كتاب المسيح في رؤى ونبوات زكريا – القمص روفائيل البرموسي

كتاب المسيح في رؤى ونبوات زكريا – القمص روفائيل البرموسي

كتاب المسيح في رؤى ونبوات زكريا – القمص روفائيل البرموسي

كتاب المسيح في رؤى ونبوات زكريا – القمص روفائيل البرموسي

للتحميل اضغط هنا 

كتاب المسيح في رؤى ونبوات زكريا – القمص روفائيل البرموسي

كتاب شعبي لا يفهم – القمص روفائيل البرموسي

كتاب شعبي لا يفهم – القمص روفائيل البرموسي

كتاب شعبي لا يفهم – القمص روفائيل البرموسي

كتاب شعبي لا يفهم – القمص روفائيل البرموسي

للتحميل اضغط هنا 

كتاب شعبي لا يفهم – القمص روفائيل البرموسي

كتاب التلمود نشأته تاريخه مقتطفات من نصوصه – القمص روفائيل البرموسي

كتاب التلمود نشأته تاريخه مقتطفات من نصوصه – القمص روفائيل البرموسي

كتاب التلمود نشأته تاريخه مقتطفات من نصوصه – القمص روفائيل البرموسي

كتاب التلمود نشأته تاريخه مقتطفات من نصوصه – القمص روفائيل البرموسي

للتحميل اضغط هنا

كتاب التلمود نشأته تاريخه مقتطفات من نصوصه – القمص روفائيل البرموسي

كتاب المسيح في الأعياد اليهودية – القمص روفائيل البرموسي

كتاب المسيح في الأعياد اليهودية – القمص روفائيل البرموسي

كتاب المسيح في الأعياد اليهودية – القمص روفائيل البرموسي

كتاب المسيح في الأعياد اليهودية – القمص روفائيل البرموسي

للتحميل اضغط هنا 

كتاب المسيح في الأعياد اليهودية – القمص روفائيل البرموسي

كتاب الحياة اليهودية بحسب التلمود – القمص روفائيل البرموسي

كتاب الحياة اليهودية بحسب التلمود – القمص روفائيل البرموسي

كتاب الحياة اليهودية بحسب التلمود – القمص روفائيل البرموسي

كتاب الحياة اليهودية بحسب التلمود – القمص روفائيل البرموسي

للتحميل اضغط هنا

كتاب الحياة اليهودية بحسب التلمود – القمص روفائيل البرموسي

كتاب أما إسرائيل فلا يعرف – القمص روفائيل البرموسي

كتاب أما إسرائيل فلا يعرف – القمص روفائيل البرموسي

كتاب أما إسرائيل فلا يعرف – القمص روفائيل البرموسي

كتاب أما إسرائيل فلا يعرف – القمص روفائيل البرموسي

للتحميل اضغط هنا 

كتاب أما إسرائيل فلا يعرف – القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الأنبياء

المسيح في أسفار الأنبياء

المسيح في أسفار الأنبياء

بيت لحم أفراته

“أما أنتِ يا بيت لحم أفراته وأنتِ صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يَخرج لي الذي يكون مُتسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل” ميخا 5: 2.

كنا قد درسنا من قبل العديد من النبوات التي تُشير إلى الطبيعة اللاهوتية، جنباً إلى جنب مع الطبيعة الناسوتية للمسيا. ونبوة ميخا 5: 2 التي نحن بصددها الآن، هي أيضاً تشير إلى كلنا الطبيعتين في المسيا. ميخا النبي كما هو معروف كان معاصراً لإشعياء النبي، وتنبأوا في نفس الوقت، ولكن في أماكن مختلفة من اليهودية (أي المملكة الجنوبية).

إشعياء النبي يُعلن أن المسيا سيُولد من عذراء، ويُكمل ميخا النبي فيُحدد مكان هذا الميلاد على وجه التحديد. سوف لا يُولد المسيا في أورشليم كما كان يتوقع بعض اليهود، بل في بيت لحم.

وقد لمخ إشعياء النبي من بعيد وبطريقة غير مباشرة عن ميلاد المسيا في بيت لحم، “يخرج قضيب من جذع يسّى” إشعياء 11: 1. كان يُمكن لإشعياء أن يذكر مباشرة أن المسيا سيأتي من جذع داود، ولكن ذكر اسم أبيه يسّى، على أساس أن اسم يسّى مقرون دائماً ببيت لحم “فقال الرب لصموئيل… تعال أُرسلك إلى يسّى البيتلحمي لأني قد رأيت لي في بنيه ملكاً “صموئيل الأول 16: 1 – “فأجاب واحد من الغلمان وقال هوذا قد رأيت ابناً ليسّى البيتلحمي يُحسن الضرب وهو جبار بأس” صموئيل الأول 16: 17.

لكن في نبوة ميخا، أصبح واضحاً الآن وبشكل مباشر، أن المسيا سيُولد في بيت لحم. وتحديداً يذكر ميخا النبي “بيت لحم أفراته، هي بيت لحم اليهودية، في مملكة يهوذا الجنوبية والتي تقع إلى الجنوب من أورشليم (حوالي 9 كم تقريباً).

وكما أشار ميخا النبي إلى طبيعة المسيا الناسوتية، بولادته في بيت لحم، هكذا أشار إلى طبيعته اللاهوتية بقوله “ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل”. والذي يقرأ هذا التعبير في اللغة العبرية، يجد أن هذا التعبير من أقوى المصطلحات العبرية المستعملة للحديث عن أزلية الله في الأسفار المقدسة، وتُستعمل لله فقط على الوجه المطلق. ففي سفر المزامير نجد مثلاً “من قبل أن تُولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله” مزمور 90: 1. وما قيل بحق عن الله الآب، قيل أيضاً وبحق في الله الأبن، الذي سيُولد في بيت لحم “ومخارجه منذ القديم. منذ أيام الأزل” ميخا 5: 2 – ” الرب قناني أوّل طريقه من قبل أعماله منذ القديم. منذ الأزل” أمثال 8: 22 -23.

إذا، من نبوة ميخا، نرى أن المسيا سيكون إنساناً – يولد في مكان محدد هو بيت لحم – وهو أيضاً إله، لأنه منذ الأزل، كونه كلمة الله.

دخول المسيا أورشليم

“ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكُك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان. وأقطع المركبة من أفرايم والفرس من أورشليم وتُقطع قوس الحرب. ويتكلم بالسلام للأمم وسلطانه من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض” زكريا 9: 9-10.

إذا قرأنا بإمعان الأصحاح التاسع من سفر زكريا، من العدد 1 حتى 8، نستطيع أن نفهم بسهولة خلفية وضع النبوة الخاصة بدخول المسيا إلى أورشليم في هذا المكان بالذات. ففي الآيات من 1-8 نقرأ عن نبوة لملك غريب يقتحم ويغزو أورشليم وبلاد مجاورة، وهذه النبوة تحققت في الإسكندر الأكبر.

لكن في العدد 9 بالمقارنة مع هذا الملك الأممي المُقتحم، نجد إشارة واضحة لمجيء ملك يهودي. وبذلك أراد زكريا النبي أن يُبشر شعب إسرائيل بأخبار مفرحة “ابتهجي.. اهتفي …” لأنه “هوذا ملكُكِ” أي ملك إسرائيل، يأتي … ليس “ضدك” بل “إليك”. ينبغي أن تفرح أورشليم لأن ملكها ليس كالإسكندر الأكبر ولكنه:

– عادل: هو يتصف بالعدل والبر، إشارة إلى ما جاء عنه في إرميا 23: 5-6 “يُجري حقاً وعدلاً في الأرض”. بعكس الإسكندر الأكبر الذي كان جائراً وظالماً، وقد مات في غيبوبة وهو مخموراً.

– منصور: الكلمة أصلها العبري، تعني حرفياً “مانح أو مُقدّم الخلاص”. إذاً، المسيا سيأتي ومعه هبة الخلاص. بعكس الإسكندر الأكبر الذي جاء ومعه الخراب والدمار والموت.

– وديعاً متواضعاً: وديعاً وتعني أنه يحمل مشاعر الرقة واللطف – متواضعاً تعني بعده عن مظاهر القسوة والعناد. فالمسيا “ظلم ولم يفتح فاه”، “راكباً على حمار وعلى جحش ابن أتان”. أما الإسكندر الأكبر، فقد أتى ومعه العنف والقوة والاضطهاد وراكباً على جواده الأبيض…. وفي الأناجيل الأربعة، عندما ذكرت حادثة دخول السيد المسيح إلى أورشليم راكباً على أتان وعلى جحش ابن أتان – أردف السيد المسيح يقول “…. تجدان جحشاً مربوطاً لم يجلس عليه أحد من الناس قط” لوقا 19: 30.

هنا نفهم أن الجحش غير مُروّض. وبالتالي، نقول إن حتى هذا الحيوان غير المُروّض – هذه الخليقة غير العاقلة، عرفت خالقها. فبدلاً من أن يُلقيه الحمار من على ظهره، خضع له. ألا يذكر شعب إسرائيل قول الرب على لسان إشعياء النبي “الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أمّا إسرائيل فلا يعرف. شعبي لا يفهم” إشعياء1: 3.

ماذا قال الرابيون عن هذه النبوة:

في بعض النبوات الواردة في العهد القديم، قد نلاحظ أن في النبوة الواحدة إشارة إلى المجيء الأول للمسيح والمجيء الثاني – معاً – دون إعطاء علامة مميزة تفصل بين الحديث المُدمج. من هذه النبوات ما جاء في نبوة زكريا 9: 9-10. والتي نحن بصددها الآن.

ففي الآية التاسعة، نجد الإشارة إلى المجيء الأول للمسيا، في صورة متواضعة، ثم بعدها مباشرة في الآية العاشرة، تُدمج إشارة إلى مجيئه الثاني. فنبوة زكريا تحمل خطين من النبوات المسيانية – جنباً إلى جنب – الأول، المسيا المتواضع الوديع، ثم في الآية التي تليها، نراه ملكاً يمتد سلطانه ليشمل الأرض كلها.

حاول بعض الرابيين، التوفيق بين النبوتين – حسب وجهة نظرهم القاصرة والمتسرعة أنهما متناقضتان – فجاء تفسيرهم بوجود مسيحيين مختلفين: المسيا الأول سيُدعى ابن يوسف، وهو متواضع وفقير ومهان ومُتألم، ثم يتبعه مسيا آخر يأتي، سيدعى ابن داود، وهو المسيا الملك المنتصر.

ولو قرأ هؤلاء الرابيون التلمود بإمعان، لوجدوا خطأ رأيهم. حيث نقرأ في التلمود الآتي:

1 – في التلمود Talmud في قسم السنهدرين Sanhedrin 98b – 99a نقرأ التالي […. رابي هيلليل Rabbi Hillel قال: إن شعب إسرائيل لا يمكن أن يتوقع مجيء مسيا الآن، لأنهم أبادوه في أيام حزقيا. إنّ هذا خطأ فادح! أما الردّ المُفحم هو: متى عاش حزقيّا؟ أليس في أيام الهيكل الأول! لكن زكريا كان في أيام الهيكل الثاني، وهو يتنبأ الآن قائلاً “ابتهجي جداً…. “زكريا 9: 9].

