب القضاة11:5 حيث ترجمت “يثنون”، وهذا معناه أن بنات إسرائيل[1] كن يمدحن ويشدن بتضحية هذه الفتاة لعذراويتها مقابل انتصار شعبها على الأعداء. ولا من مانع لإمكانيِّة وجود التقليد السنوي لزيارة الفتيات ابنة يفتاح الجلعادي، لتشجيعها ومدحها وتكريمها عندما كانت حيَّة آنذاك، أما بعد موتها فقد أضحى هذف الزيارة تقديم الثناء لهذه الفتاة الباذلة، ولإحياء ذكرى الانتصار على الأعداء أيضًا.

رابعًا: بعد انتهاء فترة بكاء العذراويَّة حان موعد عودة الابنة إلى أبيها نقرأ بأنه “فعل بها نذره الذي نذر” (الآية 39). لاحظ أنه لا توجد في كل المقطع إشارة واحدة واضحة بأنه قدّمها ذبيحة دمويَّة للرب، بمعنى أنه استعمل في ذلك السكين لذبحها والنار لإشعالها كما كانت عادة تقديم الذبائح آنذاك.

إن يفتاح الجلعادي فعل بابنته كما نذر، أي أنّه كرَّسها للخدمة في الهيكل. وهذا النوع من الخدمة له أساسه في العهد القديم سواء للرجال مثل صموئيل (1صموئيل1: 22-28) أم للفتيات (خروج8:38)، كما أن عادة تواجد بعض النساء في الهيكل مألوفة أيضًا (1صموئيل22:2).

فقد كانت النساء تقمن بخدمة الطهي والغسيل والترتيب وما شابه. إضافة إلى ذلك فإنه من المحتمل بأن بنات شيلوه، وهو المكان الذي كان فيه تابوت العهد (قضاة21: 19-23)، كانت لهن خدمة معيَّنة مرتبطة بمكان العبادة.

خامسًا، إن تقديم الذبائح البشرية هي احدى الممارسات الوثنيَّة في الشرق الأدنى القديم، ومن المستحيل جدًا أن الله في زمن العهد القديم قد وافق على ممارستها في إسرَإيل. والحق يقال إن الله حذَّر بشدة من ممارستها. وأوجب عقوبات قاسية على ممارسيها 0تثنية18:9-12، 12: 30-31، لا21:18، 2:20 و 22).

فعندما قام ملك موآب بتقديم بكره ذبيحة دمويَّة أدان الله ذلك بشدة (2ملوك27:3)، وكان أنبياء الله يرفضون بقوة هذه الممارسات الوثنيَّة ويحذرون الشعب من هذا التقليد الوثني (ارميا24:3، 31:7، 19: 4-6، 35:32)، وكان أنبياء الله يرفضون بقوة هذه الممارسة الوثنيَّة ويحذرون الشعب من هذا التقليد الوثني (ارميا24:3، 31:7، 19: 4-6، 35:32، خروج16: 20-21، 23: 37-39).

وفي حادثة تقديم إبراهيم لابنه نرى بأن هدف الله ليس تقديم الذبيحة البشرية بل إظهار الطاعة البشرية (تك12:22). وللأسف نلاحظ أنه بسبب انحدار شعب إسرَإيل الأخلاقي والديني فقد مورست هذه العادة أحيانًا (2ملوك17:17، 16، 3، 6:21، مزمور106: 37-38).

فلو كان يفتاح قد قدم ابنته ذبيحة بشرية لله، لكان قد خالف بذلك الله، وعصى وصاياه الواضحة، ولا توجد أيَّة إشارة إلى أن يفتاح الجلعادي كان عاصيًا لوصايا الله. على العكس تمامًا فقد تحدث عنه النبي صموئيل بصورة إيجابيَّة (1صموئيل11:12)، ووصفه العهد الجديد بأنه بطل من أبطال الإيمان (عبرانيين32:11).

