هل يستطيع الإنسان أن يحيا من دون الله – الفيلسوف المسيحي رافي زكاريوس (الملحد سابقا)
هل يستطيع الإنسان أن يحيا من دون الله – الفيلسوف المسيحي رافي زكاريوس
هل يستطيع الإنسان أن يحيا من دون الله – الفيلسوف المسيحي رافي زكاريوس (الملحد سابقا )
+++ محتويات الكتاب +++ الالحاد موجود و مميت فيض من الكرب ضلال بلا هدى الرجل المجنون يصل العقل المتشرد اين الالحاد عند الالم بحث في المعاني المتدنية ما الذي يعطي الحياة معنى علم المعرفة و فن الحياة رومانسية الافتتان الحقيقة عنصر في طريق الانقراض عمل المحبة قد اكتمل العبور الي الضفة من هو يسوع و هل لمعرفته من تاثير الوصول الي الحقيقة معضلة البشرية سعي الفيلسوف محور المؤرخ كنز المؤمن اسئلة و اجوبة حول الالحاد و الايمان بالله مرشدون للمشككين ********************************* لتحميل الكتاب: اضغط هنا
هل يستطيع الإنسان أن يحيا من دون الله – الفيلسوف المسيحي رافي زكاريوس (الملحد سابقا )
مارابارسيرابيون – يسوع التاريخي في المصادر القديمة
مارابارسيرابيون – يسوع التاريخي في المصادر القديمة
الجزء الخامس – مارابارسيرابيون
مارابار سيرابيون: الملك اليهوديّ الحكيم
في وقتٍ ما بعد 73 للميلاد، كتب رجلٌ يُدعى “مارابارسيرابيون” رسالةً بليغةً باللغة السريانية إلى ابنه الذي كان يُدعى “سيرابيون”. يعود النصّ الوحيد الباقي، والموجود الأن في المتحف البريطانيّ، إلى القرن السابع عشر. لا نعرف شيئاً آخر عن “مارا” أو “سيرابيون” ماعدا هذه الرسالة. لم يصف الكاتب مدرسته صراحةً، لكن تدلنا رسالته على أنه كان رواقياً[1].
ونستنتج أنه لم يكن مسيحياً بسبب فشله بذكر اسم يسوع أو المسيح صراحةً، وبسبب إعلانه أن خلود يسوع يعود إلى قوانينه الجديدة وليس إلى قيامته. وفي كتابته لـ”سيرابيون” يتحدّث “مارابارسيرابيون” عن يسوع على أنه “ملك اليهود الحكيم”، الذي انتقم الله لموته بعدل، حيث تستمر “قوانينه الجديدة”.
دُمّرت مدينة “مارابارسيرابيون” في حربٍ مع روما، وسيق مارابارسيرابيون وآخرون أسرى لدى الرومان. ويشير في نهاية رسالته أنّ الرومان الذين يحتلّون أرضه كطغيانٍ إمبراطوريّ سيلقّون الخزي والعار على أفعالهم. ويضيف: إذا سمح الرومان لنا بالعودة إلى أمّتنا بعدلٍ وإنصاف…، سيعتبرون جيدين وصالحين، وستكون الأمّة التي يعيشون فيها آمنةً أيضاً. ومعظم الرسالة يحمل النصح للبحث عن الحكمة من أجل التعامل مع المصاعب المحتومة في الحياة.
فالحكمة تساعد الناس على التعامل مع خسارتهم للأماكن والممتلكات والأشخاص، وبذلك يتمكنون من أن يكونوا صالحين وآمنين على الرغم من مصاعبهم. كما تجلب الحكمة خلوداً معيناً. يقول: يا بنيّ، إنّ حياة الناس لن تطول في هذه الدنيا، لكن بالنسبة للحكماء فإنّ فضائلهم وشهرتهم تبقى إلى الأبد.
ولتوضيح هذه الفكرة يقول “مارابارسيرابيون” مع الإشارة في البداية إلى مشاكله الخاصّة، أنّه عندما يتم قمع الحكماء فلا تنتصر حكمتهم في النهاية فحسب، بل أنّ الله يعاقب مضطهديهم:
ماذا يمكننا أن نقول أيضاً عندما يُبعد الحكماء بالقوة من قبل المستبدين، وتُحاط حكمتهم بالإهانات، ويضطهدون بدون القدرة على الدفاع، ما الفائدة التي حظي بها الأثينيون من قتل سقراط[2]، الأمر الذي عوقبوا عليه بالمجاعة والوباء؟ أو ما الفائدة التي حظى بها الساموسيون من حرق فيثاغورث[3]، حيث غطّيت بلدهم بالرمل في ساعةٍ واحدة؟ أو اليهود من قتل ملكهم الحكيم، حيث أُخذت مملكتهم في ذات الوقت؟
لقد عوّض الله لهؤلاء الحكماء الثلاثة بشكلٍ عادل فقد مات الأثينيون من المجاعة، وغمرت مدينة الساموسيين بالرمال بشكلٍ كامل، أمّا اليهود الذين أخرجوا من مملكتهم فقد تشتتوا في كلّ الدول. لم يمت سقراط بسبب أفلاطون، وكذلك فيثاغورث، لم يمت بسبب تمثال جونو، ولم يمت الملك الحكيم بسبب القوانين الجديدة التي وضعها.
