البابا يرد: المواضيع المثارة حاليا وإجابات البابا وحوار مطول تحدث فيه عن أمور كثيرة

البابا تواضروس: عاتبتُ الله عندما أحرقت الكنائس وحوار مطول تحدث فيه البابا عن أمور كثيرة

– أقول لمتضرري “الأحوال الشخصية”: لن أظلمكم.. والإلحاد ليس سببًا للطلاق.

لم أعترف بـ«دير وادى الريان» ورهبانه “منحرفون.”

تواصلت مع وزير العدل للإفراج عن أطفال “ازدراء الأديان.”

.. ولأول مرة يتحدث عن علاقته الخاصة بوالدته والبابا شنودة.

القوي هو الذي يسامح.. والضعيف لا يستطيع أن يسامح، فالمسامحة ليست سلبية ولكنها “صناعة سلام”.. والكتاب المقدس يقول: “طوبى لصانعي السلام”.

مازلت أبحث عن وسائل أخدم بها أولادي.. ولا أكسر الوصية، واجتمع مع الأساقفة لإيجاد حلول فعالة قوية تخرجنا من الأزمة، ودور الكنيسة مثل دور المسيح وهو البحث عن التائه والتعبان والحزين.

المجلس الملي سيتم تغيير اسمه وتوسيع صلاحياته.. نستعين بالعلمانيين لكن المجمع المقدس لرجال الدين فقط

المسيحيون في مصر غير مضطهدين لكن هناك تضييقا في بعض الأمور.

تفريغ الشرق من المسيحيين ضد إرادة الله وحركة التاريخ.

أسعى لتحديث النظام الإدارى في الكنيسة لتتحول للعمل المؤسسى نسعى لحل مشكلة الطلاق بما لا يخالف وصية المسيح.

جلست بالجلابية الزرقاء سبعة أشهر تحت القبول، وبالجلابية البيضاء سنتين وبعد سنتين وسبعة أشهر أصبحت راهبًا، ولكن في وادى الريان من أول يوم تلبس الجلابية السوداء.

الميديا أثرت على الشباب.. والحكاية بدأت بالتليفزيون.. والمحمول أصبح يتحكم في حياة الإنسان ويخترق خصوصياته في أي لحظة.. وبلا شك كل هذا شوه الطبيعة الإنسانية

 

اختص البابا تواضروس، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، «البوابة نيوز» بحوار صحفي تحدث فيه عن جميع القضايا الكنسية، وعرج على علاقته بالبابا الراحل شنودة، ووالدته، وغيرها من المسائل المهمة.

وبشأن أزمة الزواج الثانى للأقباط، قال: «الكنيسة ستدرس كل حالة على حدة وحسب كل حالة سيتم التعامل»، مضيفًا: “في حالة مثول أي متضرر أمام القضاء سوف يحتكم القاضى إلى شريعة العقد الذي تم به الزواج، وبذلك سيطبق الباب الخاص بكل كنيسة” نافيا أن يكون الإلحاد مدرجا في أسباب الطلاق.

وأشار إلى أنه ستتم مناقشة قانون الأحوال الشخصية في الدورة البرلمانية الثانية بعد قانون بناء الكنائس و”هذا ليس اختيار الكنيسة، لكن ما نصت عليه التوصيات الدستورية للدولة“.

وحول قيام الأنبا بيشوى، أسقف دمياط بالاتفاق مع الكنيسة اللبنانية على وقف منح شهادات تغيير الملة، أكد أنه “كان هناك انحراف في هذه الخطوة، لكن لم يعد أحد في حاجة إلى تغيير الملة، لأنه سيتم الاحتكام إلى شريعة العقد في القانون الجديد“.

وعن أزمة الأطفال المحكوم عليهم بالسجن بتهمة ازدراء الأديان، قال: “قمت بعمل العديد من الاتصالات بالجهات الحكومية، وآخرها كان مع وزارة العدل، ولكن مازلت أبحث في الأمر ولا يوجد هناك جديد“.

وتساءل: «هل يتخيل أحد أنه عندما توجد قضية مثل هذه سنظل ساكتين، أعرف مسئولياتى وواجباتى جيدا ومتفاعل مع المجتمع سواء باستقبال مسئولين لمناقشة المشاكل أو بالاتصال بهم، ونحاول أن نحلها سويا ولنا علاقات مع الرئاسة ورئاسة الوزراء والوزراء والبرلمان، وأقوم بزيارتهم».

وانتقد البابا تقرير البرلمان الأوروبي حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وقال: “مرفوض تماما وده ضد مصر وواضح جدا أنه به انحياز كامل“.

وشدد على أن “مصر طول عمرها بتتعرض للمؤامرات، فمصر محسودة ولكنها محفوظة فهى محسودة ولكنها محفوظة في قلب الله“.

وحول علاقته مع البابا شنودة، أوضح: “قابلت البابا شنودة ثلاث مقابلات شخصية، وكانت أفضل مرة مقابلة أمريكا، جلست مع قداسته أكثر من ساعة.. كانت جلسة شبه تعارف حيث تعرف خلالها البابا الراحل على خدمتى كأسقف في إيبارشية البحيرة من الأنبا باخوميوس». وأضاف: “أهم ما تعلمته منه، قوله الذي أعمل به حتى اليوم، وهو عندما تبدأ العمل في مكان جديد ابحث عن الإيجابيات، فالسلبيات تكسر نفس الواحد والإيجابيات تبنى وتعمر وتجعلك في الأمام“.

 

يسأل المتربصين له “عايزين توصلوا لإيه؟”.. ويكشف عن سر خلافه مع الأنبا مايكل.. وينفى انفصال كنائس بالغرب ويؤكد مصر محسودة ولكنها محفوظة.

 

■ يرى البعض أن التسامح ما هو إلا ضعف وقلة حيلة فما هو تعليق قداستك؟

– القوى هو الذي يسامح والضعيف لا يستطيع أن يسامح، فالمسامحة ليست سلبية ولكنها «صناعة سلام»، والكتاب المقدس يقول طوبى لصانعى السلام، فهناك صناعات بسيطة وصناعات كبيرة معقدة وصناعات صعبة، فصناعة السلام من الصناعات الصعبة.

■ أصبح البعض يتواكل لا يتكل على الله لاغيًا عقله.. كيف ترى هذا؟

الله أعطانا عقولا وهى نعمة من الله لكى نستخدمها، وعدم إعمال العقل يشكل خطورة على الإنسانية.

■ هل هناك اضطهاد للكنيسة؟

كلمة اضطهاد كلمة غير دقيقة وخارج السياق، ففى العصر الرومانى كان هناك اضطهاد بالفعل، ففى التاريخ وخاصة في الإمبراطورية الرومانية كان عصر اضطهاد حيث وقف الإمبراطور الرومانى ليقول «اضطهدوا المسيحيين» وكان يصدر فرمانا بذلك ليطبق على المسيحيين، وهذا لا يحدث اليوم.

ولكن ما نتعرض اليه اليوم هو «التضييق»، والمسيح قال «فالعالم سيكون لكم ضيقًا» وهى كلمة كبيرة، فالضيق يجعل الإنسان يلجأ إلى الله دائما ويعرف أن يد الله تستطيع أن تحل المشكلات، والضيق لا يجعل الإنسان متشبثا بالأرض وينسى السماء.

■ ماذا عن مسيحيي الشرق وتفريغ المنطقة من المسيحيين؟

أولا «الله سيد التاريخ» وهو الذي يقوده وليس البشر، وطبعا ما يتعرض له إخوتنا المسيحيون في العراق أو غيره من البلدان أمر لا يقبله الإنسان، لكن لا شيء يحدث على الأرض إلا بسماح من الله، ودائما يحول الله الضيق لخير، كيف سيحدث هذا لا أحد يعرف.

ولكن من الناحية الإنسانية وعلى الأرض من الخطأ الكبير أن يفرغ الشرق من المسيحيين، لسبب بسيط أن الشرق هو مهد الديانات فليس من المعقول أن يفرغ الأصل من دياناته، فهؤلاء يقفون ضد الله وأمام حركة التاريخ، فالله سمح أن يكون أصل المسيحية في الشرق، فالموضوع غير موجه لبشر بقدر ما هو موجه إلى الله، وماذا سيفعل الله لا نعرف.

 

■ وماذا عمن أصبحوا بلا وطن؟

أزمات إنسانية، عندما أشاهدها في التليفزيون أبكي، فقد أوجعنى مشهد أم في العراق متحيرة ما بين إرضاع صغيرها أو حمل الآخر حتى يستدفئ، فهى مأساة إنسانية بلا شك.

■ أين الله من كل هذه الأزمات؟ وكيف يراها؟

الله موجود ويعطى البشر قلوبا رحيمة لتساعد هؤلاء، فيسمح بآخرين يتعاطفون معهم، فهناك أطباء يقدمون أدوية ومهندسون يقومون بعمل منشآت سريعة، وهناك كثيرون يحاولون خدمة هؤلاء الذين شردتهم الحروب والنزاعات.

■ ما الذي قامت به الكنيسة الأرثوذكسية تجاه اللاجئين؟

أرسلت السكرتير الخاص للعراق، وجلس مع وفد كبير في أربيل وتم تقديم المساعدات ومازلنا نشارك في إرسال المعونات، ونقدم المساعدة لمن نصل إليهم، ونفتح أبوابنا للاجئين داخل مصر.

■ ما هو أكثر موقف أحزنك؟

يوم الاعتداء على الكاتدرائية في إبريل ٢٠١٣ أثناء حكم جماعة الإخوان، ليس لأنها رمز مسيحى فقط، ولكنها رمز مصرى فهى الكنيسة الأم، فقد أوجعنى هذا جدًا.

■ متى شعرت أنك «زعلان من الله»؟

مش زعلان لكن بارفع الصلاة بثقة ويقين أن الله يتدخل.

 

■ متى وقفت أمام الله لتعاتبه؟

موقف حرق الكنائس في أغسطس ٢٠١٤ كان أزمة شديدة عاتبت عليها الله، فتدمير أكثر من مائة منشأة في نفس التوقيت، كان قاسيا ليس علىّ فقط بل على كل مصر، وموقفى وقتها، وبالرغم من وجعي، أن سلامة الوطن كانت أهم، فلا يمكن أن أفكر مجرد تفكير، فالكنيسة جزء من المجتمع وأنا مصرى يهمنى المجتمع كله.

■ متى شعرت أن مسئولية البطريك ثقيلة؟

كل يوم وكل لحظة، أشعر أن مسئوليتى ثقيلة جدًا جدًا، (قالها متنهدًا)، لأنها مسئولية روحية عن كل المسيحيين، ثانيا عن خدمة المصريين، إلى جانب امتداد الكنيسة، فحتى ١٩٥٢ كان كل الأقباط داخل مصر، بعد ذلك بدأت هجرتهم لدول متفرقة حول العالم، فهم متواجدون في ٦٠ بلدا، وحتى يتم الربط بينهم لابد أن يكون هناك بناء مؤسسى فلنا دير في جنوب أفريقيا، ولنا كنيسة في بوليفيا في أمريكا اللاتينية، ونفكر في إنشاء كنيسة في الدومنيكان.

■ ما الذي يحن إليه البابا بين حين وآخر من الماضي؟

أحن إلى أيام الدير فأيام الدير أيام لا تعوض، فأحاول أن أقضى يومين في الدير كل أسبوع، وأقضى وقتى ما بين الصلاة والعمل في لقاءات مع الأساقفة والرهبان.

■ كم مرة تقابلت مع البابا الراحل شنودة الثالث؟

قابلت البابا شنودة ثلاث مقابلات شخصية، وكانت أفضل مرة مقابلة أمريكا، جلست مع قداسته أكثر من ساعة.

■ ما الحديث الذي دار بينكما؟

كانت جلسة شبه تعارف حيث تعرف خلالها البابا الراحل على خدمتى كأسقف في إيبارشية البحيرة من الأنبا باخوميوس.

 

■ ماذا تعلمت من البابا شنودة خلال تلك الجلسة؟

أهم ما تعلمته منه، قوله الذي أعمل به حتى اليوم، وهو «عندما تبدأ العمل في مكان جديد ابحث عن الإيجابيات فالسلبيات تكسر نفس الواحد، والإيجابيات تبنى وتعمر وتجعلك في الأمام».

وهناك موقف آخر فاجأنى، عندما سألته عن أمر يخص خدمة مساعدة مالية تقدمها الكنيسة لكل عروس مقبلة على الزواج، حيث خصص البابا الراحل منذ عشرين عاما خمسة آلاف جنيه كمساعدة تقدم لهن، فسألت قداسة البابا إن كان معى خمسة آلاف فقط وأمامى خمس بنات مقبلات على الزواج، فهل أعطى واحدة فقط خمسة، أم أعطى كل واحدة ألف جنيه. فكانت إجابته مفاجأة لى حيث قال «أعط إحداهن خمسة آلاف وأرسل الأربعة الأخريات لى وأنا سأتكفل بهن».

■ بحلول الذكرى الرابعة لرحيل والدتك ما الذي تشتاق إليه فيها؟

تنهد البابا وقال: والدتى كانت سيدة طيبة وصبورة وجاهدت في الحياة كتير، ترملت وهى في الثلاثينيات من عمرها، وقضت حياتها من أجلنا فكانت مثالا عظيما تابعته كل أيام حياتى. وعندما علمت أنه تم ترشيح اسمى للكرس المرقسي، كانت تصلى إلى الله وتقول له «بلاش» فكان قلبها البسيط يعلم أنها مسئولية كبيرة ومتعبة، فخافت علىّ كأم، ولكن بعد أن اختارنى الله فرحت جدًا وشكرت الله.

■ هل كنت تذهب لحضن والدتك لتبكى بعد أن أصبحت بطريرك؟

لم يكن هناك وقت لأبكى معها فهى رحلت في مارس ٢٠١٤ وأنا كنت بطريرك في ٢٠١٢ فلم نقض سوى سنة ونصف وكان معظمها والدتى بالمستشفى، فلم أذهب يوما لها لأبكى ولكن لنجتر ذكريات الماضى ونضحك معا. وآخر مرة زرتها، وكانت لا تستطيع الكلام، استقبلتنى وودعتنى بتحديق النظر في وجهى متبسمة ابتسامة جميلة. واستقبلت خبر نياحتها وأنا في لبنان أستعد للرجوع، وآلمنى الخبر، ولكن مرضها لفترة طويلة كان قد مهد لى

 

■ لمن يشكو البابا همه؟

أشكو إلى الله، أدخل إلى قلايتى (مكان تعبد الراهب وخلوته) سواء في القاهرة أو الدير فهى أفضل الأماكن بالنسبة لي، حيث السكينة والهدوء، أجلس مع الله ومع نفسي، وأشتكى لربنا، «فالانفراد مع ربنا قمة المتعة للواحد».