إضافة إلى ذلك فإن الكتاب المقدس يدين موسى عندما أخطأ (تثنية32: 50-52، عدد20: 1-13)، ويدين داود عندما زنى وقتل (2صموئيل12: 1-23)، والأهم من ذلك فإن كاتب كتاب القضاة – حيث ترد قصة يفتاح الجلعادي – يدين القائد جدعون (27:8)، فلو ارتكب يفتاح الجلعادي عملاً غير أخلاقي (لا بل إجرامي!) لكنا نتوقع أن تتم ادانته، أو على الأقل، أن يذكر العهد القديم أو العهد الجديد، وبالأخص كاتب كتاب القضاة تعليقه السلبي على ذلك.

سادسًا، يخبرنا كتاب التلمود (تعنيت4أ) أن نذر يفتاح الجلعادي كان نذرًا غير شرعي، وبناء على ذلك فإنه كان بإمكانه أن يتممه بطريقة أخرى (انظر لاويين27: 2-7)، ولتفرض جدلاً أنه نذر تقديم ابنته ذبيحة دمويَّة فقد كان باستطاعته أن يفي هذا النذر حسب شريعة اللاويين دون أن يقدم ابنته كذبيحة بشرية. إضافة لذلك ينبغي أن لا ننسي أن مقتضيات تقديم الذبائح تفرض تقديم ذبيحة ذكريَّة فقط (لاويين1: 3-10).

سابعًا، ولنفرض جدلاً، أن يفتاح قرر تقديم ابنته ذبيحة بشرية لله فإننا نسأل: أين قدَّمها؟ لقد كانت الذبائح تقدَّم على المذبح في خيمة الشهادة وبواسطة الكهنة اللاويين. فهل يُعقل أن الكهنة اللاويين كانوا يسمحون بذلك، ويقومون بأنفسهم بهذا العمل، وهم على دراية كافية بأن الشريعة تدين تقديم الذبائح البشرية وقد يقول قائل: ربما قدَّمها في مكان خاص وذبحها على مذبح سري.

هذا الرأي مرفوض لأنه إذا أخذنا النص جديًّا فإنه يقول “ففعل بها نذره الذي نذر” والنذر الذي نذره هو تقديمها كمحرقة، فلو كانت المحرقة تعني ذبيحة بشرية فلا يكون قد أتمَّ نذره إلا بتقديمها في المكان المعين لتقديم الذبائح أي مذبح خيمة الشهادة.

ثامنًا، ونتساءل إذا كان الموت هو مصير ابنة يفتاح فلماذا تبتعد عن أبيها لمدة شهرين لتموت بعد هذه المدة وهي ابنته الوحيدة؟ ألم يكن من الأفضل – لو كان الموت حقًا نصيبها – أن تبقي مع والدها لتودعه وتودع الحياة؟ وألا تتطلب عاطفة الأبوة والبنوة ذلك؟ ومن يعلم أنه سيموت بعد شهرين هل يقضيها بالنحيب بدلاً من الاستمتاع بالحياة؟ وأكثر من ذلك، لو أراد يفتاح تقديم ابنته ذبيحة بشرية لله، لانتشر ذلك الخبر خلال مدة الشهرين، كما تنتشر الأخبار بسرعة فائقة في شرقنا، ولتوقعنا تدخل الناس بمنعه عن مثل هذه الفعلة الشنيعة، كما حدث مع شاول وابنه (راجع 1صموئيل28:14، 43-45، 2صموئيل33:18).[2]

أخيرًا، وبالرغم من اعتقادي بحريَّة ما يختار الإنسان فعله، فإن الله العارف بكل الأمور والعليم بالنهاية قبل البداية، كنا نتوقع أنه قد يضطر إلى حجب الانتصار عن يفتاح، لو كان يفتاح مزمعًا أن يذبح ابنته حقًا، الأمر الذي لا يرضاه الله، بل يبغضه ويدينه أيضًا. وهل من المعقول أن الله المحب والعادل يشترك في جريمة يفتاح؟ حاشا لله تعالى فعل ذلك!