على الرغم من عدم تسميته، وعلى الرغم من أنّ “الملك الحكيم” ليس لقباً مسيحياً شائعاً على الإطلاق، فإن يسوع من دون أيّ شك هو المقصود بعبارة “الملك الحكيم”.
أولاً، يتحدث “مارابارسيرابيون” عن هذا اليهوديّ الحكيم بوصفه ملكاً، ولقب “ملك” يرتبط بشكلٍ جليّ فيما نُقش على صليب يسوع حول محاكمته وموته على وجه الخصوص – (مرقص 15:26).
ثانياً، يتماثل ربط “مارابارسيرابيون” بين تدمير أمّة اليهود وموت “الملك الحكيم” مع العرف المسيحيّ، حيث يُعتبر تدمير القدس عقاباً لرفض اليهود ليسوع. تشير الأناجيل السينوبتية إلى هذا الربط بشكلٍ ضمنيّ، مثال : متّى (23:37، 24:2، 27:25). ومرقص (13:12)، ولوقا (19:42-44، 21:5-6، 20-24، 23:28). لكنّ “يوستونيوس” هو أوّل من يصرّح بذلك (الاعتذار الأول 4: 6-32، 47-49، 53:2-3. والحوار 25:5، 108:3). أمّا لدى كتّاب الكنيسة اللاحقين فقد أصبح هذا موضوعاً شائعاً.
ثالثاً، إنّ عبارة: “القوانين الجديدة التي وضعها”، هي على الأرجح إشارةٌ إلى الدين المسيحيّ، وخاصّةً تشريعها الأخلاقيّ، فلا نعرف أيّ شخصٍ آخر غير يسوع في التاريخ القديم كان يماثل هذا الوصف.
على أية حال، إذا كان “مارابارسيرابيون” يقصد يسوع فلماذا لم يستخدم اسمه؟ إنّ عدم استخدام “مارا” لكلمة “يسوع” أو “مسيح” أمرً لافتً، لأنه يدعو إلى شهرة تعاليم الملك الحكيم بشكلٍ ضمنيّ. إن هذا الملك وتعاليمه بمستوى واحد مع سقراط وفيثاغورث اللذين كانا اسمين مشهورين في العالم القديم.
ويقترح “جوزيف بلنز”، وبدون أي حجج داعمة، أنّ: الكاتب لم يكن على معرفةٍ باسم يسوع أو مسيح. وبينما يبدو هذا الاقتراح ممكناً، فمن غير المحتمل أنّ “مارابارسيرابيون” يدعو إلى شهرة حركةٍ جديدة، ومع ذلك ليس على علمٍ باسم مؤسسها. والمرجّح أنّه يكتم اسم يسوع للسبب نفسه الذي لا يصرّح من أجله بأن يسوع قد قُتل.
وقبل قرنٍ مضى، اقترح “دبليو. كرتن” أنّ اضطهاد الرومان للمسيحيين في الوقت الذي كُتبت فيه هذه الرسالة هو ما دفع “مارابارسيرابيون” إلى كتم اسم يسوع، بينما يقوم بإشاراتٍ ضمنيّةٍ إليه لا يمكن إغفالها. وهذا أيضاً أمرٌ محتمل. فعلى الرغم من أن التاريخ غير المؤكّد لهذه الرسالة، والطبيعة المحليّة والمتفرّقة لمعظم ملاحقات المسيحيين، كلها تجعل من الصعب معرفة هذا بشكلٍ يقينيّ.
الاحتمالٌ الثالث يعتمد على الأسلوب الأدبيّ، فسابقاً في الرسالة، يشير “مارابارسيرابيون” إلى سقراط وفيثاغورث، لكنه لا يشير إلى يسوع ضمن قائمةٍ تضمّ أسماء مشاهيرٍ من القدماء، ويعقّب : أنّ فضائلهم وشهرتهم تبقى إلى الأبد. في نصنا هذه يأتي على ذكر هؤلاء الاثنين مرّة أخرى دون ذكر يسوع، ليبقى مطابقاً لعباراته السابقة. إن هذه الاحتمال غير مُرضٍ، كما أنه لا يشرح كيف أنّ شخصاً مشهوراً لتعاليمه يكون مجهول الاسم.