■ هل تسعى لتصميم نظام إدارى جديد داخل الكنيسة؟

نعم، لابد أن تعمل الكنيسة ضمن نظام مؤسسى محكم، حتى يتم الربط بين الكنائس على مستوى العالم، وهذا كله يحتاج إلى بناء إدارى قوي، حيث لدينا ٣٠ أسقفا مسئولا عن ٣٠ إيبارشية، يتم التنسيق معهم في الأمور المهمة، فالأسقف مخول بأخذ القرارات داخل الإيبارشية، ويقوم بالتشاور معى كبطريرك حول تلك القرارات باستمرار.

■ ما الذي حققته من إنجازات بالكنيسة، وما هو حلمك للمستقبل لمؤسسة الكنسية؟

لا أفكر في الذي تم ولكنى منشغل بما لابد أن يتم، ومن أهم الأشياء التي أسعى لترسيخها وتقويتها العمل التعليمى اللاهوتي، وتقوية التعليم في الكليات الإكليريكية حتى يكون هناك كهنة متأصلون على نظام تعليمى قوي، وكذلك تقوية الأديرة والتعليم الرهباني، والعمل الدراسى بها، وكذلك الاهتمام بخدمة الأسرة والطفل.

■ هل أصبحت الأسرة همًّا ثقيلا بعد تفاقم أزمة الأحوال الشخصية؟

– «لا تقولى هذا، الأسرة أحلى حاجة»، فمعظم الأسر قوية وناجحة وربت أجيالا ناجحة وصالحة، فنسبة المشاكل في الأسر المسيحية لا تتعدى ٢٪، كل يوم الكنيسة تزوج المئات، ولكن الشيء الشاذ صوته عال.

ولو ولد مائة طفل في قرية واحدة، وانتحر واحد في نفس القرية، فسيصبح حديث الصباح هو حادث الموت الوحيد وليس المائة حالة حياة، فحديثنا سلبى، وحتى وسائل الإعلام ستنقل خبر الموت لا الحياة، والحياه بها نماذج من أسر عظيمة.

■ ماذا سيفعل البابا مع الحالات التي تعانى من أزمة الأحوال الشخصية؟

مازلت أبحث عن وسائل أخدم بها أولادى ولا أكسر الوصية، واجتمع مع الأساقفة لإيجاد حلول فعالة قوية تخرجنا من الأزمة، ودور الكنيسة مثل دور المسيح وهو البحث عن التائه والتعبان والحزين.

وقلت في بداية حياتى البابوية ومازالت أقولها، لن أحتمل أن يقول أحدهم إ«ن الكنيسة ظلمتنى»، فنبحث عن وسائل نخدم بها أولادنا، وفى نفس التوقيت نحافظ على الوصية، وفى سيمنار المجمع المقدس جلسنا لإيجاد الحلول.

والكنيسة بدأت في عمل مراكز المشورة لإعداد المخطوبين للزواج، فالمهندس والدكتور والمعلم يأخذون سنين من الإعداد والتعليم ليتأهلوا ويتخرجوا ليبدأوا العمل، فكيف لا يكون هناك إعداد للزواج.

وهناك دورة ضمت مائة شاب ومائة شابة مخطوبين، لتأهيلهم للزواج، وفى نهاية الدورة أخذ بعضهم قرارا بفك خطوبتهم، فبعد أن درسوا اتضح لهم أنهم غير مناسبين لبعضهم البعض، ويعد هذا مؤشرا إيجابيا، بدلا من أن يتضح ذلك بعد الزواج.

 

■ ما الذي أقره سيمنار المجمع المقدس في قانون الأحوال الشخصية؟

ما أقره السيمنار هو الطلاق في حالة «الفرقة»، فلن نستخدم مصطلح هجر مرة أخرى، حيث تكون لمدة ثلاث سنوات في حالة عدم وجود أطفال، وخمس سنوات في حالة وجود أطفال.

■ هل الطلاق بسبب الفرقة متوافق مع تعاليم المسيح والوصية؟

نعم، لأن الزواج بحسب قول المسيح مبنى على عدد من الخطوات أساسها في آيات بالكتاب المقدس وهى «يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكوّن الإثنين جسدًا واحدًا، وما جمعه الله لا يفرقه إنسان».

وشرح البابا كل خطوة على حدة فقال: الخطوة الأولى «من أجل ذلك يترك الرجل أباه وأمه» أي يترك عائلته الكبيرة، وهذا معناه أنه وصل لدرجة من النضوج كافية ليكوّن عائلة جديدة، والخطوة الثانية «يلتصق بامرأته» وهذا معناه أن يكونا معا في حياتهما، يعيشان مع بعضهما البعض، فقام الزواج على العيش معا، ولكن في حالة أن تحدث مشكلة قد تستمر يوما يومين أو شهرا أو حتى سنة وبعد هذا تنتهى فهذا طبيعي، ولكن أن يفترقا بسبب المشكلة لمدة ثلاث أو خمس سنوات فهنا يكونان قد كسرا عهد الزواج «بأن يكونا معا».

وعن الخطوة الثالثة قال: «يصير الإثنين جسدا واحدا» وهذه هي الوحدة الزوجية أي لا يفترق أي منهم عن الآخر، «وما جمعه الله لا يفرقه إنسان» تعد الخطوة الرابعة وأوضح البابا بقوله إن الآية لها ترتيب فقد يرتضى الطرفان من البداية أن يعيشا معا ويأخذان قرار زواجهما وعليه يجمعهما الله.

متسائلًا كيف يجمعهما الله؟ مجيبا أن الله تمثله الكنيسة وهى التي لها حق منح سر الزيجة، والذي يملك سلطة المنح يملك الفك، فتصلى الكنيسة صلاة الإكليل ويجمع الله بين الإثنين داخل الكنيسة، وعليه لا بد أن تحل الكنيسة هذه الزيجة في حالة تفاقم الأزمة والفرقة.

ولخص البابا ما تم الاتفاق عليه بقوله إن المتضرر يلجأ إلى الكنيسة بعد سنين من الفرقة يأتي، بعد أن يأخذ طلاقا من المحكمة والذي كان في الماضى يأخذ عددا من السنوات لأن القاضى يحكم بالطلاق في حالة الزنا فقط، ولكن بعد إقرار القانون يحكم القاضى بالطلاق بعد أن يتضح أن هناك فرقة، وبهذا تم تسهيل الأمر على المتضرر ثم على القاضى والكنيسة، ويعتبر هذا فكا مدنيا.

وبعد الحصول على الطلاق المدنى يتوجه إلى الكنيسة، فقرار زواجهما جاء منفردا ولكن تممته الكنيسة، ومن ثم لا يكون الانفصال بشق مدنى فقط بل لا بد أن تتممه الكنيسة.

 

■ هل ستسمح الكنيسة بالزواج الثاني؟ ولمن ستمنحه؟

الكنيسة ستدرس كل حالة على حدة وحسب كل حالة سيتم التعامل، وعن من سنعطى تصريح زواج ثانيا هذا أمر أيضا يحتاج إلى دراسة الحالات، فالمحكمة لن تبحث عن أسباب الفرقة.

الزوج هو جمع بين طرفين، والفرقة قد تعرض الطرف الثانى إلى الخطأ وهذا حدث بالفعل، وعرضت علينا العديد من القصص، وخاصة إذا استمر الفراق لسنوات، فهنا لا بد ألا نبحث عن أسباب الفرقة، ولكن عن مفهوم البعد.

مستشهدًا بقصة «مدير عنّف موظفا عنده، والموظف عنف زوجته، والزوجة عنفت طفلتها، والطفلة قتلت قطتها، ففى النهاية الطفلة هي القاتل المباشر ولكن الحقيقة أن الجميع وراء جريمة القتل بما فيهم المدير، فهناك طرف بسبب بعده الطرف الثانى يخطئ، وكل هذا يستوجب فصل الزيجة».

■ هل سيطبق القانون على جميع الكنائس؟

كل كنيسة سوف يكون لها باب خاص بها ولكن ٩٠٪ من القانون سوف يكون مبادئ عامة اتفق عليها الجميع، وفى حالة مثول أي متضرر أمام القضاء سوف يحتكم القاضى إلى شريعة العقد الذي تم به الزواج، وبذلك سيطبق الباب الخاص بكل كنيسة.

■ هل الإلحاد سبب من أسباب الطلاق؟

الإلحاد غير مدرج في التعديل ولن يكون هناك طلاق بسبب الإلحاد.

■ لماذا قام الأنبا بيشوى أسقف دمياط بالاتفاق مع الكنيسة اللبنانية على وقف منح شهادات تغيير الملة؟

كان هناك انحراف في هذه الخطوة، ولكن لم يعد أحد في حاجة إلى تغيير الملة لأنه سيكون الاحتكام بشريعة العقد في القانون الجديد.

 

■ متى ستتم مناقشة قانون الأحوال الشخصية في البرلمان؟

ستتم مناقشة القانون في الدورة البرلمانية الثانية، بعد قانون «بناء الكنائس» وهذا ليس اختيار الكنيسة، ولكن ما نصت عليه التوصيات الدستورية للدولة، حيث نصت أنه في أول انعقاد للبرلمان تتم مناقشة «قانون بناء الكنائس» فهذا ما حددته الدولة، وعليه نقوم بالمطالبة بمناقشة القانون الثانى.

■ أزمة وادى الريان أزمة كاشفة لعدد من التساؤلات لماذا هذا الإقبال العالى من الرهبان للعيش في الريان؟

الرهبنة نظام لا يقدر عليه كل إنسان ويحتاج نفوسا خاصة، ودخول الدير ليس شيئا بسيطا، فلا بد أن يمر طالب الرهبنة بعدد من الاختبارات، ومن الممكن بعد مروره باختبار أو اثنين، يثبت أنه لا يصلح ولا يستطيع أن يستكمل المسيرة، فالرهبنة أمر اختيارى ولكنه صعب وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نحن لدينا العديد من الأديرة، ويتم الاعتراف بأديرة كل عام سواء للولاد أو للبنات، وهذا يساعد من يحب أن يدخل الرهبنة أن يلتحق بها.

وشدد أن الرهبنة لها نظام، فالبابا رئيس الأديرة والرهبان، ويعاوننى أسقف مسئول شئون الرهبان والراهبات من الناحية الصحية والعلمية والإدارية، وثالثا لجنة شئون الأديرة والرهبنة، وهى لجنة تضم الأساقفة رؤساء الأديرة، وكل شيء له نظام ومن يكسر هذا النظام لا يستحق أن يكون راهبا.

أنا جلست بالجلابية الزرقاء سبعة أشهر تحت القبول، وبالجلابية البيضاء سنتين وبعد سنتين وسبعة أشهر أصبحت راهبا، ولكن في وادى الريان من أول يوم يلبس الجلابية السوداء وهذا ضد قانون الرهبنة وهذه الطريقة فيها خطورة على الرهبنة.

أكبر وأقدم دير عندنا لا يتعدى رهبانه ١٤٠ راهبا، وهناك أديرة لا يتعدى عدد رهبانه العشرة، فكيف في خمس سنوات يصبح عدد الرهبان في دير وادى الريان ١٤٠ راهبا، هذا يعنى أن هناك شيئا خطأ.

والأصعب أن يقبل كل هذا العدد بدون الرجوع للكنيسة، فحتى اليوم الأديرة عندما تنوى رسامة راهب ترسل لى خطابا مفصلا، عن الشخص وصفاته وأنه تم اختباره لمدة معينة من الزمن والتأكد من صلاحه للرهبنة، ومن ثم أوقع على الموافقة وأرسل لهم الرد، يرفق معه شهادة رسمية لرئيس الدير المعترف به أن يرسم هذا الشخص، فالرهبنة ليست إطلاق لحية ولباس جلباب أسود، فالمكان غير معترف به ولا من فيه معترف بهم.

 

■ أذيع أن قداستك اعترفت بالدير وبعد اندلاع الأزمة تراجعت؟

لم اعترف بالدير ولكن ما حدث أنه بعدما أصبحت بطريرك ب ١٣ يوما، أرسل شيخ المطارنة وأكبر مطران بالكنيسة الأرثوذكسية لى خطابا ليقدم إلىّ وزارة البيئة فقمت بالتوقيع عليه، «أقدم مطران لبطريرك عمره ١٣ يوما على الكرسى البابوى» فاحترامى له جعلنى أوقع على الورقة.

هذا المستند الذي وقعت عليه، لم يكن اعترافا بالدير، فأنا لا يمكننى أن اعترف بدير، فهذا قرار منوط بالمجمع المقدس، والمجمع لم يعترف بالدير، ولكن هذا الخطاب كان للبيئة لأن المكان محمية طبيعية.

■ كانت تصريحات قداستك أنهم ليسوا رهبان مع أنه من بينهم رهبان حقيقيون.. فما هو تعليقك؟

الدير به ١٤٠ راهبا في بداية الأزمة، وعندما بدأت المشاجرات داخله لم يتحمل الرهبان الأتقياء أن يبقوا بداخل الدير، فلجأوا لبعض الأساقفة، وبعدما تواصلت معهم قمت بتوزيع ٨٠ راهبا على أديرة مختلفة، ليستكملوا حياتهم الرهبانية في أديرة حقيقية، ومع المتابعة سوف أقوم بنفسى برسامتهم.

■ لماذا لم يتم تسجيل الزى الكهنوتي؟

طالبت أكثر من مرة من الدولة تسجيل الزى الكنسي، ولكن للأسف رفضت، وأنا ما زالت أطالب بتسجيل الزى الكهنوتى، فقد قمت بعمل ملف به صورة لكل زى سواء للراهب أو البطريرك.

■ تقوم الرهبنة على التجريد وعدم الامتلاك فلماذا يقف رهبان الريان يدافعون عن الدير على أنه من ممتلكاتهم؟

رهبان وادى الريان انحرفوا عن الرهبنة، هو أنا لو لبست بلطوا أبيض وسماعة هل هذا يعنى أنى دكتور، الزى الخارجى ليس له معنى، ولا يعنى شيئا.

 

■ العديد من الأديرة بها مشروعات ضخمة فكيف يتم صرف الأموال والتعامل معها؟

كل دير به عدد من الرهبان، وثلث حياة الراهب لا بد أن تكون عملا وثلث قراءة صلاة، وهذا يعنى أن هناك ثلثا للعقل وهو القراءة، وثلثا للقلب وهو الصلاة، وثلثا للعمل وهى اليد، فلا بد أن يعمل الراهب، ففى الأديرة كل الأعمال من مخطوطات ومكتبات وزراعة وصناعة.

وأنا في بداية رهبنتى كنت مسئولا عن استقبال الزوار، وبعدها قمت بالعمل في المطبخ وكنت لا أعرف شيئا عن الطبخ، وكنت أجهز الطعام للرهبان والضيوف، وقال ضاحكا «أول أكلة عملتها في الدير كانت البصارة»، وقال متهكما طلعت بصارة خالص، وفى وقت آخر كنت مسئولا عن الصيدلية بحكم دراستى.

