جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

 

للرجوع للجزء الأول أضغط هنا.

 

تابع جوهر الحياة المسيحية 
على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس

 

2- مقدمـــــــــــــــــــــــة

 

معرفة الكتب وقوة الله

 

  • الله والنفس الإنسانية:

الله هو تحديداً مصدر الحياة وسرّ حياة النفس، هو الأول والآخر، الألف والياء، المبدأ والغاية، ومعرفته = حياة أبدية: [ هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ] (يوحنا 17: 3)، والمعرفة هنا هي جوهر الإيمان، أي قوة وعي إيماني تقربنا إلى الله وتُحضرنا أمامه كشخص حي وحضور محيي، نلمسه ونراه وتنسكب منه إلينا فيض من النعمة تعطينا حياة وقيامة لأنفسنا…

والحياة الأبدية التي تسري فينا بمعرفة الله، طبيعتها غير متغيرة وأحوالها دائمة ومستمرة، وكل من تسري فيه تنتعش روحه ويشعر بقرب الله منه في قلبه، ويحملها ذخيرة حيه في نفسه يواجه بها كل لحظات حياته وبخاصة المُعاكس منها فيعبرها بسلام عميق وثقة الإيمان والرجاء الحي…

والحياة الأبدية هي عينها الحضرة الإلهية، وهي نفسها تذوق العِشرة مع المسيح بالشركة، بل هي حياة الثالوث القدوس الله الواحد، لذلك صارت شركتنا مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح بالروح القدس روح الشركة، وصارت دعوة الرسل والتلاميذ ومن ثمَّ الكنيسة كلها على مرّ العصور بل وفي جيلنا هذا هي هي نفس الدعوة عينها: [ الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضا شركة معنا وأما شركتنا نحن فهيمع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ] ( 1يوحنا 1: 3 )

  • والسؤال المطروح اليوم: هل يمكننا أن نعرف الله على هذا المستوى !!!

رغم من أن لنا إيمان بهذا الكلام، إنما للأسف عند كثيرين نظري فكري وأحياناً بحثي دراسي، وليس واقع في حياتهم الشخصية كخبرة على مستوى الواقع العملي المُعاش، ولا يشعرون بأن الحياة الأبدية تسري فيهم فعلاً !!!
لذلك علينا أن نعي ونعرف من نحن وما هي طبيعة نفوسنا في جوهرها، وما هي معرفة الله الحقيقية على مستوى الكتب وقوة الله….

النفس الإنسانية جوهرة ثمينة، التي ظهرت في أول ظهور لها، في حالة بريق أخاذ من النقاوة والطهارة والقداسة التي تعكس مجد الله وبهاؤه، إذ أنها صورته، لأنه خلقها على صورته ومثاله، ومعرفتها في حقيقتها هي معرفة صلاح الله واتساع محبته، إذ إنها تعكس صورته هوَّ … فهل يُمكنُنا أن نعرف أنفسنا على هذا المستوى ونلتقي بالله !!!

  • وهناك فرق شاسع بين معرفتين :

فإن أردنا أن نعرف الله ونعرف أنفسنا في عمق حقيقتها، لابد من أن نفرق بين معرفتين: [ معرفة الكتب ]، [ وقوة الله ]، لأن التي تعطي معرفة حقيقية بالله الحي هي قوة الله: [ فأجاب يسوع و قال لهم أليس لهذا تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله ] (مرقس 12: 24)

1- معرفة الكتب:

[ فتشوا الكتب لأنكم تظنون إن لكم فيها حياة أبدية وهي التي تشهد لي ] (يوحنا 5: 39)
فتشوا أتت في المعنى اليوناني لتدل على الفحص الدقيق الشديد المثابر للأسفار، أي التفتيش بتدقيق مع التتبع بدقة، والأسفار تشهد للمسيح الله الكلمة المتجسد: [ لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجداً (وهو في الجسد – بجسم بشريتنا) إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مُقبلاً من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس. وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم. عالمين هذا أولاً إن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ] ( 2بطرس 1: 17 – 21 )

ويعود القديس بطرس الرسول بموضوع البحث والتفتيش في الكتب وفي الزمان عن المسيح إلهنا الحي الحاضر معنا هكذا: [الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم. باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها.] ( 1بطرس 1: 10و11 )

ولكن – يا أحبائي – معرفة الكتب في حد ذاتها لا تكفي على الإطلاق وحدها فقط لمعرفة الله، فيمكن أن يتعمق الإنسان في الكتب ويفحصها تماماً وبكل تدقيق، بل ويحفظها ويُدرسها بكل تفاصيلها ودقائقها ويكون بارع فيها جداً، ولكن ما المنفعة أن لم نبلغ لمعرفة الله كشخص حي وحضور مُحيي، فاليهود كمثال عرفوا الكتب وتعمقوا فيها ودرسوها وشرحوها بدقة وتدقيق شديد، وصاروا متخصصين في البحث في الأسفار المقدسة وشرحها وتأويلها، بل وانشئوا مدرسة فلسطين لتعليم الأسفار ودراستها وفحصها وشرحها، ومع ذلك مع خبرة هذه السنين كلها لم ينفتح ذهنهم على سرّ الحياة الأبدية الكائنة في الأسفار ليدركوا منها الأمور المختصة بالمسيح الإله الحي ؟

