وجود مشكلة الشر والألم والمعاناة هو أكبر مشكلة عويصة في عالمنا بخصوص الاعتقاد بوجود إله..وهي في الغالب تظهر كالاّتي :
الله كليّ المعرفة يعرف ان الشر موجود
والله كليّ المحبة يجب ان يمنع وجود الشر
والله كليّ القدرة يقدر ان يمنع الشر
ورغم هذا فالشر موجود!!
وحيث ان الاحتمال الرابع (أي ان الشر موجود) يبدو أنه لا يمكن أنكاره، إذا نستنتج أن واحداً من الثلاثة احتمالات الأخري خاطئة، وبذلك لا يمكن أن يكون الله كلي المعرفة أو كلي المحبة أو كلي القدرة. أو بتعبير اّخر يمكن القول بأنه إن كان الله موجوداً فإنه يجب أن يكون ” عاجز أو جاهل أو شرير “، وهناك أناس يفكرون هكذا !!!
ورغم ذلك فقريباً وضع فيلسوف امريكي اسمه ألفين كارل بلاتينجا افتراضية جديدة وهي تهدف لإثبات أنه يمكن منطقياً أن يخلق الله عالماً يوجد به الشر. ولخص دفاعه كالاّتي:
اذا كان هناك عالم به مخلوقات حرة بشكل ملحوظ وهي تفعل بحريتها أعمال الخير أكثر من أفعال الشر، فهذا أفضل ولا يُقارَن بعالم اّخر ليس به مخلوقات حرة على الإطلاق. فالله الاّن يقدر ان يخلق مخلوقات حرة، لكنه لا يقدر في ذات الوقت أن يجعلهم او يجبرهم على فعل أفعال صحيحة فقط. لأنه لو فعل هذا فأنهم لن يصبحوا أحراراً إطلاقاً. فبهذا لن يصنعوا ما هو صحيح بحرية. فلكي يخلق كائنات تفعل الخير الاخلاقي، يجب ايضا ان يخلق كائنات تصنع الشر الاخلاقي، ولا يمكن له ان يعطي الحرية لكائنات ان تصنع الشر بينما في نفس الوقت يمنعهم من صنعه.
الكاتب سي إس لويس أقر بهذه النظرية قائلاً:
تخيل مثلاً أن عصا خشبية تحولت الي عشب اخضر (اي تفقد قوتها) عندما تحاول ان تستخدمها كسلاح للضرب، أو ان الهواء كان لا يطيعني في نقل موجات الصوت عندما أشتم او اكذب. في عالم كهذا سيصبح ان تفعل افعال خاطئة مستحيلاً. وبالتالي فإن الحرية والإرادة ستكون منعدمة. وإذا طبقنا هذا المبدأ فنصل للخلاصة المنطقية بأن الشر سيكون غير ممكن. لأن المخ الذي نستخدمه في التفكير سيرفض ان يقوم بمهمته عندما نحاول ان نجسد هذه الافكار في صورة افعال.
أكمل بلاتينجا دفاعه قائلاً:
كما اتضح، وللأسف، أساءت بعض الكائنات الحرة التي خلقها الله استخدام حريتها، وهذا هو مصدر الشر الأخلاقي. فالحقيقة أن بعض الكائنات الحرة تخطئ، وبالرغم من ذلك، لا يمكن أن يُنسَب هذا ضد قدرة الله او ضد صلاح الله. لأنه كان يمكنه ان يمنع حدوث الشر الاخلاقي فقط في حالة ان يلغي امكانية حدوث الخير الاخلاقي ايضاً.
إذن فالله كلي ّ القدرة كان لا يمكنه ان يخلق عالماً به خير اخلاقي بدون الشر الأخلاقي، وبالتالي لا يوجد تناقض منطقي في أن الله كلي ّ الصلاح يخلق كائنات تختار ان تصنع الشر.
مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟
مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟
مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟
قالت هيلاري (Hillary)، وهى طالبة جامعية تدرس الأدب: “إني حقا لا أومن بأن إله المسيحية موجود. إن الله يسمح بمعاناة رهيبة في العالم. وهكذا فإنه قد يكون إما كلي القدرة لكن غير صالح بما يكفي لملاشاة الشر والألم، وإما كلي الصلاح لكن غير قادر بما يكفي ليلاشي الشر والألم. وفي كلتا الحالين، لا يعقل أن يكون إله الكتاب المقدس الكلي الصلاح والقدرة موجودا”.[1]
وأضاف رب (Rob)، صديق هيلاري: “ليست هذه مسألة فلسفية بالنسبة إلي، فهي شخصية. فما كنت الأومن بإله يسمح بالألم، حتى لو كان هو- أو هي أو ذلك- موجودا. ربما كان الله موجودا، وربما كان غير موجود. ولكن إذا كان موجودا، فلا يمكن الوثوق به”.
إن المشكلة الكبرى، في نظر كثيرين، لاتكمن في حصرية المسيحية، بل في وجود الشر والألم في العالم. فمنهم من يرون أن التألم ظلما هو معضلة فلسفية، ويلقون الشكوك حول وجود الله بحد ذاته. ومنهم من يعد المسألة مسألة شخصية صرفا. فلا يعنيهم السؤال المجرد: أموجود الله أم غير موجود؟ إذ يرفضون أن يثقوا أو يؤمنوا بأي إله يسمح للتاريخ والحياة أن يستمرا على ما هما عليه.
في كانون الأول (ديسمبر) 2004، قتل أكثر من 250,000 شخص من جراء أمواج تسونامي هائلة ضربت ساحل المحيط الهندي. وعلى مدى الأسابيع التالية غصت الصحف والمجلات برسائل ومقالات تطرح السؤال: “أين كان الله؟” وقد كتب أحد المراسلين: “إذا كان الله هو الإله، فهو غير صالح. وإذا كان الله صالحا، فهو ليس إلها. ولا يعقل تقبل الأمر في كلتا الحالين، خصوصا بعد كارثة المحيط الهندي المفجعة”[2].
إنما على الرغم من التأكيد الواثق من قبل كاتب المقال، فإن الجهد المبذول للبرهنة بأن الشر يدحض وجود الله “بات الآن معترفا به لدى جميع الفرقاء تقريبا بأن هذا الجهد قد أفلس كليا”.[3] لماذا؟
الشر والألم ليسا دليلا ضد الله
يقيم الفيلسوف جاي. أل. ماكي (J. L. Mackie) هذه القضية ضد الله، في كتاب له بعنوان “معجزة توحيد الله” (The Miracle of Theism, Oxford, 1982). وهو يبسطها على هذا النحو: إذا كان إله صالح وقدير موجودا، فما كان يسمح بالشر العديم الجدوى؛ ولكن لأن في العالم بالفعل كثيرا من الشر العديم الجدوى والذي لايبرر، لايعقل أن يكون الإله التقليدي الصالح والقدير موجودا. قد يكون موجودا إله آخر، أو لا إله، ولكن ليس الله التقليدي[4].
غير أن فلاسفة آخرين كثيرين تبينوا في هذا التعليل عيبا رئيسيا. ففي صلب التوكيد بأن العالم ملان بالشر العديم الجدوى تمكن مقدمة مفترضة، ألا وهي أنه بدا الشر عديم الجدوى بالنسبة إلي فلا بد عندئذ أن يكون هو عديم الجدوى.
وهذا التعليل ينطوي طبعا على مغالطة. فإن مجرد عدم قدرتك على أن ترى أو تتصور سببا وجيها لسماح الله بحصول شيء ما، لا يعني أنه لا يمكن أن يوجد سبب فعلا. وهنا أيضا يلوح لنا في صلب الشكوكية، التي يفترض أنها متمسكة بالمنطق، إيمان هائل لدى المرء بقدراته الإدراكية. فإن كانت عقولنا عاجزة عن سبر أغوار الكون للاهتداء إلى أجوبة جيدة عن الألم، فلا يعقل إذا أن يوجد أي جواب! إن هذا إيمان أعمى من الصنف الأعلى.
وقد أوضح المغالطة الكامنة في لب هذه الحجة الفيلسوف آلفن بلانتنغا بمثل البعوض غير المرئي. فإن فتشت داخل خيمتك عن سان برنار (St. Bernard)، وهو صنف من الكلاب ضخم وذكي، ولم تر واحدا، يكون منطقيا أن تفترض عدم وجود واحد منها في الخيمة. أما إذا فتشت داخل خيمتك عن نوسيومة (no-see-um)، وهي حشرة بالغة الصغر تأثير لسعتها أكبر من حجمها بكثير، ولم تجد واحدة، فليس من المنطق أن تفترض عدم وجود واحدة هناك.
وسبب ذلك، رغم كل شيء، أن أحدا لا يستطيع رؤيتها. فإن كثيرين يفترضون أنه لو وجدت أسباب وجيهة لوجود الشر لكانت في متناول عقولنا، أشبه بالكلب منها بالحشرة. ولكن لماذا ينبغي أن تكون الحال على هذا المنوال[5]؟
إن هذه الحجة ضد الله لا تقوم، ليس فقط بالنسبة إلى المنطق، بل أيضا بالنسبة إلى الاختبار. فبصفتي راعيا، وعظت كثيرا عن قصة يوسف في سفر التكوين. وقد كان يوسف شابا شامخا أبغضه إخوته. وفي غضبهم عليه، حبسوه في بئر، ثم باعوه إلى حياة عبودية وبؤس في مصر. لا شك أن يوسف صلى مستغيثا طالبا الإنقاذ، ولكن لم تأته أية معونة في الحال، ومضى بذلك إلى العبودية.
ومع أن يوسف عانى سنى عبودية وبؤس، فإن تجاربه صقلت خلقه وشددته. وفي آخر المطاف ارتقى ليصير الوزير الأكبر في مصر، منقذا آلاف النفوس من المجاعة، ومنهم أيضا إخوته. فلولا سماح الله بسني معاناه يوسف، لما كان على الإطلاق عاملا فعالا جدا في سبيل العدالة الإجتماعية والشفاء الروحي. وكلما وعظت على أساس ذلك النص، أسمع تعليقات من أشخاص يتوحدون مع القصة. إذ لا يرى كثيرون بدا من الاعتراف بأن معطم ما كانوا يحتاجون إليه حقا للنجاح في الحياة جاءهم من خلال اختباراتهم الأكثر صعوبة وإيلاما.
ومنهم من يلتفتون إلى مرض سبق أن ابتلوا به، ويدركون أنه كان فصلا لا يستبدل في الحياة أدى بهم إلى نموهم الشخصي والروحي. وأنا خرجت سالما من منازلة مع السرطان، في حين ما تزال زوجتي تعاني مرض كرونز (Crohn’s)[i] (داء كرونز هو إلتهاب يصيب الأمعاء وقد يؤثر في أي من أجزاء القناة الهضمية من الفم إلى الشرج) طيلة سنين، ومن شأننا كلينا أن نشهد لصحة هذا الأمر. وقد تعرفت في رعيتي الأولى برجل فقد معظم بصره بعد إطلاق النار على وجهه في أثناء قيامه بصفقة مخدرات كشف أمرها.
وقال لي إنه كان شخصا أنانيا وفظا جدا، أنه ألقى باللوم على الآخرين بشأن مشاكله القانونية والعلائقية الدائمة. ثم إن فقدان بصره دمره، إلا أنه جعله أيضا يتضع اتضاعا شديدا. ومما قاله: “إذا أغمضت عيناى الطبيعيتان، فتحت عيناى الروحيتان، إذا جاز التعبير. فقد رأيت أخيرا كيف كنت أعامل الناس، وقد تغيرت. ولي الآن، للمرة الأولى في حياتي، أصدقاء- أصدقاء حقيقيون. كان الثمن الذي دفعته رهيبا، ومع ذلك يجب أن أقول إن الأمر كان يستحق عناءه. فأنا الآن أملك ما يجعل الحياة ذات شان وجدوى”.
ومع أن أحدا من هؤلاء لا يحبذ المآسي يحد ذاتها، فإنهم جميعا ما كانوا ليستبدلو أي شيء بما آتتهم من بصيرة وخلق وقوة. ومع مرور الوقت والمنظور الصحيح، نستطيع بمعظمنا أن نرى أسبابا خيرة، على الأقل لبعض من الآلام والمآسي التي تحدث في الحياة. فلماذا لا يحتمل أن تكون لها جميعا أسباب خيرة، من موقع الله المشرق؟
فإذا كان لديك إله عظيم ومتعال بما يكفي لأن تثور عليه لأنه لم يوقف الشر والألم في العالم، فإن لديك عندئذ (في الوقت نفسه) إلهأ عظيما ومتعاليا بحيث تكون لديه أسباب خيرة لسماحه باستمرارهما وأنت لا تعرف تلك الأسباب. حقا إنك لا تستطيع أن تصل إلى النتيجة عينها في كلتا الحالين!
مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟
الشر والألم قد يكونان (في حقيقة الأمر) دليلا لمصلحة الله
رغم أن الألم المروع الذي يتعذر تعليله لا يمكن أن يدحض الله، فهو مع ذلك مشكلة بالنسبة إلى المؤمن في الكتاب المقدس. غير أنه ربما كان مشكلة أكبر بعد بالنسبة إلى غير المؤمنين. وقد وصف سي. أس. لويس كيف رفض في الأصل فكرة وجود الله بسبب قسوة الحياة. ثم بات يدرك أن الشر أكثر إشكالا بالنسبة إلى إلحاده الجديد. وفي الأخير أدرك أن الألم يشكل حجة لمصلحة وجود الله أفضل من تشكيله حجة ضده.
كانت حجتي ضد الله أن العالم بدا غاية في القساوة والظلم. ولكن كيف حصلت على مفهوم الظلم والعدل هذا؟ … بماذا كنت أقارن هذا العالم لما دعوته غير عادل؟ … كان من شأني طبعأ أن أتخلى عن مفهومي للعدل بقولي إنه ليس شيئا سوى فكرة خاصة من بنات أفكاري. ولكن لو فعلت ذلك، لانهارت أيضا حجتي ضد الله؛ لأن ركن تلك الحجة كان القول إن العالم غير عادل فعلا، وليس فقط أنه لم يرض ميولي قبل الآن… وبناء على ذلك يتبين أن الإلحاد ساذج جدا[6].
لقد أدرك لويس أن الاعتراضات الحديثة على الله مؤسسة على مفهوم للعدل والإنصاف. فنحن نعتقد أن الناس لا ينبغي أن يتألموا وينبذوا ويموتوا جوعا أو ظلما. غير أن آلية الانتخاب الطبيعي التطورية (The Evolutionary Mechanism of Natural Selection) تعتمد على القتل والإفناء والعنف من جانب القوي تجاه الضعيف- وهذه كلها طبيعية تماما. فعلى أي أساس إذا يحكم الملحد على العالم الطبيعي بأنه ظالم ومجحف وغير عادل على نحو رهيب؟ ليس لدى غير المؤمن بالله أساس جيد لكونه ساخطا على اللاعدل الذي كان- كما يبين لويس- سبب الاعتراض على الله في المقام الأول.
فإن كنت متيقنا بأن هذا العالم الطبيعي ظالم وملآن بالشر، فأنت تفترض حقيقة معيار ما خارج الطبيعة (أو فوق طبيعي) بموجبه تصدر حكمك. وقد عبر الفيلسوف آلفن بلانتنغا عن ذلك على النحو التالي: هل يعقل أن يوجد حقا أي شيء مثل الشر المروع ]لو كان الله غير موجود ومحن نشأنا من طريق التطور (النشوء والارتقاء) (يستخدم البعض مصطلح “التطور” والبعض الآخر “النشوء والارتقاء” في ترجمة الكلمة الإنكليزية (Evolution)، وكلاهما صحيحان.
وقد ارتأينا استخدام المصطلح الأول في ما تبقى من الكتاب. ويكون بذلك عالم الأحياء الذي يدرس التطور (Evolutionist) عالما تطوريا) فحسب [؟ لست أرى كيف يكون ذلك. لا يمكن أن يوجد شيء كهذا إلا إذا كانت ثمة طريقة بها يفترض أن تعيش الخلائق العاقلة، بل تلزم أن تعيش… إن أية طريقة لادينية في النظر إلى العالم تخلو من أي مجال للالتزام الخلقي مهما كان نوعه.
ومن ثم فلا سبيل إلى القول بوجود شيء من قبيل الشر الفعلي والبغيض. وعلى ذلك، فإن اعتقدت أن هنالك حقا شيئا مثل الشر المروع (لا مجرد وهم من نوع ما). تكون لديك إذا حجة قوية ]لحقيقة وجود الله[7][.
وبالاختصار، فإن مشكلة المأساة والمعاناة والإجحاف هي مشكلة عامة تواجه الجميع. إنها على الأقل مشكلة كبيرة أمام عدم الإيمان كما هي أمام الإيمان. ولذلك كان من الغلط والشطط، رغم تفهم الأمر، أن تحسب أن نبذك للإيمان بالله سيجعل مشكلة الشر أسهل تقبلا وعلاجا بطريقة أو بأخرى.
وقد واجهتني مرة امرأة في كنيستي بان الأمثلة الإيضاحية المستعملة في العظات وفيها حوادث شر آلت إلى الخير. كانت تلك المرأة قد فقدت زوجها بفعل عنف جرى في أثناء سرقة. وكان لها أيضا بضعة أولاد يعانون مشاكل عقلية وعاطفية حادة. وقد أصرت على أنه مقابل كل قصة واحدة فيها يؤول الشر غلى الخير هنالك مئة ليس فيها جانب مشرق يمكن تصوره.
على هذا المنوال قد يبدو كثير من النقاش في هذا الفصل حتى الآن باردا وغير ذي موضوع بالنسبة إلى شخص يعاني في الحياة الفعلية. فإن شخصا كهذا قد يقول: “وماذا يعنيني إن كان الألم والشر لا يدحضان الله منطقيا؟ إني ما أزال غاضبا. فهذا التعليل الفلسفي كله لا يعفي إله المسيحية من شرك المسؤولية عن شر العالم ومعاناته!” ردا على احتجاج كهذا، يشير الفيلسوف بيتر كريفت (Peter Kreeft) إلى أن إله المسيحية جاء إلى الأرض لكي يضع نفسه عمدا في شرك المعاناة البشرية.
ففي يسوع المسيح، عانى الله أعمق أعماق الألم. ولذلك، فمع أن المسيحية لا تمدنا بالسبب الكامن وراء كل معاناة للألم، فهي تزودنا بموارد غنية كي نواجه فعليا الألم برجاء وشجاعة بدلا من المرارة واليأس.
مقارنة السيد المسيح بالشهداء
يبين سرد الأناجيل أن السيد المسيح لم يواجه موته المقترب بأي شيء شبيه برباطة الجأش وعدم التهيب اللذين كانا يتوقعان عموما من قبل بطل روحي. أما الشهداء المكابيون المشهورون الذين قاسوا الويلات تحت حكم أنطيوخس إبيفانيس (Antiochus Epiphanes) لسوريا قديما، فكانوا نماذج للشجاعة الروحية في مواجهة الاضطهاد. وقد اشتهروا بتحدثهم بشأن الله على نحو يتسم بالتحدي والثقة حتى حين كانت أطرافهم تقطع.
فقارن هذا بسلوك السيد المسيح، إذ يصور غاية في الانزعاج حيال موته الوشيك، حيث “… ابتدأ يدهش ويكتئب” وقال: “نفسي حزينة جدا حتى الموت” (مرقس 14: 33و 34). ويصف لوقا السيد المسيح قبل موته بأنه “كان في جهاد” ويصور إنسانا تظهر عليه جميع أمارت من يعاني صدمة بدنية (لوقا 22: 44). ويظهر متى ومرقس ولوقا كلهم الرب يسوع كمن يحاول أن يتجنب الموت، سائلأ الآب عن سبيل للتفادي منه (“إن شئت أن تجيز هذه الكأس” مرقس 14: 36؛ لوقا 22: 42).
أخيرا، على الصليب نفسه، لم يدع المسيح الناظرين بثقة لأن يكونوا أمناء تجاه الله، على غرار الشهداء المكابيين، بل بالأحرى صرخ بصوت عظيم معبرا عن ترك الله له (متى 27: 46).
فعلى الصليب قاسى يسوع موتأ على مدى ثلاث ساعات بالاختناق البطيء وفقدان الدم شيئا فشيئا. ولأن كان ذلك مؤلما على نحو رهيب، فقد حصلت ميتات أشد عذابا وهولا واجهها الشهداء بقدر من الثقة والهدوء أكبر بكثير. ولنا على ذلك مثلان شهيران في هيو لاتيمر (Hugh Latimer) ونيكولاس ردلي (Nicholas Ridley) اللذين أحرقا مشدودين إلى سارية في أكسفورد عام 1555 من أجل قناعاتهما الإنجيلية.
وبينما تصاعدت ألسنة اللهيب، سمع لاتيمر يقول بهدوء: “استرح وتعز، يا سيد ردلي، وكن رجلا بكل ما تحمل الكلمة من معنى! إننا اليوم سنضيء في إنكلترا، بنعمة الله، شمعة أثق بأنها لن تطفأ أبدا”. ترى، لماذا اضطرب السيد المسيح إزاء موته على نحو فاق فيه الآخرين، حتى أتباعه أيضا؟
معاناه الله
حتى نفهم تألم الرب يسوع كما يوصف في آخر كل إنجيل، علينا أن نتذكر كيف يقدم في البداية. فيوحنا كاتب الإنجيل في فصله الأول، يعرفنا بالمفهوم العجيب، لكن المهم، بشان الله من حيث كونه ثلاثي الأقانيم. فإن ابن الله لم يخلق، بل شارك في الخلق، وهو مقيم منذ الأول “في حضن الآب” (يوحنا1: 18) – أي في علاقة مودة ومحبة مطلقتين. غير أنه عند نهاية حياته على الأرض فصل عن الله أبيه.
ربما لا يوجد كرب داخلي أقسى من فقدان علاقة نحتاج إيها أمس الاحتياج. فإذا انقلبت عليك فتاة تعرفها معرفة سطحية، ونددت بك وانتقدتك، وقالت إنها لا تريد البتة أن تراك مرة أخرى، يكون ذلك مؤلما. وإذا فعلت مثل ذلك شابة تواعدها، كان الأمر أشد إيلاما على المستوى النوعي. ولكن إذا فعلت بك ذلك زوجتك، أو إذا فعله بك أحد أبويك وأنت صغير السن بعد، فإن الضرر النفسي يكون أسوأ بصورة غير محدودة.
غير أننا لا نستطيع أن نسبر أغوار ما يعنيه ليس فقدان الحب الزوجي فحسب، أو محبة الأب أو الأم بعد دوام سنين معدودة، بل محبة الآب غير المحدودة التي تمتع بها السيد المسيح منذ الأزل. فإن آلام السيد المسيح كانت لا تطاق حتما على نحو أزلي أبدي. وما تزال اللاهوتيات المسيحية تقر دائما بأن السيد المسيح، بصفته البديل الذي أخذ مكاننا، قد عانى الإقصاء اللانهائي عن الله ذاك الذي استحقه الجنس البشري.
ففي بستان جثسيماني، بدأت حتى بوادر هذا الاختبار تضع يسوع في حالة صدمة. وقد كتب العالم بالعهد الجديد بل لاين (Bill Lane): “أقبل يسوع ليختلي مع الآب في لقاء يسبق تسليمه، ولكنه وجد جنهم، لا السماء، منفتحة أمامه، فصعق[8]”. وعلى الصليب، كانت صرخة يسوع من جراء الهجران- “إلهي، إلهي، لماذا تركتتي؟”- عبارة علائقية في العمق. وقد كتب لاين أيضا: “تشتمل هذه الصرخة على أصالة لا هوادة فيها… فالسيد المسيح لم يمت منكرا الله.
فحتى في جحيم التبذ لم يتخل عن إيمانه بالله، بل عبر عن صلاة ضيقه بصرخة توكيدية “إلهي، إلهي”[9]. إنه استخدم لغة المودة بعد- “إلهي”- حتى عندما عانى الانفصال اللانهائي عن الله أبيه.
الفداء والآلام
كان موت السيد المسيح مختلفا على المستوى النوعي عن أي موت آخر. ولم يكن الألم البدني شيئا مقارنة بالاختبار الروحي للنبذ الكوني[10]. فالمسيحية وحدها بين أديان العالم تقول إن الله صار إنسانا في يسوع المسيح، على نحو فريد وكامل، ومن ثم اختبر مباشرة اليأس والرفض والوحدة والفقر والحرمان والعذاب والسجن. وعلى الصليب جاوز حتى أسوأ المعانيات البشرية وقاسى رفضا كونيا وألما يفوق ألمنا كما تفوق معرفته وقدرته معرفتنا وقدرتنا على نحو غير محدود.
ففي موته، تألم الله في محبة عجيبة، متوحدا مع حال المنبوذين و”الذين تخلى الله عنهم[11]”. ولماذا فعل ذلك؟ يقول الكتاب المقدس إن السيد المسيح جاء في مهمة إنقاذ للخليقة. وكان عليه أن يدفع ثمن خطايانا حتى يتسنى له ذات يوم أن يلاشي الشر والألم بغير أن يهلكنا.
فلنر على أين أتى بنا هذا. إن سألنا ثانية: “لماذا يسمح الله بأن يستمر الشر والألم؟” ونظرنا إلى صليب السيد المسيح، فلسنا نعرف ما هو الجواب بعد. غير أننا نعرف الآن ما ليس الجواب. فلا يمكن أن يكون أنه لا يحبنا. ولا يمكن أن يكون إنه لا مبال أو غير معني بحالنا. فالله يأخذ بؤسنا ومعاناتنا على محمل الجد فعلا، حتى إنه كان على استعداد لأن يأخذهما على عاتقه.
وقد فهم ألبر كامو (Albert Camus) هذا لما كتب: إن السيد المسيح، الإله- الإنسان، يتألم أيضا بصبر. فالشر والموت ما عاد ممكنا بعد أن ينسبا إليه كليا، إذ تألم ومات. والليل الذي اكتنف الجلجثة مهم جدا في تاريخ الإنسان، فقط لأن الألوهية، في ظلال ذلك الليل، تخلت ظاهريا عن امتيازها التقليدي، وعاشت أوجاع الموت، بما فيها اليأس، حتى النهاية. هكذا تفسر صرخة السيد المسيح “لما شبقتني؟” وارتيابه المروع في كربه[12].
وهكذا، فإذا اعتنقنا التعليم المسيحي بأن الرب يسوع هو الله، وأنه مضى إلى الصليب، تكون لنا عندئذ تعزية وقوة عظيمتان في مواجهة الحقائق القاسية المنوطة بالحياة على الأرض. إن في وسعنا أن نعلم أن الله هو حقا عمانوئيل- الله معنا- حتى في أشد آلامنا هولا.
مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟
القيامة والآلام
أعتقد أننا نحتاج إلى ما هو أكثر من المعرفة بوجود الله معنا في بلايانا. إذ نحتاج أيضا إلى رجاء بأن معاناتنا “ليست عبثا”. ألاحظت يومأ كيف تستميت أسر الأحباء المفقودين للإفصاح عن ذلك؟ فهي تجتهد لإصلاح القوانين أو تغيير الأحوال التي أدت إلى الوفاة. إنهم يحتاجون إلى التيقن بأن مصرع أحبائهم قد أدى إلى حياة جديدة، بأن الظلم أدى إلى عدالة أقوى.
فالإيمان المسيحي يقدم إلى المتألم موردا لا يتمثل فقط في تعليمه بشأن الصليب، بل أيضا في حقيقة القيامة. ويعلم الكتاب المقدس أن المستقبل ليس “فردوسا” لاماديا بل سماء جديدة وأرض جديدة. ففي الأصحاح الحادي والعشرين من سفر الرؤيا، لا نرى كائنات بشرية تؤخذ من هذا العالم إلى السماء، بل نرى بالأحرى السماء نازلة إلى هذا العالم المادي، مطهرة ومجددة ومكملة إياه. إن الرؤية اللادينية إلى الأمور لا ترى بالطبع أي إصلاح شامل في المستقبل بعد الموت أو التاريخ.
والديانات الشرقية تؤمن بأننا نفقد فردانيتنا ونعود إلى الروح الكلي، وهكذا تتبدد إلى الأبد حياتنا المادية في هذا العالم. حتى الأديان التي تؤمن بفردوس سماوي، تحسبه تعزية عن خسائر هذه الحياة وآلامها وجميع الأفراح التي كان يمكن أن تحصل فيها.
أما الرؤية التي يتضمنها الكتاب المقدس إلى الأمور فهي القيامة. إذ لا يرى مستقبل يكون مجرد تعزية عن الحياة التي لم نتمتع بها قط، بل استرداد للحياة التي طالما أردتها دائما. وهذا يعني أن كل أمر رهيب حدث أصلا لن يبطل ويصلح فحسب، بل أيضا- بطريقة من الطرق- سيجعل المجد والفرح النهائيين أعظم بعد.
منذ بضع سنين راودني كابوس رهيب إذ حلمت أن جميع أفراد أسرتي ماتوا. ولما استيقظت كان الانفراج عظيما- ولكن حصل ما يتعدى مجرد الانفراج بكثير جدا. فقد تعزز على نحو فائق فرحي بكل فرد في أسرتي. إذ نظرت إلى كل منهم وأدركت كم أني شكور من أجلهم، وكم أحببتهم حبا شديدا.
لماذا؟ لقد كبر كابوسي الفرح الذي انتابني أي تكبير. وبهجتي عند الاستيقاظ التهمت ذعري، إذا جاز التعبير، حتى إن محبتي لهم في الأخير كانت أعظم لمجرد أني فقدتهم ثم وجدتهم من جديد. وهذا العنصر الفعال عينه ينشط حين تفقد ممتلكا من الممتلكات كنت تقبله كأمر مسلم به. فعندما تجده من جديد (بعدما حسبته ضاع الى الأبد)، تعزه وتقدره على نحو أعمق بكثير.
اشتملت الفلسفة اليونانية (لا سيما الفلسفة الرواقية) على معتقد يحسب التاريخ دورة لا تنتهي. فمن شأن الكون، في أدوار متكررة أن ينهار ويحترق في حريق هائل يدعى “بالينجينيسيا” (Palengenesia)، على أثره يبدأ التاريخ من جديد بعدما يطهر. ولكن في متى 19: 28، تحدث السيد المسيح بشأن عودته إلى الأرض باعتبارها ال “بالينجينيسيس” (Palengenesis): “الحق أقول لكم… في التجديد (بالينجينيسيس في اليونانية) متى يجلس ابن الإنسان على كرسي مجده”.
فهذا كان مفهوما جديدا على نحو جذري. إذ أكد السيد المسيح أن عودته إلى الأرض ستكون ذات قوة فائقة حتى إن الكون والعالم الماديين بذاتهما سيظهران من كل فساد وضعف. فإن الكل سوف يشفى، وكل ما كان ممكنا أن يكون سوف يكون.
بعيد الذروة في ثلاثية سيد الخواتم (The Lord of the Rings)، يكتشف سام غامجي (Sam Gamgee) أن صديقه غاندالف (Gandalf) لم يكن قد مات (كما اعتقد سام) بل هو حى. إذ ذاك يهتف سام: “ظننت إنك مت! ولكن عندئذ حسبت أني أنا نفسي قد مت! فهل كل ما هو محزن سيتبين أنه غير صحيح[13]؟ وجواب المسيحية عن هذا السؤال هو نعم! سوف يتبين أن كل ما هو محزن ليس صحيحا، وسيكون أعظم بطريقة أو بأخرى لأنه كان في ما مضى قد انهار وبدد.
إن اعتناق عقيدتي التجسد والصليب المسيحيتين يأتي بتعزية عظيمة في مواجهة المعاناة. وفي وسع عقيدة القيامة أن تمدنا برجاء فعال جدا. فهي تعد بأننا سننال الحياة التي تقنا إليها أكثر الكل، ولكنها ستكون في عالم أمجد على نحو لا نهائي- عالم أمجد مما كانت عليه الحال لو لم تدع الحاجة قط (الرب يسوع) إلى الشجاعة أو الثبات أو التضحية أو الخلاص[14].
وقد أجاد دوستويفسكي (Dostoevsky) التعبير حين كتب:
اومن كطفل بأن الألم سوف يشفى ويعوض عنه، وأن سخف التناقضات البشرية المذل كله سوف يتلاشى كسراب هزيل، كالاختلاقات الخسيسة التي ينشئها عقل الإنسان الأقليدسي (نسبة إلى عالم الرياضيات الإغريقي إقليدس الذي وضع مبادئ الهندسة المسطخة (الجيومترية). ويقصد به هنا العقل الذي يؤمن بالعالم المادي المنظور والمحدود بأبعاده الثلاثة، دون الإيمان بالأبعاد اللامادية مثل الزمن والنفس والروح).
العاجز والصغير صغرا لامتناهيا، وأنه في خاتمة العالم، في لحظة التناغم الأبدي، سوف يحدث شيء ثمين جدا بحيث يكون مشبعا لكل قلب، وكافيا للتعزية عن جميع الاستياءات، وللتفكير عن جميع جرائم البشر، وعن جميع الدماء التي سفكها البشر، بحيث يصير ممكنا ليس الصفح عن كل ما قد حصل فحسب، بل تبريره أيضا[15].
وبمزيد من الإحكام، كتب سي. أس. لويس:
يقولون عن معاناه وقتية ما: “لا سعادة مستقبلية يمكن أن تعوض عنها”، غير عالمين أن السماء ما إن تبلغ حتى تعمل بأثر رجعي وتحول حتى ذلك الكرب إلى مجد[16].
هذه هي هزيمة الشر والألم النهائية. فهما لن يتلاشيا فحسب، بل سوف يقهران قهرا جذريا حتى إن ما قد حصل لن يعمل إلا على جعل حياتنا وفرحنا المستقبليين أعظم على نحو لا نهائي.
هذه المحاجة عرضها في شكلها الأكثر كلاسيكية ديفيد هيوم في المرجع التالي:
تبقى أسئلة أبيقور القديمة مفتقرة إلى الإجابة:
هل الله راغب في منع الشر ولكنه غير قادر على ذلك؟ إنه إذا غير كلي القدرة .
أهو قادر ولكنه غير راغب؟ إنه إذا غير محسن. أهو قادر وراغب معا ؟ فمن أين الشر إذا
[2] Ron Roosenbaum,”Disaster lgnites Debate: Was God In the Tsunami?” New York Observer, January 10, 2005 .
طبعا، إنما كان ماكي يفضل سؤالا قديما جدا، من أبيقور حتى ديفيد هيوم. راجع الحاشية 1 أعلاه
[3] W. P.Alston, “The Indective Argument from Evil and the Human Cognitive Condition, ” PhiliosophicalPrespectives 5: 30- 67. See also The Evidential Argument From Evil, Daniel Howard-Snyder, ed., (Indiana University Press, 1996) for an extensive survey of the a- theological argument from evil.
