الاتجاة إلى موثوقية الأناجيل من خلال يسوع التاريخي

الاتجاة إلى موثوقية الاناجيل من خلال يسوع التاريخي

الاتجاة إلى موثوقية الأناجيل من خلال يسوع التاريخي

 

Research in the historical Jesus has taken several positive steps in recent years. …. the persistent trend in recent years is to see the Gospels as essentially reliable, especially when properly understood, and to view the historical Jesus in terms much closer to Christianity’s traditional understanding

البحث في شخصية يسوع التاريخي شهد العديد من الخطوات الايجابية في السنوات الاخيره… في السنوات الاخيرة الأتجاه مستمر لرؤية ان الاناجيل موثوق بها بشكل اساسي ,خصوصاً عندما نفهمها بشكل صحيح .ورؤية يسوع التاريخي من ناحية اقرب بكثير من فهم المسيحية التقليدية….

المرجع

Prof Craig Evans, Arcadia Divinity College, Arcadia University, in What are They Saying about the Historical Jesus?

الاتجاة إلى موثوقية الأناجيل من خلال يسوع التاريخي

نظرة عقلانية للتجسد.وليم لين كريج

هل قرأت قبل ذلك أن هناك شخصاً حاول أن يضع تصوراً لكيفية التجسد؟ انا لم اقرأ! فكلنا تعلمنا أن التجسد هو “سر”، أى أن ماهيته لا نعرفها، إنما نؤمن بها فقط. لكننى وجدت، و قرأت، لفيلسوف حاول أن يضع تصوراً لكيفية كينونة المسيح “إله كامل و إنسان كامل” فى نفس الوقت. عقلياً هذا تناقض، لأن صفات الإلوهية تتنافى مع صفات البشرية. و بإيماننا بهذه العقيدة فنحن نعلن أنها ليست تناقضاً لكننا لا نعرف كيف ذلك، و لهذا وضعنا ثقتنا فى ربنا يسوع المسيح. وليام لين كريج، الذى قد تقرأ إسمه كثيراً فى هذه المدونة، وضع تصوراً لكيفية كينونة المسيح إله كامل و إنسان كامل فى نفس الوقت! وليام لين كريج هو أحد أكبر الفلاسفة المسيحيين فى العالم، و هو استاذ الفلسفة، كلية تالبوت اللاهوتية، و مدافع قوى عن الإيمان. لاحظ أن كريج لا يدعى أن نظريته هذه حقيقية، ولاحظ أيضاً أننا كأرثوذكس، و كأقباط خاصةً، سنختلف مع الكثير مما فيها، و لكنه أمر مثير أن ترى فيلسوفاً يوظف فلسفته لوضع إستدلال واحد فقط: مازال بإمكان العقل تصور كيفية لكينونة المسيح كإله كامل و إنسان كامل فى نفس الوقت، دون أن يصل العقل إلى نتيجة مفادها بأن هذا الإعتقاد تناقض عقلى. هذا هو هدفى من ترجمة هذه المقالة المثيرة حقاً، و هو عرض هذه الفكرة فقط، دون ضرورة، أو حتى رغبة، الإعتقاد بها!

تمت الترجمة نقلاً عن موقع مؤسسة “الإيمان المعقول”، التى أسسها وليام لين كريج، بتصريح من مدير النشر فى المؤسسة. و قد نُشِرت المقالة أصلاً بعنوان “ميلاد الله” هنا، و لكن غيّرت العنوان لـ “نظرية عقلانية للتجسد” حتى يتضح معنى و مفاد هذه المقالة.

—————————————————————————————————

 

نظرية عقلانية للتجسد


(ميلاد الله)


وليام لين كريج


استاذ البحث الفلسفى بكلية تالبوت اللاهوتية، جامعة بيولا


جنوب كارولينا، الولايات المتحدة الأمريكية

 

طُلِب منى اليوم أن أتكلم عن “ميلاد الله”. لكن هذا العنوان فيه تناقض لأنه يبدو غبياً. فكيف أن الله، خالق كل الأشياء غير المخلوق، يكون له ميلاد؟ كيف لكيان ما له وجود ذاتى و أبدى، خالق الزمان و المكان أن يُولد؟ لا يبدو أن هذا الكلام له معنى!

و مع ذلك، فإن هذا هو نفس ما يحتفل به المسيحيين فى الكريسماس. العقيدة المسيحية “التجسد” تقول بأن يسوع المسيح هو الله المتجسد. و بهذا فإن يسوع كان هو الله حقيقةً و الإنسان حقيقةً. وُلِد يسوع من العذراء مريم، و هذا يعنى أن مفهوم ولادة يسوع كان خارقاً للطبيعة، و لكنه كان ميلاداً طبيعية تماماً. و لأن يسوع هو الله المتجسد، فإن أمه تُسمى فى قوانين الإيمان المسيحية القديمة “والدة الله” أو “حاملة الله”. و هذا ليس لأن الله جاء إلى الوجود بشكل ما كنتيجة لحمل مريم به، أو أن مريم خلقت الله بطريقة ما. لكن مريم تُسمى حاملة الله لأن الشخص الذى حملته فى رحمها و ولدته كان إلهياً. هكذا، فإن ميلاد يسوع بهذا المعنى كان ميلاداً لله.

