إقامة ابنة يايرس – إنجيل لوقا 8 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إقامة ابنة يايرس – إنجيل لوقا 8 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إقامة ابنة يايرس – إنجيل لوقا 8 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو 8: 49- 56) ” وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، جَاءَ وَاحِدٌ مِنْ دَارِ رَئِيسِ الْمَجْمَعِ قَائِلاً لَهُ: قَدْ مَاتَتِ ابْنَتُكَ. لاَ تُتْعِبِ الْمُعَلِّمَ. فَسَمِعَ يَسُوعُ، وَأَجَابَهُ قِائِلاً: لاَتَخَفْ! آمِنْ فَقَطْ، فَهِيَ تُشْفَى. فَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْبَيْتِ لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ إِلاَّ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَأَبَا الصَّبِيَّةِ وَأُمَّهَا. وَكَانَ الْجَمِيعُ يَبْكُونَ عَلَيْهَا وَيَلْطِمُونَ. فَقَالَ: لاَ تَبْكُوا. لَمْ تَمُتْ لكِنَّهَا نَائِمَةٌ. فَضَحِكُوا عَلَيْهِ، عَارِفِينَ أَنَّهَا مَاتَتْ. فَأَخْرَجَ الْجَمِيعَ خَارِجًا، وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا وَنَادَى قَائِلاً: يَا صَبِيَّةُ، قُومِي!. فَرَجَعَتْ رُوحُهَا وَقَامَتْ فِي الْحَالِ. فَأَمَرَ أَنْ تُعْطَى لِتَأْكُلَ. فَبُهِتَ وَالِدَاهَا. فَأَوْصَاهُمَا أَنْ لاَ يَقُولاَ لأَحَدٍ عَمَّا كَان “.

 

هلم يا جميع محبيِّي مجد المخلِّص، هلم وانسجوا أكاليل لرؤوسكم، تعالوا أيضًا، لكي ما نبتهج به، وبينما نحن نمجده بتسابيح لا تنتهي، دعونا نقول بكلمات النبي إإشعياء “ يارب أنت إلهي أعظمك. أحمد اسمك لأنك صنعت أعمالاً عجيبة. مقاصدك منذ القديم أمانة وصدق” (إش25: 1). ما هي إذًا مشورة الله الآب وقصده الذي كان منذ القديم وكان صدقًا؟ واضح أنَّ الأمر يخصنا نحن, لأن المسيح سبق فعرف سره حتى قبل تأسيس العالم. ولكن في الأزمنة الأخيرة للعالم نهض لأجل سكان الأرض، وإذ قد حمل خطية العالم فإنه يبطلها ويبطل الموت أيضًا الذي نتج عنها، والذي جلبناه على أنفسنا بواسطة الخطية. لأنه هكذا قال هو نفسه بوضوح ” أنا هو القيامة والحياة، من يؤمن بي فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة” (يو11: 25؛ 5: 24). وهذا هو ما نراه يتحقق بالوقائع الفعلية لأن رئيس مجمع اليهود اقترب منه واحتضن قدمي المخلص، وطلب منه أن ينقذ ابنته من رباطات الموت. لأنها كادت أن تصل إلى حالة الموت وكانت في خطر عظيم، ووافق المخلص وانطلق معه، بل إنه كان يسرع إلى بيت ذلك الذي طلب منه هذا الإحسان. وكان يعرف أنَّ ما يحدث سوف ينفع كثيرين من أولئك الذين يتبعونه، وسوف يكون أيضًا سببًا لمجده. وفي الطريق شُفِيَت المرأة التي كانت فريسة لمرض غير قابل للشفاء (نازفة الدم)، لأنها كانت تُعاني من نزف دم لم يستطيع أحد أن يوقفه, حتى إنَّ مهارة الأطباء كانت بلا فائدة، ولكنها بمجرد أن لمست هدب ثوبه بإيمان، فإنها شُفِيَت في الحال. وهكذا حدثت معجزة مجيدة وظاهرة نتيجة مجردَّد سير المسيح في الطريق.