ربما لا يكمن السبب في وضع المسيحيّة، بل في وضع “مارابارسيرابيون”، حيث أنه لا يذكر اسم يسوع لأن الرومانيين هم من دمّر وشتت اليهود، وهو لا يريد أن يُزعج محتليه. كما أنه قد لا يرغب أن يُشير، في ظّل احتلال بلده، إلى أن الرومان كانوا أداة الله في إعادة سيطرتهم على يهودا.
إنّ أولئك الذين درسوا رسالة “مارابارسيرابيون” يعطونها عدداً من التواريخ المتنوّعة، لكنّ الغالبية يعودون بها إلى القرن الأول، بعد فترة قصيرة من الغزو الروماني لمملكة ” كوماجين” [4] عام 73، وهو فيما يبدو العام الذي يشير إليه الكاتب. يبيّن “بروس” أنّ الرسالة تعود إلى وقت غير محدد بعد عام 73 للميلاد، لكن يبدو أنه يُفضّل تاريخاً غير بعيد عن ذلك العام. “بلينز” و”إيفانز” أيضاً يعيدان الرسالة إلى القرن الأول.
“مورو” ينسب الرسالة إلى الفترة الممتدة بين عامي 73 و399، قائلاً إنّه من المستحيل إعطاء دقّة أكثر من ذلك. يرى “فرانس” أنّها يجب أن تكون بعد تدمير القدس عام 70، ويمكن أن تكون كتبت في القرن الثاني، ويتبع تحليل “براون” التقدير ذاته. أماّ “ليون دوفور” فيؤرخها أبعد من الباقين، حوالي عام 260.
لكن القرن الثاني هو التاريخ المرجّح، فهو يناسب وضع الكاتب بقدر القرن الأول تماماً، ويناسب وضع الشعب اليهوديّ أكثر. وكما يبيّن “كرتين” في مناقشته لتاريخ منتصف القرن الثاني، يقول “إنّ المشاكل التي يشير الكاتب إلي وقوعها عليه وعلى مدينته تنطبق على أولئك الذين عانوا على يد الرومان في البلاد التى تقع حول نهري الفرات ودجلة. هذه البلاد كانت متحمّسة للثورة ضدّ الرومان تحت قيادة “لوسيوس فروس” 162-165 للميلاد…حيث نُهبت مدينة سلوقية وأُحرقت من قبل الرومان”.
والأكثر إقناعاً حيث تشير الطريقة التي يتكلّم بها الكاتب عمّا حدث لأمّة اليهود إلى تاريخ زمانه بعد الثورة اليهودية الثانية – (132-132). يقول “مارابارسيرابيون”: أنً مملكتهم قد سُلبت، وأنهم دمّروا. وهذه اللغة تتناسب مع الفترة التي أعقبت أماّ الثورة الأولى أو الثانية. لكن إشارته إلى أنّ ” اليهود اخرجوا من مملكتهم، وشُتتوا في كلَ الدول” تنطبق بالأخض على ما بعد الثورة الثانية، فعندها فقط، وبقرارٍ من الإمبراطور “هادريان”[5]، تّم طرد كافّة اليهود من مدينة القدس وضواحيها.
جاعلاً منها مستعمرةً رومانيّة لا يُسمح لآيّ يهوديّ بدخولها. لا شكّ في أن هنالك بعض المبالغة في لغة “مارابارسيرابيون” لكن الأمر أكثر من المبالغة في الكلام. وبذلك يمكننا أن نستنتج ببعض الثقة أنّ تاريخاً في النصف الثاني من القرن الثاني هو المرجّح.
من اين حصل “مارابارسيرابيون” على معلوماته عن يسوع؟ لم يذكر “مارابارسيرابيون” مصادره، كما العديد من الكتّاب القدماء، وبذلك ينبغي التوصل إليها بإنفسنا. ويُفضّل هنا مصدرٌ غير مسيحيّ لأن “مارا” لا يصرّح أن موت يسوع كان فداءً للبشرية، ولا أنّه يعيش من خلال إعادة بعثه، وهي عناصر أساسيّة في معظم الطوائف المسيحيّة. استطاع بعض الاعتذاريين[6] المسيحيين أن يُقارنوا يسوع بسقراط وفلاسفةٍ آخرين، لكن برؤية أنّ يسوع كان أرفع مقاماً، وليس مساوياً لهم، كما يشير مارابارسيرابيون.
ويُرجّح مصدرٌ غير مسيحيّ أيضاً لأنّ “ملك” ليست لقباً مسيحياً تقليدياً في الأدب المسيحيّ المبكّر، كما أن “الملك الحكيم” لم تُثبت أبداً. ومع ذلك، فإن موازنة الدليل ترجّح مصدراً مسيحياً.