لكن هذا لا يزيد المشكلة إلا تعقيداً. لأنه كيف أن يسوع يكون الله و إنسان كما يعتقد المسيحيون؟ هذا يبدو تناقضاً واضحاً! لأن خصائص الكيان الإلهى و خصائص الكيان البشرى محصورة فى كل كيان منهما حتى أنهما لا يجتمعان. الله وجوده ذاتى، لازم، ابدى، كلى القوة، كلى المعرفة، كلى الحضور و هكذا. و لكن البشر مخلوقين، محتاجين، محدودين بالزمن و القوة و المعرفة و المكان. فكيف إذن يكون شخصاً واحداً بشرياً و إلهياً؟

الآن لو حاول المسيحيين التهرب من ضغط السؤال عن طريق تلافى المشكلة برفض أن يكون يسوع إلهياً حقاً أو بشرياً حقاً، فلا أعتقد أن الكتاب المقدس يوفر هذا الخيار. العهد الجديد يؤكد على كلاً من إلوهية يسوع المسيح و بشريته، و بهذا يضغط علينا فى هذه المشكلة. أنظر مثلاً للإصحاح الإفتتاحى لإنجيل يوحنا. إنجيلى متى و لوقا يفتتحان بقصة ميلاد يسوع العذراوى الخارق للطبيعة؛ بينما إنجيل يوحنا يأخذ منظور كونى أكبر، حيث يصف تجسد كلمة الله الموجود مُسبقاً. فيكتب يوحنا:

“فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ. كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ اسْمُهُ يُوحَنَّا. هَذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ. لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ. كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِياً إِلَى الْعَالَمِ……وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً. يُوحَنَّا شَهِدَ لَهُ وَنَادَى: «هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي». وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا. اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ.اللَّهُ الوَاحِدُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو 1 : 1 – 18).

هنا يصف يوحنا يسوع بكونه “الله” خالق كل الأشياء، الذى تجسد و دخل التاريخ البشرى منذ ألفى عام فى أرض اليهودية. لهذا فلا يمكن الهروب من هذه العقيدة و ما تحمله من صعوبات: يسوع كان بشرياً و إلهياً.

و فى خلال نضال الأجيال المتعاقبة فى الكنيسة الأولى لفِهم عقيدة التجسد، ظهر البعض الذى أنكر هذا التناقض الظاهرى عن طريق رفض واحد من هذين التعليمين الكتابيين. فهناك مجموعات مثل الغنوسيين أو الدوسيتيين كمثال أنكروا أن المسيح كان إنساناً حقاً. و إعتبروا أنه مجرد “ظهر” على أنه أخذ شكل بشرى؛ أى أن جسد المسيح كان مجرد وهم أو قناع و كل آلامه التى لاقاها كانت مجرد آلام ظاهرية. على الجانب الآخر، هناك مجموعات أخرى مثل التبنويين أنكروا الإلوهية الحقيقية للمسيح. يسوع الناصرى كان فى نظرهم مجرد إنسان بشرى تبناه الله كإبنه و رفعه لمرتبة عالية فى السماء. و فى مواجهة هذه المجموعات التى أخذت أقصى اليمين أو أقصى اليسار، فإن الكنيسة الأولى أدانت كثيراً أى رفض لأى من بشرية أو إلوهية المسيح كهرطقة. و بأى حال، سواء كان يبدو هذا تناقضاً أو سراً، فإن اللاهوتيين فى الكنيسة الأولى وقفوا بصمود على التأكيد الكتابى أن يسوع المسيح كان الله حقاً و إنسان حقاً.

و فى هذا الوقت، ظهر أخيراً فى الكنيسة الأولى مركزين للمناظرة اللاهوتية حول التجسد، واحدة فى مدينة الإسكندرية فى مصر و الأخرى فى مدينة أنطاكية فى سوريا. و المدرستين الفكريتين إتحدتا فى تأكيد أن يسوع المسيح كان بشرياً و إلهياً؛ و لكن كل واحدة منهما قدمت طريقة مختلفة لفِهم التجسد. دعونى أشرح هذا لأن هذه الآراء سوف تمثل نقطة الإنطلاق لطرحى لاحقاً.

كلاً من اللاهوتيين السكندريين و الأنطاكيين إفترضوا أن الأشياء لها طبائع، أى خصائص جوهرية تحدد ما هو نوع الشىء. كمثال، الحصان له طبيعة مختلفة عن الخنزير، و الإثنين يختلفان عن الطبيعة البشرية. و بحسب الفيلسوف اليونانى العظيم ارسطو، فإن طبيعة الكائن البشرى هى “حيوان عقلانى”. و هذا يعنى أن الكائن البشرى مُكون بشكل أساسى من نفس عاقلة و جسم طبيعى. و هذا الفِهم للطبيعة الإنسانية قبله اللاهوتيين فى كل من الإسكندرية و أنطاكية بالمثل. بالإضافة إلى ذلك، فإن الله بهذه الرؤية، له طبيعة أيضاً تتضمن خصائص مثل الوجود الذاتى، الأبدية، القوة الكاملة المعرفة الكاملة، و ما إلى ذلك.

الآن فإن محل الجدال الذى كان بين الإسكندرية و أنطاكية كان يرتكز على نقطة واحدة: هل كان ليسوع المسيح طبيعة واحدة أم إثنين؟ اللاهوتيين فى الإسكندرية قالوا بأن المسيح المتجسد كان له طبيعة واحدة تحمل الخصائص الإلهية و البشرية. و أحد الأطروحات الغير ذكية أبداً التى هرجت من هذه المدرسة هو ما قدمه الأسقف ابوليناريوس، الذى مات فى عام 390 م. طرح ابوليناريوس أن تجسد الله الإبن، الأقنوم الثانى فى الثالوث، أخذ جسد بشرى، حتى أن يسوع المسيح كان له جسد بشرى و لكن عقل إلهى أو نفس إلهية فقط. و هكذا فإن الله جاء ليختبر العالم من خلال جسد بشرى ليتألم بجسده بينما ظل بدون خطية و معصوم فى شخصه. و بهذا فإن المسيح كان له طبيعة بشرية إلهية و بالتالى كان الله و إنسان.

