ما هي فلسفة المذهب الأخلاقي؟ ولماذا يعتبر مذهبًا قاصرًا؟

ما هي فلسفة المذهب الأخلاقي؟ ولماذا يعتبر مذهبا قاصرا؟

ما هي فلسفة المذهب الأخلاقي؟ ولماذا يعتبر مذهبا قاصرا؟

2- المذهب الأخلاقي:

ج- أيد ” كانت ” Kant (1724 – 1804م) المذهب الطبيعي وفكر ” ليسنج ” الفاسد، فوضع ما ورد في الكتاب المقدس من تعاليم أدبية وأخلاقية في المرتبة الأولى، أما العقائد والتاريخ والنبوءات فليست من الأهمية بنفس الدرجة، بل يجب تفسيرها بما يتفق مع المعنى الأخلاقي حتى لو تعارض ذلك مع النص الحرفي للكتاب، وقد أكد ” كانت “على:

أ – الهدف الرئيسي من الأديان هو التشريعات الأدبية والأخلاقية التي يقبلها العقل.

ب- لأن مبادئ الأخلاق واحدة في العالم، لذلك فلا يوجد إلا ديانة واحدة هي الديانة الطبيعية.

ج- تقاس صلاحية الأديان بمقدار ارتباطها بالديانة الطبيعية، وليس بالوحي الإلهي.

وبذلك ألغى “كانت ” الدين وأنكر الوحي، واعتبر الدين مجرد فلسفة أخلاقية يقبلها العقل البشرى. لقد ركز “كانت ” في نظريته على الأمور الأخلاقية، وهي أمور عقلية ملموسة وجعل لها الأولوية، وأهمل الأمور الميتافيزيقية، وبهذا جرد الدين من مفهومه الروحي والعقائدي والنبوي، وجعل من التعاليم الإلهية مجرد مبادئ أخلاقية مثلها مثل أي فلسفة بشرية أخرى أو ديانة وثنية.. لقد ركز “كانت” على الأمور الأخلاقية التي تسود في معاملات الناس بعضهم ببعض وإطارها هو الحياة الدنيا القصيرة الزائلة، وأهمل معمله وعلاقة الإنسان مع خالقه، وهي العلاقة التي ستدوم إلى أبد الآبدين، وأهمل العقائد التي تنظم هذه العلاقة الأبدية، فإنسان بلا عقيدة هو إنسان بلا مبادئ… لقد اهتم “كانت ” بالأرض والأرضيات على حساب السماء والسمائيات.

ما هي فلسفة المذهب الأخلاقي؟ ولماذا يعتبر مذهبا قاصرا؟

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

 

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

أول من استعمل مصطلح (باترولوجيا  Patrologia)، هو اللوثري الألماني الجنسية (جون جرهارد  John Grehard)، القرن السابع عشر، حيث استخدم كلمة (Patorologia) كعنوان لكتاب نشره عام 1653م، يُقسّم فيه علم الآباء إلى عدة مراحل وإن كانت غير محددة، ألا وهي:

1- عصر الآباء الأولين:

أخذتْ أقوال الآباء فترة من الزمن تُسلّم من جيل إلى جيل شفهياً، لا لغرض دراسيّ، أو كهدف في ذاتها، بل كوديعة تحمل داخلها الإيمان الحيّ، فلم تُكتب أو تُدرَّس كفلسفة؛ ولهذا لم يُكتَب منها إلاّ القليل، وعلى مستوى فرديّ مثل كتابات يوحنا كاسيان.

ونحن بصدد الحديث عن أقوال اللآباء في العصر الأول، نلاحظ الآتي:

أ – محاولة المؤمنين حفظها قدر المستطاع لقُدسيتها، فيقول القديس أكلِمَنْضُس السكندريّ: “هؤلاء الرجال قد حفظوا التقليد الصحيح، تقليد التعليم المبارك، المُسلّم لهم مباشرةُ من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس… والذي وصل إلينا بعناية الله ابناً عن أب[1]، كما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصُص: “يليق بنا أن نحفظ التقليد الذي تسلّمناه بالتتابع من الآباء ثابتاً بغير تغير”، كما يقول القديس كيرلس الإسكندريّ: “إنني مُحب للتعليم الصحيح مقتفياً آثار آبائي الروحيّة” [2]..

 ساد هذا العصر روح التلمذة، فالتلميذ يسمع من معلّمه وخاصة في الحياة الرهبانية، ويحفظ لا أقواله فقط، إنما حياته ككل؛ فهو يأكل معه ويصلي معه ويسهر معه، يأخذ روح الإيمان العمليّ من أبيه، وغالباً بعد نياحة الأب يكتب التلميذ حياة أبيه وكل التعاليم التي أخذها منه.

ب – في الكنائس كان يميل البعض إلى كتابة تعاليم الآباء الأسبوعية، كشرح للكتاب المقدس أو المواضيع العقائدية أو الروحيّة، مثل عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم وعظات القديس أُغسطينوس.

ج – وفود قادة كثيرين إلى مصر للتلمذة على أيدي متوحدي مصر، أو داخل الأديرة، أو بمدرسة الإسكندرية، وتدوينهم أقوال الآباء وسيرهم وأفكارهم وترجمتها بلغاتهم سوء اليونانية أو السريانية أو اللاتينية، مثل يوحنا كاسيان (حوالي 360 -435م)[3]

أحد مشاهير الكُتَّاب الروحيّين في القرن الخامس في جنوب بلاد الغال (فرنسا)، خاصة في الفكر الرهبانيّ، وقد نجح في تطوير الحياة الرهبانية في فرنسا، فكان سفيراً للتراث الآبائي النُسكي القبطي في الغرب، وأحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يختص بالطقس الرهبانيّ الحيّ، يربط بين نواحيه الخارجية والداخلية، وبين الطقس والروحانية بطريقة حية، وقد التقى بآباء الرهبنة في مصر، وسجل لنا خبرات الآباء في كتابين غاية الأهمية ألا وهما: (المناظرات) Conferences of John of Cassian   و(المؤسسات) Institutes of the Coenobia.

