ذبيحة الحمل – المسيح فصحنا الجديد – القديس كيرلس الأسكندرى – جيلافيرا (مختارات) على سفر الخروج

ذبيحة الحمل – المسيح فصحنا الجديد – القديس كيرلس الأسكندرى – جيلافيرا (مختارات) على سفر الخروج

ذبيحة الحمل – المسيح فصحنا الجديد – القديس كيرلس الأسكندرى – جيلافيرا (مختارات) على سفر الخروج

ذبيحة الحمل – المسيح فصحنا الجديد – القديس كيرلس الأسكندرى – جيلافيرا (مختارات) على سفر الخروج

ذبيحة الحمل

ليس بأحد غيره الخلاص

يستطيع المرء أنْ يعرف ـ بطرقٍ كثيرةٍ ـ أننا ننجو من قوة الموت بواسطة المسيح فقط، وهذا ما يؤكده لنا التلميذ الحكيم بقوله: “ ليس بأحدٍ غيره الخلاص. لأن ليس اسمٌ آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس ينبغي به أن نخلُص” (أع4: 12). كما أن هناك آلاف من الصور المتألقة ـ في الكتاب المقدس ـ تقدم لنا هذا السر بكل وضوح.

أطلق شعبي

إذن فلنمضي لنجمع هذه الشواهد التي تخدم هدفنا، حتى نُظهر هذا السر شارحين إياها في حديثنا هذا.

يقول الكتاب: ” دخل موسى وهارون وقالا لفرعون هكذا يقول الرب إله إسرائيل أطلق شعبي ليعيِّدوا لي في البرية. فقال فرعون مَنْ هو الرب حتى أسمع لقوله فأُطلق إسرائيل. لا أعرف الرب وإسرائيل لا أُطلقه. فقالا: إله العبرانيين قد التقانا. فنذهب سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا لئلا يصيبنا بالوباء أو بالسيف. فقال لهما ملك مصر لماذا يا موسى وهرون تبطِّلان الشعب من أعماله. اذهبا إلى أثقالكما” (خر5: 1ـ4).

إله العبرانيين يؤيد الشعب بالمعجزات

يقول فرعون المغتاظ، وهو مليء بالغباء الشيطاني إنه لا يعرف مَنْ هو إله العبرانيين. لكن عندما بدأت الضربات على مصر بجروحٍ مستمرةٍ ومخيفةٍ، وأصابها التدمير تدريجيًا، مرةً بتحول المياه إلى دم، ومرةً أخرى بغمر الأرض بالجراد والبَرَد، وبظهور البعوض والضفادع، وأيضًا بحلول الظلام ثلاثة أيامٍ؛ كانت النتيجة أن فرعون أعطى وعدًا مباشرًا ـ بخلاف إرادته ـ بترك العبرانيين أحرارًا، وبرغم ذلك فإن قلب فرعون قد تقسى وأصبح أكثر صلادة وتجبُّر ورهبة بل ورفض تحرير الإسرائيليين من العبودية الطويلة.

ثم بعد ذلك أراد الله أن يرسل الملاك المُهلِك إلى أبكار المصريين. ولكن لأنه لا ينبغي أن يهلك المختارون مع الغرباء الدنسين، فإن الله قد وضع شريعة البصخة ـ محبةً للآباء ـ وأمر أن يُحتفَل بالفصح الذي يشير إلى سر المسيح قبل إعلان غضبه على أبكار المصريين. ومن هذا الأمر نستطيع أن نفهم أنه من المستحيل أن يُبطَل الموت بواسطة موسى والناموس. بل أن دم المسيح الكريم وحده هو الذي يُبعد المهلك ويحرر المُقدَّسين من فساد الموت. لأن المسيح هو الحياة من الحياة، وهو إله الكل، إذ أنه إلهٌ من إلهٍ.

خروف الفصح

 حسنًا يقول الكتاب المقدس:

” وكلَّم الرب موسى وهرون في أرض مصر قائلاً. هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور. هو لكم أول شهور السنة. كَلِّما كل جماعة إسرائيل قائلين في العاشر من هذا الشهر يأخذون لهم كل واحدٍ شاةً بحسب بيوت الآباء. شاةً للبيت. وإن كان البيت صغيرًا عن أن يكون كفوًا لشاةٍ، يأخذ هو وجاره القريب من بيته بحسب عدد النفوس. كل واحد على حسب أكله تحسبون للشاة” (خر12: 1ـ4).

 وبعدما أمرهم أن يأخذوا شاةً، يضيف ـ محددًا ـ نوع الذبيح، ومتى وأين يذبحونه؟ إذ يقول: ” ويكون عندكم تحت الحفظ إلى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر. ثم يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل في العشية. ويأخذون من الدم ويجعلونه على القائمتين والعتبة العليا في البيوت التي يأكلونه فيها. ويأكلون اللحم تلك الليلة مشويًا بالنار مع فطير. على أعشابٍ مرةٍ يأكلونه. لا تأكلوا منه نيئًا أو طبيخًا مطبوخًا بالماء بل مشويًا بالنار مع أكارعه وجوفه. ولا تُبقوا منه إلى الصباح. والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار” (خر12: 6ـ10).

 كما يضيف المُشرِّع مخبرًا إياهم عما ينبغي أن يكون عليه ملبسهم، وما هي الطريقة التي يأكلون بها الفصح في تلك العشية المقدسة؛ لأنه يقول لهم: “ تأكلونه وأحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم، وعُصيكم في أيديكم. وتأكلونه بعَجَلةٍ. هو فصحٌ للرب” (خر12: 11).

في الفائدة المحققة نتيجة ذبح الخروف هي أكيدة، والمُشرِّع يعلنها قائلاً: ” فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين. أنا الرب. ويكون لكم الدم علامةً على البيوت التي أنتم فيها. فأرى الدم وأعبر عنكم. فلا يكون عليكم ضربةً للهلاك حين أضرب أرض مصر” (خر12:12ـ13). وبعد ذلك يقول: ” سبعةُ أيامٍ تأكلون فطيرًا. اليوم الأول تعزلون الخمير من بيوتكم” (خر12: 15).

كما أنه يفرض عقابًا على مَنْ لا يشترك، إذ يقول: ” ويكون لكم في اليوم الأول محفل مقدس، وفي اليوم السابع محفل مقدس. لا يُعمل فيها عمل ما إلاَّ ما تأكله كل نفس، فذلك وحده يُعمَل” (خر 12: 16).

التفسير الروحي لذبيحة الفصح

هذا إذن ما يقوله الكتاب المقدس، ونحن إذ نفحص هذه الأقوال، نضيف إليها شرحًا وافيًا يوضح ـ بأكثر من طريقة ـ أهمية كل قول على حدة، في الإشارة لسر المسيح.

المسيح قدّس الكل من البداية

لقد تحدد وقت عمل التقديس في أثناء الشهر الأول من بداية العام؛ لأن بداية الكل هو المسيح (راجع كو1: 18)؛ لأن المسيحَ لم يكن حديث العهد، بل هو نفسه المولود قبل الأزمنة من الآب، وقد قدَّس كل الأزمنة التي صارت من البداية وحتى النهاية. لكن الاحتفال حُدِّد في شهرٍ من العصر الجديد (ملء الأزمنة)؛ لأن: “ الأشياء العتيقة ـ وفقًا لكلام بولس الطوباوي ـ قد مضت. هوذا الكلُ قد صار جديدًا” (2كو5: 17، إش43: 19)، وأُزهرت طبيعة الإنسان ـ ثانيةً ـ بالمسيح والكل صار جديدًا.

المسيح هو المُحرِّر

لقد أمر الله بكل هذا، في حين كان الإسرائيليون مازالوا عبيدًا يرزحون تحت سلطة المصريين، معبِّرًا بذلك ـ بطريقةٍ رمزيةٍ ـ عن أن نفس الإنسان لا يمكنها أن تنطلق تجاه التحرر من الخطية، أو الهرب من شهوة إبليس، والانفصال عن العالم، وصولاً إلى المدينة السماوية، إلاَّ بمحبة المسيح فقط للبشر.

وهذا هو ما قاله المسيح نفسه لليهود الحمقى: “ الحقَّ الحقَّ أقول لكم إن كل مَنْ يعمل الخطية هو عبدٌ للخطية. والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد. أمَّا الابن فيبقى إلى الأبد. فإن حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا” (يو8: 34ـ36)، كما قال أيضًا: ” الحقَّ الحقَّ أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم” (يو6: 53)، ولا شك أن الصورة الرمزية لهذا الأمر يمكن أن نجدها في أرض الميعاد، تلك التي كان الإسرائيليون يسيرون إليها.

المسيح أتى في الأزمنة الأخيرة

ونلاحظ أنَّ الخروف يوضع تحت الحفظ من اليوم العاشر للشهر حتى اليوم الرابع عشر منه لكي يُذبَح في المساء. وإذا تساءلنا عن سبب ذلك، وجدنا أن هناك دلالةً هامة لتلك الأمور. ما المشكلة لو أُخِذَ الخروف في اليوم الأول من الشهر؟ وما هو الهدف الذي شَرَّع الله لأجله أن يُحفظ الخروف لمدة خمسة أيام، ومن ثم يُذبَحُ في المساء؟ ولماذا بدأنا العدُّ من اليوم العاشر حتى الرابع عشر، حتى يكون الناتج خمسة أيام؟

فبالنسبة إلى أنَّه لا يجب أن يُؤخذ الخروف للحفظ من اليوم الأول للشهر، فهذا يدُل ـ رمزيًا ـ على أنَّ زمننا هذا، قد أتى مباشرة بعد أن كانت قد مرَّت قبلنا أزمنةٌ كثيرة وأجيالٌ طويلة، لم تخلو أبدًا من وجود الله. لأن فترة الخمسة أيام التي سبق أن أُشير إليها قُسِّمت بعد ذلك إلى خمس فترات زمنية.

وهذا هو الأمر الذي اتضح من المثل الذي قاله المخلِّص: ” فإن ملكوت الله يشبه رجلاً ربَ بيتٍ خرج مع الصبح ليستأجر فعلةً لكرمه. فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه. ثم خرج نحو الساعة الثالثة ورأى آخرين قيامًا في السوق بطالين. فقال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم. فمضوا. وخرج أيضًا نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك. ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قيامًا بطالين.

فقال لهم لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين. قالوا له لأنه لم يستأجرنا أحدٌ. قال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم” (مت20: 1ـ7).

هل وضح لك من هذه الأقوال أن زمننا هذا قد قُسِّم إلى خمس فترات؟ الفترة الأولى هي التي عاش فيها آدم، الأب الأول في الفردوس. والفترة الثانية كمثل “الساعة الثالثة”، ويقصد بها الزمن الذي عاش فيه نوح والذين كانوا معه. والفترة الثالثة هي مثل “الساعة السادسة” في المثَل وهي تُشير إلى الفترة الزمنية التي تبدأ بدعوة ابرآم لكي يعرف الإله الحقيقي. كذلك الفترة الرابعة هي أيضًا مثل “الساعة التاسعة”، ويُقصد بها الفترة التي عاش فيها موسى والأنبياء.

أمَّا الفترة الخامسة أي “نحو الساعة الحادية عشر”، أي التي فيها ينتهي اليوم، ويصل الزمن الحاضر إلى نهايته، في هذا الزمن استأجر السيد المسيح الأمم الذين لم يكونوا قد دُعوا بعد من أي أحد آخر أثناء الفترات السابقة. لذلك أجاب هؤلاء الآخرون قائلين: “ لم يستأجرنا أحد“.

هكذا يؤخذ الخروف للحفظ في اليوم الأول من تلك الخمسة أيام، أي اليوم العاشر الذي يشير إلى بداية الزمن، ويُحفظ لآخِر الوقت، أي اليوم الرابع عشر ويُذبح في المساء، وهذا يجعلك تدرك أيضًا أن سر المسيح ليس أمرًا مستحدثًا، لكنه حُفِظَ بعلم الآب السابق من بداية خلق العالم (راجع أف3: 9)، غير أنه مات لأجلنا في الأزمنة الأخيرة.

المسيح هو نور العالم

 ولَمَا كان النور العقلي والإلهي لم يكن قد أشرق بعد؛ لأن الأرض كانت ما تزال غارقةٌ في ظلام الجهل، وقد لوَّث رؤساء هذا الظلام قلوب الجميع. لذلك عندما أتى المخلِّص قال: ” أنا هو نور العالم” (يو8: 12، 9: 5)، وبما أن القديسون يُعتَبرون بمثابة مصابيح العالم التي تشع بكلمة الحياة، لذا كانوا جديرين أن يسمعوا قول المخلِّص: ” أنتم نور العالم” (مت5: 14)، حتى يمكنهم أن ينيروا الذين في الظلمة.

ولسوف تندهش أيضًا عندما يتبين لك أن هذه الأقوال إنما تُشير إلى عملٍ سريٍ آخر. لأنه في اليوم الرابع عشر من الشهر يُذبَحُ الخروف، هذا اليوم يكون فيه القمر مُكتَملُ البهاء، وينير كل المسكونة بنورٍ خافت يأخذ في الأُفول تدريجيًا، إذ أن هناك تلاشيًا اضطراريًا لكل مجد أرضى. يمكننا أن نفهم هذه الأمور رمزيًا من كون الشيطان ـ باعتباره رئيس الليل (المساء)، والمُمجَّد في كل المسكونة (بالمجد العالمي) ـ على مثال القمر (لأن القمر خُلِقَ ليسود على الظلام) (تك1: 16).

وهكذا يضع الشيطان حكمته الزائفة كمثل نورٍ كاذبٍ في قلوب المُضَلَّلين، جاعلاً لمعان ذاته أكثر اكتمالاً، أما المسيح الذي مات لأجلنا ولأجل خلاصنا، فهو الحَمَل الحقيقي الذي رفع خطايا العالم (يو1: 29)، وأبطل مجد الشيطان الزائف. هذا المجد (الشيطاني) لابد وأن يتلاشى رويدًا رويدًا إذ تسير جموع الأمم صاعدةً نحو محبة الله وسلامه بإيمانهم بهذا العمل (السري) الخلاصي.

وقد تغنَّى سفر المزامير بهذا الأمر عندما قال عن المسيح: “ يُشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر” (مز72: 7). فبتجسد المسيح أشرق البر ـ حقًا ـ بواسطة الإيمان والسلام الوافر بالرجوع إلى الله. ثم أُبطِلَ رئيس الليل، أي الشيطان. لكن عليك أن تلاحظ أنه لم يقُل ـ ببساطةٍ ـ إنه سيُبطِل القمر، لكنه سيُبطَلُ بدلاً من آخر؛ لأن الواضح أن الشيطان كان قد أبطل الإنسان.

المسيح واحد ولا يقبل الانقسام

مكتوبٌ أيضًا: ” يأخذون لهم كل واحدٍ شاةً بحسب بيوت الآباء” (خر12: 3)؛ لأن المسيح هو كامل، حسب إيمان كل واحد منا، عندما تكون له شركة الروح القدس، ولا يُقسَّم كما يقول الرسول بولس (راجع 1كو12: 4). وإن كان هناك بيتٌ عدد أفراده قليلون، ولا يستطيعون أن يأكلوا خروفًا، فليأخذ كل واحدٍ معه جاره الموجود بالقرب منه. أي أن أولئك الذين لا يمكنهم بمفردهم إدراك سر المسيح تمامًا، أو لا يستطيعون استيعاب سر المسيح لضعف عقولهم، عليهم أن يأخذوا جيرانهم كمعاونين ومساعدين لهم في الإيمان.

لأن ما يتجاوز قدراتنا الذهنية، يمكننا أحيانًا أن نفهمه بواسطة إرشاد الآخرين. وذلك مثلما فعل الخصي الحكيم الذي سأل فيلبس ليرشده عن النبوة التي كانت تشير إلى المسيح فقال: ” أطلب إليك عن من يقول النبي هذا. عن نفسه أم عن واحد آخر” (أع 8: 34). أرأيت كيف أنه أخذ رأي جاره ـ لأن كلاً منا جارٌ للآخر، إذ أن كلمة الإيمان مشتركة، ونحن جميعًا نؤمن بالواحد ـ وعندما طلب الخصى هذا، صار مشاركًا للحَمَل العقلي، إذ طلب أن يعتمد مباشرةً وقد اعتمد فعلاً.

ويقول الكتاب عن “الشاةِ” أنها: ” تكون صحيحة“. حيث إنه ـ في المسيح ـ توجد كل الملامح (الخصائص) التي تتناسب مع الله. كما أعلن المُشرِّع أن تكون الشاةُ ذكرًا؛ لأنه هو الزارع الذي يزرع بذور معرفة الله داخلنا وكأنها أرضُ يفلِّحُها، مثل كلام الأنبياء الذي مهَّد البشريةَ لقبول الآب بعظات الإنجيل. وبالإضافة لكل هذه التعليمات، لابد وأن يكون عمر الخروف عامًا لا أقل حتى لا يكون ناقصًا، ومن جهة أخرى فإنهم سوف يتممون الاحتفال بالفصح اللائق بالله كل عام، عندئذٍ يجنون ثمار خيرات الآلام.

المسيح هو الذبيحة التي بلا عيب:

مكتوبٌ أيضًا يأخذون الشاة من الخراف أو الماعز. والشاة بسبب أنه طاهرٌ وبرئٌ يعتبر ذبيحةً بحسب الناموس، بينما يُقدَّم الماعز على المذبح لأجل خطايانا. وهذا هو ما سوف تجده بالتأكيد في المسيح، فهو نفسه كان ذبيحةً بلا عيب إذ قدَّم ذاته لله أبيه كرائحةٍ ذكيةٍ، وكشاةٍ، ذُبِحَ بسبب خطايانا.

فاعلية دم المسيح

كما أمر المُشرِّع أن يدهنوا القائمتين والعتبة العليا للمنازل بدم الحمل، قاصدًا بذلك الإشارة إلى أنه بدم المسيح المقدس والكريم نؤمِّن مسكننا الأرضي، أي الجسد، طاردين منه الموت الذي هو نتيجة العصيان، بالحياة التي نتشارك فيها. وفي نفس الوقت نُسبب الاضطراب للشيطان المهلك، إذ بمسحة الدم نطرد بعيدًا الشيطان الذي يريد بنا شرًا مُبعدين بعيدًا الشهوات والأهواء الجسدية.

أمَّا “أبواب” بيوتنا، فهي حواسنا التي من خلالها نراقب نوعية الأمور التي تدخل قلوبنا، إذ يتسلل داخلنا ـ من خلالها ـ حشدٌ غير محصى من الرغبات. ولقد دعى النبي يوئيل الحواسَ أبوابًا قائلاً: ” يتراكضون في المدينة، يجرون على السور، يصعدون إلى البيوت، يدخلون من الكُوى كاللص” (يؤ2: 9)؛ في نبوة عن تلك التي لم تُدهن بدم المسيح.

التناول من جسد المسيح ودمه والتبشير بموت المسيح وقيامته

كما أمر الكتاب أن تؤكل اللحوم في ذات الليلة، أي هنا في الحياة الحاضرة. لأن بولس وصفها هكذا قائلاً: “ قد تناهى الليل وتقارب النهار، فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور” (رو13: 12)، داعيًا بوضوح لهذه الحياة التي ينيرها المسيح نفسه.

هكذا يوصي أن نأكل اللحوم أثناء فترة حياتنا في هذا الدهر؛ لأنه بقدر ما نصير مشاركين المسيح بطريقةٍ روحيةٍ ومحسوسةٍ ـ أثناء وجودنا في هذا العالم ـ بتناول الجسد المقدَّس والدم الثمين، بقدر ما نصل إلى يوم قوته كما هو مكتوب (مز110: 3)، وبقدر ما نصعد إلى بهاء القديسين، نتقدس أيضًا بطريقةٍ يعرفها معطي ومانح الخيرات العتيدة.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإن التناول من جسده المقدَّس، ومن دمه الكريم، يعني الاعتراف بالآم المسيح وموته الذي صار لأجلنا بالتدبير. لأنه هو نفسه قال لعارفيه حين حدَّد نواميس السر: “ فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز، وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء” (1كو11: 26).

وباشتراكنا في الأمور التي أشرت إليها توًا ـ أثناء هذه الحياة الحاضرة ـ فإننا بالفعل نكرز بموت الرب، لكن عندما يأتي بمجد الآب، عندئذٍ لا نقدم له اعترافنا بموته، بل سوف نعرف الله بكل وضوح ” وجهًا لوجه” كما يقول الرسول بولس (راجع 1كو13: 12). إذ يقول: “ عالمين أن المسيح بعدما أُقيم من الأموات لا يموت أيضًا. لا يسود عليه الموت بعد” (رو6: 9)، كما يقول أيضًا: ” إذًا نحن من الآن لا نعرف أحدًا حسب الجسد. وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفه بعد” (2كو5: 16).

لأننا عند ذاك سوف نعرفه بأكثر وضوح، ليس من جهة أنه أخلى ذاته عندما صار إنسانًا، لكن كإلهٍ حقيقيٍ أنهى تدبير الله الخلاصي. عند ذلك تبطل الأقوال عن التجسُّد، وتأتي المعرفة الأسمى، ويشرق علينا بمعرفة الخلاص الإلهية من جانبه، تلك التي يعبِّر عنها بواسطة مجده اللائق.

ضرورة أن نكون حارين بالروح وأنقياء في التصرف

نقرأ أيضًا أن الخروف يؤكل مشويًا بالنار؛ لأن أولئك الذين يشرعون في فهم سر المسيح، يجب أن يكونوا حارين روحيًا، ولذلك ينصحنا الرسول أن نكون هكذا (راجع رو12: 11).

كما يأمرهم أيضًا أن يأكلوا فطيرًا (خبز بلا خمير) على أعشابٍ مُرةٍ معلنًا بطريقةٍ رمزيةٍ أن الذين صاروا مشاركين للمسيح، عليهم أن يتغذوا على اشتياقات نقية لا خمير بها، وأن يعتادوا على التصرف النقي والخالي من الشر، غير هاربين من التجارب المؤلمة وفق المكتوب: “ يا بنيَّ، إن أقبلت لخدمة الرب فاعدد نفسك للمحنة. أرشد قلبك وأصبر ولا تكن قلقًا في وقت الشدة” (حكمة يشوع بن سيراخ2: 1ـ2).

الإيمان المستقيم بالمسيح

ويقول أيضًا: ” لا تأكلوا منه نيئًا” (خر12: 9). ماذا يعني بقوله هذا؟ الأكل النيئ لا يمضغ ولا يهضم، وهو يشير إلى الذين لا يفحصون الكلمة بتدقيق ليجدوا المسيح. أمَّا أولئك الذين يبحثون بتدقيق، فإنهم “يطهون” الكلمة ويتذوقونها وفق ما قاله داوود النبي: “ عند لهجي بكلامك اشتعلت النار” (مز39: 3).

كذلك منعهم من أن يأكلوا اللحم مطهيًا في الماء، معلنا بذلك أن الفكر الكاذب والمنحل عن المسيح لا يعتبر غذاءً مناسبًا لعقول المؤمنين. وما الاعتقاد الكاذب عن المسيح، إلاَّ عدم الإيمان بأنه هو الله بطبيعته، أو أن يضعوا المسيح ضمن المخلوقات، وهو الأمر الذي لم يتردد البعض في إتيانه نتيجة جهلهم. وبينما يجمعون ويحرّفون تفسير الشواهد التي قيلت ـ بحسب التدبير ـ عن تأنُّسه، يجعلونها غذاءً لكفرهم الذي يسكن في داخلهم.

ومعنى قوله: ” لا تأكلوا منه نيئًا أو طبيخًا مطبوخًا بالماء، بل مشويًا بالنار” (خر12: 9)، هو أن الكلام عن إلوهيته كلامٌ حارٌ، وليس فيه شيء باردًا أو كاذبًا وفق قول المزمور: “ كلمتك ممُحصة جدًا وعبدك أحبها” (مز 119: 14).

الاستنارة بمعرفة المسيح الكاملة

كما أمر أيضًا أنْ يؤكَل رأسه مع أكارعه وجوفه، مريدًا لهم أن يحتووا داخلهم المعرفة الكاملة لسره.

 لأنه ينبغي ـ قبل كل شيء ـ أن يعرفوا أن الكلمة كان في الآب ومع الآب منذ البدء إذ أنه هو الله بالفعل، أي كان هو بداية كل سر كالرأس. وثانيًا، وبما أنه الله، فإنه سوف يأتي ثانيةً كديّان لكي يتمّم خطة خلاصه لأجلنا، وهذا هو ما تشير إليه الأرجل التي هي حقًا نهاية الجسد.

أمَّا الجوف، فيشير إلى الكلمة المتأنِّس المختفي فينا (داخلنا). إذن هذه الأقوال تُصِّور الإيمان كله، وبهذه المعرفة يتصوَّر المسيح فينا كاملاً، عندئذٍ يمكنني أن أؤمن بما يقوله يوحنا: “ الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء” (رؤ1: 8).

الحث على عدم التباطؤ عن الاستنارة بالروح القدس

ومن ثمَّ، يأمر المُشرِّع قائلاً: “ ولا تبقوا منه حتى الصباح” (خر12: 10)، معيقًا بهذا كما يبدو ـ بطريقة رمزيةٍ ـ محاولات التأجيل غير الصالحة التي تُسهم في عدم فهم السر كما يجب من جانب البعض. لأنه يقول لا تؤجِّل المعرفة الحقيقية والتامة عن المسيح، ولا يجب أن يتباطأ البعض في المشاركة التامة في فرح نهاية الأزمنة، فطالما آمنوا فليكملوا شركتهم.

وهذا هو ما كان يفعله أولئك الذين كانوا قد قبلوا كلمة الوعظ وتعليم المسيح، لكنهم كانوا يتكاسلون من جهة نوال الروح القدس ونعمة المعمودية مؤجلين ذلك حتى يكبروا في السن. إن هذا التأجيل يمكن أن يجلب عليهم ضررًا كبيرًا غير متوقع، خاصةً لو نجح المرء منهم في تحقيق هذه الرغبة (أي تأجيل المعمودية حتى الأيام الأخيرة لحياته)، فرجاؤه ليس آمنًا. إذن، فمن يأكل حتى النهاية يتقدَّس بالتأكيد، وينال أيضًا غفرانًا لخطاياه، ويقدِّم لسيده الوزنة التي أُعطيت له دون أية تحفظات عليها.

عقائد ثابتة مثل عظام لم تُكسر:

 ويقول: “ والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار. ولا يُكسرُ له عظم” (خر12: 10س)؛ لأن العظم لا يؤكل بأسناننا، وشيءٌ مثل هذا يذكِّر أذهان البشر بالكلمة الأزلي. إنه الابن، وهو الابنُ بالطبيعة، وقد وُلِدَ من الله الآب، ونحن نؤمن به، دون أن نفتش أو نبحث عنه وذلك وفقًا لكلام النبي القديس؛ ” لأن من يعرف طريقة ولادته؟ من يصف مولده؟” هكذا صرخ النبي (إش53: 8 س).

إذن، عن عدم كسر العِظام، يُشير إلى ثبات العقائد التي تفوق العقل. فهذه العقائد (العِظام) يحرِّم المُشرِّع سحقها، لكن الهراطقة، أولئك الذين يحرِّفون الحق قد سحقوها تمامًا في ذواتهم؛ لأنهم ـ إذ يعانون من طيش التفكير وعدم البصيرة ـ مصممون على الانشغال بطريقة الولادة الإلهية غير الموصوفة، ولا يقبلون عقليًا ما كُتِبَ: “ من الذي يحصي رمل البحر وقطرات المطر وأيام الأبد؟” (حكمة سيراخ1: 2).

هذا ما نتجنبه نحن ـ بحكمة ـ رافضين كسر عِظام الخروف، بل نقبل بالإيمان، تلك التعاليم التي هي أسمى وأعظم من قدراتنا. ومن الأهمية بما كان أن نتذكَّر أن هذا المكتوب قد طُبِّق حرفيًا على مخلصنا، حيث إن جنود بيلاطس لم يكسروا هيكله العظمي وفق ما كتبه يوحنا (راجع يو19: 33ـ36).

استنارة الدهر الآتي

 ويقول: ” والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار“، فالصباح يشير إلى استنارة الدهر الآتي، وقتذاك سنرى وجهًا لوجه ملكنا وإلهنا، ليس مثل الآن في “الحياة الحاضرة” من خلال الرمز والظلال والمرآة كما يقول بولس (راجع 1كو13: 12). إذن، فحرق ما تبقى من الخروف إلى الصباح، يشير إلى تواري وانزواء الطريقة الرمزية والتصويرية بسبب سطوع المعرفة الأكثر لمعانًا.

