سرّ عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار – أيمن فايق

+ لا يستطع إنسان أن يفهم مخارج كلمات وألفاظ لغة غريبة عنه، بل دائماً ما يفهم اللغة التي ينطق بها وتعلمها منذ الصغر أو درسها ومارس النطق بها لأنها لغته الخاصة والتي يتحدث بها داخل المجتمع الذي يعيش فيه، فلا يستطيع الإنسان أن يفهم لغة من هو غريب عنه، وبالتالي لا يقدر أن يتفاهم معه أو يفهم قصده: [ فأن كنت لا أعرف (أجهل) قوة اللغة (إذا جهلت معنى الألفاظ – لا أعرف معنى اللغة) [ I don’t know the meaning of the language ] أكون عند المتكلم أعجمياً (أجنبي – غريب لا أعرف) والمتكلم أعجمياً عندي (لا يستطيع أن يفهمني) ] (1كورنثوس 14: 11)

+ فالتواصل مع الآخر وإنشاء علاقة مودة وصداقة لا يتم إلا بمعرفة وإتقان اللغة التي يتكلم بها، الأمر الذي بدونه يكون الإنسان غريباً عن الآخر، لا يستطع أن يتفاهم معه أو يُقيم حوار، وهكذا بالنسبة لعلاقتنا بالله القدوس الحي، فلكي يكون لنا القدرة على إنشاء علاقة حية مع الله لابد لنا أن نفهم ونستوعب اللغة التي يكلمنا بها !!!
فلو نلاحظ أن أحياناً كثيرة لا يستطيع البعض أن يفهم كلمة الله ويستوعب أسرارها ويستشعر قوتها في حياته الشخصية على المستوى العملي كخبرة وحياة، فقد يفحصها ويفهمها على المستوى العقلي وترتيب الكلام والمعاني القاموسية في أساسيات اللغة، ولكنه لا يستطع أن يدخل لسرها المجيد وتُحفر في قلبه بأزميل الله الخاص ليتشكل حسب صورة الله فيحيا بها، وبها يتعلم أصول الكلام مع الله ليُقيم حوار خاص بإيمان حي رائي الله ناطق بالمحبة في سر التقوى !!!فحينما يأتي أحد لكلمة الله بهذه الحال المنعدم من انفتاح الذهن على النور الإلهي وعدم الإحساس بقوة فاعليتها في حياته إذ تعمل فيه وتشكله على صورة خالقه في القداسة والحق، تكون النتيجة الطبيعية [ فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما ] (لوقا 2: 50)

++ يا إخوتي أن كلمة الله لها طبعها الخاص، فطبعها سماوي وليس أرضي، وليس أيضاً فكري بشري قابل للفحص العقلي وفلسفة الإنسان، لأن اللغة الأرضية ميتة ليس فيها حياة لأنها وليدة العقل وليست هي الشخص أي ليست شخصية فيها حياة، أما اللغة السماوية تنبض بحياة الله، لأن كلمة الله كلمة حياة، لأن الكلمة هو الله، والله ليس كلمة منطوقة مثل كلمة البشر كما يظن البعض، وليس هو العقل أو الفكر، بل هو شخص الله القدوس الحي، فحينما يتكلم الله: “ينطق بشخصه”، لأن كلمة الله هي شخص الكلمة المتجسد، الذي حينما يفتح فاه ليُعلم يسكب حياته بتعليمه في قلب من يصغي ويسمع ليعمل ويُطيع سلطان كلمة الحياة الخارجة منه !!!

فكلمة الله حينما تخرج من الله تُحْفَر في القلب بالروح الناري وتشع حياة وتعمل وتنجح فتُثمر لحساب مجد الله وتُغير الإنسان وتشع فيه نور وتملئه من حياة الله [ هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل ما سُررت به و تنجح فيما أرسلتها له ] (إشعياء 55: 11)

+++ طبيعة كلمة الله +++

أولاً لا ينبغي أن يظن أحد أن كلمة الله يُنطق بها للعلم والمعرفة، وتُعطى فكراً لفكر، أو أن تُفحص على المستوى القاموسي والدراسي والمقارنات كما نفعل في باقي العلوم والدراسات، فأننا نُريد اليوم أن نتعرف على طبيعة كلمة الله وقوتها كما عاشها الرسل وسلموها لنا كما هي في عمق جوهرها الإلهي، فلنركز في هذه الآيات التي ينبغي أن نستوعبها على مستوى القلب وسماع صوت الله الحي وليس على مستوى البحث والفحص العقلي المنطقي، لأن كل ما هو خاضع للعقل البشري وفلسفته ومنطقه ينبع من الفساد، لأن الإنسان الذي اختبر السقوط قد فسد ولا يستطيع إطلاقاً من نفسه أن يرتقي لمستوى كلمة الله أن لم ينال الاستنارة الإلهية:

+ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله (يوحنا 1: 1)
+ الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة (يوحنا 6: 63)
+ أن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضاً وبالروح القدس وبيقين شديد (1تسالونيكي 1: 5)
+ وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح و القوة (1كورنثوس 2: 4)

كلمة الله طبيعتها أزلية، فهي شخص المسيح الرب متكلماً عبر الدهور [ أنا هوَّ ]: [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه ] (عبرانيين 1: 1و 2)، فقد كلمنا الله في المسيح [ بكل حكمة وفطنة، إذ عرفنا بسرّ مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه لتدبير ملء الأزمنة، ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض ] (أفسس 1: 8 – 10)

فكلمة الله تحمل حضرة إلهية ويستحيل فصلها عن الله، لأن كلمة الله لا تنفصل عنه قط لأنها تُعبِّر عن شخصه وتشع حياته وتعلن سر مشيئته، فهي كلما استُعلنت للإنسان فذلك يُعتبر نزول شخصي لله محب البشر، وهو نزول مصحوب بعلامات ملموسة في داخل القلب بحركة توبة عميقة وإحساس بمجد الله الخاص مع شعور ناري بقوة الله: [ لأن إلهنا نار آكلة ] (عبرانيين 12: 29)

استعلان كلمة الله للإنسان هو في الواقع معجزة عظيمة جداً، وهو تنازل مدهش لله الأزلي الأبدي للإنسان المحدود الزمني، وهذا بالطبع نعرفه إذا كنا نستطيع أن نكتشف طبيعة الكلمة وقوتها ونستشعرها حضرة الله في ملء قوته !!!