أولاً، يبيّن “مارا” أن اليهود قتلوا يسوع ظلماً، قتلوه تماماً كما قتل الأثينيون سقراط ظُلماُ، وكما قتل الساموسيون فيثاغورث. وبينما يقرّ العرف اليهوديّ أنّ السلطات اليهوديّة أعدمت يسوع، ومن الجائز أن يكون “مارا” قد علم عن موت يسوع من مصادر يهوديّة، فإن هذا العرف كان على الأرجح نقطة خلاف بين الكنيسة المسيحيّة والكنيس اليهوديّ، لكنّه لم يجد طريقاً ليصبح جدلاً أكبر يمكن لـ”مارا” أن يعلم به. علاوةً على ذلك، يبدو أنّ العرف الذي وصل “مارا” يحتوي حكماً سلبياً فيما يخصّ موت يسوع لم يكن موجوداً في العرف اليهوديّ الذي يبرّر موت يسوع بأنه كان قانونياً.
ثانياً، كما رأينا فإن “مارا” يربط موت يسوع بدمار الأمّة اليهوديّة، كما فعل العرف المسيحي فقط. ومع أنّ مصدراً مسيحياً للمعلومات مرجّحٌ إلاّ أنه لا يمكننا إنكار أنّه كان لـ”مارا” مصدرٌ غير مسيحيّ للمعلومات أيضاً، خاصّةً إن كانت “القوانين الجديدة” لـ”الملك الحكيم” معروفةً أيضاً كما يشير.
إن نتائج دراسة يسوع التاريخي ضئيلة جداً. ورسالة “مارا” ليست شاهداً مستقلاً على وجود يسوع، وذلك لسببين.
أولاً، أنّها تربط حياة “الملك الحكيم” بحركتها وتعاليمها، بما يجعل من المحتمل أنّ “مارا” عَلِمَ عن الملك الحكيم من مسيحيين.
ثانياً، إن تأكيد الرسالة على أنّ اليهود قتلوا يسوع هو أمرٌ مريب. فبناءً على توجهه، سيكون تضمين “مارا” في هذا الأمر مناقضاً لرؤيته الأساسيّة وهي أنً أولئك الذين يضطهدون رجالهم الحكماء يقومون بذلك على مسؤوليتهم الشخصيّة.
بالمجمل، تتحدث رسالة “مارا” عن المسيحيّة أكثر مما تتحدث عن المسيح. والمثير في الأمر أنّ هذا الكاتب الرواقي الذي يعود إلى منطقةٍ خارج الإمبراطورية الرومانية، يرى المسيحيّة بمنظورٍ إيجابيّ، ويقارن مؤسسها بسقراط وفيثاغورث. تظهر رسالة “مارا” وهي أقدم إشارةٍ فلسفيّة غير مسيحيّة إلى المسيحيّة، الجاذبية التي كانت للمسيحيّة لدى بعض المثقّفين. ولا يحب تفسير إشارة “مارا” إلى المسيح والمسيحيّة على أنها تأييد لها أكثر من اعتبار ذكره لسقراط وفيثاغورث تأييداً لمدارسهم الفلسفية. لكنّه يستخدم مثال يسوع وتعاليمه ليحثّ مواطنيه على التحملّ والرومانيين على الرأفة.
[1] تعتمد المدرسة الرواقية التي ظهرت بعد فلسفة أرسطو على إرساء فن الفضيلة ومحاولة اصطناعها في الحياة العملية، ولم تعد الفلسفة تبحث عن الحقيقة في ذاتها، بل أصبحت معياراً خارجياً تتجه إلى ربط الفلسفة بالمقوم الأخلاقي. وتعد الفلسفة عند الرواقيين مدخلاً أساسياً للدخول إلى المنطق والأخلاق والطبيعة. ارتبطت هذه المدرسة بالفيلسوف زينون (336-264ق.م) الفينيقي الأصل. وازدهرت منذ 4 ق.م وحتّى ق 4 م.
[2] سقراط: سقراط (469-399 ق.م). فيلسوف ومعلم يوناني جعلت منه حياته وآراؤه وطريقة موته الشجاعة، أحد أشهر الشخصيات التي نالت الإعجاب في التاريخ. فنتيجة لتهكمه على الديمقراطية في أثينا تمت إدانته وحكم عليه بالإعدام.
