هل كان هناك خليقتان، أولهما عبَر عنها الكتاب بقوله “في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك 1: 1) وهذه تعرضت للفناء والاندثار، وهذا ما أشار إليه الكتاب بقوله “كانت الأرض خربة وخالية” (تك 1: 2) والثانية هي الخليقة الحالية والتي خلقها الله في ستة أيام (راجع وليم كلى – في البدء والأرض الأدمية)؟
ج:
يصعب قبول القول بخلقتين الأولى تعرضت للفناء والاندثار، ثم جاءت الثانية وهي مازالت قائمة للآن، وذلك للأسباب الآتية:
1- لماذا خلق الله الخليقة الأولى في أحقاب زمنية تمتد إلى ملايين السنين، بينما خلق الخليقة الثانية في ستة أيام..؟! هل قدرات الله قد زادت أم أنه طوَر أسلوبه في الخلق؟!
2- لماذا أفنى الله الخليقة الأولى؟ هل لأنه اكتشف نقصها وعدم نفعها، أو لأنها تعدت أوامره، أم لأنه يهوى التغيير؟!! وإن قالوا أن الله خلق الخليقة الأولى وسمح بانقراضها تهيئة للخليقة الثانية، فربما هذا يصح بالنسبة للكائنات الضخمة التي تحوَلت فيما بعد إلى بترول أو فحم، ولكن لماذا أفنى الكائنات الصغيرة والدقيقة؟!
3- قول الكتاب “وكانت الأرض خربة وخالية” تعبير عن أنها كانت جسمًا منصهرًا تحيط به الأبخرة الكثيفة المتصاعدة مما منع وصول الضوء إليها ” وعلى وجه الغمر ظلمة ” فهذه بداية الأرض، بينما لو كانت الأرض معمَرة بالخلقة الأولى ثم آلت إلى الخراب لأوضح الكتاب هذا بقوله ” وصارت الأرض خربة وخالية”، وليس ” وكانت”.
4- كثير من الكائنات التي ظنوها أنها خلقت في الخلقة الأولى مازالت مستمرة ليومنا هذا.
إنه أنا؛ أنا، هذه الثلوج المتواصلة، هذه السماء الشمالية؛ أيها الجنود، هذه العزلة التي نجتاز فيها هي أنا.”
دبليو دو لا مير W. DE LA MERE
نابليون Napoleon
“ريتشارد يحب ريتشارد؛ أي أنا أكون أنا.”
شكسبير Shakespeare
في فصل سابق تم الاعتراف بأن الألم الذي يستطيع وحده أن يوقظ الإنسان الشرير على معرفة أنه ليست كل الأمور على ما يرام، قد يقوده أيضاً إلى تمرد نهائي لا توبة فيه. كما تم إدراك من خلال ما سبق أن الإنسان لديه إرادة حرة لذلك فإن كل العطايا التي توهب له هي سلاح ذو حدين. يتبع هذه الافتراضات مباشرة أن المهمة الإلهية المضنية لفداء العالم لا يمكن أن يتم التيقن من نجاحها فيما يتعلق بنفس كل فرد. فالبعض لن يقبلوا الفداء. لا توجد عقيدة أرغب بشدة في إزالتها من المسيحية أكثر من هذه، لو كان الأمر في سلطتي.
لكن هذه العقيدة تحظى بكل التأييد في الكتاب المقدس، وعلى الأخص، في كلمات ربنا نفسه؛ ويتم اعتناقها دائماً بواسطة المسيحيين؛ كما أن المنطق يدعمها. فعند لعب أية مباراة رياضية، لا بد أن يكون هناك احتمال دائماً لخسارتها. هكذا إذا كانت سعادة مخلوق ما تكمن في إخضاع الذات، فلا يستطيع أحد أن يقوم بهذا الإخضاع إلا المخلوق نفسه (رغم أن الكثيرين يمكنهم أن يساعدوه في القيام بذلك) وهو قد يرفض. إنني أود أن أدفع أي ثمن لكي أتمكن من أن أقول بصدق، “الجميع سوف يخلصون”. لكن منطقي يرد بحسم، “بدون إرادتهم، أم بإرادتهم؟” فإذا قلت “بدون إرادتهم” فإني سأفهم في الحال أن هناك تناقض؛ فكيف يمكن لفعل إخضاع الذات الإرادي الفائق أن يكون غير إرادي؟ وإذا قلت “بإرادتهم”، فإن منطقي سيرد، “وكيف سيحدث هذا إذا لم يخضعوا؟”
إن الأقوال الدومينيكانية Dominical (الخاصة بالرب يسوع المسيح) بشأن الجحيم، مثلها مثل جميع الأقوال الدومينيكانية الأخرى، يتم توجيهها إلى الضمير والإرادة، وليس إلى فضولنا الفكري. فعندما أيقظتنا هذه الأقوال لكي نقوم باتخاذ فعل ما إذا اقتنعنا باحتمالية رهيبة (الجحيم)، ربما فعلت هذه الأقوال كل ما كان يقصد لها أن تفعل. لكن إذا كان كل العالم عبارة عن مسيحيين مقتنعين بهذه الاحتمالية، لكان من الضروري أن نقول كلمة أخرى عن هذا الموضوع. إلا أنه بحسب طبيعة الأمور، هذه العقيدة هي واحدة من الأسباب الرئيسية التي تُهاجَم المسيحية على أساسها باعتبارها بربرية ووحشية، والتي يتم بها الطعن في صلاح الله.
فيقال إن هذه عقيدة بغيضة – وبالحقيقة، أنا أيضاً أكرهها من عمق قلبي – وأتذكر المآسي التي حدثت في حياة البشر من الإيمان بها. أما عن المآسي الأخرى التي تأتي من عدم الإيمان بها فإننا لم نُخبَر عنها إلا القليل. لأجل هذه الأسباب، وهذه وحدها، أصبح من الضروري أن نناقش الأمر.