كذلك أمرهم قائلاً لتكن: ” أحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم، وعُصيكم في أيديكم. وتأكلونه بعجلةٍ. هو فصحٌ للرب” (خر12: 11)، وكونهم يلبسون حزامًا على وسطهم، يرمز إلى سرعة التصرف والحيوية، وذلك مثل ما قاله الله لأيوب البار: ” أشدّد الآن حقويك كرجلٍ” (أيوب 38: 3)، وكما قال لنبي آخر: ” ويكون البر حزام حقويه والأمانة حزام خصره” (إش11: 5 س)، أي ليكون سريعًا وشجاعًا تجاه البر.

الاستعداد والصبر والرجاء

 ويرمز الحذاء إلى استعداد الإرادة للسير بدون إبطاء تجاه ما يريده الله. لأن بولس بنفس الروح قال: ” وحاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام” (أف6: 15). كذلك يقول الله: ” فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلاَّ أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك” (تث10: 12).

والعُصي في الأيدي ترمز إلى الرجاء الذي يعضدنا، وتعطينا الصبر طبقًا لما نجده عند الأنبياء: ” فليتكل على اسم الرب ويستند إلى إلهه” (إش5: 10).

ويأمر المُشرِّع أيضًا أن يؤكل اللحم بعجلة، وهذه إشارة واضحة إلى أن الذي يتبع المسيح لا يجب أن يكون كسلانًا، أو عنده لا مبالاة من جهة الأعمال الصالحة، لكن عليه أن يكون قويًا وحارًا من جهة استعداده للأعمال المفيدة والصالحة. تأمَّل ـ من فضلك ـ ما يقوله بولس الطوباوي: ” ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون، ولكن واحدًا يأخذ الجعالة. هكذا اركضوا لكي تنالوا. وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء. أمَّا أولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفنى وأمَّا نحن فإكليلاً لا يفنى” (1كو6: 24 – 25).

لا بد أن انتهز هذه الفرصة لأقول إن الإنسان الذي تقدَّس بواسطة المسيح، يجب أن يكون نشيطًا لا خاملاً أو غير مبالٍ، بل عليه أن يلبس ملابس الرحالة، وبذلك يشير إلى أمرين: الأول، هو أن هذه الملابس تشير إلى أن الذي يتبع المسيح عليه أن يُسرع تجاه الحق. والثاني، هو الإشارة إلى أنه يجب عليه أن يُسرع إلى عمل الخير والصلاح وممارسة الفضيلة تاركًا ملذات العالم الشريرة.

الفصح هو عبور من الحياة الحاضرة إلى حياة الدهر الآتي

 ويسمي المُشرِّع كل ما قاله بشأن ذبيحة الحمل: ” إنه فصحٌ للرب” (خر12: 11)، أي العبور من الحياة الحاضرة إلى المدينة التي يُسرُّ بها الله. ويُظهِر لهم الفائدة العظيمة التي سوف ينالونها عند إتمام هذه الذبيحة وهي الوعد بأن يحميهم من الهلاك، بينما يُهلك كل بكر من المصريين. وفي الوقت الذي يأكلون فيه الحمل، يكون دمه علامةً يحتموا فيه من الضربات التي ستحل في بلاد مصر.

لأن الله يعاقب العنيد والعاصي وغير المشارك للقداسة التي يمنحها المسيح، بينما يجعل الممسوحين بدم الحمل الحقيقي مستحقين للعناية الصالحة من جانبه، لذا هو لا يترك المؤمنين المقدسين ليهلكوا مع غير المؤمنين، بل يمنحهم محبةً فائقةً.

حياة النقاوة

أخيرًا يأمر أولئك الذين أكلوا الحمل المقدس، أن يغتذوا لمدة سبعة أيام بفطير، (أي خبزًا غير مختمِرٍ)، مشيرًا بذلك ـ كما يبدو ـ إلى أن الذين تقدَّسوا بواسطة المسيح سوف يتغذون على رغبات طاهرة ويبتعدون عن أي شرٍ.

ويقول: ” ويكون لكم في اليوم الأول محفل مقدس وفي اليوم السابع محفل مقدس” (خر 12: 21)، لأن زمن الخلق في البداية مقدَّسٌ هو؛ لأن آدم الأب الأول لم يكن قد ابتعد بعد عن الفردوس بسبب عصيانه، لكنه كان يعيش الفردوس في داخله، وقد طبَّق الوصية التي أُعطيت له. وزمن الأيام الأخيرة هو زمن التقديس؛ لأن المسيح يُبرّر ـ في هذا الزمن ـ أولئك الذين يأتون إليه بالإيمان، ويحضرهم مرةً ثانيةً هناك حيث كنا في بداية الخليقة.

إذن لقد أشارت كل هذه الأقوال مسبقًا لسر مخلصنا يسوع المسيح. لذلك قال المسيح نفسه لليهود: “ لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني” (يو5: 46).

ذبيحة الحمل – المسيح فصحنا الجديد – القديس كيرلس الأسكندرى – جيلافيرا (مختارات) على سفر الخروج

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل كان الله يجهل بما سيفعله إبراهيم عندما طلب منه أن يقدم ابنه اسحاق ذبيحة؟ – توماس رفعت

هل كان الله يجهل بما سيفعله إبراهيم عندما طلب منه أن يقدم ابنه اسحاق ذبيحة؟ – توماس رفعت

هل كان الله يجهل بما سيفعله إبراهيم عندما طلب منه أن يقدم ابنه اسحاق ذبيحة؟ – توماس رفعت

يقول المعترض عندما طلب الله من إبراهيم أن يقدم اسحاق ذبيحة، صعد إبراهيم ونفذ امر الله، وعندما امسك السكين ليذبح ابنه ناداه الملاك: فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي

فكيف الله كان لا يعلم بما سيحصل واكتشف في وقتها عندما رأي فعل إبراهيم؟

الرد

المعترض لم يعرض أي تفسير أو معنى لغوى للنص العبري، لا اعلم هل عن عمد ام عن جهل، ولكن سأرد عليه رد كتابي ولغوي وتفسيري

كلمه علمت יָדַע

Strong’s H3045 in the following manner: know (645x), known (105x), knowledge (19x), perceive (18x), shew (17x), tell (8x), wist (7x), understand (7x), certainly (7x), acknowledge (6x), acquaintance (6x), consider (6x), declare (6x), teach (5x), miscellaneous (85x).

أي من معانيها: اعترف، ولنرى أيضًا المرجع اليهودي

 (Genesis Rabbah 56:7).

“Because now I know” [meaning] I have made it known to all that you love Me, “and you have not withheld, etc”. And do not say that all ills that do not affect one’s own body are not ills, rather I ascribe merit to you as though I had told to you to sacrifice yourself and you did not refuse.

“لأنني الآن أعرف” [بمعنى] لقد جعلته معروفا للجميع أنك تحبني”، أي: “لقد أعلنت للجميع أنك تحبني”. ولكن لا يعرف المعترض انه تلك الكلمة بالفعل استخدمت في الكتاب المقدس بمعنى الإعلان في موضع آخر.

هل كان الله يجهل بما سيفعله إبراهيم عندما طلب منه أن يقدم ابنه اسحاق ذبيحة؟

عدد 16: 5

ثُمَّ كَلَّمَ قُورَحَ وَجَمِيعَ قَوْمِهِ قَائِلًا: «غَدًا يُعْلِنُ الرَّبُّ مَنْ هُوَ لَهُ، وَمَنِ الْمُقَدَّسُ حَتَّى يُقَرِّبَهُ إِلَيْهِ. فَالَّذِي يَخْتَارُهُ يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ.

הוַיְדַבֵּ֨ר אֶל־קֹ֜רַח וְאֶל־כָּל־עֲדָתוֹ֘ לֵאמֹר֒ בֹּ֠קֶר וְיֹדַ֨ע יְהֹוָ֧ה אֶת־אֲשֶׁר־ל֛וֹ וְאֶת־הַקָּד֖וֹשׁ וְהִקְרִ֣יב אֵלָ֑יו וְאֵ֛ת אֲשֶׁ֥ר יִבְחַר־בּ֖וֹ יַקְרִ֥יב אֵלָֽיו:

He spoke to Korah and to all his company, saying, “In the morning, the Lord will make known who is His, and who is holy, and He will draw [them] near to Him, and the one He chooses, He will draw near to Him.

فبذلك يكون معناها الإعلان عن شيء معين ومن ناحية أخرى كيف لا يعرف الرب ما سيعمله إبراهيم مع اسحق وهو الذي اعلمه انه ما سيحصل مع نسله وكيف سيستعبد في ارض مصر، ويرجع لأرض الميعاد.

تكوين 15: 13-16

فَقَالَ لأَبْرَامَ: «اعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيبًا فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ، وَيُسْتَعْبَدُونَ لَهُمْ. فَيُذِلُّونَهُمْ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ الأُمَّةُ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا أَنَا أَدِينُهَا، وَبَعْدَ ذلِكَ يَخْرُجُونَ بِأَمْلاَكٍ جَزِيلَةٍ، وَأَمَّا أَنْتَ فَتَمْضِي إِلَى آبَائِكَ بِسَلاَمٍ وَتُدْفَنُ بِشَيْبَةٍ صَالِحَةٍ، وَفِي الْجِيلِ الرَّابعِ يَرْجِعُونَ إِلَى ههُنَا، لأَنَّ ذَنْبَ الأَمُورِيِّينَ لَيْسَ إِلَى الآنَ كَامِلًا».

فكيف الله الذي علم ما سيحصل بعد مئات السنين مع ذرية إبراهيم شعب إسرائيل، يجهل ما سيعمله إبراهيم مع ابنه اسحق بعد وقت قصير؟

لكن سأعرض الترجمة السبعينية واعلق عليها:

12 καὶ εἶπε· μὴ ἐπιβάλῃς τὴν χεῖρά σου ἐπὶ τὸ παιδάριον μηδὲ ποιήσῃς αὐτῷ μηδέν· νῦν γὰρ ἔγνων, ὅτι φοβῇ σὺ τὸν Θεὸν καὶ οὐκ ἐφείσω τοῦ υἱοῦ σου τοῦ ἀγαπητοῦ δι᾿ ἐμέ.

And he said, Lay not thine hand upon the child, neither do anything to him, for now, I know that thou fearest God, and for my sake thou hast not spared thy beloved son

الكلمة اليونانية المرادفة للكلمة العبرية أصلها اليوناني هو:

γινώσκω ginóskó to come to know, recognize, perceive

Usage: Usage: I am taking in knowledge, come to know, learn; aor: I ascertained, realized.

الاستعمال: أنا آخذ المعرفة، والتعرف، والتعلم: تأكدت وأدركت. لكن لها أيضًا استخدام كتابي واضح بمعنى الإعلان أو الاعتراف

متى 7: 23

كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!”

وأظن انه معناها واضح بمعنى الاعتراف بأنهم أبناء لله ويستحقون مجده، لذلك قال لهم يا فاعلي الإثم، ولنرى الكلمة اليونانية لنعرف أنها مثل السبعينية.

فبذلك أثبتنا بفضل الله انه المعرفة في قصة إبراهيم بمعنى الإعلان كتابيا ولغويا وتفسيريًا

اذكرونا في صلواتكم.

هل كان الله يجهل بما سيفعله إبراهيم عندما طلب منه أن يقدم ابنه اسحاق ذبيحة؟ – توماس رفعت

نذر يفتاح الجلعادي – هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟

نذر يفتاح الجلعادي – هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟

هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟ 

تخبرنا بعض المقاطع من كتاب القضاة (11: 30-31، 34-35، 39 و11: 29-40) عن قائد عسكري يُدعى يفتاح الجلعادي، قبيل مغادرته إلى ساح المعركة، نذر هذا القائد نذرًا لله. كان النذر يقضي بتقديم ذبيحة لله، إذا كان الله في عونه وحالفه الانتصار في معركته. أما الذبيحة المزمع تقديمها فهي أول من أو ما يخرج من بيته ليرحب بعودته. ويعود القائد يفتاح الجلعادي منتصرًا وتخرج ابنته الوحيدة لاستقباله. وتخبرنا الرواية أن أمانة القائد وتعهده لله يدفعانه إلى تقديم ابنته “ذبيحة”! فهل يرضى الله بالذبائح البشرية؟

إذا لم تكن تعرف هذه الحادثة جيدًا فإنني أدعوك لقراءتها. هذه هي بعض الأسئلة التي أعتقد أنها خطرت في بالك عندما قرأت هذه الحادثة:

  1. ما هو النذر الذي نذره يفتاح؟
  2. لماذا نذر هذا النذر؟ ومتى؟
  3. هل قدّم حقيقة يفتاح ابنته ذبيحة؟
  4. هل يعقل أن الله يرضى بما فعل يفتاح؟

هذه هي إحدى الصعوبات الأخلاقيَّة والاهوتيَّة المعقدة الواردة في العهد القديم والتي تعددت الآراء بشأنها. بعد استعراض الآراء المختلفة سأقترح حلاً لهذه الصعوبة.

الرأي الأول:

يعتقد أصحاب هذا الرأي بأن يفتاح الجلعادي قدّم ابنته ذبيحة لله. ولهذا الرأي بعض الحجج التي تدعمه وبعض الآراء المتفرعة عنه. أما أهم الحجج المؤيدة لهذا الرأي والمتفرعة عنه فهي:

أولاً، إن تقديم يفتاح الجلعادي لابنته ذبيحة كان مجاراة لإحدى العوائد الدينيَّة السائدة في ذلك الزمان. فقد كشفت مخطوطات أوغاريت، رأس شمرا شمال سوريا، النقاب عن مثل هذه العادة حيث عنات يقدِّم فتوح كذبيحة للإله. وفي آسيا الصغرى، كانت هناك ممارسات مماثلة حيث نذر ملك كريت عقب عاصفة هوجاء أن يقدِّم للإله نبتون أول من يخرج من القصر للقائه بعد عودته سالمًا. وإحدى الروايات تحدثنا عن أجاممنون الذي قدم ابنته إفيجينيا للإله.

ثانيًا، عاش يفتاح شرقي الأردن في منطقة جلعاد، ولم يكن على علم بأن الله يمنع بشدة تقديم الذبائح البشرية. لقد نذر بأن يقدِّم أعز ما لديه إرضاء لله، ولم يكن ليدري أن الله الذي نذر له هذا النذر لا يقبل مثل هذا النوع من الذبائح. وهكذا قدّم ابنته ذبيحة بسبب نقص علمه، ومحدوديَّة معرفته.

ثالثًا، لقد تسرع يفتاح بالتعهد بهذا النذر حيث لم تكن هناك ضرورة لأي نذر فقد كان عليه روح الرب (قضاة29:11)، وكان الله سينصره على أعدائه على كل حال. لقد كانت ابنته ضحيَّة نذره المتسرع وانفعاله الذي لم تكن له ضرورة البتة.

رابعًا، لقد قدّم يفتاح ابنته كذبيحة ولكن ليس على غرار عوائد الأمم الوثنيَّة المجاورة، بل على غرار ما فعل يشوع. الله يعطي يشوع الانتصار فيقوم يشوع بالتحريم. وفي هذه الحادثة يحصل القائد يفتاح على الانتصار من الله، فإذ به يحرّم ابنته تعبيرًا عن شكره لله لمنحه النصرة على الأعداء.

 

الرأي الثاني:

يعتقد أصحاب هذا الرأي أن يفتاح الجلعادي لم يقدّم ابنته ذبيحة لله، بل كرَّسها لخدمة الله في الهيكل، حيث نذرها لتبقى عذراء طوال فترة خدمتها فيه.

أميل إلى قبول الرأي الثاني، ولكن قبل أن أستعرض الحجج المؤيدة له، أود أن أقوم بالرد على الرأي الأول وعلى النظريات المتفرعة عنه.

أولاً، إن ظهور عادة جارية في بعض مناطق الشرق الأدنى القديم، لا يعني أن قصة يفتاح الجلعادي هي رواية أو أسطورة أو خرافة مماثلة لما كان سائدًا في الشرق الأدنى القديم. مما شكَّ فيه أن عادة تقديم الذبائح البشرية إرضاء للآلهة كانت موجودة في بعض معتقدات الشرق الأدنى القديم (ولكنها لم تكن واسعة الانتشار، كما يظن البعض)، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يفتاح اتبع مثل هذه العادة كما سيتبين لنا بعد قليل.

ثانيًا، ليس هناك ما يؤكد أن يفتاح الجلعادي كان غير عالم بوصيَّة الله التي تنهى عن تقديم الذبائح البشرية. إن متابعتنا لحديث يفتاح الجلعادي ومحاوراته ومفاوضاته مع العمةنيين تجعلنا ندرك أنه كان على علم بالشريعة والوصايا التي كانت معروفة غرب الأردن (قضاة11: 12-28). كما أنه ليس من الضروري لشخص ما أن يلمَّ بكل تعاليم إحدى الديانات ليدرك أحد الأمور أو التعاليم الجوهريَّة فيها. فليس ضروريًّا على المسيحي أن يلمَّ بكل تعاليم الديانة الإسلاميَّة ليدرك أن الصلاة هي إحدى تعاليمها الجوهريَّة. إن وصيَّة عدم تقديم الذبائح البشرية يمكن معرفتها دون الحاجة لمعرفة كل دقائق الشريعة وتفاصيلها.

ثالثًا، من خلال قراءتنا لكامل الفصل الحادي عشر من كتاب القضاة لا يوجد لدينا أي دليل يشير إلى أ، يفتاح الجلعادي كان شخصًا متسرعًا، ينطق بنذر دون تفكير كافٍ. إن مفاوضات يفتاح مع العمونيين تشير إلى أنه كان طويل الباع، فهو لم يتسرع للحرب والقتال، بل كان مترويًّا فاتبع سبيل المفاوضات. من جهة أخرى، لم ينطق يفتاح بنذره وهو في ساحة القتال حيث الضغوطات والمواقف الحرجة التي تجبر الإنسان أحيانًا على قول ما لا يريد قوله. لقد نطق بنذره وهو في حالة هدوء وتفكير عميقين (قضاة11: 29-31).

رابعًا، إن فكرة التحريم بعيدة جدًا عن النص الذي أمامنا، وليس من دليل أنها كانت إحدى الممارسات الشائعة في العهد القديم (انظر مناقشتي لموضوع تحريم أريحا في هذا الكتاب). لقد كان التحريم يقضي أن يتم قتل الأشخاص ولم يكن يتضمن أي فكر عن القيام بتقديم تقدمة أو محرقة أو ذبيحة إلى الله (تثنية13: 12-18، عدد21: 2-3، 1 صموئيل33:15).

أما أسباب تأييدي للرأي الثاني، الذي مفاده بأن يفتاح الجلعادي لم يقدّم ابنته ذبيحة لله، بل كرَّسها لخدمة الله في الهيكل حيث نذرها لتبقى عذراء طوال فترة خدمتها فيه، يعود إلى ما يلي:

 

أولاً، عندما نذر يفتاح الجلعادي نذره كان يتوقع أن ما سوف يقدِّمه محرقة هو شخص وليس حيوان. قال يفتاح الجلعادي: “فالخارج الذي يخرج من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة يكون للرب وأصعده محرقة” (قض11:31). وفي هذا السياق أشير إلى أربعة أمور هامة.

  1. إن كلمة “الذي” (في العبريَّة “أشِر”) تشير إلى العاقل وغير العاقل على السواء. لقد ترجمت هذه الكلمة خطاً في عدد من الترجمات الإنجليزيَّة بالكلمة whatever التي تشير إلى غير العاقل، ويصح ترجمتها بالكلمة whoever التي تشير إلى العاقل. إذن هذه الكلمة لا تشير بالضرورة إلى الحيوان.
  2. إن كلمة “الخارج” (في العبريَّة “يتصا”) هي في صيغة المذكَّر، وليس في الصيغة التي تحتمل الإشارة إلى حيوان وإنسان معًا، فلو كان القصد الإشارة إلى حيوان أو إنسان لاستخدمت صيغة التأنيث. إن استخدام صيغة المذكَّر يشير إلى شخص وليس إلى شيء.
  3. إن عبارة “يكون للرب وأصعده محرقة” ى تعني بأنه إذا كان الخارج إنسانًا فإنني أقدمه للرب، أما إذا كان حيوانًا فإنني أصعده محرقة. الجملة الأخيرة معطوفة على الأولى، وهي بمثابة توضيح لما ورد في الجملة الأولي.
  4. إن كلمة “للقائي” لا تصف ملاقاة حيوان إنسان، بل تتضمن تفكيرًا وتصميمًا وقرارًا بشريًّا، بمعنى اللقاء للترحيب. وهذا ما حدث فعلاً. قارب التشابه بين كلمة “للقائي” (الآية31) وكلمة “للقائه” التي تشير إلى خروج ابنته للترحيب بعودته سالمًا (الآية34).

ثانيًا، عند عودة يفتاح سالمًا منتصرًا قابلته ابنته بالدفوف والرقص، وهي عادة مألوفة في الشرق الأدنى القديم للتعبير عن الفرح (قارب مع خروج20:15 و1صموئيل18: 6-8). عند رؤية يفتاح لابنته قام بتمزيق ثيابه حزنًا عليها (قارب مع تك29:37، أي20:1)، ونطق بعبارات عاطفيَّة رقيقة وأليمة: “آه يابنتي قد أحزنتني حزنًا وصرت بين مكدريّ.” إن كلمة “مكدري” مشتقة أصلاً من الفعل العربي عكّر أي أن ما سيحدث سيمرغ حياة يفتاح الجلعادي بالوحل كالمياه المعكرة (انظر يشوع7:24-26).

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان يفتاح ينوي تكريس ابنته لخدمة الهيكل، فلماذا حزنه الشديد وأسفه العميق؟ ألا يشير هذا الموقف إلى أنه كان مزمعًا أن يقدّم ابنته ذبيحة؟ وجوابي على هذا السؤال الأخير إن حزن يفتاح الجلعادي مرده إلى حدوث الأمر المستبعد، ولكنه الممكن، ألا وهو خروج ابنته الوحيدة من البيت.

والآن هو مضطر أن يفي بنذره، وبذلك ستحرم ابنته من الزواج وإنجاب الأولاد، وهو الأمر المألوف والطبيعي لكل امرأة شرقيَّة قديمًا (تكوين1:30)، أما هو فسيحرم من الأحفاد والنسل وهو أحد الأمور الهامة أيضًا في الشرق الأدنى القديم. لقد حزن يفتاح الجلعادي لأجل ابنته بالدرجة الأولى، وضمنًا لأجل نفسه بالدرجة الثانية.

ثالثًا، من الجدير بالملاحظة أن ابنة يفتاح لم تمانع بتحقيق رغبة والدها، بل أن سعادتها بالانتصار على الأعداء كانت فيّاضة وغامرة لتعمل ما نذر به والدها. ألا تجدر أن تكون ابنة يفتاح الجلعادي مثالاً لمحبة الوطن والاستعداد للتضحيّة في سبيل تحرره وتقدمه وازدهاره؟ لقد طلبت الابنة المطيعة من والدها أن تذهب إلى الجبال هي وصاحباتها.

ونسأل لماذا تذهب مع صاحباتها إلى الجبال؟ لم يكن ذهابها بغرض توديع الحياة لأن والدها يريد أن يقدمها ذبيحة لله، بل يقول النص صراحة أنها ذهبت مع صاحباتها للقيام بمهمة محددة، هذه المهمة هي بكاء عذراويتها، وليس لتوديع هذه الحياة. لاحظ تكرار العبارات التالية للتشديد على حقيقة “العذراويَّة”: “وأبكي عذراويتي” (الآية37)، “وبكت عذراويتها” (الآية38)، “وهي لم تعرف رجلاً” (الآية 39).

ألا نرى في هذه العبارات أن التأكيد هو على موضوع البتوليَّة، وليس على موضوع الموت؟ إن عبارة “وهي لم تعرف رجلاً” تعني بأنها تممت النذر دون أن تعرف رجلاً، بل أنها تممت النذر بواسطة كونها لم تعرف رجلاً.

ولكن قد يقول معترض على هذا التفسير، ماذا عن كلمة “محرقة” الواردة في الآية 31 لتصف ما سيقوم به يفتاح؟ من المحتمل جدًا أن يفيد أصل هذه الكلمة في العبريَّة معنى التكريس أساسًا وليس فكرة الاحتراق بالنار أو الذبيحة الدمويَّة المحترقة. إن أصل الكلمة العبري هو “علاخ” وهي من الفعل الذي يماثل الفعل “علا” (ارتفع، صعد) بالعربيَّة، فالمحرقة (علاه)، إذن هي في أصلها إشارة إلى ما يتم رفعه أو إصعاده إلى المذبح كتعبير ظاهر وعلني عن التخصيص للرب والتكريس له تعالى.

من ناحية أخرى، اعتقد البعض من أصحاب الرأي الأول، الذين ينادون بأن يفتاح الجلعادي قدَّم ابنته ذبيحة دمويَّة، أن الكلمة “لينُحنَّ” في الآية: “أن بنات إسرائيل يذهبن من سنة إلى سنة لينُحنَّ على بنت يفتاح الجلعادي أربعة أيام في السنة” (الآية 40)، تشير إلى البكاء على الميت. ولكن الكلمة في أصلها العبري لا تعني هذا.

لقد وردت هذه الكلمة مرة أخرى في كل كتب العهد القديم وذلك في كتاب القضاة11:5 حيث ترجمت “يثنون”، وهذا معناه أن بنات إسرائيل[1] كن يمدحن ويشدن بتضحية هذه الفتاة لعذراويتها مقابل انتصار شعبها على الأعداء. ولا من مانع لإمكانيِّة وجود التقليد السنوي لزيارة الفتيات ابنة يفتاح الجلعادي، لتشجيعها ومدحها وتكريمها عندما كانت حيَّة آنذاك، أما بعد موتها فقد أضحى هذف الزيارة تقديم الثناء لهذه الفتاة الباذلة، ولإحياء ذكرى الانتصار على الأعداء أيضًا.

رابعًا: بعد انتهاء فترة بكاء العذراويَّة حان موعد عودة الابنة إلى أبيها نقرأ بأنه “فعل بها نذره الذي نذر” (الآية 39). لاحظ أنه لا توجد في كل المقطع إشارة واحدة واضحة بأنه قدّمها ذبيحة دمويَّة للرب، بمعنى أنه استعمل في ذلك السكين لذبحها والنار لإشعالها كما كانت عادة تقديم الذبائح آنذاك.

إن يفتاح الجلعادي فعل بابنته كما نذر، أي أنّه كرَّسها للخدمة في الهيكل. وهذا النوع من الخدمة له أساسه في العهد القديم سواء للرجال مثل صموئيل (1صموئيل1: 22-28) أم للفتيات (خروج8:38)، كما أن عادة تواجد بعض النساء في الهيكل مألوفة أيضًا (1صموئيل22:2).

فقد كانت النساء تقمن بخدمة الطهي والغسيل والترتيب وما شابه. إضافة إلى ذلك فإنه من المحتمل بأن بنات شيلوه، وهو المكان الذي كان فيه تابوت العهد (قضاة21: 19-23)، كانت لهن خدمة معيَّنة مرتبطة بمكان العبادة.

خامسًا، إن تقديم الذبائح البشرية هي احدى الممارسات الوثنيَّة في الشرق الأدنى القديم، ومن المستحيل جدًا أن الله في زمن العهد القديم قد وافق على ممارستها في إسرَإيل. والحق يقال إن الله حذَّر بشدة من ممارستها. وأوجب عقوبات قاسية على ممارسيها 0تثنية18:9-12، 12: 30-31، لا21:18، 2:20 و 22).

فعندما قام ملك موآب بتقديم بكره ذبيحة دمويَّة أدان الله ذلك بشدة (2ملوك27:3)، وكان أنبياء الله يرفضون بقوة هذه الممارسات الوثنيَّة ويحذرون الشعب من هذا التقليد الوثني (ارميا24:3، 31:7، 19: 4-6، 35:32)، وكان أنبياء الله يرفضون بقوة هذه الممارسة الوثنيَّة ويحذرون الشعب من هذا التقليد الوثني (ارميا24:3، 31:7، 19: 4-6، 35:32، خروج16: 20-21، 23: 37-39).