والأعمال تتطور، فمع الزراعة جاء تصنيع زراعي، فبعد أن يزرع الزيتون لماذا لا يتم تخليله وبيعه كمنتج للمجتمع، أو عمل المربي، فأصبحت الأديرة لها إنتاجات تخدم المجتمع الذي نعيش فيه، ومن ناحية أخرى تخدم الراهب فلا يمكن أن يكون الراهب عالة على المجتمع، فهذا يجعله يساهم في نمو الاقتصاد الوطني، ولكل دير وحدة مالية صغيرة وهناك راهب مسئول عن تلك الإدارة المالية، والتي يصب فيها كل إيرادات الدير من صناعته.

وهناك نظام للصرف، حيث يقوم الراهب بتقديم طلب لشراء أسمدة أو معدات أو خلافه، فيأخذ أموال عمله من الدير وهكذا، ويصنع ويقدم إنتاجا، وكل دير يوسع من مشروعاته، فهناك دير في البحر الأحمر، ولأنه قريب من المناطق السياحية يقوم بتفصيل ملابس، وهناك دير للراهبات وبحكم تخصص إحداهن في صناعة العطور، يقوم الدير بتصنيعها وبيعها فالتنوع والعمل شيء أساسى في حياة الراهب.

وجزء من ناتج كل دير يتم صرفه لمساعدة الفقراء في المنطقة المحيطة به، فهناك دير قام بإنشاء مدرسة وما زال يصرف عليها.

 

■ هل هناك اتجاه داخل الكنيسة لتأسيس الرهبنة العاملة «مكرس يخدم المجتمع» لا يريد أن يعيش بين أسوار الدير؟

الرهبنة القبطية رهبنة صلاة، يعنى داخل الدير، ولكن بعضهم نرسمهم كهنة ونرسلهم للخدمة بالكنيسة بداخل مصر أو خارجها، والتي تخدم المجتمع، ولكن لا بد أن يبدأ حياته بالدير ويصلى.

والراهبات أيضا للصلاة داخل الدير، ولكن تم عمل نظام مواز ليصبح هناك مكرسات تعملن في المجتمع وهن مكرسات، وأصبح لدينا عدد كبير من المكرسات «عايزة تعيش الحياة الرهبانية ولكن تخدم المجتمع»، والمكرسون الأولاد ترسمهم الكنيسة شمامسة.

■ هناك لوم وجه لقداستك أنك لم تدافع على الأطفال المحكوم عليهم بالسجن بتهمة ازدراء الأديان؟

ليس كل شيء أعمله لا بد أن أعلن عنه، فقد قمت بعمل العديد من الاتصالات بالجهات الحكومية، وآخرها كان مع وزارة العدل ولولا الأزمة الأخيرة التي عطلتنا كثيرا، ولكن ما زلت أبحث في الأمر ولا يوجد هناك جديد.

■ هل يتخيل أحد أنه عندما يكون هناك قضية مثل هذه أننا ساكتين، أعرف مسئولياتى وواجباتى جيدا ومتفاعل مع المجتمع سواء باستقبال مسئولين لمناقشة المشاكل أو بالاتصال بهم، ونحاول أن نحلها سويا ولنا علاقات مع الرئاسة ورئاسة الوزراء والوزراء والبرلمان، وأقوم بزيارتهم.

فالبابا داخل الكنيسة مختلف عن الوزير الذي كان يسعى لأن يصل إلى هذا المنصب، ولكن البابا لم يسع ولم يخطط لأن يكون بطريركا، هناك اختلاط بين مفاهيم العالم ومفاهيم الكنيسة فالمدير أو الوزير كان يسعى لأن يصل إلى المنصب لكن الكنيسة مفيهاش كده، البابا لم يسع لمنصب، ولم أرشح نفسى أو اختارت نفسى أو عملت دعاية.

■ هناك ظاهرة جديدة وهى تقديم الكهنة لاستقالاتهم.. فما هو تفسيركم لهذه الظاهرة؟

حرية الاستقالة حق لكل إنسان، قاطعته «ولكن هذا عمل كهنوتى» فأجاب الكهنة والأساقفة عملهم لنهاية العمر، ولكن فرضا أن هناك كاهنا أو أسقف لظروف ما طلب أن يستريح فهذا حقه، ومثال على ذلك كان كاهنا يعيش في مصر وكان له ثلاث بنات تزوجن جميعهن بأمريكا خارج البلاد ورحلت زوجته فأصبح كاهنا وحيدا، وجاءت بناته لتقديم طلب لى بأن يستقيل أبيهن ليقضى نهاية عمره في وسطهن، هنا لا أستطيع أن أقول لا، وعليه تمت استقالته وأصبح يعيش وسط بناته فالكنيسة مرنة مع الظروف الإنسانية.

 

■ ما خلاف قداستك مع الأنبا مايكل؟ وانفصال بعض الكنائس؟

لا يوجد خلاف شخصى بينى وبين الأنبا مايكل على الإطلاق، فنيافته تمت رسامته أسقفا بيد البابا الراحل شنودة الثالث، عام ٢٠٠٩ وكانت وصارت علامات استفهام عن ما هي مسئوليات الأنبا مايكل «بيعمل إيه» وحاولت بلطف حل هذه الأزمة بتشكيل عدد من اللجان، لكن لم أجد مساعدة من طرفه فأصبح الموضوع مجمدا.

ثانيا لا توجد كنائس تنفصل، ولكن يظن أن استخدام الكنيسة للغة ثانية بمثابة انفصال وهذا ليس صحيحا، وأن الكنيسة التي ليس بها لغة عربية معناها أنها انفصلت، ولكن من الطبيعى لكنيسة في أمريكا أن تتحدث اللغة الإنجليزية، وخاصة الأجيال الجديدة، فهى في النهاية هي كنيسة مصرية على أراض أمريكية، ومعظم روادها من الأجانب.

مشيرا إلى أن الخولاجى «كتاب الصلوات» به نهر قبطى ونهر عربى ونهر بلغة البلد الذي به الكنيسة منها إنجليزى وألمانى والعديد من اللغات، وفى كنيا قبطى وسواحيلى ولا يوجد عربي، وكل ما يردد عن الانفصال مجرد شائعات.

■ ما تعليقك على تقرير البرلمان الأوروبي والذي جاء صادما للمصريين؟

مرفوض تماما، وده ضد مصر، وواضح جدا أن به انحيازا كاملا.

■ هل مصر تتعرض لمؤامرة؟

مصر طول عمرها بتتعرض للمؤامرات، «فمصر محسودة ولكنها محفوظة في قلب الله».

■ ما موقف الكنيسة تجاه موجة الإلحاد؟

الميديا أثرت على الشباب، والحكاية بدأت بالتليفزيون، لأن هذا الجهاز أصبح يتحكم في حياة الإنسان ويخترق خصوصياته في أي لحظة، وبلا شك كل هذا شوه الطبيعة الإنسانية، وبعد هذا بدأ يظهر الإلحاد والزواج المثلى والشذوذ وعبادة الشيطان وبيع المرأة والأطفال وتجارة الأعضاء والسلاح والمخدرات والبحث عن الموضة، وهذا كله جعل الإنسانية تنفك وتهدم.

ودور المؤسسات الدينية والإعلامية حفظ المبادئ والأخلاق، وإعادة الإنسانية لإنسانيتها، وأنصح الشباب بالتمسك بالمؤسسة الكنسية، وأن يعيش بالوصية، ويفهم الكيان الأسرى ويحفظ نفسه داخل الأسرة، فنحن تسلمنا المبادئ العظيمة من أسرنا، فالأسرة أساس المجتمع.

 

■ استعنتم في سينمار المجمع المقدس الأخير بعلمانيين متخصصين في مجالات مختلفة للأخذ بنصائحهم.. فلماذا لا يضم المجمع عددا من العلمانيين؟

لا طبعا، لأن المجمع هو مجمع الأساقفة الأكليروس، وهم المسئولون عن إدارة الكنيسة، ولا يوجد لدينا هذا الفكر، ولكن كل إيبارشية لها مجلس أراخنة يتعاون معهم بهم الأسقف، وبها مجلس ملى وأمناء خدمة وكلهم من العلمانيين.

■ هل هناك مجلس ملى للكنيسة أم لا؟

عندنا مجلس ملى منتهية دورته، ولكن بعض الأعضاء يقومون ببعض المهام، وتم عقد اجتماع مع مجلس ملى القاهرة، ونفكر في تغيير الاسم فكلمة «الملى» غير مقبولة، وسيتم تقديم الاسم الجديد للدولة لأخذ الإجراءات القانونية.

■ وهل سيتم التوسع في مهامه وخاصة أنها أصبحت غير مجدية؟

المجلس الملى يدير بعض أملاك البطريركية وسيتم توسيع عمله، ليشرف على مدارس ومستشفيات تابعة للكنيسة، وعمل لائحة جديدة للمجلس بعد تغيير اسمه.

■ منذ أن اعتلى البابا الكرسى المرقسى حرص على إصدار عدد من اللوائح المنظمة للعمل الكنسى.. فما هي اللوائح الجديدة التي يسعى البابا لعملها؟

أنوى عمل لائحة للشمامسة ولائحة أخرى تنظم العمل في القنوات التليفزيونية، خاصة بعد انطلاق قناة «كوجى» للأطفال.

المصدر: البوابة نيوز

شرح عقيدة الثالوث Trinity doctrine explained – الأنبا بيشوي

شرح عقيدة الثالوث Trinity doctrine explained – الأنبا بيشوي

شرح عقيدة الثالوث Trinity doctrine explained – الأنبا بيشوي

الثالوث القدوس – دراسة دائرة المعارف الكتابية

وحدانية الجوهر وتمايز الأقانيم فى الثالوث :

  • الآبـــــ : هو الله من حيث الجوهر وهو الأصل من حيث الأقنوم.

  • الابن : هو الله من حيث الجوهر وهو المولود من حيث الأقنوم.

  • الروح القدس: هو الله من حيث الجوهر وهو المنبثق من حيث الأقنوم.

الأقانيم تشترك معاً فى جميع خواص الجوهر الإلهى الواحد وتتمايز فيما بينها بالخواص الأقنومية.

فالآب  : هو الأصل أو الينبوع فى الثالوث، هو أصل الجوهر وأصل الكينونة بالنسبة للأقنومين الآخرين.

والابن : هو مولود من الآب ولكنه ليس مجرد صفة بل أقنوم له كينونة حقيقية، وغير منفصل عن     الآب لأنه كلمة الله.

والروح القدس : هو ينبثق من الآب ولكنه ليس مجرد صفة بل أقنوم له كينونة حقيقية وغير منفصل عن الآب لأنه روح الله.

  • وفيما يلى بيان بالخواص الأقنومية للأقانيم الثلاثة وبأمثلة من الخواص الجوهرية التى لا يختلف أى أقنوم فيها عن الآخر. ولكنها كألقاب تتناسب مع كل أقنوم بحسب خاصيته :
الثالوث القدوس الآب الابن الروح القدس

            الخواص

الخواص    الأقنومية

الجوهرية

والد وباثق

الأبوة

مولود

البنوة

منبثق

الانبثاق

حق

الحقانى

(ينبوع الحق)

الحق

(يو8: 32،يو 14: 6، رؤ3: 7)

روح الحق

 (يو14: 17، يو15: 26، يو16: 13، 1يو4: 6)

عقل

 

العاقل

(ينبوع العقل)

العقل (المولود) = الكلمة (يو1:1)

= اللوغوس= العقل منطوق به

روح العقل

انظر روح الفهم أش11: 2

حكمة

الحكيم

(رو16: 27،يهوذا25)

 

الحكمة (أم3: 19، أم8: 12،

1كو1: 24، كو2: 3،رؤ5: 12)

روح الحكمة

(حك6:1، أش11: 2، أف1: 17)

 

محبة

(1يو4: 8)

المحب

(يو 17 : 24)

المحبة

(1يو 3 :16)

روح المحبة

(2تى1 :7 )

حياة

الحى

(حز5: 11،مت16:16، يو6: 57،رو14: 11)

الحياة

(يو11: 25، يو14 :6)

روح الحياة

(رو8 :2)

قوة

القوى

(مت6: 13،رؤ18 :8)

القوة

(1كو1: 24،رؤ5: 12)

روح القوة

 (أش11: 2،مى3: 8، 2تى7:1)

الفهم

الفهيم

(أى12: 16،

 إش28: 29)

الفهم

(أم8: 14) وأيضاً أنظر الرسالة 3: 65 ضد الأريوسية للقديس أثناسيوس

روح الفهم

(أش11 :2)

  • قال القديس أثناسيوس :

[Neither can we imagine three Subsistences separated from each other, as results from their bodily nature in the case of men, lest we hold a plurality of gods like the heathen. But just as a river, produced from  a well, is not separate, and yet there are in fact two visible objects and two names, For neither is the Father the Son, nor the Son the Father. For the Father is Father of the Son, and the Son, Son of the Father, For like as the well is not a river, nor the river a well, but both are one and the same water which is conveyed in a channel from the well to the river, so the Father’s deity passes into the Son without flow and without division.  For the Lord says, ‘I came out from the Father and am come’ (John 16: 28). But He is ever with the Father, for He is in the bosom of the Father, nor was ever the bosom of the Father void of the deity of the Son].[1]

{يجب علينا ألا نتصور وجود ثلاثة جواهر منفصلة عن بعضها البعض فى الله -كما ينتج عن الطبيعة البشرية بالنسبة للبشر- لئلا نصير كالوثنيين الذين يملكون عديداً من الآلهة. ولكن كما أن النهر الخارج من الينبوع لا ينفصل عنه، وبالرغم من ذلك فإن هناك بالفعل شيئين مرئيين واسمين. لأن الآب ليس هو الابن، كما أن الابن ليس هو الآب، فالآب هو أب الابن، والابن هو ابن الآب. وكما أن الينبوع ليس هو النهر، والنهر ليس هو الينبوع، ولكن لكليهما نفس الماء الواحد الذى يسرى فى مجرى من الينبوع إلى النهر، وهكذا فإن لاهوت الآب ينتقل فى الابن بلا تدفق أو انقسام. لأن السيد المسيح يقول “خرجت من الآب” وأتيتُ من عند الآب. ولكنه دائماً أبداً مع الآب، وهو فى حضن الآب. وحضن الآب لا يَخْلُ أبداً من الابن بحسب ألوهيته}.

الآب هو الينبوع الذى يتدفق منه بغير انفصال الابن الوحيد بالولادة الأزلية قبل كل الدهور. وكذلك الروح القدس بالانبثاق الأزلى قبل كل الدهور.

الآب هو الحكيم الذى يلد الحكمة ويبثُق روح الحكمة.

