الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

الحجة والمعيار الاخلاقي لوجود الله يعتبر برهان قوي على حقيقة هامة مفادها ان القيم الأخلاقية الموضوعية تشير مباشرة إلى وجود مشرّع للمبادئ والأسس الاخلاقية وهذا المشرّع ليس سوى الله. تؤكد هذه الحجّة أنه إذا كانت هناك قيم وواجبات أخلاقية موضوعية، فيجب أن يكون هناك مصدر لتلك القيم والواجبات الاخلاقية – مصدر يتجاوز المجتمع البشري والرأي الشخصي. وبما أن الأخلاق الموضوعية موجودة بالفعل، فإن الاستنتاج الأكثر منطقية هو أن الله موجود باعتباره المصدر الأساسي والنهائي لتلك الأخلاق.

يتحدث الكتاب المقدس بوضوح عن هذه الحقيقة، حيث يقدّم لنا الكتاب ضمن طياته شريعة الله الأخلاقية الادبية ليس كاختراع بشري، بل كحقيقة أبدية متأصلة في طبيعة الله ذاتها. يعكس القانون الأخلاقي والادبي، كما أعلنه الكتاب المقدس، شخصية الله البارّة وغير المتغيرة، وهذا القانون الإلهي هو بمثابة الأساس لكل الأخلاق البشرية.

 

كيف نحدد القيم الأخلاقية الموضوعية؟

عند مناقشة الحجة الأخلاقية، من الضروري أن نفهم ما هو المقصود بالقيم الأخلاقية الموضوعية. تعني الأخلاق الموضوعية أن بعض الأفعال والقيم يتم تحديد فيما إذا كانت صحيحة أو خاطئة من الناحية الأخلاقية بشكل مستقل عما يعتقده أو يعتنقه أي شخص عنها. على سبيل المثال، القيمة الأخلاقية للصدق صحيحة بغض النظر عما إذا كان شخص ما قرر الكذب أم لا. وبالمثل، فإن القتل جريمة وهذا لا يتغير بناءً على ما تفضله او تقتنع به ثقافة أو فرد معين.

يؤكد الكتاب المقدس أن المعايير الأخلاقية الموضوعية موجودة وأنها متجذرة في طبيعة الله. وكما يقول لاويين 19: 2، “«كَلِّمْ كُلَّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: تَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ الرَّبُّ إِلهُكُمْ.” (لا 19: 2).

تعلمنا هذه الآية بوضوح أن الأخلاق ليست مسألة عُرف بشري ولكنها ترتكز على قداسة الله. إن القيم الأخلاقية التي نتمسك بها هي انعكاسات لشخصية الله الكاملة، وبالتالي فهي لا تتغير مع التغيرات المجتمعية او وفقها.

وعلى النقيض من ذلك، إذا لم يكن الله موجودًا، فلن يكون هناك أساس نهائي او معياري للقيم الأخلاقية الموضوعية. ستكون الأخلاق ذاتية، وتعتمد فقط على التفضيلات والقناعات الشخصية أو المجتمعية، وما يعتبر “جيدًا” أو “سيئًا” سيصبح مسألة رأي. وهذه وجهة نظر تسبب إشكالية، لأنها لا توفر أساسًا ثابتًا لإدانة الأفعال الشريرة حقًا مثل الإبادة الجماعية، أو العبودية، أو غير ذلك من أشكال الظلم. وبدون الله، ستكون المعايير الأخلاقية نسبية تمامًا، مما يؤدي إلى الفوضى الأخلاقية.

 

كيف يدل وجود الواجبات والالتزامات الأخلاقية على وجود المشرّع؟

لا توجد قيم أخلاقية موضوعية فحسب، بل إننا ندرك أيضًا أن هناك واجبات أخلاقية والتزامات يتعين علينا الوفاء بها. على سبيل المثال، يتفق الناس بشكل عام على أنه من واجبنا أن نكون صادقين، وأن نعامل الآخرين بلطف، وأن نحمي الضعفاء. ولكن لماذا نشعر بأننا ملزمون بفعل الصواب، حتى عندما يكون صعبا أو غير مريح؟

يقدم لنا الكتاب المقدس الجواب: هذه الواجبات متجذّرة في وصايا الله. فكما أن القانون يحتاج إلى مشرّع، فإن الواجبات الأخلاقية تتطلب سلطة لها الحق في فرض الالتزامات علينا.

توضح رسالة رومية 14:2-15 هذه الحقيقة:

14 لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ،

15 الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً،”.