 

ماذا نتعلم من قصة يفتاح الجلعادي؟

أولاً، الثقة والاتكال على الله في وسط الظروف المناوئة. وسط الأزمات الشخصيَّة والاجتماعيَّة والوطنيَّة نحتاج إلى وضع الخطط اللازمة والبرامج المناسبة لمواجهة تحديات هذه الأزمات، الأمر الذي فعله القائد العسكري يفتاح الجلعادي، ولكن يفتاح فعل أمرًا آخرًا ألا وهو اعتباره بأن النصر يأتي من الله تعالي. ليتنا لا نكتفي بالثقة بإمكانيتنا وقدراتنا مهما بلغت، بل نضع ثقتنا بالله ونتكل عليه تعالى وسط التحديات التي تواجهنا.

ثانيًا، اتخاذ الموقف الصحيح من النذور. يخبرنا الكتاب المقدس عن نوعين من النذور: نذور غير أنانيَّة (مزمور132: 2-5، أعمال18:18)، ونذور أنانيَّة يصح أن نطلق عليها تعبير “نذور الصفقات” (تكوين28: 20-22، تثنية23: 21و23، عدد21: 1-3، 1صموئيل11:1، 2صموئيل15: 7-8). ينبع النوع الأول من الرغبة في تقديم الشكر والحمد والامتنان لله، لأجل أفضاله وبركاته ونعمه التي لا نستحقها. اما النوع الثاني فهو المتمثل بالموقف: “أعطني يا رب… وبقدر ما تعطيني أعطيك”.

هذا النوع من النذور يدفع صاحبه للتفكير بأنه يستطيع شراء نعمة الله بما ينذر ويعطي، أو أنه بواسطة نذره يؤثر على الله “فيستخدم” الله كاستخدام فانوس علاء الدين السحري لتحقيق مآربه وأهدافه. ينبغي علينا الحذر الشديد من هذا النوع الثاني من النذور، والتفكير مليًّا بدوافعنا ومواقفنا عندما نتعهد بأمر ما لله. من ناحية أخرى، فإن موضوع التعهد لله أو النذر له تعالى، ينبغي أن ينشئ فينا تصميمًا لأهميَّة تحقيق ما نتعهد بنذره (عدد36: 2-13، مزمور4:15، 14:66،11:76، أعمال5: 1-4)، بالطبع بشرط ألا يتعارض النذر مع وصايا الله وتعاليمه.

لقد كان الملك هيرودس في حال من الإثارة والسكر الشديدين، وتعهد بأن يعطي الراقصة ابنة هيروديا كل ما أرادت ولو عادل ذلك نصف مملكته. استشارت الراقصة أمها التي كانت تضمر كل الشر ليوحنا المعمدان، الذي اتخذ موقفًا شجاعًا وحاسمًا من خطايا هيروديا، فطلبت الراقصة رأس يوحنا المعمدان. لا شكَّ أن هذا الطلب يتعارض مع وصايا الله، لقد كان بإمكان هيرودس ألا يتمم هذا النذر (مرقس6: 23-27). ولو كان يفتاح قد نذر بتقديم ابنته ذبيحة بشرية، لكان عليه ألا يتمم هذا النذر لأنه يتعارض مع وصايا الله الواضحة المعلنة في شريعته الإلهيَّة المقدسة.

وأخيرًا، لا بد من القول بأنه بالرغم من أن النذور والتعهدات مقبولة حسب الكتاب المقدس، إلا أنها ليست ضروريَّة في حياة المؤمنين (تثنية22:23). من يدري ربما كان الله سيمنح يفتاح الانتصار سواء نذر أم لم ينذر خاصة وأن روح الرب كان عليه (قضاة29:11)، وما دام مؤمنًا بأن الله هو القاضي العادل (قضاة27:11).

[1] إن استبدال كتابة كلمة “إسرائيل” بالكلمة “إسرَإيل” في هذا الكتاب أمر مقصود، وذلك للتمييز بين الشعب بين الشعب العبري القديم المذكور في كتب العهد القديم وبين شعب دولة إسرائيل الحديثة. من المفيد جدًا أن تقوم الترجمات العربية للعهد القديم وكافة الكتابات المتعلقة بالعهد القديم بإتباع هذا التمييز.

