الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

الحجة والمعيار الاخلاقي لوجود الله يعتبر برهان قوي على حقيقة هامة مفادها ان القيم الأخلاقية الموضوعية تشير مباشرة إلى وجود مشرّع للمبادئ والأسس الاخلاقية وهذا المشرّع ليس سوى الله. تؤكد هذه الحجّة أنه إذا كانت هناك قيم وواجبات أخلاقية موضوعية، فيجب أن يكون هناك مصدر لتلك القيم والواجبات الاخلاقية – مصدر يتجاوز المجتمع البشري والرأي الشخصي. وبما أن الأخلاق الموضوعية موجودة بالفعل، فإن الاستنتاج الأكثر منطقية هو أن الله موجود باعتباره المصدر الأساسي والنهائي لتلك الأخلاق.

يتحدث الكتاب المقدس بوضوح عن هذه الحقيقة، حيث يقدّم لنا الكتاب ضمن طياته شريعة الله الأخلاقية الادبية ليس كاختراع بشري، بل كحقيقة أبدية متأصلة في طبيعة الله ذاتها. يعكس القانون الأخلاقي والادبي، كما أعلنه الكتاب المقدس، شخصية الله البارّة وغير المتغيرة، وهذا القانون الإلهي هو بمثابة الأساس لكل الأخلاق البشرية.

 

كيف نحدد القيم الأخلاقية الموضوعية؟

عند مناقشة الحجة الأخلاقية، من الضروري أن نفهم ما هو المقصود بالقيم الأخلاقية الموضوعية. تعني الأخلاق الموضوعية أن بعض الأفعال والقيم يتم تحديد فيما إذا كانت صحيحة أو خاطئة من الناحية الأخلاقية بشكل مستقل عما يعتقده أو يعتنقه أي شخص عنها. على سبيل المثال، القيمة الأخلاقية للصدق صحيحة بغض النظر عما إذا كان شخص ما قرر الكذب أم لا. وبالمثل، فإن القتل جريمة وهذا لا يتغير بناءً على ما تفضله او تقتنع به ثقافة أو فرد معين.

يؤكد الكتاب المقدس أن المعايير الأخلاقية الموضوعية موجودة وأنها متجذرة في طبيعة الله. وكما يقول لاويين 19: 2، “«كَلِّمْ كُلَّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: تَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ الرَّبُّ إِلهُكُمْ.” (لا 19: 2).

تعلمنا هذه الآية بوضوح أن الأخلاق ليست مسألة عُرف بشري ولكنها ترتكز على قداسة الله. إن القيم الأخلاقية التي نتمسك بها هي انعكاسات لشخصية الله الكاملة، وبالتالي فهي لا تتغير مع التغيرات المجتمعية او وفقها.

وعلى النقيض من ذلك، إذا لم يكن الله موجودًا، فلن يكون هناك أساس نهائي او معياري للقيم الأخلاقية الموضوعية. ستكون الأخلاق ذاتية، وتعتمد فقط على التفضيلات والقناعات الشخصية أو المجتمعية، وما يعتبر “جيدًا” أو “سيئًا” سيصبح مسألة رأي. وهذه وجهة نظر تسبب إشكالية، لأنها لا توفر أساسًا ثابتًا لإدانة الأفعال الشريرة حقًا مثل الإبادة الجماعية، أو العبودية، أو غير ذلك من أشكال الظلم. وبدون الله، ستكون المعايير الأخلاقية نسبية تمامًا، مما يؤدي إلى الفوضى الأخلاقية.

 

كيف يدل وجود الواجبات والالتزامات الأخلاقية على وجود المشرّع؟

لا توجد قيم أخلاقية موضوعية فحسب، بل إننا ندرك أيضًا أن هناك واجبات أخلاقية والتزامات يتعين علينا الوفاء بها. على سبيل المثال، يتفق الناس بشكل عام على أنه من واجبنا أن نكون صادقين، وأن نعامل الآخرين بلطف، وأن نحمي الضعفاء. ولكن لماذا نشعر بأننا ملزمون بفعل الصواب، حتى عندما يكون صعبا أو غير مريح؟

يقدم لنا الكتاب المقدس الجواب: هذه الواجبات متجذّرة في وصايا الله. فكما أن القانون يحتاج إلى مشرّع، فإن الواجبات الأخلاقية تتطلب سلطة لها الحق في فرض الالتزامات علينا.

توضح رسالة رومية 14:2-15 هذه الحقيقة:

14 لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ،

15 الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً،”.

يشير هذا المقطع إلى أن جميع الناس، بغض النظر عن خلفياتهم، يمتلكون إحساسًا فطريًا بالالتزام الأخلاقي. هذه البوصلة الأخلاقية كتبها الله، المشرع الأعلى والأسمى، في قلوب البشرية.

ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أن الواجبات والالتزامات الأخلاقية لا تنشأ من مجرد الأعراف المجتمعية أو التفضيلات والرؤية الشخصية ; فإذا كانت الواجبات الأخلاقية مجرد نتاج لاتفاقية مجتمعية، فإنها تفتقر إلى السلطة الملزمة ووقتها ما الذي يمنع المجتمع من إعلان أن شيئًا مثل السرقة أو الكذب مقبول أخلاقياً؟ ولذلك نستطيع القول انه بما أن الواجبات الأخلاقية ترتكز على أوامر الله التي لا تتغير، فإنها تظل ملزمة لجميع الناس، بغض النظر عن الرأي الفردي أو الثقافي.