اللاهوتيين الأنطاكيين هاجموا رؤية ابوليناريوس فى ناحيتين. الأولى هى أنهم قالوا بأن رؤية ابوليناريوس للمسيح لا تحتوى على طبيعة بشرية كاملة. فقد كان له جسد بشرى فقط، إنما نفسه كانت إلهية. و حتى يكون المسيح إنساناً كاملاً، يجب أن يكون له جسد بشرى و نفس بشرية. فما يميز الإنسان عن الحيوان هو نفسه العاقلة و ليس جسمه الطبيعى. لذلك إتهم اللاهوتيين الأنطاكيين رؤية ابوليناريوس بأن بذلك يكون الله تجسد لحيوان و ليس لإنسان. الإعتراض الثانى مرتبط بالأول. فلأن هدف التجسد هو خلاص البشرية، فإن المسيح لو لم يكن إنساناً بالحقيقة، فإن الخلاص قد أُبطِل. فإن الأساس المنطقى الكامل وراء التجسد هو بصيرورة المسيح واحد مننا، يستطيع المسيح أن يقدم حياته التى بلا خطية لله كذبيحة لأجلنا. فوق الصليب، كان يسوع المسيح النائب عنا؛ فقد دفع ثمن الخطية الذى يجب أن ندفعه نحن. و هكذا فإن يسوع هو مخلص كل من يضع ثقته فيه. و لكن لو لم يكن المسيح إنساناً كاملاً، فإنه لا يستطيع أن يكون ممثلنا أمام الله، و سوف تكون آلامه باطلة و فارغة. برفض إنسانية المسيح الكاملة، رفض ابوليناريوس الخلاص الذى قدمه المسيح. لهذه الأسباب، فقد تمت إدانة ابوليناريوس كمهرطق فى عام 377 م. السؤال الذى أعتقد أنه مازال باقياً هو: هل رؤية ابوليناريوس مفلسة تماماً، أم أنها تحتوى على نواة الحقيقة التى كان يمكن إنقاذها؟

إذن، ما هو التفسير البديل الذى قدمه اللاهوتيين الأنطاكيين؟ على عكس الإسكندرية، فاللاهوتيين الأنطاكيين أصروا على أن تجسد المسيح هو طبيعتين كاملتين، واحدة بشرية و الأخرى إلهية. فقد إعتقدوا أن الله الإبن، الأقنوم الثانى فى الثالوث، قد إتحد بالإنسان يسوع بشكل ما منذ اللحظة التى تكون فيها الجنين فى رحم مريم. لكن أسقف بارز فى المدرسة الأنطاكية يُدعى نسطور رفض أن تُدعى مريم والدة الإله لأنها حملت فقط بالطبيعة البشرية للمسيح، و ليس بالله. فبحسب رؤيته، الطبيعة البشرية للمسيح إحتوت على الجسد البشرى و النفس البشرية اللذين كان بشكل ما ملكاً لله الإبن.

المشكلة مع الرؤية الأنطاكية فى نظر السكنديين المخالفين لهم كانت أنها ظهرت على أنها تتضمن وجود شخصين فى المسيح. أولاً، يوجد الشخص الإلهى و هو الأقنوم الثانى فى الثالوث الذى كان موجوداً قبل حمل مريم الإعجازى. ثانياً، يوجد الشخص البشرى الذى حملت به مريم و ولدته. لهذا فيبدو أنه هناك شخصين، واحد بشرى و واحد إلأهى! فكر فيها بهذه الطريقة: الشخص البشرى مُكون من جسد و نفس. فإذا كان ليسوع طبيعة بشرية تتضمن الجسد البشرى و النفس البشرية، فلماذا لا يكون هناك شخص بشرى جاء للوجود فى اللحظة التى تكون فيها الجنين و الذى أقام فيه الله الإبن؟ المشكلة هى أنك بهذا لن يكون لديك تجسد حقيقى و واقعى، كل ما لديك هو كيان بشرى أقام فيه الله. لذلك فإن نسطور قليل الحظ وسمه نقاده بأنه يدمر وحدانية شخص المسيح، فأُديِن كهرطوقى فى عام 431 م.

ما الذى يجب أن يحدث إذن؟ بهدف البت فى الجدال بين أنطاكية و الإسكندرية، عُقِد مجمعاً مسكونياً فى مدينة خلقيدونية فى عام 451 م. القانون الذى خرج عن المجمع هو تصور عميق و حريق للعلامات التى تميز العقيدة المستقيمة فى التجسد. يهدف هذا القانون لتأكيد ما هو صحيح آراء كلا المدرستين فى الوقت الذى يدين فيه ما اخطأوا فيه. و بشكل أساسى، فإن القانون يؤكد مع أنطاكية التمايز فى طبائع المسيح، و يؤكد مع الإسكندرية وحدانية شخصيته: اقنوم واحد له طبيعتين. دعونى اقرأ عليكم قانون المجمع:

“نحن…نعترف بنفس الإبن الواحد، ربنا يسوع المسيح، الكامل فى الإلوهية و الكامل فى الإنسانية، إله حقيقى و إنسان حقيقى، له نفس عاقلة و جسد، واحد فى الجوهر مع الآب بحسب اللاهوت، و واحد فى الجوهر معنا بحسب الناسوت، شبهنا كلنا فى كل الأشياء ماعدا الخطية، مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب اللاهوت، و فى هذه الأيام الأخيرة، لأجلنا و لأجل خلاصنا، وُلِد من العذراء مريم، والدة الإله، بحسب الناسون. امسيح الواحد، الإبن، الرب، المولود الوحيد، يُعترف أن به طبيعتين بدون خلط، بدون تغيير، بدون إنقسام، بدون إنفصال، و الإختلاف فى الطبيعتين لا يُستبعد بسبب الإتحاد، إنما خصائص كل طبيعة بقيت محفوظة و متزامنة فى شخص واحد و جوهر واحد، غير منقسمة ولا منفصلة إلى شخصين، إنما الإبن الواحد نفسه و الإله المولود الوحيد، الكلمة، الرب يسوع المسيح…”.

لذا فبحسب هذا القانون، المسيح هو اقنوم واحد فى طبيعتين، بشرية و إلهية. و الخطأين التوأم اللذين يجب أن يُجتنبا هما تقسيم الأقنوم و خلط الطبائع. فالطبائع متمايزة و كاملة و الأقنوم هو واحد.