2 – في التلمود Talmud في قسم السنهدرين Sangedrin 98a نقرأ التالي

[…. رابي يوسف بن ليفي Rabbi Joseph ben Levi في تفسيره لنبوة زكريا عن المسيا يقول: لقد كُتب عن المسيا القول “كُنت أرى في رُؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل ابن انسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه” دانيال 7: 13. ولكن في وضع آخر كُتب عنه “هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل … وديع وراكباً على حمار وعلى جحش ابن أنان” زكريا 9: 9. والحلّ هو: لو شعب إسرائيل كان باراً، فسوف يأتي المسيا على سحاب السماء، أما إذا كان خاطئاً، فسوف يأتي المسيا وديعاً وراكباً على جحش ابن أتان].

3 – أيضاً في كتاب “Pesikta Rabbati”* في العظة رقم 53 (Piska 53) نقرأ الآتي [….أما ما جاء في زكريا 9: 9 بخصوص المسيا الوديع… فهو وديع لأنه ظُلم طوال هذه السنين في السحن، أما خطاه إسرائيل فأنكروه ورفضوه. من سمات المسيا، الشخص المقدس – مُبارك هو – إنه سيحفظك ويفديك].

هذه النوعية من أقوال الرابيين، تشرح مبدأ الاتجاهين للنبوة المسيانية الواحدة، وقرروا أن كل اتجاه من الاتجاهين في النبوة سيتم، لكن لم يقروا بمبدأ وجود مسيحيين اثنين.

نظرة العهد الجديد واضحة جداً بهذا الخصوص. فالعهد الجديد يُعلم بأن المسيا هو شخص واحد، ولكن سيأتي مرتين: المرة الأولى – يتألم ويُصلب ويموت ثم يقوم – وهذا المجيء قد تم بالفعل… أما المرة الثانية – فسيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، وهذا لم يتم بعد.

ثمن المثمن -الراعي الصالح

” افتح أبوابك يا لبنان، فتأكل النار أرزك. ولول يا سرو، لأن الأرز سقط لأن الأعزاء قد خربوا. ولول يا بلّوط باشان، لأن الوعر المنيع قد هبط. صوت ولولة الرعاة لأن فخرهم خرب. صوت زمجرة الأشبال، لأن كبرياء الأردن خربت. هكذا قال الرب إلهي: ارع غنم الذبح الذين يذبحهم مالكوهم ولا يأثمون وبائعوهم يقولون مبارك الرب قد استغنيت.  ورعاتهم لا يشفقون عليهم. لأني لا أُشفق بعد على سكان الأرض، يقول الرب، بل هأنذا مُسلّم الإنسان كل رجل ليد قريبه وليد ملكه فيضربون الأرض ولا أنقذ من يدهم.

فرعيت غنم الذبح. لكنهم أَذَلُ الغنم. وأخذت لنفسي عصوين، فسميّتُ الواحدة نِعمة وسميّتُ الأخرى حِبَالاً ورعيت الغنم. وأَبدتُ الرعاة الثلاثة في شهر واحدٍ، وضاقت نفسي بهم وكرهتني أيضا نفسهم. فقُلتُ: لا أرعاكم. من يَمُت فليمُت، ومن يُبدْ فليُبدْ والبقية فليأكل بعضها لحم بعض. فأخذت عصاي نعمة وقصفتها لأنقض عهدي الذي قطعته مع كل الأسباط.

فنُقض في ذلك اليوم وهكذا عَلِمَ أَذَلُ الغنم المنتظرون لي أنها كلمة الرب. فقُلتُ لهم: إن حَسُنَ في أعينكم فأعطوني أُجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أُجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به. فأخذتُ الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب. ثم قصفتُ عصاي الأخرى حِبَالاً لأنقض الإخاء بين يهوذا وإسرائيل.

فقال لي الرب: خُذ لنفسك بعد أدوات راعٍ أحمق. لأني هأنذا مُقيم راعياً في الأرض لا يفتقد المنقطعين ولا يطلب المنساق ولا يُجبر المنكسر ولا يُربي القائم ولكن يأكل لحم السمان وينزع أظلافها.

ويل للراعي الباطل التارك الغنم. السيف على ذراعه وعلى عينه اليمنى. ذراعه تَيبس يبساً وعينه اليمنى تكلُ كلولاً”

سفر زكريا: الأصحاح الحادي عشر

الأصحاح الحادي عشر كله من سفر زكريا، يتعلّق بالمجيء الأول للمسيا، والأحداث التي صاحبته. يمكن تقسيم الأصحاح إلى ثالثة أجزاء:

– الآيات من 1: 3، تصف التدمير الكلي لأرض إسرائيل من الشمال إلى الجنوب. وهذا تحقق بالفعل إثر اندلاع ثورتين ضد الرومان: الثورة الأولى بدأت في سنة 68 ميلادية، والثورة الثانية بدأت في سنة 132 ميلادية.

– الآيات من 4: 14، تصف رفض المسيا في مجيئه الأول، كراعٍ صالح لشعب إسرائيل، ثم تصف الآيات الخراب العظيم الذي حدث في سنة 70 ميلادية عقب اندلاع الثورة الأولى.

– الآيات من 15: 17، تصف اختيار راعٍ أحمق، يقود إلى الخراب الثاني الذي حدث في سنة 135 ميلادية، عقب اندلاع الثورة الثانية.

1 – وصف خراب الهيكل

في مواضع كثيرة يُشار إلى الهيكل ب “أرز لبنان” أو “بيت الأرز”: “كما كلّم الرب داود أبي قائلاً إن ابنك الذي أجعله مكانك على كرسيّك هو يبني البيت لاسمي. والآن فأمُر أن يقطعوا لي أرزاً من لبنان ويكون عبيدي مع عبيدك وأجرة عبيدك أُعطيك إياها حسب ما تقول” ملوك الأول 5: 5-6 – “وأرسل حيرام إلى سليمان قائلاً. قد سمعت ما أَرسلت به إليّ.

أنا أفعل كل مسرتك في خشب الأرز وخشب السرو…. فكان حيرام يُعطي سليمان خشب أرز وخشب سرو حسب كل مسرته… لبناء البيت” ملوك أول 5: 8-18 (راجع أيضاً 2صم 7:2/ 1ملوك 6:18/ 7:3-11/ 1ملوك 4: 33/ 1ملوك 10: 11). النبوة تقول “افتح أبوابك يا لبنان فتأكل النار أرزك. ولول يا سرو لأن الأرز قد سقط” واضح أنه يتكلم عن حرق وهدم الهيكل، المصنوع من خشب الأرز والسرو. وهي إشارة غير مباشرة لخراب الهيكل والذي ظل العمل فيه حتى زمن نبوءة زكريا.

وقول النبوة “صوت ولولة الرعاة لأن فخرهم خرب”، فهو يتحدث عن رعاة شعب إسرائيل أي القادة اليهود، الذين بدمار الهيكل والمدينة سيتحول فخرهم إلى صوت ولولة ونواح.

وبقية الأصحاح يتحدث عن سببين لهذا الدمار والخراب: الأول، بسبب رفضهم للراعي الصالح – المسيا – وحقدهم عليه، وهذا قاد إلى الخراب الذي تم بحرق وهدم الهيكل وكل المدينة في سنة 70 ميلادية. الثاني، بسبب قبولهم للراعي الأحمق، وهذا قاد إلى الخراب الرهيب الذي حدث سنة 135 ميلادية.

2 – الله أوكل إلى زكريا بعمل خاص

” قال الرب إلهي ارع غنم الذبح الذين يذبحهم مالكوهم ….. ورعاتهم لا يشفقون عليهم… لكنهم أَذَلّ الغنم”. تحدثنا هذه الآيات عن أمر قد يبدو غريباً، ولكن كان عبارة عن وصف تفصيلي لما هو عتيد أن يحدث مع السيد المسيح في مجيئه الأول: فقد كلّف الله زكريا النبي بمهمّة يقوم بها، ليست في الأصل من عمله… بل كرسالة يريد الله أن يوصلّها إلى هذا الشعب العنيد: هو أن يقوم بدور المسيا في مجيئه الأول، فالمسيا يرمز إليه في هذه النبوة بالراعي الذي يقود ويُطعم الخراف أي شعب إسرائيل. والدقة المُذهلة التي كبت بها زكريا بوحي الروح القدس، في قوله “يذبحهم مالكوهم ولا يأثمون” هو إشارة للرومان… أما “رعاتهم لا يشفقون عليهم” هو إشارة إلى القادة اليهود الذين تركوا الرعية ولم يشفقوا عليهم.

“فرعيت غنم الذبح” يقصد شعب إسرائيل… ثم نرى في الآية 5، 6 أن الله تخلّى عنهم، وقرر أن يُسلّمهم إلى يد ملكهم “هأنذا مُسلّمُ الإنسان كل رجلٍ ليد قريبه وليد ملكه فيضربون الأرض ولا أُنقذ من يدهم”. قد يتبادر إلى ذهن البعض، أن هناك مشكلة بخصوص التعبير “ليد ملكه”، حيث أنه أثناء الاحتلال الروماني، لم يكن لإسرائيل ملكاً حقيقياً من نسل داود.

ونجد الإجابة على هذه المشكلة في العهد الجديد، فعندما وقف الرب يسوع – الراعي الحقيقي والملك الحقيقي – أثناء محاكمته أمام بيلاطس البنطي، قائلاً لهم “أأصلب ملككم” صرخوا كلهم قائلين “ليس لنا ملك إلاّ قيصر” يوحنا 19: 15. بما أنهم رفضوا المسيا كملك عليهم وأقروا بأن قيصر وحده هو ملكهم، أسلمهم الله إلى مشورتهم، فقد حكموا على أنفسهم ” من فمك أدينك أيها العبد الشرير” لوقا 19: 22.

وجلبوا على أنفسهم دينونة الله العادلة، وتمت النبوة، إذ في أثناء تدمير وخراب الهيكل وأورشليم سنة 70 ميلادية، قبل الرومان ما يقرب من 1،100،000يهودي، وحوالي 97،000 أُخذوا كعبيد (حسب بعض المراجع).

“فرعيت غنم الذبح. لكنهم أَذَلّ الغنم”، هنا ينفذ زكريا النبي، النهمة التي أوكلها إليه الله. فنجده يرعى غنم الذبح، ولكن بصفة خاصة “أُذُلُ الغنم” أي أضعفها، وحسب بعض الترجومات “المعوزة والمحتاجة”. وهذا تعبير شائع عند الأنبياء ويُشير عادة إلى البقية البارة من شعب إسرائيل. فبينما في كل العصور والأزمنة في تاريخ إسرائيل، الكل زاغوا وفسدوا، إلاّ أن بقية صغيرة بينهم ظلت محافظة على برّها بالإيمان.. وأطلق عليها “بقية إسرائيل”.

فبالرغم من أن المسيا يأتي من أجل كل إسرائيل، إلاّ أنّه يظهر كما لو أنه جاء تحديداً من أجل البقية المؤمنة. وتحقيق هذا نراه جلياً في إنجيل متى، حيث يقول “ولما رأى الجموع تحنن عليهم إذ كانوا منزعجين ومطروحين كغنم لا راعي لها” متى 9: 36.