لا تكمن المشكلة ببساطة في إله يرسل بعضاً من مخلوقاته إلى الهلاك الأبدي. كانت تلك ستكون هي المشكلة لو أننا كنا مسلمين Mahometans لكن المسيحية، كما هي دائماً، بدون أن تغير الواقع المعقد، تقدم لنا شيئاً أكير تعقيداً وأكثر غموضاً، تقد إلهاً غنياً في الرحمة يصبح إنساناً ويموت ميتة العذاب لكي يزيل ذلك الهلاك الأبدي عن خليقته، والذي رغم هذا، عندما يفشل ذلك العلاج البطولي النبيل، يبدو غير مستعد، أو حتى غير قادر، على إيقاف ذلك الهلاك بفعل قوة مجردة.
لقد قلت بدون تكلف منذ لحظات أنني أود لو أدفع “أي ثمن” لكي أزيل هذه العقيدة. لكني كذبت. فأنا لم يكن يمكنني أن أدفع واحداً على ألف من الثمن الذي دفعه الله بالفعل لكي يزيل تلك الواقع. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ غنى كثير في الرحمة، ومع ذلك لا يزال هناك جحيم.
لن أحاول أن أثبت أن هذه العقيدة يمكن احتمالها. دعونا لا نسيء الفهم؛ إنها لا يمكن احتمالها. لكن أعتقد أن هذه العقيدة يمكن أن تبرهم أنها أخلاقية، بواسطة نقد الاعتراضات التي تقام ضدها عادة، أو يتم الشعور بها، ضدها.
أولاً، هناك اعتراض، في كثير من الأذهان، على فكرة عقوبة القصاص بمثل هذه الطريقة. وقد تم التعامل بطريقة جزئية مع هذا الأمر في فصل سابق. فهناك تم الزعم بأن كل عقوبة تصبح غير عادلة إذا انتزعت منها فكرتا عدم الاستحقاق والجزاء؛ وتم اكتشاف جوهر صواب واستقامة داخل عاطفة الانتقام نفسها، متمثل في المطالبة بألا يشعر الإنسان الشرير أنه راض تماماً عن شره الذي ارتكبه. وأنه لا بد أن يظهر له ما يظهر عن حق للآخرين – أي الشر الذي ارتكبه. وقلت إن الألم يغرس راية الحق داخل قلعة المتمرد. كنا نناقش الألم الذي كان لا يزال في الإمكان أن يقود إلى التوبة. لكن ماذا إذا لم يقد إلى التوبة – إذا لم تحدث أية مكاسب أخرى على الإطلاق سوي غرس راية الحق؟
دعونا نحاول أن نكون أمناء مع أنفسنا. تصور معي إنساناً قد حصل على ثروة أو سلطة بواسطة أسلوب مستمر من الخداع والقسوة، باستغلاله لأعمال ضحاياه النبيلة لأجل الوصول إلى غايات أنانية بحتة، ساخراً من سذاجتهم؛ والذي بعد أن تحقق له النجاح، يستخدمه لإشباع الشهوة والكراهية، وأخيراً يتخلى عن آخر ميثاق شرف بين اللصوص بأن يخون المتواطئين معه بتهكمه عليهم في لحظاتهم الأخيرة من حيرتهم وإحباطهم.
بل افترض أكثر من ذلك، أنه يفعل كل هذا، ليس (كما نود أن نتخيل) معذباً بالشعور بالذنب أو حتى بالارتياب، ولكنه يأكل بنهم مثل صبي في المدرسة وينام في سلام مثل طفل صحيح الجسم – إنسان مرح، متورد الوجنتين، بدون هم في العالم، واثق بنفسه ثقة تامة لا تهتز حتى النهاية بأن هو وحده الذي وجد الحل للغز الحياة، وأن الله والناس حمقى قد استغلهم بأفضل طريقة ممكنة، وأن طريقة حياته ناجحة ومرضية ولا يمكن تعويضها، لا بد أن نكون حذرين عند هذه النقطة. إن أقل انغماس في شهوة الانتقام هو خطية مميتة للغاية.
لذلك تشير علينا المحبة المسيحية أن نبذل أقصى جهد لتجديد مثل هذا الإنسان؛ أن نفضل تجديده، حتى ولو بالمخاطرة بحياتنا الشخصية، ولو على حساب حرماننا نحن أنفسنا، عن أن يعاقب؛ أن نفضل ذلك بلا أي حدود. لكن ليس هذه هي المشكلة، لنفترض أنه لن يتجدد، ما المصير الذي يمكنك أن تعتبره ملائماً له في العالم الأبدي؟ هل يمكنك أن ترغب حقاً أن مثل هذا الإنسان، إذا ظل كما هو (ولا بد أنه قادر على فعل ذلك إذا كانت لديه إرادة حرة) يجب أن يكون مستقراً إلى الأبد في سعادته الحالية – هل يستمر، طوال الأبدية، مقتنعاً تماماً أنه هو الذي ضحك في النهاية؟
وإذا لم تكن تنظر إلى ذلك باعتباره مقبولاً، فهل مجرد شَرّك – الحقد فقط – هو الذي يمنعك من القيام بذلك؟ أم هل تجد أن الصراع بين العدل والرحمة، الذي يبدو لك في بعض الأحيان قطعة بالية من اللاهوت، يدور الآن فعلياً في فكرك الشخصي، وتشعر كثيراً كما لو أن هذه الفكر (القصاص) جاء إليك من فوق. وليس من أسفل؟ ليست الرغبة التي تحركك هي إيقاع الألم بمثل ذلك المخلوق التعس، بل مطلب أخلاقي حقيقي بأنه إن عاجلاً أم آجلاً، يجب توكيد ما هو صائب وتوكيد الراية التي غرست في تلك النفس شديدة التمرد، حتى لو لم يتبع ذلك كسب أشمل أو أفضل.