† كما جاء الراهب بلاديوس من القسطنطينية إلى مصر، وعاش فيها ما يقرب من خمس سنوات، في أديرة مختلفة، ودوَّن ملاحظاته وكتب سيَر وأقوال عددٍ كبيرٍ من الآباء، ثم أرسل مذكراته هذه إلى صديق له يُدعى (لوسيوس) ليتعرف على الحَياة النسكية، فصار هذا التراث الهام يُعرف بـ (التاريخ اللوزياكي) والآن يُعرف باسم بستان الرهبان (365 -425م)[4].

† كما سجّل لنا روفينوس (345 -410م)[5] أحاديث عن آباء مصر الرهبان، في كتابه تاريخ الرهبنة في مصر المعروف باسم (هستوريا موناخورم)، ويُذكر أنَّ روفينوس جاء إلى مصر حوالي سنة (373م) بمعيّة السيدة ميلانيا الشريفة الرومانية – التي كرّست حياتها بعد ترمّلها لخدمة القديسيو والعاملين في كنيسة الله – وقد قابل عدداً كبيراً من آبائها، وكان أحد تلاميذ القديس ديديموس الضرير[6].

هذا وقد جذبت مدرسة الإسكندرية الكثير من قادة الكنيسة في العالم، فجاءوا إليها ونقلوا منها تُراثها لكي يتتلمذوا عليه، وبلغ شَغف أوسابيوس أسقف قرسيل (بإيطاليا) بكتابات أوريجانوس، ووجد نفسه أنه لم يَر فلسفة حقيقية في غيرها.

د – كثير من رهبان مصر خرجوا من الأديرة إلى العالم، سواء إلى مدرسة الإسكندرية أو بغرض الكرازة حاملين معهم التراث الآبائي.

2 – عصر ظهور المؤرخين الكنسيين:

1- يوسابيوس القيصري (260 -340م)

هو أول مَن سجل تاريخ الكنيسة، وقد عَمَّد الملك قسطنطين الكبير، ورغم ميوله الأريوسية في بعض العقائد (نصف أريوسي)، إلا أنه صاحب فكرة نشر أقوال الآباء وكتاباتهم، يقول في كتابه (التاريخ الكنسي) The Church History of Eusebius (326م) عن هدف كتابات: “هذا هو هدفي أن أكتب تقريراً عن خلافات الرسل (التتابع الرسولي) القديسين، وأن أُشير إلى أولئك الذين في كل عصر نادوا بالكلمة الإلهية سواء كتابة أو شفاهاً، وأيضاً أسماء وأعداد أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدُعاة معرفة وعلم بالكذب”[7].

وقد كان الدافع لهذا العمل هو الهجوم الذي قام به اليهود والوثنيون، حيث اتهموا المسيحيين بأنهم جماعة سُذّجٌ بسطاء ليس لهم فكرٌ ولا علمُ ولا معرفة، فأراد يوسابيوس أن يكشف عن شخصية القيادات الكنسية، فاهتم أن يَذكُر أغلب قيادات الشرق، ويُبرز الجوانب العلمية لهم وكتاباته، وترجماتهم، وتفاسيرهم…. كما سجل لنا مُقتطفات صغيرة جداً من هذه الكتابات، وفعلاً قدّم يوسابيوس قائمة بكل الكُتاب وكتاباتهم، ويُعَدّ عمله هذا من أهم الأعمال حيث إن هناك شخصيات لم يتناول ذكرها أحد غيره.

جاء بعد يوسابيوس مؤرخون كثيرون حاولوا تكملّة عمله مثل: (سقراط Socrates)، و(سوزومين Sozomen) و(ثيؤدوريت Theodoret)… وكانت كتاباتهم مركّزة على الكنيسة الشرقية.

كما قام (روفينوس Rufinus) بترجمة تاريخ يوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية، وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيؤدوسيوس سنة 392م.

2- القديس جيروم Jerome

سجل لنا (جيروم Jerome) تاريخ الأدب المسيحي اللاهوتي في كتاب (مشاهير الرجال) عام (392م) في (135) فصلاً، مستمداً معلوماته من تاريخ يوسابيوس، حتى إنه كرّر نفس أخطائه، وأضاف شخصيات، وحذف شخصيات، في (78) فصلاً منهم، وكان الدافع لهذا العمل أيضاً هو نفس الدافع لكتاب يوسابيوس وبصورة أقوى، وهو قول الوثنيين أمثال: (كيلسوس Celsus)، (بروفيريوس Prophyry)، (يوليان Julian)… بأن المسيحيين ليس لهم في الأدب أو الفكر.

وقد حدّد جيروم في مقدمة كتابه أن مجال عمله هو الآباء، الذين كتبوا عن الكتاب المقدس (رغم أنه شمل لاهوتيين)، وقد نقد القديس أغسطينوس هذا الكتاب، حيث إن جيروم لم يفصل بين الكُتّاب الأرثوذكسيين وبين الهراطقة مثل ذكره لشخصية (تاتيان Tatian)، و(بريسكيليان Priscillian)  و(أونوميس الأريوسيّ)، كما ذكر فلاسفة وثنيين مثل (سينيكا Seneca)، ويهوداً مثل (فيلون) و (يوسيفوس).