والآب هو الحقانى الذى يلد الحق (يو14 :6) ويبثُق روح الحق (يو15 :26).

الحكمة هو لقب لأقنوم الابن المولود من الآب الحكيم.

والحق هو لقب لأقنوم الابن المولود من الآب الحقانى.

والكلمة (اللوغوس ) أى (العقل منطوقاً به) هو لقب لأقنوم الابن المولود من الآب العاقل.

والخواص الجوهرية جميعاً ومن أمثلتها الحكمة والحق والعقل والحياة.. يشترك فيها الأقانيم معاً فالحق مثلاً هو خاصية يشترك فيها الأقانيم جميعاً. فالآب هو حق من حيث الجوهر، والابن هو حق من حيث الجوهر، والروح القدس هو حق من حيث الجوهر.

أما من حيث الأقنوم فالآب هو الحقانى (أى ينبوع الحق)، والابن هو الحق المولود منه، والروح القدس هو روح الحق المنبثق منه.

من يستطيع أن يفصل الحقانى عن الحق المولود منه؟!

ومن يستطيع أن يفصل الحكيم عن الحكمة ؟.. إن الحكمة تصدر عن الحكيم تلقائياً كإعلان طبيعى عن حقيقته غير المنظورة.

إننا نعرِف الحكيم بالحكمة، ونعرف العاقل بالعقل المنطوق به، ونعرف الحقانى بالحق الصادر منه.. وهكذا.

الابن يُعلن لنا الآب غير المنظور ونرى فيه الآب، والروح القدس يلهمنا بطريقة خفية غير منظورة عن الآب والابن.

الابن دُعى ابناً لأنه “هو صورة الآب” (انظر كو1: 15).

والروح القدس دُعى روحاً لأنه يعمل دون أن نراه ومن ألقابه أنه هو روح الحق وأنه هو المعزّى comforter الذى يريح قلب الإنسان، ويمنحه عطية السلام والمصالحة مع الله.

  • وقد أكّد القديس أثناسيوس الرسولى أن الابن له كل خواص الآب الجوهرية، ولا تمايز بينهما إلا بالخاصية الأقنومية؛ وهى أن الآب ينفرد بالأبوة والابن ينفرد بالبنوة. أى أن كل صفات الآب هى للابن ما عدا أن الآب هو آب وأن الابن هو ابن. فقال فى مقالته الثالثة ضد الأريوسية الفقرة رقم 4 ورقم 5 :

 [And so since they are one, and the Godhead itself one, the same things are said of the Son, which are said of the Father, except His being said to be Father…For ‘all things,’ says the Son Himself, ‘whatsoever the Father hath, are Mine;’ and again, ‘And Mine are Thine’… and why are the attributes of the Father ascribed to the Son, except that the Son is an Offspring from Him?].[2]

 {ولأن اللاهوت واحد فى الآب والابن، فإنه نشأ عن ذلك بالضرورة أن كل الصفات التى تقال عن الآب قيلت هى بعينها عن الابن، إلا صفة واحدة وهى أن الآب أب.. لأن الابن نفسه يقول عن ذاته (مخاطباً الآب) “كل ما هو لى فهو لك، وما هو لك فهو لى” (يو17: 10).. ثم لماذا تنسب صفات الآب للابن؟ إلا لكون الابن هو نبع من الآب}.

  • وقال القديس أثناسيوس أيضاً فى نفس المقالة الفقرة رقم 65 :

[The Son of God then, He is the ‘Word’, and the ‘Wisdom;’ He is the ‘Understanding’ and the ‘Living Counsel’; and in Him is the ‘Good pleasure of the Father;’ He is ‘Truth’ and ‘Light’ and ‘Power’ of the Father].[3]

 {إذن، فابن الله هو “الكلمة” و “الحكمة”، هو “الفهم” و”المشورة الحية” وفيه تكمن “مسرة الله الآب”؛ هو “الحق” و “النور” و “القدرة” التى للآب}.

  • كذلك القديس غريغوريوس النازينزى (الناطق بالإلهيات) قد أكّد أيضاً أن الآب والابن لهما نفس الصفات جميعاً ماعدا اللامولودية والمولودية وذلك لأن الصفات الإلهية هى واحدة للآب والابن ويتمايزان فقط بالأبوة والبنوة. فقال فى عظته اللاهوتية الخامسة :

[Christ.. What great things are there in the idea of God which are not in His power? What titles which belong to God are not applied to him, except only Unbegotten and Begotten? For it was needful that the distinctive properties of the Father and the son should remain peculiar to Them, lest there should be confusion in the Godhead Which brings all things, even disorder itself, into due arrangement and good order. ] [4]

{ المسيح.. أى من الأشياء العظيمة التى يمكن لله أن يعملها ولا تكون فى استطاعته، وأى من الأسماء تطلق على الله، ولا تطلق عليه، ما عدا “اللامولود والمولود”، لأنه كان من الضرورى أن الخصائص المميزة للآب والابن تظل خاصة بهما، حتى لا يكون هناك اختلاط فى الألوهة، التى تجعل كل الأشياء، وحتى غير المنتظمة، فى ترتيب ونظام حسن}.

  • وأيضاً شرح القديس باسيليوس الكبير معنى تمايز الأقانيم مع وحدانية الجوهر كما يلى فقال:

]Worshipping as we do God of God, we both confess the distinction of the Persons, and at the same time abide by the Monarchy. We do not fritter away the theology in a divided plurality, because one Form, so to say, united in the invariableness of the Godhead, is beheld in God the Father, and in God the Only begotten. For the Son is in the Father and the Father in the Son; since such as is the latter, such is the former, and such as is the former, such is the latter; and herein is the Unity. So that according to the distinction of Persons, both are one and one, and according to the community of Nature, one. How, then, if one and one, are there not two Gods? Because we speak of a king, and of the king’s image, and not of two kings. The majesty is not cloven in two, nor the glory divided. The sovereignty and authority over us is one, and so the doxology ascribed by us is not plural but one; because the honor paid to the image passes on to the prototype. [ [5]

{فى عبادتنا لإله من إله، نحن نعترف بتمايز الأقانيم (الأشخاص)، وفى نفس الوقت نبقى على المونارشية (التوحيد). نحن لا نقطِّع اللاهوت إلى تعدد منقسم، لأن شكلاً واحداً، متحداً فى اللاهوت غير المتغير، يُرى فى الله الآب وفى الله الابن الوحيد. لأن الابن هو فى الآب، والآب فى الابن، لأنه كما الأخير هكذا هو الأول، وكما هو الأول هكذا هو الأخير، وبهذا تكون الوحدة. حتى أنه وفقاً لتمايز الأقانيم (الأشخاص)، فإن كليهما هما واحد وواحد، ووفقاً لوحدة الطبيعة فإنهما واحد. كيف إذن، إن كانا واحد وواحد لا يكون هناك إلهين؟ ذلك لأننا حينما نتكلم عن الملك وصورة الملك لا نتكلم عن ملكين. فالجلالة لم تشق إلى اثنين، ولا المجد انقسم. السيادة والسلطة فوقنا (علينا) هى واحدة، هكذا فإن التمجيد الذى ننسبه إليهما ليس متعدداً بل واحداً، لأن الكرامة المقدمة إلى الصورة تصل إلى النموذج الأصلى (الأصل)}.

]For after saying that the Son was light of light, and begotten of the substance (essence) of the Father, but was not made, they went on to add the homoousion,  thereby, showing that whatever proportion of light any one would attribute in the case of the Father will obtain also in that of the son. For very light in relation to very light, according to the actual sense of light, will have no variation. Since then the Father is light without beginning, and the son begotten light, but each of Them light and light; they rightly said “of one substance, (essence)” in order to set forth the equal dignity of the nature.[ [6]

{لأنهم (أى واضعى قانون الإيمان) بعدما قالوا أن الابن هو نور من نور، ومولود من نفس جوهر الآب، ولكن ليس مصنوعاً، أضافوا الهومو أوسيون homoousion (بمعنى “له نفس الجوهر”). وبذلك أظهروا أن أى نسبة من النور ينسبها إنسان إلى الآب سوف يستخدمها أيضاً للابن. لأن النور نفسه فى علاقته بالنور نفسه، وفقاً للمعنى الفعلى للنور، لن يكون فيه أى اختلاف. إذن حيث أن الآب هو نور بلا بداية والابن هو النور المولود، لكن كلٍ منهما هو نور فإنهما نور ونور، فهم محقون فى قولهم “له نفس الجوهر” ليبينوا مساواة الكرامة التى للطبيعة”}.

  • أما عن كون الآب هو الينبوع الذى منه تتدفق الحكمة والحياة مثلما يتدفق الحق والقوة والقدرة، فقد شرح القديس أثناسيوس ذلك باستفاضة فى مقالته الأولى ضد الأريوسية شارحاً أن الابن هو الحياة والحكمة المتدفقة من الآب كينبوع والد للابن :

[If God be, and be called, the Fountain of  wisdom and life-as He says by Jeremiah, ‘they have forsaken Me the Fountain of living waters;’ and again, ‘A glorious high throne from the beginning, is the place of our sanctuary; O Lord, the Hope of Israel, all that forsake Thee shall be ashamed, and they that depart from Me shall be written in the earth, because they have forsaken the Lord, the Fountain of living waters;’ and in the book of Baruch it is written, ‘Thou hast forsaken the Fountain of wisdom,’ – this implies that life and wisdom are not foreign to the Essence of the Fountain, but are proper to It, nor were at any time without existence, but were always. Now the Son is all this, who says, ‘I am the Life,’ and ‘I Wisdom dwell with prudence.’ is it not then irreligious to say ‘Once the Son was not?’ for it is all one with saying, “Once the Fountain was dry, destitute of Life and Wisdom.’ But a fountain it would then cease to be; for what begetteth not from itself, is not a fountain.] [7]

{ إن كان يقال عن الله أنه ينبوع حكمة وحياة كما جاء فى سفر أرميا “تركونى أنا ينبوع الماء الحى” (أر2: 13) وأيضاً “أن عرش المجد ذو المكانة الرفيعة هو موضع مقدسنا أيها الرب رجاء إسرائيل كل الذين يتركونك يخزون والمتمردون عليك فى تراب الأرض يكتبون لأنهم تركوا الرب ينبوع الحياة” (أر17: 12، 13). وقد كتب فى باروخ أنكم قد هجرتم ينبوع الحكمة (باروخ3: 12) وهذا يتضمن أن الحياة والحكمة لم يكونا غريبين عن جوهر الينبوع بل هما خاصة له (خواص له)، ولم يكونا أبداً غير موجودتين، بل كانا دائماً موجودين. والآن فإن الابن هو كل هذه الأشياء وهو الذى يقول “أنا هو الحياة” (يو14: 6) وأيضاً “أنا الحكمة ساكن الفطنة” (أم8: 12) كيف إذاً لا يكون كافراً من يقول “كان وقت ما عندما لم يكن الابن فيه موجوداً لأن هذا مثل الذى يقول تماماً كان هناك وقت كان فيه الينبوع جافاً خالياً من الحياة والحكمة. ولكن مثل هذا الينبوع لا يكون ينبوعاً، لأن الذى لا يلد من ذاته (أى من نبعه الخاص) لا يكون ينبوعاً}. (المقالة الأولى ضد الأريوسية ف6 : 19)

[Thus it belongs to the godhead alone, that the Father is properly father, and the Son properly son, and in Them, and Them only, does it hold that the Father is ever Father and the Son ever Son.][8]

 { فيما يخص اللاهوت وحده فإن الآب هو أب بصفة مطلقـة والابن هو ابن بصفة مطلقـة، وفى    هذين وحدهما فقط يظل الآب أب دائماً والابن ابن دائماً} (المقالة الأولى ضد الأريوسيـة  ف21:6).

وينبغى أن نلاحظ أنه طبقاً لتعاليم الآباء فإن الكينونة أو الجوهر ليس قاصراً على الآب وحده  (غريغوريوس النزيانزى) لأن الآب له كينونة حقيقية وهو الأصل فى الكينونة بالنسبة للابن والروح القدس، والابن له كينونة حقيقية بالولادة الأزلية، والروح القدس له كينونة حقيقية بالانبثاق الأزلى. ولكن ليس الواحد منهم منفصلاً فى كينونته أو جوهره عن الآخرين.

وكذلك العقل ليس قاصراً على الابن وحده، لأن الآب له صفة العقل والابن له صفة العقل والروح القدس له صفة العقل، لأن هذه الصفة هى من صفات الجوهر الإلهى. وكما قال القديس أثناسيوس {لماذا تكون صفات الآب هى بعينها صفات الابن؟ إلا لكون الابن هو من الآب وحاملاً لذات جوهر الآب}. ولكننا نقول أن الابن هو “الكلمة” أو “العقل المولود” أو “العقل منطوق به” أما مصدر العقل المولود فهو الآب.

وبالنسبة لخاصية الحياة فهى أيضاً ليست قاصرة على الروح القدس وحده، لأن الآب له صفة الحياة والابن له صفة الحياة والروح القدس له صفة الحياة، لأن الحياة هى من صفات الجوهر الإلهى. والسيد المسيح قال “كما أن الآب له حياة فى ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة فى ذاته” (يو5: 26). وقيل عن السيد المسيح باعتباره كلمة الله “فيه كانت الحياة” (يو1: 4). ولكن الروح القدس نظراً لأنه هو الذى يمنح الحياة للخليقة لذلك قيل عنه أنه هو ]الرب المحيى[ (قانون الإيمان والقداس الكيرلسى) وكذلك أنه هو ]رازق الحياة[ أو ]معطى الحياة[ (صلاة الساعة الثالثة).

من الخطورة أن ننسب الكينونة إلى الآب وحده، والعقل إلى الابن وحده، والحياة إلى الروح القدس وحده، لأننا فى هذه الحالة نقسّم الجوهر الإلهى الواحد إلى ثلاثة جواهر مختلفة. أو ربما يؤدى الأمر إلى أن ننسب الجوهر إلى الآب وحده (طالما أن له وحدَهُ الكينونة) وبهذا ننفى الجوهر عن الابن والروح القدس أو نلغى كينونتهما، ويتحولان بذلك إلى صفات لأقنوم إلهى وحيد هو أقنوم الآب (وهذه هى هرطقة سابيليوس). وقد أشار القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات إلى هذه المفاهيم فقال [وفكّرت كذلك فى الشمس، والشعاع، والنور. وهذا لا يخلو أيضاً من خطر: يُخشى أولاً تصوّر تركيب ما فى الطبيعة غير المركّبة-كما يكون ذلك فى الشمس وخصائصها، ويُخشى ثانياً أن يُخص الآب وحده بالجوهر فتزول أقنومية الآخريْن، ويكونان قوتين لازمتين لله لا أقنوميْن. فليس الشعاع شمساً وليس النور شمساً، بل فيض شمسى ومزيّة (خاصية أو صفة) جوهرية. وأنه ليُخشى عند التمسك بهذا التشبيه أن يُنعَت الله بالوجود وباللاوجود معاً، وهذا منتهى السخف}.