وفي حادثة تقديم إبراهيم لابنه نرى بأن هدف الله ليس تقديم الذبيحة البشرية بل إظهار الطاعة البشرية (تك12:22). وللأسف نلاحظ أنه بسبب انحدار شعب إسرَإيل الأخلاقي والديني فقد مورست هذه العادة أحيانًا (2ملوك17:17، 16، 3، 6:21، مزمور106: 37-38).

فلو كان يفتاح قد قدم ابنته ذبيحة بشرية لله، لكان قد خالف بذلك الله، وعصى وصاياه الواضحة، ولا توجد أيَّة إشارة إلى أن يفتاح الجلعادي كان عاصيًا لوصايا الله. على العكس تمامًا فقد تحدث عنه النبي صموئيل بصورة إيجابيَّة (1صموئيل11:12)، ووصفه العهد الجديد بأنه بطل من أبطال الإيمان (عبرانيين32:11).

إضافة إلى ذلك فإن الكتاب المقدس يدين موسى عندما أخطأ (تثنية32: 50-52، عدد20: 1-13)، ويدين داود عندما زنى وقتل (2صموئيل12: 1-23)، والأهم من ذلك فإن كاتب كتاب القضاة – حيث ترد قصة يفتاح الجلعادي – يدين القائد جدعون (27:8)، فلو ارتكب يفتاح الجلعادي عملاً غير أخلاقي (لا بل إجرامي!) لكنا نتوقع أن تتم ادانته، أو على الأقل، أن يذكر العهد القديم أو العهد الجديد، وبالأخص كاتب كتاب القضاة تعليقه السلبي على ذلك.

سادسًا، يخبرنا كتاب التلمود (تعنيت4أ) أن نذر يفتاح الجلعادي كان نذرًا غير شرعي، وبناء على ذلك فإنه كان بإمكانه أن يتممه بطريقة أخرى (انظر لاويين27: 2-7)، ولتفرض جدلاً أنه نذر تقديم ابنته ذبيحة دمويَّة فقد كان باستطاعته أن يفي هذا النذر حسب شريعة اللاويين دون أن يقدم ابنته كذبيحة بشرية. إضافة لذلك ينبغي أن لا ننسي أن مقتضيات تقديم الذبائح تفرض تقديم ذبيحة ذكريَّة فقط (لاويين1: 3-10).

سابعًا، ولنفرض جدلاً، أن يفتاح قرر تقديم ابنته ذبيحة بشرية لله فإننا نسأل: أين قدَّمها؟ لقد كانت الذبائح تقدَّم على المذبح في خيمة الشهادة وبواسطة الكهنة اللاويين. فهل يُعقل أن الكهنة اللاويين كانوا يسمحون بذلك، ويقومون بأنفسهم بهذا العمل، وهم على دراية كافية بأن الشريعة تدين تقديم الذبائح البشرية وقد يقول قائل: ربما قدَّمها في مكان خاص وذبحها على مذبح سري.

هذا الرأي مرفوض لأنه إذا أخذنا النص جديًّا فإنه يقول “ففعل بها نذره الذي نذر” والنذر الذي نذره هو تقديمها كمحرقة، فلو كانت المحرقة تعني ذبيحة بشرية فلا يكون قد أتمَّ نذره إلا بتقديمها في المكان المعين لتقديم الذبائح أي مذبح خيمة الشهادة.

ثامنًا، ونتساءل إذا كان الموت هو مصير ابنة يفتاح فلماذا تبتعد عن أبيها لمدة شهرين لتموت بعد هذه المدة وهي ابنته الوحيدة؟ ألم يكن من الأفضل – لو كان الموت حقًا نصيبها – أن تبقي مع والدها لتودعه وتودع الحياة؟ وألا تتطلب عاطفة الأبوة والبنوة ذلك؟ ومن يعلم أنه سيموت بعد شهرين هل يقضيها بالنحيب بدلاً من الاستمتاع بالحياة؟ وأكثر من ذلك، لو أراد يفتاح تقديم ابنته ذبيحة بشرية لله، لانتشر ذلك الخبر خلال مدة الشهرين، كما تنتشر الأخبار بسرعة فائقة في شرقنا، ولتوقعنا تدخل الناس بمنعه عن مثل هذه الفعلة الشنيعة، كما حدث مع شاول وابنه (راجع 1صموئيل28:14، 43-45، 2صموئيل33:18).[2]

أخيرًا، وبالرغم من اعتقادي بحريَّة ما يختار الإنسان فعله، فإن الله العارف بكل الأمور والعليم بالنهاية قبل البداية، كنا نتوقع أنه قد يضطر إلى حجب الانتصار عن يفتاح، لو كان يفتاح مزمعًا أن يذبح ابنته حقًا، الأمر الذي لا يرضاه الله، بل يبغضه ويدينه أيضًا. وهل من المعقول أن الله المحب والعادل يشترك في جريمة يفتاح؟ حاشا لله تعالى فعل ذلك!

 

ماذا نتعلم من قصة يفتاح الجلعادي؟

أولاً، الثقة والاتكال على الله في وسط الظروف المناوئة. وسط الأزمات الشخصيَّة والاجتماعيَّة والوطنيَّة نحتاج إلى وضع الخطط اللازمة والبرامج المناسبة لمواجهة تحديات هذه الأزمات، الأمر الذي فعله القائد العسكري يفتاح الجلعادي، ولكن يفتاح فعل أمرًا آخرًا ألا وهو اعتباره بأن النصر يأتي من الله تعالي. ليتنا لا نكتفي بالثقة بإمكانيتنا وقدراتنا مهما بلغت، بل نضع ثقتنا بالله ونتكل عليه تعالى وسط التحديات التي تواجهنا.

ثانيًا، اتخاذ الموقف الصحيح من النذور. يخبرنا الكتاب المقدس عن نوعين من النذور: نذور غير أنانيَّة (مزمور132: 2-5، أعمال18:18)، ونذور أنانيَّة يصح أن نطلق عليها تعبير “نذور الصفقات” (تكوين28: 20-22، تثنية23: 21و23، عدد21: 1-3، 1صموئيل11:1، 2صموئيل15: 7-8). ينبع النوع الأول من الرغبة في تقديم الشكر والحمد والامتنان لله، لأجل أفضاله وبركاته ونعمه التي لا نستحقها. اما النوع الثاني فهو المتمثل بالموقف: “أعطني يا رب… وبقدر ما تعطيني أعطيك”.

هذا النوع من النذور يدفع صاحبه للتفكير بأنه يستطيع شراء نعمة الله بما ينذر ويعطي، أو أنه بواسطة نذره يؤثر على الله “فيستخدم” الله كاستخدام فانوس علاء الدين السحري لتحقيق مآربه وأهدافه. ينبغي علينا الحذر الشديد من هذا النوع الثاني من النذور، والتفكير مليًّا بدوافعنا ومواقفنا عندما نتعهد بأمر ما لله. من ناحية أخرى، فإن موضوع التعهد لله أو النذر له تعالى، ينبغي أن ينشئ فينا تصميمًا لأهميَّة تحقيق ما نتعهد بنذره (عدد36: 2-13، مزمور4:15، 14:66،11:76، أعمال5: 1-4)، بالطبع بشرط ألا يتعارض النذر مع وصايا الله وتعاليمه.

لقد كان الملك هيرودس في حال من الإثارة والسكر الشديدين، وتعهد بأن يعطي الراقصة ابنة هيروديا كل ما أرادت ولو عادل ذلك نصف مملكته. استشارت الراقصة أمها التي كانت تضمر كل الشر ليوحنا المعمدان، الذي اتخذ موقفًا شجاعًا وحاسمًا من خطايا هيروديا، فطلبت الراقصة رأس يوحنا المعمدان. لا شكَّ أن هذا الطلب يتعارض مع وصايا الله، لقد كان بإمكان هيرودس ألا يتمم هذا النذر (مرقس6: 23-27). ولو كان يفتاح قد نذر بتقديم ابنته ذبيحة بشرية، لكان عليه ألا يتمم هذا النذر لأنه يتعارض مع وصايا الله الواضحة المعلنة في شريعته الإلهيَّة المقدسة.

وأخيرًا، لا بد من القول بأنه بالرغم من أن النذور والتعهدات مقبولة حسب الكتاب المقدس، إلا أنها ليست ضروريَّة في حياة المؤمنين (تثنية22:23). من يدري ربما كان الله سيمنح يفتاح الانتصار سواء نذر أم لم ينذر خاصة وأن روح الرب كان عليه (قضاة29:11)، وما دام مؤمنًا بأن الله هو القاضي العادل (قضاة27:11).

[1] إن استبدال كتابة كلمة “إسرائيل” بالكلمة “إسرَإيل” في هذا الكتاب أمر مقصود، وذلك للتمييز بين الشعب بين الشعب العبري القديم المذكور في كتب العهد القديم وبين شعب دولة إسرائيل الحديثة. من المفيد جدًا أن تقوم الترجمات العربية للعهد القديم وكافة الكتابات المتعلقة بالعهد القديم بإتباع هذا التمييز.

وتجدر الملاحظة إلى أنه ينبغي التمييز أيضًا بين كلمة “فلسطيني” الواردة في العهد القديم لتكتب “فلسطي” لتمييزها عن كلمة “فلسطيني” التي نستعملها في أيامنا للإشارة إلى الفلسطينيين العرب في الأراضي المحتلة أو في الشتات. تميِّز اللغة الإنجليزية بين هذه الأمور باستخدام Palestinians, Philistines, Israelis, Israelites.

إن الترجمة العربية المشتركة للكتاب المقدس، إصدار دار الكتاب المقدس في العالم العربي، التي شارك فيها مجموعة من المترجمين الذين ينتمون إلى الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية، قد أحسنت صنعًا باستخدام كلمة “فلسطي” بدلاً من “فلسطيني” ولكن للأسف لم تعتمد ذلك بالنسبة لكلمة “إسرائيل”. انظر مناقشتى لهذا الأمر في: R. Kassis, “Christian Zionism: A Critique.” Unpublished ThM theses. Vancouver: Regent College, 1993. P. 142. n. 69.

[2] إن وجهة نظري عن مصير ابنة يفتاح تتشابه مع ما تقدِّمه التمثيلية الأدبية التاريخية: الخوري الأسقفي الحايك، عذراء يفتاح (بيروت: صادر 1953)، ولكنها غير مبنيَّة على أساس التمثيلية الأدبية التاريخية.

نذر يفتاح الجلعادي – هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟

تابع دراسة في الذبائح (25) الوجه الثالث من أوجه الصليب ذبيحة الإثم ἀνομία אָשָׁם.

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίαςσΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[3] الوجه الثالث من أوجه الصليب
ذبيحة الإثم –ἀνομία– אָשָׁם
للرجوع للجزء الرابع و العشرون أضغط هنا.

ذبيحة الإثم وبالعبرية אשָׁם – أ ش م = وهو جذر يدل على التعدي والوقع في درجة أعلى من الخطية العادية وتحمل عقوباتها: 
To became guilty. trespass. To judge as guilty. To bear one’s guilty. To suffer punishment due for it. To punish. One which is faulty guilty
ويقابله في اللغة العربية لفظة [إثم] في لسان العرب: [الإثم] الذنب، وقيل هو أن يُعمَل ما لا يحل لهُ… وأَثِم فلان، بالكسر، يأْثَم إثْماً ومَأْثَماً أَي وقع في الإِثْم، فهو آثِم وأَثِيمٌ وأَثُومٌ أَيضاً، وفي مقاييس اللغة: [أثم] الهمزة والثاء والميم تدلُّ على أصلٍ واحد، وهو البطء والتأخُّر. يقال ناقة آثِمةٌ أي متأخِّرة. قال الأعشى: والإثم مشتقٌّ من ذلك، لأنَّ ذا الإثمِ بطيءٌ عن الخير متأخّر عنه.
وفي الإنجليزية تأتي مترجمة من اللغة اليونانية ἀνομία بمعنى 
Lawlessness = chaos, mess, clutter, anarchy, disorder, defiance, recalcitrance, disobedience
عدم شرعية، فوضى، فوضى سياسية, يعوزه الحكومة (أي ليس لدية حكومة), غير خاضع للقانون أو بلا قانون أو تعدي القانون، بلا ناموس، تعدي الناموس، ورطة, فسد, ركام يعوزه النظام, ضوضاء, ضجة، تشويش كامل، اضطراب، شغب، فتنة، فتنة شغب أو محنة، هباء، تحدي، جموح، استخفاف، تعنت، تمرد, عصيان, نشوز, معتل الصحة (وهذا ما سوف نراه في حزقيال 6 في المعنى العبري). 
وأيضاً تأتي في الإنجليزية من الكلمة اليونانية ἀνομίαν
ἀνομίαν = iniquity = practice lawlessness
بمعنى: ظلم, ممارسة الفوضى
وطبعاً تنفرد اللغة العبرية אשָׁם في المعنى الأقوى والأشمل على وجهٍ خاص، فالكلمة تأتي كفعل لازم، بمعنى: أَثِمَ، أَذْنَب، أذنب إلى، تَهاوَن، استهزاء، تعَدَّى الوصية، عَمِلَ ما لا يحق لهُ، خان خيانة، تمرد، وكثيراً ما ترتبط بعبادة الأوثان، مستوجب الحكم، تُهمة بزيادة الإثم، وهي ترتبط بالمجازاة بسبب التمرد أو انقسام القلب، وتأتي كأثر واضح بعقوبة في شكل خراب فني:
  • [ وتدفعه للذي أذنبت إليه ] (عدد 5: 7)
  • [ قد أَثِمَ إثماً إلى الرب ] (لاويين 5: 19)
  • [ أرضها ملآنة إثماً على قدوس إسرائيل ] (إرميا 51: 5)
  • [ فإذا أخطأ وأذنب ] (لاويين 6: 4 (5: 3))
  • وخان خيانة بالرب فقد أذنبت تلك النفس ] (عدد 5: 6)
  • [ وعَمِلوا واحدة من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عَمَلُها وَأَثِمُوا ] (لاويين 4: 13)
  • [ ولما أَثِمَ ببعل ] (هوشع 13: 1)
  • [ الجهال يستهزئون بالإثم ] (أمثال 14: 9)
  • [ تُجازي السامرة لأنها تمردت ] (هوشع 13: 6 (14: 1))
  • [ قد قَسَّموا قُلوبهم الآن يُعاقبون ] (هوشع 10: 2)
  • [ ويتكلم الملك بهذا الكلام كمذنب ] (2صموئيل 14: 13)
  • [ حقاً إننا مُذنبون إلى أخينا ] (تكوين 42: 21)
  • [ فيحملون ذنب إثم ] (لاويين 22: 16)
  • [ بل ازدادَ آمون إثْماً ] (2أخبار 33: 32)
  • [ قد خنتم واتخذتم نساء غريبة لتزيدوا على إثم إسرائيل ] (عزرا 10: 10)
  • [ اللهم إني أخجل وأخزى من أن أرفع يا إلهي وجهي نحوك لأن ذنوبنا قد كثرت فوق رؤوسنا وآثامنا تعاظمت إلى السماء ] (عزرا 9: 6)
  • [ جاء علينا (عقوبة) لأجل أعمالنا الرديئة وآثامنا العظيمة، لأنك قد جازيتنا يا إلهنا أقل من آثامنا ] (عزرا 9: 13)
أما بالنسبة للخراب الفني، والمجازاة على الإثم المرتبط بخيانة الرب وعبادة غيره والحيدان عنه وتلويث المقدسات، في سفر حزقيال يشرح هذا كله بالتفصيل قائلاً:
  • [ قل يا جبال إسرائيل أسمعي كلمة السيد الرب، هكذا قال السيد الرب للجبال وللآكام، للأودية وللأوطئة، هانذا أنا جالب عليكم سيفاً وأُبيد مرتفعاتكم. فتخرب مذابحكم وتتكسر شمساتكم وأطرح قتلاكم قدامأصنامكم. وأضع جثث بني إسرائيل قدام أصنامهم وأُذري عظامكم حول مذابحكم. في كل مساكنكم تقفُرالمدن وتخرُب المرتفعات لكي تقفُر وتخرُب مذابحكم وتنكسر وتزول أصنامكم وتُقطع شمساتكم وتمحى أعمالكم. وتسقط القتلى في وسطكم، فتعلمون إني أنا الرب (أو بغرض أنكم تعلمون إني انا الرب). وأبقي بقية اذ يكون لكم ناجون من السيف بين الأمم عند تذريكم في الأراضي. والناجون منكم يذكرونني بين الأمم الذين يسبون إليهم إذا كسرت قلبهم الزاني الذي حاد عني وعيونهم الزانية وراء أصنامهم ومقتوا أنفسهم لأجل الشرور التي فعلوها في كل رجاساتهم. ويعلمون إني أنا الرب لم أقل باطلاً إني أفعل بهم هذا الشر (العقوبة المستحقة كنتيجة طبيعية لهذا الإثم بسبب خيانة القلب الذي حاد عن الرب عن قصد). هكذا قال السيد الرب اضرب بيدك وأخبط برجلك وقل آه (تعبير عن شدة الندم والأسف القاسي على بلاء النفس) على كل رجاسات بيت إسرائيل الشريرة حتى يسقطوا بالسيف وبالجوع وبالوباء. البعيد يموت بالوباء والقريب يسقط بالسيف والباقي والمنحصر يموت بالجوع فأُتمم غضبي عليهم. فتعلمون إني أنا الرب إذا كانت قتلاهم وسط أصنامهم حول مذابحهم على كل أكمة عالية وفي رؤوس كل الجبال وتحت كل شجرة خضراء وتحت كل بلوطة غبياء، الموضع الذي قربوا فيه رائحة سرور لكل أصنامهم. وأمد يدي عليهم وأُصير الأرض مقفرة وخربة من القفر إلى دبلة في كل مساكنهم، فيعلمون إني أنا الرب ] (حزقيال 6: 3 – 14)
ومن كل هذه الآيات السابقة التي ذكرناها يتضح لنا معنى الإثم وشدة خطورته وتبعاته على الإنسان، لأنه يعتبر إعوجاج وانحراف عن المسار الطبيعي السوي، وفي اللغة اليونانية كترجمة للكلمة العبرية أشام وهي تعني – كما رأينا – تخطي الحدود أو اغتصاب حق الآخرين أو انتهاك ناموس الله والتعدي عليه رغم المعرفة الدقيقة به.


  • أولاً : مفهوم الإثم – ἀνομία
سبق أن شرحنا بالتفصيل ذبيحة الخطية في الجزء السابق، والتي كانت تُقدَّم للتكفير عن شخص المُخطئ على وجه العموم، بينما ذبيحة الإثم تختلف عنها في أنها تُقدم فقط من أجل التكفير عن إثم معين ومُحدد، ولكننا نلاحظ – بالطبع – أن تسميتها هُنا [ ذبيحة الإثم ] لذلك نجد أمامنا سؤال هام للغاية وهو: ما هو الفرق بين الخطية والإثم ؟
توجد عدة كلمات عبرية – كما رأينا – تُترجم بالعربية بكلمة [ إثم ]، ومن أهمها كلمة [ آون אָֽוֶן ] التي وردت 215 مرة في العهد القديم، ومعناها [ اعوجاج أو انحراف ] وهذا الاعوجاج والانحراف أدى لشرّ أو بلية أو لمصيبة كبيرة [ الزارع إثماً يحصد بَلِيَّةً ] (أمثال 22: 8)، وهو بطبعه باطل وغش [ إلى متى تَبيتُ في وسطك أفكارك الباطلة ] (إرميا 4: 14)، لأنه يأتي عادة من عناد القلب: [ والعِناد كالوثن والترافيم ] (1صموئيل 15: 23).
أي باختصار تعني الشرّ باعتباره انحراف واضح عن الحق، فهي مشتقة من الفعل العبري [ أوه אוה ] الذي يعني [ يثني أو يعوَّج ] كما يعني أيضاً [ يُخطئ أو يضل ]، bend. Inflect، وفي تحليل معناه القاموسي يدُل على الشهوة الشديدة لأي شيء والمثيل لهُ، أو شهوة الشرّ الشديدة عن حاجة مُلحة في النفس (عن مشيئة وإرادة) بسبب محبة الشرّ، بسبب التلذذ به والميل النفسي والفكري نحوه بجاذبية خاصة ومُلحة باشتياقٍ شديد، بحنين ولهفة وتوق وتمني، وبخاصة عن الحاجات والغرائز to desire. To long for. To wish.
كما تستخدم العبرية كما رأينا في كلمة [אָשָׁם] للتعبير عن الإثم بالعربية، وهي تعني تخطي الحدود أو اغتصاب حق الآخرين أو انتهاك ناموس الله كما راينا في معناها وشرحناه…


أما في العهد الجديد فكلمة [إثم] هي ترجمة للكلمة اليونانية [أنوميا = ἀνομία] أي بلا ناموس أو تعدي الناموس: [ كل من يفعل الخطية يفعل التعدي (الإثم) أيضاً والخطية هي التعدي ] (1يوحنا 3: 4)، [ الذي تفتخر بالناموس أبتعدي الناموس (إثم) تُهين الله ] (رومية 2: 23).
ونجد أن القديس يوحنا الرسول يقول: [ كل إثم هو خطية ] (1يوحنا 5: 17) حيث يتضح لنا هنا أن الخطية أشمل في معناها من الإثم للتعبير عن تعدي الناموس، فالخطية تعني الفعل نفسه، أما الإثم يعني طبيعة الفعل، فلهذا نقرأ على سبيل المثال: [ أعترف للرب بذنبي (الذي فعلت)، وأنت رفعت آثام خطيئتي (رفعت طبيعة الفعل الذي ارتكبته، الذي حطمني وحطم علاقتي مع شخصك) ] (مزمور 32: 5). ويقول القديس بولس الرسول البارع في ألفاظه وتركيباته اللغوية: [ ولا تُقدموا أعضائكم آلات إثم للخطية … ] (رومية 6: 3).


  • إذن ، فذبيحة الإثم شديدة الارتباط بذبيحة الخطية، لأنه يستحيل فصل الخطية عن المُخطئ، إلا أن الأمر هُنا يتعلَّق بالإثم الذي اقتُرف ضد الله أو ضد القريب الذي هو صورة الله، فالوحي الإلهي يذكر بالتحديد خطايا مُعينة إذا أخطأ بها الإنسان وأذنب ضد الله أو ضد شخص ما، يجب عليه أن يُقدم عنها ذبيحة إثم.

وذبيحة الإثم – كما سوف نرى بأكثر دقة وتفصيل – هي تقدمة كبش في كل الحالات، لأنها فدية عن ذنب مُحدد، لذلك فهي لا تتغير ولا تزيد ولا تنقُص، لأن الخطية في كل الحالات هي التعدي، وذبيحة الإثم تُشير إلى التكفير عن الخطية ذاتها، تلك التي حملها الرب يسوع المسيح في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبرّ (أنظر: 1بطرس 2: 22).

كما كان يلزم من جانب المذنب أن يرد ما أخطأ به ويُزيد عليه خُمسة، فهذه الذبيحة تعتبر للتكفير والتعويض. وهي بالطبع تُشير إلى ذبيحة المسيح الرب، التي هي ذبيحة إثم حقيقية، التي تنبأ عنها إشعياء النبي قائلاً: [ أما الرب فسُرَّ أن يسحقه بالحزن، إنْ جعل نفسه ذبيحة إثم… وعبدي البار بمعرفته يُبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها ] (إشعياء 53: 10و 11). فقد كفر المسيح الرب بموته على الصليب عن كل آثام الإنسان وردَّ لهُ مجده بأكثر مما سلبه الإنسان بخطيته وإثمه، إذ فقد صورة الله ومثاله وتسلط عليه الموت، وأصبح الإثم هو المحرك الأساسي لسلوكه المشين…

تابع دراسة في الذبائح (24) مقارنة بين ذبيحة المحرقة وذبيحة الخطية

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת

                                                       تابع الوجه التطبيقي لذبيحة الخطية
                                                   تابع رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية

                                                  مقارنة بين ذبيحة المحرقة وذبيحة الخطيــــة
                                                 للرجوع للجزء الثالث و العشرون أضغط هنا.

خامساً: مقارنة سريعة بين عمل الذبيحتين (ذبيحة المحرقة وذبيحة الخطية) على الصليب:

إذا ما قرنا بين عمل الذبيحتين على الصليب فسنجد أن:

ذبيحة المحرقة: تُعبَّر عن موقف المسيح الرب على الصليب أمام الآب ببره الشخصي، فينال الرضا والمسرة حتماً وبالضرورة.

 

بينما ذبيحة الخطية: تُعبَّر عن موقف المسيح الرب أمام الآب وعليه نجاسات وكل خطايا الإنسان، أي البشرية بكاملها.

لذلك، فبينما نجد أن ذبيحة المحرقة كانت تُفحص بالسلخ والتقطيع والغسل، إشارة إلى الفحص الذي أثبت برّ المسيح وقداسته، لا نجد مثل هذا الفحص إطلاقاً في ذبيحة الخطية، بل على العكس تماماً كان يخرج بها الكاهن خارج الهيكل وخارج المحلة كلها، إشارة إلى عدم ترائيها أمام الله أو إلى عدم إمكانية رؤية الله لها توضيحاً لجُرم الخطية وشناعتها وقوة الظلمة التي تعتريها، لأن الخطية ظلمة وموت وفساد كما رأينا في كل شرحنا السابق، ويستحيل أن تُرى أمام الله لذلك نجد الرب يسوع وهو على عود الصليب يقدم نفسه كذبيحة خطية وإثم يصرخ قائلاً: إلهي إلهي لماذا تركتني !!!
[ فإن الحيوانات التي يدخُل بدمها عن الخطية إلى الأقداس بيد رئيس الكهنة تُحرق أجسامها خارج المحلة، لذلك يسوع أيضاً لكي يُقدس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب. فلنخرج إذن إليه حاملين عاره ] (عبرانيين13: 11 – 13)، ولنُلاحظ أنه بالرغم من المسيح الرب لم يُحرق جسده خارج الباب (أي خارج أورشليم تماماً) ولكنه حمل خطايا الكثيرين، فدمه محسوب أنه دم محرقة ولو لم تُحرق، لأن النار الإلهية غير المنظورة التي يحملها المسيح الرب كابن الله في جسده، هي التي التهمت الخطايا بالتمام وانهتها وأبطلت قوتها وفعلها، لأن الروح الأزلي الذي في المسيح هو روح الإحراق وروح التطهير [ إذا غسل السيد قذر بنات صهيون ونقى دم أورشليم من وسطها بروح القضاء وبروح الإحراق ] (أشعياء4: 4)

فقوة روح الإحراق في المسيح يسوع الذي يحملها في نفسه للتطهير لغسل قذر الإنسان الذي يأتي إليه تائباً مؤمناً بذبيحة نفسه لأجل خطاياه، هو وضع روحي فائق جداً عن الإحساس والتصور الذي يُحسب أنه (الأرشي تيبوس – αρχέτυπος) للنار المادية التي كانت تأكل جسد ذبيحة المحرقة، وهكذا يُحسب أن النار أحرقت خطايا الشعب التي اعترف بها (كما يحدث حسب الطقس في العهد القديم) على رأس العِجْل أو المعزى. فنار المُحرقة الأرضية هي مجرد صورة باهتة في فعلها بالنسبة للنار الإلهية التي في جسد المسيح الرب على الصليب، لذلك فالصليب يُحسب عن جدارة بأنه هو مذبح المُحرقة الأصلي αρχέτυπος، لأن عليه تم ذبح المسيح الرب، وعليه انسكب دمه (كمذبح). فهنا الوجه الأول للمحرقة داخل الهيكل. ولأن الصليب كان خارج الباب وعليه تم الغفران والكفارة وتم الصُلح وتم القبض على الشيطان، فهذا هو الوجه الآخر للذبيحة القديمة عندما كانت تُحرق خارج المحلة، حيث كانت النار تلتهم خطايا الشعب (نظرياً على مستوى الرمز في العهد القديم) مع لحمها، وتمت حقيقياً وفعلياً على مستوى الواقع العملي في المسيح يسوع: [ مسامحاً لكم بجميع الخطايا، إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض (الناموس) الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مُسمَّراً إياه بالصليب، إذ (عليه بعد أن مزق الصك) جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه (في الصيب) ] (كولوسي2: 13 – 15)

ولنلاحظ أن في وقت واحد وعلى ذات الصليب ولذات الابن الواحد تمت هاتان الذبيحتان معاً (المحرقة والخطية)، ففي الوقت الذي احتجب فيه وجه الآب عن الابن بسبب الخطية التي حملها عن الإنسان، كان في ذات الوقت وعلى الصليب نفسه هو هو بنفسه موضع فرح ومسرة وقبول ورضا الآب بسبب طاعته وبره وكماله الشخصي.