وبعدد ذلك جاء واحد من بيت رئيس المجمع قائلاً له ” ابنتك قد ماتت لا تُتعب المعلم“. فماذا إذًا كان جواب المسيح إذ هو يملك سلطانًا كاملاً وهو رب الحياة والموت، وبقرار إرادته الكلية القدرة يُتمِّم كل ما يريد؟

لقد رأى الرجل مضغوطًا بأثقال الحزن، ويكاد يغمى عليه، وهو مذهول ويكاد ييأس من إمكانية إنقاذ ابنته من الموت, لأن الكوارث تستطيع أن تُسبِّب اضطرابًا حتى للعقل الذي يبدو متماسكًا، وأن تبعده عن أفكاره المستقرة. لذلك فلكي يساعده، أعطاه كلمة رحمة مخلِّصة، يمكن أن تسنده في حالته الحائرة، وتخلق فيه إيمانًا غير متذبذب، إذ قال له ” لا تخف، آمن فقط، وهي ستحيا“.

ولما جاء إلى البيت، بدأ يهدئ نواحهم، ويُسكت المزمرين، ويكفكف دموع الباكين قائلاً “الصبية لم تمت لكنها نائمة”. ويقول الإنجيل إنهم ” ضحكوا عليه“، وأرجو أن تلاحظوا هنا المهارة العظيمة في التعامل, فرغم أنه عرف جيدًا أنَّ الصبية كانت ميِّتة لكنه قال “إنها لم تمُت، ولكنها نائمة”. ولماذا قال هذا؟ فإنهم ببضحكهم عليه أعطوا اعترافًا واضحًا أنَّ الصبية قد ماتت، لأنه مِن المحتمل أن يكون هناك بعض من تلك الفئة التي كانت دائمًا تقاوم مجده، أولئك الذين يرفضون المعجزة الإلهية ويقولون إ إنَّ الصبية لم تكن قد ماتت بعد، وأنه بإنقاذها من المرض لم يكن هناك شيء فوق العادي فَعَله المسيح. لذلك فلكي ينتزع اعتراف كثيرين أنَّ الصبية قد ماتت قال ” إنها نائمة“،, ولا يستطيع إنسان أن يُقرِّر أنَّ المسيح تكلم بغير الحق, فإإنه بالنسبة إليه إذ هو نفسه الحياة بالطبيعة، ليس هناك شيء ميت، وهذا هو السبب الذي يجعلنا نحن الذين لنا رجاء ثابت في قيامة الموتى، أن نسميهم “الراقدين” لأنهم سيقومون في المسيح، وكما يقول بولس المبارك ” هم يحيون معه ” (رو6: 8). ويعني أنهم سيحييون.

ولكن لاحظوا هذا أيضًا. فكما لو أنه يريد أن يعلِّمنا أن نتجنب المجد الباطل، رغم أننا لن نستطيع بالتأكيد أن نجري مثل هذه الأعمال العجيبة، حينما جاء إلى البيت الذي كانت ترقد فيه الصبية ميتة، فإنه أخذ معه ثلاثة من الرسل القديسين وأبا الصبية وأمها.

والطريقة التي أجرى بها المعجزة طريقة جديرة بالله. فكما يقول الإنجيل، أمسك بيد الفتاة وقال، يا صبية قومي، فقامت في الحال.. ييا لقوة هذه الكلمة، وقدرة الأوامر التي لا يستطيع شيء أن يقاومها! ويا لهذه اللمسة المعطية للحياة، من يده،, تلك اللمسة التي تبيد الموت، والفساد! هذه هي ثمار الإيمان، الذي لأجله أعطى الناموس أيضًا للقدماء بواسطة موسى.