[4] خلاصة محاجة ماكي مؤسسة على محاجة دانيال هوارد- سنايدر في :
“God ,Evil, and Suffering,” in Reason for the HopeWithin, ed.M.J.Murray (Eerdmans, 1999),p.84.
ومقالة هوارد –سنايدرمقالة مراجعة ممتازةبحكم حقها الذاتي (الذي لايحتاج إلى تأييدمن خارجها) ، وهي تبين لماذا لايوجد حاليا توكيد ات جازمة بين الفلاسفة أن الشر والألم يبطلان برهان وجود الله.وبالحقيقة أن الكتاب الذي ألفه ماكي (1982) قد يكون آخر نتاج مهم قام بذلك
[5] The “no-see-um” argument and related issues to the problem of evil are treated in Alvin Plantinga, Warranted Christian Belief ( Oxford,2000) ,pp. 466-67. See Also Alvin Plantinga, “A Christian Life PartlyLived” in Philosophers Who Believe,ed .KellyJames Clark (I V P,1993),P.72.
[6] C. S. Lewis ,Mere Christianity(Macmillan,1960) ,p31.
[7] Alvin Plantinga, ” A Christian Life Party Lived,” Philosophers Who Believe, ed..Kelly James Clark (IVP,1993) ,P.73.
[8] William Lane, Tha GospelAccording to Mark (Eedrmans,1974), p.516.
[9] Ibid, p.573.
[10] يخلص جوناثان إدواردز إلى القول: ” أن الآلام التي احتملها المسيح بجسمه على الصليب
كانت الجزء الأقل بعد من آلامه الأخيرة ….فلو اقتصر الأمر على الآلام التي احتملها بجسمه، رغم كونها مروعة،ماكان في وسعنا أن نتصور أن مجرد توقعها كان له مثل هذاالتأثير في المسيح. لقد احتمل كثيرون من الشهداء عذابات في أجسامهم توازي آلام المسيح حدة وشدة …غير أن نفوسهم لم تعان ما عانته نفسه من انسحاق غامر.
See “Christ’s Agony,” The Works of Jonathan Edwards, vol.2, E. Hickman, ed.( Banner of Truth,1972).
[11] شهد تاريخ علم اللاهوت كثيرا من النقاش حول إمكانية أن يحوز إله سرمدي لامحدود “مشاعر” وتاليا يختبر الألم والحزن ويجادل جانب بامتناع الله من الألم، مصرا على أن كل لغة الكتاب المقدسمن هذا القبيل مجازية.اما الجانب الآخر مثل يورغنمولتمانفي كتابه “الإله المصلوب” فيجادل بخضوع الله للألم.
وهناك رأي متوازن في هذا الشأن يزودنا به
Don Carson, in The Difficult Doctrine of the Love of God (IVP,2000), PP. 66-73.
فإن كارسون يحاج بأن الله يعاني بالفعل الألم والحزن، غير أنه يتحفظ لهذه المواقف بمواصفات دقيقة وتوكيدات موازية .
[12] Essais (Gallimard,1965),p.444. Translated and quoted by Bruce Ward in “Prometheus or Cain? Albert Camus’s Account of theWestern Quest for Justic,” Faith and Philosophy (April 1991): 213.
[13] J. R . R.Tolkien, “The Field of Cormallen,” The Returne of the King (various editions).
[14] قد يكون هذا السببالذي يسر على جورج مكدونالد أن يقول :” لسنا نعلم أي قدر من المسرات تدين به للأحزان المتداخلة. فالفرح (وحده) لا يستطيع أن يكشف النقاب عن أعمق الحقائق، مع أن الحق الأعمق يجب أن يكون الفرح الأعمق “.
Phantastes : A Faerie Romance (Eerdmans,1981) ,p67.
[15] Fyodor Dostoevsky, The Brothers Karmazov, Chapter 34.
أعتقد أنه ينبغي أن نذكر أن دوستويفسكي لايقول إنه سيكون ممكنا أن نبرر الشر بحد ذاته. ربما استعمل الله الشر للاتيان بخير أعظم بعد مما يكون لو لم يحدث الشر، غير أنه رغم ذلك يتبقى شرا ومن ثم فهو غير قابل للتبرير والتسويغ.
[16] C. S. Lewis, The Great Divorce (Macmillan, 1946), p.64.
[i] داء كرونز هو إلتهاب يصيب الأمعاء وقد يؤثر في أي من أجزاء القناة الهضمية من الفم إلى الشرج.
مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟
أسئلة صعبة عن الشر، ما هو أصله ولماذا يسمح الله به وهل يدل على محدودية الله؟ – رونالد رودز Ronald Rhodes
أسئلة صعبة عن الشر، ما هو أصله ولماذا يسمح الله به وهل يدل على محدودية الله؟ – رونالد رودز Ronald Rhodes
في عام 1999، اصيب ابن اخي جريج (Greg) في حادث سيارة ومات. بعد الجنازة، بقي سؤال يجول في عيون الحزانى والاصدقاء، ألا وهو ((لماذا كان على هذا الامر ان يحدث؟)) أنه السؤال عينه الذي يسأله العديد من الناس عبر العصور عندما تضرب المصائب: لماذا تصيب الصالحين الاشياء السيئة؟ واي صورة تعطينا عن الله حين تقع؟ تخيل ما كان يجول في عقول عائلات واصدقاء قرابة الثلاث الاف شخص الذين قتلوا في الهجوم الارهابي على نيويورك وواشنطن في 11 أيلول 2001. كلف مرة جورج بارنا George Barna بأن يستفسر من الناس عن السؤال الواحد قد يطرحونه على الله لو أتيحت لهم الفرصة بذلك. جاء السؤال الاكثر الحاحا، وبنسبة ساحقة: ((لماذا يوجد هذا الكم الهائل من الالم في العالم؟))
هدفي هو ان اناقش باختصار بعضا من الأسئلة الصعبة عن الشر. وأنا أبدأ هذا البحث بشيء من التردد عالما أ، موضعا كهذا يحتاج إلى كتاب بأكمله، وليس مجرد فصل قصير فقط. فالدراسات المختصرة غالبا ما تكون أكثر عُرضة لأن تبدوا سطحية. لذا، أحث على القارئ ان يضيف على دراستي القصيرة هذه، دراسات وابحاثا اخري أكثر شمولية، كتلك الواردة في الشواهد والملاحظات والمصادر المدرجة آخر هذا الكتاب.
قبل الشروع في الإجابة عن الأسئلة، من الجيد ان نعرض عد الأفكار التمهيدية عن الشر. الشر ليس شيئا موجودا بحد ذاته، إنما هو تشويه لم كان موجود أصلا. الشر هو غياب الخير او الحرمان منه. فالنخر، على سبيل المثال، وجوده يتوقف فقط على وجود الشجرة. كما ان تسوس الأسنان ممكن حدوثه فقط مادامت السن، كذلك، الصدأ على السيارة وانحلال الجثة، يفسران الفكرة نفسها. إذا، الشر موجود نتيجة فساد ما هو جيد. هو حرمان وليس جوهر في حد ذاته.2يقول نورمان جايزلر Norman Geisier: ((إن الشر هو كجرح على الذراع أو كالعث على قطعة الثياب. هو موجود في شيء اخر وليس في ذاته.))3
بالطبع، القول إن الشر ليس كيانا بحد ذاته، ليس كالقول إن الشر غير حقيقي. قد لا يكون الشر جوهرا فعليا، لكنه يتضمن حرمانا حقيقيا في الجوهر الجيد. يقول جايزلر في هذا الإطار: ((إنه ليس كينونة فعلية، لكنه فساد حقيقي لكينونة فعلية.))4 فالأشجار المتعفنة، أن الشر هو فساد ما هو صالح.
إن فهم ما هو الشر أمر، وفهم كيف يمكن لشر كهذا أن يوجد في عالم خالقه الله، هو أمر اخر مختلف تماما. يمكن النظر إلى مشكلة الشر بكل مبسط على أنا نزاع ينشب بين المفاهيم الثلاثة التالية: قدرة الله، صلاح الله، ووجود الشر في العالم. يري المنطق السليم أن هذه المفاهيم الثلاثة لا يمكنها أن تتواجد مجموعة في ان.5 الحل لمشكلة الشر، يتضمن التعديل في واحد أو أكثر من هذه المبادئ: الحد من قدرة الله، الحد من صلاح الله، أو التعديل في وجود الشر (كالقول إنه مجرد وهم).6
بالطبع، لو لم يدع الله بأنه صالح، لكان من السهل تفسير وجود الشر في العالم. ولكن الله يدعى بأنه صالح. ولوكان الله محدود القدرة بحيث لا يستطيع أن يقاوم الشر، لكان من السهل تفسير الشر. ولكن الله يقول عن نفسه إنه كلي القدرة. ولوكان الشر مجرد وهم غير موجود على أرض الواقع. لما بقيت مشكلة مطروحة. ولكن الشر ليس وهما. وإنه حقيقي.7
نواجه اليوم نعين من الشر، الشر الأدبي (وهو الشر الصادر عن أناس أصحاب إرادة حرة، وهو يشمل امورا كالحروب، والجرائم، والشراسة، والصراعات الطبقية، والتمييز العنصري، والرق، والتطهير العرقي، والعمليات الانتحارية، والعديد من المظالم الأخرى). وعندنا بالمقابل الشر الطبيعي (المتضمن أمورا كالأعاصير، والطوفانات، والزلازل، وغيرها). الله صالح، الله كلي القدرة، ومع ذلك الشر موجود. هذه هي المشكلة الشر في أبسط أشكالها.
وصل بعض المفكرين المشهورين مثل دايفيد هيوم David Hume، إش. جي. ولز H. G. Wells، وبتراند راسل Bertrand Russel على اساس مراقبتهم للألم والشر إلى خلاصة مفادها، أن الله، إله الكتاب المقدس غير موجود.8 عبر هيوم عن ذلك بشكل موجز عندما كتب عن الله: ((هل يشاء ان يمنع الشر وغير قادر؟ إذا هو عاجز. ام هو قادر على ذلك، ولكنه لا يريد؟ إذا هو إله حقود. أم هل هو قادر وراغب ان؟ إذا من أين الشر؟))9 إن كان الله موجودا، وكلي الصالح وكلي القدرة، فإن إقتراف أعمال شنيعة كإقدام هتلر على قتل ستة ملايين يهو دي لما قُدر لها أن تحدث أبدا.
بالطبع، المسيحيون يتفقون على أن ما فعله هتلر باليهود د هو الجريمة نكراء. لكن ينغي، وقبل أن نطرح وجهة نظر الكتاب المقدس عن الشر، أن أسارع إلى القول إن تصنيف عمل هتلر على أنه شر يثير نقطة فلسفية هامة. أو كما يراه العديد من المفكرين، إن أراد أحد ما الإدعاء بأن الشر موجود في العالم، فيلزمه اولا ان يشير إلى المقياس الذي من خلاله حكم على الأمر بأنه شر.10 كيف يحكم المرء على بعض الأمور على أنها شر، فيما ينظر إلى أمور أخري أنها ليست شرا؟ ما هو المقياس الأخلاقي المعتمد للحكم على الأحداث والأشخاص؟ على أي أساس يُصار إلى التمييز ما بين الخير والشر؟
الحقيقة هي أنه من المستحيل التمييز بين الخير والشر إن لم يكن هناك نقطة مرجعية لا متناهية صالحة بالمطلق.11 وإلا نكون أشبه بشخص جالس داخل قارب في عرض البحر في ليلة سماؤها غائمة ومن دون بوصلة (أي لا يوجد لديه طريقة للتمييز بين الشمال والجنوب وذلك في غياب نقطة مرجعية مطلقة ألا وهي إبرة البوصلة).
يمكن إيجاد النقطة المرجعية المطلقة للتمييز بين الخير والشر في شخص الله فقط، ذلك لأن تعريف مفهوم الصلاح المطلق محصور فقط في شخص الله. لوكان الله غير موجود، لما كانت المقاييس الأدبية المطلقة موجودة، التي يحق للمرء أن يحكم على شيء ما (أو أحد ما) بأنه شر. وبأكثر تحديد، إن كان الله غير موجود، فلا يعود هناك أي أساس مطلق للحكم على الأمور، كجرائم هتلر مثلا. في ضوء ما سبق، نرى كيف أن واقع الشر، يتطلب وجود الله، ولا يُبطله.
ما هو أصل الشر؟
كانت الخليقة الأصلية حسنة جدا (تكوين 31:1). لم يكن هناك خطية، ولا شر، ولا ألم ولا موت. مع ذلك فإن الخطية منشرة في العالم اليوم على نطاق واسع، وكذلك الشر والألم والموت. ما الذي أتى بهذه الأمور؟ الكتاب المقدس يشير إلى أن نقطة التحول نحو الانحدار كانت قد بدأت لحظة استخدام ادم وحواء إرادتهما الحرة المعطاة لهما من قبل الله ليختارا أن يعصيا الله (انظر تكوين 3).
يتساءل بعض الأشخاص لماذا لم يخلق الله الإنسان بحيث لا يستطيع ن يخطئ، وبذلك يتفادى الشر من أساسه. الحقيقة هي، أن سيناريو كهذا يعني أننا لن نكون بشر حقيقيين. لن تكون لدينا القدرة على أن نختار بحرية وأن نحب بحرية. هذا السيناريو يفترض أن يخلق الله رجالا آليين يتصرفون بطريقة مبرمجة، كاللعبة التي إما إن تشد خيطها حتى تخاطبك بالقول((أحبك)).12
بول ليتل Paul Little يذكر أن مع لعبة كهذه ((لن يكون أية مشادات كلامية، لن تحدث مشاحنات أبدا، لن يصدر عنها ي تصرف يجعلك حزينا! لكن، من يرغب في ذلك؟ لن يكون هناك محبة أيضا، فالمحبة عمل طوعي. كان يمكن الله أن يصنعنا كالرجال الآليين، ولكن إذا ذاك ما كنا بشرا. يبدو أن الله رأى في خلقنا على الشكل الذي نحن عليه أمرا يستحق المجازفة.))13
المحبة، لا يُمكن برمجتها، لكن يجب أن يُعبُر عنها بحرية. أراد الله لآدم للبشرية جمعاء إظهار محبتهم له من طريق إطاعته. لذلك، أعطى الله ادم والبشرية بأجمعها الإرادة الحرة. وقد صدق جايزلر في قوله: ((المحبة القسرية هي اغتصاب، والله ليس بإله مغتصب. وهو لن يفعل شيئا لتعريض إرادة الناس للإكراه.))14 الإختيار الحر، من ناحية أخرى، يعني إمكانية القيام بالخيار الخاطئ. عبر عن ذلك جي. بي. فيليبس J.B. Philips بقوله: ((الشر المتأصل في هبة الإرادة الحرة، التي لا تخلو من المجازفة.))15
في ضوء الحقائق الكتابية، نقدر أن نستخلص بأن الشر كان احتمالا كامنا ضمن خطة الله عندما اعطى البشر حرية الإختيار، لكن الأصل الفعلي للشر أتى كنتيجة رجل وجه إرادته بعيدا عن الله ونحو شهو اته الذاتية الأنانية.16 علق نورمان جايزلر وجيف أمانوJeff Amanu على هذا الأمر بقولهما: ((لئن خلق الله حقيقة الحرية. جعل الله من الشر أمرا ممكن الحدوث، فيما جعلته المخلوقات أمرا فعليا.))17 منذ تلك اللحظة في جنة عدن عندما جعل ادم وحواء الشر واقعا حقيقيا، إنتقلت بعض ذلك الطبيعة الخاطئة إلى كل رجل وامرأة (رومية 12:5؛ 1 كورنثوس 22:15). الطبيعة الخاطئة التي فينا تجعلنا نختار بإرادتنا الحرة، أن نجعل الشر واقعا حقيقيا (مرقس7 :20-23)
حتى الشر الطبيعي، الذي يتضمن الزلزال، والأعاصير، والفيضانات، وأمثلها، متأصل في الإستخدام الخاطئ لإرادتنا الحرة. يجب ألا ننسى أننا نحيا في عالم ساقط. بسبب ذلك، نحن عرضه لكوارث لم تكن لتحدث في عالم طبيعي، لو أن الإنسان لم يعص الله منذ البداية (رومية 8 :20-22).18 لم تكن جنة عدن تحتوي على أي كوارث طبيعية أو على موت إلا بعد خطية ادم وحواء (انظر تكوين1-3) كما أنه لن يكون أي من الكوارث الطبيعية أو موت في السماء أو الأرض الجديدتين عندما يضع الله حدا نهائيا للشر (رؤيا يوحنا 4:21).19
ما هو قصد الله النهائي من السماح بوجود الشر؟
لم يُفاجأ الله قط عندما استخدم الإنسان عطية الإرادة الحرة التي قد وهبه إياها ليعصي أمرهُ. يوحي سي. إس. لويس بأن الله الكلي المعرفة ((رأى أن في العالم من الخلوقات الحرة، وعلى الرغم من سقوطهم، يمكن أن يوجد سعادة أعمق وإشراقة أكمل مما كان سيعرفه العالم، لو أنه خُلق على شكل الي.)) أو، كما عبر عن ذلك جايزلر بشكل رائع، لا يحتاج المؤمن بوجود الله أن يدعى بأن عالمنا الحالي هو الأفضل على الأطلاق، ولكنه السبيل الأفضل للعالم الأفضل على الإطلاق:
إن كان الله يريد أن يحافظ على الحرية ويغلب الشر في ان، فإن هذه الطريقة هي الأمثل. فالحرية مُصانة إذ تبقى في قدرة كل شخص أن يختار بحية مصيره الأبدي. ويُغلب الشر عندما تُعتبر خيارات الجميع نهائية وحاسمة، ما إن يُفصل الأشخاص الذين يرفضون الله عن الاخرين. هؤلاء الذين يختارون سوف يُثبتون في ذلك، لن يوجد خطية فيما بعد. أما أولئك الذين يرفضون الله فسوف يوضعون في الحجر الصحي الأبدي، حيث لا يستطيعون أ يُفسدوا العالم الكامل الذي قد أعده الله. بذلك يكون قد تحقق الهدف النهائي لجهة إيجاد عالم كامل بمخلوقات حرة ولكن الطريق للوصول إلى ذلك، يتطلب إقصاء أولئك الذين يُسيئون إستخدام حريتهم.21
هناك عاملٌ اخر هام جدا يتعلق بفكرة كون عالمنا هذا ليس بالعلم الأفضل، ولكنه يبقى الطريق الأمثل للوصول إلى ذلك العالم الأفضل، ألا وهو أن الله لم ينته من عمله بعد. غالبا ما يسقط بعضهم في فخ الظن أن عدم تعامل الله مع الشر الآن، يعني أنه لن يتعامل معه أبدا. كان زميلي القديم والتر مارتن Walter Martin يقول لي: ((لقد قرأت الفصل الأخير من الكتاب المقدس، ونحنُ الذين سوف نغلب!)) سيُبطل الشر يوما ما. وعدم بطلان الشر في الحاضر، لا يعني أنه لن يُبطل أبدا.
في ضوء النقاط التي سبق ذكرها، يمكن إستنتاج أن وجود الشر في العالم منسجم مع فكرة وجود إله كلي الصلاح وكلي القدرة، وأن نخلص الحقائق على الشكل التالي:
إن كان الله كلي الصلاح، فسوف يهزم الشر.
إن كان الله كلي القدرة، فسيكون في قدرته أن يهزم الشر.
الشر لم يُهزم بعد.
إذا، الله يستطيع أن يهزم الشر، بل وسيهزمه يوما ما.22
يوما ما في المستقبل، فسوف يعود المسيح، وسوف يجرد الشر في قواه، عندئذ سيحاسب كل رجل وامرأة على كل ما فعلوه خلال حياتهم على هذه الأرض (متى 31:25-46، رؤيا11:20-15) سوف تنتصر العدالة في النهاية. أما أولئك الذين يدخلون الأبدية من دون أن يؤمنوا بيسوع المسيح كمخلص، فسوف يفهمون كيف يتعامل الله بشكل فعال مع مشكلة الشر.
بعض الحلول غير الوافية لمشكلة الشر
أليس من المستحسن أن يقضي الله على الشر حالا؟
قد يرد بعض المشككين على هذه النقطة بقولهم إن كان الله كلي القدرة ليس في حاجة إلى تاريخ البشرية بأكمله، كي يقضي على الشر. إن الله، ومن دون شك، لديه القدرة على أن يطيح بالشر فورا، ولكنه لو قام بفعل ذلك، فسيؤدي ذلك إلى نتائج خطيرة تطال كل واحد منا. كما أشار بول ليتل Paul Little، ((لوكان الله يطيح بكل بالشر اليوم، فسوف يفعل ذلك على أتم وأكمل وجه، وهذا يشمل كذبنا ونجاستنا الفردية، عدم محبتنا، وإخفاقنا في صنع الخير. على إفتراض أن الله سوف يطيح بكل ما هو شر ابتداء من منتصف هذه الليلة، وسوف يُزيل كل ما هو شر عن وجه الكون، تُرى، من منا سيبقى هنا في اليوم التالي؟))23
على الرغم من أن حل الله الجذري لمشكلة الشر مؤجل إلى وقت مستقبلي، كما قد شرحت، إلا أن الله قد أتخذ الخطوات اللازمة حرصا منه على ألا يكون الشر حرا طليقا كالحيوان المسعور. بالتأكيد، الله قد أعطانا السلطات والحكومات لتقف في وجه الفوضى (رومية 13: 1-7). كما أوجد الله أيضا الكنيسة لتكون نورا في الظلمة، فتقوي شعب الله، وأيضا كي تحد من نمو الشر في العالم من خلال قوة الروح القدس (أعمال16: 5؛ 1 تيموثاوس 3: 15). كذلك، أعطانا الله، من خلال كلمته، المعيار الأخلاقي لإرشادنا وإبقائنا على الضرب الصحيح (المزمور 119). لقد وهبنا نظام العائلة كيما يسود الإستقرار مجتمعنا (أمثال22: 15؛23: 13). هذا بالإضافة إلى المزيد من الترتيبات الأخرى! 24
هل وجود الشر هو برهان على أن الله محدود؟
لقد أشاع الرابي هارولد كونشر Rabbi Harold Kushner فكرة الألوهية المحدودة في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، وهو مؤلف الكتاب الكثر مبيعا، ((عندما تُصيب أشياء سيئة الأشخاص الصالحين)) When Bad Things Happen to Good People. ففي معرض صراعه مع حقيقة أبنه المبكر، استخلص كونشر أن الله يريد للصالحين أن يحيوا حياة سعيدة، ولكنه ببساطة عاجز عن توفير ذلك لهم. هناك، ببساطة، أشياء لا يستطيع الله التحكم بها. الله صالح، ولكنه لا يمتلك القدرة الكافية على تحقيق كل الأشياء الصالحة التي يرغب في تحقيقها.
بإختصار، الله محدود. ويكتب كونشر قائلا: ((أنا أعترف بمحدوديته. فقوانين الطبيعة وتطور الإنسان المستمر وإرادته الأدبية الحرة تحد من الأمور التي هو قادر على فعلها.))25 ثم يضيف بحزن: ((حتى الله نفسه يجد صعوبة في ضبط الفوضى والحد من الضرر الذي يمكن للشر أن ينتجه.))26
الألوهية المحدودة تتبنى فكرة إله لا يقدر إلا أن يكون كائنا يعتمد بنفسه على وجود مُسبب له لأنه محدود. إله كهذا، لا يستحق عبادتنا ولا أن نوليه ثقتنا، لأن لا شيء يضمن أنه سيغلب الشر في المستقبل.
لقد أخفق إيمان الألوهية المحدودة في فهم حقيقة كون التوقيت الإلهي للأمور يختلف عن التوقيت البشري. وكما أشرنا قبلا، عدم إطاحة الله الشر اليوم، لا يعني أنه لن يفعل ذلك في المستقبل (2 بطرس 3: 7-12؛ رؤيا 20-22) إن هذا العالم ليس هو العالم المثالي، ولكنه الطريق الأفضل لبلوغ العالم الأمثل.
من الواضح أن الألوهية المحدودة تتعارض مع كل ما يشهد به الكتاب المقدس عن الله. فالكتاب المقدس يُظهر لنا الله على أنه كلي القدرة، أي أنه صاحب قدرة مطلقة. لديه القدرة على فعل كل ما يشاء ويرغب. الكتاب المقدس يتحدث عن الله القادر على كل شيء ما يقارب على الست والخمسين مرة (مثلا، رؤيا 6:19).27 الله عظيم القدرة (المزمور 5:147) كما ان عظمة قدرته تفوق كل وصف (2 أخبار 6:20؛ أفسس 19:1 -21).
لا يوجد من يمنع يد الله (دانيال 35:4). ولا يستطيع أحد أن يعكس أفعال الله (إشعياء 13:43) ولا في مقدور أحد أن يقاومه (إشعياء 37:14). لا شيء مستحيل لدى الله (متى 26:19؛ مرقس 27:10؛ لوقا 37:1) ولا شيء يعسر عليه (تكوين 14:18؛ إرميا 17:32 ،27). القدير يملك إلى الأبد (رؤيا 6:19). وسوف يغلب الشر يوما ما.
هل الشر مجرد وهم؟
بعض الأشخاص، وبالأخص أولئك المنتسبين إلى العلوم الفكرية Mind Sciences، يدُعون أن الشر مجرد وهم. تقول ماري بيكر إدي Mary Baker Eddy، مؤسسة ((العلم المسيحي)) Christian Science، إن المادة، والشر، والمرض، والموت هي أمور غير حقيقة، بل وهمية من نسج خيال العقل الفاني.28 وأيدتها الكاتبة إميلي كيدي Emily Cady بقولها: ((الشر غير موجود…فالألم، والمرض، والفقر، والتقدم في السن والموت أمور غير الحقيقة، ولا السيطرة لها على.))29 كتب إرنسيت هو لمزErnest Holmes ، مؤسس ((العلم المتدين)) Religious Science يقول: ((كل ما يظهر أنه شر هو نتيجة للجهل، وسوف يختفي حتى لا يعود أحد يفكر فيه، أو يؤمن به أو ينغمس فيه.))30
ولكن، إن كان الشر مجرد وهم، فلماذا نقاومه إذا؟ ولئن ادعت ماري بيكر إيدي شر المرض الجسدي والموت هما مجرد وهم، فغن التاريخ يُثبت كيف أنها هي ذاتها كانت تحت رعاية طبية في سنواتها الخيرة، وقد تلقت جرعات من المورفين لتخفيف آلمها، وضعت النظارات الطبية، اقتلعت بعضا من أسنانها، وفي النهاية ماتت، وبذلك ((تبرهن كذبُ)) كل ما علمته وزعمت أنها تؤمن به.31
عندما يدعي الناس بأن الشر هو وهم، أظن أنه من المناسب أن نسألهم إن كانوا يوصدون أبواب منازلهم ليلا أم لا. (إن كانوا يفعلوا ذلك، فاسألهم لماذا؟) وهل يتركون مفاتيح سياراتهم داخلها عندما يتركونها في مكان ما وسط البلد؟ (إذا كانوا لا يفعلون ذلك، فلماذا؟) وهل يضعون حزام الأمان في السيارة؟ (لماذا؟) وهل يذهبون إلى عيادة طبيب الأسنان (لماذا؟ فألم الأسنان مجرد وهم. أليس كذلك؟) وهل يُلبسون أطفالهم سترات النجاة عندما يسبحون في المحيط (لماذا؟) هل يوصون أطفالهم الصغار بعدم الإقتراب من النار؟ (لماذا؟) وهل يؤيدون القوانين التي يحمي الأطفال والأولاد من الإعتداء عليهم؟ (لماذا؟) إن كان الشر مجرد وهم، فلا يعود هناك أية ضرورة لأشياء كهذه، ولا ينبغي لأحد أن ينشغل بها.
إن التفسير القائل إن الشر مجرد وهم، لا يصمد أمام تجارب الإنسانية وأمام المنطق. إنكار وجود الشر بهذه البساطة، لا ينفي قط وجوده. إن هذا التفسير للشر، يشكل بحد ذاته أسوأ شكل من أشكال الوهم. يسوع المسيح، وبكل تأكيد، امن بحقيقة وجود الشر. ففي الصلاة الربانية، لم يعلمنا أن نصلي ((نجنا من وهم الشر)) بل ((نجنا من الشرير.))
إن أردنا قبول نظرة ((العلم المسيحي)) إلى الشر بصفته وهما، فيلزمنا في هذه الحال أن نُنكر ما تنقله إلينا حواسنا وإختبارتنا الشخصية. ولنلاحظ جيدا كيف يناشدنا الكتاب المقدس باستمرار ضرورة التنبه للدلائل التجريبية التي تصدر من حواسنا الخمس. لذا، طلب يسوع من توما المشكك أن يضع إصبعه في مكان جروحاته كدليل يؤكد له أن يسوع قد قام حقا من بين لأموات (انظر يوحنا 27:20).
وفي إنجيل (لوقا 39:24)، قال يسوع المقام من بين الموات لأتباعه: ((أنظروا يدي ورجلي: إني أنا هو! جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له عظام كما ترون لي.)) كما نقرأ في (1 يوحنا 1:1) كلام يوحنا والرسل عن ((الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا- هذا ما نخبركم به من جهة كلمة الحياة.)) إن هذه الحواس عينها، التي شهدت، وبشكل مقنع جدا لقيامة المسيح، تشهد أيضا لواقع الشر في عالمنا، ليس لشلة قليلة من الناس فقط، بل على صعيد الكون بأسره، وعلى مدى العصور.
هل تستطيع حركة العصر الجديد التي تؤمن بعقيدة ((الكل هو الله)) أن تقدم تفسيرا للشر؟
لدي صديق اسمه جيم Jim، الذي قرأ بعضا من الكتب التي ألفتها عن الدفاعيات المسيحية وعن حركة العصر الجديد New Age. في يوم من الأيام، أصيب باعتلال جسدي وذهب لاستشارة طبيب كان بعضهم قد نصحوه به. في منتصف فترة فحص الطبيب له. بدأ جيم يشك في أمر هذا الطبيب على إعتبار أنه يعتمد علاجات مستوحاة من حركة ((العصر الجديد)). جيم، والمعروف عنه أنه لا يُحب المراوغة، خاطب الطبيب بالقول: ((هل انت الله؟)) فأجابه: ((لماذا تسألني؟ نعم، وأنت أيضا وجميع الناس كذلك.)) فركض جيم خارجا من مكتب الطبيب، هاربا بسرعة البرق.
((الكل هو الله)) Pantheism هي العقيدة التي تؤمن بأن الله هو الكل والكل هو الله. الكلمة Pantheism هي مركب للفظتين يونانيتين) Pan-الكل) وtheos (الله). عقيدة ((الكل هو الله)) تنظر إلى الواقع بأكمله على أنه متشرب بالألوهية. إن إله العصر الجديد هو لا شخصي، غير أخلاقي، على عكس إله المسيحية الشخصي والأخلاقي. إن التمييز بين الخالق والخليقة، مطموس كليا في وجهة النظر هذه.
إن كانت عقيدة ((الكل واحد)) و((الكل هو الله)) صحيحة، كما تؤمن حركة العصر الجديد، فإن التمييز بين الخير والشر يصبح أمرا مستحيلا، لا بل يختفي كليا. دافيد سبانجلر David Spangler وهو من أتباع ((العصر الجديد)) يؤكد أن أخلاقيات هذه الحركة ((غير مبنية على …. ثنائية مفهومي” الخير” و”الشر”))32 لا وجود فيها للصواب المطلق أدبيا ولا للخطأ المطلق، فكل شيء نسبى. مما لا شك فيه أن الفلاسفة قد أكدوا ما تنطوي عليه وجهة النظر هذه من ضعف فلسفي. فهي ترى أنه لحق مطلاق عدم وجود أمور مطلقة. عندما يقول لي أحد دعاة ((العصر الجديد)) إنه لا وجود للمطلق. أرد عليه بسؤاله إن كان متأكدا بشكل مطلق مما يدعيه.
إن المشكلة الكبرى في وجهة نظر ((العصر الجديد)) هي إخفاقها في معالجة مسألة وجود الشر الحقيقي في العالم بشكل مناسب. إن كان الله هو جوهر كل أشكال الحياة في الخليقة، فيلزم المرء في هذه الحال استخلاص أن الخير والشر كليهما ينبعان من الجوهر نفسه (الله). بكلمة أخرى، الحرب العالمية الأولى والثانية كما هتلر، والقتل، والسرطان، والإغتصاب، مع ظواهر أخرى للشر، ما هي إلا جزء من الله.
يعلمنا الكتاب المقدس، بالمقابل، أن الله صالح وليس شريرا (انظر 1 أخبار 34:16؛ المزمور29:118؛1:136؛8-9:145؛ متى 17:19) إله الكتاب المقدس هو النور، ((وليس فيه ظلمةٌ البتة)) (انظر 1 يوحنا5:1؛ حبقوق 13:1؛ متى 48:5) إن النص اليوناني لرسالة يوحنا الأولى 5:1 تحديدا، مُقنعٌ أكثر، حيث يُترجم حرفيا على الشكل التالي: ((والظلمة غير موجودة فيه، ولا بأي شكل من الأشكال.)) ما كان بمقدور يوحنا أن يعبر عن ذلك بشكل أقوى.
لقد أتيحت لي الفرصة التحدث إلى المعلم الهندوسي السابق الغور ورابي ماهاراج Rabi Maharaj، لقد تكلم وبشكل مطول عن المشكلة الأخلاقية في عقيدة ((الكل هو الله)) والتي ولدت عنده الشعور بعدم الرضى، خصوصا فيما يتعلق بمفهوم ما عن الشر.
إن معرفتي المتنامية بالله بصفته الخالق، المنفصل عن الكون الذي خلقه والمميز عنه، تناقض الاعتقاد الهندوسي بأن الله هو كل شيء وبأن الخالق والخليقة متحدان. فإن كان هناك واقع واحد. إذا (فالله) يكون شرا وخيرا في آن، ويكون هو الموت والحياة في آن، المحبة والكراهية معا. هذا الاعتقاد يجرد كل شيء من المعنى، ويجعل الحياة منافية للعقل. إنه لمن الصعب على المرء أن يحافظ على رزانته العقلية مع اعتقاده في الوقت عينه بأن الخير والشر، المحبة والكراهية، الحياة والموت، هي أمور تنطوي في واقع واحد اتخذ رابي Rabi القرار المنطقي الوحيد وأصبح مسيحيا!