إذن فلا محل لقائل: أن المسيح الرب جاز فترة ما بعيداً عن الآب، أو أن الآب انفصل عنه وتركه لأنهم جوهر واحد لا انفصال فيه، ويتكل أحد على شرح “لماذا تركتني” بهذا المعنى، ولكنه كان يُكمل عملين في وقت واحد معاً…

كذلك ليس صحيحاً على الإطلاق ما يقوله بعض الشراح الغير فاهمين لسرّ عمل المسيح وسرّ الثالوث القدوس، قائلين: إن المسيح عندما قال “إلهي إلهي لماذا تركتني” كان يتكلم بناسوته. هذا افتراء على المسيح الرب المتحد جسده بلاهوته بغير افتراق، فهذا افتراء على المسيح الرب وتقسيم فاضح لطبيعته الواحدة، لأن [ ناسوته لم يفارق لاهوته قط ولا للحظة واحدة ولا ترفة عين ] كما نقول في القداس الإلهي . فاللاهوت لم يفارق الناسوت في المسيح الرب، لا في قول ولا في عمل ولا في فعل، وإلا نكون قد قضينا على التجسد وخسرنا الوحدة وفقدنا خلاصنا.

كذلك أيضاً يُخطأ جداً من يقول: أنه يتكلم كإنسان تحت الآلام مثلنا عندما قال: [ فلتعبر عني هذه الكأس ] (متى26: 39)، لأن المسيح الرب في قوله “لماذا تركتني” أو في قوله “فلتعبر عني هذه الكأس” لم يتغير عن كونه المسيح الرب الذي قال:
[ أنا والأب واحد ] (يوحنا10: 30)؛ و[ الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال ] (يوحنا14: 10)؛ و[ الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب ] (يوحنا1: 18)؛ و[ ابن الإنسان (الذي على الأرض) هو في السماء ] (يوحنا3: 13).
فهو لم ينقسم على نفسه قط، ولا انقسمت طبيعته قط ولا تكلم بلسانين (مرة بلسان بشر ومرة بلسان إله)، ولا أبدى مشيئتين (مرة مشيئة بشرية، ومرة أخرى مشيئة إلهية، وذلك حسب الموقف كما يدَّعي البعض)، ولا عمل عملاً نسخ به عملاً سابقاً قط، ولكن الحقيقة تكمن في أن المسيح الرب القدوس الله المتجسد عمل عملاً واسع الاختصاصات وأكمل بالصليب صوراً عديدة متضاعفة متعددة الآثار، وينبغي أن لا ننسى إطلاقاً حقيقة مطلقة أنه هو الله الكلمة المتجسد، الله الظاهر في الجسد، وكل ما فعله المسيح الرب فعله كمسيح واحد وليس مسيحان أو شخصيتان منفصلتان قط …
عموماً في كل هذه العثرات في الشرح والفهم، فالعيب والذنب ليس على الله، بل العيب في الإنسانية الشقية التي فتحت حصنها الإلهي وهو العقل للشيطان، ومكنته من احتلال أركانه فأظلم وسقط تماماً ولم يقدر أن يستوعب أسرار الله وعمله فلم يُضيئ إنجيل المسيح أمام هذا العقل المُعتم [ الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تُضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله ] (2كورنثوس4: 4). ولكن قد أتى المسيح الرب ليعمل ويُصلح ويُصالح ويُجدد هذه الأركان الضعيفة في الإنسان الساقط ويُقيمه مرة أخرى بما هو أعظم مما كان فيه …

نعود للصليب مرة أخرى والمقارنة بين الذبيحتين، لنجد أن المسيح الرب أكمل ذبيحتين ليُكمل عملين متلازمين بشدة:

الأول وهو

تقديم بره الشخصي في طاعة مُحكمة ومشيئة كاملة مُذعنة حتى الموت، موت الصليب بسرور [ قدم نفسه لله بلا عيب ] (1بطرس1: 19)، فَقُبِلَ مُرضياً عنه كرائحة سرور أمام الآب = ذبيحة المحرقة

الثاني وهو

تقديم نفسه حاملاً خطايا الإنسان ونجاساته [ في جسده على الخشبة ] (1بطرس2: 24)، متألماً مُتمنعاً (إذ لم يكن معقولاً أن يحمل الخطية في جسده بسرور!!) وقد قَبِلَ بحزن عظيم أن يُصلب خارج أورشليم كحامل عار ولعنة الإنسان كخاطي وتعدٍ على وصية الله = ذبيحة خطية.

ومن هُنا وعلى هذا الضوء نستطيع أن نفهم المفارقة بين الآيات والمواقف ونستوعب سرها:

  • + ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية – متى20: 28
  • لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة – يوحنا12: 27
  • وابتدأ يُعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي (يتحتم أو يجب بالضرورة) أن يتألم كثيراً ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل… وقال القول علانية فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره، فالتفت وابصر تلاميذه فانتهر بطرس قائلاً: اذهب عني يا شيطان لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس – مرقس8: 31، 32 [ هذا أخذتموه مُسَلَّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه ] (أعمال2: 23)
  • الكأس الذي اعطاني الآب ألا أشربها (قال هذا عند قطع بطرس لأُذن مَلْخُس عبد رئيس الكهنة ليلة القبض عليه في جثسيماني) – يوحنا18: 11
  • + طعامي ان أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله – يوحنا4: 34
  • ثم قال ها أنذا آجيء لأفعل مشيئتك يا الله… فبهذه المشيئة نحن مُقدسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة – عبرانيين10: 9و 10
  • الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه – يوحنا13: 31
  • بذلت ظهري للضاربين، وخديَّ للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق. والسيد الرب يُعينني لذلك لا أخجل، جعلت وجهي كالصوان، وعرفت أني لا أخزى – أشعياء50: 6، 7
  • وابتدأ يحزن ويكتئب، فقال لهم نفسي حزينة جداً حتى الموت. ثم تقدم قليلاً وخر على وجهه وكان يُصلي قائلاً: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس [ وفي نفس ذات الوقت يقول وهو يُريد بمسرة لأن يُتمم مشيئة الآب – وهذا تناقض بالنسبة للعقل البشري ] ولكن ليس كما أُريد انا بل كما تُريد أنت [ الكأس الذي أعطاني الآب ألا اشربها ] … فمضى ثانية وصلى قائلاً: ذلك الكلام بعينه – متى26: 37و 38و 39و 42و 44
  • ثم تقدم قليلاً وخَرَّ على الأرض وكان يُصلي لكي تعبُر عنه الساعة إن أمكن وقال: يا أبا الآب كل شيء مستطاع لك فأُجيز عني هذه الكأس، ولكن ليكن لا ما أُريد أنا بل ما تُريد أنت… ومضى أيضاً وصلى قائلاً ذلك الكلام بعينه – مرقس14: 35و 36و 39
  • + يا ابتاه إن شئت أن تُجيز عني هذه الكأس – لوقا22: 42

ولنقارن هذه الآيات على ضوء ما سبق:

(يوحنا4: 34) طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني  (متى26: 37) نفسي حزينة جداً حتى الموت
(متى20: 28) ابن الإنسان يبذل نفسه، أتيت لهذه الساعة – (مرقس14: 35) كان يُصلي لكي تعبر عنه الساعة أن أمكن
(يوحنا12: 27) الكاس التي أعطاني الآب ألا اشربها  (مر14: 36) يا أبا الآب كل شيء مستطاع لك فأُجيز عني هذه الكأس

فسنجد أن الآيات السابقة – في هذا الجدول الأخير والبسيط – والتي على اليمين تكشف عن سرور تتميم مشيئة الآب = ذبيحة المحرقة، والتي على اليسار حزن بسبب حَمل الخطية والعار = ذبيحة الخطية.

 

تابع دراسة في الذبائح (23) ذبيحة الخطية חַטָּאת المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية.

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת

                                                        الوجه التطبيقي لذبيحة الخطية
                                                   رابعا: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية
                                                   للرجوع للجزء الثانى عشر اضغط هنـا.

رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية

بعد أن تعرفنا على معنى الخطية ومفهومها الصحيح حسب الكتاب المقدس ككل وعلى ضوء التقليد اليهودي المتشبع من العهد القديم، ووقفنا على مدى خطورتها وفعلها في الإنسان الذي شوه طبعه الخاص المخلوق على صورة الله ومال نحوها بحريته وحده إذ هو الذي اختطف لنفسه قضية الموت لذلك استمر يعمل فيه الموت ولم يستطع يرفع نظره نحو الله بطهر وبراءة ليستحق رؤياه او التعامل معه، وتعرفنا على شروط تقديمها والمناسبات التي تُقدم فيها، فلنا الآن أن ندخل في عمق معناها التطبيقي بالنسبة لعمل المسيح كذبيحة خطية عن العالم كله، وقد رأينا في شرح ذبيحة المحرقة السالفة الذكر والشرح إذ أنها أول ذبيحة نشرحها وهي المقدمة أولاً كما سبق ورأينا، فقد تعرفنا فيها على المسيح الرب كذبيحة محرقة يتقدم إلى الصليب بإرادته وحده وسلطانه بكل مسرة، ليُكمل الطاعة، طاعة الابن للآب، ليصير كفارة عن عدم طاعة الإنسان لله، فقبله ابوه كذبيحة للرضا والمسرة التامة، ولكن في ذبيحة الخطية ينكشف وجه آخر من أوجُه الصليب، فلا نسمع في ذبيحة الخطية أنها للرضا والمسرة ولا أنها رائحة سرور مثل ذبيحة المحرقة [ فيما عدا الاستثناء الوارد في لاويين4: 31 ( وجميع شحمها – ذبيحة الخطية لأحد العامة – ينزعه كما نزع الشحم عن ذبيحة السلامة ويُوقد الكاهن على المذبح رائحة سرور للرب ويُكفر عنه الكاهن فيصفح عنه ) ]، بل نسمع فقط – عموماً – أن مُقدمها يضع يديه عليها معترفاً بخطاياه، فتُنقل خطاياه منه إلى ذبيحته؛ فتُساق الذبيحة للموت عوضاً عنه.

هكذا رأينا ايضاً – بوضوح شديد – هذا العمل يكمُل على الصليب، إذ تقدم المسيح حمل الله حاملاً خطايا وآثام ونجاسات الإنسان (كل إنسان): [ الذي حمل – Carried up – هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت (يُزال من أو يرحل بعيداً) عن الخطايا فنحيا للبرّ الذي بجلدته (بجراحه) شُفيتم ] (1بطرس2: 24) [ سكب للموت نفسه وأُحصيَّ مع أثمة، وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين، لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها، وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحُبُره (جرحه أو جراحاته) شُفينا ] (أنظر أشعياء 53)، [ فإن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل خطايانا (كلنا)، البار من أجل الأثمة، لكي (بهدف) يُقربنا إلى الله مُماتاً في الجسد ولكن محيى في الروح ] (1بطرس3: 18).. 

وطبعاً القديس بطرس الرسول حينما قال أنه مات لأجلنا لم يكن يقولها استنتاجاً أو تخميناً أو حتى لم يكتب كل هذا الكلام من نفسه بل لأنه سمعها من فم الرب نفسه في العشاء الأخير حينما قال بنفسه: [ هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين ] (مرقس14: 24)، والكنيسة أخذت هذا تقليداً من فم الرب وصار تقليد رسولي ظاهراً جداً في صلوات الإفخارستيا إلى هذا اليوم بل وإلى يوم مجيئه العظيم، وهذا هو منبع تسبحة المسيح التقليدية في الكنيسة الأولى وإلى يومنا هذا …

إذن نرى في هذه التقدمة – ذبيحة الخطية – أن لا مجال للمسرة فيها، ولا يوجد فيها موضع لرضا، بل على النقيض تماماً نجد أن الآب يحجب وجهه من هذه الناحية، أو على الأوضح ينحجب وجه الآب عنه، بسبب ما يحمله في جسده من نجاسات الإنسان وخطاياه العديدة والشنيعة كلها، أو باختصار حجب وجهه عنه حينما كان في موقف العار والفضيحة حاملاً كل أوجاع الإنسان الداخلية والتي فصلته عن الله (أي فصلت الإنسان عن الله ولا نتكلم هنا عن أنه يوجد انفصال بين الابن والآب لأنهم من نفس ذات الطبيعة والجوهر لا ينفصلوا قط وهذه استحاله مطلقة أن تحدث في الله قط) : [ إذ صار لعنة لأجلنا ] (غلاطية3: 13)
ولا ينبغي أن نفهم أن المسيح يسوع نفسه هو اللعنة، لأن هذا يستحيل، بل هو الذي حمل اللعنة على نفسه، ويقول القديس اثناسيوس الرسولي: [ لا نفهم من هذا ببساطة أن المسيح بكليته صار خطية أو لعنة، إنما حَمَلَ اللعنة التي علينا ]

يا إخوتي ينبغي أن نفهم الإنجيل في إطاره الصحيح لئلا نخرج بمفاهيم مغلوطة تقدم المسيح الرب وكأنه هو بشخصه اللعنة كما يفهم البعض خطأ، فقد شرح القديس بطرس الرسول وأثبت أن المسيح تألم وهو بريء مما نُسب إليه، لذلك فآلامه آلام كفارة عن الآخرين وليس عن نفسه هو شخصياً، وإذ هو نفسه المذبوح على الصليب أصبح هو الذبيحة وهو الكاهن معاً، وطبعاً قد سبق وذكرنا كلمات القديس بطرس الرسول مع كلمات وآيات أشعياء النبي كما رأينا، ومضمون الفقرتين معاً ليس فقط أن الرب قدم نفسه ذبيحة خطية أنه يُنجينا ويفدينا من الخطية، بل القصد أن يفكنا من قيد الخطية وحبسها وعبوديتها، لذلك تتجه الفقرتان إلى التعليم الأبدي الذي تقدمه لنا من جهة خبرة حرية مجد أولاد الله في المسيح يسوع لننفك من تحت سلطان الخطية والموت لندخل في عهد حرية مجد أولاد الله لنصير [ رعية مع القديسين وأهل بيت الله ] (أفسس2: 19).

ففي آية القديس بطرس الرسول [ الذي حمل هو نفسه خطايانا ] مقتبسة من إشعياء (53: 4)، مظهراً أن المسيح كعبد الله (بحسب أنه اتخذ جسداً حاملاً جسم بشريتنا نحن العبيد) هو حمل الله الوديع القدوس البار الذي حَمَلَ ليس خطاياه هو ولكن خطايانا نحن، وحملها كما يقول في جسده على الخشبة، وقد أتى تعبير القديس بطرس الرسول [ حمل هو خطايانا في جسده على الخشبة ] على أساس الآيات السابقة في نفس ذات الإصحاح وقبل هذه الآية، أنه لم يفعل خطية ولا وُجِدَ في فمه غش…

ولكن كيف وهو القوس البار، بل ومطلق القداسة والبرّ، يحمل خطايانا نحن البشر الأشرار ؟!!!

من جهة كيفيه حمل خطايانا وهو البار والذي لم يوجد في فمه غش وهو الذي قال [ من منكم يبكتني على خطية فأن كنت أقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بي ] (يوحنا8: 46) ، فأن بداية حمل خطايانا في جثسيماني عندما صلى ثلاثة مرات بلجاجة أن يعفيه الله من شرب هذه الكأس [ يا أبتاه إن شئت أن تُجيز عني هذه الكأس ] (لوقا22: 42؛ متى26: 41 – 42).

وهنا يلزمنا أن نُلاحظ ونُدقق لكي نفهم عمل المسيح الرب بوضوح ودقة شديدة، فهو لم يكن خائفاً من الموت أو جزعاً منه أو كارهاً له أو في صراع ما بين ان يقبل الصليب والآلام أم يرفضها إطلاقاً، فأن المسيح الرب بسبب حمله خطايانا الشنيعة كلها يعود فوق الصليب على مرأى ومسمع من الجميع يصرخ قائلاً: [ إلهي إلهي لماذا تركتني ] (متى27: 46)، وهنا يتضح آية جثماني ومعناها الحقيقي، وهذا لأنه وقف ضمنياً موقف الخطاة أو بالأحرى موقف الخطية ذاتها: [ الذي لم يعرف خطية (مطلقاً) صار خطية لأجلنا ] (2كورنثوس5: 21)، ومن المعروف جيداً لدينا بيقين أن الله لا يرى الخطية أو يتعامل معها لا من قريب ولا من بعيد، لأن الظلمة يستحيل جمعها مع نور قط، ومن أجل ذلك أحتجب وجه الآب عن المسيح حامل الخطية على صورة ما، لا نستطيع ان ندركها أو نفهمها لأنها سر صنعه المسيح مع أنه ظل بار وقدوس (مطلق القداسة والبرّ) لا يعرف الخطية قط، وطبعاً لن نعود نكرر أن المسيح الرب ليس هو الخطية بل الحامل الخطية.

ولذلك لن نعود نستغرب أو نتعجب من تعبير الرب مُخلصنا الصالح الذي عَبَّرَ عن شناعة هذا الوجه من الصليب (ذبيحة الخطية) بقوله: [ إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ]، مع أننا سمعناه في الذبيحة السابقة (ذبيحة المحرقة) وهو في صورة الابن البار الطائع الآب حتى الموت إذ قال: [ الكأس التي أعطاني الآب ألا اشربها ]، إذن ففي الصليب عملان متداخلان يظهران، وكأنهما متعارضان، ولكن لم يَدَعْ الطقس في القديم محلاً لتعارُض ولا لاعتراض؛ فالمسيح الرب أكمل على الصليب ذبيحتين معاً : ذبيحة محرقة للرضا والسرور،وذبيحة خطية ولعنة

وكان من اللائق به أن يفرح بالصليب ويُقبل إليه كعلامة طاعة (ذبيحة محرقة كما شرحناها سابقاً في نفس ذات هذه السلسة) وإظهار برّ البنوة المطلق الذي له، وكان يليق أيضاً أن يرتعب ويفزع منه كخشبة عار وعلامة لعنة بسبب الخطية. فهو يحمل الخطايا التي منها التجديف والزنا والعداوة والقتل والبغضة وغيرها من الخطايا الشنيعة، التي وجد أنه لو حملها لا يستطيع ان يقف أمام الآب، وإلا كيف أن ابن الله يجدف على الله أبيه الذي هو معه واحد في الجوهر، وكيف للمسيح البار الذي لا يوجد في فمه غش ولا شبه خطية حتى أن يلقب كخاطئ ويحملها فعلاً بكل جرمها على الصليب، كيف له أن يقف كمتعدٍ وخاطئ، فيتم حجب وجه الآب عنه، وهو يرتضي بهذا كله قائلاً [ لتكن مشيئتك ولا مشيئتي ]، وهو يظهر سرّ إخلائه العجيب منتظراً أن يُتمم مشيئة الآب التي هي عينها نفس ذات مشيئته أيضاً كما سبق ووضحنا، وحَمَلَ خطايا كل بني آدم في جسده، وهذا كله لأجلنا نحن ونحن لا نشعر بقيمة عمله العظيم جداً !!!

——————————————————————————

تابع رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية
+ المسيح حمل خطايا كل البشر بسبب اتخاذه جسداً (لماذا اتخذ الله جسداً)

المسيح كلمة الله اللوغوس حينما تجسد أخذ جسداً بشرياً وظهر في هيئة إنسان، حل فيه ملء اللاهوت جسدياً (كولوسي2: 9)؛ وبهذا أخذ جسده الخاص صفة اللاهوت وهو عدم المحدودية، وبهذه الصفة الإلهية امتد جسده ليشمل كل أجساد البشرية بطريقة ما وبالتالي خطاياها كلها أخذها في جسده – حسب السرّ والتدبير (أي سرّ التجسد) – حسب مشيئة الآب ليتمم خلاص كل إنسان يؤمن به: [ وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ] (فيلبي2: 8).

ولنا أن نستوعب سرّ التجسد الآن ونفهم لماذا لم يظهر الله في أي شيء آخر ولم يبهر الإنسان بظهوره المُحيي، فالمسيح الرب [ لم يظهر عن طريق أجزاء أُخرى من الخليقة أكثر سمواً من الإنسان، فهو لم يأتي لكي يتظاهر أو يستعرض نفسه، بل جاء لكي يُشفي ويُعلم الذين هم تحت الآلام، فالمعلم الصالح لا يتعالى على تلاميذه بل يتباسط معهم من أجل منفعتهم، فطريقة الذي يُريد أن يتظاهر، هي مجرد أن يظهر ويبهر عيون الناظرين ( وهذا هو تصور الإنسان الساقط عن الله فيرى أن الله عظيم من جهة الإبهار، وذلك لأن الإنسان دائماً ينظر للقوة المطلقة لتحقيق ذاته وكبرياء نفسه وهذا ما يسقطه على الله، لذلك نجد أن الكثيرين من الناس لا يقبلون التجسد الإلهي إطلاقاً وبالتالي يتعثرون في الصليب، وبالتالي لا يعلمون أن الذي يأتي ليُشفي جرح الإنسانية المتعبة وشفاء كسرها الذي صار بالموت، وقد أتى ليُعلِّم طريق الخلاص المؤدي للحياة)، فطريقته هي ألاَّ يكتفي بمجرد حلوله بيننا (وظهوره وسطنا) بل أن يُقدم ذاته لمساعدة من هم في احتياج، وأن يَظهر لهم بالقدر الذي يحتمله أولئك الذين هم في حاجة إليه، لئلا إذا زاد (ظهوره) عن القدر الذي يحتاجه المتألمون فقد يُسبب هذا اضطراباً لنفس الأشخاص الذين يحتاجونه، مما يجعل ظهور الله عديم النفع بالنسبة لهم. (لأننا رأينا المسيح الرب في التجلي وقد لمع وجهه وحتى ملابسة أكثر من ضياء الشمس الطبيعية فسقط التلاميذ ولم يحتملوا قط، فكم وكم أن ظهر بملء لاهوته العظيم أمام أعين الكل بدون جسد، فكم سيسقط الكل موتى لا يحتملون شدة بهاء مجد قداسته المرعب للساكنين في الظلمة والتي ملك عليهم الموت والفساد !!!)
(والمسيح الرب ظهر كطبيب حقيقي له القدرة المطلقة على الشفاء، والطبيب الحقيقي الذي له القدرة على شفاء الناس) في مرات كثيرة يضع أدوية على الجروح حسب ما يرى هو أنها نافعة ومُفيدة للمرض، رغم من أن الكثيرين يظنون أنها غير مناسبة، والطبيب يهدف دائماً إلى شفاء مرضاه، (لذلك فلنلاحظ أن الحديث عن الشفاء الذي تممه كلمة الله بتجسده ظهر بوضوح في إشعياء 53 كما سبق ورأينا إذ قال [ وبجراحاته شُفينا ] (أشعياء53: 5) وأيضاً في المزامير [ أرسل كلمته فشفاهم ] (مزمور107: 20)، فكل ما يسخر منه البشر كأمر غير لائق، هذا يجعله الله بصلاحه لائقاً ] (القديس اثناسيوس الرسولي – بعض أجزاء من فقرات كتاب تجسد الكلمة فصل 43؛ فصل 1: 1؛ فصل 2: 1؛ + الرسالة إلى ديونيسيوس الإسكندري، وما وضع بين قوسين للتوضيح وربط الفقرات مع بعضها البعض)

يا إخوتي لنتعمق ونتأمل جيداً فيما قلنا ونعود لنوضح بأكثر تفصيل قائلين: الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وفسدت الطبيعة البشرية ولم يعد في استطاعتها أن ترى الله ولا تنظر هيئته، لأنها صارت ظلمة ولا تستطيع ان تقترب من النور لذلك قال الله لموسى حينما طلب أن يراه: [ وقال (الله لموسى) لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش ] (خروج33: 20)، فالإنسان بسبب الظلمة والفساد لا يستطيع أن يعرف الله الحياة، لأنه ذاق الموت في الجسد، وأصبح فاسد كُلياً ليس فيه شيء صالح لكي يستطيع أن يتعرف على صلاح الله ويدخل في شركة معه، لأنه تستحيل للظلمة أن تثبت أمام النور، كما أنه لا يستطع أحد أن ينظر ويتفرس للشمس الطبيعية والمخلوقة بإحدى عينيه لئلا يعمى ويفقد نظره تماماً ولا يستطيع أن يُبصر مرة أخرى، فكم يكون حاله أن حاول أن ينظر لنور الله الذي يفوق الشمس في القوة والمجد والبهاء، وكيف للفاسد ان يحيا مع عدم الفساد، وكيف لمن انتن في قبر الموت يستطيع أن يقف مرة أخرى ويُشارك الأحياء، ولأن الفساد لا يتوقف أن لم يأتي عديم الفساد ليبطل قوته ويُميته، لذلك أتى الغير الفاسد الله الكلمة ولبس الجسد القابل للموت، وإذ أتحد بجسم بشريتنا اتحاداً حقيقياً غير قابل للانفصال، فأصبح نائباً عن البشرية ككل، وباشتراك الجسد في عدم موت الله الكلمة المتجسد، أُوقف فساد الجنس البشري، لأن الكلمة بتجسده أرتضى أن يحمل كل أوجاع البشرية وموتها المحتوم في جسده الشبيه لنا في كل شيء ما خلا الخطيئة وحدها، ولكونه فوق الجميع لأنه الله الكلمة بالحقيقة فقد جعل جسده ذبيحة لأجل الجميع، ولكونه واحداً معنا فعلاً ألبسنا عدم الفساد وأدخلنا في شركة حيه مع الآب في شخصه المتحد بنا اتحاداً حقيقياً لا رمزية فيه، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي:

[ فقد أدرك الكلمة جيداً أنه لم يكن ممكناً أن يُقضى على فساد البشرية بأي طريقة أُخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير المُمكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يُصبح جديراً ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به. ومن ذلك الحين فصاعداً يُمنع الفساد من أن يسري في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات. لذلك قَدَّمَ للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدسة وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فوراً عن جميع نظرائه البشر .

ولأن كلمة الله هو فوق الجميع فقد كان لائقاً أن يُقدم هيكله الخاص وأداته البشرية فدية عن حياة الجميع موفياً دين الجميع بموته. وهكذا باتخاذه جسداً مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأمواتولم يعد الفساد الفعلي بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده.
وكما أنه عندما يدخل أحد الملوك العظام إلى مدينة عظيمة، ويسكن في أحد بيوتها فإن المدينة كلها تُكرَّمه أعظم تكريم ولا يجرؤ أي عدو أو عصابة أن تدخل إليها أو تحطمها، بل على العكس تكون جديرة بكل عناية واهتمام بسبب سُكنى الملك في أحد بيوتها، هكذا كان الحال مع ملك الكل.
والآن، لأنه قد جاء إلى عالمنا وسكن في جسد مماثل لأجسادنا، فقد بَطُلت منذ ذلك الحين كل مؤامرة العدو ضد البشر وأُبطل فساد الموت الذي كان سائداً عليهم من قبل، لأن الجنس البشري كان سيهلك بالتمام لو لم يكن رب الكل ومُخلص الجميع ابن الله قد جاء ليضع حداً للموت. ] (القديس اثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة الفصل التاسع: 1 – 4)

ويقول أيضاً: [ وفي الحقيقة فإن هذا العمل العظيم (التجسد) هو لائق بدرجة فائقة بصلاح الله. لأنه إذا أسس ملك منزلاً أو مدينة ثم تسبب إهمال سكانها، حاربها اللصوص، فإنه لا يُهملها قط، بل ينتقم من اللصوص ويُخلصها لأنها صنعة يديه وهو غير ناظر إلى إهمال سكانها، بل بما ما يليق به هو ذاته (فإهمال البشر يقابله عدم إهمال الله، فالإهمال لا يليق بصلاح الله تجسد الكلمة فصل2: 1).

هكذا وبالأكثر جداً فإن كلمة الآب كلي الصلاح، لم يتخلى عن الجنس البشري الذي خُلِقَ بواسطته، ولم يتركه ينحدر إلى الفناء. بل أبطل الموت الذي حدث نتيجة التعدي، بتقديم جسده الخاص. ثم قوَّم إهمالهم بتعاليمه، وبقوته الخاصة أصلح كل أحوال البشر.
وهذه كلها يُمكن للمرء أن يتحققها مما قاله الكُتاب (التلاميذ الرسل) الموحى إليهم عن المُخلِّص، إذا قرأ أحدٌ، ما كُتِبَ بواسطتهم حيث يقولون: ” لأن محبة المسيح تحصرنا، إذ نحن نحسب هذا إنه أن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذاً ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي لا نعيش فيما بعد لأنفسنا، بل للذي مات لأجلنا وقام ربنا يسوع المسيح ” . وأيضاً: ” لكن الذي وُضِعَ قليلاً عن الملائكة (باتخاذه جسداً بشرياً) نراه مُكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد ” (عب2: 9).