ولم يذكر جيروم في كتابه أيّ شيء عن كتابات أغسطينوس التي ظهرت في ذلك الوقت، ولعل هذا هو سر الخلاف بينهما.

ومن الأخطاء المنسوبة لجيروم أنه قد أغفل ذكر شخصيات كبيرة، أو ذكر القليل عن البعض الآخر مثل القديس أثناسيوس الرسولي والقديس باسيليوس الكبير وكبريانوس الأسقف.

فتح جيروم الباب أمام الشرق والغرب في الكتابة عن آباء الكنيسة وكتاباتهم وأفكارهم…

3- جيناديوس Gennadius

حوالي عام 480م كتب (جيناديوس Gennadius) كاهن “مرسيليا” – وهو نصف بيلاجيّ ومع ذلك يُحكم عليه من كتاباته أنه واسع الاطّلاع دقيق في أحكامه) – كتاباً بنفس اسم كتاب جيروم (مشاهير الرجال)، ويعتبر إضافة لعمل جيروم، ولكنه كان عملاً هزيلاً ليس ذا قيمة بالمقارنة بعمل جيروم، شمل 99 فصلاً حتى عام 495م.

4- آخرون

† بعد جيناديوس قام كُتاب كثيرون مثل: (إيسيذوروس Isidore of Serville) (تنيح عام 636م)، الذي اهتم بالكُتّاب الاسبان.

† كذلك في أواخر القرن الحادي عشر، قام راهب بندكتي ببلجيكا يُسمّى سيجبيرت (Sigebert of Gembloux) بالكتابة عن سير الآباء البندكت.

† وفي عام (1122م) كتب (هونوريوس Honorius Ausgusodunum ) باسم الكنيسة المنيرة Luminaaribus Ecclesaia.

† وفي سنة (1494م) ألّف أبٌ لدير بندكتي في (Sponheim)، يُسمى الراهب (جوهانس تريثيموس Johannes Trithemius) كتاباً باسم “الكُتّاب الكنسيون، يحوي سيرة (963) أب مع كتاباتهم، ويستقي معلوماته من كتابات جيروم وجيناديوس، وقد حصل على شهرة فائقة، إذ جمع مكتبة من حوالي (2000) مجلداً.

† أم في الشرق فلم يظهر ما يفيد بأن هناك كُتّاباً سجلوا الكُتّاب الكنسيين، مع ذلك كتب البابا (فوتيوس Photius) بطريرك القسطنطينية (تنيح عام 891م) كتابا مماثلاً تحت عنوان (Photil Bibliotheca) يمتاز بالدقة، وذكر فيه مؤلفين وثنيين.

† وفي الكنيسة القبطية ظهر السنكسار الذي يركز على سير الآباء القديسين، كما اهتم البعض بنسخ كتابات الآباء الأولين، وظهر بعض المؤرخين مثل يوحنا النيقيوسي وغيره.

† وفي عصر النهضة الأوروبية من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر، بدأت التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة لنصوص الآباء، ففي القرن الخامس عشر قام في القسطنطينية (نسيفورس كالستوس) بوضع تاريخ الكنيسة منذ نشأتها حتى عام (911م) معتمداً على كتابات يوسابيوس وأضاف إليه سير بعض الرهبان، وقد عبر عبوراً سريعاً في حديثه عن الكنيسة اللاتينية بعد القرن الخامس الميلاديّ.

3- عصر النهضة العلمية والدراسات النقدية[8]:

† في عصر النهضة (القرن السادس عشر) بدأ الاهتمام بترجمة ونشر كتابات الآباء، إمّا بأعمال فردية للمؤلف أو كمجموعة كاملة، وقد ازدهر هذا العمل جداً في القرن السابع عشر، حيث نَشر (Marguerin de la Migne)، مجموعة كبيرة لأكثر من 200 كاتب في عمله (Bibliotheca Sanctorum Patrum) أُضيفت إليها أعمال أخرى بالتدريج، وقد صارت عام (1616) أربعة عشر مجلداً باسم Patrum (Magna Bibliotheca Veterum) أُعيد طبعها في ليون عام (1677م) في (27) مجلد باسم (Bibliotheca et antiq orum eccelsiasticorum).

† في القرن الثامن عشر قام (A. Galland) بنشر مجموعته في (14) مجلد بفينيس عام (1765 -1781) باسم (Bibliotheca Veterum Patrum).

† في القرن التاسع عشر اغتنت المكتبات بالكتب المسيحية القديمة، وظَهرت الحاجة إلى كتابتها بعد تحقيقها علمياً وتنقيتها من الدخيل عليها من النساخ، وتُعتبر أعظم مجموعة كاملة تلك التي قام بها (Migne) في القرن التاسع عشر باسم (Patrilogiae)، وهي عبارة عن إعادة طبع للنصوص السابق نشرها لتكون في متناول اللاهوتيين وهي عبارة عن مجموعتين:

1- مجموعة الآباء اللاتين (P.L.) طبعة باريس (1844 -1855) وتتكون من (221) مجلداً بها فهارس.

2- مجموعة الآباء الإغريق (P.G.) أي الكتابات اليونانية طبعة (1857 -1866م)، وتتكون من 161 مجلداً وَرد بها ترجمة كاملة باللغة اللاتينية وهي بغير فهارس، وقد تُرجم الكثير من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة من ألمانية وفرنسية وإنجليزية ولهجات عديدة أخرى.

كما توجد مجموعات أخرى تُعتبر ملحقاً لمجموعتي Migne وهي:

1- كُتاب القرون الثلاثة الأولى اليونان المسيحيين، وقد قامت بنشرها أكاديمية برلين عام 1897 مع مُقدمات وفهارس بالألمانية، وقد بلغ عددها (41) مجلداً.