وقد استعمل زكريا النبي في عمله عصوين، “فسَميّتُ الواحدة نعمة وسَميّتُ الأخرى حِبالاً”: العصا التي سُميّت “نعمة” هي من أجل الحماية وقيادة الغنم، أما العصا المسماة “حِبالاً” هي لحفظ الغنم مع بعضهم البعض، وصيانة وحدتهم. أثناء رعاية الغنم واجه زكريا مقاومة من ثلاثة رعاة “وأَبدتُ الرعاة الثلاثة في شهر واحدٍ وضاقت نفسي بهم وكرهتني أيضاً نفسهم”: هذا الأمر قد تحقق بدقة متناهية في أيام السيد المسيح أثناء خدمته بين شعب إسرائيل، إذ واجه ثلاثة رعاة، قاوموه بشدة، وهم: الكتبة والفريسيون والصدوقيون… هذه الفئات الثلاث كانوا هم قادة إسرائيل أثناء كرازة السيد المسيح.

وكانت إحدى مهام السيد المسيح التبشيرية، هي هدم تعاليم هذه الفئات الثلاث. من هنا نشأ حقد وكراهية في قلوبهم عليه، وانطبق قول زكريا “وضاقت نفسي بهم وكرهتني أيضاً نفسهم”، فنقرأ في إنجيل متى الآتي “ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون. ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تأكلون بيوت الأرامل.

ولعلة تطيلون صلواتكم…. الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون لأنكم … أيها الجهال والعميان…” متى 23 (رجاء قراءة الأصحاح كله). وقد ظهر قمة العداء الشديد الذي في قلب هؤلاء القادة نحو الرب يسوع، عندما تآمروا عليه لإدانته وإصدار حكم بالصلب وإعطاء رشوة ليهوذا الإسخريوطي ليسلّمه لهم.

“فقلت لا أرعاكم” هنا نقرأ عن انقطاع مُفاجئ لرعاية وإطعام الغنم. هذا ما عبّر عنه السيد المسيح نفسه قائلاً “فأجاب وقال لهم جيل شرير وفاسق يطلب آية (معجزة) ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي… رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان. وهوذا أعظم من يونان ههنا. ملكة التيمن… فتصير أواخر ذلك الإنسان أشرّ من أوائله. هكذا يكون أيضاً لهذا الجيل الشرير” متى 12: 38-40. قول السيد المسيح “جيل فاسق وشرير” يقصد به شعب إسرائيل في ذلك الوقت. وقوله “هكذا يكون أيضاً لهذا الجيل الشرير” يقصد وقوع شعب إسرائيل تحت دينونة الخراب المحتوم، والذي سيقع سنة 70م. من جهة أخرى، كان الرب يسوع قبل رفضه العلني من الكتبة والفريسيين، دائماً يُعلن عن نفسه بوضوح بأنه المسيا المكتوب عنه… لكن بعد رفضه، لم يُعلن عن نفسه مرة أخرى بهذا، وكان يمنع تلاميذه والأشخاص الذين شفاهم عن أن يكشفوا مسيانيته… أيضاً، قبل رفضه أجرى الرب يسوع العديد من المعجزات والآيات لكل الناس في المدن والقرى ويُطعم الجموع، لكن بعد رفضه، لم يجر أية معجزات أو أشفيه إلا للذين أعلنوا إيمانهم به شخصياً. وهذا يوضح قول زكريا النبي فجأة “فقلت لا أراعاكم”.

“فأخذت عصاي نعمة وقصفتها لأنقض عهدي الذي قطعته مع كل الأسباط. فنُقض في ذلك اليوم. وهكذا عَلِمَ أَذَلُّ الغنم المنتظرون لي أنها كلمة الرب”. بعد التوقف عن رعاية الغنم، أخذ زكريا العصا المسماة “نعمة” وكسرها، وهنا إشارة إلى نزع الحماية عن شعب إسرائيل وتركهم فريسة لإعدائهم. وهذا ما نطق به رب المجد يسوع عند اقترابه من المدينة “وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلاً إنكِ لو علمتِ أنتِ أيضاً حتى في يومك هذا ما هو لسلامك.

ولكن الآن قد اُخفي عن عينيك. فإنه ستأتي أيام ويُحيط بك أعداؤك بمترسة ويُحدقُون بك ويحاصرونك من كل جهة. ويهدمونكِ وينيكِ فيكِ ولا يتركون فيك حجراً على حجرٍ لأنك لم تعرفي زمان افتقادك” لوقا 19: 41-44… “ويقعون بفم السيف ويُسبون إلى جميع الأمم. وتكون أورشليم مدوسة من الأمم” لوقا 21: 24.

من الآيات السابقة، يتضح كيف تخلّى الله عن حماية شعب إسرائيل، وهذا ما أشار إليه الوحي الإلهي في النبوة بقصف زكريا لعصاه “نعمة”. أما عن قوله “وهكذا عَلِمَ اَذَلُ الغنم… أنها كلمة الرب”، قلنا من قبل أن “أذل الغنم” هم البقية المؤمنة من شعب إسرائيل… وتتمثل في التلاميذ والذين تبعوا الرب يسوع. هؤلاء سيروا كسر عصا النعمة، ككلمة الرب ويفهموا مغزى ذلك.

وفعلاً عندما شاهد التلاميذ والمسيحيون متاريس الرومان تُنصب، والجيوش تتدفق لمحاصرة المدينة، هربوا كقول الرب يسوع لهم من قبل “ومتى رأيتم أورشليم محاطة بجيوش فحينئذ اعلموا أنه قد اقترب خرابها. حينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال. الذين في وسطها فليفروا خارجاً والذين في الكور فلا يدخلوها. لأن هذه أيام انتقام ليتم كل ما هو مكتوب” لوقا 21: 20-22. وهذا ما أشارت إليه النبوة “وهكذا عَلِمَ اَذَلُ الغنم… أنها كلمة الرب”.

3 – ثمن الراعي الصالح

“فقُلتُ لهم: إن حَسُنَ في أعينكم فأعطوني أُجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أُجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به. فأخذتُ الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب”.

تقدّم الراعي الصالح إلى قادة إسرائيل وطلب أجرته… أن يدفعوا بحسب ما يظنوا إنه مستحق. فوزنوا أجرته ثلاثين من الفضة (شاقل Shekel). ويحسب ناموس موسى، فإن ثلاثين من الفضة، كانت قيمة الفدية التي تدفع عوضاً عن العبد الميت “إن نطح الثور عبداً أو أمة يعطي سيده ثلاثين شاقل فضة والثور يُرجم” خروج 21: 32.

أي أن قيمة عمل الراعي الصالح، قدر بمساواته بالعبد الميت. كونهم يدفعون ثلاثين من الفضة، كان أكثر إهانة له، من أن لا يدفعوا على الإطلاق. وهنا أريد أن أذكر نقطة في غاية الأهمية، وهي: إنه زكريا النبي الذي دفع له الثلاثين من الفضة، ثم أجرته كراعٍ… ولكن من هو المهان فعلاً في هذا التقدير؟

هل هو زكريا أم الله نفسه؟؟ للإجابة نُورد الآية مرة أخرى “فقال لي الرب (يهوه) ألقيها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به” الذي يتكلم هنا هو، الرب يهوه “فقال لي يهوه” الذي هو الراعي الصالح. هو الرب، الذي عمله مُحتقر ومرذول ومزدرى به، لدرجة أنه قدر بثلاثين من الفضة فقط، ثم يعود هو نفسه فيقول “الثمن الكريم الذي ثمنوني به”.

وبهذا يكون واضحاً أن زكريا النبي مجردّ ممثل يلعب دوراً في مهمة نبوية، وأن هذا الدور يُتممه الرب نفسه. لأن المتكلم هو الرب، وليس زكريا. إذاً، المسيا الراعي الصالح هو الرب “يهوه”. وأن هذا الثمن هو ثمن الرب.

أمر الرب زكريا بأن يأخذ الثلاثين من الفضة ويُلقيها إلى الفخاري، ففي الحال أطاع زكريا النبي القول “فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب” وهذا ما تم بكل دقة، إذ عندما أخذ يهوذا الإسخريوطي من قادة اليهود الثلاثين من الفضة، كي يُسلمهم الرب يسوع “حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر الذي يدعى يهوذا الإسخريوطي إلى رؤساء الكهنة وقال ماذا تريدون أن تُعطوني وأنا أسلمه إليكم. فجعلوا له ثلاثين من الفضة” متى 26: 14-15.

لكن لما ندم طرح الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ. قائلاً قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً. فقالوا ماذا علينا. أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه. فاخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري” متى 27: 3- 10. يمكن القول، بأن الثلاثين من الفضة التي دفعت ليهوذا، بواسطة رؤساء الكهنة، قد أخذت من خزانة الهيكل، حيث كانت تحفظ بعض الأموال لشراء الذبائح. ودون أن يعلموا – رؤساء الكهنة – بما هم يفعلون، اشتروا ذبيحة، هي المسيح، آخر ذبيحة عن الخطية.

4 – الراعي الكاذب – الأحمق

“فقال لي الرب: خُذ لنفسك بعد أدوات راعٍ أحمق….. لا يفتقد المنقطعين ولا يطلب المنساق ولا يُجبر المنكسر ولا يُربي القائم ولكن يأكل لحم السمان وينزع أظلافها. ويل للراعي الباطل التارك الغنم. السيف على ذراعه وعلى عينه اليمنى. ذراعه تَيبس يبساً وعينه اليُمنى تكلُ كلولاً”

عندما رفض شعب إسرائيل، الراعي الصالح – المسيا- الذي جاء ليرعاهم ويقودهم ويُطعمهم، نراهم يقبلون راعياً كاذباً واحمقاً بدلاً منه. ففي نهاية الأصحاح، يُخبرنا زكريا النبي بأنه سيلعب دوراً ثانياً، ليس كراعٍ صالح كما في السابق، ولكن في هذه المرة سيُمثل دور راعٍ أحمق كاذب، سيجلب الأذى والضرر للغنم.

كيف تحققت هذه النبوة؟ كانت النكبة التي مُني بها اليهود المتطلعون لتحرير بلادهم، في سنة 70 ميلادية، كفيلة أن تجعلهم بلا قوة ولا حراك، بل وبلا أي تفكير أو أمل في القيام بمحاولة من نفس النوع مدة لا تقل عن خمسين عاماً. وظل اليهود غير قادرين على عمل أن ثورة طاول هذه المدة. ولكن لم يستطع الشعب اليهودي أن يعيش هذه السكنية إزاء تصرفات أباطرة الرومان، مثل هادريان الذي تدخل في شؤونهم الدينية، هذا بالإضافة إلى محاولة هادريان مسخ يهودية مدينة أورشليم بأن أسماها “آيلا كابيتولينا” وقام بمشروع بناء هيكل كبير فيها للإله زيوس ولتعمير المدينة المخرّبة.