ولكن ربما يقول أحد هنا: ولكن أي إنسان يستطيع أن يرى أنَّ الفرائض التي أمر بها الناموس ليست مثل الإيمان بالمسيح، بل هي مختلفة عنه، لأن الناموس يأمرنا أنّ نقدم ذبائح دموية، والإيمان يرفض كل شيء من هذا النوع، وقد أتى للبشرية بعبادة تُُقدََّم بالروح وبالحق. لأن المسيح نفسه يتكلم في موضع ما بواسطة قيثارة المرنم موجهًا الحديث لله الآب في السماء ” ذبيحة وقربانًا لم ترد، بمحرقات وذبائح للخطية لم تُسر، ولكن هيأت لي جسدًا. ثم قلت هأنذا أجئ في درج مكتوب عني، لأفعل مشيئتك يا الله” (مز39: 6، 7س). لذلك فالتقدمات الدموية لا تنفع، ولكن الرائحة الطيِّبة للعبادة الروحية هي مقبولة تمامًا عند الله. وهذه العبادة لا يستطيع أحد أن يقدمها له إن لم يكن له أولاً ذلك الإيمان الذي هو بالمسيح. ويشهد بولس المبارك لهذا الإيمان، حيث يكتب “ بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه” (عب 11: 6).

لذلك فمن الضروري لنا أن نشرح بأي معنى نحن نقول إ إنَّ الناموس قد أعطى بسبب الإيمان. فإبراهيم المبارك تبرر بالطاعة والإيمان, لأنه مكتوب  أنَّ “ إبراهيم آمن بالله ودُعيَ خليل الله وحُسب له الإيمان برًّا” (يع2: 23). ووعده الله أنه سيكون ِأبًا لأمم كثيرة، وأن كل الأمم ستتبارك فيه، أي بالتمثل بإيمانه. لذلك يمكن أن نرى أنَّ النعمة التي بواسطة الإيمان سابقة على الفرائض التي أمر بها الناموس، إذ أنَّ إبراهيم وصل إلى هذه النعمة بينما كان لا يزال غير مختون. وفيما بعد، بعد فترة من الزمن دخل الناموس على يد موسى. فهل هو يطرح بعيدًا التبرير الذي بواسطة الإيمان، أعني الذي وعد به الله لأولئك الذين يتبعون خطوات إيمان أبينا إبراهيم، الذي كان له وهو لا يزال غير مختتن؟ ولكن كيف يكون هذا صحيحًا؟ لذلك يكتب بولس المبارك “ وإنما أقول هذا إنَّ الناموس الذي صار بعد أربعمائة وثلاثين سنة لا ينسخ عهدًا قد سبق فتمكَّن من الله نحو المسيح، حتى يجعل الموعد الذي أعطى للآباء باطلاً” (غل3: 17). وأيضًا يقول “ هل الناموس ضد مواعيد الله؟ حاشا” (غل3: 21) وبولس الإلهي نفسه يُعلِّمنا الأسباب التي لأجلها دخل الناموس بواسطة خدمة ملائكة، والطريقة التي بها يُدعِّم الإيمان بالمسيح، إذ أنَّ الناموس قد أعطى قبل زمن تجسد الابن الوحيد، وهو يقول مرة إنَّ “ الناموس دخل لكي تكثر الخطية” (رو5: 20). وفي مرة أخرى “ إن الكتاب أَغلق على الكل تحت الخطية” (غل3: 22)، ويقول أيضًا: ” لذلك، فالناموس قد زيد بسبب التعديات” (غل 3: 19).

هل تريدون أن تعرفوا كيف أَغلق الكتاب على الكل تحت الخطية؟ إني سأشرح هذا الأمر بأقصى ما هو في استطاعتي. فالأمم، الذين كانوا حينئذ بدون إله، ولا رجاء لهم، كانوا في هذا العالم كأناس مسجونين في شراك الدناءة، ومعلَّقين في حبال الخطية بلا رجاء في النجاة. ومن الجهة الأخرى كان الإسرائيليون حاصلين على الناموس كمؤدِّب حقًّا، ولكن لم يستطع أي إنسان أن يتبرر بواسطته, فلم تكن أي منفعة من تقديمهم ذبائح دموية عن خطاياهم. وهذا ما يشهد له بولس أيضًا قائلاً ” لأنه لا يمكن أنَّ دم ثيران وتيوس يرفع خطايا” (عب10: 4). إن الناموس هو برهان على ضعف جميع البشر، ولذلك فإإنَّ بولس المبارك يسميه ” خدمة الدينونة” (2كو3: 7). وقد كثُرت الخطية بواسطة الناموس. وذلك ليس كأنه يجعل الإنسان يخطئ، بل بالحري  لأنه يعلن دينونة كل من هو تحت التعدي. لذلك فقد أُعطى الناموس بسبب التعديات، حتى أنه ليس هناك إنسان يستطيع أن يصل إلى حياة بلا لوم، فإن مجئ التبرير الذي بواسطة المسيح يصير أمرًا ضروريًّا تمامًا., فلم يكن هناك طريق آخر يستطيع سكان الأرض أن يهربوا بواسطته من طغيان الخطية.. إذًا فالناموس دخل أولاً لأجل الإيمان، لكي يكشف خطية أولئك الذين كانوا معرَّضين للضعفات. ويثبت أنهم خطاة., لذلك فالناموس, كما لو كان يرسل الناس إلى التطهير الذي في المسيح بواسطة الإيمان. ولهذا السبب كتب بولس المبارك أيضًا: ” إذن قد كان الناموس مؤدِّبنا إلى المسيح… ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدِّب” (غل 2: 24، 25)، لأننا جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع.

