نذر يفتاح الجلعادي – هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟

نذر يفتاح الجلعادي – هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟

هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟ 

تخبرنا بعض المقاطع من كتاب القضاة (11: 30-31، 34-35، 39 و11: 29-40) عن قائد عسكري يُدعى يفتاح الجلعادي، قبيل مغادرته إلى ساح المعركة، نذر هذا القائد نذرًا لله. كان النذر يقضي بتقديم ذبيحة لله، إذا كان الله في عونه وحالفه الانتصار في معركته. أما الذبيحة المزمع تقديمها فهي أول من أو ما يخرج من بيته ليرحب بعودته. ويعود القائد يفتاح الجلعادي منتصرًا وتخرج ابنته الوحيدة لاستقباله. وتخبرنا الرواية أن أمانة القائد وتعهده لله يدفعانه إلى تقديم ابنته “ذبيحة”! فهل يرضى الله بالذبائح البشرية؟

إذا لم تكن تعرف هذه الحادثة جيدًا فإنني أدعوك لقراءتها. هذه هي بعض الأسئلة التي أعتقد أنها خطرت في بالك عندما قرأت هذه الحادثة:

  1. ما هو النذر الذي نذره يفتاح؟
  2. لماذا نذر هذا النذر؟ ومتى؟
  3. هل قدّم حقيقة يفتاح ابنته ذبيحة؟
  4. هل يعقل أن الله يرضى بما فعل يفتاح؟

هذه هي إحدى الصعوبات الأخلاقيَّة والاهوتيَّة المعقدة الواردة في العهد القديم والتي تعددت الآراء بشأنها. بعد استعراض الآراء المختلفة سأقترح حلاً لهذه الصعوبة.

الرأي الأول:

يعتقد أصحاب هذا الرأي بأن يفتاح الجلعادي قدّم ابنته ذبيحة لله. ولهذا الرأي بعض الحجج التي تدعمه وبعض الآراء المتفرعة عنه. أما أهم الحجج المؤيدة لهذا الرأي والمتفرعة عنه فهي:

أولاً، إن تقديم يفتاح الجلعادي لابنته ذبيحة كان مجاراة لإحدى العوائد الدينيَّة السائدة في ذلك الزمان. فقد كشفت مخطوطات أوغاريت، رأس شمرا شمال سوريا، النقاب عن مثل هذه العادة حيث عنات يقدِّم فتوح كذبيحة للإله. وفي آسيا الصغرى، كانت هناك ممارسات مماثلة حيث نذر ملك كريت عقب عاصفة هوجاء أن يقدِّم للإله نبتون أول من يخرج من القصر للقائه بعد عودته سالمًا. وإحدى الروايات تحدثنا عن أجاممنون الذي قدم ابنته إفيجينيا للإله.

ثانيًا، عاش يفتاح شرقي الأردن في منطقة جلعاد، ولم يكن على علم بأن الله يمنع بشدة تقديم الذبائح البشرية. لقد نذر بأن يقدِّم أعز ما لديه إرضاء لله، ولم يكن ليدري أن الله الذي نذر له هذا النذر لا يقبل مثل هذا النوع من الذبائح. وهكذا قدّم ابنته ذبيحة بسبب نقص علمه، ومحدوديَّة معرفته.

ثالثًا، لقد تسرع يفتاح بالتعهد بهذا النذر حيث لم تكن هناك ضرورة لأي نذر فقد كان عليه روح الرب (قضاة29:11)، وكان الله سينصره على أعدائه على كل حال. لقد كانت ابنته ضحيَّة نذره المتسرع وانفعاله الذي لم تكن له ضرورة البتة.

رابعًا، لقد قدّم يفتاح ابنته كذبيحة ولكن ليس على غرار عوائد الأمم الوثنيَّة المجاورة، بل على غرار ما فعل يشوع. الله يعطي يشوع الانتصار فيقوم يشوع بالتحريم. وفي هذه الحادثة يحصل القائد يفتاح على الانتصار من الله، فإذ به يحرّم ابنته تعبيرًا عن شكره لله لمنحه النصرة على الأعداء.

 

الرأي الثاني:

يعتقد أصحاب هذا الرأي أن يفتاح الجلعادي لم يقدّم ابنته ذبيحة لله، بل كرَّسها لخدمة الله في الهيكل، حيث نذرها لتبقى عذراء طوال فترة خدمتها فيه.

أميل إلى قبول الرأي الثاني، ولكن قبل أن أستعرض الحجج المؤيدة له، أود أن أقوم بالرد على الرأي الأول وعلى النظريات المتفرعة عنه.

أولاً، إن ظهور عادة جارية في بعض مناطق الشرق الأدنى القديم، لا يعني أن قصة يفتاح الجلعادي هي رواية أو أسطورة أو خرافة مماثلة لما كان سائدًا في الشرق الأدنى القديم. مما شكَّ فيه أن عادة تقديم الذبائح البشرية إرضاء للآلهة كانت موجودة في بعض معتقدات الشرق الأدنى القديم (ولكنها لم تكن واسعة الانتشار، كما يظن البعض)، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يفتاح اتبع مثل هذه العادة كما سيتبين لنا بعد قليل.