وتجدر الملاحظة إلى أنه ينبغي التمييز أيضًا بين كلمة “فلسطيني” الواردة في العهد القديم لتكتب “فلسطي” لتمييزها عن كلمة “فلسطيني” التي نستعملها في أيامنا للإشارة إلى الفلسطينيين العرب في الأراضي المحتلة أو في الشتات. تميِّز اللغة الإنجليزية بين هذه الأمور باستخدام Palestinians, Philistines, Israelis, Israelites.

إن الترجمة العربية المشتركة للكتاب المقدس، إصدار دار الكتاب المقدس في العالم العربي، التي شارك فيها مجموعة من المترجمين الذين ينتمون إلى الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية، قد أحسنت صنعًا باستخدام كلمة “فلسطي” بدلاً من “فلسطيني” ولكن للأسف لم تعتمد ذلك بالنسبة لكلمة “إسرائيل”. انظر مناقشتى لهذا الأمر في: R. Kassis, “Christian Zionism: A Critique.” Unpublished ThM theses. Vancouver: Regent College, 1993. P. 142. n. 69.

[2] إن وجهة نظري عن مصير ابنة يفتاح تتشابه مع ما تقدِّمه التمثيلية الأدبية التاريخية: الخوري الأسقفي الحايك، عذراء يفتاح (بيروت: صادر 1953)، ولكنها غير مبنيَّة على أساس التمثيلية الأدبية التاريخية.

نذر يفتاح الجلعادي – هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟

إله العهد القديم، هل هو إله يشارك في جريمة سرقة؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله يشارك في جريمة سرقة؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله يشارك في جريمة سرقة؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله يشارك في جريمة سرقة؟ شبهة والرد عليها

 

فَأَرْسَلَ يَعْقُوبُ وَدَعَا رَاحِيلَ وَلَيْئَةَ إِلَى الْحَقْلِ إِلَى غَنَمِهِ، وَقَالَ لَهُمَا: “وَأَمَّا أَبُوكُمَا فَغَدَرَ بِي وَغَيَّرَ أُجْرَتِي عَشَرَ مَرَّاتٍ. لكِنَّ اللهَ لَمْ يَسْمَحْ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِي شَرًّا… إِنْ قَالَ هكَذَا: الرُّقْطُ تَكُونُ أُجْرَتَكَ، وَلَدَتْ كُلُّ الْغَنَمِ رُقْطًا. وَإِنْ قَالَ هكَذَا: الْمُخَطَّطَةُ تَكُونُ أُجْرَتَكَ، وَلَدَتْ كُلُّ الْغَنَمِ مُخَطَّطَةً. فَقَدْ سَلَبَ اللهُ مَوَاشِيَ أَبِيكُمَا وَأَعْطَانِي. (تك 31: 4-9).

يقول الدكتور مصطفى محمود: “ويستمر النبي يعقوب في الغش والسرقة… يذهب إلى مساقي الماء حيث تجئ الغنم لتشرب ويضع أمام عيونها قضباناً مرقطة لتتوحم عليها فيجئ نسلها مخططاً. ويختار الأغنام القوية ليكون نصيبه كله من الأغنان القوية… وحينما يشكو أبناء لابان مما فعل يعقوب بثروة أبيهم يقول يعقوب: “فَقَدْ سَلَبَ اللهُ مَوَاشِيَ أَبِيكُمَا وَأَعْطَانِي” هي إذاً جريمة سرقة وتواطؤ يشترك فيها الله مع يعقوب. هكذا يتصوَّر كاتب التوراة. فأي إله هذا؟ وأي نبي!” [1]

وللإجابة على هذه الأسئلة أقول:

إن من يتهم إله العهد القديم بالاشتراك في جريمة سرقة نسي ان إله العهد القديم هو الذي أوصانا بالأمانة. ومن بين أهم وصاياه لشعبه: ” لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ” (خر20: 15،17). وأدان شعبه عندما كان يغش في الموازيين والمكاييل قائلين: «مَتَى يَمْضِي رَأْسُ الشَّهْرِ لِنَبِيعَ قَمْحًا، وَالسَّبْتُ لِنَعْرِضَ حِنْطَةً؟ لِنُصَغِّرَ الإِيفَةَ، وَنُكَبِّرَ الشَّاقِلَ، وَنُعَوِّجَ مَوَازِينَ الْغِشِّ. لِنَشْتَرِيَ الضُّعَفَاءَ بِفِضَّةٍ، وَالْبَائِسَ بِنَعْلَيْنِ، وَنَبِيعَ نُفَايَةَ الْقَمْحِ». قَدْ أَقْسَمَ الرَّبُّ بِفَخْرِ يَعْقُوبَ: «إِنِّي لَنْ أَنْسَى إِلَى الأَبَدِ جَمِيعَ أَعْمَالِهِمْ. أَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ هذَا تَرْتَعِدُ الأَرْضُ، وَيَنُوحُ كُلُّ سَاكِنٍ فِيهَا…».

إن ما قصده أبونا يعقوب بهذا القول هو أن يُظهِر لراحيل وليئة أن الله عادل. فعندما لم يُرِد لابان أن يوفي يعقوب حقه باختباره. تَدَخّل الله بنعمة عجيبة وبعمل معجزي لكي ينصفه من ظلم لابان الذي ظلمه كثيراً وغير أجرته عشر مرات. وجعل الأغنام القوية تلد أغناماً مخططة. ورقطاً وبُلقاً.

وقد اعتبر يعقوب أن تدخل الله هذا بمثابة إنقاذ له من لابان الظالم. ورد للحق المسلوب. فيعقوب يصوَّر الموقف وكأن الله سحب من لابان هذا الحق المسلوب بالقوة، ورده الى صاحبه. أو أن الله أخذ الأغنام من لابان بدون أرادته وأعطاها ليعقوب.

وما يؤكد هذا هو أن الفعل (سَلَبَ) في اللغة العبرية (נָצַל) (نتصال) يعني (يأخذ، ينجي، ينقذ، يستخلص، يسترد). ولا يعني إطلاقا (سرق أو خدع أو غش) وقد ورد هذا الفعل في العهد القديم 209 مرة[2]. وأرجو أن تلاحظ معي كيف ترجم لكي نستخلص المعنى المقصود:

(تك32: 11) نَجِّنِي (נָצַל) مِنْ يَدِ أَخِي، مِنْ يَدِ عِيسُوَ، لأَنِّي خَائِفٌ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَضْرِبَنِي الأُمَّ مَعَ الْبَنِينَ.

(تك37: 21) فَسَمِعَ رَأُوبَيْنُ وَأَنْقَذَهُ (נָצַל) مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَقَالَ: (لاَ نَقْتُلُهُ).

(خر3: 8) فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ (נָצַל) مِنْ أَيْدِي الْمِصْرِيِّينَ، وَأُصْعِدَهُمْ مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ إِلَى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ وَوَاسِعَةٍ…”.

(مز34: 4) طَلَبْتُ إِلَى الرَّبِّ فَاسْتَجَابَ لِي، وَمِنْ كُلِّ مَخَاوِفِي أَنْقَذَنِي.

(مز34: 19) كَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا الصِّدِّيقِ، وَمِنْ جَمِيعِهَا يُنَجِّيهِ الرَّبُّ.

الفعل (נָצַל) (نتصال) يُتَرجَم هنا (ينجي، ينقذ، يخلص) وقد اعتبر يعقوب أن الله أنقذه وخلَّصه من ظلم لابان، أو خلَّص حقه من لابان.

وأرجو أن تقرأ الآية التالية جيداً لترى كيف أن الفعل (נָצַל) (نتصال) يُتَرجَم (ينقذ) بينما الفعل (يسلب) فهو كلمة مختلفة.