 

هل يمكن للإلحاد أن يوفر أساسًا للأخلاق؟

أحد التحديات المركزية للحجة الأخلاقية يأتي من الإلحاد. يؤكد الملحدون في كثير من الأحيان أن الأخلاق يمكن أن توجد بشكل مستقل عن الله. قد يجادلون بأن القيم والواجبات والالتزامات الأخلاقية تنشأ من العمليات التطورية، أو الإجماع المجتمعي، أو العقل البشري. ومع ذلك، عند الفحص الدقيق، فإن هذه التفسيرات لا توفر أساسًا كافيًا للأخلاق الموضوعية.

أولاً، إذا كانت الأخلاق نتاج التطور، فهي اذن مجرد غريزة بيولوجية تطورت لتعزيز البقاء. وهذا يعني أن القيم الأخلاقية ليست موضوعية حقًا، ولكنها مجرد سلوكيات مفيدة تمّ تناقلها لأنها تساهم في ازدهار الإنسان. ولكن إذا كانت الأخلاق مجرد آلية للبقاء، فلماذا ينبغي لنا أن نعتبر أفعال مثل الإيثار أو التضحية بالنفس جيدة من الناحية الأخلاقية؟ بعد هذا نصل الى ما مفاده ان مثل هذه الإجراءات لا تساهم دائما في تعزيز البقاء الذي ينشده الفرد. علاوة على ذلك، إذا كانت القيم الأخلاقية متجذرة في التطور، فإنها يمكن أن تتغير بمرور الوقت، مما يتركنا دون أساس ثابت للحقيقة الأخلاقية.

ثانياً، إذا كانت الأخلاق مبنية على الإجماع المجتمعي، فإنها تصبح ذاتية تماماً. يمكن للثقافات المختلفة أن تحدد الأخلاق بطرق معاكسة تماما، ولن يكون هناك معيار موضوعي يمكن من خلاله الحكم على أي ثقافة هي الصحيحة. على سبيل المثال، قد يعتبر مجتمع ما العبودية مقبولة أخلاقيا، في حين يدينها مجتمع آخر. وبدون معيار أخلاقي موضوعي، لن يكون لدينا أي أساس لإدانة الممارسات غير الأخلاقية للمجتمعات الأخرى.

يقدم الكتاب المقدس وجهة نظر مختلفة تمامًا. فهو يعلّم أن القيم الأخلاقية ليست نتيجة للتطور البشري أو الاتفاق الاجتماعي، بل أنشأها الله نفسه. يؤكد إشعياء 22:33، “فَإِنَّ الرَّبَّ قَاضِينَا. الرَّبُّ شَارِعُنَا. الرَّبُّ مَلِكُنَا هُوَ يُخَلِّصُنَا.” (إش 33: 22).” الله وحده لديه السلطة لتحديد ما هو صواب وما هو خطأ من الناحية الأخلاقية، وتعكس قوانينه الأخلاقية عدله وبرّه الكاملين. وبدون الله لا يمكن أن توجد القيم والواجبات الأخلاقية الموضوعية.

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

كيف يقدم الكتاب المقدس الله كمصدر للقانون الادبي الأخلاقي؟

في جميع أنحاء الكتاب المقدس، يتم تقديم الله على أنه المصدر الاساسي والنهائي للقانون الأخلاقي. وصاياه ليست اعتباطية بل تنبع من طبيعته البارّة. وكما يعلن المزمور “بَارٌّ أَنْتَ يَا رَبُّ، وَأَحْكَامُكَ مُسْتَقِيمَةٌ.” (مز 119: 137). وصايا الله هي تعبير عن شخصيته الأخلاقية الكاملة، وهي تزود البشرية بمعيار واضح لكيفية العيش.

إن الوصايا العشر، التي أُعطيت لموسى على جبل سيناء (خروج 20)، هي مثال رئيسي لشريعة الله الادبية الأخلاقية. وتعكس هذه الوصايا حقائق أخلاقية عالمية، مثل تحريم القتل والسرقة والزنا. هذه ليست مجرد قواعد ثقافية لشعب اسرائيل في العهد القديم ؛ انما هي مبادئ خالدة تنطبق على جميع الناس، لأنها متجذرة في شخصية الله التي لا تتغير.

علاوة على ذلك، لخص يسوع الناموس الادبي الأخلاقي في متى 22: 37-40 عندما سُئل عن الوصية العظمى. فأجاب: “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ».” (مت 22: 37-40). وهنا يؤكد يسوع أن محبة الله ومحبة الآخرين هي جوهر كل الالتزامات الأخلاقية. تعكس هذه الوصايا طبيعة الله، لأن “الله محبة” (يوحنا الأولى 4: 8)، وهي توضح لنا كيف نحيا بالطريقة التي تُرضي الله.