من ناحية ما، من الأفضل للمخلوق نفسه، حتى لو لم يصبح صالحاً أبداً، أن يعرف أنه فاشل، ومخطئ. حتى الرحمة بالكاد تستطيع أن تتمنى لمثل هذا الإنسان استمراره الأبدي برضى في مثل هذا الوهم الشنيع. قال توما الاكويني Thomas Aquinas عن الألم، مثلما قال أرسطو Aristotle قبله عن الشعور بالخزي، أنه ليس شيئاً جيداً في حد ذاته، بل شيئاً قد يكون له خير معين في ظروف محددة. هذا يعني أنه إذا كان الشر موجوداً، فإن الألم في إدراكه للشر، حيث أن هذا نوع من المعرفة، هو خير نسبياً؛ لأن البديل هو أن تكون النفس جاهلة بالشر، أو جاهلة بأن الشر مناقض لطبيعتها، وكما يقول الفيلسوف، “أي منهما سيء بشكل واضح”. وأنا أعتقد، أننا رغم أننا نقشعر من ذلك، إلا أننا نتفق معه.
إن المطالبة بأنه يجب على الله أن يغفر لمثل هذا الإنسان بينما يظل الإنسان كما هو، مبنية على خلط بين التغاضي والتستر على الشر وبين الغفران. “فالتغاضي عن الشر” يعني ببساطة تجاهله، ومعاملته كما لو كان خيراً. لكن “الغفران” لا بد أن يتم قبوله وبالمثل تقديمه لو كنا نريده أن يكون كاملاً: فالإنسان الذي لا يعترف بأي ذنب لا يمكنه أن يقبل أي غفران.
لقد بدأت بمفهوم الجحيم كعقوبة قصاصية إيجابية يوقعها الله لأن هذا هو الشكل الذي تلقى بسببه العقيدة أكثر النفور، وقد تمنيت أن أعالج أقوى اعتراض. لكن بالطبع، رغم أن ربنا تكلم كثيراً عن الجحيم باعتباره حكم يوقعه كرسي القضاء، فقد قال أيضاً في مكان آخر أن الدينونة تتمثل في نفس حقيقة أن البشر يفضلون الظلمة على النور، وأنه ليس هو، بل “كلمته”، هي التي تدين البشر (يو 3: 19؛ 12: 48). لذلك فإن لدينا الحرية – حيث أن المفهومين على المدى الطويل يعنيان نفس الشيء – أن نفكر في هلاك هذا الإنسان الشرير ليس كحكم مفروض عليه، بل لمجرد حقيقة كونه ما هو عليه.
إن سمعة النفوس الضالة هي “رفضهم كل ما هو ليس ببساطة ذواتهم”[1]. فالإنسان الأناني الذي تخيلناه منذ قليل يحاول أن يحول كل شيء يقابله إلى عالم للذات أو ملحق لها. الشعور “بالآخر”، أي القدرة نفسها على الاستمتاع بالخير، خامدة عنده إلا بقدر ما لا يزال جسده يجذبه إليه في نوع من الاتصال البدائي مع عالم خارجي. يُزيل الموت هذا الاتصال الأخير. فتتبقى لديه رغبته. أن يعيش بالكامل في الذات وأن يستغل ما يجده هناك بأفضل صورة ممكنة. وما سيجده هناك هو الجحيم.
هناك اعتراض آخر يوجه إلى عدم التناسب الواضح بين اللعنة الأبدية ووقتية الخطية. فإذا فكرنا في الأبدية باعتبارها مجرد وقت ممتد من الزمن، سنجد بالفعل عدم تناسب. لكن الكثيرين يرفضون هذه الفكرة عن الأبدية. فإذا فكرنا في الزمن باعتباره خط – وهو تشبيه جيد، لأن أجزاء الزمن متوالية ولا يمكن أن يتواجد اثنان منها معاً في نفس الوقت؛ في مركزه، إذ لا يوجد عرض Width في الزمن، بل طول Length فقط – ربما يكون علينا أن نفكر في الأبدية كسطح مستو أو حتى كمجسم. وهكذا فإن واقع الكائن البشري بأكمله سيكون ممثلاً في شكل مجسم. هذا المجسم سيكون أساساً هو عمل الله، عاملاً من خلال النعمة والطبيعة، لكن الإرادة البشرية الحرة ستكون هو المسهمة بالخط القاعدي الذي نطلق عليه الحياة الأرضية؛ فإذا رسمت خطك القاعدي أعوجاً، فإن المجسم كله سيكون في المكان الخطأ.
حقيقة أن الحياة قصيرة، أو، بحسب التشبيه، أننا نسهم فقط بضلع صغير واحد في المجسم المركب كله، يمكن أن ننظر إليها باعتبارها رحمة إلهية. لأنه إذا كان مجرد ترك رسم ذلك الخط الصغير إلى إرادتنا الحرة، يتم في بعض الأحيان بطريقة سيئة للغاية بحيث يُفسد الكل، فكم بالأحرى كان سيصيب المجسم من اعوجاج وفوضى لو كان قد أوكل إلينا المزيد منه؟ هناك نموذج أبسط من نفس هذا الاعتراض يقول إن الموت يجب ألا يكون هو الحد النهائي الفاصل، ويجب أن تكون هناك فرصة ثانية. لكني أعتقد أنه لو كان من المحتمل لمليون فرصة أن تفعل حسناً، فإنها كانت ستعطى. لكن المعلم في معظم الأحيان يعرف، في حين لا يعرف التلاميذ والوالدين أنه في الحقيقة لا نفع من إرسال التلميذ لاجتياز امتحان ما مرة أخرى. لابد أن تأتي النهاية في وقت ما، ولا يتطلب الأمر إيماناً قوياً للغاية لكي نصدق أن العلم والمعرفة الكلية الإلهية تعرف متى.