الآن لاحظ أن قانون المجمع لا يفترض شرح كيف أن أقنوم واحد له طبيعتين واحدة بشرية و الأخرى إلهية، فهذا متروك لمناظرات لاهوتية أخرى. إنما ما أصر عليه المجمع هو إذا كان لدينا عقيدة كتابية فى التجسد، فلا يجب علينا أن نقسم شخص المسيح إلى اثنين ولا أن نخلط الطبيعتين ليصيروا طبيعة واحدة. السؤال الأن إذن هو: هل يمكن أن يحدث هذا؟ هل يمكن أن يكون هناك شرح متماسك و كتابى إيمانياً للتجسد؟ الكثيرين قد يعتبرون هذا مهمة مستحيلة. فالتجسد فى نظرهم إما أن ترفضه كتناقض أو تقبله كسر. و أنا لا أوافق على هذا. أعتقد أننا نستطيع تكوين شرح متماسك منطقياً و كتابياً للتجسد. و هذا ما أريد أن اشرح خطوطه العريضة لك الآن بإختصار، و سوف أطوره فى ثلاثة خطوات:

الخطوة الأولى: أن تؤكد مع مجمع خلقيدونية أن المسيح أقنوم واحد له طبيعتين. التجسد لا يجب أن يُفهم على أن الله قد حول نفسه إلى كائن بشرى. التجسد ليس مثل قصص الأساطير أبداً التى تجعل الآلهة تحول نفسها إلى بشر أو حيوانات لوقت معين ثم يرجعون إلى الإلوهية مرة أخرى. المسيح يكن إلهاً فى البداية ثم تحول لكائن بشرى ثم عاد لإله مرة أخرى. على العكس، لقد كان إلهاً و إنساناً فى وقت واحد. لذلك التجسد لم يكن موضوع تنازل الله عن حقه فى الإلهية، أو أن الله قد تخلص من بعض خصائصه حتى يصبح إنساناً. إنما التجسد كان موضوع إضافة، أى أن الله أخذ بالإضافة إلى طبيعته الإلهية طبيعة أخرى، طبيعة متميزة، طبيعة بشرية، حتى أنه فى التجسد أصبح الله الإبن له طبيعتين، واحدة إلهية التى كانت له دائماً منذ الأزل، و واحدة بشرية، و التى بدأت فى الوجود مع لحطة تكون الجنين فى رحم مريم. هكذا كان له كل خصائص الإلوهية و كل خصائص الإنسانية. السؤال الآن هو: كيف أن شخص واحد يمكن أن يكون له طبيعتين مثل هذا؟ هذا سوف يقودنى للخطوة الثانية.

الخطوة الثانية: أن تؤكد مع ابوليناريوس أن نفس يسوع المسيح هى الله الإبن. ما رآه ابوليناريوس – و هو مُحِقاً فيه – أفضل طريقة لتلاشى المغالطة النسطورية فى وجود شخصين فى المسيح هو أن يوظف عنصر مُشترك تتشارك فيه الطبيعة البشرية و الطبيعة الإنسانية، و بهذا تتوافق الطبيعتين. فطرح ابوليناريوس هو وجود عامل مشترك فى نفس المسيح. للأسف، لم يعتقد ابوليناريوس أن المسيح كان له طبيعة إنسانية كاملة، و هو ما رآه معارضيه – و كانوا محقين فيه – يلغى إنسانية المسيح و عمله الخلاصى. لكن هل كانت إخفاقات ابوليناريوس يتعذر علاجها؟ لا أعتقد هذا. تذكر ما هى الطبيعة البشرية: أن تكون إنساناً يعنى أن تكون حيواناً عقلانياً. و لأن الله ليس له جسم، فطبيعته ليست طبيعة حيوانية. لكن الله هو العقل المفكر الجوهرى. لذلك فإن الله الإبن كان له العقلانية و الشخصية قبل تجسده. لذلك فبأخذ الله الإبن الجسد، فقد أحضر إلى الجسد الطبيعى للمسيح بكل دقة تلك الخصائص التى سترفع الجسد من مجرد طبيعة حيوانية إلى طبيعة بشرية كاملة، مُكونة من جسد و نفس عاقلة. بل إن حتى الطبيعة البشرية للمسيح لا يمكن أن تُوجد فى إستقلال عن إتحادها بالله الإبن؛ فسوف يكون مجرد جثمان او جثة هامدة. فالإنسانية فى المسيح تأتى للوجود من خلال إتحاد الله الإبن بجسده. هكذا فإن المسيح له طبيعتين كاملتين فى النهاية: طبيعة إلهية موجود مُسبقاً من الأزل، و طبيعة بشرية جائت للوجود فى رحم مريم بسبب إتحاد الله الإبن بالجسد. إعادة الصياغة بهذا الشكل تبطل الإعتراضات التقليدية للأبولينارية. لأن، أولاً، المسيح له بهذه الرؤية طبيعتين كاملتين، إلهية و إنسانية، تتضمن نفس عاقلة و جسد. ثانياً، كنتيجة لكون المسيح إنساناً حقيقياً، فإن موته لأجلنا شرعياً. لاحظ أن المسيح ليس مجرد بشر، فقد كان إيضاً إلهياً، لكنه كان مع ذلك إنساناً حقيقياً و لذلك يستطيع الوقوف عنا أمام الله، متحملاً العقاب حتى نتحرر نحن.

جميل جداً حتى الآن! و لكن مازال الطرح غير كامل. لانه إذا كانت نفس يسوع المسيح هى نفس الله الإبن، فكيف نفهم الصورة الكتابية عن يسوع كشخص كان له وعى إنسانى متأصل، يتطور من الطفولة للنضوج؟ ألا يوحى طرحى بأن يسوع كان بشكل ما انسان خارق، ليس له الحدود البشرية؟ هذا يقودنى إلى خطوتى الثالثة.