والأسفار في حد ذاتها استعلان كامل للرب يسوع المسيح: [ ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب ] ( لوقا 24: 27 )

فيا إخوتي، أن اعتمدنا على معرفتنا للكتب وحدها وارتكزنا على الشق الأول من الآية فقط، أي معرفة الكتب دون أن نبلغ الشق الآخر (قوة الله) ستبقى الكتب تكديس معلومات لفخر وحساب الذات وكبرياء مميت للنفس، لأن العلم ينفخ أن لم تمسه قوة الله !!!

وهذه مشكلتنا اليوم، فبالرغم من معرفة الكتب والتعمق في دراستها وكثرة الأبحاث وتلال المراجع الضخمة ومعرفة اللغات وانتشار التعليم الروحي واللاهوتي، فقد أخفقنا في أن نسمع صوت الله في الأسفار المقدسة، وأصبح إيمان الكثيرين ضعيف بلا رؤية، وتهتز النفس أمام أي تعليم، أو تنهار أمام المشكلات، وأحياناً يأتيها شك في الله، ولا تثبت في الحق الذي لم يُستعلن بعد في القلب والذهن بقوة الله !!!
بل المشكلة الأكبر أنه بالرغم من التفتيش والبحث الدقيق والركض وراء التعاليم الإلهية والنقاش حولها والدفاع عنها على كل وجه، أصبح هُناك قلة قليلة تسمع صوت الله وتسري فيها الحياة الأبدية، وذلك لأن كثيرين لم يكونوا على مستوى صوت الله في الأسفار فعثروا في صوت المسيح ولم يعرفوه:

  • [ الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة، بل قد أنتقل من الموت إلى الحياة ] ( يوحنا 5: 24 )

فلنحذر جداً جداً، ونعرف أن ممكن معرفة الكتب، بدون قوة الله، تؤدي إلى تقوية العقل وتنشيطه ليصير بارع في الفلسفة والحوار والمجادلة رغم صحة الكلمات ودقة التعبيرات التي لا غبار عليها أو فيها خطأ بل صحيحة تماماً، فتؤدي حتماً إلى الكبرياء المُميت للنفس واحتقار الآخرين وعدم حفظ روح المحبة وهذا دليل على موت النفس وانتفاخها المشبه بالكبرياء، لأن كثيرين يحملون روح الجدل في بداية الكبرياء والتعالي على الآخرين دون أن يدروا، لأنهم يحملون خبرات قديمة في مصادمات مع الآخر الذي لم يتذوق معرفة الله الحقيقية كخبرة وشركة وحياة…

وطبعاً لا نُنكر أن الكتب في معرفتها بدقة وتدقيق فيها منفعة عظيمة وهي توليد اشتياق في النفس للوصوللقوة الله، وبذلك تصير المعرفة هنا كدرجة أولية ترتقي بالنفس للدرجة الثانية وهي قوة الله، ولنحذر ونعلم أنه أن لم تقودنا معرفتنا للشوق إلى الله والملء من قوته وحياة الشركة معه، فلنعلم أن ناقوس خطر الكبرياء بدأ يدق، وأن معرفتنا ستسير بنا نحو الباطل وقد تدفعنا للهاوية فتطرحنا بعيداً جداً عن الله، وبالتلي عن حفظ الوصية والطاعة لها، حتى لو كنا بنبشر بكلمة الله ونكرز بها…

2- المعرفة الشخصية لله – بقوة الله:

المعرفة الحقيقية لله، هي حس باطني ومعرفة مباشرة قلبية واعية لله الحي، وتؤدي – بطبيعتها – إلى فرح عميق وسلام فائق، لأنها فيها لقاء حقيقي حي وشخصي جداً، واتصال مباشر واعي بالله …

الله إله حي وهو كاشف ومعلن نفسه من خلال الابن الوحيد الذي خبر: [ الله لم يراه أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هُوَّ خَبَّر ] (يوحنا 1: 18)، فالله يكشف عن ذاته لنا شخص حي وحضور محيي وهذه هي قوة الله التي تُستعلن لنا، إذ يعطينا حياة أبدية حقيقية تسري في كياننا فنشعر بقوتها تسري فينا ولا نقدر أن نفحصها إذ تشدنا إليها بقوة وتسبينا ونسير أسرى حب الله ونحبة بكل القلب …

  • [ فأجاب يسوع: إن أول كل الوصايا هيَّ: أسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا ربٌ واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى ] ( مرقس 12: 29 و 30 )
  • اللقاء مع شخص المسيح الكلمة، هو لقاء لعازر الميت الذي سرت فيه قوة الحياة حينما سمع صوت الله الكلمة، لعازر هلم خارجاً …
  • أو هو لقاء نازفة الدم حينما لمست هدب ثوبه فبرأت في الحال …
  • أو هو لقاء التي أُمسكت في ذات الفعل متلبسة بجريمتها، فخرجت مبرره، لا دينونة عليها …
  • أو هو لقاء السامرية عند بئر المياه والتي كشف الله أعماق قلبها وبررها فتركت جرتها وركضت تنادي بفرح لتُعلن وتكشف أنها التقت بالله شخصياً …