هناك اعتراض ثالث يثار بشأن حدة رعب آلام الجحيم كما يفترضها فن العصور الوسطى. وفي الحقيقة، كما تشير إليها أجزاء معينة من الكتاب المقدس. يحذرنا فون هوجل Von Hugel هنا بألا نخلط العقيدة نفسها مع التشبيهات imagery التي يمكن أن يتم تصويرها بها. يتكلم ربنا عن الجحيم بثلاثة رموز؛ الأول، خاص بالعذاب (“عذاب أبدي” متى 25: 46)؛ والثاني، يختص بالهلاك (“بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم”، متى 10: 28)؛ والثالث، يختص باللعنة والحرمان أو الإقصاء أو الطرد إلى “الظلمة الخارجية”، كما في مثل الإنسان الذي لم يكن يرتدي ثياب العرس أو مثل العذارى الحكيمات والجاهلات. التشبيه الشائع عن النار مهم لأنه يجمع بين فكرتي العذاب والهلاك.
الأمر الأكيد للغاية هو أن كل هذه التعبيرات يقصد بها افتراض شيء مريع ورهيب بصورة لا يمكن وصفها، وأي تفسير، لا يواجه هذه الحقيقة، أخشى أنه سيكون خارج الاعتبار منذ البداية. لكن ليس من الضروري أن نركز على تشبيهات العذاب بحيث نغفل تلك التشبيهات التي تفترض الهلاك والحرمان. مم يتكون هذا الشيء الذي يمكن لكل هذه التشبيهات الثلاثة أن تعبر عنه برموز مناسبة على قدم المساواة؟ يجب أن نفترض بالطبع أن الهلاك يعني الدمار أن انتهاء الشيء الذي يتم إهلاكه. يتحدث الناس كثيراً كما لو أن إفناء النفس هو أمر ممكن جوهرياً، إلا أننا في جميع خبراتنا، يعني تدمير شيء ما ظهور شيء آخر. فإذا أحرقت قطة حطب، سيتكون لديك غازات، وحرارة، ورماد. فكون أنه كان هناك حطب يعني الآن وجود هذه الأشياء الثلاثة.
فإذا كان يمكن تدمير النفس، ألا يجب أن تكون هناك حالة لكينونة مستمرة للنفس الإنسانية؟ ألا يمكن أن تكون هذه هي الحالة التي يتم وصفها بصورة جيدة باعتبارها العذاب، والهلاك، والحرمان؟ ربما تذكر أنه في المثل يذهب المُخلَّصون إلى مكان معد لهم، بينما يذهب المدانون إلى مكان لم يعد للبشر على الإطلاق (متى 25: 24-41). وهكذا أن تدخل السماء يعني أن تصبح أكثر آدمية مما قد نجحت في أن تكونه على الأرض في أي وقت مضى؛ أما دخول الجحيم فمعناه أن تحرم من الإنسانية. فما يلقى (أو يلقي بنفسه) إلى الجحيم ليس إنساناً؛ بل “بقايا” أو فضلات. فأن تكون إنساناً كاملاً يعني أن تجعل العواطف مطيعة للإرادة والإرادة مقدمة إلى الله؛ أما أن تكون إنساناً سابقاً أو “شبحاً ملعوناً مداناً” – فقد يعني هذا أن تكون لديك إرادة مرتكزة بالكامل في ذاتها وعواطف غير محكومة بالإرادة على الإطلاق.
من المستحيل بالطبع أن تتخيل ماذا سيكون عليه وعي مثل هذا المخلوق – الذي يكون بالفعل كومة مهلهلة من الخطايا المعادية أكثر منه خاطئ. لذلك ريما بكون هناك شيء من الحقيقة في القول بأن “الجحيم جحيم ليس من وجهة نظره هو، بل من وجهة نظر سماوية”. لا أعتقد أن هذا يناقض قسوة كلمات ربنا. بالنسبة للمدانين وحدهم، يمكن أن يبدو قدرهم أمراً أقل من أن يكون لا يطاق. ولا بد من الاعتراف بأننا إذ نفكر في الأبدية في هذه الفصول الأخيرة، فإن فئات الألم والسعادة، التي شغلتنا لفترة طويلة، تبداً في الانحسار، إذ يلوح في الأفق خيراً أو شراً أكثر ضخامة. فلا الألم ولا السعادة بمثل هذا الصورة (الأرضية) يكون له الكلمة الأخيرة. لأنه حتى لو كان يمكن ألا يحوي اختبار الضالين (إذا كان يمكن أن يطلق عليه اختبار) أي ألم بل الكثير من المتعة، لا تزال تلك المتعة السوداء سيكون من شأنها أن ترسل أي نفس، لم تتم إدانتها نهائياً بالفعل، طائرة إلى صلواتها برعب الكابوس؛ لأنه حتى لو كانت هنالك آلام في السماء، فإن كل من يفهمون سيرغبون فيها.
الاعتراض الرابع هو أنه لا يوجد إنسان محب يمكن أن يكون هو نفسه سعيداً في السماء بينما يعلم أن هناك حتى ولو نفس بشرية واحدة لا تزال في الجحيم؛ إن كان الأمر كذلك، فهل نكون نحن أكثر رحمة من الله؟ يقع في خلفية هذا الاعتراض صورة ذهنية للسماء والجحيم وهما يتواجدان معاً في نفس الوقت ويستمران بصورة متواصلة كما يتواجد معاً تاريخ كل من إنجلترا وأمريكا: بحيث أنه في كل دقيقة يمكن للمباركين أن يقولوا “عذابات الجحيم متواصلة الآن”. لكني ألاحظ أن ربنا بينما يؤكد على هول الجحيم بقسوة شديدة دون كلل فإن يؤكد عادة ليس على فكرة الاستمرارية بل الحسمية والنهائية.