وهو هنا لا يرفض التشبيه المذكور ولكن يحذّر من الفرق بين التشبيه والأصل فى فهم عقيدة الثالوث [9].

الثالوث القدوس في تعاليم القديس غريغوريوس النزينزى  – نيافة الأنبا بيشوى

إجابة عن بعض الأسئلة

سؤال (1) : عن الفرق بين الظهور والتجسد

الإجابة : التجسد الإلهى هو اتحاد غير مفترق لطبيعتين مختلفتين فى طبيعة واحدة.

وهو اتحاد أقنومى واتحاد حقيقى واتحاد بحسب الطبيعة.

 وهذا لا ينطبق على ظهور الله الابن لإبراهيم أو لأبينا يعقوب لأن فى هذه الظهورات لم يحدث اتحاد بين طبيعتين ولا تجسُّد حقيقى ولا اتحاد أقنومى، ولذلك لا يُسمى تجسداً على الإطلاق بل يُسمى ظهوراً فقط.

  • التجسد : يشمل الظهور والتجسد.
  • الظهور : لا يشمل الظهور والتجسد بل هو ظهور فقط.

 

سؤال (2) : عن الثالوث القدوس ودور كل أقنوم فى الخلاص

الإجابة :

  • اشترك الأقانيم الثلاثة فى عملية الفداء.

الآب : بذل ابنه.

الابن : بذل نفسه.

الروح القدس : به قدم الابن المتجسد نفسه كذبيحة. كقول معلمنا بولس الرسول: “الذى بروح أزلى قدّم نفسه لله بلا عيب” (عب9: 14).

  • كذلك فإن الأقانيم اشتركوا معاً فى عملية التجسد الإلهى:

الابن هو الذى تجسّد.

والآب والروح القدس اشتركا مع الابن الكلمة فى تهيئة الجسد الذى اتخذه من العذراء مريم.

فالابن المتجسد عند دخو1له إلى العالم يقول للآب “ذبيحة وقرباناً لم ترد ولكن هيأت لى جسداً. بمحرقات وذبائح للخطية لم تسر. ثم قلت هانذا أجيء فى درج الكتاب مكتوب عنى لأفعل مشيئتك يا الله” (عب10: 5-7).

وقيل عن الجسد أو الناسوت الذى تكوّن فى بطن العذراء واتحد به لاهوت الابن الكلمة منذ اللحظة الأولى للتجسد أن “الذى حبل به فيها هو من الروح القدس” (مت1: 20)، وقال الملاك للعذراء “الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لو1: 35).

 لقد تجسد الابن دون أن يتجسد الآب ولا الروح القدس ولكن لم ينفصل عن الآب ولا عن الروح القدس فى تجسده.

وقد ظهر الابن للبشرية بالتجسد، وقال يوحنا الإنجيلى :

“الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبّر”  (يو1: 18) .

الآب فى الابن والابن فى الآب. فكيف تجسد الابن دون أن يتجسد الآب ؟

  • الفكر مثلاً هو التعبير الصادق عن العقل، وهو صورة العقل غير المنظور. ولذلك فالمسيح باعتباره هو كلمة الله وصورة الله غير المنظور، هو الذى تجسد ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً (يو 1 : 14) وبهذا يكون الله قد كلمنا فى ابنه (عب1: 2).
  • وعلى نفس المثال فإن ولادة الفكر من العقل لا تعنى انفصاله عن العقل. فالفكر يولَد من العقل دون أن يخرج منه، ويخرج من العقل دون أن ينفصل عنه. الفكر ممكن يولَد ولا يخرج وممكن يخرج ولا ينفصل.. فقول السيد المسيح “خرجت من عند الآب” (يو16: 28) يقصد أن “الكلمة صار جسداً” (يو1: 14) أى أن “الله ظهر فى الجسد” (1تى3: 16).

سؤال (3) ما معنى اسم يسوع ؟

الإجابة: الله المخلص

قيل عن الرب يسوع المسيح “تدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم” (مت1: 21). ومعنى يسوع = ياه سوع أى يهوه مخلص.

وكتب معلمنا بولس الرسول إلى تلميذه تيطس “بحسب أمر مخلصنا الله، إلى تيطس، الابن الصريح حسب الإيمان المشترك، نعمة ورحمة وسلام من الله الآب، والرب يسوع المسيح مخلصنا” (تى1: 3،4). 

وفى كلامه يتضح أن الآب هو مخلصنا “مخلصنا الله”، وأن الابن هو مخلصنا “الرب يسوع المسيح مخلصنا”.

فعمل الثالوث القدوس واحد الآب يعمل بالابن فى الروح القدس. الآب مخلّص والابن مخلّص والروح القدس مخلّص.

فإن كان لكل أقنوم دور متمايز فى العمل الواحد ولكن الأقنوم لا يعمل بدون الآخر مثلما قال السيد المسيح “لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك” (يو 5: 19). وقال للآب “العمل الذى أعطيتنى لأعمل قد أكملته” (يو17: 4). وقال “الآب الحال فىّ هو يعمل الأعمال” (يو 14: 10). وقال “أنا فى الآب والآب فىّ” (يو14: 10).

كل طاقة أو قدرة أو نعمة إلهية هى ثالوثية من الآب بالابن فى الروح القدس.

كان دور  الابن فى الخلاص هو التجسد ولكن الآب هو الذى أرسله متجسداً وهيأ له جسداً بالروح القدس. وحينما قدَّم الابن ذبيحة نفسه على الصليب بالروح القدس تقَّبلها الآب للرضى والسرور. مثلما قال معلمنا بولس الرسول عن المسيح “الذى بروح أزلى قدَّم نفسه لله بلا عيب” (عب9: 14).

فعند الصليب نرى الثلاثة أقانيم معاً.

فلكى يتم الفداء على الصليب كان ينبغى أن يقدِّم الابن ذبيحة للآب بالروح القدس.

وبهذا صنع الآب الفداء بالابن فى الروح القدس.

وفى العماد المقدس يمنح الروح القدس الولادة الجديدة للمؤمن المعمّد ولكن هذه الولادة الجديدة هى عطية من الآب باستحقاق دم ابنه الوحيد يسوع المسيح. أحد الأقانيم الثلاثة يكون دوره هو الواضح ولكنه لا يعمل منفصلاً عن الأقنومين الآخرين كقول السيد المسيح.

سؤال (4): ما تفسير قول السيد المسيح للآب “وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته” (يو17: 3) ؟

الإجابة : جاء السيد المسيح إلى العالم ليقود العالم إلى التحرر من العبادة الوثنية بعبادة الإله الحقيقى إله إبراهيم. وليعرف العالم أن الإله الخالق هو نفسه الإله المخلّص الذى أحب العالم “حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو 3: 16).

 

هناك إذن شرطان للوصول إلى الحياة الأبدية:

الشرط الأول : أن يعرف الإنسان أن يهوه هو الإله الحقيقى وحده بين الآلهة الوثنية.

الشرط الثانى : أن يؤمن بأن يهوه الآب قد أحب العالم حتى أرسل ابنه الوحيد فادياً ومخلصاً للعالم بذبيحة الصليب. وأن يتبع تعليم السيد المسيح المرسل من الآب إلى العالم.

وما يؤكد قصد السيد المسيح بعبارة “أنت الإله الحقيقى وحدك” ما ذكره معلمنا بولس الرسول فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس “فمن جهة أكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن فى العالم، وأن ليس إله آخر إلا واحداً. لأنه وإن وجد ما يُسمّى آلهة، سواء كان فى السماء أو على الأرض، كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون. لكن لنا إله واحد: الآب الذى منه جميع الأشياء. ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذى به جميع الأشياء ونحن به” (1كو8: 4-6).

فمن الواضح هنا فى تأكيد عقيدة الإله الواحد أنه يرفض كل الآلهة الأخرى الوثنية المسماه آلهة والتى هى ليست آلهة حقيقية.

وحينما يقال عن الآب أنه هو الإله الحقيقى وحده فالمقصود أنه بجوهره الإلهى يسمو على جميع الآلهة الوثنية الأخرى وينفرد بينها بالألوهة الحقيقية.

ولكن ليس الآب إله بجوهر مستقل والابن إله بجوهر مستقل آخر. بل إن الآب وكلمته هما جوهر واحد ولاهوت واحد وطبيعة واحدة.

الآب أقنوم متمايز عن أقنوم الابن ولكن ليس التمايز فى الجوهر أو الوجود أو الكينونة بل فى حالة الوجود أو حالة الكينونة. فالآب مثل الينبوع والابن مثل التيار المولود منه بغير تقسيم.

فإن كان الآب هو الإله الحقيقى وحده بين الآلهة الوثنية فإن الابن هو “إله حق من إله حق” مثلما نقول فى قانون الإيمان. والآب والابن والروح القدس إله واحد فى الجوهر وإن كانوا ثلاثة أقانيم متساوية فى المجد والكرامة والقدرة والأزلية وكل الصفات الإلهية.

ومن الأمور الملفتة للنظر أن القديس بولس الرسول يقول بصيغة المترادفات “كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون. لكن لنا إله واحد الآب.. ورب واحد يسوع المسيح” (1كو8: 5-6).

فهو يتحدث عن تعدد الآلهة والأرباب ولكن فى الإيمان المسيحى لا يوجد مثل هذا التعدد فبقو له “لنا رب واحد يسوع المسيح” لم يستبعد الآب من أن يكون رباً. وكذلك بقوله “لنا إله واحد الآب” لم يستبعد يسوع المسيح أن يكون إلهاً، ولكنه يقصد أنه طالما نؤمن بالإله الواحد المثلث الأقانيم فهذا الإله هو الله الواحد والرب الواحد تحقيقاً لقول الكتاب :

  • “اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا ربٌ واحد” (تث6: 6).
  • “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (لو4: 8 ، تث6: 13).

فإذا قيلت هذه العبارة “لنا رب واحد يسوع المسيح” فهى عبارة قاطعة تثبت أن يسوع المسيح هو الإله الحقيقى الذى هو مع أبيه والروح القدس جوهر واحد ولاهوت واحد نسجد له ونمجده.

كذلك ورد فى رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل أفسس قوله “رب واحد. إيمان واحد. معمودية واحدة. إله وآب واحد للكل، الذى على الكل وبالكل وفى كلكم” (أف4: 5-6).

وفى ذلك يتحقق نفس المعنى المقصود فى القول السابق عن الرب الواحد والإله الواحد.

لقد قال السيد المسيح “أنا والآب واحد” (يو10: 30) بمعنى أنهما إله واحد ورب واحد.

فإن قيل عن الآب أنه إله واحد فالمقصود عدم وجود آلهة أخرى غير  الثالوث القدوس، وإن قيل عن الابن أنه رب واحد فالمقصود هو عدم وجود أرباب أخرى غير الآب والكلمة والروح القدس الذين هم واحد.

تعليم القديس إغريغوريوس النزيانزى عن الثالوث الأقدس[10]

            يُلقَّب القديس إغريغوريوس النزيانزى دوماً فى كنيستنا القبطية بلقب “الناطق بالإلهيات”. وتتمتع الليتورجية التى كتبها بشعبية كبيرة ويُصلّى بها فى أيام الأعياد الكبيرة وكثير من المناسبات. ويُتقبّل تعليمه اللاهوتى عن الثالوث فى حياة كنيستنا باحترام كبير من خلال ليتورجيته وتعاليمه الأخرى.

            وقد برزت ليتورجيته فى حياة كنيستنا القبطية الأرثوذكسية كمصدر لا يضارع للتأمل والفرح الروحى فى العبادة.

            إن تعليمه عن الثالوث الأقدس هو أساساً نفس تعليم القديس أثناسيوس السكندرى.

            وفيما يلى بعض عناصر تعليمه عن الثالوث الأقدس :

(1) إن الله غير مُدرَك بعقولنا البشرية :

كان القديس إغريغوريوس لاهوتيا متضعاً. وقد أقر بأنه {لا يوجد الإنسان الذى اكتشف أو يستطيع أن يكتشف من هو الله فى الطبيعة أو الكنه}.

[no man ever yet has discovered or can discover what God is in nature and in essence.][11]

  وأيضاً :

[God would be altogether circumscript, if He were even comprehensible in thought : for comprehension is one form of circumscription.][12]

{كان يمكن أن يحاط الله بالكلية لو كان فى الإمكان حتى أن يدرك بالفكر لأن الإدراك هو صورة من صور الإحاطة}.

وشرح قائلاً إن معرفتنا لله هى فيض قليل فقال :

[All that comes to us is but a little effluence, and as it were a small efflugence from a great Light. So that if anyone has known God, or had the testimony of scripture to his knowledge of God, we are to understand such as one to have possessed a degree of knowledge which gave him the appearance of being more fully enlightened than another who did not enjoy the same degree of illumination.][13]

{كل ما يصل إلينا ما هو إلا فيض ضئيل من نور عظيم. حتى إن كان أحدٌ قد عرف الله أو نال شهادة الكتاب المقدس عن معرفته لله، فلنفهم : إن مثل هذا الشخص قد نال درجة من المعرفة تجعله يبدو أكثر استنارة عن الآخر الذى لم يحظَ بنفس القدر من التنوير}.

ولكن القديس إغريغوريوس كان يتحدث عن معرفة أكثر وضوحاً عن الله فى الحياة الأخرى.

(2) الصفات الأقنومية للأقانيم الثلاثة المتمايزة للثالوث الأقدس :

حدد القديس إغريغوريوس فى تعليمه الصفات المتمايزة للأشخاص الثلاثة فى الثالوث الأقدس. وعلَّم قائلاً :

جLet us confirm ourselves within our limits, and speak of The Unbegotten and The Begotten and That which Proceeds from the Father, as somewhere God the Word Himself saith.][14]

{دعنا نلتزم بحدودنا ونتكلم عن “غير المولود” و”المولود” و”ذاك الذى ينبثق من الآب” كما قال الله الكلمة نفسه فى أحد المواضع}.

وعلَّم أيضاً :

[This is what we meant by Father and Son and Holy Ghost. The Father is The Begetter and The Emitter; without passion, of course, and without reference to time, and not in a corporeal manner. The Son is The Begotten, and the Holy Spirit is The Emission.][15]

{هذا هو ما نقصده من “الآب” و”الابن” و”الروح القدس”. الآب هو الوالد والباثق، بلا ألم طبعاً وبلا إشارة للزمن، وليس بطريقة حِسّية. والابن هو المولود، والروح القدس هو المنبثق}.

ولم يتكلم القديس إغريغوريوس عن أى خاصية متمايزة أخرى.