وقد كان قيام اليهود بثورتهم الجديدة والأخيرة أمراً مفاجئاً ومدهشاً، إذ في فترة وجيزة كانت اليهودية كلها تحمل السلاح بطريقة غير مترقبة. لأن نداء الواجب العنصري والديني عند اليهود كان في الواقع شديداً وكفيلاً أن يؤدي إلى أي ثورة في أي وقت. وكان اعتمادهم دائماً أبداً ليس على كمية السلاح ولا عدد المحاربين، بل على رجاء معونة يهوه وإيماناً بمجيء المسيا في لحظات الحرب الحاسمة ليقود ويعطي النصرة. في حين أنهم يعلمون جيداً ما تنبأ به زكريا النبي عنهم، إذ برفضهم المسيا الراعي الحقيقي، أسلمهم الرب إلى راعي كاذب أحمق (الرومان) لكي “يأكل لحم السمان (من الغنم) وينزع أظلافها” زكريا 11: 16.

وفي هذه الثورة بالذات برز عنصر الاعتقاد بمجيء المسيا وظهوره في شخص يُدعى سمعان باركوكبا Simon bar Cohoba (الذي معناه ابن الكوكب)، ودعي من اليهود “المسيا رئيس اليهود”، فكان سبباً في تتحمس كافة اليهود بجميع طبقاتهم وأحزابهم. ومما زاد في تضليل الشعب ورفع حماسهم إلى درجة الجنون، أن رابي عقيبة Rabbi Akiba، أكبر المعلمين الدينيين في اليهودية تولى إعلان وتقديم سمعان باركوكبا للشعب بصفته هو “المسيا المنتظر”، “رجاء إسرائيل” وزاد على ذلك أن أعلنوا بدء ملكوت المسيا، وصكوا نقوداً عليها “سمعان رئيس اليهود”، “لأجل تحرير إسرائيل”، “لأجل تحرير أورشليم”.

استغاث حاكم اليهودية بالإمبراطور هادريان، وجاءت النجدة تلو النجدة، لتواجه هذه الثورة العارمة المنتشرة في البلاد كلها. وفي ظرف ثلاث سنوات (132- 135 م) سلّم اليهود نهائياً، لما وجدوا أن العمليات الحربية أكثر مما كانوا يتوقعوا. وبذلك دُمرت أورشليم مرة أخرى سنة 135 ميلادية وسُوّيت بالأرض، وقُتل أكثر من نصف مليون يهودي، هذا بخلاف من مات بالجوع والوبأ. فلما انكسر اليهود في ثورتهم ضد الرومان بقيادة “سمعان باركوكبا” أي ابن الكوكب، سموّه اليهود “سمعان باركوزيبا” أي ابن الكذب.

طعن المسيا

“وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون اليّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيدٍ له ويكونوا في مرارة عليه كمن هو في مرارةْ على بكره” زكريا 12: 10.

بعض الشراح فسروا هذه الآية، كونها نبوة عن المجيء الثاني للمسيا. البعض الآخر، قالوا إن النبوة تشتمل على المجيئين: القادة اليهود سيرفضون المسيا في مجيئه الأول، ولكن عند مجيئه الثاني، سيندمون على رفضهم، ويترجون الله عودته. والواضح من هذه النبوة، هو أن زكريا النبي، يصف الأسى والحزن الذي سيلحق قادة اليهود – يوماً ما – بسبب قتلهم المسيا في مجيئه الأول.

تُوجد ثلاث نقاط هامة في هذه النبوة:

1 – التأكيد على رفض قادة اليهود للمسيا.

2 – يُخبرنا زكريا النبي، أن موت المسيا لم يكن طبيعياً، بل ناتجاً عن عمل إجرامي عنيف وهذا يتضح من القول “طعنوه”.

3 – المتحدث في النبوة هو “الرب نفسه” وليس زكريا، بدليل قوله “وأفيض على بيت داود” ثم يقول هو نفسه “فينظرون إليّ الذي طعنوه”، وهذا واضح جداً في اللغة العبرية “אלי = إ ل ي” أي أن الذي طُعن هو الرب نفسه. بناء على ذلك يكون المسيا هو نفسه “الرب يهوه”.

وقد تمت هذه النبوة، عندما طعن أحد الجنود الرومان الرب يسوع في جنبه، وقد سجّل يوحنا الحبيب ذلك بقوله “لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة وللوقت خرج دماء. والذي عاين شهد وشهادته حق… وأيضاً يقول كتاب آخر سينظرون إليّ الذي طعنوه” يوحنا 19: 33-37.

ساد في فترة ما قبل التلمود، تفسيران لهذه النبوة: التفسير الأول، يقول إن النبوة تخص المسيا ابن يوسف…. أما التفسير الثاني، يقول إن شعب إسرائيل سينوح من أجل طلب قتل الميول الشريرة التي فيهم. وعندما جاء التلمود حسم الموقف، وأعلن صراحة بأن النبوة تخص المسيا…. فنقرأ في التلمود الآتي [لماذا هذا النوح في زمان المسيا؟ يُوجد تفسيران مختلفان لكل من رابي دوسا Rabbi Dosa، والحكيم رعبنان Sages Rabanan: الرأي الأول، هو أنهم يوحون على المسيا ابن يوسف الذي قُتل، الآخر، أنهم ينوحون لطلب قبل ميولهم الشريرة.

إنه مقبول جداً يحسي ما شرحناه أن سبب النوح هو قتل المسيا. وهذا يتفق تماماً مع ما جاء في زكريا النبي 12: 10. لو أن النوح يتعلق بقتل ميولهم الشريرة، ينبغي أن نسأل: هل هذه مناسبة للنوح؟ ولا أيضاً مناسبة للفرح؟ فلماذا إذا سيبكون….] Talmud, Succah 52a.

الراعي الصالح

“فيقول له ما هذه الجروح في يديك. فيقول هي التي جُرحت بها في بيت أحبائي. أستيقظ يا سيف على راعيّ وعلى رجل رفقتي يقول رب الجنود” زكريا 13: 6- 7.

الراعي الصالح المذكور في هذه النبوة، هو نفس الراعي الصالح المذكور في سفر زكريا 11: 4-13. كما أن هذه النبوة، تكشف عن كون أن المسيا سيكون “إلهاً وإنساناً”. بالنسبة للطبيعة البشرية للمسيا واضحة في قوله”…. وعلى رجل ….”، أما بالنسبة إلى الطبيعة اللاهوتية، فللأسف الترجمة العربية، لا تُعطي المعنى الدقيق الوافي والمقصود به مثلما يُعطي النص العبري… فكلمة “رجل رفقتي” كما جاءت في النص العبري هي:

“גבר עמיתי = ج ب ر  ع م ي ت ي” وهي تعني في العبرية حرفياً “رجل – مساوٍ لي” أو “رجل – معادل لي”. من هنا يتبين لنا أن الترجمة العربية عاجزة عن إعطاء المعنى المقصود. لذا، بعد العودة إلى الأصل العبري للآية، ينبغي أن تُترجم “….. على راعيّ وعلى الرجل – مساوٍ لي يقول رب الجنود”. بناء على ذلك، يكون المسيا هو الله، لأن المتحدث في الآية “رب الجنود”.

من جهة أخرى، فإن النبوة تُبين أن موت المسيا سوف لا يكون موتاً طبيعياً بل نتيجة آلام يُعانيها من أقرب الناس إليه، من بني جنسه، أي شعب اليهود، وهذا يظهر من القول “فيقول هي التي جُرحت بها في بيت أحبائي”. وقد تمت هذه النبوة، عندما سمروا الرب يسوع بالمسامير على الصليب “ولما مضوا به إلى الموضع الي يُدعى جمجمة صلبوه هناك” لوقا 23: 33 – “انظروا يديّ ورجليّ إني أنا هو …. ” لوقا 24: 39 – “فقال لهم (توما) إن لم أُبصر في يديه أثر المسامير وأضع إصبعي في أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا أُومن… ثم قال لتوما هاتِ إصبعك إلى هنا وأبصر يديّ وهاتِ يدك وضعها في جنبي ولا تكن غي مؤمن بل مؤمناً. أجاب توما وقال له ربّي وإلهي” يوحنا 20: 24 – 29.

كذلك، تذكر النبوة أن موت المسيا سيعقبه تشتت اليهود، حسب قوله “اضرب الراعي فتتشتت الغنم وأرد يدي على الصغار” زكريا 13: 7. أما الراعي فقد ضُرب حوالي سنة 30 ميلادية (احداث الصلب)، والرعية تبددت في سنة 70 ميلادية، عندما تشتت اليهود خارج أورشليم. أمّا عن قوله “وأردّ يدي على الصغار” فهو يقصد التلاميذ والذين آمنوا به من عامة الشعب “لا تخف أيها القطيع الصغير….” لوقا 12: 32.

ملاك لتهيئة الطريق

“هأنذا أُرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تُسرّون به هوذا يأتي قال رب الجنود” ملاخي 3: 1.

تُوجد في أسفار العهد القديم إشارتان تتحدثان عن “السابق” الذي يُهيئ الطريق لمجيء المسيا: الأولى، في سفر إشعياء “صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب. قوّموا في القفر سبيلاً لإلهنا. كل وطاءٍ يرتفع وكل جبلٍ وأكمه ينخفض ويصير المعوجّ مستقيماً والعراقيب سهلاً. فيعلن مجد الرب ويراه كل بشرٍ جميعاً لأن فم الرب تكلم” إشعياء 40 :3-5. أما الإشارة الثانية، فهي في نبوة ملاخي التي ندرسها الآن.

بعض الشرّاح قالوا أن هذا “السابق” هو إيليا النبي، بحسب تفسيرهم لما جاء في سفر ملاخي 4: 5-6، حيث يقول “هأنذا أُرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب العظيم والمخوف، فيردّ قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم”. ورغم ذلك لم تذكر نبوة إشعياء ولا نبوة ملاخي 3:1، اسم هذا “السابق”…. لكن الذي كشف عن اسمه هو العهد الجديد، وهو يوحنا المعمدان.

حيث جاء في إنجيل متى الآتي “….. ابتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا. ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا. أقصبه تحركها الريح. لكن ماذا خرجتم لتنظروا. إنساناً لابساً ثياباً ناعمة. هوذا الذين يلبسون الثياب الناعمة هم في بيوت الملوك. لكن ماذا خرجتم لتنظروا. أنبياّ. نعم أقول لكم وأفضل من نبيّ. فإن هذا هو الذي كُتب عنه ها أنا أُرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك.

الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان. ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه. ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السموات يُغصب والغاصبون يختطفونه. لأنّ جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبأوا. وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي. من له أُذنان للسمع فليسمع” متى 11: 7-14.

ملاخي النبي هو آخر أنبياء العهد القديم، والنبوات التي نطق بها تُعتبر آخر إعلانات الله للبشرية في العهد القديم، ولمدة حوالي 400 سنة حتى جاء المسيا في حوالي سنة 4 ق.م. على أن الاسم “ملاخي” تعني بالعبرية “رسولي” أو ملاكي”. “מלאכי = م ل أ خ ي”. والصوت النبوي القادم الذي سيُسمع في إسرائيل بعد 400 سنة من ملاخي، سيكون صوت “ملاكي – رسولي – ملاخي”، إنه يوحنا المعمدان…. هل لهذا مغزى مُعيّن!!!