ثانيًا، ليس هناك ما يؤكد أن يفتاح الجلعادي كان غير عالم بوصيَّة الله التي تنهى عن تقديم الذبائح البشرية. إن متابعتنا لحديث يفتاح الجلعادي ومحاوراته ومفاوضاته مع العمةنيين تجعلنا ندرك أنه كان على علم بالشريعة والوصايا التي كانت معروفة غرب الأردن (قضاة11: 12-28). كما أنه ليس من الضروري لشخص ما أن يلمَّ بكل تعاليم إحدى الديانات ليدرك أحد الأمور أو التعاليم الجوهريَّة فيها. فليس ضروريًّا على المسيحي أن يلمَّ بكل تعاليم الديانة الإسلاميَّة ليدرك أن الصلاة هي إحدى تعاليمها الجوهريَّة. إن وصيَّة عدم تقديم الذبائح البشرية يمكن معرفتها دون الحاجة لمعرفة كل دقائق الشريعة وتفاصيلها.

ثالثًا، من خلال قراءتنا لكامل الفصل الحادي عشر من كتاب القضاة لا يوجد لدينا أي دليل يشير إلى أ، يفتاح الجلعادي كان شخصًا متسرعًا، ينطق بنذر دون تفكير كافٍ. إن مفاوضات يفتاح مع العمونيين تشير إلى أنه كان طويل الباع، فهو لم يتسرع للحرب والقتال، بل كان مترويًّا فاتبع سبيل المفاوضات. من جهة أخرى، لم ينطق يفتاح بنذره وهو في ساحة القتال حيث الضغوطات والمواقف الحرجة التي تجبر الإنسان أحيانًا على قول ما لا يريد قوله. لقد نطق بنذره وهو في حالة هدوء وتفكير عميقين (قضاة11: 29-31).

رابعًا، إن فكرة التحريم بعيدة جدًا عن النص الذي أمامنا، وليس من دليل أنها كانت إحدى الممارسات الشائعة في العهد القديم (انظر مناقشتي لموضوع تحريم أريحا في هذا الكتاب). لقد كان التحريم يقضي أن يتم قتل الأشخاص ولم يكن يتضمن أي فكر عن القيام بتقديم تقدمة أو محرقة أو ذبيحة إلى الله (تثنية13: 12-18، عدد21: 2-3، 1 صموئيل33:15).

أما أسباب تأييدي للرأي الثاني، الذي مفاده بأن يفتاح الجلعادي لم يقدّم ابنته ذبيحة لله، بل كرَّسها لخدمة الله في الهيكل حيث نذرها لتبقى عذراء طوال فترة خدمتها فيه، يعود إلى ما يلي:

 

أولاً، عندما نذر يفتاح الجلعادي نذره كان يتوقع أن ما سوف يقدِّمه محرقة هو شخص وليس حيوان. قال يفتاح الجلعادي: “فالخارج الذي يخرج من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة يكون للرب وأصعده محرقة” (قض11:31). وفي هذا السياق أشير إلى أربعة أمور هامة.

  1. إن كلمة “الذي” (في العبريَّة “أشِر”) تشير إلى العاقل وغير العاقل على السواء. لقد ترجمت هذه الكلمة خطاً في عدد من الترجمات الإنجليزيَّة بالكلمة whatever التي تشير إلى غير العاقل، ويصح ترجمتها بالكلمة whoever التي تشير إلى العاقل. إذن هذه الكلمة لا تشير بالضرورة إلى الحيوان.
  2. إن كلمة “الخارج” (في العبريَّة “يتصا”) هي في صيغة المذكَّر، وليس في الصيغة التي تحتمل الإشارة إلى حيوان وإنسان معًا، فلو كان القصد الإشارة إلى حيوان أو إنسان لاستخدمت صيغة التأنيث. إن استخدام صيغة المذكَّر يشير إلى شخص وليس إلى شيء.
  3. إن عبارة “يكون للرب وأصعده محرقة” ى تعني بأنه إذا كان الخارج إنسانًا فإنني أقدمه للرب، أما إذا كان حيوانًا فإنني أصعده محرقة. الجملة الأخيرة معطوفة على الأولى، وهي بمثابة توضيح لما ورد في الجملة الأولي.
  4. إن كلمة “للقائي” لا تصف ملاقاة حيوان إنسان، بل تتضمن تفكيرًا وتصميمًا وقرارًا بشريًّا، بمعنى اللقاء للترحيب. وهذا ما حدث فعلاً. قارب التشابه بين كلمة “للقائي” (الآية31) وكلمة “للقائه” التي تشير إلى خروج ابنته للترحيب بعودته سالمًا (الآية34).

ثانيًا، عند عودة يفتاح سالمًا منتصرًا قابلته ابنته بالدفوف والرقص، وهي عادة مألوفة في الشرق الأدنى القديم للتعبير عن الفرح (قارب مع خروج20:15 و1صموئيل18: 6-8). عند رؤية يفتاح لابنته قام بتمزيق ثيابه حزنًا عليها (قارب مع تك29:37، أي20:1)، ونطق بعبارات عاطفيَّة رقيقة وأليمة: “آه يابنتي قد أحزنتني حزنًا وصرت بين مكدريّ.” إن كلمة “مكدري” مشتقة أصلاً من الفعل العربي عكّر أي أن ما سيحدث سيمرغ حياة يفتاح الجلعادي بالوحل كالمياه المعكرة (انظر يشوع7:24-26).

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان يفتاح ينوي تكريس ابنته لخدمة الهيكل، فلماذا حزنه الشديد وأسفه العميق؟ ألا يشير هذا الموقف إلى أنه كان مزمعًا أن يقدّم ابنته ذبيحة؟ وجوابي على هذا السؤال الأخير إن حزن يفتاح الجلعادي مرده إلى حدوث الأمر المستبعد، ولكنه الممكن، ألا وهو خروج ابنته الوحيدة من البيت.