فالإرسال إلى النار المهلكة عادة ما يتم التعامل معه باعتباره نهاية القصة – وليس بداية قصة جديدة. حيث أن النفس الضالة ستظل ثابتة أبدياً على موقفها الشيطاني الشرير فهذا ما لم يمكن الشك فيه؛ لكن ما إذا كان هذا الثبات الأبدي يتضمن استمرارية لا نهائية – أو استمرارية على الإطلاق – فهذا ما لا يمكننا أن نعرفه. توجد لدى د. إدوين بيفان Dr. Edwyn Bevan بعض التكهنات المثيرة حول هذه النقطة. إننا نعرف عن السماء أكثر جداً مما نعرف عن الجحيم، لأن السماء هي مسكن الإنسانية ولذلك فهي تحوي كل ما يُتضمن في الحياة الإنسانية الممجدة. لكن الجحيم لم يُصنع لأجل البشر. لذلك فهو لا يقارن بالسماء من أية ناحية؛ إنه “الظلمة الخارجية” الهوة الخارجية حيث يتلاشى الكائن في اللاوجود.
أخيراً، يثار الاعتراض بأن الهلاك النهائي لنفس واحدة يعنى انهزاماً للقدرة الكلية الإلهية. وهكذا هو الأمر. ففي خلق كائنات لديها إرادة حرة، تخضع القدرة الكلية الإلهية منذ البداية إلى احتمالية مثل هذه الهزيمة. لكن ما تسميه أنت هزيمة، أسميه أنا معجزة؛ لأنه أن يصنع (الله) كائنات ليس هي نفسه، وبالتالي أن يُصبح من إحدى النواحي، قادراً على أن يتحمل مقاومة عمل يديه، فهذا هو أغرب وأكثر الأشياء التي لا يمكن تخيلها في المآثر التي ننسبها إلى الإله. إنني أعتقد عن طيب خاطر، أن المدانين هم من ناحية ما، متمردون ناجحون حتى النهاية؛ وأن أبواب الجحيم مغلقة من الداخل. إنني لا أعني أن الأشباح قد لا ترغب في الخروج من الجحيم، بالطريقة المبهمة التي “يتمنى” بها الإنسان الحسود أن يكون سعيداً؛ بل لأنهم بالتأكيد لا يرغبون حتى في المراحل التمهيدية الأولية للتخلي عن الذات التي بها وحدها يمكن للنفس أن تصل إلى أي خبر. إنهم يتمتعون إلى الأبد بالحرية المريعة التي طلبوها، ولذلك فهم مستعبدون لذواتهم؛ تماماً كما يخضع المباركون للطاعة إلى الأبد، فيصبحون طوال أكثر فأكثر حرية.
على المدى الطويل إذاً سنجد أن الإجابة على كل الذين يعترضون على عقيدة الجحيم، هي نفسها سؤال: “ما الذي تطلب من الله أن يفعله؟” هل أن يزيل خطاياهم السالفة، بأي ثمن، أن يمنحهم بداية جديدة، مذللاً كل صعوبة ومقدماً كل معونة معجزية؟ ولكن الله فعل ذلك حقاً، على الجلجثة، هل أن يغفر لهم؟ أنهم لا يرغبون أن يغفر لهم. هل أن يتركهم بمفردهم؟ للأسف، أخشى أن هذا هو ما يفعله حقاً.
تحذير أخير، وأكون قد انتهيت. لكي أوقظ العقول العصرية لفهم هذه القضايا، قمت بمغامرة بأن أقدم في هذا الفصل صورة لنوع من الإنسان الشرير الذي يمكننا أن ندرك بأكثر سهولة أنه شرير حقاً. لكن بعد أن أدت هذه الصورة دورها، كلما تم نسيانها كلما كان ذلك أفضل. فإننا في كل النقاشات الخاصة بالجحيم يجب أن نحتفظ باستمرار أمام أعيننا بمشهد تلك الدينونة المحتملة، لي لأعدائنا ولا لأصدقائنا (حيث أن كلاً من هذه يفسد المنطق)، بل لأنفسنا. فهذا الفصل لا يتحدث عن زوجتك أو ابنك، وليس عن نيرون Nero أو يهوذا الاسخريوطي؛ إنه يتحدث عني وعنك.
ترى التعاليم اللاهوتية الآبائية في الجذور الأولى للخلق والبُعد الأخروي للحياة مسيرة روحية واحدة. فالرؤية الكتابية والتقليد الكنسي، يتحركان في هذا الإطار ويؤكدان على أن الحياة مستمرة وممتدة، ولها بُعد أخروي. إن الحياة الحاضرة التي نحياها لا تنحصر في أُطر تاريخية، إذ هي تتسع لتشمل الخليقة كلها، بكل جوانبها. فالكون، والتاريخ، والإنسان، والمجتمع، كلها أمور تشكل محور الحقيقة الكتابية والكنسية.
التقليد الكنسي يؤكد على هذه الرؤية اللاهوتية، إذ أن الكنيسة تحيا حقيقة الحياة الجديدة، وتتذوق عربون الحياة الأبدية من الآن بالنعمة الإلهية التي تعطي لكل ممارسيها حيوية وإلهام خاص.
هذه العطية الإلهية هي التي تُنبئ بأن تحقيق الوعد بالأرض الجديدة والسماء الجديدة هو أمر مؤكد. لأن حقيقة هذه الأرض الجديدة المملوءة قداسة ومحبة وفرحًا تتجلى في أحشاء الكنيسة التي تتذوق من الآن خيرات الحياة الأبدية. فالتقليد الكنسي يهدف إلى تحقيق الصلاح الإلهي، الذي فقدته البشرية مبكرًا ، ويؤكد على الرجاء في اكتمال المسيرة نحو الحياة الأبدية، حتى يتحقق الكمال الذي نترجاه في الحياة الفردوسية المجيدة. واللاهوت الأرثوذكسي حين يتكلم عن الحياة الفردوسية، فهو يعني بشكل أساسي أمرين:
المسيرة التي يسلك فيها الإنسان لكي يتجاوز مرحلة العدم ويصل إلى مرحلة الكمال.