هذه هي المعرفة الحقيقية لله الحي، معرفة شخصية فيها حياة ولا تحتاج إلى برهان أو إقناع عقلي أو إثبات من الآخرين، لأن فيها يقين قاطع داخلي بشهادة الروح القدس في القلب (الروح يشهد لأرواحنا)، فهي حقاًمعرفة تبرير وغفران قوي، وسلطان محبة يأسر القلب …

ونخرج من هذا اللقاء بيقين فرح لا ينقض قائلين بشهادة خبرة اجتزنا فيها في حياتنا الواقعيه: [ الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة فأن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ] (1يوحنا1)

ولنا الآن أن نسأل سؤال مهم للغاية:
كيف لنا أن نقول على منظر ما جميلاً ؟ أو قطعة موسيقية رائعة ؟ !!! أبالبرهان ؟ أم بالقراءة وتفتيش الكتب ؟ أم بسؤال الناس ورأيهم الخاص ؟ بالطبع لأ ، لأننا نرى جمال المنظر بأعيننا، ونسمع الموسيقى بآذاننا،ونتلامس معهم كأمر واقع لا حاجة لأن يقنعنا بهما أحد، ولا فائدة من أن يُناقشنا أحد ليقنعنا لما فيهم من جمال حتى نعترف بهما أو يكون لنا القناعة الداخلية !!!

فلو العالم كله تحدانا ووقف أمامنا ليقنعنا أن هذا ليس فيه جمال، لن نصدق إلا ما شعرنا به من خلال خبرةالرؤية والسمع، لأن هذا ما فحصناه على مستوى الخبرة الحقيقية في واقع حياتنا المعاش 
وهذا كان موقف القديس أثناسيوس حينما قال: [ وأنا ضد العالم ] حينما كان يتكلم عن الإيمان الحي ضد التشويش الحادث من الهراطقة…

… لكن كثيرون منا لا يرون جمال المنظر أو جمال الموسيقى !!! فالكثيرون يمرون أمام شمس الغروب البديع، ولا ينظرون إليها، والذين لا يتذوقون جمال الموسيقى عددهم يفوق بكثير جداً عدد الصُم الحقيقيين. والذين لا يشاهدون جمال الطبيعة عددهم يفوق العميان الذين لا يرون بأعينهم!!! لمـــــــــــاذا ؟!!!
ذلك لأنهم لم يستعدوا داخلياً ولم يهيئوا أنفسهم لتقبل هذا النوع من الجمال، وبهذا يغلقون على أنفسهم باب عالم بكاملة !!! وهكذا أيضاً بالنسبة لمعرفة الله ومعرفة النفس !!!

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

 

أن حياة المسيحية الحقيقية لا تعتمد على الشكل الخارجي للإنسان وتنفيذه للطقوس والعقائد وحفظة البنود المعلنة من خلال القوانين والمعرفة المسيحية كمعلومات فكرية جدلية !!!
فحياة المسيحي الحقيقية هي في الداخل في أعماقه، في داخل كيانه الشخصي، فهي باختصار شديد وأكثر تحديد، هي الحياة في الله …
أي أن المسيحي الحقيقي هو الشخص الذي حياته في الله، بمعنى أني لو قلت أني مسيحي حقيقي، يعني الله في داخلي أكثر من أي شيء آخر في الوجود، وسعيي كله أن ألتقيه وأفتش عنه في الداخل وليس في الخارج، وذلك بسبب أن الكلمة صار جسداً وحل فينا، ونحن هياكل الله وروح الله يسكن فينا كهبة خاصة وكنز ثمين غالي للغاية، ويوجد في داخلنا طبيعياً – حسب الخلق – صورة الله المطبوعة في أعماقنا والذي أعاد شكلها الأصيل تجسد الكلمة واستعلانه في ملء الزمان …