والآن هو مضطر أن يفي بنذره، وبذلك ستحرم ابنته من الزواج وإنجاب الأولاد، وهو الأمر المألوف والطبيعي لكل امرأة شرقيَّة قديمًا (تكوين1:30)، أما هو فسيحرم من الأحفاد والنسل وهو أحد الأمور الهامة أيضًا في الشرق الأدنى القديم. لقد حزن يفتاح الجلعادي لأجل ابنته بالدرجة الأولى، وضمنًا لأجل نفسه بالدرجة الثانية.

ثالثًا، من الجدير بالملاحظة أن ابنة يفتاح لم تمانع بتحقيق رغبة والدها، بل أن سعادتها بالانتصار على الأعداء كانت فيّاضة وغامرة لتعمل ما نذر به والدها. ألا تجدر أن تكون ابنة يفتاح الجلعادي مثالاً لمحبة الوطن والاستعداد للتضحيّة في سبيل تحرره وتقدمه وازدهاره؟ لقد طلبت الابنة المطيعة من والدها أن تذهب إلى الجبال هي وصاحباتها.

ونسأل لماذا تذهب مع صاحباتها إلى الجبال؟ لم يكن ذهابها بغرض توديع الحياة لأن والدها يريد أن يقدمها ذبيحة لله، بل يقول النص صراحة أنها ذهبت مع صاحباتها للقيام بمهمة محددة، هذه المهمة هي بكاء عذراويتها، وليس لتوديع هذه الحياة. لاحظ تكرار العبارات التالية للتشديد على حقيقة “العذراويَّة”: “وأبكي عذراويتي” (الآية37)، “وبكت عذراويتها” (الآية38)، “وهي لم تعرف رجلاً” (الآية 39).

ألا نرى في هذه العبارات أن التأكيد هو على موضوع البتوليَّة، وليس على موضوع الموت؟ إن عبارة “وهي لم تعرف رجلاً” تعني بأنها تممت النذر دون أن تعرف رجلاً، بل أنها تممت النذر بواسطة كونها لم تعرف رجلاً.

ولكن قد يقول معترض على هذا التفسير، ماذا عن كلمة “محرقة” الواردة في الآية 31 لتصف ما سيقوم به يفتاح؟ من المحتمل جدًا أن يفيد أصل هذه الكلمة في العبريَّة معنى التكريس أساسًا وليس فكرة الاحتراق بالنار أو الذبيحة الدمويَّة المحترقة. إن أصل الكلمة العبري هو “علاخ” وهي من الفعل الذي يماثل الفعل “علا” (ارتفع، صعد) بالعربيَّة، فالمحرقة (علاه)، إذن هي في أصلها إشارة إلى ما يتم رفعه أو إصعاده إلى المذبح كتعبير ظاهر وعلني عن التخصيص للرب والتكريس له تعالى.

من ناحية أخرى، اعتقد البعض من أصحاب الرأي الأول، الذين ينادون بأن يفتاح الجلعادي قدَّم ابنته ذبيحة دمويَّة، أن الكلمة “لينُحنَّ” في الآية: “أن بنات إسرائيل يذهبن من سنة إلى سنة لينُحنَّ على بنت يفتاح الجلعادي أربعة أيام في السنة” (الآية 40)، تشير إلى البكاء على الميت. ولكن الكلمة في أصلها العبري لا تعني هذا.

لقد وردت هذه الكلمة مرة أخرى في كل كتب العهد القديم وذلك في كتاب القضاة11:5 حيث ترجمت “يثنون”، وهذا معناه أن بنات إسرائيل[1] كن يمدحن ويشدن بتضحية هذه الفتاة لعذراويتها مقابل انتصار شعبها على الأعداء. ولا من مانع لإمكانيِّة وجود التقليد السنوي لزيارة الفتيات ابنة يفتاح الجلعادي، لتشجيعها ومدحها وتكريمها عندما كانت حيَّة آنذاك، أما بعد موتها فقد أضحى هذف الزيارة تقديم الثناء لهذه الفتاة الباذلة، ولإحياء ذكرى الانتصار على الأعداء أيضًا.

رابعًا: بعد انتهاء فترة بكاء العذراويَّة حان موعد عودة الابنة إلى أبيها نقرأ بأنه “فعل بها نذره الذي نذر” (الآية 39). لاحظ أنه لا توجد في كل المقطع إشارة واحدة واضحة بأنه قدّمها ذبيحة دمويَّة للرب، بمعنى أنه استعمل في ذلك السكين لذبحها والنار لإشعالها كما كانت عادة تقديم الذبائح آنذاك.

إن يفتاح الجلعادي فعل بابنته كما نذر، أي أنّه كرَّسها للخدمة في الهيكل. وهذا النوع من الخدمة له أساسه في العهد القديم سواء للرجال مثل صموئيل (1صموئيل1: 22-28) أم للفتيات (خروج8:38)، كما أن عادة تواجد بعض النساء في الهيكل مألوفة أيضًا (1صموئيل22:2).

فقد كانت النساء تقمن بخدمة الطهي والغسيل والترتيب وما شابه. إضافة إلى ذلك فإنه من المحتمل بأن بنات شيلوه، وهو المكان الذي كان فيه تابوت العهد (قضاة21: 19-23)، كانت لهن خدمة معيَّنة مرتبطة بمكان العبادة.