الخطوة الثالثة: أن تؤكد على أن الأوجه الإلهية فى شخصية يسوع كانت لاشعورية فى حياته على الأرض. أعتقد أن العناصر الخارقة للإنسانية فى شخص يسوع كانت بشكل رئيسى كانت لا شعورية. هذا الإعتقاد يُبنى على النظرة الثاقبة لعلم النفس المتعمق بأنه يوجد أكثر فى وعى الإنسان بكثير عما يدركه هو. ففكرة التحليل النفسى تقف أساساً على حقيقة أن البعض من سلوكياتنا متأسسة فى منابع عميقة نحن ندركها بشكل مُعتم فقط، هذا إذا كنا نستطيع إدراكها. انظر لشخص يعانى من إضطراب شخصيات متعددة، و فيه مثال حاسم جداً لإنفجار اللاشعور لعقلية فرد إلى شخصيات واعية متمايزة. فى بعض الحالات، يكون هناك شخصية مهمينة تدرك بقية الشخصيات و تعرف كل واحدة فيهم و لكنهم لا يعرفونها. التنويم المغناطيسى أيضاً يزودنا ببيان حيوى لواقعية اللاشعور. كما يشرح تشارليز هاريس، فإن الشخص الذى يخضع للتنويم المغناطيسى قد يُطلب منه معرفة حقائق معينة ثم يُقال له بأن ينساهم فور أن “يصحو”، و لكن يكتب هاريس:”…المعرفة حقيقية فى عقله، و تظهر نفسها فى طرق لا يمكن الخطأ فيها، خاصةً حينما تجعله يقوم…بأفعال معينة قد لا يوم بها لولا إمتلاكه تلك المعلومات…”. الكثيرين منكم قد يكونوا رأوا حالات غريبة لهذه الظاهرة فى قناة المرشد التليفزيونية، مثل أن يتم تنويم شاب مغناطيسياً حتى يفكر بأن شجرة ما هى بنت جميلة يريد الزواج منها. هاريس يكمل كلامه قائلاً:

“ما هو فوق العادة فعلاً، أن هناك نوع من التنويم المغناطيسى الحساس يجعل الفرد يرى الشىء ولا يراه فى نفس اللحظة. كمثال، يُمكن أن يُطلب من الفرد ألا يرى مصباح النور فيصبح غير قادر على رؤيته بالمعنى العادى. و مع ذلك، فهو يراه، لأنه يتلاشاه لكنه لا يقدر أن يمنع نفسه من رؤيته”.

و بالمثل، فإن الله الإبن فى وقت تجسده على الأرض، سمح فقط لهذه المظاهر لشخصيته لتكون جزء من وعى يسوع الصاحى التى كانت متوافقة مع خبرة الإنسان النموذجية، بينما كل معرفته الأخرى بقيت فى وعيه الجزئى، مثل قطعة الثلج التى تطفو على سطح المياه. فى هذه النظرية التى أطرحها، فإن المسيح شخص واحد، و لكن فى هذا الشخص عناصر واعية كلياً و عناصر غير واعية كلياً يمكن التفريق بينهم بطريقة هامة لاهوتياً. و بخلاف النسطورية، فإن طرحى لا يتضمن وجود شخصين فى المسيح، تماماً مثلما أن الأوجه الواعية و الأوجه الغير واعية فى عقلك لا تمثل شخصين.

هذه النظرية تزود شرح مُرضِى ليسوع كما نراه فى الأناجيل. ففى خبرته الواعية، نما يسوع فى المعرفة و الحكمة، تماماً مثل أى طفل بشرى. لا يمكن أن نتخيل أن يسوع الطفل سيكون شاذاً لدرجة أنه سيكون جالساً فى المزود يقوم بحل حساب المثلثات. و بإمتلاكه وعى بشرى نموذجى، فإن يسوع كان عليه أن يناضل ضد الخوف، الضعف، و التجربة، بهدف توفيق إرادته مع إرادة الآب السماوى. ففى خبرته الواعية، أُغرِى يسوع، رغم أنه فى الحقيقة لا يخطأ. فإغراءات الخطية شعر بها حقاً و لم يكن لها أن تختفى كالدخان؛ لذلك فإن مقاومة الإغراء تتطلبت تلمذة روحية و عزم أخلاقى من جانب يسوع. فى وعيه الصاحى، كان يسوع يجهل فعلاً بعض الأشياء، رغم أنه لم يخطأ و كشف عن نفسه خارقاً للطبيعة عن طريق اللاشعور الإلهى. رغم أن الله الإبن يمتلك كل المعرفة حول العالم من الميكانيكا الكمية إلى الميكانيكا الإوتوماتيكية، فلا يوجد سبب لنعتقد أن يسوع الناصرى كان يستطيع أن يُجيب اسئلة حول هذه الموضوعات دون اللجوء إلى اللاشعور الإلهى، و بذلك خضع للإخلاء حتى ينزل إلى الظرف البشرى. أكثر من ذلك، فإن يسوع فى حياته الواعية إختبر كل أنواع القلق البشرى و شعر بالجرح الجسدى و الإجهاد. و طرحى أيضاً يتضمن إستقامة و إخلاص صلاة يسوع، و تشرح لماذا كان يسوع قادراً على البقاء كاملاً وسط الآلام. فهو مثلنا إحتاج أن يعتمد على أبيه لحظة بلحظة حتى يعيش بإنتصار فى عالم ساقط، و لكى يحمل مهمته التى اعطاها له الآب بنجاح. إن آلامه فى بستان جثيمانى لم تكن مجرد تمثيل مُصطنع، إنما بينت الصراع الحقيقى للإبن المتجسد فى وعيه المستيقظ. كل الإعتراضات التقليدية نحو الله الإبن بكونه عقل المسيح ذابت فى وجود هذا الفِهم للتجسد، لأننا هنا لدينا شكل ليسوع ليس فقط إلهياً إنما يشارك الظرف الإنسانى بالحقيقة أيضاً.

إذن، فهل نظريتى فى التجسد حقيقية؟ أعتقد أننا نستطيع أن نقول فقط: الله يعلم! سوف تكون وقاحة منى إذا زعمت خلاف ذلك. لكن ما أزعمه بالفعل هو أن هذه النظرية متماسكة منطقياً و كتابية إيمانياً و لهذا فهى من الممكن أن تكون حقيقية. و إذا كانت ممكنة حقيقياً، فإن هذا ينحى كل إعتراض على التجسد بناء على الزعم بأن القول بأن يسوع المسيح كان الله حقيقةً و إنسان حقيقةً هو مجرد تناقض.