فالإنسان بطبيعة خلقه هو صورة الله، أو بمعنى عملي هو الصورة المنظورة لله الغير منظور، له كيان روحي مستمد من خالقه العظيم، وهذا هو سر حنينه وعطشه المشتعل الدائم إلى خالقه وعدم شبعه بآخر مهما ما كانت مسرته ولذته فيه، ولكي نتعود أن نعيش في هذا المجد العظيم ونعود لأصل الصورة فينا، فلابد من أن ننزل ونغوص إلى داخلنا، أي نقطع مسيرة الدخول لأعماق قلوبنا في الداخل لنلتقي مع الله المطبوع سراً في أعماق القلب بصورة مجيده، هذه التي وضعنا عليها تراباً على مر الأيام وأخفيناها بالإهمال بسبب عُزلتنا عن الله
حتى صرنا في حالة قلق دائم واضطراب في هذا الزمان نحمل الأوجاع لأننا لم ندخل لهذا العمق ونعرف أنفسنا في جمال صورتها الحقيقية المخلوقة عليها والمطبوعة فيها !!!
فكل ما يُتعب النفس هو أنها أخفت سرها فضاع معه حل مشاكلها وضيقاتها الكثيرة والتي تشعر أن ليس لها سبب محدد، لأن مهما ما بلغ الإنسان من مراكز أو معرفة عقلانية أو راحة في العالم، يظل يشعر بضيق يزيد كلما ابتعد عن حقيقة جوهره الأصيل !!!
وطبعاً الرجوع للنفس والعودة إليها ليس شيئاً سهلاً على الإطلاق، بل هو صعب للغاية، لأننا في الواقع أصبحنا غُرباء عن أنفسنا، نجهل حقيقتها المخفية فيها !!
فمن السهل التعرف على العالم الخارجي والمحيط بنا بالحواس الجسدانية، ومن السهل أيضاً التعرف على الحياة المسيحية من جهة الفكر والبحث والمعرفة بالدراسة والأبحاث وكثرة القراءة، ومن السهولة لكل واحد أن يحيا الطقوس الكنسية ويقوم بكل واجبات العبادة
لأن كل هذا يأتينا عن طريق الحواس والعقل، وكل شخص يستطيع أن يستوعب كل شيء حسب قدراته العقلية، أما من جهة الداخل فصعب للغاية بل وقد يكون شبه مستحيل على الإنسان أن يفحصه أو يدركه، لأنه لا يأتي على مستوى العقل أو الفكر أو القدرة على المعرفة والفهم إنما على مستوى اللقاء الحي في الداخل !!!
فالحياة المسيحية الحقيقية هي باختصار وتركيز: الرجوع إلى النفس للدخول بالنعمة في الله، فحضرة الله بملء نوره العظيم هو أعمق ما في الإنسان من عظمة ومجد، لأن الإنسان خُلق في هذه الحضرة وهي أساس دعوته وأصل حياته كلها، ونبع حريته وكمال سعادته الحقيقية، بل هي مصيره الأبدي الذي لا يقدر أن يحيا بدونه قط !!!
إذن فالمنهج الأصيل للمسيحي الحقيقي هي حياته الداخلية، واستمرار وجوده في الحضرة الإلهية على مستوى اللمس من جهة كلمة الحياة [ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة ] (1يوحنا 1: 1)
 
والعائق الرئيسي الذي يفصل الإنسان ويشوه طبعه ويشوش فكره ويجعل النور الإلهي منطفئ فيه هو الأهواء التي هي أصل الخطايا وسبب تحركها فيه، لأنها سبب الانفصال عن الله وتشويه طبعه الإنساني الأصيل، والإنسان أن لم يتحرر من هذه الأهواء لن يستطيع أن يكتشف في داخله اللؤلؤة الكثيرة الثمن فيبيع كل شيء لاقتنائها، حتى نفسه سيحسبها رخيصة عنده من أجل هذه الجوهرة الثمينة !!!

 

( معرفة النفس ومعرفة الله )
1- تمهيــــــــــــــــــــــــــــــــــد
دعوة الإنسان العليا

الكنيسة تعرف شخص يسوع المسيح، لأنه رأسها وهي جسده من لحمه وعظامه، فهو مُستعلن فيها، يتجلىفيها، ويحضر حضوراً سرياً فائقاً في كل أسرارها المقدسة …
والكنيسة كل عملها وشغلها الشاغل، إظهار وتمجيد واستعلان ربنا يسوع، وتقديمه إلهاً حياً مُحيياً من خلال سرّ الكلمة والإفخارستيا …
والكتاب المقدس في الكنيسة هو الاستعلان الحسي لصوت المسيح الحي والمحيي، الذي نادى لعازر هلم خارجاً فَسَرت فيه قوة حياة تُقيم من الموت، وهو هو نفس ذات الصوت – في كل وقت وزمان – التي تُنادي به الكنيسة أولادها بفم ربنا يسوع المسيح القائم من الموت، فقراءة الكلمة في الكنيسة سرّ قوة الحياة لكل من يسمع هذا الصوت بآذان انفتحت بالنعمة على الصوت الإلهي وميزته واستقبله القلب بإيمان دون أن يرتاب فيه
 
وعلى هذا الأساس نتقدم إلى سماع الكلمة من فم الله الذي نطق بها ولازال ينطق بها في كل زمان، وعلى الأخص في زماننا هذا، والكتاب المقدس إذ بلغنا سره الإلهي وأصغينا لهذا الصوت المُحيي، سنجد أن لغته لغة حوار بين طرفين، أي بين شخصين، الله والإنسان، ومن صميم هذا الحوار – حوار المحبة – نجد اللذة المتبادلة والحب المتدفق الحاصر للإنسان ( محبة المسيح تحصرنا )، ومن صميم هذا الحب الفائق نجد الدعوة الإلهية لكل إنسان يقترب من هذا المجد الفائق: (دعوة من الله للإنسان للتمتع بالشركة مع العريس السماوي، التي هي دعوة الوحدة والاتحاد والالتصاق كثمرة التجسد الإلهي وعمله الفائق على المستوى العملي في كل واحد على المستوى الشخصي وفي الكنيسة على المستوى العام)
[ وجعل يسوع يكلمهم أيضاً بأمثال قائلا: يُشبه ملكوت السماوات إنساناً ملكاً صنع عُرساً لابنه. وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العُرس، فلم يريدوا أن يأتوا. فأرسل أيضا عبيداً آخرين قائلاً: قولوا للمدعوين هوذا غذائي أعددته، ثيراني ومسمناتي قد ذبحت، وكل شيء مُعد، تعالوا إلى العُرس. ولكنهم تهاونوا ومضوا واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته. والباقون أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم.
 
فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم. ثم قال لعبيده أما العُرس فمستعد وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين. فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس. فخرج أولئك العبيد إلى الطرق وجمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين فامتلأ العرس من المتكئين.
فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنساناً لم يكن لابساً لُباس العُرس. فقال له يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لُباس العُرس فسكت. حينئذ قال الملك للخدام أربطوا رجليه و يديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. لأن كثيرين يُدعون وقليلين يُنتخبون ] (متى 22: 1 – 14)
 
فالدعوة غالية جداً وكريمة للغاية، وثوب المدعوين هو شخص الكلمة المتجسد: [ لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (في المسيح) قد لبستم المسيح ] (غلاطية 3: 27)
هذا هو ثوب البرّ المنسوج بعمل الله وحده بدم ربنا يسوع الذي سُفِكَ على عود الصليب، ثوب برّ مجاني مُهدَى من الملك نفسه بلا قيد أو شرط، لمن يقبل الدعوة فقط ويتوب ويعود للحضن الحلو ويكتسي بالنعمة …
[ ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح. لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً. ويُصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلا العداوة به. فجاء وبشركم بسلام انتم البعيدين والقريبين. لأن به لنا كُلينا قدوماً في روح واحد إلى الآب. فلستم إذاً بعد غُرباء ونزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح ] (أفسس 2: 13 – 22)
وما هي طبيعة الدعوة ؟
[ تعالوا لأن كل شيء قد اُعد؛ لأن الله الآب قد أعد في المسيح لسكان الأرض تلك العطايا التي مُنحت للعالم بواسطته، التي هي غفران الخطايا، والتطهير من كل دنس، وشركة الروح القدس، والتبني المجيد له، وملكوت السماوات . ] ( تفسير لوقا للقديس كيرلس الكبير عظة 104 عن كتاب تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الإسكندري ص502 ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد 2007 )
 
[ مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. كما اختارنا فيهقبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته. لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته. التي أجزلها لنا بكل حكمة و فطنة. إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه.
 
لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض في ذاك. الذي فيه أيضاً نلنا نصيباً مُعينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته. لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح الذي فيه أيضاً أنتم إذ سمعتم كلمة الحق انجيل خلاصكم الذي فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده ] (أفسس1: 3 – 14)

وحينما نعي هذه الدعوة المقدسة المهيبة والمفرحة جداً لكل نفس، لن نتعجب أو نندهش من الذين باعوا كل شيء – بسهولة – ورضوا أن يخسروا كل ما للعالم وأن يحسبوه مع القديس بولس خسارة ونفاية من أجل أن يربحوا اللؤلؤة الواحدة الوحيدة الكثيرة الثمن، بل – نحن أنفسنا – سنبيع كل شيء بسهولة وبلا تردد، ونبغض الخطية فتسقط من تلقاء ذاتها دون معاناة أو صراع داخلي، إذ قد ربحنا الواحد الوحيد شخص ربنا يسوع، الذي هو الكنز الخفي الذي للنفس المخبئ في داخلها، بل صار هو ثوبها النفيس الذي يستحيل أن تفرط فيه أبداً أو تطرحه عنها !!!
وفي ختام المقدمة لنقرأ ما قاله القديس مقاريوس الكبير:
[ الديانة المسيحية ليست إذن شيئاً عادياً ” هذا السرّ عظيم ” (أفسس 5: 32)، لذلك فاعرف قدرتك وسموك لكونك دُعيت إلى الكرامة الملوكية ” جنس مختار كهنوت ملوكي وأمة مقدسة ” (1بطرس 2: 9)، لأن سرّ المسيحية هو غريب بالنسبة لهذا العالم. والمجد المنظور الذي للإمبراطور أو الملك (الأرضي) وكل غناه، إنما هو أرضي وفاني ومضمحل، وأما ذلك الملكوت وذلك الغنى السماوي فهو إلهي سماوي ومملوء مجداً، وهو لا يفنى ولا يضمحل لأن مثل هؤلاء المسيحيون يملكون مع الملك السماوي في الكنيسة السماوية “وهو البكر من الأموات” (كولوسي 1: 18)
وهم أيضاً أبكار، ولكن رغم أن هذه هي حالتهم وهم مختارون ومقبلون أمام الله، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل الكل وليس لهم أي استحقاق، وقد صار أمراً طبيعياً عندهم أن يعتبروا أنفسهم كلا شيء. ] (عظات القديس مقاريوس الكبير 27 : 4 صفحة 249، عن كتاب عظات القديس مقاريوس، الطبعة الرابعة – مؤسسة القديس أنطونيوس المركز الأرثوذكسي الآباء – نصوص آبائية 85)

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

تابع دراسة في الذبائح (11) ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12

[ الجزء 11 ]
4 – ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم
للرجوع للجزء العاشر أضغط هنا.