يشير هذا المقطع إلى أن جميع الناس، بغض النظر عن خلفياتهم، يمتلكون إحساسًا فطريًا بالالتزام الأخلاقي. هذه البوصلة الأخلاقية كتبها الله، المشرع الأعلى والأسمى، في قلوب البشرية.

ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أن الواجبات والالتزامات الأخلاقية لا تنشأ من مجرد الأعراف المجتمعية أو التفضيلات والرؤية الشخصية ; فإذا كانت الواجبات الأخلاقية مجرد نتاج لاتفاقية مجتمعية، فإنها تفتقر إلى السلطة الملزمة ووقتها ما الذي يمنع المجتمع من إعلان أن شيئًا مثل السرقة أو الكذب مقبول أخلاقياً؟ ولذلك نستطيع القول انه بما أن الواجبات الأخلاقية ترتكز على أوامر الله التي لا تتغير، فإنها تظل ملزمة لجميع الناس، بغض النظر عن الرأي الفردي أو الثقافي.

 

هل يمكن للإلحاد أن يوفر أساسًا للأخلاق؟

أحد التحديات المركزية للحجة الأخلاقية يأتي من الإلحاد. يؤكد الملحدون في كثير من الأحيان أن الأخلاق يمكن أن توجد بشكل مستقل عن الله. قد يجادلون بأن القيم والواجبات والالتزامات الأخلاقية تنشأ من العمليات التطورية، أو الإجماع المجتمعي، أو العقل البشري. ومع ذلك، عند الفحص الدقيق، فإن هذه التفسيرات لا توفر أساسًا كافيًا للأخلاق الموضوعية.

أولاً، إذا كانت الأخلاق نتاج التطور، فهي اذن مجرد غريزة بيولوجية تطورت لتعزيز البقاء. وهذا يعني أن القيم الأخلاقية ليست موضوعية حقًا، ولكنها مجرد سلوكيات مفيدة تمّ تناقلها لأنها تساهم في ازدهار الإنسان. ولكن إذا كانت الأخلاق مجرد آلية للبقاء، فلماذا ينبغي لنا أن نعتبر أفعال مثل الإيثار أو التضحية بالنفس جيدة من الناحية الأخلاقية؟ بعد هذا نصل الى ما مفاده ان مثل هذه الإجراءات لا تساهم دائما في تعزيز البقاء الذي ينشده الفرد. علاوة على ذلك، إذا كانت القيم الأخلاقية متجذرة في التطور، فإنها يمكن أن تتغير بمرور الوقت، مما يتركنا دون أساس ثابت للحقيقة الأخلاقية.

ثانياً، إذا كانت الأخلاق مبنية على الإجماع المجتمعي، فإنها تصبح ذاتية تماماً. يمكن للثقافات المختلفة أن تحدد الأخلاق بطرق معاكسة تماما، ولن يكون هناك معيار موضوعي يمكن من خلاله الحكم على أي ثقافة هي الصحيحة. على سبيل المثال، قد يعتبر مجتمع ما العبودية مقبولة أخلاقيا، في حين يدينها مجتمع آخر. وبدون معيار أخلاقي موضوعي، لن يكون لدينا أي أساس لإدانة الممارسات غير الأخلاقية للمجتمعات الأخرى.

يقدم الكتاب المقدس وجهة نظر مختلفة تمامًا. فهو يعلّم أن القيم الأخلاقية ليست نتيجة للتطور البشري أو الاتفاق الاجتماعي، بل أنشأها الله نفسه. يؤكد إشعياء 22:33، “فَإِنَّ الرَّبَّ قَاضِينَا. الرَّبُّ شَارِعُنَا. الرَّبُّ مَلِكُنَا هُوَ يُخَلِّصُنَا.” (إش 33: 22).” الله وحده لديه السلطة لتحديد ما هو صواب وما هو خطأ من الناحية الأخلاقية، وتعكس قوانينه الأخلاقية عدله وبرّه الكاملين. وبدون الله لا يمكن أن توجد القيم والواجبات الأخلاقية الموضوعية.

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

كيف يقدم الكتاب المقدس الله كمصدر للقانون الادبي الأخلاقي؟

في جميع أنحاء الكتاب المقدس، يتم تقديم الله على أنه المصدر الاساسي والنهائي للقانون الأخلاقي. وصاياه ليست اعتباطية بل تنبع من طبيعته البارّة. وكما يعلن المزمور “بَارٌّ أَنْتَ يَا رَبُّ، وَأَحْكَامُكَ مُسْتَقِيمَةٌ.” (مز 119: 137). وصايا الله هي تعبير عن شخصيته الأخلاقية الكاملة، وهي تزود البشرية بمعيار واضح لكيفية العيش.