هل نحن من نصنع واقعنا؟
يؤمن معظم المعتقدين بحركة العصر الجديد بأن الإنسان هو من يصنع واقعه بكل تفاصيله، الخير منه كالشر، وذلك بقوة العق. دافيد جيرشون David Gershon وغيل ستروب Gail Straub، وهما كاتبان شهيران من أتباع العصر الجديد، أشارا إلى النقطة التالية: ((لا يمكننا أن نتفادى حقيقة كوننا نحن الذين نصنع واقعنا بأنفسنا! حيث إن كل فكرة تتبادر إلى أذهاننا، نحن نصنعها. كما أن كل معتقد نعتنقه يساهما في تشكيل تجاربنا الحياتية.))34 في ضوء هذا، ((إن كنا نقبل فرضية أن أفكارنا هي التي تصنع واقعنا، فهذا يني أنه علينا أن نتحمل مسئولية واقعنا الذي نصنعه بأكمله، ما يُعجبنا وما لا يُعجبنا من هذا الواقع.))35
المشكلة الخطيرة في وجهة النظر هذه هي أنه إن كان البشر (آلهة) بإمكاننا أن ندين الأفراد الذين يصيبون الآخرين بأذية أوشر. مثلا، في هذه الحال، على أحدنا استخلاص أن ملايين اليهود الذين تم إعدامهم تحت نظام هتلر، هم الذين قد جلبوا ذلك الواقع على أنفسهم. إذا، لا يعود بالإمكان الحكم على أفعال هتلر على أنها أفعال منافية للأخلاق، لأن هتلر ما هو إلا جزء من الواقع الذي جلبه اليهود بأنفسهم على أنفسهم. وبموجب هذا المبدأ عينه، لا يمكننا أن ندين الإرهابيين الذين يفجرون الطائرات لأن ركاب تلك الطائرة، هم من جلبوا ذلك الواقع على أنفسهم.
عندما توفيت معلمة التمثيل لابنة شيرلي ماكلين Shirely MacLaine إثر حادث صدام سيارتين أدى إلى احتراق جسدها بالكامل، تساءلت ماكلين قائلة: ((كل شيء متضمن في اللعبة)) It’s All in the Playing يسرد ما ورد في الكتاب كيف ((أننا نرى شيرلي تبكي وتنوح أمام شاشة تلفازها عندما رأت آثار ما خلقه إنفجار بركان شيليان Chilean، الذي قتل خمسة وعشرين ألف شخص. ولكن، لم البكاء؟ فهم من اختاروا تلك الميتة، أليس كذلك؟))37
كلما تأملنا أكثر في تفسير العصر الجديد هذا لمفهو م الشر، أصبح أكثر فأكثر منافيا للعقل.
هل يقدم التقمص تفسيرا لوجود الشر؟
يبني العديد من أتباع العصر الجديد عقيدتهم على التقمص والكارما. إن عملية التقمص (أي الولادة المتكررة) يُعتقد أنها تستمر إلى أن تبلغ الروح حالة الكمال وتتحد مع مصدرها (الله أو الروح الكونية). أما الكارما فهي ((الدين)) الذي يتراكم على الروح بفعل الأعمال الخيرة أو الشريرة التي تقوم بها أثناء فترة حياتها الحالية (أو حياتها السابقة). إن استجمع المرء كمية من الكارما الجيدة، فيكون مصير نفسه أن تتقمص تحت هيئة مرغوبة في الحياة اللاحقة. وإن استجمع كارما سيئة، فسيكون مصيره أن يتقمص تحت هيئة غير مرغوب فيها تماما.
يفسر العديد من دعاة العصر الجديد الشر من منطلق الكارما وحده. أحد مشاهير كتاب العصر الجديد، يُدعى غاري زوكاف Gary Zukav مثلا، يقول إنه يترتب علينا عدم التسرع في الحكم عندما نري أشخاصا يتعذبون بوحشية لأننا ((لا نعلم ما يتم شفاؤه (من طريق الكارما) بواسطة هذه العذابات.))38 ما يُطلق عليه زوكاف اسم ((العدالة الخالية من أية إدانة))، تعفينا من أن نكون قضاة أو أعضاء في هيئة المحلفين للحكم على الشر الظاهر، حيث إن قانون الكارما هو الذي سوف يحقق العدالة في النهاية.
هل يريد منا زوكاف أن نؤمن بأن ما فعله الجنود في سيلان Ceylon، عندما قتلوا أما مرضعا، ثم إستخدموا أصابع أرجل رضيعها كأهداف للتدرب على الرماية، ما هو إلا شفاء لروح تلك الأم وروح رضيعها؟ وعندما قام الشيوعيون في الإتحاد السوفياتي، بتمزيق رحم أم أرمنية حامل ثم إقتلعوا أطراف جنينها من أمكنتها (هذه الأحداث حقيقية وردت في الصحف)، هل حقا يتوقع منا زوكاف أن نضع ثقتنا بـ((العدالة الخالية من أية إدانة)) هذه، بدل أن يعترينا الغضب من جراء هذه الجرائم الشنعاء؟ أين القداسة والألوهة في هذا؟
هناك العديد من الثغرات في عقيدة التقمص. من وجهة نظر عملية، لا بد أن يتساءل المرء، لماذا يُعاقب أحدهم على أمر لا يستطيع حتى أن يتذكر أنه ارتكبه في حياة سابقة؟ وإن كان (كما يُقال لنا) هدف الكارما تجريد البشرية من رغابتها الأنانية بواسطة التقمص، جيلا بعد جيل، فلماذا إذا لم نشاهد أي تحسن ملحوظ في الطبيعة البشرية، بعد مرور كل هذه القرون من التقمصات؟ لماذا يستمر الشر في التصاعد؟ وإن كان للتقمص والكارما منفعة كبيرة على الصعيد العملي، كما يُدعى أتباع العصر الجديد، إذا كيف يفسرون استمرارية المشاكل الإجتماعية والثقافية، بما في ذلك انتشار الفقر، والجوع، والمرض وأشكال المعاناة الرهيبة الأخرى، في بلاد الهند، حيث مورست عقيدة التقمص على مدى التاريخ؟
مما لا شك فيه أن التقمص هو عيدة غير كتابية، فهي تعارض ما يعلمه الكتاب المقدس عن الموت وعن الحياة ما بعد الموت. فالآية من عبرانين 27:9 توضح بشكل قطعي ((أنه وُضع للناس أن يموتوا مرة.)) كل إنسان يعيش ككائن فان على هذه الأرض مرة واحدة، ثم يموت مرة واحدة، وبعد ذلك يواجه الدينونة. لن يحصل الإنسان على أية فرصة ثانية من خلال تقمصه في جسد أخر (انظر لوقا 19:16-31؛2 كورنثوس 8:5).
الثقة بالله في عالم مملوء بالألم
هناك العديد من التفسيرات الأخرى غير المجدية لمشكلة الشر، والتي يمكننا أن نناقشها، ولكنها لم تعد بارزة في أيامنا هذه، كما أن الحيز المخصص للتكلُم عن هذا الموضوع، لا يسمح بذلك.39
بعد أن أثبتنا قبلا أن وجود الشر لا يتعارض أبدا مع حقيقة وجود الله الكلي الصلاح والكلي القدرة، يكون من المناسب أن نختم هذا الموضوع، بالتشديد على أن أبانا السماوي المحب يدعونا أن نثق به ثقة الطفل بأبيه بينما نعيش في عالم العذاب والألم هذا. أحيانا، وبصفتي أبا، يتوجب على أن أتخذ بعض القرارات بالنيابة عن أولادي، والتي قد تسبب لهم بعض الألم (كزيارة طبيب الأسنان مثلا). من وجهة نظرهم، ربما لن يفهموا سبب إصراري على القيام بهذه الزيارة. ولكني أؤكد لهم، أنه وعلى الرغم مما قد يترتب عليهم من انزعاج (أو حتى ألم) فإن زيارة الطبيب هذه، تصب في مصلحتهم الشخصية.
أحيانا، نتساءل نحن البشر عن الأسباب التي من أجلها يسمح الله بأن نمر بظروف مؤلمة. ولكن عدم إستطاعتنا إيجاد الأسباب المنطقية لهذه الظروف. لا ينفي وجودها فإننا م وجهة نظرنا المحدودة كبشر، نحن لا نرى إلا بضعة خيوط قليلة فقط من النسيج الكامل لخطة الله في حياتنا. نحن لا نرى الصورة بأكملها. لذلك يدعونا الله إلى ضرورة الوثوق به (انظر عبرانين 11). الله يرى الصورة بأكملها وهو معصوم عن الخطأ. ولديه سبب وجيه للسماح للآلام بأن تعتر طريقنا، وإن كنا لا نستطيع نحن أن نفهم تلك الأسباب.
يقدم لنا جايزلر ما هو الجدير بالتفكير بخصوص هذا الموضوع. فعلى الرغم من محدوديتنا كبشر، يبقى بإمكاننا أن نجد مغزى للألم، كتحذيرنا من شر أعظم قد يأتي علينا (يكفي الطفل ان يلمس فرنا حارا مرة واحدة كي يتعلم ألا يفعل ذلك مرة أخرى). كذلك تعمل الآلام على حمايتنا من تدمير ذواتنا (إن أطراف الخلايا العصبية تنبهنا من طريق إرسال الإشارات بوجود ألم، كي لا نستمر في حمل إناء حار بأيدينا).
إن كان البشر المحدودون يستطيعون أن يستخلصوا بعض الفوائد من وجود الشر، فمن المؤكد أن غلها أزليا كلي الحكمة لديه قصد وجيه وراء كل الآلام.40 قد لا نستطيع أن نفهم هذا القصد في الوقت الراهن، ولكن هذا القصد موجود على الرغم من ذلك، عدم قدرتنا على تبيان سبب حدوث الأشياء السيئة لنا، لا تنفي صلاح الله، هي فقط تكشف جهلنا.41
حسنٌ أن نُبقي في الحسبان عامل الوقت. فبالطريقة نفسها التي بها نُقيمُ زيارتنا إلى طبيب الأسنان في ضوء الفائدة المرجوة من هذه الزيارة على المدى البعيد، يحث الكتاب المقدس المسيحيين على ضرورة تقييم ظروفهم المؤلمة الراهنة في ضوء الأبدية. وكما أشار الرسول بولس: ((إن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا)) (رومية 18:8؛ انظر أيضا 2 كورنثوس 17:4؛ عبرانيين 2:12؛ 1 بطرس 6:1 و7).42
علينا ألا ننسى أيضا في أوقات الضيق، أن الله، وبصفته الحاكم المطلق على هذا الكون، يستطيع أن يُنتج من هذه الآلام ما هو أحسن (انظر رومية 28:8). إن حياة يوسف هي مثال واضح على ذلك. لقد حسده إخوته ظلما (انظر تكوين 11:37)، وكرهو ه (37:4 و8،5) وأرادوا قتله (20:37)، ولرموه في بئر (24:37)، ثم بعوه كعبد (28:37). ومع ذلك، استطاع يوسف أن يقول لإخوته في وقت لاحق: ((لأنه لاستبقاء حياة أرسلني الله قدامكم)) (5:45)، و((أنتم قصدتم لي شرا، أما الله فقصد به خيرا، لكي يفعل كما اليوم، ليحي شعبا كبيرا)) (20:50). صحيح أن أشياء سيئة كثيرة حصلت ليوسف، غير أن الله كان له قصد حسن بالسماح لها بالحصول.
من المؤكد أن الرسول بولس لم يكن يعجبه الأسر، ولكن كان الله قصد إلهي للسماح بذلك. فقد قام الرسول بولس بكتابة الرسائل إلى أفسس، فيلبي، كولوسي، وفيلمون وهو في الأسر (انظر أفسس 1:3؛فيلبي 7:1؛ كولوسي10:4؛وفيلمون9). فالله، ومن دون شك، صنع ما هو للخير من خلال ألم الرسول بولس. أحيانا ((الخير)) الذي يجلبه الله من ألمنا هو ن يقربنا إليه. جوني إركسون تادا Joni Eareckson Tada، الفتاة التي كسرت عناقها في حادثة سباحة مما أدى إلى إصابتها بشلل كامل، قالت إن مأساتها هذه قربتها إلى الله. كما صرحت بأنها تُفضل البقاء في الكرسي المتحرك والله برفقتها، على أن يكون لديها القدرة على المشي من دون الله.
أقول كل هذا لأشدد على أهمية الإيمان وسط عالم تملؤه الآلام. الله، ومن دون شك، يعمل على تحقيق قصده في وسطنا، وعلينا أن نثق به. يعجبني الأسلوب الذي يعتمده غايري هبيرماس Gary Habermas وجي. بي. مورلاندJ.P. Moreland في رؤية الأمور، حيث يشاجعنا على النظر إليها من ((أعلى إلى أسفل)):
الله، إله هذا الكون، يريد لتا أن ننظر إلى الحياة والموت من وجهة نظره الأزلية. وإن قمنا بذلك، سنُدرك كيف سيُغير ذلك حياتنا تغييرا جذريا: القلق اليومي، الألم العاطفي، المآسي، واجباتنا وتعاملاتنا مع الآخرين، الأملاك، الثروة وحتى الألم الجسدي والموت. كل هذه الأمور وغيرها هي قابلة للتأثير إيجابيا بالحقائق السماوية. فالعهد الجديد يذكر مرارا وتكرارا أنه ينبغي للمؤمنين أن ينظروا إلى الصعوبات، لا بل إلى حيواتهم بأكملها، من وجهة نظر ما ندعوه مبدأ ((من أعلى إلى أسفل)): الله وملكوته أولا، ملحقة بأمور حياتنا الأرضية بأشكالها المختلفة.43
في بداية هذا الفصل، كنت قد أتيت على ذكر ابن أخي غريغ، الذي توفي بطريقة مأساوية، لأخبركم أن العزاء الوحيد للعائلة بأكملها كان من خلال تبني مبدأ ضرورة النظر إلى الأمور من أعلى إلى أسفل. في المستقبلعنما سنبلغ ((أفضل عالم ممكن بين جميع العالمين)) الذي عدنا الله به، تلك المدينة السماوية ((التي صانعها وبارئها الله)) (عبرانين 10:11)، سوف نتمتع بلم شمل كبير للعائلة لن ينتهي أبدا! الموت، الشر، الألم، الدموع، هذه كلها ستُصبح أمورا من الماضي البعيد.
أسئلة للتأمل والمناقشة
اشرح سبب ((استحالة التمييز بين الخير والشر ما لم يكن هناك مرجع مطلق للصلاح يُستخدم للحكم على الأمور.))
ماذا يعني الكاتب عندما قال: ((الإنسان المؤمن بوجود الله ليس في حاجة إلى الأدعاء بأن عالمنا الحالي هو الأفضل على الأطلاق، بل إنه الطريق الأفضل لبلوغ العالم الأمثل))؟
كيف يمكن لمبدأ ضرورة النظر إلى الأمور من أعلى لأسفل، أن يساعدك على محاربة الشر والألم؟ برأيك، ما هو السبيل لتبني موقف كهذا، والعمل بموجبه؟
Cited by Lee Strobel, “why Does God Allow Suffering?” (Message delivered at Saddleback Valley Community Church, El Toro, California, and 26 February 2000).
Ken Boa and Larry Moody, l’m Glad You asked (Colorado Springs: Victor, 1994), 129.
Norman L. Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids: Baker, 1999), 220.
Geisler; Baker Encyclopedia of Christian Apologetics, 220.
Millard J. Erickson, lntroducing Christian Doctrine (Grand Rapids: Baker, 1996), 138-39.
Erickson, lntroducing Christian Doctrine, 139.
Norman L. Geisler and Ronald M. Brooks, when Skeptics ask (Wheaton, lll.: Victor; 1990), 59-60.
Boa and Moody, l’m Glod you Asked, 122.
Cited in Erickson, lntroducing Christian Doctrine, 138-39.
Robert Morey, the New Atheism and the Erosion of Freedom (Minneapolis: Bethany House, 1986), 153.
Morey, the New Atheism, 153.
Paul E. Little, Know Why You Believe (Downers Grove, lll.: lnterVarsity Press, 1975), 81.
Little, Know Why You, Believe, 81.
Geisler and Brooks, When Skeptics Ask, 73.
Cited in Little, Know Why You Believe, 87.
Boa and Moody, l’m Glod You Asked, 131. ‘
Norman L. Geisleer and Jeff Amanu, “Evil,” in New Dictionary of Theology, ed. Sinclair B. Ferguson and David F. Wright (Downers Grove, lll.: lnterVarsity Press, 1988 ) ,242.
Rick Rood, “The Problem of Evil: How Can a Good God Allow Evil?” (1996), Probe Ministries website: http://www.probe.org
Boa and Moody, l’m Glod You Asked, 133.
Cited in Dan Stroy, Defending Your Faith (Nashville: Nelson, 1992), 171-72.
Geisler and Brooks, When Skeptics Ask, 73.
Geisler and Brooks, When Skeptics Ask, 64-65.
Little, Know Why You Believe, 81.
Story, Defending Your Faith, 176-77.
Harold Kushner, When Bad Things Happen to Good People (New York: Schocken, 1981), 134.
Kushner, When Bad Things Happen, 43.
Boa and Moody, l’m Glod you Asked, 127.
Mary Baker Eddy, Miscellaneous Writings (Boston: Christian Science Publishing Society, 1896), 27.
Emily Cady, lessons in Truth (Kansas City, Mo.: Unity School of Christianity, 1941), 35.
Ernest Holmes, What Religious Science Teaches (Los Angeles: Science of Mind Publications, 1974), 13.
Walter Martin, the Kingdom of the Cults (Minneapolis: Bethany House, 1997), 40-41.
David Spangler, Revelation: The Birth of a New Age (Middleton, Wis.: Lorian, 1976), 13.
Rabi Maharaj, “Death of a Guru: The Personal Testimony of Rabi Maharaj,” Christian Research Newsletter 3, no. 3 (1990), 2.
David Gershon and Gail Straub, Empowerment: The Art of Creating Your Life as You Want it (New York: Delta, 1989), 35.
Gershon and Straub, Empowerment, 36.
Shirley Maclaine, cited in Douglas Groothuis, ‘A Summary Critique,” book review of lt’s All in the Playing, in Christian Research Journal (Fall 1987):28.
Cited in Douglas Groothuis, “A Summary Critiquei’ “28.
Gary Zukav, the Seat of the Soul (New York: Simon and Schuster, 1989), 45.
See Norman L. Geisler, The Root of Evil (Dallas: Probe, 1989); C. S. Lewis, The Geat Divorce (New York: MacMillan, 1946); and C. S. Lewis, The Problem of Pain (New York: HarperCollins ,2001, reprint; first published, 1940).S
Geisler and Amanu, “evil,” 242.
Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics, 222.
Erickson, lntroducing Christian Doctrine, 141-42.
Gary R. Habermas and J. P. Moreland, lmmortality: The Other Side of Death (Nashville: Nelson, 1992), 185.
أسئلة صعبة عن الشر، ما هو أصله ولماذا يسمح الله به وهل يدل على محدودية الله؟ – رونالد رودز Ronald Rhodes
بما ان الشر موجود والمعاناة موجودة، فلا يمكن أن يوجد ألهُ محب – لي ستروبل
بما أن الشر موجود والمعاناة موجودة، فلا يمكن أن يوجد ألهٌ محب – لي ستروبل
بما أن الشر موجود والمعاناة موجودة، فلا يمكن أن يوجد ألهٌ محب – لي ستروبل
<<إما ان الله يريد أن يمحو الشر ولا يستطيع، أو إنه يستطيع لكنه لا يريد، أو إنه لا يستطيع ولا يريد، فلو كان يريد ولا يستطيع، فهو عاجز. ولو كان يستطيع ولا يريد، فهو شرير. ولكن لو كان الله يستطيع ويريد، فما تفسير وجود الشر في العالم؟ >>
أبيقور، فيلسوف
<<إن حقيقة المعاناة تشكل بلا شك التحدي الاعظم الوحيد للأيمان المسيحي، وقد كانت هكذا في كل جيل. إن توزيعها ودرجتها تبدو أنها عشوائية تماماً، ومن ثم غير عادلة، فالأرواح الحساسة تتساءل ما إذا كان يمكن أن تتوافق مع عدالة الله ومحبته>>.
جون ستوت، لاهوتي (1)
وبصفتي محرراً شاباً يسعى للمثالية تخرَّج حديثاً من كلية الصحافة، كان أحد أول ما طُلب مني في صحيفة شيكاغو تريبيون هو أن أكتب سلسلة مكونة من 30 جزءاً أصور فيها العائلات المعدمة التي تعيش في المدينة. وبما إنني نشأت في الضواحي المتجانسة، التي يطلق فيها على من يمتلك سيارة كاديلاك واحدة <<إنساناً معوزاً>>، سرعان ما وجدت نفيسي غارقاً في دوامة أكثر مناطق شيكاغو المعرضة للحرمان ولليأس. بطريقة ما، كانت خبرتي مماثلة لرد فعل تمبلتون لصورة المرأة الافريقية مع طفلها الميت.
على بُعد مسافة قصيرة من Chicago Magnificent Mile، حيث يجاور برج تريبيون الحكومي stately Tribune Tower، متاجر الموضة الفخمة والفنادق الفاخرة، دخلت الكوخ الضيق المظلم الفارغ الذي تتشاركه بير فكتا perfecta de Jesus البالغة من عمرها الستين عاما مع حفيدتيها.
لقد عشن هناك ما يقرب شهر، ومنذ ذلك الحين تعرض مسكنهن السابق المستعمر بالصراصير للحريق.
كانت بيرفكتا – وهي ضعيفة سقيمة – قد مفذتْ نقودها قبل أسابيع، وقد تلقت كمية صغيرة من معونات أغذية الطوارئ. كانت تمد فترة الطعام بتقديم مجرد الارز والفاصوليا مع قطع من اللحوم وجبة بعد الاخرى. وسرعان من نفذتْ اللحوم، ثم الفاصوليا، وكان كل ما تبقى حفنة من الارز. وحينما جاءت أخيراً المعونة الحكومية المتأخرة، سرعان ما نفذتْ بدفع الايجار وفواتير الخدمات العامة، وعادت الاسرة من حيث بدأت.
كانت الشقة خالية تماماً تقريباً؛ بلا أثاثٍ أو أجهزة، أو سجاد. كانت الكلمات تتردد صداها خارج الجدران الباقية والارضية الخشبية الباردة. حينما انطلقت حفيدتها ليديا البالغة من العمر 11 عاماً في مسيرة نصف ميل الى المدرسة في الصباح الشتوي القارص، كانت ترتدي مجرد سويتر رمادي خفيف فوق فستانها الملون ذي الاكمام القصيرة. وفي منتصف طريقها الى المدرسة، كانت تعطي هذا السويتر الى لأختها جيني المرتعشة من البرد، والبالغ من عمرها 13 عاماً، التي ترتدي فستاناً بلا أكمام، وكانت جيني تلف السويتر حول جسدها لبقية الطريق. كانت هذه هي كل الملابس التي يملكنها.
شرحت لي بيرفكتا بالإسبانية: <<أحاول أن أعتني بالبنات بقدر ما أستطيع؛ فهن طيبات ولا يتذمرن>>. (2)
بعد ساعاتٍ، وبعد أن عدتُ بأمانٍ الى شقتي الفاخرة المطلة على البحيرة برؤية مثيرة لأغنى ضواحي شيكاغو، شعرتُ بالذهول للتناقض. لو كان هناك الله، فلماذا يشعر الناس الطيببون مثل بيرفكتا وحفيدتها بالبرد وبالجوع وسط واحدة من أعظم مدن العالم؟ يوماً بعد يوم بينما توليت البحث من أجل سلسلة مقالاتي، قابلت أناساً في ظروف مشابهة أو أسوأ من ذلك. وكانت استجابتي هي أن أتعمق في الحادي.
كان غذائي اليومي كصحفي المصاعب، والمعاناة، والحسرة، وقسوة الانسان لأخيه الانسان. وكان هذا لا يظهر في صور المجلات من أماكن بعيدة، ولكنه كان ألم الحياة اليومية بصورة شخصية.
نظرت في عيني أم شابة كانت قد أخبرت حالاً أن أبنتها الوحيدة تعرضت للتحرش والتشويه والقتل. أصغيت لشهادة المحكمة وهي تصف الاهوال المرعبة التي ارتكبت ضد الضحايا الابرياء. زرت السجون الفوضوية المفعة بالضجيج، وعشوائيات المجتمع، والحضانات ذات الميزانيات المنخفضة حيث كبار السن يتحسرون أن أحباءهم قد تركوهم، وعنابر مستشفيات الاطفال الضعفاء يحاربون دون جدوى ضد النمو العنيد للسرطان، والمدن الداخلية المشوشة بالجريمة حيث تجار المخدرات وأطلاق النار أمور عادية تماماً.
ولكن لم يصدمني شيء بقدر ما صدمتني زيارة لضواحي بومباي، الهند. فعلى طول جانبي الشوارع المزعجة القذرة المزدحمة، على مرمى البصر، كانت هناك أكواخ صغيرة من الخيش والكرتون. وكانت على يمين الطريق أتوبيسات وسيارات تطلق عوادمها وادخنتها. كان الاطفال العرايا يلعبون في خناق الصرف الممتدة عبر المنطقة. وكان الناس ذوي الاعضاء أو الاجسام المفقودة الذين تلتويهم التشوهات يجلسون في التراب في سلبية. كانت الحشرات تطنّ في كل مكان. لقد كان هذا منظراً مرعباً؛ ففي مكان ما قال لي سائق تاكسي أن الناس يولدون على جانب الطريق، ويعيشون حياتهم بأكملها على جانبي الطريق، ثم يموتون قبل الاوان على جانبي الطريق.
ثم قابلتُ وجهاً صبياً في العاشرة من عمره، تقريبا في نفس عمر أبني كايل في ذلك الوقت، كان الطفل هزيلاً سيئ التغذية، وكان شعره متسخاً متلبداً. كانت إحدى عيناه مريضة ونصف مغلقة، وكانت الاخرى تحملق بلا تعبيرات. كان الدم ينبثق من الضروس التي في وجههِ. مدَّ يده وتلعثم بكلمة بالهندية، بدا أنه يستعطف بها نقوداً. لكن صوته كان نغمة كئيبة لا حياةً فيها، كما لو كان لا يتوقع أي استجابة، كما لو كان قد فقد كل رجاء.
أين الله في تلك البقعة الفاسدة من الجحيم؟ لو كانت لديه القوة الفورية لشفاء ذلك الصغير، فلماذا أمتنع عن ذلك؟ لو كان يحب هؤلاء الناس، فلماذا لم يظهرُ لهم ذلك بأنفاذهم؟ وتساءلتُ قائلاً: <<هل هذا هو السبب الحقيقي: أن وجود مثل هذه المعاناة المرعبة التي تسحق القلب تبرهن فعلا على عدم وجود أب محب صالح؟ >>
فهم المعاناة
كل أنسان واجه الألم والحزن. فمرض القلب أدى الى وفاة أبي حينما كان يجب أن يعيش في سنوات طويلة كي يرى حفاده يكبرون. وأنا سهرتُ في وحدة العناية المركزة للمواليد حيث كانت أبنتي الجديدة تصارع مرضاً غامضاً هدد حياتها وأزعج أطباؤها. هرعت للمستشفى بعد مكالمة أليمة من صديق قام سائق سكير بضرب أبنتهِ، وكنتُ أمسك أيديهم في تلك اللحظة التي فاضت فيها روح الصغيرة. اضطرت أن أعلن الاخبار لطفلين صغيرين من أبناء إحدى صديقاتي، وهو أن امها قد انتحرت. رأيتُ رفاق الطفولة يستسلمون للسرطان، ولمرض Lou Gehrig، ولأمراض القلب، ولحوادث السيارات. رأيتُ الزهايمر وهو يسلب ذهن أحد الأطباء، أني متأكد أنه يمكنك أن تحكي قصصاً مشابهة من الألم الشخصي.
لقد انطلقنا مؤخرا من قرن غير مسبوق بقسوته وحشيته، حيثُ ضحايا الطغاة كهتلر، وستالين، وبول بوت، وماوتسي – تانج يقدر بعشرات الملايين. إن ضخامة القسوة تُخدرُ أذهاننا، لكننا عادة ما نقابل قصة تشخص الرعب وتجعلنا نرتعد من جديد.
مثال ذلك التقرير الذي كنت أقراه مؤخراً عن صحفي أيطالي خلال الحرب العالمية الثانية كان يزور بافيليك، قائد كرواتيا الموالي للنازية. فعرض له بافيليك متفاخراً سلة فيها ما يشبه المحار. وقال إنها كانت هدية من قواته-40 رطلاً من العيون البشرية. تذكار بسيط من مذبحتهم للعرب، واليهود، والغجر. (3).
نقرأ قصصاً مثل هذه – الشرور المرعبة كالهولوكوست، حقول كمبدوديا القاتلة، الابادة الجماعية في رواندا، وغرف التعذيب في أمريكا الجنوبية – ولا يسعنا إلا التساؤل: أين الله؟ نشاهد التغطية التلفزيونية للزلازل والاعاصير التي يموت فيها الالاف، ونتساءل: لماذا لم يمنع الله هذا؟ نقرا إحصائية إن ألف مليون أنسان في العالم يفتقدون احتياجات الحياة الرئيسية، ونتساءل: لماذا لا يهتم الله؟ ربما نعاني بأنفسنا من ألم متواصل أو خسارة مؤلمة أو ظروف يائسة على ما يبدو، ونتساءل: لماذا لا يساعدنا الله؟ لو كان الله محباً، ولو كان كلي القدرة، ولو كان صالحاً، فكل هذه المعاناة لن توجد بالتأكيد. ومع ذلك فهي موجودة.
والأسوأ من ذلك، أن الأبرياء غالباً ما يكونوا الضحايا. كتب اللا أدري الذي صار مسيحياً شيلدون فانوكين: <<لو كان الاشرار فقط هم الذين يصابون بآلام الظهر وبالسرطان، ولو كان الغشاشون والملتوون فقط هم الذين يصابون بمرض شلل الرعاش، لرأينا نوعاً من العدالة السماوية في الكون. >>
ولكن، كما هو الحال نرى طفلاً جميلاً متزنا يحتضر من ورم في المخ، وزوجة شابة سعيدة ترى زوجها وطفلها يقتلهما سائق سكير أمام عينيها، و….نصرخ من الاعماق الى النجوم: <<لماذا؟ لماذا؟ >> ولا يساعدنا ذكر الله – أو إرادة الله. كيف يمكن الإله صالح، الهٍ محب، أن يفعل ذلك؟
كيف يمكنه أن يسمح حتى بحدوثه؟ ولا أجابه تأتينا من النجوم اللامبالية. (4).
يفتتح الكاتب المسيحي فيليب يانسي كتابه الشهير عن المعاناة بفصلٍ له عنوان مناسب <<مشكلة لن ترحل بعيداً>> (5) ليس هذا مجرد موضوع معرفي للمناقشة في الساحة الاكاديمية العقيمة، لكنه أمرٌ شخصي تماماً يمكنهُ ان يربط عواطفنا، ويتركنا في دوار روحي – مرتبكين، مرتعبين، وغاضبين. أشار كاتب لمشكلة الالم بأنها <<علامة الاستفهام التي أصبحت كالخطاف في القلب البشري>> (6).
في الواقع، هذه أكبر عقبة وحيدة أمام الباحثين الروحيين. لقد فوضت جورج بارنا – مستطلع رأي عام – أن يقوم بعمل استفتاء محلي سأل فيه قطاعاً عريضاً من البالغين المختارين بطريقة عملية: <<لو أتيح لك أن تسأل الله سؤالاً واحداً، وعرفت أنه سيرد عليك، فماذا ستسأله؟ >> وكانت أعلى استجابة قدمها 17% ممن قالوا إن لديهم سؤالاً: هي:<<لماذا يوجد الألم والمعاناة في العالم؟ >> (7).
تشارلز تمبلتون أيضاً طالب بإجابة هذا السؤال. وقد بدا انسحابه من الأيمان إثر صورة تلك المرأة الافريقية – المنشورة في مجلة لايف – وهي تحمل طفلها الميت بسبب نقص بسيط في المطر. في كتابه الذي يستنكر المسيحية، يسرد تمبلتون سلسلة من المأسي من التاريخ القديم والحديث، ثم يُعلن:
<<إلهٌ محب>> لا مكنه ان يكون مصدر الأهوال التي كنا نصفها – الاهوال التي تستمر كل يوم، قد تواصلت منذ بدأ الزمان، وسوف تستمر على مدى الحياة. أنها حكاية لا يمكنها تصورها عن المعاناة والموت. والان الحكاية حقيقية، أي تمثل في الواقع تاريخ العالم، فمن الواضح أنه لا يمكن أن يوجد إلهٌ محب>>. (8).
لا يمكن؟ وهل وجود المعاناة يعني بالضرورة غياب الله؟ هل عقبة الأيمان هذه لا تقهر؟ لكي أؤمن من أعماق القلب بابٍ محب كلي القدرة، هل يلزمني ان أتجاهل حقيقة الشر والألم من حولي؟ كصحفي، ولم يكن هناك اختيار. اضطرت أن أهتم بكل الحقائق، وكل الادلة، دون أن أقلل من شأن شيء.
كنتُ أناقش هذه الموضوعات مع ليزلي في فترة حساسة من حياتها. كان عمها قد مات حالاً، وعمتها قد شخص لها بإصابتها بالزهايمر وبالسرطان المتأخر. وفيما كانت قد تأثرت بهذا الاضطراب، كانت متيقظة لأي أنسان يحاول أن يعطيها إجابات سهلة.
فحذرتْ قائلة: << لو أعتقد أي أنسانٍ أن بإمكانه ان يضع كل الامور في شكل منظم بسيط، ويُغلفه بتفسيرٍ لاهوتي جميل، فليذهب لمكان أخر>>.
علمتُ أنها كانت على حق. ولهذا رتبت مكالمة هاتفية لكلية بوسطن وطلبتُ تحديد ميعاد مع مؤلف كتاب <<فهم المعاناة>>
وهو كتاب كان عنوانه يلخص تماماً ما كنتُ أسعى اليه.
اللقاء الاول: بيتر جون كريفت – دكتوراه في الفلسفة
أودُ أن أشير الى بيتر كريفت باعتباره <<اللافيلسوف>>. وهذا ليس معناه أنه ليس بفيلسوف، فهو في الحقيقة فيلسوف مفكر من الدرجة الاولى، إذ يحمل شهادة دكتوراه من جامعة فوردهام، ودراسات عليا في جامعة ييل، ولديه خبرة مدة 38 عاماً كأستاذ فلسفة في جامعة فيلانوفا، وجامعة بوسطن (منذ عام 1965). لقد حاضر مثل هذه المحاضرات كالميتافيزيقا، والأخلاق، والتصوف، والجنس، والفلسفة الشرقية، واليونانية، والمعاصرة، وفلسفة العصور الوسطى. وحصل على الكثير من الامتيازات كعضوية وودر ويلسون، وييل- ستيرلنج.
ومع ذلك، فلو كنت بصدد أن تستحضر لذهنك صورة عقلية لفيلسوف تقليدي، فمن المحتمل ألا يخطر كريفت على بالك.
فألفلاسفة يتخيلهم الاخرون بشكل عام على أنهم مملين قليلاً، ويتكلمون في جملٍ غامضة ومعقدة، ساكنين في الابراج الاكاديمية العاجية المنعزلة، وحادين لدرجة العناد.