ف
كلمة الله المرسلة للإنسان لها سلطان، ولنا أن نعود للآية التي بدءنا بها الموضوع والتي قال فيها الرسول [ فإن كنت لا أعرف قوة اللغة ]، فكلمة قوة مترجمة عن اليونانية δύναμις والتي دخلت للعربية بمعنى (ديناميت)، وتدل بشكل عام على القوة والقدرة أو الشدة والسلطان، ولكنها تدل بوجه خاص – في العبرية – على القوة الحربية والجيش، ونجد أن بولس الرسول قال عن كلمة الله [ وسيف الروح الذي هو كلمة الله ] (أفسس 6: 17)، وعملها في الإنسان الذي يؤمن بها: [ لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته ] (عبرانيين 4: 12) وهي بذلك على هذا المستوى الفائق تُنقي القلب [ أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به ] (يوحنا 15: 3)، بهدف [ طوبى للأنقياء القلب لأنهم يُعاينون الله ] (متى 5: 8)، بمعنى أن كلمة الله تنقي القلب لنستطيع معاينة مجد الله الحي ورؤية نوره العظيم [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6).

+++ سر عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار صحيحة مع الله:

مبدئياً لابد أن نعرف أن عدم قدرتنا على إنشاء علاقة صحيحة وإقامة حوار شخصي مع الله، هو عدم قدرتنا على استيعاب وفهم طبيعة اللغة الإلهية، أي أننا لا نُقيم علاقة مع الله على مستوى النطق بلغته الخاصة أي النطق بكلمة الله، والسرّ في عدم فهمنا طبيعة اللغة السماوية أي الكلمة قد وضحه الرب بنفسه قائلاً: [ لماذا لا تفهمون كلامي، لأنكم لا تقدرون أن تسعوا قولي ] (يوحنا 8: 43)
إذن المشكلة في عدم سماع أقوال الله لذلك لا يقدر الإنسان أن يحيا بحياة الله فيضعف إيمانه ويخاف الدينونة وتصيبه الكآبة حينما يرى أو يسمع عن موت أحد الأحباء وقد يصل للإحباط الشديد، والبعض يجدف على الله، بل وقد يصل للإلحاد وعدم وجود إله على وجه الإطلاق، أو ربما ييأس لدرجة الانتحار، مع أن لو سمع قول الرب سيفهم كلامه ويدخل فوراً في سرّ الحياة الأبدية على المستوى العملي [ من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة؛؛؛ الكلام الذي أكلمكم به هو روح و حياة ] (يوحنا 5: 24؛ 6: 63)

طبعاً سماع كلمة الله في الآية لا يُقصد به سماع الأذن الخارجية أو مجرد قراءة عادية لحفظ الكلمة ودراستها وفحصها التاريخي والموسوعي ولو حتى كان بإتقان وبراعة تامة، بل يقصد بهذه اللفظة (يسمع) في الآية ليس المعنى العادي الذي يُقال في حديث عادي لمجرد الاستماع، بل تُشير هذه اللفظة أولاً إلى حاسة الإدراك من خلال الأذن البشرية لسماع خبر، والخبر ليس بخبر عادي، بل خبر هام جداً يحتاج لانتباه شديد ومن نوع خاص. ولكن فوراً وبمجرد الحصول على هذا الخبر العظيم في القلب يحدث فهم، وهذا الفهم يتطلب الإنصات والإصغاء والتمعن في الخبر الذي ينتظر الإيمان والتصديق العميق بثقة في المتكلم لأنه ليس بإنسان حتى يُشكك في كلامه: [ فناداه ملاك الرب من السماء وقال إبراهيم إبراهيم فقال هَاَّنَذَا ] (تكوين 22: 11)وعادة السمع يتطلب معرفة وفهم للغة المنطوق بها الخبر، حتى يستوعب الإنسان الخبر ويفهمه ويقبله [ هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هُناك على وجه كل الأرض ] (تكوين 11: 7و8)، فلا يقدر أن يقبل إنسان خبر بلغة لا يفهمها أو يتعرف عليها، ومن هنا حملت اللفظة اليوناني (يسمع)، بل والمعنى العبري أيضاً معنى الفهم والإدراك للطاعة…

وللسمع مغزى أكبر بكثير جداً في الإعلان الكتابي عما له في أي مكان آخر أو في الفكر العلمي أو الأدبي، لأن الله يتقابل مع الإنسان في لقاء حي وشخصي من خلال كلمته، والذي يحدث فيها رؤية على مستوى الإيمان الحي، الذي يجعل الإنسان فور سماعه لكلمة الله يقدم الطاعة: [ اسمعوا كلمة الرب يا بيت يعقوب وكل عشائر بيت إسرائيل ] (إرميا 2: 4) [ بالإيمان إبراهيم لما دُعيَ أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدا أن يأخذه ميراثا فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي ] (عبرانيين 11: 8)
[ فاسمع يا إسرائيل واحترز لتعمل لكي يكون لك خير وتكثر جداً كما كلمك الرب إله آبائك … ] (تثنية 6: 3)

وهذه هي طبيعة السماع الذي بالإيمان: [ الحق الحق أقول لكم انه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ] (يوحنا 5: 25)، وهذا هو الذي حدث حينما سمع لعازر صوت ابن الله الحي وهو ميت ومكث في قبره 3 أيام وقد أنتن، فقام فوراً حينما نداه الرب يسوع [ لعازر هلم خارجاً ] (يوحنا 11: 43)، وهذه طبيعة كلمة الله تُقيم النفس وتُقدس الإنسان…
فيا إخوتي أرجوكم لا أنا بل دعوة الله ونداءه، أن تطرحوا عنكم فلسفة الفكر الإنساني المُقنع، ولا تدخلوا كلمة الله لأجل مقارنة أديان، ولا من أجل الفحص المنطقي العقلي، ولا لأجل الدفاع عنها أو عن الحق الكتابي، ولا تنطقوا بها لأجل الرد على شبهات وهمية لتدافعوا عنها، بل من أجل حياتكم الشخصية أولاً، لأجل أن تسري فيكم حياة الله نفسها، من أجل أن تحملوا قوتها فيكم، وبهذه القوة تكرزون وتتكلمون، وليس بسواها مهما ما كانت لديكم القدرة على الفهم والإدراك العقلي وقدرة إقناع الآخرين، لأن كلمة الله لا تقبل الفحص على المستوى الإنساني بل على المستوى الإلهي باستنارة الذهن بإشراق
النور الإلهي…