 

لماذا تُعتبر الحجة الأخلاقية دليلا هاما يُستخدم في الدفاعيات المسيحية؟

الحجة الأخلاقية فعالة بشكل خاص في الدفاعيات المسيحية لأنها تتوافق مع التجربة الحيّة لكل إنسان. يدرك البشر حول العالم حقيقة القيم والواجبات والالتزامات الأخلاقية، حتى لو كانوا يختلفون حول بعض التفاصيل. عند التعامل مع المتشككين، فإن الحجة الأخلاقية تشكّل تحديا لهم للنظر في أساس معتقداتهم الأخلاقية. فمثلا لماذا نعتقد أن بعض الأفعال صحيحة أو خاطئة بشكل موضوعي بغض النظر عن الرأي الفردي ؟ ما الذي يبرر إحساسنا بالواجب والالتزام الأخلاقي؟ تؤدي هذه الأسئلة بطبيعة الحال إلى استنتاج مفاده أن المشرّع الأخلاقي المتسامي – الله – لا بد أن يكون موجوداً.

علاوة على ذلك، توفر الحجّة الأخلاقية وسيلة لإثبات عيوب الإلحاد وغيره من وجهات النظر العالمية التي تنكر وجود إلله. بدون الله، لا يوجد أساس موضوعي للأخلاق. قد يحاول الإلحاد تفسير الأخلاق من خلال التطور، أو الأعراف المجتمعية، أو التفضيلات الفردية، ولكن لا يمكن لأي منها أن يوفر أساسًا صلبا ومناسبًا لحقيقة المبادئ الاخلاقية. إن وجود إله متسامي هو وحده القادر على تفسير السبب لماذا القيم والواجبات الأخلاقية مُلزمة لجميع الناس في جميع الأوقات.

تتحدث رسالة رومية 1: 20-22 عن هذه المسألة: “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ،” (رو 1: 20-22).

يسلّط هذا المقطع الضوء على أن الدليل على وجود الله واضح، لكن كثير من الناس يقمعون هذه الحقيقة. والحجة الأخلاقية هي إحدى الطرق لتسليط الضوء على هذه الحقيقة، مما يساعد المتشككين على رؤية عدم اتساق نظرتهم للعالم ويقودهم إلى التفكير في وجود الله.

 

كيف تعكس الحجة الأخلاقية صورة الله في البشرية؟

يعلّمنا الكتاب المقدس أن البشر مخلوقين على صورة الله (تكوين 26:1-27)،

“وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.” (تك 1: 26-27).

ولهذا السبب نمتلك الوعي والحس الأخلاقي. على عكس الحيوانات، التي تعمل على أساس الغريزة، يتمتع البشر بالقدرة على اتخاذ خيارات أخلاقية وتمييز الصواب من الخطأ. وهذا الوعي الأخلاقي يعكس الصورة الإلهية فينا، فالله هو الكائن الأخلاقي الأسمى.

ولأننا مخلوقون على صورة الله، فإننا مسؤولين أمامه عن أفعالنا. يحذر سفر الجامعة 12: 14 هذه النقطة بوضوح، “لأَنَّ اللهَ يُحْضِرُ كُلَّ عَمَل إِلَى الدَّيْنُونَةِ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ، إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا.” (جا 12: 14).

هذه المسؤولية أمام الله تعزز حقيقة الأخلاق الموضوعية. إن خياراتنا الأخلاقية لها أهمية أبدية تتعلق بابديتنا، لأننا سنقف يومًا ما أمام الله لنقدم حسابًا عن حياتنا.

هذه الحقيقة الكتابية تظهر أيضًا في الضمير، الذي يصفه الرسول بولس في رومية 2: 15:”الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً،” (رو 2: 15).

وعلى الرغم من أن الضمير غير كامل بسبب السقوط، إلا أنه لا يزال يعكس ناموس الله الأخلاقي ويشير إلى حقيقة وجود معيار أخلاقي له ابعاد.

والحجّة الأخلاقية لوجود الله هي برهان قوي على حقيقة القيم والواجبات الأخلاقية الموضوعية وكيف تشير مباشرة إلى وجود مشرّع لتلك المبادئ الاخلاقية. إن الأخلاق الموضوعية المرتكزة على شخصية الله التي لا تتغير، توفر الأساس الكافي الوحيد لفهم سبب كوْن بعض التصرفات صحيحة أو خاطئة متفق عليها عالميًا. يؤكد الكتاب المقدس هذه الحقيقة، ويكشف أن شريعة الله الأخلاقية ليست نتاج التقاليد البشرية ولكنها متجذرة في طبيعته البارّة والمقدسة.

المحاولات المتعددة التي يقوم بها الملحدون لتفسير الأخلاق من خلال العمليات التطورية، أو الأعراف المجتمعية، أو التفضيلات الشخصية لا ترقى إلى مستوى توفير أساس مناسب للقيم الأخلاقية الموضوعية. وبدون الله، تصبح الأخلاق ذاتية ونسبية، وتفتقر ان يكون لديها أي أساس ثابت لإدانة الشر أو دعم العدالة.

كمؤمنين، يمكننا أن نقدّم بثقة الحجة الأخلاقية كجزء من دفاعنا عن الإيمان المسيحي، ونوجه الناس إلى حقيقة وجود الله ومعياره البار والثابت. من خلال هذه الحجّة، يمكننا أن نُظهر للمتشككين أن أفضل تفسير لقناعاتهم الأخلاقية هو وجود الله المتسامي الذي كتب قانونه الادبي الأخلاقي على قلوب البشرية جمعاء.