إذًا فالإيمان من كل جهة، هو سبب الحياة، وهو الذي يميت الخطية التي هي أُم الموت ومُربِّيته. لذلك كم هو رائع ما قاله المسيح لرئيس مجمع اليهود عندما ماتت ابنته “ لا تخف آمن فقط وهي ستحيا“, لأنه كما قلت، فالمسيح يحيي أولئك الذين يقتربون إليه بإيمان أنه هو الحياة: ” لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد” (أع17: 28), ” وهو سيقيم الموتى في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير” كما هو مكتوب (1كو15: 52). وإذ لنا هذا الرجاء فيه فإننا سوف نصل إلى المدينة التي هي فوق، وسنملك كملوك معه، الذي به ومعه، لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

إقامة ابنة يايرس – إنجيل لوقا 8 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

مقدمة:

تقدم الكنيسة من خلال قراءاتها، المسيح الطبيب الشافى، فى عديد من المناسات، وتكرر هذا حتى يصبح (المسيح) لكل المؤمنين هو طبيبهم الحقيقى، شافى نفوسهم. فعلى سبيل المثال: فى الأحد الخامس من الصوم الكبير (أحد المخلع) تقدمه كشافى لمريض بركة بيت حسدا (يو1:5ـ18)؛ وفى الأحد الأول من شهر بابة (معجزة شفاء المفلوج ـ مر1:2ـ12) تعلمنا أن الإيمان هام وضرورى لمقابلة المسيح الشافى؛ وهكذا من خلال القراءات العديدية التالية نتحدث عن المسيح الطبيب الشافى

1 ـ معجزات الشفاء :

حسب الشواهد الإنجيلية فى قراءات الكنيسة، هناك 6 شواهد سنتحدث عنها توضح أن حضور المسيح وحده، يخلص الإنسان ويشفيه. ولقد أوضح ذلك القديس مقاريوس بقوله إنه : [ لا يستطيع العلم ولا يستطيع غنى هذا العالم أن يشفى نفس الإنسان بل حضور المسيح فقط ][1]. والقديس كيرلس عمود الدين فى عظاته على إنجيل لوقا يؤكد على دور المعجزة فى العمل الخلاصى الذى جاء المسيح ليتممه فالمعجزة أحيانًا تحوّل إلى الإيمان أولئك الذين لم يؤمنوا بالكلمة [2].

(يو1:5ـ18) شفاء مريض بركة بيت حسدا :

يقول القديس أمبروسيوس : [ بسبب أولئك الذين لا يؤمنون كان الماء يتحرك كعلامة تدل على أن الملاك قد نزل. كانت عندهم علامة أما أنتم عندكم إيمان، لأولئك نزل ملاك ولكم أُرسل الروح القدس، لأجل أولئك تحركت المخلوقات، ولأجلكم رب المخلوقات المسيح نفسه يعمل ][3].

(مر1:2ـ12) مفلوج يحمله أربعة :

المعجزة هنا توضح شدة إيمان الشعب بقوة قوة الشفاء الإعجازى التى للمسيح، فبقدر الإيمان يكون الشفاء. لقد أكد المسيح فى المعجزة أن المرض ليس أصلاً من طبيعة الإنسان المخلوق على صورة الله، ولكن لما أخطأ الإنسان نحو الله فقدت طبيعته العناية الحافظة من سلبيات الحياة وأصبح معرض للأمراض. وهنا نرى إيمان المشلول فى إلحاحه على الأربعة الذين حملوه وقدموه للمسيح ، وقوة المسيح فى الشفاء لدرجة اعتبارها أنها قوة خلق جديدة.