إذن يا إخوتي لابد من أن نتعرف على كلمة الله لا بصفتنا أننا مثل باقي الناس، بل بصفة أننا أولاد الله في المسيح مختومين بختم الروح، لذلك نصلي للروح القدس الرب المُحيي أن يمس قلوبنا ويفتحها باسم الرب يسوع لنتقبل سر الكلمة فينا فتُغرس في قلبنا فتسري حياة الله في داخلنا، وتُحفر في قلوبنا بنار الله فننطق بها وتصبح لغتنا الخاصة التي بها نتحاور مع الله، لأن الله لا يسمع إلا لغة السماء، لغة الأولاد الذي يأن فيهم الروح ويذكرهم بكلام الرب لينطقوا به ويصلوا به ويكون هو نفسه حياتهم [ وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء وُيذكركم بكل ما قلته لكم ] (يوحنا 14: 26)

وإذ كان لي الكثير لأكتبه، ولكن لأنه مكتوب أعطِ الحكيم فرصة فيزداد، لذلك أترك لكم الفرصة لتفحصوا الكلمات بالروح ويتحسس كل واحد موضعه فيها، تاركاً المجال لروح الله أن يعمل ليوصل سرّ الكلمة بفهم لكل قلب يطلب الله بإخلاص وإيمان ومحبة، ولتسكن فيكم كلمة المسيح الرب بغنى حسب مسرة مشيئته، النعمة معكم آمين

لماذا وضع الله شجرة معرفة الخير والشر فى الجنة؟

إذا كان ألرب يحبنا لماذا وضع شجرة معرفة ألخير و ألشر في ألجنة ألم يكن من ألاحسن لو أنه لم يضعها هناك؟

الرد

الله خلق الانسان بدافع المحبة كانعكاس للمحبة المتبادلة بين الاب والابن في العلاقة الذاتية داخل جوهر الله
وخلق الانسان ليس فقط كي يحب الانسان ويعطف عليه , ولكن كي يدخل الانسان كطرف ثاني في علاقة محبة متبادلة , وعليه فكان يجب ان تكون للمحبة قيمتها الحقيقية , فخلق الله الانسان بارادة حرة
ولكن علينا ان نسأل ان لم يعطي الله ادم الوصية , فهل بالفعل تكون ارادة ادم ارادة حرة ؟

بالطبع لا , بل سيكون ادم في علاقة محبة جبرية لله , اذ لا يوجد خيار اخر
ولهذا يجب ان تكون الارادة الحرة لها قيمتها بالاختيار فوضع الله الاختيار امام ادم

اذا الشجرة لم تكن من اجل تعسف الله , ولكنها من اجل اختيار الانسان واختبار ارادته كي يختار او لا يختار الله في علاقة محبة متبادلة

 

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

 

للرجوع للجزء الأول أضغط هنا.

 

تابع جوهر الحياة المسيحية 
على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس

 

2- مقدمـــــــــــــــــــــــة

 

معرفة الكتب وقوة الله

 

  • الله والنفس الإنسانية:

الله هو تحديداً مصدر الحياة وسرّ حياة النفس، هو الأول والآخر، الألف والياء، المبدأ والغاية، ومعرفته = حياة أبدية: [ هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ] (يوحنا 17: 3)، والمعرفة هنا هي جوهر الإيمان، أي قوة وعي إيماني تقربنا إلى الله وتُحضرنا أمامه كشخص حي وحضور محيي، نلمسه ونراه وتنسكب منه إلينا فيض من النعمة تعطينا حياة وقيامة لأنفسنا…

والحياة الأبدية التي تسري فينا بمعرفة الله، طبيعتها غير متغيرة وأحوالها دائمة ومستمرة، وكل من تسري فيه تنتعش روحه ويشعر بقرب الله منه في قلبه، ويحملها ذخيرة حيه في نفسه يواجه بها كل لحظات حياته وبخاصة المُعاكس منها فيعبرها بسلام عميق وثقة الإيمان والرجاء الحي…

والحياة الأبدية هي عينها الحضرة الإلهية، وهي نفسها تذوق العِشرة مع المسيح بالشركة، بل هي حياة الثالوث القدوس الله الواحد، لذلك صارت شركتنا مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح بالروح القدس روح الشركة، وصارت دعوة الرسل والتلاميذ ومن ثمَّ الكنيسة كلها على مرّ العصور بل وفي جيلنا هذا هي هي نفس الدعوة عينها: [ الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضا شركة معنا وأما شركتنا نحن فهيمع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ] ( 1يوحنا 1: 3 )

  • والسؤال المطروح اليوم: هل يمكننا أن نعرف الله على هذا المستوى !!!

رغم من أن لنا إيمان بهذا الكلام، إنما للأسف عند كثيرين نظري فكري وأحياناً بحثي دراسي، وليس واقع في حياتهم الشخصية كخبرة على مستوى الواقع العملي المُعاش، ولا يشعرون بأن الحياة الأبدية تسري فيهم فعلاً !!!
لذلك علينا أن نعي ونعرف من نحن وما هي طبيعة نفوسنا في جوهرها، وما هي معرفة الله الحقيقية على مستوى الكتب وقوة الله….

النفس الإنسانية جوهرة ثمينة، التي ظهرت في أول ظهور لها، في حالة بريق أخاذ من النقاوة والطهارة والقداسة التي تعكس مجد الله وبهاؤه، إذ أنها صورته، لأنه خلقها على صورته ومثاله، ومعرفتها في حقيقتها هي معرفة صلاح الله واتساع محبته، إذ إنها تعكس صورته هوَّ … فهل يُمكنُنا أن نعرف أنفسنا على هذا المستوى ونلتقي بالله !!!