ليكون للبركة

ترجمة: Patricia Michael

What Does the Moral Argument Reveal About the Existence of God?

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

كتاب وجود الله حقيقة أم خرافة؟ PDF القس بيشوي حلمي

كتاب وجود الله حقيقة أم خرافة؟ PDF القس بيشوي حلمي

كتاب وجود الله حقيقة أم خرافة؟ PDF القس بيشوي حلمي

كتاب وجود الله حقيقة أم خرافة؟ PDF القس بيشوي حلمي

تحميل الكتاب PDF

كتاب وجود الله حقيقة أم خرافة؟ PDF القس بيشوي حلمي
كتاب وجود الله حقيقة أم خرافة؟ PDF القس بيشوي حلمي
كتاب وجود الله حقيقة أم خرافة؟ PDF القس بيشوي حلمي
كتاب وجود الله حقيقة أم خرافة؟ PDF القس بيشوي حلمي

حقيقة الهيكل الثالث ما بين المسيحية واليهودية

حقيقة الهيكل الثالث ما بين المسيحية واليهودية

حقيقة الهيكل الثالث ما بين المسيحية واليهودية

حقيقة الهيكل الثالث ما بين المسيحية واليهودية

صفحة : المسيح في التراث اليهودي

 

“حقيقة الهيكل الثالث ما بين المسيحية واليهودية”

 

– مدراش رباه للعدد (מדרש במדבר רבה) (14: 8)
[(عدد 7: 63) “وثور واحد ابن بقر..” انواع المحرقة ثلاثة وهي تشير الى الثلاثة مرات التي بُنِى فيها البيت المقدس (الهيكل) في قطاعه، واحد بأيام سليمان وواحد بأيام رجوع المسبيين والثالثة بأيام المسيح (في المستقبل)]

 

بينما ينتظر اليهود ان يأتي المسيح ليبني لهم الهيكل الثالث الذي يدوم للأبد ، نتمتع نحن المسيحيون بالهيكل الثالث بالفعل والذي بناه المسيح الحقيقي (يشوع الناصري) الذي اتى ولم يعرفوه !

 

✠ شرح:
عندما خلق الله الانسان فضله على باقي المخلوقات بهبة الروح (تك 2: 7) ، فهو قد وهبه روحه القدوس داخله ، وكأن جسد الانسان الترابي من البداية هو بمثابة صندوق يحمل الكنز وهو روح الله القدوس ، ولكن هذا لم يدم اذ ان البشر عرفوا البشر وتوغل الشر داخلهم حتى انهم دنسوا هذا الموضع (الجسد) الذي يحمل روح الله فيه. وفي الجيل العاشر من البشرية (وقت نوح) نزع الله روحه القدوس من الاجساد البشرية (تك 6: 3 سبعينية) ولم يعد حلول الروح على البشر يتم الا في نطاق ضيق جدا على الانبياء والممسوحين وبشكل متقطع.

وهو ما اظهر الحاجة الى وجود الهيكل لكي يحل الله بروحه وسط الشعب ، فالهيكل هو بديل لجسد البشر الذ لم يعد مناسبا (بعد الخطية) لحلول الروح فيه ، ولهذا أمر الله به داود وقت استقرار مملكة اسرائيل ونفذه سليمان ابنه. فالهيكل الحجري ليس هو الأصل بينما في الحقيقة الهيكل الجسدي هو الأصل. كان الهيكل الحجري مرحلة مؤقتة فقط حتى يتطهر البشر بالحقيقة ويكونوا أهلا لعودة الروح اليهم. وما هو هذا الوقت الذي يكون فيه هذا ؟.

هو وقت المسيح المُرجع الكمال للبشرية (برشيث رباه 12: 6) والذي تنبأ زكريا النبي عنه قائلا انه يزيل اثم الارض في يوم واحد (زك 3: 9) ، ولهذا تنبأ اشعياء النبي انه على المسيح (جسده) سيحل روح الله (اش 11: 1-2) ، وكأن تلك النبوة تعلن ان جسد المسيح انما هو الهيكل الثالث الكامل الذي فيه يكون الروح لا في مبنى حجري وانما مبنى جسدي كما كان منذ ايام آدم.

الهيكل الثالث كما شرحنا هو جسد المسيح ، وهذا ما اعلنه الوحي في الانجيل صراحةً (يو 2: 21) . ولكن نكون اخطأنا ان قلنا ان الهيكل الثالث انما هو جسد المسيح وحده ، فجسد المسيح انما هو الحجرة الاولى او حجر الزاوية (مز 118: 22) . ونحن كلنا احجار حية في ذلك الهيكل الثالث والأخير (افسس 2: 20-21 ،1كو 3: 16، 2كو 6: 16) . فكل المؤمنون ليسوا كيانات منفصلة وانما كتلة واحدة او اعضاء لجسد واحد حجر اساسه هو المسيح.