وبعد ذلك يوضح السبب الذي من أجله كان ضرورياً أن الله الكلمة نفسه وليس آخر سواه هو الذي يتجسدفيقول: ” لأنه لاق (لائق) بذلك الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يُكمل رئيس خلاصهم بالآلام ” (عب2: 10). وهو بهذا يقصد أن يوضح أنه لم يكن أحدٌ آخر يستطيع أن يسترد البشر من الفساد الذي حدث (نتيجة السقوط) غير كلمة الله الذي خلقهم في البداية.
وأيضاً أشار الرسول إلى أن الكلمة بذاته أتخذ لنفسه جسداً ليُقدمه ذبيحة عن الأجساد المُماثلة قائلاً: ” فإذ تشارك الأولاد في اللحم والدم أشترك هو أيضاً فيهما لكي يُبيد بالموت ذلك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية ” (عب2: 14و 15).
لأن بذبيحة جسده الذاتي وضع نهاية لناموس الموت الذي كان قائماً ضدنا. وصنع لنا بداية جديدة للحياة برجاء القيامة الذي أعطاه لنا. لأنه إن كان بإنسان واحد (آدم) قد ساد الموت على البشر، ولهذا أيضاً فبسبب تأنس كلمة الله فقد حدثت إبادة للموت وتمت قيامة الحياة كما يقول لابس المسيح بولس: ” فإنه إذ الموت بإنسان،بإنسان أيضاً قيامة الأموات لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع ” (1كو15: 21 – 22)، وبالتالي فنحن الآن لا نموت بعد كمُدانين، بل كأُناس يقومون من الموت ننتظر القيامة العامة للجميعوالتي سيُبينها في أوقاتها التي يُحددها الله الذي أتمها والذي وهبنا إياها ] (القديس اثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة الفصل10: 1 – 5)

تابع دراسة في الذبائح (22) ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת

                                                  ثانياً : ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها 
                                                  للرجوع للجزء الحادى و العشرون أضغط هنـا.

ثانياً : ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها 

المقصود بالطبع بذبيحة الخطية هي إعادة الصلة بالله بعد أن عُرضَّت للخطر بسبب الخطايا الغير المتعمدة [إذا أخطأت نفس سهواً في شيء من جميع مناهي الرب ] (لاويين4: 2) أو بسبب حالة نجاسة [ ثم يعمل الكاهن ذبيحة الخطية ويُكفرّ عن المُتطهر من نجاسته ] (لاويين14: 19) …
عموماً أننا نجد أن بعد ما كلم الله موسى عن القرابين المقدمة وقود رائحة سرور للرب على مذبح المحرقة في خيمة الاجتماع [ ذبيحة المحرقة ] كلمه عن الذبائح التي يلزم تقديمها في حال الخطأ السهو، ولا تقل بالطبع هذه الذبائح في أهميتها عن الذبائح المقدمة كذبيحة محرقة رائحة سرور للرب، لأنها تُكمل الصورة التي تُشير إلى ذبيحة الصليب في جانب من أهم جوانبها وهو الفداء والكفَّارة والتكفير عن خطايا العالم كله. ونجد أن هناك أربعة تقسيمات كبرى بالنسبة لتقديم ذبيحة الخطية وهي :

(1) ذبيحة خطية الكاهن [لاويين 4: 3 – 12]؛ (2) الجمهور كله أو الشعب أو الجماعة كلها [لاويين 4: 13 – 21]؛ (3) الرئيس (رئيس الجماعة أو القائد) [لاويين 4: 22 – 26]؛ (4)الشخص العادي من الجماعة أو الشعب [لاويين 4: 27 – لاويين 5: 13 ؛ لاويين 4: 27 – 35 ؛ لاويين 5: 1 – 6 وهو يُقدم أحكاماً خاصة للخطايا المستترة، وفي لاويين 5: 7 – 13 يٌقدم امتيازاً خاصاً للفقراء]

 

  • متى تُقدم ذبيحة الخطية [ لاويين 4؛ 5 ]

1 – إذا أخطأت نفس سهواً في شيء من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها و عملت واحدة منها (4: 2)
نجد أن أول شرط لتقديم الذبيحة هو إذا أخطأت نفس سهواً أو عن غير دراية من جميع مناهي الرب التي نهى عنها واكتشفت هذه الخطية عليها أن تقرب عنها ذبيحة الخطية، وكذلك أن سمع أحد حلفاناً ولم يُخبر به، أو إذا مس شيئاً نجساً من غير وعي، أو إذا حلف مفرطاً بشفتيه [ وإذا أخطا أحد وسمع صوت حلف وهو شاهد يبصر أو يعرف فأن لم يُخبر به حمل ذنبه (المقصود هنا في حالة الشهادة أمام القضاء). أو إذا مس أحد شيئاً نجساً، جثة وحش نجس أو جثة بهيمة نجسة أو جثة دبيب نجس وأُخفيَّ عنه (بدون وعي منه) فهو نجس ومذنب. أو إذا مس نجاسة إنسان من جميع نجاساته التي يتنجس بها وأُخفيَّ عنه ثم علم فهو مذنب. أو إذا حلف أحد مفرطاً بشفتيه للإساءة أو للإحسان من جميع ما يفترط به الإنسان في اليمين (أمام القضاء) وأُخفيَّ عنه ثم علم فهو مذنب في شيء من ذلك. فان كان يذنب في شيء من هذه يقر بما قد أخطأ به. ويأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه عن خطيته ] (5: 1 – 6)

2 – إن كان الكاهن الممسوح يخطئ لإثم الشعب (لعثرة الشعب – يتسبب في عثرة الشعب) يقرب عن خطيته التي أخطأ ثوراً ابن بقر صحيحا للرب ذبيحة خطية (4: 3)، أو [ إن سها كل جماعة إسرائيل وأُخفي أمر عن أعين المجمع وعملوا واحدة من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها وأثموا. ثم عُرفت الخطية التي أخطأوا بها يقرب المجمع (الجمع) ثوراً ابن بقر ذبيحة خطية يأتون به إلى قدام خيمة الاجتماع. ويضع شيوخ الجماعة أيديهم على رأس الثور أمام الرب و يذبح الثور أمام الرب ] (4: 13 – 15) 
ونرى هنا ضرورة تقديم ذبيحة خطية في حالة إذا أخطأ سهواً كاهن ممسوح، وتسبب خطؤه في عثرة الشعب، فعلى الكاهن الذي أخطأ أن يُقدم عن خطيئته ثوراً ابن بقر صحيحاً للرب ذبيحة خطية، وكذلك على الجمع أن يُقدم نفس ذات الذبيحة. أي أن خطيئة الكاهن الممسوح لخدمة الرب تُعادل الجماعة كلها، لأن المفروض على الكاهن أنه مُعلِّم الشريعة: [ لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة، ومن فمه يطلبون الشريعة لأنه رسول رب الجنود ] (مل2: 7)، [ فكل من أُعطيَّ كثيراً يُطلب منه كثيرٌ، ومَنْ يُودعونه كثيراً يُطالبونه بأكثر ] (لو12: 48)، لذلك فأن خطية الكاهن على مستوى خطير جداً أدت أن يقدم ذبيحة تُقدمها كل الجماعة عن أنفسها، وذلك ليظهر الطقس خطورة خطيئة الكاهن أمام الله لأنه بذلك يعثر الشعب ويسرب الاستهانة بقدوس إسرائيل لقلوب الشعب الذين سيستهينون بالخطية لأن رسول الرب الذي يعلمهم الشريعة لا يلتزم بها ويضلهم بأعماله عن الالتزام بمخافة الله والحياة بالتقوى، لذلك نفهم لماذا الله قال لموسى لن تدخل الأرض هو وهارون وقد قال لهما: [ لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل عند ماء مريبة قادش في برية صين إذ لم تقدساني في وسط بني إسرائيل ] (تثنية 32: 51) …

3 – أما إذا أخطأ رئيس [ وعمل بسهو واحدة من جميع مناهي الرب إلهه التي لا ينبغي عملها وأَثِمَ، ثم أُعْلِمَ بخطيته التي أخطأ بها، يأتي بقربانه تيساً من المعز ذكراً صحيحاً ] (4: 23) 
4 – أما إذا أخطأ واحدٌ من عامة الشعب، فأنه [ يأتي بقربانه عنزاً من الماعز ، أنثى صحيحة عن خطيته ] (4: 28)، [ وأن أتى بقربانه من الضأن ذبيحة خطية يأتي بها أنثى صحيحة ] (4: 32)

وهنا عموماً يُلاحظ أن نوع الذبيحة قد تغير من ثور بقر يقربه الكاهن الممسوح أو جماعة الشعب كله، إلى تيس ماعز بالنسبة للرئيس، أو إلى عنزة من الماعز أُنثى صحيحة بالنسبة للفرد الذي من عامة الشعب، إشارة إلى هبوط مستوى خطورة الخطية من حيث أثرها على الآخرين أو الجماعة ككل .

وكذلك جمع الشعب، إذا أخطأوا مجتمعين وأُخفيَّ عنهم (أي سهواً) فخطيئتهم تُقدَّر في خطورتها كخطيئة الكاهن الممسوح. أما خطيئة الرئيس فهي أقل من خطيئة الكاهن الممسوح، لأن هناك من هو مسئول عنه وهو الكاهن؛ ولكن خطيئته لها أثر مباشر على من يرأسهم من الشعب. لذلك فذبيحة الرئيس تيس من ذكر الماعز، أما ذبيحة الفرد الذي من عامة الشعب فأُنثى الماعز، لأن خطيئته محصورة في نفسه فقط .
أما إذا كان الشخص الذي من عامة الشعب أفقر من أن يُقدم من الماعز أو الضأن ذبيحة خطية، فكان يُمكنه أن يُقدم يمامتين أو فرخي حمام، أحدهما ذبيحة خطية والآخر محرقة [ أنظر لاويين 5: 7و 8 ؛ عدد 15: 27 ]، وأن لم تنل يده ذلك، فكان يُمكنه أن يُقدم عُشر الإيفة من دقيق قربان خطية، إلا أنه لا يضع عليه زيتاً ولا لُبان بخور، لأنه قربان خطية (لاويين 5: 11) ..
————————————————————————————-

مناسبات أُخرى لتقديم ذبيحة الخطية +

(1) تكريس الكهنة وتكريس اللاويين: وقد جاء الحديث عن تكريس هارون وبنيه في (خروج29) وكانت تقدم الذبائح الخاصة بتكريسهم لمدة 7 أيام (خروج29: 10 – 27)، ولا يبرحون فيها باب خيمة الاجتماع (خروج29: 35 – 37 + لاويين8: 33 – 35)، وكان على موسى أن يُقدم فيها كل يوم التقدمات الآتية لتقديسهم: [ 1 – ثور واحد ابن بقر: ذبيحة خطية؛ 2 – كبش صحيح: ذبيحة محرقة؛ 3 – كبش آخر صحيح: ذبيحة ملء؛ 4 – خبز فطير؛ 5 – أقراص فطير ملتوتة بزيت؛ 6 – رقاق فطير مدهون بزيت ]، والخبز والأقراص والرقاق تُصنع كلها من دقيق حنطة نقي، وتوضع في سلة واحدة، وتُقدم جميعها مع كبش الملء، ويأكلها هارون وبنوه. ويتكرر ذلك سبعة أيام إذ تُمثل دورة كاملة من الزمن، وذلك إشارة إلى أن الكاهن المُكرس لخدمة الرب يلزم أن يكون مقدساً كل حياته. لأن إن كانت الوصية لكل الشعب: [ فتتقدسون وتكونون قديسين، لأني أنا قدوس ] (لاويين11: 44)، فكم بالحري للذين صاروا كهنة للرب إلههم. وفي (لاويين8: 14 – 36) يُعيد سرد وقائع هذا التكريس الذي صنعه موسى والذي يرمز إلى كهنوت المسيح وتقديمه ذاته ذبيحة عن خطايا الشعب. فقد قُدَّم عن هارون وبنيه ثورٌ ذبيحة خطية مع ذبائح المحرقة والسلامة (خروج29: 10- 14 و36 و37؛ لاويين18: 1و14 – 17). وموسى النبي هو الذي قام بتكريسهم. وفي اليوم الثامن بعد التكريس قدَّم هارون عن نفسه عجلاً ذبيحة خطية، وقدَّمت الجماعة عن نفسها تيساً ذبيحة خطية.

وهُنا نُلاحظ أن ذبيحة الجماعة كانت أقل في قيمتها من ذبيحة هارون وبنيه، وذلك لأن هارون وبنيه كانوا مختارين للكهنوت ومكرسين لخدمة الرب، فبسبب موقعهم من المسئولية أمام الله صاروا مُطالَبين بذبيحة خطية أكثر من الجماعة كلها. من أجل هذا كان رئيس الكهنة الذي له الحق وحده أن يدخل إلى الأقداس مرة واحدة في السنة للتكفير عن خطايا الشعب، كان يفعل ذلك [ ليس بلا دم يُقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب… ] (عبرانيين9: 7)
وكذلك عند تكريس اللاويين كان يُقدم ثور ذبيحة خطية (عدد8: 8و 12). فقد كانوا هم أيضاً مُخصصين لخدمة الرب، ومع ذلك فقد كانوا محتاجين بالأكثر للتكفير عن خطاياهم بسبب مسئوليتهم الأكبر.

(2) في المناسبات والأعياد

(أ‌) في بداية الشهور القمرية: كان يُقدم في كل يوم تيساً واحداً ذبيحة خطية (عدد28: 15) مع المحرقة الدائمة.
(ب‌) في عيد الفطير: كان يُقدم في كل يوم من سبعة أيام العيد تيساً واحداً ذبيحة خطية مع ذبائح المحرقة وتقدمة الدقيق (عدد28: 22)
(ج) وفي يوم الباكورة الذي هو يوم الخمسين: كان يُقدم تيساً واحداً ذبيحة خطية مع ذبائح المحرقة وتقدمة الدقيق (عدد28: 30)
(د) وفي اليوم الأول من الشهر السابع، وفي العاشر والخامس عشر إلى الثاني والعشرين من نفس الشهر (الذي هو عيد المظال): كان يُقدم تيساً واحداً ذبيحة خطية مع باقي الذبائح (عدد29: 5و11و16و19و22و25و28و31و34و38)
(هـ) وفي يوم الكفارة: كان هارون يُقدم عن نفسه ثوراً ذبيحة خطية، ثم يُقدم عن الجماعة تيسين، ويعمل عليهما قُرعة، ويُقرب أحدهما ذبيحة خطية، أما الآخر فيُطلقه حياً إلى البرية (لاويين16: 1 – 34)، وسوف نشرح هذه الذبيحة الخاصة بيوم الكفارة فيما بعد بالتفصيل.

(3) ذبائح الخطية للتكفير:

(أ‌) بعد الولادة: كان يُقدم عن المرأة بعد كمال أيام تطهيرها فرخ حمامة أو يمامة ذبيحة خطية (لاويين12: 6 – 8)، ولزماً هنا أن نُعلق قليلاً بسبب اللبس الحادث ما بين مفهوم تقديم ذبيحة خطية بعد الولادة في العهد القديم وبين المفهوم الخاطئ اليوم بحشر مفهوم الطهارة والنجاسة في هذا الأمر الذي وضع إفرازات المرأة موضع تدنيس ونجاسة على غير المفهوم الأصيل الذي لتعليم الكتاب المقدس وشروحات آباء الكنيسة المعتبرين فيها أعمدة، وذلك بسبب الفكر المشوش عن الدنس والطاهر والنجس بسبب التأثر بخبرة حياة الخطية والمجتمع عموماً وعلى الأخص في الشرق، كما أيضاً يأتي بسبب عدم الإفراز والتمييز الروحي لما قصد به الله أن يُعلم شعبه حسب ما يستطيعوا ان يفهموه في هذه الأوقات كما سوف نرى، لذلك نرى القديس كيرلس الكبير عامود الدين في مستهل شرحه لسفر اللاويين يقول : [ بحق، أن كلمة الله لما جاء إلى العالم وظهر في الجسد، كان في هيئته الجسدية مرئياً من الجميع، بينما كان لاهوته غير مرئي إلا لتلاميذه الخصوصيين فحسب، هكذا الكلمة المكتوبة: فإن لها هيئة حرفية أو معنى ظاهرياً واضحاً للقارئ العادي،ومعنى باطنياً لا يُمكن تمييزه إلا روحياً ]

وتطبيقاً لهذا القانون الذي وضعه القديس كيرلس الكبير عامود الدين، فأن شرائع التطهير في العهد القديم هي في ظاهرها علامات خارجية للتطهير من نجاسات تتعلق بالجسد الطبيعي كإفرازات لكي لا تسبب مرض لأحد في ذلك الزمان، وعلى الأخص إذ كان المفهوم الطبي في العهد القديم مجهول كثيراً بالنسبة لشعب بدائي لا يعرف الحقائق الطبية وممكن ان يمرض بسبب جهله بهذه الحقائق ويهلك في البرية، بينما هي تحمل في نفس ذات الوقت – في أعماقها – مغزى التطهير الروحي من نجاسة النفس والروح التي أصابت الإنسان من جراء الخطية، والتي لا يُمكن التطهير منها إلا بدم المسيح وحده [ كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح] (1بطرس1: 19) وليس بدم تيران وتيوس وعجول ولا بماء خارجي لغسل الجسد يتطهر الإنسان طهارة داخلية حقيقية لا يعوزها شيء آخر، وهذا ما وضحه القديس بولس الرسول في رسالته للعبرانيين قائلاً: [ لأنه أن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش (يقصد التطهير الطقسي) على المُنجَّسين ، يُقدس إلى طهارة الجسد (التطهير الخارجي فقط)، فكم بالحري (بالأولى) يكون دم المسيح، الذي بروح أزلي قدَّم نفسه لله بلا عيب، يُطهر (يغسل) ضمائركم من أعمال ميتة (بلا فائدة وأعمال تخرج من أموات بالخطايا والذنوب) لتخدموا الله الحي ] (عبرانيين9: 13و 14)

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [ هكذا يقول: إنه إذا كان دم ثيران يُمكن أن يُطهر الجسد، فكم بالأحرى دم المسيح القادر على أن يُطهر نجاسة النفس. ولكي لا تعتقد وأنت تسمع أن (دم تيوس وثيران) “يُقدس”، وأن هذا الدم هو شيء مهم، فإنه يُشير ويُظهر الفرق بين كل من التطهيرين، وكيف أن التطهير بدم المسيح هو اسمى وأعلى بكثير، بينما التطهير (بدم الحيوانات) هو محدود وبسيط. ويقول أن هذا الدم هو دم طبيعي جداً. بينما ذلك الدم كان لتيوس، لكن هذا الدم فهو دم المسيح، ولم يكتفي بالاسم فقط، بل يذكر طريقة التقدمة، لأنه يقول: “الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب”، أي أن الذبيح كان بلا عيب ونقياً من الخطايا. وعبارة “بروح أزلي” تُعلن أنه لم يُقدم (نفسه) بنار ولا بأشياء أُخرى. يقول: ” يُطهر ضمائركم من أعمال ميتة” وبالصواب قال: “من أعمال ميتة”، لأنه إن لمس أحد آنذاك ميتاً كان يتنجس، وهُنا لو حدث أن شخصاً مارس أعمال ميتة يتنجس ضميره. ثم يقول: “لتخدموا الله الحي”، هُنا يُظهر أن ذاك الذي يُمارس أعمالاً ميتة، لا يُمكنه أن يخدم الله الحي وبالصواب قال: ” الله (الحقيقي) الحي”، مُظهراً بهذا أن التقدمات التي تُقدم له ينبغي أن تكون هكذا (حية). وبناء على ذلك فكل ما هو لنا (في المسيح) هي أمور حية وحقيقية، أما تلك التي كانت لليهود هي أعمال ميتة وكاذبة، وهي بالحق هكذا.
إذاً لا يأتي أحد إلى هُنا (يتكلم عن الكنيسة) وهو يُمارس أعمالاً ميتة. لأنه إن كان ذاك الذي يلمس جسد ميت لا ينبغي له أن يدخل (إلى الأقداس)، فبالأكثر جداً لا ينبغي لذاك الذي يُمارس أعمالاً ميتة أن يدخل (إلى السماء)، لأنه نجس بشكل مُخيف. والأعمال الميتة هي تلك التي ليست فيها حياة، والتي تنبعث منها عفونة. أي أنه كما أن الجسد الميت لا يتأثر بأي مشاعر، بل ويُثير الحزن لمن يقترب منه، هكذا الخطية فهي تُصيب الفكر بشكل مباشر، ولا تتركه للهدوء، بل وتجعله يضطرب ويهتز. يُقال أن شدة الوباء تُحطم الجسد. هكذا الخطية، إنها لا تختلف قط عن الوباء، فهي تفسد الهواء أولاً ثم بعد ذلك الأجساد، ولكنها تتجه نحو النفس مباشرة ] (القديس يوحنا ذهبي الفم عن شرح رسالة العبرانيين العظة 15 ص235 – 236)

فبالنسبة لتطهير المرأة بعد الولادة لا داعي لأن نؤكد، أن التناسل والجنس والحَبَل والولادة ليست في حد ذاتها خطية ولا نتيجة سقوط، ولا تحمل في أصلها أي دنس ولا نجاسة؛ لأننا نعلم أن الله في خلقته للإنسان “ذكراً وأُنثى خلقهم، وباركهم الله وقال لهم: أثمروا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها…” (تك1: 27و 28)، ولا داعي لأن نؤكد فساد المفهوم الذي يقول لو مش كانوا سقطوا الله سيجعل الإنسان أن يتناسل بطريقة أُخرى غير طريقة التناسل المعروفة طبيعياً، مع أن هذا الفكر يأتي نتيجة خبرة الانحراف بالشهوة والخطية التي عملت في قلب الإنسان حتى أن دنس ما خلقه الله ولا يقبله طبيعياً من الله بل يقبله من الشيطان وهذا في منتهى الخطورة لأنه يجعل كل الآباء منجسين ودنسين بسبب الولادة، وان يجعل الله مسئولاً عن السقوط لأنه غرس في طبيعة الإنسان مه هو دنس حسب فكر الناس المتدني والتي زرع فيه الخطية من عدو كل خير ….

ويقول القديس أثناسيوس الكبير (الرسولي) في رسالته للقديس آمون: [ أن كنا نعتقد حسب الكتب أن الإنسان هو من عمل يدي الله، فكيف يخرج عمل دنس من قوة نقية؟ وأن كنا نحن ذُرية الله، حسب قول سفر أعمال الرسل (أعمال17: 28و 29)، فليس فينا شيء غير نقي. لأننا نُصبح نجسين فقط حينما نرتكب خطية. ولكن حين تحدث إفرازات جسدية – دون تدخل الإرادة – حينئذٍ علينا أن نحسبها مثل سائر الأشياء، ضرورات طبيعية ] (Migne XXVI,1169,1176)

عموماً لشرح المعنى ببساطة (مع أننا سبق وشرحناه هنا في دراستنا هذه) ولكن أعيده بتركيز وببساطة دون شرح آبائي طويل وأقول: أن من أحد نتائج تعدي آدم وحواء على وصية الله بأكلهما من الشجرة التي منعهم الله من الأكل منها كان هو صدور الحكم الإلهي على المرأة بالمعاناة والوجع في حبلها وولادتها للأطفال، حتى انها تحسب أن ساعتها قد جاءت وقاربت الموت (أنظر يوحنا16: 21). وهكذا صار المدخل إلى الحياة الأرضية بالولادة الجسدية بالشعور بالموت وانتهاء ساعة الإنسان وبداية المعاناة، وشعوره بالموت يسيطر على حياته ويجعله في الخوف لأنه يشعر طبيعياً بما هو مكتوب: [ وضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة ] (عبرانيين)، فالمشكلة كلها الخوف من الدينونة لأن الإنسان بسبب السقوط أصبح تحت سلطان الموت ومن ثمَّ العبودية [ ويعتق (المسيح) اولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية] (عبرانيين2: 15)، وقد قال كاتب سفر الجامعة عن الموت بسبب معاناة الإنسان وشعوره الداخلي بالدينونة والتألم في هذا العالم بسبب المعصية والشر: [ يوم الممات خير من يوم الولادة ] (جامعة7: 1)، وقد وصفه داود النبي قائلاً: [ هأنذا بالإثم صُورت، وبالخطية حبلت بي أُمي ] (مزمور51: 5)، وحذاري من أي أحد يشرح أو يفهم الآية على أساس أنه يقصد بسبب التناسل أو الجنس تم الحبل، هذا مفهوم خطير ومشوه جداً ومشوش للغاية..
ولا يصح – إطلاقاً ولا تحت أي حجة – لإنسان مسيحي أن يتخيله أو يفكر فيه أو أي شارح للكتاب المقدس أن يؤكد عليه أو يضعه قانون، ولا حتى تأمل لأنه بذلك يُهين الله نفسه الذي وضع هذا وزرعه في الإنسان، لأن نص سفر التكوين لم يقل أن الله غير طبيعة التناسل الطبيعي في الإنسان، لأن هذا المعنى غير وارد في الكتاب المقدس كله ولكنه مجرد استنتاج من أُناس متشددي الرأي بسبب كونهم، يا إما رهباناً عاشوا في دعوتهم مكرسين انفسهم لله لأنه طريقهم الخاص فتشددوا في موضوع الزواج والجنس، والبعض منهم ظن أن البتولية أعظم من الزواج وأسمى منها، أو يا أما نتج من لهم خبرة سيئة في الزواج وتعطلت حياتهم الروحية بسبب ارتباطهم بمن هم كانوا غير عارفين الله، فظنوا أن الزواج عموماً حياة غير منضبطة بالروح، أو يا أما من لهم خبرة طويلة في الخطية والانحراف الجنسي فظنوا أن هذا بسبب الغريزة التي هي ملتصقة بأجسادهم، وهذا كله خاطئ تمام وناتج عن خبرات منحرفة عن الطريق السليم ولا يصح نربط ما وضعه الله في الإنسان بخبرات الشر التي عشناها كلنا متأثرين بها فنظن أنه من المستحيل ان يكون الجنس من الله موضوع في الإنسان، وبخاصة أننا نعلم أن الجنس سينتهي بانتقال الإنسان من هذا العالم، ولكنه سينتهي مثل كل ما هو من احتياجات الجسد، لئلا يكون أيضاً الجوع والطعام والشراب أيضاً مثله يحمل دنس للإنسان، فاحذروزا يا إخوتي من تلويث وتدنيس ما خلقه الله وأعطاه للإنسان بتفسيرات غريبة عن روح الإنجيل بل والكتاب المقدس ككل، ولنتذكر كلام الله لبطرس الرسول حينما قال له: [ ما طهره الله لا تدنسه انت ] (أعمال10: 15)، فلا يصح أن نشوه الجنس وندنس إفرازات الجسد الطبيعية التي هي حاجة الجسد العادية جداً، والتي لا تدنس قلب الإنسان أو تنجسه قط، بل الخطية وحدها وهي التي تحتاج لتوبة للتطهير والتقديس بدم حمل الله رافع خطية العالم…


ولكن يشرح هذه الآية [ هأنذا بالإثم صُورت، وبالخطية حبلت بي أُمي ] (مزمور51: 5) – لكي يتم فهم معناها – العلامة أوريجانوس وهو في هذا الشرح يتفق مع جمهرة كبيرة من الآباء قائلاً: [ ولكن أن كان يوافقكم أن تسمعوا ما يُفكر به قديسون آخرون بخصوص يوم الولادة، فاسمعوا داود يتكلم قائلاً: “هأنذا بالإثم حُبل بي وبالخطايا ولدتني أُمي”؛ مُبيتاً بذلك أن كل نفس تولد بالجسد إنما هي مُحاطة بدنس الإثم والخطية، ومن أجل هذا يُمكننا أن نقول ما سبق ذكرناه سالفاً: “ليس أحد بلا دنس ولو كانت حياته يوماً واحداً”. ] ((On Lev.Hom.8,3,(2),(5) 