  • وهناك فرق شاسع بين معرفتين :

فإن أردنا أن نعرف الله ونعرف أنفسنا في عمق حقيقتها، لابد من أن نفرق بين معرفتين: [ معرفة الكتب ]، [ وقوة الله ]، لأن التي تعطي معرفة حقيقية بالله الحي هي قوة الله: [ فأجاب يسوع و قال لهم أليس لهذا تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله ] (مرقس 12: 24)

1- معرفة الكتب:

[ فتشوا الكتب لأنكم تظنون إن لكم فيها حياة أبدية وهي التي تشهد لي ] (يوحنا 5: 39)
فتشوا أتت في المعنى اليوناني لتدل على الفحص الدقيق الشديد المثابر للأسفار، أي التفتيش بتدقيق مع التتبع بدقة، والأسفار تشهد للمسيح الله الكلمة المتجسد: [ لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجداً (وهو في الجسد – بجسم بشريتنا) إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مُقبلاً من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس. وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم. عالمين هذا أولاً إن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ] ( 2بطرس 1: 17 – 21 )

ويعود القديس بطرس الرسول بموضوع البحث والتفتيش في الكتب وفي الزمان عن المسيح إلهنا الحي الحاضر معنا هكذا: [الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم. باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها.] ( 1بطرس 1: 10و11 )

ولكن – يا أحبائي – معرفة الكتب في حد ذاتها لا تكفي على الإطلاق وحدها فقط لمعرفة الله، فيمكن أن يتعمق الإنسان في الكتب ويفحصها تماماً وبكل تدقيق، بل ويحفظها ويُدرسها بكل تفاصيلها ودقائقها ويكون بارع فيها جداً، ولكن ما المنفعة أن لم نبلغ لمعرفة الله كشخص حي وحضور مُحيي، فاليهود كمثال عرفوا الكتب وتعمقوا فيها ودرسوها وشرحوها بدقة وتدقيق شديد، وصاروا متخصصين في البحث في الأسفار المقدسة وشرحها وتأويلها، بل وانشئوا مدرسة فلسطين لتعليم الأسفار ودراستها وفحصها وشرحها، ومع ذلك مع خبرة هذه السنين كلها لم ينفتح ذهنهم على سرّ الحياة الأبدية الكائنة في الأسفار ليدركوا منها الأمور المختصة بالمسيح الإله الحي ؟

والأسفار في حد ذاتها استعلان كامل للرب يسوع المسيح: [ ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب ] ( لوقا 24: 27 )

فيا إخوتي، أن اعتمدنا على معرفتنا للكتب وحدها وارتكزنا على الشق الأول من الآية فقط، أي معرفة الكتب دون أن نبلغ الشق الآخر (قوة الله) ستبقى الكتب تكديس معلومات لفخر وحساب الذات وكبرياء مميت للنفس، لأن العلم ينفخ أن لم تمسه قوة الله !!!

وهذه مشكلتنا اليوم، فبالرغم من معرفة الكتب والتعمق في دراستها وكثرة الأبحاث وتلال المراجع الضخمة ومعرفة اللغات وانتشار التعليم الروحي واللاهوتي، فقد أخفقنا في أن نسمع صوت الله في الأسفار المقدسة، وأصبح إيمان الكثيرين ضعيف بلا رؤية، وتهتز النفس أمام أي تعليم، أو تنهار أمام المشكلات، وأحياناً يأتيها شك في الله، ولا تثبت في الحق الذي لم يُستعلن بعد في القلب والذهن بقوة الله !!!
بل المشكلة الأكبر أنه بالرغم من التفتيش والبحث الدقيق والركض وراء التعاليم الإلهية والنقاش حولها والدفاع عنها على كل وجه، أصبح هُناك قلة قليلة تسمع صوت الله وتسري فيها الحياة الأبدية، وذلك لأن كثيرين لم يكونوا على مستوى صوت الله في الأسفار فعثروا في صوت المسيح ولم يعرفوه:

  • [ الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة، بل قد أنتقل من الموت إلى الحياة ] ( يوحنا 5: 24 )

فلنحذر جداً جداً، ونعرف أن ممكن معرفة الكتب، بدون قوة الله، تؤدي إلى تقوية العقل وتنشيطه ليصير بارع في الفلسفة والحوار والمجادلة رغم صحة الكلمات ودقة التعبيرات التي لا غبار عليها أو فيها خطأ بل صحيحة تماماً، فتؤدي حتماً إلى الكبرياء المُميت للنفس واحتقار الآخرين وعدم حفظ روح المحبة وهذا دليل على موت النفس وانتفاخها المشبه بالكبرياء، لأن كثيرين يحملون روح الجدل في بداية الكبرياء والتعالي على الآخرين دون أن يدروا، لأنهم يحملون خبرات قديمة في مصادمات مع الآخر الذي لم يتذوق معرفة الله الحقيقية كخبرة وشركة وحياة…

وطبعاً لا نُنكر أن الكتب في معرفتها بدقة وتدقيق فيها منفعة عظيمة وهي توليد اشتياق في النفس للوصوللقوة الله، وبذلك تصير المعرفة هنا كدرجة أولية ترتقي بالنفس للدرجة الثانية وهي قوة الله، ولنحذر ونعلم أنه أن لم تقودنا معرفتنا للشوق إلى الله والملء من قوته وحياة الشركة معه، فلنعلم أن ناقوس خطر الكبرياء بدأ يدق، وأن معرفتنا ستسير بنا نحو الباطل وقد تدفعنا للهاوية فتطرحنا بعيداً جداً عن الله، وبالتلي عن حفظ الوصية والطاعة لها، حتى لو كنا بنبشر بكلمة الله ونكرز بها…

2- المعرفة الشخصية لله – بقوة الله:

المعرفة الحقيقية لله، هي حس باطني ومعرفة مباشرة قلبية واعية لله الحي، وتؤدي – بطبيعتها – إلى فرح عميق وسلام فائق، لأنها فيها لقاء حقيقي حي وشخصي جداً، واتصال مباشر واعي بالله …

الله إله حي وهو كاشف ومعلن نفسه من خلال الابن الوحيد الذي خبر: [ الله لم يراه أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هُوَّ خَبَّر ] (يوحنا 1: 18)، فالله يكشف عن ذاته لنا شخص حي وحضور محيي وهذه هي قوة الله التي تُستعلن لنا، إذ يعطينا حياة أبدية حقيقية تسري في كياننا فنشعر بقوتها تسري فينا ولا نقدر أن نفحصها إذ تشدنا إليها بقوة وتسبينا ونسير أسرى حب الله ونحبة بكل القلب …

  • [ فأجاب يسوع: إن أول كل الوصايا هيَّ: أسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا ربٌ واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى ] ( مرقس 12: 29 و 30 )
  • اللقاء مع شخص المسيح الكلمة، هو لقاء لعازر الميت الذي سرت فيه قوة الحياة حينما سمع صوت الله الكلمة، لعازر هلم خارجاً …
  • أو هو لقاء نازفة الدم حينما لمست هدب ثوبه فبرأت في الحال …
  • أو هو لقاء التي أُمسكت في ذات الفعل متلبسة بجريمتها، فخرجت مبرره، لا دينونة عليها …
  • أو هو لقاء السامرية عند بئر المياه والتي كشف الله أعماق قلبها وبررها فتركت جرتها وركضت تنادي بفرح لتُعلن وتكشف أنها التقت بالله شخصياً …