بقية النبوة تُعلن عن دخول الرب المسيا إلى الهيكل المقدس “ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه”. هذا هو الهيكل الثاني، الذي أعاد بناءه زوربابل، وجدده ووسعه هيرودس الكبير. إلى هذا الهيكل، جاء الرب يسوع في مناسبتين منفصلتين، من أجل تطهيره من الباعة والصيارفة (راجع يوحنا 2: 13-22، متى 21: 12-13). ما يهمنا في قوله “إلى هيكله” أي أن هذا الهيكل يخص المسيا، أو بحسب النص العبري “صاحبه”. وعندما طهره الرب يسوع، فقد مارس ألوهيته وسلطانه لأنه هو صاحب الحق الكامل فيه.

* Pesikta Rabbati: هو كتاب عظات تُقرأ في الأعياد. وهي عبارة عن تعليقات روحية للعديد من الرابيين، على قراءات التوراة التي تقرأ في مناسبات الأعياد.

المسيح في أسفار الأنبياء

الرب برنا (يهوه برنا) – ألوهية المسيح الحرفية في العهد القديم

الرب برنا (يهوه برنا) – ألوهية المسيح الحرفية في العهد القديم

الرب برنا (يهوه برنا) – ألوهية المسيح الحرفية في العهد القديم

” ها أيام تأتي يقول الرب وأُقيم لداود غصن بٍرّ فيملك مَلكٌ وينجح ويُجري حقاً وعدلاً في الأرض. في أيامه يُخلّص يهوذا ويسكن إسرائيل آمناً وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب بِرّنا” إرميا 23: 5-6.

هذه النبوة تكشف عن الطبيعة الناسوتية والطبيعة اللاهوتية في المسيا. ففي الآية الخامسة من هذا هذا الأصحاح، نتعرف على المسيّا ابن داود، الذي سيحكم ويكون له سلطان كملك، وبالتالي فهو يكشف عن طبيعة المسيح الناسوتية “ابن الإنسان”. أما الآية السادسة، نجد أن اسم المسيا “الرب برّنا”، وهذا الاسم يُستعمل فقط لله. حيث أن الأصل العبري ل “الرب برّنا” هو “يهوه برّنا”.

وعلى طول أسفار العهد القديم العبري، اسم الألوهية “יהוה ي ه و ه” يُطلق فقط على الله…. فكيف يأخذ هذا المسيا الملك – ابن داود – اسماً يخص الله فقط؟! إلاّ إذا كان هذا المسيا الملك، يحمل في ذاته الطبيعة البشرية والطبيعة اللاهوتية. نبوة إرميا هذه، تُقدم لنا عقيدة هامة جداً هي أساس المسيحية – أن المسيح هو “الله – الإنسان” أو “الإله المتجسد”.

بعض الرابيين اليهود يقدمون اعتراضاً على هذا التفسير، فيقولون: إن الكثير من الأنبياء في العهد القديم يحملون أسماء تحتوي على اسم الله “يهوه”. فعلى سبيل المثال: إشعياء ومعناه “الرب يُخلّص” – إرميا ومعناه ” الرب يُثّبت” وأسماء أخرى تحوي فيها “يهوه”. وللإجابة على هذا الاعتراض، نقول بادئ ذي بدء. إنه يوجد في هذا الاعتراض مغالطة كبرى لا تفوت إلا على الذين لا يعرفون اللغة العبرية. ولذلك لا نجد هذا التفسير في كتبهم التي يقرأها الشعب اليهودي، ولكن نجدها في مناقشاتهم مع المسيحيين.

للرد على هذا الإعتراض نقول: عندما نرجع إلى هذه الأسماء التي ذُكرت وغيرها، في أصلها العبري، نجد إنه ولا واحد من هذه الأسماء يحتوي على الحروف العبرية الأربعة “יהוה أي ي+ه+و+ه” وهو الاسم الخاص بالله، لكن في أسماء الأنبياء أو أي اسماء أخرى، ذُكرت في العهد القديم، نجدها لا تحتوي إلا على حرفين اثنين فقط وأحياناً ثلاثة. ولا يُمكن بأي حال من الأحوال نجدها تحتوي على الحروف الأربعة الخاصة بالله، حتى تُستعمل لإنسان ذي طبيعة بشرية. الوحيد الذي استعمل في اسمه الحروف الأربعة لاسم الله هو المسيا، رغم إنه ذو طبيعة بشرية، (لأنه من نسل داود ويُولد من عذراء).

هذه المجادلات – في الحقيقة – لم تكن محل نزاع بين الرابيين القدامى وبعضهم، الذين كانوا يُفسرون إرميا 23: 5-6، كنبوة مسيانية. فقط منذ عهد قريب نسبياً، حاول الرابيون أن يتناقشوا مع المسيحيين بطريقة أخرى. في حين أن هناك العديد من كتبهم يؤيدون أن أحد اسماء المسيا هو “يهوه”، فعلى سبيل المثال:

1 -ميدراش على سفر الأمثال (حوالي سنة 200-500 ميلادية)، في تفسيره لأمثال 19: 21، نقرأ الآتي […رابي حونه Rabbi Hunah يقول: هناك ثمانية أسماء أعطيت للمسيا وهي: ينّون Yinon *– شيلوه – داود – مناحم – يهوه – غصن – إيليا – مشير الرب. الاسم الخامس في القائمة “يهوه” هو اسم الله، وهو مأخوذ من الآية الواردة في إرميا 23: 6. الاسم السابع من القائمة هو “غصن” وهو مأخوذ من الآية الواردة في إرميا 23: 5].

2 – ميدراش على سفر مراثي إرميا، في تفسيره مراثي 1: 16 يقول [… ما هو اسم المسيا؟ رابي Rav Ava Kahanna يقول: اسمه “يهوه” وهذا ما يثبته القول “وهذا هو اسمه الذي يدعونه به يهوه برنا” إرميا 23: 6].

الرب برنا (يهوه برنا) – ألوهية المسيح الحرفية في العهد القديم

3 – في التلمود، في باب Babba Bathra 75b يذكر الآتي [رابي صموئيل بن ناحمان Shmuel ben Nachman يقول على لسان رابي يوهانان Rabbi Yohanan: الشخص المقدس والمبارك – هو المسيا – وهذا هو الاسم الذي به يُدعى ” يهوه برّنا” كما هو مكتوب في إرميا 23: 6]

4 – ميدراش على مزمور 21: 1 يقول [الله يُسمى المسيا الملك باسمه الخاص به. ما هو هذا الاسم؟ الإجابة ” يهوه”. فقد أعلن إرميا هذا الاسم عندما قال “وهذا هو الاسم الذي يدعونه به يهوه برنا” إرميا 23: 6]

مما سبق، يتضح كيف أن كتابات الرابيين الكبار، ذكرت أن اسم المسيا هو “يهوه” وهو الاسم الخاص بالله، حتى التلمود نفسه أعلن هذا صراحة. وبذلك يكون المسيح – المسيا- ابن داود هو أيضاً الله (أي يهوه يصير إنساناً).

* ينّون Yinon: في مزمور 72: 17، الترجمة هي “يكون اسمه إلى الدهر. قدام الشمس يمتد اسمه”. أما في الأصل العبري “قبل أن تُوجد الشمس كان اسمه ينّون Yinon”.

الرب برنا (يهوه برنا) – ألوهية المسيح الحرفية في العهد القديم

ما هو عمل المسيا من نبوات العهد القديم؟

ما هو عمل المسيا من نبوات العهد القديم؟

ما هو عمل المسيا من نبوات العهد القديم؟

“روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشّر المساكين أرسلني لأعصب مُنكسري القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق. لأنادي بسنة الرب المقبولة للرب” إشعياء 61: 1-3.

هذه النبوة، تتحدث عن عمل ووظيفة المسيا في أثناء حياته على الأرض. ويُعلن إشعياء النبي، أن المسيا هو الممسوح بالروح القدس، ليبدأ بعمله التبشيري ويقوم بمهمته التي من أجلها أُرسل. وفي العهد القديم، كان المسح بالدُهن المقدس، دلالة أن الشخص الممسوح له صفة معينة لمهمة ووظيفة معينة. أما المسيح فقد مسح لا بدُهن ولا بيد إنسان، بل بالروح القدس، فنقرأ في إنجيل متى الآتي “فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه” متى 3: 16.

وبعد أن اعتمد الرب يسوع وقضى في البرية أربعين يوماً وأربعين ليلة، جاء إلى الناصرة، ودخل المجمع كعادته يوم السبت، وأعلن هو بنفسه أن النبوة التي نطق بها إشعياء قد كُتبت عنه. ويُسجّل القديس لوقا ذلك في إنجيله قائلاً “وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى. ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ. فدفع إليه سفر إشعياء النبي. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوباً فيه.

روح الرب عليّ لأنه مسحني لأُبشّر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأُرسل المنسحقين في الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة. ثم طوى السفر وسلّمه إلى الخادم وجلس. وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه. فابتدأ يقول لهم إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم” لوقا 4: 16-21. أي أن المكتوب قد تم الآن، وسوف يراه الناس عياناً في أثناء حياته على الأرض… قد صار الآن المكتوب في حكم التحقيق.

من جهة أخرى، أن المسيا الممسوح بالروح القدس، قد جاء لا من أجل نفسه بل ليُنجز أعمالاً ومهاماً يقوم بها من أجل الشعب، بل من أجل العالم كله.  

أعمال يقوم بها المسيا

1 – يُبشر المساكين:

أي الكرازة بالإنجيل. وهنا كلمة “إنجيل” لا تعنى كتاباً، بل حسب معناها اليوناني “البشارة المفرحة”، وماهي البشارة أو الأخبار المفرحة؟ هي أن زمان إبليس وسلطانه على الناس بالخطية والموت قد انقضى، وحان الوقت الآن لتأسيس ملكوت الله “وبعدما أُسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول قد كَمَلَ الزمان واقترب ملكوت الله” مرقس 1: 14-15.

2 – يُنادي للمسبيين بالعتق:

كان الشعب اليهودي مُستعبداً لحرفية ناموس موسى، وإذا لم يقدروا أن يحفظوا الناموس بالكامل، وقعوا تحت دينونة العصيان.. فجاء المسيح ليحررهم من هذه العبودية. فكما قلنا سابقاً أن الرابيين جمعوا ما يقرب من 613 أمر ونهي، لم يستطع شعب إسرائيل تنفيذها بالتمام، بل صاروا له عبيداً فوقعوا تحت لعنة الناموس، فجاء المسيح وحررهم من عبودية الفرائض، بالإيمان به. وهذا ما عبّر عنه بولس الرسول بقوله “مبطلً بجسده ناموس الوصايا في فرائض” أفسس 2: 15 – “إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا” كولوسي 2: 14.

3 – يُنادي للمأسورين بالإطلاق:

هنا الأسر يشمل الخطية والموت، لأن “كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية” يوحنا 8: 34 – أيضاً “أجرة الخطية هي موت” رومية 6: 23. وأصبحت البشرية الخاطئة، واقعة تحت عبودية الخوف من الموت. فكان العمل الرئيسي للمسيا أن ينزع مفاتيح الموت من سلطان إبليس “فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك لك يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية” عبرانيين 2: 14-16.