اتى المسيح كبشر مثلنا وشاركنا في اللحم والدم وصالح الآب عنا كلنا كنائب عن البشرية وحل الروح عليه في مشهد كبير وامام الجميع وقت المعمودية (مت 3: 16). عاد الروح للبشرية عن طريقه وعن هذا تنبأ يوئيل النبي (يوئيل 2: 28) .

لم يخطأ اليهود عندما قالوا بحسب فهمهم للنبوات أن المسيح سيبني الهيكل الثالث بينما اخطأوا في توقع ماهية هذا الهيكل . ينتظر اليهود هيكلا حجريا على مثال هيكل حزقيال ، بينما نتمتع نحن بالهيكل الثالث الحقيقي.

فبالحقيقة بنى المسيح الهيكل الثالث ، فهو حجر أساس هذا الهيكل وهو من جلبنا له واعطانا ان نكون احجار حية في هيكل ضخم وعظيم يشمل كل المؤمنين وروح الله يعمل فيهم وفي وسطهم كائن.

وهذا الهيكل لم يكتمل بناؤه حتى الان ، فكل يوم ينضم فيه مؤمنين جدد هو بمثابة امتداد وتوسع لهذا الهيكل ، وسيكتمل هذا البناء العظيم وقت مجيئه الآخر في المجد. هذا ما نفهمه من الاسفار المقدسة ، فكما أنه قديما عند الانتهاء من بناء الهيكل بوقوا بالبوق وفجأة حل المجد الإلهي على الهيكل (2اخبار 5: 13-14) هكذا سيكون في النهاية ، عندما يبوق البوق الأخير (1كو 15: 52) وسيأتي المسيح في المجد وستتمجد كنيسته معه. ومن هو خارج رباط هذا الهيكل المقدس لن ينال من المجد شيئا بل من الندم وصرير الاسنان كل شيئ.

 

مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ،
الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. (Eph 2:20-21)

أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ (1Cor 3:16)

.. فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ:«إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. (2Cor 6: 16)

حقيقة الهيكل الثالث ما بين المسيحية واليهودية

علماء العهد الجديد وصلب يسوع

 

الحقيقة الأولى هي “صلب المسيح” ,فحتى كليبرالي مُتطرفْ مثل كروسان يقول:” أنه قد صُلِب هو شيء مؤكد كأي شيء تاريخي حصل”[1] والمتشكك جيمس تابور يقول: “أعتقدُ أنّنا لا نحتاج أن نشك بأن يسوع قد تم اعدامه بواسطة الصلب الروماني وهي بالحقيقة قد مات” [2] , وكِلا جيرد لودمان(مُلحد) وبارت ايرمان(لا أدري) وها عالمين في العهد الجديد ,يدعوان الصّلب بأنه حقيقة غير متنازع عليها [3]

يقول لوك تيموثي جونسون “الدعم لوضعية موته ,والاشخاص , وربما الاشخاص المشاركون أيضاً ,هي ضخمة جداً:أن المسيح واجه محاكمة قبل موته ,وقد أُدين واعدم بالصلب[4]

يقول جون ماير :”لسببين واضحيين لا أحد يُنكر حقيقة أن المسيح قد أُعدم بالصلب :(1)فهذا الحدث المركزي قد أُخبر عنه وأشير إليه ليس فقط من خلال الغالبية الضخمة من علماء العهد الجديد بل أيضاً بواسطة يوسيفوس وتاسيتوس ,(2) مثل هذه الحادثة المُحرجة قد خلقت عقبة كبيرة لتحويل اليهود والامم على حد سواء … والتي صارعت الكنيسة للتغلب عليها [5]

يقول بارت ايرمان:في أي حادثة فإن تقرير تاسيتوس يُثبت لنا ما نعرفه من مصادر أخرى أن المسيح تم اعدامه من قبل حاكم الرومان على اليهودية ,بيلاطس البنطي ,في وقت حكم طيباريوس [6]

يقول جي.ماكنتير:”حتى هؤلاء العلماء والنقاد الذين حاولوا إبعاد كل شيء اخر بما يتعلق بالمحتويات التاريخية لوجود المسيح على الارض , قد وجدوا صعوبة في عدم التفكير في واقعية موت المسيح”[7]

يقول مايك ليكونا:”موت يسوع بواسطة الصلب يعتبر شيء بعيد عن الشك , بشكل عالمي ومتنوع أن هناك إجماعاً  من خلال العلماء الحديثين , الذين كتبوا حول الموضوع”[8]

__________________

[1]John Dominic Crossan, Jesus: A Revolutionary Biography (San Francisco: HarperCollins, 1991), 145.
[2]Tabor, Jesus Dynasty, 230 

[3]راجع G. Lüdemann, The Resurrection (of Christ: A Historical Inquiry (Amherst, N.Y.: Prometheus, 2004

[4]Luke Timothy Johnson, The Real Jesus (San Francisco: Harper San Francisco, 1996), p. 125.

[5]John Meier, “The Circle of the Twelve: Did It Exist during Jesus’ Public Ministry?” Journal of Biblical Literature 116/4 (1997): pp. 664-5.

[6]Bart Ehrman, The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings, p. 187

[7]J. McIntyre, “The Uses of History in Theology,”Studies in World Christianity 7, no. 1 (January 2001): 1–20, here 8.