(3) أزلية الابن والروح القدس :

واستطرد القديس إغريغوريوس محاجاً فى نفس العظة (الثالثة) :

[When did these come into being? They are above all “when”. But, if I am to speak with something more of boldness,—when the Father did. And when did the Father come into being. There never was a time when he was not. And the same thing is true of the Son and the Holy Ghost. Ask me again, and again I will answer you, when was the Son begotten? When the Father was not begotten.

And when did the Holy Ghost proceed? When the Son was, not proceeding but, begotten—beyond the sphere of time, and above the grasp of reason; although we cannot set forth that which is above time, if we avoid as we desire any expression as which conveys the idea of time. For such expression as “when” and “before” and “after” and “from the beginning” are not timeless, however much we may force them ; unless indeed we were to take the Aeon, that interval which is coexistive with the eternal things, and is not divided or measured by any motion, or by the revolution of the sun, as time is measured.

How are They not alike unoriginate, if They are coeternal? Because They are from Him, though not after Him. For that which is originate is eternal, but that which is eternal is not necessarily unoriginate, so long as it may be referred to the Father as its origin. Therefore in respect of Cause they are not unoriginate; but it is evident that the Cause is not necessarily prior to its effects, for the sun is not prior to its light. And yet They are in some sense unoriginate, in respect of time, even though you would scare simple minds with your quibbles, for the Sources of Time are not subject to time.][16]

{“متى جاء هذان إلى الوجود؟” “إنهما فوق كل “متى” بل إذا تكلمت بأكثر اجتراء لأقول ومتى نجد الآب. متى جاء الآب إلى الوجود؟ لم يكن أبداً وقت لم يكن فيه الآب. ونفس الشئ صحيح بالنسبة للابن وللروح القدس. ولتسألنى مرة تلو المرة، أجيبك. متى ولد الابن؟ حينما لم يولد الآب، متى انبثق الروح القدس؟ حينما لم ينبثق الابن بل ولد -خارج دائرة الزمن وفوق قبضة (استيعاب) المنطق. هذا وبالرغم من أننا لا نستطيع أن نقدم ما هو الذى فوق الزمن إذا كنا نود أن نتحاشى التعبيرات التى تتضمن فكرة الزمن. لأن تعبيرات مثل “متى” و”قبل” و”بعد” و”من البدء” ليست خالية من معنى الزمن مهما على أى حال طوعناها إلا طبعاً إذا اعتبرنا الدهر أنه تلك الفترة التى تتزامن مع الأشياء الأزلية ولا تُقَسَّم أو تقاس بأى حركة ولا بدوران الشمس كما يقاس الزمن. لماذا إذاً ليسا بالمثل غير منبوعين ماداما أيضاً أزليين؟ لأنهما منه وإن كانا ليسا لاحقين له. لأن غير المنبوع أزلى ولكن الأزلى ليس بالضرورة غير منبوع مادام يُنسب إلى الآب كأصل له. لذلك فبالنسبة للسبب هما ليسا غير منبوعين مادمنا ننسب إلى الآب أنه مصدرهما. ومن الواضح أن السبب ليس بالضرورة سابق لآثاره فالشمس ليست سابقة لضوئها. إلا أنهما بمعنى ما بلا مبتدأ من ناحية الزمن (أى لا بداية زمنية لوجودهما)، حتى وإن كنت تُرعِبْ بسطاء العقول بمراوغاتك لأن مصادر الزمن لا يمكن أن تكون موضوعاً للزمن}.

وإلى جانب استعماله مثال الشمس والنور استعمل أيضاً مثال العقل والكلمة لشرح العلاقة بين الآب والابن:

 [He is called the Word, because He is related to the Father as the Word to Mind][17]

{لقد دُعى “الكلمة” لأنه يُنسَب إلى الآب كما تنسب الكلمة إلى العقل}.

ومن البَيِّن فى هذا المثال أيضاً أن العقل ليس سابقاً للكلمة كما أن الشمس ليست سابقة للنور.

 (4) استعمال النماذج والأمثلة لشرح الثالوث الأقدس :

على الرغم من استعماله مثال الشمس والضوء والعقل والكلمة فى شرح العلاقة بين الآب والابن إلا أنه حذّر من أن هذه النماذج ليست متطابقة مع الحق كله الذى لله المثلث :

[ I have very carefully considered this matter in my own mind, and have looked at it in every point of view, in order to find some illustration of this most important subject, but I have been unable to discover anything on earth with which to compare the nature of the Godhead. For even if I did happen upon some tiny likeness it escaped me for the most part, and left me down below with my example. I picture to myself an eye, a fountain, a river, as others have done before, to see if they first might be analogous to the Father, the second to the Son, and the third to the Holy Ghost. For in these there is no distinction in time, nor are they torn away from their connexion with each other, though they seem to be parted by three personalities. But I was afraid in the first place that I should present a flow in the Godhead, incapable of standing still; and secondly that by this figure a numerical unity would be introduced. For the eye and the spring and the river are numerically one, though in different forms.

Again I thought of the sun and a ray and light. But here again there was a fear lest people should get an idea of composition in the uncompounded Nature, such as there is in the sun and the things that are in the sun. And the second place lest we should give Essence to the Father but deny Personality to the others, and make Them only Powers of God, existing in Him and not Personal. For neither the ray nor the light is a sun, but they are only effulgences from the sun, and qualities of its essence. And lest we should thus, as far as the illustration goes, attribute both Being and Not-being to God, which is even more monstrous.][18]

 {لقد تدارست هذا الأمر فى عقلى الخاص بتدقيق وقلبت الأمر من كل الجهات ومن جميع وجهات النظر لأجد بعض النماذح الموضِّحة لهذا الأمر الهام. ولكننى لم أجد شيئاً على هذه الأرض يصلح للمقارنة بطبيعة اللاهوت. لأنه حتى إن وجدت بعض التشابه الطفيف فإن الأكثر يهرب منى ويتركنى فى الأسافل مع نموذجى.

لقد تصورت عيناً، وينبوعاً، ونهراً، وهكذا فعل غيرى من قبل، لأرى هل يتماثل الأول مع الآب والثانى مع الابن والثالث مع الروح القدس لأن فى هذه لا فرق هناك زمنياً ولا ينفصلون عن بعضهم البعض وإن كانوا يتمايزون فى ثلاثة شخوص. ولكنى خفت أولاً أن أجعل فى اللاهوت سرياناً لا يمكن أن يتوقف. وفى المقام الثانى فإن بهذا النموذج نُدخِل وحدة رقمية لأن كلاً من العين والنبع والنهر هم عددياً واحد وإن اختلفت الأشكال.

وفكرت ثانياً فى الشمس والشعاع والضوء ولكن هنا أيضاً خفت أن يدخل فى روع الناس فكرة التركيب وينسبوها إلى الغير مُركَّب. ومن ناحية أخرى لئلا ننسب الجوهر للآب وننكره على الشخصين الآخرين ونجعلهما مجرد قوتين إلهيين وليسا شخصين. لأنه ليس الشعاع ولا الضوء شمساً ولكنهما مجرد فيضاً من الشمس وصفات لجوهرها.

وأخيراً وحسب هذا النموذج ننسب لله الوجود وعدم الوجود فى آن واحد وهذا أكثر رعباً}.

(5) الأقانيم الثلاثة لهم ذات الجوهر الواحد :

 تكلم القديس إغريغوريوس مراراً كثيرة عن أن الأقانيم الثلاثة لهم ذات الجوهر الواحد. وفى حديثه عن الله المثلث كسيد واحد لخليقته كان يقول :

[ But Monarchy is that which we hold in honour. It is, however, a Monarchy that is not limited to one Person, but one which is made of an equality of Nature and a union of mind, and an identity of motion, and a convergence of its elements to unity—a thing which is impossible to the created nature—so that though numerically distinct there is no severance of Essence.][19]

 { إن أحادية الأصل هى ما نحفظه بتكريم. إنها مع ذلك أحادية الأصل (من جهة الثالوث بالنسبة للخليقة) غير المقصورة على أقنوم واحد بعينه. بل إنها ناشئة من تساوى الطبائع ووحدة الفكر وتطابق المشيئة والتئام المكونات نحو الوحدة -وهى ما تعجز الطبائع المخلوقة أن تصله. حتى أنه رغم التعددية فليس هناك أبداً انقسام فى الجوهر}.

وفى تعليمه عن الابن قال :

[ In my opinion He is called Son because He is identical with the Father in Essence, and not only for this reason, but also because He is of Him. And He is called Only-Begotten, not because He is the only Son and of the Father alone, and only a Son; but also because the manner of His Sonship is peculiar to Himself and not shared by bodies. And He is called the Word, because He is related to the Father as word is related to mind ; not only on account of His passionless Generation, but also because of the Union, and of His declaratory function.][20]

 { فى رأيى إنه يدعى “ابن” لأنه يطابق الآب فى الجوهر وليس لهذا السبب فحسب بل وأيضاً  لأنه منه وكان يسمى الابن الوحيد ليس لأنه كان الابن الوحيد للآب. بل لأن بنوته كانت خاصة بشخصه ولا يقاسمه فيها أى جسد. وكان يسمى الكلمة لأنه يُنسَب إلى الآب كما تنسب الكلمة إلى العقل ليس فقط للإخبار عن ولادته التى بغير ألم بل أيضاً من أجل الوحدة ومن أجل وظيفته الإخبارية (الإعلانية)}.

واستمر القديس إغريغوريوس فى نفس العظة يقول :

  {والصورة هى من نفس جوهره}.  [And the Image as of one Substance with Him.][21]   

 (6) المساواة بين الأقانيم الثلاثة :

يقول القديس إغريغوريوس فى عظته اللاهوتية عن الروح القدس ضد الأريوسيين والأنوميين:

[What then, say they, is there lacking to the Spirit which prevents His being a Son, for if there were not something lacking He would be a Son? We assert that there is nothing lacking for God has no deficiency. But the difference of manifestation, if I may so express myself, or rather Their mutual relations one to Another, has caused the difference of Their Names. For indeed it is not some deficiency in the Son which prevents His being Father (for Sonship is not a deficiency), and yet He is not Father. According to this line of argument, there must be deficiency in the Father, in respect of His not being Son. For the Father is not Son, and yet this is not due to either deficiency or subjection of Essence; but the very fact of being Unbegotten or Begotten, or Proceeding has given the name Father to the First, of the Son to the Second, and of the Third, Him Whom we are speaking, of the Holy Ghost that the distinction of the Three Persons may be preserved in the one nature and dignity of the Godhead. For neither is the Son the Father, for the Father is One, but He is what the Father is; nor is the Spirit Son because He is of God, for the Only-begotten is One, but He is what the Son is. The Three are One in Godhead, and One Three in properties*; so that neither is the Unity of Sabellian one, nor does the Trinity countenance the present evil distinction.][22]

{ماذا يقولون إذن؟ هل يوجد نقص ما فى الروح يمنعه أن يكون ابناً؟ لأنه إن لم يكن هناك نقص ما لكان ابناً؟ نحن نؤكد أن ليس ثمة نقص لأن فى الله لا يوجد أى نقص. ولكن اختلاف التعبير، إذا استطعت أن أعبر عن نفسى هكذا، أو بالأحرى تبادل العلاقات بينهم أدى إلى اختلاف أسمائهم. وبالتأكيد ليس نقص ما هو ما يمنع الابن أن يكون الآب (لأن البنوة  ليست نقصاً) ومع ذلك ليس هو الآب. وحسب هذا الخط من الجدال فلابد أن يكون هناك نقص ما فى الآب لأنه ليس الابن لأن الآب ليس الابن، ومع هذا فليس ذلك لأجل نقص ما أو خضوع فى الكينونة، بل لأجل هذه الحقيقة بعينها عن كونه: غير مولود أو مولود أو منبثق هو الذى أعطى الاسم الآب للأول والابن للثانى والروح القدس للثالث الذى نحن نتكلم بصدده فالتمايز بين الثلاثة شخوص محفوظ فى الطبيعة الواحدة ومجد اللاهوت. ليس الابن “الآب” لأن الآب واحد مع أن له ما للآب، وليس الروح القدس ابناً لأن الابن واحد مع أن الروح من الله؛ وله ما للابن. الثلاثة فى الله الواحد والله الواحد ثلاثة فى الخصائص (*). حتى لا تكون الوحدة سابيلية ولا التثليث له الوجه القبيح (الذى للأريوسيين والأنوميين).

(7) الاشتراك فى نفس الصفات التى للجوهر :

كان القديس إغريغوريوس واضحاً جداً تماماً كما كان القديس أثناسيوس فى تعليمه أن الأقانيم الثلاثة لا يختلفون فيما بينهم إلا فى الصفات الأقنومية. إن الآب هو الأصل والابن مولود والروح القدس منبثق من الآب. (ولكنهم) يشتركون معاً فى جميع الصفات الأخرى للجوهر الإلهى. قال :

[ For we have learnt to believe in and to teach the Deity of the Son from their (verses from the bible) great and lofty utterances. And what utterances are these? These: God—the Word—He That Was In The Beginning and With The Beginning, and The Beginning. “In the Beginning was the Word, and the Word was with God,” (John 1.:1)  and “With Thee in the Beginning’ and “He who calleth her the Beginning from generations” (Isa. 41:4). Then the Son is Only-Begotten : The only “Begotten Son which is in the bosom of the Father, it says, “He that declared Him” (John 1:18), The Way, the Truth, the Life, the Light. “I am the Way, the Truth, and the Life;” (John 14:6) and “I am the Light of the World” (John 7:12, 9:5, 14:6). Wisdom and Power, “Christ, the Wisdom of God, and the Power of God.”(1 Cor. 1:24)  The Effulgence, the Impress, the Image, the Seal; “Who being the Effulgence of His glory and the Impress of His Essence,”(Heb 1:3) and “the Image of His Goodness,”(Wisd. 7:26) and “Him Hath God the Father sealed”(John 6:27).  Lord, King, He That is, The Almighty. “The Lord rained down fire from the Lord;”(Gen 19:24) and “A Scepter of righteousness is the scepter of The Kingdom;”(Ps. 45:6) and “Which is and was and is to come, the Almighty”(Rev. 1:8), all which are clearly spoken of the Son, with all other passages of the same force, none of which is an after thought, or added later to the Son or the Spirit, any more than to the Father Himself. For Their Perfection is not affected by additions. There never was a time when He was without the Word, or when He was not the Father, or when He was not true, or not wise, or not powerful, or devoid of life, or of splendor, or of goodness.][23]

{ فإننا تعلمنا أن نؤمن ونُعلِّم عن ألوهية الابن من الكلمات السابقة العظيمة التى نطقوا بها وأى كلمات هذه؟ إن الله الكلمة كان فى البدء ومع البدء وكان هو البدء “فى البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة الله” (يو1:1) و”معك كان البدء” “وهو الذى دعاها البداءة من أجيال” (أش41: 4). لهذا فإن الابن هو الابن الوحيد “الابن الوحيد الكائن فى حضن الآب هو خبَّر” (يو1: 18). الطريق والحق والحياة والنور “أنا هو الطريق والحق والحياة” “أنا هو نور العالم” الحكمة والقوة “المسيح حكمة الله وقوة الله” الفيض والرسم والختم “الذى هو بهاء مجده ورسم جوهره” * و”صورة صلاحه” و”الذى ختمه الله الآب”.