إن الوصايا العشر، التي أُعطيت لموسى على جبل سيناء (خروج 20)، هي مثال رئيسي لشريعة الله الادبية الأخلاقية. وتعكس هذه الوصايا حقائق أخلاقية عالمية، مثل تحريم القتل والسرقة والزنا. هذه ليست مجرد قواعد ثقافية لشعب اسرائيل في العهد القديم ؛ انما هي مبادئ خالدة تنطبق على جميع الناس، لأنها متجذرة في شخصية الله التي لا تتغير.

علاوة على ذلك، لخص يسوع الناموس الادبي الأخلاقي في متى 22: 37-40 عندما سُئل عن الوصية العظمى. فأجاب: “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ».” (مت 22: 37-40). وهنا يؤكد يسوع أن محبة الله ومحبة الآخرين هي جوهر كل الالتزامات الأخلاقية. تعكس هذه الوصايا طبيعة الله، لأن “الله محبة” (يوحنا الأولى 4: 8)، وهي توضح لنا كيف نحيا بالطريقة التي تُرضي الله.

 

لماذا تُعتبر الحجة الأخلاقية دليلا هاما يُستخدم في الدفاعيات المسيحية؟

الحجة الأخلاقية فعالة بشكل خاص في الدفاعيات المسيحية لأنها تتوافق مع التجربة الحيّة لكل إنسان. يدرك البشر حول العالم حقيقة القيم والواجبات والالتزامات الأخلاقية، حتى لو كانوا يختلفون حول بعض التفاصيل. عند التعامل مع المتشككين، فإن الحجة الأخلاقية تشكّل تحديا لهم للنظر في أساس معتقداتهم الأخلاقية. فمثلا لماذا نعتقد أن بعض الأفعال صحيحة أو خاطئة بشكل موضوعي بغض النظر عن الرأي الفردي ؟ ما الذي يبرر إحساسنا بالواجب والالتزام الأخلاقي؟ تؤدي هذه الأسئلة بطبيعة الحال إلى استنتاج مفاده أن المشرّع الأخلاقي المتسامي – الله – لا بد أن يكون موجوداً.

علاوة على ذلك، توفر الحجّة الأخلاقية وسيلة لإثبات عيوب الإلحاد وغيره من وجهات النظر العالمية التي تنكر وجود إلله. بدون الله، لا يوجد أساس موضوعي للأخلاق. قد يحاول الإلحاد تفسير الأخلاق من خلال التطور، أو الأعراف المجتمعية، أو التفضيلات الفردية، ولكن لا يمكن لأي منها أن يوفر أساسًا صلبا ومناسبًا لحقيقة المبادئ الاخلاقية. إن وجود إله متسامي هو وحده القادر على تفسير السبب لماذا القيم والواجبات الأخلاقية مُلزمة لجميع الناس في جميع الأوقات.

تتحدث رسالة رومية 1: 20-22 عن هذه المسألة: “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ،” (رو 1: 20-22).

يسلّط هذا المقطع الضوء على أن الدليل على وجود الله واضح، لكن كثير من الناس يقمعون هذه الحقيقة. والحجة الأخلاقية هي إحدى الطرق لتسليط الضوء على هذه الحقيقة، مما يساعد المتشككين على رؤية عدم اتساق نظرتهم للعالم ويقودهم إلى التفكير في وجود الله.

 

كيف تعكس الحجة الأخلاقية صورة الله في البشرية؟

يعلّمنا الكتاب المقدس أن البشر مخلوقين على صورة الله (تكوين 26:1-27)،

“وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.” (تك 1: 26-27).

ولهذا السبب نمتلك الوعي والحس الأخلاقي. على عكس الحيوانات، التي تعمل على أساس الغريزة، يتمتع البشر بالقدرة على اتخاذ خيارات أخلاقية وتمييز الصواب من الخطأ. وهذا الوعي الأخلاقي يعكس الصورة الإلهية فينا، فالله هو الكائن الأخلاقي الأسمى.

ولأننا مخلوقون على صورة الله، فإننا مسؤولين أمامه عن أفعالنا. يحذر سفر الجامعة 12: 14 هذه النقطة بوضوح، “لأَنَّ اللهَ يُحْضِرُ كُلَّ عَمَل إِلَى الدَّيْنُونَةِ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ، إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا.” (جا 12: 14).

هذه المسؤولية أمام الله تعزز حقيقة الأخلاق الموضوعية. إن خياراتنا الأخلاقية لها أهمية أبدية تتعلق بابديتنا، لأننا سنقف يومًا ما أمام الله لنقدم حسابًا عن حياتنا.