[3] فيثاغورث: فيلسوف ورياضي إغريقي عاش في القرن السادس قبل الميلاد، ولد في جزيرة ساموس على الساحل اليوناني. في شبابه قام برحلة إلى بلاد ما بين النهرين وأقام في منف بمصر. وبعد تعلم كل ما هو معروف في الرياضيات من مختلف الحضارات المعروفة آنذاك عاد إلى ساموس لكنه اضطر إلى الفرار لمعارضته للدكتاتور بوليكراتس حول الإصلاحات الاجتماعية. واستقر في جنوب إيطاليا فذاع صيته واشتهر.
[4] كوجامين: مملكة نشأت بعد انقسام إمبراطورية الإسكندر الأكبر، في منطقة شمال سورية من الجزيرة وحتى منابع الفرات، كانت عاصمتها هيرابوليس أو منبج اليوم.
[5] هارديان: 76-138م، إمبراطور روماني وفيلسوف رواقي وأبيقوري. في أعقاب ثورة يهودية شيد هارديان مدينة جديدة على أنقاض القدس أطلق عليها اسم: كولونيا إيليا كابوتالينا، وحرم على اليهود دخولها.
[6] المدافعين: أو التبريريين، ظهرت الاعتذاريات المسيحية في مجال اللاهوت بهدف تقديم أساس من بولس الطرسوسي ومروراً بأوريجانوس وأوغسطينوس، وحتى المسيحية الحديثة من خلال جهود عدة كتاب. واستدل الاعتذاريون المسيحيون بالأدلة التاريخية، والحجج الفلسفسية، والتجريبات العلمية، والإقناع الخطابي وغيرها.
مارابارسيرابيون – يسوع التاريخي في المصادر القديمة
عاش غايوس بلينيوس كاسيليوس سيكوندوس ما بين 61-113 م، وهو ابن أخ الكاتب “بليني الأكبر” وابنه بالتبني. شغل بليني الاصغر عدّة مناصب إدارية هامَة، سيناتوراً ومحامياً بارزاً في روما، وربما كان أشهر إداريّ مدنيّ في عهد الإمبراطورية. وقد حفظت كتابات بليني الاصغر شهرته الواسعة، فقد نشر تسعة كتب رسائل بين عامي 100 و109 م.
وقد عُزي إلى “بليني الاصغر” إيجاد الرسائل كضربٍ أدبيَ، وذلك بسبب النجاح الذي لقيته كتبه ضمن أدب عهده وما تلاه. وتتدّرج رسائله من ملاحظاتٍ شخصيّةٍ إلى مقالاتٍ منقّحةٍ عن مواضيع متنوعة. ويصيغ “بليني الاصغر” بمهارة كلماته وعباراته ضمن الجملٍ والمقاطع، وتمتاز مفرداته بغنى وتنوَع كبير، وقد كان يُنقّح كلّ رسالة ويزيّدها لتصبح جاهزة للنشر.
أمّا الكتاب الأخير من رسائله “الكتاب 10″، والذي نُشر بعد مماته وكُتب بطريقةٍ أبسط وبأسلوب أكثر مباشرةً من أسلوب الكتب السابقة، فيحفظُ مراسلات “بليني” مع الأمبراطور “تراجان”[1] عندما كان الأوَل في منصب حاكم بيثينيا في آسيا الصغرى ما بين 111-113م.
وتبيّن رسائله أنه كان شخصاً وجدانياً وإنسانياً، لكن البعض يرون أن “بليني الاصغر” لم يكن واثقاً في ردود أفعاله، وكان يُسارع لاستشارة الإمبراطور. وبينما يعدّ ذلك صحيحاً إلى حدً ما فإن التاريخ يثبت ذلك، لأن رسائل الكتاب 10 تقدّم أكبر مراسلات إداريّة باقية من العهد الرومانيّ.
الرسالة 96 من الكتاب 10، وهي أكثر رسالة دُرست من رسائل “بليني الاصغر” تتناول المسيحيّين كما تأتي على ذكر المسيح. وبما أن رسائل هذا الكتاب مرتّبة وفق تسلسلٍ زمنيّ فيما يبدو، فإن الرسالة 96 قد تعود إلى عام 112 للميلاد. حيث يستهلّ “بليني” هذه الرسالة بالتماس رفق الإمبراطور، يقول: “يا سيدي: إن من عادتي إحالة كافة المسائل التي يخامرني الشكّ حولها إلى جلالتك، حيث أنه لا أحد أفضل قدرة منك ليخلّصني من شكّي أو يوجهّني في جهلي”.
قد يكون هذا التزلّف طريقة “بليني الاصغر” في تقديم القضايا القانونيّة الصعبة، حيث أن الرسائل 30 و56 من الكتاب 10 يستفتحان بإسلوبٍ مشابهٍ لهذه الرسالة، وتعرض كلّ منها قضايا قانونية صعبة. دلالةً أخرى على صعوبة موضوع الرسالة 96 هو طول الرسالة، حيث أنها ثاني أطول رسالة في الكتاب 10 بعد الرسالة 58. ويبدأ عرض الرسالة 96 بشرح “بليني” لشكوكه حول محاكمات المسيحيين.