[8]Mike Licona essay in” The Quest for the Real Jesus Radboud Prestige Lectures by Prof. Dr. Michael Wolter Edited by Jan van der Watt- Leiden • boston (2013),pp.108

حقيقة ما يسمى بالأنجيل القديم – الدكتور أسعد صوما أسعد

حقيقة ما يسمى بالأنجيل القديم – الدكتور أسعد صوما أسعد (متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم)

حقيقة ما يسمى بالأنجيل القديم – الدكتور أسعد صوما أسعد

مقالة : الدكتور أسعد صوما أسعد

باحث متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم
ستوكهولم / السويد
 

تردد مؤخراً بين الاوساط المهتمة بالشأن الثقافي السرياني حديث عن اكتشاف “انجيل” سرياني قديم جداً يبلغعمره اكثر من 1500 سنة. وقد شغل هذا “الخبر المفرح” الكثير من الناس وتحمس “كتّابنا الاعزاء” للكتابة عنه ونشرتْ بعض المواقع الالكترونية “خبر اكتشافه الهام” لتزف البشرى للجميع فخلقوا ضجيجاً صاخباً فتذكرت القول الانكليزي Much ado about nothing ،

لان هذا الكتاب الذي روّج له البعض وسمّوه “انجيل” هو كتاب “مزيّف” ولمعرفة الحقيقة تابع قراءة هذا المقال.

قصتي مع هذا الكتاب:

 

قبل عدة سنوات اتصل بي كاهن فاضل ليعلمني ويستشيرني بموضوع هام للغاية بان السفارة الفاتيكانية في ستوكهولم مقبلة على شراء انجيل سرياني قديم جداً، وطلبوا مني ان افحص هذا الانجيل السرياني قبل عملية الشراء لكوني “خبيراً” في اللغة السريانية وآدابها. وعلمتُ بان الاشخاص الذين يريدون ان يبيعوا هذا “الانجيل” هم من العراق، ويدعون بانهم اكتشفوه ضمن وعاء معدني قديم جداً في خرائب احدى القرى المهجورة في شمال العراق.

فطلبتُ من مندوب السفارة ان يجلب لي هذا “الانجيل” لاقوم بفحصه. فكان الجواب بان هذا غير ممكن.فطلبتُ ان احصل على صورة لبعض صفحات هذا الكتاب تؤخذ من مقدمته وبعضها من منتصفه وبعضها من نهايته. وبالفعل حصلتُ على صور حوالي عشر صفحات منه ارسلت بالطريقة الالكترونية.

وبالاعتماد على خبرتي الواسعة في مجال اللغة السريانية وتراثها، ومعرفتي بنشأة الكتاب المقدس السرياني بعهديه وبترجماته السريانية المختلفة وبمخطوطاته السريانية القديمة، وبعد دراسة عميقة لمضمون الصفحات المرسلة وتحليل لغتها السريانية حرفاً حرفاً، توصلت الى نتيجة وهي “ان هذا الكتاب ليس انجيلاً”. وللحال أخبرتُ السفارة الفاتيكانية عن نتيجية تحليلي للكتاب المذكور فرفعتْ السفارة يدها عنه وصرفتْ اصحابه بعد ان كانت قد قطعت معهم عدة اشواط والاتفاق على سعر الشراء الذي كان مبلغاً كبيراً جداً.

بعد كشف حقيقة “المخطوطة” ورفض السفارة شراء الكتاب انتهى امره عند هذا الحد ولم نسمع عنه شيئاً حينها.

 

لكن ما هو هذا الكتاب ان لم يكن انجيلاً؟

 

بالاستناد الى الصفحات التي قمتُ بتحليلها اقول ان الكتاب الذي نحن بصدده مدون باحرف سريانية لكن لا مضمون له. ان الذين صنعوه ليس لهم معرفة جيدة باللغة السريانية، ولا بخطوطها ولا بنظام التنقيطالمستعمل في المخطوطات السريانية القديمة للكتاب المقدس. وليس في هذا الكتاب جملة مفيدة صحيحة. لان كل جملة أو كلمة فيه تقريباَ لا علاقة لها بالكلمة التي بعدها. ان الذين كتبوه خلطوا الخط السرياني الشرقي مع شيء من الخط السرياني الغربي (السرطو) لكن بطريقة سيئة تكشف بانهم نقلوا كلاماته السريانية من كتبٍ اخرى قلدوها دون ان يتوفقوا في تقليدهم. اعتقد ان الذين كتبوا محتوى هذا الكتاب هم سريان مشارقة لان فيه اجزاء جمل من السريانية الشرقية (الفصحى) بالخط السرياني الشرقي الذي يستعمله السريان المشارقة من نساطرة وكلدان، مختلطة مع اجزاء جمل والفاظ من الارامية المحكية في العراق والمعروفة بالسورث. كما ان النظام الارثوغرافي المتبع فيه يميل الى الشرقي لكنه سيء يكشف عن ضعف ثقافة الكاتب بالنصوص والخطوط السريانية، أو انه تعمّد ان يكتب هكذا ليشوّش القارىء.