هذه هي المعرفة الحقيقية لله الحي، معرفة شخصية فيها حياة ولا تحتاج إلى برهان أو إقناع عقلي أو إثبات من الآخرين، لأن فيها يقين قاطع داخلي بشهادة الروح القدس في القلب (الروح يشهد لأرواحنا)، فهي حقاًمعرفة تبرير وغفران قوي، وسلطان محبة يأسر القلب …

ونخرج من هذا اللقاء بيقين فرح لا ينقض قائلين بشهادة خبرة اجتزنا فيها في حياتنا الواقعيه: [ الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة فأن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ] (1يوحنا1)

ولنا الآن أن نسأل سؤال مهم للغاية:
كيف لنا أن نقول على منظر ما جميلاً ؟ أو قطعة موسيقية رائعة ؟ !!! أبالبرهان ؟ أم بالقراءة وتفتيش الكتب ؟ أم بسؤال الناس ورأيهم الخاص ؟ بالطبع لأ ، لأننا نرى جمال المنظر بأعيننا، ونسمع الموسيقى بآذاننا،ونتلامس معهم كأمر واقع لا حاجة لأن يقنعنا بهما أحد، ولا فائدة من أن يُناقشنا أحد ليقنعنا لما فيهم من جمال حتى نعترف بهما أو يكون لنا القناعة الداخلية !!!

فلو العالم كله تحدانا ووقف أمامنا ليقنعنا أن هذا ليس فيه جمال، لن نصدق إلا ما شعرنا به من خلال خبرةالرؤية والسمع، لأن هذا ما فحصناه على مستوى الخبرة الحقيقية في واقع حياتنا المعاش 
وهذا كان موقف القديس أثناسيوس حينما قال: [ وأنا ضد العالم ] حينما كان يتكلم عن الإيمان الحي ضد التشويش الحادث من الهراطقة…

… لكن كثيرون منا لا يرون جمال المنظر أو جمال الموسيقى !!! فالكثيرون يمرون أمام شمس الغروب البديع، ولا ينظرون إليها، والذين لا يتذوقون جمال الموسيقى عددهم يفوق بكثير جداً عدد الصُم الحقيقيين. والذين لا يشاهدون جمال الطبيعة عددهم يفوق العميان الذين لا يرون بأعينهم!!! لمـــــــــــاذا ؟!!!
ذلك لأنهم لم يستعدوا داخلياً ولم يهيئوا أنفسهم لتقبل هذا النوع من الجمال، وبهذا يغلقون على أنفسهم باب عالم بكاملة !!! وهكذا أيضاً بالنسبة لمعرفة الله ومعرفة النفس !!!

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

 

أن حياة المسيحية الحقيقية لا تعتمد على الشكل الخارجي للإنسان وتنفيذه للطقوس والعقائد وحفظة البنود المعلنة من خلال القوانين والمعرفة المسيحية كمعلومات فكرية جدلية !!!
فحياة المسيحي الحقيقية هي في الداخل في أعماقه، في داخل كيانه الشخصي، فهي باختصار شديد وأكثر تحديد، هي الحياة في الله …
أي أن المسيحي الحقيقي هو الشخص الذي حياته في الله، بمعنى أني لو قلت أني مسيحي حقيقي، يعني الله في داخلي أكثر من أي شيء آخر في الوجود، وسعيي كله أن ألتقيه وأفتش عنه في الداخل وليس في الخارج، وذلك بسبب أن الكلمة صار جسداً وحل فينا، ونحن هياكل الله وروح الله يسكن فينا كهبة خاصة وكنز ثمين غالي للغاية، ويوجد في داخلنا طبيعياً – حسب الخلق – صورة الله المطبوعة في أعماقنا والذي أعاد شكلها الأصيل تجسد الكلمة واستعلانه في ملء الزمان …

فالإنسان بطبيعة خلقه هو صورة الله، أو بمعنى عملي هو الصورة المنظورة لله الغير منظور، له كيان روحي مستمد من خالقه العظيم، وهذا هو سر حنينه وعطشه المشتعل الدائم إلى خالقه وعدم شبعه بآخر مهما ما كانت مسرته ولذته فيه، ولكي نتعود أن نعيش في هذا المجد العظيم ونعود لأصل الصورة فينا، فلابد من أن ننزل ونغوص إلى داخلنا، أي نقطع مسيرة الدخول لأعماق قلوبنا في الداخل لنلتقي مع الله المطبوع سراً في أعماق القلب بصورة مجيده، هذه التي وضعنا عليها تراباً على مر الأيام وأخفيناها بالإهمال بسبب عُزلتنا عن الله
حتى صرنا في حالة قلق دائم واضطراب في هذا الزمان نحمل الأوجاع لأننا لم ندخل لهذا العمق ونعرف أنفسنا في جمال صورتها الحقيقية المخلوقة عليها والمطبوعة فيها !!!
فكل ما يُتعب النفس هو أنها أخفت سرها فضاع معه حل مشاكلها وضيقاتها الكثيرة والتي تشعر أن ليس لها سبب محدد، لأن مهما ما بلغ الإنسان من مراكز أو معرفة عقلانية أو راحة في العالم، يظل يشعر بضيق يزيد كلما ابتعد عن حقيقة جوهره الأصيل !!!
وطبعاً الرجوع للنفس والعودة إليها ليس شيئاً سهلاً على الإطلاق، بل هو صعب للغاية، لأننا في الواقع أصبحنا غُرباء عن أنفسنا، نجهل حقيقتها المخفية فيها !!
فمن السهل التعرف على العالم الخارجي والمحيط بنا بالحواس الجسدانية، ومن السهل أيضاً التعرف على الحياة المسيحية من جهة الفكر والبحث والمعرفة بالدراسة والأبحاث وكثرة القراءة، ومن السهولة لكل واحد أن يحيا الطقوس الكنسية ويقوم بكل واجبات العبادة
لأن كل هذا يأتينا عن طريق الحواس والعقل، وكل شخص يستطيع أن يستوعب كل شيء حسب قدراته العقلية، أما من جهة الداخل فصعب للغاية بل وقد يكون شبه مستحيل على الإنسان أن يفحصه أو يدركه، لأنه لا يأتي على مستوى العقل أو الفكر أو القدرة على المعرفة والفهم إنما على مستوى اللقاء الحي في الداخل !!!
فالحياة المسيحية الحقيقية هي باختصار وتركيز: الرجوع إلى النفس للدخول بالنعمة في الله، فحضرة الله بملء نوره العظيم هو أعمق ما في الإنسان من عظمة ومجد، لأن الإنسان خُلق في هذه الحضرة وهي أساس دعوته وأصل حياته كلها، ونبع حريته وكمال سعادته الحقيقية، بل هي مصيره الأبدي الذي لا يقدر أن يحيا بدونه قط !!!
إذن فالمنهج الأصيل للمسيحي الحقيقي هي حياته الداخلية، واستمرار وجوده في الحضرة الإلهية على مستوى اللمس من جهة كلمة الحياة [ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة ] (1يوحنا 1: 1)
 