أما بالنسبة لختان الطفل في اليوم الثامن، ولماذا اليوم الثامن على الأخص، لأن الختان علامة عهد بين الله وشعبه بني إسرائيل، سلَّمه الله لإبراهيم (تك17: 9 – 14)، ثم أكده لموسى في شريعة تطهير المرأة بعد ولادة الأطفال (لاويين12: 3)، وكان الختان يتم بقطع الغلاف اللحمي الخارجي دائرياً من عضو الذكورة في الطفل الذكر فقط، وذلك كعلامة عهد خاصة بين الله وكل فرد من بني إسرائيل ليكونوا له [ مملكة كهنة وأمة مقدسة ] لتكون خاصة بالرب، وكختم لبرّ الإيمان الذي آمن به إبراهيم بالله، حينما قدم ابنه إسحق وحيده ذبيحة لطاعة الله بالحب وثقه منه بأن الله قادر أن يُقيمه من بين الأموات لأنه أعطاه وعد في اسحق، وقد كان الختان بهذا المفهوم الروحي إشارة ورمزاً لقطع جسم خطايا البشرية، وخلع الإنسان العتيق، ولبس الجديد، وذلك بالاشتراك في موت المسيح وقيامته بالمعمودية، كما عبر عن ذلك القديس الشهيد يوستين قائلاً: [ إن الوصية بطقس الختان التي تأمر بأن يُختتن الأطفال في اليوم الثامن، كانت رمزاً أو مثالاً للختان الحقيقي للخلاص من الخطية والشرّ، بواسطة قيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات في اليوم الأول من الأسبوع (الأحد)، الذي بالرغم من بقائه مُعتبراً الأول لكل الأيام إلا أنه يُدعى الثامن (بعد مرور سبعة ايام الأسبوع التي تُمثل أيام الخلقة الولى) ] (Justin Mart.,Dial.with Trypho)

وقد أُختتن المسيح الرب أيضاً في اليوم الثامن لكي يُتمم الناموس، ولكي بختانه يُكمل لنا الخلاص ويهبنا الختانة الروحية بموته وقيامته، ويقول القديس كيرلس الكبير عامود الدين: [ في اليوم الثامن، إذن، اختُتن المسيح وتقبل اسمه (“سُمي يسوع”، كما تسمَّى من الملائكة” لو2: 21)، لأن عندنا، أي بهذا، خلَّصنا بواسطته وفيه. كما قيل: “وبه أيضاً خُتنتم ختاناً غير مصنوع بيد، بخلع جسم خطايا البشرية، بختان المسيح. مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أُقمتم أيضاً معه “(كو2: 11و 12). أي أنه كما كان موت المسيح من أجلنا وكانت قيامته (أيضاً من أجلنا) كذلك كانت ختانته ] (عن شرح القديس كيرلس الكبير لإنجيل لوقا)

والختان في اليوم الثامن، لأنه إشارة واضحة وبليغة جداً ليوم قيامة الرب الذي في يوم الأحد الذي هو بعد السبت وانتهاء الخليقة القديمة فأصبح أحد قيامة الرب هو اليوم الثامن، أي اليوم الجديد الذي للخليقة الجديدة في المسيح يسوع، لأن اليوم الثامن هو اليوم الجديد بعد اليوم السابع التي للخليقة القديمة، ولآباء الكنيسة شرح مطول جداً في هذا الموضوع ولكن وضعته باختصار شديد جداً، لكي أوضح المعنى فقط بالنسبة لليوم الثامن الذي هو إشارة ليوم الأحد، أو يوم الشمس الذي فيه أشرق الرب بقيامته معلناً اليوم الجديد الذي فيه فرح البشرية لأن أصبح لها خلق جديد في المسيح يسوع، لذلك الكنيسة كانت تُعمد في اليوم الثامن لتنبيه الأبوين أن يعيشوا خليقة جديدة ويسلموا أولادهم الإيمان الحي الذي يتناسب مع الخليقة الجديدة في المسيح يسوع، وهنا الطقس ليس حرفي إنما ينبغي أن نفهم روحه ولا نصير مثل شعب اليهود الذين عبدوا الحرف ونسوا القصد الإلهي ولم يعيشوا بالإيمان كشعب الله المختار …

عموماً وبتأسيس المعمودية التي يتم فيها الختان الروحي للإنسان، حيث يخلع جسد الخطية ويلبس الخليقة الجديدة بالروح القدس، ويتم الختم الإلهي للاتحاد بالله، ينتهي عهد ختان اللحم تماماً وفي ذلك يقول القديس كيرلس الكبير: [ ولكن بعد ختانة المسيح انتهى هذا الطقس إلى الأبد، وذلك بدخول المعمودية التي كان طقس الختان يرمز لها. لأنه بسبب المعمودية لا نعود نُمارس طقس الختان بعد… ] (شرح القديس كيرلس الكبير لإنجيل لوقا2: 21)

طبعاً اليوم بيتم الختان من الناحية الطبية الصحية فقط لا غير ولا ترتبط بالإيمان في شيء ما قط، ولا علاقة لها بأي طقس إلزامي في المسيحية ولا الإنجيل ولا الكنيسة عموماً في أي طائفة من الطوائف المسيحية التقليدية…
———————————————————————————

تابع مناسبات أُخرى لتقديم ذبيحة الخطية +

(أ‌) بعد الشفاء من البَرَص: كان الأبرص يُقدم في اليوم الثامن لتطهيره خروفين ونعجة وتقدمة دقيق ذبائح إثم وخطية ومحرقة. أما إذا كان فقيراً فكان يُقدم فرخي حمام أو يمامتين (أنظر لاويين 14: 19و 22و 30).

(ب‌) بعد التطهير من نجاسة سيل: كان يُقدم كل من تنجس بسيل يمامتين أو فرخي حمام (وهي غالباً ناتجة عن مرض جنسي بسبب الخطايا الجنسية – وقد سبق وشرحنا الموضوع بتفاصيله في شرح ذبيحة المحرقة) (أنظر لاويين15: 14و 15و 30)

(ج) إذا تنجس نذير في أيام نذره: كان يُقدم يمامتين أو فرخي حمام، أحدهما ذبيحة خطية والآخر ذبيحة محرقة للتكفير عنه. ومتى تمت أيام نذره كان عليه أن يُقدم للرب نعجة واحدة حولية صحيحة ذبيحة خطية (أنظر عدد6: 10و 11؛ عدد7: 16 –… الخ)، ولكي نفهم موضوع تنجيس نذير لابد من أن نفهم ما معنى نذير: عموماً كلمة “نذير” في اللغة العربية مأخوذة من الفعل العبري “نذر” بمعنى “تكريس” أو ” تخصُّص” أي كفعل “تخصيص”. ويُذكر موضوع النذر لله كثيراً في الكتاب المقدس، وخاصة في العهد القديم، وعلى الأخص في سفر المزامير. ولم يكن النذر أمر توجيه من الشريعة، أي أنه ليس قانون تشريعي في العهد القديم، بل هو أمر يعتبر تطوعي من الشخص نفسه بدون أي قانون أو نص في شريعة أو حتى طلب من الله إلا في حالات خاصة كما سوف نرى، وذلك على خلاف تقديم العشور والذبائح والتقديمات وحفظ السبت والختان الذي أمرت بهما الشريعة كأفعال إلزامية وليست اختياريه حسب وصية الله.
وبالرغم من ذلك فقد وضعت الشريعة مبادئ مُحددة للنذر لمن يحب أن ينذر شيئاً للرب. فالنذر الذي ينذره الرجل أو الأرملة أو الطلقة لا يجوز نقصه أو النكوص عن الوفاء به لأنه مقدم لله الحي كسيد عظيم جداً لا يصح ان يُقدم له ما هو معيوب أو ناقص أو الرجوع فيه كأنه مقدم لأي شخص أقل من أن يُحترم أو يُقدر، لذلك من الخطورة أن نقدم شيئاً ما لله باستهتار أو نقص أو بدون وعي منا أو إدراك لمن نُقدم أو لماذا نُقدم، لأنه ينبغي أن تكون التقدمة بلا تسرع أو عن مجرد انفعال بدون إدراك أو وعي…

أما إذا صدر النذر من فتاة دون مشورة أبيها، أو من امرأة دون مشورة زوجها، فكان من حق الأب أو الزوج متى سمع النذر أن يُثبته أو يُلغيه في يوم سماعه: [ وكلم موسى رؤوس أسباط بني إسرائيل قائلاً هذا ما أمر به الرب. إذا نذر رجل نذراً للرب أو أقسم قسماً أن يُلزم نفسه بلازم فلا ينقض كلامه حسب كل ما خرج من فمه يفعل. وأما المرأة فإذا نذرت نذراً للرب والتزمت بلازم في بيت أبيها في صباها. وسمع أبوها نذرها واللازم الذي ألزمت نفسها به فأن سكت أبوها لها ثبتت كل نذورها وكل لوازمها التي ألزمت نفسها بها تثبت. وأن نهاها أبوها يوم سمعه (عن نذرها) فكل نذورها ولوازمها التي الزمت نفسها بها لا تثبت والرب يصفح عنها لأن أباها قد نهاها. وأن كانت لزوج و نذورها عليها أو نطق شفتيها الذي ألزمت نفسها به. وسمع زوجها فأن سكت في يوم سمعه ثبتت نذورها ولوازمها التي ألزمت نفسها بها تثبت. وأن نهاها رجلها في يوم سمعه فسخ نذرها الذي عليها ونُطق شفتيها الذي ألزمت نفسها به والرب يصفح عنها. وأما نذر أرملة أو مُطلقة فكل ما ألزمت نفسها به يثبت عليها. ولكن أن نذرت في بيت زوجها أو ألزمت نفسها بلازم بقسم. وسمع زوجها فأن سكت لها ولم ينهها ثبتت كل نذورها وكل لازم ألزمت نفسها به يثبت. وأن فسخها زوجها في يوم سمعه فكل ما خرج من شفتيها من نذورها أو لوازم نفسها لا يثبت قد فسخها زوجها والرب يصفح عنها. كل نذر و كل قسم التزام لإذلال النفس زوجها يثبته وزوجها يفسخه. وأن سكت لها زوجها من يوم إلى يوم فقد أثبت كل نذورها أو كل لوازمها التي عليها أثبتها لأنه سكت لها في يوم سمعه. فأن فسخها بعد سمعه فقد حمل ذنبها. ] (عدد30: 1 – 15).

لذلك وحتى اليوم وفي العهد الجديد رأت الكنيسة نفس ذات الأمر والقانون وذلك بكون الله لا يتغير ولا فرق ما بين العهدين من الجهة الأدبية وليست الطقسية، فبكون الأب هو المسئول أمام الله عن أولاده القُصر لأنهم لم يبلغوا بعد فمن حقه أن يلغي نذرهم الذي نذروه بتسرع أو بعدم وعي، وأيضاً كون الزوج مع زوجته جسداً واحداً فلا يصح للزوجة أو حتى للزوج أن ينذر أحدهما شيئاً بدون اتفاقه مع الآخر لتكون التقدمة أمام الله صحيحة ومُلزمة كما رأينا في سفر العدد….

سبب تقديم النذر كما هو واضح في الكتاب المقدس: نرى في سفر المزامير تعهدات الناذرين بوفاء نذورهم، وذلك كاعتراف بفضل الله عليهم وتقديمهم مشاعر شكرهم وتمجيدهم للرب الذي أحسن إليهم بدون أي استحقاق لهم بل هو فضل الله عليهم ورحمته، وهم يقدمون الشكر والحمد عملياً بالنذر:

  • + مِن قِبَلك تسبيحي في الجماعة العظيمة. أُوفي بنذوري قُدام خائفيه (مز22: 25)
  • + اللهم عليَّ نذورك، أُوفي ذبائح شكر لك، لأنك نجيت نفسي من الموت. نعم، ورجلَيَّ من الزَّلق… (مز56: 12و 13)
  • + هكذا أُرنم لاسمك إلى الأبد لوفاء نذوري يوماً فيوماً (مز61: 8)
  • + أدخل إلى بيتك بمحرقات، أوفيك نذوري التي نطقت بها شفتاي، وتكلَّم بها فمي في ضيقي (مز66: 13و 14)
  • + ماذا أردُّ للرب من أجل كل حسناته لي؟ كأس الخلاص أتناول، وباسم الرب أدعو. أُوفي نذوري للرب مقابل كل شعبه (مز116: 12 – 14)

طبعاً كل ما ذكرناه بالنسبة لأي عطية تُقدم لله، ولكن يوجد من ينذر نفسه للرب، بمعنى أنه يكرس حياته للرب في عبادة نسكية وواجبات والتزامات خاصة يُقدمها طوعاً للرب وباختياره الخاص، إما طول الحياة أو لزمان محدد حسب اختيار كل واحد كنوع من الاعتكاف ونذر النفس للرب لمدة محددة، وقد تكلم الكتاب المقدس عن نذر الأشخاص بطرق متنوعة مثل:

1 – إما أن يكون نذر الشخص من قِبَل الله نفسه، مثل ما كان مع شمشون [ وكان رجل من صرعة من عشيرة الدانيين اسمه منوح وامرأته عاقر لم تلد. فتراءى ملاك الرب للمرأة وقال لها ها أنت عاقر لم تلدي ولكنك تحبلين وتلدين أبناً. والآن فاحذري ولا تشربي خمراً ولا مسكراً ولا تأكلي شيئاً نجساً. فها أنك تحبلين وتلدين أبناً ولا يَعلُ موسى (موس للحلاقة) رأسه لأن الصبي يكون نذيراً لله من البطن وهو يبدأ يخلص إسرائيل من يد الفلسطينيين ] (قضاة13: 2 – 5)، وايضاً في حالة يوحنا المعمدان [ لأنه يكون عظيماً أمام الرب (في عيني الرب أو في تقديره – تقديره في عيني الرب) وخمراً ومُسكراً لا يشرب ومن بطن أمه (لأنه نذيراً للرب – وبالطبع أكد على نذره وتكريسه للرب بأنه وهب نفسه للرب) يمتلئ من الروح القدس (وهي علامة تكريس وتخصيص كامل للرب للوظيفة وعمل خاص كما ترد في الآية التي بعدها: يرد كثيرين من بني إسرائيل، ويتقدم أمامه “أمام الرب” بروح إيليا وقوته، ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء، والعُصاة إلى فكر الأبرار، لكي يُهيئ للرب شعباً مُستعداً) ] (لوقا1: 15)

2 – أو أن ينذر الوالدان (الأبوين) أولادهم للرب، كما نذرت حنَّة صموئيل النبي ليكون للرب طول حياته وليس لمدة معينة، بل وهبته بالكامل لله وحده فقط طول حياته: [ ونذرت نذراً وقالت يا رب الجنود أن نظرت نظراً إلى مذلة أَمَتك وذكرتني ولم تنس أَمَتك (عبدتك) بل أعطيت أَمَتك زرع بشر فإني أُعطيه للرب كل أيام حياته ولا يعلو رأسه موسى (كشروط النذير) ] (1صموئيل1: 11)

3 – أو أن يُنذر الإنسان نفسه للرب فترة من حياته، وذلك كما جاء في شريعة النذير كما ذكرناها في سفر العدد. وبالطبع نجد ان الشريعة لا تُحدد المدة التي ينذر فيها الشخص نفسه لله، إذ أن الأرجح أن هذه المُدة كان يُحددها الشخص نفسه. وتذكر “المِشْنا اليهودية” أن المُدة كانت عادة ثلاثين يوماً أو ستين يوماً.

ونجد عموماً أن كلمة “نذر” لم ترد في العهد الجديد سوى مرتين، وكانت مرتبطة بالقديس بولس الرسول [ “وأما بولس فلبث أيضاً أياماً كثيرة ثم ودع الإخوة وسافر في البحر إلى سورية ومعه بريسكلا وأكيلا بعدما حلق رأسه في كنخريا لأنه كان عليه نذر”؛ ” فافعل هذا الذي نقول لك عندنا أربعة رجال عليهم نذر ” ] (أعمال18: 18؛ 21: 23)، طبعاً لن نشرح الملابسات في هذه الآيات التي يطول شرحها لأن كثيرين اطالوا في شرحها جداً ما بين فريقين وكل فريق له حجة مقنعه في الشرح والتفصيل، ولكننا نركز عموماً على شريعة النذير لنفهم ما هو التنجيس الذي يحدث ولماذا تقدم ذبيحة خطية عنها ولسنا في صدد شرح سفر أعمال الرسل وتفسير هذا الموقف، ولكن عموماً بالرغم من أن النذور كانت سائدة في العهد القديم كتعبير عن الورع والتقوى، إلا أنها أخذت في العهد الجديد صورة أكثر اتساعاً بتكريس الحياة كلها للرب تحت أي مُسمى، سواء كانت رهبنة، أو تبتلاً، أو خدمة …الخ؛ لأن محبة المسيح وبذله لنفسه من أجل خلاصنا قد اسرتنا وصارت محبته تحصرنا، فلم نَعُد مِلكاً لأنفسنا بل للذي مات لأجلنا وقام: [ لأنكم قد اشتُريتم بثمن فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله ] (1كورنثوس6: 20).
عموماً لكي ما نفهم ما المعنى المقصود بتنجيس النذير لابد من ان نتعرف على شريعة النذير والتزاماته فأن كسرها ستدنس ويحتاج ذبيحة خطية وذبيحة إثم كما سوف نشرحها فيما بعد، وهذه هي شريعة النذير والتزاماته:

1 – ألا يشرب خمراً أو يأكل حتى من ثمار الكرمة (العنب) (عدد6: 3و 4)
2 – ألا يحلق شعر رأسه (عدد6: 5)
3 – ألا يتنجس لأجل ميت (عدد6: 6 – 8)

+ عموماً المعنى العام والمقصود من وراء هذا كله بأنها توضح أن فترة نذر النفس للرب، هي فترة التصاق بالرب وتكريس الحياة لعباداته، فهي إذن تستلزم النسك والزهد وترك مباهج العالم بكل ما فيه، وبما أن المُسكر يُفسد ذهن الإنسان ويفقده توازنه، فمن اللائق أن يُمتنع عن الخمر المُسكر، وأي نوع يؤدي إلى السُكر وغيبة الوعي أو عدم الاتزان. من أجل ذلك أوصى القديس بولس الرسول أهل كنيسة أفسس قائلاً: [ ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة، بل امتلئوا بالروح ] (أفسس5: 18)، واحب أن أربط هذا الكلام بإنجيل لوقا في كلامة عن القديس يوحنا المعمدان: [ لأنه يكون عظيماً أمام الرب (في عيني الرب أو في تقديره – تقديره في عيني الرب) وخمراً ومُسكراً لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس ] (لوقا1: 15). وفي ايام انتهاء نذر النذير مُصرح له أن يشرب خمراً كإشارة على الفرح الروحي بالرب وأنه تمم هذا النذر بمسرة قلبه وليس غصباً عن إرادته.

+ وبالنسبة لترك الشعر بلا أي حلاقة أو هندمة أو تنظيم وترتيب، فهو علامة ظاهرة أمام الناس أنه شخص مخصص للرب وحده، كما أن حلاقة الشعر بالنسبة للرجل يُعتبر نوع من أنواع الزينة والشكل المهندم أمام الناس والمجتمع، ولكن لكونه للرب وحده يعطي ذاته فأنه لا يهتم بمباهج الحياة ورؤية الناس لشكله او شخصه، وهذا نوع من أنواع التكريس لله وحده، إذ أن اهتمامه كيف يُرضي الله وليس الناس.

+ وأيضاً النذير ملتزم بأن لا يأتي إلى جسد ميت كل أيام انتذاره، حتى لو كان الميت هو أبوه أو أمه أو أخته أو أخيه… الخ، فلا ينبغي أن يتنجس من أجلهم عند موتهم لأن انتذاره لإلهه على رأسه؛ ومثله مثل رئيس الكهنة والكهنة بني هارون (أنظر لاويين21: 11). فقد كان على النذير (كما للكاهن أيضاً) أن يرتفع فوق كل علاقة جسدية مهما ما كان نوعها، وخاصة وأن الجسد الميت كان يُعتبر نجاسة في العهد القديم، لأن الموت كان أُجرة الخطية وعلامة دخولها إلى العالم، لذلك يُحسب لمس الميت نجاسة حسب الشريعة حتى ولو كان الميت نبياً، فالموت دخل إلى العالم بالخطية، إذ أن بالخطية الموت والانفصال عن الله، والاهتمام بالجسد الميت ولمسه هو علامة موت، ولأن الله يريد أن الكل يشعر بفجاعة الخطية لا يُريد لأحد ان يتعلق بالموت ويهتم بجسد الموت ويعرف كم كانت الخطية خاطئة جداً وما فعلته في كيانه، ومن خصص نفسه للرب لا يمسه موت ولا يعرف ميت، بل هو منفصل كُلياً عن كل ميت وكل رباط جسدي لأنه ارتبط بالرب وحده الذي هو الحياة…

عموماً القصد كله من طقس تطهير النذير إذا تدنس انتذاره، وتقديسه والتكفير عنه، أنه يُظهر ويُبين إلى أي مدى يُريد الرب ممَّن يتكرس له أن يحفظ نفسه نقياً طاهراً من كل دنس، بريئاً من كل نقص، سواء كان بقصد أو بغير قصد: [ لأن هذه هي إرادة الله قداستكم ] (1تسالونيكي4: 3)، [ لأن الله لم يَدْعُنا للنجاسة بل في القداسة ] (1تسالونيكي4: 7)، وذلك كله لأجل أن نُعاين الرب ويكون هناك شركة حيه وحقيقية معه في النور، فالرب قدوس والذي يقترب منه لابد من ان يتقدس:

  • [ من مثلك بين الآلهة، يا رب من مثلك معتزاً في القداسة، مخوفاً بالتسابيح صانعاً عجائب ] (خروج15: 11)
  • [ اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب ] (عبرانيين12: 14)
  • [ فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله ] (2كورنثوس7: 1)

وسوف نتحدث في الجزء القادم عن: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية


 

تابع دراسة في الذبائح (19) ذبيحة الخطية ومفهومها – άμαρτία – חַטָּאת.

                                               تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس

الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת
للرجوع للجزء الثامن عشر أضغط هنا.
ذبيحة الخطية وبالعبرية חַטָּאת– hattat = خطية أو خطأ، والمقصود منها إعادة الصلة بالله بعد أن عُرضت للخطر بسبب الخطايا غير المتعمدة [ إذا أخطأت نفس سهواً في شيء من جميع مناهي الرب – لاويين 4: 2 ] أو بسبب حالة نجاسة [ ثم يعمل الكاهن ذبيحة الخطية ويُكفر عن المُتطهر من نجاسته ] (لاويين 14: 19)، وسوف نرى بالتفصيل معنى الخطية وخطورتها في هذه الذبيحة التي تخصنا جداً وبالضرورة، كوننا كلنا اختبرنا وذقنا مرارة السقوط الذي فصلنا عن الله محب البشر القدوس، وقبل أن نتلكم عن طقس هذه الذبيحة بالتفصيل، لابد أن نفهم معنى الخطية وخطورتها بالتفصيل لكي نعي هذه الذبيحة وندرك أهميتها ونتذوق عمل المسيح الرب لخلاصنا فندخل في حرية مجد أولاد الله ونتذوق حلاوة عمل الله وندخل في خبرة التحرر من الخطية وننفك من الموت الذي هو نتيجة طبيعية للخطية …

أولاً : مفهوم الخطية – άμαρτία = خطية، تعدي

  • [أولاً] توضيح المعنى الشامل للكلمة

(أ‌) في اللغة اليونانية الكلاسيكية تأتي [ άμαρτάνω – hamartano ] بمعنى: يُخطأ الهدف، أو لا يُشارك في شيء ما، وكانت تعتبر نتيجة لبعض الجهل، والاسم المُشابه [άμαρτία – hamartia ] وتأتي على أساس روحي بمعنى خطأ أو فشل للوصول للهدف. النتيجة عموماً لمثل هذا الفعل هي [ άμαρτημα –hamartema ] وتعني فشل – خطأ – ذنب [ ارتكب في حق الأصدقاء أو النفس ]، ومن هذه الكلمات اشتقت الصفة والاسم [ άμαρτωλός، – hamartolos ] وهي تأتي بمعنى شرير كصفة، أو كاسم بمعنى خاطئ، أو باختصار تأتي بمعنى الشيء أو الشخص الذي يفشل …

(ب‌) وقد ساد استخدام الاسم [ άμαρτημα – hamartema ] على الفعل [ άμαρτάνω –hamartano ] وسط عالم متحدثي اللغة اليونانية. وقد استخدم هذا الاسم أرسطو من الناحية الفلسفية بين (الظلم) و (سوء الحظ)، وأظهره على أساس أنه عبارة عن مخالفة للنظام السائد، ولكن بدون نية شريرة. وبذلك أصبحت الكلمة [άμαρτία – hamartia ] كلمة شاملة بمعنى نسبي غير مُحدد، وتأتي بمعنى: إساءة ضد شعور صائب أو سليم، ومعناها يتراوح أيضاً ما بين الغباوة إلى كسر القانون، أو تأتي كوصف لأي شيء لا يتوافق مع الأخلاق السائدة، أو لا يتوافق مع الاحترام الواجب للنظام الاجتماعي والسياسي .

(ت‌) ونجد النظرة اليونانية للذنب تصوره التراجيديات الكلاسيكية على أساس التحامه بالجنون المحتوم للإنسان، فالذنب ليس مجرد فعل، ولكنه حقيقة متأصلة في أعماق كيان الإنسان، وهو المسبب للمُعاناة، كما أن الذنب والمصير مجدولين ومشتبكين بطريقة لا يمكن فيها فصلهم عن بعضهم البعض، وهي تعتبر نظرة سليمة وعميقة لمشكلة الإنسان الذي تذوق خبرة الخطية المُرة التي حتمت عليه مصير متعب جداً وهو الموت الذي يعمل فيه من يوم ميلاده بالفساد …

(ث‌) وقد شددت بعض الفلسفات الهلينية على العلاقة بين الذنب والمصير من خلال العديد من الشعائر والفكر الديني في محاولة للهروب من حتمية المصير، وأيضاً اجتهدوا على محاولة إدراك الذنب و صياغته عقلانياً في منهج دراسي، واعتقدوا أنه يُمكن التغلب عليه من خلال الفهم الأفضل والسلوك الصحيح. وتعمل نظريتهم من خلال الافتراض المُسبق بأن الإنسان في الأساس صالح … 
وبالطبع هذه النظرة – للأسف – توجد عند بعض المسيحيين اليوم من جهة تعديل السلوك لتصحيح وضعه والتخلص من الشعور بالذنب ورفع ضمير الخطية، وهذه النظرة بعيدة كل البعد عن خلاص الله كما سوف نرى في تفاصيل ذبيحة المسيح الرب، لأن هذه النظرة تجعلنا ننحرف عن الطريق المرسوم من الله لخلاصنا،لأن أعمالنا لا تقدر أن ترفعنا للمستوى الإلهي مهما كانت رائعة وممتازة، والدليل كله يظهر في العهد القديم وتاريخ البشرية التي لم تستطع أن تتحرر من مصير الموت المحتوم، وعدم معرفة الله كشخص حي وحضور مُحيي، لأنه لا يرى الإنسان الله ويعيش، كما أنه لا يقدر على رؤية الشمس الطبيعية المخلوقة، لأنه لو نظر إليها يعمي تماماً لأن عيناه لم تكن مؤهله لتلك الرؤيا، وكذلك حياتنا كبشر لا تتفق مع قداسة الله، فمن يقدر أن يحتمل أن يتفرس في النور الإلهي وطبعة غير مؤهل لهذا اللقاء ولتلك الرؤيا !!!

[ثانياً] توضيح المعنى في الترجمة السبعينية والعهد القديم
(أ‌) في السبعينية تُمثل الكلمة معنى الظلم على مدى كل الكلمات العبرية للذنب والخطية، وتصريف كل الأفعال التي تدل عليها تأتي بمعنى: زلة – خطية – ذنب، أو خطية كانحراف واعي عن الطريق الصحيح، وتأتي أيضاً بنفس المعنى للكلمة اليونانية [ άμαρτωλός، – hamartolos ] والتي عادة تعني فعال شر، أو الخارج عن القانون .