وحيث أنه لم يحضر مثل هذه المحاكمات قبل تنصيبه حاكم بيثينيا، كما سنستنتج مما سيلي، فقد كان لديه عددً من الأسئلة: ما هي الطريقة لمعاقبة المسيحيين؟ ما هي أُسس التحقيق؟ولأيّ درجةٍ يجب استعجال التحقيق؟ هل يشكّل العمر أو التبرّؤ من المسيحيّة أيّ فارق؟ هل يجب معاقبة المسيحيين لمجرّد كونهم مسيحيين؟ أي لمجرّد الاسم فقط، حتّى ولو لم يكونوا مذنبين بجرائم متعلّقةٍ بهذا الاسم.
وبعد هذا يُقدّم “بليني الاصغر” إلى “تراجان” سرداً لكيفيّة إدارته للمحاكمات، فهو يسأل المتّهم ثلاث مرّات عند الضرورة مع التحذير من العقاب، إذا كانوا مسيحيّين. فإذا أجابوا دائماً بالإيجاب: “فإنني آمر بأخذهم للإعدام، مهما كان ما اقترفوه، لأنني اعتقد أن عنادهم وصلابتهم لا بُدّ وأن تُعاقب”[2]. أمّا المواطنون الرومان الذين كانوا يتمسّكون بإعلان إيمانهم المسيحيّ فكان “بليني الاصغر” يُرسلهم إلى روما من أجل المحاكمة. لكنّ الآن فإن “بليني الاصغر” لديه شكوكٌ تتعلّق بالمسألة كلّها. وفي هذا السياق فإنه يذكر المسيح ثلاث مرّات:
منذ أن بدأت التعامل مع هذه المشكلة، أصبحت التهم أكثر شمولاً وتنوعاً، كما هو الحال غالباً. تمّ نشر قائمة اتهاميّة تحمل أسماء العديد من الناس. وقد قررت أن أُطلق سراح كلّ من يُنكر كونه أو أنه كان في يومٍ من الأيام مسيحياً، وذلك بالتكرار من بعدي صيغةً تُمجّد الآلهة، وتقديم قرابين الخمر والبخور لصورتك، التي أمرت بإحضارها إلى قاعة المحكمة مع أيقونات الآلهة لهذا السبب، وعندما يقوم المتّهم بلعن المسيح، فقد علمت أنه لا يمكن لأيّ مسيحيّ حقيقيّ أن يقوم بهذه الأشياء.
أمّا أولئك الذين أُعطيت أسماؤهم لي عن طريق بعض المخبرين فكانوا بدايةً يقولون إنهم مسيحيون ومن ثمّ ينكرون ذلك، وقالوا إنهم لم يعودوا مسيحيين منذ سنتين أو أكثر، والبعض منهم منذ عشرين عاماً. وقاموا كلّهم بتبجيل صورتك وصور الآلهة كما فعل الآخرون، كما قاموا بلعن المسيح أيضاً.
كما أكّدوا أن مجمل ذنبهم أو خطئهم لم يكن أكثر مما يلي: فقد كانوا يجتمعون على نحو منتظم قُبيل الفجر في يومٍ محدّد، ويغنّون ترنيمةً للمسيح كما لو كان إلهاً. كما أنهم أقسموا على عدم ارتكاب أيّ جريمة، وبالابتعاد عن السرقة والنهب والزنا، وألاّ يخلفوا عهداً أو يحجبوا أمانةً حان موعد تسليمها.
وهنا تنتهي الإشارة إلى المسيح. ويروي “بليني الاصغر” أن تطبيقه لقوانين “تراجان” على الناس “الرسالة 10.34” قد أثمر نتائجه المرجوَة في قمعهم إلى درجةٍ معيّنة. وقد استجوب مؤخّراً امرأتين تعملان في الكنيسة كانتا عبدتين فيما سبق، فلم يجد إلاّ خرافاتٍ فاسدةٍ غير مضبوطة.
وكما يُشير “ي.ن.شيروين وايت” فإن “بليني الاصغر” خَلُصَ عند هذه النقطة إلى أنّ المسيحيين كانوا متعصّبين حمقى خلت حياتهم أخلاقياً من أي شعورٍ بالذنب. هذه النتيجة جعلت “بليني” يتوقّف لفترة، وأعلم “تراجان” أنه قام بتأجيل كافّة محاكمات المسيحيين حتى يستشيره بهذا الخصوص.