خامسًا، إن تقديم الذبائح البشرية هي احدى الممارسات الوثنيَّة في الشرق الأدنى القديم، ومن المستحيل جدًا أن الله في زمن العهد القديم قد وافق على ممارستها في إسرَإيل. والحق يقال إن الله حذَّر بشدة من ممارستها. وأوجب عقوبات قاسية على ممارسيها 0تثنية18:9-12، 12: 30-31، لا21:18، 2:20 و 22).

فعندما قام ملك موآب بتقديم بكره ذبيحة دمويَّة أدان الله ذلك بشدة (2ملوك27:3)، وكان أنبياء الله يرفضون بقوة هذه الممارسات الوثنيَّة ويحذرون الشعب من هذا التقليد الوثني (ارميا24:3، 31:7، 19: 4-6، 35:32)، وكان أنبياء الله يرفضون بقوة هذه الممارسة الوثنيَّة ويحذرون الشعب من هذا التقليد الوثني (ارميا24:3، 31:7، 19: 4-6، 35:32، خروج16: 20-21، 23: 37-39).

وفي حادثة تقديم إبراهيم لابنه نرى بأن هدف الله ليس تقديم الذبيحة البشرية بل إظهار الطاعة البشرية (تك12:22). وللأسف نلاحظ أنه بسبب انحدار شعب إسرَإيل الأخلاقي والديني فقد مورست هذه العادة أحيانًا (2ملوك17:17، 16، 3، 6:21، مزمور106: 37-38).

فلو كان يفتاح قد قدم ابنته ذبيحة بشرية لله، لكان قد خالف بذلك الله، وعصى وصاياه الواضحة، ولا توجد أيَّة إشارة إلى أن يفتاح الجلعادي كان عاصيًا لوصايا الله. على العكس تمامًا فقد تحدث عنه النبي صموئيل بصورة إيجابيَّة (1صموئيل11:12)، ووصفه العهد الجديد بأنه بطل من أبطال الإيمان (عبرانيين32:11).

إضافة إلى ذلك فإن الكتاب المقدس يدين موسى عندما أخطأ (تثنية32: 50-52، عدد20: 1-13)، ويدين داود عندما زنى وقتل (2صموئيل12: 1-23)، والأهم من ذلك فإن كاتب كتاب القضاة – حيث ترد قصة يفتاح الجلعادي – يدين القائد جدعون (27:8)، فلو ارتكب يفتاح الجلعادي عملاً غير أخلاقي (لا بل إجرامي!) لكنا نتوقع أن تتم ادانته، أو على الأقل، أن يذكر العهد القديم أو العهد الجديد، وبالأخص كاتب كتاب القضاة تعليقه السلبي على ذلك.

سادسًا، يخبرنا كتاب التلمود (تعنيت4أ) أن نذر يفتاح الجلعادي كان نذرًا غير شرعي، وبناء على ذلك فإنه كان بإمكانه أن يتممه بطريقة أخرى (انظر لاويين27: 2-7)، ولتفرض جدلاً أنه نذر تقديم ابنته ذبيحة دمويَّة فقد كان باستطاعته أن يفي هذا النذر حسب شريعة اللاويين دون أن يقدم ابنته كذبيحة بشرية. إضافة لذلك ينبغي أن لا ننسي أن مقتضيات تقديم الذبائح تفرض تقديم ذبيحة ذكريَّة فقط (لاويين1: 3-10).

سابعًا، ولنفرض جدلاً، أن يفتاح قرر تقديم ابنته ذبيحة بشرية لله فإننا نسأل: أين قدَّمها؟ لقد كانت الذبائح تقدَّم على المذبح في خيمة الشهادة وبواسطة الكهنة اللاويين. فهل يُعقل أن الكهنة اللاويين كانوا يسمحون بذلك، ويقومون بأنفسهم بهذا العمل، وهم على دراية كافية بأن الشريعة تدين تقديم الذبائح البشرية وقد يقول قائل: ربما قدَّمها في مكان خاص وذبحها على مذبح سري.

هذا الرأي مرفوض لأنه إذا أخذنا النص جديًّا فإنه يقول “ففعل بها نذره الذي نذر” والنذر الذي نذره هو تقديمها كمحرقة، فلو كانت المحرقة تعني ذبيحة بشرية فلا يكون قد أتمَّ نذره إلا بتقديمها في المكان المعين لتقديم الذبائح أي مذبح خيمة الشهادة.

ثامنًا، ونتساءل إذا كان الموت هو مصير ابنة يفتاح فلماذا تبتعد عن أبيها لمدة شهرين لتموت بعد هذه المدة وهي ابنته الوحيدة؟ ألم يكن من الأفضل – لو كان الموت حقًا نصيبها – أن تبقي مع والدها لتودعه وتودع الحياة؟ وألا تتطلب عاطفة الأبوة والبنوة ذلك؟ ومن يعلم أنه سيموت بعد شهرين هل يقضيها بالنحيب بدلاً من الاستمتاع بالحياة؟ وأكثر من ذلك، لو أراد يفتاح تقديم ابنته ذبيحة بشرية لله، لانتشر ذلك الخبر خلال مدة الشهرين، كما تنتشر الأخبار بسرعة فائقة في شرقنا، ولتوقعنا تدخل الناس بمنعه عن مثل هذه الفعلة الشنيعة، كما حدث مع شاول وابنه (راجع 1صموئيل28:14، 43-45، 2صموئيل33:18).[2]

أخيرًا، وبالرغم من اعتقادي بحريَّة ما يختار الإنسان فعله، فإن الله العارف بكل الأمور والعليم بالنهاية قبل البداية، كنا نتوقع أنه قد يضطر إلى حجب الانتصار عن يفتاح، لو كان يفتاح مزمعًا أن يذبح ابنته حقًا، الأمر الذي لا يرضاه الله، بل يبغضه ويدينه أيضًا. وهل من المعقول أن الله المحب والعادل يشترك في جريمة يفتاح؟ حاشا لله تعالى فعل ذلك!