(ب‌) وعلى خلاف العهد الجديد لا يرد في العهد القديم كلمة أولية أو عامة عن الخطية، ومع هذا فأن الخطية، بالإضافة لذنب الشخص، أُدركت بوضوح كواقع يفصل البشر والأمة الإسرائيلية – على الأخص – عن الله وهذا هو المعنى الرئيسي للخطية. فيهوه نفسه هو المقياس للخطأ والصواب. ويُعبَّر عهده مع الشعب، ووصاياه وناموسه وكلمته المنطوقة من خلال خدامه المختارين عن معيار إرادته، وعلى ضوء هذا نستشف بوضوح معنى الخطية الخطير، وهي البعد عن الله، لذلك فهي تجلب حتماً الضرر والعقاب وبالتالي الموت، لأن الشعب ترك المقياس لحياتهم وهو الله بشخصه الذي هو الحياة !!!

(ج) نجد أن العهد القديم ينظر للخطية على أنها الجانب السلبي المُعاكس لفكرة العهد، ومن هنا غالباً ما يُعبَّر عنها في مصطلحات قانونية. فتاريخ الأمة اليهودية يوضح هذه الحقيقة ويصورها كتاريخ ارتداد، ثم عقاب على هذا الارتداد ليقظة الأمة اليهودية، ثم نداء التوبة والرجوع عن العصيان والارتداد، ثم تدخل سماوي من يهوه وإنقاذ الشعب من السبي، ثم العودة لبناء المدينة وبناء الهيكل والعودة لعبادة يهوه بفرح ومسرة…
يمنح سفر التكوين 3 – 11 مثال واضح عن فكرة العهد القديم للخطية، مصوراً بطريقة متقنة الاستقلال البشري وسلوك الاكتفاء بالذات. فنجد أن الخطية تنتشر في سلسلة من الانتشارات المتجددة بدءاً بسقوط آدم في تكوين 3 الذي يقود إلى قتل الأخ لأخيه (تكوين 4: 1 – 8) إلى أغنية لامك الذي وضحت استفحال شر القتل وامتداده [ وقال لامك لامرأتيه عادة وصلة اسمعا قولي يا امرأتي لامك وأصغيا لكلامي فاني قتلت رجلاً لجرحي وفتى لشدخي. انه ينتقم لقايين سبعة أضعاف وأما للامك فسبعة وسبعين ] (تكوين 4: 23 – 24). ثم وصول الشر لذروته في العالم قبل الطوفان والفيضان (تكوين 6: 1 – 6)، وأخيراً بناء برج بابل (تكوين 11: 1 – 9).

فالنزوع للابتعاد عن النظام المُعطى من الله وبناء النفس في وضعها الخاص وبطريقتها الخاصة متمركز في القلب [ ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم ]، [فتنسم الرب رائحة الرضا وقال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته ولا أعود أيضاً أُميت كل حي كما فعلت (وسوف نشرح هذا الجزء في شرح موجز لسفر التكوين فيما بعد)] (تكوين 6: 5؛ 8: 21)، فاعتماد الإنسان على ذاته وأفكار قلبه يورطه دائماً وباستمرار في البعد عن الله، ويكون هو مصدر الخير لذاته ولا يعود له الرب المقياس لخيره وسعادته الشخصية، لذلك بتصورات قلبه الشرير يظن أنه لا يحتاج إلا لأعماله الخاصة، والتي إلى اليوم هي المحرك الأساسي للإنسان وهذا يكشف لماذا دائماً يسعى الإنسان لتداريب جسدية لكي يعود إلى الله معتمداً على ذراعه في خلاص نفسه غير مدرك أن هذا هو أساس الخطية !!!

(د) الخطية – في أساس جوهرها – هو (1) السقوط بعيداً عن العلاقة الأمينة مع الله والتغرب عن النعمة الممنوحة منه، (2) عدم طاعة وصاياه وناموسه المقدس
وتسمى الأولى (1) عدم أمانة لعهد الله: الخيانة [ فرأيت أنه لأجل كل الأسباب إذ زنت العاصية إسرائيل فطلقتها و أعطيتها كتاب طلاقها لم تخف الخائنة يهوذا أختها بل مضت وزنت هي أيضاً وكان من هوان زناها أنها نجست الأرض وزنت مع الحجر ومع الشجر وفي كل هذا أيضاً لم ترجع إلي أختها الخائنة يهوذا بكل قلبها بل بالكذب يقول الرب ] (إرميا 3: 8 – 10) ، (أنظر هوشع 2)
بينما تُسمى الثانية (2) عدم الطاعة لوصايا الله وناموسه: التعدي والتمرد [ فقال صموئيل هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة و الإصغاء أفضل من شحم الكباش لأن التمرد كخطية العرافة والعناد كالوثن والترافيم ، لأنك رفضت كلام الرب رفضك من الملك . فقال شاول لصموئيل أخطأت لأني تعديت قول الرب وكلامك لأني خفت من الشعب وسمعت لصوتهم والآن فاغفر خطيتي وارجع معي فاسجد للرب فقال صموئيل لشاول لا أرجع معك لأنك رفضت كلام الرب فرفضك الرب من أن تكون ملكاً على إسرائيل ] (1صموئيل 15: 22 – 26) ، [أصغ يا شعبيإلىشريعتيأميلوا آذانكم إلى كلام فمي] (أنظر للأهمية مزمور 78)، عموماً في الحالتين سواء الخيانة أو التعدي، قد أغلق شعب الله المُختار على نفسه بعيداً عن علاقة الشركة مع الله وأصبحوا عصاه [ لماذا تخاصمونني كلكم عصيتموني يقول الرب ] (إرميا 2: 29)

ونفس ذات المشكلة نجدها قائمة لليوم، لأن معظم الذين يريدون أن يحيوا الحياة الروحية رفضوا كلام الرب ولم يفتشوا عن الشركة مع الله حسب العهد الذي أقامه هو معنا، بل كل همهم أن يكفوا عن فعل الشر لمجرد أنه يكون إنسان مستحق للحياة الأبدية بجهاده وأعماله متغاضياً عن العهد الإلهي، ناسياً أن أساس العلاقة مع الله علاقة شركة في سر الطاعة والمحبة، والأعمال هي ثمرة تمسكه بالعهد، وإيمانه بالله حبيبه الخاص

لذلك نجد الصراع القائم اليوم ما بين فريقين، فريق يؤكد على النعمة المطلقة والمجردة من كل فعل عملي وكأنها نظرية فكرية، فالإنسان يدخل الملكوت حتى لو لم يحيا الإنسان بالطاعة للوصية حسب العهد مع الله، وفريق آخر يؤكد على الأعمال مفرغاً إياها من النعمة وكأن جهاد الإنسان هو في أن يعمل الأعمال الحسنة فقط فجردوها من النعمة، وهذا التضارب كله نشأ بسبب عدم فهم ما هي الخطية وما هو العهد ….

(هـ) ونجد في العهد القديم أنه من المستحيل أن تُفصل خطية الفرد عن الأمة، فتركزت كتابات العهد القديم الأولى على التاريخ المتكرر لارتداد الأمة [ أنظر قضاة من 26 إلى 36 ]، لكن تضع التقاليد اللاحقة تركيزاً أكبر على مصير الفرد كما هو واضح في المزامير وسفر أيوب :
(1) الخطية تصبح خطية أمه أو شعب أو جماعة، لأن ممكن لإنسان واحد عاصي ولا يحيا بالإيمان وسط الجماعة، يُكدرها ويقودها للهلاك إذ يثبت عزيمتها وينفث فيها عدم الثقة في الله بإقناع العقل ورؤية الأمور بنظرة من هو لم يعرف الله ولم يذق قدرته في حياته، أو بعض الأناس عديمي الإيمان يساعدون الشعب على التذمر وعصيان الله، كما حدث قبل عبور الشعب لأرض الميعاد حسب وعد الله لموسى والشعب [ ثم رجعوا من تجسس الأرض بعد أربعين يوما … لكن كالب أنصت الشعب إلى موسى وقال إننا نصعد ونمتلكها لأننا قادرون عليها، وأما الرجال الذين صعدوا معه فقالوا لا نقدر أن نصعد إلى الشعب لأنهم اشد منا، فأشاعوا مذمة الأرض التي تجسسوها في بني إسرائيل قائلين الأرض التي مررنا فيها لنتجسسها هي أرض تأكل سكانها (وهو تصوير على أن لهم قوة عظيمة) وجميع الشعب الذي رأينا فيها أُناس طوال القامة، وقد رأينا هناك الجبابرة بني عناق من الجبابرة فكنا في أعيننا كالجراد وهكذا كنا في أعينهم، فرفعت كل الجماعة صوتها و صرخت و بكى الشعب تلك الليلة، وتذمر على موسى وعلى هرون جميع بني إسرائيلوقال لهما كل الجماعة ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا متنا في هذا القفر، و لماذا أتى (ولنلاحظ الشك الذي تسبب في العصيان) بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف وتصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة أليس خيراً لنا أن نرجع إلى مصر، فقال بعضهم إلى بعض نقيم رئيساً ونرجع إلى مصر، فسقط موسى وهرون على وجهيهما أمام كل معشر جماعة بني إسرائيل، و يشوع بن نون و كالب بن يفنة من الذين تجسسوا الأرض مزقا ثيابهم. و كلما كل جماعة بني إسرائيل قائلين الأرض التي مررنا فيها لنتجسسها الأرض جيدة جداً جداً، إن سر بنا الرب يدخلنا إلى هذه الأرض ويعطينا إياها أرضاً تفيض لبناً و عسلاً، إنما لا تتمردوا على الرب ولا تخافوا من شعب الأرض لأنهم خبزنا قد زال عنهم ظلهم والرب معنا لا تخافوهم ، ولكن قال كل الجماعة أن يُرجما بالحجارة ثم ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع لكل بني إسرائيل، و قال الرب لموسى حتى متى يهينني هذا الشعب و حتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم ] (أنظر سفر العدد الإصحاح 13 ، الإصحاح 14)
أليس هذا هو حال الناس في كل زمان وعلى الأخص زماننا هذا وللأسف هذا هو حال الذين يقولون أنهم مؤمنين، يتذمروا على الله حينما تشتد الضيقات وتُقام الاضطهادات ، فيسقطوا في خطية التذمر العظيمة ويخطئوا إلى الله وينسوا كل أعماله التي عملها معهم !!! ولنتذكر أيامنا الصعبة هذه ونقارن بيننا وبين هؤلاء الذين كدروا الشعب وحرموهم من العبور لأرض الميعاد حسب تدبير الله وعهده مع الشعب، فانهار الإيمان وفقدوا الثقة في الله !!!

فخطية فرد أو جماعة وسط شعب الله تؤثر غالباً وفي غالبية الأحوال، تُأثيراً سلبي على الشعب ككل لتحرمه من حضور الله وعمله [ وسطك حرام يا إسرائيل: ” قم قدس الشعب وقل تقدسوا للغد لأنه هكذا قال الرب إله إسرائيل
 في وسطك حرام يا إسرائيل فلا تتمكن للثبوت أمام أعدائك حتى تنزعوا الحرام من وسطكم ” (يش 7 : 13) ]
(2) بالخطية ملك الموت على الإنسان [ قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي (رو 5: 14) ]، ولا يقدر أحد أن يرى الله ويتواجد في محضره [ في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالسا على كرسي عال ومرتفع و أذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة باثنين يغطي وجهه وباثنين يغطي رجليه وباثنين يطير. وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الأرض. فاهتزت أساسات العتب من صوت الصارخ وامتلأ البيت دخانا. فقلت ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود. فطار إليَّ واحد من السيرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقط من على المذبح. ومس بها فمي وقال أن هذه قد مست شفتيك فانتزع إثمك وكُفِرَ عن خطيتك. ] (إشعياء 6: 1 – 7)
ونجد أن العهد القديم يُشدد على الخطية التي ملكت على الإنسان ككل في تكوين 6 : 5 [ ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض و أن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم ] ؛ في تكوين 8: 21 [ لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان لان تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته ] ؛ ويوضح ذلك بأكثر جلاء في إشعياء 64 : 6 – 7 [ وقد صرنا كلنا كنجس وكثوب عدة كل أعمال برنا و قد ذبلنا كورقة وآثامنا كريح تحملنا. وليس من يدعو باسمك أو ينتبه ليتمسك بك لأنك حجبت وجهك عنا وأذبتنا بسبب آثامنا. ] (وواضح هنا مسئولية كل إنسان عن إثمه الذي تمادى فيه بكل قوته، لأنه فعل الخطية بكل نشاط واجتهاد، حسب مسرة قلبه وإرادته وحده…
عموماً من هذا لا نستنتج أن الإنسان ورث الخطية كفعل، بل يوضح العهد القديم أن الموت ملك على كل إنسان وصار طبعه غريب عن الله ، فلا يستطيع أن يفهم طبيعة الله أو يقترب من القدوس البار، لأن طبعه فسد، وبسبب طبيعة الخطية الكل وقع تحت حكم الموت [ موتاً تموت = أجرة الخطية (طبيعتها أو نتيجتها الطبيعية) موت ] (تكوين 2: 17 ؛ رومية 3: 23)


تابع دراسة في الذبائح (18) ذبيحة المحرقة – المسيح يقدم نفسه ذبيحة طاعة.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12
[ الجزء 18 ]
تابع [1] الوجه الأول من أوجه الصليب
الجزء الأخير من شرح ذبيحة المحرقة – ὁλοκαύτωμα – עלׇה
 

+ المسيح يقدم نفسه ذبيحة طاعـــــــــة +

 

للرجوع للجزء السابع عشر أضغط هنـــــا.

+ المسيح يقدم نفسه ذبيحة طاعة:

بعد أن عرضنا مشكلة السقوط ودرامة العصيان وخطورتها على حياة الإنسان، إذ بالعصيان دخلت الخطية بكل أنواعها وبشاعتها لتشوه طبع الإنسان الذي صار متمرداً على الله لا يطيع وصاياه ولا يقبلها، لأن الموت يعمل فيه، والموت لا يقبل الحياة [ بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة (إذ أن لهم نفس ذات طبع الفساد) ] (رومية 5: 19)، نستطيع الآن أن نستوعب سر ذبيحة المحرقة وكيف قدم الرب نفسه ذبيحة طاعة …

فبسبب عصيان الإنسان كان من المحتم أن يكون هناك ذبيحة محرقة تُظهر الطاعة للتكفير عن العصيان وعدم الطاعة لله القدوس المحب، فظهر ربنا يسوع المسيح في ملء الزمان كالتدبير في الجسد مُظهراً طاعته للآب، هذه الطاعة التي تكلم عنها وأظهرها بوضوح تام كل أيام خدمته إلى الصليب، حتى الموت:

[ ها أنا ذا أجيء لأفعل مشيئتك يا الله ] (عبرانيين 10: 7)

[ لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني ] (يوحنا 6: 38)

[ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن للآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال ] (يوحنا 14: 10)

[ ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ] (يوحنا 9: 4)

ونجد المسيح الرب يُكمل واجبات الطاعة تكميلاً إلى آخر حدود الموت أي الصليب [ أطاع (صار يُطيع – مزعن – ممتثل – خاضع) حتى الموت، موت الصليب ] (فيلبي 2: 8)، وبالطبع لم يفت على المسيح – له المجد – وهو يتقدم نحو الصليب أن يُنبه أذهاننا إلى أنه إنما يموت أولاً وقبل كل شيء ليُكمل مشيئة الآب: [ الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها ] (يوحنا 18: 11)

وطاعة المسيح – له المجد – كانت عن سرور لا عن حزن أو اكتآب أو اضطرار، فهو يقول [ طعامي أنأعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله ] (يوحنا 4: 34) …

فهو قدم نفسه بمسرة إرادته وبكامل حريته :

[ … وأسلم نفسه (بذل نفسه) لأجلنا قُرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة ] (أفسس 5: 2)، ولو عدنا للنص اليوناني للآية نجد اللفظة التي تؤكد على أن هذه الذبيحة المقدسة هي ذبيحة المحرقة أو تقدمة القربان، لأن فعلها يظهر كرائحة لأنها تُحرق، فلا رائحة إلا بالحرق، وهي تظهر رائحة حلوة للرضا والمسرة كما ذكرنا في شريعة المحرقة ….

Προσφοράν καὶ θυσίαν τῷ θεῷ εὶς ὀσμήν εὐωδίας
Prosphoran kai thusian to theo eis osmen euodias

تقدمة قربان ذبيحة لله ، رائحة طيبة – Προσφοράν ذبيحة محرقة، ليشمُها الله رائحة حلوة عطرة ذكية [ للرضا والمسرة ]

offering and a sacrifice to God for a sweet-smelling aroma
offrande et victime, comme un parfum d’agréable odeur

[ قدم نفسه ذبيحة محرقة ] و كما من عطر تفوح منها رائحة عطرة 

وواضح جداً في النص اليوناني الإشارة لذبيحة المحرقة للرضا والمسرة، والذي يؤكده القديس بولس الرسول في آيات مرتبطة وواضحة الإشارة لذبيحة ربنا يسوع كذبيحة محرقة :

[ كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم (بذل – قدم) نفسه – gave up – لأجلها – gave Himself for her … ] (أفسس 5: 25)

[ ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي – gave Himself for me – ] (غلاطية 2: 20)

[ المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا – gave Himself for our sins – ليُنقذنا من العالم الحاضر الشرير حسب إرادة الله وأبينا ] (غلاطية 1: 3و 4)

_____ملحوظة هامة_____

حينما نجد أن الرسول يقول في أماكن عديدة إن المسيح [ قدم ذاته ] أو [ قدم نفسه ] أو [ بذل نفسه فدية ]، فهو يُعبَّر عن المسيح ككاهن قدم بيديه، أي بمحض مسرة إرادته الحرة، ذبيحة جسده على الصليب [ ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي، لي سلطان أن أضعها و لي سلطان أن آخذها أيضاً هذه الوصية قبلتها من أبي ] (يو10: 18) [ فقال له بيلاطس أما تكلمني، الست تعلم أن لي سلطانا أن أصلبك و سلطاناً أن أطلقك، أجاب يسوع لم يكن لك علي سلطان البتة لو لم تكن قد أُعطيت من فوق لذلك الذي أسلمني إليك له خطية أعظم ] (يوحنا 19: 10 – 11) 

ونجد أن في حالة ذكر تقديم الذبيحة، إما في صيغة المبني للمجهول، حيث يقصد أن الذي قدمه على الصليب هم اليهود، أو بذكرهم صراحة أنهم قتلوه، فهنا يقف المسيح – له المجد – موقف من سلم نفسه وأعطى ذاته كخروف يُساق إلى الذبح. 

ولكن أروع صوره لذبيحة الصليب على الإطلاق هي التي ذكر فيها بولس الرسول أن الله هو الذي قدمه حسب القصد في قوله [ الذي قدمه الله – purposed the God – كفارة ] (رومية 3: 25)، وهنا تظهر مشيئة الله لتُغطي كل ملابسات تقديم المسيح – له المجد العظيم – على الصليب، سواء في مشيئة المسيح الرب نفسه أو في التغاضي عن جهالة الصالبين له وذلك لبلوغ منتهى قصد الله [ من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ] (رومية 3: 25) ، هذا يعني أن ذبيحة الصليب تشترك فيها مشيئة الآب الكلية، ومشيئة الابن المتجسد المطابقة والمستمدة من مشيئة الآب:

[ ثم قال ها أنا ذا أجيء ( آتي – والصيغة في اللغة اليونانية تأتي بمعنى الحاضر الممتد ) في درج الكتاب مكتوب عني ( كُتب لأجلي، لإظهار ما يخص دوري وعملي الذي أعمله ) لأفعل مشيئتك يا الله ( فقلت ها أنا ذا آتٍ – كما هو في الناموس المكتوب عني – أني سأفعل مشيئتك يا الله ) … فبهذه المشيئة نحن مُقدسونبتقديم [ Προσφοράς – برسفورا – وهي الكلمة الطقسية التي تُشير للذبيحة كما سبق وذكرنا ] جسد يسوع المسيح مرة واحدة ] (عبرانيين 10: 9و 10) …

+ عموماً جدير بنا الآن أن نخرج خارج المفهوم المعتاد عليه من جهة أن الصليب في نظرنا عملاً يختص بالخطية فقط، ولكن يليق بنا الآن أن نكشف ناحية جديدة أُخرى فيه، تختلف كل الاختلاف عن معنى الخطية: وهي هذه الطاعة العجيبة التي أكملها الابن نحو الآب، وتكميل مشيئته تماماً، كاشفاً بعمله الرائع عن نوع الصلة الخاصة التي ارتبط بها الابن بالآب، والتي نلمح فيها حدوداً عميقة لمعنى البنوة، فهو لم يأخذها اختطافاً، ولا ادَّعاها ادعاء مبهماً، ولكنه حقق واجبتها ووفها تماماً كابن حقيقي لله الآب فعلاً وقولاً وعملاً !!!

وهو بطاعته العميقة والمتسعة جداً، كشف ضمناً عن بره الشخصي، فالذي استطاع أن لا يعمل مشيئته قط بل مشيئة الله فقط كُلاً وجزءاً، هذه التي أكملها بكل اتساعها، قد أوضح بكل تأكيد أن له مثل ذات المشيئة عينها،لأن مشيئته ومشيئة الآب يستحيل أن تتعارض أو تختلف، لأنهما واحد في الجوهر ومشيئتهما تتفق طبيعياً، مع انه أخلى ذاته متخلياً عن مشيئته طائعاً مشيئة من أرسله [ لكنه أخلى [ جرد ] نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس إذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه و أطاع حتى الموت موت الصليب ] (فيلبي 2 : 7 – 8)، وبذلك يبرهن بغير لبس ولا إبهام على أنه هو والآب واحد [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 20)

لذلك كان صليب ربنا يسوع موضوع مسرة فائقة للآب القدوس، وكما يقول القداس الإلهي في دورات البخور [ هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة (ذبيحة محرقة) على الصليب عن خلاص جنسنا، فإشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة ] (رفع البخور – اعتراف الشعب)

هذا الوجه أتضح لنا جداً في طقس ذبيحة المحرقة، التي هي أولى الذبائح، والتي بدونها يستحيل على الإطلاق تقديم ذبيحة الخطية ولا ذبيحة الإثم، بل ولا أي ذبيحة أخرى أو تقدمة …

ومن وضعها في أول قائمة الذبائح، أدركنا أنه لولا إرضاء الابن للآب وتقديم طاعته له حتى الموت، ما أمكن قط أن يكون هناك مغفرة خطايا أو سلام للإنسان إطلاقاً …

أي أنه لولا طاعة المسيح – له المجد – أولاً، وتقديم نفسه كذبيحة محرقة، ما أمكن أن يُقدم نفسه على الصليب كذبيحة خطية وتُقبل هذه الذبيحة .

لذلك لا نجد في ذبيحة المحرقة أي ذكر للخطية، بل يدعوها الطقس [ محرقة وقود رائحة سرور (رائحة راحة) للرب (يهوه) ] (لاويين 1: 13) 

وكما رأينا في لاويين 1: 3 [ يقدمه للرضا عنه أمام الرب ] 

فالمحرقة إذن ذبيحة مسرة ورضا أمام الله، وهكذا كان الصليب أيضاً، بل ويجب أن يكون كذلك في ذهننا؛ فأول عمل أكمله المسيح اللوغوس المتجسد على الصليب هو تقديم نفسه ذبيحة محرقة في مسرة الطاعة، إيفاءً لواجبات البنوة في التجسد !

إذن فقبل أن نطرح خطايانا على صليب رب المجد الله المتجسد، يلزمنا – بالضرورة – أن نتقدم إليه فيطاعة الشاه التي تُساق إلى الذبح. وقبل أن نعرف مشيئة الآب السماوي، يلزمنا أن نخضع لها أولاً بسرورمهما كانت مُرة، ومهما ما قادتنا حتى إلى الصليب والموت …

فلنسمع ونصغي بالقلب لما يقوله حمل الله رافع خطية العالم : [ لهذا يحبُني الآب لأني أضع نفسي (الموت) [τίθημι τήν ψυχήν – وتنطق هكذا tithemi ten psuchen – بمعنى lay down the life – am-laying-down the soul ]، لآخذها أيضاً (القيامة) ] (يوحنا 10: 17)، ثم يستدرك القول لئلا يتبادر للذهن أنه قَبِلَ الصليب عن اضطرار أو تغصُب: [ ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي (أبذلها برضاي = حرية المسيح الرب المطلقة) ] (يوحنا 10: 18)

ولكن السؤال الهام لنا الآن: هل يُمكن أن ننال هذه الطاعة، طاعة المحرقة أو طاعة الصليب كما أكملها المسيح الرب ؟

الجواب نجده واضحاً في طقس ذبيحة المحرقة إذ يقول الطقس بكل تدقيق: إن مُقدم ذبيحة المحرقة [ يضع يده على رأس المحرقة فيُرضى عليه ] (لاويين1: 4)؛ وهنا وضع اليد يُهيئ لمُقدم الذبيحة أن يشترك في صفات الذبيحة، وما لم يكن مُمكناً أن يعمله للرضا عنه (أي الاحتراق) يناله من تقديم الذبيحة لتُحرق عوضاً عنه …

وهكذا نجد أن الإشارة واضحة وبليغة للغاية: أن من يؤمن بذبيحة المسيح الرب الذي قدم ذاته ذبيحة طاعةينال في المسيح طاعته لله الآ . بل وينال مع المسيح الرب رضا الآب عنه ، لأن الآب لا يرضى إلا بذبيحة الابن !!!

ونحن صرنا شركاء في ذبيحة الصليب، لا بوضع اليد فقط – كما في العهد القديم – بل والقلب بالإيمان الحي والصادق بذبيحة شخص المسيح اللوغوس المتجسد ابن الله الحي : [ مع المسيح صُلبت ] (غلاطية 2: 20)

شكراً لله بالمسيح يسوع، إذ قد صرنا بدم المسيح الرب رائحة مقبولة لدى الله الآب [ ولكن شكراً لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان ، لأننا رائحة المسيح الذكية لله – εὐωδία – a sweet smell ] (2كورنثوس 2: 14و 15) 

لقد صرنا فعلاً موضع رضا ومسرة، آخذين في أنفسنا – بالإيمان – ثمرة ذبيحة محرقة المسيح على الصليب !!

وما هي ثمرة ذبيحة المحرقة ؟ 

يُحددها الطقس بوضوح – في العهد القديم: [ يضع يده على رأس المحرقة فيُرضى عليه للتكفير عنه ]، فالرضا يُقدمنا للكفارة، والكفارة تُقدمنا لاستحقاق قبول الصفح عن الخطايا السالفة أو السابقة، لأنه كيف يغفر الله لنا خطايانا وهو لم يرضى عنا بعد !!!