ويبرر “بليني” إحالته هذه المشكلة إلى الإمبراطور بالقول: إن العديد من الناس في مقاطعته، ومن كافّة الطبقات والأعمار والديانات، قد أصيبوا بهذه الخرافات المعدية. ومع ذلك مازال ممكناً التحقق من هذا المعتقد الخرافيّ الجديد وشفاؤه في حال أُعطي الناس فرصةً للتوبة من المسيحيّة.
ويجيب “تراجان” وبشكلٍ مختصر كما هي عاداته في مراسلاته مع ولاته، بإقرار توجه “بليني الاصغر” (الرسالة 97). ويقرّ أنه لا يستطيع إعطاء “بليني الاصغر” توجهاً محدداً ليتّبعه، وهذا يفسّر عدم إجابته على كافّة أسئلة “بليني الاصغر”.
فلا يتوجّب على “بليني الاصغر” أن يبحث عن المسيحيين، لكن في حال تمّ إحضارهم إليه واتّهامهم في محاكمة بكونهم مسيحيّين، فلاُبدّ من معاقبتهم إذا لم يرتدوّا، وذلك عن طريق تقديم الصلوات إلى آلهتنا. لكن في حال ارتدوّا فيجب إطلاقهم مهما كان سلوكهم السابق مثيراً للريبة، وهذا يشير إلى أن “تراجان” وافق على ملاحقتهم لمجرّد الاسم فقط. علماً بأن ردّ “تراجان” لا يذكر أي شيء عن المسيح، بل يتناول المسيحيين فقط.
إنّ نصّ هاتين الرسالتين مُثبت ومؤكّد، ولا يُشكك بمصداقيتها جدياً، ويتطابق أسلوبها مع أسلوب الرسائل الأخرى في الكتاب 10، وقد كانت الرسالتان معروفتين بشكلٍ جيّد في زمن “تيرتولين” الذي اشتهر بين 212-196م[3]. ويرفض “شيروين وايت” الآراء القليلة القائلة بأن الرسائل عبارة عن أكاذيب ملفّقة أو أنها تحتوي أجزاء محرّفة. وقد قدّم “موراي ج. هاريس” أسباباً وجيهة تفيد أن الرسالة 96 لم تُحرّف من قبل كتبة مسيحيين.
فلن يثبت الكتبة المسيحيون الارتداد المسيحيّ أو يتوقعوا أن معظم المسيحيين سيرتدّون إلى الآلهة الرومانية اليونانية في حال هيّئت لهم الفرصة. كما أنهم لن يتحدّثوا بمثل هذه الازدراء عن المسيحيّة واصفين إياها: بالجنون، الخرافات الفاسدة، المرض المعدي. علاوةً على ذلك، يغلب على الرسائل 96 و97 طابعٌ سلبيّ تجاه المسيحيين، وهذا ما لن ينقله أيّ مسيحيّ.
وتثير هذه الرسالة وردّ “تراجان” عليها مجموعةً كبيرةً من القضايا التاريخيّة، والتي انكبّ على دراستها عدد كبير من الباحثين. وفضلاً عن الموضوع الأساسيّ لمعاقبة المسيحيين، وخاصّةً أُسسها القانونيّة في القانون الرومانيّ وتاريخها، تحتوي الرسالة 96 أول وصف غير مسيحيّ للعبادات المسيحيّة الأولى. لا يمكن لنا أن نتناول هذه المواضيع بذاتها، لكننا سنتطرق إليها بينما نبقي تركيزنا على روايات “بليني الاصغر” عن يسوع.
ماذا يقول “بليني الاصغر” عن المسيح بالتحديد؟ يأتي “بليني الاصغر” على ذكر هذا الاسم ثلاث مرات في الرسالة 96، مرتين عندما يتكلّم عن المسيحيين المشبوهين، وهم “يلعنون المسيح” كجزءٍ من ارتدادهم وتوبتهم – (96.5،6)، ومرّةً عندما يروي لـ”تراجان” أن المسيحيين عادةً يغنّون ترنيمةً للمسيح كما لو كان إلهاً – (96.7). ويبدو المسيح هنا القائد الدينيّ لهذا الدين الذي يعبده المسيحيون، وبذلك يكون لعنُه معادلاً لرفض الدين المسيحيّ بكامله.
ويبدو أن “بليني الاصغر” لا يتناول “يسوع التاريخي” بشكلٍ صريح، وفي حال أنه علم أيّ شيء عن يسوع من خلال تحقيقاته وتحرّياته، فإنه لا يرويها للإمبراطور. أنّ وصف “بليني الاصغر” المسيحيّة بالخرافة قد يقف ضدّ أي معاينة دقيقة لأصولها، حيث أن أصول الخرافات لم يكن مهمَاً.