2- (Coprus orum ecclesiasticorum Latinorum) وقد قامت بنشرها أكاديمية فيينا عام (1866) ونُشرت في (70) مجلداً.

3- (Bibliotheca Teubneriana, Leibzig) وتشمل كثير من كتابات الآباء.

4- (The Loeb Classical Library) وقام بنشرها (Rouse, Capps and Page) بلندن ونيويورك، وتشمل الكثير من كتابات الآباء اليونان واللاتين.

5- مجموعة (Patrologia Orientals) قام بنشرها (Nau, Graffin) بباريس عام (1907) في (28) مجلد.

6- (The ante-Nicene Fathers& Nicene and Post-Nicene Fathers) وتشمل ترجمة جميع أقوال الآباء مع غرض لسير هؤلاء الآباء ل (A Clevland Coxe)، وقام بوضعها (Wace & Scgaff) بنيويورك عام (1900) في (37) مجلداً، وهي تُعتبر الأكثر انتشاراً على الإطلاق في العالم كله لدقتها اللاهوتية والعلمية.

† أكاديمية فيينا وبرلين أول من طرقت هذا المجال، فقد طَبعت مجموعة مطبوعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية.

† منذ عام (1951) تُعقد مؤتمرات دولية بصفة استمرارية كل (4) سنوات للدراسات الآبائية في جامعة أُكسفورد بلندن، ويجتمع فيها جميع الدارسين لـ علم الآباء أو الآباء لتبادل الخبرات والدراسات، وينتج عن كل مؤتمر مُجلّد يُوضع فيه نتيجة أعمال المؤتمر، ويقوم مركز الدراسات الآبائية بترجمته.

في القرن العشرين كان الاهتمام أكثر بدراسة تاريخ الأفكار وتاريخ المفاهيم في الكتابات المسيحية القديمة، كما يقول البروفيسور (كواستين Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردي في مصر، قد مَكَّنت العلماء من استعادة الكثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.

ومن مظاهر الاهتمام بذلك انعقاد مؤتمرات آبائية عالمية مثل مؤتمر جامعة أكسفورد بإنجلترا لدراسة الآبائيات سنة (1951م)، وينعقد مرة كل (4) سنوات، كما بدأت مؤتمرات دولية أخرى تُعقد في جامعات أوربا المختلفة، ويُخصص كل مؤتمر لدراسات أحد الآباء، مثل مؤتمر دراسة كتابات أغسطينوس، ومؤتمر دولي للتراث العربي المسيحي في جامعة سيدني بأُستراليا.

علم الآباء في مصر:

† إذ كانت الإسكندرية أكبر مركز هيلينيّ فلسفيّ (مدرسة الإسكندرية الفلسفية)، التزمت الكنيسة منذ عهد القديس مرقص الرسول بإنشاء مدرسة مسيحة قادرة على مواجهة التيار الهيلينيّ القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

† كذلك اهتم الآباء ولا سيما الرهبان بنسخ كتابات الآباء سواء باليونانية أو القبطية أو العربية، فهناك اهتمام كبير في مصر بـ علم الآباء وتاريخ الآباء، منع أنه في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث حمل عُلماء الغرب كنوز أديرتنا إلى مكتباتهم ومتاحفهم وجامعاتهم، وصارت مادة أساسية في قيام علم الآباء…

منها المخطوطات السريانية التي لا تُقدر بثمن، والتي أُخِذت من دير السريان، النصيب الأعظم منها كان للمتحف البريطاني وجزءاً منها لمكتبة الفاتيكان وبعض متاحف أوروبا، رغم ذلك ما زالت المخطوطات والبرديات المصرية تفتح آفاقاً جديدة في علم الآباء – حسب شهادة الغرب – لا تزال حية بالروح الآبائية الأصيلةن نستطيع أن ننتفع بها في الأبحاث العلمية.

† في القرن السابع قام الأنبا يوحنا أسقف نيقيوس بالمنوفية، بكتابة تاريخ آدم حتى نهاية القرن السابع الميلاديّ، وهذا الكتاب كُتب باللغة القبطية، وتُرجم إلى الأثيوبية، وتُرجم من الأثيوبية إلى الفرنسية، وحدث أن فُقدت النسخة الأصلية القبطية وأخيراً صدرت ترجمة عربية لهذا الكتاب عن اللغة الحبشية.

† في القرن العاشر قام الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين بكتابة تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية، بدءاً من عصر مار مرقص حتى القرن العاشر، وكتبه باللغة العربية.

† وُجد مخطوط عربي مشهور من القرن الحادي عشر بعنوان (اعتراف الآباء) يضم تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وطبيعة المسيح، من مخطوطات البطريركية القديمة بالأزبكية، وتوجد نسخ أخرى في المتحف القبطي ودير المحرق وبعض الأديرة الأخرى.

† السنكسار يرجع إلى القرن الثاني عشر، كتبه الأنبا ميخائيل أسقف أتريب ومليج بالمنوفية، وراجعه الأنبا بطرس أسقف مليج، يُقرأ في الكنيسة بعد سفر أعمال الرسل، ويحتوي على سيراً مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية، ولكنه لا يحتوي إلا على القليل من أقوال الآباء.

† في القرن العشرين قام الأرشدياكون حبيب جرجس، بجمع مؤلفات الآباء القديسين من أوروبا منذ العصر الرسولي حتى مجمع نيقية، وعَهد إلى بعض الخدام الأمناء بالترجمة إلى العربية ونشرها في أعداد مجلة الكرمة سنة (1923م)، وقدمها بقوله: “إن كتابات الآباء لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية، لقُرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولي وأقوالهم حُججاً قوية على تعاليم الكنيسة في عصرها الأول”.