ولكن شكراً لله لأن المسيح الرب صار ذبيحة رضا ومسرة عن كل الذين يتقدمون به إلى الآب، ولو تأملنا تقديم ذبيحة المحرقة، نجد أن لها ترتيباً خاصاً دون سائر جميع الذبائح الأخرى والتقدمات: إذ ينُص الطقس على ضرورة سلخ الذبيحة وتقطيعها قطعاً وغسلها غسلاً بالماء، كل جوفها وأحشاؤها وقِطَعِها على المذبح، ليُظهر كل ما فيها أمام الله حتى أعماقها الداخلية (لاويين 1: 9) …

وما هذا !!! أليست هذه إشارة واضحة كالشمس إلى الفحص الذي جازه المسيح الرب أمام الله من جهة عمله وسلوكه وخدمته وأقواله ؟ فلم يوجد فيه عله واحده على الإطلاق، حتى بشهادة بيلاطس نفسه الذي أمر بصلبه [ فقال لهم ثالثة (بيلاطس المتكلم) فأي شر عمل هذا. إني لم أجد فيه علّه (علّه = οὐδὲν = nothing =je n’ai rienللموت ] (لوقا 23: 22)، وذلك كما شهد إشعياء بروح النبوة [ لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش ] (إشعياء 53: 9)، بل وهو نفسه شهد عن نفسه – وشهادته حق – قائلاً: [ من منكم يُبكتني على خطية ] (يوحنا 8: 46)، وقد قال هذا وهو يتقدم إلى الصليب كشهادة لبر ذبيحته، وتأكيد أنه ذبيحة محرقة أفضل من الرمز الذي قدمه الطقس قديماً بما لا يُقاس …

ولنا أن نفهم ماذا يقصد الرب بدقة بكلمة من منكم يُبكتني: [ فكلمة يُبكتني في اليونانية – ἐλὲγχει –elegchei)convinced = is-exposing ) هذه الكلمة اليونانية بحد ذاتها هي اصطلاح قانوني يُفيد الفحص المضاد من محامي الخصم، وهو نوع من [ إقامة الدليل الضد ]، وهي تقوم على إثبات الخطأ بالدليل المُدعم، إما بشهادة الشهود، أو بالوثائق الدامغة، أو بمهارة المُحقق في جعل المتهم يعترف ضد نفسه. وقد أورد الإنجيل هذا المصطلح في يوحنا 16: 8 عن الروح القدس أنه [ يُبكت العالم على خطية … ] 

فالمسيح رب المجد بقوله [ من منكم يُبكتني على خطية ] يكون قد كشف كشفاً واضحاً على المستوى التي تعيش فيه بشريته، أنه مستوى يفوق كل قامة البشر – حيث يستحيل أن يوجد إنسان بلا خطية – وبهذا يكون هذا النص هو استعلان للمستوى الإلهي الذي كان يعيشه المسيح في بشريته، وهو المعروف في اللاهوت: أن المسيح ” بلا خطية ” [ لأن ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفاتنا بل مُجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية (بلا اقتراف خطية – بمعزل عن الخطية – لأنها لا تستطيع أن تمسه أو يتعامل معها- مستحيل – استحالة مطلقة – أن توجد فيه خطية أو شبه خطية واحدة قط) ] (عبرانيين 4: 15)

فواضح هنا على مستوى فحص الذبيحة أن الرب نفسه يجتاز أي فحص بجدارة لأنه القدوس حمل الله الذي بلا عيب ومؤهل كل التأهيل أن يكون ذبيحة محرقة للرضا التام والمسرة، وبسبب كماله المطلق يستحيل أن تقدم بعده ذبيحة محرقة أخرى لأن فيه الكل صار مرضي عنه، شرط أن يتوب ويؤمن به ذبيحة محرقة تامة، ويثمر إيمانه طاعة لأنه يستمد الطاعة من طاعة الرب يسوع بإيمان حي بالذبيح الذي صار رائحة رضا ومسرة دائمة وإلى الأبد …

ونختتم الكلام عن هذه الذبيحة العظيمة والتي هي أول الذبائح، والتي لا تقدم إلا بها، ونعود نركز لكي تنطبع هذه الذبيحة في أذهاننا وفعلها يصير في قلوبنا بالإيمان بحمل الله، ونذكر قول الرب لموسى قائلاً:

[ وكلم الرب موسى قائلاً: … هذه هي شريعة المحرقة، هي المحرقة تكون على الموقدة فوق المذبح كل الليل حتى الصباح ونار المذبح تتقد عليه. ثم يلبس الكاهن ثوبه من كتان ويلبس سراويل من كتان على جسده ويرفع الرماد الذي صيَّرت النار المحرقة إياه على المذبح ويضعه بجانب المذبح. ثم يخلع ثيابه ويلبس ثياباً أُخرى، ويُخرج الرماد إلى خارج المحلة إلى مكان طاهر. والنار على المذبح تتقد عليه، لا تُطفأ. ويُشعل عليها الكاهن حطباً كل صباح، و يُرتب عليها المحرقة ويوقد عليها شحم ذبائح السلامة، نار دائمة تتقد على المذبح، لا تُطفأ ] (لاويين 6: 8 – 13) .

لنلاحظ ونركز على أن هذه الذبيحة تتركز في كونها تظل فوق المذبح كل الليل وحتى الصباح، والنار على المذبح تلتهم المحرقة مع شحم ذبائح السلامة، نار دائمة تتقد على المذبح، لا تُطفأ، ومحرقة دائمة لا يخلو المذبح منها إطلاقاً. وذلك إشارة واضحة إلى ذبيحة المسيح الرب، حمل الله، الكاملة التي صارت محرقة ووقوداً مستمراً أمام الآب يشمه كل حين وإلى الأبد رائحة سرور ورضا – كما رأينا في شرحنا السابق بتدقيق – فيتحنن على البشرية بسبب برّ المسيح وطاعته حتى الموت من أجل خلاص جنس البشر . وكما التهمت النار الذبيحة، هكذا ابتُلع الموت إلى غلبة بموت المسيح وقيامته. والكتان الذي يلبسه الكاهن لكي يرفع رماد المحرقة ويضعه بجانب المذبح، يُشير إلى برّ المسيح الذاتي وجسد قيامته؛ لأنه إذ أطاع حتى الموت موت الصليب، لكي يكمل مشيئة أبيه الصالح، قام ببره الذاتي غالباً الموت وحاملاً معه مفاعيل عمله العظيم الذي أكمله على الصليب. فالرماد إشارة إلى كمال المحرقة وقبولها أمام الله.

تابع دراسة في الذبائح (17) ذبيحة المحرقة ὁλοκαύτωμα الطاعة ومعنى العصيان.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12
[ الجزء 17 ]
تابع [1] الوجه الأول من أوجه الصليب
ذبيحة المحرقة – ὁλοκαύτωμα – עלׇה

[جـ] ذبيحة المحرقة ذبيحة الطاعة، وما هو معنى العصيان
للرجوع للجزء السادس عشر أضغط هنـا.

+ ذبيحة المحرقة ، ذبيحة الطاعة 

أن أول وأهم وجه من أوجه الصليب هو : طاعة الابن للآب ! [ أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائرا في شبه الناس. و إذ وُجِدَ في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ] (فيلبي 2: 7 – 8)
وقبل أن نتكلم عن طاعة الابن للآب وندخل في عمق الصليب، ينبغي أن نعرف أولاً أهمية هذه الذبيحة بالنسبة لحالة لسقوط الذي تم في الخليقة، لأنه منذ بداية حياة الإنسان حدثت مأساة تُسمى العصيان [ἀπεὶθει – apeitheia – لا يطيع، مُعاند، لا يقنع، لا يؤمن، يعصى، عاصي ] وممكن للمعنى أن يشمل معنى [ يضل – يفسد ] ويُفيد معنى التضليل أو الضلال والتيه والحيدان عن الطريق المستقيم، وبمعنى أدقالضلال عن الحق، وأصل الكلمة مشتق من الكلمة التي تعني [ يثق – يعتمد على ] والكلمة هنا [ عصيان ] تظهر كنتيجة عكسية للثقة والاعتماد، والثقة عموماً تستند على أمانة الله في مواعيد عهد ، واختياره ووعده [ الرب لي فلا أخاف، ماذا يصنع بي الإنسان … الاحتماء بالرب خيرٌ من التوكل على إنسان … أما الرب فعضدني … قوتي وترنيمتي الرب وقد صار لي خلاصاً … يمين الرب صانعة ببأس، يمين الرب مرتفعة … لا أموت بل أحيا وأُحدث بأعمال الرب ] (أنظر المزمور 118)؛ [ في ذلك اليوم يلتفت الإنسان إلى صانعه وتنظر عيناه إلى قدوس إسرائيل . ولا يلتفت إلى المذابح صنعة يديه ولا ينظر إلى ما صنعته أصابعه السواري … ] (إشعياء 17: 7 – 8) 



عموماً المعنى العام للكلمة [ العصيان ] باختصار تُفيد أو تحمل معنى يُقنع أو يستميل، وذلك للتضليل والإفساد [ فلم يسمعوا لي ولم يميلوا أُذنهم بل ساروا في مشورات وعناد قلبهم الشرير وأعطوا القفا لا الوجه. فمن اليوم الذي خرج فيه آباؤكم من أرض مصر إلى هذا اليوم أرسلت إليكم كل عبيدي الأنبياء مُبكراً كل يوم ومرسلاً. فلم يسمعوا لي ولم يميلوا أُذنهم بل صَلَّبوا رقابهم أساءوا أكثر من آبائهم ] [ أنظر إرميا الإصحاح السابع بكاملة وذلك للأهمية ] 

عموماً نجد أن الله أوصى آدم مُعطياً وصية واحدة لتحفظ حريته واختياره قائلاً: [ من جميع شجر الجنة تأكل وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها … ] (تكوين 1: 16 – 17)
ولكن آدم عصى الله وكسر الوصية [ فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجُلها أيضاً معها فأكل ] (تكوين 3: 6)
وبالطبع الخليقة كلها بدورها سارت على نفس ذات الدرب في طريق التمرد والعصيان [ بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خُطاة ] (رومية 5: 19)، وطبعاً المعصية هنا لها معنى هام وخطير لابد من فهمه بدقة وتركيز، لأننا إن لم نفهم معنى المعصية الحقيقي من جهة خبرتنا كبشر، لن نقدر أن نستفيد من ذبيحة المحرقة التي قدمها ربنا يسوع بذبيحة نفسه …


فكلمة معصية [ ἀφίστημι – aphistemi ] كفعل متعدِ يعني [ حالة تمرد، ضلال ]، وكفعل لازم يعني[ يخرج، ينسحب، يُغادر ]، وفي اليونانية الكلاسيكية تعني يُخبأ أو يعزل من علاقة أو ينعزل عن شركة مع شخص. وتعني أيضاً أن ينقلب ضد أحدهم بسبب العصيان. وتعني في الفعل [ غير متعمد أن يعزل نفسه ]، ولنا أن نفهم أن أحياناً الإنسان لا يقصد أن ينعزل عن الله عن قصد، ولكن طبيعة العصيان التلقائي ونتيجتهالطبيعية هو الانعزال والانفصال، وتعني أيضاً [ يرحل، ينسحب من، يستسلم ل، تدهور ] ومن هذا الكلمة يشتق المعنى [ عصيان – ارتداد – هروب ] .

[1] المعنى العبري للكلمة في العهد القديم :

ترد كلمات فئة هذه الكلمة أكثر من 250 مرة في الترجمة السبعينية، مترجمة لحوالي 40 كلمة عبرية مختلفة، لهم أهمية لاهوتية خاصة، حين يستخدمون لترجمة أشكال من الكلمة מַעַל إذ تُستخدم في التصرف بخيانة أو ضد القانون، أو ليعصى أو يتعدى على، أو يثور :

* التصرف بخيانة أو ضد القانون [ وقاوموا عُزيا الملك وقالوا له ليس لك يا عُزيا أن تُوقد للرب بل للكهنة بني هارون المُقدسين للإيقاد (تصرف ضد القانون). أخرج من المقدس لأنك خُنت وليس لك من كرامة من عند الرب الإله ] (2أخبار أيام 26: 18) [ لأن الرب زلل يهوذا بسبب آحاز ملك إسرائيل أَجمحَ (ضلل) يهوذا وخان الرب خيانة (الرب أزل يهوذا بسبب آحاز ملكها الذي ضلل شعبها وخان الرب خيانة) … وفي ضيقه زاد خيانة بالرب ، الملك آحاز هذا (وكان آحاز يزيد خيانة للرب كلما اشتد عليه الضيق) ] (2أخبار أيام 28: 19، 22)

* ليعصى يتعدى على [ في أيامه عصى أدوم من تحت يد يهوذا وملكوا على أنفسهم ملكاً … فعصى آدوم من تحت يد يهوذا إلى هذا اليوم . حينئذ عصت (ثارت وانفصلت) لبنة في ذلك الوقت من تحت يده لأنه ترك الرب إله آبائه ] (2أخبار أيام 21: 8 و10) 

* يعصى – يثور – يتمرد [ اثنتي عشر سنة استُعبدوا لكدرلعومر والسنة الثالثة عشر عصوا عليه ] (تكوين 14: 4) ، [و عصوا و تمردوا عليك و طرحوا شريعتك وراء ظهورهم و قتلوا أنبياءك الذين اشهدوا عليهم ليردوهم إليك وعملوا إهانة عظيمة ] (نح 9 : 26)

[2] معنى الكلمة في اليونانية الكلاسكية وتظهر في العهد القديم بهذه المعاني :

* تعني النقل بمعناه الواسع [ ثم نقل من هُناك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته ] (تكوين 12: 8) 

* الفصل بين الأشخاص [ فأبعده شاول عنه (أبعد داود عنه) وجعله له رئيس ألفٍ فكان يدخل ويخرج أمام الشعب ] (1صموئيل 18: 13) ، [ أبعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم . لأن الرب قد سمع صوت بكائي ] (مزمور 6: 8)

* الانسحاب من علاقة أو الفك من إلزام أو من وضع [ ومن ابن خمسين سنة يرجعون (ينسحبون) من جُند الخدمة ولا يخدمون بعد ] (عدد 8: 25) ، [ من أجل ذلك ابتعد (الانسحاب من وضع) الحق عنا ولم يُدركنا العدل . ننتظر نوراً فإذا ظلام . ضياء فنسير في ظلام دامس ] (إشعياء 59: 9)

+ وتعني هذه الكلمة [ العصيان – ἀφίστημι – aphistemi ] في السياق الديني 

(1) المعنى الأول أو الاتجاه الأول كنتيجة : [ مفارقة الله لشعبه أو الطرح من أمام الله أو العزلة عن الله ] :
[ وقالت – المرأة التي أحبها شمشون في وادي سُورق اسمها دليلة – الفلسطينيين عليك ( هجم عليك الفلسطينيين ) يا شمشون فانتبه من نومه وقال أخرج حسب كل مره وانتفض . ولم يعلم أن الرب قد فارقه ] (قضاة 16: 20)
[ وكان أن بني إسرائيل أخطأوا إلى الرب إلههم الذي أصعدهم من أرض مصر من تحت يد فرعون ملك مصر واتقوا آلهة أخرى ، وسلكوا حسب فرائض الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل … وتركوا جميع وصايا الرب إلههم … وباعوا أنفسهم لعمل الشر في عيني الرب لإغاظته . فغضب الرب جداً على إسرائيل ونحاهم من أمامه ولم يبقى إلا سبط يهوذا وحده . ويهوذا أيضاً لم يحفظوا وصايا الرب إلههم بل سلكوا في فرائض إسرائيل التي عملوها . فرذل الرب كل نسل إسرائيل وأذلهم ودفعهم ليد ناهبين حتى طرحهم من أمامه ] (أنظر للأهمية 2ملوك 17 : 7 – 23)


(2) المعنى الثاني أو الاتجاه الثاني كنتيجة للعصيان الذي يأتي بمعنى التذمر أيضاً : [ حجب عطايا الله وإزالة حمياته الخاصة = الموت ، وعدم السلام الناتج عن الإثم بسبب العصيان والابتعاد عن الله ] : 
[ فسقط موسى وهارون على وجهيهما أمام معشر جماعة بني إسرائيل ويشوع بن نون وكالب ابن يفنه من الذين تجسسوا الأرض ، مزقا ثيابهما وكلما كل جماعة بني إسرائيل قائلين : ألأرض التي مررنا فيها لنتجسسها الأرض جيدة جداً جداً . إن سُرَّ بنا الرب يُدخلنا إلى هذه الأرض ويُعطينا إياها أرضاً تفيض لبناً وعسلاً . إنما لا تتمردوا على الرب ولا تخافوا من شعب الأرض لأنهم خبزنا قد زال عنهم ظلهم والرب معنا . لا تخافوهم ، ولكن قال كل الجماعة أن يُرجما بالحجارة . ثم ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع لكل بني إسرائيل . وقال الرب لموسى حتى متى يُهينني هذا الشعب … وكلم الرب موسى وهارون قائلاً : حتى متى أغفر لهذه الجماعة الشريرة المتذمرة عليَّ . قد سمعت تذمر بني إسرائيل الذي يتذمرونه عليَّ . قل لهم حي أنا يقول الرب لأفعلن بكم كما تكلمتم في أُذني [ رد الفعل = الفعل – لأن هذه هي نتيجة طبيعية لعصيانهم وتذمرهم ] ، في هذا القفر تسقط جثثكم جميع المعدودين منكم حسب عددكم من ابن عشرين سنة فصاعداً الذين تزمروا علي . لن تدخلوا الأرض التي رفعت يدي لأسكنكم فيها ما عدا كالب بن يفنه ويشوع بن نون ] (أنظر للأهمية واستكمال المعنى عدد 14: 5 – 45) 
[ ها إن يد الرب لم تُقصر عن أن تُخلص ولم تثقل أُذنه عن أن تسمع . بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم ، وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع . لأن أيديكم قد تنجست بالدم وأصابعكم بالإثم . شفاهكم تلكمت بالكذب ولسانكم يلهج بالشر . ليس من يدعو بالعدل وليس من يُحاكم بالحق . يتكلمون على الباطل ويتكلمون بالكذب قد حبلوا بالتعب وولدوا إثماً … أعمالهم أعمال إثم وفعل الظلم في أيديهم . أرجلهم إلى الشر تجري وتُسرع إلى سفك الدم الزكي . أفكارهم أفكار إثم . في طريقهم اغتصاب وسحق . طريق السلام لم يعرفوه وليس في مسالكهم عدل . جعلوا لأنفسهم سُبلاً مُعْوَجة . كل من يسير فيها لا يعرف سلاماً …
من أجل ذلك ابتعد الحق عنا ولم يُدركنا العدل . ننتظر نوراً فإذا ظلام ضياء فنسير في ظلام دامس . نلتمس الحائط كعُمي وكالذي بلا أعين نتجسس . قد عثرنا في الظهر كما في العتمة . في الضباب كالموتى … ننتظر عدلاً وليس هو وخلاصاً فيبتعد عنا ، لأن معاصينا معنا وآثامنا نعرفها . تعدينا وكذبنا على الرب وحدنا من وراء إلهنا . تكلمنا بالظلم . والمعصية حبلنا ، ولهجنا من القلب بكلام الكذب وقد ارتد الحق من وراء والعدل يقف بعيداً . لأن الصدق سقط في الشارع والاستقامة لا تستطيع الدخول ] (إشعياء 59: 1 – 14)

وعموماً السبب في هذه النتيجة كما رأيناها ، ليس الله بالطبع لأن الله يُريد أن يُخلص الإنسان ويقوده لحياة شركة مقدسه معه في النور ، ولكن السبب الحقيقي هو رغبة الإنسان نفسه في الابتعاد عن الله ، لذلك يتذمر ويعصى وصاياه بل ويحتقر عطاياه [ حين قسم العلي للأمم حين فرق بني آدم نصب تخوماً لشعوب حسب عدد بني إسرائيل . إن قسم الرب هو شعبه … وجده في أرض قفر وفي خلاء مستوحش خَرِبٍ ، أحاط به ولاحظه وصانه كحدقة عينه كما يُحرك النسر عشه وعلى فراخه يرف ويبسط جناحيه ويأخذها ويحملها على مناكبه هكذا الرب وحده اقتاده وليس معه إله أجنبي . أركبه على مرتفعات الأرض فأكل ثمار الصحراء وارضعه عسلاً من حجر وزيتاً من صوان الصخر . وزبدة بقر ولين غنم مع شحم خراف وكباش أولاد باشان وتيوس مع دسم لُب الحنطة . ودم العنب شربته خمراً .
فسُمن بشُورون ورَفَسَ (دليل العصيان) سَمنت وغلُظت واكتسبت شحماً فرفض الإله الذي عمله وغَبِىَ عن صخرة خلاصه … نسيت الله الذي أبدأك . فرأى الرب ورذل من الغيظ بينه وبناته . وقال أحجب وجهي عنهم وأنظر ماذا تكون آخرتهم . إنهم جيل متقلب أولاد لا أمانة فيهم ] (تثنية 32: 8 – 18)
[ هكذا قال الرب : ماذا وجد فيَّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا عني (بإرادتهم واختيارهم) وساروا وراء الباطل وصاروا باطلاً ولم يقولوا أين هو الرب الذي أصعدنا من أرض مصر الذي سار بنا في البرية في أرض قفر وَحُفَرٍ في أرض يُبُوسة وظل الموت في أرض لم يعبرها رجل ولم يسكنها إنسان . وأتيت بكم إلى أرض بستان لتأكلوا ثمرها وخيرها فأتيتم ونجستم أرضي وجعلتم ميراثي رجساً . الكهنة لم يقولوا أين هو الرب وأهل الشريعة لم يعرفوني والرعاة عصوا عليَّ والأنبياء تنبأوا ببعل وذهبوا وراء ما لا ينفع ] (إرميا 2: 5 – 8)
[ أذهب ونادي بهذه الكلمات نحو الشمال وقل أرجعي أيتها العاصية إسرائيل يقول الرب . لا أوقع غضبي بكم لأني رءوف يقول الرب . لا أحقد إلى الأبد . أعرفي فقط إثمك أنك إلى الرب إلهك أذنبت وفرقت طرقك للغرباء تحت كل شجرة خضراء ولصوتي لم تسمعوا يقول الرب . ارجعوا أيها البنون العصاة يقول الرب … ] (أنظر إرميا 3: 12 – 14)
فواضح هنا خطورة العصيان ومعناه الحقيقي الذي يؤدي إلى الانفصال عن الله والتيه وراء آلهة غريبة لأن الإنسان رفض بإرادته وصايا الله وتمرد عليها ساعياً نحو شهوة قلبه واللذة الوقتية ، بل وأيضاً هذا العصيان لا يقف عند رفض الوصية وينتهي بل يمتد ليصل لاحتقار عطايا الله والازدراء بها بل ويصل لحد الاستهزاء بالحياة معه وقد تصل عملياً بالاستهزاء بكل ما هو مقدس أو إلهي …. [ وأما أطفالكم الذين قلتم يكونون غنيمة (قال هذا شعب إسرائيل حينما رفض أن يعبر الأردن ليدخل الأرض الذي وعدهم الله بها خوفاً من الهزيمة في عدم ثقة في الله وتذمروا عليه) فإني سأدخلهم فيعرفون الأرض التي احتقرتموها ] (عدد14: 31) ، [وعصوا وتمردوا عليك وطرحوا شريعتك وراء ظهورهم وقتلوا أنبيائك الذين أشهدوا عليهم ليردوهم إليكوعملوا إهانة عظيمة ] (نحميا 9: 26)
وهنا يتضح تطور العصيان لنتائج خطيرة للغاية ، فبداية السقوط هو العصيان ورفض الوصية والنتيجة قد تصل لأهوال لا يصدقها إنسان ، فالبداية العصيان والتمرد ثم طرح شريعة الله ورفض الوصية وقد يصل الموضوع لاحتقار الله وعمله كله ، وإهانة أولاده الأتقياء ورفض خدمتهم قد تصل لحد قتلهم وتسكيت أصواتهم لأن أصبح صوت الله مرفوضاً من القلب لأن الإنسان لا يريد أن يتوب أو يعود عن عصيانه !!!
ويُعبَّر عن هذا العصيان غالباً في ممارسة عبادة أخرى غير الله الحي كما نرى في [ تثنية 7: 4 ؛ 13: 10و 13 ؛ قضاة 2 ] ، وأيضاً تظهر في سلوك أخلاقي غير مطيع لله يؤدي للموت [أنظر للأهمية حزقيال 33: 7 – 20 وأيضاً تثنية 9: 9 – 29]

وعلينا أن نفهم من هذه الخلفية السريعة سبب التحذير من خطية العصيان ، والتحذير من الحض على الخطية التي نطق بها الأنبياء سبب نتائجها الخطيرة جداً على الإنسان [ ابتعد عن كلام الكذب ولا تقتل البريء والبار . لأني لا أُبرر المذنب ] (خروج23: 7)، [ طريق الكذب أبعد عني وبشريعتك ارحمني . اخترت طريق الحق . جعلت أحكامك قدامي . لصقت بشهاداتك . يا رب لا تخزني . في طريق وصاياك أجري لأنك ترحب قلبي ] (مزمور 119: 29 – 32)؛ [ اعتزلوا اعتزلوا أخرجوا من هُناك لا تمسوا نجساً . اخرجوا من وسطها تطهروا يا حاملي آنية الرب لأنكم لا تخرجون بالعجلة ولا تذهبون هاربين لأن الرب سائر أمامكم وإله إسرائيل يجمع ساقتكم ] (إشعياء 52: 11 – 12)

وترد هذه الكلمة [ ἀφίστημι – aphistemi ] في العهد الجديد بمعناها الواسع وهي تُشير بالأكثر إلىانقسام الشعب كما نراها واضحة في سفر أعمال الرسل ، حينما كان الشعب الإسرائيلي ورؤساء الكهنة محتارين فيهم وحسب بسببهم انقسام بين الشعب [أنظر أعمال 5 ، أعمال 22] ، وأيضاً كما في العهد القديم يأتي تحذير المؤمنين من التلمذة للرب يسوع الغير مثمرة . لأن الذين يفشلون في اقتناص النعمة الممنوحة الآن من الرب يسوع المسيح ، ولم يحذروا من الخطية وعمل الإنسان العتيق متمسكين بالإنسان الجديد الذي يتجدد كل يوم حسب صورة خالقه ، فقد يجدون أنفسهم في يوم ما مفصولين للأبد عن الرب الذي أعطانا المصالحة بدم صليبه كما سوف نرى من خلال استكمال دراستنا بنعمة الله [ فقال له واحد يا سيد أقليل هم الذين يخلصون فقال لهم. اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق فاني أقول لكم أن كثيرين سيطلبون أن يدخلوا و لا يقدرون. من بعدما يكون رب البيت قد قام و أغلق الباب و ابتدأتم تقفون خارجا و تقرعون الباب قائلين يا رب يا رب افتح لنا يجيب و يقول لكم لا أعرفكم من أين انتم. حينئذ تبتدئون تقولون أكلنا قدامك و شربنا و علمت في شوارعنا. فيقول أقول لكم لا أعرفكم من أين انتم تباعدوا عني يا جميع فاعلي الظلم. ] (أنظر للأهمية لوقا 13: 22 – 30 )

وتُشير الكلمة أيضاً في تيموثاوس إلى السلوك الأخلاقي [ ليتجنب الإثم كل من يُسمى اسم المسيح ] (2تيموثاوس 2: 19) ، بل ويمتد المعنى عند القديس بولس لإظهار الأزمنة الأخيرة ، والتي تُسمى أزمنة الارتداد وعدم معرفة الحق والالتزام بالتعليم الصحيح : [ و لكن الروح يقول صريحا انه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الأيمان تابعين أرواحاً مضلة و تعاليم شياطين. في رياء أقوال كاذبة موسومة ضمائرهم. مانعين عن الزواج و آمرين أن يمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين و عارفي الحق. لان كل خليقة الله جيدة و لا يرفض شيء إذا أُخذ مع الشكر لأنه يقدس بكلمة الله و الصلاة.
و لكن اعلم هذا انه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة. لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم محبين للمال متعظمين مستكبرين مجدفين غير طائعين لوالديهم غير شاكرين دنسين. بلا حنو بلا رضى ثالبين عديمي النزاهة شرسين غير محبين للصلاح. خائنين مقتحمين متصلفين محبين للذات دون محبة لله. لهم صورة التقوى و لكنهم منكرون قوتها فاعرض عن هؤلاء. فانه من هؤلاء هم الذين يدخلون البيوت و يسبون نسيات محملات خطايا منساقات بشهوات مختلفة. يتعلمن في كل حين و لا يستطعن أن يقبلن إلى معرفة الحق أبداً. و كما قاوم ينيس و يمبريس موسى كذلك هؤلاء أيضاً يقاومون الحق أُناس فاسدة أذهانهم و من جهة الإيمان مرفوضون. لكنهم لا يتقدمون أكثر لان حمقهم سيكون واضحا للجميع كما كان حمق ذينك أيضاً ] (أنظر تيموثاوس الأولى 4 : 1 – 5 ، 2تيموثاوس 3: 1 – 9)

وربما عموماً يشير لو 8: 13 إلى الارتداد كنتيجة لإغراءات آخر الأيام . [ والذين على الصخر (يتكلم على البذرة التي سقطت على الصخر) هم الذين متى سمعوا يقبلون الكلمة بفرح . وهؤلاء ليس لهم أصل فيؤمنون إلى حين وفي وقت التجربة يرتدون ] ، حيث هنا يذكر الناس الذين آمنوا وقبلوا الإنجيل بفرح ، لكن تحت ضغط الاضطهاد والمعاناة الآتية بسبب الإيمان ، يتخلون عن علاقتهم وشركتهم بالله ، وبناء على عبرانيين 3: 12 [ أنظروا أيها الإخوة أن لا يكون في أحدكم قلب شرير بعدم إيمان في الارتداد عن الله الحي ] ، فأن الارتداد يكون من حركة عدم الإيمان وبسبب الخطية الساكنة في القلب والتي تجعل الإنسان في النهاية يتمرد ويرفض وصية الله ويصبح مرتداً ، وهنا تكمن خطورة العصيان على المستوى العملي في حياتنا !!!


_______يتبع_______
 
وفي الجزء القادم سنتكلم عن
المسيح يقدم نفسه ذبيحة طاعة


Exit mobile version