ان هذا الكتاب ليس لا “انجيل” ولا اي “كتاب آخر” وليس له مضمون خاص به. أما جمله فمتقطعة وفيه بعض الالفاظ الانجيلية لكن فيه عبارات على شكل طلاسم سحرية نراها في النقوش السريانية السحرية المتوفرة في الطاسات السحرية والتي نسميها بالانكليزية Bowls. ويبدو ان مؤلف الكتاب لا يتقن اللغةالسريانية (الفصحى) كما يجب فخلطها مع الارامية المحكية التي ربما تكون لغته المحكية الأم.

ويتضمن الكتاب الكثير من الصور والرموز منها كنسية ومنها لا علاقة لها بالرموز المسيحية.

 

اما الجلد المستعمل في المخطوطة فيبدو انه قديم، أو ان الذين صنعوه ربما صنعوه بهذه الطريقة ليعطوه سِمة العتق والقدم. لكن ان كان الجلد قديماً وكتبوا عليه فهذا يعني بان هناك طبقة من الكتابة تحت الكتابة الحاليةمُسحتْ، لكن بامكان العلماء وبوسائلهم العلمية قراءة تلك الطبقة التحتية الممحية إن وجدتْ.

كما ان الصندوق المعدني الذي يضم الكتاب يبدو بانه قديم ايضاً، لكن بامكان اصحاب الاختصاص ان يفحصوه ويكشفوا حقيقته ايضاً.

هذا ما اتذكره عن الكتاب حسبما تسعفني ذاكرتي بعد هذه السنوات التي مضت على تحليل حوالي عشر صفحات منه. واكيد اني نسيت اشياء كثيرة عنه.

وعلى العموم ان الخطوط السريانية الشرقية والغربية ليست قديمة جداً ولم تكن موجودة لتُستعمل في القرون الاولى من ازدهار الكنيسة في تدوين الكتب المقدسة. إذ حتى بعد انقسام السريان الى مشارقة ومغاربة بعدة قرون وظهور كل من الخط الشرقي والغربي، استمر الفريقان السريانيان يخطون الاناجيل بالخط السرياني القديم أي الاسطرنجيلي. وان كل المخطوطات السريانية التي يتراوح عمرها بين 1200-1500 سنة مدونة بالخط السرياني القديم المعروف بالاسطرنجلي Estrangelo. فاذا كان عمر هذا الكتاب 1500 سنة حسب ما يروج له في المواقع فكان ينبغي ان يكون بالخط السرياني الاسطرنجيلي، وهذا غير متوفر في الكتاب.

أما اللغة الآرامية المحكية في العراق والتي تسمى “سورث” Surath/Sureth فكان هناك محاولات أولية بسيطة لكتابتها منذ حوالي 500 سنة تقريبا، لكن ترجمة الكتاب المقدس الى هذه اللهجة الآرامية عام 1836 على يد الارسالية الامريكة في منطقة “أورميا” اعطاها قوة لتتحول تدريجياً الى لغة كتابية لدى البعض من السريان المشارقة في المئة سنة الأخيرة.

ولو افترضنا ان هذا الكتاب الذي نحن بصدده مدون بالآرامية المحكية “سورث” بشكل فاسد، أو دون فيها مع تخريب متعمد للغة والكتابة لإبعادها عن صيغتها المعروفة ولمنحها سمة مبهمة غريبة، فان عمر هذه المخطوطة في الحالتين لن يكون حينها اقدم من عمر تلك المحاولات الاولية التي جرت في القرون القليلة الماضية لتدوين هذه اللهجة الارامية.

ان اقدم مخطوطة سريانة للعهد القديم من الكتاب المقدس نعرفها تعود لعام 459 ميلادي وتتضمن سفر اشعيا ناقصاً، واخرى تعود لعام 463 الميلادي تتضمن سفر التكوين وسفر الخروج، وهي بالخط السرياني الاسطرنجيلي وموجودة في المكتبة البريطانية. وحتى مخطوطة العهد الجديد السريانية المعروفة باسم بوكنانفي جامعة كامبريدج، والعائدة للقرن الثاني عشر مدونة بالخط الاسطرنجيلي.

كما يوجد عدد كبير من المخطوطات السريانية القديمة التي تتضن بعض الاسفار من العهد القديم منها 27 مخطوطة سريانية تعود الى القرن السادس الميلادي وكذلك 32 مخطوطة من القرن السابع، وحوالي عشر مخطوطات من القرن الثامن الميلادي، و 12 مخطوطة من القرن التاسع، و 23 مخطوطة من القرن العاشر، الخ. ومعظمها في مكتبة الفاتيكان وفي المكتبة البريطانية.

لكن هناك مجموعة كبيرة جداً من المخطوطات السريانية للعهد الجديد بمختلف ترجماته السريانية. أما اقدم المخطوطات السريانية للعهد الجديد حسب ترجمته المعروفة “بالبسيطة” والتي هي النص الرسمي للكتاب المقدس المتدوال بين جميع الطوائف السريانية، فتعود الى القرن الخامس الميلادي، كما هناك مجموعة اخرى من مخطوطات العهد الجديد تعود الى بداية القرن السادس الميلادي منها مخطوطة “رابولا” الشهيرة والتي كتبت عام 586 ميلادي والمحفوظة في مكتبة فلورنسا، وتشتهر باحتوائها على العديد من الصور والنقوش تزين نص الكتاب المقدس.