(مت5:8ـ13) شفاء عبد قائد المئة :

المسيح يعبّر هنا عن أعمال رحمته الإلهية وعن مشاعر تحننه، فكان انطلاقه نحو بيت قائد المئة ليس عن عجز فى شفاء العبد من بعيد وإنما ليعطينا مثالاً فى الاتضاع[4] فنتمثل به.

(مت21:15ـ28) المرأة الكنعانية :

إن ما صنعته الكنعانية أثبت أن فى قول الرب ” لا تعطوا القدس للكلاب” يعنى أنه ليس عن كل الكلاب يُمنع القدس، فهنا كلاب ناطقة اغتصبت القدس من يد القدوس. إن إيمان المرأة القوى اخترق حدود إسرائيل وملك إسرائيل “ابن داود” وأثبتت أنها على مستوى البنين، حيث كانت حجتها أقوى من طلبها “إن فاض القدس عن المقدسين صار من حق الجائعين”، فهى بذلك ترمز إلى حق الأمم أن يصلوا إلى مستوى حق البنين. إن صمت المسيح هو الذى جعلها تتجرأ وتصرخ وتناديه بلقبه “ابن داود”.

(مت18:9ـ21) شفاء نازفة الدم:

المسيح فى هذا الحادث المفاجئ الذى قطع عليه المسير ـ حيث كان فى طريقه لإقامة ابنة يايرس ـ لا يراجع ولا يعاتب بل يلاطف ويقف، وكأنه كان سائراً فى الطريق لأجل تلك المرأة وليس لإقامة ابنة يايرس. يقول القديس كيرلس: [ حينما فقدت المرأة اليائسة كل رجاء فى البشر … لجأت إلى الطبيب الذى من فوق، من السماء باعتباره هو الذى يستطيع بسهولة وبدون جهد ان يحقق تلك الأشياء التى تفوق قوتنا، وأى شئ يقدره مهما كان فهو يتممه، ولا يوجد ما يستطيع مقاومته… لأنها ربما فكرت داخل نفسها أنه إن كان هو أقوى من الموت، وهو محطم الفساد، فكم بالأكثر يستطيع أيضاً أن يشفيها من المرض الذى أصابها ويغلق بقوته الفائقة ينابيع نزف دمها !.

لذلك اقتربت منه ولمست هدب ثوبه ] [5]. [ولكن هذه المعجزة ] يواصل القديس كيرلس حديثه [ هى موضوع مناسب لإعجابنا، لأن تلك المرأة أُنقذت ، إذ تحررت من حالة من المعاناة مُرة جدًا وغير قابلة للشفاء، وبذلك فنحن نحصل على يقين أكيد أن عمانوئيل هو الله نفسه … لأن كل كائن مخلوق مهما كان، يمنح قوة سواء للشفاء أو ما يماثل ذلك، لا يملك هذه القوة فى ذاته، بل كشيء مُعطى له من الله. لأن المخلوق كل الأشياء هى مُعطاة له، وتتم فيه، ولكن من ذاته لا يستطيع أن يفعل شيئًا. لذلك، كإله قال ” علمت أن قوة قد خرجت منى ” ][6].

2 ـ إقامة الموتى :

(مت18:9ـ26) إقامة ابنة يايرس:

يوجّه القديس كيرلس أنظارنا إلى المسيح وذلك بأن يسأل يايرس عن ماذا يظن فى ذاك الذى يقدم إليه التوسل بإقامة ابنته. فيؤكد القديس كيرلس: [ أن المسيح يملك سلطاناً كاملاً، فهو رب الحياة، وبقرار إرادته الكلية يتمم كل ما يريد. إذ بقوله إنها نائمة يؤكد أنه ليس هناك موت ، وهذا هو السبب الذى يجعلنا نحن الذين لنا رجاء ثابت فى قيامة الموتى، أن نسميهم “الراقدين” لأنهم سيقومون فى المسيح. لأنهم سيقومون فى المسيح، وكما يقول بولس المبارك ” وهم يحيون معه” (رو8:6)] [7].