† كذلك قام القس مرقص داود بترجمة كتاب (تجسد الكلمة) للقديس أثناسيوس سنة (1946م)، ثم أكمل كتابات القديس أثناسيوس.

† في عصرنا الحالي تُوجد مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر كتابات الآباء حيث تأسست هذه المؤسسة سنة (1979م)، وقد كان للسيد صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في تأسيس هذه المؤسسة، وتنيّح سنة (1986م).

† وفي عام (1991م) تأسس مركز دراسات الآباء، وبلغ عدد نصوص الآباء التي نشرها حتى الآن (138) عملاً، ويقوم المركز بعمل دراسات على هذه النصوص الآبائية المترجمة وتصدر في سلسلة باسم “دراسات آبائية” وصل عددها إلى 32 كتاباً، كما تُنشر مجلة دورة بدأت في يناير (1998م) وهي مجلة نصف سنوية.

اتباع أثر الآباء:

بعد أن تعرفنا على الآباء وعلى كتاباتهم التي كتبوها بإرشاد الروح القدس العامل في الكنيسة، يجب علينا اتباع أثر الآباء في حياتنا، فلا تستطيع الكنيسة أن تعيش دون أن تشرب وترتوي من تعاليم الآباء وحياتهم وكتاباتهم، وهذا ما قاله الله للكنيسة في نشيد الأنشاد “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 1: 8)، وهذا ما يقوله لنا معلمنا القديس بولس الرسول:

” اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 13: 7)، فالآباء هم امتداد للرسل ونحن نفتخر أن لنا آباء، وهذا يتضح من قول القديس أثناسيوس الرسولي للأريوسيين “قد أظهرنا أن فكرنا قد سُلِّم من أب إلى أب، وأما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا (يقصد الأريوسية) فإلى أي أب من الآباء تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم”[9]

اتباع الآباء ليس هو تعلقاً بشخصيات، إنما هو استقاء لكيفية كون هذا الأب عضواً في جسد المسيح الواحد. إنه علم الآباء.

[1] المتنوعات كتاب 51: 1: 11.

[2] القمص تادرس يعقوب ملطي: مفاهيم إيمانية (2): الكنيسة والتقليد، ص9

[3] J. Quasten. Patrology. Vol. 4 ,p.512 ff.

[4] نيافة الأنبا مكاريوس – الأسقف العام: فضيلة النسك الطبعة الأولى –  مارس 2006 م. ص 8، 9

[5] ولد بالقرب من مدينة أكويلا الواقعة على شاطئ البحر الأدرياتيكي بإيطاليا. درس في روما حيث التقى بالقديس جيروم، وكان روفينوس واحداً من مئات الشباب الذين استهوتهم الحياة النسكية فاندمجوا فيها بحرراة، عاش في جماعة نسكية في وطنه، ثم قصد الأراضي المقدسة حيث عاش بضع سنوات منع رهبانها. وحالما وصل رؤفينوس إلى الإسكندرية قصد لفوره إلى الصحراء حيث قابل عدداً كبيراً من آرائها. القمص تادرس يعقوب ملكي – قاموس آباء الكنيسة.

[6] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ح – ص) – 2001 – ص200.

[7] يوسابيوس القيصري – تاريخ الكنيسة 1: 1 – مرجع سابق – ص 9.

[8]  القمص تادرس يعقوب ملطي – المدخل لـ علم الباترولوجي ص 18.

[9] N&P.N.Fathers, 1st ser . Vol. IV p.168

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

مارابارسيرابيون – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

مارابارسيرابيون – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

مارابارسيرابيون – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الخامس – مارابارسيرابيون

مارابار سيرابيون: الملك اليهوديّ الحكيم

في وقتٍ ما بعد 73 للميلاد، كتب رجلٌ يُدعى “مارابارسيرابيون” رسالةً بليغةً باللغة السريانية إلى ابنه الذي كان يُدعى “سيرابيون”. يعود النصّ الوحيد الباقي، والموجود الأن في المتحف البريطانيّ، إلى القرن السابع عشر. لا نعرف شيئاً آخر عن “مارا” أو “سيرابيون” ماعدا هذه الرسالة. لم يصف الكاتب مدرسته صراحةً، لكن تدلنا رسالته على أنه كان رواقياً[1].

ونستنتج أنه لم يكن مسيحياً بسبب فشله بذكر اسم يسوع أو المسيح صراحةً، وبسبب إعلانه أن خلود يسوع يعود إلى قوانينه الجديدة وليس إلى قيامته. وفي كتابته لـ”سيرابيون” يتحدّث “مارابارسيرابيون” عن يسوع على أنه “ملك اليهود الحكيم”، الذي انتقم الله لموته بعدل، حيث تستمر “قوانينه الجديدة”.

دُمّرت مدينة “مارابارسيرابيون” في حربٍ مع روما، وسيق مارابارسيرابيون وآخرون أسرى لدى الرومان. ويشير في نهاية رسالته أنّ الرومان الذين يحتلّون أرضه كطغيانٍ إمبراطوريّ سيلقّون الخزي والعار على أفعالهم. ويضيف: إذا سمح الرومان لنا بالعودة إلى أمّتنا بعدلٍ وإنصاف…، سيعتبرون جيدين وصالحين، وستكون الأمّة التي يعيشون فيها آمنةً أيضاً. ومعظم الرسالة يحمل النصح للبحث عن الحكمة من أجل التعامل مع المصاعب المحتومة في الحياة.