 

ماذا نتعلم من قصة يفتاح الجلعادي؟

أولاً، الثقة والاتكال على الله في وسط الظروف المناوئة. وسط الأزمات الشخصيَّة والاجتماعيَّة والوطنيَّة نحتاج إلى وضع الخطط اللازمة والبرامج المناسبة لمواجهة تحديات هذه الأزمات، الأمر الذي فعله القائد العسكري يفتاح الجلعادي، ولكن يفتاح فعل أمرًا آخرًا ألا وهو اعتباره بأن النصر يأتي من الله تعالي. ليتنا لا نكتفي بالثقة بإمكانيتنا وقدراتنا مهما بلغت، بل نضع ثقتنا بالله ونتكل عليه تعالى وسط التحديات التي تواجهنا.

ثانيًا، اتخاذ الموقف الصحيح من النذور. يخبرنا الكتاب المقدس عن نوعين من النذور: نذور غير أنانيَّة (مزمور132: 2-5، أعمال18:18)، ونذور أنانيَّة يصح أن نطلق عليها تعبير “نذور الصفقات” (تكوين28: 20-22، تثنية23: 21و23، عدد21: 1-3، 1صموئيل11:1، 2صموئيل15: 7-8). ينبع النوع الأول من الرغبة في تقديم الشكر والحمد والامتنان لله، لأجل أفضاله وبركاته ونعمه التي لا نستحقها. اما النوع الثاني فهو المتمثل بالموقف: “أعطني يا رب… وبقدر ما تعطيني أعطيك”.

هذا النوع من النذور يدفع صاحبه للتفكير بأنه يستطيع شراء نعمة الله بما ينذر ويعطي، أو أنه بواسطة نذره يؤثر على الله “فيستخدم” الله كاستخدام فانوس علاء الدين السحري لتحقيق مآربه وأهدافه. ينبغي علينا الحذر الشديد من هذا النوع الثاني من النذور، والتفكير مليًّا بدوافعنا ومواقفنا عندما نتعهد بأمر ما لله. من ناحية أخرى، فإن موضوع التعهد لله أو النذر له تعالى، ينبغي أن ينشئ فينا تصميمًا لأهميَّة تحقيق ما نتعهد بنذره (عدد36: 2-13، مزمور4:15، 14:66،11:76، أعمال5: 1-4)، بالطبع بشرط ألا يتعارض النذر مع وصايا الله وتعاليمه.

لقد كان الملك هيرودس في حال من الإثارة والسكر الشديدين، وتعهد بأن يعطي الراقصة ابنة هيروديا كل ما أرادت ولو عادل ذلك نصف مملكته. استشارت الراقصة أمها التي كانت تضمر كل الشر ليوحنا المعمدان، الذي اتخذ موقفًا شجاعًا وحاسمًا من خطايا هيروديا، فطلبت الراقصة رأس يوحنا المعمدان. لا شكَّ أن هذا الطلب يتعارض مع وصايا الله، لقد كان بإمكان هيرودس ألا يتمم هذا النذر (مرقس6: 23-27). ولو كان يفتاح قد نذر بتقديم ابنته ذبيحة بشرية، لكان عليه ألا يتمم هذا النذر لأنه يتعارض مع وصايا الله الواضحة المعلنة في شريعته الإلهيَّة المقدسة.

وأخيرًا، لا بد من القول بأنه بالرغم من أن النذور والتعهدات مقبولة حسب الكتاب المقدس، إلا أنها ليست ضروريَّة في حياة المؤمنين (تثنية22:23). من يدري ربما كان الله سيمنح يفتاح الانتصار سواء نذر أم لم ينذر خاصة وأن روح الرب كان عليه (قضاة29:11)، وما دام مؤمنًا بأن الله هو القاضي العادل (قضاة27:11).

[1] إن استبدال كتابة كلمة “إسرائيل” بالكلمة “إسرَإيل” في هذا الكتاب أمر مقصود، وذلك للتمييز بين الشعب بين الشعب العبري القديم المذكور في كتب العهد القديم وبين شعب دولة إسرائيل الحديثة. من المفيد جدًا أن تقوم الترجمات العربية للعهد القديم وكافة الكتابات المتعلقة بالعهد القديم بإتباع هذا التمييز.

وتجدر الملاحظة إلى أنه ينبغي التمييز أيضًا بين كلمة “فلسطيني” الواردة في العهد القديم لتكتب “فلسطي” لتمييزها عن كلمة “فلسطيني” التي نستعملها في أيامنا للإشارة إلى الفلسطينيين العرب في الأراضي المحتلة أو في الشتات. تميِّز اللغة الإنجليزية بين هذه الأمور باستخدام Palestinians, Philistines, Israelis, Israelites.