أولاً: مقدمــــــــــــــــة

سنقوم في هذا الجزء بتوضيح عمل ذبيحة المسيح !!!

وينبغي أن نعلم أنهُ لم يكن ممكناً بأي حال من الأحوال أن يوفي العهد القديم أو يُغطي ويوضح عمل ذبيحة المسيح يسوع بنوعٍ واحد من الذبائح، أو في طقس واحد من الطقوس المتعددة التي نراها فيه، وعلى الأخص في سفر اللاويين !

فذبيحة الصليب، ذبيحة فريدة من نوعها، وفي إمكانيتها، لأنها متسعة جداً، لأن الذبيح هو ابن الله القدوس الحي، فكيف ممكن أن يُحد في ذبيحة أو طقس !!!



عموماً نرى في سفر اللاويين 5 أنواع من الذبائح والتقْدِمات، كل منها يُعلن عن جانب أو جوانب معينة من جوانب الصليب ويشرحها بدقة، ومع هذا يُمكننا أن نقول بأن هذه الأنواع جميعها بطقوسها الطويلة والدقيقة والمتباينة، قد عجزت عن كشف كل أسرار الصليب لنا بكل أعماقه وأبعاده المتسعة جداً…

وقد قدم لنا العهد القديم – بترتيب وتنظيم إلهي فائق – رموزاً وتشبيهات وأحداث كثيرة جداُ عَبّر الأجيال، لعلها تدخل بنا إلى أعماق جديدة لهذا السر العظيم والفائق لمداركنا، وهو سرّ الصليب المُحيي.

ويقول القديس أفرام السرياني: [ السرّ الذي كان الخلاص مزمعاً به ( أي يدل عليه )، وهو هرق دم الإله المتجسد الذي هو وحده إنسان بلا عيب، بلا خطية، سبق بذلك عليه وأُشار إليه برموز وأمثال، حتى إذا جاء الخلاص الحقيقي بالذبيحة التي تقدر على خلاص الخطاة، يعلم كل من يؤمن أن إليها كانت الإشارة والرموز ] ( عن تفسير سفر الأحبار ( اللاويين ) منسوب إلى القديس أفرام السرياني في المخطوطين : الماروني هونت 112 في مكتبة أكسفورد، والسرياني اليعقوبي 7/1 في مكتبة الشرفة )

عموماً الذبائح والتقدمات المذكورة في سفر اللاويين فهي :

1 – ذبيحة المحرقة [ إصحاح 1 ]
2 – تقدمة القربان [ إصحاح 2 ]
3 – ذبيحة السلامة [ إصحاح 3 ]
4 – ذبيحة الخطية [ إصحاح 4، إصحاح 5: 1 – 13 ]
5 – ذبيحة الإثم [ إصحاح 5 : 14 إلى إصحاح 6 : 7 ]

ولابد من أن ننتبه لبعض الأشياء قبل أن نتحدث في أنواع الذبيحة ونربطها بصليب ربنا يسوع لنفهم ونستوعب سر عمل الله المتسع، أي نفهم سر خلاصنا وندخل إليه لنعيشه ونحياه كخبرة في حياتنا اليومية المُعاشة، لأنه ينبغي أن ننتبه لهذا الموضوع جداً، لأن حينما شرعت في كتابته لم أقصد أن أكتب معلومات لمحبي المعرفة بالشيء أو مجرد بحث جديد، ولكني كتبت الترتيب الإلهي لأكشف عن مقاصد الله المُعلنة في كلمته التي تعلمنا طريق الخلاص لنسير فيه، ويبدأ السير الحقيقي في طريق خلاصنا بمعرفته بدقة حسب التعليم الإلهي، وحينما نعرفه ونفهم مقاصد الله نبدأ السير فيه ونعي ما صنع ربنا يسوع لنا فنستفيد من ذبيحته ولاتكون لنا معلومة إنما قوة حياة نحياها، فنفرح بالخلاص العظيم الذي صنعه لنا ليكون لنا شركة معه وحياة أبدية لا تزول …

[أ] – الذبيحة كهبة :

أولاً لابد أن ندرك أن الذبيحة، هي هبة لا رجعة فيها، وذلك لأنها تُذبح كما قلنا سابقاً [ وهذا يتضح لمن تابع الموضوع منذ بدايته ]، فهي تُقدم لله بكمال الوعي والإدراك، بحرية واختيار، بكمال الإرادة الحرة، بمعنى أن حينما تُقدم الذبيحة فمقدمها له الحرية أن يقدم أو لا يُقدم، إنما بفرح محبة الله يقدم – بحرية إرادته واختياره – ذبيحة صحيحة، كاملة بلا عيب، كهبة مستحيل أن يفكر أن يردها أو يتراجع عن تقديمها، بل يقدمها لتُذبح فلا تُرد، وهي فيها إجلال وشكر مع طاعة واضحة، طاعة واعية جداً لمشيئة الله، وتعرف مسرته …