والعائق الرئيسي الذي يفصل الإنسان ويشوه طبعه ويشوش فكره ويجعل النور الإلهي منطفئ فيه هو الأهواء التي هي أصل الخطايا وسبب تحركها فيه، لأنها سبب الانفصال عن الله وتشويه طبعه الإنساني الأصيل، والإنسان أن لم يتحرر من هذه الأهواء لن يستطيع أن يكتشف في داخله اللؤلؤة الكثيرة الثمن فيبيع كل شيء لاقتنائها، حتى نفسه سيحسبها رخيصة عنده من أجل هذه الجوهرة الثمينة !!!

 

( معرفة النفس ومعرفة الله )
1- تمهيــــــــــــــــــــــــــــــــــد
دعوة الإنسان العليا

الكنيسة تعرف شخص يسوع المسيح، لأنه رأسها وهي جسده من لحمه وعظامه، فهو مُستعلن فيها، يتجلىفيها، ويحضر حضوراً سرياً فائقاً في كل أسرارها المقدسة …
والكنيسة كل عملها وشغلها الشاغل، إظهار وتمجيد واستعلان ربنا يسوع، وتقديمه إلهاً حياً مُحيياً من خلال سرّ الكلمة والإفخارستيا …
والكتاب المقدس في الكنيسة هو الاستعلان الحسي لصوت المسيح الحي والمحيي، الذي نادى لعازر هلم خارجاً فَسَرت فيه قوة حياة تُقيم من الموت، وهو هو نفس ذات الصوت – في كل وقت وزمان – التي تُنادي به الكنيسة أولادها بفم ربنا يسوع المسيح القائم من الموت، فقراءة الكلمة في الكنيسة سرّ قوة الحياة لكل من يسمع هذا الصوت بآذان انفتحت بالنعمة على الصوت الإلهي وميزته واستقبله القلب بإيمان دون أن يرتاب فيه
 
وعلى هذا الأساس نتقدم إلى سماع الكلمة من فم الله الذي نطق بها ولازال ينطق بها في كل زمان، وعلى الأخص في زماننا هذا، والكتاب المقدس إذ بلغنا سره الإلهي وأصغينا لهذا الصوت المُحيي، سنجد أن لغته لغة حوار بين طرفين، أي بين شخصين، الله والإنسان، ومن صميم هذا الحوار – حوار المحبة – نجد اللذة المتبادلة والحب المتدفق الحاصر للإنسان ( محبة المسيح تحصرنا )، ومن صميم هذا الحب الفائق نجد الدعوة الإلهية لكل إنسان يقترب من هذا المجد الفائق: (دعوة من الله للإنسان للتمتع بالشركة مع العريس السماوي، التي هي دعوة الوحدة والاتحاد والالتصاق كثمرة التجسد الإلهي وعمله الفائق على المستوى العملي في كل واحد على المستوى الشخصي وفي الكنيسة على المستوى العام)
[ وجعل يسوع يكلمهم أيضاً بأمثال قائلا: يُشبه ملكوت السماوات إنساناً ملكاً صنع عُرساً لابنه. وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العُرس، فلم يريدوا أن يأتوا. فأرسل أيضا عبيداً آخرين قائلاً: قولوا للمدعوين هوذا غذائي أعددته، ثيراني ومسمناتي قد ذبحت، وكل شيء مُعد، تعالوا إلى العُرس. ولكنهم تهاونوا ومضوا واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته. والباقون أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم.
 
فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم. ثم قال لعبيده أما العُرس فمستعد وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين. فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس. فخرج أولئك العبيد إلى الطرق وجمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين فامتلأ العرس من المتكئين.
فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنساناً لم يكن لابساً لُباس العُرس. فقال له يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لُباس العُرس فسكت. حينئذ قال الملك للخدام أربطوا رجليه و يديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. لأن كثيرين يُدعون وقليلين يُنتخبون ] (متى 22: 1 – 14)
 
فالدعوة غالية جداً وكريمة للغاية، وثوب المدعوين هو شخص الكلمة المتجسد: [ لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (في المسيح) قد لبستم المسيح ] (غلاطية 3: 27)
هذا هو ثوب البرّ المنسوج بعمل الله وحده بدم ربنا يسوع الذي سُفِكَ على عود الصليب، ثوب برّ مجاني مُهدَى من الملك نفسه بلا قيد أو شرط، لمن يقبل الدعوة فقط ويتوب ويعود للحضن الحلو ويكتسي بالنعمة …
[ ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح. لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً. ويُصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلا العداوة به. فجاء وبشركم بسلام انتم البعيدين والقريبين. لأن به لنا كُلينا قدوماً في روح واحد إلى الآب. فلستم إذاً بعد غُرباء ونزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح ] (أفسس 2: 13 – 22)
وما هي طبيعة الدعوة ؟
[ تعالوا لأن كل شيء قد اُعد؛ لأن الله الآب قد أعد في المسيح لسكان الأرض تلك العطايا التي مُنحت للعالم بواسطته، التي هي غفران الخطايا، والتطهير من كل دنس، وشركة الروح القدس، والتبني المجيد له، وملكوت السماوات . ] ( تفسير لوقا للقديس كيرلس الكبير عظة 104 عن كتاب تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الإسكندري ص502 ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد 2007 )
 
[ مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. كما اختارنا فيهقبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته. لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته. التي أجزلها لنا بكل حكمة و فطنة. إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه.
 
لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض في ذاك. الذي فيه أيضاً نلنا نصيباً مُعينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته. لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح الذي فيه أيضاً أنتم إذ سمعتم كلمة الحق انجيل خلاصكم الذي فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده ] (أفسس1: 3 – 14)

وحينما نعي هذه الدعوة المقدسة المهيبة والمفرحة جداً لكل نفس، لن نتعجب أو نندهش من الذين باعوا كل شيء – بسهولة – ورضوا أن يخسروا كل ما للعالم وأن يحسبوه مع القديس بولس خسارة ونفاية من أجل أن يربحوا اللؤلؤة الواحدة الوحيدة الكثيرة الثمن، بل – نحن أنفسنا – سنبيع كل شيء بسهولة وبلا تردد، ونبغض الخطية فتسقط من تلقاء ذاتها دون معاناة أو صراع داخلي، إذ قد ربحنا الواحد الوحيد شخص ربنا يسوع، الذي هو الكنز الخفي الذي للنفس المخبئ في داخلها، بل صار هو ثوبها النفيس الذي يستحيل أن تفرط فيه أبداً أو تطرحه عنها !!!
وفي ختام المقدمة لنقرأ ما قاله القديس مقاريوس الكبير:
[ الديانة المسيحية ليست إذن شيئاً عادياً ” هذا السرّ عظيم ” (أفسس 5: 32)، لذلك فاعرف قدرتك وسموك لكونك دُعيت إلى الكرامة الملوكية ” جنس مختار كهنوت ملوكي وأمة مقدسة ” (1بطرس 2: 9)، لأن سرّ المسيحية هو غريب بالنسبة لهذا العالم. والمجد المنظور الذي للإمبراطور أو الملك (الأرضي) وكل غناه، إنما هو أرضي وفاني ومضمحل، وأما ذلك الملكوت وذلك الغنى السماوي فهو إلهي سماوي ومملوء مجداً، وهو لا يفنى ولا يضمحل لأن مثل هؤلاء المسيحيون يملكون مع الملك السماوي في الكنيسة السماوية “وهو البكر من الأموات” (كولوسي 1: 18)
وهم أيضاً أبكار، ولكن رغم أن هذه هي حالتهم وهم مختارون ومقبلون أمام الله، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل الكل وليس لهم أي استحقاق، وقد صار أمراً طبيعياً عندهم أن يعتبروا أنفسهم كلا شيء. ] (عظات القديس مقاريوس الكبير 27 : 4 صفحة 249، عن كتاب عظات القديس مقاريوس، الطبعة الرابعة – مؤسسة القديس أنطونيوس المركز الأرثوذكسي الآباء – نصوص آبائية 85)

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

معرفة الثالوث القدوس إشراقة نعمة – وما معنى مولود ومنبثق !

في الواقع الروحي اللاهوتي، أن كل ما كُتب وقيل عن الثالوث القدوس، هو مجرد إشراقات من النعمة تُستعلن في لغتنا البشرية المحدودة للتعبير عن علاقتنا الاختبارية بشخصه القدوس، لذلك لم يُكتب أو يقال كل شيء عن الثالوث بوضوح شديد ومطلق من جهة أعماق طبيعته، أي من جهة كيانه الخاص في المطلق، أو من جهة ذاته في مُطلق معرفته، لأن ستظل معرفتنا محدودة وقاصرة من جهة أننا لازلنا في هذا الجسد الضعيف، وحسب عقلنا المحدود في الإدراك، لأن الله يستحيل إدراكه في كمال ذاته من جهة معرفتنا الشخصية به لأننا لا نستطيع أن نفحص أعماقه ونبحر في اتساع شخصيته، فنحن نؤمن ونصدق ما أُعلن لنا بالروح في قلوبنا سراً كفعل نعمة موهوب لنا من الله، وكل الأفعال التي تصلنا من الإعلانات الإلهية تخص العلاقة التي بيننا وبينه من جهة الشركة…

ومن جهة موضوع الولادة والانبثاق هو ما أُعلن لنا من خلال الكتاب المقدس وذلك لكي لا يحدث خلط بين الأقانيم، وندخل سراً في معرفة الله القدوس الحي والمُحيي بالروح القدس الذي يُعلمنا كل شيء ويُذكرنا بكلام المسيح الرب، بالرغم من أن كل التعبيرات التي وصلتنا تُعبر عن علاقة جوهرية بين الأقانيم لا نفهمها في مطلقها، بل نفهمها بطريقة ما، وذلك حسب الإدراك الروحي لكل واحد فينا وما ناله من نعمة، [ الذي وحدهُ له عدم الموت ساكناً في نور لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه ] (1تيموثاونس 6: 16)، [ الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر ] (يوحنا 1: 18)، [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)…

عموماً استخدام كلمة مولود ومنبثق يلزمنا أولاًً اننا نعلم أن كلتا الكلمتين تصفان العلاقة بين الأقانيم الثلاثة ولا تصف عمليات بيولوجية أو فيزيوكيميائية لأن الله القدوس الحي منزّه أصلاً عن هذه العمليات التي تأتي للذهن فور سماعها بدون وعي وإدراك عميق للحق حسب إعلان الله في قلبنا بالروح القدس نفسه، لأن حينما نسمع أي صفة أو كلام عن الله يتبادر لذهننا فور سماعها بما يتناسب وما ينطبق على البشر، ويأتي في الذهن فوراً المعنى القاموسي للكلمة وحسب ثقافة كل واحد فينا ومعرفته الشخصية وما تربى عليه، غير عالمين أنها قيلت وكُتبت لتقرب لنا الصورة التي لن تكون في كمالها المُطلق، لأن الكمال يُعلن لنا منه إشراقات نورانية حسب قامة كل واحد فينا ومدى انفتاحه على الله على الأخص في الصلاة، ويتم إعلانها بالسرّ في داخل القلب، فنؤمن بها ونفرح ونُسرّ جداً، لأن معرفة الله التي تدخلنا في شركة معه تشع فرح خاص يملأ حياتنا بهجة، ولكننا – مع ذلك – لا نستطيع أن نُعبر عنها في كمالها المطلق الإلهي لأنه فائق وأعظم من كل إدراكاتنا وطاقتنا…

والمقصود من جهة الخبرة في حياتنا أن كل شيء كامل بالثالوث، أن كل شيء من الآب بالابن في الروح القدس [ لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به ] (1كورنثوس 8: 6)، [ لأن به (المسيح الرب) لنا كلينا قدوماً في روح واحد (الروح القدس) إلى الآب ] (أفسس 2: 18) ((كل شيء من الآب بالابن في الروح القدس))