وفي القرون المتأخرة برزت بلدة “القوش” في العراق كمركز ثقافي سرياني هام لتدوين المخطوطات السريانية، وبرز فيها عدد من كتاب المخطوطات السريانية منهم افراد عائلة اسرائيل الالقوشي الذين زاولوا هذا الفن ضمن العائلة لعدة قرون وكتبوا العديد من المخطوطات السريانية منذ القرن السادس عشر؛ ومنهم ايضاً عيسى بر اشعيا بر قرياقوس الالقوشي في القرن التاسع عشر الذي دوّن ايضاً عددا كبيراً من المخطوطات السريانية، وكذلك كبرئيل برحذبشابا الالقوشي الذي نسخ العديد من المخطوطات بين اعوام 1803-1829، وكذلك كيوركيس بر ياقو يوحنا الالقوشي في نهاية القرن الثامن عشر. وقد اطلعنا شخصياً على العديد من هذه المخطوطات السريانية التي دُونت في القوش.

الا ان “ملك” الخط السرياني الاسطرنجيلي الجميل كان صديقنا المرحوم الملفونو اسمر الخوري (1916-1992) حيث كتبَ بخطه الجميل عدداً كبيراً جداً من المخطوطات السريانية منها اناجيل ومنها كتب طقسيةموجودة في الكنائس السريانية. وكان قبل وفاته قد كتبَ مخطوطة سريانية من الكتاب المقدس مزوقة بالنقوش والتصاوير الجميلة حيث تعد آية في الجمال Masterpiece طُبعت بعد وفاته وهي متداولة في الكنائس وفي متناول الجميع.

الكتاب يظهر من جديد:

بعدما كشفنا امر الكتاب الذي نحن بصدده وتراجع سفارة الفاتيكان عن شرائه، اختفى بعدها امره ولم نسمع عنه شيئاً حينها. 

لكن بعد ذلك بحوالي سنتين واذ بي اقرأ خبراً عن “اكتشاف انجيل سرياني قديم في جزيرة قبرس”، وهو من اقدم الاناجيل. وعندما شاهدتُ صورته في المواقع علمتُ للحال بانه نفس الكتاب الذي نحن بصدده. ويبدو ان اصحابه لم يتوفقوا ببيعه حتى في قبرس.

واليوم نقرأ من جديد خبر ظهور هذا الكتاب مجدداً في تركيا وانه موضوع في متحف في اسطنبول. الغريب في امر الاتراك بانهم في منتهى البساطة لانهم صدقوا امر الكتاب. يبدو ان المسؤلين الاتراك الذين اخذواالكتاب للمتحف لا يهمهم ان كان صحيحاً او مزوراً فهو بالنسبه لهم حدث هام يجلب السواح لزيارة المتحف.

ان بعض المواقع ومنها موقع عنكاوا كتبت عن هذا الكتاب ووضعته على صفحاتها الرئيسية ليتعرف عليه الجميع فانتشر الخبر بين كل القراء. انظر الرابط:

 

http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,562571.0.html

 

 

 

 

كما قرأنا في موقع العربية خبراً بمنتهى الجهل نُشر في 26 فبراير/شباط عنوانه “العثور على إنجيل يحوي نبوءة عيسى بالنبي محمد تعود إلى ما قبل 1500 عام وتم إخفاؤها 12 عاماً وطلب بابا الفاتيكان معاينتها”. وهم يقصدون نفس المخطوطة، فضحكت من جهل الكاتب الذي لا يعلم شيئاً عن الكتاب. الخبر موجود على الرابط:

 

http://www.alarabiya.net/articles/2012/02/26/197120.html

 

 

 

 

وقد اطلق بعض الكتاب والمعلقين في موقع ايلاف العنان لخيالهم مدعين بان هذا الكتاب هو ما يسمى “انجيل برنابا” دون ان يشاهدوه او يعلموا شيئاً عن محتوياته، ولا نعلم من اين اتوا بهذا الكلام الذي لا علاقة له بالموضوع. لكن اذا كان اصحاب هذا الكتاب هم الذين اتوا بهذا الادعاء اي ان الكتاب هو “انجيل برنابا” فهدفهم بالتأكيد هو ان يتمكنوا من بيعه لبعض المسلمين الذين يصدقون هذه الخرافة. وهذا يعني انهم بعد انفشلوا في بيعه لأشخاص أو مؤسسات مسيحية خلقوا قصة سيصدقها البعض من المسلمين حالاً لانها “عزيزة على قلوبهم” وهي بان هذا الكتاب هو “انجيل برنابا” ليستطيعوا بيع الكتاب لهم وربما بمبلغ كبير. 

نطلب من المسؤلين في مواقع عنكاوا والعربية وايلاف وغيرها من المواقع التي كتبت عنه سحب هذا الخبر لانها تضلل القرّاء.

 

للاسف ان الضجيج الذي اثير حول هذا “الكتاب” يشبه ضجيج المطحنة الفارغة من الطحين، حيث يدور دولابها ويولد صخباً عالياً يُسمع عن بعد، لكن دون انيطحن شيئاً.

 

حقيقة ما يسمى بالأنجيل القديم – الدكتور أسعد صوما أسعد (متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم)

Exit mobile version