 

[ والطريقة التى أجرى بها المسيح المعجزة وبحسب رأى القديس كيرلس هى طريقة جديرة بالله. فكما يقول الإنجيل، أمسك بيد الفتاة وقال، يا صبية قومى، فقامت فى الحال. يالقوة هذه الكلمة، وقدرة الأوامر التى لا يستطيع شئ أن يقاومها! ويا لهذه اللمسة المعطية للحياة، من يده، تلك اللمسة التى تبيد الموت، والفساد ][8].

(لو11:7ـ17) إقامة ابن أرملة نايين:

 المسيح هنا يتقدم بدون أن يسأله أحد ويلمس النعش فيتوقف سير الحاملين ويقول للشاب قم فقام. وهكذا أُستعلن المسيح كحامل لسلطان الله على الإقامة من الموت. يقول القديس كيرلس: [ كان الإنسان المسيت فى طريقه للدفن وكان أصدقاء كثيرون يشيعونه إلى قبره. ولكن هناك يقابله الحياة والقيامة وأعنى المسيح نفسه، لأنه هو محطة الموت والفساد. هو الذى ” به نحيا ونتحرك ونُوجد ” (أع28:17). هو الذى أعاد طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه أصلاً.

فهو الذى حرر جسدنا المشحون بالموت من رباطات الموت. لقد تحنن على المرأة ، ولكى يوقف دموعها أمر قائلاً ” لا تبكى ” وفى الحال أبطل سبب بكائها، كيف وبأية وسيلة؟ إنه لمس النعش وبواسطة نطق كلمته الإلهية جعل الذى يرقد ميتًا فى النعش يعود إلى الحياة، لأنه قال: ” أيها الشاب لك أقول قم ” وفى الحال حدث ما أمر به … ويقول الإنجيل ” فجلس الميت وبدا يتكلم فدفعه إلى أمه] [9].

 

3 ـ إخراج الشياطين :

(مت22:12ـ28) مجنون أعمى وأخرس :

[ يقول الكتاب ” أحضروا إليه إنسانًا به شيطان أخرس “. والشياطين الخرساء يصعب على القديسين أن ينتهروها، كما أنها أكثر عنادًا من الأنواع الأخرى، وهى وقحة جدًا، ولكن لا يصعب شئ على إرادة المسيح الكلية القدرة، والذى هو مخلصنا كلنا. فللحال أطلق الرجل، الذى أحضروه إليه، حرًا من الروح النجس الشرير، ومن كان لسانه من قبل مغلقًا بواسطة باب ومزلاج، اندفع مرة أخرى إلى الكلام المعتاد. لأن الإنجيل قال عنه إنه أخرس، كما لو كان بدون لسان، أى بلا نطق، ولم يكن سبب الخرس نقص طبيعى ولكن بسبب عمل الشيطان ] [10].

 فالمسيح هنا يقف كخالق، تجاه الشيطان العدو والمقتحم، وهو بإخراجه الشياطين يُعلن عن مجئ ملكوت الله على الأرض وبين الناس. فهو الأقوى الذى ربط الشيطان ونزع سلاحه “الخطية”، هذا السلاح بصليبه. يقول القديس كيرلس [ إن إصبع الله (مت18:12) يقصد بها الروح القدس، لأن الابن يُسمّى يد الله الآب وذراعه، فالآب يعمل كل الأشياء بالابن، وبالمثل فإن الابن يعمل كل شئ بالروح.

فكما أن الأصبع يمتد إلى اليد، كشيء ليس غريبًا عنها ولكن يختص بها بالطبيعة، هكذا أيضًا الروح القدس، لكونه مساوى فى الجوهر فهو مرتبط فى وحدانية مع الابن رغم أنه ينبثق من الله الآب لأن الابن يعمل كل شئ بالروح المساوى. وهنا المسيح يقول عن قصد إنه يخرج الشياطين بأصبع الله متكلمًا، كإنسان، لأن اليهود بسبب ضعف وغباء ذهنهم لن يحتملوه إذا قال ” إنى بروحى الخاص أخرج الشياطين ” ][11].