الدخول النهائي إلى ملكوت الله، والتمتع بمجد هذا الملكوت.
هذا ما يؤكده العلاّمة أوريجينوس بقوله: [يوجد في ملكوت الله “أرضًا” موعود بها للودعاء، أرض تسمي بـ ” أرض الأحياء “. أرض موضوعة على مرتفعات والتي قال عنها النبي بحق: ” فيرفعك لترث الأرض ” (مز34:37). هذه هي الأرض التي ترثها النفس المؤمنة بالله بعد الخروج من هذا العالم. والمقصود بها هنا أولئك الذين عاشوا بدون الناموس. وهنالك الذين وضعتهم العناية الإلهية وتدابيرها في الإيمان والنعمة بيسوع المسيح ][1].
لقد وصف الآباء الفردوس وقدموه كحقيقة محسوسة ومُدركة داخل البيئة التاريخية والطبيعية، إلى أن حدث الخروج من الفردوس، حين كسر المخلوق وصية خالقه.
وهنا تبرز حقيقة مهمة للغاية وهى أن الحياة الفردوسية تبدأ من المعطيات الخاصة بهذا العالم الحاضر، في مسيرة متنامية وصولاً إلى مرحلة كمال الكون كله المحسوس والمدرك. إن الفردوس الذي يبدأ في هذا العالم يعني دخول كل ما هو محسوس ومدرك في مجال ملكوت الحياة الإلهية.
وفشل الإنسان في تحقيق هذا الهدف، يفرض عليه إلتزامًا بتصحيح مسيرته مرة أخرى وتوجهه نحو تحقيق الصلاح الأبدي والذي يفوق حالة الإنسان الأولى، فليس هناك حديثًا لا في العهد القديم ولا في التعاليم اللاهوتية الأرثوذكسية عن عودة الإنسان لحالته الأولى فقط. فالإنسان في الفردوس لم يفقد نوعًا من الصلاح كان عليه أن يستعيده، لكنه فقد الشركة مع الله، فانقطعت المسيرة نحو الكمال الذي هو قصد الله من خلق الإنسان.
وطالما أن الحياة الفردوسية هي مسيرة نحو الكمال، نحو التلامس مع المجد الإلهي، الذي يبدأ من الآن ويكتمل في الحياة الأبدية. فإن ملامح هذه الحياة الفردوسية تتضح هنا في هذه الحياة الحاضرة، ويستطيع المرء أن يختبر هذه الحقيقة من خلال إتحاده بالله، ولذلك فإن حياة الجحيم هي على العكس تمامًا، هي فقدان للشركة مع الله، أي عدم الدخول في مجال الحياة الإلهية داخل الزمن، وبناءً عليه فقدان التمتع بالمجد الإلهي.
فالشياطين رغم أنها تؤمن بالله، إلاّ أنه يستحيل عليها رؤية المجد الإلهي، لأنها لا تأتي في شركة مع الله[2]. وهكذا يستطيع المرء أن يُدرك أن حياة الجحيم ليست حالة خاصة يفرضها الله على الإنسان طبقًا لقانون محدد. فالله يحتضن الكل الأبرار والأشرار. إلاّ أن الأشرار لا يستطيعون أن يرون مجد الله، لأنهم يشعرون بأنه يُعاقِب، وهذه الحالة ترتبط بموقفهم تجاه الله، وليس العكس.
إذًا الجحيم بحسب الرؤية الآبائية هو حرمان من التمتع بالمجد الإلهي، وعن هذا الأمر يقول ق. باسيليوس بأنه [ حرمان كبير وخسارة فادحة، ونحن نستطيع أن نتفهم هذا، لو أننا قابلنا بين هذه الحالة وحالة الأعمى، فالأعمى يخسر الكثير، لأنه لا يرى نور الشمس ][3].
إذًا فالجحيم هو عدم الشركة مع الله فالشركة مع الله هي التي تعكس جمال وبهاء الحياة الفردوسية.
توجد في أقوال الآباء الشيوخ قصة تُروى عن ق. مقاريوس الكبير، تُخبرنا بأن القديس مقاريوس بينما كان يمشي في البرية وجد جمجمة لإنسان هرطوقي، فطرق عليها بعصاه، فعلى الفور شعرت نفس ذلك الهرطوقي وهى في الجحيم بالقديس، وطلبت منه الصلاة لأجل تخفيف الآلام عنها. وعندما سأله القديس مقاريوس عن حالتهم في الجحيم، أجاب بأن وجه كل واحد في ظهر الآخر، ولا يستطيع أحد أن يرى وجه الآخرين، وترجاه في النهاية أن يُصلي من أجلهم لكي يروا حتى ولو قليلاً وجه الآخر[4] .
وهذه الحقيقة قد أكد عليها الرسول بولس في رسالته إلى أهل تسالونيكي بقوله: ” فإذ قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب اجتهدناأكثر باشتهاء كثيرأن نرى وجوهكم ” (1تس17:2)، مما يبرهن على قيمة وأهمية حياة الشركة في المسيرة الروحية للمؤمنين. وهذه الصور تُعبّر عن المحتوى اللاهوتي العميق للتعليم الأرثوذكسي، الذي يرى في الشركة في المجد الإلهي تحقيق للحالة الفردوسية، وأن الخروج من هذه الشركة يؤدى إلى حياة الجحيم. وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم معنى الشركة بين الأحياء والأموات، والصلوات من أجل الأنفس التي رقدت.
إن الحياة المسيحية تحمل في طبيعتها توجهًا أخرويًا، فهي تتطلع نحو حياة الدهر الآتي. وهي بهذه الرؤية المتفردة، تختلف عن كل الديانات الأخرى، فالديانة اليهودية أيضًا لديها توجه أخروي، ولكن التوجه المسيحي من جهة الحياة الأبدية، يختلف جذريًا عن هذا التوجه اليهودي. اليهود يؤمنون بالله الذي خلق الكون من العدم، ويعترفون بحضوره في العالم والتاريخ، وينتظرون تكميل العمل وتحقيق وعوده في المستقبل، في الأزمنة الأخروية.