هذه الحقيقة الكتابية تظهر أيضًا في الضمير، الذي يصفه الرسول بولس في رومية 2: 15:”الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً،” (رو 2: 15).

وعلى الرغم من أن الضمير غير كامل بسبب السقوط، إلا أنه لا يزال يعكس ناموس الله الأخلاقي ويشير إلى حقيقة وجود معيار أخلاقي له ابعاد.

والحجّة الأخلاقية لوجود الله هي برهان قوي على حقيقة القيم والواجبات الأخلاقية الموضوعية وكيف تشير مباشرة إلى وجود مشرّع لتلك المبادئ الاخلاقية. إن الأخلاق الموضوعية المرتكزة على شخصية الله التي لا تتغير، توفر الأساس الكافي الوحيد لفهم سبب كوْن بعض التصرفات صحيحة أو خاطئة متفق عليها عالميًا. يؤكد الكتاب المقدس هذه الحقيقة، ويكشف أن شريعة الله الأخلاقية ليست نتاج التقاليد البشرية ولكنها متجذرة في طبيعته البارّة والمقدسة.

المحاولات المتعددة التي يقوم بها الملحدون لتفسير الأخلاق من خلال العمليات التطورية، أو الأعراف المجتمعية، أو التفضيلات الشخصية لا ترقى إلى مستوى توفير أساس مناسب للقيم الأخلاقية الموضوعية. وبدون الله، تصبح الأخلاق ذاتية ونسبية، وتفتقر ان يكون لديها أي أساس ثابت لإدانة الشر أو دعم العدالة.

كمؤمنين، يمكننا أن نقدّم بثقة الحجة الأخلاقية كجزء من دفاعنا عن الإيمان المسيحي، ونوجه الناس إلى حقيقة وجود الله ومعياره البار والثابت. من خلال هذه الحجّة، يمكننا أن نُظهر للمتشككين أن أفضل تفسير لقناعاتهم الأخلاقية هو وجود الله المتسامي الذي كتب قانونه الادبي الأخلاقي على قلوب البشرية جمعاء.

ليكون للبركة

ترجمة: Patricia Michael

What Does the Moral Argument Reveal About the Existence of God?

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

الرؤية الإسخاتولوجية للكنيسة – د. سعيد حكيم يعقوب

الرؤية الإسخاتولوجية للكنيسة – د. سعيد حكيم يعقوب

الرؤية الإسخاتولوجية للكنيسة – د. سعيد حكيم يعقوب

الرؤية الإسخاتولوجية للكنيسة – د. سعيد حكيم يعقوب

ترى التعاليم اللاهوتية الآبائية في الجذور الأولى للخلق والبُعد الأخروي للحياة مسيرة روحية واحدة. فالرؤية الكتابية والتقليد الكنسي، يتحركان في هذا الإطار ويؤكدان على أن الحياة مستمرة وممتدة، ولها بُعد أخروي. إن الحياة الحاضرة التي نحياها لا تنحصر في أُطر تاريخية، إذ هي تتسع لتشمل الخليقة كلها، بكل جوانبها. فالكون، والتاريخ، والإنسان، والمجتمع، كلها أمور تشكل محور الحقيقة الكتابية والكنسية.

التقليد الكنسي يؤكد على هذه الرؤية اللاهوتية، إذ أن الكنيسة تحيا حقيقة الحياة الجديدة، وتتذوق عربون الحياة الأبدية من الآن بالنعمة الإلهية التي تعطي لكل ممارسيها حيوية وإلهام خاص.

هذه العطية الإلهية هي التي تُنبئ بأن تحقيق الوعد بالأرض الجديدة والسماء الجديدة هو أمر مؤكد. لأن حقيقة هذه الأرض الجديدة المملوءة قداسة ومحبة وفرحًا تتجلى في أحشاء الكنيسة التي تتذوق من الآن خيرات الحياة الأبدية. فالتقليد الكنسي يهدف إلى تحقيق الصلاح الإلهي، الذي فقدته البشرية مبكرًا ، ويؤكد على الرجاء في اكتمال المسيرة نحو الحياة الأبدية، حتى يتحقق الكمال الذي نترجاه في الحياة الفردوسية المجيدة. واللاهوت الأرثوذكسي حين يتكلم عن الحياة الفردوسية، فهو يعني بشكل أساسي أمرين:

  1. المسيرة التي يسلك فيها الإنسان لكي يتجاوز مرحلة العدم ويصل إلى مرحلة الكمال.
  2. الدخول النهائي إلى ملكوت الله، والتمتع بمجد هذا الملكوت.