4 – يُنادي بسنة الرب المقبولة:

يريد إشعياء النبي أن يُخبرنا بأن زمن الخلاص والنعمة قد بدأ. فبمجيء المسيا وموته، انتهى زمن الناموس (الحرف)، وبدأ زمن النعمة والخلاص (الروح)… هذه هي البشارة المفرحة التي جاء لينادي بها المسيا، فسنة الرب المقبولة، هي سنة اليوبيل الحقيقي للعتق من سلطان الخطية وإبليس والموت. سنة الخلاص هذه، هي السنة التي يحيا فيها ومازال يحيا المسيحيون، منذ يوم عمل المسيح الخلاصي – بصليبه وقيامته- وإلى آخر الدهور “هوذا الآن وقت مقبول، هوذا الآن يوم خلاص” كورنثوس الثانية 6: 2.

ما هو عمل المسيا من نبوات العهد القديم؟

نبوات المسيح في سفر أشعياء – الجزء الثاني

نبوات المسيح في سفر أشعياء – الجزء الثاني

نبوات المسيح في سفر أشعياء

 

هذا هو الجزء الثاني، لقراءة الجزء الأول برجاء الضغط هنا

سادساً: رفض المسيا المدعو من الله 

” الرب من البطن دعاني. من أحشاء أمي ذكر اسمي… أما أنا فقلت عبثاً تعبت باطلاً وفارغاً أفنيت قدرتي. لكن حقي عند الرب وعملي عند إلهي” إشعياء 49: 1-4.

أولاً: المدعو من الله.

“الرب من البطن دعاني. من أحشاء أمي ذكر اسمي” هذه كلمات المسيا نفسه. وقد وضعها الله على قم إشعياء النبي، لينطق بها نبوياً. وهذه النبوة تتناغم مع نبوة الميلاد العذراوي “هوذا العذراء…. وتدعو اسمه عمانوئيل” إشعياء 7: 14.

ونحن هنا أمام إشارة عن أم وليس أب. وهذا قد تحقق في السيد المسيح، عندما ظهر الملاك ليوسف في حلم في وقت حمل العذراء، وقال له “لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع. لأنه يُخلص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا” متى 1: 20 23. (لاحظ قوله “من أحشاء امي”).

ثانياً: رفضه

“أما أنا فقلت عبثاً تعبت باطلاً وفارغاً أفنيت قدرتي. لكن حقي عند الرب وعملي عند إلهي”. هنا نبوة عن حزن المسيا وما سيتكبده من مقاومة ورفض. هذا المسيا المدعو من الله، الكامل الذي بلا عيب، سيرفضونه لأنهم ابغضوه بلا سبب…. ويظهر كما لو كان المسيا تعب باطلاً ولم يجن ثمراً لعمله، فقساوة اليهود حصلت جزئياً لكي يدخل الأمم، ثم بعد ذلك تدخل البقية الباقية من شعب إسرائيل… لكن المسيا لا ييأس على الإطلاق ويحتفظ برجائه “لكن حقي عند الرب وعمل عند إلهي”.

ومن العهد الجديد نشاهد منظراً واقعياً في حياة السيد المسيح، الذي يمكننا أن نجد فيه تحقيق هذه النبوة، ففي بستان جثسيماني نسمعه يقول “حينئذ جاء معهم يسوع إلى ضيعة يُقال لها جثسيماني قال للتلاميذ اجلسوا ههنا حتى أمضي وأُصلي هناك. ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي وابتدأ يحزن ويكتئب. فقال لهم نفسي حزينة جداً حتى الموت” متى 26: 36-38.

لقد أُرسل إلى شعب إسرائيل، وبشّر بينهم ثلاث سنوات ونصف: وعظهم – شفى أمراضهم – أقام موتاهم – أشبعهم ….. إلخ، وأعلن لهم عن نفسه إنه هو المسيا، ومع ذلك رفضته الأمة اليهودية وبشدة، وانطبق عليهم القول “إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله” يوحنا 1: 11.

ما زال المسيح مرفوضاً

حتى وقتنا هذا، ما زال الرب يسوع مرفوضاً – كمسيا – عند شعب إسرائيل، ويقولون: لو أن يسوع الذي جاء هو بالفعل المسيا الحقيقي، لكان كل أجدادنا في أيامه قد قبله. إشعياء النبي يقول بكل وضوح، أن المسيا سيُرفض أولاً (هذا ما سبق وشرحناه). والرفض هو إعلان صريح، كونه أحد أسباب التصديق بمسيانيته. بمعنى آخر، رفض الأمة اليهودية للرب يسوع، يُقيم الدليل حقيقة، أنه هو المسيا، لأن النبوات قالت بذلك.

كان غاية هذا الرفض، هو أن الله يُحضر الخلاص للأمم… أي إلى أن يدخل ملء الأمم، وإلى زمن محدد. يذكر الرسول يولس هذه الحقيقة، مستشهداً بإشعياء 65: 1-2، قائلاً: “ثم إشعياء يتجاسر ويقول وُجدت من الذين لم يطلبوني وصرت ظاهراً للذين لم يسألوا عنى. أمّا من جهة إسرائيل فيقول طول النهار بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم” رومية 10: 20-21. ويذكر سفر أعمال الرسل، نفس هذا الرفض على لسان يعقوب الرسول قائلاً “سمعان (بطرس) قد أخبر كيف افتقد الله أولاً الامم ليأخذ منهم شعباً على اسمه.

وهذا توافقه أقوال الأنبياء كما هو مكتوب، سأرجع بعد هذا وأبني أيضاً خيمة داود الساقطة” إعمال الرسل 15: 13-16. أيضاً، بولس وبرنابا قالا “فجاهر بولس وبرنابا وقالا كان يجب أن تُكلَّموا أنتم أولاً بكلمة الله ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية هوذا نتوجه للأمم ” أعمال الرسل 13: 46.

هذا الرفض سيستمر حتى تكمل الكنيسة عددياً من جهة الأمم… عند هذه النقطة، سيتعامل الله مرة أخرى مع شعب إسرائيل، وتدخل البقية إلى حظيرة الكنيسة، كما ذكر بولس الرسول ذلك في رسالة رومية “أن القساوة قد حصلت جزئياً لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الامم. وهكذا سيخلص جميع إسرائيل” رومية11: 25-26.

سابعاً: آلام المسيا وموته

” السيد الرب فتح لي أُذناً وأنا لم أُعاند. إلى الوراء لم أرتد. بذلت ظهري للضاربين وخدّيّ للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق” إشعياء 50: 5-6.

“هوذا عبدي يعقل يتعالى يرتقي ويتسامى جداً. كما اندهش منك كثيرون. كان منظره كذا مُفسداً أكثر من الرجل وصورته أكثر من بني آدم” إشعياء 52: 13-14.

” من صدّق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب. نبت قدامة كفرخٍ وكعرقٍ من أرض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به.

لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مُصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه وبحبره شُفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحدٍ إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا. ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتةٍ أمام جازيها فلم يفتح فاه.

أما الرب فسُرّ بأن يسحقه بالحزن. إن جعل نفسه ذبيحة إثم. يرى نسلاً تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح. من تعب نفسه يرى ويشبع. وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها. لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من أجل أنه سكب للموت نفسه وأُحصي مع أثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع فيم المذنبين” إشعياء 53: 1-12.

ليس غريباً أن نسمع من الرابيين، حتى اليوم، قولهم: أن هذه الآيات من سفر إشعياء لا تتكلم عن المسيا، بل عن آلام شعب إسرائيل من جراء ظُلم شعوب الأمم الوثنية لهم. ويذهبون بعيداً، لدرجة أنهم يقولون: أن هذا التفسير هو مطابق لنظرة التقليد اليهودي القديم. عند هذه النقطة، هم يعتمدون كلية على جهل سامعيهم بما ورد في الكتابات اليهودية القديمة مثل: التلمود Talmud – المشناه Mishnah – الجمارا Gemara – المدراش Midrash، بكافة أنواعها. في حين أن أغلب كتب التراث والتقليد اليهودي القديم تُصرّح بعكس ذلك…

أول من نادى بالقول، بأن هذه النبوات من سفر إشعياء، تخص شعب إسرائيل وليس المسيا – هو رابي راشي RaSHi، في حوالي سنة 1050 ميلادية. كل الرابيين ما عدا راشي -بلا استثناء – يرون أن هذه المقاطع من سفر إشعياء تصف آلام المسيا كشخص فردي. وعندما اقترح راشي، أن إشعياء يتكلم عن شعب إسرائيل، أطلق شرارة جدال عنيف مع الرابيين المعاصرين له. أشهر هؤلاء هو الرابي رامبام RaMBam (يُطلق عليه أحياناُ ميموندس Maimonides)، قرر أن راشي كان على خطأ فادح في اقتراحه هذا، الذي هو ضد ما ورد في كتب التقليد اليهودي القديم.

وعندما بدأ اللاهوتيون المسيحيون، في استخدام هذه المقاطع من سفر إشعياء، كنبوة عن المسيا في كتاباتهم، وجد عدد كبير من الرابيين في اقتراح راشي طريقة جذابة لمقاومة التعاليم المسيحية. وبعد أن بحثت في كُتب الصلوات المستعملة في المجامع اليهودية، اكتشفت ظاهرة عجيبة هي: أن هذه المقاطع من سفر إشعياء لا تُقرأ على الإطلاق في المجامع اليهودية على الشعب – سواء في السبوت أو في الأعياد – وأن القراءات المنتظمة التي تُقرأ على الشعب تقفز من إشعياء 52: 12 إلى إشعياء 54، … طبعاً الآن عرفنا السبب.

في حديثنا عن إشعياء 49، قلنا إن المسيا سيُرفض أولاً من الأمة اليهودية ولكن في وقت ما سيقبلونه. هنا في إشعياء 52: 13-15 \ إشعياء 53: 1-12، نجد بعض الآيات تتحدث بعودة اليهود إلى الله وقبولهم للرب يسوع – كمسيا – والذي ما زال في حكم المستقبل.

عندها سيعترف القادة اليهود بإخفاقهم في التعرّف على المسيح في مجيئه الأول، ويندمون، ولسان حالهم يقول: محتقر فلم نعتد به – لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله – وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا – تأديب سلامنا عليه – وبحبره شفينا. هذا هو اعتراف قادة اليهود، عندما يؤنون بالرب يسوع في الوقت المحدد… سيستعملون نفس آيات إشعياء في اعترافهم.

والمدقق في إشعياء 52، 53 سيجد أن وصف آلام المسيا، لم تُسجّل على أساس أنها حدث في الماضي وما زال يحدث في الحاضر، ولكن على أنها تُشير إلى حدث سيتم في زمن المستقبل. بمعنى آخر، نقول إن إشعياء 52، 53 يُخبر عن شيئين:

أ – وصف آلام المسيا، كحدث سيتم في المستقبل …. بعد زمن غي مُعلن.

ب – اعتراف قادة الشعب اليهودي، بما فعلوه بالسيد المسيح – المسيا الحقيقي – ثم قبوله فيما بعد.

فكيف إذاً، يقول راشي RaSHiK، أن ما ورد في إشعياء 52، 53 هو وصف لآلام شعب إسرائيل على يد الأمم الوثنية. هذا ما سنشرحه الآن بالتفصيل.

1 – الجلد – اللطم – البصق

“الرب فتح لي أُذناُ وأنا لم أُعاند. إلى الوراء لم أرتد. بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق” إشعياء 50: 5-6.