فالحكمة تساعد الناس على التعامل مع خسارتهم للأماكن والممتلكات والأشخاص، وبذلك يتمكنون من أن يكونوا صالحين وآمنين على الرغم من مصاعبهم. كما تجلب الحكمة خلوداً معيناً. يقول: يا بنيّ، إنّ حياة الناس لن تطول في هذه الدنيا، لكن بالنسبة للحكماء فإنّ فضائلهم وشهرتهم تبقى إلى الأبد.

ولتوضيح هذه الفكرة يقول “مارابارسيرابيون” مع الإشارة في البداية إلى مشاكله الخاصّة، أنّه عندما يتم قمع الحكماء فلا تنتصر حكمتهم في النهاية فحسب، بل أنّ الله يعاقب مضطهديهم:

ماذا يمكننا أن نقول أيضاً عندما يُبعد الحكماء بالقوة من قبل المستبدين، وتُحاط حكمتهم بالإهانات، ويضطهدون بدون القدرة على الدفاع، ما الفائدة التي حظي بها الأثينيون من قتل سقراط[2]، الأمر الذي عوقبوا عليه بالمجاعة والوباء؟ أو ما الفائدة التي حظى بها الساموسيون من حرق فيثاغورث[3]، حيث غطّيت بلدهم بالرمل في ساعةٍ واحدة؟ أو اليهود من قتل ملكهم الحكيم، حيث أُخذت مملكتهم في ذات الوقت؟

لقد عوّض الله لهؤلاء الحكماء الثلاثة بشكلٍ عادل فقد مات الأثينيون من المجاعة، وغمرت مدينة الساموسيين بالرمال بشكلٍ كامل، أمّا اليهود الذين أخرجوا من مملكتهم فقد تشتتوا في كلّ الدول. لم يمت سقراط بسبب أفلاطون، وكذلك فيثاغورث، لم يمت بسبب تمثال جونو، ولم يمت الملك الحكيم بسبب القوانين الجديدة التي وضعها.

على الرغم من عدم تسميته، وعلى الرغم من أنّ “الملك الحكيم” ليس لقباً مسيحياً شائعاً على الإطلاق، فإن يسوع من دون أيّ شك هو المقصود بعبارة “الملك الحكيم”.

أولاً، يتحدث “مارابارسيرابيون” عن هذا اليهوديّ الحكيم بوصفه ملكاً، ولقب “ملك” يرتبط بشكلٍ جليّ فيما نُقش على صليب يسوع حول محاكمته وموته على وجه الخصوص – (مرقص 15:26).

ثانياً، يتماثل ربط “مارابارسيرابيون” بين تدمير أمّة اليهود وموت “الملك الحكيم” مع العرف المسيحيّ، حيث يُعتبر تدمير القدس عقاباً لرفض اليهود ليسوع. تشير الأناجيل السينوبتية إلى هذا الربط بشكلٍ ضمنيّ، مثال : متّى (23:37، 24:2، 27:25). ومرقص (13:12)، ولوقا (19:42-44، 21:5-6، 20-24، 23:28). لكنّ “يوستونيوس” هو أوّل من يصرّح بذلك (الاعتذار الأول 4: 6-32، 47-49، 53:2-3. والحوار 25:5، 108:3). أمّا لدى كتّاب الكنيسة اللاحقين فقد أصبح هذا موضوعاً شائعاً.

ثالثاً، إنّ عبارة: “القوانين الجديدة التي وضعها”، هي على الأرجح إشارةٌ إلى الدين المسيحيّ، وخاصّةً تشريعها الأخلاقيّ، فلا نعرف أيّ شخصٍ آخر غير يسوع في التاريخ القديم كان يماثل هذا الوصف.

على أية حال، إذا كان “مارابارسيرابيون” يقصد يسوع فلماذا لم يستخدم اسمه؟ إنّ عدم استخدام “مارا” لكلمة “يسوع” أو “مسيح” أمرً لافتً، لأنه يدعو إلى شهرة تعاليم الملك الحكيم بشكلٍ ضمنيّ. إن هذا الملك وتعاليمه بمستوى واحد مع سقراط وفيثاغورث اللذين كانا اسمين مشهورين في العالم القديم.

ويقترح “جوزيف بلنز”، وبدون أي حجج داعمة، أنّ: الكاتب لم يكن على معرفةٍ باسم يسوع أو مسيح. وبينما يبدو هذا الاقتراح ممكناً، فمن غير المحتمل أنّ “مارابارسيرابيون” يدعو إلى شهرة حركةٍ جديدة، ومع ذلك ليس على علمٍ باسم مؤسسها. والمرجّح أنّه يكتم اسم يسوع للسبب نفسه الذي لا يصرّح من أجله بأن يسوع قد قُتل.

وقبل قرنٍ مضى، اقترح “دبليو. كرتن” أنّ اضطهاد الرومان للمسيحيين في الوقت الذي كُتبت فيه هذه الرسالة هو ما دفع “مارابارسيرابيون” إلى كتم اسم يسوع، بينما يقوم بإشاراتٍ ضمنيّةٍ إليه لا يمكن إغفالها. وهذا أيضاً أمرٌ محتمل. فعلى الرغم من أن التاريخ غير المؤكّد لهذه الرسالة، والطبيعة المحليّة والمتفرّقة لمعظم ملاحقات المسيحيين، كلها تجعل من الصعب معرفة هذا بشكلٍ يقينيّ.