على النقيض من ذلك، يعطي كريفت إجابات واقعية حقيقة بأسلوب مُلفت وممتع، وهو يتواصل بوضوح، غالباً بتكرار مشهور لجمل معينة، ويتمتع بابتسامة عريضة، ولا يمكنه أن يمنع نفسه من ألقاء النكات حتى عن أقدس الموضوعات، ورغم أنه في الثانية والستين من عمره، إلا أنه يمكنه أن يوجد باستمرار على أي شاطئ وهو يمارس هواية التجذيف (في كتاب لاحق له، سيكون أحد عناوين فصولهِ <<أنا أجذف، إذاً أنا موجود>>.
كتب كريفت وهو كاثوليكي يقرأه البروتستانت أيضا على نطاق واسع-أكثر من 40 كتاباً بما فيها <<ألحب أقوى من الموت>>؛ السماء: أعمق أشتياقات القلب؛ الصلاة: الحوار العظيم؛ دحض النسبية الأخلاقية؛ دليل الدفاع المسيحي (مع رونالد تاسيللي). إن خياله النافذ واضح بشكل خاص في كتابه <<بين السماء والجحيم>> الذي يُصوَّر سي إس لويس، وجون ف.كينيدي، الدس هكسلي بعد الموت يتجادلون حول المسيح، وفي كتابه <<سقراط يقابل يسوع>> الذي يصير فيه المفكر القديم مسيحياً في كلية لاهوت هارفارد.
لمست روح دعابة كريفت غير العادية حتى قبل أن ادخل مكتبهِ. فبينما كانت أبواب المكاتب الستة عشرة الاخرى قاتمة اللون، والممر خافت الاضاءة غير مجهولة المعالم، كان مكتب كريفت مزيناً بكارتون دونسبيري & ديلبرت وتذكارات أخرى فكاهية – رسم ثور مطعون بضربة، صورة ألبرت أينشتاين وهو يُخرج لسانه في مرح، كرتون فيه يُحيي الشيطان الناس في الجحيم قائلاً: <<ستجدون أنه لا يوجد صواب أو خطأ هنا – فقط ما يُناسبكم>>.
كان ما جذبني الى كريفت هو كتابه النافذ عن المعاناة، والذي ينسج فيه بمهارة رحلة استكشافية من خلال سقراط، وأفلاطون، وأرسطو؛ ومن خلال أوغسطينوس، وكيركيجارد، وديستوفسكي؛ ومن خلال سلسلة أفلام رحلة عبر النجوم Start Trek، وقصة الاطفال <<الارنب المخلمي The velveteen Rabbit، وهاملت؛ ومن خلال موسى، وأيوب، وأرميا. وطول الطريق هناك مفاتيح الحل التي تلتقي أخيراً وحتماً عند يسوع ودموع الله.
وصلتُ مبكراً وانتظرته في المدخل. وسرعان ما وصل منتعشاُ من اجتماع فلسفي كان قد عُقدَ في مكان ما في بوسطن. وكان معطفه البني الصوفي، ونظارته السميكة، وشعره الرمادي الاسمر المُرتب قد منحاه مظهراً أبوياً. جلس خلف مكتبهِ (وأمامه لوحة تقول: <<لا للكآبة>>، وبدأنا بالثرثرة العادية حول فريقه المحبوب بوسطن ريد سوكس – وهو موضوع مناسب لموضوعنا عن المعاناة!
لكني أنداك غيرت مساري. فلم يكن هناك مدخلٌ أخر إلا أن اواجه كريفت باعتراضات تمبلتون الحادة ضد المسيحية المتمثلة في تلك الصورة المنشورة في مجلة لايف Life؛ والتي تُصوَّر أماً متحسرة تحمل طفلها الميت في أفريقيا المنكوبة بالجفاف.
دب، وفخ، وصياد، والله
بمواجهة كريفت بنفس الحدة الانفعالية التي صوَّرها لي تمبلتون، وصفت له الصورة، ثم اقتبست كلمات المُبشر السابق كلمةً كلمة:
فكرتُ قائلا: <<هل من الممكن أن أؤمن بوجود خالق محب أو مهتم بينما كان كل ما تحتاجه هذه المراة هو المطر؟ كيف يمكن الإله محب أن يفعل هذا لتلك المرأة؟ مَنْ يُجري المطر؟ لا أنا، ولا أنت، بل هو – أو هذا ما كنتُ أعتقد. لكنني حينما رأيتُ هذه الصورة، عرفت على الفور أنه من غير الممكن أن يحدث هذا طالما أن هناك ألهاً محباً. ولم تكن هناك طريقة. مَنْ سوى عدو يمكنه أن يفني طفلاً ويقتل أمه بالعذاب – بينما كل المطلوب هو المطر؟ ثم بدأتُ أنا…مفكراً في الامراض التي تحصد أجزاء واسعة من كوكب الارض وفي النهاية تقتل بلا تمييز… قد أصبح من الواضح جداً بالنسبة لي أنه من غير الممكن لإنسانٍ ذكي أن يؤمن أن هناك إلهاً يُحب.
تطلعتُ من بين مذكراتي. فتثبتتْ عينا البروفسور عليَّ. وفيما واجهتهُ بقوةٍ، منحنياً الى الامام وأنا في مقعدي باحثاً عن تأكيدٍ، قلتُ في نغمةٍ أشد أتهاماً: << د. كريفت، أنت أنسانٌ عالم وتؤمن بإلهٍ يحب. فكيف ترد على تمبلتون؟ >>
سعل كريفت لتنقية صوته. وبداً قائلاً: <<أولاً سأُركز على كلماته التي تقول: <<من غير الممكن>>، فحتى ديفيد هيوم – أحد أشهر المتشككين في التاريخ – قال إنه من الممكن أن يكون الله موجوداً بالكاد. وهذا على الاقل وضعٌ عقلاني نوعاً ما – أن نقول إن هناك أمكانية بسيطة على الاقل. ولكن أن نقول لا أمكانية لوجود أله محب يعرف أكثر جداً مما نعرف، بما فيه مستقبلنا، يمكن أن يتساهل مع مثل ذاك الشر الذي يراه تمبلتون في أفريقيا – حسناً، فهذا سيشير إلى أنني متكبرا معرفياً. >>
صدمني هذا. فسألته: <<حقاً>> كيف هذا؟ >>
فسألني: << كيف يمكن لمجرد أنسانٍ محدود أن يتأكد أن الحكمة اللامحدودة لا تسمح بشرورٍ معينة قصيرة المدى في سبيل خيرات طويلة المدى لم نستطع ان نتنبأ بها؟
استطعت أن أفهم ما يقصده، لكني أردتُ مثالاً. فالتمست قائلاً: <<وضح قليلاً. >>
فكر كريفت للحظةٍ وقال: <<فكر في الامر هكذا، هل توافق بأن الاختلافات بيننا وبين الله أعظم من اختلاف بيننا وبين الدب مثلاً؟
فأومأّتُ رأسي موافقاً. فقال: <<حسناً إذاً، تخيل دباً واقعاً في فخ، وهناك صيادٌ – من واقع شفقتهِ – يريد أنه يحُرّره. يحاول الصياد أن يكسب ثقة الدب، لكنه لا يستطيع، ولهذا يضطر أن يصطاده بمادة مخدرة. ومع ذلك فإن الدب يحسب هذا هجوماً عليه، وأن الصياد يحاول قتله. ولا يدرك أن هذا كله بدافع الشفقة.
<<ولذلك، لكي يُخرج الصياد الدب من الفخ، عليه أن يدفعه أكثر داخل الفخ حتى يخفف من توتر الدب المتحفز. ولو كان الدب واعياً وعياً متوسطاً في تلك المرحلة، فسوف يكون أكثر اقتناعا أن الصياد هو عدوه الذي أنطلق ليسبب له المعاناة والألم.
ولكن الدب سيكون على خطأ، فهو يصل لذلك الاستنتاج الخاطئ لانه ليس أنساناً.
سمح كريف أن يتردد صدى المثال للحظات. وأستنتج قائلاً: <<وألان، كيف يمكن لأي أنسان أن يكون متأكدا ان هذا ليس تشابها جزئياً بيننا وبين الله؟ أؤمن أن الله يفعل نفس الشيء لنا أحياناً، ونحن لا نفهم لماذا يفعل ذلك – كالدب الذي لا يفهم دوافع الصياد. فكيف كان للدب يمكنه أن يثق بالصياد، هكذا يمكننا نحن أن نثق بالله>>.
الإيمان والتحيز
توقفتُ لافكر في فكرة كريفت، لكنه واصل حديثهُ قبل ان أجيب.
فقال: <<ومع ذلك، فأنا لا أريد بالطبع أن أحط من قدر تمبلتون. فهو سيستجيب بأسلوب أمين جداً ومفعم بالمشاعر لحقيقة أن هناك شيئاً يُحسب ضد الله. فالإيمان يمكنه أن يوجد فقط في عالمٍ يكون فيه الايمان صعباً. أنا لا أؤمن بأن 2+2=4 أو بشمس الظهيرة؛ فهذه أمور خارج المناقشة. لكن الكتاب المقدس يصف الله كاله مُحتجب. عليك أن تقوم بمجهود أيماني حتى تجده. هناك مفاتيح يمكنك أن تتبعها.
<<ولو لم تكن الامور هكذا، لو كان شيء أكبر أو اقل من مفاتيح الحل، فمن الصعب بالنسبة لي أن أفهم كيف يمكننا حقاً أن نتحرّر لعمل اختيار بخصوصهِ. لو كان لدينا دليل قاطعٌ بدلاً من مفاتيح الحل، فلا يمكنك فيما بعد أن تنكر الله أكثر من أنكارك الشمس. ولو لم يكن لدينا دليلٌ على الاطلاق، فلن تصل أبداً. الله يعطينا مجرد الدليل الكافي حتى أن الذين يريدونه يكون لهم. أولئك الذين يريدون أتباع مفاتيح الحل سيفعلون ذلك.
يقول الكتاب المقدس: <<اطلبوا تجدوا>>(9) إنه لا يقول إن كل أنسان سيجده، ولا يقول إنه لن يجده إنسان. بل بعض سيجدون. فمن هم؟ مَنْ يطلبون. أولئك الذين قلوبهم مكرَّسة للعثور عليه، وأولئك الذين يتبعون مفاتيح الحل>>.
فقلت فجأة: <<مهلاً، فمنذ قليل صَرَّحتَ أن <<هناك شيئاً يحسب ضد الله>>، وأن الشر والمعاناة أدلة ضده. ألا تُسلمِّ إذاً أن الشر يبرهن على عدم وجود الله؟ >> ضربتُ يدي على مكتبهِ، وصرختُ بسخرية الانتصار قائلاً: <<انتهت القضية! >>
فتراجع كريفت قليلاً أثر ثورتي وصمم قائلاً وهو يهز رأسهِ: <<لا، لا، أولاً لا يمكن أن يكون الدليل بالضرورة مؤكداً أو حاسماً. فأنا أقول إن هناك دليلاً ضد الله ودليلاً مع الله. أوغسطينوس عبرَّ عن ذلك بمنتهى البساطة: <<لو لم يكن هناك الله، فلماذا هناك الكثير جداً من الخير؟ ولو كان هناك الله، فلماذا يوجد الكثير جداً من الشر؟ >>.
<<لا جدال أن وجود الشر حُجة ضد الله، لكنني في أحد كتبي أُلخص 20 حجة تشير بأقناع في الاتجاه الاخر، في صالح وجود الله. (10) لابدَّ على الملحدين أن يردوا على البشرية الحجج كلها، وعلى المؤمنين أن يردوا على حجة واحدة فقط. ومع ذلك، فكل منا عليه ان يدلي بصوتهِ. الايمان عامل يتطلب استجابة. وعلى عكس العقلانية التي تنحني في خضوع للدليل، فأن الايمان متحيز. >>
أثارتني هذه الكلمة الاخيرة، فسألته: <<ماذا تعني ب <<متحيز؟ >>
فأجابني: <<أفترض أن رجال شرطة دخلوا هذه الغرفة وقالوا إنهم قد أمسكوا للتو زوجتي وهي تقتل 13 فرداً من الجيران بقطع رءوسهم، وأن لديهم شهوداً، يمكنني أن اسخر منه قائلاً: <<لا، لا يمكن أن يكون هذا، أنت لا تعرفها كما أعرفها أنا. >> فيقول: <<أين دليلك؟ >> فأجيبه: <<أنه دليل من نوع مختلف عن دليلك أنت. ولكن هناك دليل أن هذا لا يمكن أن يكون قد حدث>>. وهكذا فأنا متحيز.
<<ومع ذلك، فأن تحيزي هو تحيزٌ معقول لأنه مبني على دليل الذي حصته من نفس خبرتي الواقعية. ولذلك فأن من يعرف الله يملك الدليل – ومن ثم يتحيز بناءَّ على هذا الدليل الذي يملكه من لا يعرف الله>>.
الشر كدليل في صالح الله
توقف كريفت عدة ثواني قبل أضافة تلك الاشارة غير المتوقعة والمضادة للحدس: <<بالإضافة الى ذلك، فأن دليل الشر والمعاناة يمكنه أن يسير في كلا الاتجاهين – ففي الواقع يمكنه أن يستخدم في صالح الله>>.
انتصبت في جلوسي وتساءلت: <<هل هذا معقول؟ >>
فقال كريفت: <<فكر في هذا: لو كان تمبلتون على حق بالاستجابة لهذه الاحداث بثورة، فسوف تكون تلك الافتراضات المسبقة حقاً اختلاف بين الخير والشر. إن حقيقة أنه يستخدم معيار الخير للحكم على الشر – أي حقيقة أنه يقول بكل حق إن هذه المعاناة المرعبة ليست ما يجب ان يكون – معناها أن لديه مفهوماً عما يجب أن يكون، وأن هذا المفهوم يقابل شيئاً واقعياً؛ هذه الحقيقة أسمها الخير الاسمي. حسناً، أنها أسماً أخر الله Supreme Good>>.
بدا هذا الكلام وكأنه براعة فلسفية. وفي حرص لحضتُ فكرة كريفت كي أرى ما أن إذا كنتُ قد فهمتها. وسألتهُ: <<هل تقصد أن تمبلتون من الممكن أن يشهد – دون أن يدري – عن حقيقة الله، لأنه بتعريف الشر يفترض بالتالي أن هناك معياراً موضوعياً يبني عليهِ؟ >>
فأجبني: <<هذا صحيح. فلو أعطيتُ طالباً 90 درجة وأخر 80، فهذا يفترض مسبقاً أن المائة درجة هي المعيار الحقيقي. وهذه فكرتي: لو لم يكن هناك الله، فمن جئنا بمعيار الخير الذي يحكم به على الاشرار بأنه شرٍ؟ >> والأهم – كما قال موسى سي أس لويس – لو كان الكون رديئاً جداً…فكيف يمكن للبشر من نسب ذلك لعمل خالق حكيم صالح؟ >> وبأسلوب آخر، فأن وجود هذه الافكار نفسها في عقولنا – مثل فكرة الشر، والافكار الخاصة بالخير، والله كمصدر ومعيار الخير – تحتاج تفسيراً>>.
قلتُ تأملاً: <<نعم، لو لم يكن هناك الخالق، ومن ثم لا توجد لحظة خلق، يكون كل شيء نتيجة التطور. لو لم تكن هناك بداية أو عَلة أولى، فلا بدَّ أن يكون الكون قد وُجَدَ على الدوام. وهذا معناه أن الكون كان يتطور لمدة لانهائية من الزمن – وبهذه الخطة يكون كل شيء مكتملاً تماماً. وكانت ستكون هناك الوفرة من الوقت للتطور. ولكن ما زال الشر والمعاناة والنقص موجوداً – وهذا برهان أن الملحد مخطئ بخصوص الكون>>.
فقلتُ: <<ربما يكون أجابه سهلة، ولو جاز التعبير، أجابه رخيصة. فالإلحاد رخيص بالنسبة للناس، لأنه يقول باستعلاء ان تسعة عشرة اشخاص عبر التاريخ كانوا مخطئين بخصوص الله وكانت لديهم أكذوبة في أعماق قلوبهم.
فكر في الامر. كيف يمكن أن 90% من كل البشر الذين عاشوا عبر العصور – أحيانا في ظروفٍ أشد ألماً من ظروفنا نحن – استطاعوا أن يؤمنوا بالله؟ إن الدليل الموضوعي، أي مجرد النظر الى معيار المتعة والمعاناة في العالم، لا يبدو أنه يُبرِّر الايمان بالهٍ صالح تماماً. لكن هذا ما أؤمن به على مستوى العالم تقريباً.
<<هل كلهم مجانين؟ حسناً، أعتقد أنه يمكنك ان تؤمن بذلك لو كنتَ من الصفوة نوعاً ما. ولكن ربما -مثل ليو تولستوي – يكون علينا ان نتعلم من الفلاحين. ففي سيرته الذاتية، يتصارع مع مشكلة الشر. لقد رأى أن الحياة فيها من المعاناة أكثر من المتعة، وفيها الشر أكثر من الخير؛ ومن ثم فقد كانت تبدو بلا معنى. كان يائساً جداً حتى أنه حاول قتل نفسه. وقال إن لم يعرف كيف يمكنه تحمل ذلك.
ثم قال: <<مهلاً، فمعظم الناس يتحملون حقاً، معظم الناس يعيشون حياة أشد قسوة من حياتي، ومع ذلك يجدونها رائعة. كيف يمكنهم ذلك؟ لا بالتفاسير، بل الايمان.>> لقد سمع من الفلاحين ووجد الايمان والرجاء. (11).
<<ولذلك فالإلحاد يعامل البشر بأسلوب رخيص. وهو أيضا يسلب المعنى من الموت. فلو كان الموت بلا معنى، فكيف يكون للحياة أخيراً معنى، أن الإلحاد يُرّخص كل ما يلمسه. أنظر الى نتائج الشيوعية – أقوى صور للإلحاد الموجودة على الارض.
<<وفي النهاية، حينما يموت الملحد ويقابل الله بدلاً من العدم الذي يتوقعهُ، فسوف يعرف ان الإلحاد كان أجابه رخيصة لأنه فرض الشيء الوحيد الغير رخيص – إله القيمة اللانهائية. >>
مشكلة منطق
لقد أطلق كريفت بعض النقاط المبدئية الشيقة، لكننا كنا نتأرجح حول الموضوع قليلاً، وقد آن أوان تسوية الامور. باستخراج بعض النقاط التي كتبتها في عجالةٍ في الطائرة، تحديثُ كريفت بسؤالٍ بلور المناظرة.
قلتُ: <<المسيحين يؤمنون بخمسة أمورٍ: أولاً أن الله موجود؛ ثانياً أن الله كُلَّي الصلاح؛ ثالثاً: أن الله كُلَّي القدرة؛ رابعاً: أن الله كُلَّي الحكمة؛ خامساً: أن الشر موجود. والان، كيف يمكن أن تكون كل هذه الامور صحيحة في نفس الوقت؟ >>
ارتسمت ابتسامة غامضة على وجه كريفت، وقال: <<يبدو أنها لا يمكن أن تكون كذلك. أتذكر واعظاً متحرراً حاول مرة أن يبعدني عن متابعة الأصوليين. وقال لي: <<توجد مشكلة منطقية هنا – فأنت يمكنك أن تكون ذكياً، أو شريفاً، أو أصوليا، أو أي من اثنين أو الثلاثة، ولكن ليس الثلاثة معاً. وقال صديقي الاصولي: <<سأقول لك، يمكنك أن تكون شريفاً، أو ذكياً، أو متحرراً، أو اي من الاثنين، ولكن ليس الثلاثة كلها>>.
ضحكت بسماع القصة، وقلت: <<لدينا نفس نوع المشكلة المنطقية>>.
فقال: <<نعم يبدو أنه عليك أن تطرح جانباً أحد هذه المعتقدات. فلو كان الله كُلَّي القدرة، فهو يمكنه كل شيء. ولو كان كُلَّي الاصلاح، فهو يريد الخير وحده. ولو كان كُلَّي الحكمة، فهو يعرف ما هو الخير. وهكذا لو كانت كل هذه المعتقدات صحيحة – وأن المسيحيون يؤمنون بصحتها – فيبدو أن النتيجة هي الشر لا يمكنهُ أن يوجد. >>
فقلتُ: <<لكن الشر موجود حقاً، أليس من المنطقي إذن أن نفترض أن مثل هذه الإله غير موجود؟ >>
فقال: <<لا، فسوف أقولُ لك إما أن تكون أحد هذه المعتقدات عنه الخاطئة، أو أننا لابدَّ أننا لانفهما بالطريقة الصحيحة>>.
آن أوان الاستكشاف؛ فدعوتُ كريفت بسرعة لفحص هذه الصفات الإلهية الثلاث: الله كُلَّي القدرة، كُلَّي الصلاح، وكُلَّي المعرفة – واحدة في كل مرة في ضوء وجود البشر.
الصفة الأولى: الله كُلَّي القدرة
تساءل كريفت: <<ماذا نقصد حينما نقول إن الله كُلَّي القدرة؟ >> ثم أجاب: <<هذا معناه أنه يمكنه أن يفعل كل شيء له معنى، كل شيء ممكن، كل شيء يُشكَّل معنى بوجه عام. الله لا يمكنه أن يجعل نفسه يتوقف عن الوجود. ولا يمكنه أن يجعل الخير شراً. >>
فقلتُ: <<لذلك فهناك بعض الاشياء التي لا يمكن أن يقوم بها الله رغم إنه كُلَّي القدرة. >>
فأجاب: <<في وضوح، لأنه الله كُلَّي القدرة، لا يمكنه القيام ببعض الاشياء. لا يمكنه ارتكاب الاخطاء. فالكائنات الغبية الضعيفة فقط هي التي تخطئ. واحد من هذه الاخطاء هو محاولة خلق معارضة ذاتية مثل 2+2=5 أو عمل مربع دائري.
<<والان، فإن الدافع الكلاسيكي عن الله ضد مشكلة الشر هو إنه من غير الممكن منطقياً أن تكون لدينا حرية الارادة وعدم إمكانية الشر الأخلاقي، وبأسلوب أخر، ذات مرة أختار الله أن يخلق البشر بحرية إرادة، فكان الاختيار يعود إليهم أكثر مما يعود الى الله فيما يخص وجود الخطية من عدمهِ. هذا هو معنى حرية الارادة. إن فرصة الشر، ومن ثم المعاناة الناتجة عن ذلك، مبنية في موقف الله وهو يقرر أن يخلق البشر>>.
<<إذاً الله هو خالق الشر؟ >>
<<لا، لقد خلق الله إمكانية الشر، والناس قاموا بتفعيل هذه الإمكانية. مصدر الشر ليس قوة الله بل حرية البشر. فحتى الله كُلَّي القدرة لم يمكنه أن يخلق عالماً تكون فيه للناس حرية أصلية، ومن ثم لا تكون هناك أمكانية للخطية؛ وذلك لان حريتنا تتضمن أمكانية الخطية بمعناها الطبيعي. أنها معارضة ذاتية – عدم العدم – أن يكون هناك عالم يكون فيه اختيار حقيقي بينما لا تكون فيه – في نفس الوقت – أمكانية اختيار الشر. وأن تسأل لماذا لم يخلق الله مثل هذا العالم هو أن تسأل لماذا لم يخلق الله لوناً لا لون له، أو لماذا لم يخلق مربعات دائرية>>.
<<إذن لماذا لم يخلق الله عالماً بلا حرية إنسانية؟ >>
<<لأن هذا سيكون عالماً بلا بشر. هل يمكن وجود مكان بلا كراهية؟ نعم. مكان بلا معاناة؟ نعم، ولكنه سيكون أيضاً مكاناً بلا محبة، التي هي أعلى قيمة في الكون. الخير الاسمي لا يكون قد أختبر أصلاً. المحبة الحقيقة – محبتنا الله ومحبتنا لبعضنا البعض – لابدَّ ان تتضمن اختيارا. ولكن بمنح هذا الاختيار، تأتي إمكانية أن الناس يختارون أن يكرهوا بدلاً من ذلك. >>
فقلتُ له: <<ولكن أنظر الى سفر التكوين؛ فألله خلق عالماً كان فيه الناس أحراراً ومع ذلك لم تكن هناك خطية. >>
فقال كريفت: <<وهذا تماماً ما قاله. فبعد الخلق، أعلن أن العالم كان <<حَسَنٌ>>. كان الناس أحراراً لاختيار أن يحبوا الله أو يتحولوا عنهُ. ومع ذلك، فمثل هذا العالم هو بالضرورة مكان تكون فيه الخطية ممكنة بصورةٍ حرة. وفي الواقع فهذه الامكانيات لارتكاب الخطية لم يُفعلها الله، بل البشر. وأخيراً فإن اللوم يقع علينا. الله قام بما عليه تماماً، ونحن الذين أخطأنا. >>
فأشرتُ قائلاً: <<إن الحاخام هارولد كاشنر يصل الى خاتمة مختلفة في كتابه الاكثر مبيعاً <<عندما تحدث الاشياء السيئة للأخيار>>؛ فهو يقول <<إن الله ليس كُلَّي القدرة بعد كل هذا – وأنه يريد أن يساعد، لكنه ليس قادراً على حل كل المشكلات في العالم. وقال: <<حتى الله لديه وقت عصيب يتحكم فيه في الفوضى. >> (12)
فرفع كريفت حاجبهُ قائلاً: <<بالنسبة للحاخام، هذا الامر يصعب فهمهُ، لأن المفهوم اليهودي المميز حول الله هو عكس ذلك. والأمر المثير ضد الدليل يبدو هو أن اليهود قد صمموا أن هناك إلهاً كُلَّي القدرة، ومع ذلك ليس كُلَّي الصلاح.
<<لا يبدو أن الامر الآن مقنعاً كالوثنية التي تقول انه لو كان الشر مقصوداً في العالم، فلا بدَّ أن تكون هناك آلهة عديدة، كل منها اقل من كونها كلية القدرة، بعضها صالح، وبعضها شرير، ولو كان هناك ألهٌ واحد، فهو يواجه قوى لا يمكنه أن يتحكم فيها تماماً. وقد كانت هذه فلسفة شائعة جداً حتى أعلان اليهودية عن الإله الحقيقي. >>
فقلتُ مُوَّجهاً كلامي كجملة أكثر منها سؤال: <<أنت لا تؤمن كثيراً بإله كوشنر. >>
فأجبني وهو يهز كتفيه: <<بصراحة، هذا الإله يصعب الايمان به. فهل يكون لديّ اخ أكبر يفعل ما يستطيع ولكن ليس كثيراً؟ حسناً، من يهتم؟ >> في واقع الامر هذا هو نفس معنى الالحاد. أعتمد على نفسك أولاً وبعد ذلك يمكن أن يكون هناك الله او لا يكون.
<<لا، فالدليل هو أن الله كُلَّي القدرة. وما يجب أن نتذكره هو أن خلق عالم تكون فيه حرية الارادة وعدم أمكانية الخطية وهو معارضة ذاتية – وهذا يفتح باب للناس لاختيار الشر بدلاً من الله، وتكون المعاناة هي النتيجة. أن الأغلبية الساحقة من الألم المستشري في العالم سببه اختيارنا للقتل، والتشهير، والأنانية، والجموح الجنسي، وكسر وعودنا، والتهور. >>
الصفة الثانية: الله هو كُلَّي المعرفة
طلبتُ من كريفت أن ينتقل للصفة الالهية التالية – كلية معرفة الله – فضبط جلستهِ للشعور بمزيد من الراحة، وأتجه ببصره الى الجانب كما لو كان يستجمع أفكاره من جديد.
وقال: <<لنبدأ هكذا: بما أن الله كُلَّي الحكمة، فهو يعرف لا الحاضر فقط، بل المستقبل أيضاً. ولا يعرف خير وشر الحاضر فقط، بل خير وشر المستقبل أيضاً. وبما أن حكمته تسبق حكمتنا كثيراً – كما أن حكمة الصياد تسبق حكمة الدب – يكون من الممكن على الاقل، وعلى خلاف تحليل تمبلتون، أن يتساهل إله محب عمداً مع الامور المرعبة كالمجاعة لأنه يرى أنه على المدى الطويل سيكون المزيد من الناس أفضل وأسعد مما لو كان قد تم التدخل في الامور بصورة معجزيه. هذا ممكن عقلياً على الاقل.
فقلتُ وأنا أهز رأسي: <<لا يزال هذا صعب القبول، فهو يبدو كمراوغة بالنسبة لي؟ >>
فرد كريفت قائلاً: <<حسناً، إذاً لنختبر هذا. أنت تعلم أن الله قد بين لنا بكل وضوح وبشكل خاص كيف يمكن أ، يعمل هذا. وشرح لنا كيف ان اسوأ شيء حدث في تاريخ العالم. >>
<<ماذا تقصد؟ >>
فأجبني أشير إلى موت الله dei – cide؛ أي موت الله على نفسهِ على الصليب. في نفس الوقت لم ير إنسان كيف يمكن أن ينتج شيئاً طيباً من هذه المأساة. ومع ذلك فقد رأى الله مسبقاً أن النتيجة ستكون انفتاح السماء للبشر. وهكذا فأن أسوأ مأساة في التاريخ جاءت بأمجد حدث في التاريخ. وبما أن هذا قد حدث من قبل – بما أن منتهى الشر يمكنه ان ينتج منتهى الخير – يمكنه أن يحدث أيضاً في أي مكانٍ آخر؛ حتى في حياتنا الشخصية. وهنا يرفع الله الستار ويدعونا كي نراه. وفي مكانٍ آخر يقول ببساطة: <<آمنو بي. >>
<<كل هذه معناه أن الحياة الانسانية درامية بصورة لا تُصدَّق، مثل قصة لا تعرف نهايتها بأكثر صيغة علمية. في الواقع، لنتبع خط هذه القصة الدرامية لمدة قصيرة.
<<أفترض أنك الشيطان. أنت عدو الله وتريد أن تقتلهُ، لكنك لا تستطيع. ومع ذلك، فهو لديه نقطة الضعف السخيفة هذه لخلق ومحبة البشر – أولئك الذين تستطيع أن تسيطر عليهم. آها! ألان حصلت على رهائن! وهكذا تنزل ببساطة الى العالم، وتفسد الجنس البشري، وتسحب بعضاً منهم الى الجحيم. وعندما يرسل الله الانبياء لتنويرهم، فأنت تقتل الانبياء.
<<ثم يقوم الله بعمل أكثر الامور حماقةً على الاطلاق – يرسل أبنه الوحيد ويتلاعب بقواعد العالم. تقول لنفسك: <<لا يمكنني أن أؤمن أنه بمثل هذا الغباء! لقد أفسدتْ المحبة عقله! كل ما علىّ هو أن الهم بعضاً من عملائي – هيرودس، وبيلاطس، وقيافا، والجنود والرومان – وأجعله يُصلب>>. وهذا ما تريده.
<<وهكذا يُعلَّق هناك على الصليب – متروكاً من الانسان – ومتروكا-كماً يبدو – من الله ينزف حتى الموت، ويصرخ قائلاً: <<إلهي إلهي لماذا تركتني؟ >> ماذا تشعر الان باعتبارك الشيطان؟ وتشعر بالانتصار وتبرئه ساحتك! لكنك بالطبع لم يكن من الممكن أنت تكون أكثر خطأ. فهذا هو أعظم انتصاراته وأقسى هزائمك. لقد سحق عقبة فمك، وأنت تراهن هذا الدم قد حطمك.
<<والآن، لو لم يكن هذا حدث استثنائي، بل نموذجا للموقف البشري، إذاً عندما ننزف نحن أو نعاني – كما عانى المسيح – فمن المحتمل أن يكون نفس الشيء هو الذي يحدث. ربما تكون هذه هي طريقة الله لهزيمة الشيطان.
<<في وقت الصلب، لم يقدر التلاميذ أن يروا كيف يمكن أن ينتج أي شيء صالح. وهكذا عندما نواجه الصراعات والتجارب والمعاناة، لاً يمكننا أن نتخيل أحياناً أن نتخيل أحياناً ظهور الخير. لكننا رأينا كيف كان ذلك في حالة يسوع، ويمكننا أن نؤمن بحدوث ذلك في حالتنا أيضاً، على سبيل المثال، يبدو أن معظم المسيحين في التاريخ يقولون إن معاناتهم قد انتهت بجعلهم أكثر اقترابا إلى الله – ولذلك فهذا هو أفضل شيء يمكن أن يحدث، وليس أسوأ شيء. >>
الصفة الثالثة: الله كُلَّي الصلاح
وصلنا بذلك الى صفة صلاح الله.
بدأ كريفت: <<الصلاح>> كلمة يُساء فهمها بشكل كبير، لأنه حتى في العلاقات البشرية هناك مثل هذا المدى الواسع للمعنى. لكن الفرق – مرة أخرى – بيننا وبين الله أعظم حقاً بيننا وبين الحيوانات، وحيث أن الصلاح يتنوع بشكل كبير بيننا وبين الحيوانات، فلا بدَّ أنه يتنوع بشكل أكبير بيننا وبين الله. >>
فقلتُ: <<موافق، لكنني لو بقيت ساكناً ولم أفعل شيئاً بينما طفلي قد دهسته شاحنة، لا أكون صالحاً بأي معنى كلمة. سأكون أباً شريراً لو فعلت هذا. والله يفعل مرادف ذلك. فهو يبقى ساكناً ويرفض أداء المعجزات لأنقاذنا من الاخطاء التي هي أقسى حتى من مجرد أصابه شاحنة. لذلك لماذا لا يكون شريراً؟ >>
فأومأ كريفت قائلاً: <<يبدو أنه كذلك، لكن حقيقة الله يسمح عمداً بأشياء معينة – التي لو سمحنا نحن لحولتنا الى وحوش – لا تحسب بالضرورة ضد الله.
فلم أفهم حجتهِ، فقلتُ له: <<ستضطر لشرح ذلك. >>
فأجابني: <<حسناً، لأقل لك تشابهاً لذلك في العلاقات البشرية: لو قُلت لأخي الذي يقارب عمري: يمكنني أن أنقذك من مشكلة، ولكني لن أنقذك، فمن المحتمل أن أكون بذلك متساهلاً وربما شريراً. ولكننا نفعل هذا مع أطفالنا طوال الوقت. فنحن لا نقوم بعمل الواجب لهم. ولا نحاول أن نحميهم من كل أذى.
<<أتذكر حينما كانت إحدى بناتي في الرابعة أو الخامسة، وكان تحاول أن تضع خيطاً في أبره وهي في جمعية الكشافة Brownies. كان هذا صعب للغاية بالنسبة لها؛ فقد حاولت طوال الوقت، وجرحت أصبعها، ونزفت مرتين. وكنتُ أراقبها، لكنها لو تراني. لقد حاولت مراراً.