لكن أعتقد أن النظرية تقول أكثر من ذلك. إنها تظهر المجد لله لأنه أخلى ذاته حتى يخضع للظرف البشرى بكل آلامه و صراعاته و محدودياته لأجلنا و لأجل خلاصنا. لقد كتب بولس الرسول:”مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ” (2 كو 8 : 9). و هذا هو ما نحتفل به فى الكريسماس. فى كلمات كاتب الترانيم العظيم تشارلز ويسلى:

“أنظر، اللاهوت المحجوب فى الجسد!

طوبى للإله المتجسد!

رضى كإنسان بين البشر ليعمل،

يسوع عمانوئيل الذى لنا!

إصغوا! الملائكة المبشرين يغنون،

المجد للملك المولود جديداً!”

وهم دوكينز! وليم لان كريج | ترجمة: لينا توفيق

وهم دوكينز! وليم لان كريج | ترجمة: لينا توفيق


ظهر ريشارد دوكينز كالولد  الشقي في الحركة المعروفة باسم الإلحاد جديد. كتابه الأكثر  مبيعاً (وهم الإله)  The God Delusion اصبح المحور الأدبي  لهذه الحركة. وفيه حاول دوكينز أن يُظهِرَ أنّ الايمان بالله هو “وهم”  ,أيّ أنهُ  “اعتقاد أو انطباع باطل”, أو ما هو أسوأ ” هو الاعتقاد الخاطئ المستمر في مواجهة الأدلة المناقضة لهُ”[1] .في صفحات 157-8 من كتابه , يلخص دوكينز ما يسميه ” الحجة الأساسية من كتابي”, لاحظ جيداً,أنهُ إذا فشلت  هذه الحجة  فسيكون كتاب دوكينز ” أجوف في صميمه “ , و  في الواقع، إنّ الحجة ضعيفة و محرجه .   تذهب على النحو التالي :1)واحدٌ من أعظم التحديات التي يواجه العقل البشري لتفسير كيف ينشأ الكون المعقد وذو الاحتمالية القليلة بهذا المظهر . 2)الاتجاه الطبيعي والمُغري أن نعزي مايبدو مُصمماً لأن يكون مُصمماً بالفعل . 3)الإغراء هو كذبة لأن فرضية المصمم على الفور تثير مشكلة أكبر التي هي “من الذي صمم المصمم”. 4)التفسير الأكثر براعة قوة هو التفسير الدّاروينيّ  للتطور عن طريق الانتقاء الطبيعي. 5)ليس لدينا تفسير  مُكافئ للفيزياء. 6)لا ينبغي لنا أن نتخلى عن الأمل في شرح النشوء في الفيزياء ،شيء قوي مثل الداروينية في علم الأحياء. لذلك، يكاد يكون من المؤكد أنّ الله غير موجود. هذه الحجة متنافرة لأن الاستنتاج الإلحاديّ” لذلك، يكاد يكون من المؤكد أنّ الله غير موجود” يبدو أنهُ يظهرُ فجأةً. أنت لست بحاجة إلى أن تكون فيلسوفا حتى تدرك أن هذا الاستنتاج لا يتبع من المقدمات الست السابقة . في الواقع ، إذا أخذنا هذه التصريحات الستة كمُقدمات لحجة تعتزم الاستنتاج منطقيا ” لذلك، يكاد يكون من المؤكد أنّ الله غير موجود” بالتالي فإنّ  الحجة باطلة. لا توجد قواعد منطقية للاستدلال لرسم الاستنتاج من التصريحات الستة. وثمة تفسير أكثر خيرية ان يكون اتخاذ هذه البيانات الستة ليس  كمقدمات منطقية, لكن كبيانات  موجزة من ست خطوات لحجة داوكينز التراكمية لاستنتاجه أن الله غير موجود. و لكن  حتى في هذا المحور الخيري , الاستنتاج ” لذلك، يكاد يكون من المؤكد أنّ الله غير موجود” ببساطة لا يتبع هذا  الخطوات السته, حتى لو كنا نسلم بأن كل منهم هو حقيقي ومبرر. الوهم الوحيد الذي يظهر هنا هو قناعة داوكينز ” أن هذه ” حجة خطيرة جدا ضد وجود الله”.[2] فماذا يتبع من الخطوات الست من حجة داوكينز ؟ على الأكثر، كل ما يلي هو أننا لا ينبغي أن نستنتج وجود الله على أساس مظهر تصميم في الكون. ولكن هذا الاستنتاج هو متوافق بشكل ما مع وجود الله وحتى اعتقادتنا بوجود الله المُبرر. ربما علينا أن نؤمن بالله على أساس الحجة الكونية أو حجة الوجودية أو  الحجة  الأخلاقية. ربما إيماننا بالله لا يقوم على الحجج على الإطلاق، بل ترتكز في التجربة الدينية أو في الوحي الإلهيDivine Revelation. ربما الله يريدنا أن نؤمن بـه ببساطة عن طريق الإيمان. وهذه النقطة هي أن رفض الحجج من التصميم لوجود الله لا يفعل شيئا لإثبات أن الله غير موجود أو حتى أن الإيمان بالله هو غير مبرر. في الواقع ، لقد رفض العديد من اللاهوتيين المسيحيين الحجج لوجود الله دون أن يكونوا ملتزمين بالإلحاد .  لذلك حجة داوكينز  للالحاد  فاشلة حتى لو  تنازلنا ، في سبيل الجدل, ووافقنا على جميع خطواتها, ولكن ، في الواقع، العديد من هذه الخطوات ليست صحيحة في أي حال. لنأخذ خطوة (3) فقط , على سبيل المثال, يدعي دوكينز أن الشّخص غير مُبرر في أن يستدل بالتصميم كأفضل تفسير للتنظيم المُعقد للكون,لأنّ هذا سينشأ مشكلة جديدة ألا وهي “من صمم المُصمم؟” 

ومن عيوب هذا الاعتراض على الأقل في تهمتين.