الرب والملك والقادر على كل شئ “أنزل الرب ناراً من السماء” و”صولجان حقه هو صولجان ملكه” و”الكائن الذى كان والآتى أيضاً والقادر على كل شئ”. كلها قد قيلت بوضوح عن الابن مع كل القطع الأخرى التى بنفس القوة قيلت. لم يُضَفْ أى منها فيما بعد إلى الابن أو الروح القدس ولا كان أى منها فكراً لاحقاً ولا عن الآب نفسه. لأن كمالهم لم يتأثر بالإضافات. لم يوجد وقت أبداً لم يكن فيه بدون الكلمة أو متى لم يكن الآب أو متى لم يكن الحق أو غير حكيم أو غير قوى أو خالٍ من الحياة أو السؤدد أو الصلاح}.

فى هذه العظة اللاهوتية الثالثة شرح القديس إغريغوريوس وحدة الجوهر بين الابن والآب وخَلُص إلى قوله :

[ The Son is a concise demonstration and easy setting forth of the Father’s Nature. For everything that is begotten is a silent word of him that begot it”… “He is … called… the Image as of one substance with Him, and because He is of the Father, and not the Father of Him. For this is of the Nature of an Image, to be the reproduction of its Archetype, and that whose name it bears; only that there is more here. For in ordinary language an image is a motionless representation of that which has motion; but in this case it is the living reproduction of the Living One, and is more exactly like than was Seth to Adam, or any son to his father.

For such is the nature of simple Existences, that it is not correct to say of them that they are Like in one particular and Unlike in another; but they are a complete resemblance, and should rather be called Identical than Like. Moreover he is called Light as being the Brightness of souls cleansed by word and life. For if ignorance and sin be darkness, knowledge and a godly life will be Light… And He is called Life, because He is Light, and is the constituting and creating Power of every reasonable soul. For in Him we live and move and have our being, according to the double power of that Breathing into us; for we were all inspired by Him with breath, and as many of us were capable of it, and in so far as we open the mouth of our mind, with God the Holy Ghost.][24]

{إن الابن هو نموذح توضيحى مُركّز وتقديمه مُيَسّر لطبيعة الآب. لأن كل ما هو مولود هو كلمة صامتة لذلك الذى ولده.. “هو.. يدعى.. صورته لأنه من نفس جوهره ولأن الابن هو من الآب وليس الآب من الابن.

لأن هذه هى طبيعة الصورة أن تكون نسخة من الأصل الذى تحمل اسمه وفى حالتنا هذه ما هو أكثر. لأن كل صورة هى إيماءة أقل تمثيلاً من التى أومئت بها ولكن فى حالتنا هذه هى نسخة حيَّة من (كائن) حى بل وأكثر شبهاً من شيث إلى آدم أو أى ابن إلى أبيه، لأن هكذا هى طبيعة الوجود لأنه ليس من الصواب أن نقول أنه يتشابه فى جزئية ولا يتشابه فى جزئية أخرى، ولكن هنا التماثل كامل ويجدر أن يقال عنه أنه تطابق بدلاً من تشابه.

وبالأكثر من ذلك فهو يُدعَى النور حيث ينير النفوس ويطهرها بالكلمة والحياة لأنه إذا كان الجهل والخطية هى الظلام، والمعرفة والحياة حسب الله هو النور.

ويسمى الحياة لأنه هو النور وهو المنشئ والقوة الخالقة لكل نفس عاقلة. لأن فيه نوجد ونحيا ونتحرك، حسب القوة المزدوجة التى للنسمة التى نُفِخَت فينا. لأننا جميعاً قد ألهمنا بالنفخة وكثير منا كانوا قادرين على ذلك وللآب نفتح أفواه عقولنا مع الله الروح القدس}.

 

(8) الروح القدس ينبثق من الآب وحده :

ميَّز القديس إغريغوريوس تميزاً واضحاً بين ولادة الابن وانبثاق الروح القدس. وفى تعليمه لا يوجد خلط بين الصفات المميزة للأقانيم فى الثالوث الأقدس.

وبعد أن تكلم عن الاسم الخاص بالجوهر الإلهى “أهيه الذى أهيه” وبعد ذِكْر الأسماء الأخرى للاهوت مثل “الكلى القدرة” “ملك المجد” “ملك الدهور” “ملك القوات” “ملك الملوك” قرر أن:

[ Now these are names common to the Godhead, but the proper Name of the Unoriginate is Father, and that of the Begotten without beginning is Son, and that of the un-begottenly Proceeding or going forth is The Holy Ghost.][25]

{هذه هى الأسماء العامة للاهوت ولكن الاسم المناسب لغير المنبوع هو الآب وللمولود بلا بداية هو الابن وللمنبثق غير المولود الروح القدس}.

من الواضح أن الروح القدس منبثق دون ولادة ولا علاقة له بالابن فى انبثاقه من الآب.

(9) أحادية الأصل الأبوى فى الثالوث الأقدس :

أكّد القديس إغريغوريوس مراراً كثيرة على أحادية الأصل الأبوى كالأصل الوحيد للثالوث الأقدس patriki-archy  الآب هو الوحيد غير المنبوع (unoriginated).

[How then are They not alike unoriginate, if They are coeternal? Because They are from Him, though not after Him. For that which is unoriginate is eternal, but that which is eternal is not necessarily unoriginate, so long as it may be referred to the Father as its origin. Therefore, in respect of Cause They are not unoriginate, but it is evident that the Cause is not necessarily prior to its effects, for the sun is not prior to its light.][26]

 {لماذا إذاً ليسا بالمثل غير منبوعين ماداما أيضاً أزليين؟ لأنهما منه وإن كانا ليسا لاحقين له. لأن غير المنبوع أزلى ولكن الأزلى ليس بالضرورة غير منبوع مادمنا نشير إلى الآب كأصل لهما.

لذلك فبالنسبة للسبب هما ليسا غير منبوعين. ولكن من البيِّن أن السبب ليس بالضرورة سابق لنتيجته كالشمس مثلاً ليست سابقة لنورها}.

 وقد علَّم القديس إغريغوريوس أيضاً بوضوح أن :

  {الآب هو الوالد والباثق}.  [ The Father is the Begetter and the Emitter.][27]   

(10) العطايا الإلهية هى من الآب من خلال الابن فى الروح القدس :

فى عظته عن عطايا الله بالروح القدس يقول القديس إغريغوريوس :

[That He is the Gift, the Bounty, the Inspiration, the Promise, the Intercession for us, and, not to go into any further detail, any other expressions of the sort, is to be referred to the First Cause, that it may be shown from whom He is, and that men may not in heathen fashion admit Three Principles. For it is equally impious to confuse the Persons with the Sabellians, or to divide the Natures with the Arians.][28]

“إنه هو (الروح القدس) العطية، والهبة، والإلهام، والوعد، والشفيع لنا، وبدون الدخول فى تفاصيل أكثر، فإن أى عبارات أخرى من هذا النوع، تُنسَب إلى السبب الأول (يقصد الآب) حتى يظهر (يتضح) ممن هو (الروح القدس)، وحتى لا يعترف الناس بثلاثة مصادر (يقصد ثلاث آلهة مستقلة) على الطريقة الوثنية. لأن الخلط بين الأقانيم (الأشخاص) مع السابيليين (أتباع سابيليوس) يتساوى فى عدم التقوى مع تقسيم الطبائع مع الأريوسيين.”

التعبير “السبب الأول” الذى ذكره القديس إغريغوريوس فى هذا القطعة  يشير إلى أن عطايا الله  تنبع من الآب وتعطى بالابن فى الروح. وفى عظته اللاهوتية عن الابن تكلم القديس إغريغوريوس عن القوة المزدوجة للنفخة فى الابن. وهو يقصد بالقوة المزدوجة للنفخ أن العطايا الآتية إلينا من الآب وتعطى لنا بالروح من خلال الابن.

[ For in Him we live and move and have our being, according to the double power of that Breathing into us; for we are all capable of it, and in so far as we open the mouth of our mind, with God the Holy Ghost.][29]

{“لأن فيه نحيا ونتحرك ونوجد” حسب القوة المزدوجة فى النفخة فينا، لأننا جميعاً نُلهَم بالنفخة، وكثيرون منا قادرون على ذلك وإلى الآن نفتح أفواه عقولنا لله والروح القدس}.

1 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sep. 1978,  St.  Athanasius, Expositio Fidei (Statement of Faith) P. 84,85.

2 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, St. Athanasius, Four Discourses Against the Arians- Discourse III, points 4 &5.

3 ibid –  point 65.

4 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. VII, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, Gregory Nazianzen, Fifth Oration on the Holy Spirit P.327.

5 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. VII, Eerdmans Pub. Company, Nov. 1978- The Book of Saint Basil on the Spirit, Chapter 18, p. 28.

6 ibid, Letter 52, to the Canonicoe, p.155,156

7 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, St. Athanasius, Four Discourses Against the Arians- Discourse I, point 19.

8ibid – point 21.

9 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. VII, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, Gregory Nazianzen, Fifth Oration on the Holy Spirit p..328

[10] ترجمة عربية لمحاضرة نيافة الحبر الجليل نيافة الأنبا بيشوى التى ألقيت فى المؤتمر الثانى للدراسات الآبائية بالاشتراك مع جامعات أثينا وتسالونيكى المنعقد تحت رعاية البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث فى دير القديس الأنبا بيشوى بوادى النطرون  فى الفترة من         26/12/1996 إلى 29/12/1996م

[11]  Phillip Schaff & Henry Wace, Nicene & Post Nicene Fathers, Vol.VII, Second Series. Hendrickson Publishers June 1995, Article XVII Second Theological Oration. P.294

[12]  Ibid, 2nd Theological Oration, Article X, p.292.

[13]  Ibid, 2nd Theological Oration, Article XVII, p.294.

[14] Ibid, 3rd Theological Oration, Article II P.301

[15] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301

[16]  Ibid, 3rd Theological Oration, Article III, pp.301,302

[17]  Ibid, Forth Theological Oration, Article XX, p. 316

[18]  Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Articles XXXI and XXXII, p.328.

[19] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301.

[20] Ibid, 4th Theological Oration , Article XX, p.316.

[21] Ibid p.317

[22] Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Article IX, p.320.

* لقد حذر القديس إغريغوريوس كما ذكرت فى النقطة الرابعة لئلا نخص الآب وحده بالجوهر ونعتبر الابن والروح القدس مجرد صفات للجوهر وليست أقانيم حقيقية وعلى ذلك فلكل أقنوم صفته الأقنومية الخاصة ولكنه ليس مجرد صفة للجوهر.

52 Ibid, 3rd Theological Oration, Article XVII, p. 307

* التعبير فى الرسالة إلى العبرانيين (عب1: 3) باللغة اليونانية uJpostavsewV (هيبوستاسيوس) وهذه يمكن ترجمتها “أقنوم” بدلاً من “جوهر”. فتصير “رسم أقنومه”.

[24]  Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Article XX, pp.316,317.

[25]  Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Articles XIX, p.316.

[26]  Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article III, p.302.

[27]  Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301.

[28]  Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Article XXX, p.328.

[29]  Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Article XX, p.317.

شرح عقيدة الثالوث Trinity doctrine explained – الأنبا بيشوي

الرحمة والعدل فى كتابات اسحق السريانى – الأنبا بيشوى

الرحمة والعدل فى كتابات اسحق السريانى – الأنبا بيشوى

الرحمة والعدل فى كتابات اسحق السريانى – الأنبا بيشوى

يكرّم اسحق السريانى ويمتدح جداً فى المجالات الرهبانية بسبب حياته النسكية، وقيادته الروحية للرهبان، ونصائحه الثمينة للمتوحدين فى حياة الوحدة.

إلا أن أسحق السريانى كان من بيت كاتراى Beth Katraye (بالقرب من البحرين الحالية) على الخليج الفارسى، وقد صار راهباً ومعلماً بالقرب من بلدته، ثم سامه جرجس البطريرك النسطورى أسقفاً على نينوى (660-690م) فى دير بيت أبه Beth Abhe.[1]  لذلك فإن دائرة المعارف الكاثوليكية تكتب صراحة: إسحق أسقف نينوى.. “أسقف نسطورى لهذه المدينة فى القرن السابع حيث أن جرجس البطريرك النسطورى هو الذى سامه أسقفاً.”

واسحق أسقف نينوى “تجنب بوعى تام أن يكتب فى الموضوعات التى كانت مجالاً للخلافات والمناقشات الخاص بالجدل اللاهوتى المعاصر. وهذا يعطيه بُعداً مسكونياً”[2] وهو السبب فى كونه مشهوراً خارج نطاق كنيسته النسطورية على الرغم من أمانته لتقليده.

لكن على الرغم من أن إسحق السريانى تحاشى الكتابة فى الموضوعات الخاصة بالصراعات اللاهوتية، إلا أن ابن السلط الذى جمع كتاباته بالعربية من السريانية أشار فى ملاحظاته التمهيدية إلى الصراع الذى أحاط بإسحق (والذى أدى إلى تركه الأسقفية بعد خمسة أشهر) وختم بقوله أن مشكلة إسحق كانت فى تصميمه على تفوق الرحمة. وفى الحقيقة إن كتابات اسحق تحوى تذكرة دءوبة على الحب الذى يجب أن يكون فى الإنسان تجاه الرحمة التى كان يرى أنها أساس العبادة والتواضع.[3] فيقول:

ما هو القلب الرحيم؟ هو القلب الذى يحترق من أجل كل الخليقة: الإنسان والطيور والحيوانات وحتى الشياطين. عند تذكر هذه الكائنات ورؤيتها يمتلئ قلب الإنسان الرحيم بالدموع الناتجة عن العاطفة الشديدة التى تحرّك قلبه. ويزداد القلب حناناً فلا يحتمل سماع أو رؤية أى جرح أو أقل حزن يصيب أى من هذه الكائنات. لهذا، يقدّم هذا الإنسان صلوات دائمة بدموع حتى من أجل الحيوانات غير العاقلة ولأعداء الحق وكل من يؤذيه، لكى يُحفظوا ويُسامحوا.[4]

بالنسبة لإسحق السريانى تصل الرحمة إلى حد أنها تتضمن الخلاص النهائى لكل الخليقة بما فى ذلك الشيطان.[5] هذا الاتجاه الأوريجانى غير الكتابى رفضته الكنائس منذ القرون القديمة.