هذا ما يؤكده العلاّمة أوريجينوس بقوله: [يوجد في ملكوت الله “أرضًا” موعود بها للودعاء، أرض تسمي بـ ” أرض الأحياء “. أرض موضوعة على مرتفعات والتي قال عنها النبي بحق: ” فيرفعك لترث الأرض ” (مز34:37). هذه هي الأرض التي ترثها النفس المؤمنة بالله بعد الخروج من هذا العالم. والمقصود بها هنا أولئك الذين عاشوا بدون الناموس. وهنالك الذين وضعتهم العناية الإلهية وتدابيرها في الإيمان والنعمة بيسوع المسيح ][1].

لقد وصف الآباء الفردوس وقدموه كحقيقة محسوسة ومُدركة داخل البيئة التاريخية والطبيعية، إلى أن حدث الخروج من الفردوس، حين كسر المخلوق وصية خالقه.

وهنا تبرز حقيقة مهمة للغاية وهى أن الحياة الفردوسية تبدأ من المعطيات الخاصة بهذا العالم الحاضر، في مسيرة متنامية وصولاً إلى مرحلة كمال الكون كله المحسوس والمدرك. إن الفردوس الذي يبدأ في هذا العالم يعني دخول كل ما هو محسوس ومدرك في مجال ملكوت الحياة الإلهية.

وفشل الإنسان في تحقيق هذا الهدف، يفرض عليه إلتزامًا بتصحيح مسيرته مرة أخرى وتوجهه نحو تحقيق الصلاح الأبدي والذي يفوق حالة الإنسان الأولى، فليس هناك حديثًا لا في العهد القديم ولا في التعاليم اللاهوتية الأرثوذكسية عن عودة الإنسان لحالته الأولى فقط. فالإنسان في الفردوس لم يفقد نوعًا من الصلاح كان عليه أن يستعيده، لكنه فقد الشركة مع الله، فانقطعت المسيرة نحو الكمال الذي هو قصد الله من خلق الإنسان.

وطالما أن الحياة الفردوسية هي مسيرة نحو الكمال، نحو التلامس مع المجد الإلهي، الذي يبدأ من الآن ويكتمل في الحياة الأبدية. فإن ملامح هذه الحياة الفردوسية تتضح هنا في هذه الحياة الحاضرة، ويستطيع المرء أن يختبر هذه الحقيقة من خلال إتحاده بالله، ولذلك فإن حياة الجحيم هي على العكس تمامًا، هي فقدان للشركة مع الله، أي عدم الدخول في مجال الحياة الإلهية داخل الزمن، وبناءً عليه فقدان التمتع بالمجد الإلهي.

فالشياطين رغم أنها تؤمن بالله، إلاّ أنه يستحيل عليها رؤية المجد الإلهي، لأنها لا تأتي في شركة مع الله[2]. وهكذا يستطيع المرء أن يُدرك أن حياة الجحيم ليست حالة خاصة يفرضها الله على الإنسان طبقًا لقانون محدد. فالله يحتضن الكل الأبرار والأشرار. إلاّ أن الأشرار لا يستطيعون أن يرون مجد الله، لأنهم يشعرون بأنه يُعاقِب، وهذه الحالة ترتبط بموقفهم تجاه الله، وليس العكس.

إذًا الجحيم بحسب الرؤية الآبائية هو حرمان من التمتع بالمجد الإلهي، وعن هذا الأمر يقول ق. باسيليوس بأنه [ حرمان كبير وخسارة فادحة، ونحن نستطيع أن نتفهم هذا، لو أننا قابلنا بين هذه الحالة وحالة الأعمى، فالأعمى يخسر الكثير، لأنه لا يرى نور الشمس ][3].

إذًا فالجحيم هو عدم الشركة مع الله فالشركة مع الله هي التي تعكس جمال وبهاء الحياة الفردوسية.

توجد في أقوال الآباء الشيوخ قصة تُروى عن ق. مقاريوس الكبير، تُخبرنا بأن القديس مقاريوس بينما كان يمشي في البرية وجد جمجمة لإنسان هرطوقي، فطرق عليها بعصاه، فعلى الفور شعرت نفس ذلك الهرطوقي وهى في الجحيم بالقديس، وطلبت منه الصلاة لأجل تخفيف الآلام عنها. وعندما سأله القديس مقاريوس عن حالتهم في الجحيم، أجاب بأن وجه كل واحد في ظهر الآخر، ولا يستطيع أحد أن يرى وجه الآخرين، وترجاه في النهاية أن يُصلي من أجلهم لكي يروا حتى ولو قليلاً وجه الآخر[4] .