 

أولا ، من أجل الاعتراف بتفسيرا بانه الافضل , لا يحتاج المرء تفسيرا للتفسير. هذه هي النقطة الابتدائية المتعلقة بالاستدلال إلى أفضل تفسير كما يمارس في فلسفة العلوم. إذا كان علماء الآثار يحفروا في الأرض لاكتشاف الأشياء شبيهة للنصال و  رؤساء الأحقاد و  شظايا الفخار, انهم سوف يبرروا في الاستنتاج أن هذه الأعمال الفنية ليست هي نتيجة الترسيب و التحول, ولكن بعض المنتجات لجماعة غير معروفة من الناس, على الرغم من انهم ليس لديهم شرح لمن هم هؤلاء الناس أو من أين أتوا. وبالمثل ، إذا وجد رواد الفضاء  كومة من الأجهزة على الجانب الخلفي من القمر, سوف يكون لهم ما يبررها في الاستنتاج بـأنه نتاج ذكاء, وكلاء فضائيين  , حتى لو لم يكن لديهم أي فكرة على الإطلاق من هم هؤلاء الوكلاء الفضائيين أو كيف وصلوا إلى  هناك.  من أجل الاعتراف بتـفسيرا أفضل , لا يحتاج المرء أن يكون قادرا على شرح التفسير. في الواقع, هذا يتطلب الإرتداد إلى الخلف  عن تفسيرات لا حصر لها  , لذلك  لا يمكن  تفسير أي شيء  و  سوف  يتم تدمير العلوم . وذلك في القضية المطروحة, لكي ندرك أن التصميم الذكي هو أفضل تفسير لتصميم الكون, لا يحتاج المرء لان يكون قادرا على شرح المصمم.  الثانية ، دوكينز يعتقد أنه في حالة وجود مصمم الهي  للكون, المصمم هو معقد مثل الشيء المُراد تفسيره, وبالتالي لا يوجد أيّ تقدم تفسيريّ. هذا الاعتراض يثير كل أنواع الأسئلة حول الدور الذي لعبته البساطة في تقييم التفسيرات المتنافسة – على سبيل المثال ، كيف نوزن البساطة مقارنة مع المعايير الأخرى مثل قوة التفسير  , النطاق التوضيحي , المعقولية ,و  هكذا دواليك. إذا تجاوزت فرضية أقلُّ بساطة منافستها   في التفسير الأعم والأقوى, على سبيل المثال ، قد يكون هذا التفسير المفضل، على الرغم من التضحية  ب[معيار] البساطة.  ولكن إذا تركنا هذه الأسئلة جانبا, خطأ دوكينز  الأساسي  يمكن في الافتراض  بان المصمم الإلهي هو كيان مماثل في تعقيد الكون. كما بعقل بلا جسم , الله هو كيان بسيط بشكل ملحوظ. ككيان غير مادي, لا يتكون العقل من أجزاء, و خصائصه البارزة, مثل الوعي الذاتي, العقلانية, و الارادة, ضرورية لهُ. وعلى النقيض من وحدات و  تلون هذا مع كل الكميات والثوابت الفيزيائية التي لا يمكن تفسيرها (المذكورة في الخطوة الخامسة من حجة دوكينز)[3], العقل الإلهي هو بسيط بشكل مذهل. بالتأكيد مثل هذا العقل قد يحتوي على افكار معقدة (قد يكون التفكير ، على سبيل المثال ، لحساب التفاضل ) , ولكن العقل نفسه هو كيان بسيط بشكل ملحوظ. من الواضح ان دوكينز خلط أفكار العقل, الذي قد تكون,  في الواقع معقدة، مع العقل نفسه, والذي هو كيان بسيط بشكل لا يصدق.[4] لذا ، بافتراض عقل إلهي وراء الكون بكل تأكيد يمثل تقدما في البساطة, أيا كان ذلك.  خطوات أخرى في حجة دوكنز ” هي أيضا إشكالية; ولكن اعتقد بما فيه الكفاية قد قيلَ لإظهار أن حجته لا تفعل شيئا لتقويض الاستدلال بالتصميم على أساس الكون المعقد , بغض النّظر لاستعمالها لتبرير الالحاد. منذ بضعة سنين زميلي الملحد  كوينتين سميث توج بشكل غير رسمي حجة ستيفن هوكينغ ضد  الله في  ” A Brief History of Timeبأنها ” أسوأ حجة الحادية  في تاريخ الفكر الغربي”,[5] مع قدوم ” The God Delusionلقد حان الوقت, أعتقد ، لتخفيف حمل هوكينج من هذا التاج الثقيل والاعتراف بانضمام  ريتشارد دوكينز  إلى العرش.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Richard Dawkins, The God Delusion (Boston: Houghton Mifflin, 2006), 5.

[2]  Ibid., 157وفي الواقع يقومُ بإظهارِ نفسهِ على أنهُ قدّم انكاراً غير قابل للرفض ومدمر ضد وجود الله

[3] المعروفة بالضبط الدقيق للكون من أجل الحياة,والتفاؤل الموجود في الخطوة 6 من حجة داوكينز لا أساس له

ويمثل ايمانهُ بالمذهب الطّبيعيFor discussion of the design argument from the fine-tuning of nature’s constants and quantities, see William Lane Craig, Reasonable Faith, 3rd ed. (Wheaton, IL: Crossway, 2008), 157-79.

[4] His confusion is evident when he complains, “A God capable of continuously monitoring and controlling the individual status of every particle in the universe cannot be simple. . . . Worse (from the point of view of simplicity), other corners of God’s giant consciousness are simultaneously preoccupied with the doings and emotions and prayers of every single human being—and whatever intelligent aliens there might be on other planets in this and 100 billion other galaxies” (God Delusion, 149). This conflates God with what God is thinking about. To say that God, as an immaterial entity, is extraordinarily simple is not to endorse Aquinas’ doctrine that God is logically simple (rejected by Dawkins on 150). God may have diverse properties without having the sort of complexity Dawkins is talking about, namely “heterogeneity of parts” (ibid., 150).

[5] Quentin Smith, “The Wave Function of a Godless Universe,” in Theism, Atheism, and Big Bang Cosmology (Oxford: Clarendon Press, 1993), 322.