<<كانت غريزتي الأولى هي أن اذهب وأفعل ذلك من أجلها لأنني رأيت قطرة من الدم. لكنني بحكمة تراجعت لأنني قلت لنفسي: <<يمكنها أن تفعل ذلك>>. وبعد حوالي خمس دقائق، فعلتْ ذلك أخيراً. فنهضتُ من مكان اختبائي وقالتْ ليٍ: <<أبي، أبي، أنظر ما فعلته! أنظر ما فعلته! >> كانتْ فخورة جداً أنها وضعتْ الخيط في الابرة حتى أنها قد نست كل الالم.
في ذلك الوقت كان الالم جيداً بالنسبة لها. لقد كنتُ حكيماً لدرجة أنني تنبأتُ أنه سيكون جيداً لها. وألان بالتأكيد فإن الله أكثر حكمة مما كنتُ أنا مع أبنتي. وهكذا من الممكن على الاقل أن يكون الله حكيماً لدرجة أنه يتنبأ أننا بحاجة لبعض الالم لأسباب ربما لا نفهمها، لكنه يرى أنها ضرورية للخير أخيراً. وهكذا لا يكون الله شريراً عندما يسمح بوجود الألم.
<<إن أطباء الاسنان، والمدربين الرياضيين، والعلمين، والآباء يعرفون جميعاً أنه أحياناً ما يكون الشيء الصالح يكون رقيقاً. فبالطبع هناك أوقات يسمح فيها الله بالمعاناة ويحرمنا من أقل مقدار من المتعة كي يصل بنا الى أعظم مقدار للتعلم الروحي والأخلاقي. وحتى اليونانيون القدماء آمنوا أن الالهة علمتهم الحكمة من خلال المعاناة. فقد كتب أسخيلوس:
<<يوم وراء يوم، ساعة وراء ساعة يقطر الالم على الفؤاد تماماً كما تأتي <<الحكمة>> من نعمة الله المرهبة على خلاف إرادتنا، وحتى في كراهيتنا. >>
<<نحن نعرف أن الشخصية الأخلاقيةُ تشكَّل من خلال المشقات، والتغلب على العقبات، واحتمال المصاعب المؤذية. فالشجاعة مثلاً ستكون مستحيلة في عالم بلا ألم. وقد شهد الرسول بولس عن خاصية التقنية تلك التي تقوم بها المعاناة عندما كتب: <<نَفْتَخَرُ أيْضاً فَي الضِّيقَاتَ عَالَمَينَ أنَّ الضِّيقَ يُنْشَىُ صَبْراً وَالصَّبْرُ تَزْكَيَةَ وَالتَّزْكَيَةُ رَجَاءَّ>>. (13)
<<لنواجه الامر: نحن نتعلم من الاخطاء التي نصنعها والمعاناة التي تجلبها. إن الكون آلة صانعة للنفس، وجزء من هذه العملية هي التعلم والنضج، والنمو من خلال الخبرات المؤلمة الصعبة المثيرة للتحدي، وهدف حياتنا في هذا العالم ليس الراحة، بل التدرب والاستعداد الى للأبدية. يقول لنا الكتاب المقدس أن يسوع بنفسهِ: <<مَعَ كَوْنَهَ ابْناَّ تَعَلَّمَ الطاعَةَ مَمَّا تَأَلمَ بَهَ. >> (14) – وإن كان هذا حقيقي بالنسبة له، فلماذا لا يكون أكثر حقيقة بالنسبة لنا؟ >>
لقد جعل كريفت السؤال يتردد في الهواء للحظات بينما نشطتْ ملكاته العقلية، ثم أستطرد قائلاً: <<أفترض أنه لم تكن لدينا معاناة على الاطلاق. أفترض أنه كانت لدينا عقاقير لكل ألم، ومتعة حرة، وحب حر – كل شيء ماعدا الألم. لا شيكسبير، ولا بيتهوفن، ولا بوسطن ريد سوكس، ولا موت – ولا معنى، فسوف نصير أطفالاً صغاراً مُدّللين بشكلٍ رهيب.
<<ويكون الامر مثل ذلك العرض التلفزيوني القديم Twilight zone، حيث تطلق النيران على عصابة سارقي البنوك، وواحد منها ينهض ماشياً على سحب رقيقة عند البوابة الذهبية لمدينة سماوية. ويقدم له أنسانٌ رقيق لابساً رداءً أبيض كل ما يريده. لكن سرعان ما يمل من الفتيات الجميلات، اللاتي يضحكن فقط عندما يحاول أيذائهن، لان لديه نزعة سادية.
<<ولذلك يستدعي صورة القديم بطرس.
<<لا بدَّ أن هناك خطأ ما. >>
<<لا؛ فنحن لا نخطى هنا. >>
<<ألا يمكنك أن تعديني إلى الارض؟ >>
<<بالطبع لا، فأنت ميت. >>
<<حسناً، إذاً، لابدَّ أن أتبع أصدقائي في المكان الاخر. أرسلني إلى هناك. >>
<<أوه، لا، لا يمكننا ذلك، فأنت تعرف القواعد. >>
<<ما هو هذا المكان على أي حال؟ >>
<<هذا هو المكان الذي تحصل فيه على كل ما تريده. >>
<<ولكني اعتقدت أنني أريد السماء. >>
<<السماء؟ من قال شيئاً عن السماء؟ فالسماء هي المكان الآخر. >>
الفكرة من وراء هذا هي أن عالماً بلا معاناة يبدو كالجحيم أكثر من كالسماء. >>
فسألته قائلاً: <<هذا يبدو مبالغاً فيه. هل تؤمن بذلك حقاً؟ >>
<<نعم، أؤمن، ففي الحقيقة – لو لمن تؤمن بذلك – فتظاهر إذاً أنك أنت الله، وحاول أن تخلق عالماً أفضل من خيالك. حاول أن تخلق المدينة الفاضلة. لكن عليك أن تفكر في نتائج كل شئ تحاول أن تُحّسنه. فكل مرة تستخدم فيها القوة لمنع الشر، فأنت تسحب الحرية. ولكي تمنع كل الشر، لابدَّ أن تزيل كل الحرية وتُحوِّل البشر الى دمي، وهذا معناه أنهم سيفتقدون القدرة لاختيار الحب طوعاً.
<<يمكنك أن تختتم الامر بخلق عالم من الدقة يمكن أن يحبه مهندس – ربما. ولكن هناك شيء أكيد: فسوف تفقد نوع العالم الذي يريده <<الآب>>.
بوق الألم
دليل بدليل، كان كريفت يُلقي المزيد والمزيد من الضوء على سر المعاناة. ولكن كل فكرة جديدة بدتْ أنها تثير أسئلة جديدة.
فقلتُ: <<الأشرار يفلتون من عقاب إيذاء الآخرين طوال الوقت. وبالطبع لا يعتبر الله ذلك عدلاً. فكيف يمكنه أن ينهض ويراقب كل هذا؟ ولا يتدخل ويتعامل مع كل الشر الموجود في العالم؟ >>
فأصر كريفت قائلاً: <<الاشرار لا يفلتون من العقاب. فتأخر العدلة ليس معناه بالضرورة امتناع العدالة. سيأتي يوم يطالب في الله حساباً، ويكون فيه الناس مسئولين عن الشر الذي ارتكبوه والمعاناة التي سببَّوها ونقد الله لأنه لا يفعل ذلك حالاً مثل قراءة نصف رواية ونقد مؤلفيها لأنه لم يحل حبكتها الدرامية. الله سيُسّوى الحسابات في الوقت المناسب. ففي الواقع يقول الكتاب المقدس سبباً واحداً وهو أنه يتأخر لأن بعض الناس مازالوا يتبعون الادلة ومازال عليهم أن يجدوها. (15) فالله يُمهل حقاً اختتام التاريخ بسبب محبته العظمى لهم. >>
فسألته: <<ولكن في نفس الوقت، ألا يزعجك مقدار المعاناة الرهيب في العالم؟ ألا يمكن الله أن يقلل على الاقل بعضاً من الشرور الاكثر ترويعاً؟ صاغ فيلسوف حُجه ضد الله هكذا: <<أولاً، ليس هناك سبب يُبرِّر سماح الله بالكثير جداً من الشر. ثانياً، لو كان الله موجوداً، فلابد أن يكون هناك سبب. وثالثاً، الله غير موجود. >>
فتعاطف كريفت مع المشكلة، لكنه لم يقبل هذا الحل. وقال: <<هذا يشبه القول إنه من المعقول أن نؤمن بالله لو مات 6 من اليهود في مذبحة وليس 7، أو لو مات 60000 وليس 6000 وواحد. أو لو مات 6 مليون إلا واحد ليس 6 مليوناً. وعندما تترجم الجملة العامة <<كثيراً جداً>> إلى أمثلة خاصة مثل هذا، فأنها تبين كم هي سخيفة. لا يمكن أن يكون هناك حد فاصل.
حقيقي أن هناك بعض الحالات تصير فيها الكمية كيفية. على سبيل المثال غليان الماء: فحالما درجة الحرارة 212 درجة، تصل لمرحلة جديدة وهي الغاز؛ ومن هنا تنطبق قوانين الغاز، لا قوانين السائل. لكن المعاناة ليست هكذا. ففي هذه النقطة. وبالإضافة إلى ذلك، لأننا نحن لسنا الله، فنحن لا يمكننا أن نقول كم مقدار المعاناة المراد. فربما يكون كل عنصر منفرد من الألم في الكون ضرورياً. كيف نعرف؟ >>
فضحكت ضحكة خافتة قائلاً: <<أفترض أن شخصاً سيقول: <<بما إنني أتعرض للألم، فهذا معاناة كثيرة جداً في العالم! >>
فضحكتُ كريفت متعجباً: <<آه بالطبع! هذه هي المقولة الشخصية <<كثيراً جداً>>. هذه حالة كلاسيكية من التشبيهية. فلو كنت أنا الله، لما سمحت بهذا الألم الكثير، الله لا يمكنه أن يتفق معي، الله سمح بهذا الألم، ومن هنا لا يوجد الله. >>
فقلتُ: <<لقد قلت منذ لحظات إن بعض الألم يمكنه أن يكون ضرورياً. وهذا يشير إلى أن هناك معنى للمعاناة، فلو كان الأمر كذلك، فما هو؟
فقال: <<كان أحد أغراض المعاناة في التاريخ هو أنها تقود الى التوبة. فبعد المعاناة فقط، وبعد الكارثة فقط، رجع شعب إسرائيل في العهد القديم، وترجع الامم ويرجع الافراد الى الله. مرة أخرى لنواجه الامر: نحن نتعلم بالطريقة الصعبة. يقول سي أس لويس: <<الله يهمس لنا في مسيراتنا، ويتكلم في ضميرنا، لكنه يصرخ في الأمنا. فالألم هو بوق الله لأيقاظ عالم أصم. >> (16) وبالطبع فأن التوبة تقود الى شيء رائع – هو البركة، لأن الله هو مصدر كل الفرح وكل الحياة. وتكون النتيجة هي الخير – في الواقع مما هو أفضل من الخير.
ببساطة، أؤمن أن المعاناة منسجمة من محبة الله، لو كانت علاجية شافية ضرورية، وهذا لو كنا مرضى تماماً ونحتاج علاجاً بدرجة شديدة. وهذا مو موقفنا. قال يسوع: <<لاَ يَحْتَاجُ الاَصَحَّاءُ إلَىَ طبَيبٍ بَلَ المَرْضَى. لَمْ آتَ لأدْعُوَ أبْرَاراً بَلْ خطأة إَلَى التَّوبَةَ. >> (17)
فأشرت قائلاً: <<لكن الصالحين يعانون بنفس المقدار – أو أحياناً بمقدار أكبر من الأشرار. هذا هو المثير تماماً حول عنوان كتاب كوتشنر <<عندما تحدث الاشياء السيئة للأبرار>>. فكيف يكون هذا عدلاً؟ >>.
فأجاب كريفت: <<حسناً، إجابة هذا هو أنه لا يوجد صالحون؟ >>
<<فماذا إذاً عن ذلك القول القديم: <<هل يعمل الله أي شيء بلا جدوى؟ >>
<<نعم، نحن صالحون وجودياً – فنحن ما زلنا نحمل صورة الله – لكننا لسنا صالحين أخلاقياً. فقد تشوهت صورة الله فينا. قال النبي أرميا: <<لاَنَّهُمْ من صَغيَرهَمْ إلَىَ كَبَيَرهَمْ كُلُّ وَاحَد مُولَعٌ بَالرَّبْحَ>> (18)، وقال النبي إشعياء: <<وَقَدْ صَرْنَا كُلُّنَا كَنَجَس وَكَثَوْبَ عَدَّة كُلُّ أَعْمَالَ بَرَّنَا وَقَدْ ذَبُلْنَا كَوَرَقَةٍ وَأَثَامُنَا كَرَيحٍ تَحْمَلُنَا>> (19).
إن أعمالنا الصالحة مُلطخة بالمصلحة الذاتية، ومطالبنا للعدالة مختلطة بالشهوة للانتقام. والمفارقة هي أن هؤلاء هم أقل الناس الاكثر استعدادا لمعرفة نقائصهم وخطاياهم والاعتراف بها.
<<نحن أخيار وقد صرنا أشرار، تحفة مشوهة، طفل متمرد. أشار لويس إلى أننا لسنا مجرد شعب ناقص يحتاج النمو، بل متمردين نحتاج أن نخفض أذرعنا. الألم والمعاناة غالباً ما تكون الوسائل التي نصير بها متحفزين للخضوع النهائي الله وطلب علاج المسيح.
<<هذا هو ما نحتاجه بالأكثر. وهذا هو ما سيأتي لما بالفرح الأسمى لمعرفة يسوع. فأية معاناة جديرة بهذه النتيجة، وعظماء المسيحين عبر التاريخ سيقولون لك هذ>>.
احتمال الألم
ضبطتُ جلستي في المقعد وتأملت فيما قاله كريفت حتى الان. كانت بعض حُججهِ أقوى من الاخرى، لكنه على الأقل لم يكن. يقدم مجرد تفاسير مُغلَّقة؛ فقد كان يبدو أن مفاتيح الحل تقود إلى مكانٍ ما.
قرَّرتُ أن أسأله عن قولٍ لأوغسطينوس يقول: <<بما أن الله هو الخير الاسمي، فأنه لا يسمح بأي شرٍ أن يوجد في أعماله إن لم تكن كلية قدرته وصلاحه في سبيل أن تأتي بالخير حتى من قلب الشر. >> وبعد أن قرأتُ له هذه الكلمات تساءلتُ: <<هل هذا معناه أن المعاناة والشر يحتويان على الامكانية لعمل الخير؟ >>
فأجبني: <<نعم، فأنا أؤمن تحتوي على الاقل على فرصة عمل الخير، لكن ليس كل إنسان يُفعَّل هذه الإمكانية. ليس كل منا يتعلم ويستفيد من المعاناة، ومن هنا تأتي حرية الإرادة. سجينٌ في أحد المعسكرات الأشغال الشاقة سيتصرف باختلاف تامٍ عن آخر، بسبب الاختيار الذي يقوم به كل منهما للاستجابة للبيئة المحيطة.
<<ولكن حالما يكون لأي أنسان أن يتأمل في ماضيه ويقول: <<لقد تعلمت من هذه المشقة. لم أعتقد أنني سأتعلم ذلك حالياً، لكنني أنسانٌ أكبر وأفضل لأنني احتملتُ ذلك وبقيتُ>>. وحتى الناس الذين بلا أيمان سيكونون واعين بهذا البُعد من المعاناة. ولو استطعنا أن نأتي بالخير من الشر حتى دون أن نُدخل الله في الموضوع، فيمكنك أن تتخيل كم بالأحرى – لمعونة الله – يمكن أن يعمل الشر لصالح الخير الأعظم. >>
ومع ذلك أثارَ إدخال الله الى الموضوع قضيةً أخرى: <<لو كان الله يحب البشر، فكيف يتساهل عاطفياً مع الهجوم المتواصل للألم والمعاناة؟ ألا يسحقه هذا؟ سحب كتاب تمبلتون وقرأت لكريفت هذا الجزء:
قال يسوع: <<أليس خمسة عصافير تباع بفلس ولا أحد منسياً أمام الله؟ أنتم أفضل من عصافير كثيرة؟ >> لكن أن كان الله يحزن لموت عصفور، فكيف تحتمل روحه الابدية المرض، والمعاناة، وموت الملايين المضاعفة من الرجال والنساء والأطفال والحيوانات والطيور والمخلوقات الحسية الاخرى، في كل بقعة من العالم، وفي كل قرن منذ بدأ الزمان؟ (20)
فقال كريفت: <<أعتقد أن السيد تمبلتون يشبه الله بقول: <<لم أكن أتخيل كيف يمكن لأي كائن ذكي أن يحتمل هذا. >> نعم، أنه على حق – فنحن لا يمكننا أن نتخيل هذا. لكننا نستطيع أن نؤمن به. والله في الحقيقة يبكي على كل عصفور ويحزن على كل شر وكل معاناة. ولذلك فإن المعاناة التي أحتملها المسيح على الصليب لا يمكن تخيلها حرفياً. فهي ليست مجرد ما اختبرته أنت أو أنا في أقصى عذاباتنا البشرية، جسدياً أو عقلياً، لكن كل معاناة العالم كانت هناك.
<<لنعود إلى صورة تمبلتون عن المرأة المكلومة في أفريقيا بينما كان كل ما تحتاجه هو المطر. أين الله؟ لقد كان يدخل في عذابها، لا عذابها الجسدي فقط، بل أيضا عذابها الأخلاقي. أين الله؟ لماذا لا يرسل المطر؟ وإجابة الله هي التجسد. لقد دخل بنفسه قلب هذا العالم كله، وأحتمل بنفسه كل ألم هذا العالم، وهذا أمر لا يمكن تصوره، وهو أكثر تأثيراً من القوة الإلهية التي خلقت العالم في المقام الاول.
<<تخيل فقط أن كل ألم منفرد في تاريخ العالمٍ، قد تجمع معاً في شكل كرة، وقد أكلها الله، وهضمها، وذاقها تماماً إلى الأبد. في فعل خلق العالم، لم يقل الله <<لتكن إشراقات، وزهور، وأرانب صغيرة جميلة فحسب، بل قال أيضاً: <<لتكن دماء، وأحشاء، وذباب يطنّ حول الصليب. بمعنى ما تمبلتون على حق. فألله أساساً متداخل في خلق عالم من المعاناة. لكنه لم يفعل ذلك – بل نحن – ومع ذلك فقد قال: <<ليكن هذا العالم. >>
<<ولو كان قد فعل ذلك ثم أسترح قائلاً: <<حسناً، إنه خطأكم على أي حال>> -ورغم أنه سيكون له الحق تماماً بفعل ذلك – فلا أرى كيف يمكننا أن نحبه. إن حقيقة أنه أنطلق فيما وراء العدالة وبشكل لا يُصدَّق تماماً آخذاً كل المعاناة على نفسه تجعله رائعا لدرجة أن إجابة المعاناة ستكون – تفحصتْ عينا كريفت أنحاء الغرفة كما لو كان يبحث عن الكلمات المناسبة، فقال <<لدرجة أن أجابه المعاناة ستكون… كيف لا تحب مَنْ ذهب الميل الثاني، من مارس أكثر مما بشر، مَنْ دخل عالمنا، من عانى آلامنا، من يقدَّم نفسه في وسط أحزاننا؟ ماذا يمكنه أن يفعل أكثر من ذلك؟ >>
<< فقلتُ: <<بصراحة، فإن إجابة سؤال تمبلتون عن كيف يحتمل الله كل هذه المعاناة هي – لقد عانى هو. >>
فهتفتَ كريفت: <<لقد عانى هو! إن أجابه الاله لمشكلة المعاناة هي أنجاز بنفسه المعاناة. فكثيرٌ من المسيحين يحاولون أن يُخرجوا الله من موضوع المعاناة، أما الله فقد جاز بنفسه المعاناة على الصليب. ومن هنا فإن الخاتمة العلمية هي إنه لو أردنا ان نكون مع الله، فعلينا أن نكون مع المعاناة، وعلينا ألا نتجنب الصليب، لا بالفكر ولا بالفعل. لابدَّ أن نذهب حيثما يوجد الله، والصليب هو أحد الاماكن التي يوجد عندها الله. وحينما يرسل لنا الله الشروق، فنحن نشكره عليه. وعندما يرسل لنا الغروب، والموت، والمعاناة، والصليب، فنحن نشكره عليه أيضاً. >>
فأنتصبتُ قائلاً: <<هل هذا معقول حقاً أن نشكر الله على الألم الذي يصيبنا؟ >>
<<نعم، في السماء سنفعل ذلك تماماً. سنقول الله: <<شكراً جزيلاً من أجل هذا الألم البسيط الذي لم أفهمهُ في أوانه، ومن أجل ذاك الألم البسيط الذي لم أفهمه في أوانه، فألان أفهم أن هذه كانت أثمن الاشياء في حياتي.>>
<<وحتى لو لم أجد نفسي قادراً شعورياً أن أفعل ذلك الآن، حتى لو لم أقدر بأمانة أن أقول الله في وسط الألم: <<يا الله، أشكرك من أجل هذا الألم>>، بل أقول بدلاً من ذلك: <<نجني من الشر>>، فهذا حسنٌ تماماً وأمينٌ تماماً – لكني أؤمن أن هذه ليست هي الكلمة الاخيرة. فالكلمات الأخيرة من الصلاة الربانية ليست <<نجنا من الشرير>>، لكنها <<لك القوة والمجد. >>
<<أعتقد أن اي مسيحي ناضج يمكنه أن ينظر الى حياته، ويُحدَّد بعض لحظات المعاناة التي تجعله أكثر قرباً إلى الله مما كان يعتقد. وقبل أن يحدث هذا، كان يقول: <<لا أرى حقاً كيف يحقق هذا أي خير على الاطلاق، لكن بعدما يخرج من المعاناة يقول: <<هذا مدهشً. لقد تعلمت شيئا لم أكن أتصور أنني كنت سأتعلمه. لم أعتقد إن أراداتي المتمردة الضعيفة ستكون قادرة بمثل هذه القوة، لكن الله – بنعمته – أعطاني القوة. فلولا المعاناة، لما كان ذلك ممكناً. >>
<<الاقتراب الى الله، التشبه بالله، المتلائم مع الله، لا مجرد الشعور بالاقتراب أب الله، بل الاقتراب الوجودي الحقيقي إلى الله، تشّبه النفس بالله – كل هذا ينتج عن المعاناة بفاعلية ملحوظة. >>
فقلتُ: <<لقد ذكرت السماء، والكتاب المقدس يتحدث عن معاناتنا في هذا العالم بأنها خفيفة ووقتية مقارنة بما سنختبره تابعو الله في السماء. فكيف تلعب السماء دورها في هذه القصة كلها؟ >>
اتسعت عينا كريفت وقال: <<لو لم يكن الأمر هكذا، لكان من الصعب وجود قصة. تجاهل كل الاشارات التي تدل على السماء من العهد الجديد، وسوف ترى القليل جداً من المتبقي. قالت القديسة تيريزا Saint Teresa: <<في نور السماء، فأن أسوأ معاناة على الارض، وحياة مليئة بأقسى العذابات على الارض، سوف ترى وكأنها ليست أخطر من ليلة واحدة في فندق غير مريح. >>هذه جملة تثير التحدي أو حتى الخيال! لكنها لم تتكلم من أطار حياة فارغة يعيش فيها الكثيرون جداً منا، لكنها تكلمتْ من إطار حياة مليئة بالمعاناة.
<<يستخدم الرسول بولس كلمة مفرطة أخرى في سياق مشابه حينما يقارن المسرات الارضية بمسرة معرفة المسيح. فقد قال إن امتيازات المواطنة الرومانية، وأن تكون فريسياً أبن فريسي، وأن تكون متعلماً جيداً، ومن جهة الناموس بلا لوم – كل هذا <<نفاية>> مقارنة بمعرفة المسيح – (21) وهذه كلمة صريحة جداًّ!
وبالمثل، مقارنةً مع الله أبدياً، ومقارنة مع الاُلفة مع الله التي يدعوها الكتاب المقدس زوجاً روحياً، فلا شيء آخر يهم. لو كان الطريق إلى ذلك هو من خلال العذاب، حسناً، فالعذاب لا شيء مقارنة بذلك. نعم إنه شنيع في حد ذاتهِ، لكنه لا شيء مقارنة بذلك.
<<ولذلك فأن إجابة تمبلتون هي: نعم، أنت ايضاً على حق تماماً عندما تقول إن صورة تلك المرأة الافريقية لا تُطاق. فنقص المطر هذا، وتلك المجاعة لا تطاق حقاً في حد ذاتها. وبمعنى ما، فأن الاجابة ليست أن نحلها، لكن الاجابة هي أن ننظر الى وجه الله ونقارن هذين الشيئين.
<<على الجانب الاول من الميزان هذا العذاب أو كل عذابات العالم، وعلى جانب الاخر وجه الله، الله الموجود لكل من يطبله وسط ألمهم. أن خير الله، وفرح الله سيفوق أخيراً كل المعاناة، وحتى أفراح هذا العالم. >>
قوة حضور الله
سعدتُ أن كريفت قد أعاد الحوار حول المرأة صاحبة صورة تمبلتون. لم أرد أن يبتعد عنها اللقاء كثيراً. فلقد شخصَّتْ هذه المرأة قضية المعاناة، وهي تقف كممثلة ادعاء قوية عن محرومي العالم البالغ عددهم مليار إنسان.
قلتُ لكريفت: <<لو كانت هذه المرأة هنا حالياً، فماذا كنتَ ستقول لها؟ >>
فقال ببساطة دون تردد: <<لأشيء>>.
فنظرتُ مندهشاً دون أن أصدق” <<لا شيء؟ >>
فقال: <<لا شيء في البداية على أي حال. سأدعوها أن تتحدث إلىّ. فمؤسس إحدى المنظمات المعوقين يقول إنه يعمل مع المعاقين لسبب أناني للغاية: وهو أنهم يعلمونه شيئاً أقيم بكثير جداً مما يمكنه أن يعلمهم إياه – وهذا الشيء هو من يكون هو. هذا يبدو عاطفياً لكنه حقيقي.
<<أن واحدة من أطفالي الاربعة معاقةً بدرجة متوسط، وقد تعلمتُ منها أكثر مما تعلمتهُ من الثلاثة الأخرين. تعلمت أنني معاق بدوري، وأننا جميعاً معاقين، والأصغاء إليها يساعدني أن افهم نفسي.
<<وهكذا فإن الشيء الاول الذي نحتاج أن نقوم به مع هذه المرأة هو أن نستمع أليها. أن نكون واعين بها. أن نرى ألمها. أن نشعر بألمها. نحن نعيش في وضع نسبي من الراحة، وننظر الى الألم كشيء مراقب، كلغز فلسفي، أو كمشكلة لاهوتية. وهذه هي الطريقة الخاطئة في النظر الى الألم. الشيء المطلوب مع الألم هو اجتيازه، والتوحد معه، ومن ثم التعلم منه.
هذه ظاهرة لاحظها الكثير من الكتاب. فبعد بحث طويل في موضوع المعاناة كتب فيليب يانسي قائلاً: <<فيما زرتُ أناساً فاق المهم ألمي بمراحل…اندهشت لتأثيراته. >> (22) وقال اللاهوتي الإسكتلندي جيمس ستيوارت: <<إن المتفرجين الذين يراقبون المأساة من الخارج هم الذين يخرج منهم المتشككون، وليس من الذين هم حقاً في ساحة المعاناة ويعرفونها من الداخل. حقاً، فأن الحقيقة هي أن أعظم من عانوا في العالم هم الذين قدَّموا بأنفسهم أروع أمثلة الإيمان الذي لا يقهر. >> (23)
فسألت كريفت: <<لماذا؟ >>
فكانت أجابه واضحة: <<حرية الإرادة>>. هناك قصة عن حاخامين في معسكر اعتقال. أحدهما فقد أيمانه وقال لا إله، والاخر حفظ إيمانه وقال <<الله سيخلصنا. >> وكان الاثنان في صف للمثول للموت. نظر المؤمن حوله وقال: <<الله سيخلصنا>> ولكن حين جاء موعد موته، كانت كلماته الاخيرة هي <<لا إله>>.
ثم دخل الحاخام الملحد الذي ضايق أيمان الآخر كثيراً غرفة الغاز، وصلاة <<أسمع يا إسرائيل Shema Israel>> على شفتيه. لقد أصبح مؤمناً. حرية الارادة تسلك كلا المسارين. لماذا يصبر البعض في أفريقيا الجائعة أو معسكرات الاعتقال مؤمنين ويفقد آخرون أيمانهم، هذا هو لغز عدم التنبؤ بالسلوك الانساني. >>
فأجبتُ: <<لنرجع إلى المرأة لقد قلتَ إنه علينا أن نستمع أليها ونتفاعل معها، وهذا يبدو شيئاً جيداً. ولكن لا بدَّ أن يكون هناك المزيد. >>
فقال: نعم، علينا ان نُمثَّل يسوع بالنسبة لها، أن نخدمها ونحبها ونريحها، ونحتضنها ونبكي معها. ويجب أن تثيرنا محبتنا – التي هي انعكاس محبة الله – لمساعدتها مع الاخرين المتألمين. >>
أومأ كريفت نحو المدخل وقال: <<على بابي يوجد كارتون لسلحفتين. تقول الواحدة: <<أحياناً ما أحب أن أتساءل لماذا يسمح الله بالفقر والمجاعة والظلم بينما يمكنه أن يفعل شيئاً حيال ذلك. >>
فتقول الاخرى: <<أخشى أن يسألني الله نفس السؤال. >> أولئك الذين لديهم قلب يسوع نحو المتألمين يحتاجون أن يعيشوا أيمانهم بتخفيف المعاناة على قدر أستطاعهم، بعمل اختلاف، وبتجسيد حبه بطرق عملية. >>
فعلقتُ قائلاً: <<هذا الكرتون يذكرني بالطريقة التي يحب بها الله أن يقلب الاسئلة. >>
<<نعم، هذا دائماً ما يفعله، وقد حدث هذا مع أيوب. فقد كان أيوب يتساءل من هو الله، لأن الله بدا وكأنه سادي كوني. وفي نهاية سفر أيوب – كلاسيكية جميع العصور حول مشكلة المعاناة – يظهر الله أخيراً بالإجابة، وتكون الاجابة على شكل سؤال.
فهو يقول لأيوب: <<من أنت؟ هل أنت الله؟ هل كتبت هذا السفر؟ أين كنت عندما وضعتُ أساسات الارض؟ >> ويدرك أيوب أن الاجابة بالنفي. ثم يشعر بالرضا. لماذا؟ لأنه يرى الله! الله لا يكتب له كتاباً، فقد كان يمكنه كتابة أعظم كتاب حول مشكلة الشر في العالم، ولكن بدلاً من ذلك يُظهر نفسه لأيوب. >>
<<وقد أرضاه هذا->>
<<نعم، لا بدَّ أن يُرضيه – فهذا ما سيُرضينا إلى الابد في السماء. أعتقد أن ايوب يحصل على حالة مسبقة عن السماء في نهاية سفر أيوب لأنه يقابل الله. فلو كان الله قد أعطاه مجرد كلمات، لكان معنى ذلك أن أيوب كان عليه أن يتحاور معه ويسأله سؤالاً آخر ثم يجيبهُ الله إجابات صحيحة، ثم يسأله أيوب سؤالاً ثالثاً في اليوم التالي والتالي، لأن أيوب كان فيلسوفاً ملحاً للغاية، ولكان هذا الوضع قد أستمر طويلاً بلا نهاية. فماذا سينهي هذا؟ حضور الله!
<<لقد سمح الله بمعاناة أيوب، لا لآن الله يفتقد المحبة، بل لأنه قد أحب، حتى يأتي بأيوب الى نقطة لقاء الله وجهاً لوجه>> وهذه هي سعادة الانسانية العظمى. لقد حفرت معاناة أيوب فارغاً كبيراً في داخلهِ حتى يمكن أن يملأه الله والفرح.
<<بينما ننظر الى للعلاقات البشرية، فأن ما نراه هو أن المحبين لا يريدون شروحات، بل حضوراً. والله أساساً هو حضور – فقانون الثالوث يقول إن الله ثلاثة أقانيم حاضرة لبعضها البعض في معرفةٍ تامة ومحبة تامة. ولهذا فإن الله هو الفرح اللانهائي. وبقدر ما يمكننا أن نشترك في هذا الحضور، يكون لدينا نحن أيضا الفرح اللانهائي.
وهذا ما أختبره أيوب – رغم ضيقه الشديد، وقبل حتى يستعيد ممتلكاته العالمية – حالما رأى الله وجهاً لوجه.
<<وكما قلتُ إن هذا له معناه حتى بين الشر. لنقل إن روميو وجولييت كان لديهما حبٌ أكثر نضجاً وأكثر عمقاً مما في مسرحية شيكسبير. ولنقل إن ما يريده روميو بالأكثر في العالم كله هو جولييت. ولنقل انه قد فقد جميع أصدقائه وممتلكاته، وأنه ينزف ويعتقد أن جولييت قد ماتت.
<< ثم يرى جولييت تنهض وتقول: <<روميو، أين أنت؟ أنا لستُ ميتة>>، فهل يكون روميو في منتهى السعادة؟ نعم، في منتهى السعادة؟ نعم، أيمانع على الاطلاق أن ينزف ويلبس ملابس الرثة ويكون فقيراً؟ لا، على الاطلاق! سيفضل كثيراً أن يكون محباً في برونكس الجنوبية عن أي يكون مُطلَّقاً في هونولولو. >>
كل دمعة، هي دمعته
كنا ننتقل بوضوح نحو ذروة مناقشاتنا؛ فمفاتيح الحل التي ذكرها كريفت في بداية لقاءنا كانت تتقارب، واستطعت أن أشعر في صوته بعاطفيةٍ وبأقناع متزايد. أردت أن أرى مزيداً من أعماق قلبه، ولن أصاب بخيبة الأمل.
فقلتُ محاولاً تلخيص ما توَّصلنا اليه: <<إجابة المعاناة إذاً ليست إجابة على الاطلاق. >>
فقال وهو يتكئ كما لو كان يدافع عن أرائه مؤكداً: <<هذا صحيح، أنها المُجاوب. يسوع نفسه. لا مجموعة كلمات، بل <<الكلمة>>ذاتها. لا حجة فلسفية منسوجة جيداً. بل اقنوم. الاقنوم. إجابة المعاناة لا يمكن أن تكون مجرد فكرة مجردة، لأن هذا ليس موضوعٌ مجرد، لكنه موضوعٌ شخصي، ومن ثم فهو يتطلَّب إجابة شخصية. والاجابة لابدَّ أن تكون شخصاً، لا شيئاً، لأن الموضوع يتضمن شخصاً، وهو الله، أين أنت؟ >>
ترَّدد صدى هذا السؤال في مكتبة الصغير. فقد كان يتطلب أجابه. بالنسبة لكريفت، هناك إجابة – أجابه واقعية جداً <<الحي>>.