وهذه الهبة حينما تُقدم بهذا المعنى، تُنشئ مسرة داخلية في النفس، لذلك كانت ذبيحة المحرقة حينما تقدم تُذبح وتحرق بالتمام، فيشتمها الله للرضا والمسرة …



وحينما نبحث عن ما يَسُرَّ الله، نجد أن كل سروره في سماع صوته أي الطاعة، لذلك تعتبر أول ذبيحة تُقدم لله هي المحرقة، التي تدل على الطاعة الكاملة لله ( كما سوف نرى في شرح ذبيحة المحرقة بكل تفاصيلها وبدقة ): ” بذبيحة و تقدمة لم تسر أذني فتحت محرقة و ذبيحة خطية لم تطلب، حينئذ قلت هانذا جئت بدرج الكتاب مكتوب عني: أن افعل مشيئتك يا الهي سررت وشريعتك في وسط أحشائي ” ( مز40: 6 – 8 )



ولننتبه للكلام هنا بدقة شديدة لأنه في منتهى الأهمية القصوى، فآدم لم يسقط سقوطاً عادياً في مجرد فعل خطية كما يظن الكثيرين فيركزون على ارتكاب الخطية كفعل، بل أنه في الحقيقة سقط بالعصيان، وذلك حينما خالف وصية الله ولم يستمع لصوت الرب الذي نبهه لطريق الموت، وطلب منه أن يختار الحياة، فلم يسمع آدم وخالف الوصية فدخل في الموت من بعد أن كان حياً وهذا ما أخذناه بالتالي من آدم أي الموت وليس فعل الخطية في ذاته، وهكذا من بعده ظل الإنسان يعصى الله ولا يتمم مشيئته ولا إرادته إذ قد تعرى من النعمة التي كانت تحفظه في انسجام مع الله بالحب والإيمان الحي أي الثقة الشديدة فيه، وإلي اليوم – رغم أننا في العهد الجديد – لا زال الإنسان لا يسمع صوت الله ويطيع وصاياه أو حتى على الأقل يعلن احتياجه الروحي إليه، ويطلب مشيئته، ويرجع للرب ويتوب توبة حقيقية : [ ألستم تعلمون أن الذي تقدمون ذواتكم له عبيدا للطاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه: إما للخطية للموت أو للطاعة للبر (رو 6 : 16) ]، وهنا نلاحظ أن الرسول لم يتكلم عن نوع الخطية، بل مشكلة أثر الخطية وهو الموت، وهذا هو فعل الخطية في الإنسان على مر التاريخ كله إذ اجتاز الموت لجميع الناس حتى الذين لو لم يُخطئوا على شبه تعدي آدم، لأن المشكلة ليست في عمل خطية محددة بل الموت، لأن الإنسان اصبح عبد لمن يُطيعه…



وبكون الإنسان أصبح غير قادر أن يُرضي الله لأن أذنه لم تُفتح – بسبب قساوة القلب نتيجة العصيان الدائم – فلم يتعرف على صوت الله ولا مشيئته، لذلك لم يعد بقادر أن يقدم طاعة؛ لذلك أتى رب المجد يسوع لابساً جسم بشريتنا ليعطي لنا قوة الطاعة بتقديم ذاته ذبيحة محرقة، فتنسم أبوه الصالح عند المساء [ وقت صلبه وموته ] رائحة سرور ورضا: [ لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا أيضاً بإطاعةالواحد سيجعل الكثيرون أبراراً (رو5: 19) ]



ومن هنا نقدر أن نفهم كل كلام الرب يسوع الذي قاله – وتعثر فيه الكثيرين – في جثسيماني، وعن أنه ينبغي أن يتمم مشيئة الآب ويتمم عمله، وأن يشرب الكأس، وبخاصة الكلام الذي يظنه الناس أنه كان صراعاً مع الآب في قبول الكأس أو رفضها، مع أنه يكشف حال البشرية ويفضح عدم طاعتها، ويظهر طاعته الكاملة لمشيئة الآب وتتميم عمله بوضوح، وذلك ليكون ظاهر لنا، ويكون هذا هو لسان حالنا فيه، حينما نستفيد من ذبيحته وندخل في سر تجسده باتحادنا به كما أعطانا، فتُقبل تقدمة أنفسنا فيه وتظهر طاعتنا به لمشيئة الآب، فنصير فيه رائحة مسرة في ذبيحته الخاصة لأجلنا [ كما سوف نرى بأكثر دقة ووضوح ]

[ب] ترتيب الذبائح وارتباطها معاً:

جاء ترتيب الذبائح والتقدمات عجيباً ودقيقاً جداً في ترتيبه، فقد بدأ بذبيحة المحرقة، وانتهى بذبيحة الإثم، الأمر اللائق من جهة نظرة الآب للذبيحة، وليس من جهة نظرة الإنسان.