إن الترجمة العربية المشتركة للكتاب المقدس، إصدار دار الكتاب المقدس في العالم العربي، التي شارك فيها مجموعة من المترجمين الذين ينتمون إلى الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية، قد أحسنت صنعًا باستخدام كلمة “فلسطي” بدلاً من “فلسطيني” ولكن للأسف لم تعتمد ذلك بالنسبة لكلمة “إسرائيل”. انظر مناقشتى لهذا الأمر في: R. Kassis, “Christian Zionism: A Critique.” Unpublished ThM theses. Vancouver: Regent College, 1993. P. 142. n. 69.

[2] إن وجهة نظري عن مصير ابنة يفتاح تتشابه مع ما تقدِّمه التمثيلية الأدبية التاريخية: الخوري الأسقفي الحايك، عذراء يفتاح (بيروت: صادر 1953)، ولكنها غير مبنيَّة على أساس التمثيلية الأدبية التاريخية.

نذر يفتاح الجلعادي – هل يرضى الله بالذبائح البشرية؟ هل قدَّمَ يفتاح الجلعادي إبنته ذبيحة للرب؟

تابع دراسة في الذبائح (11) ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12

[ الجزء 11 ]
4 – ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم
للرجوع للجزء العاشر أضغط هنا.

أولاً: مقدمــــــــــــــــة

سنقوم في هذا الجزء بتوضيح عمل ذبيحة المسيح !!!

وينبغي أن نعلم أنهُ لم يكن ممكناً بأي حال من الأحوال أن يوفي العهد القديم أو يُغطي ويوضح عمل ذبيحة المسيح يسوع بنوعٍ واحد من الذبائح، أو في طقس واحد من الطقوس المتعددة التي نراها فيه، وعلى الأخص في سفر اللاويين !

فذبيحة الصليب، ذبيحة فريدة من نوعها، وفي إمكانيتها، لأنها متسعة جداً، لأن الذبيح هو ابن الله القدوس الحي، فكيف ممكن أن يُحد في ذبيحة أو طقس !!!



عموماً نرى في سفر اللاويين 5 أنواع من الذبائح والتقْدِمات، كل منها يُعلن عن جانب أو جوانب معينة من جوانب الصليب ويشرحها بدقة، ومع هذا يُمكننا أن نقول بأن هذه الأنواع جميعها بطقوسها الطويلة والدقيقة والمتباينة، قد عجزت عن كشف كل أسرار الصليب لنا بكل أعماقه وأبعاده المتسعة جداً…

وقد قدم لنا العهد القديم – بترتيب وتنظيم إلهي فائق – رموزاً وتشبيهات وأحداث كثيرة جداُ عَبّر الأجيال، لعلها تدخل بنا إلى أعماق جديدة لهذا السر العظيم والفائق لمداركنا، وهو سرّ الصليب المُحيي.

ويقول القديس أفرام السرياني: [ السرّ الذي كان الخلاص مزمعاً به ( أي يدل عليه )، وهو هرق دم الإله المتجسد الذي هو وحده إنسان بلا عيب، بلا خطية، سبق بذلك عليه وأُشار إليه برموز وأمثال، حتى إذا جاء الخلاص الحقيقي بالذبيحة التي تقدر على خلاص الخطاة، يعلم كل من يؤمن أن إليها كانت الإشارة والرموز ] ( عن تفسير سفر الأحبار ( اللاويين ) منسوب إلى القديس أفرام السرياني في المخطوطين : الماروني هونت 112 في مكتبة أكسفورد، والسرياني اليعقوبي 7/1 في مكتبة الشرفة )

عموماً الذبائح والتقدمات المذكورة في سفر اللاويين فهي :

1 – ذبيحة المحرقة [ إصحاح 1 ]
2 – تقدمة القربان [ إصحاح 2 ]
3 – ذبيحة السلامة [ إصحاح 3 ]
4 – ذبيحة الخطية [ إصحاح 4، إصحاح 5: 1 – 13 ]
5 – ذبيحة الإثم [ إصحاح 5 : 14 إلى إصحاح 6 : 7 ]

ولابد من أن ننتبه لبعض الأشياء قبل أن نتحدث في أنواع الذبيحة ونربطها بصليب ربنا يسوع لنفهم ونستوعب سر عمل الله المتسع، أي نفهم سر خلاصنا وندخل إليه لنعيشه ونحياه كخبرة في حياتنا اليومية المُعاشة، لأنه ينبغي أن ننتبه لهذا الموضوع جداً، لأن حينما شرعت في كتابته لم أقصد أن أكتب معلومات لمحبي المعرفة بالشيء أو مجرد بحث جديد، ولكني كتبت الترتيب الإلهي لأكشف عن مقاصد الله المُعلنة في كلمته التي تعلمنا طريق الخلاص لنسير فيه، ويبدأ السير الحقيقي في طريق خلاصنا بمعرفته بدقة حسب التعليم الإلهي، وحينما نعرفه ونفهم مقاصد الله نبدأ السير فيه ونعي ما صنع ربنا يسوع لنا فنستفيد من ذبيحته ولاتكون لنا معلومة إنما قوة حياة نحياها، فنفرح بالخلاص العظيم الذي صنعه لنا ليكون لنا شركة معه وحياة أبدية لا تزول …

[أ] – الذبيحة كهبة :