ونجد العبارة الوحيدة التي يمكن أن يكون “بليني” قد قصد فيها بشكلٍ ضمنيّ يسوع التاريخيّ في كلماته: وهي: ” يغنّون ترنيمةً للمسيح كما لو كان إلهاً”[4]. ويرى “هاريس” وهو بهذا على خطا “غوغل” أنّ “بليني” باستخدامه لكلمة ” كما لو كان – quasi” فهو يقصد القول أن يسوع الإلهيّ الذي يعبده المسيحيّون كان بشراً فيما مضى. ويشير “شيروين وايت” إلى أن كلمة “كما لو كان” قد استُخدمت هنا بشكل عام دون مفهوم الافتراض، لتعني بذلك “كما يدعون”.
على أية حال، يمكن أن يكون “بليني” قد استخدم كلمة “quasi” بمعناها الافتراضي التقليديّ “كما لو كان، أو وكأنه”. وبينما قد تشير “كما لو كان” أن المسيح الذي يعبده المسيحيون كان في ما مضى إنساناً، فلا يجب أن نعوّل كثيراً على هذا الأمر. وإذا كان “هاريس” و”غوغل” محقّين، فإن “بليني” يزوّدنا بأبسط شاهد على يسوع التاريخيّ، إلاّ أنّ ذلك لم يكن قصده على الأطلاق.
وهذا يقودنا في النهاية إلى مسألة مصادر “بليني”، فقد يكون “تاسيتوس”، صديق “بليني” هو مصدر المعلومات العامّة عن المسيحيّة والمسيح، إذ “تتحدث الرسالة 1.7 الموجّهة إلى “تاسيتوس” عن صداقتهما الطويلة، وأنهما غالباً ما تبادلا الرسائل، كما تبيّن بداية الرسالة 96 أن “بليني” لم يكم حاضراً على محاكمات أخرى للمسيحيين”، وهذا ما يشير إلى أنه كان على علمٍ بمحاكمات المسيحيين. وربما يكون “بليني” قد عَلِمَ عن المسيحيّة من الشائعات والتقارير المنتشرة في زمنه، على أية حال، فإنه لا يروي هذه الإشاعات الشائنة، ولا ينسبها إلى المسيح.
ومن الواضح أن كافّة المعلومات المحدّدة عن المسيحيّة، والمعلومات القليلة عن المسيح المذكورة في الرسالة 96، تأتي من تجربة “بليني” الشخصيّة في بيثينيا. وقد حصل على هذه المعلومات من مسيحيين سابقين، وأثبتها بمعلومات حصل عليها من المرأتين التين تعملان في الكنيسة. وبالمثل، فإن هذه المعلومات ليست شاهداً علي يسوع مستقلاً عن المسيحيّة.
وما ذُكر عن المسيح يُثبت نقطتين في العهد الجديد: أولاً، أن المسحيين يبجّلون المسيح في أغانيهم – (فيلبي 5: 2-11، كولوسي 1:15، رؤيا يوحنا 5:11،13). ثانياً، لا يمكن لأي مسيحيّ أن يلعن أو يشتم المسيح – (كورنثوس الأولى). على أية حال، لا يُظهر “بليني” أي معرفةٍ بكتاباتٍ مسيحيّة في هذه الرسالة.
[1] تراجان: 53-117 م، ثاني الأباطرة الأنطونيين. كان والده حاكم سورية، فانتسب تراجان للجيش الروماني وارتقى فيه حتى تم تعيينه قنصلاً، فاصطحب المهندس أبوللودور الدمشقي معه إلى روما، فقام بتصميم أكثر المباني شهرة في روما وفي إقليم الراين. شارك تراجان الإمبراطور دوميتيان في حروبه ولما مات خلفه نيرفا، الذي كان غير مرغوب فيه من الجيش فقاما بتسمية تراجان ابناً بالتبني، وعندما توفى نيرفا تولى تراجان حكم الإمبراطورية فاوصلها أوج اتساعها.
[2] أن هذه العبارة من قبل حاكمٍ روماني: “بأن هؤلاء المتهمين العنيدين وغير المتعاونين يستحقون الموت”، والتي يوافق عليها “تراجان” ضمنيّاً في رده، قد توضّح توجّهات “بيلاطس” وأفعاله في محاكمة يسوع. إذا كان حاكم إنساني إلى حدّ ما مثل “بليني” يفكّر بهذه الطريقة، فكيف بحاكم مثل “بيلاطس” الذي كان معروفاً بافتقاره للإنسانية؟.
[3] تيرتولين: فيلسوف معاصر لأوغستين، كان معروفاً بعدائه للمرأة.
[4] العبارة هي: “carmenque Christo quasi deo dicere secum invicem”.