قال كريفت: <<يسوع هناك، جالسٌ بجوارنا في أسوأ فترات حياتها. هل نحن منكسرون؟ لقد كسر عنا كالخبز. هل نحن محتقرون؟ لقد أحتقر ورُفض من الناس. هل نصرخ حتى لا نصاب بالمزيد؟ لقد كان رجل أوجاع ومختبر الحزن. هل يخدعنا الناس؟ لقد بيع بنفسه؟ هل تنكسر أرق علاقاتنا؟ لقد أحب هو أيضاً ورُفض. هل يتحول الناس عنا؟ لقد ستروا عنه وجوههم كما عن أبرص.
هل ينزل الى الجحيم كل منا؟ نعم، من اعماق أحد معسكرات الموت النازية، كتبتْ كورى تن بوووم: <<مهما كان عُمق ظلامنا، فهو لا يزال أعمق بكثير. >> إنه لم يقم فقط من الأموات، بل غيَّر معنى الموت؛ ومن ثم غيَّر معنى كل معنى صغير – المعاناة التي تتوقع الموت وتجعله جزءاً منها.
<<يسمم بالغاز في أوشفتنز Auschwitz. ويسُخرَ منه في سويتوا Soweto. ويهزأ به في أيرلندا الشمالية. ويستعبد في السودان. أنه الواحد الذي نحبه حتى الكراهية، ومع ذلك فقد أختار أن يُبادلنا
————————
1 أكبر معسكرات الأشغال الشاقة النازية. كان يحتوي على ثلاث معسكرات رئيسية تضم في ثناياها 40 – 50 معسكراً فرعياً – المترجم
2 إحدى مدن جنوب أفريقيا. كانت مسرحاً لأحداث شغب عنيفة في العام 1976 – المترجم
بالمحبة. كل دمعة نسكبها تصبح دمعتهِ. ربما لا يمسح هذه الدموع الآن، لكنه سيمسحها فيما بعد. >>
توقفَ قائلاً بهدوء وحشرجة في صوته -قد تحولت نغمته الواثقة الى مغمة مؤقتة: <<في النهاية، أعطانا الله تفسيرات جزئية. وربما يكون سبب هذا هو أنه رأى أن التفسير الافضل أن يكون جيداً بالنسبة لنا. لا أعرف لماذا. كفيلسوف أنا فضولي جداً وكانسان، أتمنى لو كان قد أعطانا مزيداً من المعلومات. >>
وبهذه الكلمات، تطلع إلىَّ بنظرة فاحصة.
وقال بحزم: <<لكنه عرف أن يسوع كان أكثر من مجرد تفسير. فهو ما نحتاجه حقاً. لو كان صديقكَ مريضاً يحتضر، فالشيء الأهم الذي يحتاجه ليس تفسير، بل يحتاج أن تجلس معه. إنه مرتعب أن يبقى وحيداً أكثر من أي شيء أخر. ولذلك لم يتركنا الله وحدنا. >>
ضبط كريفت جلستهُ وأسترخى، وكان هناك شيء واحد أراد لي أن أعرفهُ.
فقال: <<ولذلك فأنا أحبه>>.
انتزاع الخير من الشر
بعد أقل من ساعة، كان كل شيء هادئاً في السيارة حيث تسللتْ خلال شوارع بوسطن المنزلقة بالأمطار في طريق العودة الى المطار. تطوع صديقي مارك هارينجر – أحد سكان بوسطن لمدة طويلة – بأن يقودني الى ومن مكتب كريفت. نظرتُ خارج النافذة إلى لا شيء تحديداً. كنتُ أسترجع في ذهني اللقاء. وعلى أي حال، كنتُ أتساءل كيف كانت تلك المرأة الافريقية ستتجاوب مع كلمات فيلسوف الجادة.
كان مارك يجلس أثناء اللقاء وهو يُصغي عن كثبٍ من مقعد خشبي مسنوداً على جدار. ولم يكن هذا بمثابة موضوعٌ تأمل تافه بالنسبة له.
قطع مارك الصمت في السيارة وقال: <<هذا حقيقي>>
فسألته: <<وما هو؟ >>
فقال: <<ما قاله كريفت حقيقي. فأنا أعرف ذلك، وقد اختبرته. >>
منذ سنوات ماضية، كان مارك يجرف الثلج عن طريق قيادتهِ عندما قالت زوجته أنها ستُحرك السيارة، وطلبتْ منه أن يُراقب أبنتهما الصغيرة. وبينما انطلقت السيارة، اندفعا فجأة إلى أسوأ كابوس يمكن أن يتصوره أبوان: فقد دهستْ الصغيرة تحت عجلة السيارة.
وكالمرأة الإفريقية، عرف مارك معنى أن يمسك طفلاً ميتاً بين ذراعيه. وبينما لم أكن قادراً على التكلم مع تلك الأم الحزينة، استطعت أن أتكلم معه هو.
كان يأس مارك المبدئي عميقٌ جداً حتى أنه اضطر أن يطلب من الله أن يساعده على التنفس، والأكل، والتصرف الطبيعي، والا لا صيب بالشلل من جراء الألم الشعوري. لكنه شعر بشكل متزايد بحضور الله، ونعمته، ودفنه، وتعزيته، بدأت جروحهِ تشفى بمنتهى البطء عبر الايام.
مختبراً الله عند نقط أشد احتياج، خرج مارك من هذا الأتون رجلاً جديداً، تاركاً موقعه في العمل لحضور معهد ديني. من خلال معاناته – رغم أنه لم يخترها على الاطلاق، ورغم أنها كانت مؤلمة للغاية، ورغم أنها كانت محطمة للحياة في ذاك الوقت – تحول مارك إلى أنسان يكرّس راحة الحياة لتقديم عطف الله للآخرين الوحيدين في يأسهم.
وعلى المنبر للمرة الاولى أستطاع مارك ان يعتمد على اختباراته الشخصية مع الله في أعماق الحزن. كان الناس متأثرين لأن خسارته الشخصية قد وهبت تأملات خاصة، وتعاطفاً، ومصداقية. وفي النهاية أستجاب العشرات منهم قائلين: أنهم يريدون أيضاً أن يروا يسوع هذا – أله الدموع. والآن كانت هناك قلوبٌ أخرى تشفى لآن قلب مارك كان قد أنفطر. من يأس زوجين يأتي رجاءٌ جديد لكثيرين.
قال مارك: <<أحياناً ما يسخر المتشككون من الكتاب المقدس قائلين إن الله يمكنه أن يجعل الخير يخرج من ألمنا لو لجأنا اليه بدلاً من ابتعادنا عنه، لكني رأيتُ هذا يحدث في حياتي الخاصة. لقد اختبرت صلاح الله من خلال الألم العميق، ولا يوجد متشكك يمكنه أن ينفذ هذا. فألله الذي ينكره المتشكك هو نفس الاله الذي أمسك أيادينا في الأماكن المظلمة العميقة، ودعمَّ زواجنا، وعمًّق أيماننا، وأكثر من اعتمادنا عليه، وأعطانا طفلين أخرين، وأثرى حياتنا بهدف جديد وبمعنى جديد حتى يمكننا أن نشكل اختلافا لآخرين. >>
فسألته في رفق: <<هل تتمنى أن تكون لديك إجابات أكثر عن لماذا تحدث المعاناة في المقام الاول؟ >>
<<نحن نعيش في عالم قلق، فقد كان يسوع أميناً لدرجة أنه يخبرنا بأننا سنتعرض لضيقات التجارب. (24)
بالطبع، أود أن أفهم أكثر لماذا يحدث هذا. لكن خاتمة كريفت كانت صحيحة – فالإجابة النهائية هي حضور يسوع. هذا يبدو ساذجاً كما أعرف. ولكن مهلاً، فعندما يهتز عالمك، فأنت لا تحتاج الى الفلسفة أو اللاهوت بقدر ما تحتاج الى حقيقة المسيح. لقد كان المسيح هو الأجابة بالنسبة لي. وكان هو الأجابة التي كنا نحتاجها. >>
إن وجود الألم والمعاناة اتهامات قوية ضد الله. ومع ذلك فالسؤال هو ما إذا كان الدليل يتبعُ بأدانتهِ. لقد اعتقدت أن تحليل وتمثيل كريفت الانيق قد ذهب بعيداً نحو تقويض تلك العقبة الرهيبة في سبيل الايمان، لكن كثيرٌ من الاعتراضات الاخرى بقتْ. كانت هذه مجرد بداية رحلة طويلة الاستكشاف، قد قررت أن أحجب حكمي الأخير حتى تواجه كل عقبات الايمان وتظهر كل الحقائق.
في نفس الوقت، وصل القس البريطاني اللامع جون ستوت الذي أقرَّ بأن المعاناة هي <<أعظم تحد منفرد للأيمان المسيحي>>
إلى الخاتمة الشخصية:
لم يكن من الممكن أن أؤمن بالله شخصياً لولا الصليب…ففي عالم الألم الواقعي، كيف يمكن الانسان أن يعبد الهاً يستثنى من الألم؟ لقد دخلتُ الكثير من المعابد البوذية في دولٍ أسيوية مختلفة، ووقفت باحترام أمام تمثال بوذا، الجالس القرفصاء، وذراعاه مثنيتنان، وعيناه مغلقتان، وشبح ابتسامة يرتسم حول فمه، ونظرة بعيدة عن وجههِ، بعيدة عن عذابات العالم. وبعد ذلك اضطرتُ في كل مرة أن أذهب بعيداً. وفي الخيال اتجهت بدلاً من ذلك الى ذاك المصلوب المُعذب، المتألم، الوحيد على الصليب، حيث المسامير في يديه وقدميه، والظهر مضروب بالسياط، والاطراف ملتوية، والحاجب ينزف من وخز الاشواك، والفم جاف وظمآن بلا رحمة، وهو مطمورٌ في ظلمة الله المنسية. هذا هو الله بالنسبة لي! لقد طرح جانباً حصانته ضد الألم. ودخل عالماً جسداً ودماً، ودموعاً وموتاً. عانى عنا. ومعاناتنا تصير أكثر سهولةً في ضوء معاناتهِ هو. ومازالت هناك علامة استفهام ضد المعاناة البشرية، بل عليها نضع بجرأة علامة أخرى، الصليب الذي يمثل المعاناة الالهية! صليب المسيح…هو تبرير الله الوحيد عن ذاته في عالمنا. (25)
مشاورات – أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة
كيف شكلت الصعبات والتحديات وحتى الآلام شخصيتك وقيمك؟ وكيف تختلف اليوم نتيجة المشكلات التي واجهتا في الحياة؟ هل يمكنك أن تتخيل أبداً شكر الله يوماً لطريقة تشكيل المعاناة لك؟ قال كريفت: <<أؤمن أن كل المعاناة تحتوي على الاقل على الفرصة لصالح الخير. >> هل كان هذا صحيحاً في حالتك؟
ماذا كانت أقوى نقاط كريفت؟ وماذا كانت أضعفها؟ لو أتيحت لك الفرصة لسؤاله، فماذا تسأله؟ بناءً على ملحوظاته الاخرى، كيف تعتقد أن سيجيب على سؤالك؟
لو كنت أنت الله، فكيف كنت ستشكل العالم بشكل مختلف؟ بينما تزيل المعاناة أو الشر، وتُعدَّل حرية أرادة البشر، فكر في النتائج التي يمكن أن تكون. كيف سيشكل الناس الشخصية في مدينتك الفاضلة؟ هل سيتحفزون لطلب الله وسط مسراتهم؟ لقد تدَّخلت بقوة تفوق الطبيعة الإزالة الشر، فمن أين سيبدأ – لمنع القتل؟ سوء استغلال الاطفال؟ السرقة؟ التشهير؟ الأفكار الشريرة التي يمكنها أن تؤدي لأفعال شريرة؟ في أية نقطة يتحول فيها الناس إلى دمى يفتقدون حرية الارادة، ومن ثم لا يمكنهم التعبير عن المحبة حقاً؟
لو أتيح لمارك أن يجلس مع المرأة صاحبة صورة مجلة لايف Life، فما هي الأمور الثلاثة التي تعتقد أنه سيقولها لها؟ كيف تعتقد أنها ستجيبه؟
لمزيد من الادلة
مصادر أخرى حول الموضوع
Peter Kreeft. Making Sense Out of Suffering. Ann Arbor, Mich.: Servant, 1986.
Philip Yancey. Where is God when It Hurt? Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1990.
Joni Eareckson Tada and Steven Estes. When Good Weeps, Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1997.
Luis Palau. Where Is God When Bad Things Happen? New York. Doubleday, 1999.
John R. W. Stott, the Cross-of Christ (Downers Grove, 111.: Intervarsity Press, 1986), 311.
See: Lee Strobel, “Thanksgiving Near; Only Food Rice,” The Chicago Tribune, November 25, 1974.
Peter Maass, “Top Ten War Crimes Suspects,” George, June, 1999.
Peter Kreeft, Making Sense out of Suffering (Ann Arbor, Mich.: Servant: 1986), viii.
Philip Yancey, Where Is God When It Hurts? (Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1990), 15.
20, quoting novelist Peter De Vries.
The Omni Poll conducted by Barna Research Group, Ltd., January 1999.
Charles Templeton, Farewell to God, 201-2.
See: Matthew 7:7.
See: Peter Kreeft and Ronald K. Tacelli, Handbook of Christian Apologetics (Downers Grove, 111.: Intervarsity, 1994), 48-88.
See: Leo Tolstoy (David Patterson, Translator), Confession (New York: W.W. Norton & Co.: 1996), Reprint edition.
Harold Kushner, When Bad Things Happen to Good People (New York: Schocket Books, 1981), 43.
See: Romans 5:3 -4.
Hebrews 5:8: “Although he was a son, he learned obedience from what he suffered….”
2 Peter 3:9: “The Lord is not slow in keeping His promise, as some understand slowness. He is patient with you, not wanting anyone to perish, but everyone to come to repentance.”
S. Lewis, the Problem of Pain (New York: Macmillan, 1962), 93.
See: Matthew 9:12-13.
Jeremiah 6: 13a.
Isaiah 64:6a.
Charles Templeton, Farewell to God, 201.
Philippians 3:8 (KJV): “I count all things hut loss for the Excellency of the knowledge of Christ Jesus my Lord: for whom I have suffered the loss of all things, and do count them but dung, that I may win Christ.”
Philip Yancey, Where Is God When It Huns? 255-56.
Warren W. Wiersbe, Classic Sermons on Suffering (Grand Rapids, Midi.: Kregel Publications, 1984), 92.
Jesus said in John 16:33: “These things I have spoken to you, that in me you may have peace. In the world, you have tribulation, but take courage; I have overcome the world” (NASB).
John R. W. Stott, The Cross of Christ, 335-36, the last sentence quoting P.T. Forsyth, Justification of God (London: Duckworth, 1916), 32.
احد اخطر التحديات للإيمان المسيحي هي مشكلة وجود الشر والالم. في الحقيقة هناك عدة ‘مشاكل ‘ او وجهات نظر لهذا الاعتراض. هناك وجهات نظر عاطفية او شخصية ولكن هذا ليس مجال حديثنا الان.
ما اريد ان أشاركه معكم هنا هو رد منطقي لمشكلة الشر وجدتها مفيدة ومريحة فجوهر الاعتراض هو: انه غير منطقي وجود اله وشر في نفس الوقت.
وبصيغة اخرى، كان يقال دائرة مربعة او عازب متزوج. وبالتحليل المنطقي فهذا غير وارد حدوثه أصلا.
كل المطلوب للرد على هذا الاعتراض هو تقديم منطق يسمح بأن اله محب يسمح بتواجد الشر. ملحوظة، هذا ربما ليس السبب الحقيقي ولكنه احتمال.
في رده على مشكلة الشر يصف البرفيسور الفين بلاتينجا سبب في دفاعه المشهور ‘ الإرادة الحرة’
أن وجود عالم توجد فيه كائنات حرة ( واحرار في فعل النير اكثر من الشر ) هو أقيم، لو ثبتنا كل الظروف الاخرى، من عالم لا توجد فيه كائنات حرة على الإطلاق. الله يستطيع خلق كائنات حرة ولكنه لا يستطيع جعلها ان تفعل الخير فقط. لانه لو فعل ذلك فإن الكائنات لم تعد حرة، ولا تتبع الخير بارادتها الحرة. لذلك فخلقة كائنات تستطيع ان تفعل الخير لابد ان يصاحبها الحرية ان تفعل الشر. ولا يستطيع خلقة كائنات ذات حرية لفعل الشر وفي نفس الوقت يمنعها من فعل الشر.
وللاسف فإن بعض هذه المخلوقات تُمارس حريتها بطريقة خاطئة؛ وهذا هو مصدر الشر. ولكن وجود كائنات تختار الشر ليس ضد قوة الله ولا صلاحه؛ لانه كان من الممكن ان يمنع اختيار الشر بمنع اختيار الخير.(1)
مشكلة الشر – ريتشارد سوينبيرن The Problem Of Evil” [1] Ricahrd Swinburne
مشكلة الشر – ريتشارد سوينبيرن The Problem Of Evil” [1] Ricahrd Swinburne
الإيمان بالله (Theismهي النظرة إلى أن هناك إله، كليّ القدرة وكليّ المعرفة، وكامل الخير، وهي نظرة مشتركة بين المسيحيين واليهود والمسلمين).
وأقوى اعتراض ضد الإيمان بالله كان دائماً ذلك الاعتراض القائل بأن كائناً كامل الخير سيقوم بمنع المعاناة والأفعال الخاطئة، وكائنٌ كليّ القدرة ستكون لديه القدرة لفعل ذلك. وبما أن الجنس البشري يعاني كثيراً، فإن الله غير موجود.
ولدحض هذا الاعتراض، فإن المؤمن بالله، بالرغم أن “الله” كلي القدرة وكامل الخير أن يفسر لماذا يسمح للإنسان بأن يعاني.
ولتقديم تفسير كهذا، فإنك تقدم ما يسمى “ثيوديسيا” Theodicy. وفي هذه الورقة سأقدم تفسيري “الثيوديسيا” لمشكلة الشر، حيث أن تفسيري كما سأوضح سيكون مبنياً على تعاليم السيد المسيح، وتطوره في التقليد الأرثوذكسي.
إني أفهم أن الله ” كليّ القدرة” بأنه قادر على فعل أي شيء “ممكن منطقياً”، وعلى سبيل المثال فإنه يستطيع أن يزيل الكون في لحظة!، ولكن ليس أن يفعل شيئاً مستحيل منطقياً (أي شيء يمكن وصفه على أنه متناقض منطقياً) –على سبيل المثال فهو لا يستطيع أن يجعلني موجوداً وغير موجود في نفس الوقت. والسبب وراء أن الله لا يستطيع أن يفعل المستحيل منطقياً ليس لأن الله ضعيف بل لأن مثل هذه التعبيرات “أن يجعلني موجوداً وغير موجود في نفس الوقت” لا تصف أي شيء يثير حس المنطق !، فليس هنالك أي حالات من الأمور التي تتضمن أن الله “يجعلني موجوداً وغير موجود في نفس الوقت “.
وكون الله “كليّ المعرفة “، أستطيع أن أفهمه، أنه يعرف كل شيء ممكن منطقياً. وإذا لم يكن من الممكن منطقياً لأي أحد أن يعرف خياراتنا الحرة المستقبلية، فإن معرفة الله الكلية لن تتضمن تلك المنطقة من المعرفة. [2]
ولكن وبالتأكيد سيكون خيار الله أن يمنحنا حرية الإرادة، وبالتالي فإنه سيكون هناك نوع ما من محدودية المعرفة. وأستطيع أن افهم أنه كائن حرٌ بأن خياراته ليست محدودة، أو تتأثر بأي نوع من القوى غير المنطقية، كما هو الحال في الخيارات الإنسانية.
فالله يرغب في أن يفعل شيئاً فقط إذا كان يرى سبباً لفعل ذلك، أي أنه يعتقد بأنه شيءٌ جيد ليفعله.
فكونه كلي المعرفة، فإنه يستطيع معرفة ما إذا كانت الافعال جيدة أو هناك أفعال أفضل من غيرها.
فإذا كان هناك أفضل فعل واحد يستطيع القيام به في موقف ما فإنه سيقوم به. ولكن إذا كان هناك فعلين اثنين متعارضين ومتساويين أو أكثر(أي أنه إذا كان هناك فعلين أو اكثر متساويين في الخير وأفضل من أي أفعال ممكنة أخرى ) ففي ذلك الموقف، فإنه سيختار بينهم بلا سبب على الإطلاق (كما نقوم نحن إذا كنّا في نفس الموقف).
والله على أية حال يجب غالباً أن يكون في موقف لا نستطيع أن نكون فيه، كأن يكون هناك خيار بين عدد لا نهائي من الأفعال الممكنة، وكل واحد منها أقل خيراً من الافعال الاخرى التي يستطيع أن يفعلها.
فعلى سبيل المثال، الملائكة والكواكب أو الحيوانات آكلة العشب فإنها أشياء جيدة ، وبالتالي المزيد منهم فإنه يكون الافضل (حيث أن، بالنسبة لقضية الحيوانات، فإنها منتشرة في ما بين عدد لانهائي من الكواكب، حيث لا تكون مزدحمة في ما بينها). وبالتالي مهما كان عدد هذه المخلوقات التي يخلقها الله، فإنه من الافضل أن يخلق المزيد منهم. (وهو يبقى قادراً أن يخلق المزيد منهم، وحتى لو قام بخلق عدد لا نهائي منهم! ).
وينتج معنا من ذلك أننا يجب أن نفهم أن الله كونه كليّ الخير سيفعل أكبر قدر ممكن من الأفعال الخيرّة، ولا أفعال سيئة، وأفضل فعل ممكن (خير) إذا كان هناك واحد فقط. على عكس ما كان يعتقد لايبنتيز، فنحن لا نستطيع أن نفهم أن الله كليّ الخير بأن يصنع عالم الأفضل من العوالم الممكنة –حيث أنه لا يوجد “عالم الأفضل من العوالم الممكنة”best of all possible worlds، فأي عالم سيصنعه الله سيكون عالماً أفضل better world.
فمشكلة الشر إذا ليست مشكلة أن هذا العالم ليس الأفضل في العوالم الممكنة، ولكن المشكلة هي أنها تبدو وكأن الله يسمح بحدوث أو يُحدِث حالات من الأمور جوهرياً سيئة – المعاناة والأفعال الخاطئة.
والآن سأقوم بالمحاججة بأن فعل السماح بالشر أو حدوثه ليس فعلاً سيئا أو شرًا، طالما أن الظروف المتوفرة مُقنعة، وسأقترح بأن ذلك فعلاً متوفر في حالة الشر الموجودة في عالمنا. ومن هنا فإن الشر، المعاناة والأفعال الخاطئة والتي (بحكم قدرته الكلية) باستطاعته أن يمنعها إذا اختار ذلك، فإنها لن تشكل أي دليل ضد وجود الله.
فالإنسان جيد لسماحه ببعض الشر أن يحدث (أي أن يسمح لشخص بأن يعاني ). طالما أن هذا السماح هو الطريقة الوحيدة لينتج بها بعض الخير، وطالما بمقدوره أن ينتج خير من ذلك، طالما لديه الحق للسماح لذلك الشّر بالحصول ( مسموح له أخلاقياً لفعل ذلك). وطالما أن الخير هو خير لدرجة كافية للمجازفة بحدوث الشّر.
على سبيل المثال يمكن للوالدين أن يقوما بأخذ طفلهما لطبيب الاسنان وجعله يعاني من ألم حشو الاسنان، وذلك من أجل عواقب صحة أسنانه، طالما أن هذه هي الطريقة الوحيدة ليعزز فيها حالة الخير، وحيث أنه الوالد، فلديه هذا الحق ليفعل هذا بالطفل. الجملة الاخيرة مهمة، فلا أحد غريب لديه الحق أن يأخذ طفلاً إلى طبيب الاسنان ليملأ أسنانه بدون أن يأخذ الإذن من والدي الطفل. حتى ولو كان هذا يعزز من حالة الخير لديه!
والان نحن كجنس بشري لا نستطيع أن نعطي دائماً الطفل عناية صحية لأسنانه من دون أن يعاني الطفل، ولكن الله يستطيع. فالمستحيل منطقياً هو ما لا يستطيع فعله، فإذاً نستكمل من قضية المعاناة إلى قضية الشر بشكل عام ومن تلك القضية إلى قضية الله الذي يستطيع أن يفعل أي شيء ممكن منطقياً.
فأنا افترض أن الله يمكنه أن يسمح للشر (ش) [ E ] لأن يحدث ومتوافقاً مع كمال خيره، وطالما أن الأربع شروط متوفرة.
أولاً، يجب أن يكون الامر مستحيلاً منطقياً بالنسبة لله أن يأتي ببعض الخير (خ) [ G] بأي طريقة تكون مسموحة أخلاقياً الا بسماح (ش) (أو أي شر مساوِ) لأن يحدث. على سبيل المثال فإنه من المستحيل منطقياً على الله أن يعطينا حرية إرادة مطلقة (Libertarian Freewill) لنختار بين الخير والشّر (حرية إرادة أن نختار بين هذه بالرغم من كل المسببات المؤثرة والتي لها نحن خاضعون)، ولكن أيضاً أن يُسببنا لأن نختار الخير. فإنه من المستحيل منطقياً لله أن يأتي بخيرنا حيث نمتلك حرية إختيار بدون أن يسمح بِشرِّ الخيار السيء(إذا كان ذلك ما اخترناه). ثانياً، الله يمكن أن يأتي بالخير (خ).
وبالتالي إذا سمح بالشر من جراء اختيارنا السيء، فإنه من اللازم أن يعطينا حرية إرادة لنختار بين الجيد والسيء. ثالثاً، الله لديه الحق ليسمح بالشر بأن يحدث(أي أنه مسموح له أخلاقياً بأن يسمح للشر أن يحدث). وأخيرأ يجب أن يكون هناك نوع ما من الشرط المقارن متواجداً. وهو لا يمكن أن يكون أقوى من شرط (خ)، هو خير أفضل من (ش)، هو شر. وذلك واضح، أننا غالباً من نُسوَّغ justified، وذلك لنضمن حدوث خير جوهري وكبير بالمجازفة بحدوث شر أضخم.
وطريقة منطقية لتصور هذا الامر هو القول ان القيمة المتوقعة للسماح ب (ش) أن تحدث-حيث أن الله يمكن أن يأتي ب (خ)-هو امر ايجابي. (أو بشكل غير محكم قليلا، ان كمية الشر المحتملة التي يمكن أن تنتج من سماح (ش)أن يحدث هي أقل من الخير (خ) ). سأقوم بتلخيص هذا الادعاء، بالنسبة لبعض الشر (ش)، حيث أنه إذا كان هناك إله، فإنه يستطيع وبكل توافق مع كماله للخير، أن يسمح به [الشر] أن يحدث لينتج خيرا (خ)، وحيث ان الادعاء بأن (ش) تخدم لخير أكبر.
وبالتالي ينتج من أنه إذا كانت حالة الخير هي فقط ملذة وسرور حسي، فإن الله لن يكون مُبرراً في أي سماح للشر بأن يحدث في العالم. حيث انه ليس حتى الشرط الاول يمكن أن يتوفر بالنسبة لهذا الشر. فالله يمكنه أن يزيل كل أنواع الالم الحسي والبلايا والمحنة العقلية وأي شيء اخر خاطئ في العالم، وإعطاء الكائنات الحساسة sentient creatures (بما فيهم نحن) حالة لا نهائية من السعادة الحسية من ذلك النوع الذي يسببه-حسب ما أعرف- الهيروين.
وبالتالي فإن وجود شر هذا العالم سيعتمد بصورة قطعية ضد وجود الله. فإذن فإن الشخص المؤمن بالله theist عليه أن يدعي بأن هناك أكثر من حالات السعادة الحسية، والتي لا يمكن لله أن يأتي بها الا بسماح الشر أن يحدث.
والآن فإنه ليس من المنطقي لأن نفترض بأننا نعلم كل حالات الخير الممكنة والتي يفيد الشّرُ بها. وبالتالي فإنه يبدو أنه ليس هنالك أي عدم معقولية بالذي يؤمن بوجود الله ويدعي أن شرور العالم تفيد في خير أعظم، على الرغم من أنه لا يعرف في الجزء الاكبر ما هي. حيث أن هناك إله فإن هذه الشرور يجب أن تخدم في خير أعظم (وإلا فإن الله لن يسمح لهم بالحدوث).
وإذا كان لديك منطق قوي لأن تفترض أن هناك إله، فإن لديك منطق قوي لأن تفترض بأنها تفيد خيراً أكبر. فالمشكلة هي أنه يبدو لكثير من الناس لأول وهلة وبشكل واضح أن كثير من شرور العالم لا يمكنها أن تنتج خيراً أكبر، حيث يبدو للكثير من الناس أن الألم غير القابل للعلاج، أو القسوة على الاطفال، أو تجارة العبيد في القرن الثامن عشر، الخ.
لا يمكنها أن تنتج أي خيرٍ أعظم، ليس بسبب أنهم يعلمون ماهي احتمالات الخير، ولكنهم يدعون أنهم يعرفون كفاية حتى يعلموا أن على أقل تقدير فإن أحد هذه الشروط لا يمكن تلبيتها بالنسبة لبعض الشرور –بأن الله ليس له الحق بأن يسمح لها بالحدوث في سبيل جني خير أكبر، أو أن الخير الذي يمكن أن يلبيه حدوث هذا الشّر لا يمكنه في الواقع أن يحدث (بالرغم، أنه بوجود الشّر يمكن الله أن يجلب خيراً).
فغالبية الناس، وحسب رؤيتي من ضمنهم المتدينين الذين لا يمتلكون ذلك الايمان الثابت بوجود الله، يميلون للاعتقاد لأول وهلة أن الكثير من شرور العالم لا يمكنها أن تأتي بأي خير أعظم –وبالتالي فإن وجود الشّر يُشكل حجة قويّة ضد وجود الله. فهذه الثيوديسيا هي لتلك النوعية من الناس.
[وجهه نظري اي ان كان هذا، بالرغم من انه يبدو لأول وهلة أن القضية هكذا فإن الأربعة شروط مُقنعة بكل أنواع الشر. وبالرغم من انه لا يمكنني أن اشرح ذلك بالتفصيل في ورقةٍ قصيرة. ولكن يمكنني ان أعطي سبب لهذا الاعتقاد بان هذه الشروط مُقنعة لبعض انواع الشر الرئيسية التي هي سبب في معاناة البشر، وذلك –اتمنى- سيجعل الامر معقولاً بأن هذه الحجة من الشّر ضد وجود الله غير نافعة.
سأبدأ بلفت الانتباه الى طرق لشرح اول شرط علي انه مُقنع لانواع عدة من الشر، وسأبدأ بالشّر الاخلاقي moral evil (وهو الشر سواء بتعمُد او بإهمال(بدون قصد) والذي يسببه البشر لبعضهم ). قد أشرت مسبقا ان دفاع الحريه التقليديه free will defense والتي تُشير الى ان حريه الاختيار المطلقة بين الشر والخير ( منطقيا) يُمكن أن تأتي للوجود عن طريق السماح للشخص أن بفعل الشّر.
ولكن حريه الاختيار التي لم تصنع أي فرق في العالم لن تكون ذات قيمه بقدر اختيار صنع فرقاً. انه لعظيم للبشرية ان يكون حريه الاختيار المطلقة التي تسمح لنا ان نمارس المسئوليه الحقيقيه تجاه البشر وهذا يتيح الفرصه إما لمساعدة الآخرين أو إيذائهم. الله لديه القدرة لمساعده او إيذاء البشر. لو كان هناك أشخاص اخرين أعطي لهم المشاركة في خلقه البديع فإنه من الممكن ان يكون جيداً لو شاركوه هذه القوة أيضاً ( حتي لو كانت في درجة أقل).
في عالم حيث يستطيع الاشخاص ان تستفيد من بعضها، ولكنها لا تستطيع ان تؤذي بعضها سيكون عالماً يمتلكون فيه قدرا محدود من المسئوليه تجاه بعضهم البعض.
إذا كانت مسئوليتي تجاهك مقتصرة بأن أعطيك أو لا أعطيك احدث موديل تليفون ولكن لا أستطيع ان أسبب لك الم، أو أوقف نموك او أحُدَّ من طموحاتك في التعليم فأنا بالتالي لا املك المسئولية الكاملة تجاهك. فالله الذي أعطي مسؤولية محدوده لبعض الاشخاص تجاه أقرانهم فإنه لم يعطهم الكثير.
فقد خصص الله لنفسه كل الاختيارات الهامة في كيف سيكون العالم وفي نفس الوقت قد اعطي للبشر خيارات محدده ليملئوا بعض التفاصيل. هو كالإب الذي طلب من ابنه الأكبر ان ينتبه لأخيه الأصغر ولكنه يبقى متابع لكل تحركاته ليتدخل في اللحظه التي يفعل فيها ابنه الكبير خطأ.
ربما الابن الأكبر عن استحقاق يرد بالعكس(بحجة معاكسة)، بينما سيكون هو سعيداً في مشاركته لأبيه في عمله، وكان من الممكن ان يفعل هذا فقط إذا تركه ابوه ليصدر أحكامه الشخصية بنفسه في ماذا سيفعل، مع وجود نطاق ملحوظ للخيارات المتوافرة لأبيه. الله العظيم كالاب الحسن سيفوض مثل هذه المسئوليه. ولكن لكي يسمح للمخلوق ان يشارك في الخلق، كان يجب على الله يعطي لهم الخيار علي الإيذاء والتشويه أو احباط الخطة الالهية.
وبالتالي بسماح هذا الايذاء والتشويه فإن الله يجعله ممكناً أن الخير الاعظم للبشر أن يختاروا بحرية ليستفيدوا من بعضهم (على أن يؤذوا بعضهم)وبالتالي يشاركون في خطة الله. فيسوع علمنا أنه حسن ان نساعد بعضنا بعضًا، قائلا’مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ’ [3]. ومرة اخرى :”فدعاهم يسوع وقال لهم: أنتم تعلمون أن الذين يحسبون رؤساء الأمم يسودونهم، وأن عظماءهم يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم. بل من أراد أن يصير فيكم عظيما، يكون لكم خادما.
ومن أراد أن يصير فيكم أولا، يكون للجميع عبدا. لأن ابن الإنسان أيضا لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين[4]. هذه الفقرة تربط بين العظمة والخدمة وتفهم أن العظمة تتألف من الخدمة.