وهذه الحقيقة قد أكد عليها الرسول بولس في رسالته إلى أهل تسالونيكي بقوله: ” فإذ قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب اجتهدنا أكثر باشتهاء كثير أن نرى وجوهكم ” (1تس17:2)، مما يبرهن على قيمة وأهمية حياة الشركة في المسيرة الروحية للمؤمنين. وهذه الصور تُعبّر عن المحتوى اللاهوتي العميق للتعليم الأرثوذكسي، الذي يرى في الشركة في المجد الإلهي تحقيق للحالة الفردوسية، وأن الخروج من هذه الشركة يؤدى إلى حياة الجحيم. وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم معنى الشركة بين الأحياء والأموات، والصلوات من أجل الأنفس التي رقدت.

إن الحياة المسيحية تحمل في طبيعتها توجهًا أخرويًا، فهي تتطلع نحو حياة الدهر الآتي. وهي بهذه الرؤية المتفردة، تختلف عن كل الديانات الأخرى، فالديانة اليهودية أيضًا لديها توجه أخروي، ولكن التوجه المسيحي من جهة الحياة الأبدية، يختلف جذريًا عن هذا التوجه اليهودي. اليهود يؤمنون بالله الذي خلق الكون من العدم، ويعترفون بحضوره في العالم والتاريخ، وينتظرون تكميل العمل وتحقيق وعوده في المستقبل، في الأزمنة الأخروية.

هذا الإيمان وهذا الرجاء يرتبط بفكرة الخط المستقيم للزمن. أما الحياة المسيحية فتعتمد أساسًا على تأنس ابن الله، الذي تحقق بالفعل، تتميمًا لوعوده للإنسان. فأساس التوجه المسيحي إذًا نحو الحياة الأبدية، هو مجىء الله في الجسد، وأيضًا انتظار المجىء الثاني للمسيح، الذي يعني كمال عمل الله وتجديد الكون “ولكننا بحسب وعده ننتظر سماءً جديدة وأرضًا جديدة “.

إن المجىء الأول للمسيح والذي حدث زمنيًا في الماضي هو نفسه يُعلن عن المجيء الثاني الذي يُنتظر في المستقبل. إلاّ أن هذا المستقبل لا ينحصر في بُعده التاريخي، إذ أن المستقبل الخاص بالرجاء المسيحي يتجاوز الزمن والتاريخ، لأن ما يرتبط بالزمن، وما يوجد في التاريخ لا يتعدى كونه مجرد ظلال ورموز. فلا يجب أن نضع رجاؤنا في انتظار نهاية الزمن، لأننا من الآن نحن نحيا الحياة الجديدة في المسيح، وننتظر كمال عمل الله.

إذًا على عكس اليهودية التي تُركّز أهدافها واهتماماتها على الزمن والتاريخ، فإن الكنيسة ترى في الزمن والتاريخ وكل ما يرتبط بهما مجرد وعاء يحمل في داخله ملامح الحياة الأبدية التي ننتظرها. وفي نفس الوقت هي تفتح أبعادًا جديدة لا حدود لها، ورؤى متسعة لتقييم الزمن والتاريخ. وإذا كانت الكنيسة تنظر لتاريخ شعب إسرائيل كتاريخ مقدس، إلاّ أنها ترى فيه معنى رمزيًا.

فخروج اليهود من أرض مصر، وانتقالهم إلى أورشليم، يُفسر من قِبَل الكنيسة على أنه نموذج لخروج المؤمنين من العالم وانتقالهم لملكوت الله. يقول ق. إيريناؤس [خروج شعب الله من أرض مصر، هو نموذج وأيقونة لخروج الأمم ودخولهم في الكنيسة ][5].

إن الرؤية الأخروية للكنيسة يمكن أن توصف بأنها خروج. فالعالم يُنظر إليه كمكان إقامة مؤقت وزائل، وفي نفس الوقت هو عمل الله. لكن الله لم يجعل من هذا العالم المؤقت والزائل مكان إقامة دائم للبشر، إذ أن ملكوته الأبدي هو مكان الإقامة الدائم. هذه الحالة تصفها الرسالة إلى ديوجينيتوس بالقول [ إن المؤمنين يعرفون بأنهم غرباء ونزلاء في أوطانهم فإنهم يسكنون البلدان لكنهم غرباء عنها .. وكل بلد أجنبي هو وطن لهم، وكل وطن لهم يُعد بلد غريب ][6].