  • فالابن خرج من عند الآب:

– [ فقال لهم يسوع لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من قبل الله ] (يوحنا 8: 42)
– [ لأن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني وآمنتم إني من عند الله (الآب) خرجت ] (يوحنا 16: 27)
– [ لأن الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم وهم قبلوا وعلموا يقيناً إني خرجت من عندك ] (يوحنا 17: 8)

وفي هذه الأيات نرى شخص ربنا يسوع استعمل فعل ” خرج ” لوصف حقيقة صدوره من جوهر الآب أقنومياً كما يوضح إرساليته من جهة التجسد، وهذا الفعل يقابه باليونانية εξηλθον والذي تمت ترجمته للغة الإنكليزية بفعل Come out from وللفرنسية بفعل sortir. وهذا كله يعني خروجاً قام الآباء القديسون بتوضيحه أنه مثل خروج [ النور من النور ] بمعنى عدم انقسام وعدم انفصال، لأن الآب نور فالابن نور، ولكنه نور غير منفصل ولا متصل مجرد اتصال، بل نور من نفس ذات جوهر النور عينه، نور من نور. إله حق من إله حق، مساوي له في الجوهر مساواة مُطلقة، وهذا التفسير الآبائي له ما يسنده في الكتاب المقدس كقول الرب يسوع لفيلبس [ من رآني فقد رأى الآب ] و[ أنا في الآب والآب فيّ ] (يوحنا 14: 9 – 11) وأيضاً يقول الرسول: [ الذي هو (شخص الكلمة) صورة الله غير المنظور ] (كولوسي 1: 15)، [ الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة (أو يسرق أو يغتصب) أن يكون معادلاً للّه ] (فيلبي 2: 6)، أي أنه لم يختلس أو يدَّعي أن يكون مساوي لله، لأنه فعلاً خارج من الآب كخروج النور من النور، أو ولادة النور من النور، والولادة هنا ليست بشرية بل مستمرة إلى الدهر، نور من نور، يعني نور صادر باستمرار وتواصل من نفس ذات جوهر النور الواحد عينه ومساوي له بكل ما في الكلمة من معنى المساواة، وهو نور مستمر في الخروج بدوام، لأن النور حي فعال بيولد نور باستمرار بلا توقف، لأن لو توقف أصبح ليس نور…

عموماً انبثاق الروح القدس من الآب هو خروج الفيض من منبعه ومصدره الذاتي، أي شخص الآب. أما ولادة الابن من الآب هو أيضاً خروج، ولكن خروج كل الملء من منبعه الذاتي أي مصدره، وهو شخص الآب الذي هو النبع، فانبثاق الروح القدس من الآب هو انبثاق لشركة، لأن الفيض شركة بين النبع والملء الذي في المصب، فالنبع هو الآب، والملء الذي يملأ الكل في الكل هو الابن الحبيب [ الذي نزل هو الذي صعد أيضاً فوق جميع السماوات لكي يملأ الكل ] (أفسس 4: 10) [ (الكنيسة) التي هي جسده، ملء الذي يملأ الكل في الكل ] (أفسس 1: 23) . فليس الفيض هو الملء، وليس خروج الفيض هو قبول كل الملء.

باختصار شديد لكي لا أُطيل في الموضوع، الانبثاق هو الاستعلان الشخصي للطبيعة الروحية التي للألوهة. والولادة هي الاستعلان الشخصي لقبول كل ملء الألوهة، فالانبثاق هو هوية أقنوم الروح القدس كفيض. الولادة هي هوية أقنوم الابن كملء، والولادة ليست مجرد خروج عادي، ولكنها خروج كل الملء الذي لايُنتقص قط، فهي خروج الكل منطوقاً في الابن. والانبثاق ليس مجرد خروج عادي، ولكنه خروج الكل كشركة بين الآب والابن، لأن الروح القدس هو روح الآب وروح الابن بآن واحد، ومن هنا تظهر وحدة الثالوث القدوس، مثل الدائرة، ولكنها دائرة غير منغلقه أو ضيقه، بل متسعه جداً فوق ما نتصور أو نظن، ومن هذا الاتساع الفائق والغير مُدرك حدثت شركة عجيبة غريبة عن الإنسانية، وهو دخول الإنسان في حياة الشركة الإلهية كالتدبير بالابن الوحيد الجنس الذي اتخذ جسم بشريتنا ليوحدنا بشخصه ليدخلنا لدائرة المجد الإلهي الفائق، لذلك وهبنا روح الشركة الروح القدس الرب المُحيي حسب وعد الآب، الذي كان يستحيل أن نناله بدون تجسد الابن الوحيد، لأنه هو روح التبني الذي به نصرخ أبا أيها الآب، لأننا صرنا ابناء لله في الابن الوحيد…

واعلموا يا إخوتي علم اليقين أن أي شرح للثالوث القدوس من جهة ذاته بدون إعلان الشركة ودخولنا فيها، هو تزييف، واعتقاد الإنسان أنه يعرف عن شخص الله وطبيعة وهو لم يدخل في هذه الشركة، فهو كاذب وقد زيف التعليم دون أن يدري، لأن الله لا يُعرف إلا بإعلان ذاته لنا في شركة معه، لذلك قال الرسول يوحنا في رسالته الأولى: (الحياة أُظهرت.. وقد رأينا ونشهد.. الذي رأيناه وسمعناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة نُخبركم به لكي تكون لكم شركة معنا)، لذلك فأن كل من يدَّعي معرفة الله وهو ليس في شركة معه لا تصدقوه ولا تأخذوا منه تعليماً، حتى لو كان صحيح، لأن الله لا يقصد أن نملأ عقولنا بمعلومات عنه، لأنها لن تنفع حياتنا ولا أبديتنا، لأن قصده من معرفته أن يكون لنا شركه معه، لذلك اتحد بنا ليس فكرياً، بل اتحد بنا اتحاد حقيقي لنكون واحداً معه، ويُقيم شركة معنا وندخل داخل الله فتكون أبديتنا مضمونه، لأننا صرنا أبناء وليس عبيد: 

  • [ لا أعود أُسميكم عبيداً، لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده، لكني قد سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي ] (يوحنا 15: 15)
  • [ لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع ] (غلاطية 3: 26)
  • [ ثم بما إنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب ] (غلاطية 4: 6)
Exit mobile version