 

4 ـ غفران الخطايا :

(لو28:7ـ35) محب للعشارين والخطاة :

[ دُعى المسيح من احد الفريسيين ولأن المسيح شغوف ومحب للبشر “يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون ” (1تى4:2)، وافق ومنحه ما طلب منه. وإذ دخل اتكأ على المائدة، وفى الحال دخلت امرأة مدنسة بالخطايا مثل واحد لا يفيق من الخمر والسكر، وإذ شعرت بذنوبها وتعدياتها قدمت توسلات للمسيح القادر أن يطهرها ويحررها من كل خطية وينقذها من خطاياها السابقة ” لأنه لا يذكر الخطايا والتعديات ” (عب12:8).

وقد فعلت هذا وهى تغسل قدميه بدموعها وتدهنهما بالطيب وتمسحهما بشعر رأسها. مثل هذه المرأة التى كانت فاسقة وزانية ـ وهى خطية يصعب إزالتها ـ لم تفقد طريق الخلاص، لأنها هربت لاجئة إلى الذى يعرف كيف يخلص ويستطيع أن يرفع من أعماق النجاسة ] [12].

 ويسأل القديس كيرلس مَن يلوم المسيح لسيره مع الخطاة والعشارين قائلاً: [ هل أنت تفعل ذلك لئلا يتأثر ـ المسيح ـ بنجاستهم ؟ هل أنت جاهل تماماً بالأسرار الخاصة به ؟ وهى أن الكلمة إذ هو الله صار منا، أى تجسد لأجلنا، وأن الآب أرسله ليخلص به العالم، لأن الذى يريد أن يخلص الناس فإنه يكون معهم ويحثهم ويؤثر عليهم ليتغيروا ويختاروا الطريق المؤدى إلى الحياة الأبدية] [13].

ويواصل القديس كيرلس حديثه ويقول: [ لا تنزعج إذًا حينما تفكر فى عظم خطاياك السابقة، بل بالحرى اعلم أن نعمة الله التى تبرر الخاطى وتفك الشرير هى أعظم. فالإيمان بالمسيح هو عربون لنا لهذه البركات العظيمة، إنه هو الطريق الذى يقود للحياة، وهو الذى يرفعنا إلى ميراث القديسين، والذى يجعلنا أعضاء ملكوت المسيح][14] .

(لو36:7ـ50) المرأة الخاطئة : (الحب يوازن الإيمان)

إن دعوة المسيح إلى التوبة تعنى فى الأساس تغيير الداخل، فالمريض الذى يحتاج إلى شفاء، والميت الذى يحتاج إلى قيامة، والخاطئ الذى يحتاج إلى توبة، يجد لدى المسيح احتياجه كطبيب حقيقى. وكثيراً ما كشف المسيح إن علة مرض النفس والخطية هو محبة الذات، لذلك أصبح إنكار الذات هو أول محاولة لتغيير الإنسان، فالمسيح الذى جاء ليحمل عن الخطاة خطاياهم ويشفى كل مرض وضعف فى الشعب مازال يشفى فى يومنا هذا .

 

[1] عظات القديس مقاريوس الكبير ـ عظة 45 ص334.

[2] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس : ترجمة ونشر مركز دراسات الآباء 1990 ج1 عظة 23 ص140.

3 Nicene and Post – Nicene Fathers vol.10- On the mysteries.

[4] القديس أمبروسيوس In Heb. Hom32:7.

[5] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة 45 ج1 ص263.

6 المرجع السابق : ص 264ـ265.

[7] المرجع السابق عظة 46 ج1 ص269.

8 المرجع السابق ص 269.

[9] المرجع السابق عظة36 ج1 ص191.

10 تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة 80 ج3 ص 65ـ66.

[11] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة81 ج3 ص70.

12 أنظر تفسير إنجيل للقديس كيرلس ج1 ص 219ـ220.

[13] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة39 ج1 ص215.

[14] المرجع السابق ص224.

المسيح الطبيب الحقيقي

Exit mobile version