ولكن اختيارات الانسان الحسنه ليست جيدة في ذاتها وفي مقتضى عواقبها الفورية. جميع اختيارات الانسان شخصية التكوين – كل اختيار صالح يجعل الاختيار التالي من السهل ان يكون صالح – ووالاشخاص يمكنهم تكوين شخصيتهم. وعلق أرسطو قائلا ” اننا نصبح أشخاص عادلين عندما نفعل أعمالا عادلة ونصبح حكماء عندما تكون أعمالنا حكيمة وشجعان عندما نقوم بأعمال شجاعة”[5]. ولذلك ان نعمل اعمال صالحة عندما يكون من الصعب فعلها – عندما تكون ضد طبيعتنا ( هذه هي رغبتنا) نحاول ان نفعل الصالح بطريقه أسهل في المره القادمه- ونستطيع تدريجيا ان نغير من إرادتنا ولذلك علي سبيل المثال يصبح قيامنا بأعمال صالحة طبيعه فينا.
و بذلك يمكن ان نحرر أنفسنا من الرغبة الاقل صلاحاً والتي ننتمي إليها. ولكن أيضاً الصالح داخلنا له حريه الاختيار من التكوين الشخصي ( اختيار نوع البشر الذين نريد ان نكون) يكون ( منطقيا)إذا كنا نملك الاراده في ان نفسد أنفسنا (و نصبح أشخاص سيئين).
يدعي سفر التكوين ان الانسان خلق على صورة الله[6] وقد فهم الاباء أن محور تلك الصورة اننا نملك الارادة. لو استعملناها في الطريق الصحيح سوف نطابق الله ونشابهه. وعلى سبيل المثال، في القرن الرابع كتب القديس اغريغوريس النيسي “الأسبقية بين جميع الجوانب في هذه الصوره حقيقة اننا أحرار من اي ضرورة وغير مرتبطين بأي قوة طبيعية ولكن نملك القرار في قوتنا الخاصه كما نريدها”[7].
في القرن الثامن كتب يوحنا الدمشقي ” ان كل إنسان قيل انه علي صورة الله فيما يتعلق بسمو فكره وروحه- يمكن ان نقول ان الخاصية في الانسان التي لايمكن ان تفحص بدقه او تلاحظ هي أنه خالد وموهوب بإراده حرة بمقتضى ما يحكمه أو يولده أو يبنيه[8].
وفي نهاية فتره آباء الكنيسه الأوليين في القرن الرابع عشر القديس غريغوريوس بالاماسGregory Palamas كتب ” انه ليس بمقتضى الجودة الطبيعية ولكن بمقتضى ما يحققه الفرد من خلال إرادته الحره وذلك الشخص قريب او بعيد عن الله”[9]. وأكد القديس غريغوريوس واخرين أيضاً ان الجزء الأعظم في روح الانسان في انها تملك القدره علي السلطة [10]. إن روح الانسان تراقب الكون كله وتضع كل شيء في اهتمامها[11]. وهذا بحسب مفاهيمي فإن مجد الإنسان ليس فقط في حرية إرادته ولكن مسئوليته في عواقب ممارسته لهذه الحريه.
و الان تخيل الشر الطبيعي natural evil وهو الشر الذي لا يستطيع الانسان منعه كالمعاناه من مرض من نوع لا يمكن علاجه –حتى الان-. والذي يُعرف ب دفاع “الدرجات العليا للخير” higher-order goods أن بعض الحريات ذات القيمه في الاختيار ممكنه فقط كرد للشرور. أستطيع ( منطقيا) ان اظهر شجاعة في تحمل معاناتي فقط اذا كنت أعاني ( حالة الشر).
رثائي لذاتي خلال معاناتي من مرض ما عندما أمر بتجربة تعطي لي فرصه أن أُظهر شجاعةً. لأنه من الجيد أن يكون لدينا الفرصة ( أحياناً) لعمل شيء نقاوم به التجربة لأنه بذلك نُظهر كاملَ تعهدنا للخير والصلاح. (الالتزام الذي لا نقوم بتنفيذه حينما يكون الاغراء بفعل عكسه ليس قويا ليس بالتزام كامل).
ومن الجيد أيضاً من خلال الأعمال الصالحة انه لدينا الفرصة ( أحيانا) لمساعدة الآخرين الذين يعانون والمحرومين من خلال تعاطفنا معهم ومساعدتنا لهم لاجتيازها. المساعده تبدو عظمتها وقت احتياجها وعندما يكون الفرد في معاناة وحرمان. ولكن أستطيع ( منطقيا) مساعدة الآخرين الذين يعانون فقط اذا كان هناك شر في معاناتهم. ففي هذه الحالات لو هنالك إله، يمكنه ان يقدم اختيارات حره جيده بأنواع معينه ما بين الخير والشر الذي – منطقيا- لا يمكن أن يمنحه لنا من غير أن يسمح بالشر (أو الشرور المتساوية في سوئها) أن يحدث.
او ربما انه الشيء الأخلاقي الوحيد المسموح به ليعطينا الحرية. يمكنه، هذا صحيح، أن يعطينا حرية اختيار مساعدة الآخرين او أن نرفض ذلك ( اختيار يمكنه بشكل معقول أن يسمح بإعلان التزامنا للخير أو الشر ) بدون احتمالية أي معاناة. لان الله قادر أن يصنع عالماً مخادعاً يبدو فيه الناس في الم شديد في حين أنهم لا يعانوا أي شيء. ولكن في هذا الموقف، أولاً لن يكون لدينا المسئولية تجاه الآخرين والتي تحسب جيدة، ثانيا غير مسموح أخلاقيا – من وجهة نظري- لله أن يصنع عالماً فيه الناس تساعد الاخرين لهدف جيد في حين أنهم لا يحتاجون مساعده علي الإطلاق.
فالله، إذا لم يكن يخدعنا ويعطينا الحرية في مساعدة أو عدم مساعدة لآخرين يجب أن يصنع عالم هؤلاء يعانون فيه فعليا. والسماح المجرد بالمعاناة التي سببها الشر الاخلاقي لن يعطي الاختيارات الكثير والتي من ضمنها مقاومة التجارب، ولذلك نحن بحاجه إلى مرض، حادث، أو ضعف سن الشيخوخة.
هذه المعاناة بركه للذي يعاني في تلك الفُرص التي تزوده أو تزودها بالعمل البطولي أو تكوين الشّخصية هي شيء ثابت في موضوع الروحانية في المسيحية الارثوذكسية. لذلك كتب القديس بطرس الدمشقي :
” من خلال ما نحسبه معاناة نحصل علي الصبر التواضع والأمل في الفترة القادمة، والذي ندعوه معاناه اقصد أشياء كمرض، حزن، بلوى، ضعف، ضيقه غير مرغوب فيها، ظلام، إهمال، فقر، سوء حظ عام، الخوف من فقدان أحدهم، إهانة، حزن، أو عوز وغيرها”. [12]
هذه العطايا كما يدعوها القديس بطرس، تسمح لنا )لكن لا تجبرنا(، بالرد بالطريقة السليمة عليهم عن طريق أعمال الرحمة التي قد لا نجد فرصة للقيام بها في بعض الأحيان فالفقر هو الذي يتحمله الإنسان بصبر وشكر، والمرض هو أن يجوز للإنسان أن ينال إكليل الصبر وكل هذه العطايا تمنح الفرص للآخرين الذين لديهم العطايا المضادة للرد بالطريقة الصحيحة.
وكتب القديس بطرس أن الثراء يمكننا من عمل الرحمة وذكر أخيرا، ُ أنه لا يستطيع الغني خلاص نفسه والفرار من إغراءات الثروة بدون الفقير وتمكننا الصحة من مساعدة المحتاجين والقيام بأعمال تليق بالله.
إنه جيد أيضاً أن من بين الخيرات المتوفرة للبشر أن يكون الاختيار ليس مجرد مساعدة الآخرين للتغلب على الشرور الطبيعية مثل الأوبئة لكن أيضاً تخفيض عدد حدوث تلك الشرور في المستقبل، مثل الحماية من الأمراض، ولكن لكي نحصل على هذا الاختيار، نحتاج إلى معرفة أسباب الشرور.
الطريقة العادية ( دعم العلماء دعماً مالياً عن طريق الآخرين ) التي نحاول بها اكتشاف تلك الأمور هي الطريقة الاستقرائية التي نسعى لاكتشافها بالعمليات الطبيعية مثل البكتيريا، الفيروسات وغيرها، ومن ثم بناء النظريات ومزيد من النظريات الآلية بها، لكن العلماء لا يستطيعون العمل بها إلا إذا كان هناك عمليات منتظمة لعرض المرض، وأيضاً دراسته تحت مناخ انتشار المرض بين كثير من السكان والعكس عن أسباب عدم انتشار المرض بينهم، لذلك من أجل الاختيار الجيد لهذا البحث، (أو بدلاً من إزعاجه بالبحث)، فهناك شر لابد منه وهو المرض الفعلي.
فإذا كان لدى البشر فرصة عظيمة لتكريس حياتهم للبحث العلمي لفائدة أو لصالح الإنسان وإن كان ذلك لن يزعجهم لابد من وجود من يعانون الأمراض لجعل ذلك ممكنا.
كثيراً من الآباء المسيحيين الأولين قد رأوا العقلانية (إمكانية تتبع ذلك البحث العلمي كمثال نموذجي) مع الإرادة الحرة هم الشيئان اللذين يمتلكهما الإنسان يشكلان صنع الإنسان كصورة الله ومثاله.
وبالتالي كتب القديس يوحنا الدمشقي أن الله يخلق بيديه الإنسان بطبيعة مرئية وأخرى غير مرئية، وعلى صورته ومثاله: من ناحية صنع الله الإنسان من الأرض بيديه، ومن ناحية أخرى خلق له روح المنطق والتفكير… إن عبارة “على صورته” تشير بوضوح إلى جانب طبيعته التي تتكون من العقل والإرادة الحرة، في حين أن “وعلى مثاله” يعني التشابه في الفضيلة بقدر الإمكان “[13].
كذلك، قد تسأل، أليس من الأفضل إذا انبت الله فينا المعتقدات الحقيقية القوية عن أسباب جميع الأمراض وغيرها من الشرور الطبيعية، ومن ثم يتركنا لاختيار أو عدم اختيار علاجهم؟ أليس وجود فرصة لممارسة العقلانية في الطريقة الاستقرائية يستحق هذا الثمن؟ ولكن إذا ألغى الله ضرورة البحث العقلاني وقدم لنا معتقدات حقيقية قوية عن أسباب الأشياء والتي من شأنها تقليل صعوبة اتخاذ القرارات الأخلاقية بشكل كبير، وتسهيله لدرجة كبيرة لنا لإظهار الالتزام التام بالصلاح وصنع الشخصيات البطولية.
رغم أن معظم القرارات الأخلاقية هي القرارات التي اتخذت في حالة اللا يقين بشأن عواقب أفعالنا في العالم الفعلي. إلا إني لا أعرف على وجه اليقين أنه إذا كنت أدخن، سأصاب بالسرطان؛ أو أن لا أعطي مالاً للأعمال الخيرية، سيموت الناس جوعا. لذلك يجب علينا اتخاذ القرارات الأخلاقية على أساس كيفية احتمالها وأن أفعالنا سيكون لها نتائج مختلفة، كيفية احتمال أني قد أصاب بالسرطان إذا استمررت في التدخين (على خلاف ذلك لا أصاب بالسرطان)، أو احتمالية أن شخص ما سوف يموت جوعا إذا كنت لا أتصدق (حيث انه لن يموت جوعا على خلاف ذلك(
هذه القرارات في ظل عدم اليقين ليست مجرد قرارات أخلاقيةعادية، بل إنها حقاً صعبة، حينما كان تقييمها أيضاً صعباً، إلا إنه من السهل إقناع ذاتك أن من الصواب أخذ الفرصة حتى تقل الأضرار المحتمل حدوثها عند طلب القرار( هذا هو القرار الذي يجب عليك العزم عليه بشدة). وأيضاً، إذا واجهت التقدير الصحيح للاحتمالات وحسن التفاني الحقيقي الظاهر في العمل فإن على الرغم من احتمال أن ذلك أفضل عمل فقد لا يحصل على النتائج الجيدة على الإطلاق.
لذلك من أجل إعطاء الفرصة لنا للتعامل مع جميع المسائل الهامة من خلال ممارسة العقلانية وأيضاً لكي تعطينا الفرصة لإظهار التزامنا الشديد بالخير بجعل اختيارنا في حالة عدم اليقين، أمر جيد أن الله لا يجعلنا نولد بمعتقدات حقيقية قوية عن نتائج أفعالنا، وهكذا ينبغي أن يكون لدينا الفرصة لاختيار السعي أو عدم السعي إلى المزيد من معرفة معينة عن نتائج أفعالنا، والتي سوف تشمل الحصول على المزيد من المعلومات حول عواقب الأحداث، مثال ذلك، معلومات من الماضي عن ما حدث للمدخنين الذين تجاهلوا معلومة أن التدخين يسبب السرطان، ساعين نحو معرفة معينة وهي في كلمات أخرى تشمل إعادة الاعتماد المعنى بالاستقراء العادي والذي يتطلب وجود الشرور الطبيعية.
وماذا بعد عن المعيار (2)؟ لقد تبين لي أهمية تعدد أنواع الشر لممارسة الإرادة الحرة المطلقة أو التحررية التي تصنع اختلافات هامة بين بعضنا البعض، وأيضاً بين العالم، لكن، هل لدينا حقا الإرادة الحرة المطلقة في هذا المعنى من الحرية لاختيار ما يجب القيام به، في ضوء كل التأثيرات التي تؤثر علينا، مثل اختيارنا الذي يجعل هنالك اختلافاً للحالات العقلية وبالتالي الافعال التي نقوم بها في الملأ؟ حيث نقوم باختياراتنا التي تبدو لنا أنها كاختيارنا وأنها المبدأ الأساسي المنطقي، الذي يجعل من المحتمل أن تكون الأمور كما تبدو في غياب المنطق المناقض له.
لا أعتقد أن هناك أي سبب مبرر لإنكار أن تكون الأمور كما هي تبدو لنا في هذا الصدد. وكان من المتداول إدعاءُ أن العلوم قد أظهرت أن الطبيعة تتبع الحتمية فلذلك يجب أن يكون خياراتنا مُسببة، حتى لو كان العلم قد تبين حدوث هذا في العالم المادي (العام)، فإن وصفاً شاملاً لما في العالم يجب أن يشمل الأحداث العقلية (التى هي كل من الأحاسيس، والأفكار والنوايا،…. ألخ).
إن الأحداث العقلية هي مختلفة جدا عن الاحداث المادية (وتشمل أحداث الدماغ التي تتصل بالعديد من الوقائع العقلية)، وبالتالي فإنه غير مبرر تماماً للمحاججة من حتمية الطبيعة المادية إلى أي حتمية في الطبيعة العقلية.
ولكن بعد ذلك، قد يُدّعى أن العلم قد أشار أن الواقع المادي مغلق، وهذا يعني أن الأحداث المادية هي السبب وهي بدورها مُسببة من قبل أحداث مادية فقط، وحتى إذا كانت إرادتنا حرة فإنها لا تؤثر في العالم.
ولكن العلوم لم تظهر أي شيء من هذا القبيل، ومن الواضح تماما أن أحداث الدماغ (الجسدي) تسبب الأحداث العقلية-إذا وخزت إبرة في فإنى أشعر بألم، فعلى قدم المساواة وبشكل واضح تقريبا أن تحدث الأحداث العقلية تأثيرا على الأحداث الجسدية- الذي يجعلني أقول لكم عن شعوري بالألم (حدث جسدي) هو ألمي ( الذي هو حدث عقلي[أي ليس مادي])
وهذا واضح بيّن في كل منا حسب حالته؛وإذا لم نعتقد ذلك، فلن يكون لدينا أي سبب أن نصدق ما يقوله الناس عن حياتهم العقلية mental lifeلأنهم سيكونون مُسببين لينطقوا الالفاظ التي يريدون، ليس فقط عند حصول الالم، ولكن فقط من بعض حالات الدماغ التي لا نملك أي سبب لربطها بالالم. فالعالم الواقع ليس مُغلقاً، ومن ناحية أخرى، وفقاً لما أعتقد فيكون الرأي الغالب بين علماء الفيزياء، أن نظرية الكم قد أظهرت على المستوى الدقيق [الذري] أن العالم المادي ليس محدداً deterministic على الإطلاق.
بينما يجوز الحتمية على المقياس الصغير[الذري] بطريقة عادية تتساوى على النطاق الكبير (إذا كل ذرة لديها فرصة 50٪ من الاضمحلال في فترة معينة، فإن ما يقرب من نصف كتلة متوسطة الحجم من تلك الذرات سوف تضمحل خلال تلك الفترة)
فمن السهل جداً بناء نظام على نطاق دقيق له تغييرات لاحتمية تقدم تأثيراً للنطاق الاكبر، يشبه العقل نظام أشبه بذلك النوع الذي فيه التغييرات الضئيلة تضخمت بشكل كبير.
في هذه الحالة أن أي حدث للعالم العقلي على الدماغ سوف لا يعطل عملية القوانين الفيزيائية الطبيعية التي هي قوانين نظرية الكم. لذلك استنتجت، أنه حتى ولو كان هذا الموضوع ليس مؤكداً، فإن من المعقول أن نفترض غياب الأدلة العكسية أن لدينا إرادة حرة تحررية وأن ممارستنا لها يؤثر على ما نقوم به في العالم العلني.
ولكن إذا كنت مخطئا وليس لدينا إرادة حرة تحررية فعالة، ستكون بعض من حججي اللاحقة لن تكون مقنعة[14] نظراً إلى أننا لدينا إرادة حرة تحررية، فمن المؤكد أنها إرادة حرة مسئولة-كما أوضحت أن أعمالنا لها تأثير كبير على أنفسنا وعلى بعضنا البعض وبالتالي لدينا مسئولية خطيرة لأنفسنا وبعضنا البعض.
إذاً بالنظر إلى وجود خيرات وشرور في الحالة (1) وفي الحالة (2)، فماذا عن الحالة (3) ؟
هل يملك الله الحق ليُسبب أو ليسمح للشر أن يحدث للبشر من أجل خير أعظم؟ المشكلة قد تبدو أكثر حدة من ذلك في كثير من الحالات. بما في ذلك ما تم ذكره أعلاه، صلاح لفرد واحد حدث عن طريق الشر يعاني منه أفراد آخرين. هل يملك الله الحق أن يجعلك تُعاني من أجل منفعتي؟
أن تسمح لشخص أن يعاني من أجل منفعته الشخصية أو من أجل منفعة شخص آخر، على المرء أن يكون بعلاقة أبوية تجاهه. أنا ليس لدي الحق في السماح لشخص غريب، (شخص اسمه جو بلوجز) Joe Bloggs، أن يُعاني من أجل منفعته أو من أجل منفعة(بيل سنوجز) Bill Snoggs، ولكني أملك بعض الحق بذلك فيما يتعلق تجاه أولادي. قد اسمح لابني أن يُعاني بعض الشيء من أجل مصلحته، أو من أجل مصلحة أخاه الأكبر – فقد أُوكل الأخ الأصغر لرعاية مؤقتة للأخ الأكبر، مع احتمالية أن الأخ الأكبر قد يؤذي الأخ الأصغر.
أو قد أُرسل ابنتي إلى مدرسة الحي التي قد لا تستمتع بها كثيراً، ولكن هذا سيعود بالنفع على الآخرين من الحي. أنا أملك مثل هذا الحق فيما يتعلق بأولادي، والسبب هو أنني –ولو بجزء بسيط- مسئول عن حياة أولادي وعن أشياء أخرى. إنه بسبب أن الأب (وليس بالضرورة الأب البيولوجي ولكن أيضاً قد يكون الأب المُربي) هو مصدر الكثير من الخير للابن الذي من حقه أن يأخذ شيء منه (أو ما يعادله) إن كان ضرورياً. (على سبيل المثال، وجود جوانب سيئة في الحياة بشكل من الأشكال) لو استطاع الابن أن يتفهم، سيفهم أن الأب يُعطي حياة، غذاء وتعليم، بعض الهدايا المقدور عليها.
إن كان هذا صحيح، إذاً من باب أولى، فالله الذي هو، بحكم الفرضية، مصدر أكبر بكثير لوجودنا من آباءنا، لديه الكثير من الحقوق في هذا الصدد. لأننا نعتمد عليه كلياً من لحظة لأخرى، وقدرة الآباء والأمهات وغيرهم لإفادتنا تعتمد عليه. لكن يجب أن تبقى قضية أن حقوق الله مقتصرة أو محدودة بحالة أنه، ومع مرور الوقت، لا يجب أن يأخذ أكثر مما يعطي. لا بد له أن يكون مُحسن بشكل متوازن.
لكن هناك نظرة في الكثير من الأحيان إلى أن الشر أكثر من الخير في الحياة، والتي تجعلنا نقول أنه كان من الأفضل لهذا الشخص لو لم يكن على قيد الحياة أساساً. أنا أحث بكل الأحوال على أن هذا تقييم خاطئ لحياة أشخاص كثر. لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار الخيرات التي لحد الآن لم أذكرها – خيرات أن تكون مفيد للآخرين. أنه لأمر جيد وهائل لأي شخص أن يكون مُفيد للآخرين- سواء من خلال ما يقومون به بإرادة حُرة، أو بشكل إلزامي أو عن طريق ما يحدث لهم، بما في ذلك الأشياء التي يعانون منها.
من الواضح أن مساعدة شخص بإرادة حرة هو عمل خيّر وعظيم للمُساعد. نحن عادةً نُساعد السجناء، ليس من خلال منحهم أماكن مُريحة أكثر، ولكن من خلال السماح لهم بمُساعدة المعاقين؛ والشفقة بدلاً من الحسد “الفتاة المسكينة الصغيرة الغنيّة” التي تملك كل شيء ولا تُساعد أي أحد. وظاهرة واحدة سائدة في أوروبا الغربية المعاصرة في السنوات الأخيرة توجه انتباهنا إلى هذا الخير- شر البطالة.
بسبب أنظمتنا للضمان الاجتماعي، فإن العاطلين عن العمل بشكل عام، لديهم المال الكافي للعيش من دون الانزعاج كثيراً. بالتأكيد هم أفضل حالاً من الكثير من العمال في أفريقيا أو آسيا أو بريطانيا بالقرن التاسع عشر.
إن الشر الموجود في بطالة أوروبا الغربية المعاصرة لا يُشكل أي نوع من أنواع الفقر لهم وإنما عدم الجدوى والاستفادة من وجودهم. فهم غالباً ما يُخبرون عن شعورهم بعدم القيمة والفائدة من المجتمع، ” كومة من الخردة” إنهم بحق يعتقدون أنه سيكون أفضل لهم للمساهمة، ولكن لا يستطيعون.
إنه ليس فقط الأعمال الإرادية مُختارة بحُرية، وإنما أيضاً الأعمال التي تؤدى بشكل إلزامي. والتي لها عواقب جيدة للآخرين وتشكل أيضاً خيراً بالنسبة لأولئك الذين يؤدونها. لو كان العاطلون عن العمل مُجبرين لعمل بعض الأشياء المفيدة، سيكونون بالتأكيد محقين باعتبار هذا الشيء جيد بالنسبة لهم بالمقارنة بالشعور بعدم الفائدة منهم. وليس فقط الأعمال الإرادية وإنما الخبرة التي خضعوا لها مُجبرين. (أو تقليص التجارب الجيدة الغير طوعية، كإعدامها) التي لها عواقب جيدة والتي تشكل أمراً جيد لمن يملكها. (حتى لو أن خيراً أقل من ذاك الذي تم بإرادة حُرة مشكلاً هذه النتائج).
ضع بعين الاعتبار المجند الذي قُتل بنهاية حرب ناجحة مدافعاً عن بلاده ضد المعتدي المستبد. تقريباً جميع الشعوب، بصرف النظر عن أولئك من العالم الغربي من عصرنا، اعتبروا أنه أمر عظيم أن يموت الشخص من أجل بلده. حتى ولو كان الشخص مجنداً بشكل إلزامي. ضع بعين الاعتبار أيضاً شخصاً جُرح أو قُتل بحادث، وأن هذا الحادث قد أدى لإجراء بعض الإصلاحات لمنع وقوع حوادث مماثلة له في المستقبل (مثلاً، شخص قُتل بحادث تحطم للسكك الحديدية، نتج عنه تركيب نظام جديد للسكك الحديدية والذي من شأنه أن يمنع حوادث مماثلة في المستقبل).
الضحية وأقربائه غالباً ما يُعلقون على مثل هذه الحالات على أنه بنهاية المطاف لم يُعاني أو يمت هدراً. على الرغم من أنهم عادةً لا يزالون يعتبرون أن المعاناة أو الموت نتيجة لتوازن الشر، فإنهم قد يعتبروا هذا مصيبة أكبر للضحية. (بصرف النظر تماماً عن عواقبه بالنسبة للآخرين). إن كانت معاناته أو موته لم تخدم غرض مفيد. إنه أمر جيد بالنسبة لنا لو أن خبراتنا لا تضع سداً وإنما أن تستخدم لفائدة الآخرين، إن كانت وسائل صالحة، فإنها لن تأتي للآخرين من دونهم.
قد يعترض أحدهم ويقول أن مصلحة الشخص لا تكمن (مثلا) بموته بتصادم سكك حديدية والذي من شأنه تحديث وتطوير معايير السلامة لاحقاً، ولكن الموت في حادث تحطم السكك الحديدية عندما تعلم أن معايير تحسين السلامة ستنتج؛ وبشكل عام، أن الخير هو التجربة (الشعور بالخير) التي تم استخدامها. ولكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً، أن يكون شخصاً ما سعيداً عندما يعلم أن معاناة شخص (أو أياً كان) كان لها تأثير جيد. وهي ليست أنه لم يتعلمها بل ولكن أنه بالحقيقة لها تأثير جيد.
“. لو لم يفكر احد كذلك- سواء أكان احدٌ يعلم عنها أم لا- انه من الجيد أن المعاناة يكون لها بعض التأثير، فهناك من لا يكون مسرورًا بها عندما يتعلم أنها كذلك. للقيام بتشبيه- بسبب أني اعلم انه من الجيد أن تجتاز من امتحاناتك حتى لو لم اعلم عنها. ولكن سأكون مسرورًا عند معرفتي بها.
وهكذا عموما، انه حسن أيضاً ان يعتقد الفرد ان معاناة شخص لها تأثير جيد، ولكن هذا لان لها تأثير جيد في ذاتها. وان كان هناك شيء جيد عندما يعرفها شخص ليس لها فقط استفادات اخرى بطريقة ما ولكن بمعاناة الشخص نفسه هو الذي يكون سببا في هذا التأثير، وبعد ذلك يكون هذا جيداً حتى لو لم يعلم عنها شيء.
ويتبع من ذلك من ان تكون مستخدماً يكون هذا خير عظيم فحين يسمح الله بشيء سيء يحدث ل “ب” ( مثلا جعل “ب” في معاناة) من اجل أن يقدم شيء جيد إلى “أ” ( مثلا حرية الاختيار في كيف تتعامل مع هذه المعاناة) فان “ب” يستفيد أيضاً – فحياته لا يضيعها بل هو مستخدم أيضاً ( سواء من خلال تحمله شيء سيء او استعداده لعمل ما). هو في استخدام ل “أ” وأيضاً مستخدم في يد الله، يقوم بدور مهم في إرادة الله لـ “أ”.
و كونك مستخدم في الفداء لخليقته لهو خير عظيم. الجوع، والاضطهاد، وسوء المعاملة مفيد بالنسبة للأغنياء الذين يظهرون من على عتبة أبوابهم[الفقراء] لأنه – بالنسبه لهم- الغناء غير مستعمل وغير مفيد. انهم محرك يمكن بواسطته أن ينقذوا الأغنياء من الانغماس في الملذات وتعلم السخاء في العطاء. وبذلك يكونوا أداه استعمال في يد الله.
عندما يأخذ الفرد في الاعتبار أن الذين يمتلكون هذه الحالات من الامور الشريرة التي تحمل الشيء الجيد للآخرين ( وبالطبع أحيانا لأنفسهم) وسيحصلون علي فوائد عديدة، أصبح منطقياً أن تفرض أن الله لديه الحق في أن يسبب الشر. حيث أنه مهما كنت توزن الواحد ضد الاخر فالشر يحمل الجيد في ان تكون مستعمل. ، والذي يساهم في ان يجعل حياة الضحية بشكل متوازن هو جيد.
نفسه الذي يجعل ان الله له القدرة في وجود بعض الشر. ولكن يجب ان أضيف لو ان هناك اي حياة علي الارض في توازن سيء فإن الله قادر ان يعوض عن هذا السوء في الآخرة وبذلك يكون مجموع حياة الفرد في توازن جيد. هو في قدرته علي كل شيء يمكن ان يفعل هذا.
وهذا جيد لنا، ليس فقط لو اخترنا بحريتنا ان نخدم الآخرين او نخدم الله، ولكن نحن في لفائدة الآخرين او الله عندما نعاني هي الفكره الرئيسيه في العهد الجديد. في مواضع كثيرة تعلمنا ان الذين يعانون من اجل اختيارهم اسم المسيح لهم حظ في ان ينالوا دور بارز عند استعلان الإنجيل. الرسل اضطهدوا من اجل تبشيرهم بالانجيل وابتهجوا بأنهم حُسبوا أهلاً لأن يعانوا من أجل اسمه [15]
قائلا انه لايحسب الاضطهاد من اجل اسم المسيح شيئا امام المجد المعد لنا. معلمنا بولس الرسول كتب الي كولوسي انه “تهلل” في الاضطهاد الذي عاناه من اجلهم. [16]
اخيرا وصلت الى الشرط المقارن الرابع. من الممكن لاحد ان يوافقني ان الذي يريد هذا القدر الكبير من الشرور المتنوعة من اجل إتاحة الفرصه لأشياء جيدة. وربما يشعر بان هناك اكثر من اللازم من الشرور في العالم لتجعل الخير ممكنا. ليس هناك خير تم من خلال هوريشيما، تجارة العبيد، زلزال لشبونة، او الموت الاسود[17]، يزعم المعترض.
وفي هذا الاعتراض انه لو كان هناك اله، فهو قد قام بأكثر من اللازم، اشعر بتعاطف أولي مُعتبر. وعندما أقوم الان بتبرير سبب قيام الله بكل هذا، اتمني منك ان لا تعتبرني قاسياً. انه لشيء فظيع، وعندما تحدث لأفراد يجب ان نشجب. ولكن في أوقات الهدوء ( واتمني ان هذه الان واحده منهم ) يحب ان نحلل كل المواضيع العقليه بمحايدة تامة علي قدر ما نستطيع، ونأخذ بجدية، الخير الذي جعله الشر ممكنا.
ما الذي جعل هذه الشرور ضخمة الا “عدد” الأفراد المتضررين !. ولكن لو كل مصاب من ألوف من المتضررين تكون شروطي الاربعة مكتفية بذلك. ويكون الألف المتضررين، بحيث تكون الشروط، أيضاً مُقنعة.
بحيث أن مصاب مقعد في زلزال ليشبونه يتيح له ان يظهر شجاعة، واقربائه الذين لديهم الفرصه للتعاطف ومساعدته والآلاف من الأفراد المقعدين قدموا له أيضاً مساعده. فكل أضافه صغيرة للمصابين يتيح الفرصه للذي يمكنه القيام باختيارات جيده. وكل نقص في المصابين ينقص من عدد الذين يمكنهم القيام باختيارات جيده. ربما هناك نوع جديد من الشر( غير المعاناة) له اثر لو كل الجماعه شعرت بالمعاناة وليس فقط الأعضاء.
لو هذا هو الحال – مثلا، ان جماعه بكل تقاليدها تتوقف عن الوجود فإن هذا شر اضافي على معاناة الافراد- احيانا يكون الحال ان كمية كبيرة من الشر تعطي فرص اضافيه من اجل استجابات جيدة ( بخلاف الفرص المتاحه للأفراد الذين يعانون) كحملات عالميه لمساعدة الضحايا ( كما حدث في تاسونامي اسيا)، كذلك حملات تمنع الرعب من ان يحدث مره اخري( كالرعب بسبب إعصار كاترين في نيو اورلاند كان سبب في حملات من اجل العديد من التحسينات لمواجهة الفيضانات). “
أحيانأتكون المشكلةمع بالغ الشرور هي ليست عدد الذين يعانون ولكن هي درجة المعاناة. فإذ كان هناك إله، أفلا تكون المعاناة التي يأمر بها أو يسمح للآخرين بفرضها بعض الأحيان قاسية جداً من أجل العمل الصالح؟، لكن لا يهم كثيراً إذا حدث الشر الاقل فسوف لايهم كثيراُ إذا تم تجاهلها.
من خلال الشرور التي تحدث، يجبر الله الناس التي سمحت لأنفسها عيش حياة سهلة، (ولذا يصبح عدم الإحساس بكثير من المطالب الأدبية العادية) الخيارات الصعبة الوحيدة (تعطى السبات[18] الأدبي)وحدها التي ستسمح لهم بالبدء لكي يصبحوا شعباً مقدساً بدلا من السعى إلى أنانية غير الإنسانية، لذلك يرى كثير من الناس العاديين الأنانيين شرور التعذيب الخطيرة والأمراض المؤلمة للغاية التي تجعلهم ينتقلون إلى إختيار هذا التغير الحياتى ( حيث أن عدم وجود الشرور العادية لا تجعله ينتقلون هكذا) وأخيراً بتلك الخيارات يصبحون قديسيين.
ما يقول به المعترض هو، انه ينبغي وجود الأمراض، لكن ليست التى تشوه أو تقتل والحوادث التي تعوق الناس لمدة سنة أو أثنين وليس لمدى الحياة، ينبغيأننتمكن من أن نصيب بعضنا بالألم أولانساعدبعضناالبعضلننال المعرفةبدون تدمير شخصيتنا أو بعضنا البعض. وينبغي أن يقتصر تأثيرها على الذين نتواصل معهم، كما ينبغي عدم إمكانية تأثيرها على الأجيال البعيدة الصالحة أو الطالحة. وينبغي أن تكون معظم معتقداتنا عن كيفية حدوث تأثيرات صالحة أو شريرة، هى تلك المعتقدات التى ولدنا بها.
قد يكون هذا العالم لعبة عالمية عالم يؤثر على الأشياء لكن ليس تأثيراُ شديداً، بينما نستطيع أن نختار، ويمكن أن يحدث اختيارنا تأثيراًضئيلاًولكنتبقىالخياراتالحقيقيةلله. ويسأل المعترضين الله: انه ينبغي ان لا يشاء الله ان يكون طيب القلب ويجعلنا نثق بعالمه ولا يعطينا الفرص العارضة لإظهار أنفسنا في أفضل بطولة.
قال المعارضين إنه من المؤكد أن هناك حد للمعاناة التى تجعل من الممكن أن يبررها الله بهدف العمل الصالح. نعم يوجد هذا الحد بطبيعة الحال، ويوجد أيضاً حد للكم الفعلى من المعاناة التي يعانيها أى انسان (ماعدا التي يختارها بنفسه). يوجد حدً للوقت-هذه الأيام، وهو ما يقرب من ثمانون عاماً. ويوجد بوضوح أيضاً حد للشدة. فما يجب ان يزعم إليه المعترض هو شدة إتساع الحد الفعلي- إذا فهناك اله يطلب الكثير منا.