الاحتمالٌ الثالث يعتمد على الأسلوب الأدبيّ، فسابقاً في الرسالة، يشير “مارابارسيرابيون” إلى سقراط وفيثاغورث، لكنه لا يشير إلى يسوع ضمن قائمةٍ تضمّ أسماء مشاهيرٍ من القدماء، ويعقّب : أنّ فضائلهم وشهرتهم تبقى إلى الأبد. في نصنا هذه يأتي على ذكر هؤلاء الاثنين مرّة أخرى دون ذكر يسوع، ليبقى مطابقاً لعباراته السابقة. إن هذه الاحتمال غير مُرضٍ، كما أنه لا يشرح كيف أنّ شخصاً مشهوراً لتعاليمه يكون مجهول الاسم.

ربما لا يكمن السبب في وضع المسيحيّة، بل في وضع “مارابارسيرابيون”، حيث أنه لا يذكر اسم يسوع لأن الرومانيين هم من دمّر وشتت اليهود، وهو لا يريد أن يُزعج محتليه. كما أنه قد لا يرغب أن يُشير، في ظّل احتلال بلده، إلى أن الرومان كانوا أداة الله في إعادة سيطرتهم على يهودا.

إنّ أولئك الذين درسوا رسالة “مارابارسيرابيون” يعطونها عدداً من التواريخ المتنوّعة، لكنّ الغالبية يعودون بها إلى القرن الأول، بعد فترة قصيرة من الغزو الروماني لمملكة ” كوماجين” [4] عام 73، وهو فيما يبدو العام الذي يشير إليه الكاتب. يبيّن “بروس” أنّ الرسالة تعود إلى وقت غير محدد بعد عام 73 للميلاد، لكن يبدو أنه يُفضّل تاريخاً غير بعيد عن ذلك العام. “بلينز” و”إيفانز” أيضاً يعيدان الرسالة إلى القرن الأول.

“مورو” ينسب الرسالة إلى الفترة الممتدة بين عامي 73 و399، قائلاً إنّه من المستحيل إعطاء دقّة أكثر من ذلك. يرى “فرانس” أنّها يجب أن تكون بعد تدمير القدس عام 70، ويمكن أن تكون كتبت في القرن الثاني، ويتبع تحليل “براون” التقدير ذاته. أماّ “ليون دوفور” فيؤرخها أبعد من الباقين، حوالي عام 260.

لكن القرن الثاني هو التاريخ المرجّح، فهو يناسب وضع الكاتب بقدر القرن الأول تماماً، ويناسب وضع الشعب اليهوديّ أكثر. وكما يبيّن “كرتين” في مناقشته لتاريخ منتصف القرن الثاني، يقول “إنّ المشاكل التي يشير الكاتب إلي وقوعها عليه وعلى مدينته تنطبق على أولئك الذين عانوا على يد الرومان في البلاد التى تقع حول نهري الفرات ودجلة. هذه البلاد كانت متحمّسة للثورة ضدّ الرومان تحت قيادة “لوسيوس فروس” 162-165 للميلاد…حيث نُهبت مدينة سلوقية وأُحرقت من قبل الرومان”.

والأكثر إقناعاً حيث تشير الطريقة التي يتكلّم بها الكاتب عمّا حدث لأمّة اليهود إلى تاريخ زمانه بعد الثورة اليهودية الثانية – (132-132). يقول “مارابارسيرابيون”: أنً مملكتهم قد سُلبت، وأنهم دمّروا. وهذه اللغة تتناسب مع الفترة التي أعقبت أماّ الثورة الأولى أو الثانية. لكن إشارته إلى أنّ ” اليهود اخرجوا من مملكتهم، وشُتتوا في كلَ الدول” تنطبق بالأخض على ما بعد الثورة الثانية، فعندها فقط، وبقرارٍ من الإمبراطور “هادريان”[5]، تّم طرد كافّة اليهود من مدينة القدس وضواحيها.

جاعلاً منها مستعمرةً رومانيّة لا يُسمح لآيّ يهوديّ بدخولها. لا شكّ في أن هنالك بعض المبالغة في لغة “مارابارسيرابيون” لكن الأمر أكثر من المبالغة في الكلام. وبذلك يمكننا أن نستنتج ببعض الثقة أنّ تاريخاً في النصف الثاني من القرن الثاني هو المرجّح.

من اين حصل “مارابارسيرابيون” على معلوماته عن يسوع؟ لم يذكر “مارابارسيرابيون” مصادره، كما العديد من الكتّاب القدماء، وبذلك ينبغي التوصل إليها بإنفسنا. ويُفضّل هنا مصدرٌ غير مسيحيّ لأن “مارا” لا يصرّح أن موت يسوع كان فداءً للبشرية، ولا أنّه يعيش من خلال إعادة بعثه، وهي عناصر أساسيّة في معظم الطوائف المسيحيّة. استطاع بعض الاعتذاريين[6] المسيحيين أن يُقارنوا يسوع بسقراط وفلاسفةٍ آخرين، لكن برؤية أنّ يسوع كان أرفع مقاماً، وليس مساوياً لهم، كما يشير مارابارسيرابيون.

ويُرجّح مصدرٌ غير مسيحيّ أيضاً لأنّ “ملك” ليست لقباً مسيحياً تقليدياً في الأدب المسيحيّ المبكّر، كما أن “الملك الحكيم” لم تُثبت أبداً. ومع ذلك، فإن موازنة الدليل ترجّح مصدراً مسيحياً.