 

المقال مترجم عن: http://www.reasonablefaith.org/dawkins-delusion

الفيلسوف والدكتور كريغ يرد على مشكلة الشر التي يحتج بها بعض غير المؤمنين ضد حقيقة وجود الله

الفيلسوف كريغ يرد على مشكلة الشر التي يحتج بها بعض غير المؤمنين ضد حقيقة وجود الله

 

الترجمة للفيديو
سأل أحد الحاضرين : أود أن أشكر كلا الضيفين لوجودهما هنا ….. السؤال للدكتور كريغ : ماذا تعتقد في حجة ابيقورس(فيلسوف يوناني) , اذا كان الله كليّ الخير وكليّ المعرفة وكليّ القدرة ,وإذا كان يعرف عن الاطفال في افريقيا, كالذين يولدون ومعهم مرض الايدز, ماذا تعتقد في هذا الامر ,ماهو اقتراحك حول عدم تدخل الله و عدم تغيير ذلك ؟ ,لقد عانيت من هذا السؤال كثيراً في أحد أيام حياتي ,هل تستطيع توضيح وشرح هذا الامر ؟


يجيب الدكتور كريغ: اشكالية الشر والالم قد تم مناقشتها بشكل مستفيض من قبل الفلاسفة , وانا أعتقد أنّ هناك تقدم واقعي (في مناقشتها) خصوصا في هذا القرن
اعتقد أنه يجب علينا أن نميز بين المشكلة العقلية والمنطقية للألم والشر , والجانب الاخر للمشكلة على المستوى العاطفي , لأن هناك اختلاف كبير بينهما
بالنسبة للمشكلة العقلية والمنطقية لهذه الاشكالية, يجب علينا هنا أن تسأل نفسك ‘‘هل الملحد يدعي كما ادعي ابيقورس أن الوجود الالهي متعارض منطقياً مع وجود هذا الشر في العالم ‘‘
اذا كان هذا ما يدعيه الملحد (atheist) , فهذا كأنه يدعي وجود افتراض مخفيّ من خلاله يتم اظهار هذا التعارض والتناقض بشكل صريح, وذلك لأن الافتراضات ليست متناقضات صريحة
ولكن المشكلة هنا , أنّه لايوجد فيلسوف في تاريخ العالم -الى الان- قام بتوضيح واظهار هذه الفرضيات الخفيّة والتي ستوضح لنا ماهو وجه التناقض [بين الله والشر]
ولكن على النقيض من ذلك , يمكنك أن تثبت أنّ هذه الافتراضات (الله كلي الخير والعلم والقدرة , ووجود الشر) هي فعلاً متوافقة مع بعضها من خلال اضافة فرض ثالث وهو أن الله يمتلك سبباً أخلاقياً كافياً للسماح بهذا الشر في العالم , وطالما أن هذا الافتراض على الاقل هو ~ممكن~ فإنه يثبت أنه لا يوجد اي تناقض بين الله والشر
فإذن على الملحد أن يبين لنا أنه من ~المستحيل ~ أن يمتلك الله هذ السبب الاخلاقي , ولم يوجد الى الان اي ملحد قام بذلك ..
فإذن النسخة المنطقية لهذه الاشكالية يدرك الفلاسفة أنها لم تعد صالحة , ولكن هؤلاء الملحدين الذين ما زالوا مصممين على هذه المشكلة يقدمون حجة (بنسخة جديدة) والتي تسمى الحجة الاحتمالية , والتي يحاولون فيها الاحتجاج بأن كمية الشر في العالم كبيرة ,لذا فإنه من غير المحتمل وجود الله ,ليس مستحيلا بل غير محتمل , ولكن أيضا المشكلة هنا ايضا أن على الملحد أن يدعي أنه إذا كان الله موجودا فإنه من غير المحتمل انه يسمح بذلك الشر والالم , ولكن كيف بإمكان الملحد معرفة ذلك؟, كيف له ان يعرف ان الله لن يسمح بهذا الشر في العالم , من الممكن انه لديه سبب جيد لذلك !
فعلى سبيل المثال في المسيحية, هدف الله للبشرية هو جلب اكبر عدد من الناس بكامل حريتهم الى ملكوته ويمتعهم بالخلاص والحياة الابدية , فكيف لنا ان نعرف اننا لا نحتاج الى عالم بكل بساطة مليء بالشر الاخلاقي والطبيعي , فانه من الممكن جدا في مثل هذا العالم , ان يجد اكبر عدد من الناس خلاص الرب
لذا فإن على الملحد أن يبين أن هناك عالما ممكنا فيه يمكن معرفة الرب وخلاصة والحياة الابدية ولكن بمعاناة اقل !
ولكن كيف له ان يثبت ذلك ,انه مجرد تخمين!
فالمشكلة بالنسبة لهذه الجدلية تكمن في انها مجرد احتماليات طموحة جدا , لا نستطيع في حالتنا ان نكون واثقين تماما
واني ادرك تماما ان الرد الفلسفي لذلك السؤال , لا يتعامل مع الجانب العاطفي لهذه المشكلة , و اعتقد ايضا ان هذه المشكلة لغالبيةالناس ليست مشكلة فلسفية ولكنها عاطفية , فهم لا يريدون هذا الاله الذي يسمح بالشر
ولكن مالذي تقوله المسيحية هنا ؟ , أنها تملك الكثير لتقوله , فهي تخبرنا أن الله ليس صنماً ,أو كائناً يقف مكتوف الايدي ويشاهد فقط, ولكنه ذلك الاله الذي دخل العالم والتاريخ من خلال شخص المسيح, وذاق المعاناة على الصليب , فهو قد حمل نتيجة وعقوبة الخطيئة
واعتقد انه لو تأملنا في صليب المسيح وحبه العظيم لنا , فانه تضع مشكلة الالم والمعاناة في منظور اخر , بأننا نستطيع حمل هذه المعاناة والالم الذي طلبه الله منا في هذه الحياة بكل شجاعة وتفاؤل لحياة ابدية مليئة بالسعادة بسبب ما فعله المسيح من أجلنا , وهو ايضا سيعطينا هذه الشجاعة لنمر بالالم , فاذن سواء كانت مشكلة عاطفية أو منطقية فإن المسيحية تقدم حلاً منطقياً جيدا ومقبولاً .
Exit mobile version