فالمؤمن في لقاءه مع المسيح المصلوب، يراه أولاً كذبيحة أثم وذبيحة خطية، إذ يرى فيه: كلمة الله المتجسد وقد حمل أوجاعه وآثامه، ليدخل في شركة مع الله المحب الذي رُفض وطُرح أمام الله بسبب خطاياه التي فصلته عن نبع الحب الحقيقي وصار له شدة وضيق واحتمال كأس غضب قد امتلأ بسبب آثامه وتعدية على وصية المحب الذي وهبه الحياة: [ شدة و ضيق على كل نفس إنسان يفعل الشر اليهودي أولاً ثم اليوناني ] (رو2: 9)



ومن خلال هذه النظرة – أي رؤية الصليب غطى كل آثامه وخطاياه – يتلمس في الصليب ذبيحة سلامة وشكر، فيقدم حياته في المسيح يسوع المصلوب، حياة شاكرة عوض طبيعته الجاحدة التي صارت بسبب السقوط وحب الشهوة والانحصار في الذات عوض الله الحي..

كما أنه يرى أيضاً [ في الصليب ] تقدمة قربان فيه ينعم بحياة الشركة في المسيح يسوع المصلوب، وأخيراً يُدرك الصليب كذبيحة محرقة، إذ يكتشف فيه طاعة الابن الوحيد للآب حتى الموت، موت الصليب، مقدماً هو أيضاً حياته ذبيحة طاعة ومحرقة حب لله في ابنه الوحيد ..



وهذا هو ترتيب الذبائح والتقدمات من خلال انتفاعنا كمؤمنين، أما الآب فيتطلع إلى الصليب – أن صح التعبير – أولاً: كمحرقة طاعة، يشتم فيه رائحة ابنه الحبيب كرائحة مسرة، إذ قد صار محرقة حب كامل في طاعة منقطعة النظير حتى الموت [ وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ] (في2: 8)، وينتهي بالنظر إليه كحامل لخطايانا وآثامنا، ليعبر بنا إلى الآب ويرفع عنا كل شدة وضيق وإحساس الغضب من جزاء خطايانا التي صارت فاصل بيننا وبين الله: [ بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع ] إش59: 2) & [ خطاياكم منعت الخير عنكم ] (أر5: 25)

_____ملحوظة مهمة للغاية_____

بالطبع، ليس معنى الكلام أننا نُميز بين جانب أو آخر في نظر الله الآب، أو حتى المؤمن، إذ هي جوانب متكاملة غير منفصلة عن بعضها البعض، لأن ربنا يسوع قدم ذاته ذبيحة واحدة غير منقسمة قط، بل قدمها مرة واحدة كامله متكاملة…



ولكن كل ما نريد أن نوضحه، أن الصليب يُعلن – في نظر الآب – بأكثر بهاء، لا في انتزاع آثامنا وخطايانا، بقدر ما نحمل في أنفسنا طبيعة المصلوب (أرجو التدقيق في العبارات والمعاني وان لا يظن أحد اني أتكلم عن مماثلة طبيعته – كعادة من يحور كلماتي لمعاني أخرى لا توجد فيه)، فنصير فيه محرقة طاعة وحب، نصير لهيب نار لا ينقطع، بحملنا ما للابن من طاعة حتى الموت، بحب بلا نهاية، لذلك يقول الرسول: [ فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً، الذي إذ كان في صورة الله ( أي الصورة الظاهرة التي تكشف وتستعلن الله في كماله، أو كيان الله نفسه ) لم يحسب خُلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه ( أفرغ نفسه من مجده، تجرد من مجده البهي ) آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس، وإذ وُجِدَ في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع ( صار يطيع ) حتى الموت، موت الصليب ( كذبيحة محرقة للطاعة ) ] ( في2: 5 – 8 )

وباختصار شديد يُمكننا أن نقول بأن الله الآب يشتم رائحة المسيح فينا خلال الصليب هكذا:

1 – محرقة الحب الكامل والطاعة له في ابنه الحبيب [ ذبيحة محرقة ]

2 – شركة الحياة معه في ابنه الوحيد الجنس [ تقدمة القربان ]

3 – حياة السلام الداخلي والشكر الدائم [ ذبيحة السلامة ]

4 – التمتع بالغسل المستمر من خطايانا اليومية العامة وضعفاتنا الخاصة التي لا تنتهي [ ذبيحة الخطية ]

5 – الخلاص من كل إثم نرتكبه في المقدسات أو ما يخص الله [ ذبيحة الإثم ]

وسوف نشرح بالطبع كل هذا بدقة شديدة وعلى قدر الطاقة وعلى قدر ما يكشف الله لنا من سر عمله العظيم، وذلك في الأجزاء القادمة…

 

_______________
 

وفي الجزء القادم سنتكلم عن
[جـ] الذبائح الدموية والتقْدِمَات الطعامية
ومعنى الدم ومعنى كل المصطلحات التي تدل عليه في العهدين

 

Exit mobile version