نقد نظرية اسحق السريانى حول تعارض الرحمة مع العدل:

كتب أسحق أسقف نينوى يقول:

إن الرحمة تتعارض مع العدل. العدل هو تساوى كفة الميزان المتكافئ، لأنه يعطى كل واحد ما يستحقه.. لكن الرحمة، من ناحية أخرى، هى الأسى والشفقة التى يحركها الصلاح، وهى على نحو شفوق تجعل الإنسان يميل تجاه الجميع؛ هى لا تجازى الإنسان الذى يستحق الشر، أما لمن يستحق الخير فتعطى نصيباً مضاعفاً. وبالتالى، فإن كان جلياً أن الرحمة تنتمى إلى حصة البر، فإن العدل إذن ينتمى إلى حصة الشر.

وكما أن العشب والنار لا يتواجدان فى مكان واحد، هكذا العدل الرحمة لا يمكن أن يسكنا فى روح واحدة. وكما أن ذرة رمال لا توازى كمية كبيرة من الذهب، هكذا بالمقارنة فإن استخدام الله للعدل لا يمكن أن يتوازى مع رحمته. فكما تلقى حفنة من الرمال فى البحر الكبير، هكذا خطايا أجسادنا بالمقارنة بعقل الله. وكما أن ينبوع المياه الذى يتدفق بقوة لا تعكره حفنة تراب، هكذا رحمة الخالق لا تتوقف بسبب شر خليقته.[6]  

أولاً: العدل لا يتعارض مع الرحمة

كل الصفات الإلهية كاملة كماً وكيفاً. هذا الكمال الذى يصف خواص الله يجعلها كلها “تتساوى”. ليست هناك خاصية لاهوتية أسمى من الأخرى أو متعارضة معها، لأنها كلها تتصف بالكمال فهى صفات الله التامة، وليس هناك صراع فى الله. الله رحوم وعادل فى نفس الوقت، فرحمته لا تتعارض مع عدالته كما أن عدالته لا تتعارض مع رحمته.

كتب المرنم يقول: “الرَّحْمَةُ وَالْحَقُّ الْتَقَيَا. الْبِرُّ وَالسَّلاَمُ تَلاَثَمَا” (مز 85: 10). علماً بأن الكلمة العبرية אֱמֶ֥ת (إميت) التى تترجم حق أو عدل بالعربية تعنى حزم أو أمانة أو حق.

كتب المرنم أيضاً يقول: “أَحْكَامُ الرَّبِّ حَقٌّ عَادِلَةٌ كُلُّهَا” (مز 19: 9).

ويقول أيضاً: “لرَحْمَتك وعدلك أسبحك. أُترَنِّمُ لك” (مز 101: 1).

ومعلمنا بولس الرسول يقول: “فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضاً سَتُقْطَعُ.” (رو 11: 22).

 

وقداسة البابا شنودة الثالث دائماً يعلمنا أن الله رحيم فى عدله وعادل فى رحمته.

 

ثانياً: الله عادل

عدل الله يُسبح ويُكرم ويُوقر. وعدل الله لا يحسب أبداً أنه خاصية أدنى من غيرها أو “تنتمى إلى حصة الشر” كما يقول أسحق السريانى. لا يمكن أن ينكر أحد عدالة الله حتى غير المسيحيين!

فيما يلى بعض أمثلة لآيات كتابية تثبت أن الله عادل:

اَللهُ قَاضٍ عَادِلٌ وَإِلَهٌ يَسْخَطُ فِي كُلِّ يَوْمٍ” (مز 7: 11).

اَلرَّبُّ عَادِلٌ فِي وَسَطِهَا لاَ يَفْعَلُ ظُلْماً. غَدَاةً غَدَاةً يُبْرِزُ حُكْمَهُ (عدله) إِلَى النُّورِ. لاَ يَتَعَذَّرُ. أَمَّا الظَّالِمُ فَلاَ يَعْرِفُ الْخِزْيَ.” (صف 3: 5).

“اِبْتَهِجِي جِدّاً يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ.” (زك 9: 9).

“إِذْ هُوَ عَادِلٌ عِنْدَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يُضَايِقُونَكُمْ يُجَازِيهِمْ ضِيقاً” (2تى 1: 6).

وقال السيد المسيح “أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئاً. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 5: 30).

وسفر الرؤيا يقول أن المنتصرين “يُرَتِّلُونَ تَرْنِيمَةَ مُوسَى عَبْدِ اللهِ وَتَرْنِيمَةَ الْحَمَلِ قَائِلِينَ: عَظِيمَةٌ وَعَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الْإِلَهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. عَادِلَةٌ وَحَقٌّ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ” (رؤ 15: 3).

إذن فإن القديسون يسبحون الله على عدله وحقه، وليس فقط لكونه رحيماً لأنهم يدركون قيمة عدالته وكيف أن الإنسان فى احتياج إلى هذا العدل.

 

ثالثاً: لماذا عمل الخلاص ولماذا المسيحية؟

ما هى الحاجة للخلاص، والكفارة والفداء الذى تممه ابن الله الوحيد الذى من نفس جوهر الآب للبشر؟ لماذا تجسد وتألم وصلب؟

إن كانت أقوال إسحق السريانى المذكورة أعلاه حقيقية فإما أن ابن الله الوحيد لم يتجسد ولم يمت على الصليب وهذه هى النسطورية فى عمقها، وإما أنه لا حاجة للخلاص أو الفداء أو الكفارة التى هى من أساسيات الإيمان المسيحى.

كيف يتفق هذا مع قول يوحنا الحبيب التالى: “فِي هَذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا.” (1يو 4: 10).

لأن الله عادل لذلك كان يجب أن تعاقب الخطية، لكن لكونه رحيماً حمل هو العقوبة فخلص أنفسنا. وهكذا، ليس هناك تعارض بين صفاته. حقاً إن “رحمة الخالق لا تتوقف بسبب شر خلائقه”، إلا أن هذا لا يعنى أن الله يتجاهل خطايا خلائقه، أو يغفر بدون عقوبة، أو أنه يدخل غير التائبين وغير المستحقين إلى السماء.

رابعاً: الله قدوس ورحيم ولكنه كاره ورافض للخطية

نحن نعلم أن الله رحيم ولذلك نترجاه فى صلواتنا الليتورجية ونقول: “كرحمتك يا رب ولا كخطايانا”.

لكن، الله لأن قدوس يجب أن تكون هناك عقوبة على الخطية، وإلا كان البر والخطية يتساويان عنده. الله يثبت بره وقداسته بأن يعلن كراهيته ورفضه للخطية والشر.

لا أحد يستطيع أن ينكر عدل الله بل وغضبه ضد الخطية. بل لابد أن تُعلن قداسة الله الكاملة كرافض للخطية والشر. إن عدل الله فى محاسبته على الخطية معناه أن تظهر قداسة الله الكاملة بأن تنال الخطية قصاصاً عادلاً، وبذلك لا تتعارض الرحمة مع العدل لأنه هو نفسه الذى حمل هذا القصاص.

وقد شرح معلمنا بولس الرسول نتائج خطية الإنسان وكيف رفعها الله بقوله: “لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَإِذاً كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ هَكَذَا بِبِرٍّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً هَكَذَا أَيْضاً بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَاراً” (رو 5: 17-19).

إن الصليب هو إعلان لمحبة الله: “لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3: 16).

الصليب أيضاً هو إعلان قداسة الله الكاملة وعدالته المطلقة، لأنه مكتوب “بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” (عب 9: 22).

إن الغفران الإلهى هو غفران مدفوع الثمن، لأن الخطية والبر لا يتساويان عنده. لكى يعلن الله بره الكامل وقداسته المطلقة كان يجب أن يعلن غضبه ضد الخطية.

يقول معلمنا بولس الرسول “أَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ” (رو 1: 18).

وقال بولس الرسول أيضاً “مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ” (عب 10: 31)، “لأَنَّ إِلَهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ” (عب12: 29).

ويقول سفر الرؤيا عن الرب يسوع المسيح “هُوَ يَدُوسُ مَعْصَرَةَ خَمْرِ سَخَطِ وَغَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ” (رؤ 19: 15).

وأيضاً “وَمُلُوكُ الأَرْضِ وَالْعُظَمَاءُ وَالأَغْنِيَاءُ وَالأُمَرَاءُ وَالأَقْوِيَاءُ وَكُلُّ عَبْدٍ وَكُلُّ حُرٍّ، أَخْفَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَغَايِرِ وَفِي صُخُورِ الْجِبَالِ، وَهُمْ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ وَالصُّخُورِ: اُسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَنْ غَضَبِ الْحَمَلِ” (رؤ 6: 15-16).

 

وقد شرح القديس أثناسيوس الرسولى مفهوم الموت النيابى فى كتاب “تجسد الكلمة”، ففى الفصل الثامن يقول:

وهكذا إذ أخذ من أجسادنا جسداً مماثلاً لطبيعتنا، وإذ كان الجميع تحت قصاص فساد الموت، فقد بذل جسده للموت عوضاً عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله شفقة منه علينا، وذلك : أولاً لكى يَبطل الناموس الذى كان يقضى بهلاك البشر، إذ مات الكل فيه، لأن سلطانه قد أكمل فى جسد الرب ولا يعود ينشب أظفاره فى البشر الذين ناب عنهم. ثانياً: لكى يعيد البشر إلى عدم الفساد بعد أن عادوا إلى الفساد، ويحييهم من الموت بجسده وبنعمة القيامة، وينقذهم من الموت كإنقاذ القش من النار.

وأيضاً فى الفصل التاسع:  

وإذ رأى الكلمة أن فساد البشرية لا يمكن أن يبطل إلا بالموت كشرط لازم، وأنه مستحيل أن يتحمل الكلمة الموت لأنه غير مائت ولأنه ابن الآب،  لهذا أخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت حتى بإتحاده بالكلمة ، الذى هو فوق الكل، يكون جديراً أن يموت نيابة عن الكل، وحتى يبقى فى عدم فساد بسبب الكلمة الذى أتى ليحل فيه وحتى يتحرر الجميع من الفساد، فيما بعد، بنعمة القيامة من الأموات. وإذ قدم للموت ذلك الجسد، الذى أخذه لنفسه، كمحرقة وذبيحة خالية من كل شائبة فقد رفع حكم الموت فوراً عن جميع من ناب عنهم، إذ قدم عوضاً عنهم جسداً مماثلاً لأجسادهم.

وقد أوضح القديس أثناسيوس أن العدل الإلهى قد استوفى بآلام وموت الصليب فقال فى الفصل السابع:

لهذا كان أمام كلمة الله مرة أخرى أن يأتى بالفاسد إلى عدم فساد، وفى نفس الوقت أن يوفى مطلب الآب العادل المطالب به الجميع وحيث أنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، فكان هو وحده الذى يليق بطبيعته أن يجدد خلقة كل شئ وأن يتحمل الآلام عوضاً عن الجميع وأن يكون نائباً عن الجميع لدى الآب.

لقد ناب السيد المسيح عن الخطاة وصُلب بدلاً عنهم وأوفى الدين الذى علينا. هو المخلص الوحيد الذى ليس بأحد غيره الخلاص. وهو الوحيد الذى بلا خطية، والوحيد الذى يستطيع أن يحمل خطايا العالم كله ويكون فدية مقبولة أمام الآب السماوى لسبب بره الكامل وذبيحته الفائقة فى قيمتها فى نظر الله الآب لأنها ذبيحة الابن الوحيد “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3: 16).

علاوة على ذلك فإنه قد شفى الفساد الذى كانت البشرية تعانى منه نتيجة للخطية. وليس هناك من يقدر أن يصنع ذلك للإنسان سوى ابن الله الوحيد.

هذا هو الفهم السليم لرحمة الله. فعدله رحيم ورحمته عادلة.

 

خامساً: الله يعاقب الأشرار

الآيات التالية تثبت أن الله يعاقب الشرير وصانعى الشر:

قال القديس يوحنا المعمدان “الآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ” (مت 3: 10).

قال السيد المسيح “ادْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ” (مت 7: 13).

وقال أيضاً “كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟  فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ” (مت 7: 22-23).

وقال “ثُمَّ يَقُولُ أَيْضاً للَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ. لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي” (مت 25: 41-42).

وقال ربنا أيضاً “كَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الْعَالَمِ: يَخْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَيُفْرِزُونَ الأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ الأَبْرَارِ. وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ” (مت 13: 49-50).

وقال “أَقُولُ لَكُمْ. بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ” (لو 13: 3).

وفى مثل الغنى ولعازر “فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا ابْنِي اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ وَكَذَلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ” (لو16: 25).

ولأنه حتى المختارون من الممكن أن يسقطوا قال الرب “سِمْعَانُ سِمْعَانُ هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ. وَلَكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ” (لو22: 31-32).

وقال القديس بولس الرسول “وَكَمَا يَزْعُمُ قَوْمٌ أَنَّنَا نَقُولُ: لِنَفْعَلِ السَّيِّآتِ لِكَيْ تَأْتِيَ الْخَيْرَاتُ. الَّذِينَ دَيْنُونَتُهُمْ عَادِلَةٌ” (رو3: 8).

وقال معلمنا بولس الرسول أيضاً “فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضاً سَتُقْطَعُ” (رو 11: 22).

وقال أيضاً “لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: سَلاَمٌ وَأَمَانٌ حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ” (1تس 5: 3).

وقال القديس بطرس الرسول “وَلَكِنْ كَانَ أَيْضاً فِي الشَّعْبِ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ، كَمَا سَيَكُونُ فِيكُمْ أَيْضاً مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ، الَّذِينَ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ. وَإِذْ هُمْ يُنْكِرُونَ الرَّبَّ الَّذِي اشْتَرَاهُمْ، يَجْلِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ هَلاَكاً سَرِيعاً” (2بط 2: 1).

ويقول يوحنا الحبيب فى سفر الرؤيا “أَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي” (رؤ 21: 8).

[1] See: St. Isaac of Nineveh, On Ascetical Life, St. Vladimir’s Seminary Press, Crestwood, New York 1989, p.7.

[2] See: Isaac of Nineveh from Wikipedia

[3] See: St. Isaac of Nineveh, On Ascetical Life, St. Vladimir’s Seminary Press, Crestwood, New York 1989, p.11-12.

[4] See P. Bedjan, ed. Mr Isaacus Ninivita, De Perfection Religisa (Paris-Leipzig, 1909), p. 507.

[5] See: St. Isaac of Niniveh, On Ascetical Life, St. Vladimir’s Seminary Press, Crestwood, New Yord 1989, p.12.

[6] See: I/51 (244) = B50 (345). Translation from the Greek in The Ascetical Homilies of Saint Isaac the Syrian, translated by the Holy Transfiguration Monastery (Boston, 1984), p244.

ملاحظات حول مفهوم الرحمة والعدل فى كتابات اسحق السريانى – الأنبا بيشوى

Exit mobile version