(مز35: 10) جَمِيعُ عِظَامِي تَقُولُ: «يَا رَبُّ، مَنْ مِثْلُكَ الْمُنْقِذُ الْمِسْكِينَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَالْفَقِيرَ وَالْبَائِسَ مِنْ سَالِبِهِ (גָּזַל) ؟

ان الآية السابقة تُعبِّر عما حدث مع يعقوب تماماً أذ أن الله خلَّصه من سالبه.

(قض11: 26) حِينَ أَقَامَ إِسْرَائِيلُ فِي حَشْبُونَ وَقُرَاهَا، وَعَرُوعِيرَ وَقُرَاهَا وَكُلِّ الْمُدُنِ الَّتِي عَلَى جَانِبِ أَرْنُونَ ثَلاَثَ مِئَةِ سَنَةٍ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تَسْتَرِدَّهَا (נָצַל) فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ؟

الفعل (נָצַל) (نتصال) يُتَرجَم هنا (يسترد) فالله لم يسلب لابان استرد حق يعقوب.

(1صم7: 14) وَالْمُدُنُ الَّتِي أَخَذَهَا الْفِلِسْطِينِيُّونَ مِنْ إِسْرَائِيلَ رَجَعَتْ إِلَى إِسْرَائِيلَ مِنْ عَقْرُونَ إِلَى جَتَّ. وَاسْتَخْلَصَ (נָצַל) إِسْرَائِيلُ تُخُومَهَا مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. وَكَانَ صُلْحٌ بَيْنَ إِسْرَائِيلَ وَالأَمُورِيِّينَ.

(1صم 30: 18) وَاسْتَخْلَصَ دَاوُدُ كُلَّ مَا أَخَذَهُ عَمَالِيقُ، وَأَنْقَذَ (נָצַל) دَاوُدُ امْرَأَتَيْهِ.

الفعل (נָצַל) (نتصال) يُتَرجَم هنا ( يستخلص) فالله استخلص أو استرد حق يعقوب من لابان.

(2صم14: 6) وَلِجَارِيَتِكَ ابْنَانِ، فَتَخَاصَمَا فِي الْحَقْلِ وَلَيْسَ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، فَضَرَبَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ وَقَتَلَهُ.

الفعل (נָצַל) (نتصال) يُتَرجَم هنا (يَفْصِلُ) أي يحكم بالعدل. وقد حكم الله بينهما بالعدل.

ولذلك نجد آية موضوعنا ترد في كل التراجم المختلفة ” أخذ” كالاتي:

(ت ع م) فأخذ الله مواشي أبيكما وأعطانيها.

(ت ك) فأخذ الله ماشية أبيكما وأعطاني إياها.

(CEV). (DRB) That’s how God has taken sheep and goats from your father and given them to me.

(MKJV). (ERV). (GW). (LITV). (RV). (YLT). (KJV). (JPS). (ISV). (GNB) And God had taken away the flocks of your father. And has given them to me.

وقد تفهمت زوجتا يعقوب ما حدث وَقَاَلتَا لَهُ: «أَلَنَا أَيْضًا نَصِيبٌ وَمِيرَاثٌ فِي بَيْتِ أَبِينَا؟ أَلَمْ نُحْسَبْ مِنْهُ أَجْنَبِيَّتَيْنِ، لأَنَّهُ بَاعَنَا وَقَدْ أَكَلَ أَيْضًا ثَمَنَنَا؟ إِنَّ كُلَّ الْغِنَى الَّذِي سَلَبَهُ اللهُ مِنْ أَبِينَا هُوَ لَنَا وَلأَوْلاَدِنَا، فَالآنَ كُلَّ مَا قَالَ لَكَ اللهُ افْعَلْ». (تك31: 14-16).

فالحقيقة هي أن الله عادل. ويحب العدل، لذلك هو لا يسلب. إنما يرد الحقوق لأصحابها. لأنه يكره الظلم.

 

[1] د. مصطفي محمود. التوراة. ص 18.

[2] Karl Feyerabend. Langenschebrew Pocket Hebrew Dictionary to the O.T., p. 178

Exit mobile version