وهكذا فإن إهتمام المؤمنين لا ينحصر في مجال الأحداث التاريخية وتطوراتها، ولكنه يمتد إلى أبعد من ذلك ” لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة ” (عب14:13). وهذه المدينة العتيدة التي تتطابق مع ملكوت الله، ليست بعيدة عن المؤمنين، لكنها بالفعل داخل قلوبهم كعربون لما سيحدث.

لقد تحدث القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس بشأن هذا الموضوع قائلاً: ” هوذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير في لحظة في طرفة عين عند اليوم الأخير فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت ” (1كو51:15ـ53). هذا التوجه يدعم الرؤية الخاصة بأن هذا العالم هو إلى زوال، وفي ذات الوقت يجعلنا نتطلع نحو ملكوت الله.

إن ملكوت الله لا يوجد فقط بعد نهاية التاريخ، لكنه حاضر في كل لحظة في التاريخ. وعلى الرغم من أننا ننتظر هذا الملكوت بعد نهاية التاريخ إلاّ أنه يتحقق فعليًا في الحاضر ” ننظر الآن في مرآه في لغز” (1كو12:13). وهذا يوصف بوضوح تام في إنجيل يوحنا “الساعة الأخيرة” التي ينتظرها المؤمنين، هي حاضرة بالفعل، وتعمل في التاريخ ” تأتي ساعة وهى الآن ” (يو23:4، 25:5).

وهذا يعني أن ملكوت الله يتحقق في هذا العالم الحاضر ولكنه لا ينتسب إليه، ويصير هذا الملكوت هو المعيار الذي يتم على أساسه تقييم أمور هذا العالم. فعندما يثبت المؤمنون في إيمانهم حتى المجىء الثاني وعندما يبلغوا إلى رؤية ملكوت الله تتضح الحقيقة المؤكدة، وهى أن كل شئ مرتبط بهذه الحياة الحاضرة، باطل. إن الزمن والتاريخ لهما بعد نسبي، بيد أنهما يتسعان بغنى وبلا حدود ويصير الزمن وعاءً للأبدية، والتاريخ مجالاً لاستعلان ملكوت الله.

إن العالم بكل ما فيه وهكذا الزمن أيضًا يشكلان مسألة نسبية أمام ملكوت الله.  ” لأن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة وألف سنة كيوم واحد ” (2بط8:3). الوقت كما يؤكد الرسول بولس “مُقصر” ” لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم. والذين يبكون كأنهم لا يبكون والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون والذين يشترون كأنهم لا يملكون. والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه. لأن هيئة هذا العالم تزول” (1كو29:7ـ31).

إذًا فالمسيحيون هم مواطني الوطن السمائي، الذي أسّسه المسيح وصار أول مواطنيه[7]. التطلع نحو هذا الوطن السمائي، يخلقه فينا هذا الضمير الأخروي ” سيرتنا نحن هي في السموات ” (في20:3، أف19:2). وهذا الضمير يوّحد المؤمنين فيما بينهم، وفي نفس الوقت يجعلهم مختلفين عن أهل العالم.

إن الحياة الأخروية هي الغاية النهائية، التي تتجه إليها الخليقة والتي بها تكتمل كل الأمور السابقة. هي النهاية التي ينتظرها الجميع في المستقبل، وهى قائمة في الحاضر كهدف. ولهذا فإن الغاية المسيحية التي ننتظر تحقيقها، هي ملكوت الله الذي ننتظره في نهاية التاريخ. لكن ملكوت الله قد أتى بالفعل إلى العالم، بمجيء المسيح (لو20:11). فالنهاية صارت حاضرًا. وبرغم من أن المسيح ينتسب إلى الحياة الأبدية، إلاّ أنه موجود يعمل داخل التاريخ الإنساني.

ولهذا فإن الحياة الأخروية المسيحية يمكن أن توصف كحياة منتظرة، وكحياة متحققة ” أيها الأحباء نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو ” (1يو2:3). فالمسيح الذي استُعلن كإنسان صُلب ومات وقام وصعد إلى السموات، وهو غير الزمني، والأبدي والله الأزلي ” الكائن والذي كان والذي يأتي ” (رؤ4:1). استعلان مجد المؤمنين في ملكوت الله يتطلب إنضمامهم إلى جسد المسيح أي الكنيسة. والكنيسة قائمة بين تخوم الحاضر والحياة الأبدية.