هذا الإيمان وهذا الرجاء يرتبط بفكرة الخط المستقيم للزمن. أما الحياة المسيحية فتعتمد أساسًا على تأنس ابن الله، الذي تحقق بالفعل، تتميمًا لوعوده للإنسان. فأساس التوجه المسيحي إذًا نحو الحياة الأبدية، هو مجىء الله في الجسد، وأيضًا انتظار المجىء الثاني للمسيح، الذي يعني كمال عمل الله وتجديد الكون “ولكننا بحسب وعده ننتظر سماءً جديدة وأرضًا جديدة “.
إن المجىء الأول للمسيح والذي حدث زمنيًا في الماضي هو نفسه يُعلن عن المجيء الثاني الذي يُنتظر في المستقبل. إلاّ أن هذا المستقبل لا ينحصر في بُعده التاريخي، إذ أن المستقبل الخاص بالرجاء المسيحي يتجاوز الزمن والتاريخ، لأن ما يرتبط بالزمن، وما يوجد في التاريخ لا يتعدى كونه مجرد ظلال ورموز. فلا يجب أن نضع رجاؤنا في انتظار نهاية الزمن، لأننا من الآن نحن نحيا الحياة الجديدة في المسيح، وننتظر كمال عمل الله.
إذًا على عكس اليهودية التي تُركّز أهدافها واهتماماتها على الزمن والتاريخ، فإن الكنيسة ترى في الزمن والتاريخ وكل ما يرتبط بهما مجرد وعاء يحمل في داخله ملامح الحياة الأبدية التي ننتظرها. وفي نفس الوقت هي تفتح أبعادًا جديدة لا حدود لها، ورؤى متسعة لتقييم الزمن والتاريخ. وإذا كانت الكنيسة تنظر لتاريخ شعب إسرائيل كتاريخ مقدس، إلاّ أنها ترى فيه معنى رمزيًا.
فخروج اليهود من أرض مصر، وانتقالهم إلى أورشليم، يُفسر من قِبَل الكنيسة على أنه نموذج لخروج المؤمنين من العالم وانتقالهم لملكوت الله. يقول ق. إيريناؤس [خروج شعب الله من أرض مصر، هو نموذج وأيقونة لخروج الأمم ودخولهم في الكنيسة ][5].
إن الرؤية الأخروية للكنيسة يمكن أن توصف بأنها خروج. فالعالم يُنظر إليه كمكان إقامة مؤقت وزائل، وفي نفس الوقت هو عمل الله. لكن الله لم يجعل من هذا العالم المؤقت والزائل مكان إقامة دائم للبشر، إذ أن ملكوته الأبدي هو مكان الإقامة الدائم. هذه الحالة تصفها الرسالة إلى ديوجينيتوس بالقول [ إن المؤمنين يعرفون بأنهم غرباء ونزلاء في أوطانهم فإنهم يسكنون البلدان لكنهم غرباء عنها .. وكل بلد أجنبي هو وطن لهم، وكل وطن لهم يُعد بلد غريب ][6].
وهكذا فإن إهتمام المؤمنين لا ينحصر في مجال الأحداث التاريخية وتطوراتها، ولكنه يمتد إلى أبعد من ذلك ” لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة ” (عب14:13). وهذه المدينة العتيدة التي تتطابق مع ملكوت الله، ليست بعيدة عن المؤمنين، لكنها بالفعل داخل قلوبهم كعربون لما سيحدث.
لقد تحدث القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس بشأن هذا الموضوع قائلاً: ” هوذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير في لحظة في طرفة عين عند اليوم الأخير فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت ” (1كو51:15ـ53). هذا التوجه يدعم الرؤية الخاصة بأن هذا العالم هو إلى زوال، وفي ذات الوقت يجعلنا نتطلع نحو ملكوت الله.
إن ملكوت الله لا يوجد فقط بعد نهاية التاريخ، لكنه حاضر في كل لحظة في التاريخ. وعلى الرغم من أننا ننتظر هذا الملكوت بعد نهاية التاريخ إلاّ أنه يتحقق فعليًا في الحاضر ” ننظر الآن في مرآه في لغز” (1كو12:13). وهذا يوصف بوضوح تام في إنجيل يوحنا “الساعة الأخيرة” التي ينتظرها المؤمنين، هي حاضرة بالفعل، وتعمل في التاريخ ” تأتي ساعة وهى الآن ” (يو23:4، 25:5).
وهذا يعني أن ملكوت الله يتحقق في هذا العالم الحاضر ولكنه لا ينتسب إليه، ويصير هذا الملكوت هو المعيار الذي يتم على أساسه تقييم أمور هذا العالم. فعندما يثبت المؤمنون في إيمانهم حتى المجىء الثاني وعندما يبلغوا إلى رؤية ملكوت الله تتضح الحقيقة المؤكدة، وهى أن كل شئ مرتبط بهذه الحياة الحاضرة، باطل. إن الزمن والتاريخ لهما بعد نسبي، بيد أنهما يتسعان بغنى وبلا حدود ويصير الزمن وعاءً للأبدية، والتاريخ مجالاً لاستعلان ملكوت الله.
إن العالم بكل ما فيه وهكذا الزمن أيضًا يشكلان مسألة نسبية أمام ملكوت الله. ” لأن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة وألف سنة كيوم واحد ” (2بط8:3). الوقت كما يؤكد الرسول بولس “مُقصر” ” لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم. والذين يبكون كأنهم لا يبكون والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون والذين يشترون كأنهم لا يملكون. والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه. لأن هيئة هذا العالم تزول” (1كو29:7ـ31).