من هذه الآيات يتضح أن المسيا يعلم مُسبّقاً ما سيأتي عليه من آلام، فالمتحدث هنا هو المسيا نفسه، وليس إشعياء الذي يسرد ما سيحدث للمسيا. ورغم علم المسيا بما سيأتي عليه من قادة اليهود، إلا أنه لا يخاف من مواجهة هذه الآلام أو يهرب منها “وأنا لم أعاند. إلى الوراء لم أرتد. وجهي لم أستر عن العار”. وهذا ما تم بالضبط وتحقق في السيد المسيح، فعندما أتت الساعة، تقدم الرب يسوع بإرادته وحده وسلّم نفسه إلى مُعذبيه… حتى قبل الصليب، لم يكن يقابل ثورة القادة اليهود وحقدهم عليه بأي نوع من العنف … حتى في أثناء محاكمته الدينية والمدنية، لم يفتح فاه…  فنقرأ في العهد الجديد:

– “وأخذ الاثني عشر وقال لهم ها نحن صاعدون إلى أورشليم وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان، لأنه يُسلّم إلى الأمم ويُستهزأ به ويُشتم ويُتفل عليه ويجلدونه…. ” لوقا 18: 31.

– “ولما قال هذا لطم يسوع واحد من الخدام… ” يوحنا 18: 22.

– ” والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه. وغطّوه وكانوا يضربون وجهه ويسألونه قائلين تنبأ من هو الذي ضربك” لوقا 22: 63- 64.

– ” فابتدأ قوم يبصقون عليه ويغطون وجهه ويلكمونه ويقولون له تنبأ. وكان الخدام يلطمونه” مرقس 14: 65.

– ” حينئذ أطلق لهم باراباس. وأما يسوع فجلده وأسلمه ليُصلب” متى 27: 26.

2 – أصبح منظره مشوهاً

“هوذا عبدي يعقل ويتعالى ويرتقي ويتسامى جداً. كما اندهش منك كثيرون. كان منظره كذا مُفسَداً أكثر من الرجل وصورته أكثر من بني آدم” إشعياء 52: 13-14.

“هوذا عبدي”: الله نفسه هو الذي يتحدث عن المسيا كعبد. وقد ربط إشعياء قول الرب هذا، بما قاله سابقاَ في إشعياء 42: 1 “هوذا عبدي الذي أعضده. مختاري الذي سُرّت به نفسي. وضعت روحي عليه ليخرج الحق للأمم”. وهنا نسأل لماذا ذكر الله القول “هوذا عبدي” مرة أخرى وبالذات قبل وصف الآلام التي ستكبدها المسيا؟ وللإجابة نقول:

أ – الله يريد أن يقول بأن الشخص الذي قلت عنه من قبل، بأني أعضدّه – مختاري – سُرّت به نفسي – وضعت روحي عليه: هو هو نفس هذا الشخص الذي سيتألم. هو إنسان وإله في نفس الوقت، حسب القصد الإلهي الأزلي لخلاص البشر (تكلمنا سابقاً عن هذا في شرح إشعياء 11: 1-2)

ب – في وصفه لآلام المسيا، يتكلم عن آلم جسدية ستقود أخيراً إلى الموت “جعل نفسه ذبيحة إثم – سكب للموت نفسه – أُحصي مع أثمة” إشعياء 53: 10-12. فكيف يقول رابي راشي، أن هذه الآلام تصف شعب إسرائيل… هل يُقر راشي أن شعب إسرائيل تألم ومات.

أما عن قوله “كان منظره كذا مفسداً”، فهو يصف بدقة متناهية منظر وجه الرب يسوع بعد أن تخضب بالدم واختلط بتراب الأرض، عندما سقط تحت حمل الصليب أكثر من مرة في طريق الآلام. أضف إلى ذلك كدمات الوجه النابجة من لطمه ولكمه، والأشواك المدببة التي انغرست في جبينه الطاهر وهي تُدمي. فكان فعلاً منظره مُفسداً…

3 – من أجل آثامنا

“من صدّق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب. نبت قدامة كفرخٍ وكعرقٍ من أرض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به. لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مُصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه وبحبره شُفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحدٍ إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا” إشعياء 53: 1-6.

الآية الأولى من إشعياء 53 تبيّن عدم إيمان شعب إسرائيل بالمسيا، وسوف لا يصدقون بشارة المسيح لهم… بالرغم من أن آلام المسيا هي من أجلهم إلا أنهم سوف يرفضونه، ويعتبرون أن هذا الشخص إنسان مضروب من الله…

من جهة أخرى، إن سبب عدم إيمان شعب إسرائيل به كمسيا، هو: كيف يرون المسيا، ملكهم المنتظر – ابن داود- المفروض أن يأتي في مجد عظيم ويجلس على عرش أبيه، يرونه بهذا المنظر “لا صورة له ولا جمال – محتقر ومخذول من الناس” وهذا ما سجّله لنا العهد الجديد: السيد المسيح وُلد فقيراً، في قرية صغيرة – عاش فقيراً كنجار مع يوسف – تربى في مدينة الناصرة، تلك المدينة المحتقرة من الناس – كان بلا مأوى يرتاح فيه – علاوة على اتضاعه الشديد ووداعته وتسامحه – أيضاً منظره وقت الصليب… كل ذلك جعلهم يعثرون فيه ويحتقرونه. وقد ورد في الأناجيل العديد من الآيات بخصوص ذلك. نذكر منها التالي:

– ” أليس هذا ابن النجار … فمن أين لهذا هذه كلها. فكانوا يعثرون به” متى 13: 55-57.

– ” قال يسوع للجموع كأنه على لصٍ خرجتم بسيوف وعصي” متى 26: 55.

-” إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به” متى 27: 42.

أثناء أحداث الصلب وما قبلها، لم يفهم شعب إسرائيل أن آلام المسيح هذه هي من أجلهم – ومن أجل العالم كله – لكن اعتبروها لعنة من الله على هذا الشخص “ونحن حسبناه مضروباً من الله ومذلولاً” …. أما حين يؤمنون بالمسيح، في الوقت المعيّن، سيقولون نفس ذلك الكلام، لكن أسفاً وإعتذاراً.

قبل إيمانهم به يقولون: لا صورة له ولا جمال فننظر إليه – رجل أوجاع ومختبر الحزن – محتقر فلم نعتد به.

لكن بعد إيمانهم به سيقولون آسفين: أحزاننا حملها – أوجاعنا تحملها – مجروح لأجل معاصينا – مسحوق من أجل آثامنا – الرب وضع عليه إثم جميعنا – هذه الأمة اليهودية، التي كانت سابقاً تكره وتحتقر هذا الشخص المتألم، الآن فهموا إنه تألم نيابة عنهم… اعتقدوا أنه تألم من أجل خطاياه هو، ولكن الآن أدركوا حقيقة أنه تألم من أجلهم هم ومن أجل خطاياهم.

والسؤال الذي نوجهه إلى RaSHi هو: كيف يتألم شعب إسرائيل من أجل شعب إسرائيل؟! يبدو أن السؤال غير منطقي، لكن عدم المنطقية هذه ناشئة من قوله هو: أن هذه الآلام الواردة في إشعياء 52، 53 هي آلام شعب إسرائيل على يد الأمم الأخرى. 

ما معنى أن يقول شعب إسرائيل الذي يتألم: أحزاننا حملها – أوجاعنا تحملها – الرب وضع عليه إثم جميعنا… إلخ. مَنْ هو الذي وضع عليه الرب إثم الشعب!!! مَنْ حمل أحزان مَنْ!! مَنْ جُرح من أجل مَنْ!! مَنْ سُحق من أجل مَنْ!! واضح أن اقتراح راشي غير منطقي.

قواعد اللغة العبرية وتفسير راشي

في قواعد اللغة العبرية – كما في باقي اللغات – يُوجد مُفرد ويُوجد جمع. المفرد، يُستخدم في الحديث عن شخص واحد فقط. أما الجمع فيستخدم في الحديث عن مجموعة أشخاص. فإذا وجدت في جملة واحدة كل من المفرد والجمع معاُ، فهذا يعني أن الحديث مُوجه إلى فئتين: شخص (مفرد) + مجموعة أشخاص (جمع).

في إشعياء 52، 53، نجد شخصاً مخاطباً بالمفرد ومجموعة أشخاص تُخاطب بالجمع، في نفس الآية: فعلى سبيل المثال:

المفرد في: لا صورة له ولا جمال – رجل أوجاع – كمستر عنه وجوهنا – فلم نعتد به – حسبناه مصاباً – مضروباً من الله – تأديب سلامنا عليه – الرب وضع عليه إثم جميعنا – جعل نفسه ذبيحة – سكب للموت نفسه.

الجمع في: فنشتهيه – كمستر عنه وجوهنا – لم نعتد به – أحزاننا – أوجاعنا – نحن حسبناه – معاصينا – آثامنا – تأديب سلامنا عليه – شفينا – كلنا كغنم ضللنا – إثم جميعنا.

وليلاحظ القارئ العزيز: في كل الآيات الواردة في إشعياء 52، 53 أن كل مفرد يعقبه جمع وكل جمع يعقبه مفرد. بناء على ذلك، فإن الشخص المشار إليه بالمفرد هو المسيا أما الأشخاص المشار إليهم بالجمع، فهم شعب إسرائيل أو قادة اليهود، هل يُخفى على راشي والذين يرددون أقواله، هذه الحقيقة!!

4 – لم يفتح فاه

 “ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه” إشعياء 53: 7.

في الأناجيل الأربعة، لا توجد أية إشارة لدفاع المسيح عن نفسه في أثناء محاكمته المدنية أو الدينية، بل تُركّز الأناجيل على صمته. فعلى سبيل المثال نقرأ التالي:

– ” فقام رئيس الكهنة وقال له أما تجيب بشيء. ماذا يشهد به هذان عليك. وأما يسوع فكان ساكتاً” متى 26: 62.

– ” وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يُجب بشيء. فقال له بيلاطس أما تسمع كم يشهدون عليك. فلم يجبه ولا عن كلمة واحدة حتى تعجًب الوالي جداً” متى 27: 12- 14.

– ” وأما هيرودس فلما رأى يسوع فرح جداً لأنه كان يُريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة وترجّى أن يرى آية تُصنع منه. وسأله بكلامٍ كثير فلم يُجبه بشيء” لوقا 23: 8- 9.

في كل تاريخ شعب إسرائيل المُسجل في العهد القديم أو في كتب التاريخ لم نقرأ قط أن شعب إسرائيل ظلم أو تألم، وصمت ولم يفتح فاه…. هذه الحقيقة معروفة جيداً عن هذا الشعب… صعب جداً على هذا الشعب أن يسكت أو يصمت تجاه ظُلم أو اضطهاد. ولا نجد أبداً في العهد القديم – في كل أسفاره – أن شعب إسرائيل سكت ولو مرة واحدة على أية مضايقات لاقاها من شعوب أخرى.

حتى في التاريخ الحديث لهذا الشعب، لم نسمع أبداً أنهم سكتوا تجاه أية آلام أو متاعب جاءت عليهم من الخارج.. بل على العكس يردوا الصاع صاعين … ويكتبوا مئات الكتب التي تصف حالتهم ومتاعبهم، ويملأوا الجرائد بالمقالات. وأكبر شاهد على ذلك، هو الوضع الحالي لإسرائيل في المنطقة.. أين صمتهم!! أين القول: ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه.