أولاً، يبيّن “مارا” أن اليهود قتلوا يسوع ظلماً، قتلوه تماماً كما قتل الأثينيون سقراط ظُلماُ، وكما قتل الساموسيون فيثاغورث. وبينما يقرّ العرف اليهوديّ أنّ السلطات اليهوديّة أعدمت يسوع، ومن الجائز أن يكون “مارا” قد علم عن موت يسوع من مصادر يهوديّة، فإن هذا العرف كان على الأرجح نقطة خلاف بين الكنيسة المسيحيّة والكنيس اليهوديّ، لكنّه لم يجد طريقاً ليصبح جدلاً أكبر يمكن لـ”مارا” أن يعلم به. علاوةً على ذلك، يبدو أنّ العرف الذي وصل “مارا” يحتوي حكماً سلبياً فيما يخصّ موت يسوع لم يكن موجوداً في العرف اليهوديّ الذي يبرّر موت يسوع بأنه كان قانونياً.

ثانياً، كما رأينا فإن “مارا” يربط موت يسوع بدمار الأمّة اليهوديّة، كما فعل العرف المسيحي فقط. ومع أنّ مصدراً مسيحياً للمعلومات مرجّحٌ إلاّ أنه لا يمكننا إنكار أنّه كان لـ”مارا” مصدرٌ غير مسيحيّ للمعلومات أيضاً، خاصّةً إن كانت “القوانين الجديدة” لـ”الملك الحكيم” معروفةً أيضاً كما يشير.

 

إن نتائج دراسة يسوع التاريخي ضئيلة جداً. ورسالة “مارا” ليست شاهداً مستقلاً على وجود يسوع، وذلك لسببين.

أولاً، أنّها تربط حياة “الملك الحكيم” بحركتها وتعاليمها، بما يجعل من المحتمل أنّ “مارا” عَلِمَ عن الملك الحكيم من مسيحيين.

ثانياً، إن تأكيد الرسالة على أنّ اليهود قتلوا يسوع هو أمرٌ مريب. فبناءً على توجهه، سيكون تضمين “مارا” في هذا الأمر مناقضاً لرؤيته الأساسيّة وهي أنً أولئك الذين يضطهدون رجالهم الحكماء يقومون بذلك على مسؤوليتهم الشخصيّة.

بالمجمل، تتحدث رسالة “مارا” عن المسيحيّة أكثر مما تتحدث عن المسيح. والمثير في الأمر أنّ هذا الكاتب الرواقي الذي يعود إلى منطقةٍ خارج الإمبراطورية الرومانية، يرى المسيحيّة بمنظورٍ إيجابيّ، ويقارن مؤسسها بسقراط وفيثاغورث. تظهر رسالة “مارا” وهي أقدم إشارةٍ فلسفيّة غير مسيحيّة إلى المسيحيّة، الجاذبية التي كانت للمسيحيّة لدى بعض المثقّفين. ولا يحب تفسير إشارة “مارا” إلى المسيح والمسيحيّة على أنها تأييد لها أكثر من اعتبار ذكره لسقراط وفيثاغورث تأييداً لمدارسهم الفلسفية. لكنّه يستخدم مثال يسوع وتعاليمه ليحثّ مواطنيه على التحملّ والرومانيين على الرأفة.

لقراءة بقية السلسلة:

[1] تعتمد المدرسة الرواقية التي ظهرت بعد فلسفة أرسطو على إرساء فن الفضيلة ومحاولة اصطناعها في الحياة العملية، ولم تعد الفلسفة تبحث عن الحقيقة في ذاتها، بل أصبحت معياراً خارجياً تتجه إلى ربط الفلسفة بالمقوم الأخلاقي. وتعد الفلسفة عند الرواقيين مدخلاً أساسياً للدخول إلى المنطق والأخلاق والطبيعة. ارتبطت هذه المدرسة بالفيلسوف زينون (336-264ق.م) الفينيقي الأصل. وازدهرت منذ 4 ق.م وحتّى ق 4 م.

[2] سقراط: سقراط (469-399 ق.م). فيلسوف ومعلم يوناني جعلت منه حياته وآراؤه وطريقة موته الشجاعة، أحد أشهر الشخصيات التي نالت الإعجاب في التاريخ. فنتيجة لتهكمه على الديمقراطية في أثينا تمت إدانته وحكم عليه بالإعدام.

[3] فيثاغورث: فيلسوف ورياضي إغريقي عاش في القرن السادس قبل الميلاد، ولد في جزيرة ساموس على الساحل اليوناني. في شبابه قام برحلة إلى بلاد ما بين النهرين وأقام في منف بمصر. وبعد تعلم كل ما هو معروف في الرياضيات من مختلف الحضارات المعروفة آنذاك عاد إلى ساموس لكنه اضطر إلى الفرار لمعارضته للدكتاتور بوليكراتس حول الإصلاحات الاجتماعية. واستقر في جنوب إيطاليا فذاع صيته واشتهر.

[4] كوجامين: مملكة نشأت بعد انقسام إمبراطورية الإسكندر الأكبر، في منطقة شمال سورية من الجزيرة وحتى منابع الفرات، كانت عاصمتها هيرابوليس أو منبج اليوم.

[5] هارديان: 76-138م، إمبراطور روماني وفيلسوف رواقي وأبيقوري. في أعقاب ثورة يهودية شيد هارديان مدينة جديدة على أنقاض القدس أطلق عليها اسم: كولونيا إيليا كابوتالينا، وحرم على اليهود دخولها.

[6] المدافعين: أو التبريريين، ظهرت الاعتذاريات المسيحية في مجال اللاهوت بهدف تقديم أساس من بولس الطرسوسي ومروراً بأوريجانوس وأوغسطينوس، وحتى المسيحية الحديثة من خلال جهود عدة كتاب. واستدل الاعتذاريون المسيحيون بالأدلة التاريخية، والحجج الفلسفسية، والتجريبات العلمية، والإقناع الخطابي وغيرها.

مارابارسيرابيون – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

Exit mobile version