ومع ذلك عندما يبدأ أحد أخذ في الاعتبارالفوائدالعظيمة، التي ناقشتها سابقاً أن ألم المتألم ميزة لإعطاء الآخرين فرصة مساعدته وميزة أيضاً لنفسه ليكون لديه الإختيار الحر بكيفية التعامل مع معاناته وبدء تكوين الشخصية المقدسة. ثم بدأت أن أؤمنبالصحة البالغةفى إدعاء أن الإمتيازات المتوقعة من الله تسمح بأن الكمية ودرجة حدوث الألم الذي حدث بالفعل يفوق شر المعاناة.
اسمحوا لي بمساعدتكم على رؤية هذا الفكر من خلال تجربة صغيرة قد تكون مألوفة لدى أحد منكم ممن قرأها في أي من كتاباتي الأخرى. أولاً لنفترض أنك موجود فى عالم آخر، قبل ولادتك في هذا العالم ولديك الخيار لأن تختار الحياة هنا، وقالوا لك انك ستكون حياتك قصيرة وربما تكون لدقائق بالرغم من انها ستكون حياة بالغين بمعنى أن سيكون لديك صفات البالغين في ثراء المشاعر والإعتقاد.
لكن لديك أن تختار نوع الحياة التى ترغب العيش بها، يمكنك اختيار إما الحياة لبضع دقائق سعيدة جداً، من نوع إنتاج بعض المخدرات مثل الهيروين، التي تكابدها بنفسك ولا تؤثر إطلاقاً على من في العالم ( على سبيل المثال لن يعلم بها أحد غيرك) أو أن تختار حياة شديدة الألم مثل ألم الولادة (لا تعلمه في وقت الألم) التي سيكون لها بعد هذا آثار كبيرة جيدة على الآخرين على مدى عدة سنوات بعد الولادة.
قيل لك أنه إذ لم تختار الاختيار الثاني هؤلاء الآخرين لن يعيشوا ولذلك أنت لست تحت الإلتزام الأخلاقي لتختار الاختيار الثاني. ( الالتزامات الأخلاقية هو التزامات بآخر ويمكنك فقط أن تحصل على التزامات أخلاقية لهؤلاء الذين يعيشون بعض الأحيان فى الماضى والحاضر أو المستقبل. ) ولكنك تسعى لجعل الاختيار هو الأمر الذي سيجعل حياتك الخاصة تقودك إلى حياة أفضل. فكيف سوف تختار؟ صراحةً الاختيار الذي أتمنى أن تختاره ويجب عليك اختياره هو البديل الثاني.
طبعاًقد يغضب الله السماح بمعاناة لانهائية ان تعطي تلك الفرص اللانهائية لخدمة مؤلمة، لكن الله لا يمنح أي منا ( إلا ما إختارناه بأنفسنا) معاناة لانهائية. فيسمح الله بالمعاناة غالباً لفترة قصيرة من حياتنا الأرضية لكي ما نستطيع مساعدة بعضنا البعض في هذه الحياة ونشكل أنفسنا بطرق عظيمة جدا، وقد نكون أكثر فقرا بدون هذه الفرص.
[1]تمت الترجمة بإذن من الكاتب معظم هذه الورقة هي نفس المحاضرة التي قُدمت في مونستر في عام 2007، وتم نشرها في مجلد من الاوراق الأخرى التي تناقش كتابتي الفلسفية الأخرى (ed. ) N. Mössner and others، Richard Swinburne : Christian Philosophy in the Modern World، Ontos Verlag، 2008، وهذه الورقة تُلخّص النقاط الرئيسية من كتابي العناية الإلهية ومشكلة الشّر Providence and the Problem of Evil ، وفي هذا الكتاب أناقش عدة أنواع من الشّر (بالنسبة للحيوانات كما للانسان) ونقاط إضافية غير مذكورة في هذه الورقة
[2]نظرة ريتشارد سوينبيرن لقضية الله كليّ المعرفة تقول أن معرفة الله لا تتضمن معرفة الافعال الحرة للاشخاص في المستقبل ويقف معه في نفس الصف فلاسفة اخرين، ولكن هناك مجموعة أخرى من الفلاسفة تقول بإمكانية معرفة الافعال الحرة للاشخاص في المستقبل ومنهم الفيلسوف المشهور وليام كريج (المترجم)
[3]كما يقتبسها القديس بولس، راجع أعمال 2035
[4]راجع مرقس 10 42-45
[5]Nichomachaean Ethics 1103b.
[6]Genesis 1:26.
[7]On the Making of Man، 16. 11.
[8]St John of Damascus، ‘On the Virtues and Vices’، in G. E. H. Palmer، P. Sherrard، and K. Ware (ed. and trans. )، Philokalia، ii (Faber & Faber، 1981)، 341.
[9]St Gregory Palamas، ‘Topics of Natural and Theological Science’، in G. E. H. Palmer، P. Sherrard، and K. Ware (ed. and trans. )، Philokalia، iv (Faber and Faber، 1995)، 382.
[10]Ibid. 374.
[11]Ibid. 356.
[12]Extract from St Peter’s writings in Philokalia op. cit. iii، p. 174. See also St John of Damascus، On The Orthodox Faith، 2:29، on the diverse good states which bad states make possible.
[13]On the Orthodox Faith 2:12.
[14]لرؤية الحجة الكاملة لوجهة النظر القائلة بأن لدينا إرادة حرة تحررية انظر كتابي، Mind، Brain and Free Will، Oxford Univeristy Press، 2013، especially chs 4، 5، 7 and 8.
كيف يمكنُ أن يسمح إلهٌ صالحٌ بالألم؟ مشكلة الشر والألم في الحياة
مقدمة
أحلام صبية !
في صغري دائما ًما كانت أحلامي حول كيفية التأثير ايجابياً في العالم , في كيفية تحويل المجاعات في الدول الفقيرة التي تعاني من المجاعات إلى دول تنتج غذائها بنفسها أو على اقل تقدير بدول ينعم أغلب سكانها بلقمة عيش كريمة, أو مثلاً أن أقوم بإغراق العالم بالاختراعات وتطوير المعيشة ,كنت اتسائلُ لماذا البشر يتذمرون دائماً , يريدون هذا وذاك , ولا يستطيعوا أن يعطوا هذا أو يمدوا يداً سخية للمسكين الفقير وللمعذب المقهور ؟!
مرحلة التغير !
يمر العمر وتتسابق السنين السنة وراء السنة, ودخلت مرحلة المراهقة ,بما فيها من تغير فسيولوجي ونفسي ,تكون هناك التغيرات الأصعب عبوراً التغيرات الفكرية, حيث تكون في مرحلة تشويش وفوضى وبناء تبدأ تفكر لماذا هذا ولماذا ذاك وكيف ومتى ؟ أسئلة كثير تجتاح عقلي الصغير , وبدأت اشك في كل ما حولي , ووصلت لدرجات عالية من الشك إلى أن وصلت إلى مرحلة تجرأت وشككت في الله وفي وجوده ,في حكمته , ربما كانت عن جهل أو طيش أو إني كنت أريد فعلا الحقيقة… , ” لماذا كل هذا الشر في العالم ؟! ” و ” أين الله من كل هذا …..
و أنا واثق بأن هذا السؤال قد خطر على أغلبية عقول البشر المتسائلة و القاصرة.
بعيدا عن الأبعاد العاطفية والنفسية, هل يوجد مشكلة عقلية (منطقية ) في هذا الشر وماهي علاقته بوجود الله ,أي هل نستطيع أن نؤمن بالله والشر موجود ؟ ,سأقوم ببحث بسيط في أبعاد هذه المشكلة المنطقية
سنقوم معاً بتحليل بعض الحجج والجدليات التي يستخدمها بعض غير المؤمنين لنقض حقيقة وجود الله ,أو على أقل تقدير أن يكون وجود هذا الكائن الالهي ذو احتمالية متدنية وسنرى هل يشكل ذلك أي عائق
للمؤمن ؟
بدايةً وقبل الشروع في مناقشة ما سأطرحه من جدليات هنا, يجب أن نميّز أنّ هذا البحث البسيط يركز على المشكلة المنطقية والفكرية [المجردة] في ما يسمى معضلة(مشكلة) الشر , حيث أن هذه الإشكالية يمكن أن تقسيمها إلى الجزء الفلسفي والمنطقي لها (intellectual) والجزء الوجودي أو العاطفي(emotional –existential)
فالكثير منّا يخلط بين هذين الجزأين .
اولاً: المشكلة المنطقية ,أو تناقضات بين صفات الله الذاتية والشر ؟
Logical problem of evil
يدعي المروجون لهذه المشكلة أن وجود الله وصفاته المنسوبة له مثل المحبة والقدرة الكلية والمعرفة الكلية , تتعارض ولا تتوافق مع وجود الشر على الجهة الاخرى , أي أن هذه المشكلة داخلية في منظومة المؤمن بوجود الله . وربما تعود جذور هذه المشكلة الى زمان الفلاسفة اليونان , وبالتحديد الى ابيقورس (epicurus), وقد ادعى الاتي:
‘‘هل الله يريد منع الشر لكن لا يستطيع ؟ اذاً هو ليس كلي القدرة
هل هو يستطيع لكن لايريد ؟ اذا هو حاقد , هل هو يريد و يستطيع معاً؟ اذاً من أين الشر ؟ هل هو لا يستطيع ولا يريد ؟ اذاً لماذا نسميه الله ؟‘‘[1]
وايضا اعادها الفيلسوف ديفيد هيوم (David Hume), على أساس أنها لم تحل بعد[2] -أي في عصره- .
وحتى ظهرت مرة أخرى في على يد الفيلسوف الملحد (atheist) جي ال ماكي في منتصف القرن الفائت (J.L Mackie) حيث طورها بشكل أكبر من حيث فلسفتها ووضعها في كثير من كتابته .
لنبدأ باقتباس من كتابه : ‘‘الله كليّ القدرة , الله الخير الأعظم , ولكن الشر موجود , يبدو ان هناك تناقض بين هذه الافتراضات الثلاثة‘‘[3]
هذا ما يقوله ماكي ,وهذا صحيح بالنسبة لقوله عن الله فإن أي شخص يعتقد بوجود اله فإنه يجب ان يكون من صفاته الاساسية العلم والقدرة والحكمة , وهذه الصفات الالهية يجب أن تكون في هذا الكائن الالهي عظيمة جداً أي كما يقول القديس انسلم أن الله هو “عظم كائن يمكن تخيّله”
لكنّ الصفات التي يبدو أنّ المشكلة تدور حولها هي
1-كليّ القدرة (Omnipotent)
2-كليّ الخير أو الخير الاعظم (Wholly Good)
وعلى الجانب الاخر
3-الشر موجود
(لنسمي هذه المجموعة الاولى)
طبعاً لا أحد من الافتراضات السابقة يمكن انكاره , وأيضاً لايبدو أن هناك أي مشكلة واضحة في تلك الافتراضات الثلاثة على الاقل الآن .
يريد ماكي القول أن هذه العقيدة أو هذا المذهب في داخله غير متناسق مع بعضه –داخلياً-(inconsistent). ولكن ما معنى أن نقول أن أي منظومة أو مجموعة من الافكار غير متّسقة بين بعضها البعض؟
أوردت موسوعة الفلسفة الموجودة على الشبكة العنكبوتية التالي:
1-أما أن يكون بوجود تناقض صريح (explicit contradiction ) بين أي من الفرضيات السابقة أي الشيء ونقضيه [مثلا: (ق) وليس (ق) معاً]
2- أو أن يكون هناك تناقض يمكن استنتاجه من خلال هذه الافتراضات[4]
طبعاً بالنسبة للنقطة الأولى واضح أنها ليست هي المقصودة أو لن يأتي أحد ويقول تلك المجموعة متناقضة بحد ذاتها فنقيض كل من تلك الافتراضات على التوالي :
1-ليس الله كليّ القدرة
2-ليس الله كلي الخير
3-ليس الشر موجوداً
فليس أي من هذه الافتراضات السلبية الثلاثة في المجموعة الأولى حتى تناقضها !
أما بالنسبة للنقطة الثانية , لأعطي مثالاً عليها لأوضحها:
1- إذا كان كل إنسان فانٍ , فأن سقراط فانٍ
2- كل إنسان فانٍ
3- سقراط ليس فانٍ
يستطيع القارئ لأول وهلة أن يرى أن المجموعة غير متناسقة ,حيث يمكن استنتاج(أو بالأصح استنباط deduce) فرض يتعارض مع الآخر , من 1 و2 ينتج 4-سقراط فانٍ, وأضفها للمجموعة فينتج عندك تناقض صريح بين 3و4 , فينتج عندك إذن منظومة من الأفكار غير متوافقة وغير متناسقة , ولكن هل هذا يحدث مع مجموعتنا كما يدعي ماكي ؟
بالطبع لا, لأنه بكل بساطة لا يمكنك استنتاج أي فرضية من الموجودة في مجموعتنا وتعطينا تناقضاً مع أي فرضية في تلك المجموعة .
ولكن ما لذي يعنيه ماكي ؟ يقول ماكي متابعاً حديثه أنّ:
‘‘ على أية حال فإن هذا التناقض لا يظهر في الحال, لنستطيع تبيانه يجب علينا أن نضيف بعض الافتراضات(المقدمات المنطقية) , تربط مفاهيم”الخير” و”الشر” وكلي القدرة‘‘[5]
فالمقصود هو أن تلك المجموعة متناقضة ضمنياً-حسب اعتقاده- ولكن علينا أن نجد فرض إضافي ومنطقي لتصبح تلك المجموعة متناقضة أو في متناسقة فيما بينها
وهو ما قام به ماكي في حجته , حيث قام بوضع بعض المقدمات المنطقية والفرضيات , ولكن ليس أحد منها صحيح بالضرورة(necessarily true)
ويجب أن انوه هنا أن حجة ماكي قد تم مناقشتها باستفاضة في كتب كثيرة [6]
لذلك أنا لست هنا بصدد مناقشة حجته بالكامل , ولكن الفكرة الاساسية منها هي وجود التناقض او عدم التناسق بين تلك الافتراضات التي يؤمن بها المؤمن , وبما أن البيّنة على المدعي في هذه القضية ,فعليه أن يجد تلك الفرضية المخفية , ويجب أن تكون صحيحة بالضرورة حتى ينتج منها تناقض ,وبالتالي خطأ معتقدنا
فحتى أن الفيلسوف المسيحي توما الاكويني (Thomas Aquinas), الذي عاش في العصور الوسطى وله مؤلفات ضخمة في اللاهوت والفلسفة ,إلا انه لم يرى ذلك التناقض أو أي مشكلة في وجوده مع الله! حيث ورد في كتابه الضخم ,الخلاصة اللاهوتية,(وهو على شكل اعتراضات ,وأجوبة عليها بما يتعلق باللاهوت) التالي:
‘‘يتخطى إلى الثالث[أحد المعترضين] بأن يقال : يظهر أن الله ليس موجوداً لأنه متى كان أحد الضدين غير متناهٍ يلزم عدم الآخر بالكلية . والله يراد بهِ خيرٌ غير متناه فلو كان موجوداً لم يكن شرٌ,لكن الشر موجود في العالم .فإذاً ليس الله موجوداً”
فيجيب قائلاً:”بأن الله لكونه في غاية الخيرية لا يسمح على نحو من الأنحاء بوجود شر في أعماله لو لم يكن من تمام القدرة الشاملة والخيرية بحيث يخلّص من الشّر خيراً كما قال اغسطينوس في كتاب الكيريدون ب11,فاذا من مقاصد خيريته غير المتناهية أن يسمح بوجود الشرور ويخلص منها خيرات‘‘[7]
إذا نلاحظ من الاعتراض ان لا يوجد تناقض مباشر بين الله ووجود الشر أي انّه لم يستطع إثبات هذا التناقض بالضرورة , ولا يرى الاكويني أيضا أي معارضة بل أنّ الله في رأيه يخرج من الجافي حلاوة!
اعتراضات أخرى[8]
1- إذا كان الله لا يستطيع إيجاد الخير بدون الشر فإذا هو ليس كلي القدرة , والنقطة الثانية هي إن هذا الخير لا يستطيع إزالة الشر
جواب: وكأن المعترض هنا يقول لنا أن الشر له وجود ذاتي , ولكن في الواقع هذا الرأي ليس السائد , حيث يمكن تعريف الشر بأنه فساد الخير أو عدم صلاح جوهر
2- الله يسمح بالشر ليقدم خيراً أفضل , ولكن البعض يقولوا أن هذا يحد من قدرة الله
جواب: يتفق الكثير من الفلاسفة أن تعريف الكلي القدرة :هي فعل ما هو ممكن منطقيا , فالله لا يمكن أن يصنع مربع دائري أو متزوج أعزب (وهذا طبعا لا يحد قدرة الله لأنها ليس أشياء في الأساس), بل يمكن القول أيضا كما قال اللاهوتي والفيلسوف Herbert McCabe, بأن هناك بعض الشر والألم ضروري أن يكون مصحوباً ببعض الخير , فنحن نعيش في عالم بتفاعلات محددة ,فإذاً عندما أعاني من مرض معين , فذلك لأن نوعاً معيناً من البكتيريا تعمل بطريقة جيدة ملائمة حسب سلوكها.
3-هناك البعض يحاولون الرد على نقطة أن على انّ بعض الشّر يمكن ان يساهم في الخير الاكبر , أي ان الله يسمح ببعض الالم لينتج خيراً اكبر بثلاثة اعتراضات -الاول: انه سيكون ضرباً من السخف ان الله يُبقي الالم ليجعل امكانية وجود مزايا وفضائل الخير
-الثاني : وايضا هذا يعني انّ الله ليس محبة ,حيث انّ الله ليس مهتماً بازالة الشر او تقليله(ايّ ان الله يهتم بالخير بدلاً من استئصال الشر ) -الثالث: ان السماح بالشر لجعل خير أكبر , بدوره سينتج ايضاً شراً أكبر (أي ما يقصده ماكي ان بزيادة درجة الخير تزداد الشر, فمهما كان الخير سيكون شراً اكبر)
الرد على الاعتراض الاول : لا نعرف ما المقصود بكلمة”سخيف” ان الله يسمح ببعض الشر لينتج خيراً أعظم, قد يكون هذا سبباً جيداً لسماح الله بالشّر ,وكما يوضح الفيلسوف ريتشارد سوينبيرن[9] Richard Swinburne :
‘‘عالم بلا شرّ سيكون عالماً فيه الانسان لا يستطيع ان يظهر تسامحاً, او شفقة , او التضحية من اجل الاخر , والانسان من دون ذلك سيكون فاقد لفرصة اظهار نفسه في اعلى درجات النبالة‘‘
في الحقيقة انّ أعظم تضحية جاءت بعد الالم , بعد شر الانسان , حيث ان الله قدم ابنه يسوع المسيح كفدية على الصليب , فكان هناك خير الاكبر والخلاص الرد على الاعتراض الثاني: لم يستطع اثبات ايّ تناقض بين الشر ومحبة الله بل على العكس ,كما قلنا سابقاً من فرط محبة الله (حسب المسيحية ) قدّم نفسه ذبيحة من أجلنا
الرد على الاعتراض الثالث : واضح انّ اعتراضه خاطئ ولا يمت للواقع بصلة , فاذا الخير ايضا يمكن ان ينتج شراً اكبر فستكون الحالة كأن الناس يركضون في الشارع يقتلون بعضهم .
ثانيا:مشكلة الشر والحجة الاثباتية أو البرهانية
Evidential problem of evil
هذه نسخة أخرى من مشكلة الشر , مما يدل أيضاً على ضعف الحجة التي ناقشناها سابقاً هو تحديث الحجج دائماً , ربما لها مسمّى آخر وهو الحجة الاحتمالية (probabilistic) , ولكنّها على عكس الحجة التي ناقشناها سابقاً ,فهي لا تدعي وجود أي تعارض بين وجود الشر من جهة وبين وجود الله (وصفاته) من جهة أخرى فهذه الجدلية تدعي بما أن الشر الموجود في العالم كبير , وهناك نماذج مروعة من الألم والمعاناة التي لا مبرر لها تجعل وجود الله غير ممكنا أو تقلل احتمالية وجوده حسب هذا الشّر ولذلك يمكن تعريفه بالشكل التالي:‘‘فهي الحجة التي تقول أن أنواع وكمية الشر في هذا العالم ,توفر أدلة قوية ضد وجود الله , كأن وجود الله غير مبرر ومن المحتمل أن يكون خاطئاً‘‘[10]
لنبدأ معاً في حجة الفيلسوف روي(Rowe)
1- يوجد هناك نماذج قاسية من المعاناة ,بحيث أنّ كائن كلي القدرة ,كلي المعرفة بإمكانه منعها,بدون خسارة أي خير أكثر أو بسماح شر (مساوِ) أو أسوأ
2- كائن كلي المعرفة وكلي الخير يستطيع منع حدوث أي مأساة بما في وسعه , إلا إذا كان لا يستطيع أن يفعل ذلك بدون أن يخسر خير أكثر أو أن يسمح بٍشر (مساوِ) أو أسوأ
3-اذن,لا يوجد كائن كلي القدرة ,كلي المعرفة ,كلي الخير[11]
هذه هي حجة روي,فإنها صالحة من حيث المنطق (valid) أي من حيث الشكل المنطقي فاذا كانت المقدمات (premises) صحيحة فأن النتيجة صحيحة أيضاً,الغالبية تقريبا وخصوصا المؤمنين , يقبلون بالمقدمة الثانية(مع أن البعض يجادل فيها), ولكن الجدال الاكبر هو على المقدمة الاولى
حيث أن المقدمة الاولى تقول(يوجد نماذج من المعاناة) ,يقوم روي بتوضيح هذا بشكل أكبر بتقديم حدثين الاول هو مجرد حدث تخيليّ, أما الحدث الثاني فهو واقعيّ, ولنسميهما تسهيلاًً (ح1) للأول و(ح2)للحدث الثاني وهما كتالي:
ح1-هي حدث لظبي(ابن الغزال) يعلق في الغابة, ويحترق بسبب حريق حدث هناك , ولكنه يتعذب أياماً قبل أن يموت
ح2-هي قصة لفتاة كان عمرها 5 سنوات اغتصبت وقتلت بشكل إجرامي
يضع روي هذين المثالين ليوضح فكرته بأن مثل هذه الأمثلة تحدث كثيراً وفي عالمنا الارضي هذا , ولكن ما لذي نستفيده منها بل ماهو المبرر لذلك؟! فإن سماحه بحدوث مثل هذه الاحداث لا يمنع شراً أسوأ وأعظم منها فإنها لا تتعلق بحدوث أي شر أكبر(موت حيوانات الغابة كلها مثلاً) ,كما أنه لا يتم خسارة أي خير إذا منع تلك الاحداث من الوقوع !
حيث يوضح فكرته قائلاً :
‘‘بالتأكيد انه لايبدو معقولاً حتى نؤمن به,ولا يبدو ايضا معقولا ان نعتقد أن هناك شراً على الأقل كالذي حدث لهذا الظبي ,بحيث أن كائن كلي القدرة لا يستطيع ببساطة أن يمنعه بدون إن يسمح بمعاناة هذا الظبي,ولكن حتى لو افترضنا جدلاً انّ هناك معقولية في ذلك الأمر , فعلينا أذاً ان نسأل أنفسنا في معقولية الاعتقاد في مثل هذه النماذج لمعاناة الإنسان والحيوان والتي تبدو أنها بلا هدف والتي تحدث يومياً في عالمنا‘‘[12]
ولنضع هذا الاقتباس بالشكل المنطقي , أي فرضيات ونتائج
1- لا يوجد خير يبرر سماح كائنٍ كلي القدرة وكلي المعرفة ,وكلي الخير وقوع هذين الحدثين (ح1)(ح2)
2- اذاً , من المحتمل انه: لا يوجد أيّ خير يبرر سماح هذا الكائن الكامل وقوع هذين الحدثين
3-فإذن من المحتمل انه: لا يوجد هذا الكائن الكامل
هل يبدو استدلاله هذا صحيحا من حيث المنطق؟ لا أعتقد ذلك ,فإن هذه الفرضيات لا تبدو صحيحة فعلاً, بل لا يمكننا التسليم باحتمالية تلك النتيجة ,وكأنه يقول :
1-يبدو انه لا وجود لِ(س)
2-اذن ,من المحتمل أن (س) لا توجد لنر الآن بعد تطبيق هذا النموذج الذي وضعه روي بنفسه على مثالين[13] مختلفين فهل سنحصل على نفس النتيجة؟
.المثال الاول : أدخل الى خيمة صغيرة ولا أرى شخص لنسميه(بيرنارد) , اذن من المحتمل انه غير موجود فيها, لأنه اذا كان هناك سوف أراه , فمن غير السهل على بيرنارد ان يتجنب اكتشافه في تلك الخيمة
.المثال الثاني : انا ادخل الى الخيمة ,لا أستطيع رؤية أي حشرات (من النوع الصغير جداً),ففي هذه الحالة ,لا يمكن القول انه من المحتمل انها لا توجد ,حيث انها صغيرة جداً من أنْ تُرى بالعين المجردة .
فهل تستقيم حجته اذا طبقناها على المثالين السابقين ؟!
بل حتى لو افترضنا أن لله اسبابه في سماحه للحدوث لتلك الحوادث , وهل من الممكن أن نصل الجواب الصحيح ؟
ولماذا يعتقد غير المؤمن دائماً إننا أول من سنعرف ذلك السبب ؟!
فالسبب الوحيد الذي يكمن وراء ذلك , هو البعد المعرفي (الابستمي ) بيننا وبين ذلك الكائن كلي المعرفة !
فإذا سقط ما يدعم الفرضية الأولى تسقط منطقيتها وبالتالي تسقط الحجة بأكملها !
خاتمة
وأخيرا بالنسبة للمسيحية نحن نعرف أن هذا العالم ليس عالماً مثالياً بل ,وليس الهدف من هذا العالم هي السعادة بل معرفة الله القدوس , نحن نعلم أنّ العالم مليء بالصراعات والنزاعات ,فهذا العالم سقط بسبب خطيئة الانسان وابتعاده عن الله ,وحتى أن المسيح بذاته قال لنا بفمه القدوس “في العالم سيكون لكم ضيق ,ولكن ثقوا أني قد غلبت العالم “
ومثلما قال الفيلسوف المسيحي كريغ William craig :”نحن المسيحيون نتبع مسيحاً صلب لأجلنا , وكان هو نفسه ضحية لعدم عدالة الانسان وقساوته ,فرجاؤنا لا يركن في هذا العالم بل في القيامة ,حيث أن كل عجز ومرض سوف يزول , وقيامة المسيح هي رجاؤنا”[14]
ومن منطلق الانسانية والمسيحية أيضاً أن يبادر الانسان بكل ما أعطاه الله ليعين الانسان الاخر والفقير والمسكين , وأن يبشر بالسلام دائماً, اينما حلّ وارتحل الى هنا اعاننا الرب
” †و نعلم ان ابن الله قد جاء و اعطانا بصيرة لنعرف الحق و نحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الاله الحق و الحياة الابدية“1يو(5:20)
_______________________________________
[1] Hospers, John. An Introduction to Philosophical Analysis. 3rd Ed. Routledge, 1990, p. 310.(wikipedia)
[2] انظر مثلا : Dialogues Concerning Natural ReligionHume,David,
[5] However, the contradiction does not arise immediately; to show it we need some additional premises, or perhaps some quasi-logical rules connecting the terms “good” and “evil” and “omnipotent,IBID p 93
[6] God and other minds,Alvin plantinga God freedom and evil,Alvin plantinga
[7] الاكويني,توما ,الخلاصة اللاهوتية –المجلد الأول ص32-ترجمة بولس عواد
[8] مستوحاه من مقالة لمدافع غربي مسيحي على الشبكة العنكبوتية
[9]. Richard Swinburne, “Evil does not show that there is no God,” in Philosophy of Religion: A Guide and Anthology, ed. Brian Davies (New York: Oxford University Press, 2000) , 605 (quoted in the essay)
[10] The Blackwell companion to natural theology,2009,p453
[11] ] Rowe, William L. 1979. “The Problem of Evil and Some Varieties of Atheism,” American Philosophical Quarterly(internet encyclopedia of philosophy peer-reviwed
1-There exist instances of intense suffering which an omnipotent, omniscient being could have prevented without thereby losing some greater good or permitting some evil equally bad or worse.
2- An omniscient, wholly good being would prevent the occurrence of any intense suffering it could, unless it could not do so without thereby losing some greater good or permitting some evil equally bad or worse.
3- There does not exist an omnipotent, omniscient, wholly good being.
[12] Rowe, “Problem of Evil,”4( quoted in rationality of theism p 263)
[13] سيكون هذين المثالين مأخوذين من كتاب 378warranted Christian belief p
[14] As Christians we follow a crucified Savior, himself the victim of human injustice and cruelty, and “the servant is not above his Master” (John 15.20). Our hope lies not in this world but in the resurrection, when every physical infirmity and disease will be permanently vanquished. Jesus’ own resurrection is the basis of our hope.
الفيلسوف كريغ يرد على مشكلة الشر التي يحتج بها بعض غير المؤمنين ضد حقيقة وجود الله
الترجمة للفيديو
سأل أحد الحاضرين : أود أن أشكر كلا الضيفين لوجودهما هنا ….. السؤال للدكتور كريغ : ماذا تعتقد في حجة ابيقورس(فيلسوف يوناني) , اذا كان الله كليّ الخير وكليّ المعرفة وكليّ القدرة ,وإذا كان يعرف عن الاطفال في افريقيا, كالذين يولدون ومعهم مرض الايدز, ماذا تعتقد في هذا الامر ,ماهو اقتراحك حول عدم تدخل الله و عدم تغيير ذلك ؟ ,لقد عانيت من هذا السؤال كثيراً في أحد أيام حياتي ,هل تستطيع توضيح وشرح هذا الامر ؟
يجيب الدكتور كريغ: اشكالية الشر والالم قد تم مناقشتها بشكل مستفيض من قبل الفلاسفة , وانا أعتقد أنّ هناك تقدم واقعي (في مناقشتها) خصوصا في هذا القرن اعتقد أنه يجب علينا أن نميز بين المشكلة العقلية والمنطقية للألم والشر , والجانب الاخر للمشكلة على المستوى العاطفي , لأن هناك اختلاف كبير بينهما بالنسبة للمشكلة العقلية والمنطقية لهذه الاشكالية, يجب علينا هنا أن تسأل نفسك ‘‘هل الملحد يدعي كما ادعي ابيقورس أن الوجود الالهي متعارض منطقياً مع وجود هذا الشر في العالم ‘‘ اذا كان هذا ما يدعيه الملحد (atheist) , فهذا كأنه يدعي وجود افتراض مخفيّ من خلاله يتم اظهار هذا التعارض والتناقض بشكل صريح, وذلك لأن الافتراضات ليست متناقضات صريحة ولكن المشكلة هنا , أنّه لايوجد فيلسوف في تاريخ العالم -الى الان- قام بتوضيح واظهار هذه الفرضيات الخفيّة والتي ستوضح لنا ماهو وجه التناقض [بين الله والشر] ولكن على النقيض من ذلك , يمكنك أن تثبت أنّ هذه الافتراضات (الله كلي الخير والعلم والقدرة , ووجود الشر) هي فعلاً متوافقة مع بعضها من خلال اضافة فرض ثالث وهو أن الله يمتلك سبباً أخلاقياً كافياً للسماح بهذا الشر في العالم , وطالما أن هذا الافتراض على الاقل هو ~ممكن~ فإنه يثبت أنه لا يوجد اي تناقض بين الله والشر فإذن على الملحد أن يبين لنا أنه من ~المستحيل ~ أن يمتلك الله هذ السبب الاخلاقي , ولم يوجد الى الان اي ملحد قام بذلك .. فإذن النسخة المنطقية لهذه الاشكالية يدرك الفلاسفة أنها لم تعد صالحة , ولكن هؤلاء الملحدين الذين ما زالوا مصممين على هذه المشكلة يقدمون حجة (بنسخة جديدة) والتي تسمى الحجة الاحتمالية , والتي يحاولون فيها الاحتجاج بأن كمية الشر في العالم كبيرة ,لذا فإنه من غير المحتمل وجود الله ,ليس مستحيلا بل غير محتمل , ولكن أيضا المشكلة هنا ايضا أن على الملحد أن يدعي أنه إذا كان الله موجودا فإنه من غير المحتمل انه يسمح بذلك الشر والالم , ولكن كيف بإمكان الملحد معرفة ذلك؟, كيف له ان يعرف ان الله لن يسمح بهذا الشر في العالم , من الممكن انه لديه سبب جيد لذلك ! فعلى سبيل المثال في المسيحية, هدف الله للبشرية هو جلب اكبر عدد من الناس بكامل حريتهم الى ملكوته ويمتعهم بالخلاص والحياة الابدية , فكيف لنا ان نعرف اننا لا نحتاج الى عالم بكل بساطة مليء بالشر الاخلاقي والطبيعي , فانه من الممكن جدا في مثل هذا العالم , ان يجد اكبر عدد من الناس خلاص الرب لذا فإن على الملحد أن يبين أن هناك عالما ممكنا فيه يمكن معرفة الرب وخلاصة والحياة الابدية ولكن بمعاناة اقل ! ولكن كيف له ان يثبت ذلك ,انه مجرد تخمين! فالمشكلة بالنسبة لهذه الجدلية تكمن في انها مجرد احتماليات طموحة جدا , لا نستطيع في حالتنا ان نكون واثقين تماما واني ادرك تماما ان الرد الفلسفي لذلك السؤال , لا يتعامل مع الجانب العاطفي لهذه المشكلة , و اعتقد ايضا ان هذه المشكلة لغالبيةالناس ليست مشكلة فلسفية ولكنها عاطفية , فهم لا يريدون هذا الاله الذي يسمح بالشر ولكن مالذي تقوله المسيحية هنا ؟ , أنها تملك الكثير لتقوله , فهي تخبرنا أن الله ليس صنماً ,أو كائناً يقف مكتوف الايدي ويشاهد فقط, ولكنه ذلك الاله الذي دخل العالم والتاريخ من خلال شخص المسيح, وذاق المعاناة على الصليب , فهو قد حمل نتيجة وعقوبة الخطيئة واعتقد انه لو تأملنا في صليب المسيح وحبه العظيم لنا , فانه تضع مشكلة الالم والمعاناة في منظور اخر , بأننا نستطيع حمل هذه المعاناة والالم الذي طلبه الله منا في هذه الحياة بكل شجاعة وتفاؤل لحياة ابدية مليئة بالسعادة بسبب ما فعله المسيح من أجلنا , وهو ايضا سيعطينا هذه الشجاعة لنمر بالالم , فاذن سواء كانت مشكلة عاطفية أو منطقية فإن المسيحية تقدم حلاً منطقياً جيدا ومقبولاً .