إذاً، هذه النبوة – الصمت تجاه الآلام – لا يمكن بأي حال أن تنطبق على شعب إسرائيل، ولا في القديم ولا في الحديث. إنها بالتحديد شخص المسيا.

5 – موت المسيا وموت إسرائيل

” من الضغطة ومن الدينونة أًخذ. وفي جيله من كان يظن أنه قُطع من أرض الأحياء. أنه ضُرب من أجل ذنب شعبي. وجُعل مع الأشرار قبره ومع غني عند موته. على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش ” إشعياء 53: 8- 9

لقد جاز المسيح الآلام واحتملها إلى النهاية، ومن هول هذه الآلام والعذابات، أدت به إلى الموت. كذلك، استعمل إشعياء النبي التعبير ” قُطع من أرض الأحياء” ليشير إلى أن موته لم يكن عادياً – كأي ميتة أخرى – بل عن طريق صدور حكم قضائي بالإدانة إنه مستحق الموت، وقد تم تنفيذ هذا الحكم بميتة بشعة. وقد أكد ذلك فأردف يقول ” ضُرب من أجل ذنب شعبي”.

من جهة أخرى، كان موته بناء على محاكمة قانونية، مظهرها الخارجي هو قادة اليهود والرومان… أما واقعها الفعلي، فهو قضاء إلهي عادل، ليس من أجل خطاياه هو أو لذنبٍ عمله، ولكن ” من أجل ذنب شعبي”…. فهو أي المسيا “لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش”، ولكن ” من أجل ذنب شعبي”، والشعب هنا يُقصد به شعب إسرائيل.

أما الآية التاسعة، فتخبرنا عن دفن المسيا. فقد حُكم عليه كمجرم مستحق الموت، ولذا فمن المتوقع له أن يُعطى قبر وسط المجرمين “وجُعل مع الأشرار قبره”. رغم ذلك، الله يتدخل ….. كيف؟ لقد قرر القادة اليهود أن يُدفن في قبور الأشرار والمجرمين، لأنه يُعتبر في نظرهم مجرماً، لكن الله يُقرر أن يدفن مع الشرفاء “ومع غني عند موته”.

هذا ما تم بالفعل عند موت السيد المسيح، وبعد أن أنزلوه عن الصليب، نقرأ في إنجيل متى “ولما كان المساء جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف. وكان هو أيضاً تلميذاً ليسوع. فهذا تقدم إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع. فأمر بيلاطس حينئذ أن يُعطى الجسد. فأخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقي. ووضعه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في الصخرة” متى 27: 57-60.

والسؤال الموجّه إلى راشي وأتباعه هو: أين هو قبر شعب إسرائيل الذي مات!!

6 – ذبيحة إثم

“أما الرب فسرّ أن يسحقه بالحزن. إن جعل نفسه ذبيحة إثم” إشعياء53: 10.

هذه الآية تكشف عن تدبير الله الأزلي لخطة الخلاص. فلا اليهود ولا الرومان لهم أي دور في خطة الخلاص، بل على العكس كانت نياتهم شريرة إزاء صلب المسيح، هي التخلّص منه. مشيئة الله سُرّت لأن تسحقه بالحزن، والمسيا ذاته “جعل نفسه ذبيحة إثم”. الوحيد القادر لتقديم الخلاص للعالم، هو الله. فلم يكن موت المسيح مصادفة، ولا هو عمل يُجبر عليه بالقوة بتاتاً، ولكن هو جزء من خطة شاملة وضعها الله لخلاص البشر.

أما عن التعبير “ذبيحة إثم”، فله خلفية كتابية ذات معنى عميق… هذه الخلفية تعتمد على مبدأ كتابي هو: لا توجد مغفرة لخطية بدون سفك دم. وكأجراء مؤقت، وُضع نظام الذبائح الحيوانية، لكن هذه الذبائح كانت فقط تغطي الخطية ولا تمحوها. كذلك فإن دم هذه الحيوانات لم يقو إلا على طهارة الجسد فقط “لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد. فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدّم نفسه لله بلا عيب يُطهرّ ضمائركم من أعمال ميتة” عبرانيين 9: 13- 14.

إن دم الحيوانات لا يُقدس إلى طهارة الجسد فقط، ومن أجل هذا كانت عودة الجسد إلى النجاسة تحتاج إلى إعادة سفك دم ذبائح جديدة متكررة. وكان هذا التكرار الممل يُشير إلى عجز واضح وقصور عن تكميل الطهارة وتقديس الضمير وإعادة سلامة النفس، ونقاوتها… فكان تكرارها إشارة وكناية عن ضرورة مجيء ذبيحة كاملة، تُكمل ما عجزت عنه هذه الذبائح “دم المسيح الذي بروح أزلي…”.

لأن الطهارة الحقيقية ليست في طهارة الجسد فقط، بل طهارة الضمير والقلب أيضاً. وسفك الدم الإلهي هو الذي يقود إلى طهارة الجسد والنفس والروح. ولذلك أشار الوحي الإلهي له بالقول “إن جعل نفسه ذبيحة إثم… حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين”.

من جهة أخرى، كانت الذبيحة سابقاً، تُقدم حيوانية، على كونها غير قابلة للخطية والتعدي، ولذلك أمكن أن تُوضع بديلاً عن الخاطئ المعترف بخطيته. أي أن براءتها من الخطية براءة كاملة، جعل موتها معتبراً فدية أو ذبيحة حقيقية. وعدم قابليتها للخطية، إشارة إلى السيد المسيح الذي لم يُخطئ قط، لذا قيل عنه “على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش” – ” لم أجد فيه علّة للموت” لوقا 23: 22.

من ذلك نفهم أن كل هذه الذبائح الدموية، كانت مؤقتة وتحمل إشارات ورموز لحمل الله الذي بلا عيب، الذي يحمل خطية العالم كله “حمل خطية كثيرين”. لقد قال رب المجد بفمه الطاهر “من منكم يبكتني على خطية” يوحنا 8: 46.

حتى ذبائح “يوم الكفارة”، التي كانت تُقدم من أجل رئيس الكهنة نفسه، والكهنة والشعب، للتكفير عن خطاياهم التي عملوها طوال السنة.. حتى هذه أيضاً، غير كافية، بدليل تكرارها كل سنة. كل ذلك لتبين أنها وقتية والغرض منها انتظار يوم الكفارة الحقيقي…

إلى ذبيحة المسيح الكاملة والتي قُدمت مرة واحدة، وقادرة على محو الخطية تماماُ – مهما كانت – وعلى مدى الدهور، بل أيضاً تُقدس الجسد والنفس والروح. يقول يوحنا الحبيب في رسالته “ودم يسوع المسيح ابنه يُطهرنا من كل خطية” يوحنا الأولي 1:7 – “يسوع المسيح وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً” يوحنا الأولى 2: 2

والسؤال الذي لم يُجب عليه راشي حتى الآن: كيف قدّم شعب إسرائيل نفسه ذبيحة إثم عن شعب إسرائيل!!

7 – قيامته

“يرى نسلاً تطول أيامه ومسرّة الرب بيده تنجح. من تعب نفسه يرى ويشبع. وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين… لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة ” إشعياء 53: 10-12.

تُعلن النبوة صراحة قيامة المسيا، والدليل على ذلك هو: إذ كيف بعد أن يقول “جعل مع الأشرار قبره ومع غني عند موته… جعل نفسه ذبيحة إثم” يقول بعدها مباشرة “يرى نسلاً تطول أيامه ومسرّة الرب بيده تنجح”. لقد مات المسيا، فكيف يستطيع أن يرى هذا النسل الروحي؟ ويؤكد أيضاً بقوله “تطول أيامه”. كل هذا يشرح بوضوح حدث القيامة. وعندما يعلن إشارة واضحة أنه سيقوم من الأموات. بعد القيامة سيرى المسيا نجاح هدف إرساليته “مسرة الرب بيده تنجح”.

وقد التقط بولس الرسول هذه النبوة، وعبرّ عنها بالروح القدس، قائلاً “ناظرين إلى رئيس الإيمان ومُكمّلِهِ يسوع الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزي فجلس في يمين عرش الله” عبرانيين 12: 2. فالمسيا يُدرك جيداً أن بموته كذبيحة إثم، سيبرر كثيرين “وعبدي البار بمعرفته يُبرر كثيرين”.

مما سبق يتبيّن

من إشعياء 52، 53، يتضح لنا أن هذه النبوات تُشير إلى المسيا، وليس شعب إسرائيل. يمكننا أن نوجز الأسباب في النقاط التالية:

1 – في تفسيرات كل الرابيين القدامى – باستثناء RaSHi – كان الاتجاه العام، هو أن هذه النبوات تخص المسيا كشخص.

2 – استعمال الضمائر في صيغة المفرد ثم يعقبها الضمائر في صيغة الجمع مباشرة، والعكس في نفس الآية.

3 – على مدى الأصحاحين، المسيا يُصور على أنه شخص مفرد، وليس شعب. كما لا نجد مجاز أو صفة بارزة تُشير إلى شعب إسرائيل.

4 – آلام المسيا، هي آلام تطوعية (بإرادته وحده)، أيضاً صمت المسيا تجاه هذه الآلام…. هاتان الحقيقتان، لم تتحققا على الإطلاق في شعب إسرائيل: لا في الماضي ولا في الحاضر، وحتى يومنا هذا.

5 – المسيا سيموت من أجل “ذنب شعبي”. ومعروف أن شعب إشعياء النبي هو الشعب اليهودي. إذاً، هناك تمايز بين المسيا وشعب إسرائيل. إذ كيف يموت الشعب اليهودي من أجل ذنب الشعب اليهودي.

6 – المسيا تألم ومات وهو بريء وخالٍ من أي ذنب أو خطية “لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش”. لكن شعب إسرائيل، وإن تألم أو عانى. فهو يتألم من أجل خطاياه “كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد عن طريقه” – “ربيت بنين ونشأتهم أما هم فعصوا عليّ… تركوا الرب استهانوا بقدوس إسرائيل ارتدوا إلى الوراء. على م تُضربون بعد. تزدادون زيغاناُ. كل الرأس مريض وكل القلب سقيم” إشعياء 1: 1-8.

7 – آلام المسيا وموته كانت نيابة وبديلاً عن آخرين… بينما شعب إسرائيل لم يتألم نيابة عن الأمم الأخرى، بل مجازاً نقول عن طريق الأمم الأخرى.

8 – بآلام المسيا وبموته، قدّم التبرير والخلاص، لهؤلاء الذين يؤمنون به ويقبلونه. بينما شعب إسرائيل لم يفعل هذا للأمم الأخرى.

9 – المسيا مات ودفن وقبره موجود، لكن شعب إسرائيل ما زال حياً يُرزق.

10- المسيا قام بعد موته، ولكن إن كان شعب إسرائيل ما زال حياً، فإنهم لا يحتاجون إلى قيامة.

نبوات المسيح في سفر أشعياء – الجزء الثاني

Exit mobile version