أولاً لابد أن ندرك أن الذبيحة، هي هبة لا رجعة فيها، وذلك لأنها تُذبح كما قلنا سابقاً [ وهذا يتضح لمن تابع الموضوع منذ بدايته ]، فهي تُقدم لله بكمال الوعي والإدراك، بحرية واختيار، بكمال الإرادة الحرة، بمعنى أن حينما تُقدم الذبيحة فمقدمها له الحرية أن يقدم أو لا يُقدم، إنما بفرح محبة الله يقدم – بحرية إرادته واختياره – ذبيحة صحيحة، كاملة بلا عيب، كهبة مستحيل أن يفكر أن يردها أو يتراجع عن تقديمها، بل يقدمها لتُذبح فلا تُرد، وهي فيها إجلال وشكر مع طاعة واضحة، طاعة واعية جداً لمشيئة الله، وتعرف مسرته …

وهذه الهبة حينما تُقدم بهذا المعنى، تُنشئ مسرة داخلية في النفس، لذلك كانت ذبيحة المحرقة حينما تقدم تُذبح وتحرق بالتمام، فيشتمها الله للرضا والمسرة …



وحينما نبحث عن ما يَسُرَّ الله، نجد أن كل سروره في سماع صوته أي الطاعة، لذلك تعتبر أول ذبيحة تُقدم لله هي المحرقة، التي تدل على الطاعة الكاملة لله ( كما سوف نرى في شرح ذبيحة المحرقة بكل تفاصيلها وبدقة ): ” بذبيحة و تقدمة لم تسر أذني فتحت محرقة و ذبيحة خطية لم تطلب، حينئذ قلت هانذا جئت بدرج الكتاب مكتوب عني: أن افعل مشيئتك يا الهي سررت وشريعتك في وسط أحشائي ” ( مز40: 6 – 8 )



ولننتبه للكلام هنا بدقة شديدة لأنه في منتهى الأهمية القصوى، فآدم لم يسقط سقوطاً عادياً في مجرد فعل خطية كما يظن الكثيرين فيركزون على ارتكاب الخطية كفعل، بل أنه في الحقيقة سقط بالعصيان، وذلك حينما خالف وصية الله ولم يستمع لصوت الرب الذي نبهه لطريق الموت، وطلب منه أن يختار الحياة، فلم يسمع آدم وخالف الوصية فدخل في الموت من بعد أن كان حياً وهذا ما أخذناه بالتالي من آدم أي الموت وليس فعل الخطية في ذاته، وهكذا من بعده ظل الإنسان يعصى الله ولا يتمم مشيئته ولا إرادته إذ قد تعرى من النعمة التي كانت تحفظه في انسجام مع الله بالحب والإيمان الحي أي الثقة الشديدة فيه، وإلي اليوم – رغم أننا في العهد الجديد – لا زال الإنسان لا يسمع صوت الله ويطيع وصاياه أو حتى على الأقل يعلن احتياجه الروحي إليه، ويطلب مشيئته، ويرجع للرب ويتوب توبة حقيقية : [ ألستم تعلمون أن الذي تقدمون ذواتكم له عبيدا للطاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه: إما للخطية للموت أو للطاعة للبر (رو 6 : 16) ]، وهنا نلاحظ أن الرسول لم يتكلم عن نوع الخطية، بل مشكلة أثر الخطية وهو الموت، وهذا هو فعل الخطية في الإنسان على مر التاريخ كله إذ اجتاز الموت لجميع الناس حتى الذين لو لم يُخطئوا على شبه تعدي آدم، لأن المشكلة ليست في عمل خطية محددة بل الموت، لأن الإنسان اصبح عبد لمن يُطيعه…



وبكون الإنسان أصبح غير قادر أن يُرضي الله لأن أذنه لم تُفتح – بسبب قساوة القلب نتيجة العصيان الدائم – فلم يتعرف على صوت الله ولا مشيئته، لذلك لم يعد بقادر أن يقدم طاعة؛ لذلك أتى رب المجد يسوع لابساً جسم بشريتنا ليعطي لنا قوة الطاعة بتقديم ذاته ذبيحة محرقة، فتنسم أبوه الصالح عند المساء [ وقت صلبه وموته ] رائحة سرور ورضا: [ لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا أيضاً بإطاعةالواحد سيجعل الكثيرون أبراراً (رو5: 19) ]



ومن هنا نقدر أن نفهم كل كلام الرب يسوع الذي قاله – وتعثر فيه الكثيرين – في جثسيماني، وعن أنه ينبغي أن يتمم مشيئة الآب ويتمم عمله، وأن يشرب الكأس، وبخاصة الكلام الذي يظنه الناس أنه كان صراعاً مع الآب في قبول الكأس أو رفضها، مع أنه يكشف حال البشرية ويفضح عدم طاعتها، ويظهر طاعته الكاملة لمشيئة الآب وتتميم عمله بوضوح، وذلك ليكون ظاهر لنا، ويكون هذا هو لسان حالنا فيه، حينما نستفيد من ذبيحته وندخل في سر تجسده باتحادنا به كما أعطانا، فتُقبل تقدمة أنفسنا فيه وتظهر طاعتنا به لمشيئة الآب، فنصير فيه رائحة مسرة في ذبيحته الخاصة لأجلنا [ كما سوف نرى بأكثر دقة ووضوح ]

[ب] ترتيب الذبائح وارتباطها معاً:

جاء ترتيب الذبائح والتقدمات عجيباً ودقيقاً جداً في ترتيبه، فقد بدأ بذبيحة المحرقة، وانتهى بذبيحة الإثم، الأمر اللائق من جهة نظرة الآب للذبيحة، وليس من جهة نظرة الإنسان.