إذًا فالمسيحيون هم مواطني الوطن السمائي، الذي أسّسه المسيح وصار أول مواطنيه[7]. التطلع نحو هذا الوطن السمائي، يخلقه فينا هذا الضمير الأخروي ” سيرتنا نحن هي في السموات ” (في20:3، أف19:2). وهذا الضمير يوّحد المؤمنين فيما بينهم، وفي نفس الوقت يجعلهم مختلفين عن أهل العالم.
إن الحياة الأخروية هي الغاية النهائية، التي تتجه إليها الخليقة والتي بها تكتمل كل الأمور السابقة. هي النهاية التي ينتظرها الجميع في المستقبل، وهى قائمة في الحاضر كهدف. ولهذا فإن الغاية المسيحية التي ننتظر تحقيقها، هي ملكوت الله الذي ننتظره في نهاية التاريخ. لكن ملكوت الله قد أتى بالفعل إلى العالم، بمجيء المسيح (لو20:11). فالنهاية صارت حاضرًا. وبرغم من أن المسيح ينتسب إلى الحياة الأبدية، إلاّ أنه موجود يعمل داخل التاريخ الإنساني.
ولهذا فإن الحياة الأخروية المسيحية يمكن أن توصف كحياة منتظرة، وكحياة متحققة ” أيها الأحباء نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو ” (1يو2:3). فالمسيح الذي استُعلن كإنسان صُلب ومات وقام وصعد إلى السموات، وهو غير الزمني، والأبدي والله الأزلي ” الكائن والذي كان والذي يأتي ” (رؤ4:1). استعلان مجد المؤمنين في ملكوت الله يتطلب إنضمامهم إلى جسد المسيح أي الكنيسة. والكنيسة قائمة بين تخوم الحاضر والحياة الأبدية.
وجود الإنسان داخل الكنيسة يكسبه ملمحًا إسخاتولوجيًا، وخروجه من العالم، ليس هو اختفاء في الفراغ، لكنه اشتراك في الحياة الأبدية، في المجد الإلهي. كما يعبر نيكولا كابيسيلاس عن هذه الحالة بقوله ” إن المؤمنين هم أعضاء جسد المسيح، ورأس هذا الجسد مُختفى في التاريخ، لكنه سيظهر في الأبدية، في حياة الدهر الآتي. وعندما يظهر مجد الرأس، حينئذ سيظهر بهاء الأعضاء”[8].
رجاء الإنسان في دخوله ملكوت الله يرتبط بشكل مباشر بحياة المؤمن اليومية، بينما طريقة معيشته لهذا الرجاء يعتمد على مرحلة النضوج الروحي. وهكذا فإن رجاء المؤمنين في ملكوت الله يتحقق بطريقتين داخل الكنيسة:
بانتظار المجيء الثاني للمسيح والذي يعني نهاية العالم والتاريخ.
من خلال اختبار حضور ملكوت الله في التاريخ، وهذا الاختبار ظهر بشكل محدد وواضح في حياة القديسين اليومية.
هذا الملكوت المرتجى يتجاوز المكان والزمان، واستعلان هذا الملكوت في الإنسان، هو عطية محبة من الله، والتي لا تخضع لتحديدات زمنية ومكانية[9]. وإن كان ملكوت الله يتحقق في هذا العالم، إلاّ أنه سيكتمل في الدهر الآتي. إن إحساس الإنسان ببطلان هذا العالم الحاضر، يُحرره من العبودية لهذا العالم، ويُحيله إلى حقيقة ملكوت الله. وهذا في حد ذاته يعطيه قوة لمواجهة الشر، وقدرة على الإحتمال في محاربة الشهوات، ومجال لإقتناء الفضائل. ويصف الرسول بولس الحياة الحاضرة “بالليل” والحياة الأبدية “بالنهار” (رو12:13).
فظلام وخطية هذا العالم يقودان إلى الفناء. بينما الحياة في نور المسيح يقود إلى ملكوت الله. ومن أجل هذا تزول الفوارق بين الزمن والأبدية، بين الحياة الحاضرة والحياة المستقبلية داخل الكنيسة. الحياة الحاضرة هى بداية الحياة المستقبلية، والحياة المستقبلية هى امتداد للحياة الحاضرة. والحياة في المسيح كما يقول نيكولا كابيسيلاس ” تتأسس هنا في هذه الحياة الحاضرة، لكنها تكتمل في الحياة المستقبلية، عندما نصل إلى ذلك اليوم “[10].
هذا يعني أن أي سلوك مُغاير لهذا المسلك الإيماني، سيقود بالضرورة إلى هجرة الجهاد الروحي، وهذا بدوره سيقود إلى الخضوع لأمور هذا العالم الحاضر، فيفقد الإنسان رؤيته الاسخاتولوجية، ويُسبى من عدو الخير والنتيجة الحتمية هى الخروج من الحالة الفردوسية، والدخول في مجال الجحيم. المصير الأخروي للإنسان، هو مصير الخليقة في مجملها، والتعاليم الآبائية اللاهوتية الخاصة بحركة التاريخ، وتطور الخليقة، تنظر إلى هذه الحركة وهذا التطور إنطلاقًا من سر تأنس الكلمة.
إذ أن الكلمة المتجسد يُشكّل السبب، والمركز، والهدف النهائي للخليقة في مُجملها. ولذلك فاليوم الأخير، والذي يُدعى “يوم الرب” هو يوم استعلانه التام والنهائي.
1 العلامة أوريجينوس، عظات على سفر العدد، ترجمة القس برسوم عوض و القس شنودة أمين والآنسة مارسيل عوض الله، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الجزء الثاني 2007م، ص197.
2 مت29:8، يع19:2.
[3] M. basile…ou, E…j thn Eza»meron PG. 29-120B.
[4] Makar…ou tou Aigupt…ou, Apofqšgmata PG 34, 257CD-260A.