وجود الإنسان داخل الكنيسة يكسبه ملمحًا إسخاتولوجيًا، وخروجه من العالم، ليس هو اختفاء في الفراغ، لكنه اشتراك في الحياة الأبدية، في المجد الإلهي. كما يعبر نيكولا كابيسيلاس عن هذه الحالة بقوله ” إن المؤمنين هم أعضاء جسد المسيح، ورأس هذا الجسد مُختفى في التاريخ، لكنه سيظهر في الأبدية، في حياة الدهر الآتي. وعندما يظهر مجد الرأس، حينئذ سيظهر بهاء الأعضاء”[8].

رجاء الإنسان في دخوله ملكوت الله يرتبط بشكل مباشر بحياة المؤمن اليومية، بينما طريقة معيشته لهذا الرجاء يعتمد على مرحلة النضوج الروحي. وهكذا فإن رجاء المؤمنين في ملكوت الله يتحقق بطريقتين داخل الكنيسة:

  1. بانتظار المجيء الثاني للمسيح والذي يعني نهاية العالم والتاريخ.
  2. من خلال اختبار حضور ملكوت الله في التاريخ، وهذا الاختبار ظهر بشكل محدد وواضح في حياة القديسين اليومية.

هذا الملكوت المرتجى يتجاوز المكان والزمان، واستعلان هذا الملكوت في الإنسان، هو عطية محبة من الله، والتي لا تخضع لتحديدات زمنية ومكانية[9]. وإن كان ملكوت الله يتحقق في هذا العالم، إلاّ أنه سيكتمل في الدهر الآتي. إن إحساس الإنسان ببطلان هذا العالم الحاضر، يُحرره من العبودية لهذا العالم، ويُحيله إلى حقيقة ملكوت الله. وهذا في حد ذاته يعطيه قوة لمواجهة الشر، وقدرة على الإحتمال في محاربة الشهوات، ومجال لإقتناء الفضائل. ويصف الرسول بولس الحياة الحاضرة “بالليل” والحياة الأبدية “بالنهار” (رو12:13).

فظلام وخطية هذا العالم يقودان إلى الفناء. بينما الحياة في نور المسيح يقود إلى ملكوت الله. ومن أجل هذا تزول الفوارق بين الزمن والأبدية، بين الحياة الحاضرة والحياة المستقبلية داخل الكنيسة. الحياة الحاضرة هى بداية الحياة المستقبلية، والحياة المستقبلية هى امتداد للحياة الحاضرة. والحياة في المسيح كما يقول نيكولا كابيسيلاس ” تتأسس هنا في هذه الحياة الحاضرة، لكنها تكتمل في الحياة المستقبلية، عندما نصل إلى ذلك اليوم “[10].

هذا يعني أن أي سلوك مُغاير لهذا المسلك الإيماني، سيقود بالضرورة إلى هجرة الجهاد الروحي، وهذا بدوره سيقود إلى الخضوع لأمور هذا العالم الحاضر، فيفقد الإنسان رؤيته الاسخاتولوجية، ويُسبى من عدو الخير والنتيجة الحتمية هى الخروج من الحالة الفردوسية، والدخول في مجال الجحيم. المصير الأخروي للإنسان، هو مصير الخليقة في مجملها، والتعاليم الآبائية اللاهوتية الخاصة بحركة التاريخ، وتطور الخليقة، تنظر إلى هذه الحركة وهذا التطور إنطلاقًا من سر تأنس الكلمة.

إذ أن الكلمة المتجسد يُشكّل السبب، والمركز، والهدف النهائي للخليقة في مُجملها. ولذلك فاليوم الأخير، والذي يُدعى “يوم الرب” هو يوم استعلانه التام والنهائي.

 

1 العلامة أوريجينوس، عظات على سفر العدد، ترجمة القس برسوم عوض و القس شنودة أمين والآنسة مارسيل عوض الله، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الجزء الثاني 2007م، ص197.

2 مت29:8، يع19:2.

[3] M. basile…ou, E…j thn Eza»meron PG. 29-120B.

[4] Makar…ou tou Aigupt…ou, Apofqšgmata PG 34, 257CD-260A.

[5] Eirhna…ou kata airšsewn 4, 30, ekd.A Rousseau “ Sources chretiennes “ tom. 100.785

[6] proj DiÒgnhton 5,5.

[7] Grhg. qeolÒgou, LÒgoj 33, 12 PG 36, 229A.

[8] per… thj en cristè zw»j 2, PG 150, 548 BC.

[9] Arcim. Swfron…ou, oyÒmeqa ton qeÒn kaqèj štsi, sel.208.

[10] per… t»j en cristè zw»j 1, PG 150, 493 p.

الرؤية الإسخاتولوجية للكنيسة – د. سعيد حكيم يعقوب

Exit mobile version