فالمؤمن في لقاءه مع المسيح المصلوب، يراه أولاً كذبيحة أثم وذبيحة خطية، إذ يرى فيه: كلمة الله المتجسد وقد حمل أوجاعه وآثامه، ليدخل في شركة مع الله المحب الذي رُفض وطُرح أمام الله بسبب خطاياه التي فصلته عن نبع الحب الحقيقي وصار له شدة وضيق واحتمال كأس غضب قد امتلأ بسبب آثامه وتعدية على وصية المحب الذي وهبه الحياة: [ شدة و ضيق على كل نفس إنسان يفعل الشر اليهودي أولاً ثم اليوناني ] (رو2: 9)



ومن خلال هذه النظرة – أي رؤية الصليب غطى كل آثامه وخطاياه – يتلمس في الصليب ذبيحة سلامة وشكر، فيقدم حياته في المسيح يسوع المصلوب، حياة شاكرة عوض طبيعته الجاحدة التي صارت بسبب السقوط وحب الشهوة والانحصار في الذات عوض الله الحي..

كما أنه يرى أيضاً [ في الصليب ] تقدمة قربان فيه ينعم بحياة الشركة في المسيح يسوع المصلوب، وأخيراً يُدرك الصليب كذبيحة محرقة، إذ يكتشف فيه طاعة الابن الوحيد للآب حتى الموت، موت الصليب، مقدماً هو أيضاً حياته ذبيحة طاعة ومحرقة حب لله في ابنه الوحيد ..



وهذا هو ترتيب الذبائح والتقدمات من خلال انتفاعنا كمؤمنين، أما الآب فيتطلع إلى الصليب – أن صح التعبير – أولاً: كمحرقة طاعة، يشتم فيه رائحة ابنه الحبيب كرائحة مسرة، إذ قد صار محرقة حب كامل في طاعة منقطعة النظير حتى الموت [ وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ] (في2: 8)، وينتهي بالنظر إليه كحامل لخطايانا وآثامنا، ليعبر بنا إلى الآب ويرفع عنا كل شدة وضيق وإحساس الغضب من جزاء خطايانا التي صارت فاصل بيننا وبين الله: [ بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع ] إش59: 2) & [ خطاياكم منعت الخير عنكم ] (أر5: 25)

_____ملحوظة مهمة للغاية_____

بالطبع، ليس معنى الكلام أننا نُميز بين جانب أو آخر في نظر الله الآب، أو حتى المؤمن، إذ هي جوانب متكاملة غير منفصلة عن بعضها البعض، لأن ربنا يسوع قدم ذاته ذبيحة واحدة غير منقسمة قط، بل قدمها مرة واحدة كامله متكاملة…



ولكن كل ما نريد أن نوضحه، أن الصليب يُعلن – في نظر الآب – بأكثر بهاء، لا في انتزاع آثامنا وخطايانا، بقدر ما نحمل في أنفسنا طبيعة المصلوب (أرجو التدقيق في العبارات والمعاني وان لا يظن أحد اني أتكلم عن مماثلة طبيعته – كعادة من يحور كلماتي لمعاني أخرى لا توجد فيه)، فنصير فيه محرقة طاعة وحب، نصير لهيب نار لا ينقطع، بحملنا ما للابن من طاعة حتى الموت، بحب بلا نهاية، لذلك يقول الرسول: [ فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً، الذي إذ كان في صورة الله ( أي الصورة الظاهرة التي تكشف وتستعلن الله في كماله، أو كيان الله نفسه ) لم يحسب خُلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه ( أفرغ نفسه من مجده، تجرد من مجده البهي ) آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس، وإذ وُجِدَ في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع ( صار يطيع ) حتى الموت، موت الصليب ( كذبيحة محرقة للطاعة ) ] ( في2: 5 – 8 )

وباختصار شديد يُمكننا أن نقول بأن الله الآب يشتم رائحة المسيح فينا خلال الصليب هكذا:

1 – محرقة الحب الكامل والطاعة له في ابنه الحبيب [ ذبيحة محرقة ]

2 – شركة الحياة معه في ابنه الوحيد الجنس [ تقدمة القربان ]

3 – حياة السلام الداخلي والشكر الدائم [ ذبيحة السلامة ]

4 – التمتع بالغسل المستمر من خطايانا اليومية العامة وضعفاتنا الخاصة التي لا تنتهي [ ذبيحة الخطية ]

5 – الخلاص من كل إثم نرتكبه في المقدسات أو ما يخص الله [ ذبيحة الإثم ]

وسوف نشرح بالطبع كل هذا بدقة شديدة وعلى قدر الطاقة وعلى قدر ما يكشف الله لنا من سر عمله العظيم، وذلك في الأجزاء القادمة…

 

_______________
 

وفي الجزء القادم سنتكلم عن
[جـ] الذبائح الدموية والتقْدِمَات الطعامية
ومعنى الدم ومعنى كل المصطلحات التي تدل عليه في العهدين

 

إله العهد القديم، هل هو إله يطلب ذبائح بشرية؟

إله العهد القديم، هل هو إله يطلب ذبائح بشرية؟

 

لتحميل الرد على الشبهة إضغط هُنا

لقراءة الرد على الشبهة مباشرةً إضغط هُنا

برجائ الضغط على زر Like أو أعجبني لنشر الرد على الشبهة عبر الفيس بوك

Exit mobile version